الرضا

محمود المصري

  بين يدي الكتاب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ‬.

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{ [آل عمران: 102].

}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ [النساء: 1].

}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

إن من لوازم الإيمان أن يرضى العبد بقضاء الله وقدره خيره وشره وأن يعلم أن الأقدار لا تكون حسب رغباته وأهوائه وإنما تكون بحسب حكمة وتقدير الخالق (جل وعلا).. ونحن لسنا في مقام الاقتراح ولكننا في مقام العبودية والتسليم... ولذا ينبغي علينا أن نرضى ونسلم بقضاء الله (جل وعلا) في جميع أحوالنا.

فالرضا ثمرة من ثمار المحبة، وهو من أعلى مقامات المقربين، وحقيقته غامضة على الأكثرين، وهو باب الله الأعظم، ومستراح العارفين، وجنة الدنيا، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه، وأن لا يستبدل بغيره منه. ورضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها؛ لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه، قال تعالى: }وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ{ [التوبة: 72]. بعد قوله: }وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ وهذا الرضا جزاء على رضاهم عنه في الدنيا، ولما كان هذا الجزاء أفضل الجزاء، كان سببه أفضل الأعمال.

فتعالوا بنا لنتعايش بقلوبنا مع خلق من أخلاق الحبيب ﷺ‬ عسى الله أن يرزقنا أخلاقه وأن يرزقنا صحبته في الجنة... إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 تعريف الرضا

الرضا مصدر رضى يرضى وهو مأخوذ من مادة (ر ض و) التي تدل على خلاف السخط وفي حديث الدعاء: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك».

وقال الراغب: رضا العبد عن الله أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرًا بأمره ومنتهيًا عن نهيه.

وقيل: الرضا هو سرور القلب بمر القضاء.

 أنواع الرضا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: من لزم ما يُرضي الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيما إذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه، كما أن من لزم محبوبات الحق أحبه الله. كما قال في الحديث الصحيح الذي في البخاري: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته...» الحديث.

وذلك أن الرضا نوعان:

أحدهما: الرضا بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه. ويتناول ما أباحه الله من غير تعد محظور: }وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ{ [التوبة: 59].

وهذا الرضا واجب، ولهذا ذم من تركه بقوله: }وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ{ [التوبة: 58، 59].

والنوع الثاني: الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذل، فهذا رضا مستحب في أحد قولي العلماء، وليس بواجب، وقد قيل:إنه واجب، والصحيح أن الواجب هو الصبر، كما قال الحسن: الرضا غريزة، ولكن الصبر معول المؤمن،... وقد روي في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ‬ قال: «إن استطعت أن تعم بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا»([1]).


 الرضا... باب اليقين الأكبر

إن الرضا بالله ربًّا يلزمك أن ترضى بأحكامه الشرعية، فترضى بأوامره ممتثلاً، وترضى بنواهيه مجتنبًا، وترضى بأقداره المؤلمة، فترضى بكل نعمة ومصيبة، وكل منع وعطاء، وشدة ورخاء، ترضى عنه سبحانه إذا عافاك وشفاك، ومن كل بلاء حسن أبلاك، وترضى عنه إذا أمرضك وأسقمك، وترضى عنه إذا وضعك في السجن وحيدًا فريدًا، ترضى عنه إذا أغناك وحباك، وترضى عنه إذا أفقرك وأعدمك، لأنه سبحانه يحب أن يرضى عنه، فهو حكيم لا يُشك في حسن وصلاح قضائه، وهو مدبر لا يُتهم في جميل تدبيره، وهو يختار الأجمل والأكمل والأفضل لعبده، فلا يعارض اختياره بكرهٍ، ولا يصادم تقديره برفض، ولا يجابه فعله برد.

ويقبح من سواك الفعل عندي

وتفعله فيحسن منك ذاك

والرضا باب اليقين الأكبر، وبستان العبودية الأخضر وهو مستنزل الرحمة، ومستدر الزيادة، ومستوجب الرضا منه }رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ{ [المائدة: 119]، والرضا مطردة للهموم والغموم، مذهبة للأحزان، وهو علاج التردد والحيرة والاضطراب، لأنه التسليم بالحكمة، والتصديق بالشرع، والركون إلى اللطف والاطمئنان لحسن الاختيار، من دخل بيت الرضا فهو آمن، ومن استقبل كعبته فهو مخبت، ومن صلى في محراب الرضا فهو حليم أواه منيب ([2]).

يقول الإمام ابن الجوزي - رحمه الله -:

إن الرضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الرضا.

أما العارف فتقل عنده المرارة، لقوة حلاوة المعرفة، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة، كما قال القائل:

عذابه فيك عذبٌ

وبعده فيك قرب

وأنت عندي كروحي

بل أنت منها أحب

حسبي من الحب أني

لما تحب محب ([3])

* وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا *

والمعنى أن تذكر نعم الله عليك فإذا هي تغمرك من فوقك ومن تحت قدميك }وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا{ [إبراهيم: 34]، صحة في بدن، أمن في وطن، غذاء وكساء، وهواء وماء لديك الدنيا وأنت ما تشعر، تملك الحياة وأنت لا تعلم }وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً{ [لقمان: 20]، عندك عينان، ولسان وشفتان، ويدان ورجلان }فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{ [الرحمن: 13] هل هي مسألة سهلة أن تمشي على قدميك، وقد بُترت أقدام؟! وأن تعتمد على ساقيك، وقد قطعت سوق؟! أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير؟! وأن تملأ معدتك من الطعام الشهي؟! وأن تكرع من الماء البارد وهناك من عُكر عليه الطعام، ونغص عليه الشراب بأمراض وأسقام؟! تفكر في سمعك وقد عوفيت من الصمم، وتأمل في نظرك وقد سلمت من العمى، وانظر إلى جلدك وقد نجوت من البرص والجذام، والمح عقلك وقد أنعم عليك بحضوره ولم تفجع بالجنون والذهول.

