الشيخ عبد الرحمن بن قاسم حياته وسيرته ومؤلفاته

د. عبد الملك القاسم

قال - صلى الله عليه وسلم -:

لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته

رواه ابن ماجه

قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين

ولولا ضمان الله بحفظ دينه وتكفله بأن يقيم له من يجدد أعلامه

ويحيي ما أماته المبطلون، وينعش ما أخمله الجاهلون، لهدمت

أركانه وتداعى بنيانه ولكن الله ذو فضل على العالمين.



 قالوا عنه رحمه الله

* «... عجبت من هذا الرجل؛ زرته في مرضه فوجدت عنده الكتب يقرأ ويُحرر ...».

الشيخ محمد بن إبراهيم

***

* «... هو الشيخ الإمام العلامة المحقق المدقق المجتهد المتفنن...».

الشيخ عبدالله بن جبرين

***

* «الشيخ عبد الرحمن رحمه الله له باع طويل في فنون العلوم الشرعية في التوحيد وعلوم القرآن والحديث والفقه والفرائض والنحو، وله في هذه الفنون مؤلفات يعول عليها العلماء وطلاب العلم».

الشيخ عبد الرحمن البراك

***

* «...كان من أوعية العلم، جلدًا في سبيل الطلب، فقيهًا، نسَّابةً مؤرخًا...».

الشيخ بكر أبو زيد

***


* «... وكان رحمه الله من أرق من عرفت من العلماء نفسًا ، وألطفهم خلقًا ، وأسماهم يدًا...».

الشيخ حمد الجاسر

***

* «... وكان مجالسه مجالس علم وبحث، شيقة وممتعة للجليس، وله نكت حسان، وعلى جانب كبير من الأخلاق العالية، وعنده غيرة ، وله مكانة مرموقة وكلمة نافذة».

الشيخ محمد بن عثمان القاضي

***

* «... رأيت الشيخ عبد الرحمن بن قاسم فقيهًا في «حاشيته على الروض»، ومحدثًا في كتابه «أحكام الأحكام»، وفرضيًا في شرحه على «الرحبية»، وأصوليًا في «حاشيته على ثلاثة الأصول»، ونحويًا في «شرحه للأجرومية»، وكان رحمه الله عالمًا تقيًا ورعًا زاهدًا...».

الشيخ محمد بن إسماعيل المدني

***

* «... فقيه حنبلي، من أعيانهم في نجد...».

خير الدين الزركلي

***


* «... ما تمنيت رؤية أحد من العلماء مثل ما تمنيت رؤية جدك رحمه الله».

الشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان

***

* «... لقد حفظ الشيخ عبد الرحمن للباحثين من المصادر والوثائق ما لا غنى لهم عنه في بابه ، ولنا أن نتصور صعوبة أن يتصدى له غيره؛ فهي فوق طاقة الفرد وإلا لضاع كثير منها بحيث لا تستطيع مراكز البحث الحديثة تداركه...».

الدكتور علي جواد

***

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن العلماء ورثة الأنبياء، مصابيح الدجى وأعلام الهدى، حفظ الله بهم الدين، وأنار السبيل، تضرب لهم أكباد الإبل، وتطوى لأجلهم الأرض وتثنى لعلمهم الركب.

قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

قال ابن حجر: قيل في تفسيرها: "يرفع الله المؤمن العالم على غير العالم؛ ورفعة الدرجات تدل على الفضل، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا لعلو المنزلة وحسن الصيت، وفي الآخرة برفع المنـزلة في الجنة".

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» [رواه أحمد].

قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "أرفع الناس عند الله منزلةً من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء".

قال الإمام الزهري: «لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم».

وقال -رحمه الله-: «ما عبد الله بشيء أفضل من العلم».

وكان الإمام أحمد يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول: "هذه سرج الإسلام".


قال الإمام الآجري عن العلماء: "فلما أراد الله - تعالى - بهم خيراً فقههم في الدين، وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سراجاً للعباد ومناراً للبلاد".

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في كتابه "الدعوة وأخلاق الدعاة": "والعلماء الذين أظهروا العلم هم خيرة الناس، وأفضلهم على وجه الأرض، وعلى رأسهم أئمة الرسل - عليهم السلام - والأنبياء، فهم القدوة، وهم الأساس في الدعوة والعلم والفضل، ويليهم أهل العلم على طبقات، فكل من كان أعلم بالله وبأسمائه وصفاته، وأكمل في العلم والدعوة كان أقرب الناس إلى الرسل ومن درجاتهم ومنازلهم في الجنة".

