الثناء على الفتاح في أدعية الاستفتاح

يوسف بن عبد العزيز الطريفي


 مقدمة الشيخ عبد الله العقيل

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله على رسوله محمد وآله وصحبه وسلم وكرم.

وبعد فقد عرض علي الأستاذ يوسف بن عبد العزيز الطريفي المدرس في المعهد العلمي بمدينة حائل رسالته المسماة «الثناء على الفتاح في أدعية الاستفتاح» فأعجبت بها لما اشتملت عليه من الفوائد حيث جمع فيها أحد عشر نوعًا من أنواع الاستفتاح الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء ما ورد في الفرض أو في النوافل، ولاسيما ما ورد في قيام الليل والتهجد، منها ما هو في الصحيحين أو أحدهما، أو في السنن والمسانيد، ولا شك أن هذه مسألة مهمة، وقد تهاون بها بعض الناس، وأن الاستفتاح من مكملات الصلاة ومهماتها، فبعض العلماء أكد استحبابه وبعضهم يقول بوجوبه وبعضهم يرى أن تركه من مكروهات الصلاة، ومما ينقص ثوابها وإذا تركه الإنسان سهوًا فيسجد للسهو وغير ذلك مما هو مدون في تلك الرسالة التي لا يستغني عنها كل مهتم في أمر صلاته، ولهذا فقد أوصيته بطبعها ونشرها لعل الله أن ينفع بها إنه جواد كريم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

قال ذلك الفقير إلى الله عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة لمجلس القضاء الأعلى.


 المقدمــة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

إن الباعث لتأليف هذه الرسالة المختصرة عن أدعية الاستفتاح هو جهل كثير من المسلمين بها واقتصارهم على دعاء واحد متكرر وهو «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، بل إنكارهم لمن يدعو بغيره، كما حصل مع كثير من طلبة العلم الحريصين على السنة وإحيائها، فلذلك أحببت في هذه العجالة نشر هذه الأدعية في رسالة صغيرة لعل الله أن ينفع بها إن شاء الله، وخاصة مع انصراف همم كثير من الناس عن كتب أهل العلم المطولة وبحثهم عن المختصرة، وقد حاولت استقصاء ما وجدته في كتب الحديث والآثار وتخريجها، فمن وجد علمًا نافعًا فليعمل به إحياءً لسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ومن وجد خطأً فليسغفر لي، وأن ينبهني إلى ذلك؛ فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، هذا وأسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وجميع المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يمن على جميع المسلمين بمعرفة دينهم، والتفقه فيه، والثبات عليه، والعمل به، والدعوة إليه بعلم وحكمة وموعظة حسنة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

الفقير إلى عفو ربه

يوسف بن عبد العزيز الطريفي

المعهد العلمي في حائل

ص.ب 2620 حائل

* * * *


  أسماؤه:

يسميه بعض العلماء «دعاء الاستفتاح»: على وزن استفعال واستفتح بمعنى فتح، وفاتحة الشيء أوله الذي يفتح به، وذلك لأنه أول ما يقال عقب التكبير للإحرام وقبل التعوذ والبسملة والفاتحة.

ويسميه بعض العلماء «دعاء الثناء»: وذلك لما اشتملت عليه هذه الأدعية من عظيم الثناء عليه سبحانه وتعالى.

ويسميه بعض العلماء «دعاء التوجه أو التوجيه»: وذلك لأنه يقال عند التوجه إلى الله سبحانه وتعالى في أول الصلاة، ولأن من أشهر أدعيته «وجهت وجهي...».

  حكمه:

اختلف العلماء في ذلك:

1- مذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة على أنه سنة.

2- قول لبعض الحنابلة أنه واجب.

3- المشهور من مذهب المالكية أنه لا يشرع، وحمله بعضهم على الكراهة، وذهب بعض متأخري المالكية إلى القول بمشروعيته، كما نقل ذلك الزرقاني في شرح مختصر خليل ج1 ص217، وغيره من علماء المالكية.

