الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين ()

 

|

 الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين

سهل بن رفاع العتيبي


بسم الله الرحمن الرحيم

أصل هذا الكتاب

رسالة علمية تقدم بها المؤلف إلى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، لنيل درجة الماجستير في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة.

إهــداء

وفاء بالجميل أهدي هذا الكتاب إلى زوجتي الدكتورة مشاعل بنت راشد بن محمد الدباس، أستاذة الحديث وعلومه بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، تقديرًا لوقوفها معي أثناء إعداد هذه الرسالة، وتحملها أعباء تربية أبنائي فجزاها الله أحسن الجزاء وأوفاه.

* * *


 المقــدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ [آل عمران: 102].

}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ [النساء: 1].

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الأحزاب: 70، 71].

أما بعــد([1]):

فإن الله عز وجل اختار لهذه الأمة الإسلام دينًا ومحمدًا - صلى الله عليه وسلم - نبيًا ورسولاً وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وميزها بخصائص وسمات تسمو بها على غيرها من الأمم الضالة المنحرفة قال تعالى: }وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا{ [البقرة: 143] وشاء الله عز وجل أن أخرج هذه الأمة من الظلمات إلى النور؛ وذلك بأن بعث فيها نبيًا منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكانت بعثه - صلى الله عليه وسلم - نعمة كبرى، ومنة عظمى من الله عز وجل، حيث فتح الله به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، ولم يلحق - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى إلا بعد أن ترك أصحابه مجتمعين على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

وقد أشهد ربه على هذا البلاغ المبين، كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له»([2]).

وأشهد أصحابه في يوم عظيم، ومكان عظيم، على تبليغه الرسالة وأدائه الأمانة، فقال عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ » قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس (اللهم اشهد) ثلاث مرات([3]).


ومما نزل عليه - عليه الصلاة والسلام - في حجة الوداع قوله تعالى }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا{ [المائدة: 3].

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الجن والإنس، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف"([4]).

فيجب على كل مسلم أن يؤمن بأن الله أكمل لهذه الأمة دينها، وأن رسوله - صلى الله عليه وسلم - قد أقام الحجة وأوضح المحجة، وبلغ عن ربه ما أمره بتبليغه.

ولقد كان من أعظم ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصادر المعرفة والتلقي وما يصح اعتباره منها وما لا يصح.

وكان مما أخبر به أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وبين حقيقتها أتم البيان.

فجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة في الرؤى، بعضها في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وأنها من مبشرات النبوة، وجزء من أجزاء النبوة، وبعضها في رؤيا الأنبياء وأنها وحي، وهي أول مبدأ الوحي للأنبياء، وبعضها في رؤيته عليه الصلاة والسلام لربه في المنام، وبعضها في أنواع الرؤى التي من الله، والتي من أحاديث النفس ومن الشيطان، و بعضها في رؤيته عليه الصلاة والسلام في المنام، وأنها حق، وأن الشيطان لا يتمثل به في المنام، وبعضها في ذكر الرؤى الظاهرة التي لا تحتاج إلى تأويل، وبعضها في الرؤى التي تحتاج إلى تأويل، وبعضها في الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يحب، وإذا رأى ما يكره، وحكم الكذب في الرؤيا، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟ والآداب المتعلقة بالمعبر وغيرها من الآداب والأحكام المتعلقة بالرؤى.

وهذه الأحاديث التي تمتلئ بها المصنفات الحديثية، والتي بعضها يصل إلى درجة التواتر لا بد لها من الدراسة العلمية الجادة.

 أهمية هذا الموضوع

تتضح أهمية هذا الموضوع من جوانب متعددة منها:

(أ) اهتمام القرآن الكريم بالرؤيا الصالحة، وخاصة رؤى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما في سورة الأنفال الآيتان (43، 44) وسورة يونس آية (64) وسورة يوسف، وسورة الصافات (102) وسورة الفتح (27) وغيرها من الآيات المتعلقة بالرؤى([5]).

ولا شك أن هذه الآيات في كتاب الله عز وجل بحاجة إلى تفسير وتدبر، وبيان لأحكامها وفوائدها.

(ب) اهتمام السنة النبوية بالرؤى، فلا تجد كتابًا من كتب الحديث إلا ويفرد مؤلفه بابًا أو كتابًا للرؤى والتعبير، وانظر في الصحيحين، والسنن، والمسانيد، والجوامع، والمصنفات، والمستخرجات، والمستدركات وغيرها، وهذه الأحاديث بحاجة إلى دراسة علمية.


(ج) مكانة الرؤيا الصالحة في الإسلام، من حيث كونها من مبشرات النبوة وجزءًا من أجزائها، وكون رؤيا الأنبياء وحي، وهي مبدأ الوحي.

(د) حاجة جميع طبقات الناس إلى معرفة حقيقة الرؤى، وارتباطها بحياتهم اليومية فكثيرًا ما يتحدثون عنها، ويسألون عنها أهل الذكر.

ولهذا تجد للناس في الرؤى ثلاثة مواقف:

الموقف الأول: موقف أهل الحق، أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلف هذه الأمة الصالح، الذين هدوا إلى الصراط المستقيم، ملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - غير مائلين إلى غلو الغالين، ولا إلى تقصير المقصرين.

الموقف الثاني: أصحاب الغلو والإفراط من الصوفية، ومن شاكلهم الذين غلوا في الرؤيا فجعلوها مصدرًا للتشريع لا يتطرق إليه شك ولا غلط عندهم، بل يجعلونها مصدرًا يقينيًا يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم ويستندون إليها في ترويج ضلالتهم، ومعرفة الحلال والحرام عندهم.

الموقف الثالث: أصحاب التقصير والتفريط من الماديين الذين ينكرون كل ما هو غيبـي، فأنكروا الرؤيا الصالحة إنكارًا كليًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه» ([6]).


فكما أن الجافي في الأمر مضيع له فكذلك الغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد.

قال ابن القيم رحمه الله: «وقد جعل الله هذه الأمة هي الأمة الوسط في جميع أبواب الدين، فإذا انحرف غيرها من الأمم إلى أحد الطرفين كانت هي في الوسط».

إلى أن قال رحمه الله: «وكذلك لا تجد أهل الحق دائمًا إلا وسطًا بين طرفي الباطل وأهل السنة وسط في النحل كما أن المسلمين وسط في الملل»([7]). وكذلك هم وسط في هذا الباب.

فإذا كان أكثر الناس بين الإفراط والتفريط، فإن بيان المنهج القويم الذي دل عليه الكتاب والسنة من واجبات طلاب العلم الشرعي، حتى لا تضيع الحقائق بين الغلاة في النفي، والغلاة في الإثبات كأكثر الأمور يفرط فيها أناس، ويفرط فيها آخرون.

ولهذا اتجهت الرغبة إلى الكتابة في هذا الموضوع، وما يتعلق به، أو يتفرع عنه وذلك للأسباب التالية:

أسباب الاختيار:

أولا: أهمية الموضوع كما سبق تفصيله.

ثانيًا: أن الناس تعصف بهم لوثات المادية تارة، وخرافات الصوفية تارات أخر، فكثير من المغرضين يستغلون اهتمام الناس بالرؤى فينشرون أحياناً الرؤى الباطلة، وليست ما يسمى برؤيا الشيخ أحمد خادم المسجد النبوي عن الأذهان ببعيد، والتي تولى الرد عليها سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.


ثالثًا: تهاون كثير من الناس بشأن الرؤيا الصالحة، وجهل بعضهم بالآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره، والآداب المتعلقة بتأويلها ونحو ذلك من الآداب والأحكام.

رابعًا: أنني لم أجد من طرق هذا الموضوع في بحث علمي مستقل، بل هو مشتت المباحث في كتب التفسير والحديث والتوحيد.

خامسًا: لا تزال جوانب من هذا الموضوع غامضة لأكثر الناس، مثل رؤية الله في المنام، وهل يوصف بهذه الرؤيا؟ ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام إذا أمره بحكم وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟ وغيرها من المسائل التي تحتاج إلى بيان الحق فيها.

وتظهر صلة هذا الموضوع بالعقيدة والمذاهب المعاصرة من وجوه:

1- علاقة الرؤى بالنبوة والوحي، فالرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة وهي من مبشرات النبوة، ورؤيا الأنبياء وحي، وهي مبدأ ا لوحي للأنبياء وهذه المسائل من مباحث العقيدة.

2- ارتباط الرؤى بالروح، وذلك من مباحث العقيدة.

3- انحراف بعض الفرق الضالة فيها، مثل الفلاسفة والصوفية، وبعض النظريات المادية لعلماء النفس.

خطة البحث:

قسمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة وفهارس.

أما المقدمة: فذكرت فيها:

1- خطبة الحاجة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح بها، فاستفتحت بها تأسيًا به - صلى الله عليه وسلم -.

2- أهمية الموضوع.       


3- أسباب اختياره.

4- خطة البحث                 

5- منهج البحث.

6- أهم المراجع والمصادر التي رجعت إليها في هذا البحث.

7- بعض الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث.

8- الشكر والتقدير لكل من أعان وساعد على إنجاز هذا البحث.

وأما التمهيد: فذكرت فيه أهمية الرؤى في حياة الناس، من جهة بيان مكانتها في الإسلام، وكيف اهتم القرآن الكريم، والسنة النبوية بها، مع عرض موجز لجهود علماء الحديث في تخريج أحاديث الرؤى، وتصنيفها.

ثم بينت موقف المسلم الحق من الرؤى كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسلف هذه الأمة يقفون من الرؤى.

ثم ذكرت جوانب التفريط والإفراط التي حدثت في موضوع الرؤى وأمثلة لتفريط النفاة، وإفراط الغلاة.

أما الأبواب فقسمتها كما يلي:

الباب الأول: في حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها وعلاقتها بالنبوة

وهذا الباب يقع في ثلاثة فصول.

الفصل الأول: في حقيقة الرؤى

ويشمل أربعة مباحث:

المبحث الأول: تعريف الرؤى لغة واصطلاحًا.

المبحث الثاني: في الفرق بين الرؤيا والحلم، والفرق بين الرؤيا والرؤية.


المبحث الثالث: في دلالات الرؤى.

وأعني بذلك الأمور التي تدل عليها الرؤى من الخير والشر، فذكرت في هذا المبحث تعريف الدلالات، وأربع دلالات للرؤيا مع ذكر الأدلة عليها.

المبحث الرابع: في بيان تعلق الرؤى بالروح.

ويشمل هذا المبحث ثلاث مسائل.

المسألة الأولى: في تعريف الروح وصفاتها وخصائصها.

المسالة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في النوم؟

المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء والأموات؟ وفي هذه المسألة مطلبان:

المطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء مع أرواح الأموات.

المطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام.

الفصل الثاني: في أقسام الرؤى وعلاماتها.

ويشمل هذا الفصل ثلاثة مباحث.

المبحث الأول: في أقسام الرؤى عمومًا، وعلامة كل قسم.

المبحث الثاني: في علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها.

ويشمل هذا المبحث ست مسائل.

المسألة الأولى: في صفات الرؤيا الصالحة.

المسألة الثانية: في أقسام الرؤيا الصالحة.

المسألة الثالثة: في علامات الرؤيا الصالحة.

المسألة الرابعة: في رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان، وأي زمان هو؟ وأسباب اختصاصه بصدق رؤيا المؤمن فيه.


المسألة الخامسة: في أسباب صدق الرؤيا الصالحة.

المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟

المبحث الثالث: في أقسام الناس في الرؤى.

الفصل الثالث: في علاقة الرؤى بالنبوة

ويشمل مبحثين.

المبحث الأول: في رؤيا الأنبياء وأنها وحي.

وفيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه، وفيه مطلبان.

المطلب الأول: في تعريف الوحي.

المطلب الثاني: في أقسام الوحي، وبيان دخول الرؤيا في الوحي العام إذا كانت من المؤمن.

المسألة الثانية: في أن الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء.

المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق.

المبحث الثاني: في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة، وفيه أربع مسائل.

المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.

المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.

المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة.

المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟


أما الباب الثاني: ففي أقوال المخالفين في الرؤى ومناقشتهم.

ويشمل فصلين:

الفصل الأول: في نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم

وشمل تمهيدًا ومبحثين.

التمهيد: في تعريف علم النفس، وفيه ثلاث مسائل.

المسألة الأولى: في تعريف علم النفس.

المسألة الثانية: نشأته وأطواره.

المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس.

المبحث الأول: نظرية التحليل النفسي، ومناقشها، وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي.

المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية.

المبحث الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشها، وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية.

المسألة الثانية: مناقشتها.

الفصل الثاني في مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم وفيه:

تمهيد ومبحثان.

التمهيد: في تعريف الصوفية وفيه مسائل.

المسألة الأولى: أصل التسمية.

المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا.

المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره.

المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية.


المسألة الخامسة: كيفية اكتساب هذه المعرفة الصوفية.

المبحث الأول: مذهب الصوفية في الرؤى، وفيه أربع مسائل

المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا.

المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية.

المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى.

المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة.

المبحث الثاني: الرد على شبهاتهم

الباب الثالث: أحكام الرؤى وآدابها.

وفيه ثلاث فصول.

الفصل الأول: أحكام الرؤى.

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: رؤية الله في المنام

المبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام.

المبحث الثالث: رؤية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

المبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام.

المبحث الخامس: الكذب في الرؤيا.

الفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى.

وفيه تمهيد وثلاثة مباحث.

التمهيد: في حقيقة علم التعبير وفيه أربع مسائل.

المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا.

المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير.


المسألة الثالثة: هل هذا العلم توفيقي أو لا؟

المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم.

أما المباحث فهي كما يلي:

المبحث الأول: أقسام تأويل الرؤى وقواعده.

وفيه أربع مسائل.

المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا.

المسألة الثانية: الأصل في التعبير.

المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا.

المسألة الرابعة: من كليات التعبير.

المبحث الثاني: هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟

المبحث الثالث: أمثلة من تأويل الرؤى في السنة.

الفصل الثالث: آداب الرؤى:

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: إذا رأى ما يحب.

المبحث الثاني: إذا رأى ما يكره.

المبحث الثالث: شروط المعبر للرؤيا.

المبحث الرابع: آداب المعبر.

أما الخاتمة فذكرت فيها ما توصلت إليه من نتائج في هذا البحث

أما الفهارس:

1- فهرس المراجع والمصادر مرتبة حسب الحروف الهجائية.

2- فهرس للموضوعات.


 منهج الدراسة:

أولا: حرصت على أن يكون المرجع الأساس لبحثي هو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حيث جمعت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بالرؤى وقد أشرت إلى بعضها في أهمية الموضوع.

ثانيًا: اهتممت بأقوال المفسرين والمحدثين لبيان معنى الآية، أو الحديث، وخاصة المتقدمين منهم.

ثالثًا: أخذت معظم عناوين المباحث والفصول والمسائل من أبواب البخاري رحمه الله في كتاب التعبير من كتاب الجامع الصحيح لمكانة هذا الكتاب ومؤلفه عند أهل السنة والجماعة، ولأن البخاري رحمه الله يهتم بالأبواب في بيان الأحكام.

رابعًا: نقلت الآيات القرآنية التي استشهدت بها من المصحف برسمها من المصحف مباشرة، مع ذكر اسم السورة ورقم الآية.

خامسًا: نقلت الأحاديث الشريفة من مراجعها الأصلية كما وردت وذكرت حكم العلماء على تلك الأحاديث إلا ما نقلته من الصحيحين حيث أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول ([8]).

سادسًا: ترجمت للأعلام غير الصحابة، وغير المشهورين.

سابعًا: أخذت أقوال العلماء من المصادر الأصلية لها ما أمكن ذلك.

ثامنًا: نبهت على معاني بعض الكلمات الغريبة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك بالرجوع إلى معاجم ألفاظ القرآن، وغريب الحديث، وكتب اللغة.

تاسعًا: عرفت بالفرق والمذاهب التي وردت في بحثي.


 أهم المراجع التي رجعت إليها في هذا الموضوع:

أولا: كتب التفسير، عند تفسير الآيات المتعلقة بالرؤى، ومن أهمها كتب التفسير بالمأثور، مثل تفسير الطبري، وتفسير البغوي، وتفسير ابن كثير، وتفسير السعدي رحمهم الله تعالى.

ثانيًا: كتب الأحاديث في أبواب الرؤى والتعبير، وخاصة الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، والمصنفات، والمستدركات وغيرها.

ثالثًا: كتب شروح الأحاديث مثل فتح الباري، وعمدة القارئ، وغيرها من كتب شروح الكتب الستة كمعالم السنن وعارضة الأحوذي ونحوها.

رابعًا: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ففي مسألة رؤية الله في المنام رجعت بشكل أساس إلى كتاب بيان تلبيس الجهمية، وفيما يعلق بصفة الروح وخصائصها وعلاقتها بالرؤى، كان من أهم المراجع كتاب شرح حديث النزول، وغيرها من كتبه النافعة، وكذلك الردود التي رد بها على الصوفية في غلوهم في الرؤى.

خامسًا: كتب ابن القيم رحمه الله مثل كتاب الروح، وكتاب مدارج السالكين فيما يتعلق بحقيقة الرؤى.

سادسًا: كتب أصول الفقه، في مباحث مصادر التشريع، مثل كتاب الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي رحمه الله، وفيما يتعلق بالردود على المنحرفين في هذه المصادر رجعت إلى كتاب الاعتصام للشاطبي، وكتاب المدخل لابن الحاج.

سابعًا: في مسائل تأويل الرؤيا وتعبيرها، رجعت إلى كتاب شرح السنة للإمام البغوي رحمه الله وكتاب إعلام الموقعين لابن القيم رحمه الله.


ثامنًا: كتب الصوفية والفلاسفة التي تبين مذهبهم في الرؤى، أما كتب الصوفية فكثيرة، فمنها على سبيل المثال الرسالة للقشيري، والتعرف للكلاباذي وكتب ابن عربي، وأما كتب الفلاسفة فمثل كتاب الشفاء لابن سينا و كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي.

تاسعًا: كتب علماء النفس التي تتبين نظرتهم إلى الرؤى، مثل كتب فرويد وغيره، وكذلك الكتب التي ترد عليهم مثل كتاب الإنسان بين المادية والإسلام.

من الصعوبات التي واجهتني في هذا البحث:

أولا: سعة الموضوع وتشعبه، وكثرة مسائله، إضافة إلى اختلاف الآراء في هذه المسائل وتبيانها.

ثانيًا: صعوبة جمع المعلومات وآراء العلماء المتقدمين في هذه المسائل، لأن الموضوع بحث في أماكن متفرقة من كتبهم فمنهم من بحثه في كتب العقائد، ومنهم من بحثه في كتب أصول الفقه، ومنهم من بحثه في كتب التفسير في مواطن مختلفة، أما كتب الحديث وشروحها، فمنهم من خصه بأبواب، ومنهم من بحثه في مواضع متعددة.

ثالثًا: كثرة الأحاديث والآثار التي تتعلق بهذا الموضوع، وقد بذلت في تخريجها والحكم عليها وقتًا كثيرًا.

رابعًا: تعقد الموضوع وكثرة المواضع المشتبه فيه.

هذه أهم الصعوبات التي واجهتني في هذا الموضوع، والتي أعانني الله عز وجل على تجاوزها.

هذا وقد بذلت جهدي، بتوفيق الله لمعالجة هذا الموضوع على ضوء الكتاب والسنة، ولا أملك إلا أن أقول كما قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان» ([9]).

ولا أدعي وليس لي أن أدعي أنني جئت في هذه الرسالة بشيء كان خافيًا على العلماء والباحثين، وإنما حاولت بعون الله تعالى، جمع المادة العلمية بين دفتي رسالة واحدة، حيث تتبعت الآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بالرؤى، والمنثورة في بطون الكتب، ونظمتها في سلك واحد.

واعترف بادئ ذي بدء بأنني لست من فرسان هذا الميدان، ولكنها محاولة طالب علم، وجهد المقل، فلعلي أثير أشياء عند مختصين خير مني، فيدعوهم هذا ويقودهم إلى أن يدلوا بدلوهم.

هذا والشكر لله الكريم الذي وفق العبد الضعيف الذي يرجو رحمة ربه وعفوه، ثم امتثالا لقوله عز وجل }أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ{ [لقمان: 14].

أتوجه بالشكر والتقدير والعرفان بالجميل لوالدي الكريمين على ما بذلا من جهد في تربيتي على العلم الشرعي، وحثهما لي على سلوك طريق العلماء الربانيين. فقد كان فضلهما علي عظيما، فجزاهما الله خير الجزاء، وأعظم مثوبتهما ورفع درجتهما في جنات النعيم آمين.


ثم امتثالا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صح في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي من حديثي أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يشكر الناس، لم يشكر الله»([10]). أتوجه بالشكر والتقدير لشيخي الفاضل الشيخ الدكتور محمد بن عودة السعودي، وكيل كلية أصول الدين للدراسات العليا، ورئيس قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد ببن سعود الإسلامية، الذي كان رحب الصدر، حيث كانت لآرائه وتوجيهاته الأثر الكبير في تقويم هذا البحث، رغم كثرة مشاغله، فجزاه الله خيرًا.

ثم أقدر الشكر لكل من قدم لي مشورة في هذا البحث، ولا أستطيع حصرهم لكثرتهم، ولكن لا أملك إلا الدعاء لهم بظهر الغيب.

والله المسئول أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

وكتبه د. سهل بن رفاع بن سهيل

أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الملك سعود


تمهــيد

 أهمية الرؤى في حياة الناس

لقد جاء الاهتمام بالرؤيا الصادقة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - اهتمامًا يحفظ المسلم من الغلو أو التفريط فيها.

فالرؤيا الصادقة من الله، وهي جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وهي من الأنبياء وحي، بل هي مبدأ الوحيين والتصديق بها حق ولا خلاف فيها بين أهل الحق والدين ولا ينكرها إلا من شذ عن الحق ([11]).

فدل كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أن رؤيا الأنبياء وحي، فهي تدخل في قوله تعالى: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ{ [الشورى: 51].

ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه بعض رؤى أنبيائه، فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: }إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ{ [الأنفال: 43].

وجعل سبحانه معجزة نبيه يوسف عليه السلام تأويل الرؤى، كما جاء في سورة يوسف.

وكذلك ما جاء في رؤيا إبراهيم عليه السلام، وكيف أقدم على ذبح ابنه وعد ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: }يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ{.


قال تبارك وتعالى: }فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [الصافات: 102-105].

وكذلك رؤيا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في قصة الحديبية قال تعالى: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ{ [الفتح: 27].

أما السنة فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أول أحوال النبيين الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ([12]).

أما رؤيا المؤمن فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -([13]) وهي من مبشرات النبوة، وباعث خير وطمأنينة.

ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن الرؤى، فهناك الأحاديث التي تبين أقسامها، وأن ما يراه الإنسان في منامه منه الرؤيا الحق، ومنه حديث النفس، ومنه تهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته وصفاته.

وهناك الأحاديث التي تبين أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، ومن مبشرات النبوة، وأحاديث تبين أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق، إذا رأه على صورته وليس ذلك مبررًا للتلقي عنه - صلى الله عليه وسلم - في المنام.


وأحاديث تبين الآداب التي يتأدب بها المسلم عندما يرى ما يحب وعندما يرى ما يكره.

وأحاديث تبين تأويل النبي - صلى الله عليه وسلم - للرؤيا وهي كثيرة جدًا.

وأحاديث تبين أحكام الرؤى، من حيث حكم الكذب فيها، وهل الرؤيا إذا عبرت وقعت، وما شروط المعبر وآدابه، وغيرها من الآداب والأحكام.

ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يقول لأصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا» كما ثبت من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه([14]).

ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له»([15]).

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ فيقول إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة»([16]).


قال ابن عبد البر([17]) رحمه الله: «وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا وفضلها لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يسأل عنها لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويله»([18]).

ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: «الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة»([19]).

وقال القرطبي ([20]) رحمه الله: «والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة»([21]).

ولقد كان من اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرؤى وبيان أحكامها وآدابها لأمته، أنه كان يبين لهم ذلك في خطبه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت([22]) على أثره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد يخطب فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه»([23]).

بل حتى وهو - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته، الذي سيودع فيه أمته ويلقى ربه، كشف الستار والناس صفوف خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها العبد الصالح أو ترى له»([24]).

ولهذا اهتم المحدثون رحمهم الله بهذه الأحاديث، فعقدوا لها في مصنفاتهم الكتب والأبواب فمن ذلك:

أن الإمام البخاري رحمه الله وضع في كتابه الجامع الصحاح كتابًا للتعبير أي تعبير الرؤيا، وذكر فيه ثمانية وأربعين بابًا، وتسعة وتسعين حديثًا، وعشرة آثار عن الصحابة والتابعين ([25]).

بدأ تلك الأبواب بباب، بيان أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة ([26]).


ثم باب رؤيا الصالحين.

ثم باب الرؤيا من الله.

ثم باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

ثم باب المبشرات.

ثم باب رؤيا يوسف عليه السلام.

ثم باب رؤيا إبراهيم عليه السلام.

ثم باب التواطؤ على الرؤيا.

ثم ذكر رحمه الله أبوابًا كثيرة منها.

باب من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام. باب الحلم من الشيطان فإذا حلم فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله عز وجل.

باب من كذب في حلمه.

باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها.

باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب.

أما الإمام مسلم رحمه الله فقد عقد في صحيحه كتابًا للرؤيا، وذكر فيه ثلاثة وعشرين حديثًا غير المتابعات([27]).

وقد صنفت هذه الأحاديث إلى أربعة أبواب:

الأول: باب قوله - صلى الله عليه وسلم - من رآني فق رآني.

الثاني: باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام.

الثالث: باب في تأويل الرؤيا.


الرابع: باب رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أما أبو داود رحمه الله فذكر بابًا للرؤيا في كتاب الأدب من سننه، وذكر فيه تسعة أحاديث([28]).

أما الترمذي رحمه الله فعقد كتابًا للرؤيا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عشرة أبواب، ذكر فيها خمسة وعشرين حديثًا([29]).

ومن تلك الأبواب:

1- باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

2- باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.

3- باب قوله: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ [يونس: 63].

4- باب ما جاء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة».

5- باب إذا رأى في المنام ما يكره ما يصنع.

6- باب ما جاء في تعبير الرؤى.

7- باب في تأويل الرؤى، ما يستحب منها وما يكره.

8- باب في الذي يكذب في حلمه.

أما النسائي رحمه الله فعقد في كتابه السنن الكبرى كتابًا للتعبير ذكر فيه ثلاثة وعشرين بابًا، أخرج فيها ثمانية وثلاثين حديثًا ([30]).


ومن تلك الأبواب:

1- الرؤيا.

2- الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح.

3- الرؤى بشرى من الله.

4- التواطؤ على الرؤى.

5- من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أما ابن ماجه رحمه الله فعقد كتابًا لتعبير الرؤيا، ذكر فيه عشرة أبواب، تضمنت أربعة وثلاثين حديثًا ([31]).

وهذه الأبواب هي كما يلي:

1- باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

2- باب رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

3- باب الرؤى ثلاث.

4- باب من رأى رؤيا يكرهها.

5- باب من لعب به الشيطان في منامه فلا يحدث به الناس.

6- باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، فلا يقصها إلا على واد.

7- باب علام تعبر به الرؤيا؟

8- باب من تحلم حلمًا كاذبًا.


9- باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.

10- باب تعبير الرؤيا.

وإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله أخرج في مسنده أحاديث كثيرة في شأن الرؤى ([32]).


وكذلك ما بذله أصحاب المصنفات رحمهم الله، من جهود في تصنيف أحاديث الرؤى ومن ذلك ما ذكره ابن أبي شيبة رحمه الله في كتابه المصنف في الأحاديث والآثار، حيث قرن بين الإيمان والرؤيا في كتاب واحد ([33]).

وما ذكره الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي في سننه حيث عقد كتابًا للرؤيا ذكر فيه ثلاثة عشر بابًا وثمانية وعشرين حديثًا ومن تلك الأبواب:

1- باب قوله تعالى: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ [يونس: 63].

2- باب في رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

3- باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات.

4- باب في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

5- باب فيمن يرى رؤيا يكرهها.

6- باب الرؤيا ثلاث.

7- باب أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.

8- باب النهي عن أن يحتلم الرجل رؤيا لم يرها.

9- باب أصدق الرؤيا بالأسحار.

10- باب كراهية أن يعبر الرؤيا إلا على عالم أو ناصح.

11- باب الرؤيا لا تقع ما لم تعبر.

12- باب في رؤية الرب تعالى في النوم ([34]).

ومن ذلك ما ذكره الإمام البغوي رحمه الله في كتابه شرح السنة حيث عقد كتابًا للرؤيا، وذكر فيه من الأبواب والأحاديث ما يبين مكانتها في الشريعة، ومن تلك الأبواب:

1- باب تحقيق الرؤيا أي تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، واستدل برؤيا إبراهيم عليه السلام وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة».

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».

2- باب من رأى شيئًا يكرهه.

3- باب أقسام الرؤيا.

4- باب أقسام تأويل الرؤيا ([35]).

ولقد كان هؤلاء العلماء رحمهم الله يشيرون إلى بعض أحكام وآداب الرؤى من خلال عناوين الأبواب التي صنفوها.

وأحيانًا يشيرون إلى الخلاف في بعض المسائل من خلال العناوين أو يشيرون إلى الراجح من الخلاف، كما يقولون في تعبير الرؤيا، الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، أو يقول بعضهم الرؤيا لأول عابر، أو الرؤيا تقع على ما تعبر، ونحو ذلك من الأحكام التي سوف أفصلها إن شاء الله تعالى.

ولا شك أن هذه الأحاديث بينت الموقف الصحيح من الرؤى وأن منها


الحق ومنها أحاديث النفس وتهاويل الشيطان، ولكل نوع علاماته، وبينت الآداب التي يلتزم بها المسلم عندما يرى ما يحب أو يرى ما يكره.

فالرؤيا الصالحة تسر المؤمن وتعجبه ولا تغره، فهي باعث خير وطمأنينة وهداية وذلك لا يبرر أن يعمل بها إذا كانت مخالفة للشرع، بل إذا خالفت دل ذلك على عدم صلاحها وتركها.

وعلى هذا سار الصحابة رضي الله عنهم فكانوا يرجعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأوا رؤيا.

وكذلك من بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح كانوا يرجعون إلى سنته - صلى الله عليه وسلم - ولا يعتمدون على الرؤيا، إلا مجرد الاستئناس بها، وعلى هذا يحمل ما جاء عنهم في الأخذ بالرؤيا الصالحة عند ذكر أسباب تأليف بعض الكتب أو ذكر أسباب هداية بعض الضالين المنحرفين.

فمن ذلك ما ثبت عن الإمام البخاري رحمه الله أنه ألف كتاب الجامع الصحيح بسبب رؤيا رآها للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح»([36]).

ومن ذلك أن الرؤيا الصالحة كانت سببًا لهداية بعض المنحرفين عن الطريق المستقيم ولهذا ذكرها ابن القيم رحمه الله في المرتبة العاشرة من مراتب الهداية العامة والخاصة.

وقال: «والذي هو من أسباب الهداية، هو الرؤيا التي من الله خاصة»([37]).


ومن أمثلة ذلك: أن سبب رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري([38]) رحمه الله عن مذهب الاعتزال، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم حيث قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت فرأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليك بسنتي، فانتبهت! ! وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه وراء ظهري([39]).

وإذا كان هذا هو موقف أهل الحق، فهناك من غلا في الرؤى، فطوائف غلت في الإفراط، وطوائف غلت في التفريط، وكل هؤلاء الغلاة خالفوا ما ذكرته من المنهج الصحيح في الرؤى.

أما أصحاب الغلو في الإفراط فهم الذين رفعوا الرؤى عن مكانتها فاعتبروها مصدرًا للتلقي والتشريع؛ ينقضون بها شرع الله، فقد يحلل أحدهم الحرام أو يحرم الحلال بناء على رؤيا رآها، وقد يدعي بعضهم علم الغيب الذي تفرد الله به بسبب رؤيا رآها أو رآها غيره.


فكثيرًا ما يفتتن الناس بأن فلانًا رأى بأن الساعة تقوم بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بمجرد رؤيا في المنام، تخدع السذج من الناس.

وهذا الغلو والإفراط في شأن الرؤى موجود في كل عصر، ففي جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول ما يدعيه بعض المبتدعة من الرؤى والمنامات قال: «وقد عرفنا في زماننا بمصر والشام والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أنه فيه أثر نبي ونحو ذلك، ويكون كاذبًا، وهذا شيء منتشر»([40]).

وما ذكره ابن الحاج ([41]) رحمه الله حيث قال: «وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان، وهو أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنامة دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى قواعد السلف رضي الله عنهم»([42]).

فهؤلاء الغلاة يعتمدون على الرؤى في حياهم وكأنها وحي يوحى، وينتظرون في كل أمر أن يروا رؤيا تشير لهم إلى الطريق، بل منهم من يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة.


وهناك من يصاب بالهم والغم والحزن والخوف بسبب رؤيا رآها، ومن قرأ وسمع الفتاوى التي تصل إلى مشائخنا حفظهم الله، أدرك تأثير الرؤيا في حياة الناس، وحاجتهم إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، وموقف المسلم منها.

وهذا الاهتمام والتأثر بالرؤى، جعل بعض المغرضين والمنحرفين يستغلون جهل الناس بالرؤى، فطالمًا افتتن الناس ببعض من يستغل الرؤى لترويج باطله.

ومن أمثلة ذلك: ما ظهر في هذه البلاد وغيرها منذ سنوات من خرافة صاغها شيطان مضل على صورة رؤيا منسوبة إلى من يسمى بالشيخ أحمد خادم المسجد النبوي الشريف، وقصد بهذه النسبة ترويج هذه الفرية.

وقد ضمن هذه الرؤيا المزعومة أكاذيب وتهديدات وتخويفات زعم أنه تلقاها من النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رآه في المنام([43] وقال له: أخبر أمتي بهذه الوصية، لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ، ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل، بني له قصر في الجنة، ومن لم يكتبها ويرسلها، حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة، ومن كتبها وكان فقيرًا؛ أغناه الله، أو كان مديوناً؛ قضى الله دينه، أو عليه ذنب؛ غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية، ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة، ومن يصدق بها ينج من عذاب الله، ومن كذب بها كفر.

وهذا بعض ما جاء في هذه الوصية المكذوبة التي تجرأ مخترعها على الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي يعرف بطلانها من له أدنى بصيرة، ومع ذلك فقد راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم فأخذوا يطبعونها ويوزعونها متأثرين بما فيها من الوعود والوعيد.


ولقد قام علماؤنا وفقهم الله، ببيان كذب هذه الوصية وحذروا الناس من نشرها والتصديق بها ([44]) ومن هؤلاء سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقد رد عليها برد جيد مفيد، وبين ما فيها من الكذب والتدجيل([45]).

وهذا مثال يبين مدى تأثر الناس بالرؤى وانحرافهم في مفهومها ورواجها على السذج والبسطاء.

وفي مقابل هؤلاء الغلاة في الإفراط، هناك الغلاة في التفريط، الذين يستهينون بشأن الرؤيا الصالحة، ويقللون من قيمتها، بل لا يرون لها قيمة البتة، فيرون جميع ما يتحدث عنه من الرؤيا إنما هو كلام خرافات وأساطير.

وهذا انحراف في الطرف الآخر وهو أقرب ما يكون إلى نظريات الماديين الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، ولذلك ينكرون الغيب وما يتعلق به.

وسوف أقوم إن شاء الله تعالى بالرد على هؤلاء الغلاة في الإفراط والغلاة في التفريط في الباب الثاني من هذا البحث.


 الباب الأول: حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتها وعلاقتها بالنبوة

الفصل الأول: حقيقة الرؤى

الفصل الثاني: أقسام الرؤى وعلاماتها.

الفصل الثالث: علاقة الرؤى بالنبوة.



 الفصل الأول: حقيــقة الـرؤى

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: الرؤى لغة واصطلاحًا.

المبحث الثاني: الفرق بين الرؤيا والحلم والفرق بين الرؤيا والرؤية.

المبحث الثالث: دلالات الرؤى.

المبحث الرابع: تعلق الرؤيا بالروح.



 المبحث الأول: الرؤى لغة واصطلاحًا

وفيه مسألتان:

 المسألة الأولى: الرؤى في اللغة

الرؤى: جمع رُؤْيَا وهي ما يراه الإنسان في منامه. على وزن فُعْلى كالسقيا والبشرى.

قال العلامة ابن منظور ([46]) في لسان العرب: «والرُّؤْيا: ما رأيته في منامك، وهي الرُّؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة: حلمتها وأرْأى الرجل إذا كثر رؤاه، بوزن رُعاه، وهي أحْلامه، جمع الرؤيا، ورأى في منامه رُؤيا، على فعلى بلا تنوين وجمع الرؤيا رؤى بالتنوين، مثل رعى»([47]).

وقال الراغب الأصفهاني([48]) في معجم مفردات ألفاظ القرآن: «والرؤيا ما


يرى في المنام، وهو فعلي، وقد يخفف فيه الهمزة فيقال بالواو»([49]).

والألف فيها للتأنيث ولذلك لم تنصرف ([50]).

 المسألة الثانية: الرؤى اصطلاحًا

إذا عرفنا أن الرؤى في اللغة جمع رؤيا، وهي ما يراه الإنسان في منامه، فإننا لا نجد فرقًا بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، وإنما اختلف الناس في بيان كيفية هذه الرؤى وحقيقتها اختلافًا عظيمًا }فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [البقرة: 213].

وسبب اختلافهم في حقيقة الرؤيا، هو إعراضهم عن الكتاب والسنة، ومحاولة الوقوف على أمور لا تدرك بالعقول.

قال المازري([51]) رحمه الله: «كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لما حاولوا الوقوف على حقائق لا تعلم بالعقل، ولا يقوم عليها البرهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت لذلك مقالاتهم»([52]).


وقال أبو العباس القرطبي ([53]) رحمه الله في كتابه المفهم: "وقد اختلف في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير الشرعيين أقوالاً مختلفة وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عريت عن البرهان فأشبهت الهذيان، وسبب ذلك التخليط العظيم؛ الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الصراط المستقيم ([54]).

ونتيجة لهذا السبب تعددت أقوالهم في الرؤيا، وقد ذكر جملة من هذه الأقوال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ([55]) والإمام ابن حزم ([56]) رحمه الله في كتابيه الفصل في الملل


والأهواء والنحل ([57]) والأصول والفروع ([58]) وذكرها ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح ([59]) وغيرهم.

وسأذكر - بعون الله - أهم هذه الأقوال وأشهرها، مع المناقشة لكل قول ثم أختم بقول أهل الحق مع بيان أدلته النقلية والعقلية إن شاء الله تعالى.

القول الأول: قال صالح بن قبة ([60]): إن الرؤيا حق، وما يراه النائم في نومه صحيح كرؤية العينين في اليقظة، فإذا رأى الإنسان في المنام كأنه بأفريقية وهو ببغداد فقد اخترعه الله سبحانه بأفريقية في ذلك الوقت([61]).

الرد: قوله: «إن الرؤيا حق» هذه العبارة فيها إجمال فإن كان المقصود بها أن الرؤيا الصالحة حق بمعنى أنها ليست خيالات باطلة، فهذا صحيح.

أما إن كان قصده بهذه العبارة أن ما يراه النائم كرؤية اليقظة فهذا لا يشك عاقل في بطلانه فهو في غاية الفساد والبطلان، فالواقع والعقل يبطلانه.

أما الواقع: فنحن نشاهد أن النائم عندنا، ورأى نفسه في ذلك الوقت في أفريقية مثلاً.


وأما من طريق العقل، فإن النائم يرى من الأحلام من كونه مقطوع الرأس مثلا، وهو حي، وما أشبه ذلك، كما جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: «لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك»([62]) فعلى هذا القول يكون رأسه قد قطعت حقيقة وهو حي، وهذا من الباطل بمكان([63]).

القول الثاني: قال أكثر المعتزلة ([64]) إن ما يراه الإنسان في منامه إنما هو تخيلات باطلة لا حقيقة لها ولا تدل على شيء ([65]).

الرد: إن القول بأن الرؤيا جميعها خيالات باطلة، قول باطل وغريب، حيث دل كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أن الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام ومنها الرؤيا الصادقة، والتي منها رؤيا الأنبياء والتي هي من الوحي.

فمن الكتاب قوله تعالى: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ{ [الفتح: 27] ورؤيا الحق


هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام.

ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان.. » ([66]).

قال الخوارزمي ([67]) في كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم: «الباب السادس في سؤال المعتزلة في الرؤيا».

قالوا: كيف يجوز أن يرى ألف إنسان في وقت واحد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل واحد منهم في بلد غير بلد صاحبه، وهل يجوز أن يكون جسم واحد في ألف مكان، فلهذا أجمعنا على إبطال الرؤيا سوى رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

أجاب الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: تجويزكم صحة رؤيا الأنبياء يبطل قولكم ببطلانها لغير الأنبياء.. ([68]).


وقال أبو بكر بن العربي([69]) رحمه الله في رده على قول المعتزلة السابق: «وهذا على أصلهم في تخييلهم على العوام وإنكار أصول الشرع كإنكارهم الجن([70]) وإنكارهم كلام الملائكة للبشر، وأن جبريل لو كلم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لسمعه الحاضرون»([71]).

وقال رحمه الله: «قد قيل: إن الرؤيا لا حقيقة لها وهم القدرية([72])، تعسًا لهم، وغلا صالح قبة، فقال: كل الرؤيا والرؤية بعين الرأس حقيقة».

ثم قال أبو بكر: وهذا حماق([73]).


وممن نسب هذا القول لبعض المعتزلة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو معروف بدقة معرفته بأقوال أهل الملل والنحل ورده عليهم.

حيث قال في كتابه بيان تلبيس الجهمية: «وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، يعني في المنام، والنقل بذلك متواتر عمن رأي ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم»([74]).

وقريب من قول المعتزلة السابق في حقيقة الرؤيا، ما ينسب إلى الأشاعرة([75]) فقد ذكر الإيجي([76]) وهو أشعري العقيدة، في كتابه المواقف في علم الكلام أن قول المعتزلة والأشاعرة في الرؤيا أنها خيال باطل، وإنما فرق بين القولين في التعليل فقط.

فقال: «وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين، أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك، من المقابلة وانبعاث الشعاع، وتوسط الهواء، وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأنه خلاف العادة، والنوم ضد للإدراك»([77]).

وقد نسب هذا القول الألوسي([78]) رحمه الله للمتكلمين، والأشاعرة من المتكلمين فقال: «والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها»([79]).

ولكن لما ذكر ابن القيم رحمه الله اضطراب الناس في حقيقة الرؤيا، ذكر أن هناك من يعرف الرؤى بأنها: علوم علقها الله في النفس ابتداء بلا سبب.

ثم قال: «وهذا قول منكري الأسباب والحكم والقوي، وهو قول مخالف للشرع والعقل والفطرة»([80]).

وقوله رحمه الله: وهذا قول منكري الأسباب والحكم هذه العبارة كثيرًا ما يطلقها ابن القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمها الله على الأشاعرة([81]).

ولم يبين رحمه الله وجه مخالفة هذا القول للشرع، والعقل، والفطرة، ولعل ما ذكرته في الرد على المعتزلة يبين وجه هذه المخالفة.

القول الثالث: قال الفلاسفة ([82]) في حقيقة الرؤيا:

إن الحس المشترك ([83]) في الإنسان والذي هو مجمع الحواس الظاهرة، إذا أخذ الصورة الخارجية من الحواس الظاهرة يؤديها إلى القوة المتخيلة([84]) التي من شأنها تركيب الصورة فربما انطبعت تلك الصور في الحس المشترك وصارت مشاهدة على حسب مشاهدة الصور الخارجية، فإن الصور الخارجية لم تكن مشاهدة لكونها صورة خارجية بل لكونها مرتسمة في الحس المشترك.

قالوا: ومن طباع القوة المتخيلة التصوير والتشبيح دائمًا، إلا أن هناك أمرين صارفين لها عن فعلها:

أحدهما: توارد الصور من الخارج على الحس المشترك، فإنه إذا انتقش بهذه الصورة لم يتسع لانتقاشه بالصور التي تركبها القوة المتخيلة فيعوقها ذلك عن عملها لعدم القابل.

وثانيها: تسلط العقل أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها فتتعوق بذلك عن عملها، وإذا انتفى هذان الشاغلان أو أحدهما تفرغت القوة المتخيلة لفعلها في التصور، والشخص إذا نام انقطع عن الحس المشترك توارد الصور من الخارج، فيتسع لانتقاش الصور من الداخل.

قالوا: إذا عرفت هذا فنقول ما يدركه النائم ويشاهده صور مرتسمة في الحس المشترك موجودة فيه ويكون ذلك على وجهين:

الأول: أن يرد ذلك المدرك على الحس المشترك من النفس الناطقة ([85]) وهي تأخذه من العقل الفعال ([86]) فإن جميع صور الكائنات من الأزل إلى الأبد مرتسم فيه.


قالوا: فإن تصرف فيه الحس المشترك، فيحتاج إلى تعبير وإن لم يتصرف فيه فلا يحتاج إلى تعبير.

الثاني: أن يرد على الحس المشترك، صور المحسوسات بالحواس الظاهرة مما ارتسم في الخيال، أثناء اليقظة، أو يرتسم فيه مما يوجبه مرض كثوران خلط، أو تغير مزاج.

والوجه الأول عندهم هو سبب الرؤيا الصادقة.

والوجه الثاني: هو سبب الرؤيا الكاذبة ([87]).

الرد:

هذا القول لا شك في بطلانه وذلك من وجوه.

أولا: فيما يتعلق بقولهم في سبب الرؤيا الصادقة، وأنها تأتي نتيجة ارتسام الصور في الحس المشترك الذي يأخذها من النفس الناطقة والتي تأخذ ذلك من العقل الفعال. وهذا قول باطل لأنه لا دليل عليه من النقل ولا من العقل، فلم يرد عن طريق الوحي، والعقل لا يدرك هذه الأشياء. وعامة ما يعتمدون عليه هو التجويز الذهني ([88]).

ثانيًا: قولهم في الوجه الثاني أن حصول الرؤيا الكاذبة بسبب الأخلاط.

قال ابن العربي المالكي رحمه الله في رده عليهم: "تقسيمه - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا ثلاثة أقسام هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع ([89]).

وقد بينا في كل كتاب، ونادينا على كل باب وصرخا على الوهاد والأنقاب([90])، بأنه لا تأثير للأخلاط ([91]).

وقال المازري رحمه الله بعد أن ذكر قول الفلاسفة السابق: "وهذا مذهب وإن جوزه العقل وأمكن عندنا أن يجري الباري جلت قدرته العادة بأن يخلق مثلما قالوه عند غلبة هذه الأخلاط فإنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط وجهالة، هذا لو نسبوا ذلك إلى الأخلاط على جهة الاعتياد، وأما إن أضافوا الفعل إليها فإنا نقطع بخطأهم ، ولا نجوز ما قالوه، إذ لا فاعل إلا الله سبحانه ([92]).

ثم قال: «ولبعض أئمة الفلاسفة تخليط طويل في هذا، وكأنه يرى أن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالمنقوش، وكأنه يدور بدوران الكرة، فما حاذى بعض النفوس منه انتقش فيها، وهذا أوضح فسادًا من الأول ([93]) مع كونه تحكما بما لم يقم عليه برهان.. » ([94]).

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله اضطراب الناس في الرؤى، ثم ذكر قولاً قريبًا من قول الفلاسفة وإن خالفه من بعض الوجوه، ولم ينسبه إلى أحد، ثم رد عليه حيث قال: «فمن قائل: إن العلوم كلها كامنة في النفس، وإنما اشتغالهم بعالم الحس يحجب عنها مطالعتها، فإذا تجردت بالنوم رأت منها بحسب استعدادها ولما كان تجردها بالموت أكمل كانت علومها ومعارفها هناك أكمل، وهذا فيه حق وباطل فلا يرد كله، ولا يقبل كله، فإن تجرد النفس يطلعها على علوم ومعارف لا تحصل بدون التجرد، لكن لو تجردت كل التجرد لم تطلع على علم الله الذي بعث به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى تفاصيل ما أخبر به عن الرسل الماضية، والأمم الخالية وتفاصيل المعاد، وأشراط الساعة، وتفاصيل الأمر والنهي، والأسماء والصفات والأفعال وغير ذلك مما لا يعلم به إلا الوحي، ولكن تجرد النفس عون لها على معرفة ذلك، وتلقيه من معدنه أسهل وأقرب وأكثر مما يحصل للنفس المنغمسة في الشواغل البدنية»([95]).

ومن الأقوال التي ذكرها ابن القيم رحمه الله ولم ينسبها لأحد ورد عليها وهي قريبة من قول الفلاسفة السابق من بعض الوجوه.

أن هناك من قال: بأن الرؤى كلها علوم وعقائد في النفس تظهر لصاحبها عند انقطاع نفسه عن الشواغل البدنية بالنوم.

قال ابن القيم رحمه الله في رده على هذا القول: "وهذا عين الباطل والمحال، فإن النفس لم يكن فيها قط معرفة هذه الأمور" ([96]).

القول الرابع: قول أهل الحق أهل السنة والجماعة:

فقالوا: لا نعدوا قول نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقد بين الرؤيا بيانًا واضحًا شافيًا فقسمها إلى ثلاثة أقسام: رؤيا حق من الله عز وجل، والله أعلم بكيفية ذلك، ورؤيا باطلة فهي أضغاث أحلام من تهويل الشيطان وتحزينه وتمثيله لابن آدم، أو مما يحدث به المرء نفسه في اليقظة فيراه في المنام.

فقد أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان» ([97]).


وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([98]).

وفي أحاديث أخرى يقسم - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا إلى قسمين كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان.. » ([99]).