وبمنه وكرمه يسر -عز وجل- لي المشاركة في الكتابة عن العلماء، فأخرجت كتاباً خاصاً بترجمة فضيلة الوالد -رحمه الله- بعنوان: (العالم العابد الشيخ محمد بن قاسم حياته وسيرته ومؤلفاته)...([1])

ولقي -ولله الحمد- قبولاً واسعاً وثناءً عاطراً، مع الطلب بأن أتمم ما بدأت وأن أترجم لفضيلة الجد -رحمه الله-؛ حداني إلى ذلك مرور زمن زاد على الثلاثين عاماً لم تكتب عنه سيرة وافية، أو ترجمة مستقلة، وموت غالب أقرانه ومن عاصره، مع الرغبة في الأجر والمثوبة في إحياء ذكره والتنويه عن سجاياه ومناقبه.

ناهيك عن حث العلماء وطلبة العلم - لأبنائه وأحفاده - بإخراج ترجمة عنه - رحمه الله - وتشوق كثير من شباب الاستقامة وسؤالهم عنه كثيرًا مما يحرج المرء في عدم جمع ذلك في كتاب.


وقد طالب الشيخ عبد العزيز السدحان بذلك مراراً مشافهة ومكاتبة، ومن ذلك ما كتبه في مجلة الدعوة العدد 1446 عن الجد - رحمه الله - فقال: "... أن تدون سيرة الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - وما قام به من الجهد الدؤوب والعمل المتواصل حضراً وسفراً، وما نتج من ذلك من المجاميع والكتب والرسائل بالإضافة إلى بعض جوانب حياة الشيخ الأخرى الخاصة والعامة؛ ذلك لأن تراجم مثل هؤلاء المتأخرين له من الأثر الشيء الكثير في نفوس طلبة العلم، ولقد حادثت غير واحد من أبناء وأحفاد الشيخ - رحمه الله تعالى - غير مرة - قديماً وحديثاً - في إخراج ترجمة للشيخ عبد الرحمن، تكشف لطلبة العلم المعاصرين والأجيال القادمة شيئاً من نشاطه العملي والعلمي والقلمي، فقد بلغني من بعض أبنائه وأحفاده عجائب من صبره وجلده".

فتشجعت لذلك، وفرغت وقتي للبحث والسؤال حتى أعان الله ووفق بهذه الترجمة اليسيرة عنه - رحمه الله -.

وأعلم يقينا أني لم أتتبع كل أحواله ولم أوفه حقه؛ ولعلها مقدمة لمن أراد أن يتم ويتوسع، وهي عقد جملته بما وجدت من نقولات، وأتممته بما سمعته وعرفته من أهل بيته ومعارفه.

وقد جعلتها في أبواب متتالية:

أولاً: نسبه ومولده ونشأته.

ثانياً: رحلته في طلب العلم وذكر مشايخه.

ثالثاً: علومه ومعارفه.

رابعاً: مؤلفاته مع إشارات مختصرة لها.

خامساً: حياته العملية وتلامذته.

سادساً: سجاياه ووصفاته.

سابعاً: حياته الأسرية.

ثامناً: قصة مرضه ووفاته.

هذا وأسأل الله الكريم أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل هذا العمل من البر به. كما أسأله بمنه وجوده أن يجمعنا ووالدينا وذرياتنا في جنات النعيم.

عبد الملك بن محمد عبد الرحمن القاسم


 مدخل

لما تأملت الفائدة التي ستتحقق - بإذن الله - من قراءة سير العلماء؛ ومع كثرة المحبين الذين يكررون بإلحاح كتابة ترجمة مستقلة للجد - رحمه الله - تصدرت لأمر أكبر من طاقتي، بذلت فيه وسعي، واستنفدت فيه جهدي وحسبي فيه جهد المقل والمشاركة في الأجر.

وقد قال ابن خلكان: "لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ونقلت عنهم أو كانوا في زمني ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي بعدي" ([2]).