والراجح أن دعاء الاستفتاح سنة كما دلت عليه الأدلة الصحيحة الثابتة – كما سوف يأتي إن شاء الله - وإن كان بعض العلماء قد استدل على مشروعيته بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48]، قال الشوكاني في «فتح القدير» ج5 ص146: «وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع بن أنس: «حين تقوم إلى الصلاة».

قال الضحاك: «يقول: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا»، وفيه نظر؛ لأن التكبير يكون بعد القيام لا حال القيام، ويكون التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأول أولى». اهـ. ومراده بالأول من حملها على القيام من المجلس.

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره ج4 ص379: «... قال الضحاك: «أي إلى الصلاة» سبحانك اللهم، وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، وقد روى مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما». اهـ. والراجح عندي: أن هذه الآية لا تدل على خصوصية دعاء الاستفتاح، والله أعلم.

 وقته:

مذهب الجمهور على أن زمنه بعد تكبيرة الإحرام وقبل التعوذ والبسملة، وأنه يكون في صلاة الفرض والنفل، وأنه يقوله الإمام والمأموم والمنفرد.

 الأدعية الواردة فيه:

وهي كثيرة جدًا، وقد حاولت استقصاء أهم ما وجدته في كتب الحديث والأثر، وهي على التالي:

1- «سبحانك اللهم، وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك».

تخريجه:

قد روي مرفوعًا وموقوفًا، قال ابن حجر في تلخيص الحبير م1 ج1 ص244: «هو في الباب عن أبي الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة قال: «.....»، رواه أبو داود والحاكم ورجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع، وأعله أبو داود بأنه ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، وبأن جماعة رووا قصة الصلاة عن بديل بن ميسرة ولم يذكروا ذلك فيه، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. انتهى. وله طريقة أخرى رواها الترمذي وابن ماجه من طريق حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة نحوه، وحارثة ضعيف، قال ابن خزيمة: حارثة مدني نزل الكوفة وليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه، وهذا صحيح عن عمر لا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما قول الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، فمعترض بطريق أبي الجوزاء السابقة، وبما رواه الطبراني عن عطاء عن عائشة نحوه، وفي الباب عن ابن مسعود وعثمان وابن سعيد وأنس والحكم بن عمير وأبي أمامة وعمرو بن العاص وجابر، قال الحاكم: وقد صح ذلك عن عمر، ثم ساقه، وهو في صحيح ابن خزيمة، كما مضى، وفي صحيح مسلم أيضًا ذكره في موضع غير مظنته استطرادًا، وفي إسناده انقطاع». اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر أيضًا: «... حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي». اهـ.

وقال الألباني في إرواء الغليل ج2 ص50: صحيح، أما حديث عائشة فأخرجه الترمذي (2/11)، وابن ماجه (806)، والطحاوي (1/117)، والدارقطني (113)، والبيهقي (2/34)، ... وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي، ... وأعله أبو داود بقوله: «وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكر فيه شيئًا من هذا، ... وهذا الإعلال ليس بشيء عندنا لأنها زيادة من ثقة وهي مقبولة، ولولا أن الإسناد منقطع لحكمنا بصحته، ... ولكنه مع ذلك شاهد جيد للطريق الأولى يرقى الحديث بهما إلى درجة الحسن، ثم إلى درجة الصحة بشهادة حديث أبي سعيد وغيره مما يأتي ذكره، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود (775)، والنسائي (1/143)، والترمذي (2/109)، والدارمي (1/282)، وابن ماجه (804)، والطحاوي (1/116)، والدارقطني (112)، والبيهقي (2/3534)، وأحمد (3/50)، وابن أبي شيبة من طرق...، وفي الباب عن أنس: أخرجه الطبراني في الأوسط (1/35/2)... وقد رواه الدارقطني (ص113)، .... بل أخرجه الطبراني نفسه في «كتاب الدعاء» كما في نصب الراية (1/320)،... وهذا إسناد صحيح، ....». اهـ.

