التنبيه إلى أضرار ومخاطر الخادمات والسائقين

عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أوضح لنا معالم الدين، ومن علينا بالكتاب المبين، وشرع لنا من الأحكام، وفصل لنا من الحلال والحرام ما جعله على الدنيا حكمًا تقررت به مصالح الخلق، وثبتت به قواعد الحق، فله الحمد على ما قدر ودبر، وصلواته وسلامه على رسوله الذي صدع بأمره، وقام بحقه، محمد النبي، وعلى آله وصحابته، وبعد:

فإن من الظواهر الخطيرة والفتن الكبيرة التي ظهر خطرها وعظم ضررها ما ابتلي به بعض الناس في هذا الزمان من استقدام الأجانب لهذه البلاد من المسلمين وغيرهم لغرض الخدمة في البيوت، وقيادة السيارات ونحو ذلك، ومصدر الخطر في ذلك كونهم لا يتقيدون عند الاستقدام ولا في المعاملة بعده بالضوابط الشرعية التي تكفل لهم – بإذن الله – السلامة من كل ما يضرهم في دينهم وأخراهم، فمن أخطاء الناس في ذلك أن منهم من يفضل الكافر من أي ملة على المسلم، ومنهم من يختار الشاب الوسيم العزب من الجنسين على من سواه، وعندما يحضرونهم إلى هذا البلد ويدخلونهم منازلهم يتركونهم وشأنهم مع أهل البيت حيث تحصل الخلوة ويحدث الاختلاط، ويفوضون لهم الأمر في تربية الأطفال وغير ذلك من شئون البيت دون أمر أو نهي أو مراجعة أو محاسبة، ناسين أو متجاهلين ما لذلك كله من خطر على العقائد والأخلاق والأعراض والشرف والأمن.

ومعلوم أن النصح للمسلمين من أوجب الواجبات في الإسلام، فقد أمر الله -تعالى- بالنصيحة، وأوجب على العباد القبول للحق مما جاء به: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾([1]).

وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾([2]).

وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الدين النصيحة – ثلاثًا – قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»([3]).

وفي الصحيح أيضًا: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([4]).

وبين ربنا –جلا وعلا– في كتابه أن السكوت على المنكر يورث اللعن وشدة العذاب، قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾([5]).

ولذلك رأيت أن من الواجب في هذا الشأن أن أكتب هذه الصفحات اليسيرة؛ تحذيرًا من التمادي والتساهل في هذا الأمر الخطير، فأقول مستعينًا بالله –تعالى-:

إن الناظر المتأمل في واقع كثير من الناس اليوم –الذين ابتلوا بهؤلاء المستخدمين من السائقين والخادمات– يجد أن الدافع الحقيقي لاستقدامهم الرغبة في التنافس وحب التقليد والإحساس بالنقص عن الآخرين، حتى حصل –للأسف الشديد– أن بعض الأسر يخجلون من حضور بعض المناسبات؛ لعدم وجود الخادمة أو السائق لديهم، وأصبح وجود هؤلاء من الخادمات والسائقين عند كثير منهم ضرورة من ضروريات الحياة، وسمة بارزة تدل على التقدم والمدنية!!

 ومما يؤكد بطلان دعوى الحاجة إلى الخدم:

1- أن بيوت الناس ومنازلهم اليوم أحسن حالاً من الزمن السابق بكثير.

2- أن ادعاء الحاجة إلى الخدم ونحوهم لم تقتصر على المدن الكبيرة أو أسر معينة لها ظروفها الخاصة، بل تعدى ذلك إلى القرى والهجر، والأسر الفقيرة محدودة العدد والدخل.

3- توفر الآلة الحديثة الموفرة للجهد والوقت فيما يتعلق بالأعمال التي يقوم بها عادةً أهل البيت من الطهي والتغسيل والخياطة.

4- اعتماد أهل البيت على الخدم فيما بقي من مسئولياته لم يظهر لهذا التفرغ أي أثر يذكر لا في عبادة، ولا في دراسة، ولا في إنتاج مهني محلي، أو أي مشاركة بناءة في خدمة المجتمع من هؤلاء الذين ابتلوا بالخدم إلا نادرًا([6]).

وهكذا سبب استخدام هؤلاء مشاكل عديدة، وفتح أبواب شر كثيرة لا حصر لها، حيث تعود كثير من الناس على حياة الترف، فأدى به ذلك إلى الكسل والخمول والدعة، وحرم الجيل الجديد من ذكور وإناث من التعلم بمدرسة البيت، والتدرب في ميادينه المختلفة على سائر الوظائف العائلية التي سيلتزمون أو يلزمون بها مستقبلاً عند الاستقلال، ففقد الكثير منهم الجد والحزم حتى في أموره الخاصة ولم يتقنوا واجباتهم الحتمية وربما كان ذلك كله من أسباب العزوف عن الزواج أو فشله بعد حصوله. كما أدى ذلك إلى تضييع الأوقات الكثيرة والثمينة في قراءة القصص الهابطة أو مشاهدة الأفلام التي تقتل الغرائز الخيرة، وتهدم الغيرة، وتزيل القيم والأخلاق العالية.

 ثم إننا نرى من مساوئ استخدام هؤلاء الأمور التالية:

1- إن استخدامهم وسيلة للاحتكاك والاختلاط بهم، وهذا يورث مودتهم وإلفهم والأنس بهم، وذلك يناقض ملة إبراهيم ومحمد –عليهما الصلاة والسلام-، فملة إبراهيم البراءة من الكفار، وبغضهم، وإعلان العداوة عليهم حتى يؤمنوا بالله وحده: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾([7])، وملة محمد - صلى الله عليه وسلم - كذلك: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾([8])، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾([9]).

2- إن في استخدام الكافر طمأنينة إليه، وثقة به، وكيف يكون ذلك والله -تعالى- يقول: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾([10]). ويقول – سبحانه -: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾([11]).

فالثقة بالكافر والطمأنينة إليه التي وصلت ببعض الناس إلى حد توليته لشئون النساء، وتربية الأطفال، وحفظ الأموال، والثناء عليه في كل مناسبة، إن كل ذلك محادة لله -تعالى- ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، قد يقع الإنسان في شؤمها في لحظة أو أخرى في دينه أو نفسه أو محارمه أو ماله، ولذلك لما علم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن لدى أحد عماله كاتبًا نصرانيًّا انتهره وتلا عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾([12]).

