الحكمة في الدعوة إلى الله: تعريف وتطبيق

زيد بن عبد الكريم الزيد


 تمهيد في أهمية الموضوع وسبب اختياره ومخطَّط البحث

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا .. أما بعد:

فإن موضوع الحكمة في الدعوة إلى الله جوهرٌ ثمينٌ في هذا الميدان، وعلى قدر الفقه فيه تتجاوب النفوس وتتفاعل؛ فكم ممن يحمل فكرًا نقيًّا سليمًا أضاعه في طرق ملتوية متشعبة، لم يتمكن فيها أن يجمع هذا الفكر ليوصله إلي مستمعيه، وعندما يرى الناس ذلك منه يسبق منهم إساءة الظن قبل إحسانه، فيتهمون هذا الفكر بالعجز والقصور، والحق أن العجز والقصور ليسا إلَّا في حامله فقط.

ولقد كنت أفكر في هذا الأمر منذ سنوات، وأُدَوِّن تحت هذا العنوان: «الحكمة في الدعوة»، وتحت عنوان آخر هو: «المنهج العملي للدعوة» - ما أَجدُه من وقفات عملية في الدعوة، كان لها أقوى الأثر وأعظم الفائدة.

ثم رأيت أن أبدأ الكتابة في الموضوع الأول، بعد أن تَبَيَّنَ لي أن أساسه ومادته العلمية متوافرة في ثنايا سيرته صلى الله عليه وسلم التي كتب عنها الكثير بين جامع لها، ودارس لفقهها الشرعي والدعوي.

وللموضوع أهمية بالغة في ميدان الدعوة اليوم، ولعلي أحاول هنا أن أوجز أهمية هذا الموضوع في الفقرات التالية:

1- قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا﴾ [سورة البقرة، آية 269]؛ فهذه شهادة من الله – سبحانه وتعالى - «وحسـبك بها من شهادة» لصاحب الحكمة بأنه قد أوتي خيرًا كثيرًا، وهذه بمفردها فقط دافع قويٌّ للتعرف على معناها ودراستها دراسة تعريفية تطبيقية.

2- إن هذه الحكمة هي دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابن عمه عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – حين قال: «اللهم علِّمه الحكمة». أخرجه البخاري([1] ولقد ظهر أثر هذه الدعوة في علم ابن عباس – رضي الله عنه – وفي فقهه حتى قالوا عنه: لو سمع بهذا أهل الديلم لأسلموا. فما هي الحكمة التي دعا الرسول ربه أن يهبها لابن عمه؟!

3- إن الناس يتحدثون عن الحكمة، وكلٌّ يريد أن يستند إليها؛ فالداعي إلى الله يحرص أن يكون حكيمًا، ولا بدَّ من تجلية هذا الأمر له - أو على الأقل مساعدته في تجلية هذا الأمر - لأن الله – سبحانه وتعالى – أمره بالدعوة إلى الله بالحكمة؛ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل، آية 125].

ثم إن المدعوَّ يطالب الداعي بالحكمة في تعليمه، ويكيِّف هذا المعنى لصالحه دائمًا؛ فأين وجه الحق في ذلك؟

4- الحكمة معنى مجمل في كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وجاءت السنة العملية لتوضح وتجلي هذا الإجمال، وجمع هذه المواقف وربط بعضها ببعض ينير الطريق، ويضع المعالم الراسخة للدعوة إلى الله – سبحانه – بالحكمة.

5- إن هذا الموضوع يمثِّل العمود الفقري لفن الدعوة؛ لأنه يركِّز على كيفية الدعوة، إننا نتعجل في كثير من المواقف، فنصاب في مقتل؛ لأننا ضيعنا الكيفية فضيعنا الحكمة؛ فكما أن من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فكذلك إن من حُرمَ الحكمة فقد حرم خيرًا كثيرًا، وفي هذا البحث محاولة للتنبيه على هذه الأهمية وإبراز لها في الواجهة؛ لعل فيها تذكيرًا واهتمامًا.

ومن منطلق إدراك هذه الأهمية ومطالعة كتب الدعوة بعد العيش في أجوائها، لم أجد أن الموضوع أعطي حقه من العناية الكافية، وبخاصة ما نعيشه في هذه الأيام من صحوة إسلامية، ورجعة حميدة، تحتاج إلى ترشيد وتوجيه؛ لترتبط بالسيرة النبوية، والسير على منهاجها.

 وقد اعتمدت في كتابتي لهذا البحث على السنة النبوية؛ بل على جمع المواقف المختلفة من السيرة النبوية التي لا يجمعها سوى معنى واحد هو الحكمة، وإن كان ظاهرها خلاف ذلك؛ فالقرآن الكريم هو المصدر الأول، وفيه القواعد الكبرى، وجاءت السنة تطبيقًا وشرحًا عمليًّا لهذا القرآن الكريم، وقد سلكت في هذا البحث مسلكًا جمع بين التعريف النظري والتطبيق العملي، فجعلت بحث الحكمة في الدعوة مقسومًا إلى قسمين:

أولهما: في التعريف النظري؛ إذ عرفت فيه الحكمة ومفهومها في اللغة، والقرآن، والسنة، وفي المجال الدعوي.

والقسم الثاني: تطبيقات عملية تتبعت خلالها أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وجمعت بينها في صور مختلفة قد يتبادر في بعضها لأول نظرة أنها متنافرة؛ بل متناقضة، وعندما يمعن النظر فيها تبدو فيها معاني الحكمة الدعوية زاهية جلية واضحة.

 وقد كان مخطَّط البحث على النحو التالي:

تمهيد في أهمية الموضوع وسبب اختيار البحث فيه ومخطط البحث.

الفصل الأول: مفهوم الحكمة

وفيه مباحث:

الأول: تعريف الحكمة لغة.

الثاني: الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية.

الثالث: الحكمة في الاصلاح.

الرابع: الحكمة في مجال الدعوة إلى الله.

الخامس: منزلة الحكمة في مراتب الدعوة إلى الله.

الفصل الثاني: تطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله

وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

تمهيد:

المبحث الأول: تطبيقاتها باختلاف المدعو.

المبحث الثاني: تطبيقاتها واختلاف الموضوع.

المبحث الثالث: تطبيقاتها باختلاف الوسائل والظروف.

ثم الخاتمة وفهارس المراجع.

وبعد:

فإني لا أدَّعي لنفسي شيئًا في هذا البحث؛ فهو جهد متواضع أردت به الانضمام إلى زمرة الدعاة، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وحسبي أن أكون لهم جليسًا وبهم مقتديًا ومتأسِّيًا، وبين رحاب تلك السيرة العطرة مقلبًا ومتصفحًا؛ فما هي إلا نصوص أخذتها من هنا وهناك، وجمعت بينها؛ لتزداد جمالاً باجتماعها، وتناسقًا بترتيبها، فبدت حكمة اختلاف المواقف وتنوعها منه - صلى الله عليه وسلم -، وبدت فيها عظمة هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - وعظمة دعوته، وازداد طريق التأسي به - صلى الله عليه وسلم - إضاءة ووضوحًا.

وإن كنت – أيها القارئ – واجدًا خيرًا فهو من الله، وله الحمد والشكر أولاً وآخرًا، وإن كانت الأخرى فهو قصور وعجز وضعف البشر، والله أسأل أن يجعل فيها هدى لكاتبها وقارئها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 الفصل الأول: مفهوم الحكمة

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: تعريف الحكمة لغة.

المبحث الثاني: معنى الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية.

المبحث الثالث: معنى الحكمة في الاصطلاح.

المبحث الرابع: مفهوم الحكمة في مجال الدعوة إلى الله.

المبحث الخامس: منزلة الحكمة في مراتب الدعوة إلى الله.


 المبحث الأول: تعريف الحكمة لغة

قال ابن فارس: «حكم الحاء والكاف والميم أصل واحد؛ وهو المنع، وأول ذلك الحكم؛ وهو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها». ثم قال: «والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل. وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا: منعتُه عما يريد». ([2])

وقال الأصمعي: «أصل الحكومة ردُّ الرجل عن الظلم؛ قال: ومنه سميت حكمة اللجام؛ لأنها تردُّ الدابة». ([3])

وفي المصباح المنير: «والحكمة وزان قصبة للدابة، سميت بذلك لأنها تذلِّلها لراكبها حتى تمنعها الجماح ونحوه، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأرذال». ([4])

أما الفيروز آبادي فيقول: «أصل المادة منع يقصد به إصلاح». ([5])

وقبل هذا قال: «والحكمة العدل، والعلم، والحلم، والنبوة والقرآن، والإنجيل، وطاعة الله، والفقه في الدين، والعمل به، أو الخشية أو الفهم، أو الورع، أو العقل، أو الإصابة في القول والفعل، والتفكر في أوامر الله واتباعه، وهو حكيم أي عدل حليم». ([6])

وفي لسان العرب: «والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء، وبأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم»([7]).

هذا هو أصل استعمال مادة الحكمة؛ لكن هذا المعنى اتَّسع ليشمل معاني أوسع، وإن كانت هذه المعاني متقاربة تبدأ مع العلم وتصحبه في كل معانيها.

فالحكمة إذن في أصلها اللغوي ترشد إلى المنع من الظلم، والتوجيه نحو الإصلاح عن علم وبصيرة؛ أو بعبارة أخرى، يمكن القول بأن: «الحكمة في أصلها إصابة الحق بالعلم» ([8]).


 المبحث الثاني: معنى الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية

* وردت الحكمة في القرآن الكريم بمعان كثيرة زادت على عشرين معنى. ([9])

يقول الفيروز آبادي:

«وأما الحكمة فمن الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام والإتقان، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وقد وردت في القرآن الكريم على ستة أوجه:

الأول: بمعنى النبوة والرسالة؛ ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. [سورة آل عمران، آية 48]، ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾. [سورة ص، آية 20]، ﴿وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. [سورة البقرة، آية 251]؛ أي النبوة.

الثاني: بمعنى القرآن والتفسير والتأويل، وإصابة القول فيه؛ ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. [سورة البقرة: آية 269].

الثالث: بمعنى فهم الدقائق والفقه في الدين؛ ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. [سورة مريم، آية 12، ويلاحظ أن الآية فيه الحكم لا الحكمة]؛ أي فهم الأحكام.

الرابع: بمعنى الوعظ والتذكير؛ ﴿فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. [سورة النساء، آية 54]؛ أي الموعظة الحسنة، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. [سورة الأنعام، آية 89، وفيها الحكم لا الحكمة].

الخامس: آيات القرآن وأوامره ونواهيه؛ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. [سورة النحل، آية 125].

السادس: بمعنى حجة العقل على وفق أحكام الشريعة؛ ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. [سورة لقمان، آية 12]. أي قولاً يوافق العقل والشرع. ([10])

وبالتأمل في هذه المعاني يمكن إدخال بعضها في بعض، ولذلك نجد الرازي يقول: «يروى عن مقاتل أنه قال: تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه:

أحدها: مواعظ القرآن؛ قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. ومثلها في آل عمران.

وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. وفي لقمان: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾؛ يعني الفهم والعلم. وفي الأنعام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾.

وثالثها: الحكمة بمعنى النبوة في النساء: ﴿فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ يعني النبوة وفي (ص): ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. يعني النبوة. وفي البقرة: ﴿وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

ورابعها: القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾. وفي هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ([11])

ثم يعقب الرازي – رحمه الله تعالى – على هذه المعاني بقوله: «وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم» وهو كما قال؛ فإن هذه المعاني وإن تعددت فهي لا تختلف؛ بل هي من صور الحكمة، وعلى هذا المعنى تعول كثير من كتب التفاسير؛ فابن كثير  - رحمه الله تعالى – يفسِّر الحكمة في موضع نقلاً عن ابن عباس فيقول: «المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله». ([12])، وهل هذا التعريف إلا عين العلم.

 ثم يعرِّف الحكمة في موضع آخر عند قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. [سورة البقرة، آية 151]؛ يعني السنة. قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم، وقيل: «الفهم والدين». ثم قال بعد ذلك: «ولا منافاة»([13] ثم يعرفها في موضع آخر عند قوله تعالى: ﴿وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. [سورة البقرة، آيه 151]؛ (أي النبوة) ([14]).

ولكن ابن القيم – رحمه الله تعالى – يعطي معنى أدق تقعيدًا وأكثر وضوحًا لمعنى الحكمة حينما ترد في كتاب الله، فيقول: «والحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة ومقترنة بالكتاب؛ فالمفردة فسِّرت بالنبوة، وفسِّرت بعلم القرآن.. وأما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة. كذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة، وقيل هي القضاء بالوحي، وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر». ([15])

فهذه نماذج من معاني الحكمة التي وردت في القرآن وفسرها به بعض المفسرين، ونجد أنهم وإن اختلفوا في بعض منها، فإنهم يتفقون على أن العلم والفهم المنطلق من القرآن هو الحكمة؛ سواء أكان في تفسير القرآن الكريم، أو في معرفة السنة، أو في المواعظ والحجج العقلية، أو عجائب الأسرار.

* أما في السنة النبوية فقد وردت الحكمة على معان متعددة، منها:

1- عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "ضمَّني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صدره، وقال: «اللهم علّمه الحكمة». أخرجه البخاري.