قال ابن عبد البر رحمه الله: "وجملة القول في هذا الباب أن الرؤيا الصادقة من الله، وأنها من النبوة، وأن التصديق بها حق، وفيها من بديع حكمة الله ولطفه، ما يزيد المؤمن إلى إيمانه.

ولا أ علم بين أهل الدين والحق، من أهل الرأي والأثر خلافًا فيما وصفت ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد، وشرذمة من المعتزلة([100]).


فنحن لا نقول كما تقول المعتزلة أن الرؤى كلها خيالات باطلة لا حقيقة لها، ولا كما تقول الفلاسفة أنها من فعل الطبائع بل نقول كما يقول ربنا عز وجل: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ{ [الفتح: 27] وكما يقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».

وفي بيان حقيقة الرؤيا الصادقة وأنها حق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» ([101]) هو كما قال - صلى الله عليه وسلم - رآه في المنام حقًا، فمن قال: ما رآه في المنام حقًا فقد أخطأ، ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ، ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون تلك ([102]).

وفي مواضع متعددة يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن ما يراه النائم في نومه عبارة عن أمثال مضروبة له.

فيقول في كتابه منهاج السنة النبوية: "والنائم يرى في المنام إنسانًا يخاطبه ويشاهده، ويجري معه فصولاً، وذلك المرئي قاعد في بيته، أو ميت في قبره، وإما رأى مثاله ([103]).


وفي كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان يقول رحمه الله ما ملخصه:

إن النائم يرى الأشياء في منامه ولها وجود وتحقق، ولكنها أمثلة فلما عزب عقله في أثناء النوم ظنها الرائي نفس الحقائق كالذي يرى نفسه في مكان آخر يكلم أمواتًا ويكلمونه، ويفعل أمورًا كثيرة، وهو في النوم يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل؛ لأن عقله عزب عنه، وتلك الصورة التي رآها مثال صورته لكن غاب عقله عن نفسه، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه، فلما ثاب إليه عقله علم أن ذلك مثالات.

ومن الناس من لا يغيب عقله؛ بل يعلم أن ذلك في المنام، وهو كالذي يرى صورته في المرآة، أو صورة غيره([104]).

وقد ذكر قريبًا من ذلك في كتابه قاعدة في المعجزات و الكرامات ([105]).

فإذا كانت الرؤى عبارة عن أمثلة وأحاديث نفس، فإنه قد ورد في بعض تعاريف العلماء كلمات تحتاج إلى تفصيل فمن ذلك أن منهم من يعرف الرؤيا بأنها إدراكات مخلوقة أو اعتقادات مخلوقة، فهل هذا التعريف صحيح أو لا؟([106]).

قال ابن العربي رحمه الله في حقيقة الرؤيا: أنها إدراكات يخلقها الله في قلب العبد على يدي الملك أو الشيطان، إما بأمثالها، وإما أمثالاً بكناها، وإما تخليطًا، ونظير ذلك في اليقظة الخواطر فإنها تأتي على نسق في قصد، وتأتي مسترسلة غير محصلة، فإذا خلق الله من ذلك في المنام على يدي الملك شيئًا كان وحيًا منظومًا وبرهانًا مفهومًا.

ورد على من قال أن الرؤيا اعتقادات([107]).

وقال المازري رحمه الله: «والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة وهو أن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه سبحانه جعلها علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران، وليس بطائر فقصارى ما فيه أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه وكم في اليقظة ممن يعتقد أمرًا على غير ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله سبحانه للغيم علمًا على المطر، والجميع خلق الله سبحانه، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علمًا على ما يسره بحضرة الملك، أو بغير حضرة شيطان، ويخلق ضدها مما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان»([108]).

وعلى هذا التعريف بعض الملحوظات:

أولا: قول المازري والمذهب الصحيح ما عليه أهل السنة، معلوم أن المازري أشعري العقيدة، وقد صرح بأشعريته في كتابه المعلم بفوائد مسلم، فيعني بأهل السنة الأشاعرة، فهو إذا ليس بحجة على أهل السنة والجماعة ([109]).

ثانيًا: قوله وهو أنه سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات.

أقول: أن القول بأن الرؤيا عبارة عن اعتقادات مخلوقة، هذه من الألفاظ المحدثة عند المتأخرين، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة هل الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟

وبين رحمه الله أنه يقال لمن قال ذلك، ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله وإيمانه الذي دل عليه اسم المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة ([110]).

ومما يزيد هذا التعريف إشكالاً أن رؤية الأنبياء وحي، ولا يقال في الوحي أنه اعتقادات مخلوقة، كما تقوله المبتدعة عياذا بالله.

ثالثًا: قوله بأن الرؤيا التي تسر تخلق بحضرة ملك، والتي بضدها بحضرة شيطان هذا يحتاج إلى دليل من الشرع.

أما تعريف الرؤيا بأنها اعتقادات فقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ([111]).


وقال ابن القيم رحمه الله: «وإن من الرؤيا ما يكون من حديث النفس وصورة الاعتقاد بل كثير من مرائي الناس إنما هي من مجرد صور اعتقادهم المطابق وغير المطابق»([112]).

* * *


 المبحث الثاني: الفرق بين الرُّؤْيا والحُلُم والفرق بين الرُّؤيا والرُّؤْية

وفيه مسألتان:

 المسألة الأولى: الفرق بين الرؤيا والحلم

تبين لنا في المبحث الأول، أن الرؤيا في اللغة تعني ما يراه الإنسان في منامه، وهي عبارة عن أمثال مضروبة، وإذا كان الأمر كذلك، فما الفرق بينها وبين الحلم؟

والجواب:

أن الحُلْمُ: بضم الحاء واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم ([113]).

قال الجوهري في الصحاح: (الحُلُم بالضم: ما يراه النائم، تقول منه، حَلَم بالفتح واحْتَلَم.

وتقول: حَلَمْت بكذا، وحَلَمْتُه أيضًا([114]).

وقال ابن منظور في لسان العرب: (الحُلْمُ والحُلُم: الرؤيا، والجمع أحْلام، يقال: حَلَم إذا رأى في المنام.


يقال: حَلَم بالفتح، إذا رأى وتَحَلَّم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا([115]).

فالحُلُم بهذا المعنى اللغـوي، وهو ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنه غلب في الاصطلاح الشرعي استعمال الرؤيا في الخير والشيء الحسن، وغلب استعمال الحلم على خلافه.

يقول ابن الأثير([116]) رحمه الله: «الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء،، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر القبيح».

ومنه قوله تعالى: }أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ{ [يوسف: 44] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر([117]).

ودل على هذا التفريق أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري رحمه الله من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان» الحديث([118]).

يقول ابن حجر رحمه الله: ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: (حلم) والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها: (رؤيا) وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا، وقد جاء في حديث آخر (الرؤيا ثلاث) ([119]) فأطلق على الكل رؤيا ([120]).

ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح المسند من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه أنه في كتاب التعبير وضع بابًا بعنوان الرؤيا من الله([121]) وبابًا آخر بعنوان الحلم من الشيطان([122]) واستدل بحديث أبي قتادة السابق للتفريق بين الرؤيا والحلم.

ولعل الحكمة والله أعلم في نسبة الرؤيا إلى الله، والحلم إلى الشيطان، أن الله عز وجل كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فشرع التفريق بين الحق والباطل، بأن جعل الرؤيا ما كان من الله، والحلم ما كان من الشيطان، لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها([123])، فهي من إلقائه وتشويشاته وتلاعبه ووسوسته وتحزينه للإنسان، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة في نسبتها إلى الشيطان وبيان عداوته للإنسان([124]).

وهذا التفريق بين الرؤيا والأحلام من الاصطلاحات الشرعية، وإن كان كل من الرؤيا والحلم من عند الله عز وجل، وإنما ذلك جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره([125] كما قال تعالى: }مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ{ [النساء: 79].

وكقوله عن الجن: }وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا{ [الجن: 10].

وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك»([126]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد علم الصحابة رضي الله عنهما أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقضاء الله وقدره ([127]).


 المسألة الثانية: الفرق بين الرؤيا والرؤية

الرؤيا مصدر رأى، وهي مختصة بما يراه الإنسان في منامه، أما الرؤية فهي مصدر رأي كذلك، إلا أنها مختصة بما يراه الإنسان في اليقظة.

قال في القاموس المحيط (الرؤية: النظر بالعين وبالقلب)([128]).

وقال في الصحاح: (الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين، يقال رأى زيدًا عالمًا، ورأى رأيا ورؤية ([129]).

فالرؤية هي النظر بالعين في اليقظة، و الرأي بالقلب.

وفرق بين الرؤيا والرؤية بتاء التأنيث مكان ألف التأنيث للفرق بين ما يراه النائم وما يراه اليقظان، ونظير ذلك القربة والقربى، فالقربة للتقرب المعنوي بعبادة الله إليه، والقربى للتقرب النسبي([130]).

قال في الكشاف: (الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث كما قيل في القربى والقربة)([131]).

وقد تكون الرؤيا مصدر رأى في اليقظة، وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة، واستعمال الرؤيا بمعنى رؤية العين ورد في القرآن الكريم وعند أهل اللغة وفي الشعر العربي.

فمن استعمال القرآن الكريم الرؤيا بمعنى الرؤية قوله تعالى: }وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ{ [الإسراء: 60].

فالمراد بالرؤيا في هذه الآية رؤية العين، وهي ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به من العجائب والآيات، وبذلك صرح حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه رؤية عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السموات العلى، فرأى ما رأى من آيات ربه الكبرى، والإسراء كان يقظة من أوله إلى آخره.

فأخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: }وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ{ قال هي: رؤيا عين أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس([132]).

قال الحافظ ابن حجر([133]) رحمه الله: قوله أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به زاد سعيد بن منصور([134]) عن سفيان([135]) في آخر الحديث: (وليست رؤيا منام)([136]).

قال الحافظ أيضًا: قوله: هي رؤيا عين أريها لم يصرح بالمرئي. وعند سعيد ابن منصور من طريق أبي مالك، قال: هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس([137]).

وتلقى هذا التفسير ما لا يحصى من السلف رحمهم الله.

يقول ابن الأنباري([138]) رحمه الله: "المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين"([139]).


(والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا) ([140]).

وقال أبو جعفر ابن جرير الطبري ([141]) رحمه الله في تفسير هذه الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني به رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى البيت المقدس ليلة أسري به.

قال: وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله - عز وجل - بها ([142]).

وزعم بعضهم أن الآية حجة لمن قال إن الإسراء كان منامًا لأن الله عز وجل سماها رؤيا والرؤيا إنما تختص بالمنام ([143]).

وتعقب من قال ذلك، ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره بالرد والإنكار بأن ذلك خلاف سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم ([144]).


وأما استعمال الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة في الشعر العربي فكثير، ومن ذلك بيت الراعي يصف فيه ضيفًا طرقه ليلاً فيقول:

فكبر للرؤيا وهش فؤاده

وبشر نفسًا كان قبلُ يُلومُها([145])

وقول أبي الطيب المتنبي ([146]) لبدر بن عمار، وقد سامره ذات ليلة إلى قطع من الليل:

مضى الليل والفضل الذي لك لا

ورؤياك أحلى في العيون من الغَمْضِ([147])

وقول أبي الفوارس سعد بن محمد بن صيفي ([148]):

لو نيل بالقول مطلوب لما حرم

الرؤيا الكليم وكان الحظ للجبل([149])


وقد أنكر هذا الاستعمال الحريري ([150]) في كتابه "درة الغواص في أوهام الخواص ([151]). وغلط أبا الطيب المتنبي في بيته السابق، بحجة أن الرؤيا إنما تختص بالمنام والرؤية باليقظة ([152]).

والأدلة السابقة من الكتاب والسنة وأقوال أهل اللغة والشعر العربي ترد على من قال بأن الرؤيا مختصة بالمنام، بل الصواب أن الرؤيا كالرؤية غير أنه غلب استعمال الرؤيا في المنام، والله أعلم.

* * *


 المبحث الثالث: دلالات الــرؤيا

الدلالات: - بكسر الدال وفتحها - جمع دلالة، وهي الإرشاد، واستدل بالشيء على الشيء أي اتخذه دليلاً عليه([153]).

قال الجوهري في الصحاح: "الدَّلِيلُ: ما يُستدلُّ به، والدَليلُ: الدَالُّ وقد دَلَّه على الطريق يُدُّله دَلاَلَة ودِلاَلَة ودُلُولَة. والفتح أعلى"([154]).

وقال الجرجاني في كتاب التعريفات: "الدلالة هي كون الشيء يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول"([155]).

وبناء على ذلك نستطيع أن نقول: إن دلالات الرؤيا، هي الأمور التي ترشد إليها الرؤيا.

ودلالات الرؤيا كثيرة، ومن خلال استقراء بعض نصوص السنة، يتضح لنا شيء من تلك الدلالات، وهذا يعتمد على فقه الحديث، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن تلك الدلالات للرؤيا:

أولاً: أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها وصلاحه غالبًا:

ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه بسنده من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إن رجالا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السن وبيتي في المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة، قلت اللهم إن كنت تعلم في خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم أعوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، ورأى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رءوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش: فانصرفوا بي ذات اليمين، فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن عبد الله رجل صالح» فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر من الصلاة ([156]).

وفي رواية فقال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان بعد لا ينام إلا قليلا»([157]).

وفي رواية فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»([158]).

وفي رواية: (فقلت اللهم إن كان لي عندك خير فأرني مناماً يعبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([159]).


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها»([160]).

وقال العيني ([161]) رحمه الله في شرح حديث ابن عمر السابق: "وفيه تمني الرؤيا الصالحة ليعرف صاحبها ماله عند الله" ([162]).

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله: "إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو ممدوح لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له لا روع عليك، وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من الليل فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك([163]).

ثانيًا: أنها تدل على تثبيت الله لعباده المؤمنين:

يؤخذ ذلك من قوله تعالى: }أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [يوسف: 62-64].

والبشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، والرؤيا الصالحة تدل على بشارة الله لعبده المؤمن ولذلك سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - مبشرات، وكقوله عز وجل في غزوة بدر }إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ{ [الأنفال: 43] وقوله عز وجل: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ{ [الفتح: 27] ولهذا في آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وذلك والله أعلم لأن المؤمن في آخر الزمان أشد ما يكون إلى تثبيت الله له في مثل ذلك العصر الذي يقل فيه المساعدون ويكثر فيه المخالفون والمناوئون.

ولهذا أول ما بدئ به النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي كان الرؤيا الصالحة ([164]).

ثالثًا: أنها تدل على اهتمام صاحبها بما يراه في المنام:

فالإنسان إذا اهتم بشيء فإنه كثيرًا ما يراه في منامه، فيرى رؤيا متعلقة بهذا الذي شغله في اليقظة.

ولذلك لما كان الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، يشغل الإسلام قلوبهم، كانوا وهم يتقلبون في فرشهم يرون ما يشغل بالهم وما يهتمون به في يقظتهم، وانظر إلى أي لون من المرائي التي كانوا يرونها.

ولذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر التفت إلى أصحابه وقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فإن رأى أحد رؤيا قصها.. » ([165]).

فكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل أصحابه «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ » دليل على أن أولئك الرجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الإسلام يشغل قلوبهم ومن


تلك المرائي لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤياهم لليلة القدر ([166]) ورؤياهم للآذان([167]) ورؤيا الطفيل أخي عائشة رضي الله عنها في قول ما شاء الله وشاء محمد([168]) ورؤيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما التي سبقت معنا، فلما كان يفكر في اليقظة في شأن الجنة والنار، وقد شغلت باله، رأى رؤيا تناسب هذا الهم الذي شغله.

رابعًا: أن رؤيا السوء تدل على تلاعب الشيطان بالإنسان:

كما أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره.


فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك» وقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد يخطب، فقال: «لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه»([169]).

فإذا رأى الإنسان رؤيا سوء فليعلم أن ذلك من تحزين الشيطان وتلاعبه، فلذا جاءت السنة بالآداب التي يقولها ويفعلها المسلم عندما يرى رؤيا سوء.

* * *


 المبحث الرابع: تعلُّق الرؤيا بالروح

البحث في حقيقة الرؤيا الصالحة وصفاتها وعلامتها مرتبط بمعرفة صفات الروح وخصائصها، ولذلك سوف أبين إن شاء الله، بشيء من الإيجاز صفات الروح وخصائصها وعلاقتها بالرؤيا الصالحة، وذلك من خلال المسائل التالية:

المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها.

المسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟

المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام؟

 المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها

البحث في صفات الروح جائز بما دل عليه الكتاب والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء ([170]).

فإذا كان الأمر كذلك، فإن الروح التي فينا قد وصفت بصفات عديدة، فقد أخبرت النصوص الصحيحة أنها:

موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة، بصيرة، وتفيض، وتخرج، وتصعد من سماء إلى سماء، وتنزل، وتذهب، وتجيء، ويشار إليها، ويتبعها بصر الميت، وتتكلم، وتسل كما تسل الشعرة من العجينة، ونحو ذلك من صفاتها([171]).


كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شَقَّ بصره فأغمضه. ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبض تبعه البصر»([172]).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث طويل «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول:

أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.

قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.

قال: فيصعدون بها... » الحديث ([173]).

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها»([174]).


وأخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح من الله وريحان ورب غير غضبان فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا»([175]).

وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيها النفس الطيبة فلا يزال يقال لها حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء»([176]).

فهي بهذه الصفات ونحوها، ذات قائمة بنفسها، ولكن العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره ([177]).

 المسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام؟

ذكرت في المسألة السابقة شيئًا من صفات الروح وخصائصها، فهل من صفاتها أن روح النائم تفارق جسده في المنام؟

والجواب على هذا السؤال يتضح بعد بيان تعلق الروح بالجسد.. وتعلق الروح بالجسد عند أهل السنة والجماعة على خمسة أحوال متغايرة الأحكام([178]).


الحالة الأولى: تعلق الروح بالجسد في بطن الأم عندما يكون جنينًا.

الحالة الثانية: تعلق الروح بالجسد بعد خروجه إلى وجه الأرض في حال اليقظة.

الحالة الثالثة: تعلق الروح بالجسد في حالة النوم، وهذا التعلق بالجسد من وجه ومفارقة من وجه ([179]).

الحالة الرابعة: تعلقها بالجسد في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه لم تفارقه فراقًا كليًا بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة بل تعود إليه، فلا يوصف بأنه حي حياة دنيوية مستقرة، بل روحه متعلقة بجسده بكيفية أضعف مما هي عليه في الدنيا، ولذلك لا يدركها الناس.

قال ابن أبي العز الحنفي([180]) رحمه الله: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا([181]).


الحالة الخامسة: تعلقها به يوم البعث، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا ولا نومًا ولا فسادًا فالنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة، كما جاء في الحديث([182]) ولهذا يكون لأهل الجنة أتم النعيم ولأهل النار أشد العذاب.

فتأمل هذه الأحوال يزح عنك إشكالات كثيرة.

والذي يهمنا في هذا البحث، هو بيان تعلق الروح بالجسد في حال النوم، وأنها تتعلق به من وجه وتفارقه من وجه، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله عز وجل يتوفى روح النائم في حال النوم، ومن تلك الأدلة:

أولا: قال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ{ [الأنعام: 60].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: وقل لهم يا محمد، والله أعلم بالظالمين، والله هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم ويعلم ما جرحتم بالنهار([183]).

وقال البغوي رحمه الله : قوله تعالى: }وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ{ أي يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل([184]).


وقال الشنقيطي([185]) رحمه الله في كتابه أضواء البيان: «ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت التي هي الكبرى قد مات صاحبها ولذا يمسك روحه عنده»([186]).

ثانيًا: قال تعالى: }اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{ [الزمر: 42].

فأخبر في هذه الآية، بتوفيها وإمساكها وإرسالها.

سئل ابن الصلاح([187]) رحمه الله عن هذه الآية، فقال المستفتي: نحب تفسيرها على الوجه الصحيح بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصحاح أو بما أ جمع أهل الحق على صحته.

فأجاب رحمه الله: «أما قوله تبارك وتعالى: }اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ... { الآية، فتفسيره: الله يقبض الأنفس حين انقضاء أجلها بموت أجسادها فلا يردها إلى أجسادها، ويرسل الأخرى التي لم تقبض بموت أجسادها حتى تعود إلى أجسادها إلى أن يأتي أجلها المسمى لموتها».

}إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{ لدلالات للمتفكرين على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى أمر البعث؛ فإن الاستيقاظ بعد النوم شبيه به، ودليل عليه، فهذا واضح، والذي يشكل في ذلك أن النفس المتوفاة في المنام أهي الروح المتوفاة عند الموت أم هي غيرها؟ فإن كانت هي الروح فتوفيها في النوم يكون بمفارقتها الجسد أم لا، وقد أعوز الحديث الصحيح والنص الصريح والإجماع أيضًا لوقوع الخلاف فيه بين العلماء:

(1) فمنهم: من يرى أن للإنسان نفسًا تتوفى عند منامه غير النفس التي هي الروح، والروح لا تفارق الجسد عند النوم، وتلك النفس المتوفاة في النوم هي التي يكون بها التمييز والفهم، وأما الروح فبها تكون الحياة ولا تقبض إلا عند الموت ([188]).

(2) ومنهم: من ذهب إلى أن النفس التي تتوفى عند النوم هي الروح نفسها. واختلف هؤلاء في توفيها:

( أ ) فمنهم: من يذهب إلى أن معنى وفاة الروح بالنوم قبضها عن التصرف مع بقائها في الجسد، وهذا موافق للأول من وجه، ومخالف له من وجه([189]).


(ب) ومنهم: من ذهب إلى أن الروح تتوفى عند النوم بقبضها من الجسد ومفارقتها له، وهذا الذي نجيب به، وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة.

والفرق بين القبضتين والوفاتين أن الروح في حالة النوم تفارق الجسد على أنها تعود إليه فلا تخرج خروجًا تنقطع به العلاقة بينها وبين الجسد، بل يبقى أثرها الذي هو حياة الجسد باقيًا فيه، فأما حالة الموت فالروح تخرج من الجسد مفارقة له بالكلية فلا تخلف فيه شيئا من أثرها، فلذلك تذهب الحياة معها عند الموت دون النوم، ثم إن إدراك كيفية ذلك والوقوف على حقيقته متعذر فإنه من أمر الروح، وقد استأثر بعلمه الجليل، تبارك وتعالى، فقال سبحانه: }قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا{ [الإسراء: 85].اهـ([190]).

وقال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر الأقوال السابقة: «ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وهذا أصح الأقوال، والله أعلم»([191]).

وقال أيضًا رحمه الله في تفسير آية الزمر: «فقد اختلف الناس في هذه الآية في النفس والروح، هل هما شيء واحد أو شيئان على ما ذكرنا، والأظهر أنها شيء واحد، وهذا هو الذي تدل عليه الآثار الصحاح»([192]).

ومما يدل على مفارقة روح النائم لجسده، وأن الروح هي النفس الأحاديث التالية.


أولا: ما أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست ([193]) بنا يا رسول الله قال: «أخاف أن تناموا عن الصلاة» قال بلال: أنا أوقظكم فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد طلع حاجب الشمس، فقال: «يا بلال أين ما قلت؟ » قال: ما ألقيت على نومة مثلها قط.

قال: «إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء» الحديث ([194]).

وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال بلال رضي الله عنه: «أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك»([195]).

فوصفها في هذا الحديث بالقبض والرد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «إن الله قبض أرواحكم» هو كقوله تعالى: }اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا{ ولا يلزم من قبض الروح الموت؛ فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط([196]).


وفي هذا الحديث جعل الروح والنفس بمعنى واحد وأنها هي التي تقبض وترد([197]).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه»([198]).

ومن العلماء من يفصل في إطلاق النفس والروح فيقول: إن الروح والنفس وإن اطلقتا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أنه غالبًا ما يسمى نفسًا إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميته الروح أغلب عليها ([199]).

ثانيًا: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أحيا وأموت»، وإذا أصبح قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور»([200]).

فقد سمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - النوم موتًا والاستيقاظ حياة وقال في الحديث الذي أخرجه البيهقي من حديث جابر رضي الله عنه: «النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة»([201]).


 ثالثًا: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك محياها ومماتها، فإن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها» فقال له رجل سمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ([202]).

رابعًا: ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ بداخله إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع، فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي، فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين»([203]).

زاد الترمذي: «فإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره»([204]).

خامسًا: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طرقه وفاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله عز وجل، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا([205]).


سادسًا: أخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد([206]) عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: إذا نام العبد وهو ساجد باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي([207]).

فالشاهد من هذه الآيات والأحاديث، أن الله عز وجل يقبض روح النائم ويردها إليه حيث شاء سبحانه.

دل على ذلك لفظ الوفاة، والبعث، والإرسال، والموت، والحياة، وإن أحييتها، ورد علي روحي، والنوم أخو الموت، وأنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها عليكم حيث شاء».

أما كيفية هذا القبض والخروج فلا يعلمها إلا الله، فنحن نؤمن ونصدق بهذه الصفات التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، ونكل كيفية ذلك إلى بارئها سبحانه وتعالى.

ولهذا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأحاديث السابقة في الأدعية عند النوم والاستيقاظ، قال: (ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن ما يبين أن صعودها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله)([208]).


في موضع آخر يقول رحمه الله: (والروح تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وتفارقه متى شاء الله تعالى، لا يتوقف ذلك بمرة ولا مرتين، والنوم أخو الموت).

ثم قال رحمه الله ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا أوى إلى فراشه: «باسمك اللهم أموت وأحيا» وكان إذا استيقظ يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» فقد سمى النوم موتًا، والاستيقاظ حياة.

ثم استدل بآية الزمر السابقة، ثم قال: ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

والنائم يحصل له في منامه لذة وألم، وذلك للروح والبدن، حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه، فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أنه أطعم شيئًا طيبًا فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود([209]).

ويثبت رحمه الله أن روح النائم تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، فليس عروجها من جنس عروج البدن، بل ذلك يختلف بكيفيةٍ الله أعلم بها ([210]).

 المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام

إذا عرفنا أن روح النائم تتعلق ببدنه من وجه، وتفارقه من وجه، وأنها تُقبض وتُرسل كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، فهل من صفات الأرواح أنها تلتقي في المنام؟


هذا ما سأوضحه - إن شاء الله - من خلال هذه المسألة وبيان أقوال أهل العلم فيها وأدلتهم، وذلك من خلال مطلبين:

المطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء والأموات في المنام:

عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح مسألة بعنوان المسألة الثالثة: وهي هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات أم لا؟ ([211]).

ثم قال رحمه الله: (شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن يحصيها إلا الله تعالى والحس والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء).

وقد قال الله تعالى: }اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{ [الزمر: 42].

ثم ذكر أثرًا عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية أنه قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها ([212]).


وأشار ابن جرير الطبري رحمه الله إلى هذا التفسير حيث قال: (ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتعارف ما شاء الله منها فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها ونحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ([213]) ثم ذكر بعض الآثار بنحو ما قال ابن عباس رضي الله عنهما).

ويؤكد ابن كثير رحمه الله تفسير هذه الآية بذلك. فيقول: "فيه دلالة على أنه تجتمع في الملأ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره، وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» وقال بعض السلف يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف، فيمسك التي قضي عليها الموت، التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ([214]).

وقال السعدي ([215]) رحمه الله في تفسير هذه الآية (وفي هذه الآية، دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف الله فيها بالوفاة، والإمساك، والإرسال).

وأن أرواح الأحياء تتلاقى في البرزخ، فتتجمع فتتحادث فيرسل الله أرواح الأحياء ويمسك أرواح الأموات([216]).

ولقد عقد السيوطي([217]) رحمه الله في كتابه "شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور" باب لهذه المسألة([218]) وذكر بعض الآثار التي ذكرها ابن القيم رحمه الله.

وممن فصل القول في هذه المسألة أيضًا الإمام البقاعي ([219]) رحمه الله في كتاب "سر الروح" ([220]) مؤيدًا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله.


وكذلك نعمان الألوسي ([221]) رحمه الله في كتابه "الآيات البينات في عدم سماع الأموات" ([222]) حيث قال: (هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات؟).

ثم قال: "وجوابها نعم" ثم استدل بالآية السابقة وتفسير ابن عباس لها.

ووجه استشهاد هؤلاء العلماء رحمهم الله، بهذه الآية على التقاء الأرواح. أن النفس الممسكة هي من توفيت وفاة الموت أولا، والنفس المرسلة من توفيت وفاة النوم، والمعنى على هذا القول: أنه سبحانه يتوفى نفس الميت فيمسكها ولا يرسلها إلى جسدها قبل يوم القيامة، ويتوفى نفس النائم ثم يرسلها إلى جسدها إلى بقية أجلها فيتوفاها الوفاة الأخرى.

وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى: }فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ{ أُريدَ بها أن من مات قبل ذلك لقيت روحه روح الحي.

لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس في هذه الآية دلالة على التقاء أرواح الأحياء والأموات فقال رحمه الله:

والقول الثاني: وعليه الأكثرون أن كلا من النفسين: الممسكة والمرسلة توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث وهي التي قدمها بقوله: }يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا{ وعلى هذا يدل الكتاب والسنة، فإن الله قال: }اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى{ فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال ولا ذكر في الآية التقاء الموتى والنيام([223]).

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح أن هذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ([224]).

ثم قال رحمه الله: والذي يترجح هو القول الأول لأنه سبحانه أخبر بوفاتين وفاة كبرى وهي وفاة الموت، ووفاة صغرى وهي وفاة النوم، وقسم الأرواح قسمين قسما قضي عليها الموت فأمسكها عنده وهي التي توفاها وفاة الموت، وقسما لها بقية أجل فردها إلى جسدها إلى استكمال أجلها وجعل سبحانه الإمساك والإرسال حكمين للوفاتين المذكورتين أولا.

فهذه ممسكة وهذه مرسلة، وأخبر أن التي لم تمت هي التي توفاها في منامها فلو كان قد قسم وفاة النوم إلى قسمين وفاة موت، ووفاة نوم لم يقل }وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا{ فإنها من حين قبضت ماتت، وهو سبحانه قد أخبر أنها لم تمت فكيف يقول بعد ذلك }فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ{.


ثم قال رحمه الله: ولمن نصر هذا القول، يعني به القول الثاني، أن يقول قوله تعالى: }فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ{ بعد أن توفاها وفاة النوم فهو سبحانه توفاها أولا وفاة النوم ثم قضى عليها الموت بعد ذلك ([225]).

ثم ذكر ابن القيم رحمه الله نقلاً عن شيخه أن الآية تتناول النوعين.

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتحقيق أن الآية تتناول النوعين، فإن الله ذكر توفيتين، توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى.

ومعلوم أنه يمسك كل ميتة سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت.

وقوله تعالى: }يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا{ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف.

وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتى لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه لكن قوله: }فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ{ يقضي أنه يمسكها ولا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. » فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة ([226]).


هذا ما يتعلق باستدلال العلماء بهذه الآية على تلاقي الأرواح، أما استدلالهم بالأحاديث فقد ذكر منها ابن القيم ([227]) رحمه الله ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف([228]).

وقد ذكر القرطبي رحمه الله أنه قيل في معنى هذا الحديث، تلاقي أرواح النيام والموتى وقيل غير هذا والله أعلم ([229]).

المطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام:

بعد أن استدل ابن القيم رحمه الله على ما ذهب إليه من التقاء أرواح الأحياء والأموات، أخذ يستدل على المسألة الثانية، وهي التقاء أرواح الأحياء في المنام.

فقد ذكر رحمه الله أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي، كما تلتقي أرواح الأحياء.

وقال: (والمقصود أن أرواح الأحياء تتلاقى في النوم، كما تتلاقى أرواح الأحياء والأموات)([230]).


واستدل ببعض الأحاديث والآثار.

فمما استدل به ابن القيم على أن الأرواح تتلاقى في المنام، قصة رؤيا خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه للنبي ص في المنام، والذي جاء من عدة طرق منها.

ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده([231]) وأبو بكر ابن شيبة في مصنفه([232]) والنسائي في سننه الكبرى([233])، من طريق حماد بن سلمة([234]) عن أبي جعفر الخطمي([235]) عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت([236]) أن أباه قال: رأيت في المنام أني أسجد على جبهته النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرت بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن الروح يلقى الروح»([237]) واقنع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه هكذا فوضع جبهته على جبهة النبي - صلى الله عليه وسلم - ([238]).

يقول الساعاتي رحمه الله في "بلوغ الأماني": (ومعناه أن الأرواح الصالحة تتلاقى في الرؤيا وفي ذلك منقبة عظيمة لخزيمة)([239]).

وذكر ابن القيم رحمه الله آثارًا أخرى تدل على التقاء الأرواح, لكن أسانيدها لا تسلم من مقال.

وقال رحمه الله: (وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره، كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدين عليه، وذكر له شواهده وأدلته، وأبلغ من هذا أنه يخبر بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين، وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره)([240]).

ثم ذكر رحمه الله بعد ذلك منامات يؤيد بها ما قاله.


ثم قال: (وهذا باب طويل جدًا، فإن لم تسمح نفسك بتصديقه، وقلت هذه منامات وهي غير معصومة فتأمل من رأى صاحبًا له أو قريبًا أو غيره، فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبره، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدو أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره).

والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله، والناس مشتركون فيه، وقد رأينا نحن وغيرنا من ذلك عجائب ([241]).

وقال رحمه الله: (فالتقاء أرواح الأحياء والموتى نوع من أنواع الرؤيا الصالحة التي هي عند الناس من جنس المحسوسات) ([242]).

ثم ختم المسألة بقوله رحمه الله: (وبالجملة فهذا أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وأحكامها وشأنها وبالله التوفيق)([243]).

فالحاصل أن ما استدل به من قال بالتقاء الأرواح استدلوا بالآية، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس في الآية ما ينافي ذلك، وليس في لفظها دلالة على ذلك.

أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما وحديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه إن صحا فإنهما صريحان في التقاء الأرواح في المنام.


أما ما ذكر من المنامات فلا حجة فيها على مثل هذه المسائل الاعتقادية.

وأما قول ابن القيم رحمه الله أن ذلك من الأمور المحسوسة، فإن كان المراد أن النائم يرى ويخبره بما يطابق الواقع فهذا حق ولا ينكره إلا من هو أجهل الناس.

وأما إن كان هذا المحسوس أن في هذه الرؤيا دلالة على التقاء الأرواح، فما الذي يدرينا عن ذلك، وهل مجرد الرؤيا دليل صريح في هذه المسألة، في نظري أنه لا يفصل في هذه المسألة إلا بدليل صريح, والأدلة التي ذكرناها ليست ببعيدة الدلالة، وخاصة أننا قد علمنا في المسألة السابقة أن روح النائم تفارق جسده بكيفية الله أعلم بها, فما ملاقاتها للأرواح ببعيدة، والله أعلم بكيفية ذلك.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله إشكالا في هذه المسألة وأجاب عليه فقال: (فإن قيل: فالنائم يرى غيره من الأحياء يحدثه ويخاطبه، وربما كان بينهما مسافة بعيدة، ويكون المرئي يقظان روحه لم تفارق جسده فكيف التقت روحاهما؟ قيل: هذا إما أن يكون مثلا مضروبًا يضربه ملك الرؤيا للنائم، أو يكون حديث نفس من الرائي تجرد له في منامه)([244]).



 الفصل الثاني: أقسام الرؤى وعلاماتها

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: أقسام الرؤى.

المبحث الثاني: علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها.

المبحث الثالث: أقسام الناس في الرؤى.



المبحث الأول

 أقسام الرؤى وعلاماتها

في مبحث الفرق بين الرؤيا والحلم، اتضح أن الرؤيا والحلم في الأصل بمعنى واحد في اللغة، فتطلق الرؤيا ويراد بها كل ما يراه الإنسان في منامه من الخير والشر، والحسن والقبيح، وبناء على هذا التعريف نستطيع أن نقسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.

فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام كما في حديثي أبي هريرة وعوف بن مالك رضي الله عنهما.

وسوف أورد إن شاء الله طرق الحديثين، لكي نستطيع حصر أوصاف الرؤيا الصالحة كما يلي.

أولا: حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

وقد روي عنه من طرق عدة وبألفاظ متقاربة منها:

(أ) أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل عن نفسه، والرؤيا تحزين من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فلا يحدث بها أحدًا وليقم وليصلِّ».

ورواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق عبد الرزاق.

وساق الإمام مسلم إسناده من طريق عبد الرزاق ([245]).


(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» قال: وقال: «الرؤيا ثلاثة: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصلِّ»([246]).

وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه ([247]).

(ج) وأخرجه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى، من طريق قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث، فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل»([248]).

(د) أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه، والإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وابن ماجة في سننه من طريق عوف الأعرابي قال: حدثنا محمد بن سرين أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اقترب الزمان


لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب» قال محمد: وأنا أقول هذه قال: وكان يقال: «الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل»([249]).

ثانيًا: حديث عوف بن مالك رضي الله عنه:

أخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة، وابن حبان، في صحيحه من حديث عوف ابن مالك رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».

زاد ابن ماجة من حديث أبي عبيد الله مسلم بن مشكم قال: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم أنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ([250]).

يقول الإمام البغوي([251]) رحمه الله:


وقوله: «الرؤيا ثلاثة» فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، يأتيك به ملك الرؤيا([252]) من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.

وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه: }إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا{ [المجادلة: 10].

ومن لعب الشيطان به الاحتلام([253])  الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل.

وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك, فلا تأويل لشيء منها([254]).

وفي بيان هذه الأقسام يقول ابن العربي المالكي رحمه الله تقسيمه الرؤيا على ثلاثة أقسام، هي قسمة صحيحة مستوفية للمعاني، وهي عند الفلاسفة على أربعة أقسام بحسب الطبائع الأربع.

وإنما الصحيح ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي الرؤيا البشرى إما بمحبوب وإما بمكروه، وإما تحزين من الشيطان يضرب له الأمثال المكروهة الكاذبة ليحزنه ومن هذا الحديث الصحيح أن رجلا قال له إني رأيت رأسي قطع فأنا أتبعه، فقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام»([255]).

وأما خطرات الوساوس، وحديث النفس فيجري على غير قصد ولا عهد في المنام جريانها في اليقظة، وفي رواية: «فالرؤيا من الله، والحلم من الشيطان»([256]) يريد ما لا يتحصل مما يحزن ([257]).

ويصف ابن القيم رحمه الله هذه الأقسام الثلاثة بقوله: والرؤيا فيها رحماني، وفيها نفساني، وفيها شيطاني ([258]).

فالحاصل أن ما يراه الإنسان في منامه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة:

القسم الأول: رؤيا الحق الصالحة:

ولأهمية هذه الرؤيا سوف أفرد لها مبحثًا خاصًا إن شاء الله أبين فيه صفاتها، وأقسامها وعلاماتها وما يتعلق بها من مسائل مهمة.

القسم الثاني: حديث النفس:

وهي كما وصفت في الحديث «مما يحدث به المرء نفسه» وفي لفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه» وهي: ما يراه الإنسان في منامه مما يقع له في مجريات حياته، من الخواطر التي تجري من غير قصد، وهذا كثير في مرائي الناس، كمن يرى أنه يأكل ويشرب ونحو ذلك مما تحدث به نفسه في اليقظة.


وعلامة هذا القسم أنه من الأمور المباحة، فلا يسُرُّ كحال الرؤية الصالحة ولا يحزن كالتي من الشيطان، ومثلها الهم والخواطر في اليقظة.

وهذا القسم لا حكم له، ولا دلالة له.

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: حديث النفس لا خير ولا شر ولا بأس بأن يحدث به، ولذلك جاء الخبر في بعض الأحاديث بتقسيم الرؤيا قسمين: من الله، ومن الشيطان كحديث أبي قتادة، وذلك لأن أحاديث النفس لا حكم لها ([259]).

القسم الثالث: الحلم.

وهو إفزاع من الشيطان، فإن الشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه وجاء وصفه في الحديث: «والرؤيا السوء من الشيطان».

وأخرج البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره»([260]).

وفي حديث أبي هريرة السابق في وصف الحلم بأنه: «تحزين من الشيطان» وفي لفظ: «تخويف من الشيطان» وفي حديث عوف بن مالك «منها أهاويل من الشيطان يحزن بها ابن آدم».


وفي حديث جابر السابق، قال الرجل: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له: «لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك».

وقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد، يخطب فقال: لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان في منامه([261]).

قال السفاريني - رحمه الله تعالى - في شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد: اللعب ضد الجد والمراد هنا بتلعب الشيطان، أنه يريه في منامه ما يحزنه ويدخل عليه الهم والغيظ ويخلط عليه في رؤياه فهو يتلاعب به([262]).

ومن علامات هذا القسم وكونه من الشيطان، مخالفته للشرع، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد علم الصحابة أن ما خالف الشرع والدين فإنه يكون من النفس والشيطان، وإن كان بقدر الله، وإن كان يعفى عنه صاحبه كما يعفى عن النسيان والخطأ.

ولذلك الاحتلام في المنام من الشيطان، فالنائم يرى في منامه ما يكون من الشيطان([263]).

وقال ابن القيم رحمه الله: إن خالفت الشرع ردت مهما كان حال الرائي، ويحكم على تلك الرؤيا بأنها من الشيطان، وأنها كاذبة وأضغاث أحلام([264]).


وهذا القسم من الرؤيا، لا حكم لها ولا تعبير لها ولا تنذر بشيء. وهي التي أرشدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى التحرز منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آداب إذا رأى ما يكره.

وما ذكرت من دلالة الأحاديث على أن الرؤيا ثلاثة أقسام. يرد على من قال من العلماء إن الحصر ليس مرادًا، ومن هؤلاء ابن حجر رحمه الله حيث قال: وليس الحصر مرادًا من قوله ثلاث لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس([265])، وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة ([266]).

ويمكن أن يجاب عن هذا القول من وجهين:

الوجه الأول: أن (حديث النفس) الثابت في حديث أبي هريرة هو نفسه النوع الثالث في حديث عوف بن مالك بلفظ: «ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه».

الوجه الثاني: قول الحافظ رحمه الله: وليس في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين سوى ذكر الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة، فهذا دليل لنا في ثبوت نوع ثالث، وليس دليلاً له في ثبوت نوع رابع، ثم السبب في عدم ذكر حديث النفس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد رضي الله عنهما، هو كما قال ابن العربي المالكي رحمه الله: يريد ما لا يتحصل مما يحزن([267]) لأن حديث النفس لا حكم له، ولا تأثير له، كما هو معروف.


ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وبقي نوع خامس: وهو تلاعب الشيطان، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأني رأسي قطع فأنا أتبعه وفي لفظ (فقد خرج فاشتددت في أثره) فقال: «لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام» وفي رواية له «إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس»([268]).

ويمكن أن يجاب عن هذا النوع بأنه، وارد في تقسيمه - صلى الله عليه وسلم - للرؤيا: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة: «والرؤيا تحزين من الشيطان» وفي لفظ «وتخويف من الشيطان».

وفي حديث عوف بن مالك بلفظ: «منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم» وهذا هو تلاعب من الشيطان المذكور في حديث جابر.

ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ونوع سادس: وهو رؤيا ما يعاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقتت فنام فيه فرأى أنه يأكل، أو بات طافحًا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ، وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص([269]).

ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه مذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه».

وفي لفظ: «والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه».

وفي لفظ: «حديث النفس».


وفي حديث عوف بن مالك رضي الله عنه: «ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه».

ثم قال الحافظ رحمه الله: «وسابع وهو الأضغاث»([270]).

والأضغاث جمع ضِغْث، قال الجوهري في "الصحاح" والضِغْثُ قَبضةُ حشيش مختلطة الرَطْبِ باليابس.

وأضغاث الأحلام، الرؤيا التي لا يصحُّ تأويلها لاختلاطها ([271]).

وهي بهذا المعنى الأحلام التي من الشيطان كما أجبنا عن ذلك في النوع الخامس.

والحاصل من ذلك أننا نقول كما قال ابن عبد البر رحمه الله: (قد قسم النبي ص الرؤيا أقسامًا تغني عن قول كل قائل)([272]) والله أعلم.


المبحث الثاني

 علامات الرؤيا الصالحة وأقسامها

تقدم أنه ليس بكل رؤيا يراها الإنسان في منامه تصح وتعبر، وإنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، وما سوى ذلك فهو أضغاث أحلام، أو أحاديث نفس لا حكم لها ولا تأويل لها.

والرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، أمر يخص الله به من يشاء من عباده، تفضلاً منه ونعمة، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين.

وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان صفاتها، وعلاماتها، وأقسامها، وبيان أنها من مبشرات النبوة التي يبشر بها المؤمن وأنها من أجزاء النبوة، وهذه الأحاديث كثيرة ومتعددة الطرق، ولأهمية هذه الرؤيا سوف أتحدث عنها، إن شاء الله تعالى، من خلال المسائل التالية.

المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة.

المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة.

المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة.

المسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان.

المسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة.

المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟


المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة

وصفت الرؤيا الصالحة بصفات عديدة، تدل على أهميتها وعظم شأنها، فمن تلك الصفات.

(1) أنها من الله:

كما أخرج الإمام مالك في "الموطأ" والإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله وسلم: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان... » الحديث.

وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا الصادقة من الله، والحلم من الشيطان».

وفي بعض ألفاظها: «الرؤيا من الله، و الحلم من الشيطان»([273]).

وكما سيأتي إن شاء الله، في بقية الأوصاف من إضافتها إلى الله عز وجل.

يقول ابن أبي جمرة ([274]) رحمه الله: (قوله عليه الصلاة والسلام «من الله» أي: هي حق لا شك فيها، لأن كل ما هو من عند الله لا شك في أنه حق ولذلك قال: }وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا{ [النساء: 82].


وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، كما هو جار على أدب العبودية من إضافة الخير إلى الله وإضافة الشر إلى غيره([275]) كما سبق تفصيله في الفرق بين الرؤيا والحلم.

(2) الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة:

كما دل على ذلك حديث عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([276]).

وما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([277]).

وغيرهما من الأحاديث التي سيأتي إن شاء الله تفصيلها وبيان معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة وما يتعلق بذلك من مسائل في الفصل الثالث من هذا الباب.

(3) وصفها بأنها رؤيا حق:

ورؤيا الحق: هي التي لا بد من وقوعها وصدقها، فهي ليست من قبيل أضغاث الأحلام ([278]).

كما أخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال


رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن رأى ما يكره فليقم فليصل»([279]).

ومن ذلك قوله عز وجل: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ{ [الفتح: 27].

(4) وصفها بأنها بشرى من الله:

كما أخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل»([280]).

وجاءت الأحاديث الكثيرة بوصف الرؤيا الصالحة بأنها من مبشرات النبوة كحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له»([281]).

وجاءت الأحاديث الكثيرة في تفسير قوله سبحانه وتعالى: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ [يونس: 64] بأن المراد بالبشرى هنا الرؤيا الصالحة، ولذلك سوف أتحدث عن هذا الوصف في علامات الرؤيا الصالحة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى.

(5) أنها مما تعجب الرائي:

كما أخرج الإمام أحمد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها فإنها بشرى من الله عز وجل، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها وليتفل عن يساره، ويتعوذ بالله من شرها»([282]).

(6) أنها مما يحب الرائي:

كما أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره»([283]).

(7) وصفها بأنها صادقة:

كما أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح... ) الحديث ([284]).

والصادقة هي المطابقة للواقع، فتقع كما هي معبرة في المنام فلا تحتاج إلى تعبير، وهي بهذا المعنى خاصة بالرؤيا الصالحة التي لا تحتاج إلى تعبير بل تقع معبرة في المنام.

وقيل الصادقة هي بمعنى الصالحة، وتشمل ما يحتاج إلى تعبير وما لا يحتاج إلى تعبير وهي بذلك عامة لجميع أنواع الرؤيا الصالحة، ولهذا جاء في بعض روايات حديث عائشة (الصالحة) بدل الصادقة ([285]).


(8) وصفها بالصالحة:

وهذا الوصف هو الذي جاء في أغلب الأحاديث كحديث أبي قتادة رضي الله عنه: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان»([286]) وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له»([287]).

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة»([288]) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا ثلاثة، فالرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل، والرؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث أحدًا وليقم وليصل»([289]).

وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([290]).

وغيرها من الأحاديث الكثيرة.

والصالحة تحتمل معنيين خاصًا وعامًا:

المعنى الخاص: صالحة ظاهرها، وهي التي تسر وتفرح، وبهذا جاء وصفها في الأحاديث الأولى بأنها الحسنة والمبشرة, وأنها مما يحب الرائي ومما يعجبه.


المعنى العام: وضوح تعبيرها، وهي التي تقع سواء كانت تسر أو لا تسر، وسواء كانت مبشرة أو منذرة، وسواء كانت معبرة في المنام أو تحتاج إلى تعبير، فهي بهذا خلاف أضغاث الأحلام، وهي بمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا من الله» دون تقييد كونها صالحة أو لا.

(9) وصف الرؤيا الصالحة، بأنها رؤيا حسنة:

كما أخرج الإمام مالك وأحمد والبخاري وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([291]).

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق: «والرؤيا ثلاث، الرؤيا الحسنة بشرى من الله، والرؤيا يحدث بها الرجل نفسه، والرؤيا تحزن من الشيطان... » ([292]).

وأخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي الطفيل، عامر بن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة»([293]).

والحسنة لها معنيان:

1- إما باعتبار حسن ظاهرها.

2- وإما باعتبار صدقها ([294]).


وقال الباجي: "الحسنة، أي الصادقة أو المبشرة"([295]).

وفي الأحاديث السابقة جاء وصف الحسنة بالصالحة.