3- إن في استخدام الكافر دعمًا ماديًّا ومعنويًّا للكفرة، وتقويةً لشوكتهم، خصوصًا في البلاد التي تعيش فيها الأقليات المسلمة، عيشةً قاسيةً، ويلاقون على أيدي الكفار المجرمين ألوانًا من الاضطهاد والتشريد والقتل والتنكيل والإبادة الجماعية لا لشيء إلا لأنهم مسلمون قالوا: ربنا الله. وغالب هؤلاء الخادمات والسائقين هم من بلاد يضطهد فيها المسلمون يقينًا ومنذ سنين طويلة كالهند والفلبين وأريتريا وغيرها، أو هم على دينهم، ولو لم يكونوا من بلادهم، فإن أئمة الكفر – يجتمعون على حرب الإسلام والمسلمين في كل مكان، وما الإبادة الجماعية للمسلمين في يوغسلافيا عنا ببعيد!!

 فمتى نصْحُو يا مسلمون؟

4- فتنة الإغراء والإغواء التي قد تحصل من الخادمات للرجال في البيوت، وخصوصًا الشباب منهم، بوسائل التزين والخلوة.

وتتوالى القصص في أسباب انحراف بعض الشباب، والسبب: دخلت عليه أو انتهز خلو البيت فجاء إليها، وبعضهم يصارح أهله ولا من مجيب، أو يكتشف بعض الأهل شيئًا فيأتي جواب عديم الغيرة: يوسف أعرض عن هذا، واستغفري لذنبك، إنك من الخاطئين، وتترك النار بجانب الوقود، والوضع هو لم يتغير. ولقد وصل الأمر أيضًا ببعض الخادمات إلى نقل الشذوذ لبعض الفتيات في البيوت.

5- تخلي ربة الأسرة الأصلية عن واجباتها، ونسيانها لمهامها، وتعويدها الكسل، فإذا سافرت الخادمة كان العذاب الأليم.

6- نقل معتقدات كفرية إلى الأطفال من الخادمات الكافرات كالنصرانيات والبوذيات، وقد وجد أطفال في البيوت يؤشرون بعلامة التثليث على الرأس وجانبي الصدر، كما يرون النصرانية تصلي، وتقول للطفل: هذه الحلوى من المسيح، ويرى الطفل الخادمة تصلي إلى تمثال بوذا، وأخرى تحتفل بأعياد قومها، وتنقل الفرح بذلك إلى أطفال المسلمين، فيعتادون المشاركة في أعياد الكفرة.

7- حرمان الطفل من حنان أمه اللازم في تربيته، واستقرار نفسيته، ولا يمكن للخادمة تعويض من ليس بولدها هذا الحنان.

8- تشويه لغة الطفل العربية بما يشوبها من الكلمات الأجنبية، فينشأ بمركب نقصٍ يضره أثناء العملية التعليمية.

9- الإرهاق المالي الذي يحصل لبعض أرباب الأسر، برواتب ونفقات السائق والخادمة.

ثم النزاعات العائلية التي تحصل في شأن من يدفع تلك النفقات.

وخصوصًا بين الزوج وزوجه الموظفة، ولو جلست المرأة لتعمل في بيتها بدلاً من العمل خارج البيت لكفيت شرًّا كثيرًا.

10- إن التعود على الخادمات قد أفرز أنواعًا من الاتكالية والسلبية في الشخصيات، فهذه فتاة لا تستطيع جلب كأس من الماء تشربه، لاعتيادها واتكالها على الخادمة.

وأخرى تشترط خادمة في العقد، وثالثة تنوي أخذ خادمة أهلها معها بعد الزواج!

وبالتالي فقدت بنات المسلمين القدرة على الاستقلال بشئون المنزل مهما كان صغيرًا([13]).

11- تقييد حرية الرجال (الذين يخافون ربهم) داخل البيت، وكذا الدعاة الذين يحاولون إصلاح ما فسد من أوضاع أهليهم.

12- ما يحصل من خلوة المرأة بالسائق الأجنبي في البيت أو السيارة، وعدم تحفظ النساء من الخروج بالزينة والطيب أمامه، حتى كأنه أحد المحارم أو أقرب!! وإن كثرة المحادثات والروحات والجيئات تسقط الحواجز النفسية فيقع المحظور، والوقائع الكثيرة في المجتمع تدل أولي الألباب على خطورة الأمر، وسيأتي – بإذن الله – مزيد بيان للخلوة المحرمة.

13- ما يحصل من تفسخ الأسرة بسبب علاقة صاحب البيت بالخادمة، فانظر إلى الواقع، وفكر. كم نسبة حوادث الطلاق التي حصلت بسبب الخادمة؟؟

وكم خادمة حملت سفاحًا؟

ثم اسأل أقسام الولادة بالمستشفيات، وسجلات مراكز الشرطة عن المشكلات الناتجة عن أولاد الحرام بسبب الفتنة بالخادمة، ثم حاول أن تدرك نطاق الأمراض السارية التي انتقلت إلى مجتمعنا من جراء ذلك، لتعلم حجم الدوامة التي نحن فيها بسبب جلب الخادمات إلى البيوت.

ثم فكر في التصور الذي يأخذه هؤلاء الخادمات والسائقون عن الدين الإسلامي، وهم يرون ويعاينون تصرفات المنتسبين إليه، واسأل نفسك: أي عائق وضعناه أمامهم، وأي صد عن سبيل الله قد فعلناه بهم، وهل يمكن أن يدخل هؤلاء في دين، هذا حال من يزعمون أنهم حملته؟!!([14])

* * *

وإن من المؤسف جدًّا أن بعض الناس لجهلهم، ولاتباعهم، الشهوات يظن أن الخادمة تعامل معاملة الأمة وملك اليمين!!

وبعضهم يذهب إلى بلدان معينة، ويشتري فتاةً من أهلها يبيعونها تحت ضغط الحاجة، ويأخذها هذا بزعمه أنها صارت ملك يمينه ولا يعرف هذا الرجل عن أحكام الرقيق ومصادر الرق في الشرع شيئًا([15])!!.

14- إن مخالطة الكفار من هؤلاء ودوام معاشرتهم والارتياح لخدمتهم والرضا بما هم عليه من منكر الكفر وما دونه يعني إقرار المنكر وعدم تغييره وإظهار شيء من الموافقة لهم على ما هم عليه من الباطل، فكيف يرضى مسلم صحيح العقيدة بمعاشرة من يعلن الشرك والكفر في بيته وقد قال –عليه الصلاة والسلام-: «من جامع المشرك –أي اجتمع معه– وسكن معه فإنه مثله»([16]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أنا برئ من مسلم يقيم بني ظهراني المشركين»([17])، وهذا كما يصدق على من أقام في بلاد الكفار، ولم يظهر دينه، ولم يهاجر إلى بلد الإسلام، فإنه يصدق على من جعل المشرك والمشركين من النصارى والوثنيين يقيمون معه في بيته يأكلون معه ويشربون، ويتصبح بهم ويتمسى، وهم على ما هم عليه من ضلال وباطل. وفي الأثر: من جالس صاحب بدعة فقد مشى في هدم الإسلام([18]).

