الرضا بعد القضاء ()

 

|

 الرضا بعد القضاء

أنس بن محمد السليم


 بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين الذي هدانا للإسلام وأكرمنا بالإيمان، الذي جعل الدنيا دار فناء والآخرة هي دار القرار، المتفرد بالملكوت والعظمة والجبروت. نحمده على حلو القضاء ومره، ونعوذ به من سخطه ومكره، ونشكره شكرًا يليق بوجهه وجلاله على نعمه الجليلة، وعلى ما قضى وقدَّر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، أفضل البشرية، وأعظمهم عند الله جاهًا، بلغ الرسالة وصبر وجاهد حتى بلغ الإيمان منتهاه.

وأخبرنا صلوات ربي وسلامه عليه، أن أعلانا منزلة أعظمنا صبرًا، ومن استرجع واحتسب مصيبته، كانت له ذخرًا ومنزلة عالية يوم القيامة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد؛

فإن هذه الدنيا لا تخلو من المصائب والمحن والرزايا ولا ينتظر فيها الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود إلا العدم، وأن الله جلَّ وعلا كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سَنَة، كما ورد ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سَنَة، قال: وعرشه على الماء».

فلِمَ الجزع والسخط؟ والله جلَّ جلاله هو المُدَبِّر والمصرف في كل الأمور والأحوال، وأن كرب الزمان وفقد الأحبة خَطْب مؤلم وحدث مفجع ومَهول وأنها تحدث في الجوف نار مستعرة وحرقة لا تنطفئ.

ولكن المتأمل بالآيات الكريمات، والأحاديث الشريفة، يجد فيها تسلية للنفس، ورضاءً للمكتوب،وطمعًا للأجر والثواب من الله العلي القدير.

فلو تأمَّل المصاب بمصيبته أنها لم تكن في دينه وتلك هي المصيبة الحق، وأنها لم تكن أعظم مما كانت، وكذلك أن الأجر لها بعد الصبر والاحتساب، تبلغك منزلة في الجنة لن تبلغها بعملك، لرضي واطمأنت نفسه وحمد الله على ما قضى وقدَّر.

فقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].

وقال عزَّ جلَّ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].

وقال جلَّ وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11].

وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا فقال: «يا غلام ألا أُعلِّمُك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام وجَفَّـت الصحف».

وقال  الشاعر:

ثمانيةٌ لا بُدَّ منها على الفتى

ولا بُدَّ أَنْ تجري عليه الثَّمانيه

سرورٌ وهَمٌ واجتماعٌ وفُرقةٌ

ويُسْرٌ وعُسْرٌ ثمَّ سَقْمٌ وعافيه

فلهذا كُلُّه أحببت أن أجمع هذه القصص الصحيحة الموثقة، والمواقف المؤثرة، والأبيات الشعرية الجميلة.

عسى الله أن ينفعني بها وإخواني، ويجعلها تذكرة وتسلية وعزاء لكل مصاب ومحزون، تشرح صدره، وتقوي صبره، وتِّهون أمره، ويكسب بها ثواب الله وأجره.

فالمصاب حقًا من اجتمع عليه أمران، فقد الأهل والأحباب، وذهاب الأجر والثواب.

فنسأل الله العلي القدير بمنّه وكرمه، أن يجعل ما جمعت وكتبت خالصًا لوجهه الكريم، وأن لا يحرمنا من فضله، وأن يُشْرك بذلك الأجر والمثوبة كل من شاركني وساعدني بالكتابة والرأي والمشورة.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أنس بن محمد السليم

معلم في متوسطة فلسطين بعنيزة


 من الآيات الواردة في الصبر

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].

﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: 35].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].

﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: 25].

﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96].

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].


 من الأحاديث الواردة في الصبر

عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له»([1]).

عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما يصيب المسلم من نَصَب ([2]) ولا وَصَب ([3]) ولا هَمّ ولا حُزْن ولا أذى ولا غَمّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه»([4]).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»([5]).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم فمن رَضِىَ فله الرِّضا، ومن سَخِط فله السُّخط»([6]).

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون نعم, فيقول ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع, فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمُّوه بيت الحمد»([7]).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بصبي لها فقالت: يا نبي الله! اُدْع الله له فلقد دفنت ثلاثة. قال: «دفنت ثلاثة؟» قالت: نعم.

قال: «لقد احتظرت بحظار شديد من النار»([8]).

عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعطاء: ألا أُريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال هذه المرأة السوداء أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي.

قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» قالت أصبر. قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها.([9])


 من أقوال الصحابة والسَّلف الصالح في الرِّضا والصبر

رُوي أنَّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان إذا عزَّى قومًا قال:" ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة والموت أشدّ مما قبله، وأهون مما بعده، فاذكر مصيبتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - تَهُن عليك مصيبتك"([10]).

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" إن الخير كُلُّه في الرِّضا، فإن استطعت أن ترضى وإلَّا فاصبر"([11]).

قال علي رضي الله عنه:" الصِّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له"([12]).

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:" الصَّبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كُلُّه"([13]).

قال ابن القيم:" ثمرة الرِّضا الفرح والسرور بالرَّب تبارك وتعالى"([14]).

قال حذيفة:" إن الله لم يخلق شيئًا قط إلا صغيرًا ثُمَّ يَكْبُر إلا المُصيبة فإنه خلقها كبيرة ثم تصغر"([15]).

قال ميمون بن مهران:" من لم يرضَ بالقضاء فليس لحُمْقه دواء"([16]).

قيل للربيع بن عبد الرحمن:" ما منتهى الصَّبر؟ قال: يكون يوم تصيبه مصيبة مثله قبل أن تصيبه"([17]).

قال الفُضَيل بن عِياض: الرِّضا أفضل من الزُّهد في الدنيا؛ لأنَّ الرَّاضي لا يتمنى فوق منزلته"([18]).

قال عبد القادر الجيلاني: وترد عليَّ الأثقال التي لو وضعت على الجبال تفسَّخت، فأضع جنبي على الأرض، وأقول: إنَّ مع العُسر يُسرًا، ثم ارفع رأسي وقد انفرجت عني"([19]).

قال أبو مسلم الخولاني:" لأن يُولَد لي مولود يُحْسِن الله نباته، حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي قبضه الله تعالى مِنِّي- أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها"([20]).

سُئِل أبو عثمان عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الرِّضا بعد القضاء» فقال: لأن الرِّضا قبل القضاء عَزْم على الرِّضا، والرِّضا بعد القضاء هو الرِّضا.([21])


 إنَّ مِنَ الشِّعر لَحِكَمَةً

عزَّى الإمام الشافعي رحمه الله صديقًا له، فقال:

إنَّا نُعَزِّيكَ لا إنِّا على ثِقَة

من الحياة ولكن سُنَّة الدِّينِ

فما المُعزَّى بباقٍ بعدَ مَيِّتِهِ

ولا المُعزِّي ولو عاشا إلى حينِ

قال الشاعر:

ألا إِنَّما الدُّنيا غضَّارةٌ أيكةٍ

إذا اخضرَّ منها جانبٌ جفَّ جانبُ

فلا تفرحنَّ منها لشيءٍ لن تَفيدَه

سيذهب يومًا مثل ما أنت ذَاهِبُ

وما هذه الأيَّام إلَّا فجائعُ

وما العيشُ واللَّذاتُ إلا مصائبُ

قال أبو العتاهية:

اصبر لكلِّ مُصيبةٍ وتجلدِ

واعلم بأنَّ المرءَ غيرُ مخلدِ

أو ما ترى أنَّ المصائبَ جَمةٌ

وترى المنيةَ للعبادِ بمرصِدِ

من لم يصبْ ممن ترى بمُصيبةٍ

هذا قَبيلٌ لست فيه بأوحدِ

وإذا أتتك مُصيبةٌ تشجى بها

فاذْكُرْ مُصابَكَ بالنَّبيِّ مُحمدِ

وقال الشاعر:

طُبِعتْ على كدر وأنتَ تُرِيدُهَا

صَفْوًا من الأقْذاءِ والأكْدار

ومُكلفُ الأيَّامِ ضِدَّ طِباعِها

مُتَطلِّبٌ في الماءِ جذوةَ نَارِ

وقال الشاعر:

ولرُبَّ نازِلةٍ يضيقُ بها الفتى

ذَرعًا وعندَ الله منها المَخْرجُ

ضاقَتْ فلمَّا استحكمت حلقاتُها

فرِجتُ وكنتُ أظنُّها لا تُفرجُ

وقال الشاعر:

وإذا عَرَتْكَ بليَّة فاصْبِرْ لها

صَبْرَ الكريم فإنَّه بك أعلمُ

وإذا شكوت إلى ابنِ آدمَ إنَّمَا

تشكو الرَّحيم الذي لا يُرْحَمُ

قال أبو فراس:

المرءُ بين مصائبَ لا تَنْقَضي

حتى يُوارَى جِسْمُه في رَمْسِهِ

فمؤجلٌ يلقى الرّدى في أهلِهِ

ومُعَجِّلٌ يلقى الرّدى في نفْسِهِ

وقال الشاعر:

يا صاحبَ الكرْبِ إنَّ الكربَ مُنْفَرِجٌ

أبْشِرْ بخيرٍ فإنَّ الفارِجَ اللهُ

اليأسُ يقطعُ أحيانًا بصاحبه

لا تيأسنّ فإنَّ الكافيَ اللهُ

الله يُحْدِثُ بعد الكربَ ميسرةً

لا تجزَعَنَّ فإنَّ الكاشفَ اللهُ

إذا بُلِيتَ فثِقْ بالله وارضَ به

إنَّ الذي يكْشِفُ البلوى هو اللهُ

والله مَا لكَ غَيْرُ اللهِ من أحدٍ

فحسْبُك اللهُ في كلٍّ لكَ اللهُ

إذا قضى اللهُ فاستسلم لقدرته

ما لامرئٍ حِيلةٌ فيما قضى اللهُ


 وفاة إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سيف القين([22])، وكان زوجًا لمرضعة إبراهيم ابن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم فقبَّله وشمَّه؛ ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجودُ بنفسه فجعَلَتْ عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان.

فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم اتبعها بأخرى, فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربُّنا, وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»([23]).

 إنما يرحم الله من عباده الرحماء

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلَتْ ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه: إن ابنًا لي قُبِض، فأتنا, فأرسل يُقْرِئ السَّلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى, وكلٌّ عنده بأجل مَسَمَّى, فلتصبر ولتحتسب» فأرسلت إليه تُقْسِم عليه ليأتينَّها, فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأُبَيِّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فَرُفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبي، ونفسه تَتَقَعْقَع([24]) قال حسبته أنه قال: كأنها شن([25]) ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرُّحماء»([26]).

 مقتل حارثة بن سُراقة

عن أنس رضي الله عنه قال: أُصِيب حارثة يوم بدر، وهو غلام، فجاءت أمُّه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مِنِّي، فإن يكُ في الجنَّة أصبر واحتسب, وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويحكِ أو هَبِلْتِ ([27]) أو جَنَّة واحدة هي؟ إنَّها جِنَان كثيرة، وإنه لفي جنَّة الفردوس»([28]).

 أحَبَّك اللهُ كمَا أُحِبُّه

روى الإمام أحمد من حديث معاوية بن قرة عن أبيه أنه كان رجل يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه ابن له, فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:« أتُحِبُّه؟»

فقال: يا رسول الله أحبَّك اللهُ كمَا أُحِبُّه.

فتفقده النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:« ما فعل ابن فلان؟» فقالوا يا رسول الله مات.

فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبيه:« أما تُحِبُّ أن تأتيَ بابًا من أبواب الجَنَّة إلا وجدته عليه ينتظرك؟»

فقال رجل: يا رسول الله أله خاصة أم لِكُلِّنا؟

فقال - صلى الله عليه وسلم -:« بل لِكُلِّكم»([29]).

ذلك لك

فيما رُوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيُقعده بين يديه، فهلك هذا الصغير، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة، لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما لي لا أرى فلانًا» قالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل عن بنيه، فأخبره أنه هلك، فعزَّاه عليه، ثم قال: «يا فلان، أيُّمَا كان أحبُّ إليك أن تمتع به عُمرك، أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنَّة إلا وجدته قد سبقك إليه، يفتحه لك؟»

قال: يا نبي الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي، لهو أَحَبُّ إليَّ.

قال:« فذاك لك»([30]).

 الصبر عند الصدمة الأولى

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة تبكي عند قبر، وفي رواية لمسلم: تبكي على صَبِيٍّ لها، فقال عليه الصلاة والسلام: «اتقي الله واصبري» فقالت: إليك عني فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين فقالت: لمْ أعرِفك.

فقال: «إنمَّا الصَّبر عند الصدمة الأُولى»([31]).

 قتلى بدر

لمَّا أُمر بإلقاء جِيف المشركين في القليب، وأُخذ عتبة بن ربيعة فسُحب إلى القليب، نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجه ابنه أبي حُذيفة، فإذا هو كئيب قد تغيَّر، فقال:« يا أبا حُذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» فقال: لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنِّي كنت أعرف من أبي رأيًا وحُلمًا وفَضْلاً، فكنت أرجو له أن يهده ذلك للإسلام، فلمَّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك.

فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير، وقال له خيرًا.([32])

 الحب والتفاني (1)

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»([33]).

هذه امرأة من بني دينار، قد أُصيب زوجها وأخوها وأبوها بأُحد، فلمَّا نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

قالوا: خيرًا يا أمَّ فلان، هو بحمد الله كما تُحبِّين، قالت: أرونيه حتى انظر إليه، فأُشِير إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مُصيبة بعدك جلل – تريد صغيرة.([34])

 الحب والتفاني (2)

جاءت أمَّ سعد بن معاذ تعدو، وسعد آخذ بلجام فرسه فقال: يا رسول الله أُمِّي، فقال: مرحبًا بها.

ووقف لها فلما دنت عزَّاها بابنها عمرو بن معاذ, فقالت: أمَا إذا رأيتك سالمًا، فقد اشتويت المصيبة (أي استقللتها)؛ ثم دعا لأهل من قُتل بأُحد، وقال:« يا أمَّ سعد أبشري وبشِّري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعًا».

قالت: رضينا يا رسول الله ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله، ادع لمن خلفوا منهم، فقال: «اللهم اذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا»([35]).

 الخشوع في الصلاة

بعد رجوع المسلمين من غزوة ذات الرقاع سَبَوا امرأة من المشركين، فنذر زوجها أن لا يرجع حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، فجاء ليلاً، وقد أرصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين ربيئة([36]) للمسلمين من العدو، وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر، فَضُرِب عباد وهو قائم يُصلِّي بسهم، فنزعه ولم يبطل صلاته، حتى رشقه بثلاثة أسهم، فلم ينصرف منها حتى سلَّم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان الله، هلَّا نبهتني؟ فقال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها.([37])

 وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -

عندما تُوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع بذلك أبو بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح([38]) حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مغشى بثوب حبرة([39])، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أمَّا الموتة التي كُتبت عليك فقد مِتَّها، ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أمَّا بعد، من كان منكم يعبد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.

قال الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].

قال ابن عباس: والله لكأنَّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فلم أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.

قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعفرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات.([40])


 وقفة مع الصديق رضي الله عنه

أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مرضه:

قال الإمام أحمد حدثنا وكيع بن مالك بن مغول عن السفر قال: مرض أبو بكر رضي الله عنه فعادوه، فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال قد رآني الطبيب.

قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: إني فعَّال لما أريد.([41])

أبو بكر الصديق رضي الله عنه يحتضر:

لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه، تمثلت عائشة رضي الله عنها بهذا البيت:

أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى

إذا حشرجتَ يومًا وضاق بها الصدرُ

فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس كذلك يا بنية ولكن قولي:

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19].