قال البخاري: الحكمة الإصابة في غير النبوة. ([16])

وقال ابن حجر – رحمه الله تعالى: «واختلف في المراد بالحكمة هنا؛ فقيل: الإِصابة في القول. وقيل: الفهم عن الله. وقيل: ما يشهد العقل بصحته. وقيل: نور يفرَّق به بين الإلهام والوسواس. وقيل: سرعة الجواب بالصواب. وقيل: غير ذلك». ([17])، ومنهم مَنْ فَسَّرَ الحكمة هنا بالقرآن.

2- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان، والحكمة يمانية». أخرجه البخاري ([18]).

ونقل ابن حجر في الفتح عن ابن الصلاح: «إن المراد بالحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله ». ([19])

3- عن عبد الله – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلِّط على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها». أخرجه البخاري ([20]).

فالحكمة المراد بها هنا القرآن، وقيل: المراد بالحكمة كل ما مَنَعَ من الجهل وزَجر عن القبيح ([21]).

4- عن أبيّ بن كعب – رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من الشعر حكمة». أخرجه البخاري ([22]).

يقول ابن حجر – رحمه الله تعالى: «إن من الشعر حكمة؛ أي قولاً صادقًا مطابقًا للحق، وقيل: أصل الحكمة المنع؛ فالمعنى: إن من الشعر كلامًا نافعًا يمنع من السَّفَه». ([23])

5- عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان أبو ذر يحدِّث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فُرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري ثم أطبقه.. الحديث». أخرجه البخاري. ([24])

والمعنى: «أن الطِّست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة؛ فسمي حكمة وإيمانًا مجازًا، أو مثلاً له؛ بناءً على جواز تمثيل المعاني، كما يمثَّلُ الموت كبشًا؛ قال النووي في تفسير الحكمة أقوالًا كثيرة مضطربة صَفَا لنا منها: «أن الحكمة العلم المشتمل على المعروف بالله مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به، والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك». اﻫ ملخصًا.

 وقد تطلق الحكمة على القرآن، وهو مشتمل على ذلك كله، وعلى النبوة كذلك، وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة ونحو ذلك»([25]).

هذه جملة من معاني الحكمة كما وردت في السنة النبوية، وكما شرحها كبار علماء الحديث، نقلتها دون تدخل مني لأوضح معنى الحكمة عندما تأتي في الحديث النبوي.

ومن هذه التعاريف لمعنى الحكمة في السُّنَّة يظهر تعدُّد استعمالها، وإن كانت تلك المعاني متقاربة، إلا أن الذي يؤثِّر في اختلاف المعنى السياقُ الذي وردت فيه.

فتفسيرها بالإصابة، أو بالفهم، أو بالعلم، أو ما يشهد العقل بصحته، أو المنع من السفه، أو المعرفة بالله، كلُّها عندي تفسيرات متقاربة؛ فمن اتَّصف بإحدى هذه الصفات فهو دليل على اتِّصافه بشيء من الحكمة.


 المبحث الثالث: معنى الحكمة في الاصطلاح

من خلال النظر في معاني الحكمة في اللغة العربية، ومن خلال التَّعرُّف على إطلاقات الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية، نجد علاقة وطيدة وصلة وثيقة بين هذه المعاني، وسنرى أيضًا في المعاني الشرعية الاصطلاحية للحكمة تماثلاً أو تشابهًا للمعاني التي نقلناها عند تفسير الحكمة في القرآن والسنة.

بل إن الحكمة تعادل القرآن أو تعني القرآن الكريم؛ فمن علم بالقرآن فهو حكيم, كما فسرها ابن عباس عندما قال: «المعرفة بالقرآن.. إلخ» ([26]).

وكذلك تفسَّر الحكمة بأنها السنة([27]) وتعني النبوة([28])، والحقُّ عندي أنَّ النبوة هي أعلى الحكمة؛ فهي صورة من صورها أو طبقة من طبقاتها، وتأتي في أعلى درجاتها([29]) وعلى قدر الأخذ من هذه المشكاة يرتقي المسلم في درجات الحكمة؛ يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى : «وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: إنها معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان». ([30])

* وتطلق الحكمة عند الفقهاء فيقال: حكمة التشريع؛ أي علَّته. ([31])

* وتطلق أيضًا ويراد بها «الكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه»([32]).

* وتطلق ويراد بها وضع الشيء في موضعه. ([33])

* وعرفها آخرون: «بأنها الإصابة في القول والعمل». ([34])

* هذه معان أو تعريفات تذكرها الكتب عن تعريف الحكمة، ولعل أقربها وأوفقها - بل وأجمعها - هو وضع الشيء في موضعه، وهذا التعريف يحقق كثيرا من المعاني السابقة؛ فهو إصابة في القول والعمل، وهو معتمد على فهم الكتاب والسنة وتطبيق مرادهما، ومستمد من مشكاة النبوة في أوجز لفظ وأبلغ معنى.


 المبحث الرابع: مفهوم الحكمة في مجال الدعوة إلى الله

توصَّلنا في التعريف الاصطلاحيِّ بعد استعراض لمعاني الحكمة في اللغة والقرآن الكريم والسنة إلى أن معنى الحكمة هو وضع الشيء في موضعه.

وإن كان هذا التعريف هو الأساس أيضًا في تعريف الحكمة في مجال الدعوة إلى – سبحانه وتعالى – إلا أننا نريد أن ننطلق إلى منطلقات أخرى تحدِّد هذا المفهوم في هذا المجال بخاصة بصورة توضح المقصود والمراد من الحكمة في مجال الدعوة إلى الله؛ ذلك أن الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – لا يمكن أن تخضع لقوانين مرسومة وأحكام مضبوطة يسير عليها الداعية وينظر إليها في كل خطوة من خطواته في ميدان الدعوة إلى الله تعالى؛ وذلك لأن الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – تعتمد على عدة أشياء؛ فهي تعتمد على المحيط الذي يعيش فيه الداعية والمدعو، وعلى الظروف، وعلى البيئة وغيرها من الملابسات، ولذلك فليس من السهل وضع قيود محددة يسير فيها الداعية؛ لأن ذلك يخالف معنى الحكمة الذي يفترض ترك الأمر للداعية ليقدره وفق ما يطرأ وما يحيط بالموقف مسترشدًا ومستضيئًا بما لديه من علم شرعي ينير له الطريق فحسب.

ولذلك فإننا نحسبه من الإعجاز القرآني؛ لأنه لم يتعرض لأحكام تفصيله في موضوع الدعوة؛ وإنما اكتفى بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، ولسائل بعدها أن يقلِّب في بقية صفحات المصحف الكريم؛ علَّه يجد ضوابط أدق؛ إنه لن يجد إلا حثًّا على العلم والفهم، ومحاولة الإصابة في القول والعمل؛ وهذا هو السياج الكبير الذي يطلق خلاله للعقل السليم والذوق السليم والعقيدة الراسخة والفكرة المتغلغلة في النفس.([35])

 وحسبه هذه الأمور ليُعمل بعد ذلك عقله وذوقه وإصراره المنطلق من عقيدة ثابتة وراسخة، وفكرة مستنيرة، ومحاط عن يمينه وعن يساره بسياج واسع يتيح له التحرك وتقدير اختلاف الأشخاص والموضوعات والأزمان والأمكنة والظروف والأحوال.

 وهذا السياج الذي يحمي الداعية من الانحراف، وبالتالي الخروج من إطار الحكمة - لم يكن ولن يكون عائقًا للداعية؛ بل هو لإعطائه الفسحة في الاطلاع على سير الأنبياء ومناهجهم في الدعوات موثقة في أوثق مصدر، وهو القرآن الكريم، وهي نماذج ثابتة مؤثرة منوعة قابلت شتى أنواع البشر، وتعاملت معهم، وصبرت وصابرت في سبيل هذه الدعوة، فكانت أيضًا علامات واضحة تضيء طريق الدعوة، وتسهل للمطلع على سيرهم السير في هذا الطريق تحت مشكاة النبوة؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. [سورة الأنعام، آية 90].

ولعل هذا التصوير يوضح معنى الحكمة في مجال الدعوة إلى الله؛ فهي كما تعني وضع الشيء في موضعه، فهي أيضًا تعني العلم والوعي وتقدير الموقف، ثم التفاعل مع الحدث تفاعلاً مثمرًا لا يخرج عن نهج الحق والصواب الذي اتضحت معالمه بنور القرآن وسير الأنبياء؛ فطريق الحكمة حينئذ ليس طريق متاهة وضياع، ليس عليه علامات ومنارات، وكذلك فهو ليس طريقًا محدَّدًا جامدًا، لا يفرِّق بين مدعوٍّ وآخر، ولا زمن وزمن، أو مكان ومكان، ولا يقيم للظروف والأحوال قيمتها واعتبارها.

وبهذا المفهوم أيضًا يتبيَّن أن الحكمة في الدعوة إلى الله لا تعني اللين واللُّطف والسماحة والتنازل، حتى تتحول هذه الألفاظ إلى معاني الذل والهوان والضعف والجبن؛ الحكمة لين في وقت اللين فحسب، وشدة في وقت الشدة فحسب؛ أما أن تكون لينًا في موضع الشدة، فهذا ليس بحكمة، وإنما هو ضعف وذلٌّ وهوان، أو أن تكون الحكمة الشدة في موضع اللين؛ فهذا صلف وحماقة واعتداء وتجاوُز.


 المبحث الخامس: منزلة الحكمة في مراتب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. [سورة النحل، آية 125].

فالقرآن يبدأ في أمر الدعوة بتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام من الله نحو الكلمة؛ وهذا يعني أن إبراهيم - عليه السلام - كان سائرًا في هذا الطريق ملتزمًا له، ثم أيضًا البدء بالحكمة قبل غيرها من الأساليب لتقديمها في الحديث على غيرها.

وهناك آية أخرى تتحدث عن الدعوة، ولكن مع صنف خاص هم أهل الكتاب؛ إذ قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. [سورة العنكبوت، آية 46].

ومن هذه الآيات يمكن أن نستخلص عدة طرق للدعوة أشارت إليها الآيات السابقة:

فالطريق الأول: الدعوة إلى الله بالحكمة.

والطريق الثاني: الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة.

الطريق الثالث: الدعوة إلى الله بالمجادلة بالتي هي أحسن.

الطريق الرابع: الدعوة إلى الله بالمجادلة بما ليس أحسن.

ونجد العلماء يجعلون هذه الطرق الأربعة مرتبة؛ فيدعى الشخص أولاً بالحكمة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى: «تارة يكون العبد إذا عرف الحق وتبين له اتبعه وعمل به؛ فهذا هو الذي يدعى بالحكمة، وهو الذي يتذكر وهو الذي يحدث له القرآن ذكرًا».

ثم يقول: «والثاني أن يكون له من الهوى والمعارضة ما يحتاج معه إلى الخوف الذي ينهي النفس عن الهوى؛ فهذا يدعى بالموعظة الحسنة». ([36])

فإن لم تُجْد معه الموعظة الحسنة فبالمجادلة الحسنة والمناظرة بقدر ما يُبيِّن له وجه الحق والصواب. ([37])

فإن لم تنفع المجادلة بالتي هي أحسن، فبالمجادلة بغير التي هي أحسن ([38] أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. [سورة العنكبوت، آية 46]. أو بمعنى آخر: فبالمجالَدَة ([39] وبالتالي فهي أربع مراتب:

الحكمة، ثم الموعظة، ثم المجادلة، ثم المجالدة.

وهذه الطرق أو المراتب التي أرشد إليها القرآن الكريم هي النافعة المثمرة في العلم والعمل، وهي تشبه ما عند أهل المنطق من البرهان والخطابة والجدل، وهناك طريقان نهى عنهما القرآن الكريم: الشعر والسفسطة التي هي الكذب المموه، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ......﴾ إلى آخر السورة. [سورة الشعراء، الآيات آخر السورة]. فذكر الأفَّاكين، وهم المسفسطون، وذكر الشعراء ([40]).

وبعد: فإن المقارنة بين كلام العلماء في مراتب الدعوة هنا مع تعريف الحكمة السابق يُظهر أن الحكمة هنا عرِّفت بتعريف جزئي، وليس بمعناها الشامل الواسع السابق.

إننا توصَّلنا بعد النقل من كتب العلم والرجوع إلى كتب التفاسير إلى أن الحكمة: «وضع الشيء في موضعه»، وهنا نجد أن الحكمة مخصَّصةٌ بنوع معين من المدعوِّين وهم الذين يعترفون بالحق ويتبعونه؛ ([41]) أما من عدا هؤلاء فيدعى بالموعظة والمجادلة بالحسنى.. إلخ.

وهذا في رأيي يُظهر جليًا أهميةَ مرتبة الحكمة بين بقية المراتب الأخرى؛ فهي المقدَّمة عليها جميعًا، وهي تشملها عند عدم ذكرها؛ فإذا أفردت الحكمة بالذكر دخلت فيها الموعظة والمجادلة بالحسنى، والمجادلة بغير الحسنى لمن يستحق ذلك.

فمرتبتها أعلى المراتب إن وجدت المراتب، وإن غابت وأغفلت المراتب فهي كافية عنها، ومؤدِّية الغرض منها.

ولذلك يقول أبو الحسن الندوي: إن الحكمة «الكلمة البليغة العربية التي جاءت في الآية» لا أعتقد أنه من الممكن ترجمتها أو نقلها إلى لغة أخرى([42]).