وأما رواية عمر t موقوفًا عليه: «أنه إذا افتتح الصلاة قال: ..., ويجهر بذلك»، فهو في صحيح مسلم (4/111)، كتاب الصلاة باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة وفيه انقطاع لكن الإمام مسلم ذكره استطرادًا ولذلك تسامح بإيراده، وقد قال النووي في شرح صحيح مسلم عند الحديث: «قال أبو علي النسائي: هكذا وقع عن عبدة أن عمر، وهو مرسل، يعني أن عبدة وهو ابن أبي لبابة لم يسمع من عمر». اهـ.

قال الزيلعي في نصب الراية ج1 ص322: «قال المنذري: عبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ويقال: إنه رأى عمر رؤية». انتهى.

وقال الدارقطني في كتابه العلل: «وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخالفه إبراهيم النخعي فرواه عن الأسود عن عمر، قوله، وهو الصحيح». اهـ.

قال الألباني في إرواء الغليل ج2 ص48: وقد صح موصولاً، فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/92)، والطحاوي (1/117)، والدارقطني (ص113)، والحاكم (1/235)، والبيهقي (2/34) من طرق عن الأسود بن يزيد قال: «سمعت عمر افتتح الصلاة وكبر فقال: ....»، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، وكذا الدارقطني كما يأتي، وزاد في رواية له: «... يسمعنا ذلك ويعلمنا»، وهو رواية لابن أبي شيبة (2/143/2)، وإسنادها صحيح،... ثم روى ابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر عن عمر به، دون الزيادات، وقال: هذا صحيح عن عمر قوله». اهـ. وقد روى الحديث عبد الرزاق في مصنفه (2555-2557) من عدة طرق متصلاً ومنقطعًا، وابن خزيمة (471)، وابن حزم في المحلى (2/131)، والدارمي (1/282)، وغيرهم.

والخلاصة في حكم الحديث: أن الحديث المرفوع صحيح بمجموع طرقه وشواهده وأن الموقوف على عمر صحيح لأنه موصول من طريق آخر، وعلى كل فإن عمر t لا يمكن أن يقول ذلك إلا وقد سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعًا لأنه كان بمحضر أكابر الصحابة وفي مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان من تلقاء نفسه – وحاشاه – لبادروا للإنكار عليه، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج22 ص397: «فلولا أن هذا من السنن المشروعة لم يفعل هذا عمر ويقره المسلمون عليه». اهـ.

تنبيهات:

أ- ما ذكر عن الإمام أحمد اختياره لهذا الدعاء ليس معناه عدم قبوله ورده لغيره، وإنما اختاره استحسانًا، بدلالة ما ذكره ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» ج1 ص205: «وقال الإمام أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاستفتاح كان حسنًا». اهـ.

ب- قال الألباني في «إرواء الغليل» ج2 ص50: «تنبيه: عزا الشوكاني في «نيل الأوطار» (2/86) هذا الأثر لرواية الترمذي، وإنما ذكره تعليقًا (2/10) عنه وعن ابن مسعود». اهـ.

ج- شرح هذا الدعاء جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين، وممن استفاض بشرحه من المتأخرين الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في «الشرح الممتع» ج3 ص54-61 فلينظر فإنه ممتع.

2- «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد».

رواه البخاري في كتاب الصلاة باب ما يقول بعد التكبير (1/145) عن أبي هريرة، ومسلم في كتاب المساجد باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (5/96)، وأبو داود برقم (781)، والنسائي في كتاب افتتاح الصلاة باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة، وابن ماجه برقم (805)، وغيرهم. ولفظه عند مسلم عن أبي هريرة t قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني...» إلخ، الحديث.

تنبيه: ظن ابن الأثير رحمه الله في جامع الأصول ج4 ص183 برقم (2146) أن البخاري ومسلم أخرجا الحديث دون أول الدعاء؛ وهو قول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»، والصحيح أنهما أخرجاها، انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ج2 ص227 برقم (744)، وصحيح مسلم مع شرح النووي م2 ج2 ص96، ومع هذا لم يتعقبه المحقق في ذلك.