* * *

ومن هنا فإن الذين يشكون من ظروف صعبة في بيوتهم من جهة الخدمة يمكنهم عمل الأمور التالية:

1- شراء الطعام الجاهز من السوق، واستعمال الأواني الورقية، وكذا استخدام المغاسل بالأجرة، وتنظيف البيت بعمال يشرف عليهم الرجل، والاستعانة بالأقارب لرعاية الأولاد يكون حالاً سريعًا في أوقات الحاجة، كأن تكون الزوجة مثلاً نفساء في فراشها.

2- إن لم يفِ ذلك بالغرض فيمكن الاستعانة بخادمة مؤقتة بالشروط الشرعية، يتم الاستغناء عنها حال انتهاء الحاجة إليها مع ما في هذا الحل من المخاطر، إذ الأفضل أن تكون خادمة بالساعة، فتقوم بمهمتها ثم تغادر البيت([19]).

* * *


تنبيـه!

إن بعض المسلمين يهين الخادمة إهانة عظيمة، فتجده يمرح مع أصدقائه ثم يكسر حجاب حيائها وحشمتها بإدخالها على هؤلاء ذاهبة آيبة، أو يأمرها بالذهاب إلى السوق أو الدكان لتحضر له شيئًا مما يريد، وهذا ينافي تعاليم الإسلام وآدابه، وإن من فعل ذلك فهو على خطر عظيم.

ألا يخشى الذي يفعل ذلك من الله -تعالى- الذي أعزه في بلاد عز، وأكرمه في أرض كرامة، وآتاه من المال والجاه والمتاع، وجعل أولئك يبتلون في أموالهم وأنفسهم، فاضطروا أن يهاجروا نساءً ورجالاً ليخدموا، ألا يخشى هذا الذي يفعل ذلك أن يديل الله -تعالى- الدولة، ويغير الأيام: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾([20])، ألا يخشى هذا اللهَ الذي جعله غنيًّا وجعلها فقيرة أن يجعلها غنية ويجعله فقيرًا، فليتقِ الله الذي يفعل ذلك، وإن كان في غير حاجة ماسة لها فليحرص ما استطاع سبيلاً أن يستغني عنها، وأن يبقى سعيدًا في بيته مع زوجه وأولاده، وإن كان لا بد منها -وقليل ذلك- فعليه أن يتقي الله فيها، فلا يخرجها حاسرة الرأس، ولا يتحدث معها، ولا يجعلها تدخل عليه، وليجعل وسيلة الاتصال زوجه، وإن رآها متهاونة في لباس فليزجرها، ويأمرها بلباس حشمة ووقار، فذلك أتقى له ولها، وأقوم لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وعليه أن يأمر زوجه بالإحسان إليها، وألا تحملها ما لا تطيق.

 أثر الخلوة المحرمة

أيها الإخوة المسلمون:

لقد ولج علينا من باب السائقين كثير من الفتن والمعاصي، وكثير من الناس لا ينتبهون، وإذا انتبهوا لا يتعظون، وربما لدغ أحدهم مرارًا من جحر واحد ولا يتألم، ويسمع أن قارعة حصلت قريبًا من داره ولا يتعلم، وهذا من ضعف الإيمان وبلادة حس مراقبة الله -جل وعلا- في قلوب كثير من أهل هذا الزمان. فيا أولياء أمور النساء اتقوا الله -تعالى- في بناتكم ونسائكم.. ليمنع كل منكم موليته من الركوب وحدها مع السائق الأجنبي أيًّا كان، ولتحذر النساء كلهن من الخلوة بالأجنبي، فإن في ذلك هلاكًا في الدنيا، وخسرانًا في الآخرة، ولتتأمل الأخت المسلمة هذا الحديث، فإن فيه عبرًا:

قال الإمام البخاري -رحمه الله-:

حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: حفظناه من في الزهري، قال: أخبرني عبيد الله أنه: «سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقام رجل، فقال: أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه، فقال: اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي. قال: قل. قال: إن ابني هذا كان عسيفًا([21]) على هذا، فزني بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبرني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائةُ شاةٍ والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. فغدا عليها فاعترفت، فرجمها»([22]).

ويتبين لنا من هذا الحديث عظم شأن الخلوة بين الأجنبي والأجنبية، وأن ذلك قد يفضي إلى الفاحشة، ولو كانا غير مشهورين بالعهر، أو أحدهما، فإن هذا العسيف لم يكن مشهورًا بالعهر، ولم يهجم على المرأة، ولا استكرهها، وإنما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال، فيستفاد منه: الحث على إبعاد الأجنبي من الأجنبية مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد([23]).

* * *

 قصة ذات عبر

ثم لننظر -أيها الإخوة- إلى الواقع الأليم الذي تعيشه كثير من نساء المسلمين وبناتهم، عندما تركب الواحدة منهن مع سائق المنزل أو ما يسمى بسائق الليموزين، منفردة معه وكأنه أحد محارمها، بدون حياء ولا خجل!! فإلى كل واحدة من هؤلاء المتجاهلات القصة التالية:

كتب أحد الصحفيين يقول:

من بين الرسائل اليومية للقراء، توقفت طويلاً عند رسالة قصيرة من سيدة، تركت في نهايتها اسمها ورقم تليفونها، وطلبت مني عدم ذكر اسمها وقرأت الرسالة مرة، وأصابني الفزع.

هي سيدة في الخامسة والعشرين من عمرها، والدها فقيه من فقهاء الدين الإسلامي، علمها الصلاة والتقوى وعمل الخير، علمها السماح والغفران والتكافل، وعاشت على ما تعلمته من والدها.. وتزوجت شابًا مؤمنًا تقيًّا، يعمل مدرسًا في الجامعة.. ويبدو أن السعادة لا تكتمل أبدًا، فلقد حرما من الإنجاب، «العيب» في زوجها، وخجلت أن تطلب منه الذهاب إلى الطبيب؛ لأنه بالتأكيد سيقول له: إن سبب عدم الإنجاب هو الزوج، ويكفي أنها تعلم ذلك وترتب حياتها على هذا القدر.

وكم مرة حاولت أمها أن تحمس الزوج للذهاب إلى الطبيب، إلا أن الزوجة كانت ترجو أمها ألا تفعل، ثم تبدأ تروي تفاصيل السعادة التي تعيشها مع زوجها الذي لا ينجب:

في أحد الأيام، دخلت الزوجة على أمها، فوجدتها غاية في الحزن!