فقال: انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما، ثم كفنوني فيهما فإن الحيَّ أحوج إلى الجديد من الميت.([42])

رثاء علي لأبي بكر رضي الله عنهما:

لمَّا قُبض أبو بكر رضي الله عنه سُجّي بثوب فارتجت المدينة بالبكاء عليه، ودهش القوم كيوم قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاء علي بن أبي طالب باكيًا مسرعًا مسترجعًا حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله يا أبا بكر، كنت والله أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا وأشدهم يقينًا، وأعظمهم عناءً، وأحفظهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحد بهم على الإسلام وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - خُلقًا وفضلاً وهديًا وسمتًا، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن المسلمين خيرًا، صدقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، سمَّاك الله في كتابه صديقًا فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يريد محمدًا ويريدك، كنت والله للإسلام حصنًا، وعلى الكافرين عذابًا، لم تفلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ضعيفًا في بدنك، قويًا في أمر الله، متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله، قليلاً في الأرض، كثيرًا عند المؤمنين، لم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد عنك هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك.([43])


 وقفة مع الفاروق رضي الله عنه

حزن عمر على ابنه زيد رضي الله عنها:

لمَّا استشهد زيد بن الخطاب باليمامة، وكان صَحِبه رجل من عدي بن كعب فرجع إلى المدينة، فلمَّا رآه عمر دمعت عيناه، وقال: وخلفت زيدًا ثاويًا وأتيتني.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما هبَّت الصبا إلا وجدت نسيم زيد. وكان إذا أصابته مصيبة قال: قد فقدت زيدًا فصبرت.([44])

أعرابي بين يدي عمر رضي الله عنه يندب ابنه:

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا إلى بقيع الغرقد، فإذا أعرابي بين يديه فقال: يا أعرابي ما أدخلك دار الحق؟

قال: وديعة لي ها هنا منذ ثلاث سنين، قال: وما وديعتك؟ قال: ابنٌ لي حين ترعرع فقدته فأنا أندُبه، قال عمر: أسمعني ما قلت فيه, فقال:

يا غائبًا ما يؤوب من سفره

عاجله موته على صغره

يا قرة العين كنت لي سكنًا

في طلول ليلي نعم وفي قصره

شربت كأسًا أبوك شاربها

لا بد يومًا له على كبره

أشربها والأنام كلهم

من كان في بدوه وفي حضره

فالحمد لله لا شريك له

الموت في حكمه وفي قدره

قد قسَّم الموت في الأنام فما

يقدر خلق يزيد في عمره

قال عمر: صدقت يا أعرابي، غير أن الله خير له منك.([45])

 وقفة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه يُعزِّي الأشعث:

أتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الأشعث يُعزِّيه في ابنه فقال: إن تحزن فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر فإن في الله خلفًا من كل هالك، مع إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت آثم.([46])

علي بن أبي طالب رضي الله عنه يروي قصة دانيال:

ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن بختنصر أتى بدانيال فأمر به فحبس في جُبٍّ، وأضرى أسَدين، ثم خلَّى بينهما وبينه، ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجده قائمًا يُصَلِّي، والأسدان في ناحية الجُبِّ لم يعرضا له، فقال له ما قلت حيث دفعهما الله عنك؟

قال قلت: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله الذي لا يَكِل من توكل عليه إلى غيره، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع عنَّا الحيل، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي يكشف عنَّا ضرنا بعد كربتنا والحمد لله الذي يُجزي بالإحسان إحسانًا، والحمد لله الذي يُجزي بالصبر نجاة.([47])

رثاء علي لزوجته فاطمة رضي الله عنهما:

لمَّا دَفن عليٌّ فاطمة رضي الله عنهما تمثل على قبرها بهذين البيتين:

لكل اجتماع من خليلين فُرْقَةٌ

وكل الذي دون الممات قليلُ

وإن افتقادي واحدًا بعد واحد

دليلٌ على ألَّا يدوم خليلُ([48])


 الودائع

قال لبيد بن ربيعة:

وما المالُ والأهلونَ إلا ودائعُ

ولا بُدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ

عن أنس رضي الله عنه قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أُحَدِّثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاءً فأكل وشرب، فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك، فوقع بها فلمَّا رأته قد شبع وأصاب منها، قالت:يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما كان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بارك الله لكُمَا في غابر ليلتكما» قال: فحَمَلت. قال سفيان: قال رجل من الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن.([49])

 معاذ بن جبل رضي الله عنه

يُرْوَى عن معافى بن عمران عن شهاب بن خراش عن عبد الرحمن بن غنم قال: دخلنا على معاذ رضي الله عنه وهو قاعد عند رأس ابن له وهو يجود بنفسه، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا وانتحب بعضنا فزجره معاذ، وقال: مه، فوالله لئن يعلم اللهُ برضائي بهذا أحَبُّ إليَّ من كلِّ غزاةٍ غَزَوْتُها.

من كان له عزيزًا وبه ضنينًا فصبر على مصيبته واحتسبه أبدلَ الله الميت دارًا خيرًا من داره وقرارًا خيرًا من قراره وأبدل المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان.

قال: فما برحنا حتى قضى الغلام فقام وغسَّله وحنَّطَه وكفَّنه وصلَّينا عليه، فنزل في قبره ووضعه، ثم سوى عليه التراب، ثم رجع إلى مجلسه فدعا بدهن فادهن وبكحل فاكتحل وببرده جميلة فلبسها، وأكثر من التبسم ينوي ما ينوي ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، في الله خلف من كل هالك وعزاء من كل مصيبة، ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون ...([50])

لسان حاله:

كلُّ ما كان من قضاء فيحلو

بفؤادي نزوله ويطيب

 الطاعون في أرض الشام:

يوم وقع الطاعون في أرض الشام كما في السيرة للذَّهبي فخطب بالناس عمرو رضي الله عنه فقال: إن هذا الطاعون رجز ففروا منه في الأودية والشعاب.

فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه، فغضب وجاء يجر ثوبه ونعلاه فحايده، قائلاً: لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاسمعوا: الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم يستشهد الله به أنفسكم ويزكي أعمالكم. فبلغ ذلك معاذًا رضي الله عنه وهو يَتوقُ إلى الشهادة في سبيل الله فقال: اللهم اجعل نصيب أهل بيت معاذ الأوفر منه.

لأنه يعلم أن من أصيب به له مثل أجر الشهيد، فتصاب ابنتاه الاثنتان وتموتان، فدفنهما في قبر واحد، وحمد الله واسترجع، ثم أصيب ابنه عبد الرحمن وهو من أعزِّ أبنائه فقال معاذ لابنه: كيف تجدك، قال: أبتاه الحق من ربك فلا تكن من الممترين.

فقال معاذ رضي الله عنه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين، ثم تُوُفِّي رحمه الله.

ثم أصاب الطاعون كفَّ معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فجعل يقبلها ويقول: هي أحبُّ إليَّ من حُمُر النِعم ثُمَّ يُغْشَى عليه، فإذا سُري عنه قال: يا رب غُم غَمك واخنق خنقك فوعِزَّتك إنَّك لتعلم أني لأُحبُّك، ثُمَّ لقي الله جلاَّ وعلا، بعد أن احتسب أهل بيته جميعًا، فما كان إلا الرضى والتسليم بقضاء الله وقدره.([51])

مقتل خُبيب بن عدي رضي الله عنه

كان خُبيب بن عدي رضي الله عنه مسجونًا عند المشركين بمكة بعد غزوة بدر وكان قد قتل من رؤوسهم يوم بدر، فأجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم فلما أجمعوا على صلبه، قال: دعوني حتَّى أركع ركعتين، فتركوه فصلاهما، فلمَّا سَلَّم، قال: والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزِدْتُ، ثم قال: اللَّهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تُبْقِ منهم أحدًا، ثم قال:

لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا

قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وقد قربوا أبناءهم ونساءهم

وقربت من جذع طويل ممنع

إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي

وما أرصد لي الأعداء عند مصرعي

فذا العرش صبرني على ما يراد بي

فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي

وقد خيروني الكفر والموت دونه

وقد هملت عيناي من غير مجزع

فلست أبالي حين أقتل مسلمًا

على أي شق كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

فقال له أبو سفيان: أَيَسُرُّك أن محمدًا عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟

فقال: لا والله ما يَسُرُّني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تُصِيبُه شوكة تُؤْذيه.([52])

 وقفة مع عبد الله بن عمر رضي الله عنه

يشتكي ابن لعبد الله بن عمر رضي الله عنهم فيشتد وجده عليه، فقال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث لهذا الغلام حدث، وشاء الله فمات الغلام، فخرج ابن عمر في جنازته وما رجلاً أبدى سرورًا إلا ابن عمر، فقيل: ما هذا قد خشينا عليك يا ابن عمر قال: إنما تلك كانت رحمة به، فلمَّا وقع أمر الله رضينا به.([53])

وروي أيضًا عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه دفن ابنًا له، وضحك عند قبره. فقيل له: أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أن أَرْغِمَ أَنْفَ الشيطان.