يقول الكرماني رحمه الله: «الصالحة: هي ما صلح صورتها أو ما صلح تعبيرها، والصادقة هي المطابقة للواقع»([296]).

ويقول القاضي عياض([297]) رحمه الله: كون الرؤيا صالحة يحتمل أن ترجع إلى حسن ظاهرها، ويحتمل أن ترجع إلى صحتها وكونها صادقة([298]).

ويقول ابن العربي رحمه الله: معنى صلاحها: استقامتها وانتظامها([299]).

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفرق بين الرؤيا الصادقة والصالحة: (الصالحة، والصادقة هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر).

وغير الصالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في رؤيا يوم أحد([300]).


وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: "إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا([301]).

ويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي.

وإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة, والله أعلم.

ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة([302]). وسوف أذكر إن شاء الله، هذه العلامات بشيء من التفصيل في المسألة الثالثة.

المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة

يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه "الروح": (الرؤيا الصالحة أقسام)([303]) ثم عدد رحمه الله خمسة أقسام وهي:


(1) منها إلهام يلقيه الله سبحانه وتعالى في قلب العبد:

وهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره.

وهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ{ [الشورى: 51].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام... » فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا.([304])

ويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم([305]) رحمه الله في كتابه السنة: "باب ما ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([306]) ويمكن أن يستدل أيضًا ...............................................................................


لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله.

(2) ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها:

أما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا.

أما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.

يقول عياض رحمه الله: "وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر([307]).

وكذا ذكرها ابن القيم رحمه الله في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر رحمهم الله([308]).

ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: "رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي...([309]).

ويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي رحمه الله([310]).


ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك.

( أ ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير([311]) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لـمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: }الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ{ [البقرة: 268]» الآية.

(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم ([312]) فلا يأمرني إلا بخير»([313]).

(3) ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم:

كما ذكرنا ([314]).

وقد ذكرت ذلك بحمد لله، في مسألة تلاقي أرواح الأحياء والأموات، وأقوال أهل العلم في هذه المسألة.

(4) ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له ([315]):

واستدل ابن القيم رحمه الله على هذا القسم من الرؤيا بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لقي عليًا فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا، وشهدنا وغبت ثلاث أسألك عنهن فهل عندك علم؟

ثم ذكر الثالثة فقال: (والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، فقال نعم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من عبد ينام يمتلئ نومًا إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب»([316]).

قال ابن منده ([317])- رحمه الله - هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره.

وقال أبو عبد الله بن منده أيضًا: وروي عن أبي الدرداء قال: (إذا نام الإنسان خرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود، رواه زيد بن الحباب وغيره)([318]).

وروى البيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: (تعرج الأرواح في منامها فما كان منها طاهرًا سجد أمام العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصيًا)([319]).

وفي مراسيل الحسن ([320]) رحمه الله قال: (إذا نام العبد وهو ساجد، باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي)([321]).

وسبق البحث في أن روح النائم تفارق جسده من وجه دون وجه كما قال تعالى: }اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا{ [الزمر: 42].

لكن مسألة السجود تحت العرش وعروج روح النائم إلى الله سبحانه تحتاج إلى دليل أصح وأصرح من هذه الآثار التي يعتريها بعض الضعف.

(5) منها: دخول روحه- أي النائم - إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك([322]):

وهذا القسم يمكن أن يستدل له بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة دف([323]) نعليك بين يدي في الجنة» قال بلال: (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) ([324]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قول: (عند صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أن ذلك في المنام لأن عادته أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر ([325]).

وقال الكرماني: "ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت ([326])، ويحتمل أن يكون يقظة, لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها، لأن قوله (في الجنة) ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجًا عنها ([327]).


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معقبًا على كلام الكرماني: (ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل كسب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها)([328]).

وما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله)([329]).

وحاصل هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في المنام.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله (رأتني في الجنة) هذا وإن كان منامًا لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثمَّ أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول القصر، وقد روى أحمد من حديث معاذ قال: «إن عمر في الجنة» وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال: «بينما أنا في الجنة: إذ رأيت فيها جارية، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب»([330]).

ولهذا ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في صفة الجنة ([331]).

وقال الحافظ: قوله «تتوضأ» يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذلك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله «تتوضأ جانب القصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير حقيقة، ورؤيا المنام لا تحتمل على الحقيقة بل تحتمل التأويل دائمًا، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير باب الوضوء في المنام ([332]).

وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث بريدة رضي الله عنه قال: (أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا بلالاً فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك ([333]) أمامي، وإني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقل: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر» فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك, وقال لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة» قال: ما أحدثت إلا وتوضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «بهذا»([334]).

قال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث؛ أني دخلت البارحة الجنة، ويعني في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الأحاديث، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا الأنبياء وحي»([335]).

ويؤيد كون هذا الدخول وقع في منام، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفة([336]) فقلت، من هذا فقال: هذا بلال... » الحديث([337]).


ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» الحديث([338]).

وما أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش...» الحديث([339]).

وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك»([340]).

وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كذلك البر، كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه([341]).


فلعل هذه الأحاديث تكون دليلاً لمن قال بدخول روح النائم إلى الجنة، وإن كان الدليل فيها محتملاً, لأن رؤية النائم قد تكون عبارة عن ضرب أمثال للنائم، ولكن كون الذي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد استدل البخاري بها على صفة الجنة، فإن هذا مما يقوي ما ذكره ابن القيم رحمه الله وإن كانت المسألة تحتاج إلى دليل صريح، والله أعلم بالصواب.

المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة

العَلامات جمع عَلامَة، وهي التي يعرف بها الشيء([342]).

وعلامات الرؤيا الصالحة هي الأمارات التي يستدل بها ويستأنس بها على صلاح الرؤيا، وقد جاءت السنة المطهرة ببيان علامات الرؤيا الصالحة، فمن علامات صلاحها ما يلي:

أولاً: التواطؤ عليها:

والتواطؤ هو التوافق وزنًا ومعنى، يقال: (وطأه على الأمر مواطأة: وافقه وتواطأنا عليه وتوطَّأنا: توافقنا: وتواطؤوا عليه: توافقوا) ([343]).

وأصله أن يطأ الرجل مكان وطء صاحبه.

فالتواطؤ على الرؤيا: هو توافق جماعة على رؤيا واحدة ولو اختلفت عباراتهم([344]).


ولهذا يقول الإمام البخاري رحمه الله في كتابهِ: «الجامع الصحيح» باب التواطؤ على الرؤيا، ثم ساق بسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن أناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسًا أروها في العشر الأواخر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التمسوها في السبع الأواخر»([345]).

فالصحـابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منهم من رأى ليلة القدر في العشر الأواخر، ومنهم من رآها في السبع الأواخر، فتوافقت رؤياهم على السبع الأواخر.

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: (لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وإنما أراد بالتواطؤ التوافق، وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه، وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر، فلما رأى قوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها، ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، وقد جاء بلفظ "التواطؤ" من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (وكانوا لا يزالون يقصون على النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا أنها في الليلة السابقة من العشر الأواخر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريًا فليتحرها من العشر الأواخر»([346]).


ومن طريق مالك بن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه: (أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريَها، فليتحرها في السبع الأواخر»([347]).

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويستفاد من هذا الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها، وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة([348]).

يقول ابن القيم رحمه الله: فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له، وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح([349]).

ويقول رحمه الله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر».

قال: فاعتبر صلى الله عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين، وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت ([350]).


ولما ترجم الذهبي رحمه الله للإمام أحمد رحمه الله ذكر منامات صالحة رويت لأحمد بعد موته أكثر من عشر ورقات ثم قال: «ولقد جمع ابن الجوزي فأوعى من المنامات في نحو من ثلاثين ورقة، وأفراد ابن البناء جزءًا في ذلك، وليس أبو عبد الله ممن يحتاج في تقرير ولايته إلى منامات، ولكنها جند من جند الله تسر المؤمن، ولا سيما إذا تواترت»([351]).

ثانيًا: كونها من المبشرات.

والمبشرات جمع مبشرة، وهي البشرى بمعنى البشارة.

يقول ابن الصلاح رحمه الله في بيان علامات الرؤيا الصالحة: (ومن أمارات صلاحها أن تكون تبشيرًا بالثواب على الطاعة، أو تحذير من المعصية)([352]).

وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في تعظيم شأن الرؤيا الصالحة، وبيان أنها من المبشرات النبوية فمن ذلك:

(أ) أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة»([353]).

وقد بوب رحمه الله في "الموطأ" بلفظ (كان إذا انصرف من صلاة الغداء يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة»([354]).


وقد رواه الإمام أحمد([355]) في مسنده وأبو داود([356]) والحاكم في مستدركه([357]) كله من طريق مالك.

(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له...» ([358]).

وفي رواية لمسلم بلفظ كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: «اللهم هل بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح، أو ترى له.. »([359]).

ورواه عبد الرزاق في مصنفه([360])، وابن أبي شيبة([361])، وأبو داود([362]) والنسائي([363]).


والدارمي([364])، وابن ماجة([365])، وابن خزيمة([366])، وابن حبان([367])، والبيهقي([368]).

(ج) أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده وابنه عبد الله في زوائد المسند من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له»([369]).

(د) أخرج الإمام أحمد في مسنده([370])، والترمذي([371])، والحاكم([372]) من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: «فشق ذلك على الناس» فقال «ولكن المبشرات» قالوا وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة».


(هـ) أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني من حديث أبي الطفيل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الحسنة» أو قال: «الرؤيا الصالحة»([373]).

(و) وأخرج الطبراني والبزار من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ذهبت فلا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له»([374]).

(ز) وأخرج الإمام أحمد، والدارمي وابن ماجة، من حديث أم كُرْز الكعبية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ذهبت وبقيت المبشرات»([375]).

(ح) أخرج الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات» فقالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([376]) وهذا مرسل صحيح الإسناد ويشهد له ما سبق من الأحاديث وما سيأتي إن شاء الله تعالى.


ففي هذه الأحاديث وغيرها تعظيم شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له وبيان أنها من المبشرات التي يبشر بها المؤمن، وأن النبوة ستذهب بموته صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه خاتم النبيين بعده، وتبقى المبشرات التي هي الرؤيا الصالحة في هذه الأمة بعد انقطاع النبوة.

فقـوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» يعني أن الوحي منقطع بموته رضي الله عنه فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.

قال ابن التين: "معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ([377]).

وقيل: هو على ظاهره، لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة للعهد والمراد لنبوته، أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات.

ويرد على ذلك بالأحاديث الأخرى الصريحة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» وحديث ابن عباس أنه قال ذلك في مرض موته - صلى الله عليه وسلم - ([378]).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم «إلا المبشرات» ثم فسرها بالرؤيا الصالحة.

ووصف الرؤيا الصالحة بأنها مبشرة إما على التغليب وإما على أصل اللغة([379]) فمن الرؤيا الصالحة ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى عبده المؤمن.


يقول ابن المهلب([380]) رحمه الله: التعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقًا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه([381]).

ويقول أبو العباس القرطبي رحمه الله في كتابه "المفهم" البشرى من الله أي مبشرة بخير، ومحذرة عن شر فإن التحذير عن الشر خير فتضمنته البشرى، وإنما قلنا ذلك هنا, لأنه قد قال في حديث الترمذي المتقدم: «الرؤيا ثلاث، رؤيا من الله... » مكان بشرى من الله، فأراد بذلك، والله أعلم، الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة([382]).

ويقول أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره الجامع لأحكام القرآن" في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قال: "وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقًا به ورحمة؛ ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه، فإن أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك، وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتبت إليه بذلك؛ ليستعد لذلك ([383]) وقد تقدم في "يونس" في تفسيره قوله تعالى: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ{ [يونس: 64] أنها الرؤيا الصالحة، وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب، والله أعلم([384]).

فتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم المبشرات بالرؤيا الصالحة إن كان المراد بالرؤيا الصالحة أي الحسنة والمبشرة فهذا ظاهر؛ لأن البشارة كل خير صدق بتغير بشرة الوجه واستعمالها في الخير أكثر.

إن كان المراد بالرؤيا الصالحة هي الصادقة وهي التي فيها بشارة أو تنبيه عن غفلة، فتسيرها بالمبشرات في الحديث مخرج على الأغلب أو على أصل اللغة والله أعلم.

قد جاء في تفسيره قوله تعالى: }أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [يونس: 62-64].

أن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة وقد وردت أحاديث متعددة في تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك.

1- ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة، والترمذي، وابن جرير، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله عز وجل: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة


يراها المسلم، أو ترى له... »

زاد أحمد، وابن جرير في إحدى الروايات عندهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وبشراه في الآخرة الجنة» وقد جاءت هذه الزيادة في رواية ابن أبي شيبة مختصرة([385]).

2- أخرج الإمام أحمد في مسنده، والدارمي، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول تبارك وتعالى: }الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ{ قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له»([386]).

3- أخرج ابن جرير رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له».


وفي رواية له عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: }الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ{ الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح، أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة.

وفي رواية له قال أبو هريرة رضي الله عنه: «الرؤيا ا لحسنة بشرى من الله وهي المبشرات»([387]).

4- وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن جرير في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان؛ ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر أحدًا»([388]).

وقد جاء عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم تفسير الآية بالرؤيا الصالحة فمن ذلك:

1- أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال: (هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه) ورواه ابن أبي شيبة بنحوه هذه الرواية([389]).


2- أخرج الإمام مالك رحمه الله عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يقول، في هذه الآية: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ{ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له).

ورواه ابن أبي شيبة، وابن جرير بنحوه([390]).

3- وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد رحمه الله قال: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)([391]).

4- وأخرج ابن جرير رحمه الله عن عطاء في قوله تعالى: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال: (هي رؤية الرجل يبشر بها في حياته)([392]).

5- وأخرج ابن جرير رحمه الله عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: (الرؤيا من المبشرات)([393]).

6- وأخرج ابن جرير رحمه الله عن يحيي بن أبي كثير رضي الله عنه قال في قوله تعالى: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال: (هي الرؤيا الصالحة يرها المسلم أو ترى له)([394]).

وقد أخرج ابن عبد البر رحمه الله بعض هذه الآثار وأشار إلى بعضها ثم قال معقبًا على ذلك: وعلى ذلك أكثر أهل التفسير في معنى هذه الآية، وهو أولى


ما اعتقده العالم في تأويل قول الله عز وجل: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ وروى عن الحسن والزهري وقتادة أنها البشارة عند الموت ([395]).

ويقول ابن جرير الطبري رحمه الله بعد أن ذكر بأسانيده عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنها الرؤيا الصالحة عقب على ذلك بقوله: (وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الملائكة التي حضره عند خروج نفسه تقول لنفسه اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه»([396]).

ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الثواب الجزيل كما قال ثناؤه: }وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ{ [البقرة: 25] الآية.

وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها ولم يخصص الله ذلك المعنى دون معنى, فذلك مما عمَّمه جل ثناؤه، أي: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ وأما في الآخرة فالجنة ([397]).


وقال السعدي رحمه الله: البشرى هي كل دليل وعلامة تدلهم على أن الله أراد بهم الخير، وأنهم من أوليائه و صفوته، فيدخل في ذلك الرؤيا الصالحة([398]).

ثالثًا: كونها من أهل الصدق والصلاح:

من علامات الرؤيا الصالحة التي تدل عليها كونها من أهل الصدق والصلاح والاستقامة؛ فإن الغالب على رؤياهم الصدق وذلك لقلة تسلط الشياطين عليهم، ولكثرة الصدق في حديثهم، فمن كان أصدق الناس حديثًا كان أصدقهم رؤيا.

ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكن رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا... » ([399]).

وفي رواية لمسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا...».

قال النووي رحمه الله في شرح الحديث السابق: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» ظاهره أنه على إطلاقه وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله، فجعل الله تعالى جابرًا وعوضا ومنبهًا لهم، والأول أظهر لأن غيره الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته لها ([400]).


ويقول ابن العربي المالكي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وآله وسلم «أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» وذلك لأن الأمثال إنما تضرب له على مقتضى أحواله من تخليط وتحقيق، وكذب وصدق، وهزل وجد ومعصية وطاعة، قال ابن سيرين ما احتلمت في حرام قط، فقال بعضهم ليت عقل ابن سيرين في المنام لي في اليقظة([401]).

وفي تعليق لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على الحديث السابق، قال: (أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وأكثرهم دينًا لأن الفاسقين يصيبهم من تحزين الشيطان)([402]).

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الذي تصدق رؤياه فأجاب بقوله: (وأما الذي تصدق رؤياه فهو الرجل المؤمن الصدوق إذا كانت رؤياه صالحة، فإذا كان الإنسان صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان وتقوى فإن الغالب أن الرؤيا تكون صادقة، ولهذا جاء هذا الحديث([403]) مقيدًا في بعض الروايات بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «... أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا»([404])

ولذلك بوب الإمام البخاري رحمه الله في كتاب: "الجامع الصحيح" المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه في كتاب التعبير، بابًا بعنوان (2- رؤيا الصالحين) ثم ساق بسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» إشارة إلى أن الصالحين هم الذين يغلب على رؤياهم الصدق([405]).

ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل عن حال الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، كما أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسنادين صحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعجبه الرؤيا الحسنة فربما قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فإذا رأى الرجل رؤيا سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، قال: فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني دخلت الجنة فسمعت بها وَجْبَة([406]) ارتجت بها الجنة فنظرت فإذا قد جيء بفلان بن فلان، وفلان بن فلان حتى اثني عشر رجلاً وقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية قبل ذلك، قالت: فجيء بهم عليهم ثياب طلس([407]) تشخب أوداجهم([408]) قال: فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر السرخ أو قال: إلى نهر البيدح قال: فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال: ثم أتوا بكراسيّ من ذهب فقعدوا عليها وأتى بصحيفة - أو كلمة نحوها - فيها بسرة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا من فاكهة ما أرادوا وأكلت معهم، قال: فجاء البشير من تلك السرية، فقال: يا رسول الله كان من أمرنا كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عدّ الاثنى عشر الذين عدّتهم المرأة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليّ بالمرأة» فجاءت قال: «قصّي علىّ رؤياك» فقصت، قال: هو كما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ورواه النسائي في السنن الكبرى، وابن حيان في صحيحه، والبيهقي في دلائل النبوة بنحوه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد تحت باب: "ما يدل على صدق الرؤيا" ووجه الاستشهاد بالحديث على صدق الرؤيا سؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه([409]).

وفي هذا الحديث دليل على أن رؤيا الرجل والمرأة سواء، وإنما العبرة بالتقوى والصلاح والصدق.

فقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث السابقة «من الرجل» ذكر للغالب فلا مفهوم له فإن المرأة الصالحة كذلك.

ولهذا من فقه الإمام البخاري رحمه الله قال في صحيحه في كتاب التعبير "باب رؤيا النساء" منعًا للفهم القاصر، ثم ساق بسنده من حديث خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء - امرأة من الأنصار - بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون وأنزلنا في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


قالت: فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما هو فوالله لقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي».

فقالت: والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا.

ثم ساق بسنده آخر، وقال: «ما أدري ما يفعل به» قالت: وأحزنني فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ذلك علمه»([410]).

وذكر ابن بطال([411]) رحمه الله الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله: «رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة»([412]).

المسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان

أخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» وهذا لفظ البخاري.

ولفظ أحمد، ومسلم «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب».


وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب... » ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وساق مسلم إسناده ([413]).

فما معنى اقتراب الزمان الذي لا تكاد تكذب فيه رؤيا المؤمن؟ وأي زمان هو؟ وما معنى لا تكاد تكذب؟ وما الحكمة في تخصيص آخر الزمان بذلك؟

أولا: معنى اقتراب الزمان:

لأهل العلم: رحمهم الله في معنى الزمان ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن معنى اقتراب الزمان، أي اعتداله واستواء الليل والنهار، وذلك في فصلي الربيع والخريف.

قال أبو داود رحمه الله: (إذا اقترب الزمان يعني إذا اقترب الليل والنهار يعني يستويان)([414]).

ويقول الخطابي ([415]) رحمه الله: (والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان وقت الربيع ووقت اعتدال الليل والنهار)([416]).


وهذا القول لا يصح لوجوه عدة منها:

1- أن اعتدال الليل والنهار ليس له أثر ولا تعلق بصدق الرؤيا إلا على ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان تعتدل به الأخلاط، وهذا مبني على تعليقها بالطبائع وهذا باطل.

2- أن هذا القول يبعد تقييده بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع على زعمهم لا يختص بالمؤمن، قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله ([417]).

3- أن الاقتراب يقتضي التفاوت، والاعتدال يقتضي عدمه، فكيف يفسر الأول بالثاني، قاله القسطلاني رحمه الله([418]).

4- أن هذا القول باطل مردود بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «في آخر الزمان» وذلك قرب زمان الساعة ودنو وقتها.

يقول ابن العربي رحمه الله في رده لهذا القول: (وقد اغتر بعض الناس بهذا التأويل فقال به، والأصح أنه اقتراب يوم القيامة، فإنها الحاقة التي تحق فيها الحقائق فكلما قرب منها فهو أخص بها)([419]).

القول الثاني: قال المنذري([420]) رحمه الله: يحتمل أن يراد اقتراب الموت عند


علو السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالبًا يميل إلى الخير والعمل به، ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك([421]).

وهذا القول أيضًا فيه تكلف وبعد في فهم الحديث ويرده قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض روايات الحديث: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب».

القول الثالث: أن المراد قرب زمان الساعة ودنو وقتها.

وهذا القول هو الصحيح، إن شاء الله تعالى وقد جاءت النصوص بذلك فمنها:

1- ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب...» ورواه من طريق عبد الرزاق الإمام أحمد، والترمذي والحاكم وساق إسناده مسلم([422]).

فقوله صلى الله عليه وآله وسلم «في آخر الزمان» صريح يفسر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اقترب الزمان» في أن المراد بذلك اقتراب زمن الساعة.

2- أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى – ثم ذكر بعض علامات الساعة ثم قال- ويتقارب الزمان»([423]) والمراد به اقتراب الساعة قطعًا.

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق الشَّعَفَة»([424]).

وللعلماء رحمهم الله: أقوال في المراد بقرب زمان الساعة، منها:

1- أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان ([425]).

كما يقول ابن حجر رحمه الله: وقد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام، ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا([426]).

2- أن المراد بذلك تقارب أهل الزمان بسب توافر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد([427]).

3- أن المراد بذلك هو قصر الزمان، وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان كزمن الدجال.

4- أن المراد بذلك استلذاذ الناس للعيش وتوافر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت، وتطول مدة الشدة وإن قَصُرت كزمن المهدي وعيسى عليه السلام([428]).

5- أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصة، والرضا بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت([429]) كما قال تعالى: }وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ{ [يوسف: 76].

قال ابن أبي جمرة([430]) رحمه الله: (يحتمل أن يكون المراد بـ"تقارب الزمان" قصرَه على ما وقع في الحديث «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر» وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا، ويحتمل أن يكون معنويًا.

أما الحسي: فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة وأما المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العلم قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلة منه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان، لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأوقات، ففيها من الحرام المحض، ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.

والواقع أن البركة في الزمان، وفي الرزق، وفي البيت إنما تكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: }وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ{ [الأعراف: 96].اهـ.

وإذا عرفنا أن المراد بتقارب الزمان في الحديث هو قرب زمان الساعة، فإن العلماء أيضًا اختلفوا في تحديد هذا الزمان على أقوال.

القول الأول: أن ذلك يقع إذا اقترب الساعة، وقبض أكثر العلم ودرست معالم الشريعة، بسبب الفتن وكثرة القتل، وأصبح الناس على مثل الفترة فهم محتاجون إلى مجدد ومذكر لما درس من الدين، كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء، وتعذرت النبوة في هذه الأمة، فإنهم يعرضون عند ذلك بالرؤيا الصادقة، التي هي جزء من أجزاء النبوة الآتية بالتبشير والإنذار.

ويؤيد هذا القول حديث أبي هريرة: «يتقارب الزمان ويقبض العلم»([431]).

قاله ابن بطال، وإليه مال الحافظ ابن حجر رحمه الله ([432]).


القول الثاني: أن ذلك يقع عند قلة عدة المؤمنين، وغلبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين فيؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكرامًا له وتسلية.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين في الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق ([433]).

القول الثالث: قيل إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه ([434]).

القول الرابع: أن ذلك مختص بزمان عيسى عليه السلام.

قال القرطبي في "المفهم" والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى عليه السلام بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه «فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضه» الحديث ([435]).

قال: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالاً فكانت رؤياهم لا تكذب)([436]).

ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عنى الجميع والله أعلم([437]).


والحاصل في ذلك أن كثرة صدق رؤيا المؤمن من علامات الساعة.

ثانيًا: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث: «لم تكد تكذب» وفي لفظ «لا تكاد تكذب» كاد أي: قرب.

وفيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا، وإن أمكن أن شيئًا منها لا يصدق، والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلاً؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه([438]).

ويدل على ذلك قوله تعالى: }إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا{ [النور: 40].

ويوضح ذلك ابن أبي جمرة رحمه الله بأن عدم كذبها أنها تقع بينة واضحة لا تحتاج إلى تعبير فلا إشكال لأحد فيها ولا كذب، فيصدق عليها أنها لا كذب بخلاف ما قبلها فقد تحتاج إلى تعبير، وقد يخطئ المعبر في فهمها فيصدق لغة أن يقال كذبت رؤيا فلان وإن كانت في نفسها حقًا ([439]).

ثالثًا: ما الحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان؟

يقول ابن أبي جمرة رحمه الله، (والحكمة في تخصيص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا كما في الحديث «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا» فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة)([440]).

وقال القرطبي رحمه الله: (فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول وأصدقهم أقوالاً فكانت رؤياهم لا تكذب)([441]).


وقيل إن الناس في ذلك الزمان على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا خاتم الأنبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعده بالرؤيا الصالحة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار([442]).

ويقول ابن القيم رحمه الله: وهي - أي الرؤيا - عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها فيتعوض المؤمنون بالرؤيا.

وأما في زمن قوة نور النبوة، ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا، ونظر هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة، ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم وقد نص أحمد على هذا المعنى([443]).

المسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة:

دلت النصوص الشرعية على أسباب يستطيع المسلم بها أن يتحرى الرؤيا الصالحة فمن ذلك: تحقيق ولاية الله سبحانه، وتحري الصدق في الحديث، والتحرز من الشيطان.

قال ابن عبد البر رحمه الله: (فمن خلصت له نيته في عيادة الله، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب) ([444]).


وقال ابن القيم رحمـه الله: (ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصدق، وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة، مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة»([445])

ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله في أسباب اختلاف الروايات في أجزاء النبوة التي نست لها الرؤيا الصالحة، أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فمن كان على هذه الحال فرؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب([446]).

وإليك تفصيل هذه الأسباب.

السبب الأول: تحقيق ولاية الله تعالى ([447]):

ويدل على ذلك قوله تعالى: }أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [يونس: 62-64].

والبشرى في الحياة الدنيا جاء تفسيرها في الأحاديث الصحيحة بأنها الرؤيا الصالحة كما مر معنا في حديث أبي الدرداء وأبي هريرة وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وتفسير ابن عباس ومجاهد ويحيي بن أبي كثير وغيرهم.

وقد فسر ابن عبد البر رحمه الله الآية بذلك ثم قال: (وهو أولى اعتقده العالم في تأويل قوله عز وجل }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{)([448]).

فأولياء الله لهم البشرى التي هي الرؤيا الصالحة، وأولياء الله هم كما بينهم الله عز وجل في هذه الآية }الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ{.

ومعنى الآية: أن العبد الذي آمن بالله عز وجل أي صدق به وبما جاء عنه سبحانه في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والتزم بشرعه ظاهرًا وباطنًا ثم داوم على ذلك بمراقبة الله سبحانه وملازمة التقوى والحذر من الوقوع فيما يسخطه عليه من تقصير في واجب أو ارتكاب لمحرم، هذا العبد هو ولي الله سبحانه وتعالى يحبه وينصره ويبشره برضوانه وجنته.

وعند فراقه للدنيا يرتفع عنه الخوف والحزن لما يكشف له من رحمة الله وبشارته ([449]).


وهذا المعنى يؤكده الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه كما أخرج ذلك البخاري رحمه الله: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه... » الحديث([450]).

فالحديث تضممن المعاني التي في الآية الكريمة.

جانب العبد: وهو أداء الفرائض ثم التقرب بالنوافل.

وجانب الرب عز وجل: وهو محبته لذلك العبد، ونصرته وتأييده، ورعايته له في كل موقف وحفظه لجوارحه فيصبح عبدًا محفوظًا في جميع جوارحه ([451]).

وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»([452]).

فالعبد الذي يحفظ الله عز وجل يحفظ حقوقه والقيام بأوامره واجتناب نواهيه واستمرار التدرج في عبوديته لخالقه، فإن الله سبحانه يحفظه في جوارحه ويوفقه.

ثم إن سأله شيئًا أعطاه عطاء الغني الكريم لعبده الضعيف المحتاج.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعريف الولي: (هو من كان بالصفة التي


وصفة الله بها وهو الذي آمن واتقى)([453]).

ويقول ابن كثير رحمه الله: (يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم ربهم فكل من كان تقيًا كان وليًا لله تعالى)([454]).

ويقول ابن رجب رحمه الله: (فأولياء الله هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه، وأعداؤه الذين أبعدهم منه بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم، فقسم أولياءه إلى قسمين:

أحدهما: من تقرب إليه بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات وترك المحرمات, لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده.

والثاني: من تقرب إلى الله بعد الفرائض بالنوافل.

فظهر بذلك إلى أن دعوى طريقة توصل إلى الله تعالى، أو موالاته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن ادعى ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق تبين أنه كاذب في دعواه([455]).

ويقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (فولي الله: هو من والى الله بموافقة محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته)([456]).

فتبين من كلام هؤلاء العلماء أن الولي لا يصل إلى ولاية الله إلا بالإيمان والتقوى.

ثم ليعلم أنه ليس كل من حصل له رؤيا صالحة يجب أن يكون من أولياء الله فليس حصول الرؤيا الصالحة دليلا على ولاية الله، بل إن الشخص قد يكون وليًا لله وإن لم يحصل له شيء من ذلك إذا كان مؤمنًا تقيًا، وعدم ذلك لا يضره في دينه ولا ينقص ذلك في مرتبته عند الله([457]).

فلا يكن مقصود المؤمن التقي، من إيمانه وتقواه تحصيل هذه الأمور, فإن ذلك من دقائق الشرك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة أو متشرفًا بالنسبة إليه، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى)([458]).

السبب الثاني: أن يحرص أن يكون صادقًا في حديثه:

وهذا السبب من الأسباب التي يتحرى بها المسلم الرؤيا الصادقة، وهو وإن كان داخلاً في السبب الأول، لكنه خص لأهميته، والخصوص بعد العموم يدل على أهمية الشيء، فقد جاء الحديث ببيان أن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا.


كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا».

وهذا الحديث على إطلاقه، وأن أصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثًا وهذا في كل زمان ومكان، وذلك لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها([459]).

فكلما كان الإنسان حريصًا على تحري الصدق والبعد عن الكذب أو المبالغة أو التهويل فيما يقول، كان ذلك أدعى أن يرى الصدق في منامه.

وكلما كان الإنسان متوسعًا في الكذب في الروايات والأخبار وربما مختلق للأكاذيب, فإنه يكون أبعد الناس عن الصدق في رؤياه.

السبب الثالث: أن يحرز نفسه من الشيطان عند النوم:

ومن ذلك أن يراعي آداب النوم التي جاءت في السنة النبوية، وخاصة الآيات والأذكار التي تكون حرزًا له من الشيطان فمن ذلك:

1- أن ينام على طهارة كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متت مت على الفطرة، فاجعلهن آخر ما تقول» فقلت استذكرهن، وبرسولك الذي أرسلت قال: «لا, وبنبيك الذي أرسلت»([460]).

فتضمن هذا الحديث ثلاث سنن:

إحداها: الوضوء عند النوم، وإن كان متوضئًا كفاه لأن المقصود النوم على طهارة.

ثانيتها: النوم على اليمين.

ثالثتها: الختم بذكر الله.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وأخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رفعه: «من بات طاهرًا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان» وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس نحوه بسنده جيد ([461]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث ومنها أن يكون أصدق رؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به ([462]).

2- التعوذ والقراءة عند النوم، وقد ورد في القراءة عند النوم عدة أحاديث صحيحة منها:

(أ) قراءة آية الكرسي: كما أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو في الطعام، فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقص الحديث فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: }اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{ [البقرة: 255] حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما فعل أسيرك البارحة؟ » قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله؟ قال: «ما هي» قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: }اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{ وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ » قال: لا: قال: «ذاك شيطان»([463]).

ففي هذا الحديث بيان أن من قرأ آية الكرسي لا يقربنه شيطان حتى يصبح، وبهذا يسلم من تحزين الشيطان وتهويله له في المنام.

(ب) قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة: أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»([464]).

قوله: "كفتاه" قيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، ويحتمل الجمع والله أعلم ([465]).

(ج) قراءة المعوذات: أخرج البخاري رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات، ومسح بهما جسده ([466]).

وورد في التعوذ أيضًا عدة أحاديث منها:

(أ) ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله, ما لقيت من عقرب لدغتْني البارحة فقال صلى الله عليه وآله وسلم «أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم تضرك»([467]).

(ب) ما أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: «اللهم رب السموات ورب الأرض» الحديث، وفي لفظ: «اللهم رب السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه»([468]).

(ج) أخرج أبو داود من حديث علي يرفعه، كان يقول عند مضجعه:


«اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته»([469]).

المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟

الرؤيا الصالحة لا تخلو من ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن تكون من الأنبياء:

وهذا القسم من أقسام الوحي يجب الإيمان بها والعمل بما دلت عليه، لأن رؤيا الأنبياء وحي باتفاق الأمة، ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام وكيف أقدم على ذبح ابنه واعتبر ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك قال الابن (يا أبت افعل ما تؤمر) قال تعالى: }فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [الصافات: 102-105] فلو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ابنه، وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل لهذه المسألة([470]).

وكذلك يقال في الرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بها أمرًا أو نهيًا ([471]).


القسم الثاني: رؤيا الصحابة التي أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

وهذه كذلك مصدر من مصادر التشريع, لأنها نوع من أنواع السنة وهي إقرارات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك: رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين للأذان ([472])، وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك.

أخرج الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه من حديث طفيل بن سَخْبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود: قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله،، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: «هل أخبرت أحدًا؟ » قال: نعم، فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن طفيلاً رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده»([473]).

وله شاهد من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فقال - صلى الله عليه وسلم -: «قد كنت أكرهها منكم فقولوا: ما شاء الله ثم ما شاء محمد»([474]).

فهذه الرؤيا حق أقرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعمل بمقتضاها.

ولهذا لما بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ([475]) رحمه الله في كتاب: "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" بابًا في قول: (ما شاء الله وشئت) استشهد بحديث الطفيل السابق ثم ذكر من مسائل هذا الباب أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي ([476]).

ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب([477]) في كتابه: "تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد" في شرح هذا الحديث "كان صلى الله عليه وآله وسلم يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا صلى الصبح كثيرًا ما يقول: «هل رأى أحد منكم رؤيا» قال: (وفيه أن الرؤيا قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات) ([478]).

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب([479]) رحمه الله في كتاب: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" في شرح هذا الحديث: "قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، والله أعلم([480]).

والأمثلة على ذلك لا تحصى:

القسم الثالث: رؤيا الصالحين بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -:

وهذه هي مدار البحث هنا: فهل يعتمد عليها في إثبات الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهل يعتمد بها دليلا مستقبلاً من أدلة الشرع في الإثبات والنفي؟ وفي أي مجال يكون اعتبارها والاعتداد به ؟([481]).

والحق في ذلك ما اتفق عليه أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، ولا تتخذ دليلاً شرعيًا، وإنما هي تبشير وتحذير وتنبيه، ولهذا سماها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «المبشرات».


ولكنها قد تعتبر وتصلح للاستئناس فقط إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.

يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي([482]) رحمه الله: (... اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس رضي الله عنهما ([483]).

وحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة؟ ([484]) فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فها جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة منقلبة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته فقال: الله أكبر, سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم ([485]).

قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: (ويؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم)([486]).


فمجرد الاستبشار بالرؤيا الصالحة، لا يضر، لأن العمدة في الموضوع إنما هو الاستدلال الشرعي، ولهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها, فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها»([487]).

وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب» ([488]) فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستبشار بالرؤيا الحسنة.

يقول ابن القيم رحمه الله: (ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بالرؤيا).

وأما رؤيا غيرهم: فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لا يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت الرؤيا صادقة، أو تواطأت؟

قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فينتبه بالرؤيا على ذلك ([489]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق)([490]).


ويقول الشاطبي ([491]) رحمه الله في كتابه الاعتصام: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، أما استفادة الأحكام فلا).

ويقول رحمه الله أيضًا: (نعم يأتي المرئى تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم ([492]).

وما يحكى عن بعض العلماء من الخلاف في حجة رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما ذلك فيما إذا وافقت حكمًا شرعيًا فالعبرة في هذه الحالة بالحكم الشرعي لا بها، ولهذا قال الشوكاني رحمه الله في رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - قد كمله الله عز وجل وقال: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ{[المائدة: 3]) ([493]).


وقال ابن بدران رحمه الله: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء، لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا...)([494]).

وسوف يأتي إن شاء الله، مزيد بيان وتوضيح وتفصيل لهذه المسألة عند مناقشة من يجعلون الرؤيا حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة أو الإجماع والقياس من مبتدعة الصوفية الذين استندوا في أخذ الأعمال بالمنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها وتأتي إن شاء الأسباب التي تجعل الرؤيا ليست دليلاً شرعيًا يحتج بها على جواز فعل أو ترك، أو منع أو استحباب، وأقوال أهل العلم في ذلك، وإنما المقصود هنا، بيان أن الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء ([495]).

وعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع([496]).


المبحث الثالث

 أقسام الناس في الرؤى

إذا علمنا أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما دلت على ذلك الأحاديث؛ رؤيا من الله، وحديث نفس، وأحلام من الشيطان، ولكل قسم من هذه الأقسام علامات يعرف بها.

وجاء تقسيمها في بعض الأحاديث إلى قسمين رؤيا من الله، وأحلام من الشيطان ولكل قسم آدابه وأحكامه، إذا علمنا ذلك فإن الرائين لهذه الرؤى ينقسمون كذلك إلى ثلاثة أقسام بحسب صدق رؤياهم وكذبها وصلاحها وفسادها، وكل قسم من الأقسام درجات متفاوتة، وإليك بيان ذلك مع الدليل والتمثيل بتوفيق الله.

القسم الأول: الأنبيـاء:

ورؤياهم كلها صدق وحق، فرؤيا الأنبياء وحي([497]) وهي من دلائل نبوتهم، وذلك لعدم تمكن الشيطان منهم يقظة ومنامًا، فالأنبياء لا يقولون من الكلام إلا الصدق ولذلك لا يرون إلا الحق، فجميع رؤى الأنبياء حق لا استثناء.

ولذلك ورد عن جماعة من أنبياء الله ورسله في القرآن الكريم مراءٍ رأوها وكانت حقًا لا شك فيها، ولعل من أشهرها رؤيا يوسف عليه السلام.

قال تعالى: }إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ{ [يوسف: 4].


قال في ختام السورة: }هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا{ [يوسف: 100].

وكذلك رؤيا إبراهيم عليه السلام، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: }يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [الصافات: 102-105].

وكذلك رؤيا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

قال تبارك وتعالى: }إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{ [الأنفال: 43].

وقوله تعالى: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ{ [الفتح: 27].

وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم رؤى كثيرة جدًا كما في الصحيحين وغيرهما وكلها من دلائل نبوته، وإخباره بالمستقبل فوقع كما رأى وأخبر، وسيأتي إن شاء الله تفصيل أكثر لرؤيا الأنبياء وما يتعلق بها من أحكام.

القسم الثاني: الصالحون:

والأغلب على رؤياهم الصدق، وإنما كان الأغلب على رؤياهم الصدق للأسباب التالية.

1- قلـة تمكن الشيطان منهم، بخلاف غيرهم فإن الشيطان متسلط عليهم،


قال تعالى: }قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{ [الحجر: 39-42].

وقال تعالى: }فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ{ [النحل: 98-100].

ولهذا يحرص المسلم الصالح على تحصين نفسه من الشيطان بقراءة القرآن الكريم وخاصة آية الكرسي، وأواخر سورة البقرة، والمعوذات وكثرة ذكر الله، فلا يكون للشيطان عليه سبيل.

2- صدق حديثهم في اليقظة، فإذا كان الرجل صدوق الحديث في يقظته، وعنده إيمان، وتقوى، فإن الغالب أن رؤياه تكون صادقة، ولهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ([498]).

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: وإنما كان كذلك من كان غالب حاله وقوي إدراكه فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب حاله الصدق في اليقظة استصحب ذلك في نومه, فلا يرى إلا صدقًا، وهذا بخلاف الكاذب، والمخلط، فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا.


وقد يندر أحيانًا فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم والله أعلم([499]).

ولهذا والله أعلم قيدت الرؤيا الصالحة يكونها من الرجل الصالح كما جاء في بعض الروايات, لأن المسلم الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء ولذلك أكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب كما نسبت رؤياه إلى أجزاء النبوة.

ولذلك من فقه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه ذكر الباب الأول في كتاب التعبير بعنوان "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة"، ثم عقب بالباب الثاني بعنوان "رؤيا الصالحين" وأخرج بسنده من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([500]).

ورؤيا الصالحين مع أن الغالب عليها الصدق لا يقطع بصحتها إلا بعد ظهورها ووقوعها بخلاف رؤيا الأنبياء, فإنه مقطوع بصحتها.

والصالحون درجات متفاوته فمنهم من بلغ الذروة في الصلاح ومنهم من هو دون ذلك، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» فدل على أنهم متفاوتون في صدق الرؤيا.

وقد سبق لنا بحمد الله بيان الأشياء التي يتحرى بها المسلم صدق الرؤيا.

وإليك بعض أمثلة رؤيا الصالحين وهي كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها، ومن ذلك:


(1) رؤيا عبد الله بن سلام رضي الله عنه في الأخذ بالعروة والاستمساك بها:

فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قيس بن عبادة قال: "كنت جالسًا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل منن أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة - ذكر من سعتها وخضرتها - وسطُها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقَهْ، قلت لا استطيع، فأتاني مُنْصَف ([501]) فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت في العروة، فقيل له استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العموم عمود الإسلام، وتلك العروة الوثقى، فأنت على الإٍسلام حتى تموت، وذلك الرجل عبد الله بن سلام»([502]).

وفي رواية للبخاري ومسلم عن قيس بن عباد قال: «كنت في حلقة فيها سعد بن مالك، وابن عمر فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، ثم ذكر الحديث ثم قال في آخره فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «يموت


عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى»([503]).

ورواه مسلم عنه بلفظ مطول، فراجعه إن شئت.

(2) رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أبا بكرة، ثم قال: (إني رأيت رؤيا لا أراها إلا حضور أجلي، رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات وإني لأراه إلا حضور أجلي"([504]).

وسبق ذكر أمثلة كثيرة لرؤى الصحابة رضي الله عنهم.

القسم الثالث: من عدا الأنبياء والصالحين:

وهذا القسم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، لكن الغالب عليها الأضغاث وذلك لتسلط الشياطين عليهم، وقلة الصدق عندهم.

يقول القاضي عياض رحمه الله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا» كان ذلك, لأن غير الصادق يعتري الخلل رؤياه من وجهين:

أحدهما: أن تحديثه نفسه يجري في نومه على جري عادته من الكذب فتكون رؤياه كذلك.

والثاني: قد يحكي رؤياه ويسامح في زيادة، أو نقص أو تحقير عظيم، أو تعظيم حقير فتكذب رؤياه ([505]).


وذكر ابن حجر رحمه الله عن المهلب رحمه الله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح» قال: "المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم فإن الصدق فيهم نادر لغلبة تسلط الشياطين عليهم.

قال: فالناس على ثلاث درجات: الأنبياء، ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهي ثلاثة أقسام: "مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل الصدق فيها، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًا([506]).

وقد تقع الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كرؤيا صاحبي السجن في قصة يوسف عليه السلام ورؤيا الملك سبع بقرات.

ولذلك ترجم الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب التعبير "باب رؤيا أهل السجود والفساد والشرك"([507]).

لقوله تعالى: }وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ{ إلى قوله: }وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ{ [يوسف: 36-50].


وفي هذه إشارة إلى أن الرؤيا الصادقة وإن اختصت غالبًا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم.

يقول سماحة الشيخ عبد الله بن باز، رحمه الله في تعليق على ترجمة البخاري السابقة: "يريد المؤلف رحمه الله أن الرؤيا قد تقع من كافر أو فاسق وقد تصدق.

ولهذا قال البخاري رحمه الله بعد ترجمة هذا الباب لقوله تعالى: }وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ{ كأنه يحتج بالآيات على اعتبار الرؤيا الصادقة في حق أهل السجن والفساد والشرك، وهو أيضًا يوضح حكم الترجمة فإنه لم يتعرض فيها إلى بيان الحكم ([508])

ويقول القرطبي رحمه الله: "في هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى لا سيما إذا تعلق بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقًا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله جل جلاله وبين عباده ([509]).

وهؤلاء وإن صدقت رؤياهم, فلا تعد من أجزاء النبوة، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.


 الفصل الثالث: علاقة الرؤى بالنبوة

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: رؤيا الأنبياء وحي.

المبحث الثاني: كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.



المبحث الأول

 رؤيا الأنبياء وحي

وفيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه.

المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء.

المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق.

المسألة الأولى: تعريف ا لوحي وأقسامه

وفيه مطلبان

المطلب الأول: تعريف الوحي:

قال الجوهري في الصحاح: "الوَحْيُ: الكتابُ: والإشارةُ، والكِتَابَةُ، والرِسَّالةُ، والإِلْهامُ، والكَلامُ الخَفِيُّ، وكُلُّ ما أَلقيتَهُ إلى غَيْرِكَ، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو أن تكلِّمه بكلام تخفيه، وَوَحَيّتُ إليه بخبرِ كذا، أي أشرت وصَوَّتُ به رويدًا ([510]).

والوحي أيضًا: الكْتُبُ، والصَّوتُ يكون في الناس وغيرهم، وأوْحَى إليه، بَعَثَهُ وأَلَهَمَهُ ([511]).

وأَوْحى ووَحى أيضًا: كتب([512]).


وقال ابن منظور: "قال أبو إسحاق، وأصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا".

وقال الأزهري: وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحيًا والكتابة تسمى وحيًا([513]).

وقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة، قيل أمر وحي وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض ([514]).

وهذه كلها إطلاقات الوحي في اللغة، أما في الشرع فإذا اطلق الوحي فإنه يخص من جهة مصدره وهو الله سبحانه وتعالى، ومن جهة الموحى إليهم وهم الأنبياء.

قال ابن منظور في كتابه لسان العرب: "والوحي: ما يوحيه الله إلى أنبيائه.

قال ابن الأنباري في قولهم: أنا مؤمن بوحي الله، قال: سمي وحيًا لأن الملك أسرَّه على الخلق وخصَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - المبعوث إليه.

قال الله عز وجل: }يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا{ [الأنعام: 112] معناه: يسر بعضهم إلى بعض، فهذا أصل الحرف ثم قصر الوحي للإلهام، ويكون للأمر، ويكون للإشارة.

وقال الزجاج في قوله تعالى: }وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي{ [المائدة: 112] قال بعضهم ألهمتهم، كما قال عز وجل: }وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ{ [النحل: 68].


وقال ابن كثير رحمه الله في قوله عز وجل:

}وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي{ قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: }وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ{ [القصص: 7] وهو وحي إلهام بلا خلاف وكما قال تعالى: }وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا{ وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: }إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ{ أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا ([515]).

فهذا وحي من الله بمعنى الإلهام وهو وحي عام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس كل من أوحي إليه الوحي العام يكون نبيًا فإنه قد يوحى إلى غير الناس، قال تعالى }وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ{ )([516]).

قال ابن منظور: وقال الله عز وجل: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ{ [الشورى: 51] معناه: إلا أن يوحي إليه وحيًا فيعلمه بما يعلم البشر أنه أعلمه، إما إلهامًا أو رؤيا، وإما أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على موسى، أو قرآنا يتلى كما أنزله على سيدنا محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل هذا إعلام. وإن اختلفت أسباب الإعلام فيها([517]).


والقرآن الكريم قد استخدم إطلاقات كلمة الوحي كما وردت في اللغة، وهذا وحي عام للناس وغيرهم([518])، كما استعملها بالمعنى الخاص بالرسل، وهو إعلام خاص خفي من الله تعالى لرسله وأنبيائه، وهذا المعنى للوحي في الشرع أخص منه في اللغة من جهة مصدره وهو الله تعالى ومن جهة الموحى إليهم وهم الرسل([519]).

المطلب الثاني: أقسام الوحي:

قد بين الله في كتابه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أقسام الوحي، فقال تعالى: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ{ [الشورى: 51].

ففي هذه الآية ذكر الله سبحانه أنواع التكليم العالم وهو بمعنى الوحي العام، كما ذكر ذلك عن السلف في تفسير هذه الآية.

سئل ابن شهاب ([520]) رحمه الله عن هذه الآية فقال: "نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين.

فالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى النبي من أنبيائه عليهم السلام، فيثبت الله عز وجل ما أراد من وحيه في قلب النبي, فيكلم به النبي عليه الصلاة والسلام وبينه، وهو كلام الله ووحيه.