أتريد في بصرك وحده كجبل أحد ذهبًا، أتحب بيع سمعك وزن ثهلان فضة، هل تشتري قصور الزهراء بلسانك فتكون أبكم، هل تقايض بيديك مقابل عقود اللؤلؤ والياقوت لتكون أقطع، إنك في نعم عميمة وأفضال جسيمة، ولكنك لا تدري، تعيش مهمومًا مغمومًا حزينًا كئيبًا وعندك الخبز الدافئ، والماء البارد، والنوم الهانئ، والعافية الوارفة، تتفكر في المفقود ولا تشكر الموجود، تنزعج من خسارة مالية وعندك مفتاح السعادة، وقناطير مقنطرة من الخير والمواهب والنعم والأشياء... فكر واشكر }وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ{ [الذاريات: 21]، فكر في نفسك وأهلك، وبيتك، وعملك، وعافيتك، وأصدقائك، والدنيا من حولك }يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا{ [النحل: 83]([4]).

 وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

قوله تعالى: }وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{ [البقرة:  216].

في هذه الآيات عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد، ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور،والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حسن العاقبة.

ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه،ولا يسأله ما ليس له به، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له،وأن يرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك.

ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه، ورضي بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه، لأنه مع اختياره لنفسه، ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه  في المقدور العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره ([5]).


 أهل الرضا يذوقون طعم الإيمان

والرضا من أعمال القلوب، نظير الجهاد من أعمال الجوارح؛ فإن كل واحد  منهما ذروة سنام الإيمان.

قال أبو الدرداء: «ذروة سنام الإيمان: الصبر للحكم، والرضا بالقدر»([6]).

وقد مدح الله أهل الرضا وأثنى عليهم وندبهم إليه، فدل ذلك على أنه مقدور لهم، وقد قال رسول الله ﷺ‬: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا،وبمحمد رسولاً»([7]).

وقال رسول الله ﷺ‬: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينًا، غفر الله له ما تقدم من ذنوبه»([8]).

وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، وإليهما ينتهي، وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضا برسوله، والانقياد له، والرضا بدينه، والتسليم له، ومن اجتمعت له هذه الأربعة، فهو الصديق حقًّا، وهي سهلة بالدعوى واللسان، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان، ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك تبين أن الرضا كان لسانه به ناطقًا، فهو على لسانه لا على حاله.

فالرضا بإلهيته: يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.

والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به،والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به.

فالأول: يتضمن رضاه بما يؤمر به، والثاني: يتضمن رضاه بما يقدر عليه.

وأما الرضا بنبيه رسولاً: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من موقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان مقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم، وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب، الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.

وأما الرضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى: رضي كل الرضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته.

وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد، فإنه والله عين العزة، والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به، والرضا به ربًّا، وبمحمد ﷺ‬ رسولاً، وبالإسلام دينًا.

بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب، وذاق حلاوته وتنسم روحه، قال: اللهم زدني اغترابًا، ووحشة من العالم، وأنسًا بك،وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفرد، رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذل عين العز بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم، وزبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودة بينهم في الحياة الدنيا، فإذا انقطعت الأسباب، وحقت الحقائق، وبعثر ما في القبور،وحصل ما في الصدور، وبليت السرائر، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر: تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران، وما الذي يخف أو يرجح به الميزان، والله المستعان، وعليه التكلان ([9]).


 الأنبياء... ونعمة الرضا

ومما لا شك فيه أن الأنبياء والمرسلين (صلوات ربي وسلامه عليهم) هم أرضى الناس عن الخالق (جل وعلا):

* عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة([10]) فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها  على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ([11] ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله»([12]).

عن أبي رجاء محمد بن سيف قال: سمعت الحسن يقول في قوله: }وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ...{ [البقرة: 124] قال: «ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بذبح ابنه فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه وابتلاه بالنار فرضي عنه،وابتلاه بالختان فرضي عنه»([13]).

* قال عبد الله بن المبارك: قال داود لابنه سليمان عليهما السلام: «يا بني، إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: لحسن توكله على الله فيما نابه، ولحسن رضاه فيما آتاه، ولحسن زهده فيما فاته»([14]).

 رسول الله ﷺ‬... ورضا فوق الخيال

كان رضا رسول الله ﷺ‬ عن ربه فوق ما يصفه الواصفون، فهو راضٍ في الغنى والفقر، راضٍ في السلم والحرب، راض وقت القوة والضعف، راض وقت الصحة والسقم، راض في الشدة والرخاء.