فينبغي للعبد أن يتفكر في ثواب المصيبة فتسهل عليه، فإذا أحسن الصبر استقبله يوم القيامة ثوابها، حتى يودَّ لو أن أولاده وأهله وأقاربه ماتوا قبله لينال ثواب المصيبة.([54])

 عمر بن عبد العزيز رحمه الله

في وفاة ابنه عبد الملك:

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لابنه عبد الملك: كيف تجدك يا بني؟ قال: أجدني في الموت فاحتسبني، فإن ثواب الله خيرًا لك منِّي، قال: والله يا بُنَّي لئن تَكُن في ميزاني أحب إليَّ من أن أكون في ميزانك، قال: وأنا والله لئن يَكُن ما تحِبُّ أحبُّ إليَّ من أن يكون ما أُحِبُّ ([55]) ثُمَّ تُوُفِّي في ذلك المرض فذهب به عمر بن عبد العزيز وغسله وصلى عليه ودفنه وسوَّى عليه التراب، وسوُّوا قبره بالأرض، ووضعوا عنده خشبتين من زيتون: إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، ثم جعل قبره بينه وبين القبلة، فاستوى قائمًا وأحاط به الناس فقال: رحمك الله يا بُنَيَّ فقد كنتَ بَرًّأ بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورًا بك، ولا والله ما كنت قطّ أشد بك ولا أزجي لحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيَّرك الله إليه، فرحمك الله وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك، ورحم كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب، رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين،ثُمَّ انصرف.([56])

وعندما رجع إلى ديوانه كتب إلى عُمَّاله: إن عبد الملك كان عبدًا من عبيد الله، أحسن الله إليه وإليَّ فيه، أعاشه ما شاء، وقبضه حين شاء، وكان ما علمت من صالحي شباب أهل بيته قراءة للقرآن، وتحريًا للخير، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة أخالف فيها محبة الله، فإن ذلك لا يَحْسُن في إحسانه إليَّ، وتتابعِ نِعَمِه عليَّ، ولأعلمن ما بكت عليه باكية، ولا ناحت عليه نائحة، قد نهينا أهله الذين هم أحق بالبكاء عليه.([57])

وكان قبل وفاة ابنه عبد الملك، قد هلك أخوه سهل وهو من أحبِّ إخوته، وهلك مولاه مزاحم وهو عزيز عليه، كل ذلك في أوقات متتابعة، فلمَّا استوى في مجلسه، جاء الربيع بن سبرة عليه رحمة الله، فقال: عظَّم الله أجرك يا أمير المؤمنين ما رأيت أحدًا أصيب بأعظم من مصيبتك، ما رأيت مثل ابنك ابنًا، ولا مثل أخيك أخًا، ولا مثل مولاك مولى قط، فطأطأ عمر رحمه الله رأسه، فقال أحد الحاضرين: لقد هيجت عليه، فرفع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رأسه، فقال: كيف قلت يا ربيع أَعِد.

قال فأعدت عليه، فقال: لا والذي قضى عليهم الموت ما أُحِبُّ أن شيئًا ممَّا كان لم يكن.([58])

 وفاة عمر بن عبد العزيز رحمه الله

قالت فاطمة بنت عبد الملك وهي زوجة عمر بن عبد العزيز رحمهما الله:كنت أسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله في مرضه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعة، قال: قلت له: ألا أخرج عنك، فإنك لم تنم، فخرجت، فجعلت اسمعه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

فكررها مرارًا، ثم أطرق، فلبثت طويلاً لا أسمع له حس، فقلت لوصيف: ويحك انظر، فلما دخل صاح، فدخلت فوجدته ميتًا، وقد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه.([59])

 عروة بن الزبير رحمه الله

قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك حين دويت([60]) رجله، فقيل له: اقطعها. فقال: إني لأكره أن أقطع مني طائفة، فارتفعت إلى الركبة، فقيل: إن وقعت في ركبتك قتلتك، فقطعها، فلم يقبض وجهه ولا تأوه. ويقال: إنه لم يترك حزبه في تلك الليلة، وقيل له قبل أن يقطعها: نُسقيك دواءً لا تجد لها ألمًا؟ قال: ما يسرني أن هذا الحائط وقاني أذاها.

فلمَّا كان بعد أيام قام ابنه محمد بن عروة ليلاً فسقط من أحد الأسطح في إصطبل دواب الوليد، فضربته بقوائمها حتى قتلته.

فأتى رجل عروة يعزِّيه، فقال له عروة: إن كنت جئت تُعزِّي برجلي فقد احتسبتها.

فقال: بل أُعزِّيك في محمد ابنك. قال: وما له؟ فخبَّره بشأنه، فقال:

وكنتُ إذا الأيَّام أحدَثن نكبة

أقول شُوى([61]) ما لم يصبن صَمِيمِي

اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت واحدًا وأبقيت لي ستَّة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت.([62])

 الشيخ الضرير

وقدم على الوليد وفدٌ من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وسبب ذهاب بصره، فقال: خرجت مع رفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي، ولا أعلم عبسيًا يزيد ماله على مالي، فعرسنا في بطن وادٍ، فطَرَقَنا سَيلٌ، فذهب ما كان لي من أهل ومالٍ وولد غير صبي صغير وبعير، فشردَ البعيرُ، فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لأخذ البعير، فسمعت صيحة الصغير، فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه، فرجعت إلى البعير، فحطم وجهي برجليه، فذهب عيناي، فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل، فقال الوليد: اذهبوا إلى عُرْوة يعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه.([63])

 الإمام الشافعي رحمه الله

الإمام الشافعي يُعزي عبد الرحمن بن مهدي:

روى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمهما الله: أن الشافعي قد بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا.

فبعث إليه الشافعي رحمه الله يقول: يا أخي عَزِّ نفسك بما تُغِرِّ به غيرك، واستَقبِحْ من نفسك ما تَستِقبِحُه من غيرك، واعلم أن أعظم المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعتا مع اكتساب وزر؟

ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأجزل لنا ولك بالصبر أجرًا.([64])

الإمام الشافعي يحتضر:

حُكي أن الإمام المزني، دخل على الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فأجابه قائلاً:

أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقًا، ولسَيِّء عملي مُلاقيًا، ولكأس المنية شاربًا، وعلى ربي تبارك وتعال واردًا، لا أدري: تصير روحي إلى الجنَّة فأُهَنِّيها، أو إلى النار فأُعَزِّيها، ثُمَّ أنشد قائلاً:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت الرجا مني لعفوك سُلَّما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل

تجود وتعفو منَّةً وتكرُّما([65])

 أمُّ عقيل

يذكر ابن الجزي في "عيون الحكايات" قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة على يمين الطريق، فقصدنا نحوها فسلمنا فإذا عجوز تردُّ السلام، ثم قالت: من أنتم؟ قلنا: قوم ضللنا الطريق، وأَنِسْنا بكم، وقوم جياع، فقالت: ولُّو وجوهكم حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل.

ففعلنا وجلسنا على فراش ألقته لنا، وإذا ببعير مقبل وعليه راكب، وإذا بها تقول: أسأل الله بركةَ المُقبل، أما البعير فبعير ولدي أمَّا راكبه فليس بولدي.

فجاء الراكب قال: يا أمَّ عقيل السلام عليك، أعظم الله أجرك في عقيل! فقالت: ويحك أو قد مات عقيل؟ قال: نعم، قالت: ما سبب موته؟ قال:ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر.

فقال: انزل، دفعت له كبشًا ونحن مدهوشون، فذبحه وأصلحه وقرَّب إلينا الطعام، فجعلنا نتعجب من صبرها.