ومنه ما يكون بين الله ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبنون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه.

ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله([521]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذه الأقسام الثلاثة:

القسم الأول: الوحي وهو الإعلام السريع الخفي:

إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح.

وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام)([522]).

وكذلك في اليقظة ، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكون في أمتي فعمر».

وفي رواية في الصحيح «مكلمون» ([523]).


وقد قال تعالى: }وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي{.

وقال تعالى: }وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ{.

بل قال تعالى: }وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا{ [فصلت: 12] وقال تعالى: }وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ{ فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا([524]).

ويقول الإمام البغوي رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل }إِلَّا وَحْيًا{ يوحى إليه في المنام أو بالإلهام ([525]).

ويقول ابن الجوزي رحمه الله: والمراد بالوحي ههنا: الوحي في المنام ([526])، ولم يذكر غيره.

ووجه تفسير الآية بذلك بدليل مقابلة هذا القسم بالقسمين بعده، فلا بد أن يكون هذا الوحي في المنام أو الإلهام في اليقظة.

والآية لا شك أنها واردة في أقسام وحي الله إلى أنبيائه، أما تسمية الرؤيا الصالحة والإلهام في اليقظة اللذين يكونان لآحاد الناس، تسمية ذلك وحيا بهذا المعنى مما يشكل عند بعض الناس.

لكن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومنامًا، استنادًا للآيات والأحاديث الواردة في ذلك.


فقوله عز وجل: }وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي{ فهذا سماه الله وحيا وهو إلهام في اليقظة، لأن الحواريين ليسوا بأنبياء، ومثل ذلك يقال في وحيه لأم موسى.

واستدل رحمه الله على تسمية الرؤيا الصالحة لآحاد الناس وحيًا، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة».

وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» فهذا الحديث إن صح جاز تسمية الرؤيا الصالحة وحيا، وتسميتها كلامًا بالمعنى العام.

ويقول رحمه الله في تفسير المعوذتين: وإذا كان ما يوحيه الله إلى عبادة تارة يكون بواسطة ملك، وتارة بغير واسطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء قال تعالى: }وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ{ [القصص: 7].

وقال تعالى: }وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ{ [المائدة: 111].

وإذا كان قد قال: }وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ{ [النحل: 68] فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى.

وقال تعالى: }وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{[الشمس: 7، 8] فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لا بد أن يقترن به خبر.

وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي والوسوسة، فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان.

إلى أن قال رحمه الله: لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم ([527]).

ويقول أيضا رحمه الله في كتاب النبوات:

وقوله: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا{ [الشورى: 51] يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم».

وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام الرب عنده في منامه فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون يوحي إليهم هذا الحديث الذي هو لهم خطاب وإلهام وليسوا بأنبياء معصومين مصدقين في كل ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان ([528]).


وبذلك يرد على من يمنع تسمية الإلهام "التحديث" والرؤيا الصالحة وحيًا وإلهامًا إلهيًا، وحجة هؤلاء هو الرد على المبتدعة من مدعي النبوة وغيرهم من المتصوفة ([529]).

ويقال لهم:

أولاً: إن الأدلة من الكتاب و السنة دلت على تسمية الإلهام والرؤيا الصالحة وحيًا كما أوحى الله إلى الحواريين وإلى مريم.

ثانيًا: أن القول بأن هذه الأمور إلهام إلهي هذا لا يعني أنها مصادر التشريع والتلقي.

ثالثًا: ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك؛ لأن الوسواس غالب على الناس.

القسم الثاني: التكليم من وراء حجاب:

كما كلَّم الله موسى عليه السلام، ولهذا سمى الله هذا نداء فقال تعالى: }وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا{ [مريم: 52].

وقال تعالى: }فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى{ [طه: 11-13].

وهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: }تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ{ [البقرة: 253].


وقال تعالى بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: }وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا{ [النساء: 164]؛ فهذا تكليم خاص من وراء حجاب بلا واسطة.

القسم الثالث: التكليم بواسطة الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

ودل على ذلك قوله تعالى: }أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ{، فهذا إيحاء الرسول الذي هو جبريل، وهذا غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام.

وهذا القسم من أقسام الوحي أنواع كثيرة:

1- أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع أشد الأنواع على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتلبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.

كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيعلمني فأعي ما يقول»([530]).

2- أن يتمثل له الملك رجلاً يكلمه، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»([531]) وكما تمثلت الملائكة لإبراهيم ولوط في صورة الآدميين، كما أخبر الله بذلك في غير موضع.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء الملك وخطابه وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء، فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت([532]).

3- أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه، وهذا وقع لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مرتين.

كما قال تعالى: }وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى{ [النجم: 13، 14].

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لم أره - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض»([533]).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه على صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج([534]).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد»([535]).

ومما ينبغي التنبيه عليه دفعًا لما قد يشكل في إطلاق لفظ الوحي ولفظ التكليم في مواضع من كتاب الله تعالى ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: "وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله عز وجل: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ{ [الشورى: 51].

واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: }فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى{ [طه: 13].

وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم.

كما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص الكامل؛ كما قال تعالى لزكريا: }ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا{.

ثم قال تعالى: }فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ{ [مريم: 10، 11]؛ فالإيحاء ليس بتكليم ولا يناقض الكلام.

وقوله تعالى في الآية الأخرى: }أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا{ [آل عمران: 41]: إن جعل معنى الاستثناء منقطعًا اتفق معنى التكليم في الآيتين، وإن جعل متصلاً كان التكليم مثل التكليم في سورة الشورى، وهو التكليم العام ([536]).


المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء

بوَّب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح في الكتاب الأول منه كتابًا بعنوان كتاب بدء الوحي، ثم ذكر فيه ستة أبواب:

الباب الأول: باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول الله عز وجل ذكره }إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ{ [النساء: 163] ([537]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ومناسبة الآية للترجمة واضح من أن صفة الوحي إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.

ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة ([538]).

ويؤيد ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في أول ما بدئ به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوحي حيث كانت الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

فالرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي.

وهذا الحديث في بدء الوحي خرجه أئمة الحديث أصحاب الجوامع، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة، والمستخرجات والمصنفات ومدونو السيرة النبوية وحفاظ أحاديثها.


وقد تعددت روايات هذا الحديث، وخلاصتها ما تضمنتها روايات إمام المحدثين الإمام البخاري رحمه الله في جامعه الصحيح؛ حيث ساق حديث بدء الوحي في ثلاثة مواضع من كتابه الجامع الصحيح.

الموضع الأول: في كتاب بدء الوحي، الحديث الثالث: أخرج بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ.. الحديث ([539]).

الموضع الثاني: في كتاب التفسير، باب }اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{ [العلق: 1] بلفظ: كان أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة في النوم.. الحديث ([540]).

الموضع الثالث: في كتاب التعبير، الباب الأول منه، باب أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة ([541]).

فالحاصل من هذه الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بديء بالرؤيا الصادقة في أول مراتب النبوة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم بعد ذلك جاءه الوحي يقظة.


ولا شك أن مجيء الملك في غار حراء كان أول مراتب الوحي في اليقظة؛ وهو وحي الرسالة الذي به بدأ نزول القرآن، ولم يرد أن وحيًا مناميًا انفرد بنزول شيء من القرآن الكريم ([542]).

قال السيوطي في الاتقان: "إن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة ([543]).

والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث الحارث بن هشام، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»([544]).

فلم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث رؤيا المنام، وهذا تصريح منه - صلى الله عليه وسلم - بأنه لم يتلق شيئًا من القرآن عن طريق الرؤيا.

وما ذكر من أن جبريل جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ.. الحديث ([545]).

نقول: إن ثبت هذا الحديث فإنه لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها ويمكن أن يجمع بين الحديثين إن صح الأخير بأن تقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه جبريل في المنام قبل اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به؛ لأن أمر النبوة عظيم.


يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "فقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار ([546])، عن عبيد بن عمير الليثي ([547])، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ثم أرسلني». وذكر نحو حديث عائشة سواء؛ فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرِّحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة ([548]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام»([549]).


المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق

لا خلاف بين العلماء في أن رؤيا الأنبياء وحي، وهي تدخل في قوله تعالى: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ{ [الشورى: 51].

يقول ابن القيم رحمه الله: «ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة»([550]).

ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام وكيف أقدم على ذبح ابنه وعدَّ ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك الابن قال: يا أبت افعل ما تؤمر.

قال تعالى: }فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [الصافات: 102-105].

ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا للأنبياء لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ابنه ([551]).


ولذلك ذكر الله عز وجل في كتابه بعض مرائي أنبيائه، فقال عن يوسف عليه السلام: }إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ{ [يوسف: 4، 5].

وقال تعالى في نهاية القصة: }وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا{ [يوسف: 100].

وكذلك ذكر الله سبحانه في كتابه قصة رؤيا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر؛ قال تعالى: }إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{ [الأنفال: 43].

وكذلك رؤيا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في قصة الحديبية:

قال تعالى: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا{ [الفتح: 27].

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا ستقع هذا العام، فلما صدهم المشركون عن دخول مكة عام الحديبية وصالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يرجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا في العام المقبل وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام. قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به»([552]).

وقد وقع تصديق رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرة القضاء.

وكذلك جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في رؤى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنها وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، ويجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، وهي كذلك من دلائل نبوته؛ إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت كما أخبر، ومن ذلك:

1- أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، فإذا هي المدينة، ورأيت فيها بقرا، والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا الله به بعد يوم بدر»([553]).

2- أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بينما أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا عليَّ وأهماني، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتها الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة»([554]).

3- أخرج مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب»([555]).

4- أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «بُعثت بجوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي».

وفي لفظ للبخاري: «أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي»، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنتم تنتقلونها»([556]).

إلى غير ذلك من الأحاديث، والتي أكثرها متفق عليه في الصحيحين([557]).

وكون رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - وحي، وأن ذلك من دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم - هذا أمر مستقر في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.


ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك: كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا يبرئني، كما أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده ([558]).

ويقول معاذ رضي الله عنه: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق. أخرجه أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في كتاب السنة بلفظ: ما رأى في نومه وفي يقظته فهو حق([559]).

وإنما كانت رؤيا الأنبيـاء وحيًـا لأسباب، منها:

1- أنهم معصومون من أن يتمثل لهم الباطل في صورة الحق، ولم يجعل الله للشيطان أو الخيال عليهم سبيلا، فلذلك فرؤياهم حق.

2- من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن أعينهم تنام ولا تنام قلوبهم.

كما جاء في الصحيحين وموطأ الإمام مالك من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»([560] وفي لفظ للبخاري: «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.. ».

وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.

ويقول الإمام البغوي - رحمه الله: "ونومه مضطجعًا حتى نفخ، وقيامه إلى الصلاة من خصائصه؛ لأن عينه كانت تنام ولا ينام قلبه؛ فيقظة قلبه تمنعه من الحدث، وإنما منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه" ([561]).


ويقول النووي - رحمه الله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي». هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وسبق في حديث نومه - صلى الله عليه وسلم - في الوادي؛ فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس([562])، وأن طلوع الشمس متعلِّقٌ بالعين لا بالقلب([563]).

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة([564]) من حرير فيقول: هذه امرأتك فاكشفها. فإذا هي أنت». فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه»([565]).

فمما لا ريب فيه أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق، وعلى هذا اختلف العلماء في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن يكن هذا من عند الله يمضه».

فذهب القسطلاني إلى أن مراده: إن تكن هذه الرؤيا على وجهها؛ بأن لا تحتاج إلى تعبير وتفسير - يمضها الله، وينجزها؛ فالشك عائد إلى أنها على ظاهرها أو تحتاج إلى تعبير ([566]).

وقال الكرماني: يحتمل أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة، وأن تكون بعدها وبعد العلم؛ فإن رؤياه وحي؛ فعبَّر عما علمه بلفظ الشك ومعناه اليقين إشارةً إلى


أنه لا دخل له فيه، وليس ذلك باختياره وفي قدرته([567]).

ورؤيا الأنبياء منها ما لا يحتاج إلى تعبير كرؤيا إبراهيم عليه السلام، ومنها ما يحتاج إلى تعبير كرؤيا يوسف عليه السلام.

أما الأثر الذي فيه: «رؤيا الأنبياء وحي». فقد روي مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروي موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما، وروي مقطوعًا على عبيد الله بن عمير رضي الله عنه.

أما المرفوع: فروى ابن أبي حاتم من طريق سماك([568]) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا الأنبياء في المنام وحي».

ذكره ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره، ثم قال: «وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه»([569]).

أما الموقوف على ابن عباس رضي الله عنه، فأخرج ابن جرير في تفسيره، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا ([570]).


وأورد ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، وعزاه إلى مسند أحمد بن حنبل موقوفًا على ابن عباس بلفظ: «رؤيا الأنبياء وحي»([571]).

وقال عنه البوصيري في إتحاف المهرة: رواته ثقات ([572]).

أما المقطوع - ونعني به أنه من قول التابعي - فأخرج البخاري في صحيحه من طريق عبيد بن عمير قال: رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ }إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ{ ([573]).

وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق أيضًا وعبد بن حميد وابن جرير و ابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات ([574]).

وعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح لمسلم مرفوعًا، وقد بحثت عنه في مظانه فلم أجده ([575]).


المبحث الثاني

 كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

وفيه أربع مسائل:

المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.

المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة.

المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة.

المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟

المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

أحاديث الرؤيا الصالحة وكونها جزءًا من أجزاء النبوة خرجها أئمة الحديث أصحاب الجوامع كالصحيحين وغيرهما، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة والمستخرجات والمصنفات، ومدونو السيرة النبوية وحفَّاظها، حتى بلغت هذه الأحاديث حدَّ التواتر، كما ذكر السيوطي في كتابه قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة([576]) وذكرها الزبيدي في كتابه لقط اللآليء المتناثرة في الأحاديث المتواترة ([577]).


وقد رويت هذه الأحاديث عن أكثر من خمسة عشر صحابيًا.

يقول الزرقاني في شرح الموطأ بعد أن ذكر الحديث الذي فيه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال: "والحديث متواتر عن جمع من الصحابة"([578]).

والأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من النبوة على قسمين:

القسم الأول: أحاديث ذكرت فيها الرؤيا الصالحة وأنها جزء من أجزاء النبوة دون التعرض لبيان ومقدار هذه الأجزاء، ومن هذه الأحاديث:

1- أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي والحاكم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت, فلا رسول بعدي ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن المبشرات» قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة»([579]).

2- أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رؤيا الرجل المؤمن جزء من النبوة»([580]).


ومثلها الأحاديث التي مرت معنا في مبحث المبشرات كحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قالوا: وما المبشرات، قال: «الرؤيا الصالحة» وحديثي عائشة وأبي الطفيل وغيرهما ([581]).

القسم الثاني: الأحاديث التي ورد فيها بيان أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة مع تحديد هذا الجزء، وقد اختلفت الروايات في حديد هذا الجزء، أصحها ثماني روايات وهي كما يلي:

1- رواية ستة وعشرون:

أخرجها ابن عبد البر رحمه الله من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة»([582]).

2- رواية أربعين جزءًا:

أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءًا من النبوة»([583]).

3- رواية: «أربعة وأربعين جزءًا».


أخرج الطبري من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من أربعة وأربعين جزءًا من النبوة»([584]).

4- رواية: «خمس وأربعين جزءًا».

أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة»([585]).

وأخرجه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة».

قال يزيد بن الهاد أحد رواة الحديث سمعت مسلمة يحدث عن أبي هريرة عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: لو كانت حصاة من عدد الحصى لرأيتها صدقًا ([586]).

5- رواية «ستة وأربعين جزءًا من النبوة»

 وهي أشهر الروايات، واتفق عليها من حديث أبي هريرة ومن حديث عبادة بن الصامت ومن حديث أنس رضي الله عنهم.

فأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([587]).


وأخرج الإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت بمثله ([588]).

وأخرج الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([589]).

وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بمثله ([590]).

وأخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث أبي رزين بلفظ «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»([591]).

6- رواية «تسعة وأربعين جزءًا من النبوة».

أخرج الإمام أحمد في مسنده والطبري في تفسيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال: «الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن، وهي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا»([592]).

7- رواية (خمسين جزءًا من النبوة)

أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث سليمان بن عريب رضي الله عنه قال: ذكرت لابن عباس حديث أبي هريرة، فقال: جزء من خمسين, فقلت له: إني سمعت أبا هريرة، فقال ابن عباس: فإني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءًا من النبوة» ([593]).

8- رواية «سبعين جزءًا من النبوة»:

وقد جاءت هذه الرواية في عدة أحاديث منها: ما أخرجه الإمام أحمد في مسند والإمام مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة»([594]).

وأخرجها الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ([595]).


وأخرجها الإمام أحمد أيضًا في مسنده وأبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس([596]).

وأخرجها ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري([597]).

وأخرجها عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة من حديث مسعود([598]).

وأخرجها ابن جرير الطبري من حديث عبادة بن الصامت([599]).

وأخرجها ابن حبان من حديث أبي زرين العقيلي([600]).

وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه الأحاديث ثم قال: "فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين([601]) وبين ذلك أربعين، وأربعة وأربعين، وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وسبعة وأربعين([602]) وتسعة وأربعين، وخمسين، وسبعين» أصحها مطلقا الأول، يعني ستة وأربعين، ويليه السبعين، ووقع في شرح النووي منه رواية عبادة (أربعة وعشرين) وفي رواية ابن عمر ستة وعشرين([603]) وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري([604]) ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة فذكر بعض ما تقدم، وزاد في رواية (اثنين وأربعين) وفي أخرى (اثنين وسبعين) وفي أخرى (سبعة وعشرين) وفي أخرى (خمسة وعشرين) ([605]) فبلغت على هذا خمسة عشر لفظًا([606]).

المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

دلَّت الأحاديث السابقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فما معنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة؟ وهل يقال لصاحب الرؤيا الصالحة شيء من النبوة؟

 والجواب: أن الرؤيا الصالحة لا تخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون الرؤيا الصالحة من الأنبياء:

فهي في هذه الحالة جزء من أجزاء النبوة، لما سبق تفصيله في كون رؤيا الأنبياء وحي.

قال الخطابي رحمه الله: ومعنى الحديث؛ تحقيق الرؤيا، وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزءًا من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم، والأنباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم، والله أعلم([607]).

وقال البغوي رحمه الله: قوله: «جزء من النبوة» أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم ([608]).

وقال الكرماني رحمه الله: قوله: «من النبوة» أي: في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في اليقظة ([609]).

وهذا التوجيه لهذه الأحاديث وإن كان لا خلاف فيه، فإنه غير وارد في هذه الأحاديث، لأنها جاءت في بيان رؤيا الرجل الصالح أو رؤيا المؤمن ونسبتها إلى النبوة فما معنى كون رؤيا المؤمن جزءًا من أجزاء النبوة؟ وليس رؤيا الأنبياء.

الحالة الثانية: أن تكون الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح:

للعلماء رحمهم الله، في بيان معنى كون رؤيا المؤمن الصالح جزءًا من أجزاء النبوة توجيهان:

التوجيه الأول: أن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة:

قال الخطابي رحمه الله: قال بعض العلماء: أن الرؤيا تجيء موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة ([610]).


وقال البغوي رحمه الله: وقيل: أراد به أنه كالنبوة في الحكم والصحة ([611]).

وقال ابن العربي رحمه الله: القدر الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا، لأنه اطلاع على الغيب وذلك قوله: لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات ([612]).

وقال ابن عبد البر رحمه الله: وقد يحتمل أن تكون الرؤيا جزءًا من النبوة، لأن فيها ما يعجز كالطيران، وقلب الأعيان، ولها تأويل الحسن، وربما أغنى بعضها عن التأويل ([613]).

وقال ابن بطال رحمه الله: كون الرؤيا جزء من أجزاء النبوة مما يستعظم فيمكن أن يقال: إن لفظ النبوة مأخوذ من الإنباء وهو الإعلام لغة، فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب، فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر ([614]).

وقال السفاريني رحمه الله في شرح ثلاثيات المسند في معنى هذه الأحاديث:

ومعنى ذلك أن الرؤيا الصالحة تجيء في الصحة والبيان، موافقة النبوة، لأن النبوة انقطعت بموته - صلى الله عليه وسلم - ([615]).

وقال الحافظ بن حجر رحمه الله: قال ابن الجوزي: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعًا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها([616]).


وقال ابن التين رحمه الله: معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ([617]).

وقال الباجي رحمه الله: وصفها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما سيكون في المستقبل على وجه يصح، ويكون من عند الله عز وجل.

وقال أبو زرعة العراقي رحمه الله: لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء عليهم السلام، وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة، ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أن الرؤيا الواقعة للصالح تشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء، والتي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة، فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه ([618]).

فحاصل أقوال العلماء أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة» أنها تشبه النبوة من جهة الاطلاع على شيء من الغيب، لا أنها جزء من النبوة.

التوجيه الثاني: أنها جزء من أجزاء علم النبوة.

وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية.

وذكر هذا القول الإمامان الخطابي والبغوي رحمهما الله عن بعض العلماء([619]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أثناء مناقشته للفلاسفة الذين يرون أن النبوة مكتسبة، وتحصل عندهم لآحاد الناس، فقال: "والذي يقرون به من النبوة يحصل ما هو أعلى منه لآحاد الناس الذين فيهم فضيلة علمية وعملية، لكن أهل العلم والإيمان بالرسل يعلمون أن نسبتهم إلى الأنبياء من جنس نسبة أهل الرؤيا الصادقة إلى الأنبياء، فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك في الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكما في السنة عنه أنه قال: «الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة»([620]).


وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»([621]).

فلا ريب أن الشيء يكون جزءًا من النبوة أو الإيمان، ويكون من أصغر الشعب والأجزاء، كإماطة الأذى في الإيمان، أو كالرؤيا في النبوة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له» ولهذا كان هذا الجزء أول ما بدئ به الرسول - صلى الله عليه وسلم - تدريجًا له كما في الصحيح عن عائشة قالت: "أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد".

وإذا كان بعض أجزاء النبوة يحصل لآحاد المؤمنين وليس هو نبيًا تبين أن ما يذكره هؤلاء من الحق هو جزء من أجزاء النبوة، وما يذكرونه من الباطل هو مردود عليهم ([622]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "والرؤيا الصالحة وإن كانت جزءًا من النبوة, فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يُسمَّى نبيًا وليس كذلك ([623]).

وقال أيضًا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» ظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة، ويؤيده حديث أم كُرْز الكعبية قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

ولأحمد عن عائشة مرفوعًا: «لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا».

ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة»([624]).


فالحاصل أن الرؤيا الصالحة فيها إشعار للمؤمن بخبر سيقع ليغتنمه أو شرع سيقع ليحذره ويتجنبه ويأخذ أهميته واستعداده، فهي من هذا الوجه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لأن فيها أخبارًا لهذا المؤمن بأمر غيبي لم يقع، وإن كان لا يمكن الجزم والقطع بهذه الرؤيا، إلا إذا وقعت، لأنه قد يخطئ الذي يعبرها وقد تكون على خلاف ما ظنه.

وفي جواب للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عندما سئل عن معنى قوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أجاب بقوله: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» أن رؤيا المؤمن تقع صادقة, لأنها أمثال يضربها الملك للرائي، وقد تكون خبرًا عن شيء واقع، أو شيء سيقع، فيقع مطابقًا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها، وإن كانت تختلف عنها، ولهذا كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ([625]).

المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة

الأحاديث السابقة وإن اختلفت ألفاظها فإنها متفقة على أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، وإنما اختلفت الروايات في أمرين:

الأمر الأول: فيمن أضيفت إليه الرؤيا سكت عنه مرة، وذكره مرة أخرى، وسوف أُفَصِّل القول فيه، إن شاء الله في المسألة الرابعة.

الأمر الثاني: في تحديد أجزاء النبوة، التي جعلت الرؤيا الصالحة جزءًا منها، ففيه من الروايات ما تقدم ذكره من ستة وعشرين، وأربعين وأربعة وأربعين وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وتسعة وأربعين، وسبعين.

وقد كثرت أقوال العلماء في توجيه هذه الروايات، ولهم في ذلك موقفان:

الموقف الأول: الترجيح.

الموقف الثاني: الجمع بين الروايات.

الموقف الأول: من قال بالترجيح:

وسبب هذا القول، وتوجيه النسبة فيه.

يميل بعض العلماء إلى ترجيح روايات الستة والأربعين على غيرها، لأنها في نظرهم هي الأشهر والأصح ([626]).

قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث من ستة وأربعين ([627]).

وقال أبو زرعة العراقي بعد أن ذكر الروايات السابقة: "وأصحها وأشهرها ستة وأربعون، فإن ملنا إلى الترجيح فرواية الستة والأربعين أصح"([628]).

والذين مالوا إلى ترجيح (ستة وأربعين) قالوا: إن السبب في ذكر هذا العدد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقي منذ أن أوحي إليه إلى أن توفي ثلاثًا وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وبالمدينة عشر سنين وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء زمان النبوة ([629]).


الجواب عن هذا القول: أن هذا الترجيح وبيان السبب فيه لا يصح من وجوه:

الوجه الأول: أن أكثر الروايات صحيحة، بل أغلبها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها وطرح الباقي.

قال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر الروايات في اختلاف عدد أجزاء النبوة، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور، فلا يؤخذ بعضها ويترك الباقي كما فعل المازري ([630]).

الوجه الثاني: ما ذكروه من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوحى إليه في منامه ستة أشهر، فكانت نسبة الرؤيا إلى زمن النبوة جزء من ستة وأربعين، هذا توجيه لا يصح وذلك لما يلي:

أولا: أن هذه المدة من الستة الأشهر لم تثبت بدليل صحيح، بل إن هناك اختلافًا في قدر المدة التي بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى موته.

قال ابن العربي رحمه الله: وتفسيرها بمدة النبي - صلى الله عليه وسلم - باطل؛ لأنه يفتقر إلى نقل صحيح ولا يوجد ([631]).

وقال النووي رحمه الله، لم يثبت أن أمد رؤياه - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة ستة أشهر([632]).

وقال الخطابي رحمه الله بعد أن ذكر هذا التوجيه، وهذا وإن كان وجها قد تحتمله قسمة الحساب والعدد فإن أول ما يجب فيه أن يثبت ما قاله من ذلك خبرًا ورواية، ولم نسمع فيه خبرًا، ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرًا فهو كأنه ظن وحسبان، والظن لا يغني من الحق شيئًا ([633]).

ثانيًا: مما يبطل هذا التوجيه، أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى.

ولهذا لما ذكر ابن القيم رحمه الله التوجيه السابق قال: "وهذا حسن، لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنها جزء من سبعين جزءًا ([634]).

وعلى هذا فالصواب، إن شاء الله أن يقال إن عامة هذه الأحاديث أو أكثرها صحاح، ولكل حديث منها مخرجًا معقولاً([635]).

الموقف الثاني: الجمع بين الروايات:

قال أكثر العلماء لا منافاة بين هذه الروايات، لأن كل رواية منها لها مخرج معقول، ولكن كثرت أقوالهم في توجيه هذه الروايات.

وسوف أذكر إن شاء الله أهم هذه التوجيهات، وأذكر ما أراه راجحًا مع بيان سبب الترجيح.

القول الأول: أن هذا الاختلاف بحسب حال الرائي للرؤيا.

واختار هذا القول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله حيث بين أن الاختلاف في روايات هذه الأحاديث راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصادق الصالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، والفاجر من سبعين ولهذا لم


يشترط في وصف الرائي في السبعين ما اشترط في وصف الرائي في الحديث المذكور فيه «من ستة وأربعين» من كونه صالحًا.

وأما ما بين ذلك فالنسبة لأحوال المسلمين ([636]).

ورجح هذا القول أيضًا ابن العربي رحمه الله حيث قال بعد أن ذكر الأقوال في الجمع بين الروايات: وأحسنها قول الطبري عالم القرآن والسنة([637]).

وقال ابن عبد البر رحمه الله: اختلاف الآثار في هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا ليس ذلك عندي اختلاف تضاد متدافع والله أعلم، لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الصالحة من بعض من يراها على حسب ما يكون من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا؛ تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة، فمن خلصت نيته في عبادة ربه، ويقينه وصدق حديثه كانت رؤياه أصدق، وإلى النبوة أقرب، كما أن الأنبياء يتفاضلون قال تعالى: }وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ{ [الإسراء: 55] ([638]).

وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله مؤيدًا هذا القول: فهذا التأويل يجمع شتات الأحاديث، وهو أولى من تفسير بعضها دون بعض وطرحه ([639]).


وممن رجح هذا القول الألباني رحمه الله حيث قال: واعلم أنه لا منافاة بين قوله في هذا الحديث «إن الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين» وفي الحديث التالي: «جزء من ستة وأربعين» وفي حديث ابن عمر «جزء من سبعين» وغيره، فإن هذا الاختلاف راجع إلى الرائي، فكلما كان صالحا كانت النسبة أعلى، وقيل غير ذلك([640]).

القول الثاني: أن ذلك الاختلاف زيادة فضل من الله عز وجل.

قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الآثار: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا، كم هي جزء من الأجزاء التي من النبوة؟

ثم ساق الأحاديث السابقة.

ثم قال: قال هذا القائل: وهذا اضطراب شديد، فمرة تروون أنها جزء من سبعين من النبوة، ومرة تروون أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.

فكان جوابنا في ذلك: أن جميع ما روينا من الآثار في هذا الباب يحتمل ما لا تضاد فيه، وهو أن الرؤيا جزء واحد من أجزاء النبوة جعلت بشارة، لحديث أم كرز - فذكر الحديث - وحديث أبي الدرداء فذكره ([641]).

قال أبو جعفر: فاحتمل أن يكون الله عز وجل كان جعلها في البدء جزءا من سبعين من النبوة فضلا منه عليه، وعطية منه إياه، ثم زاد بعد ذلك أن جعل العطية جزءا من ستة وأربعين...([642])


القول الثالث: أن هذا الاختلاف بحسب اختلاف رؤيا الأنبياء.

قال ابن حزم رحمه الله: وقد تخرج هذه النسب والأقسام، على أنه عليه السلام إنما أرد بذلك رؤيا الأنبياء عليهم السلام، فمنهم من رؤياه جزء من ستة وعشرين جزءًا من خصائصه، وفضائله، ومنهم من رؤياه جزء من سبعين جزءًا من نبوته، وخصائصه وفضائله، وهذا هو الأظهر، والله أعلم، ويكون خارجًا على مقتضى الحديث بلا تأويل ولا تكليف ([643]).

ولكن هذا التوجيه مع أنه لا دليل عليه وفيه تكلف، فهو أيضًا لا يستقيم, لأنه يجعل الرؤيا الصالحة خاصة بالأنبياء وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «رؤيا المؤمن».

القول الرابع: أن هذا الاختلاف بحسب خفاء الرؤيا وجلائها.

قال المازري رحمه الله: وقيل إن المنامات دلالات، والدلالات منها خفي، ومنها ما هو جلي، فما ذكر فيه السبعون أريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أريد به الجلي منها ([644]).

وقال ابن أبي جمرة رحمه الله: إن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينًا في موضع آخر، وكذلك المرائي فيها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء يكثر مرة، ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، ومن عداهم ما بين ذلك ([645]).


وقريب من هذا القول ما قاله ابن حزم رحمه الله في كتابه الأصول والفروع: ما كان في الرؤيا صادقًا فهو من قبل الله تعالى، ثم تتفاضل في الصحة، والنقاء من الأضغاث، فيكون أعلاها منزلة في ذلك من سبعة وعشرين جزءًا من النبوة إلى جزء من سبعين جزءًا من النبوة ([646]).

القول الخامس: أن هذا الاختلاف بحسب تعدد طرق الوحي.

قال القاضي عياض رحمه الله، ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما ألقي في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته، أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه في النوم إلى غير ذلك مما وقفنا عليه، ومما لم نقف عليه فتكون الحالات إذا عددت انتهت إلى العدد المذكور ([647]).

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله معقبا على كلام القاضي: ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلا عن السبعين وقال ابن حجر رحمه الله: والذي نحاه القاضي سبقه إليه الحليمي، وقد قصد الحليمي في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فذكر وجوها من الخصائص العلمية للأنبياء، تكلف في بعضها، حتى أنهاها إلى العدد المذكور، فتكون الرؤيا واحدًا من تلك الوجوه([648]).

ويضاف إلى هذا التكلف أنه لا يجمع بين الروايات المختلفة.

القول السادس: أن هذا الاختلاف بحسب خصال النبوة.


حيث قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة كما في الحديث الآخر «التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة» ([649]) أي من مجموعة خصال تبلغ أجزاؤها ستة وعشرين، هذه الثلاثة جزء منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أجزاء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمان وسبعون ويصح أن نسمي كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا خصلة, فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويصح أن نسمي كل أربعة منها جزءًا فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصفًا.

فتختلف أسماء العدد المجزئ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا لا يكون اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة([650]).

ورحم الله القرطبي عندما قال بعد هذا التوجيه: وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك، مع أنه لم ينشرح به الصدر، ولا اطمأنت إليه النفس، وهو كما قال:

القول السابع: أن هذا الاختلاف بحسب درجات الأنبياء.

قال ابن أبي جمرة رحمه الله ليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقا، فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الأعداد راجعة إلى درجات الأنبياء.


فنسبتها من أعلاهم وهو من ضم له إلى النبوة الرسالة، أكثر ما ورد من العدد، ونسبتها إلى الأنبياء غير المرسلين أقل ما ورد من العدد، وما بين ذلك ومن ثم أطلق في الخبر النبوة، ولم يقيدها بنبوة نبي بعينه([651]).

القول الثامن: أن هذا الاختلاف بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد؛ أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك, كأن يكون لمَّا أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة، ولما أكمل عشرين حدث بأربعين، ولما أكمل اثنتين وعشرين، حدث بأربعة وأربعين بعدها بخمسة وأربعين، ثم بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين، فضعيف، ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة، وما عدا ذلك لم يثبت، وهذه مناسبة لم أر من تعرض لها([652]).

ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف وخاصة في آخرها، مع أنه لا دليل عليه.

وقريب من قول الحافظ ما قاله ابن أبي جمرة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب»([653]).


قال: "ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن ([654]).

القول التاسع: أن هذا الاختلاف من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها.

وهذا القول هو الراجح والأقرب والأظهر إن شاء الله تعالى.

وقال بهذا القول جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.

قال الخطابي رحمه الله: إن هذا الخبر صحيح، وجملة ما فيه حق، وليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا صحته، وقد نرى أعداد ركعات الصلوات وأيام الصيام، ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم، وليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر توجب حصرها تحت هذه الأعداد دون ما هو أكثر منها، أو أقل، فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحًا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها.

وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة»([655])، وتفصيل هذا العدد وحصر النبوة به متعذر لا يمكن الوقوف عليه، وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من هدي الأنبياء وشمائلهم ومن جملة شيمهم وأخلاقهم فكذلك الأمر في الرؤيا أنه جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة([656]).


وقال ابن العربي رحمه الله: "القدر الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبين أن الرؤيا جزء من النبوة في الجملة لنا؛ لأنه اطلاع على الغيب، وذلك قوله: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات»([657]).

وتفصيل النسبة تختص به درجة النبوة إلى أن قال: "وأنا موعز إليكم إلا تتعرضوا لأعداد الشريعة فإنها ممتنعة عن إدراكها في متعلقاتها"([658]).

وبهذا قال المازري رحمه الله مبينًا أنه لا يلزم العلماء أن يعرفوا كل شيء جملة وتفصيلا وقد جعل الله سبحانه للعلماء حدا يقفون عنده، فمنها ما لا يعلمونه أصلا ومنها ما يعلمونه جملة ولا يعلمونه تفصيلاً وهذا منه ([659]).

وقال أبو زرعة العراقي رحمه الله: ولا يمكن إلغاء النسب بعد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، وغايته أن لا يصل علمنا إلى حقيقة ذلك، فنؤمن به، ونكل علمه إلى عالمه ([660]).

وقال القسطلاني رحمه الله: وقلما يصيب مؤوِّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها ([661]).

وقال التوريشتي رحمه الله: وأما وجه تحديد الأجزاء بسبعة وأربعين، فأرى ذلك مما يتجنب القول فيه، ويتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط، ولا يتعرض لها بالقياس ([662]).


وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: "وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءًا من الأمور التوقيفية التي لا نعلم حكمتها كأعداد الركعات والصلوات ([663]).

وقد بين للقارئ السبب الذي حمل أولئك ا لعلماء إلى تلك التفسيرات بأنه قد هالهم القول بأن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، فذهبوا إلى تلك التفسيرات التي ذكرتها سابقًا([664]).

والحاصل أن يقال أن هذه الأعداد من الأمور التي يعلمها العلماء جملة لا تفصيلا فإنه لم يحدث لأحد من العلماء أن اطلع على أجزاء النبوة، ثم قاس الرؤيا عليها، وعدد هذه الأجزاء جزءًا جزءًا.

ولا حرج على أحد أن يأخذ بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» فإن جزء النبوة لا يكون نبوة كما أن جزء الفاتحة لا يكون صلاة.

وخلاصة أسباب الترجيح ما يلي:

1- أن هذه الأعداد كأعداد الصلوات، والركعات، وأيام الصيام، ورمي الجمار، التي لا نعلم حكمتها.

2- أن هذه من الأمور التي يعلمها العلماء إجمالاً لا تفصيلاً.

3- أن علوم الأنبياء لا تقابل بالاستنباط والقياس.

مع أننا إذا ذكرنا بعض التعليلات، فما ذكره عالم الكتاب والسنة ابن جرير الطبري رحمه الله توجيه حسن وهو أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي.


المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة؟

الرؤيا الصادقة قد تقع من الكافر كما سبق تفصيل ذلك، والأحاديث التي ذكرتها في هذا البحث جاءت مقيدة ومطلقة فيمن أضيفت إليه الرؤيا.

فمرة جاءت مقيدة بالرؤيا من المؤمن، ومرة برؤيا المسلم، ومرة بالرؤيا الصالحة من الرجل الصالح.

وفي بعض الروايات أطلقت الرؤيا الصالحة فلم تقيد بكونها من المؤمن، أو غيره، وهذه الروايات قليلة، فهل تدخل رؤيا الكافر الصادقة في هذا الإطلاق فتنسب إلى أجزاء النبوة أو لا؟

والجواب أن لأهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة قولان:

القول الأول: يظهر من كلام ابن عبد البر رحمه الله أنه يرى العموم.

حيث قال في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يراها الرجل الصالح أو ترى له» قال: فظاهره أن لا تكون الرؤيا من النبوة جزءًا من ستة وأربعين، إلا على ذلك الشرط للرجل الصالح أو منه.

وفي حديث ابن عباس «يراها المسلم» ولم يقل صالحًا ولا طالحًا، وفي بعض ألفاظه، «يراها العبد» وهذا أوسع أيضًا.

وقوله: «أو ترى له» عمومه من الصالح وغيره والله أعلم ([665]).

ويرى رحمه الله أن الاختلاف في هذه القيود مثل الاختلاف في أجزاء النبوة حيث قال: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح»


وربما جاء في الحديث «الرؤيا الصالحة» فقط، وربما جاء في الحديث أيضًا «رؤيا المؤمن» فقط وربما جاء «يراها الرجل الصالح أو ترى له» يعني من صالح وغير صالح، وهي ألفاظ المحدثين، والله أعلم بها.

والمعنى عندي - أي ابن عبد البر - في ذلك على نحو ما ظهر لي في الأجزاء المختلفة من النبوة ([666]).

وسبق أنه يرى رحمه الله في اختلاف الأحاديث في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة أن ذلك على حسب ما يكون الذي يراها من صدق الحديث، وأداء الأمانة والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد ([667]).

فالذي يظهر من كلامه يرحمه الله أنه يرى أن ذلك ليس بعيدًا، وأن رؤيا غير الصالح قد تنسب إلى أجزاء النبوة، لكنها من أقصى الأجزاء الواردة في الأحاديث.

القول الثاني: يرى جماهير أهل العلم، أن رؤيا الكافر الصادقة لا تنسب إلى أجزاء النبوة.

واستدلوا بتقييد الرؤيا الصالحة بالرجل الصالح أو المسلم أو المؤمن، وأما الروايات التي جاءت مطلقة فتحمل على المقيد.

وقالوا: إن الصالح حاله هو الذي يناسب حال النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف الكافر([668]).


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «من الرجل الصالح» هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية، كقوله «رؤيا المؤمن» ولم يقيدها بكونها حسنة، ولا بأن رائيها صالح ([669]).

فإن قيل: قد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه، كرؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ورؤيا الفتيين في السجن.

وقد ترجم البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح،، بابًا بعنوان باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك ([670]).

فالجواب: أن الكافر والفاسق وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، بدليل أن الكاهن والمنجم قد يحدث أحدهم ويصدق ولكن على الندرة والقلة.

وكذلك رؤيا الكافر قد تصدق لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المختلفة الفاسدة ([671]).

وأما ترجمة البخاري في صحيحه بباب رؤيا أهل السجون، فقال المهلب رحمه الله: إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءًا من النبوة ([672]).


قال ابن حزم رحمه الله: وقد تصدق رؤيا الكافر ولا تكون حينئذ جزءًا من النبوة، ولا من المبشرات، ولكن إنذارًا له ولغيره ووعظًا ([673]).

وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله: وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد من أجزاء النبوة، وقيل تعد من أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلا([674]).

فالحاصل أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا كانت من مسلم صادق، ومن ثم جاءت مقيدة في أغلب الأحاديث، وما جاء في بعض ألفاظها من الإطلاق، فيحمل المطلق على المقيد، وبهذا الإطلاق تخرج رؤيا الكافر الصادقة.



 الباب الثاني: أقوال المخالفين في الرؤى ومناقشتهم

وفيه فصلان:

الفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم.

الفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم.



تمهيد

تقدم في الباب الأول حقيقة الرؤى وأقسامها عند أهل السنة والجماعة، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

والمسلم الحق يجب أن يكون وقافًا عند أمر الله تعالى لا يجاوزه ولا يقصر فيه، وكل انحراف عن أمر الله إنما هو نزعة من الشيطان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر، إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه.

وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه، حتى أخرجه عن كثير من شرائعه ([675]).

وقال ابن القيم رحمه الله: وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان:

إما إلى تفريط وإضاعة.

وإما إلى إفراط وغلو.

ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الكافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له،، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد ([676]).


فالإفراط والتفريط كلاهما تضييع لأمر الله وعدم تعظيم له، وقد حصل الإفراط والتفريط في الرؤى.

فمن الناس من أنكر جوانب من الرؤى، فأنكر الرؤيا الصادقة، كالماديين في عصرنا وفي كل عصر، كأتباع مدرسة التحليل النفسي.

وفي مقابل هؤلاء هناك من يعتمدون على الرؤى في حياتهم كأنها وحي, بل منهم من يجعلها حجة يستدل بها كما يستدل بالكتاب والسنة.

فهؤلاء وهؤلاء لهم في الرؤى تخرصات وتخبطات، وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان.

وسوف أعرض إن شاء الله، مذهب كل طائفة في الرؤى ثم أقوم بمناقشة آرائهم وذلك من خلال الفصلين التاليين.

الفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى، ومناقشتهم ويمثل هذا جانب التفريط والتقصير.

الفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى، والرد عليه ويمثل جانب الإفراط والغلو.


 الفصل الأول: نظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم

وفيه تمهيد ومبحثان:

تمهيد: تعريف علم النفس.

المبحث الأول: نظرية التحليل النفسي ومناقشتها.

المبحث الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية ومناقشتها.



تمهيد

تعريف علم النفس

وفيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريف علم النفس.

المسألة الثانية: نشأته وأطواره.

المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس.

المسألة الأولى: تعريف علم النفس

عرف بعضهم علم النفس بأنه: العلم الذي يدرس الحوادث النفسية؛ فكما أن علم الاجتماع يدرس حوادث المجتمع، فعلم النفس يدرس حوادث النفس من صور وأفكار وعواطف وميول.

وعرف آخرون علم النفس، بأنه دراسة السلوك البشري.

وقالوا إن مهمة العالم النفسي ليست سوى وصف أعمال الجنس البشري بصورة دقيقة.

ولكن إذا نظرنا إلى هذين التعريفين، وجدنا أن التعريف الأول فيه غموض, لأن الحوادث النفسية لا يمكن إدراكها في كثير من الأحيان.

والتعريف الثاني، تعريف ناقص, لأن الإنسان ليس مادة فقط، بل هو إنسان ذو مشاعر وعواطف وإحساسات داخلية وميول.

ولهذا جمع كثير من المتأخرين من علماء النفس بين التعريفين، وضموا الظواهر النفسية الداخلية إلى الظواهر السلوكية الخارجية، فقالوا في تعريف علم النفس بأنه:


العلم الذي يبحث في السلوك الإنساني وتوافقه مع البيئة ([677]). وعلماء النفس - برغم اختلاف اهتماماتهم - متفقون على أن السلوك هو محور وأساس دراساتهم، وأن موضوع علم النفس هو السلوك باعتباره محصلة تفاعل الفرد مع بيئته ([678]).

وأنواع السلوكيات في نظر علماء النفس التي تصدر عن الإنسان أثناء تفاعله مع البيئة وتوافقه معها كثيرة ومتعددة فمنها:

1- الإدراك: وهو العملية العقلية التي تتم بها معرفة العالم الخارجي عن طريق التنبيهات الحسية.

فقام علماء النفس بدراسة عملية الإدراك عند الإنسان، والأجهزة المختلفة التي بها تتم هذه العملية، والظروف المختلفة التي تؤثر فيها.

2- دوافع السلوك: سواء كانت فطرية كالجوع والعطش، أو مكتسبة كرغبة الإنسان في جمع المال.

فقام علماء النفس بدراسة الدوافع بأنواعها الفطرية والمكتسبة، وأثر هذه الدوافع في سلوك الأفراد، وفي تصرفاتهم المختلفة.

3- الانفعالات: فيهتم علماء النفس بدراسة انفعالات الإنسان الفطرية مثل الخوف والغضب والانفعالات المكتسبة، فيدرسون أثر هذه الانفعالات في حياة الناس وسلوكهم وأثرها في صحتهم.


4- النضج: فيدرس علماء النفس المراحل التي يمر بها الإنسان أثناء حياته من طفولة وشيخوخة، والعوامل التي تؤثر فيها.

5- التعلم: فيهتم علماء النفس بدراسة طبيعة التعلم، وطرقه، ومبادئه.

6- التذكر والنسيان: يهتم علماء النفس بدراسة العوامل التي تساعد الإنسان على التذكر، والعوامل التي تسبب النسيان.

7- التخيل والتفكر: يهتم علماء النفس بدراسة التخيل وعلاقته بوظائف الإنسان العقلية الأخرى مثل: الأحلام والإبداع والتفكير.

8- الشخصية: والمقصود العوامل التي تؤثر في تكوينها، وأسباب انحرافها وشذوذها وطرق علاجها.

9- الفروق الفردية: سواء كانت بدنية أو نفسية أو عقلية، فيدرس علماء النفس أسباب الفروق الفردية، وأثر كل من الوراثة والبيئة فيها ([679]).

فموضوع علم النفس هو السلوك الإنساني:

يقول الدكتور فائز الحاج: وبالرغم من احتفاظ هذا العلم باسم علم النفس فإن العلماء لا يعتبرون أنفسهم مهتمين بدراسة شيء منفصل عن الجسد، حتى لو كانت النفس موجودة فعلا، فإن عدم رؤيتهم لها يبعدها عن ميدان البحث العلمي، وذلك لأن العلماء يعجزون عن بحث أي شيء لا يقع تحت حسهم أو لا يمكن أن يؤتي به إلى ميدان الحس بواسطة اللغة، أو بواسطة بعض الآلات كالمجهر وآلة التصوير أو غيرها ([680]).


فينطلق علم النفس في جميع اتجاهاته من مبدأ أساس هو أن الإنسان في تكوينه النفسي يخضع لتكوينه العضوي المادي.

وهذا التصوير الخاطئ للإنسان أنتج نتائج خاطئة.

يقول الدكتور عبد الحميد الهاشمي: فالمشكلة الأساسية والمزمنة في الدراسات النفسية أنها لا تنظر للإنسان ككل في إطار واحد متكامل بجميع أبعاده التكوينية ومظاهره النفسية، وإنما كانت تركز في كل فترة زمنية من تاريخ علم النفس على جانب واحد فقط تسلط عليه أضواء البحث مهملة في ذات الوقت بقية الجوانب النفسية الأخرى.

كما أن بعض هذه التصورات المختلفة كانت لاختلاف ثقافات واتجاهات بعض العلماء النفسيين، فكان أحدهم مثلا يلمح نقطة يكتشفها في مجال النفس الإنسانية، فيقوم ويضع خريطة تخطيطية لجميع النفس الإنسانية من خلال تلك النقطة التي اكتشفها، ثم يدعي أن ذلك هو كل النفس الإنسانية، فكانت هناك تخطيطات وتصورات تختلف واحدتها عن الأخرى، ولا يمكن أن تكون كلها صحيحة، كما أن أحدها لا يكون بمفرده صحيحًا.

فالإنسان لديهم إما روح سامية وكفى، أو هو عقل مجرد، أو إحساس فقط، أو شعور سائد، أو لا شعور مهيمن، أو سلوك حركي ظاهري مادي.

فالمشكلة في الدراسات النفسية كانت ولا تزال في عدم الفهم الدقيق والعميق والشامل لجوانب التكوين في النفس الإنسانية، وفي عدم حفظ التوازن بين تلك الجوانب المتفاعلة في الحياة النفسية ([681]).