3- «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً».

رواه مسلم في باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «بينما نحن نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجلٌ من القوم: أنا يا رسول الله، قال: «عَجِبْتُ لها فُتِحَتْ لها أبواب السماء»، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك. ورواه الترمذي برقم (3586)، والنسائي في كتاب الصلاة باب القول الذي يفتتح به الصلاة ج2 ص125، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج2 ص106: «رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات». اهـ.

4- «الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه».

رواه مسلم في باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، عن أنس t قال: «أن رجلاً جاء فدخل الصف، وقد حَفَّزهُ النَّفَسُ فقال: الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته، قال: «أيكم المتكلم بالكلمات؟، فأرم القوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها». ورواه أيضًا أبو داود في باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء برقم (763)، ورواه النسائي في باب نوع آخر من الذكر بعد التكبير ج2 ص132.

5- «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك».

رواه مسلم عن علي بن أبي طالب t عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا قام الصلاة قال: وجهت وجهي، الحديث، في كتاب الصلاة باب صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعائه في الليل، وهذا بإسناده «حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا يوسف الماجشون حدثني أبي عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي t»، ورواه بإسناد آخر في ذات الباب قال: «وحدثناه: زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ح، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو النضر قالا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمه الماجشون بن أبي سلمة عن الأعرج بهذا الإسناد، وقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي...، وقال: «وأنا أول المسلمين» ...». اهـ.

قال مجد الدين أبو البركات ابن تيمية في منتقى الأخبار مع شرحه «نيل الأوطار» م1 ج2 ص207: «رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه». قال الشوكاني عقب ذلك: الحديث أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي مطولاً، وابن ماجه مختصرًا، وقد وقع في بعض نسخ هذا الكتاب مكان قوله: «رواه أحمد ومسلم»... إلخ، «رواه الجماعة إلا البخاري»، وهو الصواب، وأخرجه أيضًا ابن حبان وزاد: «إذا قام إلى الصلاة المكتوبة»، وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضًا بالمكتوبة، وكذا غيرهما، ...». اهـ. وكذلك قيده ابن خزيمة في صحيحه ج1 ص307 بالمكتوبة، وإسناده صحيح، ورواه أبو عوانة، ورواه البيهقي في سننه (2/33) عن علي t، وزاد في أوله: «لا إله إلا أنت سبحانك، ظلمت نفسي، وعملت سوءاً فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وجهت وجهي...» الحديث.

وأما حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقريب منه، وقد رواه النسائي في سننه في الافتتاح باب نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة (1/142)، ولفظه عنده: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت». اهـ. وصححه الألباني في تخريجه لسنن النسائي ج1 ص195 برقم (862)، ورواه الدارقطني في سننه، وقال الألباني في تخريجه «مشكاة المصابيح ج1 ص260» وكذا الدارقطني ص112 بإسناد صحيح. اهـ. وكذا قال محقق جامع الأصول لابن الأثير الجزري، الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ج4 ص187: «وإسناده صحيح، وله شواهد بمعناه، منها حديث علي عند أبي داود وغيره». اهـ.

وكذلك حديث محمد بن مسلمة فقريب منهما، وقد رواه النسائي في سننه، ولفظه عنده: «عن محمد بن مسلة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام يصلي تطوعًا، قال: «الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي  ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك»، ثم يقرأ». اهـ. وقد صححه الألباني في تخريجه «سنن النسائي» ج1 ص196 برقم (863) وكذلك قال محقق «جامع الأصول» لابن الأثير الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ج4 ص187: «وإسناده صحيح». اهـ.