وهذا هو المعنى الذي سأذكر عليه نماذج تطبيقية تظهر معنى الحكمة التي تفرِّق بين شخص وشخص ممن يَتحدَّث إليهم الداعية، وأنها تنتقل من المداراة والمجاراة أو اللين واللطف إلى أن تصل إلى مرحلة حمل السلاح والقوة؛ هذا في أسلوبها، أو التمسك بالمبدأ، أو في التنازل عنه، إذا كان ممن يقبل التنازل تحقيقًا لمصلحة أعلى، وتطبيقًا لمفهوم الحكمة في الدعوة في موضوعها.

أما في الظروف والأحوال المحيطة فلها اعتبارها وقيمتها المؤثرة على تطبيق الحكمة في الدعوة إلى الله في معناها الواسع المشار إليه.

 الفصل الثاني: تطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله

وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تطبيقاتها باختلاف المدعو.

المبحث الثاني: تطبيقاتها باختلاف الموضوع.

المبحث الثالث: تطبيقاتها باختلاف الوسائل والظروف المحيطة.


 تمهيد

تقوم كلُّ دعوة في أي شكل من أشكالها على أركان أربعة:

الركن الأول: وهو المرسل، أو هو حامل هذا الدَّين ليؤديه إلى غيره؛ فهو الذي لديه القناعة والحماس لنقل فكرة دينية دعوية ويرغب إيصالها لغيره، مستخدمًا في ذلك الوسائل والأساليب التي تعينه على تحقيق مراده بحكمة ودراسة وفهم وتلاؤم بين المدعو والوسيلة والموضوع.

وبالتالي فهو مصدر الحكمة، وهو المؤثِّر، أو على الأقل هو اليد التي تعمل على تحقيق الحكمة عندما تختار الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب لتتحدث عن الموضوع المناسب للشخص الملائم.

وحينئذ فهذا الركن خارج عن دائرة بحث الحكمة في الدعوة إلى الله لتأثيره وعدم تأثره.

الركن الثاني: المدعوُّ: وهو من تُوجَّه إليه الرسالة.

وهو المقصود بالعملية الدعوية إذا جاز لنا أن نسميها عملية، وبالتالي فالأنظار تتجه نحوه ترقب الطريق الموصل إليه تارة، وترقب حالته أخرى، لتتعرف على ملائمة الوقت والحال لإطلاق رسائل الدعوة إليه.

وكثيرًا ما تتأثر الدعوة بالقبول أو الرد نتيجة عدم إحسان التعرف على نفسية المدعو؛ ذلك أن الدعوة عملية ذات اتجاهين، تعتمد على إدراك نفسية الناس، واستعدادهم للقبول والاستجابة ([43]).

وعلى هذا فإن التعرفَ على المدعو يُعدُّ من صلب الحكمة في الدعوة إلى الله، وكثيرًا ما تغير الأسلوب - بل الموضوع - بعد معرفة المخاطب المدعو، ولذلك سيكون لنا وقفات تطبيقية من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - المظهرة لحسن الاختيار وجودة التقدير وبروز الحكمة فيها بشكل كانت له جوانب إيجابية موفَّقة.

الركن الثالث: الرسالة أو الموضوع أو الفكرة التي يرغب الداعي إيصالها إلى المدعو، وتغيير فكره ورأيه بعد الاقتناع بها، وهي تدور في نطاق هذا الدين لا تخرج عن إطاره؛ لكنها تختلف وتتأثر بعوامل عدة، ابتداء من الداعي ذاته إلى المدعو ونفسيته وتقبله، إلى الوسيلة والظروف المحيطة، ودور الحكمة هنا يبرز واضحًا في حسن إيصال الرسالة وتقبلها والتأثر بها.

الركن الرابع: وهو الوسيلة والأسلوب، أو الأداة الناقلة للفكرة من الداعي إلى المدعو، ويلحق بها ما يحيط من ظروف الزمان والمكان، ولكل من الوسيلة والأسلوب وما يحيط بهما من ظروف زمانية أو مكانية دور بالغ في تحقيق التأثير المطلوب من رسالة الدعوة، ومن هذا المنطلق فإني أقول: إن على الداعي إلى الله أن يفكر كيف يدعو قبل أن يفكر في: إلى أي شيء يدعو، وكثيرًا ما أدَّى التعجُّل إلى الهدم؛ فما أن يرى شابٌّ خللاً أو قصورًا إلا ويأخذه وقد حال الحماس بينه وبين التفكير في الأسلوب والوسيلة؛ فهو يعرف إلى أيِّ شيء يدعو، ثم يعرف جيدًا إلى أي شيء يدعو ليحقق الحكمة في دعوته، وكم من الأفكار الجميلة خنقتها في مهدها أساليب عرضها.

ولأجل هذا يبدو جليًّا المكان الواسع للحكمة في هذا الركن وأهميته والتنبُّه إليه والاعتناء به.

وبعد:

فهذه أركان الدعوة، أولها الداعي، وقد أخرجته من مجال بحثنا؛ لأنه الفاعل المؤثر، والحكمة جزء خارج عنه، وحسب تصرفه واختياره يوصف بالحكمة أو عدمها، وما عداه من الأركان الثلاثة تتفاعل مع الحكمة تفاعلاً قويًا تؤثر بالحكمة، وتؤثر الحكمة فيها، وفي سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - التطبيق الحي والشاهد الأمثل لحسن رعاية الحكمة وقوة تأثيرها وعمق صداها.

ولذلك فسأقسِّم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: يتعلق بتطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله بالنسبة للمدعوّ.

المبحث الثاني: يتعلق بتطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله بالنسبة للموضوع والرسالة.

المبحث الثالث: يتعلَّق بتطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله بالنسبة للوسيلة والظروف المحيطة الأخرى.


 المبحث الأول: تطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله باختلاف المدعو

تختلف الموضوعات وتختلف الأساليب باختلاف المدعوّ، وهنا تأتي براعة وذكاء الداعي في المواءمة بين المدعو والرسالة؛ لتُصاغ الرسالة أو تُعدَّل أو تُبدَّل وفق صيغة معينة لا يخرجها عن إطارها المقصود، ولا يجعلها ترتد على صاحبها؛ إما بالسلامة أو بتأثير عكسي. وإليك البيان:

1- الصورة الأولى:

قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟

قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أيُّ؟ قال: برُّ الوالدين. قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، فسكتُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو استزدته لزادني». رواه البخاري ([44]).

2- عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور». رواه البخاري ([45]).

3- عن ابن عبد الله بن بسر – رضي الله عنه – أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». أخرجه الترمذي وأحمد ([46]).

4- عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة. قال: «عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له»، ثم أتيتُه ثانية فقال: «عليك بالصيام». رواه الإمام أحمد وابن خزيمة ([47]).

5- عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال: «لقد سألتَني عن عظيم، إنه ليسير على من يَسَّرَه الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، ثم قال: «ألا أَدَلُّك على أبواب الخير: الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل». قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. [سورة السجدة، آية 16]. ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟! قلت: بلى يا رسول الله! قال: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد». ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟! قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأخذ بلسانه، قال: «كُفَّ عليك هذا». فقلت: يا نبيَّ الله، وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمُّك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم». رواه الترمذي ([48]).

هذه تمثِّل مجموعةً من السائلين سألوا رسول  الله - صلى الله عليه وسلم - سؤالاً واحدًا، وإن اختلفت ألفاظه فهو يدور حول أفضل الأعمال؛ فمرة نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجيب السائل بأن أفضل الأعمال بر الوالدين، ثم الجهاد، ثم الحج، ثم تختلف الإجابة عندما أصبحت السائلة امرأة، فجعل الجهاد الحج المبرور، ثم يجيب الأعرابي([49]) السائل عن كثرة شرائع الإسلام بأن أفضل الأعمال التي يتشبث بها ذكر الله – سبحانه وتعالى ، ويأتي آخر فيدلُّه على الصيام، وأنَّه لا يماثله ولا يعادله عمل، ولما كان السائل في حديث معاذ شابًا جلدًا حريصًا تغيرت الإجابة؛ بل كانت مفصلة متضمنة لإضافات جديدة قيمة لم يسأل عنها السائل.

وهنا قد يقف بعض الأشخاص فيظن أن هذا تناقضًا في إجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويعدها من الأخطاء التي يريد أن ينقص الإسلام بها، ولا يدري أن هذه الإجابات وتنوعها إنما هي على العكس من ذلك؛ فهي للفاهم الواعي المدرك، يعلم أنها منتهى الحكمة التي يعطي لكل سائل الإجابة الملائمة لا جهاد عليها، وجهادها الحج.

 والشيخ الفاني عبادته الذكر، وهكذا يقول البناء – رحمه الله تعالى – وهو يشرح حديث أبي أمامة السابق في قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي أمامة في المرة الثانية: عليك بالصيام؛ دلالة على أنه لم يجد له أفضل منه، وهذا لا ينافي ما ثبت في أحاديث أخرى من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب بعض السائلين في مثل هذا بأعمال أخرى غير الصيام؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كالطبيب يصف لكل إنسان من الدواء ما يناسب حاله» ([50]).

الصورة الثانية:

1- عن جابر بن عبد الله الأنصاري – رضي الله عنهما – قال: كُنَّا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله، أصبت هذا من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». أخرجه أبو داود ([51]).

2- عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبقيتَ لأهلك؟» قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر – رضي الله عنه – بكل ما عنده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيتُ لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا». أخرجه أبو داود ([52]).

3- حديث كعب بن مالك – رضي الله عنه – حين تخلَّف عن غزوة تبوك في حديث طويل، في صحيح البخاري، جاء في آخره: بعد أن نزلت التوبةُ على كعب – رضي الله عنه – في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، قال كعب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -». قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَمْسك عليك بعضَ مالك؛ فهو خير لك». أخرجه البخاري. ([53])

هذه ثلاثة مواقف في قضية واحدة وهي الصدقة بالمال؛ لكن اختلفت الإجابة، واختلف التعامل؛ فهل يفهم من هذا تناقضًا أو تحيُّزًا أو هي الحكمة والفهم والوعي لطبيعة المتصدِّق؟ فإنَّ مَنْ يتصدق اليوم ويُخشى عليه أن يندم غدًا، أو تُسَبِّبُ له صدقتُه مضرَّةً راجحة، فإنَّ دفعَ المفاسد مُقَدَّمٌ على جَلْب المصالح.

ولذلك نجد هنا أربعة أشخاص: الأول: ردُّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - صدقته عندما تصدَّق بماله كلِّه؛ بل عَنَّفه على ذلك لإلحاحه في عرض المال مع إعراض الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه.

كل هذا خوفًا من الفقر وعدم الصبر([54]).

وقَبلَ - صلى الله عليه وسلم - من عمر – رضي الله عنه – الصدقةَ بنصف ماله؛ بل قَبلَ من أبي بكر – رضي الله عنه – الصدقة بماله كله، ولم ينكر عليه خروجَه من ماله أجمع؛ لما علمه من صحة نيَّته وقوَّة يقينه، ولم يخف عليه الفتنة كما خافها على الرجل الذي رَدَّ عليه الذَّهب ([55]).

وأما كعب – رضي الله عنه – فقد منعه من الصدقة بكل ماله؛ فهو إشارةٌ من الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأرفق به، وما يحصل به منفعة دينه ودنياه؛ فإنه لو مكنه من إخراج ماله كله قد لا يصبر على الفقر والعدم ([56])، وهكذا نجد الأحكام تختلف باختلاف الأشخاص المدعوين إن اتحدت القضية وهي «الصدقة»، وهذا من فقه الدعوة وإدراك الحكمة؛ يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى : «وقد يقال - وهو أرجح إن شاء الله : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامَلَ كُلَّ واحد ممَّن أراد الصدقة بماله بما يعلم من حاله» ([57])؛ أي بما يغلب على ظنِّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حالته، فوجَّهه نحو التَّصرُّف الذي يوافق قواه الإيمانية ومقدرته على مواجهة أعباء الحياة؛ فمن خاف أن يضعف أمامها أمره بحفظ ماله، ومن كان ثابتًا راسخًا فالصدقة مطلوبة ومرغب فيها ومثاب عليها.

الصورة الثالثة:

1- عن أبي مالك الأشعري – رضي الله عنه – أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». أخرجه البخاري بصيغة الجزم معلَّقًا ([58]).

2- عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – إلى النخيل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضعه في حجره، ففاضت عيناه، فقال له عبد الرحمن: «أتبكي وأنت تنهى الناس!!» قال: إني لم أُنْهَ عن البكاء؛ وإنما نهيتُ عن النوح؛ صوتين أحمقين فاجرين؛ صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشقِّ جيوب ورنة». رواه البيهقي، واللفظ له ([59])، والترمذي باختصار بعض الألفاظ، وحسَّنه الألبانيُّ ([60]).

يقول ابن القيم – رحمه الله تعالى: «فانظر إلى هذا النهي المؤكّد بتسميته صوت الغناء صوتًا أحمق، ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك حتى سمَّاه من مزامير الشيطان» ([61]).

3- عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنِّيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحَوَّلَ وجهَه، ودخل أبو بكر – رضي الله عنه – فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «دعهما». فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإما قال: أتشتهين تنظرين؟ قلت: نعم! فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفده، حتى إذا مللت قال: حسبك. قلت: نعم! قال: فاذهبي». رواه البخاري ([62]).

4- عن بريدة قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: «يا رسول الله، إني كنت نذرتُ إن ردَّك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدُّفِّ وأتغنى. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا». فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر – رضي الله عنه – وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدفَّ تحت إستها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر؛ إني كنتُ جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلتَ أنت يا عمر ألقت الدف». أخرجه الترمذي([63]).