فكان من نتائج هذا التصور الناقص، نتائج منحرفة في الدراسات النفسية منها:

1- قصور الدراسات النفسية على جانب واحد فقط من جوانب النفس الإنسانية يختلف من عالم إلى آخر، مما جعل الصورة العامة لعلم النفس غامضة.

2- تركيز مطلق على الجانب الإدراكي العقلي وحده، وكأن الإنسان آلة حاسبة أو عقل آلي فقط.

3- اهتمام بالجانب المادي للنفس والدوافع والنشاط مع إهمال لبقية الجوانب الروحية والخلقية التي تمثل ركنًا هامًا في تكوين الشخصية وبناء النفس الإنسانية.

فكان من ذلك قلق نفسي مع عناء مادي ([682]).

المسألة الثانية: نشأة علم النفس وأطواره

علم النفس علم قديم من حيث محاولة فهم النفس الإنسانية، وما يعتريها من رضا أو غضب أو حزن، وهو حديث من حيث تحديد مفاهيمه واستخدامه لبعض الوسائل المعملية.

فيذكر المؤرخون لعلم النفس أن أول من خاض في النفس البشرية وأحوالها فلاسفة اليونان القدامى أمثال: أفلاطون وأرسطو.


ومن ثم نشأ علم النفس في أحضان الفلسفة، وكان الفلاسفة هم علماء النفس حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ([683]) حيث بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، عندما افتتح فونت معهدا في جامعة ليبرغ عام (1879م) فأعطى من خلال تجاربه لعلم النفس صفة العلم التجريبي ([684]).

وحاصل الأمر أن علم النفس مر بمراحل متعددة وهي:

المرحلة الأولى: الروح.

المرحلة الثانية: النفس.

المرحلة الثالثة: العقل.

المرحلة الرابعة: الشعور والإحساس.

المرحلة الخامسة: اللاشعور والعقل الباطن ([685]).

المرحلة السادسة: السلوك الظاهري.

حتى لقد عبر أحد علماء النفس وهو وودورث عن هذه التطورات لعلم النفس فقال: لقد فقد علم النفس روحه، ثم فقد عقله، ثم فقد حسه، ثم فقد شعوره، ثم فقد لا شعوره، ثم لم يبق منه إلا السلوك الظاهري ([686]).


ويقول الدكتور فائز الحاج: والواقع أن علم النفس لم يصبح علمًا إلا حين أصبح تجريبيًا وأول ما استعمل التجريب في علم النفس استعمل في تحليله الخبرة الشعورية ([687]).

المهم أنه في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي بدأ الانفصال الحقيقي بين الفلسفة وعلم النفس، وصار لعلم النفس دوائر مستقلة، ومختبرات وجمعيات، ومجلات خاصة، وأصبح له أخصائيون يشغل بعضهم في المختبرات لدراسة السلوك والإحساس والإدراك والتعلم والتذكر ووضع الجداول والمقاييس، وبعضهم يشتغل في العيادات لدراسة المرضى ومحاولة دراسة النفس البشرية والأحلام والرغبات.

ولما كان من الصعوبة إجراء التجارب على الإنسان، وتعذرها في بعض الأحيان، اتجه علماء النفس إلى الحيوانات لسهولة إجراء التجربة عليها.

فيقول الدكتور فائز الحاج: فإذا ذكرنا سهولة التجريب على الحيوان، قدرنا الخدمات التي أدتها وتؤديها دراسة الحيوان لدراسة الإنسان، وهكذا كان لعلم النفس الحيواني أثره في علم النفس الإنساني، كما كانت له خدماته([688]).

وكان من أوائل الذين أجروا التجارب على الحيوانات دارون وما نتائج تجاربه وأبحاثه بخافية على كل ذي عقل ([689]).


ولم يقف علم النفس عند هذا الحد، بل اتسع أكثر فأكثر، فاهتم بدراسة المرضى والعصبيين والمتخلفين، ونظرية فرويد التي سوف نتعرض لها بشيء من التفصيل كانت نتيجة تجاريه على هذه الطبقة من الناس.

وأيا كانت التجارب التي قام بها علماء النفس والنتائج التي توصلوا إليها فهي لا تعدو تجارب قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، طبقوا ما توصلوا إليه بعقولهم القاصرة على مجتمعات كافرة، تحكمها وتسيرها المادة والعقائد الباطلة.

وهذا الذي استقر عليه علم النفس هو الذي انتقل فيما بعد إلى الجامعات العربية والإسلامية.

يقول الدكتور محمد عثمان نجاتي: إن علم النفس الذي يدرس الآن في الجامعات العربية والإسلامية؛ إنما هو مستمد من الغرب، وهو يعتمد في وصفه للإنسان، وفي الحقائق التي يذكرها عنه علي نتائج البحوث التي أجريت، في الأغلب في مجتمعات غربية غير إسلامية، لها تصورها الخاص عن الإنسان، ولها فلسفتها الخاصة في الحياة، ولها ثقافتها ومعاييرها وقيمها الخاصة بها، ولا شك في أن لهذه العوامل تأثيرًا كبيرًا في توجيه الدراسات النفسية التي تجري في المجتمعات، في الأغلب، إلى دراسة موضوعات تتفق مع ما لديها من تصور عن طبيعة الإنسان، ورسالته في الحياة، وغايته منها، وما هو سائد فيها من ثقافة ومعايير وقيم وفلسفة للحياة وغايته منها، فاهتمام فرويد مثلا بالغريزة الجنسية في دراسته لأسباب الأمراض النفسية إنما يرجع في الأغلب إلى ثقافة العصر الذي عاش فيه.


ويلاحظ كذلك في المجتمعات الغربية التي غلبت عليها الاتجاهات المادية في الحياة، والتي ابتعدت عن الاهتمام بالنواحي الروحية الدينية، قد اتجهت فيها الدراسات النفسية إلى الموضوعات التي تتعلق بالنواحي المادية والاجتماعية من السلوك الإنساني، وأغفلت دراسة النواحي الروحية وتأثيرها في السلوك، ويلاحظ أيضًا أن علماء النفس المحدثين، تمشيًا مع الاتجاه المادي الذي يغلب على فلسفتهم في الحياة، يهملون دراسة أثر الدين والإيمان والنواحي الروحية في الصحة النفسية.

ويلاحظ كذلك أنهم في أساليبهم المختلفة في العلاج النفسي لا يهتمون بتصحيح الناحية الدينية في المريض النفسي.

يتضح من هذه الأمثلة القليلة التي ذكرتها سابقًا أن علم النفس الحديث الذي نشأ في البلاد الغربية غير الإسلامية، قد لا تتفق بعض مفاهيمه مع تصورنا الإسلامي للإنسان، ولذلك فنحن في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من هذه المفاهيم، ومناقشتها على ضوء التصور الإسلامي للإنسان وإدخال بعض ا لتعديلات أو التغييرات فيها بحيث تصبح متفقة، أو على الأقل غير متعارضة مع مفاهيمنا الإسلامية ([690]).

ويقول الأستاذ محمد قطب: إن العلوم البحتة والتجريبية التي تخضع خضوعًا كاملاً للتجربة المعملية يطرأ عليها التغيير والنقص والتبديل، وإلغاء معلومات كان ينظر إليها بالأمس على أنها حقائق نهائية، فإذا كان الأمر كذلك فأولى بنا إذا أن نكون أكثر احتراسًا ونحن نتلقى نظريات علم النفس، وينبغي ألا تأخذنا العزة بالإثم، فنقول إن كذا و كذا حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل والنقاش ([691]).

ولا تنكر تلك الجهود التي يقوم بها بعض علماء النفس من المسلمين، في إخراج علم نفس إسلامي، ولكن يؤخذ على بعض هؤلاء القصور في العلم الشرعي مما يجعلهم ينقلون كل ما عند علماء النفس الغربيين دون تمحيص، بل على أنه مسلمات مع أنه يحتوي في بعض جوانبه على أخطاء عقدية.

ويؤخذ أيضًا على هؤلاء الذين يحاولون تقريب علم النفس للإسلام، أنهم يستشهدون بأقوال الفارابي وابن سينا والغزالي على أنهم يمثلون الاتجاه الإسلامي مع أن هؤلاء لهم أقوال منكرة، وخاصة في أمور العقيدة، وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله آراءهم في كثير من كتبه.

لذلك فنصيحتي لعلماء النفس من المسلمين أن يأخذوا من المصدر الأصيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرق إليه شك، كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم الاستشهاد بأقوال وفهم العلماء الربانيين من سلف هذه الأمة الصالح، فهذا هو الطريق الصحيح لمن أراد إخراج علم نفس ينطلق من المنهج الشرعي.

المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس

اتضح لنا مما سبق أن علماء النفس قد ألزموا أنفسهم بدراسة الظواهر النفسية التي يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي، أما الظواهر النفسية والروحية التي لا يمكن ملاحظتها أو قياسها أو إخضاعها للبحث التجريبي فقد استبعدوها عن دائرة البحث في علم النفس.

فعلم النفس ينحو منحى ماديًا في تفسيره للمعرفة، فالمعرفة الحسية هي الأساس الذي يعتمد عليها علماء النفس، ولا يتعرضون في موضوع التعلم، واكتساب المعرفة إلى العلم الذي يحصل عليه الإنسان عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة ([692]).

وسبب هذا الانحراف في مفهوم المعرفة هو انحرافهم في الإيمان بالله عز وجل والإيمان بالوحي وما يتبعه من الرؤيا الصادقة، بل وإنكارهم أيضًا لتأثير الشياطين في الإنسان ([693]).

فإذا كانت الرؤى ثلاثة أقسام:

رؤيا من الله، رؤيا من الشيطان، ورؤيا من حديث النفس.

فإن علماء النفس في نظرياتهم للرؤى استبعدوا القسمين الأولين، وانحصرت بحوثهم وتجاربهم ونظرياتهم في القسم الثالث: وأما القسمان الأولان فلهم فيهما تفسيرات مادية ([694]).


وقد قدم علم النفس عدة نظريات لتفسير الرؤى والأحلام، وكلها تدور حول أحاديث النفس في النوم، والاختلاف بين هذه النظريات هو في تفسير أسباب هذه الأحلام، ولهم في ذلك تفسيران.

الأول: أحلام نفسية، بمعنى أن هذه الأحلام صور وأفكار تداعى بعضها وراء بعض، دون اتصال بمؤثر حسي إطلاقًا فهي تشبه خواطر اليقظة وتستمد وجودها من ذكريات الماضي وتجاربه.

الثاني: أحلام حسية بمعنى أن الأحلام تتضمن صورًا عقلية أدت إليها مؤثرات موجودة بالفعل تقع على الحس الظاهر، أو الباطن عند النائم، ولكن النائم أدركها على غير وجهها.

ولكل نوع أنصاره ومؤيدوه، وإن جمع جمهرة من علماء النفس بين الاتجاهين ([695]).

وسوف أناقش إن شاء الله نظرية واحدة لكل اتجاه، وبقية النظريات التي قدمها علماء النفس تدور حول هذه التفسيرات، والرد عليها ومناقشتها، يقال فيه ما يقال في كل نظرية من هذه النظريات.

ففي الاتجاه الأول: نظرية التحليل النفسي.

والاتجاه الثاني: نظرية التنبيهات الخارجية.


المبحث الأول

 نظرية التحليل النفسي، ومناقشتها

وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي

مؤسس هذه النظرية هو سيجموند فرويد([696])، وقد كان لنظرياته في علم النفس أثر خطير، لم يقف عند حد المباحث النفسية والتربية والتعليم، بل تعداها إلى كثير من نواحي النشاط الإنساني.

وخلاصة نظريته في الرؤى والأحلام - والتي هي جزء من نظريته العامة([697]) يرى أن الأحلام والرؤى لا تتنبأ بالمستقبل، فهو ينكر الرؤيا الصادقة، بل يرى أن جميع الرؤى تكشف عن صراعات جنسية مكبوته.

وقد أجرى تجاربه هذه على الشواذ، وبين أن عذره في ذلك هو عدم استطاعته تفسير أحلام الأصحاء، وعلى هذا أجري ملاحظاته في ظروف تفتقر


إلى عوامل الضبط، بل على أناس مرضى دون محاولة التيقن من صحة ما توصل إليه ([698]).

وقد أثرت هذه النظرية أثرًا كبيرًا في علم النفس وخاصة في الطب النفسي.

على أن هناك من رواد هذه النظرية وبعضهم من تلاميذ فرويد، لم يوافقوه في كثير من تحليلاته.

فيرى أدلر ([699]) وهو من المعاصرين لفرويد وكذلك يونج ([700]) أن الجنس وحده ليس هو كل شيء، فأكد أهمية جميع الدوافع والغرائز الأخرى ([701]).


وعلى هذا فوجهات نظر علماء التحليل النفسي بشأن الرؤى والأحلام، أن منهم من يعزو الأحلام إلى دوافع جنسية، وهذا رأي مؤسس النظرية، ومنهم من يعزوها إلى دوافع أخرى، وجميعهم ينكر الرؤيا الصادقة والرؤيا التي من الشيطان.

المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية

هذه النظرية باطلة من وجوه متعددة في أساس نظرتها للإنسان، وفي إغفالها لجوانب متعددة من الرؤى.

يقول الأستاذ محمد قطب: النقد الأول: الذي ينبغي أن يوجه إلى هذه النظرية، هو في أساس نظرتها إلى الإنسان على أنه كائن أرضي بحت، لا يرتفع بمشاعره، وعواطفه عن العالم الأرضي إلا في حالات الشذوذ ([702]).

وهذا أول ما يعاب عليه من تحقير الإنسان وتصويره على أنه مجموعة من الغرائز والشهوات، وسبب هذه النظرة المادية للإنسان هو ما أشار إليه الأستاذ محمد قطب من أن فرويد قد تأثر بدارون في نظرته الحيوانية المادية للإنسان ([703]).

يقول الأستاذ محمد قطب أيضًا: تبين لي بعد كتابة هذا الكتاب - يعني كتاب الإنسان بين المادية والإسلام - بسنوات أن المسألة لم تكن مجرد تأثر علمي بدارون، وإنما كان استغلالا مقصودًا لنظريته، من أجل إفساد البشرية([704]).

والنقد الثاني: الذي يوجه إلى هذه النظرية أنها تجعل الرؤى نوعًا واحدًا فقط، وهذا يعني أنها تغفل جوانب أخرى للرؤيا دلت الأدلة الشرعية على إثباتها، وهي الرؤيا الصادقة، والرؤيا التي تكون من تهاويل الشيطان.

وسبب هذه النظرية القاصرة هو عدم إيمانهم بالمغيبات وتأثير الشيطان في الإنسان، وعدم إيمانهم بالروح.

يقول الأستاذ محمد قطب مناقشًا هذه النظرية وزعيمها فرويد اليهودي: فهو يذهب إلى أبعد مدى في نظريته في تفسير الأحلام، فينكر كل حقيقة خارجة عن نطاق الأرض، بل عن نطاق الإنسان ذاته في حيز المحدود، فهو ينفي نفيًا تامًا ما نسميه الأحلام التنبئية, لأنها قائمة على أساس الروح، وعلى أساس صلة هذه الروح بالعالم الأكبر، وبالغيب المجهول.

ثم يواصل الأستـاذ محمد قطب مناقشته لهذه النظرية قائلا:

فما من شك في أن الجمهرة الغالبة من أحلام الناس، هي تنفس عن أشياء مكبوته، أو تعبير عن رغبة منتهاه، كما يفسرها فرويد بحق، وتبقى بعد ذلك قلة ضئيلة من الأحلام لا يمكن أن تفسر على هذا الأساس، ولا يمكن بغير تمحل ولا التواء أن تفسر إلا على أساس الاعتراف بصلة ما خفية دقيقة بين هذا الكائن البشري والكون الكبير والغيب المجهول.

وهناك حقيقتان أساسيتان في هذا المجال:

الأولى: أن قلة عدد هذه الأحلام لا ينفي وجودها، ولا يبرر إسقاطها من الحساب، فلم يقل أشد الروحانيين روحانية، إن كل أحلام الناس تنبئية، بل قالوا: إنها القلة التي يراها الإنسان وهو صافي الروح، ولكن واحدًا منها يكفي لإثبات هذه الحقيقة النفسية الفذة، فكيف وهي ليست واحدة فقط، بل مئات وألوف يشهد بهذا الواقع الشخصي لكثير من الناس.

والحقيقة الثانية: هي أن عدم وصول العلم حتى اليوم إلى تفسير هذه الصلة الخفية الدقيقة التي تربط الإنسان بالكون الكبير والغيب المجهول، لا تعني حتمًا هذه الصلة غير موجودة، وكل ما تعنيه أن العلم لم يصل إليها بعد.

ليس إصرار فرويد إذن على نفي العامل الروحي من حياة البشرية مستندًا إلى واقع علمي ثابت، وإنما هو تفسير ناشئ من تأثرات خاصة لا شأن للعلم بها، وليس فرضًا علينا نحن المسلمين خاصة، أن نؤمن بها، ونتلقفها على أنها آيات من التنـزيل ([705]).


المبحث الثاني

 نظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشتها

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية

يرى بعض علماء النفس أن الرؤى والأحلام تنشأ عن تنبيهات حسية خارجية ويتوقف مضمون الحلم على طبيعة هذه التنبيهات فقالوا: بأن الحواس لا تتعطل عن أداء وظيفتها أثناء النوم، فالعين عندهم فيها إحساسات بصرية باطنية، وقالوا: يشهد لهذا قدرة العين على التمييز بين النور والظلام أثناء النوم، ومن هذه الاحساسات ينشأ الكثير من أحلامنا. فإذا أضاءت أمام النائم شمعة فجأة تحول الضوء في حلمه إلى حريق، يتبعه صراخ وعويل، يعقبه إقبال رجال المطافئ، يليه رجال الإسعاف إلخ.

وما قيل في العين ينسحب على الأذن واللمس لأن لها إحساسات باطنية.

وبعضهم قال: إن الأحلام قد تكون نتيجة لمؤثرات بدنية عضوية في الباطن فقالوا: إن الإنسان لا يكاد يشعر بأعضاء جسمه الداخلية، متى كان سليمًا معافى، ففسروا الأحلام المزعجة نتيجة لأمراض داخلية.

وهكذا صور بعض علماء النفس أثر المؤثرات الحسية الظاهرة والباطنة التي تصاحب النوم في تكوين الأحلام وتشكيلها ([706]).


المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية

تناقش هذه النظرية بما ناقشنا به النظرية السابقة بما يلي:

أولاً: النظرة القاصرة للإنسان، وأنه عبارة عن جانب مادي فقط، والتنكر للجانب الروحي فيه، وهذا ما جعلهم يتخبطون تخبطًا عشوائيًا.

ثانيًا: قصورها على نوع واحد من الرؤى، وإغفالها لجوانب متعددة من الرؤى دلت الأدلة الشرعية عليها.

ثالثًا: أننا لا ننكر أن بعض الرؤى قد تكون كما جاء في الحديث، أنها أحاديث نفس، لكننا لا نسلم بهذه التفسيرات التي لا دليل عليها، وهذا حكم بغير برهان، وهل كل الرؤى التي يراها الإنسان تأتي نتيجة لهذه الأسباب، فلا شك أن القول بهذه النظرية وحصر الأحلام في هذه الأسباب قول باطل.

رابعًا: تنكرها للجانب الغيبي وما يتعلق بالرؤيا من الله، والرؤيا من الشيطان.

والحق يقال إن ثمة تخبطًا في الآراء التي قدمها علماء النفس، بل والحيرة التي يدورون فيها، فجاءت تفسيراتهم قاصرة، بل وبعضها غير مقبولة شرعًا وعقلاً وحسًا، ولا يخفي أن كثيرًا من معارف علم النفس إن هي إلا مجموعة أفكار ظنية.

ولا عجب فهي أفكار قوم لم يستنيروا بالكتاب والسنة، فضلوا في هذا الباب كما ضلوا في غيره.


 الفصل الثاني: مذهب الصوفية في الرؤى والرد عليهم

وفيه تمهيد ومبحثان:

تمهيد: تعريف علم الصوفية

المبحث الأول: مذهب الصوفية في الرؤى.

المبحث الثاني: الرد على شبهاتهم في الرؤى.



تمهيد

تعريف الصوفية

وفيه خمس مسائل:

المسألة الأولى: أصل التسمية.

المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا.

المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره.

المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية.

المسألة الخامسة: كيفية اكتساب هذه المعرفة الصوفية.

المسألة الأولى: أصل التسمية

عند التأمل في أقوال العلماء نجد أنهم يختلفون في المعنى الذي نسب إليه الصوفية أنفسهم، حتى الصوفية أنفسهم يختلفون في ذلك، وأهم هذه الأقوال([707]).

( أ ) قيل إنهم ينتسبون إلى رجل يقال له صوفه واسمه: الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، كان قد انقطع للعبادة في المسجد الحرام فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه([708]).


ومال إلى هذا القول الإمام ابن الجوزي رحمه الله فإنه حكاه أولا، وحكى بعده أقوالا عديدة ثم قال: "والصحيح الأول" ([709]).

لكن ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، حيث قال: "وهذا وإن كان موافقًا للنسب من جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا، لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك.

ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى([710]).

ب- قيل: إنهم منسوبون إلى أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بينهم وبين الصوفية من التشابه في الانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة.

لكن هذه النسبة غير صحيحة من جهة اللغة, لأنه لو نسبوا إلى أهل الصفة لقيل صفي([711]).

كما أنها غير صحيحة من الناحية الشرعية، فأهل الصفة أغلبهم من الصحابة الذين لم يكونوا قاعدين عن العمل وإنما كانوا ضيوفًا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وإن لم يتمكن بعضهم من الكسب والزواج، ثم الزهاد الأولون في القرن الأول لم يطلق عليهم اسم متصوف، والمتصوفة سموا بذلك بعد ما ظهرت البدع ([712]).


ج- وقيل إنها مأخوذة من الصفاء، والمعنى هنا صفاء القلب والروح والخلق، وصفاء السلوك العام فهم يزعمون أن الصوفية أكثر الناس صفاء ([713]).

ومال إلى هذا القول أبو نعيم الأصبهاني ([714]) حيث قال مرجحًا بعد ذكر الخلاف اشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات: من الصفاء والوفاء([715]).

وفي ذلك يقول أبو الفتح البستي ([716]).

تنازع الناس في الصوفي واختلفوا

فيه وظنوه مشتقًا من الصوف

ولست أمنح هذا الاسم غير فتى

صافى فصوفي حتى سمي الصوفي([717])

    ولكن رد القشيري([718]) هذا الرأي بقوله: "ومن قال: إنه من الصفاء، فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة ([719]).

(د) قيل: إنهم منسوبون إلى الصف المقدم بين يدي الله عز وجل، بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم عليه ([720]).

لكن هذه النسبة غير مستقيمة من جهة اللغة فإنهم لو نسبوا إلى الصف لقيل صفي ([721]).

(هـ) وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله، وهذا غير مستقيم أيضًا من جهة اللغة لأنه لو كان كذلك لقيل صفوي ([722]).

ويلزم منه أيضًا تفضيل الصوفية على ملائكته، ورسله، وأكابر الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين الذين لم ينتسبوا إلى الصوفية.

و- ذكر البيروني ([723]) أنهم ينتسبون إلى الصوفية الحكماء، القائلين بالوحدة، وأن الصوفية أول من تكلم بالوحدة في الإسلام فسموا باسمهم([724]) .


وهذا يدل على أن التصوف ديانة وثنية قديمة قبل الإسلام ([725]).

(ز) وقيل إنه نسبة إلى لبس الصوف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومال إليه ابن خلدون ([726]) في مقدمته، بل ورجحه كثير من المؤلفين الأوائل من المتصوفة كالسراج الطوسي ([727]) وغيره وقالوا بأنهم نسبوا إلى الصوف لعدة اعتبارات منها:

1- لأن شعارهم في اللباس الصوف، وهذا غالبًا.

2- ولأن الصوف يدل على الزهد والورع والتنسك، وهذا عند المتقدمين من الصوفية.

3- ولأنه موافق للغة ([728]).

وبهذا يكون هذا التعريف هو الأقرب في الدلالة اللغوية والمعنوية.


وهذا الاختلاف في أصل لفظة التصوف واشتقاقها اضطر القشيري إلى أن يقول: وليس لهذا الاسم؛ من حيث العربية قياس، ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب ([729]).

وهذا معناه أن الصوفية يوصدون الباب حتى أمام من يسألهم عن معنى اسمهم! !

المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا

كما اختلف في أصل التصوف واشتقاقه، اختلف في تعريفه، وسبب هذا ما مر به التصوف من مراحل وتغيرات، حيث كان في أوله زهدا في الدنيا وانقطاعا لعبادة الله عز وجل، ثم صار حركات ومظاهر خالية من العبادة، ثم صار إلحادًا وخروجا عن دين الله, ولهذا تعددت الأقوال في تعريف التصوف حتى أوصلها بعضهم إلي الألفين ([730]).

فالمتقدمون من الصوفية يعرفون التصوف بتعاريف تدور حول تجريد العمل لله والزهد في الدنيا وترك الشهوة والميل إلى التواضع والخمول ([731]).


أما بقية المراحل للتصوف فلا أستطيع أن أعطي لها تعريفًا عامًا ,لأنه في كل مرحلة من مراحله كان له معنى. فمن الزهد والانقطاع عن الدنيا إلى نوع اللباس والأوراد والأذكار والسماع والبدع، ثم بعد ذلك كان إلحادًا وخروجًا عن دين الله.

كما يقول أحد كبار الصوفية وهو الواسطي ([732]) كان للقوم إشارات ثم صارت حركات، ثم لم يبق إلا الحسرات ([733]).

والحاصل أن التصوف يختلف تعريفه بحسب المرحلة التاريخية التي مر بها، وحاصل أمره أن مصطلح الصوفية لم يرد لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل هو مصطلح في جملته علامة على الباطل والبدع والخرافات.

المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره

اختلف العلماء في نشأة التصوف، كما اختلفوا في أصله وتعريفه، فقال ابن خلدون: إن نشأته كانت في القرن الثاني عندما أقبل الناس على الدنيا، وانصرف أناس للزهد والعبادة فسموا بالصوفية ([734]).

وذهب إلى هذا ابن الجوزي رحمه الله ([735]) وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن نشأة التصوف كانت في أوائل القرن الثاني، وأنه لم يكن مشهورًا إلا بعد القرن الثالث ([736]).


والصوفية أنفسهم مختلفون في نشأة التصوف وظهوره، فيرى أبو نصر السراج الطوسي أن أول نشأة التصوف كانت في الجاهلية قبل الإسلام ([737])، بينما يقول القشيري أن هذا الاسم اشتهر قبل المائتين من الهجرة ([738]).

وسبق الإشارة إلى قول البيروني أن أصل التصوف ديانة قديمة معروفة لدى الهنود واليونان القدماء، جاءت وتغلغلت في الإسلام باسم الزنادقة فالزنادقة هم الذين أدخلوها في الإسلام باسم التصوف وباسم الزهد والتعبد، وقد ربط البيروني بين أقوال الصوفية وأقوال النصارى ([739]).

وقال بعض العلماء إن أول من أسس التصوف هم الشيعة ([740]).

وحاصل الأقوال أن الجميع متفقون على حداثة الاسم، وعدم وجوده في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والسلف الصالح.

وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الأطوار التي مر بها التصوف، وحاصلها.

الطور الأول: نزعة الزهد والورع والمبالغة في ذلك مع فقه في الدين، وهذا الطور كان من نهاية القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني.

وهذه المظاهر وجدت عند بعض التابعين، لكن لم يكن يصحبها شيء من الانحراف، لا في العقائد ولا في السلوك، إنما كان تشديدًا على النفس.

وحينما نتذكر هذا الطور، لا نقول بأنه الأصل في التصوف، لكن المتصوفة اتخذوه تكأة وزعموا أن منهم الصحابة والتابعين، لأنهم أخذوا أمثلة من التابعين ممن كانوا يشددون على أنفسهم وزعموا أنهم قدوة لهم، وهناك بعض نزعات السلوك عند بعض التابعين أظهرها الصوفية بشكل أكبر مثل شدة البكاء، والصعق عند سماع القرآن، وهذه اتكأ عليها الصوفية واتخذوها مسلكًا وطريقة.

ولذلك أرخ كثير من المؤرخين للتصوف بهذه المرحلة، وهذا خطأ، لأن المتصوفة الذين بدؤوا التصوف البدعي انتسبوا إلى زهاد التابعين وليسوا امتدادا لهم.

فينبغي عندما نؤرخ للصوفية أن نستبعد جميع الزهاد في القرن الأول الهجري.

الطور الثاني: ظهور النزعات الفردية، وتاريخ هذا الطور من منتصف القرن الثاني إلى القرن الثالث.

فظهر قوم يتعبدون بأذواقهم وأهوائهم دون استناد إلى أصول شرعية.

الطور الثالث: تحول الصوفية إلى اتجاهات وطرق، وبداية ظهور المؤثرات الخارجية من اليهودية والنصرانية والمجوس والديانات الهندية وغيرها.

وهذه مرحلة الغموض والمصطلحات، وكانت هي الطريقة إلى الخروج إلى عالم الإلحاد وهذا الطور في القرن الرابع.

الطور الرابع: ظهور التصوف الغالي، وامتزاج التصوف بالباطنيين، وهذا الطور الذي استقرت الصوفية بدأ تقريبًا من منتصف القرن الرابع، فبدأت الطرق والمشيخة، وامتزاج الصوفية بالإلحاد والحلول ووحدة الوجود وبهذا صارت الصوفية مسالك شتى لا ينظمها عقيدة واحدة ولا اتجاه واحد لا في العبادة ولا في السلوك، وإنما يجمعها وصف الطريقة ([741]).

المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية

من أهم القضايا التي تميز أهل السنة و الجماعة عن الصوفية هي مصدر التلقي والمعرفة.

فالصوفية لا يلقون من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل إن استدلوا بالكتاب والسنة أولوا معانيهما إلى معان باطلة يزعمون أنها الحق.

وقالوا: إن للشريعة ظاهرا وباطنا علم الشريعة وعلم الحقيقة ولأنهم يعتقدون أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، كان من أئمة الصوفية أناس عوام لا يعرفون الكتاب والسنة ([742]).

فالحاصل أن ما هم عليه من معتقدات، لم يأخذوها من الكتاب والسنة، بل زعموا أنهم استفادوا ذلك من العلم اللدني، أي من الله مباشرة أي العلم الإلهي كما يدعون.

وحاصل مصادر المعرفة عندهم أكثر من أربعة عشر مصدرًا، من أشهرها


1- رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة، والاستمداد منه.

2- الالتقاء بالخضر والاستمداد منه: ومن ذلك الزعم بأنه حي.

3- الإلهام الذي يسمونه العلم اللدني وهو ما يحصل من العلوم في القلب من غير استدلال ولا نظر.

4- الفراسة، وهي تختص بمعرفة خواطر النفوس، وأحاديثها، وما يضمره المرء في قلبه، فالولي عندهم أعطي من النور ما يعرف به كوامن النفوس.

5- الهواتف: ومعناه سماع حكايات بواسطة الأذن، وقد يكون منامًا يسمع الصوت ولا يرى صاحبه.

6- الإسراءات والمعاريج: ويعنون بها عروج روح الولي إلى العالم العلوي، وإتيانها بشيء من أسرار الكون.

7- الكشف: ومعناه معرفة حقائق الوجود، بارتفاع الحجب الحسية عن القلب.

8- الرؤى والمنامات: وسوف يأتي تعريفها عند الصوفية.

9- الذوق، ويعنون به: نورًا يقذفه الله في قلوب الأولياء يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره.

10- الوجد: وهو ما يصادف القلب ويرد عليه بلا تكلف.

11- تلقي المريد عن الشيخ([743]):

ولهذا يقسم الصوفية المعرفة إلى مستويات مختلفة، ويجعلون ما هم عليه أعلى مستويات المعرفة.


فيقسم ابن عربي([744]) المعرفة إلى ثلاثة أصناف، كما يلي:

1- علم العقل: وهو كل علم يحصل بالضرورة أو عقب نظر في دليل.

2- علم الأحوال: ولا سبيل إليه إلا بالذوق وليس إلى إيجاده أو الإقامة على معرفته دليل.

3- علم الأسرار: وهو العلم الذي فوق أطوار العقل، وهو علم نفث روح القدس ويختص بالنبي أو الولي ([745]).

أما الغزالي ([746]) فيقسم المعرفة إلى ثلاثة أقسام:

1- المعرفة الحسية: هي المدركة بالحس بوسائله المختلفة عن طريق التجربة المشاهدة، وهي معرفة غير ثابتة وغير يقينية وبالتالي، فالثقة فيها باطلة؛ لأن حاكم العقل يكذبها.


2- المعرفة العقلية: وهي أيضًا معرفة غير ثابت وغير يقينية.

3- المعرفة الإشراقية: وهي نور يقذفه الله في الصدر، وهو مفتاح أكثر المعارف، وهذه المعرفة هي العلم اليقيني الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارفه إمكان الغلط والوهم، وهو طريق الصوفية([747]).

وهذا الطريق هو الذي اختاره الغزالي بقوله: وما ارتضيه آخرًا من طريق التصوف ([748]).

ويرون أن هذه المعرفة ثابتة يقينية لا يتطرق إليها الشك والغلط.

وأنها تؤخذ مباشرة من الله بلا واسطة ملك أو نبي، بل هو نور يقذفه الله في قلب من شاء ([749]).

ولهذا يقول الغزالي: سئل بعض العلماء عن علم الباطن ما هو؟ فقال: هو سر من أسرار الله يقذفه الله تعالى في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكًا ولا بشرًا.

ويقول كان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي صار جاهلاً إنما العالم الذي يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس ([750]).

ويقول ابن عربي: العلماء بالله لا يأخذون من العلوم إلا العلم الموهوب، وهو العلم اللدني، علم الخضر وأمثاله، وهو العلم الذي لا تعمل لهم فيه بخاطر أصلا حتى لا يشوبه شيء من كدورات الكسب ([751]).


وقال أيضًا: ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أن يجهل من يقول فهمني ربي، ويرى أنه أفضل منه، وأنه صاحب العلم، إذ يقول من هو أهل الله، إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية، أو يقول رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده, قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام وصحته يخاطب علماء الرسوم:

أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟

قالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.

وكان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا قيل له قال فلان عن فلان عن فلان يقول: ما نريد نأكل قديدًا هاتوا ائتوني بلحم طري، يرفع همم أصحابه، هذا قول فلان أي شيء قلت، أنت ما خصك الله به من عطاياه من علمه اللدني، أي حدثوا عن ربكم واتركوا فلانا وفلانًا، فإن أولئك أكلوه لحمًا طريًا والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد ([752]).

وهذا الكلام وأمثاله، وأيم الله إنه الذي أرداهم إلى الحضيض فضلوا الصراط المستقيم.

المسألة الخامسة: كيفية اكتساب المعرفة الصوفية

ما ذكروه من الباطل والهذيان في وسائل المعرفة عندهم أخذوا يبررون اكتسابهم لهذه المعرفة بباطل آخر.


فقالوا: إن العلم الذي له تعلق بالقراءة والكتابة هو من شأن علم العوام دون الخواص.

أما علمهم, فلا يمكن تعلمه ولا شرحه ولا الاستدلال عليه، وإما هي حالة يعيشها السالك فحسب، ومن أراد أن يصل إليها, فعليه أن يأخذ نفسه بآداب الطريقة وتعاليمها حتى يكون أهلا للعلم اللدني([753]).

ولهذا يذكر الغزالي أن القلب مستعد لأن تتجلى فيه حقيقة الحق ومعرفة علوم اللوح المحفوظ الذي نقش فيه جميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة، وإنما يحول دون القلب من الحجب ما يمنع تحقيق هذه المعرفة، لكن قد تهب رياح الألطاف فتكشف الحجب عن أعين القلوب، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ، ويكون ذلك تارة في المنام, فيعلم به ما يكون في المستقبل، وفي اليقظة، فيرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم، تارة كالبرق من الخاطف، وأخرى كالتوالي إلى حد ما، ودوامه غاية الندور.

ويدعي الغزالي أيضًا، أن الطرق إلى العلم اللدني لا يكون عن طريق تحصيل العلم، والنظر في المصنفات، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة بل عن طريق المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والاستعداد بالتصفية المجردة، وقطع الهمة عن الأهل والمال والد والوطن، وعن العلم والولاية والجاه، بل حتى يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية في خلوة ([754]).


وفي هذه الخلوة يقتصر السالك على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، غير مفرق فكره بقراءة القرآن !! ولا بالتأمل في تفسيره!! ولا بالنظر في كتب الحديث !! ولا غير ذلك بل يجتهد ألا يخطر بباله شيء سوى الله فلا يزال إلى حالة يترك فيها تحريك اللسان، ويرى كأن الكلمة تجري على لسانه ثم يمحي أثرها على اللسان، فيواظب على الذكر بقلبه حتى يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، حتى يبقى معنى الكلمة حاجزًا في قلبه ملازمًا له لا يفارقه فيصير متعرضًا لرحمة الله، منتظرًا ما يفتح الله به من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء ([755]).

فالحاصل أن علوم الصوفية تستفاد من غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل يرون أن الاشتغال بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يتعارض مع مصالح الناس.

ولا شك أن من اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله لا يحتاج فيه إلى كتاب الله ولا إلى هدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر زنديق.

وبذلك يتبين أن الخلاف بيننا وبين الصوفية ليس خلاف المولد وكيفية الذكر وأنواع الأوراد والتوسل الذي أطالوا وأطنبوا فيه، وليس في تعريف البدعة بل الخلاف بيننا وبين دين الصوفية، خلاف بين الإسلام وبين ديانة وثنية فلسفية خلاف في الربوبية والألوهية؛ ولهذا يجعلون هناك من يتصرف في الكون من دون الله، لمن يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك أكبر، ولم يكتفوا بصرف الألوهية لهؤلاء، بل صرفوها للزنادقة والدجالين وللكهان.


ولهذا يقولون في حلق الذكر عندهم. عبد القادر يا جيلاني ([756]) يا مصرف الأكوان نعوذ بالله من شركهم، فإذا كان هذا الجيلاني متصرف في الأكوان فماذا بقي لله سبحانه؟ !

بل يذكرون أن منهم من يخاطب الله ويراه في الدنيا ويأخذ عنه الحلال والحرام.

لذلك فإن معرفة منهج الصوفية في المعرفة هو من أهم الردود عليهم، ولهذا فصلت في ذلك ليكون منطلقا للرد عليهم في غلوهم في الرؤى.


المبحث الأول

 مذهب الصوفية في الرؤى

وفيه أربع مسائل:

المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا.

المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية.

المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى.

المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة.

المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا

هو شبيه بتعريف الفلاسفة الذي ذكرته سابقًا، فلهم في الرؤيا تعاريف متعددة بحسب مراتبهم في الضلال والانحراف، ومن تعاريف المنحرفين منهم ما يلي:

منهم من يعرفها بأن النفس من عالم المجردات ([757]) والمعقولات، فهي تستطيع أن تدرك المدركات المجردة التي تكون من جنسها إذا لم يشغلها شاغل من علائق البدن، فإذا قويت بالفضائل الروحانية، وضعف سلطان القوى البدنية، اتصلت النفس بأبيها المقدس وبالنفوس الفلكية، وتلقت عنها المغيبات في نومها، كما يقع لها في يقظتها ([758]).


ومنهم من يرى أن تلك الصور تقع في القلب من اللوح المحفوظ في حالة النوم كما تقع الصورة من مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما ([759]).

وذهب القائلون بوحدة الوجود من الصوفية إلى أن الرؤيا لا تهبط من خارج وإنما تصدر من باطن النفس، فالوجود حقيقة واحدة عندهم ([760]).

المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية

الرؤى والمنامات مصدر مهم عند الصوفية للمعرفة والتلقي بل هي مصدر يقيني لا يتطرق إليه الشك أو الغلط ([761])، فهم يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة ويستندون عليها في ترويج ضلالاتهم ومعرفة الحلال والحرام عندهم وتفسير آيات القرآن الكريم وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.

وأكثر ما يصرحون بالتلقي عنه منامًا الله سبحانه وتعالى أو النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من شيوخهم ومريديهم أو من الصحابة الكرام، أو غيرهم.

ومن قرأ كتبهم المعتمدة عندهم تبين له ما نسجوه من قصص وحكايات في شأن المنامات وأهميتها عندهم كمصدر مهم للمعرفة والتلقي.


ومن دلائل عنايتهم بالمنامات: أنهم عقدوا لها أبوابًا في مصنفاتهم، كالقشيري في رسالته ([762]) والكلاباذي ([763]) في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف ([764])، والدباغ في كتابه الإبريز ([765])، وغيرها، وساقوا تحتها جملة من الحكايات والمنامات.

ومما جاء من عباراتهم في العمل بالرؤى والمنامات، قول أحمد بن إدريس: من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد رآه حقًا وإن كان على غير صورته، وإذا أمره أو نهاه عن نهي، فإن كان في الصورة المنعوت بها - صلى الله عليه وسلم - فما أمره به في النوم كأمره في اليقظة، وأنه يتبع، وكذلك ما نهى عنه..([766]).

وقال ابن عربي: "المبشرات، وهي جزء من أجزاء النبوة فإما أن تكون من الله إليه، أو من الله على يدي بعض عباده إليه، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم، أو ترى له، فإن جاءته من الله في رؤيا على يدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان حكمًا تعبد نفسه به ولا بد، بشرط أن يرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الصورة الجسدية التي كان عليها في الدنيا، كما نقل إليه من الوجه الذي صح عنده... إلى أن قال: لو رآه على صورته فيلزمه الأخذ به، ولا يلزم غيره ذلك..([767]).


وذكر الكلاباذي أن محمد بن علي الكتاني كانت عادته أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - منامًا ويسأله عن مسائل، فيجيبه فيها ([768]).

ومن الأدلة على اعتمادهم على الرؤى والمنامات أنهم وضعوا لها صيغًا وأدعية، وصلوات، نصوا على أنها من الأسباب الجالبة لتحصيل الرؤى المنامية، وغالبها تتعلق برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ذكر النبهاني في كتابه سعادة الدارين أربعين فائدة ما بين صلوات وأدعية ومجربات لتحصيل الرؤى المنامية ([769]) غالبهًا تتعلق برؤية النبي ص فمن ذلك:

من أراد أن يرى الله منامًا، أو النبي ص منامًا، أو يرى منزلته في الجنة، فليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ألف مرة بهذه الصيغة (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي) ([770]).

كما أن هذه الصيغة تفيد رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - منامًا والخضر عليه السلام وهي: «اللهم إني أسألك باسمك الأعظم، المكتوب من نور وجهك الأعلى! ! المؤبد الدائم، الباقي المخلد في قلب نبيك ورسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -»([771]).

وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال لي: قل عند النوم «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» خمسًا، ثم قل: «اللهم بحق محمد أرني محمدًا - صلى الله عليه وسلم - حالا ومالا فإذا قلتها عند النوم فإني آتيك ولا أتخلف عنك أصلا»([772]).


ومن المجربات أيضًا، كتابة اسمه تعالى الودود، في خرقة من حرير أبيض، ويكتب معه، محمد رسول الله، خمسًا وثلاثين مرة، والحمد لله، خمسًا وثلاثين مرة، بعد صلاة الجمعة، وإدامة النظر إلى هذه الكتابة كل يوم عند طلوع الشمس، مع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ([773]).

ومن أسباب احتجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الرائي منامًا، إخلال الأدب مع العلماء والأئمة وحضور مجالس الغيبة، واطلاع الناس على الأسرار الممنوعة للخواص ([774]).

ونحو ذلك من الحكايات والخرافات التي ينسجونها لترويج ضلالتهم، والتي يدرك بطلانها السذج من الناس، والله المستعان.

المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى

يستمد الصوفية عن الرؤى والمنامات أمورًا كثيرة، منها:

أولا: تصحيح عقائدهم الباطلة:

ومن أمثلة ذلك:

أن ابن عربي زعم أنه ألف كتابه الكفري فصوص الحكم بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام ([775]).


وأكثر كتبه تحريف لما أنزل الله في كتابه المنزلة، وعكس وضد لما قاله أنبياؤه ([776]).

وقال في هذا الكتاب: ولما مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان - صلى الله عليه وسلم - موضع اللبنة، وأنا خاتم الأولياء، فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرى الحائط موضع لبنتين واللبنة من ذهب وفضة، فيرى اللبنتين تنقص الحائط عنهما، وتكمل بهما لبنة الذهب ولبنة الفضة، فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تلك اللبنتين، فيكون خاتم النبيين والأولياء وتلك اللبنتين فيكمل الحائط ([777]).

ومن أمثلة ذلك:

قول أبي المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها فانذر لنفيسة([778]) الطاهرة ولو فلسًا، فإن حاجتك تقضي([779]).


وساق الحصني([780]) قصته عن رجل من أهل طرابلس كان في مركب قادمًا من الإسكندرية فهاج البحر وأشرف من في المركب على الهلاك، فقال لهم ذلك الرجل: استعينوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فعملوا، فنام رجل منهم مشهور بالصلاح، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول له: انج وابشروا بالسلامة ([781]).

ثانيًا: تصحيح أقوال الصوفية ورسومهم:

ومن أمثلة ذلك:

قول الجنيد ([782]): رأيت في المنام كأني واقف بين يدي الله تعالى، فقال لي: يا أبا القاسم، من أين لك هذا الكلام الذي تقول ، فقلت: لا أقول إلا حقا. فقال: صدقت.. ([783]).

وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: يا رسول الله إني متطفل في علم التصوف، فقال - صلى الله عليه وسلم -: اقرأ كلام القوم؛ فإن المتطفل على هذا العلم هو الولي، وأما العالم به فهو النجم الذي لا يدرك ([784]).


ومن أكاذيبهم ومن تلاعب الشيطان بهم ما زعموه من تأييد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكتاب الإحياء، وما ينسجونه من العقوبات لمن أنكر على كتبهم وعقائدهم.

فذكر اليافعي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فناوله كتاب الإحياء، فتصفحه ورقة ورقة من أوله إلى آخره ثم قال: والله إن هذا الشيء حسن، ثم ناوله الصديق ثم ناوله الفاروق فأثنيا عليه، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتجريد الفقيه علي بن حرزهم الذي أمر بإحراق كتاب الإحياء عن القميص وأن يضرب ويحد حد المفتري فجرد وضرب إلى آخر هذه الفرية ([785]).

ومن ذلك قول الساوي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه زي أهل التصوف، وقرأ عليه قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي، فأذن له في القراءة فقرأ عليه الكتاب([786]).

ثالثًا: تفسير بعض آي الكتاب العزيز:

قال ابن عربي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقلت: قوله تعالى: }يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ{ [النور: 35]: ما هذه الشجرة؟ فقال: كنى عن نفسه سبحانه، ولذلك نفى عنها الجهات، فإنه لا يتقيد بالجهات، والغرب والشرق: كناية عن الفرع والأصل؛ فهو الله، فالق المواد وأصلها، ولولا هو ما كانت المادة ([787]).

وزعم أبو الحسن الشاذلي ([788]) أنه علم معنى قوله تعالى: }وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{ [المدثر: 4] لرؤيا رآها ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له: يا علي، طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل دهر، فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله تعالى قد خلع عليك خمس خلع، خلعة المحبة وخلعة المعرفة، وخلعة التوحيد، وخلعة الإيمان، وخلعة الإسلام، ومن أحب الله هان عليه كل شيء، ومن عرف الله صغر في عينيه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئًا، ومن آمن بالله أمن من كل شيء، ومن أسلم لله لم يعصه، وإن عصاه يعتذر إليه، وإن اعتذر إليه قبل عذره.

قال الشاذلي بعد هذا القول: ففهمت عند ذلك تفسير قوله تعالى: }وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ{ ([789]).

رابعًا: التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها:

قال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن الحديث المشهور: «اذكروا الله حتى يقولوا مجنون». وفي صحيح ابن حبان: «أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون»([790]). فقال - صلى الله عليه وسلم -: صدق ابن حبان في روايته، وصدق راوي (اذكروا الله)؛ فإني قلتهما معا مرة قلت هذا وقلت هذا ([791]).

وقد يسألونه - صلى الله عليه وسلم - عما أشكل عليهم في معاني الأحاديث، كما قال أبو الحسن الشاذلي: سمعت الحديث الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنه ليغان ([792]) على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» ([793]) فأشكل عليَّ معناه، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول لي: يا مبارك، ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار([794]).

خامسًا: الأدعية والأذكار.

ومن أمثلة ذلك:

قال ابن عربي: رأيت في النوم كأن الله يناديني ويقول لي: يا عبدي إن أردت أن تكون عندي مقربًا مكرمًا فأكثر من قول: }رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ{ [الأعراف: 143].


كرر ذلك على مرات([795]).

وقال أبو بكر الكتاني: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقلت: يا رسول الله ادع الله لي ألا يميت قلبي. فقال: قل في كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت ([796]).

وزعم أبو المواهب الشاذلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: وما أحسن }إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{ [الكوثر: 1] لو كانت وردك بالليل، ويكون دعاؤك «اللهم فرج كربتنا اللهم أقل عثرتنا اللهم اغفر زلتنا». وتصلي عليَّ وتقول: }وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ [الصافات: 181، 182].

وادعى محمد صالح الجعفري الإدريسي أن من منة الله عليه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أجازه في المنام بالصلاة العظيمية؛ قال قلت له - صلى الله عليه وسلم -: أصلي عليك بهذه الصيغة، وكنت قد ختمتها وهو يسمعني، فقال لي بها وبغيرها، فاعتبرت هذه أعظم إجازة عندي دلت على فضل هذه الصيغة، وعلى فضل صاحبها([797]).

سادسًا: تعظيم مشايخهم وذكر الفضائل والمناقب لهم:

والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا؛ فكثير ممن كتبوا في تراجم الصوفية ذكروا في تراجم شيوخهم أنهم رأوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأثنى عليهم، وربما زعموا أيضًا رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنكاره على مخالفيهم؛ فمن ذلك:


زعم أبو الحسن الشاذلي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم، وقد باهى موسى وعيسى عليهما السلام بالإمام الغزالي، وقال: أفي أمتكما حبر كهذا؟ قالا: لا([798]).