فلمَّا فرغنا، قالت: هل فيكم أحدًا يحسن من كتاب الله عزَّ وجلَّ شيئًا, قلنا: نعم، قالت: فاقرؤوا عليَّ آيات أتعزَّى بها عن ابني، قال: قلت: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 54، 157] قالت: آلله إنها لفي كتاب الله؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، صبرًا جميلاً وعند الله احتسب عقيلاً.

اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني، ولو بقي أحد لأحد لبقي محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمته؛ قال: فخرجنا ونحن نقول: ما أكمل منها ولا أجزل، لمَّا علمت أن الموت لا مدفع ولا محيص عنه، وأن الجزع لا يجدي نفعًا، وأن البكاء لا يرد هالكًا، رجعت إلى الصبر الجميل والرِّضا بقضاء السميع العليم، فاحتسبت ابنها لله عزَّ وجلَّ ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة.

فما أجمل الرضا بقضاء الله بكشف محن المصاب وكرباته.([66])

 ندوة لطيفة في الرضا

اجتمع وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري: قد كنت أكره الموت الفجاءة قبل اليوم، وأمَّا اليوم: فوددت أني ميت, فقال له يوسف بن أسباط: ولمَ؟ فقال: لِمَا أتخوف من الفتنة.

فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء.

فقال الثوري: ولم تكره الموت؟

قال: لعلي أصادف يومًا أتوب فيه، وأعمل صالحًا.

فقيل لوهيب: أي شيء تقول أنت؟

فقال: أنا لا اختار شيئًا أحبَّ ذلك إليَّ أحبُّه إلى الله.

فقبله الثوري بين عينيه وقال: روحانية وربِّ الكعبة.

فهذا حال عَبْدٍ قد استوت عنده حالة الحياة والموت، وقف مع اختيار الله له منهما. وقد كان وهيب رحمه الله له المقام العالي من الرِّضا وغيره.([67])

امرأة ترثي وحيدها

في العاقبة للأشبيلي يروي أن امرأة من الأعراب حجت ومعها وحيدها، فمرض عليها في الطريق ومات، فدفنته بمساعدة الركب الذين معها، ثُمَّ وقفت بعد دفنه فقالت: يا بُنَيَّ والله لقد غذوتك رضيعًا، وفقدتك سريعًا، وكأن لم يكن بين الحالتين مدَّة ألتَذُّ فيها بعيشك وأتمتع فيها بالنَّظر إلى وجهك، ثم قالت: اللهم منك العدل ومن خَلقِك الجور، اللهم وهبتني قرَّة العين فلم تمتعني به كثيرًا بل سلبتنيه وشيكًا، ثُمَّ أمرتني بالصَّبر ووعدتني عليه الأجر فصدَّقت وعدك ورضيت قضاءك فلك الحمد في السَّرَّاء والضَّرَّاء، اللهم ارحم غربته واستر عورته يوم تكشف العورات، وتظهر السَّوْءِات رحم الله من ترَّحم على من استودعته الرُّوم ووسَّدَته الثَّرى.

ثم لمَّا رامت الانصراف قالت: أي بُني لقد تزودت لسفري فيا ليت شعري ما زادك لسفرك ويوم معادك، اللهم إني أسألك الرضا عنه برضائي عنه، استودِعك بُني من استودَعني إيَّاك جنينًا في الأحشاء، ومن يُجازي من صبر في السَّرَّاء والضَّرَّاء.

لسان حالها:

من شاء بعدُ فليمت

فعليك كنت أحاذرُ

كنت السواد لناظري

فعَميَ عليك الناظرُ

ليتَ المنازل َوالدِّيارَ

حفائرٌ ومقابرُ

إني وغيري لا محالةَ

حيث صرت لصائرُ ([68])

 الوعد الصدق

خرجت امرأة من العرب تريد المقابر، حتى جلست على قبر ابنها، فقالت بصوت لها ضعيف: هذا والله المنزل الحق، والوعد الصدق، والوعيد الشديد، والمسكن الذي ليس لأهل الدنيا عنه محيد، هذا والله المُفَرِّق بين الأحباب، والمُقَرِّب من الحساب، وبه يعرف الفريقان أهل السعادة وأهل الشَّقَاء، لا أقول هُجْرًا، ولكني احتسب على الله مصابي بك يا بُنَيَّ، ففسح الله لك في ضريحك، وجمع بينك وبين نبيك، ثم قالت:

 يا ليت شعري كيف غيَّرك الرَّدَى

أَمْ كيف صار جمالُ وجهك في الثَّرَى

لله دَرُّك أيِّ كهل غيبوا

تحتَ الجنادِلِ لا يَحِسُّ ولا يُرَى

لُنًّا ولحمًا بعد حزم زانه

بأسٌ وجودٌ حين يُطْرَقُ للقِرَى

لَمَّا نُقِلْتَ إلى المقابر والبِلَى ْ

دَنَتْ الهموم فغاب عن عيني الكرى([69])

  المحدث إبراهيم الحربي رحمه الله

وكان للمحدث إبراهيم الحربي عليه رحمة الله ابنٌ له إحدى عَشْرِة سَنَة، حفظ القرآن ولقنه من الفقه جانبًا كبيرًا ثم مات هذا الولد. قال محمد بن خلف: فجئت أُعَزِّيه فقال: الحمد لله، والله لقد كنت على حبي له أشتهي موته، فقلت له يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول ذلك، في صبي حفظ القرآن ولقنته الحديث والفقه، قال: نعم، أو يخفى عليك أجر تقديمه.

ثم قال: وفوق ذلك فقد رأيت في منامي كأن القيامة قامت وكأن صبيانًا بأيديهم قِلَالٌ فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم وكان اليوم حارًّا شديدٌ حرُّه فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء. قال: فنظر إليَّ وقال: لستَ أبي، قال: قلت من أنتم؟ قال: نحن الصبية الذين متنا واحتسبنا آباؤنا ننتظرهم لنستقبلهم فنسقيهم الماء. قال: فلذلك اشتهيت موته، والحمد لله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.([70])

 امرأة من هذيل فقدت إخوة عشرة وابنا

كانت امرأة من هذيل لها عشرة إخوة وعشرة أعمام، فهلكوا جميعًا في الطاعون، وكانت بكرًا لم تتزوج فخطبها ابن عم لها فتزوجها، فلم تلبث أن اشتملت على غلام فولدته، فنبت نباتًا كأنما يُمد بناصيته، وبلغ هذا الغلام، فزوجته وأخذت في جهازه، حتى إذا لم يبق إلا البناء بأهله أتاه أجله، فلم تَشُقّ لها جيبًا، ولم تدمع لها عينًا، فلمَّا فرغوا من تكفينه، دُعيت لتوديعه، فأكبت عليه ساعة، ثم رفعت رأسها ونظرت إليه، ثم قالت:

ألا تلك المَسرَّةُ لا تدوم

·        

ولا يَبْقَى على الدَّهر النَّعيمُ

ولا يَبْقَى على الحَدَثان غفر

·        

بِشَاهِقَةٍ له أمٌّ رَءُومُ ([71])

 ياقوتة بنت المهدي

لمَّا تُوُفِّيَت ياقوتة بنت المهدي، جزع عليها أبوها المهدي جزعًا لم يسمع بمثله، وجلس، فجاء الناس يُعَزُّونه، فأمر ألا يُحْجَب عنه أحد، فأكثر الناس في التَّعَزِّي واجتهدوا في البلاغة والفصاحة لكونه الخليفة، ثم أجمعوا بعد ذلك على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية "ابن شبه" رحمه الله يوم قال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رُزِئْتَ أجرًا، وأعقبك خيرًا، ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خيرًا لك منها، ورحمة الله خير لها منك، أسأل الله أن لا يحزنك ولا يفتنك.

فكان ممَّا سرى على أمير المؤمنين هذه التعزية.([72])

 أعرابية ترثي ابنها

قال عبد الرحمن بن عمر: دخلت على امرأة من نجد بأعلى الأرض في خباء لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها قد نزل به الموت، فقامت إليه فأغمضته وعصَّبته وسجته، وقالت:

يا ابن أخي، قُلْتُ: ما تشائين، قالت: ما أحق من ألبس النعمة وأطيلت به النظرة أن لا يدع التوثق من نفسه قبل حِلِّ عُقدته والحُلول بعقوته ([73])، والمَحالة بينه وبين نفسه، قال: وما يقطر من عينها دمعة صبرًا واحتسابًا.

ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان ماله لبطنه ولا أمره لعرسه، ثم أنشدت:

رحيبُ ذِرَاعٍ بالتي لا تَشِينه

وإن كانت الفَحشاء ضاق بها ذَرعا ([74])


 امرأة من بني عامر

أخرج بن أبي الدنيا في "الاعتبار" عن الكندي قال: كانت امرأة من بني عامر لها تسعة من الأولاد، دخلت بهم ذات يوم غارًا، ثم خرجت لحاجة وتركتهم في الغار، ولمَّا رجعت، سقط الغار عليهم وانطبق، فجعلت تسمع أنينهم وتلظَّى بجحيم عويلهم، لا تملك لهم حولاً ولا طولاً، تئن وتزفر زفرات قطعت أحشائها، والذي عانى البلايا عرف, حتى فقدت أنينهم فلم تسمع لهم أنينًا، فعلمت أنهم جميعًا قد ماتوا تحت هذا الغار, فرجعت بها من الأسى ما الله به عليم، فكانت تُرَدد وتقول:

ربيتهم تسعًا حتى إذا اتسقوا

أُفْرِدْتُ منهم كقرنِ الأعضبِ الوَحدِ

وكل أمٍّ وإن سُرَّت بما ولدت

يومًا ستفقِدُ من ربَّت من الولَدِ ([75])

 المُلْتَقَى غدًا

لمَّا قُتل إبراهيم بن عبد الله بن الحُسين، وحُمل رأسه إلى المنصور، أنفدها المنصور مع الربيع إلى عميه إدريس ومحمد وكانا في حبسه، وكان أبوه قائمًا يُصلِّي، فقال له محمد أوجز وسلِّم، فلمَّا أتاه وضع الرأس في حجره، وقال: أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم، تالله لقد كنت من الناس الذين قال الله تعالى في حقِّهم: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.

ثم قبَّلَه بين عينيه وأنشأ يقول:

فتىً كان يحمه من العار سيفُه

ويكفيه سوآت الأمور اجتنابُها

ثم قال للربيع: قل لصاحبك المنصور قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعمتك أيام، والمُلْتَقَى غدًا بين يدي الله تعالى فكان ذلك فألًا على المنصور ولم يرَ بعد ذلك اليوم راحة.([76])

 أمُّ غسَّان

ها هي أعرابية أسمها أمُّ غسَّان كما في "عيون الأخبار" فقدت جميع أبنائها، وفوق ذلك كفَّ بصرُها، مُصيبة وأي مُصيبة، كانت تعيش في مغزلها وتقول: الحمد لله على ما قضى، رضيت من الله ما رَضِيَ لي، واستعين الله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء.

ثم أُصِيبَت مرةً أخرى بموت جارة لها كانت تَبُثُّها أحزانها وأشجانها, فيقال لها: أين فلانة؟ فتقول: الحمد لله على قضاء الله والرَّجعة إلى الله.

تقسم جاراتها بيتها

وصارت إلى بيتها الأثلد([77])

  أعرابية على قبر أبيها

وقفت أعرابية على قبر أبيها، فقالت: اللهم يا أبت، إن في الله تبارك وتعالى من فقدك عوضًا، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مُصيبتك أُسْوة، ثم قالت: اللهم نَزَل بك عبدك مُقفرًا من الزَّاد، مُخْشوشِن المِهاد، غنيًا عمَّا في أيدي العباد، فقيرًا إلى ما في يديك يا جوَّاد، وأنت أي رب خير من نزل به المُؤمِّلون، واستغنى بفضله المُقِلُّون، وولج في سعة رحمته المذنبون، اللهم فليكن قِرَى عبدك منك رحمتك، ومهاده جنتك، ثُمَّ انصرفت.([78])

ولسان حالها:

فإذا ابتُليتَ بمحنَةٍ فاصبر لها

صبرَ الكريم فإنَّ ذلك أسلمُ

وإذا ابتُليتَ بِكُرْبة فالبسْ لها

ثوبَ السُّكُوتِ فإنَّ ذلك أسلمُ

لا تشكونَ إلى العباد فإنَّما

تشكُو الرَّحيم إلى الذي لا يَرحمُ

 أبو أيوب في سِجْنِه

أنَّ أبا أيوب الكاتب([79]) حُبِسَ في السِّجْن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، حتَّى ضاقت حيلَتُه وقلَّ صبرُه، فكتب إلى بعض إخوانه يَشْكُو له طول حبسه، وقلَّة صبره، فردَّ عليه جواب رقعته بهذا:

صبرًا أبا أيوب صبرَ مُبَرَّحٍ

فإذا عجزتَ عن الخُطُوب فمن لها

إنَّ الذي عَقَد الذي انعقدتَ له

عُقَدُ المكاره فيك يَمْلِك حَلَّها

صبرًا فإنَّ الصَّبْر يعقب راحةً

ولعلَّها أنْ تَنْجَلي ولعلَّها

فأجابه أبو أيوب يقول:

صَبَّرتني ووعظتني وأنا لها

وستنجلي بل لا أقولُ لعلَّها

ويَحُلُّها من كان صاحبَ عَقْدها

كَرَمًا به إذ كان يملكُ حَلَّها

قال: فلم يلبث بعد ذلك في السجن إلا أيامًا، حتى أطلق مكرَّمًا.([80])

عظة لك

يقول أحد المعزين في "لطائف التعازي" لقاض من قُضَاة بلخ، وقد تُوُفِّيَت أمُّه، قال له: إن كانت وفاتُها عِظَة لك فعظَّم اللهُ أجرك على موتها، وإن لم يكن عِظَة لك فعظَّم الله أجرك على موت قلبك,ثُمَّ قال: أيُّها القاضي أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سَنَةً ولم يَرُدَّ عليك أحدٌ حكمًا، فكيف بحكم واحد عليك من الواحد الأحد تَرُدُّه ولا ترضى به؛ فسُرِّيَ عنه وكُشِفَ ما به, وقال: تعزَّيت.. تعزَّيت.([81])

 صور من رضا الصحابة والسلف الصالح

رضا أبي ذرٍّ رضي الله عنه بالقضاء:

كان أبو ذرٍّ رضي الله عنه لا يعيش له ولد، فقيل له: إنك امرؤ لا يبقى لك ولد، فقال: الحمد لله كل ذلك في كتاب، الحمد لله الذي يأخذهم بدار الفناء ويدَّخِرْهم بدار البقاء.([82])

أنس بن مالك رضي الله عنه عند قبر ابنه:

ومات ابنٌ لأنس بن مالك، فقال أنس عند قبره: الحمد لله, اللهم عبدك وابن عبدك، وقد رُدَّ إليك فارأف به وارحمه، وجافي الأرض عن بدنه، وافتح أبواب السماء لروحه، وتقبَّله بقبول حسن، ثُمَّ انصرف فأكل وشرب وادَّهن وأصاب من أهله، ولسان حاله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].([83])

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في وفاة ابنته:

ممَّا رُوِي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، نُعيت إليه ابنته، وهو في السفر، فاسترجع، ثم قال: عورة سترها الله، ومؤونة كفاها الله، وأجر ساقه الله.([84])

صبر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما:

عن منصور بن صفية عن أمه، قالت: قيل لابن عمر: إنَّ أسماء في ناحية المسجد، وذلك حين صُلِبَ ابنُ الزبير، فمال إليها، فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإنَّما الأرواح عند الله، فاتقي الله واصبري, فقالت: وما يمنعني، وقد أُهْدِيَ رأس يحيى بن زكريا عليه السَّلام إلى بَغِيٍّ من بغايا بني إسرائيل.