 هذه نصوص وردت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المعازف والغناء؛ فالموضوع واحد، لكن اختلف المخاطبون، فاختلف تبعًا لذلك الحكم، وهذه هي الحكمة التي تراعي أحوال المدعوين، وتفرق بين حال وحال بما لا يجعل النصوص يضرب بعضها بعضًا، وقد نقلت كلام ابن القيم – رحمه الله تعالى – قبل قليل حول تحريم المعازف والمزامير وتسميتها مزامير الشيطان، وسأُتْبع هذا بنقول أخرى من كتاب آخر للمؤلف نفسه حول القضية ذاتها، ولنسمعه يقول وهو يتحدث عن قصة عائشة مع الجاريتين: «فقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصديق على أن الغناءَ مزمور الشيطان.. فعلم أن هذا من الشيطان، وإن كان رخص فيه لهؤلاء الضعفاء العقول من النساء والصبيان، لئلَّا يدعوهم الشيطان إلى ما يفسد عليهم دينهم؛ إذ لا يمكن صرفهم عن كل ما تتقاضاه الطباع من الباطل، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ فهي تحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.

 فإذا وصف العمل بما فيه من الفساد مثل كونه من عمل الشيطان، لم يمنع ذلك أن يدفع مفسدةً شرًّا منه وأكبر، وأحب إلى الشيطان منه؛ فيدفع بما يحبه الشيطان ما هو أحب إليه منه، ويحتمل ما يبغضه الرحمن لدفع ما هو أبغض إليه منه، ويفوت ما يحبه لتحصيل ما هو أحب إليه منه، وهذه أصول مَنْ رُزق فهمَها والعملَ بها فهو من العالمين بالله وبأمره»... إلى أن قال: «وإذا لم يمكن حفظ العبد نفسه من جميع حظوظ الشيطان منه، كان من معرفته وفقهه وتمام توفيقه أن يدفع حظه الكبير بإعطائه حظه الحقير إذا لم يكن حرمانه الحظَّين كليهما، فإذا أعطيت النفوس الضعيفة حظًّا يسيرًا من حظِّها يستجلب به من استجابتها وانقيادها خير كبير، ويدفع عنها شرًا كبيرًا أكبر من ذلك الحظ، كان هذا عين مصلحتها، والنظر لها والشفقة عليها».

 ثم قال وهو يتحدث عن حديث ضرب المرأة التي نذرت إن نجاه الله أن تضرب على رأسه بالدف؛ لما في إعطائها ذلك الحظ من فرحها به وسرورها بمقدمه وسلامته التي هي زيادة في إيمانها ومحبَّتها لله ورسوله، وانبساط نفسها وانقيادها لما تؤمر به من الخير العظيم الذي ضربُ الدفِّ فيه كقطرة سقطت في بحر: "وهل الاستعانة على الحق بالشيء اليسير من الباطل إلا خاصة الحكمة والعقل؛ بل يصير ذلك من الحق إذا كان معينًا عليه؛ ولهذا كان لهوُ الرجل بفرسه وقوسه وزوجته من الحق؛ لإعانته على الشجاعة والجهاد والعفَّة، والنفوس لا تنقاد إلى الحق إلا ببرطيل، فإذا برطلت بشيء من الباطل لتبذل به حقًا وجوده أنفع لها وخير من فوات ذلك الباطل كان هذا من تمام تربيتها وتكميلها، فليتأمل اللبيب هذا الموضوع حق التأمل؛ فإنه نافعٌ جدًا. والله المستعان ([64]).

ولا أظن أن مثلَ هذا الكلام يحتاج إلى توضيح أو إلى تعليق، والذي أَوَدُّ التذكير به هو المقارنة بين كلامه هنا، وكلامه المنقول من إغاثة اللهفان عن حكم المعازف والمزامير والغناء ليظهر من خلالها فقه ابن القيم الدعوي المدرك لقيمة ومعنى إدراك نفسية المدعو، ومعاملته معاملة تتناسب وحاله ومستواه العلمي والعقلي، وهل يستوي الحديث للرجال بالحديث للنساء، أو الحديث للنساء بالحديث للأطفال؛ إن لكلِّ موقف مع هؤلاء طبيعة وخاصية دقيقة، يستطيع «الحكم» أن يجلب أقصى ما يمكن من المصلحة، وعينه الأخرى ترقب المفاسد؛ فلا يتسبَّب جلبه للمصالح إلى جلب مفاسد أكبر.

فمن يأخذ بحديث تحريم المزامير والمعازف السابق ويطبقه ويغفل عن بقية الأحاديث الأخرى، فهو لا شك يطبِّق نصًّا نبويًّا؛ ولكنَّه غفل عن نصوص أخرى؛ لكن الحكمة تقتضي المواءمة بين النصوص كلها والتفريق بين فرد وآخر، ومتى كانت نفوس الصبيان والنساء والجواري كالكبار من الرجال العقلاء!

 وإن النفوس التي غنَّت في بيت عائشة، والنساء اللاتي ضربن بالدفِّ عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرحًا بقدومه، إنما يُظهرون فرحهم بذلك، وهكذا كان فرحُ هؤلاء الصغار والنساء «الذين لا تحتمل عقولهم الصبر تحت محض الحق؛ فكان إقرارهم بالترخيص لهم في هذا القدر مصلحة لهم، ذريعة إلى انبساط نفوسهم وفرحهم بالحق؛ فهو من نوع الترخيص في اللعب للبنات وما شاكل ذلك، وهذا من كمال شريعته ومعرفته بالنفوس، وما تصلح عليه، وسوقها إلى دينه بكل طريق، وفي كلِّ واد؛ ومن المعلوم أن النفوس الضعفاء والعقول الضعيفة إذا حملت على محض الحق وحمل عليها ثقله، تفسخت تحته واستعصت ولم تنقد، فإذا أعطيت شيئًا من الباطل ليكون لها عونًا على الحق ومنفذًا له كان أسرع لقبولها وطاعتها وانقيادها» ([65]).

الصورة الرابعة:

1- قال عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما : بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أني أصوم وأَسْرُدُ، وأصلي الليل؛ فإما أرسل إليَّ وإما لقيته. فقال: «ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر وتصلي الليل، فلا تفعل؛ فإنَّ لعينك حظًّا، ولنفسك حظًّا، ولأهلك حظًّا، فصم وأفطر وصلِّ ونم ... الحديث» أخرجه مسلم. ([66])

هذا الحديث يحفظه الكثير من الناس، ويتقنون الاستشهاد به في موقعه، وفي غير موقعه؛ يحفظونه: «فلا تفعل فإن لعينك حظًا ولنفسك حظًا ولأهلك حظًا». ويغفلون عن مقدمة الحديث وأوله؛ بل ويغفلون أيضًا عن أحاديث كثيرة تحدَّثت عن الموضوع ذاته؛ وهو الترغيب في الإكثار من الطاعات، فإذا ما رأوا رجلاً يكثر من الصيام أو الصلاة أو سائر الطاعات الأخرى بادروا بنصحه، مستندين في نصحهم له إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو استدلال ينقصه «الحكمة» وتقدير الموقف ومعرفة «طبيعة المدعو»؛ فهل كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا لكل فرد؛ أم قاله فقط لعبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان يسرد الصوم ويصلي الليل؟! أما غيرُ عبد الله فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يحثُّه ويرغِّبه في الإكثار من الطاعات.

2- فعن عليٍّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طَرَقَه وفاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلةً فقال: ألا تصليان؟! فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يضرب فخذَه وهو يقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً». أخرجه البخاري([67]).

3- عن حفصة – رضي الله عنها – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نعم الرجل عبد الله - أي ابن عمر - لو كان يصلي من الليل». فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً، أخرجه البخاري ([68]).

فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يطرق بيت عليّ – رضي الله عنه – ويرغب في قيام الليل، ويتمنى على ابن عمر – رضي الله عنهما – لو يكثر من قيام الليل، في حين أنه مع عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – يقول له: «لا تفعل»! لكن لا تفعل ماذا؟ الإكثار من العبادة إلى الحدِّ الذي يجعلك تضيِّع عبادات أخرى هي أوجب؛ مثل تضييع حق النفس والزوج والضيف .. إلخ؛ أما أن تقال «لا تفعل» لكل شخص فهذا هو الخطأ المحض؛ وهو استعمال للنصِّ في غير موضعه وفقدان للحكمة المطلوبة في فقه الدعوة.

الصورة الخامسة:

هناك العديد من أساليب الدعوة، والداعي إلى الله بين يديه هذه الأساليب ينتقي منها ما يناسب المدعو، ومن خلال انتقائه وتقويمه للموقف تظهر حكمته في الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى.

وفي هذه الصورة تتردَّد الحكمة في الدعوة إلى الله بين إثارة العاطفة أو العقل أو استخدام القوة؛ فقد يكون موقف إثارة العاطفة أجدى وأعمق تأثيرًا، وقد تكون المجادلة والمحاورة العقلية لها الأثر البالغ حسب نوعية وطبيعة من تتحدث إليه، وقد تجد أيضًا أن القوة والتلميح بها أو استخدامها الأكبر تلاؤمًا وانسجامًا مع تحقيق الحكمة في الدعوة إلى الله:

1- عن أبي أمامة الباهلي – رضي الله عنه – قال: «إن فتى شابًا أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه. فقال: «ادنه». فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: «أتحبُّه لأمِّك!» قال: "لا والله، جعلني الله فداءك". قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك!» قال: لا والله يا رسول الله جعلني فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك!». قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك!» قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك!» قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطَهِّر قلبَه، وحَصِّن فَرْجَه». فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. أخرجه أحمد ([69]).

فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يبيِّن له وجهَ الحقِّ بما يلائمه، فاختار له طريق إثارة العاطفة والعقل والغيرة على المحارم، حتى شعر أن المجتمع يتكون من أمه أو أمهات الناس، أو بنته أو بنات الناس، أو أخته أو أخوات الناس، وكلُّ فرد لا يرضى بالزنا لقريبته؛ فكما أن هذا الفتى ينفر من أعماق شعوره وإحساسه من الحديث عن زنا أمه أو ابنته، فينبغي أن ينفر عن الزنا بأمهات الناس أو بناتهم.

2- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه أعرابي فقال: «يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر: قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: فإني كان ذلك؟ قال: أراه عرق نزعه، قال فلعل ابنك هذا نزعه عرق». أخرجه البخاري ([70]).

وفي هذا هل يزيل الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، الشك بالموعظة أو بالترغيب؟ أم بحوار عقلي ثم بتشبيه من بيئة الأعرابي نفسه. ببيئة يعرفها ويعايشها ويراها صباح مساء، إنها توالد الإبل واختلاف ألوانها.

وكان السؤال هو الأسلوب الملائم لهذا الأعرابي، حتى جعله الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، يجيب بنفسه عن سؤاله، ويخرج وهو مقتنع يتذكر الإجابة كلما رأى الإبل أمامه في المرعى، فلا يبقى في قلبه أدنى شك أو شبهة أو ريب، ومصدر هذا ليس إلا من حسن اختيار الأٍسلوب، وهو الحكمة المطلوبة للدعاة.

3- عن سلمة بن الأكوع – رضي الله عنه - «أن رجلاً أكل عند رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه» أخرجه مسلم ([71]).

فهذا هل ينفع معه الحوار، أو إثارة العاطفة، إنه مستكبر، فلذلك لا مجال إلا القسوة، ليعرف منزلته ومقامه، وبالتالي إزالة دائه وهو الكبر.

4- عن أبي الدرداء – رضي الله عنه - «أن رجلاً شكي إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قسوة قلبه، فقال له: أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك، ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن قلبك، وتدرك حاجتك» ([72]).

فليس في هذا براهين عقلية ولا أدلة، وإنما فقط توجيه نحو سلوك معين، فهو طالب قاصد باحث عن الخير، يحتاج فقط إلى من يدله عليه، بإشارة هادية فحسب.

5- عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه - «أن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بعثه على الصدقة فقال له: اتق الله يا أبا الوليد لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاه لها ثؤاج ([73] فقال: عبادة يا رسول الله إن ذلك كذلك، قال: إي والذي نفسي بيده إلا من رحم الله قال: والذي بعثك بالحق، لا أعمل على اثنين أبدًا أي لا آلي الحكم على اثنين، ولا أتأمر على أحد».

وهل تنفع الموعظة في كل فرد، كما فعلت في أبي الوليد – رضي الله عنه – بل لماذا لم يقل الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، للشاب، الذي يستأذن في الزنا، لماذا لم يقل الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، اتق الله؟ ولماذا لم يقل الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، للأعرابي الذي ظن السوء بزوجته لما ولدت ولدًا يختلف لونه عن لون أبيه؟ لماذا لم يقل له اتق الله؟ فإنها أعراض محرمة، بل سلك مع هؤلاء المسلك العقلي، وهنا أثار العاطفة في أبي الوليد تخويفًا من سوء العاقبة، إنها الحكمة التي تقتضي التفريق بين الأشخاص، ففلان تناسبه المجادلة العقلية، وآخر القوة هي الأسلوب الأمثل، وثالث عليك معه بالترغيب والترهيب، وهذا هو مسلك الحكمة في الدعوة إلى الله، الموصل إلى أسمى وأنجح الغايات والمقاصد.