وقال أبو المواهب الشاذلي: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، لا تدعني. فقال: لا ندعك حتى ترد على الكوثر وتشرب منه ([799]).

وقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: أنت تشفع لمائة ألف. قلت له: بم استوجبت ذلك يا رسول الله؟ قال: بإعطائك لي ثواب الصلاة علي ([800]).

وقال أيضًا: تفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فمي فقلت: يا رسول الله، ما فائدة هذا التفل؟ فقال: لا تتفل بعدها على مريض إلا ويبرأ ([801]).

وجاء في ترجمة أبي الحسن الهاملي أنه رأى في المنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر، فأمرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبلا رأس أبي الحسن، ففعلا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدور حوله وهو قائم، والفقيه قاعد!! وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول: أنا أحب هذا، أنا أحب هذا. حتى كاد أن يرتمي عليه ([802]).

وفي ترجمة أبي بكر محمد بن عمران أن أحد الناس رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: من قبَّل قدم الفقيه أبي بكر دخل الجنة ([803]).


وقال محمد بن عثمان الميرغني([804]): لما يسر الله لي الفتح بتفسير القرآن رأيت في تلك الليلة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في محفل من الرسل الكرام، وهو يقول: الأنبياء كلهم نقطة من نوري، والأولياء من نورك يا خثم. ثم قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا ابني، ما قام بأمر الله في المؤمنين أحد بعدي مثلك، شكر الله سعيك. فقلت: كيف يا رسول الله؟ قال: تعبت في باقي المؤمنين ونصحتهم، ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك. فقلت له: أرضاك ذلك؟ فقال: أرضاني، وأرضى الله من فوق سبع سمواته وعرشه وحجبه ! ! ثم نادى: يا رضوان عمِّر جنانا ومساكن لابني محمد بن عثمان وأتباعه وصحبه، وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة. وقال: يا مالك. فَحَضر. قال: عمِّر في النار مواضع ومساكن لأعداء ابني محمد بن عثمان([805]).

وزعم أحمد الرفاعي أن الله خاطبه في المنام بقوله: ما تريد يا أحمد؟ فقال: أريد ما تريده. قال الله: لك المراد، ولك أعطي كل يوم مائة حاجة مقضية([806]).

وزعم علي بن وهب السنجاري أنه رأى الله في المنام فقال له: يا عبدي قد جعلتك من صوفتي في أرضي وأيَّدتك في جميع أقوالك بروح مني، وأقمتك رحمة لخلقي، فاخرج إليهم واحكم فيهم بما علمتك من حكمي وأظهر لهم بما أيدتك به من آيتي([807]).

سابعًا: ومن الأشياء المستمدة من الرؤى عند الصوفية الأحكام الشرعية ومعرفة الراجح من مسائل الخلاف:

زعم ابن عربي أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - منامًا فسأله عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق ثلاثًا. ولم يكن طلقها، هل هي ثلاث كما قال، أو ترجع إلى واحدة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: هي ثلاث كما قال. قال ابن عربي: قلت: فقد حكم بعض العلماء بأنها ترجع إلى واحدة، فقال: أولئك حكموا بما وصل إليهم وأصابوا. فقلت: يا رسول الله ما أريد في هذه المسألة إلا ما تدين الله أنت به. فقال - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث كما قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره([808]).

وقال أيضًا: رأيت وأنا بمكة سنة تسع وتسعين وخمس مائة في النوم أبا بكر الصديق رضي الله عنه فسألته: أين حد المسجد الحرام الذي تكون الصلاة فيه بمائة ألف، هل هو الحرم كله، أو المسجد المعروف وحده؟ فقال: لا أقول هو الحرم كله، ولا أقول هو المسجد وحده؛ ولكني أقول: كل موضع في الحرم توقع الصلاة فيه فهو مسجد، وهو في الحرم، فهو في المسجد الحرام، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، هكذا هو عندنا ثم استيقظت ([809]).


وقال أحمد التجاني([810]): كنت أحرج وأشدد غاية في الماء المتغير من أثر الوضوء، بل ولا أتوضأ منه، حتى رأيته - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ في إناء، وكان الماء متغيرًا من أثر الوضوء، فقال لي: أنا محمد رسول الله فمن ذلك تركت التحرج([811]).

المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة

يستدل بعض الصوفية في احتجاجهم بالرؤى ببعض الأدلة، والتي يوجهونها ويلوون أعناقهم لتصحيح ما هم عليه من باطل؛ فمن ذلك ([812]):

أولا: قالوا: إن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل.

ثانيًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي»([813]) وإذا كان كذلك فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة؛ لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.


ثالثًا: من جملة ما استدل به ابن عربي على جواز العمل بالمنامات ما أورده الإمام مسلم في مقدمة كتابه الصحيح بسنده عن علي بن مسهر([814]) قال: سمعت أنا وحمزة الزيات([815]) من أبان بن أبي عياش([816]) نحوًا من ألف حديث قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فعرض ما سمع من أبان، فما عرف منها إلا شيئًا يسيرًا خمسة أو ستة ([817]).


المبحث الثاني

 الرَّدُّ على شبهاتهم

تبيَّن في المبحث السابق أن الرؤى والمنامات مصدر تلق عند الصوفية، وهذا المصدر عندهم لا يتطرق إليه شك؛ بل هو من الأمور اليقينية، والعقائد الراسخة، وتبين كيف أنهم بنوا عليه كثيرًا من عقائدهم الباطلة، وكثير ممن كتب منهم في تراجم الصوفية ذكروا في تراجمهم أنهم رأوا الله، ورأوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمرهم بكذا أو نهاهم عن كذا، وهذا أمر لا ينكره أحد منهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكثير من المتصوفة يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفًا وهي خيالات غير مطابقة، وأوهام غير صادقة }إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا{ [النجم]([818]).

والرد على مذهبهم وشبهاتهم يكون من وجوه عامة وخاصة:

أما الوجوه العامة فكما يلي:

أولا: أن الحق الذي لا يشوبه باطل هو الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما عدا ذلك من المنامات والحكايات ونحوها ففيها الحق والباطل، ويعرف ذلك بعد عرضها على الكتاب والسنة؛ فما زكياه منها قبل وإلا رد على صاحبه مهما كان القائل به ([819]).


فالمؤمن هو الذي يستغني بالوحي، ويكتفي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيتبعه اتباعًا عامًا غير مشروط، وأما غيره فيتبع بشرط موافقته للشرع، ولهذا وجب عند التنازع والاختلاف: الردُّ إلى الله ورسوله، وكذلك يجب رد المنامات ونحوها إلى الكتاب والسنة، ووزنها بميزان الشرع.

فمن لم يبن على هذا الأصل العظيم علمه وعمله وسلوكه وجميع أمره، فليس من الدين في شيء([820] فالله تعالى يقول: }فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [النساء: 65].

وقال تعالى: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ{ [آل عمران: 31].

وقال تعالى: }اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ{ [الأعراف: 3] وقال: }وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا{ [الحشر: 7].

وقال: }فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ{. [النساء: 59].

وقال ابن الحاج رحمه الله: وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان؛ وهو أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فيتبعه فيقدم على فعله أو تركه لمجرد المنام دون عرض على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أقوال السلف رضي الله عنهم؛ قال تعالى في كتابه العزيز: }فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ{؛ فمعنى قوله: }فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ{ إلى كتاب الله تعالى.

ومعنى قوله: }وَالرَّسُولِ{ أي إلى الرسول في حياته وإلى سنته بعد وفاته... إلى أن قال رحمه الله: ووجه ثالث وهو أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي». جعل - صلى الله عليه وسلم - النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الأصلين الذين لا ثالث لهما، ومن اعتمد ما يراه في منامه فقد زاد لها ثالثًا ([821]).

وقال الشاطبي رحمه الله: وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات وأقبلوا وأعرضوا بها، فيقولون: رأينا فلانًا الرجل الصالح فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا، ويتفق هذا كثيرا للمتمرسين([822]) برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم فقال لي كذا، وأمرني بكذا. فيعمل بها ويترك بها، معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها([823]).


وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني رحمه الله قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقلت: ادع الله ألا يميت قلبي، فقال: قل كل يوم أربعين مرة، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت؛ فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعًا وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة؛ وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام.

وعن أبي يزيد البسطامي([824]) رحمه الله قال: رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعالَ.

وشأن هذا الكلام من الشرع موجود، فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه كالتنبيه لموضع الدليل؛ لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم العبودية والآيات تدل على هذا المعنى, كقوله تعالى: }وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{ [النازعات: 40، 41] وما أشبه ذلك, فلو رأى في النوم قائلا يقول: إن فلانًا سرق فاقطعه، أو عالمًا فسأله أو اعمل بما يقول لك، أو فلانًا زنى فحده، وما أشبه ذلك، لم يصح له العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملاً بغير الشريعة، إذ ليس بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحي([825]).


وقال ابن القيم رحمه الله: وأما رؤيا غيرهم - أي غير الأنبياء - فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقت وإلا لم يعمل بها.

فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو توطأت؟

قلنا: متى كانت استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمة، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فتنبه الرؤيا على ذلك([826]).

فالشريعة حاكم، لا محكوم عليها، ولو كان ما يقع من المنامات ونحوها حاكمًا على الشريعة بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تأويل ظاهر، أو نحو ذلك لكان غيرها حاكمًا عليها، وصارت محكومًا عليها بغيرها، وذلك باطل باتفاق([827]).

ثانيًا: أن الرؤى منقسمة إلى ثلاثة أقسام:

1- رؤيا من الله.

2- حلم من الشيطان.

3- وحديث نفس.

والتميز بينها مشكل، فمن أين يأتي اليقين بأن رؤيا فلان هذه من الله لا من النفس ولا من الشيطان، ولهذا لا عصمة فيها بخلاف رؤيا الأنبياء ([828]).

قال ابن الحاج رحمه الله: وإذا كانت الرؤيا على ما تقدم ذكره من التفصيل وأن المعتبر منها قسم واحد، فكيف يمكن السكون إلى ما يراه الرائي في نومه مع وجود تلك الاحتمالات أو الإقدام على العمل بما يراه الرائي في نومه قبل أن يعرضه على الكتاب والسنة المضمون له العصمة اتباعهما هذا مما لا يتعقل([829]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وغالب ما يستند إليه الواحد من هؤلاء؛ أن يدعي أنه رأى منامًا فأما المنامات فكثير منها بل أكثرها كذب، وقد عرفنا في زماننا بمصر، والشام، والعراق من يدعي أنه رأى منامات تتعلق ببعض البقاع أنه قبر نبي، أو أن فيه أثر نبي، ونحو ذلك؛ ويكون كاذبًا وهذا شيء منتشر فرآئي المنام غالبًا ما يكون كاذبًا، وبتقدير صدقة فقد يكون الذي أخبره بذلك شيطان.

والرؤيا المحضة التي لا دليل يدل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق؛ فإنه ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان»([830]).

فإذا كان جنس الرؤيا تحته أنواع ثلاثة، فلا بد من تمييز كل نوع منها عن نوع([831]).

وقال الشاطبي رحمه الله: اعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤيد بالعصمة معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصومًا بلا خلاف؛ إما لأنه لا يخطئ البتة، وإما أنه لا يقر على خطأ إن فرض فما ظنك بغير ذلك؟


فكل ما حكم به أو أخبر عنه من جهة رؤيا نوم، أو رؤية كشف مثل ما حكم به مما ألقى إليه الملك عن الله عز وجل.

وأما أمته فكل واحد منهم غير معصوم؛ بل يجوز عليه الغلط، والخطأ والنسيان ويجوز أن يكون رؤياه حلمًا وكشفه غير حقيقي، وإن تبين في الوجود صدقه، واعتيد ذلك فيه، واطرد فإمكان الخطأ، والوهم باق، وما كان هذا شأنه لم يصح أن يقطع به حكم ([832]).

وقال ابن القيم رحمه الله: "ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلي، والزهد، والرياضة والعمل بهاجسهم، وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع.

ويقولون: القلب إذا كان محفوظًا مع الله كانت هواجسه، وخواطره معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم.

فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية ، وشيطانية ، ونفسانية، كالرؤيا فلو بلغ العبد من الزهد و العبادة ما بلغ فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، الذين هم وسائط بين الله، عز وجل، وبين خلفه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطئ وليس بحجة على الخلق.

وقد كان سيد المحدثين الملهمين: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول الشيء فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ فيرجع إليه، وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها، ولا يحكم بها ولا يعمل بها([833]).


وما أحسن الرد الذي رد به الشنقيطي رحمه الله على الصوفية، حيث قال: إن المقرر في علم الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به، لعدم العصمة ولعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به.

وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضًا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم دون غيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره، لأنه لا يأمن من دسيسة الشيطان، وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات([834]).

ثالثًا: إن الرؤيا قد تكون على خلاف ظاهرها، حتى رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سبق لنا([835]).

رابعًا: يلزم من القول بحجية الرؤى أن تكون تجديدًا في الوحي يحكم به بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل بالإجماع.

قال الشاطبي رحمه الله يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يظهر لك طاعة ويضمر معصية.


فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه السلام، ولا معبرك بيوسف عليه السلام، أفبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحى المهدي، وقال: اخرج عني، ثم صرفه وأبعده.

ثم قال الشاطبي رحمه الله: "وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحكم فلا بد من النظر فيها أيضًا، لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم استقر وإن أخبر بمخالف، فمحال لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته, لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية، لأن ذلك باطل بالإجماع؛ فمن رأى شيئًا من ذلك, فلا عمل عليه، وعن ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقًا لم يخبره بما يخالف الشرع"([836]).

خامسًا: أن النائم ليس من أهل التحمل للرواية، لعدم حفظه.

قال النووي رحمه الله: "إن الرائي وإن كانت رؤياه حقًا ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها، لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظًا لا مغفلا ولا سيئ الحفظ، ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة, فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه.

هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أما إذا رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة, فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه, لأن ذلك ليس حكمًا بمجرد المنام بل ما تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم"([837]).


وقال ابن الحاج رحمه الله: " إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم «النائم حتى يستيقظ»([838]) لأنه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف فلا يعمل بشيء يراه في منامه" ([839]).

وقال الشوكانيُّ - رحمه الله - في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذكر جماعة من أهل العلم أنه يكون حجة، ويلزم العمل به، وقيل لا يكون حجة، ولا يثبت به حكم شرعي، وإن كانت رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - رؤية حق، والشيطان لا يتمثل به، لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه"([840]).

سادسًا: أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد كمله الله عز وجل ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته - صلى الله عليه وسلم - إذا قال فيها بقول، أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة، بل قبضه الله إليه عندما كمَّل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه، فأين الدليل على حجية الرؤى؟ ([841]).

أما الوجوه الخاصة في الرد على ما أوردوه من أدلة فكما يلي:


أولاً: قولهم إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل.

يجاب عنه من وجوه:

الوجه الأول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست تعدل كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم في مقامه في بعض الوجوه، فقد صرف هذا الجزء إلى جهة البشارة والنذارة، وقد تقدم بيان كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة، وأن ذلك لا يعني أنها نبوة.

الوجه الثاني: من شرط الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول هذه الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوافر وقد لا تتوافر ([842]).

ثانيًا: قولهم إن المخبر في المنام قد يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قد قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وعلى هذا فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.

والجواب أن معنى هذا الحديث أن رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام صحيحة وليست من أضغاث الأحلام إذا رآه على صورته التي وصفت لنا ([843]).

قال ابن رشد رحمه الله: "وليس معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا» أن كل من رآه في المنام فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صفاته.


وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها، وإنما قال: «من رآني فقد رآني» وأني لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورة، أنه رآه عليها؟ وإن ظن أنه رآه، ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته".

قال الشاطبي رحمه الله: "فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن اعتقد الرائي أنه هو، ثم إن الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما، من معارف الرائي وغيرهم فيشير إلى رجل آخر هذا فلان النبي"([844]).

وقال النووي رحمه الله في أثناء كلامه على خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل في صورته، لكن لا يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام خلاف ما استقر في الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط مكلف والنائم بخلافه، فعلى هذا؛ فمن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه، وخاطبه وكلمه وصل إلى ذهن الرائي لفظ، أو ألفاظ من العوائد التي هي واقعة في زمن الرائي أو قبله وتكون مخالفة لشريعته عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز له ولا لغيره التدين بها، ولا أن يعتقد أن ما وصل إلى ذهنه في منامه مما يخالف الشريعة المطهرة أنه صحيح لأن تنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نسبة ذلك وما شاكله أمر واجب ومتعين، إذ أن العصمة في رؤيا صورته الكريمة عليه الصلاة والسلام، ليس إلا دون ما يكون من الزيادة أو النقصان»([845]).


ثالثًا: ما ورد في خبر أبان بن أبي عياش، فقد قال القاضي عياض رحمه الله: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان، لا أنه يقطع بأمر المنام، ولا أنه تبطل بسببه سنة تثبت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء.

قال النووي رحمه الله معقبًا على كلام القاضي: "وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغيَّر بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع" ([846]).

قال الألباني رحمه الله: "ومن المقرر عند العلماء أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي فبالأولى ألا يثبت بها حديث نبوي، والحديث أصل الأحكام بعد القرآن" ([847]).

هناك شبهات أخرى ذكرها ابن الحاج رحمه الله وأجاب عليها فقال:

فإن قال قائل: قد شرع الأذان بسبب المنام.

فالجواب: أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره من عرض الرؤيا على الشريعة المطهرة فإذا وافقت أمضيت، وإن خالفت تركت بدليل أنهم لم يعملوا بما رأوه حتى عرضوه على صاحب الشريعة، صلوات الله وسلامه عليه فشرع بما رآه عليه الصلاة والسلام، فوجب أن يرجع في ذلك إليه، عليه الصلاة والسلام في حياته وإلى سنته بعد انتقاله إلى ربه عز وجل.


فإن قال قائل: فقد ورد من حديث سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فيقول: «من رأى منكم الليلة رؤيا، فإن رأى أحد رؤيا قصها، فيقول ما شاء الله أن يقول، فسألنا يومًا، هل رأى أحدكم رؤيا» قلنا: لا، وقال: «لكني رأيت الليلة رجلين أتياني»([848]).

فالجواب: أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره أيضًا، فكانوا يرجعون إليه، عليه الصلاة والسلام، لا إلى ما رأوه فكذلك الحكم بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام فالرجوع إلى شريعته لا إلى المرائي على ما تقدم ذكره.

فإذا عرضت الرؤيا على الكتاب والسنة فوافقت فهو حق وبشارة للرائي أو من رآه له لقوله عليه الصلاة والسلام: «لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات يراها... »([849]).

وخلاصة الأمر كما قال الشاطبي رحمه الله: "وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة، نعم يأتي المرئي تأنيسًا ، وبشارة ، ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم ([850]).


 الباب الثالث: أحكام الرؤى وآدابها

وفيه ثلاث فصول:

الفصل الأول: أحكام الرؤى.

الفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى.

الفصل الثالث: آداب الرؤى.



 الفصل الأول: أحكام الرؤى

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: رؤية الله في المنام.

المبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام.

المبحث الثالث: رؤية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

المبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام.

المبحث الخامس: الكذب في الرؤيا.

* * *



 المبحث الأول: رؤية الله في المنام

وفيه تمهيد ومسألتان:

التمهيد: رؤية الله عيانًا وفيه:

أولا: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة.

ثانيًا: رؤية الله في الدنيا.

ثالثًا: هل رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه يقظة؟

المسألة الأولى: رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في المنام.

المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟

تمهيد

رؤية الله عيانًا

أولاً: رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة:

رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة في عرصات القيامة وبعدما يدخلون الجنة عقيدة ثابتة بالكتاب والسنة وتلقتها الأمة بالقبول.

فمن الكتاب قول عز وجل: }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ{ [القيامة: 22، 23] ([851]).

وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتلقاه أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه، إذ رؤيته سبحانه هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به.

فأخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث جرير رضي الله عنه قال: "كنا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون ([852]) في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا»([853]).

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث صهيب رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: }لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ{ [يونس: 26] قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد، يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة»([854]).

وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك»([855]).

ففي هذه الأحاديث وغيرها دلالة على وجوب الإيمان برؤية المؤمنين ربهم عز وجل يوم القيامة، وأنها من نعيم الله ومزيد إفضاله على عباده المؤمنين والإيمان بذلك اعتقاد أهل السنة والجماعة، ولم يَرُدَّ هذه الأحاديث إلا أهل البدع والضلال، الذين اعتاضوا بهداية كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - آراء فاسدة، زعموا أنها معتقدات وضلالات وشبهات ([856]).

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح:

الباب الخامس والستون في رؤيتهم لربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكًا إليهم.

هذا الباب أشرف أبواب الكتاب - يعني كتابه حادي الأرواح - وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدها على أهل البدع والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فيعمل العاملون إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون.

وأنكرها أهل البدع المارقون ([857])، والجهمية المتهوكون والفرعونية المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون ([858]).

ثم ساق رحمه الله الأدلة من الكتاب والسنة، ثم أتبعها بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، وهي أقوال تثبت رؤية المؤمنين لربهم بأبصارهم عيانًا وترد على المعتزلة والجهمية.

وقد أفرد كثير من أهل السنة هذه المسألة بمؤلفات خاصة ([859]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان ممن لم يبلغه العلم بذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر"([860]).

ثانيًا: رؤية الله في الدنيا:

أهل السنة والجماعة يعتقدون أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة شرعًا وعقلاً ولكن البشر لا يقدرون على رؤيته سبحانه والأدلة من الكتاب والسنة كثيرة منها قوله تعالى لموسى عليه السلام لما سأله أن ينظر إليه، فقال له ربه تبارك وتعالى: }لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا{ [الأعراف: 43].


ووجه الدلالة من هذه الآية:

1- أن موسى عليه السلام سأل رؤية الله ولو كانت الرؤية مستحيلة([861]) لما سألها موسى لأنه كليم الرحمن وأعلم الناس في وقته، فدل على أنها ممكنة وجائزة.

2- لو كانت الرؤية مستحيلة لأنكر الله على موسى سؤالها، كما أنكر على نوح لما سأله لابنه، فلما لم ينكر عليه دل على الجواز.

3- لو كانت الرؤية غير ممكنة لعلقها الله بأمر غير ممكن، ولأجاب موسى بجواب يدل على عدم إمكان الرؤية، والفرق بين الجوابين ظاهر.

4- أن الله تجلى للجبل الذي لا ثواب له ولا عقاب، فلو كانت الرؤية مستحيلة لما تجلى له.

5- أن الرؤية ممكنة، ولكن البشر لا يقدرون لضعفهم، فإذا كان يوم القيامة استطاعوا ذلك.

6- أن الله كلم موسى وناداه، ومن جاز تكليمه ومناداته جازت رؤيته([862]) فإذا علمت أن رؤية الله في الدنيا جائزة وممكنة فاعلم أنه قد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا([863]).

ومن الأدلة على ذلك أيضًا:


1- في حديث جرير رضي الله عنه الذي سبق ذكره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة» ففي هذا الحديث بيان أن الرؤية تكون في المستقبل لئلا يتوهم أحد أنه يرى ربه قبل يوم القيامة.

2- ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وتعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت»([864]).

ولهذا لما يدعي الدجال أنه ربنا يرد عليه بهذا الحديث، بأننا لن نرى ربنا في الدنيا كما دل عليه هذا الحديث.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت" ([865]).

وسئل رحمه الله عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، وأنهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال؟

فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال([866]) مخالف للكـتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادعوا

أنهم أفضل من موسى، فإن هؤلاء يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا([867]).

ثالثًا: هل رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه يقظة؟

اختلف الصحابة رضي الله عنه في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه ليلة المعراج على قولين:

الأول: أنه لم ير ربه وذهب إلى هذا القول عائشة رضي الله عنها حيث قالت: «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب»([868]).

الثاني: أنه رأى ربه وبهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت ربي عز وجل»([869]) وأخرج مسلم من حديث ابن عباس قال: «رآه بقلبه»([870]).

والظاهر والله أعلم أن الخلاف بينهم خلاف لفظي، وذلك للأسباب التالية:

أ- أن الروايات عن ابن عباس جاءت مطلقة أو مقيدة بالقلب، فيحمل المطلق على المقيد، وخاصة أن المقيدة رواية مسلم.

ب- أنه يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس رضي الله عنهما ونفي عائشة رضي الله عنها بأن يحمل نفيها على الرؤية البصرية وإثباته على رؤية القلب([871]).

وبهذا حكى عثمان بن سعيد الدارمي([872]) إجماع المسلمين على أنه لم يره([873]).

(ج) الظاهر أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما «رأيت ربي عز وجل» مختصر من حديث المنام المشهور، وعلى هذا فتكون هذه الرؤيا منامية كما سيأتي تخريجه إن شاء الله.

وعلى ذلك حمله البيهقي رحمه الله فقال: "ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما هو حكاية عن رؤيا رآها في المنام" ([874]).

وقال ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله: "وعلى هذا - أي كونها رؤيا منامية - بني الإمام أحمد رحمه الله، وقال: نعم رآه حقًا فإن رؤيا الأنبياء حق، ولا بد ولكن لم يقل أحمد إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه" ([875]).

المسألة الأولى: رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في المنام

رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه في المنام ثبتت عنه في عدة أحاديث منها:

1- حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه:

فأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه وابن خزيمة في كتاب التوحيد وغيرهم من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:


احتبس علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعًا فثوب ([876]) للصلاة، وصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال: «كما أنتم على مصافكم».

ثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت ([877]) فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء، وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، وجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك».


وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها حق فادرسوها وتعلموها»([878]).

ومما يدل على أن هذه الرؤيا كانت منامًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة».

قال الدارمي رحمه الله: «فحين وجد هذا لمعاذ بن جبل كذلك صرفت الروايات التي فيها إلى ما قال معاذ، فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم»([879]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقوله «أتاني البارحة ربي في أحسن صورة» الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، إنما كان بالمدينة في المنام، هكذا جاء مفسرًا ([880]).

وقال ابن كثير رحمه الله: «وأما الحديث الذي رواه أحمد فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في المسند من طرق»([881]).

2- حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتاني ربي عز وجل الليل في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟. .. » الحديث ([882]).


قال ابن مندة رحمه الله في كتابه الرد على الجهمية: "وروى هذا الحديث عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب([883]).


المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام؟

إذا ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه في المنام، فهل يرى المؤمن ربه في المنام؟

لقد نقل بعض العلماء الإجماع على جواز رؤية الله في المنام، ووقوعها وذكروا بأنه لم يخالف فيها أحد، ومن هؤلاء الإمام البغوي عن شيخه القاضي حسين بن محمد، والقاضي عياض([884]).

وممن يرى وقوعها أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العديد من كتبه حيث ذكر أن النقل متواتر عمن رأى ربه في المنام وأن الأصحاب يذكرونها في أصول الدين، وبين أن طائفة من المعتزلة وغيرهم أنكروها، فقال: وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه؛ إذ الرؤيا تقع بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة.

وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام ([885]).


وممن قال بهذا القول أيضًا: عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه نقض الدارمي على المريسي، حيث قال في حديث ثوبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتاني ربي في أحسن صورة»([886]) قال: «وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال وفي كل صورة»([887]).

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كيفية هذه الرؤيا فقال: "فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا، وأن أحدًا لا يراه في الدنيا بعينه، لكن يرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها، ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه، حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط، ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد، ومعرفته في صورة مثالية كما قد بسط في غير هذا الموضع" ([888]).

وقال أيضًا: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق" ([889]).


وقال أيضًا: "ومن رأى الله عز وجل في المنام فإنه يراه في صورة من الصور بحسب حاله الرائي، إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحسن صورة"([890]).

وقال أيضًا: "والمؤمن الذي يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب إيمانه، وكذلك يرى الله تعالى في منامه بحسب إيمانه، كما قد بسط في غير هذا الموضع"([891]).

وممن يرى وقوع ذلك سماحة شيخنا، الشيخ عبد العزيز بن باز، حيث قال رحمه الله: "إذا رؤي الله في النوم فليس على شبه المرء؛ لأنه ليس كمثله شيء".

وقد يرى بعض العلماء أن الله لا يرى في المنام، فكأنهم يستعظمون ذلك ويرون قفل هذا الباب هو الأسلم ويرون أن الرؤيا منفية بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»([892]).

ولكن يقال إن هذا النفي لرؤية اليقظة في الدنيا وبينها وبين الرؤيا المنامية فرق كما بينت ذلك فلا يعارض ما ذكر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في


المنام فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلا ولكن لا بد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقًا أتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان العكس".

وحكوا عن طائفة من المعتزلة إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام.

ولكن لعلهم قالوا: "لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام"، فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم، نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم.

وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه، وفساده، واستقامة حاله، وانحرافه.

وقول من يقول: "ما خطر بالبال، أو دار في الخيال، فالله بخلافه ونحو ذلك" إذا حمل على مثل هذا كان محملا صحيحا فلا نعتقد أن ما تخيل للإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان ويتخيلها على حقيقتها؛ بل هي خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه


مناسبًا مشابهًا لها فالله تعالى أجل وأعظم ([893]).


فالحاصل أن رؤية الله في المنام ممكنة، وقد تقع كما وقعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنها إذا وقعت للمؤمن ليست حجة في وصفه سبحانه بالكيفية مع أن الحكم على أن فلانًا رأى الله في المنام هذا لا يمكن الجزم به لأنه قد تكون تلك الرؤيا من الشيطان والله أعلم.


 المبحث الثاني: رؤية الملائكة في المنام

الملائكة: جمع ملك قال الكسائي، أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة وهي الرسالة ([894]).

وهم عالم غيبي، مخلوقون من نور، لا يأكلون، ولا يشربون بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ([895]).

قال الله تعالى: }الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير{ [فاطر: 1].

وقال تعالى: }وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ{ [الرعد: 23].

وقال تعالى: }وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ فِي غَمَرَاتِ الْموتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم{ [الأنعام: 93]

وقال تعالى: }وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ{ [الأنبياء: 19، 20].

أما كونهم لا يأكلون ولا يشربون، فيدل على ذلك ما جاء في قصة إبراهيم عليه السلام قال تعالى: }هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ{ [الذاريات: 24-28].

وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر»([896]).

وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»([897]).

وهل للبشر رؤية الملائكة في اليقظة؟

أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد رأى جبريل مرتين وله ستمائة جناح ([898]).

أما غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يمكن أن يرى الملك على هيئه الملكية إلا إذا تحول إلى صورة بشرية؛ فحينئذ يراه، كما حصل لمريم قال الله تعالى: }فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا{ [مريم: 17].


وكما رأى الصحابة رضي الله عنهم جبريل وهذا كثير ([899]).

فإذا عرفنا شيئًا من أوصاف الملائكة كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهل يمكن رؤية الملائكة في المنام؟

والجواب: أن رؤية الملائكة في المنام جائزة كما ذكر ذلك الإمام البغوي رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأن تلك الرؤيا حق لأن الشيطان لا يتمثل بهم ([900]).

ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في قصة رؤياه وقال فيها: «فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم تُرَعْ».

وفي لفظ آخر قال: «فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما أدعو الله، اللهم أ عوذ بك من جهنم، ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لن تُراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة»([901]).


قال العيني رحمه الله في شرح هذا الحديث: "وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي لقوله «فرأيت ملكين أخذاني»" ([902]).

وقال ابن بطال رحمه الله: "يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير".

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك" ([903]).

وإذا قلنا بجواز رؤية الملائكة في المنام كما دل عليه الحديث السابق وغيره؛ فهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أثناء حديثه عن رؤية الله في المنام: "بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابها لها"([904]).


 المبحث الثالث: رؤية الأنبياء في المنام

وفيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

المسألة الثالثة: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة».

* * *

المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام

لقد حفظ الله عز وجل نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان الرجيم، ومن حفظ الله له، ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل به ([905])، وقد جاءت الأحاديث المتواترة في إثبات ذلك ([906] ومن تلك الأحاديث:

1- ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» وهذا لفظ مسلم.

وفي لفظ أحمد: «من رآني في المنام فقد رآني، إن الشيطان لا يتشبه بي».


وفي لفظ البخاري: «ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي»([907]).

وفي لفظ أحمد أيضًا: «لا يتصور بي»([908]) ورواه الترمذي بلفظ: «من رآني فإني أنا هو فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي»([909]).

وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رأى الحق، إن الشيطان لا يتشبه بي» ([910]).

وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فقد رآني الحق، إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي»([911]).

وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» وهذا لفظ البخاري.

ولفظ أحمد ومسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو كأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي»([912]).


وفي رواية الإمام أحمد «فإن الشيطان لا يتمثل بمثلي»([913]).

وفي رواية له أيضًا: «من رآني في المنام فقد رآني في اليقظة، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي»([914]).

2- أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي»([915]).

3- أخرج الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رآني في النوم فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي».

وفي رواية لمسلم: «من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي»([916]).

4- أخرج الإمام أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا ينبغي له أن يتمثل بمثلي»([917]).


وفي رواية لأحمد: «من رآني في المنام فأنا الذي رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي»([918]).

5- أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني فقد رأى الحق» وهذا لفظ البخاري.

ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق».

في رواية للبخاري: «وإن الشيطان لا يتراءى بي»([919]).

6- أخرج الإمام أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتكونني»([920]) وهذا لفظ البخاري.

ولفظ أحمد: «من رآني فقد رآني الحق، فإن الشيطان لا يكوّن بي»([921]).

7- أخرج الإمام أحمد من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني»([922]).

8- أخرج الإمام أحمد وابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فإياي رأى، فإن الشيطان لا يتخيل بي» وقال عفان مرة: «لا يتخيلني»([923]).


9- أخرج ابن ماجة من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، إن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي»([924]).

المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام

دلت الأحاديث السابقة على أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق، وأن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به عليه الصلاة والسلام، ولكن يبقى السؤال هل كل من ادعى أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام تكون رؤياه حقًا؟

الجواب: أن في هذه المسألة خلافًا بين العلماء.

تحرير محل النزاع:

اتفق العلماء على أن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - على صورته التي ثبتت في السنة أن تلك الرؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به، واختلفوا فيمن رآه على غير صورته هل رؤياه حق أو لا؟

وسبب الخلاف بينهم هو: هل للشيطان أن يتمثل في غير صورة النبي ويدعي أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ أو بمعنى هل يمكن أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - على غير صورته؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: إن رؤيته عليه الصلاة والسلام في المنام صحيحة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها.

وبهذا قال الإمام النووي([925]) رحمه الله، وأبو العباس القرطبي رحمه الله حيث


قال: "من المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به، وتقع تلك الرؤيا حقًا ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فهو أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته".

قال: "والصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حال ليست باطلة ولا أضغاثًا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان: بل هو من قبل الله"([926]).

القول الثاني: قالوا إن رآه على صفته تكون رؤيا حق، ولو رآه على غير صفته تكون رؤيا مثال.

وبهذا قال أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض رحمهما الله.

قال أبو بكر بن العربي: "أما رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن رآه في المنام بصفة معلومة فهو إدراك الحقيقة، وإن رآه على غير صفته فهو إدراك المثال" ([927]).

وقال القاضي عياض: "يحتمل أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فقد رآني» المعرفة له في حياته، فإن رؤي على خلافها كانت رؤيا تأولاً لا رؤيا حقيقة".

قال النووي رحمه الله معقبًا على كلام عياض: "وهذا الذي قاله القاضي عياض ضعيف؛ بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها" ([928]).


وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلام النووي فقال: "لم يظهر لي من كلام القاضي ما ينفي ذلك: "بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين، لكن في الأولى مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية مما يحتاج إلى تعبير" ([929]).

وحجة أصحاب هذا القول والذي قبله، هي ما فهموه من عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وقوله: «من رآني فقد رآني الحق».

قال النووي: "قال القاضي عياض قال بعض العلماء، خص الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما فرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم السلام بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده ([930]).

القول الثالث: أن رؤيته عليه الصلاة والسلام في المنام حق إذا كانت على صفته المعروفة، أما إذا كانت على غير صفته، فليست كذلك.

وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما.

وبهذا قال كثير من العلماء ا لمحققين، وأشار إلى ذلك الإمام البخاري رحمه الله في كتابه "الجامع الصحيح" حيث قال في أثر رواه معلقًا بعد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» قال أبو عبد الله "يعني نفسه" قال ابن سيرين "إذا رآه على صورته"([931]).


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله على الأثر السابق: "وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره" وسنده صحيح ([932]).

ويؤيد ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي في الشمائل والحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» قال عاصم: قال أبي: فحدثنيه ابن عباس فأخبرته أني قد رأيته، قال: رأيته؟ قلت: أي والله لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن علي، قال: إني والله قد ذكرته ونعمته في مشيته، قال: فقال ابن عباس: إنه كان يشبهه ([933]).

وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي في الشمائل، وابن أبي شيبة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم زمن ابن عباس رضي الله عنهما وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم، قال ابن عباس: فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني» فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قل: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين جسمه، ولحمه أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذا إلى هذه حتى كادت تملأ نحره، قال: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا([934]).

وممن رجح هذا القول أيضًا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حيث قال في مجموع الفتاوى له، بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام ثم قال: "وقد دلت كلها على أن عدو الله الشيطان قد حيل بينه وبين أن يتمثل في صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رآه في صورته التي هي معروفة عند أهل العلم، وهو عليه الصلاة والسلام ربعة من الرجال، حسن الصورة، أبيض، مشرب بحمرة، كث اللحية، سوداء، وفي آخر حياته حصل فيها شعرات قليلة من الشيب عليه الصلاة والسلام فمن رآه على صورته الحقيقية فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به عليه الصلاة والسلام ([935]).

وبهذه الآثار يرد أصحاب القول الأول والثاني، قال القرافي رحمه الله : قال العلماء: إنما تصح رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد رجلين أحدهما صحابي رآه فعلم صفته فانطبع في نفسه مثاله، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، فينتفي عنده اللبس والشك في رؤيته عليه الصلاة والسلام.

وثانيهما رجل تكرر عليه سماع صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته عليه الصلاة والسلام، كما حصل ذلك لمن رآه، فإذا رآه جزم برؤية مثاله عليه الصلاة والسلام كما يجزم به من رآه فينتفي عنه اللبس في رؤيته عليه الصلاة والسلام.

وأما غير هذين فلا يحصل له الجزم، بل يجوز أن يكون رآه عليه الصلاة والسلام بمثاله، ويحتمل أن يكون من تخييل الشيطان، ولا يفيد قول المرئي لمن يراه أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا قول من يحضر معه هذا رسول الله؛ لأن الشيطان يكذب لنفسه ويكذب لغيره، فلا يحصل الجزم ([936]).

وبهذا تعرف أهمية دراسة شمائل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفاته الخلقية، فإذا رآه على صورته يأمر بالحق فليستقم، ومن رآه ينهي عن الشر فلينته، أما إذا أمره بباطل هذا من القرائن على عدم رؤيته.

وقد سبق قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان المراد بقولنا «رآه حقًا».

حيث قال: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» هو كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «رآه في المنام حقًا».

فمن قال: ما رآه حقًا فقد أخطأ.

ومن قال: إن رؤيته في اليقظة بلا واسطة كالرؤية المقيدة بالنوم فقد أخطأ ولهذا يكون لهذه تأويل وتعبير دون ذلك ([937]).


المسألة الثالثة: معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة»

جاء في بعض ألفاظ الأحاديث السابقة أن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسيراه في اليقظة، ومن تلك الألفاظ:

ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» زاد مسلم: «أو لكأنما رآني في اليقظة».

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «من رآني في المنام، فقد رآني في اليقظة» وهذا لفظ ابن ماجة.

فهذه ثلاثة ألفاظ: فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة أو فقد رآني في اليقظة.

فما معنى هذا الألفاظ؟

ذكر المازري والنووي رحمهما الله أنه إذا كان المحفوظ من هذه الألفاظ: «فكأنما رآني في اليقظة» فهو ظاهر، وهو بمعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أي رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان ([938]).

وأما إن كان المحفوظ «فسيراني في اليقظة» ففي معنى ذلك أقوال لأهل العلم.

القول الأول: أن معنى هذا الحديث تشبيه من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام كأنه رآه في اليقظة، فكان معناه أن الذي يراني في المنام فكأنه رآني في اليقظة لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - على صورته.


ويدل على هذا المعنى ما جاء في رواية مسلم: «لكأنما رآني في اليقظة».

القول الثاني: أن هذا خاص بأهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن آمن به قبل أن يراه، فكأن فيه بشرى له بأنه سيراه في اليقظة قبل موته.

وقال بهذا ابن التين والمازري ([939]).

القول الثالث: أن الرائي سوف يرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها، وخروجها على الحق.

وبهذا قال ابن بطال، والقاضي عياض، وابن العربي ([940]).

القول الرابع: أنه يراه في المرآة التي كانت له - صلى الله عليه وسلم - إن أمكنه ذلك، وهذا قول لأبي جمرة وهو أضعف الأقوال، قال ابن حجر رحمه الله: "وهذا من أبعد المحامل"([941]).

القول الخامس: أن من رآه في المنام فسيراه في الآخرة وهذا الذي عليه جمهور العلماء المحققين.

وقد اعترض على هذا القول ابن بطال وابن العربي بأنه رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في الآخرة تكون لجميع المؤمنين من رآه في النوم، ومن لم يره، فلا مزية لمن رآه في النوم على غيره ([942]).


وأجاب القاضي عياض رحمه الله على هذا الاعتراض باحتمال أن تكون رؤياه له - صلى الله عليه وسلم - في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف بها موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، والشفاعة له بعلو الدرجة، ونحو ذلك من الخصوصيات ([943]).

وعلى هذا القول فيه بشارة لمن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام بأنه سيموت مسلمًا ([944]).

القول السادس: وبه قالت الصوفية: أن من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسيراه في اليقظة في الحياة الدنيا حقيقة ويخاطبه، وذكروا أن جماعة من الصالحين رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها، فجاء الأمر كذلك ([945]).

وهذا القول باطل من وجوه:

الأول: أنه مستحيل شرعًا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات ولا يعقل أن يحيا بعد موته لقوله تعالى: }إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{ [الزمر: 30] فكيف يقول عاقل بعد ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حي.


ثم هؤلاء لم يستندوا إلى دليل من الشرع، سوى الاحتمال في هذه الأحاديث، ولذا لم يذكر السيوطي في رسالته "تنوير الحلك" سوى الاحتمال في تلك الأحاديث، بل ولم يذكر حديثًا ضعيفًا ولا موقوفًا ولا مرسلاً مع سعة اطلاعه وطول باعه في الحديث، وشدة انتصاره لهذا المذهب.

ولم يذكر عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه وقعت له هذه الرؤية في اليقظة.

قال صاحب "المواهب اللدنية": "وأما رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة بعد موته، فقال شيخنا يعني السخاوي لم يصل إلينا ذلك عن أحد الصحابة، ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه - صلى الله عليه وسلم - حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح، وبيتها مجاور لقبره، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه"([946]).

الثاني: يلزم من هذا القول أن كل من رآه - صلى الله عليه وسلم - في النوم أن يراه في اليقظة وهذا باطل لأن أناسًا كثيرة رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام ولم يروه في اليقظة في الحياة الدنيا، فيلزم على ذلك أن يكون خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كذبًا، وهذا مستحيل شرعًا([947]).

الثالث: أنه مستحيل عقلاً، فيستحيل أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - رائيان في مكانين مختلفين فيلزم من ذلك يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - شخصية متعددة توجد في كل زمان ومكان.


كما يلزم عليه أن يكون النبي خرج من قبره، وخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - يلزم أن يقوم بالجهاد والدعوة إلى الله عز وجل.

ويلزم عليه أن الذين يزورون القبر يأتون ويسلمون على مجرد القبر، وليس فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قد خرج على رأيهم.

كما يلزم عليه أيضًا أن كل من رآه يقظة يكون صحابيًا فتدوم الصحبة في الناس إلى يوم القيامة.

وكل هذه لوازم عقلية تدل على بطلان هذا القول.

والمقصود من هذا المبحث بيان أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام جائزة إذا رآه الرائي على صفته التي كان عليه - صلى الله عليه وسلم - فعندئذ تكون رؤياه رؤيا حق، لأن الشيطان لا يتمثل به - صلى الله عليه وسلم -.

وأما أن رآه على غير صفته، أو رآه يأمره بباطل فهي أضغاث أحلام، وقرائن تدل على عدم رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في المنام.

وأما رؤيته - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة بعد موته فهذه غير جائزة ولا ممكنة، إذ لا دليل عليها من الشرع ولا من العقل، بل الشرع والعقل يمنعان وقوعها.


 المبحث الرابع: رؤية الأنبياء في المنام

في المبحث السابق تبين أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق، وأن الشيطان لا يتمثل في صورته - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة والمنام. فيبقى السؤال هل جميع الأنبياء عليهم السلام مثله في أن الشيطان لا يتمثل على صورهم في المنام، أو هذا خاص بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟

والجواب: أنه ليس في الأحاديث السابقة ما يدل على الخصوص قطعًا ولا على العموم قطعًا ولكن ما يعلم من حفظ الله عز وجل لأنبيائه من الشيطان، يشعر بأن الشيطان لا يتمثل بصورهم، ولهذا قال بعض العلماء بجواز رؤية الأنبياء في المنام.

قال البغوي رحمه الله عن شيخه القاضي حسين بن محمد المروذي: ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة عليهم السلام لا يتمثل الشيطان بشيء منها في المنام ([948]).

ومعلوم أن شرط صحة رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام أن يرى على صورته، وعلى ذلك يقال في شرط صحة رؤيا الأنبياء في المنام أن تكون على صورهم المعلومة لنا ([949]) فإذا لم تعلم فلا يجزم بتلك الرؤيا لاحتمال أن تكون من الشيطان والله أعلم.


 المبحث الخامس: الكذب في الرؤيا

وفيه أربعة مسائل:

المسألة الأولى: تعريف الكذب

قال ابن منظور: الكذب هو نقيض الصدق ([950] والكذب يقال في المقال والفعال قال الراغب في معجم مفردات ألفاظ القرآن: الصدق والكذب أصلها في القول ماضيًا كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والأمر والدعاء.

وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال صدق في القتال، ومنه قوله تعالى: }لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ{ [الفتح: 27] ([951]).

قال الإمام النووي رحمه الله: الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل وإنما يأثم في العمد([952]).

المسألة الثانية: تحريم الكذب عمومًا

الكذب عمومًا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، وقد تضافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريمه، فقد أنزل الله سبحانه على نبيه - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائتين وثمانين آية([953]) كلها تنهى عن الكذب وتضرب لنا أمثلة على النهاية السيئة للمكذبين والكاذبين قال تعالى: }إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ{ [النحل: 105].

فدلت هذه الآية على أن الذين يفترون الكذب لا يؤمنون بآيات الله فهذه هي الصفة الأولى والثانية أنهم هم الكاذبون.

والرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أن الكذب يهدي إلى النار كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، و إن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا»([954]).

وفي رواية لمسلم: «وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».

قال النووي: قال العلماء: معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، والبر: اسم جامع للخير كله، وقيل البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة.

وأما الكذب، فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي.


قال العلماء: هذا فيه حث على تحري الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقًا إن اعتاده، أو كذابًا إن اعتاده ([955]).

ويقول ابن القيم رحمه الله: فما أنعم الله على عبد من نعمة بعد الإسلام أعظم من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده والله المستعان ([956]).

وقد اقترن الكذب بالنفاق والكفر، فقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمارات النفاق كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»([957]).

وأخرج البيهقي في الشعب بسند صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر، عن أبي بكر الصديق، قال: «الكذب يجانب الإيمان» ([958]).

ومما جاء في التحذير من الكذب وبيان عقوبة الكاذب، ما أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب التعبير وغيره من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ » قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات


غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني([959]) وإنهما قالا لي: انطلق: وإني انطلقت معهما» فذكر الحديث وفيه قال:

«فانطلقا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه([960]) إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه»، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق، قال: «ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا».. ثم ذكر في آخر الحديث.

«وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه و منخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق».. الحديث ([961]).

وفي رواية للبخاري أيضًا: «الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة»([962]).


قال ابن العربي رحمه الله: "شرشرة شدق الكاذب إنزال العقوبة بمحل المعصية، وعلى هذا تجري العقوبة في الآخرة بخلاف الدنيا" ([963]).

وقال الحافظ رحمه الله: "وإنما استحق التعذيب لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد وهو فيها مختار غير مكره ولا ملجأ" ([964]).

وقال ابن هبيرة: "لما كان الكاذب يساعد أنفه وعينه ولسانه على الكذب بترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة" ([965]).

المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله

الكذب على الله حرام، سواء في ذلك افتراء الكذب على الله في العقيدة، أو في الأحكام.

قال تعالى: }وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ{ [الزمر: 60].

وقال تعالى: }وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{ [الأنعام: 21] وقال تعالى: }وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ{ [الأنعام: 93].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية: "فجمع في هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله، وبين من يزعم أنه يوحى إليه، ولا يعين من أوحاه، فإن الذي يدعي الوحي لا يخرج عن هذين القسمين.


ويدخل في القسم الثاني من يُري عينيه في المنام ما لا ترياه، ومن يقول: ألقي في قلبي، وألهمت ونحو ذلك إذا كان كاذبًا" ([966]).