تنبيه:

أ- كره بعض العلماء قول «وأنا أول المسلمين» قالوا: لأن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يقول بدل منه «وأنا من المسلمين»، والراجح عندي: أنه لا مانع من قول هذا وذاك لورودهما في الحديث، ولأن هذا كأصل الآية فمن قرأها فلا يغير لفظها، وهكذا النصوص الشرعية لا تغير ألفاظها اجتهادًا ما دامت وردت، ثم إن المعنى يحمل على المسارعة في الامتثال لأوامر الإسلام، قال الألباني في «صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - «ص92»: فعلى المصلي أن يقول «وأنا أول المسلمين» ولا حرج عليه في ذلك، خلافًا لما يزعم البعض، توهمًا منه أن المعنى: «إني أول شخص أتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه» وليس كذلك، بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]، وقول موسى u: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]». اهـ.

ب- وفي الباب عن عبد الله بن عمر وأبي رافع وأنس y وبنحو الأحاديث السابقة وقد ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد ج2 ص106-107.

ج- قال النووي في شرحه لحديث علي t في صحيح مسلم ج6 ص60: «وفي هذا الحديث استحباب دعاء الافتتاح بما في هذا الحديث، إلا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون التطويل». اهـ.

د- قال ابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام ومعه شرحه سبل السلام للصنعاني ج1 ص338: «رواه مسلم، وفي رواية له: إن ذلك في صلاة الليل». اهـ.

قلت: وهذا سبق قلم من الإمام ابن حجر رحمه الله؛ فمسلم ذكر الحديث في باب صلاة الليل، لكن متن الحديث ليس فيه ذكر بأنه خاص بصلاة الليل، بل الحديث أطلق الدعاء ولم يخصه بصلاة معينة، بل قد ورد في روايات أخرى للحديث عند بعض الأئمة بأنه في الصلاة المكتوبة، وقد تتبعت صحيح مسلم ببعض شروحه وطبعاته المتعددة فلم أظفر بشيء منها خص هذا الدعاء بصلاة الليل. وقد نبه على ذلك الحافظ محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي» ج2 ص52، وله تنبيهات أخرى، فليرجع إليها، بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر مكتبة محمد عبد المحسن الكتبي، مطبعة المدني بالقاهرة ط الثانية 1384هـ.

6- «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». اهـ.

رواه مسلم في كتاب الصلاة باب صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعاؤه في الليل ج6 ص56 مع شرح النووي، ولفظه عن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شيء كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، علام الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». اهـ.

ورواه أبو داود في كتاب الصلاة باب ما يفتتح به الصلاة من الدعاء رقم (767)، ورواه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في الدعاء إذا قام من الليل، ورواه الترمذي في كتاب الدعوات باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل رقم (3416)، ورواه النسائي في كتاب صلاة الليل بأي شيء تستفتح صلاة الليل، وقد حسنه الألباني في تخريجه لسنن النسائي برقم (1533)، وكذا في تخريجه لسنن ابن ماجه رقم (1357).

7- «التكبير عشرًا، والحمد عشرًا، والتسبيح عشرًا، والتهليل عشرًا، والاستغفار عشرًا، ثم يقول: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة».

رواه النسائي في باب ذكر ما يستفتح به القيام عن عاصم بن حميد، قال: سألت عائشة بما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح قيام الليل، قالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك؛ «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر عشرًا ...» الحديث، قال الألباني في تخريجه لسنن النسائي ج1 ص356 برقم (1525): «حسن صحيح»، ورواه ابن ماجه في سننه، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، ورواه أبو داود في كتاب الصلاة باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، وقال الألباني في صفة الصلاة ص95: «رواه أحمد وابن أبي شيبة (12/19/ 2)، وأبو داود والطبراني في الأوسط (26/2) من «الجمع بينه بين الصغير» بسند صحيح وآخر حسن». اهـ.

8- «اللهم لك الحمد أنت قيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حق، والساعة حق، اللهم لك سلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرَّتُ، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت»، أو: «لا إله غيرك».

رواه البخاري في صحيحه في كتاب التهجد باب التهجد بالليل رقم (1120)، قال ابن حجر في فتح الباري في شرحه للحديث ج3 ص4: «وظاهر السياق أنه كان يقوله أول ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة الدليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر...». اهـ.