 المبحث الثاني: تطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله باختلاف الموضوع

لا شك أن الداعية يدعو  إلى دين الله «الإسلام» لكن الداعي وهو يتحدث عن هذا الدين تجده مرة يدعو إلى العقيدة أو إلى تصحيح العقيدة. وقد يدعو في موقف آخر إلى العبادات العملية وفقهها، ثم يتحدث في موقف آخر عن المعاملات والعقود والعهود... الخ. وبالتالي فهو سينتقل من موضوع إلى آخر، وفق حاجة المجتمع الذي يبتغي التغيير فيه، وسيصادف في دعوته هذه من يستجيب كليًا وينساق معه باقتناع تام دون تردد تأثرًا بدعوته، ومنهم من يأخذ بعضًا ويترك آخر، ومنهم من يردها جملة لأن في أذنيه وقرًا، وعلى بصره غشاوة، وموضوع حديثنا في هذا المبحث إنما هو النوع الثاني فحسب، متى نقبل منهم هذه التجزئة؟ ومتى نردها؟ متى تقتضي الحكمة قبول ما قبلوه والسكوت عما أعرضوا عنه إلى حين؟ إن معاملة النوع الثاني كثيرًا ما تختلط بمعاملة النوع الأول، فيلتبس الأمر وتخفى الحكمة، وتتداخل أجزاء «الرسالة» بعضها ببعض وفي الصور التالية محاولة لتجلية الموقف، وتمييز لمواطن الحكمة، من واقع تتبع سيرة الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وخلفائه الراشدين:

الصور ة الأولي:

1- جاء وفد ثقيف إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بعد غزوة تبوك، وكانوا على شركهم، وجادلوا الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، جدالاً طويلاً حتى أسلموا، وفرغوا من كتابهم، وقد كانوا فيما سألوه رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أن يدع لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلوا الإسلام، فأبى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -،: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه» ([74]).

فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟ قال: نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم، قال: أفرأيت الزنا فإنا قوم نغترب ولابد لنا منه؟ قال هو عليكم حرام، فإن الله – عز وجل – يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. [الإسراء، آية 32]. قالوا: أرأيت الربا فإنه أموالنا كلها؟ قال: لكم رؤوس أموالكم، إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. [البقرة، آية 278]. قال: أفرأيت الخمر؟ فإنه عصير أرضنا لابد لنا منها؟ قال: إن الله قد حرمها وقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾..... الخ ([75]).

فلم يقبل الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، تأجيل هدم اللات، ولم يقبل الدخول مع وفد ثقيف حتى يسلموا، ثم لم يقبل المفاوضات في أمر الزنا والربا والخمر، إنها أمور قطعية لا تقبل التفاوض فهي الإسلام، وتأخيرها أو تأخير بعضها معناه رد الإسلام، ولا يصلح الإسلام إلا بها، فهو جاء مضادًا لبقاء صرح اللات، بل إن غايته هدم عرش اللات في الأرض، وهدم عرشها في القلوب.

ومثل هذا الموقف نرى موقفًا آخر وقفه جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – على النحو التالي:

2- أذن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، لصحابته بالهجرة إلى الحبشة مرة ثانية، لما رأى إيذاء قريش يشد على أصحابه، فهاجر مجموعة فيهم جعفربن أبي طالب – رضي الله عنه – وعز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم في الحبشة، فبعثوا رجلين هما: عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، فقدما على النجاشي يحملان الهدايا، وبعد حديث معه استدعى جعفرًا وأصحابه وسمع منهم، ثم أثنى عليهم، ووعد بحمايتهم ورد وفد قريش، لكن عمرو بن العاص كان حريصًا على إيقاع الأذى بالصحابة، فرجع إلى النجاشي وقال له: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيمًا، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم، ففزعوا وأجمعوا على الصدق كائنًا ما كان، فلما دخلوا عليه وسألهم، قال له جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا محمد، - صلى الله عليه وسلم -،: هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشي بيده في الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال، والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود: قال فتناخرت البطارقة، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا أنتم شيوم، «والشيوم الآمنون» ([76]).

وهذا الموقف لا يقبل المساومة أو التراجع، أو إخفاء، أو تأجيلاً لبعض الحقائق، يقول أبو الحسن الندوي:

لو أن رجلاً مكان جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – فواجه مثل هذه الأزمة والمشكلة الطريفة، لم يكن غريبًا أن يداهن أو يحابي أو يراعى دقة الموقف، ويجيب جوابًا سياسيًا، ويخرج من هذا المضيق بكلمة لبقة لا تصرح ببشرية عيسى بن مريم، وقد كان بليغًا حاضر البديهة متصرفًا في الكلام، ولكنه كان ممثلاً للعقيدة الإسلامية الصافية خير تمثيل، قائمًا في هذا المجلس الملكي مقام الرسل والأنبياء من غير رسالة ولا نبوة، فما كان له أن يداهن أو يمزج الحق بالباطل، فجاء بكلام صريح وواضح، ولكن في بلاغة وحكمة، وفي اتزان وتناسب دقيق، وكلام فصل لا فضول فيه ولا تقصير، فكان عاقبة هذا الإخلاص والصدق، ونتيجة هذه البلاغة والحكمة، أنه خرج من هذا المأزق منتصرًا كريمًا سليمًا وكسب المعركة ([77]).

3- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: «توفي رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، واستخلف «أبو بكر» الصديق بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لأبي بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -،: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؟ فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله – عز وجل – فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلتهم على منعها، فقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر – رضي الله عنه – فعرفت أنه الحق». أخرجه البخاري ([78]) وأبو داود ([79]).

هذه مواقف اعترضت طريق الدعوة، لم تواجه بالتنازل أو التجزئة، فها هو ذا الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، يقف من شروط ثقيف السابقة موقفًا ثابتًا، يلين فيما لا بأس به، ولا ضرر منه ويشتد في الأمور التي لا يجوز فيها اللين، وإننا لنرى أن الشروط متفاوتة في طبيعتها، فمنها ما يتصل بصميم العقيدة، ومنها ما يتعلق بأمور العبادة، ومنها شكلي صوري، واختلف موقف الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، في كل منها بحسب موضوعه، لينًا وشدةً، فأعفاهم من تكسير أصنامهم بأيديهم، ولم يقبل تأخير الصلاة، ولا تأخير كسر الأصنام، لأن إقرارها ولو للحظة واحدة، اعتراف بصورة من صور الوثنية، وذلك مهما كان فهو تشويه لجلال التوحيد الصافي النقي ([80]).

وعلى هذا النهج، كان موقف جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – ومثله موقف أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – بعد أن أصبح خليفة، فلم يتهاون في أمر مانعي الزكاة، بالرغم من كثرتهم وقلة المؤيدين له على هذا الرأي. لكنه الفقه في الدعوة، والحكمة في معرفة ما يقبل التنازل وما لا يقبله، ومنه: «ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئًا لا لضرورة، ولا لغير ضرورة كالشرك والفواحش، والقول على الله بغير علم، والظلم وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. [سورة الأعراف، آية 32].

فهذه الأِشياء محرمة في جميع الشرائع، وبتحريمها بعث الله جميع الرسل، ولم يبح منها شيئًا قط، ولا في حال من الأحوال ([81]).

«فيجب الفرق في الواجبات والمحرمات والتمييز بينهما هو اللازم لكل أحد، على كل حال، وهو العدل في حق الله، وحق عباده، بأن يعبدوا الله مخلصًا له الدين، ولا يظلم الناس شيئًا، وما هو محرم على كل أحد في كل حال، لا يباح منها شيء، وهو الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم – وبين ما سوى ذلك» ([82]).

4- في حديث مقدم النبي، - صلى الله عليه وسلم -، إلى مكة، الذي انتهى بصلح الحديبية، ورد في صحيح البخاري - رحمه الله تعالى – في ذكر بعض القصة: عن المسور بن مخرمة ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: «خرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق، إلى أن قال: وسار النبي، - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس حل حل، فألحت، قالوا خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها .. الحديث» أخرجه البخاري ([83]).

فها هو ذا الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، يقسم في هذا الموقف، إنهم لا يسألون «خطة» فكرة يعظمون فيها حرمات الله إلا قبلها، فلو أعطوه بعض المطلوب لقبله منهم واكتفى به، فالموقف هنا يقبل التجزئة، وأخذ البعض وترك البعض الآخر، ولذلك أدرجه البخاري – رحمه الله تعالى – تحت باب: «الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب وكتابة الشروط». ولا شك أن معنى المصالحة هو التنازل من الطرفين، لا أن يكون طرف واحد يأخذ، والآخر يعطي، فقط وإلا كان استسلامًا لا مصالحة، ويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في ذكر فوائد هذا الحديث: «ومنها أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة، إذا طلبوا امرًا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره» إلى أن قال: «ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها» ([84]). ولعل في هذا ردًا على من يقول: «خذوا الإسلام جملة أو دعوه» ([85]). فليس هذا في كل عقائد الإسلام وشرائعه، بل هناك بعض المواقف التي يحسن بالداعية أن يدرك أن المطالبة بالإسلام جملة أو تركه جملة، إضرار بدعوته ومخالفة لموقف الحكمة المطلوبة في تقدير الموقف والموضوع الدعوي المقصود.

وكما كان موقف المتنبي الشاعر الذي قال بيتًا واحدًا، ثم لم يقبل التنازل عنه، فأودى هذا البيت بحياته، فإن أبا الطيب لما أحاط به أعداؤه خارج بغداد، قال له غلامه – أو أعداؤه – لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدًا وأنت القائل:

فالخيل والليل والبيداء تعرفني

والحرب والضرب والقرطاس والقلم

فكر راجعًا حتى قتل وكان سبب قتله هذا البيت ([86]).

وكان بإمكانه الفرار والنجاة بحياته، ولكنه أصر على شيء من الحكمة عدم الإصرار عليه، فكانت نهايته فيه!!

5- وفي موقف صلح الحديبية أيضًا، جاء في صحيح البخاري: «فدعا النبي، - صلى الله عليه وسلم -، الكاتب، فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل، أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله، قال لقومه لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال لهم النبي، - صلى الله عليه وسلم -، على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، قال سهيل والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، لكن ذلك من العام المقبل فكتب».. الحديث، أخرجه البخاري ([87]).

فها هم الصحابة – رضوان الله عليهم – يحاولون منع الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، من بعض التنازلات، ولكن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وهو يعلم أنها تنازلات شكلية لا قيمة لها، ولا تؤثر في الموضوع، تجاوز عنها، ولم يسمع لآراء الصحابة حولها.

6- إن وفد نجران قدم على النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فدخلوا عليه في المسجد بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في المسجد، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، دعوهم فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم ([88]).

وإن من فقه الدعوة أن يتنازل الداعي عن بعض ما يدعو إليه، ليحقق كسب المدعو واستمالته إليه، في بعض المواقف التي تقبل هذا التنازل، مما هو خارج إطار العقيدة، أو أركان هذا الدين، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: «فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه» ([89]).

ويقول – رحمه الله تعالى – في موضع آخر: «ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف هذه القلوب، بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين، أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي، - صلى الله عليه وسلم -، تغيير بناء البيت، لما رأي في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود – رضي الله عنه – على عثمان – رضي الله عنه – إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متمًا، وقال: «الخلاف شر» ([90]).

إذن هناك مسائل في الدين تقبل التأجيل، بل تقبل التعمد بالترك تأليفًا وتحقيقًا لمصلحة أعظم وتدرجًا في البلاغ والدعوة، «لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً، حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا الازدياد، بخلاف ضده» ([91]).

إن هذا التنازل والتدرج، ومراعاة الحكمة في الدعوة والتفريق بين موضوع وموضوع، ورسالة، ورسالة منضبط بقاعدة المداراة والمجاراة، التي لا يكون فيها إضرار بالدين، ولا مصادمة للنصوص، ولا تلبيس  أو تزيين لقبيح أو باطل، يقول ابن حجر – رحمه الله -: «وضابط المداراة أن لا يكون فيه قدح في الدين، والمداهنة المذمومة، أن يكون فيها تزيين القبيح، وتصويب الباطل ونحو ذلك». ([92])

ولعل الأمر بعد ذلك اتضح، وتمايز الموضوع، الذي لا يقبل التنازل من سواه، مما يقبل التفاوض، وكذا ما يقبل التفاوض فلابد أن يكون بمداراة لا تحرج داعيًا أو موضوعًا، ولا تزين باطلاً أو قبيحًا.


 المبحث الثالث: تطبيقات الحكمة في الدعوة إلى الله باختلاف الوسيلة والظروف المحيطة

الداعية له وسائله العديدة في إيصال وتبليغ دعوته للناس، ولكل وسيلة زمانها ومكانها الملائم لها. فمن الوسائل ما يصلح لزمان ولا يصلح لزمان آخر، وقد تكون هذه الوسيلة مثمرة في وقت، لكنها في وقت آخر تصبح مثار سخرية واستهزاء، ودلالة ضعف وذل.

وكما أن الداعية يدرك طبيعة الوسيلة التي يتناول بها دعوته، فكذلك هو أيضًا واع للظروف والأحوال المحيطة به، التي لها تأثيرها في الإقدام أو التوقف، أو السر أو الجهر.. الخ.

ولذلك سأعرض صورًا تبين تطبيقات للحكمة في الدعوة إلى الله، تختلف باختلاف الوسيلة، وباختلاف ما يحيط بالدعوة من ظروف وأحوال.