المسألة الرابعة: الكذب في الرؤيا

إذا كان الكذب كبيرة من كبائر الذنوب، حيث توعد الله الذين يفترون الكذب عليه بالوعيد الشديد فإنه يدخل في ذلك الكذب في الرؤيا، لأن الكذب فيها كذب على الله أنه أراه ما لم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه أفرى الفِرَى، وأنه يكلف يوم القيامة عقد شعيرة، أو شعيرتين، وأن الكاذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام يتبوأ مقعده من النار، وأنه من أعتى الناس على الله عز وجل، وقد جاء هذا الوعيد من عدة أحاديث وهي: حديث ابن عباس، وحديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث واثلة بن الأسقع، وحديث أبي شريح الخزاعي، وذلك كما يلي:

أولاً: أن الكذب في الرؤيا من أفرى الفرى:

فأخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مِن أفرى الفرى أن يُري عينيه ما لم ترَ» وفي لفظ لأحمد: «وأفرى الفرى من أرى عينيه في النوم ما لم تريا» الحديث ([967]).


وأخرجا كذلك من حديث واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أفرى الفرى؛ أن يُدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه في النوم ما لم تريا، أو يقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل» وهذا لفظ أحمد.

ولفظ البخاري: «إن من أعظم الفرى»([968]).

فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أفرى الفرى» الفرى: جمع فرية، كحلية وهي الكذب والبهت، تقول فرى فلان كذا؛ إذا اختلق ([969]).

قال ابن بطال: الفرية الكذبة العظيمة التي يتعجب منها ([970]).

وقال ابن الأثير: الفرى جمع فرية، وهي الكذبة، وأفرى أفعل منه، للتفضيل: أي أكذب الكذبات أن يقول: رأيت في النوم كذا وكذا ولم يكن رأى شيئًا؛ لأنه كذب على الله فإنه هو الذي يرسل ملك الرؤيا ليريه المنام([971]).

وقال الطيبي([972]): ونسبة الكذبات إلى الكذب للمبالغة، نحو قولهم ليل أليل([973]).


وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أن يرى» أي يدعي أن عينيه رأتا في المنام شيئًا لم ترياه، ولأحمد والحاكم من وجه آخر عن واثلة: «أن يفترى الرجل على عينيه فيقول: رأيت، ولم ير في المنام شيئًا»([974]).

قال الحافظ ابن حجر: ونسبة الرؤيا إلى عينيه مع أنهما لم يريا شيئًا؛ أنه أخبر عنهما بالرؤية وهو كاذب ([975]).

وفي هذا الحديث تشديد الوعيد في الكذب في المنام.

ثانيًا: أن الكاذب في رؤياه يكلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة:

أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل»([976]).

وأخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ «ومن تحلم عذب يوم القيامة حتى يعقد شعيرتين وليس عاقدًا» الحديث.

وفي رواية أخرى لأحمد: «ومن تحلم كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرتين، أو قال بين شعيرتين، وعذب، ولن يعقد بينهما»([977]).


وأخرجه الترمذي أيضًا بلفظ: «منم تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما»([978]).

وأخرجه ابن ماجة أيضًا بلفظ: «من تحلم حلمًا كاذبًا كلف أن يعقد بين شعيرتين ويعذب على ذلك»([979]).

فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من تحلم» أي قال إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا وهو كاذب.

قال الخطابي: "تحلم معناه تكذب بما لم يره في منامه، يقال حلم الرجل يحلم إذا رأى حلمًا"([980]).

قال ابن الأثير: "تحلم إذا ادعى الرؤيا كاذبًا" ([981]).

وقال الحافظ: قوله: «تحلم» أي من تكلف الحلم ([982]).

قال الطبري رحمه الله: "إنما اشتد فيه الوعيد مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة منه؛ إذ قد يكون شهادة في قتل، أو حد، أو أخذ مال؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره.

والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، لقوله تعالى: }وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا{ [هود: 18] وإنما كان الكذب في المنام كذبًا على الله، لحديث «الرؤيا جزء من النبوة» وما كان من أجزاء النبوة فهو من قبل الله تعالى ([983]).


وقال ابن الأثير - رحمه الله: إن قيل: إن كذب الكاذب في منامه لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته ووعيده وتكليفه عقد الشعيرتين؟

قيل: قد صح الخبر أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيًا، والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره، وأعطاه جزءًا من النبوة لم يعطه إياه، والكاذب على الله أعظم فرية ممن كذب على الخلق، أو على نفسه ([984]).

وقال ابن أبي جمرة رحمه الله: "إنما سماه حلمًا، ولم يسمه رؤيا؛ لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئًا، فكان كاذبًا، والكذب إنما هو من الشيطان، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحلم من الشيطان» كما مضى في حديث أبي قتادة ([985]) وما كان من الشيطان فهو غير حق، فصدق بعض الحديث بعضًا".

قال: "ومعنى العقد بين الشعيرتين، أن يفتل إحداهما بالأخرى، وهذا مما لا يمكن عادة"([986]).

وقد جاء في بعض روايات الأحاديث بأن يعقد شعيرة.

فأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن تحلم عذب حتى يعقد شعيرة، وليس بعاقد»([987]).

وأخرجه أبو داود بلفظ: «من تحلم كلف أن يعقد شعيرة»([988]).


وأخرجه أحمد والترمذي، والدارمي من حديث علي رضي الله عنه يرفعه إليه - صلى الله عليه وسلم -: «من كذب في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة»([989]).

وفي رواية لأحمد: «من كذب في الرؤيا متعمدًا كلف عقد شعيرة يوم القيامة»([990]).

وأخرجه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ص قال: «ومن تحلم كاذبًا دفع إليه شعيرة، وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد»([991]).

ثالثًا: من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليتبوأ مقعده من النار:

أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»([992]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وإنما ساقه المؤلف بتمامه ولم يختصره كعادته لينبه على أن الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - يستوي فيه اليقظة والمنام، والله سبحانه وتعالى أعلم([993]).


وفي مسند الإمام أحمد من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كذب علي في حلمه كلف عقد شعيرة يوم القيامة»([994]).

وفي المسند أيضًا من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد بلفظ: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»([995]).

وفي رواية له بلفظ: «من كذب في الرؤيا متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»([996]).

فالذي يدعي كذبًا وزورًا وبهتانًا أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام قد كذب عليه لأن رؤياه - صلى الله عليه وسلم - حق لا يتمثل الشيطان به كما مر معنا.

وقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، فأخرج البخاري من حديث المغيرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»([997]).

وأخرج البخاري من حديث واثلة بن الأسقع يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أعظم الفرى أن يُدعَى الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِي عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل»([998]).


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: والحكمة في التشديد في الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - واضحة، فإنه يخبر عن الله فمن كذب عليه كذب على الله عز وجل، وقد اشتد النكير على من كذب على الله تعالى في قوله: }فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ{ [الأعراف: 37] فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر.

ثم قال رحمه الله: وأما المنام فإنه لما كان جزءًا من الوحي كان المخبر عنه بما لم يقع كالمخبر عن الله بما لم يلقه إليه، أو لأن الله يرسل ملك الرؤيا فيري النائم ما شاء، فإذا أخبر عن ذلك بالكذب يكون كاذبًا على الله وعلى الملك، كما أن الذي يكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ينسب إليه شرعًا ما لم يقله، والشرع غالبًا تلقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على لسان الملك، فيكون الكاذب في ذلك كاذبًا على الله، وعلى الملك([999]).

وأخرج البخاري من حديث علي رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار»([1000]).

فقوله: «لا تكذبوا علي» عام في كل كاذب، مطلق في كل نوع من الكذب([1001]).

وقوله: «فليتبوأ» أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك ([1002]).

قال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوء ويلزم عليه ([1003]).

وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح كما قال الحافظ، عن ابن عمر بلفظ «بني له بيتًا في النار»([1004]).

قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوء ([1005]).

وأخرج البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار»([1006]).

قال الحافظ ابن حجر: قوله: (كذبًا) هو نكرة في سياق الشرط فيعم جميع أنواع الكذب ([1007]).

فالحاصل أن من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فهو داخل في الوعيد المذكور.


رابعًا: أن الكاذب في رؤياه من أعتى ([1008]) الناس على الله:

لما أخرجه الإمام أحمد، والطبراني من حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من أعتى الناس على الله عز وجل من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية من أهل الإسلام أو بصر عينيه في المنام ما لم تبصر»([1009]).


 الفصل الثاني: أحكام تعبير الرؤى

وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

تمهيد: حقيقة علم التعبير.

المبحث الأول: أقسام تأويل الرؤى وقواعده.

المبحث الثاني: هل الرؤى إذا عبرت وقعت؟

المبحث الثالث: أمثلة من تأويل الرؤى في السنة.



تمهيد

حقيقة علم التعبير

وفيه أربع مسائل:

المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا.

المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير.

المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟

المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم.

* * *

المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا

لغة: قال الراغب الأصفهاني: أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، فأما العبور فيختص بتجاوز الماء إما بسباحة أو في سفينة أو على بعير أو قنطرة، ومنه عبر النهر لجانبه حيث يعبر إليه أو منه.

وأما العبارة فهي مختصة بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلم إلى سمع السامع.

والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد قال تعالى: }فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ{ [الحشر: 2].

والتعبير مختص بتعبير الرؤيا، وهو العابر من ظاهرها إلى باطنها، نحو }إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ{ [يوسف: 43] وهو أخص من التأويل فإن التأويل يقال فيه وفي غيره ([1010]).


وقال ابن منظور: عبر الرؤيا وهو يعبرها عبرا وعبارة وعبرها، فسرها، وأخبر بما يؤول إليه أمرها، واستعبره إياها: سأله تعبيرها.

والعابر: الذي ينظر في الكتاب فيعبره أي يعتبر بعضه ببعض حتى يقع فهمه عليه، وكذلك قيل: عبر الرؤيا و اعتبر فلان كذا، وقيل أخذ هذا كله من العبر، وهو جانب النهر، يقال: فلان في ذلك العبر أي في ذلك الجانب، وعبرت النهر والطريق أعبره عبرا وعبورا إذا قطعته من هذا العبر إلى ذلك العبر، فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها، ويتدبر كل شيء منها ويمضي بفكره فيها من أول ما رأى النائم إلى آخر ما رأى([1011]).

اصطلاحًا: التعبير هو التفسير والإخبار بما يئول إليه أمر الرؤيا([1012]).

المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير

يظن بعض الناس أن تعبير الرؤيا رجم بالغيب وأنه لا حقيقة له، وهذا خطأ.

فمما لا شك فيه أن علم تعبير ا لرؤيا علم صحيح دل على صحته كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والواقع المحسوس يشهد بذلك.

فمن كتاب الله قوله عز وجل: }وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ{ [يوسف: 6].

وقوله تعالى: }وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ{ [يوسف: 27].


وقوله عز وجل: }قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي{ [يوسف: 37].

وقوله عز وجل: }رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ{ [يوسف: 101].

والمراد بتأويل الأحاديث هو تعبير الرؤيا، وقد سماه الله علمًا.

قال ابن عبد البر رحمه الله: وقد أثنى الله عز وجل، على يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما، وعدد عليه فيما عدد من النعم التي آتاه، التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها ([1013]).

وكذلك دلت السنة على صحة هذا العلم، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصي.

المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا؟

قال ابن بطال رحمه الله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قصة رؤياه([1014]): "وفيه أن أصل التعبير من قبل الأنبياء ولذلك تمنى ابن عمر أن يرى رؤيا فيعبرها له الشارع ليكون ذلك عنده أصلا. قال: وقد صرح الأشعري، بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء وعلى ألسنتهم".

قال ابن بطال، وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك وإن كان أصلا فلا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه ([1015]).

المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها قصة يوسف العظيمة التي قال الله في أولها: }نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ{ [يوسف: 3] وقال: }لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ{ [يوسف: 7] وقال في آخرها }لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ{ [يوسف: 111].

قال رحمه الله: "ومنها أن فيها أ صلا لتعبير الرؤيا، فإن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده.

ومنها: فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا.

ومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، لقوله للفتيين }قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ


تَسْتَفْتِيَانِ{ [يوسف: 41] وقال الملك: }أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ{ [يوسف: 43] وقال الفتى ليوسف: }أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ{ [يوسف: 46] فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم([1016]).

ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يسأل أصحابه عن الرؤيا، فيقص عليهم ما شاء الله أن يقص.

كما ثبت في الصحيحين من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ » قال: فيقص عليه ما شاء الله أن يقص([1017]).

قال النووي رحمه الله في ذكر فوائد هذا الحديث: "وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا" ([1018]).

وقال ابن حجر رحمه الله في ذكر فوائد هذا الحديث أيضًا: "وفيه الاهتمام بأمر الرؤيا بالسؤال عنها، وفضل تعبيرها، واستحباب ذلك بعد صلاة الصبح" ([1019]).

وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له»([1020]).


قال القاضي عياض رحمه الله: قوله: كان مما يقول لأصحابه «من رأى منكم رؤيا» معنى هذا اللفظ عندهم كثيرًا ما كان يفعل كذا كأنه قال من شأنه([1021]).

وقال النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - يعلمهم تأويلها، وفضلها، واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الأخبار بالغيب([1022]).

وأخرج الإمام مالك في الموطأ، ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا انصرف من صلاة الغداة، يقول: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟» ويقول: «ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة»([1023]).

قال ابن عبد البر رحمه الله: "وهذا الحديث يدل على شرف علم الرؤيا، وفضلها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يسأل عنها، لتقص عليه، ويعبرها، ليعلم أصحابه كيف الكلام في تأويلها" ([1024]).

ولهذا لا تجد مصنفًا من المصنفات الحديثة إلا ويفرد مؤلفه بابًا للرؤيا وتعبيرها، ويذكر فيه الأحاديث والآثار، وقد سبق بحمد الله الإشارة إلى شيء من ذلك في التمهيد.


ولقد وضح ابن القيم رحمه الله مكانة هذا العلم في كتابه التبيان في أقسام القرآن([1025]).

وكذلك في كتابه زاد المعاد عندما ذكر شيئًا عن حال شيخه الشهاب العابر([1026]) ورسـوخه في علم التعبير.

ثم قال: وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعت عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه، لصغر السن، واخترام المنية له رحمه الله ([1027]).

فالحاصل من خلال عرض تلك الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة الصالح، يتبين أن علم التعبير علم معتبر شرعًا، بحسب الضوابط الشرعية التي ذكرتها وسوف أذكر بعضها إن شاء الله.


المبحث الأول

 أقسام تأويل الرؤى وقواعده

وفيه أربعة مسائل:

المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا

التأويل في اللغة: هو التفعيل من أوَّل يؤوِّل تأويلاً، مثل حوَّل تحويلاً وعول تعويلاً وثلاثية آل يئول أي رجع وعاد وأول الكلام وتأويله: دبره وقدره.

وأوله وتأوله: فسره، والتأويل: عبارة الرؤيا([1028]).

 التأويل اصطلاحًا: هو تفسير الرؤيا.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أن التأويل عند السلف له معنيان:

أحدهما: بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير رحمه الله: واختلف علماء التأويل ومن ذلك قوله تعالى: }وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ{ [يوسف: 36، 37] أي تفسيره وقوله: }وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ{ [يوسف: 45].

الثاني: من معاني التأويل يطلق ويراد به الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.

ومن ذلك قوله تعالى: }وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ{ [يوسف: 100].


فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه([1029]).

فالحاصل أن تأويل الرؤيا يشمل تفسيرها الذي نسميه عبارة الرؤيا، ويشمل الحقيقة التي يؤول إليها الرؤيا، فالتعبير أخص من التأويل ([1030]).

فالتأويل كما في قوله عز وجل: }هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا{ وكقوله عز وجل: }نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ{.

والتعبير كقوله: }إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ{ [يوسف: 43] وأغلب الأحاديث في الرؤيا أن يقول - صلى الله عليه وسلم -: «فأولت ذلك بكذا».

المسألة الثانية: الأصل في التعبير

الرؤيا التي يجوز تعبيرها هي الرؤيا الصحيحة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بأنها رؤيا حق، وجاء وصفها في حديث أبي قتادة رضي الله عنه بأنها الرؤيا الصالحة، وأنها من الله، وهذه الرؤيا نوعان:

أحدهما: ما هو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.

والثاني: ما هو من ضرب الأمثال للنائم، وهذا النوع هو الأكثر والغالب على الرؤيا وهو الذي يحتاج فيه إلى التأويل.

والأصل في رؤيا المنام أنها لا تحمل دائمًا على ظاهرها، بل تحتاج إلى تعبير، لكن قد يقع بعضها مطابقًا لا يحتاج إلى تعبير.


فمن أمثلة الرؤيا التي تقع على ظاهرها رؤيا إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: }فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ{ إلى قوله: }وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [الصافات: 102-105].

ومن ذلك رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في المنام، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أُريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه»([1031]).

ومن ذلك رؤيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ([1032]) ورؤيا الصحابة ليلة القدر([1033]).

قال ابن بطال في حديث عبد الله بن عمر: "في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك".

قال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن بطال: "يشير إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - في آخر الحديث «إن عبد الله رجل صالح» وقول الملك قبل ذلك «نعم الرجل أنت لو كنت تكثر من الصلاة» ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له: «لم تُرع إنك رجل صالح» وفي آخره قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل»"([1034]).


أما النوع الثاني: فهو الذي تحمل عليه الرؤيا دائمًا ويحتاج إلى تعبير.

ومن ذلك رؤيا يوسف عليه السلام الكواكب والشمس والقمر له ساجدين، فكان تأويلها سجود إخوته وأبويه له.

وهذا النوع هو الذي يتكلم العلماء في تأويله، ووضعوا له بعض القواعد التي يمكن بها معرفة تأويل الرؤيا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وعبارة الرؤيا هو العبور من الشيء إلى مثاله ونظيره، وهو حقيقة المقايسة والاعتبار، فإن إدراك الشيء بالقياس والاعتبار الذي ألفه الإنسان واعتاده أيسر من إدراك شيء على البديهة من غير مثال معروف.

ثم المرئي في هذا الوجه، هو موجود في قلب الإنسان ونفسه، وإن كان مثلاً للحقيقة وواسطة لها" ([1035]).

وقال رحمه الله في موضع آخر: "ذكرت في مواضع شيئًا من الصدق والعدل وموقعهما من الكتاب والسنة، ومصالح الدنيا والآخرة فإذا عرف أن مادة العدل والتسوية، والتمثيل، والقياس، والاعتبار والتشريك والتشبيه، والتنظير من جنس واحد فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي والشرعي، ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا، فإن مداره على القياس والاعتبار والمشابهة التي بين الرؤيا وتأويلها" ([1036]).


ويؤكد ذلك ابن القيم رحمه الله حيث قال: "قد ضرب الله سبحانه الأمثال وصرفها قدرًا وشرعًا ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك، وعبورهم من شيء إلى نظيره واستدلالهم بالنظير على نظيره؛ بل هذا أهَّل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوع من أنواع الوحي، فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس"([1037]).

ويقرر هذا الأصل الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله حيث قال في عبارة الرؤيا: "إنَّ أغلب ما تبنى عليه، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة"([1038]).

فالحاصل من كلام هؤلاء العلماء الأئمة، أن تعبير الرؤيا يعتمد على القياس والاعتبار والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا التي تمثل جانب المعقول وبين تأويلها الذي يمثل جانب المحسوس.

وسوف تأتي الأمثلة، إن شاء الله، لتوضيح وجه المناسبة والمشابهة بين الاسم والصفة.

والذي يستقرئ الرؤى الواردة في الكتاب والسنة يجدها تؤيد هذا الأصل، وقد ذكر ابن بطال رحمه الله أن الوارد عن الأنبياء، وإن كان أصلاً فلا يعم جميع المرائي، فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلاً يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه ([1039]).


المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا

يقول الإمام البغوي رحمه الله في كتابه شرح السنة: "واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من جهة الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب"([1040]).

وإليك تفصيل ذلك:

(أ) التأويل بدلالة القرآن:

يقول ابن القيم رحمه الله: وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن، فالسفينة تُعبَّر بالنجاة، لقوله تعالى: }فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ{ [العنكبوت: 15] والخشب يعبر بالمنافقين ، لقوله تعالى: }كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ{ [المنافقون: 4].

والحجارة تعبر بقساوة القلوب ، لقوله جل ذكره: }فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً{ [البقرة: 34].

والبيض يعبر بالنساء ، لقوله تعالى: }كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ{ [الصافات: 49]([1041]).


وكذلك اللباس يعبر بالنساء لقوله تعالى: }هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ{ [البقرة: 187]([1042]).

(ب) التأويل بدلالة الحديث:

قال البغوي رحمه الله: "وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر الرجل الفاسق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه فاسقًا"([1043]).

والفأرة تعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماها فويسقة ([1044]).

والضلع يعبر بالمرأة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج»([1045]).

والقوارير تعبر بالنساء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير»([1046]).

(ج) التأويل بالأمثال السائرة بين الناس:

قال البغوي رحمه الله: ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقولهم:

فلان أطول يدا من فلان ([1047]).


ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لنسائه: «أسرعكن لحاقًا بي، أطولكن يدًا» قالت عائشة فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل وتتصدق ([1048]).

قال النووي رحمه الله: "إنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقة وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد بطول اليد في الصدقة والجود، قال أهل اللغة يقال فلان طويل اليد وطويل الباع إذا كان سمحًا جوادًا وضده قصير اليد والباع"([1049]).

(د) التأويل بالأسامي:

قال البغوي رحمه الله: "والتأويل بالأسامي، كمن رأى رجلا يسمى راشدًا يعبر بالرشد، وإن كان يسمى سالمًا يعبر بالسلامة"([1050]).

ثم ساق بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب([1051]) فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب»([1052]).


ومن أمثلة ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده والبخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة ([1053]) فأولت أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة»([1054]).

قال المهلب: «هذه الرؤيا من قسم الرؤيا المعبرة وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة»([1055]).

(هـ) تأويل بدلالة المعاني:

وهذا الأغلب في تأويل الرؤيا، كما يقول السعدي رحمه الله في تفسير سورة يوسف: وإن أغلب ما تبنى عليه، أي الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة. فإن رؤيا يوسف، التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها.

فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يهتدى بهذه الأنوار.


ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.

ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات فكانت لأبيه وإخوته.

ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا، عند أبويه وإخوته ومن لازم ذلك، أن يكون مجتبى مفضلاً في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: }وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ{ [يوسف: 6].

ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأى صاحبها أنه يعصر خمرًا، أن الذي يعصر خمرًا في العادة، يكون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يئول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن.

وأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل.

وأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد.


وكذلك السنون، بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه.

وأما البقر، فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا.

وكذلك السنابل في الخصب، تكثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس، وهي أفضل أغلال الأرض ([1056]).

المسألة الرابعة: من كليات التعبير

ما ذكرته سابقًا من أقسام تأويل الرؤيا إنما هو مبني على القياس والمشابهة في الاسم والصفة بين الرؤيا وتأويلها، وهذا الأمر وإن كان غالبًا فإنه لا يقطع به بالنسبة لغير الأنبياء؛ إلا أن يظهر في اليقظة صدقها.

يقول علي القاري: "والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي فإنه قد يكون سالكًا مسالك طريق الدنيا وقد يكون سائرًا في مسائر صراط العقبى".

فكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه وهذا أمر غير منضبط ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلاً جامعًا شاملاً كافلاً لأنواع الرؤيا وإنما تكلموا فيما وقع لهم من القضايا ([1057]).

وعندما ذكر البغوي رحمه الله: تأويل أبي بكر رضي الله عنه للرؤيا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تأويل جملة هذه الرؤيا على ما عبره أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهذه الرؤيا تشتمل على أشياء، إذا انفرد كل واحد منها عن صاحبه انصرف تأويله إلى وجه آخر، فإن تعبير الرؤيا يتغير بالزيادة والنقصان"([1058]).

وساق الأمثلة على ذلك.

ثم قال البغوي رحمه الله: "وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر"([1059]).

وقوله: (مكروه) لما ثبت عن الحسن رضي الله عنه قال: وكان يكره الغل في النوم ([1060]).

قال المهلب: "الغل يعبر بالمكروه لأن الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى: }إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ{ [غافر: 71] الآية"([1061]).

قال الحافظ: "وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودًا كما وقع لأبي بكر الصديق، فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال: مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الأنصار، فقال أبو بكر: جمع لي ديني إلى يوم المحشر".

ولذا يقول البخاري: لا تكون الأغلال إلا في الأعناق.

قال الحافظ: «"كأنه يشير – يعني البخاري رحمه الله- إلى الرد على من قال: قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل"([1062]).


وقد ذكر ابن القيم رحمه الله جملة من كليات التعبير، منها: "أن كل سقوط وخرور من علو إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يتجاوز العادة وكان ممن يليق به، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة.. " ([1063]).

وبعد ذكر هذه القواعد ليعلم أن ما ذكر في هذا المبحث من تأويل الرؤيا ليس هو من التوقيف الذي يقطع به في تأويل الرؤيا، وإنما ذلك من باب التقريب الذي قد يكون التأويل فيه صوابًا وقد يكون غير صواب([1064]).

ولهذا كان ابن سيرين رحمه الله يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء إلا أنه يقول: "اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم"، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: "إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب"([1065]).


المبحث الثاني

 هل الرؤيا إذا عبرت وقعت؟

اختلف العلماء- رحمهم الله- في الرؤيا هل لها حقيقة مستقرة بنفسها، أو هي تابعة للتعبير، كيفما عبرت؟

قال ابن العربي رحمه الله: "وهذا فصل تكلم الناس فيه، فما أنسوا به لتوحشه"([1066]).

وحاصل هذه الأقوال يرجع إلى ثلاثة أقوال على جهة التفصيل([1067]).

القول الأول: أن الرؤيا إذا عبرت وقعت؛ بمعنى أنها تقع كما عبرها العابر وتلزم، واستدل أصحاب هذا القول بالأحاديث التالية.

(1) ما أخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله، فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالمًا»([1068]).

وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في مرسل أبي قلابة ([1069]).


(2) وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديثًا فيه: «والرؤيا لأول عابر»([1070]).

(3) وأخرج الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، والحاكم في مستدركه من حديث أبي رزين العقلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا المسلم جزء من أربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا»([1071]).

وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن أبي شيبة «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر([1072]) عليه فإذا عبرت وقعت» قال وأحسبه قال: قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأي»([1073]).


وفي لفظ لأحمد قال: «على رجل طائر ما لم يخبر بها، فإذا أخبر بها وقعت»([1074]).

(4) وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عطاء: كان يقال الرؤيا على ما أولت ([1075]).

(5) أخرج الدارمي في سننه، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقول: إن زوجها خرج تاجرًا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير، يرجع زوجك، إن شاء الله تعالى، صالحًا، وتلدين غلامًا برًا» فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها وتلد غلامًا فجاءت يومًا كما كانت تأتيه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أمة الله؟ فقالت: رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسأله عنها، فيقول: خيرًا فيكون كما قال: فقلت: فأخبريني ما هي؟ قال: حتى يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرضها عليه كما كنت أعرض، فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلامًا فاجرًا فقعدت تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟ فأخبره الخبر وما أولت لها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مه يا عائشة إذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدت غلامًا فاجرًا»([1076]).

قالوا: هذه الأحاديث صريحة في أن الرؤيا تقع على مثل ما تفسر به، وعليه أن يقال أن الله إذا قدر أن تقع الرؤيا فإنه سبحانه يقدر للعابر أن يفسرها على وفق ما ستقع، ومن ثم أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا نقص الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح.

وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى هذا القول، في تفسيره لقوله تعالى: }قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ{ [يوسف: 41] حيث قال: "أعلمهما – يعني أن يوسف أعلم الفتيين- أن هذا قد فرغ منه، وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت"([1077]).

قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي رزين: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فمعناه كما قال الخطابي رحمه الله: "هذا مثل معناه لا تستقر قرارها ما لم تعبر"([1078]).

وقال ابن الأثير في النهاية: أي أنها على رجل قدر جار، وقضاء ماض من خير أو شر، وأن ذلك هو الذي قسمه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارًا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه وخرج، وكل حركة من كلمة أو


شيء يجري لك فهو طائر، والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول، فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت ووقعت حيث عبرت، كما يسقط الذي يكون على رجل الطائر بأدنى حركة ([1079]).

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم المؤمن أو الرائي لها.

وقوله: «بها» أي بتلك الرؤيا أو تعبيرها.

وقوله: «فإذا حدث بها وقعت» أي تلك الرؤيا على الرائي يعني يلحق الرائي أو المرئي له حكمها.

وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الرواية الأخرى: «فإذا عبرت وقعت» فهذه الرواية تدل على أن المراد بقوله «ما لم يحدث» أي ما لم يتكلم بتعبيرها ([1080]).

قال الطيبي: "التركيب من باب التشبيه التمثيلي، شبه الرؤيا بالطائر السريع طيرانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأدنى حركة فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات، وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير، فإذا كانت في حكم الواقع قدر من يتكلم بتأويلها على ما قدر فيقع سريعًا، وإن لم يكن في حكمه، لم يقدر لها من يعبرها"([1081]).

القول الثاني: قالوا إن للرؤيا حقيقة ثابتة مستقرة بنفسها وليست تابعة للتعبير.

واستدلوا بقوله تعالى في قصة الملك: }قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ{ [يوسف: 44].


قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: "في الآية دليل على بطلان قول من يقول إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا: أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك، فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت"([1082]).

واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر عندما فسر الرؤيا: «أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا»([1083]).

ووجه الدلالة: أن الرؤيا حقيقة لم يدرك بعضها أبو بكر، وأخطأ فيها، ثم بتعبيره لها لم تتغير حقيقتها ([1084]).


قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أن الرؤيا ليست لأول عابر كما تقدم تقريره، لكن قال إبراهيم بن عبد الله الكرماني: المعبر لا يغير الرؤيا عن وجهها عبارة عابر ولا غيره، وكيف يستطيع مخلوق أن يغير ما كانت نسخته من أم الكتاب؟ غير أنه يستحب لمن يتدرب في علم التأويل ألاَّ يتعرض لما سبق إليه ممن لا يشك في أمانته ودينه".

قال الحافظ تعليقًا على قول الكرماني: "وهذا مبني على تسليم أن المرائي تنسخ من أم الكتاب على وفق ما يعبرها العارف، وما المانع أنها تنسخ على وفق ما يعبرها أول عابر" ([1085]).

وأجابوا عن حديث «إذا عبرت وقعت» بأن وقوعها بعد التعبير عبارة عن زوال التردد للرائي، فإنه لا تزال نفسه تتردد في تعبيره، فإذا عبر وقع تعبيره عنده، وليس فيه أن الواقع أيضًا يتبع تعبيره، وإنما المضرة في تعبير الرؤيا المشوهة هو التحزين لا غير ([1086]).

القول الثالث: قال جمهور العلماء في هذه المسألة تفصيل:

فجمعوا بين أدلة أصحاب القولين السابقين، وقالوا بينها عموم وخصوص فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت» فهذا الوقوع مخصوص بما إذا أصاب حقيقة الرؤيا، ودل على هذا الخصوص قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا».

ولهذا المعنى أشار البخاري رحمه الله حيث قال في كتاب التعبير باب: من لم ير الرؤيا لأول عابر، إذا لم يصب ([1087])، ثم ساق حديث ابن عباس السابق في قصة تعبير أبي بكر للرؤيا، بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.


قال الكرماني: "قوله –يعني البخاري- العابر الأول، قيل ذلك إذا كان مصيبًا في وجه العبارة، أما إذا لم يصب فلا، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب، فمعنى الترجمة، باب من لم يعتقد أن تفسير الرؤيا هو للعابر الأول إذا كان مخطئًا ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصديق «أخطأت بعضًا»"([1088]).

وقال الحافظ ابن حجر: "أشار البخاري إلى تخصيص ذلك بما إذا كان المعبر مصيبًا في تعبيره، وأخذه من قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في حديث الباب «أصب بعضًا وأخطأت بعضًا» فإنه يؤخذ منه أن الذي أخطأ فيه لو بينه له لكان الذي بينه له هو التعبير الصحيح، ولا عبرة بالتعبير الأول"([1089]).

وقال ابن الأثير رحمه الله: "وهي لأول عابر يحسن عبارتها"([1090]).

وقال الطيـبي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن الرؤيا على رجل طائر» معناه أنها إذا كانت محتملة وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على وفق تلك الصفة([1091]).

وقال أبو عبيد ([1092]): "معنى قوله: «الرؤيا لأول عابر» إذا كان العابر الأول عالمًا فعبر فأصاب وجه التعبير وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام، ليتوصل بذلك إلى مراد الله فيما ضربه من المثل، فإذا أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإذا لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبره بما عنده، ويبين ما جهل الأول"([1093]).

ويقول الطحاوي([1094])، رحمه الله في كتابه مشكل الآثار.

باب بيان مشكل ما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ثم ساق الحديث ثم قال: فسأل سائل: عن معنى قوله: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر» ما هو؟

فكان جوابنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكون الرؤيا قبل أن تعبر معلقة في الهواء غير ساقطة وغير عاملة شيئًا حتى تعبر، فإذا عبرت عملت وحينئذ ذكرها بأنها على رجل طائر أي أنها غير مستقرة.

فقال هذا القائل: فقد عبر أبو بكر حديث الظلة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا» فكان معقولا أن ما كان من ذلك خطأ غير عامل فيما عبر من تلك الرؤيا ما عبره منها عليه.

والجواب في ذلك أن العبارة إنما يكون عملها في الرؤيا إذا عبرت بها إنما يكون تعمل إذا كانت العبارة صوابًا، أو كانت الرؤيا تحمل وجهين اثنين، واحد منهما أولى بها من الآخر، فتكون معلقة على العبارة التي يرد إلى أحدهما حتى يعبر عليه ويرد إليه فيسقط بذلك، وتكون تلك العبارة هي عبارتها، وينتفي عنها الوجه الذي قد كان محتملا لها، والله نسأل التوفيق([1095]).

ويقول ابن قتيبة([1096]) في تأويل مختلف الحديث:

قالوا: رويتم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت».

قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر معه بتأخر العبارة لها؟ وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر، لم تقع.

قال أبو محمد: ونحن نقول إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب، وهم يقولون للشيء إذا لم يستقر: هو على رجل طائر، وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي يريدون أنه لا يطمئن ولا يقف.

قال رجل في الحجاج بن يوسف:


كأن فؤادي بين أظفار طائر

من الخوف في جو السماء محلق

حذار امرئ قد كنت أعلم أنه

متى ما يُعِدُّ من نفسه الشر يصدق

وكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تحول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق، وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها، إذا أصاب.

يقول عز وجل: }إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ{ [يوسف: 43] يريد إن كنتم تعلمون عبارتها ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتؤول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام.

فمنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان، وإنما تكون صحيحة التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين، وهذه الرؤيا الصحيحة هي التي تحول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للأصول الموفق للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر([1097]).

وممن رجح هذا القول الشيخ الألباني رحمه الله حيث قال في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «على رجل طائر» أي أنها لا تستقر ما لم تعبر، كما قال الطحاوي والخطابي وغيرهما، والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ألا نقصها إلا على ناصح أو عالم؛ لأن المفروض فيهما أن يختار أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضًا، وإلا فلا تأثير له حينئذ، والله أعلم ([1098]).


المبحث الثالث

 أمثلة من تأويل الرؤى في السنة

جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة في تأويل الرؤيا، ومن تلك الأحاديث:

الحديث الأول: تأويله - صلى الله عليه وسلم - اللبن بالعلم:

أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج في أظافري ([1099] ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب» قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: «العلم»([1100]).

ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه ترجم لهذا الحديث في كتاب التعبير بأربعة أبواب.


الأول: باب اللبن، قال الحافظ: أي إذا رؤي في المنام، بماذا يعبر؟

الثاني: باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافره، وذكر الأطراف؛ لأنه جاء في لفظ الحديث «من أطرافي» وفي لفظ آخر «من أظافري».

الثالث: باب إذا أعطى فضله غيره في النوم.

الرابع: باب القدح في النوم.

واستدل به كذلك في كتاب العلم، على فضل العلم([1101]) أي ما فضل منه.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وتفسير اللبن بالعلم لاشتراكهما في كثرة النفع بهما"([1102]).

وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي.

ويقول ابن العربي رحمه الله: "والعارضة فيه أن اللبن رزق ينشئه الله طيبًا بين أخابث([1103]) كالعلم نور يظهره الله في ظلمة فضرب به المثل في المنام" ([1104]).


ويقول ابن أبي جمرة رحمه الله: تأويل النبي - صلى الله عليه وسلم - اللبن بالعلم اعتبارًا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: (أخذت الفطرة) الحديث ([1105]).

ولهذا قال المهلب: "اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم"([1106]).

قال الحافظ: "وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه، اللبن في المنام فطرة"([1107]).

وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه «من رأى أنه شرب لبنًا فهو الفطرة»([1108]) ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل «الحمد لله الذي هداك للفطرة»([1109]).

ويقول ابن القيم رحمه الله: "ومن هذا تأول اللبن بالفطرة، لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن، فهو مفطور على إيثاره على ما سواه وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله عليها الناس"([1110]).


الحديث الثاني: تأويله - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين:

فأخرج أحمد والبخاري في صحيحه ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثُدِيُّ ([1111]) ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين»([1112]).

وقد ترجم البخاري رحمه الله لهذا الحديث في صحيحه في كتاب التعبير ببابين:

الأول: باب القميص في المنام.

الثاني: باب جر القميص في المنام.

واستدل به في كتاب الإيمان على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال ([1113]).


ووجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل فيه قوله تعالى: }وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ{. [الأعراف: 26]

والعرب تُكني هنا الفضل والعفاف بالقميص([1114]).

ويقول ابن القيم رحمه الله: "ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين، فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين، كما أول النبي - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلاًّ منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس"([1115]).

وقال ابن العربي رحمه الله في تأويله - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين: "وذلك لأن الدين يستر عورات الجهل، كما يستر الثوب عورات البدن، فالذي كان يبلغ للثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك هو الذي يستر فرجه، وما دون ذلك هو الذي يستر رجليه عن المشي فيما لا ينبغي، والذي يستره ويجره هو الذي احتجب بالتقوى من الوجوه كلها، ومن هو إلا عمر"([1116]).

قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الحديث من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعًا؛ أعني جر القميص، لما ثبت من الوعيد في تطويله"([1117]) ([1118]).


 الفصل الثالث: آداب الرؤى

وفيه تمهيد وأربعة مباحث:

المبحث الأول: إذا رأى ما يحب.

المبحث الثاني: إذا رأى ما يكره.

المبحث الثالث: شروط المعبر للرؤيا.

المبحث الرابع: آداب المعبر.



تمهيد

جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيان الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى رؤيا أو قصت عليه رؤيا.

وقد يتهاون بعض الناس بشأن هذه الآداب سواء كانت الرؤيا صالحة أو غير صالحة، وقد يجهل بعض الناس الآداب التي تتعلق بالرؤيا وتأويلها، وما ينبغي ذكره منها وما لا ينبغي ذكره.

وقد يسارع بعضهم إلى السؤال عما يرونه من الرؤيا المكروهة، وذلك لعدم علمهم بأنه لا يجوز ذكرها ولا السؤال عنها، وربما حملهم حب الاطلاع على ذكرها لبضع المتخرصين الذين لا علم لهم بآداب الرؤيا وتأويلها فيعبرونها لهم على الوجه المكروه فيحصل لهم الغم والحزن من تعبيرهم.

ولذا رأيت أن أختم هذا البحث ببيان الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب وإذا رأى ما يكره، والشروط التي يجب توافرها فيمن يعبر الرؤيا، والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا.


المبحث الأول

 إذا رأى ما يحب

إذا رأى المسلم الرؤيا يحبها وتسره وتعجبه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشد إلى الآداب التي ينبغي أن يفعلها الرائي، وذلك كما دلت عليها الأحاديث التالية:

(1) ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره»([1119]).

(2) أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شر الشيطان، وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره»([1120]).

وفي رواية لمسلم «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب».

(3) أخرج الإمام في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخوف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه، فلا يقصه على أحد وليقم فليصل»([1121]).

(4) أخرج الإمام أحمد والطبري من حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ قال الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن هي جزء من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها أحدًا([1122]).

(5) أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة، فمن رأى خيرًا فليحمد الله عليه، وليذكره، ومن رأى غير ذلك فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره»([1123]).

(6) أخرج الإمام ابن عبد البر في التمهيد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم الرؤى تعجبه فليذكرها، وليفسرها وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها، ولا يفسرها»([1124]).


فدلت هذه الأحاديث على الآداب التي يلتزم بها المسلم إذا رأى ما يحب، وهذه الآداب كما يلي:

الأول: أن يحمد الله عليها.

الثاني: أن يستبشر بها.

الثالث: أن يتحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.

وإليك تفصيل هذه الآداب.

الأول: أن يحمد الله عليها:

لما جاء في حديث أبي سعيد «فليحمد الله» والحمد هو الثناء على الله، سبحانه بالقلب واللسان([1125]).

الثاني: أن يستبشر بها:

لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة «فإن رأى رؤيا حسنة فليُبْشِر».

قال النووي رحمه الله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فليبشر» هكذا هو في معظم الأصول فليبشر بضم الياء وبعدها باء ساكنة من الإبشار والبشرى، وفي بعضها بفتح الياء، وبالنون من النشر وهو الإشاعة، قال القاضي عياض في المشارق والشرح وهو تصحيف ([1126])، وفي بعضها «فليستر» بسين مهملة من الستر والله أعلم([1127]).

وقال الحافظ ابن حجر: "وقوله: «فليبشر» بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى وقيل بنون بدل الموحدة أي يحدث بها، وزعم عياض أنها تصحيف، ووقع في بعض النسخ عن مسلم «فليستر» بمهملة ومثناة من الستر"([1128]).


ولهذا سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصالحة من المبشرات، وقد سبق تفصيل كون الرؤيا الصالحة من المبشرات، وذكر الآيات والأحاديث والآثار الواردة في ذلك.

ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: "الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره"([1129]).

الثالث: أن يحدث بها ويخبر بها من يحب دون من يكره.

والتحدث بالرؤيا والإخبار بها جاء مطلقًا ومقيدًا، ففي حديث أبي سعيد الخدري مطلقًا دون تقييد «وليحدث بها»، وكذا في حديث أبي هريرة عند أحمد «فليقصها إن شاء» وعند ابن عبد البر «فليذكرها، وليفسرها» وفي حديث عبد الله بن عمرو «فليخبرها بها» وفي حديث ابن عمر «وليذكره».

بينما جاء هذا الإخبار والتحديث مقيدًا بمن يحب كما في حديث أبي قتادة «فلا يحدث بها إلا من يحب» وفي رواية «ولا يخبر إلا من يحب».

وعلى هذا التحديث بالرؤيا الصالحة مستحب، وقد يقال مباح لأنه في بعض الروايات قال: «إن شاء» والأول أقرب، ولا شك أن تقييدها بالأحباب أولى وهم أخص الناس بذكرها لهم.

وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح»([1130]).


وجاء سبب هذا النهي في حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رَجل رفع رِجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحًا أو عالمًا»([1131]).

وفي حديث أبي رزين قال: «ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».

وفي رواية قال: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا»([1132]).

قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: "فإن كانت بشرى أو شككت فلا تحدث بها إلا عالمًا أو ناصحًا.

العالم يعبرها له على الخير إذا أمكنه.

والناصح يرشده إلى ما ينفعه، ويعينه عليه.

أما الحبيب فإذا عرف قال: وإن جهل سكت.

وأما اللبيب وهو العاقل العارف بتأويلها فإنه ينبئك بما تعول عليه فيها، وإن ساءته سكت عنك وتركها"([1133]).

وقال النووي رحمه الله: "قوله - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا المحبوبة الحسنة «لا تخبر بها إلا من تحب» فسببه أنه إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه، فقد يقع على تلك الصفة، وإلا فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها والله أعلم"([1134]).

وكذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ([1135]).


ولهذا نصح نبي الله يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عليه السلام ألا يقص الرؤيا على إخوته قال تعالى: }قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ{ [يوسف: 5].

قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله: "وهذه الآية أصل في ألا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها"([1136]) ثم استشهد بحديث أبي رزين السابق.

وقال أيضًا: "إن يعقوب عليه السلام كان أحسَّ من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قص الرؤيا عليهم خوف أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه"([1137]).

وقال ابن كثير رحمه الله: "خشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: }لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا{ أي يحتالون لك حيلة يردونك فيها"([1138]).

ثم استشهد بالأحاديث السابقة، ثم قال: "ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد، وتظهر كما ورد في الحديث «استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود»" ([1139]).


وقال ابن رجب رحمه الله في شرح حديث معاذ في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه: "وفي حديث معاذ ([1140]) دليل على أنه من رأى رؤيا تسره فإنه يقصها على أصحابه وإخوانه المحبين له، ولا سيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعظيمًا لما ينفعهم وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح يقول لأصحابه «من رأى منكم الليلة رؤيا»"([1141]).


المبحث الثاني

 إذا رأى ما يكره

جاءت الأحاديث السابقة ببيان أن هناك نوعًا من الرؤى يكرهها الرائي، وقد تبين لنا علامات هذا النوع، وأنه من تهويل الشيطان وتحزينه لابن آدم، لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين، كما قال تعالى: }إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ{ [المجادلة: 10].

فكل شيء ينكد على الإنسان في حياته، ويعكر صفوها عليه فإن الشيطان حريص عليه سواء ذلك في اليقظة أو في المنام، لأن الشيطان عدو كما قال تعالى: }إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا{ [فاطر: 6].

ومن عداوته أن يصور للإنسان في منامه ما يفزعه في نفسه أو ماله أو في أهله أو في مجتمعه، وهذا يحصل لكثير من الناس ويكثر السؤال عنه، وهذا النوع من الرؤيا أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التحرز منه، ومع ذلك تجد كثيرًا من الناس يجهل هذه الآداب التي أرشدنا إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقد دلت الأحاديث التي ذكرتها في المباحث السابقة على بعض الآداب وكذلك ما أذكره من أحاديث أخرى في بيان الآداب التي يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره وهي أحاديث كثيرة منها:

(1) حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره».


(2) حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق عند أحمد وفيه: «وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصلِّ».

(3) حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما السابق وفيه: «ومن رأى سوى ذلك، فإنما هي من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليسكت ولا يخبر بها أحدًا».

(4) حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما السابق وفيه: «ومن رأى غير ذلك، فليستعذ بالله من شر رؤياه، ولا يذكرها، فإنها لا تضره».

(5) حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق عن ابن عبد البر وفيه: «وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوؤه، فلا يذكرها ولا يفسرها».

(6) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق وفيه: «فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدثه أحدًا وليقم فليصل»([1142]).

وفي لفظ: «فمن رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل»([1143]).

(7) ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»([1144]).

وفي رواية أحمد «فليبزق» وقال يونس أحد رواة الحديث «فليبسق».


(8) ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فلينفث عن يساره ثلاثًا وليستعذ مما رأى»([1145]).

(9) ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليسأل الله من خيرها، وليتعوذ بالله من شرها»([1146]).

(10) أخرج الإمام مالك والبخاري ومسلم من حديث يحيى بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت قتادة بن ربعي يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره إن شاء الله» قال أبو سلمة: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها ([1147]).


ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة مختصرًا ([1148]).

وزاد مسلم في رواية له: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»([1149]).

وفي رواية ابن ماجة قال: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإن رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فليبصق عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه».

ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: كنت أرى الرؤيا أعرى منها ([1150])، غير أني لا أزمل ([1151]) حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره»([1152]).

وفي رواية لأحمد قال: «فمن رأى رؤيا يكرهها فلا يخبر بها، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، فإنها لا تضره» قال سفيان مرة أخرى: «فإنه لن يرى شيئًا يكره»([1153]).

ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا من طريق عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا فكنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى ما يكرهه فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم وشرها، ولا يحدث بها أحدًا فإنها لا تضره»([1154]).

وفي رواية لمسلم قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره، ولا يخبر بها أحدًا»([1155]).


ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من رأى رؤيا تعجبه فليحدث بها، فإنها بشرى من الله عز وجل، ومن رأى رؤيا يكرهها فلا يحدث بها، وليتفل عن يساره، وليتعوذ بالله من شرها» وهذا لفظ أحمد([1156]).

ولفظ البخاري قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم فليتعوذ منه وليبصق عن شماله فإنها لا تضره»([1157]).

ورواه البخاري أيضًا من طريق عبيد الله بن جعفر بن أبي سلمة عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثًا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره»([1158]).

ورواه الإمام أحمد والبخاري أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن شماله ثلاث مرات، وليتعوذ بالله من الشيطان فإنه لا يضره» وهذا لفظ أحمد ([1159]).


وعند البخاري قال: «... فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره»([1160]).

فهذه جملة الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها المسلم إذا رأى ما يكره، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مما يكره» أي يهوله، ويفزعه على ما تقدم في تفسير الحلم وأنه من تخيل الشيطان وتحزينه.

وحاصل هذه الآداب التي أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - هي ستة آداب كما يلي:

(1) أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا.

(2) أن يستعيذ بالله من شر ما رأى.

(3) أن يبصق عن يساره ثلاثًا.

(4) أن يقوم فيصلي.

(5) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.

(6) ألاَّ يحدث بها أحدًا.

وإليك تفصيل هذه الآداب، وبيان الحكمة منها.