عاش ﷺ‬ مرارة اليُتم، وأسى اليُتم، ولوعة اليتيم فكان راضيًا، وافتقر ﷺ‬ حتى ما يجد دقل التمر، وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، ويقترض شعيرًا من يهودي ويرهن  درعه عنده، وينام على الحصير فيؤثر في جنبه، وتمر ثلاثة أيام لا يجد شيئًا يأكله، ومع ذلك كان راضيًا عن الله رب العالمين: }تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا{ [الفرقان: 10].

ورضى عن ربه وقت المجابهة الأولى، يوم وقف هو في حزب الله، ووقفت الدنيا - كل الدنيا - تحاربه بخيلها ورجلها، بغناها وبزخرفها، بزهوها وبخيلائها، فكان راضيًا عن الله رضي عن الله في الفترة الحرجة، يوم مات عمه وزوجته خديجة، وأوذي أشد الأذى، وكُذّب أشد التكذيب، وخدشت كرامته، ورمي في صدقه، فقيل له: كذاب وساحر، وكاهن ومجنون وشاعر.

ورضى يوم طُرد من بلده ومسقط رأسه التي فيها مراتع صباه وملاعب طفولته وأفانين شبابه، فيلتفت إلى مكة وتسيل دموعه، ويقول: «إنك أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».

ورضى عن الله وهو يذهب إلى الطائف ليعرض دعوته، فيواجه بأقبح رد، وبأسوأ استقبال، ويرمي بالجارة، حتى تسيل قدماه، فيرضى عن مولاه.

ويرضى عن الله وهو يخرج من مكة مُرغمًا، فيسير إلى المدينة ويطارد بالخيل، وتوضع العراقيل في طريقه أينما ذهب.

يحضر أحدًا ﷺ‬ فيُشج رأسه، وتكسر ثنيته، ويٌُقتل عمه ويُذبح أصحابه، ويُغلب جيشه، فيقول: «صُفوا ورائي لأثني على ربي».

يرضى عن ربه وقد ظهر خلف كافر ضده من المنافقين واليهود والمشركين، فيقف صامدًا متوكلاً على الله، مفوضًا الأمر إليه.

وجزاء هذا الرضا منه ﷺ‬: }وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{ [الضحى: 5]([15]).

 النبي ﷺ‬ يعلم الأمة الرضا بقضاء الله (جل وعلا)

وها هو ﷺ‬ يعلم الأمة الرضا بقضاء الله (جل وعلا) بل ويبدأ هو بنفسه ﷺ‬.. فعند موت ابنه إبراهيم (عليه السلام) قال ﷺ‬: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»([16]).

وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ‬ قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد»([17]).

وعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد لا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»([18]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسولا الله ﷺ‬ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»([19]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمد عليها»([20]).

وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ‬ قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالك، وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق - الفضة- ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» قالوا:وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ذكر الله»([21]).


وكان يعلم الأمة هذا الذكر في السفر:

عن ابن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ‬ كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا، ثم قال: « سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى...»([22]).

وكان يحذر الأمة من الحرص على رضا البشر دون رب البشر (جل وعلا).

* عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس»([23]).

بل وأخبر النبي ﷺ‬ أصحابه وأمته بهذا المشهد الجليل ليحرصوا على الفوز برضوان الله (جل وعلا).

*عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دعا رسول الله ﷺ‬ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله - عز وجل - في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنًا قرأناه حتى نُسخ بعد أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا، ورضينا عنه ([24]).

* ومن أجل أن يحرصوا كل الحرص على رضوان الله ويصبروا على قضائه كان النبي ﷺ‬ يذكر لهم أن من كان حريصًا في الدنيا على مرضاة الله فإن الله (جل وعلا) سيرضيه في الآخرة.

فها هو الحق (جل وعلا) يقول - كما عند مسلم - لأدنى أهل الجنة منزلة يوم القيامة: «.. أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله ممثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك، فيقول: رضيت رب...».

بل ويقول الحق (جل وعلا) لآخر من يدخل الجنة - كما عند مسلم -: «أترضى أن أعطيك الدنيا مثلها معها؟ فيقول العبد: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول الحق (جل وعلا): «إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر».

 موقفه الجليل مع الأنصار

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله ﷺ‬ يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا:يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ‬ من قولهم: فأرسل إلى الأنصار، جمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ‬ فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟ » فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا، يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ‬: «إني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم ([25])، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم ([26]) برسول الله؟ فوالله، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فقالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال: فإنكم ستجدون أثرةً شديدة ([27])، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض». قالوا: سنصبر ([28]).

 سلفنا الصالح... ونعمة الرضا

عن سعيد بن مرثد الهمداني، أن أبا الدرداء قال: «ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم،والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب عز وجل»([29]).

وكان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة، لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه - موضع لقضاء حاجته، فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال:لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة، قال لا تبك، فإن أحبه إلى الله تعالى، أحبه إلي، ثم قال أحدثك حديثًا لعل الله أن ينفعك به، واكتم علي حتى أموت، إن الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة، إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة، فمن يشاهد هذا في بلائه، كيف لا يكون راضيًا به؟!([30]).

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن مطرف قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إني كنت محدثك بأحاديث، لعل الله أن ينفعك بها بعدي فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت... إنه قد سُلم علي ([31]) واعلم أن النبي ﷺ‬ قد جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنها نبي الله ﷺ‬ قال رجل فيها برأيه ما شاء.