وأوله عند البخاري عن طاوس سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يتهجد قال...». اهـ. ورواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين برقم (769)، عن ابن عباس قال: «إن رسول الله كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل:...» الحديث، قال الألباني في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص94: «رواه البخاري ومسلم وأبو عوانة وأبو داود وابن نصر والدارمي». اهـ. وكذلك رواه النسائي عن ابن عباس برقم (1114)، وصححه الألباني في تخريجه لسنن النسائي ج1 ص226. قال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» ج1 ص203 في ذكره أدعية الاستفتاح: «وتارة يقول: اللهم لك الحمد...». وسيأتي في بعض طرقه الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كبر، ثم قال ذلك». اهـ.

9- «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة».

والحديث عن حذيفة بن اليمان t: «أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل، فكان يقول: «...، ثم استفتح فقرأ البقرة...» وقد أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود واللفظ السابق له والنسائي والطيالسي والطحاوي في مشكل الآثار، وقد صححه ابن القيم في الهدى (1/221)، وكذلك صححه الألباني في «صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -» ص95 وص137.

10- «الله أكبر كبيرًا – ثلاثًا – والحمد لله كثيرًا – ثلاثًا - وسبحان الله بكرة وأصيلاً – ثلاثًا – أعوذ بالله من الشيطان: من نفخه ونفثه وهمزه».

والحديث رواه أبو داود في الصلاة باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء رقم (764) عن جبير بن مطعم t: أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاةً. قال عمرو بن مرة: لا أدري أي صلاة هي؟ قال: «الله أكبر كبيرًا، ..» الحديث. قال الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص75: «ضعيف».

وقال أيضًا في إرواء الغليل ج2 ص54: «أخرجه الطيالسي (947)، وكذا أبو داود (764)، وابن ماجه (807)، وابن الجارود (96)، والحاكم (1/235)، والبيهقي (2/35)، وأحمد (4/85)، والطبراني في المعجم الكبير، وابن حزم في المحلى (3/248)، من طرق عن شعبة به، ... ثم قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، قلت: وفي ذلك نظر؛ فإن عاصمًا هذا العنزي لم يوثقه أحد، اللهم إلا ابن حبان؛ فإنه أورده في الثقات (2/222) وساق له هذا الحديث، ... قلت: فهذا الاختلاف على عاصم في اسمه يشعر بأن الرجل غير معروف، ولعله لذلك قال البخاري: «لا يصح»، لكن لعله يتقوى بالطرق الأخرى التي ذكرها ابن حبان، وإن كنت لم أعرف ابن حمزة هذا، ...». اهـ.

وقال محقق جامع الأصول لابن الأثير ج4 ص168: «... وفي سنده عاصم بن عمير العنزي، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، ولكن للحديث شواهد بمعناه يرتقي بها إلى درجة الصحة؛ منها لأوله عند مسلم من حديث ابن عمر رقم (601) في المساجد وصلاة المسافرين، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، ولآخره شاهد عند أبي داود رقم (775) في كتاب الصلاة باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم، والترمذي رقم (242) في كتاب الصلاة باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، وغيرها». اهـ. والراجح عندي أن الحديث ضعيف لكنه بشواهده يتقوى إلى درجة الحسن، والله أعلم.