وقال ابن سعد: أنها ماتت بعد ابنها بليال.([85])

من صبر علي بن الحسين رحمه الله:

كان علي بن الحسين رحمة الله في مجلسه، وعنده جماعة، إذ سمع ناعية في بيته، فنهض إلى منزله، فسكَّنهم، ثم رجع إلى مجلسه، فقالوا له: أَمِن حَدَثٍ كانت الناعية؟

قال: نعم، فعزُّوه وعجِبُوا من صبره، فقال: إنَّا أهل بيتٍ نُطِيع الله فيما نُحبُّ، ونَحمدُه على ما نكره.([86])

رجل يُعَزِّي عقبة بن عياض بابنه:

مات ولد لعقبة بن عياض بن غنم الفهري، فعزَّاه رجل فقال: لا تجزع عليه فقد قتل شهيدًا، فقال: وكيف أجزع على من كان في حياته زينة الدُّنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.([87])

 رسالة الإسكندر

كتب الإسكندر إلى أمِّه قبل وفاته بقليل: إذا وصل إليكِ كتابي هذا، فاجمعي أهل بلدك، وأعدي لهم طعامًا، ووكلي بالأبواب من يمنع دخول أي أحد أصابته مُصيبة في أُمٍّ أو أب أو أخت أو ولد، ففعلت، فلم يدخل إليها أحد؛ فعلمت أنَّ الإسكندر عزَّاها في نفسها.([88])

 حلاوة الأجر

يُحْكَى عن امرأة من العابدات، أنها عثرت، فانقطعت إحدى أصابعها، فضحكت! فقيل لها: أتضحكين وقد انقطعت إصبعك؟

فقالت: حلاوة أجرها, أنستني مرارة ذكرها.([89])

ابن جريج يُعَزِّي ابن الأهتم في ابنه:

قال عبد الله بن الأهتم: مات لي ابن وأنا بمكة، فجزعت عليه جزعًا شديدًا، فدخل عليَّ ابن جريج يُعزِّيني فقال لي: يا أبا محمد اسلُ صبرًا واحتسابًا قبل أن تسلو غفلة ونسيانًا كما تسلو البهائم. وهذا الكلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يعزي به الأشعث بن قيس في ابن له ومنه أخذه ابن جريج.

وقال عليٌّ في التعازي لأشعث

وخاف عليه بعض تلك المآثمِ

أتصبر للبلوى عزاءً وحِسبةً

فتؤجر أم تسلُو سَلْوَ البهائِمِ([90])

إبراهيم بن إسحاق يُعَزِّي أحد الخلفاء:

كتب إبراهيم بن إسحاق إلى أحد الخلفاء يُعَزِّيه: إنَّ أحق من عرف حقَّ الله فيما أخذ منه، من عرف نعمته فيما أبقى عليه؛ يا أمير المؤمنين إن الماضي قبلك هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجور فيك؛ وإن النعمة على الصابرين فيما ابتلوا به أعظم منها عليهم فيما يُعَافُون منه.([91])

وهب يحاور أعمى:

مرَّ وهب بمبتلى أعمى، مجذوم، مُقْعَد، عريان، به وضح([92]) وهو يقول: الحمد لله على نِعَمه، فقال رجل كان مع وهب: أي شيء بقى عليك من النعمة تحمد الله عليها؟ فقال المبتلى: ارمِ ببصرك إلى أهل المدينة، فانظر إلى كثرة أهلها، أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحدٌ يعرِفُه غيري.([93])

أبو إسحاق في مرضه:

قال عطية بن قيس: مرض كعب فعاده رهط من أهل دمشق، فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟

قال: بخير, جسدٌ أُخِذَ بذنبه إن شاء ربُّه عذَّبه وإن شاء رحمه، وإن بعثه بعثه خلقًا جديدًا لا ذنب له.([94])


أعرابية تندب ابنها:

وقالت أعرابية تندب ابنًا لها ([95]):

أَبُنَيَّ غَيْبتُك المحلُّ المَلْحَدُ

إمَّا بَعُدْتَ فأينَ مَنْ لا يَبْعُدُ

أنت الذي في كل مُمْسَى ليلة

تَبْلَى وحُزْنُك في الحَشَى يَتَجَدَّدُ

وقالت فيه:

لئن كنت لهوًا للعُيون وقُوَّة لقد

صِرْتَ سقمًا للقُلوب الصَّحائِحِ

وهَوَّن حُزْني أنَّ يومَك مُدرِكي

وأنِّي غدًا من أهل تلك الضَّرائِحِ

 وصية عابد:

ذكر ابن أبي الدنيا عن بِشر بن بشَّار المجاشعي، وكان من العلماء، قال: قلت لعابد: أوصني.

قال: ألقِ نفسك مع القدر حيث ألقاك, فهو أحرى أن يُفَرِّغَ قلبك، ويقلِّل همَّك، وإيَّاك أن تَسخط ذلك، فيحلَ بك السُّخط، وأنت عنه في غفلة لا تشعر به، فَيُلْقِيكَ مع الذين سخط الله عليهم.([96])

سعيد بن جبير عند الحجاج:

قال الربيع بن أبي صالح: دخلت على سعيد بن جُبَير حين جِيءَ به إلى الحجاج، فبكى رجل، فقال سعيد: ما يُبكيك؟ قال: لِمَا أصابك، قال: فلا تبكِ، كان في علم الله أن يكون هذا، ثُمَّ تلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].([97])

الفضيل بن عياض في وفاة ابنه:

يقول أبو علي رحمه الله: صحبت الفضيل بن عياض رحمه الله ثلاثين سَنَةً، ما رأيته ضاحكًا ولا مُبْتسمًا إلا يوم مات ابنه علي رحمه الله؛ فقلت: ما هذا؟ فقال: إن الله سبحانه أحبَّ أمرًا، فأحببتُ أن أُحِبُّ ما أَحَبَّ الله وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.([98])

صالح المري يُعَزِّي رجلاً:

قال الأصمعي: عَزَّى صالح المري رجلاً بابنه, فقال له: إن كانت مُصيبتك لم تُحْدِث لك موعظة فمُصيبتك بنفسك أعظم من مُصيبتك بابنك، واعلم أن التَّهنئة على آجل الثواب أولى من التَّعْزِية على عاجل المُصيبة.([99])

أبو ذر الهمداني على قبر ابنه:

وقف أبو ذَرٍّ الهمداني على قبر ابنه ذَرٍّ، فقال: يا ذَرُّ، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك، فليت شِعري ما قلت وما قيل لك؛ ثم قال: اللهم إني قد وهبت لك إساءته إليَّ، فهب له إساءته إليك؛ فلمَّا انصرف عنه التفت إلى قبره، فقال: يا ذَرُّ، قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك.([100])

أبو الدرداء في مرضه:

أن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابه، فقالوا: ما تشتكي يا أبا الدرداء، قال: أشتكي ذنوبي: قالوا: فما تشتهي، قال: أشتهي الجنة، قالوا: ألا ندعو لك طبيبًا قال: هو الذي أضجعني.([101])

مُطرف بن الشخير في وفاة ابنه عبد الله:

مات عبد الله بن مُطرف، فخرج أبوه مُطرف بن الشخير على قومه في ثياب حسنة، وقد ادَّهن فغضبوا، قالوا: يموت عبد الله، ثم تخرج في ثياب مثل هذه مدَّهنًا، قال:مُطرف، أفأستكين لها؟ وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها ثلاث خصال، كل خصلة منها أحَبُّ إليَّ من الدنيا كُلِّها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 156، 157].([102])

عبد الله بن الربيع بن خيثم في وفاة ابنه:

مات ابنٌ لعبد الله بن الرَّبيع بن خيثم، فقال شِعرًا ([103]):

أصبحت لا أدعو طبيبًا لطبِّه

ولكنَّنِي أدعوك يا مُنَزِّل القطر

لترزقني صبرًا على ما أصابني

وتَعزم لي فِيه على الرُّشد من أمري

وإنِّي لأرجو أن تكون مُصيبتي

بغيت بها أجرًا وإن كُنْتُ لا أدري

 نصيحة شريح

قال رجلٌّ: اشتكيت إلى صديق لي بعض ما غمَّني، فسمعني شريح القاضي، فأخذ بيدي، وقال: يا ابنُ أخي، إيَّاك والشَّكوى إلى غير الله، فإنه لا يخلو من تشكو إليه أن يكون صديقًا أو عدُوًّا، فأمَّا الصديق فتُحزنه ولا يَنفعك، وأمَّا العدو فيشمت بك، انظر إلى عيني هذه، وأشار إلى إحدى عينيه، فوالله ما أبصرت بها شخصًا ولا طريقًا، منذ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وما أخبرت بها أحدًا إلى هذه الغاية، أمَا سمعت قول يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] فاجعله مَشْكَاك ومَفْزَعك عند كل نائبة تَنُوبك، فإنه أكرم مسؤول، وأقرب مدعو إليك.([104])