وعن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به إن رسول الله ﷺ‬ جمع بين حج وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكي فعاد ([32]).

* لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت.: نعم، فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فرد الله عليك بصرك! فتبسم، وقال: يا بني، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري ([33]).

* وعن عبد العزيز بن سبرة عن أبيه عن جده قال: لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وسهل بن عبد العزيز، ومزاحم مولى عمر، في أيام متتابعة، دخل عليه الربيع بن سبرة فقال: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، ما رأيت أحدًا أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك ابنًا، ولا مثل أخيك أخًا، ولا مثل مولاك مولى قط. فطأطأ رأسه، فقال لي رجل معه على الوساد: لقد هيجت عليه، قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت لي يا ربيع؟ فأعدت عليه ما قلت أولاً، فقال:لا، والذي قضى عليهم - الموت، ما أحب أن شيئًا كان من ذلك لم يكن».

* وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لقد تركتني هؤلاء الدعوات، وما لي شيء من الأمور كلها أرب إلا في مواقع قدر الله... وكان كثيرًا ما يدعو: اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير شيء عجلته([34]).

* وقال ابن شوذب: اجتمع مالك بن دينار،ومحمد بن واسع فتذاكرا العيش، فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، وقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشاء ولم يجد غداء، وهو عن الله - عز وجل - راضٍ والله عنه راضٍ([35]).

* وعن سفيان بن عيينة، عن رجل وعن محمد بن علي ابن الحسين أبي جعفر الباقرة: «أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه، ثم أخبر بموته فسُري عنه فقيل له فقال: ندعو الله فيما نحب، فإذا وقع ما نكره، لم نخالف الله فيما أحب»([36]).

وعن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: «أرجو أن أكون قد رزقت من الرضا طرفًا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيًا ([37]).

 حلاوة أجرها أنستني مرارة قطعها

وهذه زوجة فتح الموصلي انقطعت إصبعها فضحكت فقال لها بعض من معها: أتضحكين، وقد انقطع إصبعك؟! فقالت: أخاطبك على قدر عقلك، حلاوة أجرها أنستني مرارة قطعها.

قال ابن القيم: إشارة إلى أن عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام، من ملاحظة المبتلى، ومشاهدة حسن اختياره لها في ذلك البلاء، وتلذذها بالشكر له والرضا عنه، ومقابلة ما جاء من قبله بالحمد والشكر، كما قيل:

لئن ساءني أن نلتني بمساءة

فقد سرني أني خطرت ببالكا([38])

* عروة بن الزبير (رضي الله عنه) *

وها هو عروة بن الزبير - رضي الله عنه - الذي يُضرب به لمثل في الصبر على البلاء والرضا بقضاء الله تعالى... ها هو يتعرض لهذا البلاء الشديد الذي سيظل العلماء والخطباء يرددونه من على المنابر وفي مجالس العلم في كل زمان، بل وفي كل مكان.

فعن هشام بن عروة عن أبيه قال: وقعت الأكلة في رجله فقيل له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: إن شئتم فجاء الطبيب، فقال: أسقيك شرابًا يزول فيه عقلك فقال امض لشأنك ما ظننت أن خلقًا يشرب شرابًا ويزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه، قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حسًّا فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت،... وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة ([39]).

* وقال عامر بن صالح عن هاشم بن عروة: إن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئًا فظهرت به قرحة، ثم ترقى به الوجع، فلما قدم على الوليد قال: يا أبا عبد الله اقطعها، قال: دونك. فدعا له الطبيب وقال له: اشرب المرقد فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على قوله: حس حس، فقال الوليد: ما رأيت شيخًا أصبر من هذا.

وأصيب عروة في هذا السفر بابنه محمد، ركضته بغلة في إسطبل فلم نسمع منه كلمة في ذلك، فلما كان بوادي القرى قال: }لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا{ [الكهف: 62]، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثًا، فإن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت ([40]).

 رضيت عن الله

خرج رجل من بني عبس يبحث عن إبله التي ضلت، فذهب والتمسها، ومكث ثلاثة أيام في غيابه، وكان هذا الرجل غنيًا، أعطاه الله ما شاء من المال والإبل والبقر والغنم والبنيين والبنات، وكان هذا المال والأهل في منزل رحب، على ممر سيل في ديار بني عبس، في رغد وأمن أمان، لم يفكر والدهم ولم يفكر أبناؤه أن الحوادث قد تزورهم، وأن المصائب قد تجتاحهم.

يا راقد الليل مسرورًا بأوله

إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

نام الأهل جميعًا كبارهم وصغارهم، معهم أموالهم في أرض مستوية، ووالدهم غائب يبحث عن ضالته، وأرسل الله عليهم سيلاً جارفًا لا يلوى على شيء، يحمل الصخور كما يحمل التراب، ومر عليهم في آخر الليل، فاجتاحهم جميعًا، واقتلع بيوتهم من أصلها، وأخذ الأموال معه جميعًا، وأخذ الأهل جميعًا، وزهقت أرواحهم مع تدفق الماء، وصاروا أثرًا بعد عين، فكأنهم لم يكونوا، صاروا حديثًا يتلى على اللسان.