* * * *


 تنبيهات عامة

1- هذه الأدعية وغيرها مما ثبت، يشرع الاستفتاح بأيها شاء، قال ابن قاسم في حاشية الروض المربع ج2 ص23: «الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يداوم على استفتاح واحد قطعًا، والأفضل أن يأتي بالعبادات المتنوعة على وجوه متنوعة بكل نوع منها أحيانًا، كالاستفتاحات، ولأحمد رحمه الله أصل مستمر في جميع صفات العبادات قوليها وفعليها»، ويستحسن كل ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من غير كراهة لشيء منها، ولا يستحب أن يجمع بينهما؛ بل هذا تارة، وهذا تارة، وصوبه في الإنصاف». اهـ. وقال الخطابي في معالم السنن ج1 ص198: (وقد روى أبو داود بعضها، وترك بعضها، وهو من الاختلاف المباح؛ فبأيها استفتح الصلاة كان جائزًا، وإن استعمل رجلٌ مذهب مالك ولم يقل شيئًا أجزأته صلاته، وكرهناه له». اهـ. وقال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله في كتاب «فتاوى أركان الإسلام» جمع فهد السليمان ص317: «والذي ينبغي أن يأتي الإنسان في الاستفتاح بكل ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، يأتي بهذا أحيانًا، وبهذا أحيانًا، ليحصل له بذلك فعل السنة على جميع الوجوه، وإن كان لا يعرف إلا وجهًا واحدًا من السنة واقتصر عليه فلا حرج؛ لأن الظاهر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان ينوعُ هذه الوجوه في الاستفتاح وفي التشهد من أجل التيسير على العباد، وكذلك الذكر بعد الصلاة كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينوعها لفائدتين:

الفائدة الأولى: أن لا يستمر الإنسان على نوع واحد... صار ذلك أحضر لقلبه وأدعى لفهم ما يقوله.

الفائدة الثانية: «التيسير على الأمة»؛ بحيث يأتي الإنسان تارة بهذا، وتارة بهذا على حسب ما يناسب. اهـ.

2- إن كان الدعاء طويلاً فالأفضل جعله في صلاة التطوع والسنن الرواتب دون الصلاة المفروضة؛ سواء من الإمام لعدم الإطالة على المأمومين، أو المأموم؛ لكي لا يفوته قراءة الإمام ومتابعته، وقد سبق الإشارة إلى قول النووي رحمه الله في ذلك.

3- إن هذه الأدعية تقال بعد التكبير للإحرام، ويلتبس على بعض الناس؛ فقد يقولها بعد الإقامة قبل التكبير، وهذا اجتهاد في غير محله فلا يشرع.

4- أن من ترك دعاء الاستفتاح سواء عمدًا أو سهوًا فيجوز ولا إثم عليه ولا يترتب عليه شيء؛ لأنه سنة لا واجبًا، ومن ابتدأ في التعوذ ثم أراد العود إلى الاستفتاح فالمشهور من مذهب الشافعية أنه لا يعود؛ لفوات محله، وكذا لو أدرك مسبوق الإمام في التشهد الأخير وكبر وقعد فسلم الإمام لأول قعوده قام ولا يأتي بدعاء الاستفتاح لفوات محله، كما ذكر النووي في روضة الطالبين ج2 ص346، وقال الشافعي في الأم ج1 ص128: «فإن زاد فيه شيئًا أو نقصه كرهته، ولا إعادة ولا سجود للسهو عليه، عمد ذلك أو نسيه أو جهله». اهـ.

5- أن المشروع الإسرار بالاستفتاح، إلا أن تكون هناك مصلحة بالجهر فله ذلك كالتعليم ونحوه، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج22 ص274: «واتفق العلماء على أن الجهر بذلك ليس بسنة راتبة؛ لكن جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنه كان يجهر أحيانًا بالتعوذ، فإذا كان من الصحابة من جهر بالاستفتاح والاستعاذة مع إقرار الصحابة له على ذلك، فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك، وأن يشرع الجهر بها أحيانًا لمصلحة راجحة، لكن لا نزاع بين أهل العلم بالحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر بالاستفتاح ولا بالاستعاذة، بل قد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال له: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول؟ قال: أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي...» الحديث. اهـ. وقد سبق أن عمر t جهر بدعاء الاستفتاح؛ وذلك من أجل التعليم.