- لماذا؟

لقد تحدثت مع زوجك.

- أرجو ألا تكون مسألة الأطفال.

- هي .. هذه المسألة.

- لماذا؟

وكادت أن تبكي الزوجة، لأن الأم أحرجت الزوج الطيب، ثم سألت أمها:

- هل أغضبك رده عليك؟

- لا .. بل أحزنني.

- كيف؟

- الرجل بريء.

وبدأت الأم تروي ما حدث بينها وبين وزج ابنتها، لقد طلبت منه أن يذهب إلى الطبيب، فأخبرها بأنه ذهب لأكثر من طبيب، واتفق الجميع على أنه سليم، بل اقترح عليه أحدهم أن يغير فراشه إذا كان يرى في الإنجاب رغبة شديدة، وعندما أخبرهم بأن زوجته تقول: إنها سليمة شكوا في هذا، إلا أن أحد الأطباء أكد أن هذا ممكن أن يحدث علميًّا، أن يتأخر الحمل، وأن هذا يتوقف على الزمن، وسألته الأم عن معنى تغيير الفراش، فأخبرها بأن يتزوج امرأة أخرى، إلا أنه لم ولن يفرط في ابنتها، وقرر ألا يخبرها بما حدث حتى لا يضعها في موقف قد يسبب له ولو قليلاً من الخوف والإحراج.

وعاشت الأسرة الصغيرة -الزوج والزوجة- في سعادة، وكلما يشعر أحدهم بالحنين إلى الأطفال.. يتضرعون إلى الله أن يكمل لهما السعادة .. ويرزقهما بطفل يزيد من سعادة الزوجين .. وتوقفت الأم عن حديث الأطفال والأطباء.

وفي أحد الأيام، مرضت الأم المقيمة في ضاحية حلوان، وذهبت ابنتها لتقضي النهار بجوارها، وتعود إلى منزلها في حدائق القبة قبل الغروب، وأثناء وجودها مع أمها، اتصل زوجها تليفونيًّا بها وقال: إن عنده ندوة عن الجامعة الأهلية في نادي هيئة تدريس جامعة القاهرة وبعد انتهاء الندوة سيمر عليها لزيارة أمها، ويصحبها إلى البيت.

وانتظرت الزوجة حتى التاسعة مساء، ولم يحضر الزوج، وبعد دقائق اتصل مرة أخرى وطلب منها أن تقضي الليلة مع والدتها أو تعود إلى البيت في وسائل النقل العامة.

وقررت أن تعود إلى البيت، مستخدمة مترو حلوان حتى ميدان رمسيس، ثم تركب الأوتوبيس حتى منزلها.

وما إن خرجت من بيت أمها، حتى التقت بتاكسي، فدفعتها سرعة الوصول إلى البيت أن تركبه.

- على فين يا هانم؟

 منتهى الأدب من السائق.

- إلى حدائق القبة.

- أمرك يا هانم.

أيضًا .. منتهى الأدب.. وشعرت براحة لأنها وجدت سائقًا مهذبًا سيوصلها إلى بيتها بأمان.

وسار السائق صامتًا تمامًا.

ثم اتجه إلى طريق عريض مظلم.

- ما هذا؟

- هذا هو الطريق الدائري، خلال دقائق سنسقط منه على حدائق القبة.

لا تدري الزوجة .. لماذا وافقت على ذلك؟ .. لا تدري لماذا لم تفتح الباب وتقفز منه؟ .. هل هو أدب السائق؟ .. هل هو استسلام للأمر الواقع؟ .. هل هو حسن النية؟ .. هي لا تدري حتى الآن لماذا وافقت.

سارت صامتة مستسلمة .. وعندما وجدت الطريق مظلمًا خاويًا من حركة المرور ارتجفت رعبًا.. وعندما بدأ السائق يخفض من سرعته وكأنه يتنزه، تملكها منه الرعب، وعندما بدأت تحاوره.. تأكدت أن الليلة سوداء .. وأنها مقبلة على كارثة لا محالة.

- لماذا خفضت السرعة؟

- الجو جميل يا هانم، دعينا نستمتع بهذا الجو.

- أرجوك، زوجي في انتظاري .. أسرع.

- لن تفرق كثيرًا.. السرعة من الشيطان.. والهدوء من الإيمان.

وأطلق ضحكة عالية في هذا الخلاء .. ونظر إليها وهو يقود السيارة ويبتسم ابتسامة مكر وخديعة.

- انظر أمامك، أرجوك.. خوفًا من أن تحدث كارثة..

- لا تخافي من الحوادث .. فالطريق ملكنا .. لا أحد فيه.

وسكتت السيدة عن الكلام، وإذا بالسائق يخرج من جيبه شيئًا ما.. ويضعه على يده التي يقود بها السيارة.. ثم يمسك عجلة القيادة باليد الأخرى ويشم المسحوق.. وكرر ذلك عدة مرات..

- هل تعرفين هذا؟

- ولم ترد عليه الزوجة.. إلا أنه أجاب على سؤاله..

- بودرة .. هيرويين.. ليتك تشاركينني هذا المزاج الملوكي.

وبدأ بالثرثرة حول البودرة.

- أنا أشتري يوميًّا بمائة جنيه بودرة.. تصوري أنني أشتريها من شارع ملاصق لمديرية أمن القاهرة.. حاولي تجربي.. سوف تحلقي معي في السماء.. لو أخذت ولو شمة واحدة.

ولم ترد عليه على الإطلاق..

وتوقف بالسيارة..

- لماذا توقفت؟

- من أجل المزاج.

وصرخت فيه أن يسير، وقابل صراخها بسخرية، فقالت له: بحسم، وهي تنتفض رعبًا:

- اسمع .. أنا زوجة ضابط شرطة.. سأخبر زوجي بما فعلت.

فازدادت سخريته..

- اسمعي أنت .. عندما يمتلئ رأسي بالبودرة لا أخاف من ضابط شرطة ولا من وزير الداخلية نفسه..

- أرجوك .. زوجي في انتظاري..

وقال السائق بشراسة:

- أنا أكره ضباط الشرطة.. وطالما أنك هددتني بزوجك.. فلن أوصلك.. انزلي هنا..

- أنزل هنا.. كيف .. هل جننت؟

- سأعلمك النزول من سيارتي..

ونزل السائق .. وفتح الباب الخلفي .. وأمرها بالنزول إلا أنها قاومت .. فجذبها بقوة.. فسقطت على الأرض .. فهجم عليها كالوحش الكاسر.. قاومته بشدة.. استرحمته .. توسلت إليه.. وكان يضحك كالشيطان .. ومزق ملابسها.. وعندما تعرى جسدها.. راحت في غيبوبة .. لم تعد تدري ماذا حدث؟..