الصورة الأولى:

1- يقول الله – سبحانه وتعالى – لنبيه، - صلى الله عليه وسلم -، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل، آية 125]. وهذا أمر من الله – سبحانه وتعالى – لنبيه، - صلى الله عليه وسلم -، وأمر أيضًا للدعاة من بعده، بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.

2- يقول تعالى واصفًا محمدًا، - صلى الله عليه وسلم -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. [سورة التوبة، آية 128]. فهذه صفته، - صلى الله عليه وسلم -، عزيز عليه الذي يشق على أمته حريص عليهم، رؤوف رحيم بالمؤمنين.

3- ويقول تعالى عن نبيه، - صلى الله عليه وسلم -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. [سورة آل عمران، آية 156].

هذه صفات الداعية الأول، - صلى الله عليه وسلم -، حكيم، رؤوف رحيم، ليس فظًا ولا غليظ القلب، لكن هل هذا على إطلاقه، وفي كل الأحوال والظروف، إن بعض الظروف والأحوال قد تجعل الرحمة ضعفًا، وليس حكمة، والشدة حكمة، فاللين في وقت اللين حكمة، والشدة وقت الشدة أيضًا حكمة، لكن اللين وقت الشدة ضعف، والشدة وقت اللين فظاظة.

ولذلك لما جاء وقت الشدة رأينا الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، يتعامل مع ثلاثة من خيار صحابته – رضوان الله تعالى عليهم – تعاملاً يختلف.

4- فقد جاء في صحيح البخاري ([93]) في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك، أن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، لما رجع من الغزوة، قبل أعذار المنافقين، ووكل سرائرهم إلى الله – سبحانه وتعالى – واستمع إلى أعذار الثلاثة الذين تخلفوا عن الذهاب معه، إلى الغزوة ثم لما لم يذكروا أعذارًا تبيح لهم التخلف، أمر الناس بهجرهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه. ثم أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، ومكثوا على هذا الحال خمسين ليلة ثم نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. [التوبة، آية 118].

لقد ضاقت على هؤلاء الثلاثة الأرض بما رحبت، وأصبحت الأرض غير الأرض، والناس غير الناس، من شدة ما لاقوا في أيامهم في أيامهم الخمسين، الحكمة تقتضي العلاج الحاسم لهم ولغيرهم، ثم بعد ذلك وبعد نجاحهم في فترة التمحيص هذه، نزل القرآن بالتوبة عليهم، بل أمر بالاقتداء بهم، فيقول تعالى بعد ذكر قصتهم والتوبة عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. [التوبة، آية 119].

فهذه صورة من صور التعامل، الذي يتبدل ويتغير وفق الظروف الطارئة، يملي هذا التبدل وهذا التغير، الحكمة المبتغاة دائمًا في الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – وهذا تأكيد لما سبق أن أشرت إليه في مقدمة هذا البحث، من أن الحكمة ليست مرادفة للرحمة ولا اللين، ولكنها تعني الرحمة في زمن الرحمة فحسب، أما الرحمة في غير وقتها فلا تسمى رحمة، بل قد يساء فهمها، ويظن بها العجز والتقصير عن مواكبة الحدث والتلاؤم المناسب معه.

وقد يقتضي الموقف اللين والتجاوز لمصالح أعظم من تلك التي تحقق بالشدة، أو قد تخاف مساوئ ونتائج الشدة، التي قد تجر إلى ما لا تحمد عاقبته، وإن كنا نرى من الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، الشدة على هؤلاء الثلاثة، فإننا نراه في موقف آخر، يتجاوز ويعفو لآخرين، لا يمكن أن تقارن منزلتهم بمنزلة الثلاثة الذين خلفوا.

5- إن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، عندما طلب إليه بعض الصحابة، قتل المنافقين، لكثرة إفسادهم في المجتمع المسلم في المدينة. قال رسول، - صلى الله عليه وسلم -،: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». ([94]). وذلك درءًا منه، - صلى الله عليه وسلم -، للفتنة والضرر ([95]) المترتب على قتلهم، ولما تركهم ومرت الأيام، أثبت هذا التصرف أنه تصرف الحكيم، فقد جاء بعض أهل الذين فيهم منافقون، يستأذنون النبي، - صلى الله عليه وسلم - في قتل منافقيهم، وعندها قال الرسول، - صلى الله عليه وسلم -: «أين عمر؟ لو قتلنا هؤلاء يوم طلب عمر، لأرعدت لهم أنوف تريد اليوم قتلهم» ([96]) فها هو الزمن يتغير، وتظهر حكمة الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، في ترك قتل هؤلاء، حتى جاء أقارب المنافقين، يقول ابن قيم الجوزية – رحمه الله تعالى: «والجواب الصحيح إذن، أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي، - صلى الله عليه وسلم -، مصلحة تتضمن تأليف القلوب على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وجمعت كلمة الناس عليه، وكان في قتلهم تنفير، والإسلام بعد في غربة، ورسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، أحرص شيء على تأليف الناس، وأترك شيء لما ينفرهم من الدخول في طاعته، وهذا أمر كان يختص بحال حياته، - صلى الله عليه وسلم -». ([97]) والمقصود من هذا إدراك الداعية، أن الحكمة في الدعوة، تقتضي مراعاة الأزمان والظروف المحيطة بدعوته. والله الموفق.

الصورة الثانية:

كما أن للوسيلة الدعوية المختارة، تأثيرًا في تحقيق إيصال الرسالة الدعوية بنجاح، فكذلك للظروف المحيطة بحال المدعو أيضًا، دور في تكييف طبيعة ما يقدم للمدعو، أو ما ينبغي أن يأخذ دوره في سلم الأولويات، وهذا فيه فقه دعوي كبير، يقتضي معرفة نفسيات المدعويين، ومدى تهيؤ هذه النفوس لاستقبال الرسالة، أو أن الموقف يقتضي التريث أو إعادة ترتيب الأوراق، وتقديم بعضها على بعض، أو تأجيل بعضها إلى حين، ولعل في تأمل هذه الصور، ما يوضح أهمية هذا المنحى، ودقة تأثيره، وعلو مكانته، في مرقى الحكمة في الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى 

1- عن أبي وائل قال: «كان عبد الله (أي ابن مسعود) – رضي الله عنه – يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا في كل يوم، قال؛ أما إنه يمنعني من ذلك، أن أكره أن أملكم وإني أتخولكم بها مخافة السآمة علينا» ([98]).

فبث هذا العلم والدعوة إليه مطلوب، لكن أن يؤدي هذا إلى السآمة، وملل الناس، فهذا هو المحذور، ولذلك كان التخول في الموعظة والحذر واليقظة، من أن تكون النتائج عكسية، فيقبل متى كانت النفوس مقبلة مصغية، وعندما تنصرف النفوس، فالحكمة حينئذ توجب التوقف، ليس عند انصراف الناس، بل قبل انصرافهم، وقبل إدخال السآمة عليهم، وكما يحرص الإسلام على بقاء النفوس معلقة به، غير مالَّة ولا منصرفة، فإنه كذلك ليحرص علي تهيئتها، حتى في البدء، فلا دخول في الصلاة مثلاً، مادامت النفس منشغلة بأمور أخرى.

2- عن أنس – رضي الله عنه – يبلغ به النبي، - صلى الله عليه وسلم -، «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء» أخرجه الترمذي([99]).

قال أبو عيسى الترمذي (بعده): وعليه العمل عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبي، - صلى الله عليه وسلم -، منهم أبو بكر وعمر وابن عمر، وبه يقول أحمد وإسحاق، يقولان: يبدأ بالعشاء وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وقد روى عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء.

وروي عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء». قال: «وتعشى ابن عمر – رضي الله عنه – وهو يسمع قراءة الإمام» أخرجه الترمذي ([100]).

وإذا كانت النفس داخلها السآمة أو الملل، أو معلقة بأمر آخر، فأني لها أن تسمع سماع استجابة، وتطبق أو تعمل عمل خاشع مدرك لما يقول ويفعل، ولهذا جاء في الحديث الآخر، الذي يكمل بقية هذا الحديث، قول الرسول، - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان»([101]).

وهو يجلي بوضوح، أن القضية أو العلة، هي الانشغال، أو ورود ما يصد النفس عن وارد الخير إليها، والداعية بحكمته وفطنته، يستطيع أن يمايز بين وقت الدعوة أو وقت التوقف والانتظار، أو تغيير مسار نشاطه ليتواءم ويتوافق مع تحقيق هدفه وغايته، فإن كان الوقت وقت موعظة، تخوَّل الناس بها، يقول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. [سورة الأعلى، آية 9]. أي «فذكر حيثما وجدت فرصة للتذكير، ومنفذًا للقلوب، ووسيلة للبلاغ» ([102]). أليس في هذا ما يشعر بمراعاة الوقت، وطبيعة الموقف، هل تلائمه الذكرى؟ أم لا! ولذلك فإن بعض المواقف لا يناسبها الداعية خطيبًا أو واعظًا أو مذكرًا، وإنما في تقدم ما يرضي رغبة الآخرين: ولعل من هذا المعنى ما نراه من الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وهو يشير على طالبي الخير وملتمسيه، بأن هذا الوقت وقت تقديم الطعام لآل جعفر:

3- عن عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما – قال: «لما جاء نعي جعفر، قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم، أو أمر يشغلهم». أخرجه ابن ماجة وحسنه الألباني ([103]).

ففي مثل هذا الوقت التي تنشغل النفوس بمصائبها، ينبغي أن يكون لها ما يعينها على تخفيف مصائبها، والداعية هنا موقفه ليس موقف الناصح الواعظ، وإنما موقف المشاركة والإسهام في تقديم الملائم. والمهم معرفة حاجة من تقصد، وهل نفسه معلقة بشيء عائق من ملل أو جوع أو مصاب أو غيره، والحكمة في إدراك مثل هذا وإعماله إذ كثيرًا ما كان الصد والاعراض من الناس، لأن الداعي لم يدرك سرًا يحول بينه وبين نفوس المخاطبين. وكم رأينا من جهل كبير في هذا الجانب، أضرب له مثالاً، بما نسمعه من بعض النشاطات الدعوية، التي تقوم على توزيع المصاحف والنشرات الدعوية، بين أناس أضناهم الجوع! وماذا يغني المصحف؟ أو النشرة لبطون خاوية، ونظرات شاحبة تتلهف نحو أيد تمتد إليها بكسرة خبز أو فتات طعام. ليس هذا انتقاصًا من قدر المصحف، أو حتى النشرة، ولكن تقديمه لمن هو مشغول عنه بأمر أهم، صرف الأنظار عنه، فكان أقل أحواله هو عدم الالتفاف إليه وعدم المبالاة به. وهذا أثر من آثار تضييع الحكمة في الدعوة إلى الله، في التعرف على أحوال من يتحدث إليهم، ويدعوهم وهو يظهر ويبرز قيمة الحكمة وعلو مكانتها.

الصورة الثالثة:

في هذه المواقف صور من صور الحكمة في الدعوة إلى الله، التي تتركز في تقدير ما يجد من الظروف والأحوال، التي لها تأثيرها في طبيعة التعامل مع المدعويين على النحو التالي:

1- عن أنس – رضي الله عنه - «أن رجلاً سأل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياها، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر» رواه مسلم([104]).

2- عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.

قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب: أن صفوان قال: «والله لقد أعطاني رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلى فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ». رواه مسلم ([105]).

فما أعظم تأثير هذا العطاء ([106]) وما أعظم بركته!! لأنه كان في موضعه فكان دواءً شافيًا لأعظم داء، ولكن هل كل عطاء ما لا قيمة لا، ولا أثر له، إما لعيب ولؤم في الآخذ، أو لأن المعطي رأى أن الحكمة عدم العطاء، اتكالاً على أمر آخر أقوى أثرًا من العطاء المالي.

3- عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: «لما أفاء على رسوله، - صلى الله عليه وسلم -، قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار – ألم أجدكم ضلالاًَ فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال: شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تحبيبوا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، قال: كلما قال: شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنَّ، قال: لو شئتم لقلتم جئتنا كذا، وكذا ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي، - صلى الله عليه وسلم -، إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار» أخرجه البخاري ([107]).

وفي رواية أخرى عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: «ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله، - صلى الله عليه وسلم -، ما أفاء، من أموال هوازن، فطفق النبي، - صلى الله عليه وسلم -، يعطي رجالاً المائة من الإبل فقالوا: «يغفر الله لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم».. الحديث أخرجه البخاري ([108]).

فهنا عطاء للمؤلفة قلوبهم، وهنا منع، فلم يعط الأنصار شيئًا، لأنه ادخر لهم شيئًا أعظم من هذا العطاء الظاهري، ولأنه وكلهم إلى قوة إيمانهم، التي تدفعهم إلى تصديق ما وعد الرسول، - صلى الله عليه وسلم -.

والعطاء هنا كان في محله ومكانه، فجلب القلوب نحو الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، والمنع أيضًا بعد إيضاحه، كان سبب فخر الأنصار واعتزازهم به، فهم الشعار وغيرهم الدثار، وهم يذهبون بالرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهم يذهب بالشاة والبعير، ولذلك بعد سماعهم هذه المعاني بكوا حتى أخضلوا لحاهم ([109]) – رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .

ثم لما اختل المعنى الموجود فيمن كان يعطيهم الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وانتفت الحكمة في عطائهم، منعهم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه .

4- عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: «جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – فقالا: يا خليفة رسول الله عندنا أرض سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة فإن رأيت أن تقطعناها فاقطعهما، وكتب لهما عليهما، وأشهد عمر وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما وتفل فيه ومحاه، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة قال: إن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أعز الإسلام إذهبا واجهدا على جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما» ([110]).

ففي رأي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن إعطاء المؤلفة قلوبهم ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بتحقق المصلحة، فمتى انتفت المصلحة وأصبح الإسلام قويًا بجنده فلا حاجة إلي تأليف هذه القلوب، وبالتالي فتنتفي الحكمة منه، ويمتنع العطاء، وهو رأي يدور مع العلة والحكمة وجودًا وعدمًا، وقد وافقه عليه جمع من العلماء، لكن الذي يهمنا هنا هو مسألة الحكمة في الدعوة إلى الله، فمتى كان العطاء نافعًا أو بعبارة أوسع متى كانت الوسيلة نافعة، يعمل بها، ومتى كانت الوسيلة لا قيمة لها، أو قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد تدفع هؤلاء إلى استمرار الاستعلاء على المسلمين، وعندها لا تكون هذه الوسيلة محققة للغاية، وبالتالي تفقد معنى الحكمة، بل تكون ضعفًا وذلاً وهوانًا أمام الآخرين.

المهم من هذا هو فهم فقه الدعوة، وتحقيق مصلحة أهداف الداعي إلى الله، بالحكمة المطلوبة، التي تتغير مع تغير الظروف والأحوال، ولا يدرك هذا إلا من أوتي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.

الصورة الرابعة:

من منهج الدعوة النقد وتقويم الأخطاء، وليس المقصود هو تصحيح خطأ الفرد المعين، الذي وقع منه الخطأ، ولكن المقصود تنبيه المخطئ وغيره أيضًا، حتى لا يقع في مثل خطئه. فيتكرر الخطأ مرة أخرى، من شخص آخر، وليس المقصود تجريح الأشخاص لأخطائهم، فكل يخطئ ويصيب، ولكن الهدف هو الاستفادة من هذا الخطأ بين يدي الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، الكبير منها والصغير، وكان يتعامل بالتصريح والتلميح، وفق منهج حكيم وسنشير إلي بعض من هذه المواقف، ولنبدأ بموقف قرآني، وتتلوه مواقف من السيرة.

1- عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: «لما نزلت، وأنذر عشيرتك الأقربين» ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حتى صعد الصفا فهتف «يا صباحاه» فقالوا من هذا؟

فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا!! قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: «تبت يدا أبي لهب» وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ». أخرجه البخاري ([111]).

2- عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: «مر النبي، - صلى الله عليه وسلم -، بحائط من حيطان المدينة – أو مكة – فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -: يعذبان وما يعذبان في كبير – ثم قال – بلي كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة. فقيل له يا رسول الله: لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا أو إلى أن ييبسا». أخرجه البخاري ([112]).

3- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، رأى رجلاً لم يغسل عقبيه فقال: «ويل للأعقاب من النار» أخرجه مسلم ([113]).

4- عن أبي جحيفة – رضي الله عنه – قال: «كنت عند النبي، - صلى الله عليه وسلم -، فقال: لا آكل وأنا متكئ». أخرجه البخاري ([114]).

5- عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال: قال نبي الله، - صلى الله عليه وسلم -، «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: «ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، قال: فقام رجل فقال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: سبقك بها عكاشة» أخرجه مسلم ([115]).

6- في حديث الثلاثة الذي خلفوا حديث كعب بن مالك – رضي الله عنه – وهو يصف ما جرى له، إلى أن قال: «ولم يذكرني رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، حتى بلغ تبوك، فقال: وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه براده ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، .. الحديث» أخرجه البخاري ([116]).

هذه مواقف أولها هجوم صريح كاسح على رجل وامرأته، مع وصفه بأوصاف التصقت به وبزوجته، فلم تفارقه حيًا وميتًا، فلا إبهام ولا إجمال في هذا المذنب المجرم الأثيم.

ثم تأتي بعد ذلك مواقف، نلحظ فيها الإبهام وعدم ذكر المذنب، فمن هم أصحاب القبرين؟ لا أحد يعرف، وإذا وجد من يعرف لكنه لا يتحدث عن أسمائهما، ثم إن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، يرى رجلاً قدمه تلوح، هذا الرجل أمامه، وأبو هريرة حاضر القصة – كما يفهم من روايته للحديث – ومع ذلك لا يذكر بأكثر من «رجل» ومثله الذي أكل متكئًا، أما حديث عكاشة، وحديث كعب – رضي الله عنهما – فقد جمع كل حديث موقفين جميلين، فإن عكاشة يصرح باسمه وبنسبه لأن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، حقق له طلبه، أما الآخر «فرجل» فقط، لأن الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، رده وبالتالي فالأولى أن لا يعرف اسمه، ومثله أيضًا حديث كعب، فإنه تضمن رجلين أحدهما نال من كعب، فلم يذكر اسمه، بل قيل: «رجل من بني سلمة». أما الذي أثني على كعب ودافع عنه، فلا يكفي أن يقال رجل، بل سمي ونسب فهو «معاذ بن جبل» رضي الله عنه.

وهذا ليس من قبيل المصادفة، وهو التصريح والتلميح بالأسماء، بل هو منهج يسير عليه الداعية الحكيم، يقول ابن حجر – رحمه الله تعالى – وهو يتحدث عن حديث اللذين يعذبان في قبورهما: «لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان عن عمد من الرواة لقصد الستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به»([117]).

ولكن لسائل أن يقول: لماذا صرح بأبي لهب وزوجته؟ ونقول: إن هذا التصريح هنا، حقق إعجازًا قرآنياً عظيمًا، يقول محمد متولي الشعراوي: عن هذه الآية «هذا قرآن وفي من؟ في عم الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وفي من؟ في عدو الإسلام! ألم يكن أبو لهب، يستطيع أن يحارب الإسلام بهذه الآية؟ ألم يكن يستطيع أن يستخدمها كسلاح ضد القرآن؟ ضد هذا الدين، قالت له الآية يا أبا لهب، إنك ستموت كافرًا، ستموت مشركًا، وستعذب النار، وكان يكفي أن يذهب أبو لهب، إلى أي جماعة من المسلمين، ويقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يقولها ثم يقف وسط القوم، يقول: إن محمدًا قد أنباكم أنني كافر. وقال: إن هذا كلام مبلغ له من الله، وأنا أعلن إسلامي لأثبت لكم، أن محمدًا كاذب. لو كان أبو لهب يملك ذرة واحدة من الذكاء، لفعل هذا، ولكن حتى هذا التفكير، لم يجرؤ عقل أبي لهب على الوصول إليه، بل بقي كافرًا مشركًا، ومات وهو كافر، ولم يكن التنبؤ، بأن أبا لهب سيموت كافرًا أمرًا ممكنًا، لأن كثيرًا من المشركين اهتدوا إلى الإسلام، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعمر بن الخطاب، وغيرهم، كانوا مشركين وأسلموا، فكيف أمكن التنبؤ بأن أبا لهب بالذات لن يسلم ولو نفاقًا، وسيموت وهو كافر، المعجزة هنا، أن القرآن قد أخبر بما سيقع من عدو وتحداه في أمر اختياري، كان من الممكن أن يقوله، ومع ذلك هناك يقين، أن ذلك لن يحدث، لماذا؟ لأن الذي قال هذا القرآن، يعلم أنه لن يأتي في عقل أبي لهب تفكير يكذب به القرآن هل هناك إعجاز أكثر من هذا؟» ([118]).

فهو عدو وعداوته متحققة لن تنتهي، هذه واحدة، والأخرى تحقق الإعجاز القرآني، أمران سوغا التصريح باسمه، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.

فالحكمة في الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – تقتضي التصريح في وقت يكون التصريح أعظم فائدة ولا يتسبب في نتائج عكسية مضرة، وإلا فالتلميح يحقق المصالح، ويدرأ المفاسد، ويدل على الحكمة والرشاد، ويحمي الأعراض ويصون النفوس من التجريح.


 خاتمة

وبعد:

فإن بحث الحكمة في الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – عرفنا من خلاله معنى الحكمة في اللغة، وتعدد معانيها في القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم تعريفها في الاصطلاح، ثم توصلنا إلى سعة معنى الحكمة في مجال الدعوة، وإن إطلاق هذا المعنى بلا قيود يحد من حرية الداعي إلى الله، وهو في حقيقته إعجاز قرآني برز من خلال رسم منهاج واسع لهذا المعنى شرحته وأوضحته السيرة العملية للرسول، - صلى الله عليه وسلم -.

ثم عرفنا أيضًا أن الحكمة وإن كانت من مراتب الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – فهي أيضًا تتقدم على كل المراتب الأخرى، وتغني عنها، وتؤدي معناها عند عدم ذكرها، فهي مرتبة سابقة، وفائقة في آن واحد.

ثم كان الشروع في سرد نماذج من السيرة العملية للرسول، - صلى الله عليه وسلم -، وقليل جدًا من سيرة الصحابة – رضوان الله تعالى عليهم – ركزنا خلالها على جمع الصورة المختلفة في رد الفعل أو في إجابة السائلين، وإن اتحد السؤال، وكان يظن بها التباين والخلل، لكن عندما ينتظم عقدها في صورة واحدة، تتجلى فيها إشراقة الحكمة الدعوية، التي يرعاها ويؤصلها النبي، - صلى الله عليه وسلم -، في سيرته.

لقد ذكرنا صورًا متعددة في اختلاف الشخص المدعو، والذي تتأثر به الأساليب والموضوعات وغيرها. ونقلنا تعليقات بعض العلماء حول هذه المواقف، لتسند وجهة النظر التي لأجلها جمعت هذه النصوص النبوية، ثم أتبعنا هذا بذكر صورة مختلفة من سيرته، - صلى الله عليه وسلم -، وبعض الصحابة، مثل أبي بكر – رضي الله عنه – وجعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – أوضحنا فيها قضية مهمة من قضايا الدعوة، ألا وهي التنازل عن بعض الأمور لصالح الدعوة، أو التدرج في الدعوة إلى الله – سبحانه وتعالى – وكيف رفض الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، أن يقبل أي تنازل في بعض مواقف الدعوة، لكنه في مواقف أخرى كان لا يتردد في ذلك على الرغم من اعتراض عدد من الصحابة على ذلك، كما حصل في مداولات كتابة صلح الحديبية.

ثم كان آخر المباحث عن الحكمة في الدعوة إلى الله، باختلاف الوسيلة، وما يحيط من ظروف زمانية أو مكانية، يكون لها تأثيرها، وذكرنا في هذا المقام العديد من الصور، التي كان الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، يقيم لكل ظرف اعتباره، فكانت مواقفه كلها حكمة، أثبتت الأيام عمق هذه الحكمة، وبعد هذا الفقه الدعوي فيها فكانت وسائله في الدعوة تختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، يراعي حاجة النفس البشرية وضعفها، فلا تستطيع أن تحتمل الموعظة لوقت طويل، ولا أن تستمع وهي منشغلة بأمور أخرى، جوعًا أو احتقانًا، ويوجه إلى أن يقدم دائمًا لكل فرد ما يلائمه أسلوبًا وموضوعًا.

فكان عطاؤه، - صلى الله عليه وسلم -، لحكمة، وكان منعه لحكمة، وكان له أعظم الأثر كما سبق أن أشرت في مكانه، من ذلك موقفه مع المؤلفة قلوبهم، ومع الأنصار – رضوان الله تعالى عليهم – وكان آخر الصور موقف التصريح والتلميح، الذي يخضع لطبيعة الموقف، وتحقيق المصلحة والمفسدة.

ولقد خرجت من هذا البحث – وإن كنت أدرك أنها خطوة لابد أن تتلوها خطوات في هذا الطريق – بنتائج مفيدة أهمها:

1- عظمة هذا النبي، - صلى الله عليه وسلم -، في سيرته، التي لا يخفى منها شيء كما يقول أحد المستشرقين: «إن محمدًا هو الرجل الوحيد، الذي يعيش تحت ضوء الشمس» لأن سيرته كانت واضحة لا سقط فيها، ولا جهالة وهي مع ذلك عظيمة، لما فيها من الحكمة وتقدير كل المواقف، والصبر، والتحمل مما يمنح المتتبعين لسيرته وقودًا قويًا ودافعًا عظيمًا لمواصلة السير في هذا الطريق.

2- أهمية العلم الشرعي، الذي لا غنى عنه للداعية، وبدون العلم فطريقه مليء بالمتاهات والضلالات.

3- أهمية الاطلاع على السيرة النبوية، القولية والعملية، ولا غنى عن ذلك لكل مسلم، وللداعية خاصة.

4- مرونة هذا الدين الذي يعايش الظروف والأحوال.

5- ثبات هذا الدين ورسوخه، فلديه من الأسس والقواعد الثابتة التي تحيط السائر فيه بسياج يحميه من الزيع والضلال.

6- تكريمه للمسلم، عندما يشعره بقيمته وتقدير تفكيره وعقله، وحثه على تقدير الموقف بنفسه، بلا قيود شديدة عليه تشعره بمساواته بغير العقلاء.

وختامًا أسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يجعل في هذا البحث نفعًا لكاتبه وقارئه، وأن يجعله من العلم النافع، ومن الحجة والنور والبرهان لصاحبه في الدنيا والآخرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين.

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.