وعاد الأب بعد ثلاثة أيام إلى الوادي، فلم يحس أحدًا،ولم يسمع رافدًا، لا حي ولا ناطق ولا أنيس، المكان قاع صفصف، يا الله!! يا للداهية الدهياء!! لا زوجة لا ابن لا ابنة، لا ناقة لا شاة لا بقرة، لا درهم لا دينار، لا ثوب لا شيء، إنها مصيبة !!

وزيادة في البلاء: إذا جمل من جماله قد شرد، فحاول أن يدركه وأخذ بذيله، فرفسه الجمل على وجهه فأعمى عينيه، وأخذ الرجل يصيح في الصحراء عله أن يجد رجلا ً يقوده إلى مكان يأوي إليه، وبعد حين ووقت من هذا اليوم سمعه أعرابي آخر، فأتى إليه وقاده، وذهب به إلى الوليد بن عبد الملك الخليفة في دمشق، وأخبره الخبر، فقال: كيف أنت؟ قال: رضيت عن الله.

 من فوائد الابتلاءات

من فوائد المصائب:

استخراج مكنون عبودية الدعاء، قال أحدهم: سبحان من استخرج الدعاء بالبلاء... وذكروا في الأثر: أن الله ابتلى عبدًا صالحًا من عباده وقال لملائكته: لأسمع صوته، يعني: بالدعاء والإلحاح.

ومنها: كسر جماح النفس وغيها، لأن الله يقول: }كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى{ [العلق: 6، 7].

ومنها: عطف الناس وحبهم ودعاؤهم للمصاب، فإن الناس يتضامنون ويتعاطفون مع من أصيب ومن ابتلي.

ومنها: صرف ما هو أعظم من تلك المصيبة، فإنها صغيرة بالنسبة لأكبر منها، ثم هي كفارة للذنوب والخطايا، وأجر عند الله ومثوبة، فإذا علم العبد أن هذه ثمار المصيبة أنس بها وارتاح، ولم ينزعج ويقنط }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ [الزمر: 10]([41]).

*لقد رضي الله عن المؤمنين*

قال تعالى: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا{ [الفتح: 18].

إن الفوز برضوان  الله (جل وعلا) هو غاية ما يتمناه المؤمنون الصادقون، فرضوان الله (جل وعلا) أعظم من نعيم الجنة التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله ﷺ‬ قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنالا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا»([42]).

* ولذلك فهم أحرص الناس على الفوز برضوان الله في الدنيا والآخرة فبيعتهم بيعة لأرواحهم  الثمينة عندهم لتزهق لمرضاة الملك الحق، وبيعة لأنفسهم النفيسة لتذهب لمرضاة الواحد القهار، وبيعة لوجودهم وحياتهم لأن في موتهم حياة للرسالة.

ولأن فيقتلهم خلودًا للملة ولأن في ذهابهم بقاء للميثاق، لقد تعبوا وسهروا، وجاعوا وظمئوا، وأصابهم الضرر والضيق، والمشقة والضنى، لكنه رضي عنهم.

لقد فارقوا الأهل والأموال والأولاد والديار، وذاقوا مرارة الفراق ولوعة الغربة ووعثاء السفر وكآبة الارتحال، لكنه رضي عنهم، لقد شردوا وطردوا وفرقوا وتعبوا وأجهدوا، لكنه رضي عنهم.

هل جزاء هؤلاء المجاهدين والمنافحين عن الملة: غنائم من إبل وبقر وغنم؟ هل مكافأة هؤلاء المناضلين عن الرسالة الذابين عن الدين: عروض مالية؟ هل تظن أنه يبرد غليل هؤلاء الصفوة المجتباة  والنخبة المصطفاة، دراهم معدودة أو بساتين غناء أو دور منمقة؟ لا. يرضيهم رضوان الله، ويفرحهم عفو الله، ويثلج صدورهم كلمة: }وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا{ [الإنسان: 12-16]([43]).و ],V LKLRM ?


كلام من ذهب

قال الربيع بن أنس: علامة حب الله: كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئًا إلا أكثرت من ذكره، وعلامة الدين: الإخلاص لله في السر والعلانية، وعلامة الشكر: الرضا بقدر الله والتسليم لقضائه.

وقال بعض العارفين: من يتوكل على الله، ويرضى بقدر الله، فقد أقام الإيمان،وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير، وأقام الأخلاق الصالحة التي تُصلح للعبد أمره.

والرضا يفتح باب حسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس، فإن حسن الخلق من الرضا، وسوء الخلق من السخط. وحسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

* وفي وصية لقمان لابنه: «أوصيك بخصال تقربك من الله، وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا  تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت».

وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى - رضي الله عنهما -: «أما بعد، فإن الخير كله في الرضى، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر».

* قال ابن القيم - رحمه الله -: «ثمرة الرضى: الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى».

* قال محمود الوراق:

أعييت كل الناس من نفسي الرضا

إلا الحسود فإنه أعياني

ما إن لي ذنبًا إليه عملته

إلا تظاهر نعمة الرحمن

وأبى فما يرضيه إلا ذلتي

وذهاب أموالي وقطع لساني([44])

وقال المتنبي:

وعين الرضى عن كل عيب كليلة

كما أن عين السخط تُبدي المساويا ([45])

وقال عبد العزيز بن أبي رواد: «ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل، ولا في لبس الصوف والشعر، ولكن الشأن في الرضا عن الله عز وجل»([46]).