إلا أنها استيقظت من الغيبوبة .. في هذا الخلاء والظلام .. ووجدت أن هذا الذئب البشري قد اغتصبها .. عرفت ذلك من ملابسها الممزقة .. من آثار هذا الذئب على جسدها .. وبكت.. وحدها .. ولطمت الخدود.. وأخذت من الرمال وألقت على رأسها.. وصرخت .. وتمنت الموت.. ولم تعد تدري ماذا تفعل؟ ولا تدري ما إذا كانت في بداية الليل أم في نهاية؟ وخافت المكان والظلام والخلاء.. بل خافت أن تقف في الطريق لتشير إلى أي سيارة قد تمر على هذا الطريق.. فتسقط في كمين ذئب آخر.

ولكن..

زحفت «إراديًّا» .. ووقفت في الطريق.. كاد قلبها أن يتوقف.

وبعد فترة .. هي الدهر كله.. جاءت سيارة .. ووقفت لها.. كان بداخلها رجل عجوز.. وابنه .. ركبت السيارة.. وسألها الرجل العجوز:

- ماذا جاء بك هنا؟

وبدأت تروي له ما حدث دون الإشارة إلى حادثة الاغتصاب .. ولكنها قالت: إنها سرقة بالإكراه.

كم خجلت من نفسها، وكم حاولت أن تستر جسدها العاري، حتى إن الشاب الذي كان يجلس بجوار والده خلع لها قميصه وأعطاها إياه، وطلبت من الرجل العجوز أن يذهب بها إلى بيت والدتها في حلوان.

* * *

الرجل العجوز.. استاء بشدة وغضب لما حدث للزوجة.. وقال:

- تأكدي يا ابنتي أن هذا السائق قد سرقك بالإكراه ليشتري المخدرات.. إنها مأساة العصر.. هل تعلمين يا ابنتي أن حل هذه المشكلة بسيط جدًّا.. الإعدام..

كانت الزوجة تبكي .. هستيريًّا من البكاء.. نهر من الدموع!

- يا ابنتي قضاء أخف من قضاء .. إن هذا الخلاء .. ومع سائق واقع تحت تأثير المخدرات .. كان في إمكانه الاعتداء على شرفك.

وازدادت في البكاء..

عرض عليها الرجل أن تذهب مباشرة إلى قسم الشرطة رفضت..

صرخت الأم عندما شاهدت ابنتها في هذه الحالة المأساوية، وارتمت الابنة في أحضان أمها تبكي من جديد..

- ماذا حدث؟

- أنا مت يا أماه.. انتهيت .. وانتهت حياتي.

- ماذا حدث؟

 أنا السبب. أنا السبب.

- ماذا حدث؟

وبدأت الزوجة تروي لأمها ما حدث.

ودق جرس الهاتف.. وكان المتحدث هو الزوج.. لقد اتصل أكثر من مرة.. قالت الأم لزوج ابنتها:

- زوجتك عادت ونامت.

وحاول أن يستفسر عما حدث لها.. ولكن الأم قالت له: لا شيء جوهري قد حدث .. يبدو أنها أصيبت بإغماء.. ونحن في انتظارك صباحًا.

وعادت تستمع إلى ابنتها.

* * *

دق جرس الباب.. ودخل الزوج الذي لم ينتظر حتى الصباح.. ووجد زوجته في حالة مأساوية .. وكانت قد ارتدت ملابس أخرى بدلاً من تلك التي تمزقت.

- ماذا حدث؟

كانت في طريقها إليك.. ولكنها تعرضت لسرقة بالإكراه من سائق التاكسي الذي ركبته.

- قلت لها أن تأتي في المواصلات العامة.

- هذا ما حدث، ونحمد الله على ذلك.

إلا أن الزوجة .. صاحت في أمها.. لا بد أن يعرف الحقيقة مهما كانت مرة..

- ما هي الحقيقة؟

- لقد اعتدى علي سائق مدمن للهيرويين..

ولم يتمالك الزوج نفسه .. لقد انهارت قواه .. فألقى بجسده على كرسي في صالة البيت.

* * *

استمع الزوج إلى القصة كاملة .. وأخذ زوجته إلى قسم الشرطة.. وأبلغ عن ذلك السائق الذي أدمن الهيرويين واعتدى على زوجته.. وحرر محضرًا بالواقعة.. وبدأ البحث عن السائق الذي اغتال شرف هذه السيدة..

ثم ماذا؟ هل انتهت الحكاية المؤلمة؟!

تقول: لا .. إن حكايتي لم تنته بعد..

لقد انقضى على تلك الحادثة – حتى الآن – أربعة أشهر من الألم والعذاب، أحببت خلالها زوجي أكثر وأكثر، فهو الذي يخفف عني الآلام التي أعيش فيها.. يحاول قدر طاقته أن يضفي على حياتنا سعادة، ولكنها سعادة مزيفة.

كم بودي أن أسعد زوجي.. ولكن فاقد السعادة لا يقدر على تقديمها، حتى لأحب الناس إليه.

مأساتي تزداد سوءًا مع الأيام..

لقد عدت بالأمس من عند الطبيب ليخبرني بأنني حامل في الشهر الرابع .. ولا أدري ابن من الذي يسكن في أحشائي؟ .. هل هو ابن الجريمة والخطيئة.. هل هو ابن السائق القاتل المدمن الذي اغتال كل جميل في حياتي؟ .. أم هو ابن زوجي؟

كما ذكرت في البداية .. فمن الممكن أن أنجب من زوجي.. فلا توجد عيوب في زوجي.

أنا في حيرة.. لا أعرف إجابة لهذا السؤال الذي زاد من آلامي ومأساتي.

وأخيرًا.. هذه قصتي .. رويتها بكل تفاصيلها.. فربما أجد من بين القراء من يوقف حيرتي.. ويخفف آلامي .. على السؤال المحير: ابن من ذلك الذي في أحشائي؟([24]).

انتهت الرواية المؤلمة([25]).

وإننا لنعجب من أمر بعض الرجال الذين نبذوا الشرع -آدابه وأحكامه-، وحرموا ثمرة العقل من البصيرة والاحتياط، كيف أفسدت عليهم عاداتهم السوءى وجدان الغيرة، فسمحوا لهؤلاء السائقين من الكفار، الذين هم أضل سبيلاً من الأنعام بخبث طينتهم وسوء تربيتهم أن يمازجوا نساءهم في الخلوات والجلوات، والدين لم يسمح بهذا لأطفالهم في جميع الحالات، إذ أمر سبحانه بأن يستأذنوا في بعض الأوقات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾([26]) فإذا كان الله -جل وعلا- لا يسمح لأولادكم أن يروا النساء في الأوقات التي هي مظنة التساهل في الستر لئلا ينقش في ذهن الولد من رؤية العورات ما يشتغل به خياله، وتسوء في الآداب حاله، فكيف تسمحون لهؤلاء الأشرار من الكفار بما لا يسمح به الشرع للأطفال الصغار؟!!