القاضي شُرَيح في وفاة ابنه:

يروى أن شُرَيحًا القاضي مات له صبي، فجهَّزه وغسَّله ودفنه بالليل، ولم يشعر به أحد، ولمَّا جلس للقضاء من الغَد، جاء الناس على حسب العادة، يعودونه ويسألونه عنه، فقال: الحمد لله الآن فُقِدَ الأنين والوجع، ففرح الناس وظنَّوا أنه قد عُوفي من مرضه, فقال: وهو يضحك: احتسبناه في جنب الله، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.([105])

مُصابة في ابنها:

إحدى المكروبات المصابات، تقول عند مصيبتها بأحد أبنائها: الحمد لله على السرَّاء والضرَّاء، والعافية والبلاء، والله ما أُحِبُّ تأخير ما عجل الله ولا تعجيل ما أخَّره الله، وكل ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير، فما أبرم الله لم يُنتقض وما نقض الله لم يُبْرم.([106])

جواب مؤمن راضٍ بقضاء الله وقدره:

قيل لرجل: كم لك من ولد؟ قال: تسعة، فقيل له: إنما نعرف لك ابنًا واحدًا، فقال: الحمد لله،كان لي عشرة أبناء، فقدمت تسعة احتسبتهم عند الباري الرحيم، وبقي واحد لا أدري أنا له أم هو لي.([107])

أربعة تهوِّن المُصيبة:

وسُئِلَ بزرجمهر عن حاله في نكبته، فقال: عَوِلْتُ على أربعة أشياء:

أولها: أنِّي قُلْتُ القضاء والقدر ولا بُدَّ من جريانهما.

الثاني: أنِّي قُلْتُ إن لم أصبر فما أصنع.

الثالث: أنِّي قُلْتُ قد كان يجوز أن يكون أعظم من هذا.

الرابع: أنِّي قُلْتُ لعَلَّ الفرج قريب.([108])


 الخاتمة

في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أصاب أحدٌ قط، همٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي, إلا أذهب الله عزَّ وجلَّ همَّه، وأبدله مكان حزنه فرحًا» قالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: «أجل! ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن»([109]).



([1]) مسلم 2999.

([2]) النصب: التعب.

([3]) الوصب: الوجع.

([4]) البخاري – فتح الباري 10/5641، 5642 مسلم 2573.

([5]) البخاري – فتح الباري 11/6424.

([6]) الترغيب والترهيب 3407.

([7]) الترمذي 1021.

([8]) مسلم 2626.

([9]) البخاري – فتح الباري 10/5652، مسلم 2576.

([10]) بهجة المجالس وأُنس المجالس 3/348.

([11]) نضرة النعيم 2123، تهذيب مدارج السالكين 2/185.

([12]) هجة المجالس وأُنس المجالس 3/349.

([13]) نضرة النعيم 2470، الزهد لوكيع بن الجراح 2/456.

([14]) نضرة النعيم 2124، ابن أبي الدنيا في التقوى.

([15]) بهجة المجالس وأُنس المجالس 3/352.

([16]) نضرة النعيم 2123، الإحياء للغزالي 3/346.

([17]) نضرة النعيم 2470، الدرر المنثورة للسيوطي 1/378.

([18]) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب 2/417.

([19]) نزهة الفضلاء سير أعلام النبلاء 3/1447.

([20]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([21]) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب 2/417.

([22]) القين: الحداد.

([23]) البخاري – فتح الباري 3/1303، مسلم 2315.

([24]) تتقعقع: تتحرك وتضطرب.

([25]) شن: القربة الخلق الصغيرة.

([26]) البخاري – فتح الباري 3/1284، مسلم 923.

([27]) هبلت: أي أفقدت عقلك بفقدك ابنك حتى جعلت الجنان جنة واحدة.

([28]) البخاري – فتح الباري 11/6550.

([29]) مشكاة المصابيح 1697، مسند الإمام أحمد 15042، 19472.

([30]) سنن النسائي 1974، شرح سنن النسائي للسندي 2061، الترغيب والترهيب 2007..

([31]) البخاري – فتح الباري 3/1283، مسلم 926.

([32]) الرحيق المختوم 203.

([33]) البخاري – فتح الباري 14، مسند الإمام أحمد 12349، الجامع الصغير 7682، سنن ابن ماجه 56.

([34]) الرحيق المختوم 257، ابن هشام 2/99.

([35]) الرحيق المختوم 257، السيرة الحلبية 2/47.

([36]) الربيئة: الشخص المخصص للمراقبة.

([37]) الرحيق المختوم 350، زاد المعاد 2/112، سيرة ابن هشام 2/203 فتح الباري 7/417.

([38]) السنح: منطقة في عوالي المدينة.

([39]) حبرة: نوع من القماش.

([40]) الرحيق المختوم 452.

([41]) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين 153.

([42]) الزهد 90.

([43]) العقد الفريد 3/239.

([44]) العقد الفريد 3/233.

([45]) العقد الفريد 3/255.

([46]) العقد الفريد 3/303.

([47]) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين 224-225، ابن أبي الدنيا في الشكر 82-83، التنوخي في الفرج بعد الشدة 1/79-80، الهندي في الكنز 4995.

([48]) بهجة المجالس وأُنس المجالس 3/359.

([49]) الصبر الجميل 57-58-59.

([50]) كشف الكربة عند فقه الأحبة.

([51]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([52]) الرحيق المختوم 266.

([53]) كشف الربة عند فقد الأحبة.

([54]) المستطرف في كل فن مستظرف 1/566.

([55]) العقد الفريد 3/228.

([56]) الزهد 243.

([57]) العقد الفريد 3/309.

([58]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([59]) نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء 1/480.

([60]) دويت: أصابها الداء.

([61]) شوى: أي هين حقير.

([62]) بهجة المجالس وأُنس المجالس 3/356.

([63]) المستطرف في كل فن مستظرف 1/339.

([64]) المستطرف في كل فن مستظرف 1/567.

([65]) سمير المؤمنين في المواعظ والحكم والقصص 157.

([66]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([67]) تهذيب مدارج السالكين 379.

([68]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([69]) بهجة المجالس وأُنس المجالس 3/352-353.

([70]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([71]) العقد الفريد 3/260.

([72]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([73]) العقوة: الساحة. والمراد بها القبر.

([74]) العقد الفريد 3/242.

([75]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([76]) المستطرف في كل فن مستظرف 1/574.

([77]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([78]) العقد الفريد 3/241-242.

([79]) وزير أبي جعفر المنصور.

([80]) أدب الدنيا والدين 471.

([81]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([82]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([83]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([84]) العقد الفريد 3/192.

([85]) نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء 1/150.

([86]) العقد الفريد 3/306.

([87]) العقد الفريد 3/305.

([88]) المستطرف في كل فن مستظرف 1/568.

([89]) سمير المؤمنين في المواعظ والحكم والقصص 260.

([90]) العقد الفريد 3/303.

([91]) العقد الفريد 3/308.

([92]) الوضح: البياض الغالب.

([93]) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين 224، أخرجه البيهقي في الشعب 4496، ابن أبي الدنيا في الشكر 81-82، أبو نعيم في الحلية 4/68.

([94]) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين 145.

([95]) العقد الفريد 3/256.

([96]) تهذيب مدارج السالكين 380.

([97]) نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء 1/395.

([98]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([99]) العقد الفريد 3/304.

([100]) العقد الفريد 3/241.

([101]) الزهد 111.

([102]) الزهد 198.

([103]) الزهد 270.

([104]) العقد الفريد 3/201.

([105]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([106]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([107]) كشف الكربة عند فقد الأحبة.

([108]) المستطرف في كل فن مستظرف 1/340.

([109]) مسند الإمام أحمد 3528، الترغيب والترهيب 1822.