أولا: أن يستعيذ بالله من الشيطان ثلاثًا:

وذلك لأن الرؤى المكروهة من تخييل الشيطان وتحزينه وتهويله ليحزن بها الرائي، كما سبق في الأحاديث «والحلم من الشيطان» وفي بعضها «ورؤيا تحزين من الشيطان» وفي بعضها «تخويف من الشيطان»، وفي بعضها «أهاويل من الشيطان»


وأما معنى الاستعاذة من الشيطان، وصيغ الاستعاذة فهذا مبسوط في مواضعه([1161]).

ثانيًا: أن يستعيذ بالله من شر ما رأى:

فالاستعاذة بالله مشروعة عند كل أمر يكره، وقد جاء في هذه الأحاديث الأمر لمن رأى رؤيا يكرهها أن يستعيذ بالله من شرها، كما استعاذ بالله من شر الشيطان.

أما صفة التعوذ بالله من شر ما رأى فقد جاء في غير هذه الأحاديث.

فأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: "إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي التي رأيت الليلة أن تضرني في ديني ودنياي يا رحمن"([1162]).

وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك في الموطأ، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني أروع في منامي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون»([1163]).


ورواه الإمام أحمد عن الوليد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة، قال: «فإذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشيطان، وأن يحضرون، فإنه لا يضرك وبالحري ألاَّ يقربك»([1164]).

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشيطان وأن يحضرون»([1165]).

ولفظ الترمذي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره».

ثالثًا: أن يبصق عن يساره ثلاثًا:

في الأحاديث السابقة، أمر - صلى الله عليه وسلم - من أُري رؤيا يكرهها أن يبصق عن يساره ثلاثًا إذا استيقظ.


وقد جاء الأمر بالبصق في حديث جابر، أما في حديث أبي قتادة فجاء بلفظ «فلينفث» وفي بعض رواياته بلفظ «وليتفل ثلاثًا» ([1166]).

وفي حديث جابر عند الإمام أحمد بلفظ («فليبزق) ولفظ «فليبسق»([1167]).

فحاصل الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث خمسة ألفاظ:

1- فلينفث.                       2- فليبصق.

3- فليبزق.                        4- فليبسق.

5- فليتفل.

أما البصق والبزق والبسق فهي بمعنى واحد، كما جاء في القاموس المحيط: البصاق والبساق والبزاق: ماء الفم إذا أخرج منه، وما دام فيه: فريق ([1168]).

فحصل بذلك ثلاثة ألفاظ وهي:

1- فلينفث                2- فليبصق            3- فليتفل.

قال الجوهري في الصحاح: «التَفل: شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ»([1169]).

وقال النووي رحمه الله: "وأكثر الروايات (فلينفث) وهو نفخ بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه"([1170]).

وقال ابن حجر رحمه الله: "والذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى الريق قيل له بصاق، وبالنظر إلى النفخ قيل له نفث"([1171]).

وأمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك طردًا للشيطان، وتحقيرًا له، واستقذارًا، وخص باليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات، واليمين ضدها والتثليث فيها للتأكيد([1172]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "واستدل به على أن للوهم تأثيرًا في النفوس لأن التفل، وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا، فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه، وكذا في النهي عن التحديث بما يكره، والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب"([1173]).

وقال الألوسي رحمه الله: "ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سببًا للسلامة عن المكروه، كما جعل الله الصدقة سببًا لدفع البلاء، وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار، والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلاً في السببية"([1174]).

والواجب على المسلم هو التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، ثم بعد ذلك لا مانع أن يسأل عن الحكمة والله أعلم.

رابعًا: أن يقوم فيصلي:

والأمر بالصلاة لما فيها من التضرع، والمناجاة لله عز وجل، وإغاضة الشيطان بعدم رجوعه إلى النوم ليعيد عليه التحزين.

قال ابن العربي رحمه الله: "لأن التحريم بها عصمة من الأسواء، ونهي عن المنكر والفحشاء"([1175]).


وقال ابن حجر رحمه الله: "أما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجوء إليه، ولأن في التحريم بها عصمة من الأسواء، وبها تكمل الرغبة، وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده"([1176]).

خامسًا: أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر:

أي يتحول عن الجنب الذي رأى فيه ما يكره إلى الجنب الثاني، والتحول للتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها، وسبق في الأدب الثالث أن الواجب على المسلم التسليم والامتثال لأمر الله ورسوله، وهذه الأمور جعلها الله أسبابًا للسلامة من الضرر.

سادسًا: ألا يحدث بها أحدًا.

فقد جاء في الأحاديث السابقة نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يحدث بها أحدًا، بخلاف الرؤيا التي يحبها؛ فإنه يحدث بها من يحب، وذكرت بعض الحكم في ذلك.

ومن ذلك ما قاله النووي رحمه الله في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا يحدث بها أحدًا».

سببه أنه ربما فسرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة.

قالوا: وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهًا ويفسر بمحبوب وعكسه، وهذا معروف لأهله ([1177]).

وذكر القاضي عياض رحمه الله فائدة أخرى في عدم الإخبار بها وهي:


خوف الشغل بمكروه تفسيرها، والتعذيب به مدة لا يعلم قربها من بعدها، فإن الرؤى تخرج بعد سنين، فإذا لم يخبر بها كان ذلك دواء لمكروهها.

وأيضًا إذا لم يخبر بها أحدًا بقي بين الرجاء والطمع في أنه لعل لها تفسيرًا حسنًا أو أنها من أضغاث الأحلام، وحديث النفس، فكان ذلك أسكن لنفسه، وأقل لتعذيب قلبه ([1178]).

وقد جاء النهي أيضًا عن إخبار الرجل بتلعب الشيطان به في النوم من حديثين:

أحدهما: ما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا حلم أحدكم فلا يخبر أحدًا بتلعب الشيطان به في المنام» ([1179]).

وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأعرابي جاءه، فقال: إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه، فزجره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام»([1180]).

ورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله، رأيت البارحة فيما يرى النائم كأن عنقي خرجي فسقط رأسي فأتبعه فأخذته، فأعدته مكانه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدثن به الناس»([1181]).


الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد، وابن أبي شيبة وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت رأسي ضرب فرأيته يتدهده، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «يطرق أحدكم الشيطان فيتهول ثم يغدو يخبر الناس»([1182]).

فإذا عرفنا هذه الآداب التي أرشد إليها نبينا - صلى الله عليه وسلم - يبقى أن نعرف بعض المسائل المتعلقة بهذه الآداب كما يلي:

المسألة الأولى: هل يكفي العمل ببعض هذه الآداب أو لا بد منها جميعًا؟

قال النووي رحمه الله: "وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات، ويعمل بها كلها، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث"([1183]).

قال ابن حجر رحمه الله معقبًا على هذا: "لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة، نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها وكأنه أخذه من قوله تعالى: }فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *{[النحل: 98، 99] فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه، ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان"([1184]).


وقال أبو عباس القرطبي رحمه الله: "الصلاة تجمع ذلك كله؛ لأنه إذا قام فصلى تحول عن جنبه، وبصق، ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها بمنة وكرمه"([1185]).

المسألة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنها لا تضره»:

هذا إخبار بأن من فعل ما أمر به إذا رأى الرؤيا المكروهة، واجتنب ما نهى عنه من التحديث بها فإنها لا تضره؛ لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء سببًا لسلامته من كل مكروه يترتب على تلك الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال، وسببًا لدفع البلاء، إذا فعل ذلك مصدقًا ومتكلا على الله سبحانه في دفع المكروه.

ولهذا قال أبو سلمة رحمه الله: "إني كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل، فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها".

وفي بعض الروايات قال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول... الحديث".

وقوله: "فما كنت أباليها" أي فما التفت إليها، ولا ألقي لها بالاً ([1186]).

وفي بعض الروايات، قال أبو سلمة: "كنت أرى الرؤيا أعرى منها، غير أني لا أزمل حتى لقيت أبا قتادة، فذكرت له ذلك".

وذكر المازري في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنها لن تضره» قولين:

الأول: أن معنى تضره، أن الروع يذهب بهذا النفث المذكور في الحديث، إذا كان فاعله مصدقًا به متكلاً على الله جلت قدرته في دفع المكروه عنه.


الثاني: يحتمل أن يريد أن هذا الفعل يمنع من نفوذ ما دل عليه المنام من المكروه، ويكون ذلك سببًا فيه، كما تكون الصدقة تدفع البلاء إلى غير ذلك من النظائر ([1187]).

وقد جاء في بعض الروايات الحديث«(فإنه لن يرى شيئًا يكرهه».

وإذا كانت تلك الرؤيا المكروهة من الشيطان ليحزن المؤمن، فإن الله قد رد كيده في نحره، ولن يضر المؤمن بإذن الله، إذا تمسك بأمر الله، ولهذا قال الله تعالى: }إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{ [المجادلة: 10].

المسألة الثالثة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى ما يكره»:

استثنى بعض العلماء من عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يكره» الرؤيا الصادقة، لكونها قد تقع إنذارًا كما تقع تبشيرًا، وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي، فقالوا: لا يشرع إذا عرف أنها صادقة ما ذكر من الاستعاذة ونحوها، واستندوا في ذلك إلى ما ورد من مرائي النبي - صلى الله عليه وسلم - كالبقر التي تنحر، ونحو ذلك([1188]).

ولكـن يرد على من قال هذا القول أن الحديث عام فيما يكره، ولهذا يرى بعض العلماء أن يلتزم بهذه الآداب في عموم الرؤيا التي يكرهها، ثم كون الرؤيا المكروهة صادقة هذا لا يقطع به إلا بعد الوقوع. وعلى هذا يبقى الحديث على عمومه.


قال أبو عباس القرطبي رحمه الله: "ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان من تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلات الشيطان، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله، وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة، أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء".

وقيل: بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي بتناول ما يتسبب به الشيطان، وما لا تسبب له فيه، وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه، كما جاء في أن الدعاء يدفع البلاء، والصدقة تدفع ميتة السوء، وكل ذلك بقضاء الله وقدره ([1189]).

وقال القاضي عياض رحمه الله: "يحتمل قوله «الرؤيا الحسنة» والصالحة أن يرجع إلى حسن ظاهرها أو صدقها كما أن قوله: «الرؤيا المكروهة» أو «رؤيا السوء» يحتمل سوء الظاهر أو سوء التأويل، وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته، ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها؛ لأنه قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها، وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرًا حسنًا أو الرجاء في أنها من الأضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه"([1190]).

ويرى بعض العلماء أن كون الرؤيا مما يكره الرائي دليل على عدم صدقها، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان».


قال ابن حجر رحمه الله في هذا الحديث: "ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشمل على شيء مما يكره الرائي، ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم، وإضافة الحلم إلى الشيطان، وعلى هذا ففي قول أهل التعبير، ومن تبعهم أن الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى، وقد تكون إنذارًا نظر؛ لأن الإنذار غالبًا يكون فيما يكره الرائي".

ثم أجاب على ذلك بقوله: "ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه كما تقدم تقريره، وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا، ومما تعبر به"([1191]).

وقد تقرر سابقًا أن كون الرؤيا الصادقة تأتي في صورة إنذار لا يلزم من ذلك ترك ما أمر ما أمر به من الاستعاذة ونحوها، فقد يكون ذلك سببًا لدفع المكروه الإنذار مع حصول مقصود الإنذار.

وقال أيضًا: "فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشرة لأن من أنذر بما سيقع له، ولو كان لا يسُره أحسن حالا ممن هجم عليه ذلك، فإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه فيكون ذلك تخفيفًا عنه، ورفقًا به»"([1192]).

ثم ليعلم أن هذه الآداب فيما يكره الرائي، أما ما لا يكره فإن هذا لا حكم له، فلا يضر ولا ينفع.

كما قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: "وأما ما يرى أحيانًا مما يعجب الرائي، ولكنه لا يجده في اليقظة، ولا ما يدل عليه، فإنه يدخل في قسم آخر، وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم، فيراه فهذا لا يضر ولا ينفع"([1193]).

وعلى ذلك لا بأس أن يحدث به، لأنه لا حكم له، ولهذا جاء تقسيم الرؤيا في حديث أبي قتادة إلى قسمين: من الله، ومن الشيطان، لأن هذه الأقسام لها أحكامها التي ذكرت سابقًا، أما القسم الثالث فلا حكم له.


المبحث الثالث

 شروط المعبر للرؤيا

تعبير الرؤيا من باب الفتيا، والاستفتاء يشمل السؤال عن الأحكام والرؤى جميعًا.

وقد استعمل القرآن الاستفتاء بمعنى السؤال عن الرؤيا في قوله عز وجل حكاية عن يوسف عليه السلام: }قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ{ [يوسف: 41] وقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ{ [يوسف: 43] وقوله: }يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا{ [يوسف: 46].

وإذا كان الأمر كذلك، فقد وضع العلماء شروطًا للمفتي ينبغي أن يتحلى بها المعبر للرؤيا ([1194]) بل قد يكون الأمر أشد في باب الرؤيا كما قيل للإمام مالك رحمه الله، أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟ ! وقال مالك: "لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرًا أخبر به، وإن رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت".

قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه؟ لقول من قال إنها على ما أولت عليه؟


فقال: لا، ثم قال: "الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة"([1195]).

وقال السعدي رحمه الله: "تعبير الرؤيا داخل في الفتوى، واستشهد بالآيات السابقة، ثم قال: فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم"([1196]).

ولهذا لا ينبغي ألا يعبر الرؤيا إلا من توفرت فيه الشروط التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث التالية:

(1) أخرج الحاكم في مستدركه من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها، فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا عالمًا، أو ناصحًا»([1197]).

(2) أخرج الترمذي والدارمي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم، أو ناصح»([1198]).

(3) أخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة من حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث، فإذا حدث وقعت، ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا»([1199]).

وفي رواية قال، وأحسبه قال: «لا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي».

وفي رواية قال: «لا يحدث بها إلا حبيبًا أو لبيبًا».


فدلت هذه الأحاديث على أن الرؤيا الحسنة لا يحدث بها إلا العالم الناصح ، الحبيب ، اللبيب ، الواد ، ذو الرأي.

وإليك تفصيل هذه الشروط.

الأول: العالم، وهو المتفقه في الكتاب والسنة، مع مزيد فهم ومعرفة بالتعبير، وقد يكون الرجل عالمًا ولا يعبر الرؤيا.

قال ابن العربي رحمه الله: أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه([1200]).

وقال أيضًا في ذكر فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه أول عالم بالرؤيا وتأويلها، ولا يكون ذلك إلا لمتبحر في العلوم كلها، فإن تفسير الرؤيا لا يستمد من بحر واحد، بل أصله الكتاب والسنة، وأمثال العرب، وأشعارها، والعرف والعادة ([1201]).

الثاني: الناصح: لأنه يرشده إلى ما ينفعه ويعينه عليه، فلا يقع في قلبه إلا كل خير، ولا يعبر له إلا ما يسره.

الثالث: اللبيب: وهو العاقل ([1202]) العارف بتأويلها، فإنه يخبر بتأويلها، وإن ساءته سكت وتركها.

الرابع: الحبيب وقد سبق أن الرؤيا لا يخبر بها إلا من يحب، فالحبيب إن عرف قال، وإن جهل سكت.


أما غير الحبيب فربما حمله البغض والحسد على تفسيرها بمكروه فيحصل للرائي حزن ونكد، وسبق تفصيل ذلك.

قال ابن حجر رحمه الله: "والأولى الجمع بين الروايتين، فإن اللبيب عبر به عن العالم، والحبيب عبر به عن الناصح"([1203]).

ولكن جاء التفريق بينهما في حديث أبي رزين عند الإمام أحمد والترمذي حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تحدثوا بها إلا عالمًا، أو ناصحًا، أو لبيبًا» ففرق بين العالم واللبيب.

الخامس: الواد، وهو الحبيب، فالود هو الحب ([1204]).

قال أبو إسحاق الزجاج: "الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب، وغن لم يكن عالمًا بالعبارة، لم يعجل لك بما يغمك"([1205]).

السادس: ذو الرأي: هو ذو العقل والتدبير، قال في المصباح المنير: "ورجل ذو رأي، أي بصيرة وحذق في الأمور"([1206]).

قال أبو إسحاق الزجاج: "ذو الرأي، معناه ذو العلم بعبارتها، فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها، ولعله أن يكون في تفسيرها موعظة تردعك عن قبيح أنت عليه، أو يكون فيها بشرى، فتشكر الله عليها"([1207]).

وهذه الأوصاف الستة الواردة في الأحاديث السابقة ترجع إلى ثلاثة أوصاف: العالم، الناصح، اللبيب.


لأن الواد هو الحبيب الناصح، واللبيب هو العاقل ذو الرأي، ولهذا جاءت هذه الأوصاف الثلاثة في حديث أبي رزين وهي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا».

وقد قال بعض العلماء أن «أو» الواردة في الحديث للتنويع ([1208]).

وهذه الشروط المنصوص عليها في هذه الأحاديث شروط إجمالية، فيدخل فيها ما يذكره العلماء من الشروط التفصيلية ([1209]).


المبحث الرابع

 آداب المعــــبر

لا شك أن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس أخلاقًا وآدابًا، في كل شأن من شئون حياته، وقد جاء في الأحاديث التي ذكرتها في أثناء البحث جملة من الآداب التي كان - صلى الله عليه وسلم - يقولها أو يفعلها إذا رأى رؤيا، أو قصت عليه رؤيا فعبرها فعلى المعبر للرؤيا أن يلتزم بما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من تلك الآداب، ومن ذلك:

(1) قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قص عليه الصحابة رؤياهم للأذان قال: «إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله»([1210]).

(2) قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قص عليه الصحابة أيضًا رؤياهم السابقة قال: «فلله الحمد»([1211]).

(3) قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة للمرأة التي رأت رؤيا ففسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «خير يرجع زوجك وتلدين غلامًا برًا» وقال لعائشة عندما فسرت للمرأة رؤياها «يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها» وقد جاء في الحديث قول عائشة أيضًا: «لئن صدقتك رؤياك»([1212]).


(4) قوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة رؤيا عبد الله بن سلام: «رأيت خيرًا»([1213]).

(5) كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "أما بعد فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهم في العربية، وإذا رأى أحدكم الرؤيا فقصها على أخيه، فليقل خير لنا، وشر لأعدائنا" ([1214]).

(6) ما تقدم ذكره سابقًا من قول مالك رحمه الله في المعبر للرؤيا: "إذا رأى خيرًا أخبر به، وإذا رأى مكروهًا فليقل خيرًا أو ليصمت".

فقيل: فهل يعبرها على خير وهي عنده مكروه؟ فقال: لا ([1215]).

(7) قال ابن القيم رحمه الله في آداب المعبر للرؤيا: "وهو - يعني علم التعبير - يعتمد على طهارة صاحبه ، ونزاهته ، وأمانته ، وتحريه للصدق ، والطرائق الحميدة ، والمناهج السديدة ، وعلم راسخ ، وصفاء باطن ، وحس مؤيد بالنور الإلهي ، ومعرفة بأحوال الخلق وهيئاتهم ، وسيرهم"([1216]).


الخاتمة



 الخاتمة

وبعد هذا الاستعراض لجوانب متعددة في موضوع الرؤى من خلال كتاب الله وسنة رسول ص وفهم السلف الصالح، ومع استعراض موجز لآراء المخالفين ومناقشتهم تبين النتائج التالية:

(1) أنه قد جاء في كتاب الله الحكيم آيات كثيرة تبين حقيقة الرؤى، وأنها بالنسبة للأنبياء وحي، بل إن الله جعل معجزة نبيه يوسف عليه السلام تأويل الرؤيا.

(2) جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة في شأن الرؤى سواء في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - لربه عز وجل في المنام، أو بيان أن رؤيا الأنبياء وحي، وبيانه أن رؤيا المؤمن جزء من أجزاء النبوة، أو ذكره للآداب، وسؤال أصحابه عن الرؤيا كثيرًا وتفسيره لكثير من رؤى أصحابه، وكثرة الرؤى التي رآها صلى الله عليه وآله وسلم.

(3) أن علماء الحديث اهتموا بتلك الأحاديث فصنفوا لها الكتب والأبواب، ووضعوا العناوين للأبواب التي تبين أحكام الرؤى وحقيقتها وعلاقتها بالنبوة.

(4) أن الرؤى لها أهمية في حياة الناس، لكثرة وقوعها وانشغال بعضهم بها بين غلو وتفريط وإفراط، وكيف أن بعض المغرضين يستغلون اهتمام الناس بالرؤى فينشرون باطلهم من هذا الطريق.

(5) أن الرؤى والأحلام في اللغة بمعنى واحد، وهو ما يراه الإنسان في منامه، أما في الشرع فإن الرؤيا تطلق غالبًا على الصادقة التي هي من الله، والأحلام على الكاذبة التي هي من الشيطان.


(6) أن الرؤى عند أهل السنة والجماعة عبارة عن أمثال مضروبة للرائي، خلافًا لمن شذ من المعتزلة أو الفلاسفة، فالمعتزلة تجعل الرؤيا كلها خيالات باطلة، وقالت الفلاسفة إنها بسبب الأخلاط، وكلا القولين خلاف لما دلت عليه النصوص.

(7) أن الرؤيا قد تطلق ويراد بها الرؤية وهي ما يراه الإنسان في اليقظة، وقد جاءت بعض الأدلة بهذا الإطلاق، لكن الغالب استعمال الرؤيا في المنام، والرؤية في اليقظة.

(8) أن روح النائم قد تفارق جسده في النوم من وجه دون وجه، والله أعلم بكيفية هذه المفارقة، وقد تعرج روح النائم إلى السماء، وليس عروجها كعروج البدن، بل بكيفية الله أعلم بها، كما بسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة.

(9) أن هناك جمعًا كثيرًا من علماء أهل السنة قالوا بتلاقي أرواح الأحياء والأموات، وذكرت أدلتهم في ذلك.

(10) أن النصوص الشرعية دلت على أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1) الرؤيا من الله، وهي الصادقة.

2) الأحلام من الشيطان، وهي من تحزينه وتخويفه وتهويله.

3) حديث النفس، وهي ما يحدث به المرء نفسه في اليقظة ويراه في المنام.

وهذا التقسيم خلافًا لما تقوله الفلاسفة أو علماء النفس من إغفال بعض جوانب الرؤيا الصحيحة التي دلت عليها الأدلة الشرعية.

(11) أنه لا ينكر الرؤيا الصادقة إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة.

(12) أن الرؤيا الصالحة وصفت بصفات عدة منها:

(أ) كونها من الله.


(ب) كونها مما يحب المرء وتعجبه.

(ج) كونها من المبشرات.          

(د) كونها صادقة.

(ﻫ) كونها صالحة   .      

(و) كونها جزءا من أجزاء النبوة.

(ز) كونها حسنة.                 

(ح) كونها حقًا.

(13) أن صلاح الرؤيا يرجع إلى صلاح ظاهرها، أو صلاح تعبيرها، وكذا الرؤيا المكروهة يرجع إلى ظاهرها، أو إلى تعبيرها.

(14) أن مخالفة الرؤيا للشرع دليل على فسادها وبطلانها، وكونها من الشيطان.

(15) أن القطع بكون الرؤيا صالحة لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن.

(16) أن هناك علامات تفيد غلبة الظن بكون الرؤيا صالحة ومن ذلك:

(أ) التواطؤ عليها.

(ب) كونها من المبشرات، ومن ذلك فسر قوله عز وجل: }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ{ [يونس: 64] فقد جاءت الأحاديث والآثار بأن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة.

(ج) كونها من أهل الصدق والصلاح.

(17) أن رؤيا المؤمن عن اقتراب الزمان لا تكاد تكذب.


(18) من أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق، وأن يكون لله وليًا تقيًا، متحرزًا من الشيطان.

(19) أن الشخص قد يكون من أولياء الله، وإن لم يحصل على شيء من ذلك، وعدم ذلك لا يضره ولا ينقص في مرتبته عند الله.

(20) أن الشيطان حريص على تحزين وتخويف الإنسان حتى في المنام، ولذلك جاءت التوجيهات النبوية بالتحرز من الشيطان بكثرة ذكر الله وقراءة القرآن والمعوذات.

(21) أن الناس في الرؤى ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

( أ ) من رؤياهم كلها صدق وحق وهم الأنبياء.

(ب) من الغالب على رؤياهم الصدق وهم الصالحون.

(ج) من الغالب على رؤياهم الأضغاث وهم عدا الأنبياء والصالحين.

(22) أن الرؤيا الصالحة لا يسوغ العمل بها، إلا إذا وافقت نصًا شرعيًا، وعند ذلك تكون العبرة بالنص لا بها، فإنما حاصلها الاستئناس والاستبشار كما وصفت بأنها مبشرات.

(23) أن رؤيا الأنبياء وحي، بل هي أول مبدأ الوحي للأنبياء، لعصمتهم من الشيطان، ولذلك ما جاء من الرؤى عن الأنبياء فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا.

(24) أن الأحاديث جاءت متواترة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة ومعنى كونها جزءًا من أجزاء النبوة تشبيه الرؤيا بالنبوة في صدقها، أو أنها علم من أعلام النبوة باق والنبوة غير باقية، كما يقال في الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد من أجزاء النبوة، وكما يقال في إماطة الأذى من شعب الإيمان.


(25) أن اختلاف الروايات في عدد أجزاء النبوة التي نسبت إليها الرؤيا الصالحة أمر لا نعلم الحكمة منه، وقد ذكر العلماء عدة توجيهات أحسنها قول الطبري- عالم الكتاب والسنة- أن ذلك يرجع إلى حال الرائي من الصدق والصلاح.

(26) أن الذي تنسب رؤياه إلى أجزاء النبوة هو المؤمن الصالح، أما الكافر والفاسق فلا تنسب رؤياهم إلى النبوة وإن صدقت.

(27) أن الرؤيا الصالحة تدخل في معنى الوحي العالم كما قال تعالى: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا{ [الشورى: 51].

فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا الوحي عام في اليقظة والمنام للأنبياء وغيرهم.

وتسمية الرؤيا وحيًا وإلهامًا لا يعني أنها معصومة من الخطأ، أو أنها مصدر تلقي وليس لأحد أن يطلق القول بأن ما يقع له أنه وحي لا في اليقظة، ولا في المنام، لأن الوسواس غالب على الناس.

(28) أن هناك نظريات خاطئة قدمها علم النفس في تفسير الرؤى، وكلها تغفل جوانب من الرؤيا دلت الأدلة الشرعية على صحتها، كالرؤيا الصادقة، والرؤيا من الشيطان، وانحصرت دراساتهم في نوع واحد فقط، مع تخبط في هذا.

29- أن الصوفية تغالي في الرؤى حتى تجعلها مصدرًا يقينيًا يبنون عليها كثيرًا من عقائدهم الباطلة، ويستندون إليها في ترويج ضلالاتهم، ومعرفة الحلال والحرام، وتفسير آيات القرآن، وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.


(30) أن الرؤيا ليست مصدرًا للتلقي والتشريع لما يلي:

(أ) أن الله عز وجل قد أكمل لهذه الأمة دينها، ولم يمت - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد بلغ دين الله.

(ب) أن الاعتماد على الرؤى في التلقي يلزم منه أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغه عن الله.

(ج) أن الحق الذي لا يشوبه باطل، هو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أما المنامات وغيرها ففيها حق وباطل.

(د) ليس هناك دليل من الشرع يدل على أن الاحتجاج بالرؤى جائز.

(ﻫ) أن الرؤى منقسمة إلى رحماني ونفساني وشيطاني، والتمييز بينها مشكل.

(و) يلزم من القول بحجية الرؤى تجديد الوحي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل.

(ز) أن النائم ليس من أهل الضبط والتحمل للرواية.

(31) أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه في المنام ثابتة.

(32) أن المؤمن قد يرى ربه في المنام بحسب إيمانه، وليس في ذلك نقص ولا عيب؛ لأن الله ليس كمثله شيء، كما بسط هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

(33) أن الأحاديث جاءت متواترة في جواز رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وأن الشيطان لا يتمثل به.

(34) أن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، تكون حقًا وصدقًا إذا كانت على صورته المعروفة، أما إذا رؤي على غير صورته، أو رؤي وهو يأمر بباطل فهذا دليل على بطلانه، لأن الشيطان قد يتمثل بغير صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقول أنا النبي.


(35) أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» أن المراد بذلك أهل عصره، أو يراه في القيامة رؤيا خاصة، أو المراد بها تشبيه من رآه في المنام فكأنه رآه في اليقظة.

(36) أن القول بإمكان رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته يقظة في الحياة الدنيا باطل شرعًا وعقلاً.

(37) أن رؤية الملائكة والأنبياء في المنام جائزة وممكنة.

(38) أن الكذب في الرؤيا كبيرة من كبائر الذنوب، لأنه كذب على الله أنه أراه ولم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه:

1) أفرى الفرى.

2) أنه يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين.

3) أن من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فليتبوأ مقعده من النار.

4) أنه من أعتى الناس عند الله.

(39) أن علم التعبير علم صحيح دلت النصوص الشرعية على صحته.

(40) أن تأويل الرؤيا مبني على القياس والمشابهة بين الرؤيا وتأويلها، كما بسط ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والسعدي رحمهم الله.

(41) أن الرؤيا إذا عبرت وقعت، وذلك مشروط بما إذا أصاب المعبر وجه التعبير، وقد قيل في ذلك أنه من باب التفاؤل.

(42) قد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تأويل الرؤيا، وأنه كان كثيرًا ما يسأل أصحابه عن رؤياهم.

(43) جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان الرؤيا وآداب من رأى رؤيا يحبها كما يلي:

(أ) أن يحمد الله عليها.


(ب) أن يستبشرها.

(ج) ألا يخبر بها إلا من يحب.

(44) جاءت الأحاديث في بيان آداب من رأى رؤيا يكرهها وذلك كما يلي:

1) أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا.

2) أن يستعيذ بالله من شرها.

3) أن يتفل عن يساره ثلاثًا.

4) أن يقوم فيصلي.

5) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.

6) ألا يخبر بها أحدًا فإنها لا تضره.

(45) أن تعبير الرؤيا من باب الفتوى، ولذلك يشترط في المعبر للرؤيا العلم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وأخيرًا: هذه حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاقتها بالنبوة، وأحكامها وآدابها، فينبغي للمسلم أن يكون وقافًا عند كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا يجاوزه بإفراط، ولا يقصر عنه بتفريط فكلا الأمرين تضييع لشرع الله، وعدم تعظيم له.

والحمد لله أولا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه.

وغفر الله لكاتبه، وقارئه، وللناظرين فيه، ولجميع المسلمين، وجعله حجة لي لا حجة علي.

والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 الفهـارس

وتشمل:

(1) فهرس المصادر والمراجع.

 (2) فهرس الموضوعات.



فهرس المراجع والمصادر

(أ)

1- القرآن الكريم.

2- الآداب الشرعية والمنح المرعية، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض.

3- آراء أهل المدينة الفاضلة، لأبي نصر الفارابي، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده القاهرة.

4- الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، للعلامة نعمان بن المفسر الشهير محمد الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ببيروت الطبعة الرابعة (1405 ﻫ).

5- الإبريز، لأحمد بن المبارك الملطي، وبهامشه كتابان: درر الخواص في فتاوى الخواص، وكتاب: الجواهر والدرر، وهما من تأليف: عبد الوهاب الشعراني، طبع مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده.

6- أبو حامد الغزالي والتصوف (دراسة حول العديد من كتب الغزالي وخاصة كتابه إحياء علوم الدين) لعبد الرحمن بن محمد سعيد دمشقية، دار طيبة- الرياض، الطبعة الثانية 1409 ﻫ.

7- إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، مطابع الرياض، الطبعة الأولى 1394ﻫ.

8- الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي عالم الكتب بيروت.

9- الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر، لحمود بن عبد الله بن حمود التويجري، مكتبة دار العليان الحديثة بريدة الطبعة الثانية 1406 ﻫ.

10- أحكام الجنائز وبدعها، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الرابعة (1406 ﻫ).


11- أحكام القرآن، لأبي بكر ن العربي المالكي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة بيروت.

12- الأحلام، للدكتور توفيق الطويل، مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الأولى 1364ﻫ.

13- الأحلام، سيجموند فرويد، عرض وتقديم، الدكتور مصطفى غالب، دار مكتبة الهلال بيروت 1985م.

14- إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، وبهامشه كتاب: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار لأبي المفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، دار القلم- بيروت الطبعة الأولى.

15- اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، لابن رجب الحنبلي، تحقيق: جاسم الفهيد الدوسري، مكتبة دار الأقصى- الكويت الطبعة الأولى 1406ﻫ.

16- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني دار الفكر بيروت، المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق مصر المحمية (1305ﻫ).

17- إرشاد الفحول لتحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة بيروت (1399ﻫ).

18- الإرشاد والتطريز في فضائل ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه العزيز وفضل الأولياء والناسكين والفقراء والمساكين، لعبد الله بن أسعد اليافعي، راجعه وقدم له عبد الوهاب عبد اللطيف مكتبة القاهرة مصر (1387 ﻫ)

19- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1399 ﻫ.

20- إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار (مسائل متعددة في العقيدة تمس الواقع) لمحمد بن صالح العثيمين دار طيبة- الرياض، الطبعة الأولى 1410 ﻫ.

21- الاستقامة، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق الدكتور، محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى 1403 ﻫ.


22- الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي مطبعة السعادة مصر.

23- إشارات المرام من عبارات الإمام، لأحمد البياضي الحنفي، تحقيق: يوسف عبد الرزاق، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، الطبعة الأولى (1368ﻫ).

24- الإشارات والتنبيهات لأبي علي بن سينا، بشرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف- مصر الطبعة الثانية (1968م).

25- أشراط الساعة، ليوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل، دار ابن الجوزي الدمام الطبعة الثانية 1410 ﻫ.

26- اصطلاحات الصوفية، لعبد الرزاق الكاشي، مطبعة مجلس إشاعة العلم بحيدر آباد الدكن – الهند.

27- الأصول والفروع لابن حزم الأندلسي دار النهضة القاهرة الطبعة الأولى 1978م.

28- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي عالم الكتب- بيروت.

29- الاعتصام، لإبراهيم بن موسى الشاطبي دار المعرفة بيروت (1406ﻫ).

30- اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، لفخر الدين الرازي، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد ومصطفى الهواري، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة (1398ﻫ).

31- الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد، للشيخ الإمام علاء الدين بن العطار، تحقيق وتعليق: علي حسن علي عبد الحميد الحلبي الأثري، دار الكتب الأثرية- الأردن الطبعة الأولى 1408 ﻫ.

32- الأعلام، لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين بيروت الطبعة السابعة (1986م).

33- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي تحقيق ودراسة: الدكتور محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مركز إحياء التراث الإسلامي مكة المكرمة.


34- إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت.

35- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (1407ﻫ)

36- ألفاظ الصوفية ومعانيها، للدكتور حسن محمد الشرقاوي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية الطبعة الثانية 1983م.

37- إكمال إكمال المعلم بفوائد مسلم (مع شرحه مكمل إكمال الإكمال للسنوسي). لأبي عبد الله الأبي دار الكتب العلمية- بيروت.

38- إلجام العوام عن علم الكلام (ومعه كتاب المنقذ من الضلال وكتاب المضمون به على غير أهله) لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي.

39- الإنسان بين المادية والإسلام، لمحمد قطب، دار الشروق، الطبعة الثالثة 1403 ﻫ.

40- أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور، لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي تحقيق: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد الطائف الطبعة الأولى (1412ﻫ).

41- إيضاح الحق في دخول الجن في الإنس والرد على من أنكر ذلك، للشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مكتبة الصديق- الطائف.

42- إيقاظ الهمم في شرح الحكم (وبهامشه كتاب الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية) لابن عجيبة الحسني دار المعرفة- بيروت.

(ب)

43- بحوث في علم النفس العام، للدكتور فائز محمد علي الحاج، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة (1400 ﻫ).

43- البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، لعباس بن منصور السكسكي الحنبلي، تحقيق: محمد أحمد دحمان، دار البصائر دمشق، الطبعة الثانية 1400 ﻫ.

44- البداية والنهاية لابن كثير، دار الكتب العلمية- بيروت الطبعة الأولى 1405 ﻫ.


45- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، مطبعة السعادة مصر، الطبعة الأولى 1384ﻫ.

46- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، لجلال الدين السيوطي، دار المعرفة بيروت.

47- بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مالها وما عليها (شرح مختصر صحيح البخاري) لابن أبي جمرة دار الجيل- بيروت الطبعة الثانية 1972م.

48- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (أو نقص تأسيس الجهمية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتصحيح وتكميل وتعليق: محمد بن عبد الرحمن بن القاسم.

490 البيان لأخطاء بعض الكتاب لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار ابن الجوزي- الدمام، الطبعة الأولى 1411ﻫ.

(ت)

50- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، المكتبة السلفية- المدينة.

51- تاريخ علم النفس, وريس روكلان، ترجمة علي زيعور وعلي مقلد، منشورات عويدات - بيروت 1972م.

52- تاريخ الفلسفة اليونانية، ليوسف كرم، دار القلم بيروت.

53- التاريخ الكبير، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار الكتب العلمية- بيروت.

54- تأويل مختلف الحديث للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: محمد محيي الدين الأصفر، المكتب الإسلامي- بيروت الطبعة الأولى 1409 ﻫ.

55- التبيان في أقسام القرآن، لابن قيم الجوزية، تصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة بيروت 1402ﻫ.

56- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لأبي العلي محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، ضبطه وراجعه: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر- بيروت.

57- التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية، للشيخ فالح بن مهدي آل مهدي، تصحيح وتعليق: الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود، مكتبة الحرمين- الرياض، الطبعة الثانية 1405ﻫ.


58- تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، لأبي الريحان البيروني، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن، الهند 1377ﻫ.

59- التدمرية، لشيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، تحقيق الدكتور: محمد بن عودة السعودي الطبعة الأولى 1405ﻫ.

60- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي، دار الريان، للتراث، القاهرة الطبعة الثانية، 1407ﻫ.

61- تربيتنا الروحية، لسعيد حوى، دار الكتب العلمية بيروت 1399ﻫ.

62- التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، للدكتور زكي مبارك، دار الجيل، بيروت.

63- التصوف المنشأ والمصدر، لإحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان الطبعة الأولى (1406ﻫ).

64- التعرف لمذهب أهل التصوف، لأبي بكر الكلاباذي، تحقيق: محمود أمين النواوي، مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الثانية 1400ﻫ.

65- التعريفات، للعلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني، مكتبة لبنان بيروت 1985 م.

66- تفسير القرآن العظيم، للحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي، دار المعرفة بيروت لبنان 1405ﻫ.

67- التفسير القيم، للإمام ابن القيم، جمعه: محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية مصر.

68- التفسير الكبير، لفخر الدين الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية.

69- تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد، سوريا الطبعة الثانية 1408 ﻫ.

70- تلبيس إبليس للإمام ابن الجوزي تحقيق: الدكتور السيد الجميلي، دار الكتب العربي بيروت الطبعة الثانية 1407 ﻫ.


71- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: سعيد أحمد أعراب الطبعة الأولى 1401ﻫ.

72- التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي، مكتبة المثنى بغداد 1388ﻫ.

73- التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني ومحمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب السلفية القاهرة.

74- تنوير الحلك في جواز رؤية النبي والملك، لجلال الدين السيوطي، ضمن الحاوي في الفتاوى دار الكتب العلمية بيروت 1403ﻫ.

75- تنبيه هام على كذب الوصية المنسوبة لشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مطبوعات رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

76- تهذيب الأسماء واللغات، للإمام النووي، دار الكتب العلمية بيروت.

77- تهذيب التهذيب، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني دار صادر بيروت الطبعة الأولى.

78- التجانية (دراسة لأهم عقائد التيجانية على ضوء الكتاب والسنة) للدكتور علي بن محمد الدخيل الله، دار طيبة الرياض.

79- تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، لجمال الدين محمد القاسمي دار ابن القيم م الطبعة الثالثة 1411ﻫ.

80- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المكتب الإسلامي بيروت الطبعة السادسة 1405ﻫ.

81- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق: محمد زهري النجار، المؤسسة السعدية، الرياض.


(ج)

82- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي السعادات المبارك ابن الأثير الجزري، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية 1403ﻫ.

83- جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لأبي عمر يوسف بن عبد البر، دار الفكر، بيروت.

84- جامع البيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الحديث القاهرة 1407ﻫ.

85- جامع الرسائل، لابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، دار المدني، جدة، الطبعة الأولى 1405ه.

86- الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه لأبي عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري، المكتبة السلفية القاهرة الطبعة الأولى 1400ﻫ.

87- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، لزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين ابن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي، دار المعرفة بيروت.

88- جامع كرامات الأولياء، ليوسف بن إسماعيل النبهاني، دار الكتب العربية مصر 1329ﻫ.

89- الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، دار الكتب المصرية الطبعة الثانية.

90- الجامع لشعب الإيمان لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق وتخريج: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، الدار السلفية الهند الطبعة الأولى 1407ﻫ.

91- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، لنعمان خير الدين ابن الألوسي، دار الكتب العلمية بيروت.

92- جواهر المعاني وبولغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني (وبهامشه رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم) لعلي حرازم دار الجيل بيروت 1408ﻫ.


(ح)

93- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن قيم الجوزية، تحقيق: علي السيد صبح المدني، مطبعة المدني القاهرة.

94- الحديث النبوي وعلم النفس، للدكتور محمد عثمان نجاتي، دار الشروق بيروت، الطبعة الأولى 1409ﻫ.

95- الحلم وتأويله، سيجموند فرويد، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الرابعة 1982م.

96- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت الطبعة الثالثة 1400ﻫ.

(خ)

97- خطبة الحاجة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.

(د)

98- درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى 1401ﻫ.

99- درر الغواص في فتاوى الخواص، لعبد الوهاب الشعراني، تحقيق: محمد عبد الله إسماعيل، دار الهدي، مصر الطبعة الأولى 1405ﻫ.

100- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني تحقيق: محمد سيد جاد الحق، دار الكتب الحديثة مصر، 1387ﻫ.

101- الدر المنثور في التفسير المأثور، للإمام عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي دار الفكر، بيروت الطبعة الثانية 1403ﻫ.

102- درة الغواص في أوهام الخواص، للقاسم بن علي الحريري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر.


103- دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، لأبي بكر بن محمد بن عبد المؤمن الحصني، دار الكتب العربية مصر الطبعة الأولى 1350ﻫ.

104- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1405ﻫ.

105- ديوان أبي الطيب المتنبي (بشرح أبي البقاء العكبري المسمى بالتبيان في شرح الديوان) ضبطه وصححه: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة بيروت.

(ر)

106- الرؤى والأحلام، لأحمد عز الدين البيانوني، دار السلام، القاهرة، الطبعة الثانية 1405ﻫ.

107- الرؤية، للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: إبراهيم محمد العلي وأحمد فخري الرفاعي، مكتبة المنار، الأردن الزرقاء، الطبعة الأولى 1411ﻫ.

108- رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، للدكتور أحمد بن ناصر محمد آل حمد، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، مركز بحوث الدراسات الإسلامية مكة المكرمة الطبعة الأولى 1411 ﻫ.

109- الرد على الجهمية، لابن مندة، تحقيق: الدكتور علي محمد ناصر الفقيهي، الطبعة الأولى 1401ﻫ.

110- الرد على المنطقيين للإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني، إدارة ترجمان السنة، لاهور الطبعة الثانية 1396ﻫ.

111- الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي، لعبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة الطبعة الأولى 1402ﻫ.

112- الرد القويم على المجرم الأثيم، لحمود بن عبد الله بن حمود التويجري، دار العيان الحديثة، بريدة الطبعة الثانية 1406ﻫ.


113- الرسائل المرغينية تشمل على اثنتي عشرة رسالة في آداب الطريقة الختمية مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر الطبعة الثانية 1399ﻫ.

114- الرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري دار الكتاب العربي، بيروت 1367ﻫ.

115- الرسالة اللدنية (الجزء الرابع من القصور العوالي) لأبي حامد الغزالي، تحقيق وتخريج: محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة.

116- رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم، لعمر بن سعيد بن عثمان الطوري، مطبوع بهامش كتاب جواهر المعاني وبلوغ الأماني، دار الجيل بيروت 1408ﻫ.

117- الروح، لابن قيم الجوزية، دراسة وتحقيق: بسام علي سلامة العموش، دار ابن تيمية الرياض، الطبعة الأولى 1406ﻫ.

118- الروح، لابن قيم الجوزية، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.

119- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لمحمود بن عبد الله الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية.

120- روض الرياحين في حكايات الصالحين، لعبد الله بن أسعد اليافعي، مؤسسة عماد الدين قبرص.

121- روضة الطالبين وعمدة السالكين (ج 4 من كتاب القصور العوالي) لأبي حامد الغزالي تحقيق وتخريج: محمد مصطفى أبو العلا، مكتبة الجندي، القاهرة.

122- زاد المسير في علم التفسير، للإمام أبي فرج الجوزي، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الرابعة 1407ﻫ.

123- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق وتخريج: عبد القادر الأرناؤوط وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت، مكتبة المنار الإسلامية الكويت الطبعة الخامسة عشر 1407ﻫ.

124- الزهد، للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، مطبعة أم القرى، مكة المكرمة.


(س)

125- سر الروح، للإمام الحافظ أبي الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي، تحقيق: محمود محمد نصار، مكتبة التراث الإسلامي، عابدين.

126- سعادة الدارين في الصلاة علي سيد الكونين، ليوسف بن إسماعيل النبهاني 1318ﻫ.

127- سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، لمحمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت.

128- سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيئ في الأمة، لمحمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي، بيروت.

129- السنة، لابن أبي عاصم أحمد بن عمرو، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1400 ﻫ.

130- سنن ابن ماجة، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر العربي، بيروت.

131- سنن أبي داود، للحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني دراسة وفهرسة: كمال يوسف الحوت، دار الجنان، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت الطبعة الأولى 1409ﻫ.

132- سنن الترمذي (جامع الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي تحقيق وشرح: أحمد شاكر، دار الحديث القاهرة.

133- سنن الدارقطني للإمام علي بن عمر الدارقطني.

134- سنن الدارمي، للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فؤاد أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1407ﻫ.

135- السنن الكبرى، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن، الهند، الطبعة الأولى (1355ﻫ).


136- السنن الكبرى، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى 1411ﻫ.

137- سنن النسائي، للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المطبعة المصرية بالأزهر.

138- سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1402ﻫ.

139- السيرة النبوية، لابن هشام، تعليق: الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1408ﻫ.

140- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن عماد الحنبلي، دار المسيرة بيروت، الطبعة الثانية 1399ﻫ.

141- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام أبي قاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي، تحقيق: الدكتور أحمد سعد حمدان، دار طيبة- الرياض.

ش

142- شرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن – الرياض.

143- شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي تحقيق: الدكتور عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة مصر الطبعة الأولى 1384ﻫ.

144- شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، للسفاريني، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة 1399ﻫ.

145- شرح حديث النزول، لشيخ الإسلام ابن تيمية المكتب الإسلام بيروت الطبعة السادسة 1402ﻫ.

146- شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، لمحمد الزرقاني، دار المعرفة بيروت، طبعة 1407ﻫ.

147- شرح السنة، للإمام الحسين بن محمد البغوي تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية 1403ﻫ.


148- شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، للإمام جلال الدين السيوطي، شرح وتعليق: محمد حسن الحمصي، مؤسسة الإيمان بيروت، دار الرشيد دمشق، بيروت، الطبعة الأولى 1404ﻫ.

149- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثامنة 1404ﻫ.

150- شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الأولى 1408ﻫ.

151- شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، للدكتور عبد الله بن محمد الغنيمان ، مكتبة لينة، دمنهور، الطبعة الأولى 1409ﻫ.

152- شرح لمعة الاعتقاد، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود مكتبة الإمام البخاري الطبعة الأولى 1412ﻫ.

153- شرح المواهب اللدنية، لمحمد عبد الباقي الزرقاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية 1393ﻫ.

154- الشريعة لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1403 ﻫ.

155- الشفاء لأبي علي الحسين بن عبد الله بن سيناء باريس 1982م.

156- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المطبعة العثمانية تركيا 1312ﻫ.

157- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن قيم الجوزية، دار المعرفة بيروت 1398ﻫ.

158- الشمائل المحمدية، لأبي عيسى محمد بن سورة الترمذي، إخراج وتعليق، محمد عفيف الزعبي، الطبعة الأولى 1403ﻫ.

(ص)

159- الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية) لإسماعيل بن حماد الجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى 1376ﻫ.


160 صحيح ابن حبان للإمام محمد بن حبان بن أحمد البستي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية المدينة المنورة، 1390ﻫ.

161- صحيح ابن خزيمة، للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: تحقيق وتخريج: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى 1399ﻫ.

162- صحيح ابن ماجة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1407ﻫ.

163- صحيح البخاري بشرح الكرماني المطبعة البهية، مصر 1356ﻫ.

164- صحيح الترغيب والترهيب للمنذري، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الثانية 1406ﻫ.

165- صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) لمحمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية (1399)ﻫ.

166- صحيح سنن أبي داود باختصار السند، صحح أحاديثه، محمد ناصر الدين الألباني مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1409ﻫ.

167- صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند، صحيح أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الثالثة 1408ﻫ.

168- صحيح سنن الترمذي باختصار السند صحح أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى 1408ﻫ.

169- صحيح سنن النسائي باختصار السند، صحح أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة التربية العربي لدول الخليج، الرياض، المكتب الإسلامي، بيروت الطبعة الأولى 1409 ﻫ.


170- صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

171- صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، للإمام مسلم بن الحجاج، دار الكتب العلمية بيروت.

172- الصفدية، لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، شركة مطابع حنيفة الرياض 1396 ﻫ.

173- الصواعق المرسلة عل