ثم إن هؤلاء السائقين الذين مكنوا من الخلوة بالمرأة بشرٌ قد فسدت فطرهم، وماتت ضمائرهم، وعدمت نوازع الخير فيهم -إلا من شاء الله- لأنهم جاءوا من بلاد تحكم بالقوانين الوضعية المفسدة للعقائد، والأخلاق، والفضائل والقيم، ولذلك ظهرت الفواحش في مجتمعاتهم، وانتشرت الرذيلة فيما بينهم حتى أصبحت شيئًا مألوفًا بينهم، وجزءًا من حياة الكثيرين منهم، ألفوها ونشئوا عليها، حتى شب عليها الكبير. وإن شخصًا ينشأ في ذلك المجتمع ويترعرع فيه لا يؤمن على أعراض المسلمات، وما الذي يمنعه من الانقضاض على فريسته وممارسة ما اعتاده إذا خلا له الجو وسنحت له الفرصة، وماذا يغني الطرد أو الجزاء الرادع أو الندم إذا هتك العرض، وشاعت الفاحشة، وظهر الخزي والعار!! وإن حصول هذا الأمر الخطير ليس ببعيد لمن لم يعتبر بمواعظ القرآن، وضرب بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض الحائط، فعصاه جهارًا نهارًا، بحجة أن السائق أمين، أو لا يمكن الاستغناء عنه، أو غير ذلك من الأعذار والحجج التي هي أوهى من نسج العنكبوت.

* * *


 ماذا عن الخادمات الكافرات؟!

لقد توالت القصص والأخبار التي تنذر بخطر أولئك الكافرات من الخادمات، وتقدم للمعتبرين مواعظ وعبرًا، وإلى المسلمين الأخبار التالية:

1- كتبت مدرسة غيورة في إحدى الصحف اليومية ما خلاصته: أن إحدى الطالبات في السنة الأولى سألتها قائلة: كم فيه من الله؟ فأجابتها المدرسة: ليس لنا إلا إله واحد، هو الله -تعالى- فردت الطالبة تقول: لكن خادمتنا تقول: إن فيه ثلاثة آلهة: الله، ومريم، وروح القدس!!!

2- ويحكى أن أحد الناس استقدم خادمة كافرة، وكانت تلقى معاملةً قاسية من صاحبة المنزل فيما يبدو ذلك، فلما بقيت مدة يسيرة على ذهابها إلى بلادها وتسفيرها وخروجها، وفي حين غفلة من الأم، وغياب من الأب، أمسكت تلك الخادمة الخبيثة بالطفلة الصغيرة، فذهبت بها إلى دورة المياه، ووضعتها في مكان يسمى البانيو، فلما وضعتها أخذت شيئًا حادًّا أشبه ما يكون بالساطور، فضربت به بين مفصل رقبتها وكتفها ضرباتٍ متعددةً، حتى أزهقت روحها، وجعلت دماءها تطيش في هذا الحوض داخل دورة المياه، ثم اتجهت إلى أخيها الصغير، وأرادت أن تنتقم منه، وطعنته طعنات متعددة، فسمعت الأم بصراخ طفلها، فجاءت لتنظر ما الخبر، وإذا بها ترى الطفلة قد سالت دماؤها، والطفل قد طعن طعنات في زند يده، فأخذت تدافعها، وهمت الخادمة بقتل الأم أيضًا، ثم تعاركت معها عراكاً شديداً، فأعان الله -تعالى- الأم عليها، ودفعت بها في مكان، وأقفلت عليها، واتصلت بزوجها، ودعت الشرطة للتحقيق في ذلك، فلما حقق معها قالت: كنت أريد أن أنتقم من أفراد المنزل كلهم جميعًا([27]).

3- ونقل أحد الفضلاء عن أحد أصدقائه أن أحد الأشخاص استقدم خادمة لزوجته -ويبدو أن الخادمة كافرة- فظن أنه قدم لزوجه هدية سوف تشكره عليها ما امتدت بها الحياة، ولم يعلم أن هذه قنبلة سوف تنفجر في أي لحظة من اللحظات. لقد تحول هذا المنزل إلى أحزان وآلام.

رزق الله -تعالى- الزوجين بمولودٍ، وحمدا الله -تعالى- على ذلك، ولكن بعد أيام مرض الطفل مرضًا شديدًا، فذهب به إلى الطبيب، وبعد الكشف عليه تبين أنه لا يوجد أي شيء على جسم الطفل ظاهرًا، وتم وصف علاج له حسب العادة المتبعة. وبعد أيام توفي الطفل، وحزنا عليه أشد الحزن، وقالوا: إنه قضاء الله -تعالى- وقدره، وبعد فترة من الزمن أكرمهما الله -تعالى- بمولود آخر، وفرحا به أشد من الأول، وحافظا عليه أكثر من محافظتهما على أنفسهما، فأصابه من المرض ما أصاب أخاه، وكانت النتيجة هي الوفاة.

فكانت التساؤلات تدور بخلد الأب والأم، وشاء الله -عز وجل- أن يتجاورا مع إحدى الأسر، وكانت هذه الأسرة لديها خادمة، فتمت الزيارات بين الأسرتين، وتقابلت الخادمتان، فرأت الخادمة الأولى أن الخادمة الثانية يكون الأطفال في حجرها وفوق ظهرها يلعبون .. فسألت الخادمة الأولى الخادمة الثانية قائلة: كيف تسمحين لنفسك بمثل هذه الضوضاء والتعب وعدم الراحة؟ فقالت لها الخادمة: أنا مرتاحة لذلك. وهنا اتضح أن الخادمة الأولى لا تستسيغ صراح الأطفال الصغار، ولقد تخلصت من الطفلين السابقين بطريقة بشعة مخيفة لا يقبلها دين ولا عرف، حيث كانت تمسك دبوسًا أو إبرة، فتضعها في وسط رأس الطفل، لأن هناك منطقة ضعيفة شفافة تعرفها الأمهات، فتدخل هذه الآلة إلى آخرها حتى تستقر في المخ، ثم تنزعها فتكون النهاية المؤلمة([28]).