6- قال محمود المصري في كتابه «إرشاد السالكين إلى أخطاء المصلين» ص94: «بعض المصلين يقولون كلمات بعد تكبيرة الإحرام ليس لها أصل من السُنَّة؛ كقول بعضهم: «ولا معبود سواك». وهذه الكلمات لم ترد في حديث، وكذلك معناها خاطئ؛ لأن المعبودات كثيرة من دون الله، ... ولذلك فالصواب في تلك الكلمة أن يقال: «ولا معبود بحق سواك» شريطة ألا تقال في الدعاء، لأنها لم ترد». اهـ.

7- دعاء الاستفتاح: يقال في أول الصلاة في الركعة الأولى فقط، ولا يقال في الركعة الثانية أو غيرها لا فرضًا ولا نفلاً، قال الشافعي في الأم ج1 ص128: «ولا يقوله إلا في أول ركعة، ولا يقوله فيما بعدها بحال». اهـ. وهذا متفق عليه بين العلماء؛ لما ثبت عن أبي هريرة t قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نهض في الركعة الثانية افتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت، أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

ولأن الاستفتاح على مسماه ما يفتتح به الصلاة في أولها، ولأنه لمجموع الصلاة فلا يتكرر.

قال الشيخ محمد العثيمين رحمه الله في الشرح الممتع ج2 ص195: «فإن قال قائل: لو أن أحدًا من الناس استفتح في الركعة الأولى بنوع من الاستفتاحات، واستفتح في الركعة الثانية بنوع آخر قلنا: هذا بدعة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح مرة واحدة في أول الصلاة». اهـ.

8- هل يقال دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة؟ خلاف بين العلماء؛ فالجمهور على أنه لا يقال في صلاة الجنازة خلافًا للمشهور من مذهب الحنفية من أنه يقال في صلاة الجنازة، والراجح قول الجمهور لعدم وروده، والعبادات مبناها الاتباع والتوقف عند النص الشرعي، قال أبو داود في مسائل الإمام أحمد (153): «سمعت الإمام أحمد يسأل عن الرجل يستفتح على الجنازة: سبحانك قال ما سمعت». اهـ

ولأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف؛ فلا ركوع فيها ولا سجود ولا تشهد، مما يدل على أن الشارع لاحظ فيها التخفيف.

9- دعاء الاستفتاح يقال في كل صلاة ما عدا صلاة الجنازة كما سبق، وهناك أدعية للاستفتاح وردت في النص الشرعي مطلقة لم تقيد بالصلاة المفروضة أو قيام الليل أو غيرها فتبقى على عمومها فتقرأ في كل صلاة فرضًا أم نفلاً، وهناك أدعية وردت في الصلاة المفروضة فتقال في الصلاة المفروضة، وفي النفل من باب أولى كما هو معلوم من قواعد الشرع، وهناك أدعية وردت مقيدة بقيام الليل فهل تقال في الصلاة المفروضة؟

الراجح عندي أنها تبقى على قيدها؛ فلا تقرأ في الصلاة المفروضة؛ بل في النافلة فقط؛ لأن قيام الليل مبني على التسامح والتسهيل فيتسامح فيه ما لا يتسامح في المفروضة غالبًا، ولأن الغالب في قيام الليل الإطالة؛ بخلاف الصلاة المفروضة فإنها يراعي حال المأمومين؛ أما النافلة فله أن يطيل ما شاء، وأغلب الأدعية الواردة في قيام الليل طويلة، وكما سبق معنا في التنبيه الثاني فإن المشروع عدم الإطالة على المأمومين في الصلاة ومنها السكوت الطويل الموهم للمأمومين، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر بالآية أحيانًا في الصلاة المفروضة السرية لينبه الغافل ويعلم المأموم بما يقوله ليتابعه ولئلا يتوهم أن الإمام نسي أو غفل في صلاته، والله أعلم.

10- «الفتاح»: اسم ثابت له سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26]، قال ابن كثير في تفسيره ج3 ص856: «أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور». اهـ.

وقال الشوكاني في تفسيره ج4 ص464: «وهو الفتاح: أي الحاكم بالحق القاضي بالصواب». اهـ، وقد قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].