وقال شقيق البلخي: من يرى ثواب الشدة، لا يشتهي الخروج منها.

وعن وهب بن منبه قال: «وجدت في زبور داود: يا داود: هل تدري من أسرع الناس مرورًا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي، وألسنتهم رطبة من ذكري».

وعن الحسين بن علي بن يزيد قال: قال رجل لفتح الموصلي: ادع الله، فقال: «اللهم هبنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، وأرضنا بقضائك»([47]).

 الرضا بالله أعلى من الرضا من الله

والرضا بالله أعلى شأنًا وأرفع قدرًا من الرضا عن الله في أحكامه وأقضيته، فإنها مختصة، والرضا عن الله مشترك، فإن الرضا بالقضاء يصح من المؤمن والكافر، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره، فأين هذا من الرضا به ربًا وإلهًا ومعبودًا؟!

والرضا به ربا فرض، بل هو من آكد الفروض باتفاق الأمة، فمن لم يرض به ربا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال.

وأما الرضا بقضائه: فأكثر الناس على أنه مستحب وليس بواجب، وقيل: بل هو واجب وهما قولان في مذهب أحمد.

 فالفرق بين الدرجتين فرق مابين الفرض والندب وفي الحديث الإلهي الصحيح: يقول الله عز وجل: «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه» فدل على أن التقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل.

وأيضًا: فإن الرضا به ربًّا يتضمن الرضا عنه ويستلزمه، فإن الرضا بربوبيته: هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه، ويقسمه له ويقدره عليه، ويعطيه إياه ويمنعه عنه، ويقسمه له ويقدره عليه، ويعطيه إياه ويمنعه منه. فمتى  لم يرض بذلك كله، لم يكن قد رضي بالله ربًّا من جميع الوجوه، وإن كان راضيًا به ربًّا من بعضها، فالرضا به ربًّا من كل وجه: يستلزم الرضا عنه، ويتضمنه بلا ريب.

وأيضًا: فالرضا به ربًا متعلق بذاته وصفاته وأسمائه، وربوبيته العامة والخاصة، فهو الرضا به خالقًا ومدبرًا، وآمرًا وناهيًا، ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا، ووكيلاً ووليًا، وناصرًا، ومعينًا، وكافيًا، وحسيبًا ورقيبًا، ومبتليًا ومعافيًا، وقابضًا وباسطًا، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته.

وأما الرضا عنه: فهو رضا العبد بما يفعله به، ويعطيه إياه، ولهذا لم يجيء إلا في الثواب والجزاء، كقوله تعالى: }يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً{ [الفجر: 27، 28]، فهذا برضاها عنه لما حصل لها من كرامته، كقوله تعالى: }خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ{ [البينة: 8].

والرضا به: أصل الرضا عنه، والرضا عنه: ثمرة الرضا به.

وسر المسألة: أن الرضا به متعلق بأسمائه وصفاته، والرضا عنه: متعلق بثوابه وجزائه.

وأيضًا: فإن النبي ﷺ‬ علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربًا، ولم يعلقه بمن رضي عنه، كما قال ﷺ‬: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ‬ رسولاً». فجعل الرضا به قرين الرضا بدينه ونبيه، وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام، التي لا يقوم إلا بها وعليها.

وأيضًا: فالرضا به ربًا يتضمن توحيده وعبادته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجاءه ومحبته، والصبر له وبه، والشكر على نعمه: يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانًا، وإن ساء عبده ([48]).

 الرضا عن الله يصح بثلاثة شروط

الأول: استواء النعمة والبلية عند العبد؛ لأنه يشاهد حسن اختيار الله له.

الثاني: سقوط الخصومة عن الخلق، إلا فيما كان حقًّا لله رسوله، فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله، وهذه كانت حال رسول الله ﷺ‬ فإنه لم يكن يخاصم أحدًا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله، كما أنه كان لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله. فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضا وتذهب بهجته، وتبدل بالمرارة حلاوته، وتكدر صفوه.

والشرط الثالث: الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح، قال تعالى: }يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا{ [البقرة: 273]، قال ابن عباس: إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء.

 من أعظم أسباب حصول الرضا

ومن أعظم أسباب حصول الرضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد.

قيل ليحيي بن معاذ: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.

*سعادة وشقاء *

إن الذي يرضى بقضاء الله (جل وعلا) فإن الله يملأ قلبه سعادة وسرورًا ورضًا... وإن الذي يتسخط ويعترض على قضاء الله فإنه يعيش في شقاء لا يعمله إلا الله.

تأمل معي عندما أصيب عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - بالعمى في آخر أيام... فإذا به يقول تلك الكلمات التي تعبر عن غاية الرضا عن قضاء الله وقدره... قال ابن عباس:

إن يأخذ الله من عيني نورَهما

ففي لساني وسمعي منهما نورُ

قلبي ذكيُّ وعقلي غيرُ ذي عوج

وفي فمي صارم كالسيف مأثورُ

وهذا بشار بن برد يقول أيضًا:

وعيَّرني الأعداءُ والعيبُ فيهمو

فليس بعار أن يُقال ضرير

إذا أبصر المرءُ المروءةَ والتُّقى

فإن عمى العينين ليس يضيرُ

رأيت العمى أجرًا وذُخرًا وعصمة

وإني إلى تلك الثلاث فقيرُ

انظر إلى الفرق بين كلام ابن عباس وبشار، وبين ما قاله صالح بن عبد القدوس لما عمي:

على الدنيا السلامُ فما لشيخ

ضرير العين في الدنيا نَصيبُ

يموتُ المرءُ وهو يعدُّ حيًّا

ويُخلف ظنَّه الأملُ الكذوبُ

يُمنيني الطبيبُ شفاء عيني

فإن البعض من بعض قريبُ

إن القضاء سوف ينفذ لا محالة، على القابل له والرافض له، لكن ذاك يؤجر ويسعد، وهذا يأثم ويشقى ([49]).

 أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس

* أخي الحبيب: عليك أن تقنع بما قسم لك من جسم ومال وولد وسكن وموهبة، وهذا منطق القرآن }فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ{ [الأعراف: 144]، إن غالب علماء السلف وأكثر الجيل الأول كانوا فقراء، لم يكن لديهم أعطيات ولا مساكن بهية، ولا مراكب ولا حشم، ومع ذلك أثروا الحياة وأسعدوا أنفسهم والإنسانية، لأنهم وجهوا ما آتاهم الله من خير في سبيله الصحيح، فبورك لهم في أعمارهم، وأوقاتهم ومواهبهم، ويقابل هذا الصنف المبارك طائفة أُعطوا من الأموال والأولاد والنعم، فكانت سبب شقائهم وتعاستهم؛ لأنهم انحرفوا عن الفطرة السوية، والمنهج الحق، وهذا برهان ساطع على أن الأشياء ليست كل شيء، انظر إلى من حلم شهادات عالمية، لكنه نكرة من النكرات في عطائه وفهمه وأثره، بينما تجد آخرين عندهم علم محدود، وقد جعلوا منه نهرًا متدفقًا بالنفع والإصلاح والعمار.

إن كنت تريد السعادة فارض بصورتك التي ركبك الله فيها، وارض بوضعك الأسري، ومستوى فهمك، ودخلك، بل إ، بعض المربين الزهاد يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون لك: ارض بأقل مما أنت فيه وبدون ما أنت عليه وأنشدوا:

سعادتك العظمى إذا كنت عاقلاً

مناك بحال دون حال تعيشها

* هاك قائمة رائعة مليئة باللامعين الذين بخسوا حظوظهم الدنيوية:

* عطاء بن أبي رباح عالم الدنيا في عهده، مولى أسود أفطس أشل مفلفل الشعر.

* الأحنف بن قيس، حليم العرب قاطبة، نحيف الجسم، أحدب الظهر، أحنى الساقين، ضعيف البنية.

* الأعمش محدث الدنيا، من الموالي، ضعيف البصر، فقير ذات اليد، ممزق الثياب، رث الهيئة والمنزل.

بل الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، كل منهم رعى الغنم، وكان داود حدادًا وزكريا نجارًا وإدريس خياطًا، وهم صفوة الناس وخير البشر.

* إذًا فقيمتك مواهبك، وعملك الصالح ونفعك وخلقك، فلا تأس على ما فات من جمال أو مال، أو عيال، وارض بقسمة الله }نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ [الزخرف: 32]([50]).

 ثمرات الرضا اليانعة

وللرضا ثمرات إيمانية كثيرة وافرة تنتج عنه، يرتفع بها الراضي إلى أعلى المنازل، فيصبح راسخًا في يقينه، ثابتًا في اعتقاده، وصادقًا في أقواله وأعماله وأحواله.

* وليعلم أن رضاه عن ربه سبحانه وتعالى في جميع الحالات، يثمر رضا ربه عنه، فإذا رضي عنه بالقليل من الرزق، رضي ربه عنه بالقليل من العمل، وإذا رضي عنه في جميع الحالات، واستوت عنده، وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضاه وتملقه. ولذلك انظر للمخلصين مع قلة عملهم، كيف رضي الله سعيهم لأنهم رضوا عنه ورضي عنهم، بخلاف المنافقين، فإن الله رد عملهم قليله وكثيره، لأنهم سخطوا ما أنزل الله وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم.

* فالرضا يوجب له الطمأنينة، وبرد القلب، وسكونه وقراره وثباته عند اضطراب الشبه والتباس القضايا وكثرة الوارد، فيرق هذا القلب بموعود الله وموعود رسوله ﷺ‬، ويقول لسان الحال: }هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 22]، والسخط يوجب اضطراب قلبه، وريبته وانزعاجه، وعدم قراره، ومرضه وتمزقه، فيبقى قلقًا ناقمًا ساخطًا متمردًا، فلسان حاله يقول: }مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا{ [الأحزاب: 12].

* والرضا يخلص العبد من مخاصمة الرب تعالى في أحكامه وأقضيته.

* والرضا يفتح له باب السلامة، فيجعل قلبه سليمًا، نقيًّا من الغش والدغل والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو السالم من الشبه، والشك والشرك.

وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضا وكذلك الحسد: هو من ثمرات السخط. وسلامة القلب منه: من ثمرات الرضا فالرضا شجرة طيبة، تسقى بماء الإخلاص في بستان التوحيد، أصلها الإيمان وأغصانها الأعمال الصالحة، ولها ثمرة يانعة حلاوتها.

ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنى وأمنًا وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا، امتلأ قلبه بضد ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه.

والرضا يثمر الشكر الذي هو من أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان. فإن غاية المنازل شكر المولى ولا يشكر الله من لا يرضى بمواهبه وأحكامه، وصنعه وتدبيره، وأخذه وعطائه، فالشاكر أنعم الناس بالاً، وأحسنهم حالاً.

والرضا يخرج الهوى من القلب، فالراضي هواه تبع لمراد ربه منه، أعني المراد الذي يحبه ربه ويرضاه، فلا يجتمع الرضا واتباع الهوى في القلب أبدًا، وإن كان معه شعبة من هذا،وشعبة من هذا، فهو للغالب عليه منهما.

إن كان رضاكم في سهري

فسلام الله على وسني

}وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى{ [طه: 84].

إن كان سركم ما قال حاسدنا

فما لجرح إذا أرضاكم وألم([51])

* والرضا يثمر للعبد محبة الله جل وعلا ورضوانه... وهي أعظم وأجل النعم في الدنيا والآخرة.

* والرضا أعظم دليل على حسن ظن العبد بربه جل وعلا.

* والرضا يجعل المؤمن في راحة نفسية وروحية دائمة.

* والرضا يخلص العبد المؤمن من الأزمات النفسية لأنه يشعر بالرضا التام عن قضاء الله (جل وعلا) وقدره.

* والرضا دليل على كمال الإيمان في قلب العبد المؤمن.

* ومن ثمرات الرضا الفوز بالجنة والنجاة من النار.

فأسأل الله (جل وعلا) أن يملأ قلوبنا رضًا وأن يرضى عنا رضًا لا يسخط بعده أبدًا.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



([1]) مجموع الفتاوى (10/3681).

([2]) حدائق ذات بهجة للشيخ عائض القرني (ص: 78-79).

([3]) صيد الخاطر (ص: 105).

([4]) حدائق ذات بهجة، الشيخ عائض القرني (ص: 180-181).

([5]) الفوائد - للإمام ابن القيم (ص: 200-202) بتصرف.

([6]) مدارج السالكين (2/214).

([7]) رواه أحمد، ومسلم، والترمذي، عن العباس بن عبد المطلب.

([8]) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن سعد.

([9]) مدارج السالكين (2/ 172-173).

([10]) الشَنَّة: هي القربة الصغيرة.

([11]) الدوحة: الشجرة الكبيرة.

([12]) البخاري - الفتح 6( 3365).

([13]) الرضا عن الله لابن أبي الدنيا (ص: 110).

([14]) الدر المنثور - السيوطي (1/ 62).

([15]) لا تحزن، الشيخ عائض القرني (ص: 451 - 453).

([16]) أخرجه البخاري (1303)، ومسلم (2315)، واللفظ للبخاري.

([17]) رواه الترمذي (1021) وحسنه الألباني.

([18])  أخرجه مسلم (2999).

([19]) أخرجه البخاري (6424).

([20]) أخرجه مسلم (2734).

([21]) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3057).

([22]) أخرجه مسلم (1342).

([23]) رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1967).

([24]) أخرجه البخاري (3046) ومسلم (677) واللفظ لمسلم.

([25]) أتألفهم: أي استميل قلوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإسلام، رغبة في المال.

([26]) رحالكم:أي منازلكم.

([27]) أثرة شديدة: أي يستأثر عليكم، ويفضل عليكم غيركم بغير حق.

([28]) البخاري - الفتح (3793)، مسلم (1059) واللفظ له.

([29]) إسناده صحيح: وأخرجه ابن المبارك (123) كما في زوائد نعيم بن حماد، وزاد: «ولولا ثلاث خلال، صلح الناس: شح مطاع،وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».

([30]) الرضا عن الله (ص: 92-93).

([31]) يعني أن الملائكة سلمت عليه؛ ومراده بقوله: (إن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت ) أي لا تخبر أحدًا في حياتي أني أخبرتك أن الملائكة تسلم علي، وذلك والله أعلم خشية الفتنة بإشاعة هذا الأمر بين الناس.

([32]) قال النووي - رحمه الله - في «شرح مسلم»: ومعنى الحديث أن عمران بن حصين - رضي الله عنه - كانت به بواسير فكان يصبر على المهمات وكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع سلامهم عليه ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه.

([33]) مدارج السالكين (2/227).

([34]) مدارج السالكين (2/225).

([35]) الرضا عن الله (ص: 52-53).

([36]) الرضا عن الله (ص: 95).

([37])الرضا عن الله (ص: 50).

([38]) مدارج السالكين (2/168).

([39]) تهذيب الكمال (20/ 20-21).

([40]) تاريخ الإسلام (6/247).

([41]) لا تحزن (ص: 287).

([42]) أخرجه البخاري (6549)، وسلم (2829).

([43]) لا تحزن - الشيخ عائض القرني (ص: 455).

([44]) أدب الدنيا والدين - للماوردي (ص: 383).

([45]) مدارج السالكين (2/ 183).

([46]) الإحياء (4/365).

([47]) الرضا عن الله (ص: 115).

([48]) مدارج السالكين (2/ 181-184) بتصرف.

([49]) لا تحزن (ص: 165).

([50]) حدائق ذات بهجة (ص: 77-78).

([51]) مدارج السالكين (2/216- 219) بتصرف شديد.