وهكذا تتكرر الأفعال البشعة لتلك الخادمات الكافرات بين الحين والحين، فهل من متعظ؟!

اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد

* * *


 مشهد بعنوان «في بيتنا خادمة»([29])

الزوجة لزوجها: أوه.. ما عدت أتحمل أعباء خدمة البيت، ثم إنني أحمل شهادة .. فكيف تريد مني أن أكنس وأطبخ..!! ولا يمكنني أن أقطع برنامج زياراتي لصديقاتي بسبب العناية بالأبناء.. ثم ألم ترَ أن فلانًا جاء بخادمة، وأن فلانًا جاء بخادمتين.

الزوج: حسنًا.. حسنًا.. سآتي بالخادمة.. حتى ولو كانت نصرانية، فستكون أكثر تفرغًا ونتاجًا في البيت.

الزوجة: احرص على أن تكون الخادمة شابة، فماذا نفعل بتلك الخادمة العجوز؟!

«وجاءت الخادمة .. من بلادها (تركت زوجها هناك) وبلادها لها عادات وتقاليد أخرى، بل وقد يكون دينها آخر...».

الزوجة تخاطب نفسها.. الحمد لله.. الآن أستطيع الذهاب إلى عملي براحة بال والخادمة (المربية) موجودة فهي ستعتني بالأطفال.. ثم ذهبت لصديقتها فرحة جذلة .. أبشرك جاءت الخادمة...!

صديقتها: إذن تستطيعين الذهاب معي يوميًّا معهد الكمبيوتر والسكرتارية وإلى مركز التخسيس.

الزوجة لصديقتها: (بالطبع نعم).

أيتها الأخت المسلمة:

هذا المشهد الذي ذكر ليس من واقع الخيال. بل إنه للأسف الشديد واقع مئات الأسر في بلادنا..

وتدخل الخادمة البيت وكأنها من أفراد العائلة، فهي تكشف وجهها.. وشعرها .. ولربما ذراعها.. بل ولربما تلبس الثياب القصيرة (الشانيل) وتضحك وتخرج مع رب الأسرة!! بل وربما بقي الزوج معها في البيت وحدهما لا ثالث لهما إلا الشيطان، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور!!

مساكين أولئك الأطفال في تلك الأسر .. فهم يحبون الخادمة أكثر من الأم لأنها هي التي تعتني بهم منذ الصباح الباكر .. وحتى النوم .. والكثير من الأطفال يقلدون الخادمات في الحركات والسكنات والكلمات.. والكثير منهم يتعرضون للقسوة والإهمال خاصة في حال غياب الأم.. وهكذا يتعود الأبناء على روح الاتكالية وانعدام روح المبادرة حتى في أسهل الأمور.

هذا إن سلموا من مسألة حب الصليب والسجود لـ: «بوذا» عند من يجلبون خادمات غير مسلمات..

فمتى تعي تلك النسوة، وأولئك الأزواج واجبهم ودورهم في الأمة؟! أم أن الوظيفة صارت طاغوتًا تعيق هذه الأمة عن تربية الأجيال؟!!


كلمة للشيخ عبد العزيز بن باز – حفظه الله.

قال -وفقه الله «تعالى» ونفع به-:

«الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وإمامنا وسيدنا وقدوتنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد شكى إلى الكثير من الناس ظاهرة كثرة السائقين والخدم، وأن البعض يستخدمهم من غير ضرورة ملحة أو حاجة ماسة، والبعض منهم على غير دين الإسلام، ويحصل منهم فساد كبير على عقيدة المسلمين وأخلاقهم وأمنهم إلا من شاء الله منهم، ورغب إلى البعض أن أكتب في هذا الشأن نصيحة للمسلمين، تتضمن تحذيرهم من التمادي والتساهل في هذا الأمر. فأقول مستعينًا بالله:

لا شك أن كثرة الخدم والسائقين والعمال بين المسلمين، وفي بيوتهم، وبين أسرهم وأولادهم له نتائج خطيرة وعواقب وخيمة لا تخفى على عاقل. وأنا لا أحصي من يتذمر ويتضجر منهم، وما يحصل من بعضهم من المخالفات لقيم هذه البلاد وأخلاقها, وقد تمادى الناس وتساهلوا في جلبهم وتمكينهم من بعض الأعمال، وأخطرها الخلوة بالنساء، هذا بالنسبة إلى السائقين والخدم، أما الخادمات فلا يقل خطرهن على أولئك بسبب اختلاطهن بالرجال، وعدم التزامهن بالحجاب والتستر، وخلوتهن بالرجال داخل البيوت، وربما تكون شابة وجميلة، وقد تكون غير عفيفة لما اعتادته في بلادها من الحرية المطلقة والسفور، ودخول أماكن العهر والدعارة، وما ألفته من عشق الصور، ومشاهدة الأفلام الخليعة. يضاف إلى ذلك ما يتصف به بعضهن من الأفكار المنحرفة، والمذاهب الضالة، والأزياء المخالفة لتعاليم الإسلام، ومن المعلوم أن هذه الجزيرة لا يجوز أن يقيم بها غير المسلمين، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصى بإخراج الكفار من الجزيرة، فلا يدخلوها إلا لحاجة عارضة، فلا يجوز استقدامهم، ولا السماح لهم بذلك. فالحاصل أن الجزيرة العربية لا يجوز أن يقر فيها دينان، لأنها معقل الإسلام، ومنبعه، ومهبط الوحي، فلا يجوز أن يقر فيها المشركون إلا بصفة مؤقتة لحاجة يراها ولي الأمر كالبُرُد، وهم الرسل الذين يقدمون من دول كافرة لمهمات، وكباعة الميرة ونحوها ممن يجلب إلى بلاد المسلمين ما يحتاجون إليه، ويقيم أيامًا لذلك، ثم يرجع إلى بلاده حسب التعليمات التي يضعها ولى الأمر، فوجود غير المسلمين فيه خطر عظيم على المسلمين في عقائدهم وأخلاقهم ومحارمهم، وقد يفضي إلى موالاة الكفار، ومحبتهم والتزي بزيهم، ومن اضطر إلى خادم أو سائق أو خادمة فالواجب أن يتحرى الأفضل، فالأفضل من المسلمين لا من الكفار، وأن يجتهد في اختيار من كان أقرب إلى خير، والبعد عن مظاهر الفسق والفساد، ولأن بعض المسلمين يدعي الإسلام وهو غير ملتزم بأحكامه، فيحصل به ضرر عظيم وفساد كبير، نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين ويحفظ عليهم دينهم وأخلاقهم، وأن يغنيهم بما أحل لهم عما حرم عليهم، وأن يوفق ولاة الأمر لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، والقضاء على أسباب الشر والفساد، إنه جواد كريم.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه»([30]).