([1]) الإمام البخاري، صحيح البخاري. 4/217.

([2]) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 2/91 وحكمة اللجام، ما أحاط بحنكى الدابة وسميت بذلك لأنها تمنعه من الجري الشديد، انظر لسان العرب 12/144.

([3]) ابن منظور، لسان العرب 12/141 مادة حكم.

([4]) أحمد بن محمد المقري الفيومي، المصباح المنير 1/200.

([5]) الفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز 2/491.

([6]) المرجع السابق ص 487 وانظر الفيروز آبادي، القاموس المحيط، (4/ 100).

([7]) ابن منظور، لسان العرب 12/140 مادة حكم.

([8]) ابن حجر، فتح الباري 10/ 522.

([9]) انظر: أبو حيان، البحر المحيط، 2/320، والفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز، 2/488 – 491.

([10]) الفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز 2/490/ 491.

([11]) الرازي التفسير الكبير 7/ 67.

([12]) ابن كثير، تفسير ابن كثير 1/322.

([13]) المرجع السابق ص 184.

([14]) ابن كثير، تفسير ابن كثير 1/ 303.

([15]) ابن القيم التفسير القيم ص 226/ 227

([16]) الإمام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الفضائل (62) باب رقم (24) 4/217/ 218.

([17]) ابن حجر، فتح الباري 7/ 100.

([18]) الإمام البخاري، صحيح البخاري كتاب المناقب (61) باب رقم (1) ج 4/ ص 154.

([19]) ابن حجر، فتح الباري 6/ 532.

([20]) الإمام البخاري، صحيح البخاري 8/ 150 كتاب رقم 96 باب 13.

([21]) ابن حجر، فتح الباري 1/ 167.

([22])الإمام البخاري صحيح البخاري ج 7/ 107 كتاب (78) باب (90).

([23]) ابن حجر، فتح الباري ج- 10 ص 540.

([24])صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر 1/ 459 كتاب الصلاة (8) باب رقم (1).

([25]) ابن حجر، فتح الباري 1/ 461.

([26]) ابن كثير تفسير القرآن الكريم 1/ 322.

([27]) المرجع السابق ص 184.

([28]) المرجع السابق ص 303.

([29]) المرجع السابق ص 322.

([30]) ابن القيم، التفسير القيم ص 226/ 227.

([31]) سعدي ابو حبيب القاموس الفقهي ص 97.

([32]) المرجع السابق.

([33]) ابو حيان، البحر المحيط 1/ 393 ومحمد رواس قلعجي وزميله، معجم لغة الفقهاء ص 184.

([34]) الطبري، تفسير الطبري 1/ 558 وسعدي ابو جيب القاموس الفقهي ص 97.

([35]) انظر: ابو الحسن الندوي روائع من أدب الدعوة 110، 13، 14، 16.

([36]) ابن تيمية مجموع الفتوى 15/ 343 وانظر 2/ 45.

([37]) محمد بن إبراهيم، مجموع الفتاوى 1/ 90.

([38]) محمد بن صالح العثيمين، زاد الداعية إلى الله 14، 15.

([39])محمد بن إبراهيم، مجموع الفتاوى 1/ 90.

([40])ابن تيمية الفتاوى 2/ 42.

([41]) ابن تيمية الفتاوى 2/ 45.

([42]) ابو الحسن الندوي، روائع من أدب الدعوة ص 15.

([43]) انظر: خورشيد أحمد، طبيعة الدعوة الإسلامية، ص 34، من بحوث ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر.

([44]) البخاري – صحيح البخاري كتاب الجهاد باب فضل الجهاد 2/ 200.

([45]) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجهاد باب فضل الجهاد 2/ 200.

([46]) صحيح الترمذي للألباني 3/ 139، أبواب الدعوات، ومسند الإمام أحمد، انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد، ج 14 ص 203.

([47]) البناء الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد 9/ 215 وصحيح ابن حزيمة ج 3/ 194، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 4/ 573 رقم 1937.

([48]) الألباني، صحيح سنن الترمذي ج 2 ص 328/ 329، رقم 2110.

([49]) انظر البنا، الفتح الرباني 14/ 203.

([50]) البناء، بلوغ الأماني المطبوع مع الفتح الرباني ج 9 ص 15.

([51]) أبو داود، سنن أبي داود 2/ 128 كتاب الزكاة باب الرجل يخرج من ماله، وانظر المنذري، مختصر سنن أبي داود 2/ 254؛ حيث قال بعد هذا الحديث في إسناده محمد ابن إسحاق وانظر التعليق على زاد المعاد ج 3 ص 589؛ حيث قال بعد ذكر نص الحديث في الهامش: «ورجاله ثقات». ولم أجده في صحيح سنن أبي داود للألباني.

([52]) سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب الرخصة في الرجل يخرج من ماله، وحسَّنه الألبانيُّ في صحيح سنن أبي داود 1/ 315، رقم 1472، وصحَّحه الحاكم، المستدرك 1/ 414، ووافقه الذهبيُّ.

([53]) البخاري صحيح البخاري 5/ 34 كتاب رقم 64 باب 79.

([54]) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 589.

([55]) الخطابي، معالم السنن المطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري، 2/ 254.

([56]) انظر ابن القيم زاد المعاد 3/ 589.

([57]) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 589.

([58]) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر 10/ 51 كتاب الاشربة رقم (74) باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه (6).

([59]) البيهقي، السنن الكبرى ج 4 ص 69.

([60]) الألباني، صحيح سنن الترمذي 1/ 295 رقم 804.

([61]) ابن القيم، إغاثة اللهفان، 1/ 254.

([62]) البخاري، صحيح البخاري 2/ 3 كتاب العيدين رقم 13 باب 2.

([63]) الألباني، صحيح سنن الترمذي 3/ 206 رقم 2913 وصححه.

([64]) ابن القيم الجوزية، الكلام على مسألة السماع من ص 311، 314.

([65]) ابن القيم الجوزية، الكلام على مسألة السماع من ص 300 – 301.

([66]) الإمام مسلم، صحيح مسلم ج2 ص 815 كتاب الصيام باب النهي عن صوم الدهر.

([67]) الإمام البخاري، صحيح البخاري ج2، ص 42، كتاب رقم 19، باب رقم (5).

([68]) المرجع السابق ص 42 باب رقم (2).

([69]) الإمام أحمد، مسند الإمام أحمد، 5/ 256، وقال الشيخ الألبانيُّ في الصحيحة 370: (وهذا سند صحيح، رجالُه كلُّهم ثقات، رجال الصحيح)

([70]) البخاري، صحيح البخاري 8/ 31 كتاب رقم 86 باب 41.

([71]) صحيح مسلم 3/ 1599 رقم 2021.

([72]) صحيح الجامع للألباني رقم 1423 ج 2 ص 3 وحسنه مع اختلاف في اللفظ عن أبي هريرة وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 854 ج 2/ 432. وانظر سبب هذا الحديث في ابن حمزة الحسيني الحنفي، البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث 1/ 59، 60.

([73]) صحيح الجامع للألباني رقم 98 ج 1 ص 86 وصححه، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 857 ج 2 ص 436، وانظر سبب هذا الحديث في ابن حمزة الحسيني الحنفي، البيان والتعريف في اسباب ورود الحديث 1/ 68 وفيه بقية القصة.

([74]) ابن هشام سيرة النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ج4 ص 197. وقال الألباني في تعليقه على فقه السنة للغزالي في هذا الموضوع [ضعيف ذكره ابن هشام [2/325، 326] عن ابن اسحاق مفصلاً والجملة الأخيرة وصلها أبو داود 2/ 42 وأحمد 5/ 218 عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص مرفوعًا نحوها ورجاله ثقات لكن الحسن – وهو البصري – مدلس وقد عنعنه في فقه السيرة الغزالي ص 417.

([75]) ابن القيم، زاد المعاد ج3 ص 596 – 597.

([76]) مسند الإمام أحمد 1/ 302، 203 وقال أحمد بن عبد الرحمن البنا في بلوغ الأماني 20/ 229 (الحديث صحيح ورواه ابن هشام في سيرته عن ابن اسحاق وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله، رجال الصحيح غير ابن اسحاق وقد صرح بالسماع).

([77]) أبو الحسن الندوي، روائع من أدب الدعوة ص 126.

([78]) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر 3/ 262 الزكاة باب وجوب الزكاة.

([79]) الألباني صحيح سنن ابي داود ج1 ص 290 رقم 1376.

([80]) انظر، محمد السيد الوكيل، تأملات في سيرة الرسول، - صلى الله عليه وسلم -، 291/ 292.

([81]) ابن تيمية، الفتاوى ج – 14 ص 470.

([82]) المرجع السابق ص 477.

([83]) البخاري صحيح البخاري 3/ 178 كتاب الشروط رقم 54 باب رقم 15.

([84]) ابن القيم، زاد المعاد ج3 ص 303.

([85]) قائل هذه العبارة كاتب كبير وداعية إسلامي مشهور له منزلته ومكانته ولكن الحق أحق أن يتبع، وإن فيما شرحه تحت هذا العنوان حق كثير لكن لا تزال العبارة بإطلاقها هذا غير مسلمة.

([86]) انظر ابن خلكان، وفيات الاعيان ج1 ص 123.

([87]) البخاري، صحيح البخاري .. الحديث ج 3 ص 100، باب رقم 54 باب رقم15.

([88]) انظر ابن القيم، زاد المعاد 3/ 629 وقال عنه المحقق: «رجاله ثقات لكنه منقطع».

([89]) ابن تيمية، الفتاوى 10/ 364.

([90]) ابن تيمية، القواعد النورانية الفقهية ص 43.

([91]) ابن حجر فتح الباري ج 1 ص 173 طبعة مصطفي الحلبي عام 1387ﻫ.

([92]) ابن حجر، فتح الباري 13/ 52/ 53.

([93]) البخاري، صحيح البخاري ج5 ص 130 كتاب 64 باب 79.

([94]) البخاري، صحيح البخاري ج4 ص 160 كتاب المناقب باب ما ينهي عنه من دعوى الجاهلية.

([95]) انظر السهار نفوري، بذل المجهود 17/ 445.

([96]) أخرجه الطبري في تفسيره 28/ 76 طبعة دار المعرفة وذكره ابن حجر في الفتح 8/ 650 وأورده ابن هشام في السيرة 3/ 327.

([97]) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 568.

([98]) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر 1/ 163 كتاب العلم باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة.

([99]) الألباني صحيح سنن الترمذي 1/ 11 رقم 289.

([100]) الألباني صحيح سنن الترمذي 1/ 111و 112 رقم 290.

([101]) حديث صحيح صححه الألباني في صحيح الجامع عن عائشة رضي الله عنها 6/ 194 رقم 7385.

([102]) سيد قطب، في ظلال القرآن، 6/ 3898.

([103]) الألباني صحيح سنن ابن ماجة 1/ 268 رقم 1306.

([104]) الإمام مسلم – صحيح مسلم 4/ 1806 كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، شيئًا قط فقال لا. وكثرة عطائه.

([105]) الإمام مسلم، صحيح مسلم 4/ 1806 كتاب الفضائل باب ما سئل، - صلى الله عليه وسلم -، شيئًا قط فقال لا. وكثرة عطائه.

([106]) ذكرت بعض كتب التفاسير والسير [أن اعرابيًا جاء إلى رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يطلب منه شيئًا فأعطاه قال أحسنت إليك؟ قال الأعرابي لا ولا أجملت! فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم فأشار إليهم ان كفوا ثم دخل منزله وأرسل إلي الأعرابي وزاده شيئًا ثم قال: أحسنت إليك قال نعم فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيرًا فقال له النبي، - صلى الله عليه وسلم -: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك، قال نعم فلما كان الغداة جاء فقال له النبي، - صلى الله عليه وسلم -،إن هذا الأعرابي، قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي أفكذلك ، فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -، مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فتبعها الناس فلم يزدها إلا نفورًا، فناداهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها وأعلم، فتوجه لها صاحب الناقة من بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فردها هونًا، حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل فقتلتموه دخل النار» في ظلال القرآن 6/ 3891. فهذه الحكمة التي يحتاجها الدعاة التي بها يتحول الفرد من شارد إلى مقبل راغب.

([107]) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن جر 8/ 47 كتاب المغازي باب غزوة الطائف.

([108]) صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري 8/ 52.

([109]) ابن حجر، فتح الباري 8/ 52.

([110]) ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ص 60 وانظر تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر 4/ 315.

ومختصر تفسير ابن كثير لمحمد نسيب الرفاعي 2/ 348.

([111]) البخاري، صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر 8/ 737. كتاب التفسير باب سورة (تبت يدا أبي لهب وتب).

([112]) البخاري صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر ج 1 ص 217 كتاب الوضوء باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله.

([113]) الإمام مسلم، صحيح مسلم 1/ 214 كتاب الطهارة باب وجوب غسل الرجلين بأكملهما.

([114]) الزيبدي، مختصر البخاري «التجريد الصريح» ص 444 كتاب الأطعمة حديث رقم 1894.

([115]) الإمام مسلم – صحيح مسلم 1/ 198 كتاب الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين بغير حساب ولا عذاب حديث رقم 371.

([116]) الإمام البخاري، صحيح البخاري 5/ 131 كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك وقول الله – عز وجل: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾.

([117]) ابن حجر فتح الباري ج1 ص 320.

([118]) محمد متولي الشعراوي معجزة القرآن ج1 ص 115.