 «فتاوى»

 - سؤال: هل يجوز استقدام الأيدي العاملة من غير المسلمين؟

جواب:

لا ريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا»([31]) وهذه الأحاديث تدل على أن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تبقى جزيرة العرب ليس فيها إلا مسلم، لما في وجود النصارى وغيرهم من الكفار في الجزيرة من الخطر. وهذه الجزيرة منها بدأ الإسلام، وانتشر في أرجاء العالم، وإليها يعود كما ثبت في الصحيح من أن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، وإذا كان كذلك فإن استقدام غير المسلمين إلى هذه الجزيرة فيه خطر عظيم، ولو لم يكن من خطره ومضرته إلا أن المستقدم لهم يألفهم ويركن إليهم، وربما يقع في قلبه محبة لهم وتودد إليهم، وقد قال الله – تعالى -: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾([32]).

وربما يشتبه عليه الحق بالباطل فيظن أنهم إخوة لنا ويطلق عليهم إخوة، ويدعي بما يوحي به الشيطان أنهم إخوة لنا في الإنسانية، وهذا ليس بصحيح، فإن الأخوة الإيمانية هي الأخوة الحقيقية، ومع اختلاف الدين لا أخوة حتى إن الله – عز وجل –لما قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾([33] قال سبحانه: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾([34]).

وقد قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلة بين المؤمنين والكافرين حتى في الميراث بعد الموت، فقال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»([35]) وإذا كان الأمر هكذا فإن الاحتكاك بغير المسلمين واستقدامهم ومشاركتهم في الأعمال وفي الأكل والشرب والذهاب والمجيء كل هذا ربما يميت الغيرة في قلوب المسلمين حتى يألفوا من قال الله -تعالى- فيهم: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾([36])([37]).

 - سؤال: ما حكم ركوب المرأة مع سائق أجنبي وحدها ليوصلها إلى داخل المدينة؟ وما الحكم إذا ركبت المرأة ومجموعة من النساء مع السائق وحدهن؟

جواب:

لا يجوز ركوب المرأة مع سائق ليس محرمًا لها وليس معهما غيرهما؛ لأن هذا في حكم الخلوة، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم»([38])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما»([39])، أما إن كان معهما رجل آخر أو أكثر أو امرأة أخرى أو أكثر, فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر، وهذا في غير السفر، أما في السفر فليس للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم» متفق على صحته. ولا فرق بين كون السفر عن طريق الأرض أو الجو أو البحر، والله ولي التوفيق([40]).

 سؤال: ما حكم استقدام الخادمة من الخارج بغير محرم إذا كانت مسلمة حيث إن هذا الأمر حاصل عند كثير من الناس حتى ممن يعتبرون من طلاب العمل. ويحتجون بأنهم مضطرون إلى ذلك. وبعضهم يحتج بأن إثم سفرها بغير محرم عليها هي أو على مكتب الاستقدام؟ أرجو تبيين ذلك والله يحفظكم ويرعاكم ويجزيكم خيرًا.

جواب:

استقدام الخادمة بدون محرم معصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه صح عنه أنه قال: «لا تسافر امرأة إلا مع محرم» ولأن قدومها بلا محرم قد يكون سببًا للفتنة منها وبها، وأسباب الفتنة ممنوعة فإن ما أفضى إلى المحرم محرم.

وأما تساهل بعض الناس في ذلك فإنه من المصائب ولا حجة لهم في قولهم إنه ضرورة؛ لأننا لو قدرنا الضرورة للخادمة فليس من الضرورة أن تأتي بلا محرم. كما أنه لا حجة لقول بعضهم: إن إثم سفرها بلا محرم عليها هي أو على مكتب الاستقدام؛ لأن من فتح الباب لفاعل المحرم كان شريكًا له في الإثم لإعانته عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([41]).

وأمر الله -تعالى- ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستقدام الخادمة بلا محرم إقرار للمنكر لا إنكار له.

وأسأل الله -تعالى- أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

كتبه محمد بن الصالح العثيمين([42])

30/10/1408ﻫ



([1]) العصر (1 – 3).

([2]) الذرايات (55).

([3]) رواه مسلم وغيره.

([4]) رواه مسلم وغيره.

([5]) المائدة (78 – 79).

([6]) مجموعة رسائل وفتاوى بشأن الخدم والسائقين، لجماعة من العلماء ص 7 – 8.

([7]) الممتحنة (4).

([8]) الفتح (29).

([9]) الكافرون (1 – 6).

([10]) التوبة (8).

([11]) الممتحنة (2).

([12]) المائدة (51).

([13]) «أخطار تهدد البيوت» للأستاذ محمد صالح المنجد.

([14]) أخطار تهدد البيوت.

([15]) المرجع السابق.

([16]) رواه أبو داود.

([17]) رواه أبو داود.

([18]) انظر: مجموعة رسائل وفتاوى بشأن الخدم والسائقين ص15.

([19]) أخطار تهدد البيوت.

([20]) آل عمران (140).

([21]) العسيف: الأجير، ويطلق أيضًا على الخادم، وعلى العبد، وعلى السائل.

([22]) البخاري (مع الفتح) «12/136 – 137».

([23]) فتح الباري «1/141».

([24]) أرأيت أيتها الأخت المسلمة كيف تفعل الخلوة مع الرجل الأجنبي .. ألم تسمعي قول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما» رواه الترمذي.

([25]) نقلاً عن كتاب «المدمنون يعترفون (المجموعة الثانية)» إعداد: وجيه أبو ذكرى ص 75 – 85 مع حذف يسير.

([26]) النور (58).

([27]) من خطبة للشيخ/ سعد البريك – جزاه الله خيرًا-.

([28]) «تذكير المرأة المسلمة بشأن استخدام الخادمة» لعبد السلام الرحيلي.

([29]) كلمات عبارة للمرأة المعاصرة، الرسالة الثانية، للشيخ محمد أمين مرزا عالم.

([30]) مجلة الجندي المسلم، العدد (53).

([31]) رواه مسلم.

([32]) المجادلة (22).

([33]) هود (45).

([34]) هود (46).

([35]) متفق عليه.

([36]) الممتحنة (1).

([37]) «أسئلة مهمة» للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص 20.

([38]) رواه البخاري ومسلم.

([39]) رواه الترمذي.

([40]) مجلة الدعوة، العدد (1034) – الشيخ عبد العزيز ابن باز – حفظة الله -:

([41]) المائدة (2).

([42]) مجموعة رسائل وفتاوى بشأن الخدم والسائقين، لجماعة من العلماء ص 57.