* وقد أفرد الأئمة مؤلفات ضخمة في كتابة السِّيَر والتراجم والمناقب؛ وإن كان - رحمه الله - قد فات الكثير رؤيته ومجالسته، وقصر الإعلام في الكتابة عن حياته وسيرته، فلعل أن يجتمع للقراء مع علمه المبثوث في مؤلفاته؛ سمته وأدبه ونزر من حياته في هذه الكلمات... وقد نقلت لنا مواقف وعبر من حياة العلماء.

* فقد ذكر الإمام الذهبي -رحمه الله-: "أن مجلس الإمام أحمد -رحمه الله- كان يحضره خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون، والباقون يستمدون من سمته وخلقه وأدبه"([3]).

ولعل هذه المتفرقات التي جمعتها بداية غيث منهمر للكتابة عن العلماء والمصلحين لنوفيهم بعض حقهم.


وأحسب أن الحمل على كاهلي ثقيل أنوء بحمله، ولا ضير، وقد استعنت بالله.

* فقد ترجم القاضي أبو الحسن محمد بن أبي يعلى لجده فقال: "وكان جدي أبو عبد الله قد درس على أبي بكر الرازي مذهب أبي حنيفة..." ([4]).

* وترجم الإمام البخاري لوالده -رحمهما الله- فقال: "إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو الحسن، رأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه وسمع مالكاً..." ([5]).

* ونقل ابن الجوزي في كتابه مناقب الإمام أحمد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل كثيرًا من حياته وسيرته -رحمه الله- مثل قوله: "كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وقد كان قرب من الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سبعا، يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليالي سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة، ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو"([6]).

* وقال أيضاً: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً وما ذاق شيئاً إلا مقدار ربع سويق في كل ليلة كان يشرب شربة ماء وفي كل ثلاث ليال يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيت موقيه قد دخلا في حدقته"([7]).


* وقال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبد الرزاق في قريته، وتخلف يحيى، فلما ذهبت أدق الباب، قال لي بقال تجاه داره: مه! لا تدق، فإن الشيخ يهاب، فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج، فوثبت إليه، وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلمت وقلت: حدثني بهذه، يرحمك الله، فإني رجل غريب. قال: ومن أنت؟ وزبرني، قلت: أنا أحمد بن حنبل، فتقاصر وضمني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم"([8]).

* أما محمد بن محمد بدر الدين العامري الشافعي فقد ترجم لوالده في كتابه: (بلغة الواجد في ترجمة الشيخ الوالد).

* وقد ترجم للقاضي عياض ابنه محمد فقال عن نشأة والده: "نشأ أبي على عفة وصيانة، مرضي الحال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنبل والفهم والحذق، طالبا للعلم، حريصًا عليه، مجتهدًا في طلبه"([9]).

* وترجم القاضي أبو الحسن محمد بن أبي يعلى لوالده حيث قال: "الطبقة الخامسة تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته"([10]).

* بل وكانوا يروون خواص أمورهم ودقائق حياتهم كما في ترجمة الإمام أحمد:  قال صالح: قال أبي: "ثقبت أمي أذني فكانت تصير فيهما لؤلؤتين،  


فلما ترعرعت، نزعتهما فكانتا عندها، ثم دفعتهما إلي، فبعتهما بنحو ثلاثين درهماً"([11]).

* وقد أفرد العلماء تصانيف متعددة ككتب التراجم، فمنهم من أفرد ترجمة مستقلة عن إمام من الأئمة مثل الإمام الموفق ابن أحمد المكي حيث أفرد ترجمة مستقلة في مناقب الإمام أبي حنيفة وأسماه "مناقب أبي حنيفة".

* وكذلك الإمام القاضي عيسى الزواوي أفرد مصنفاً مستقلاً في ترجمة الإمام مالك - رحمهما الله تعالى -.

وصنف الإمام ابن أبي حاتم الرازي كتاباً في الشافعي وسماه "آداب الشافعي ومناقبه".

* والإمام ابن الجوزي أفرد مصنفاً مستقلاً في مناقب الإمام أحمد - رحمهما الله .... ونحا بعض أهل العلم منحى آخر، فأفردوا كتباً مستقلة في ترجمة طبقة معينة يشتركون في عصر أو قطر أو علم أو مذهب، فهناك من أفرد بعض أتباع المذاهب بمصنف مستقل مثل (الفوائد في تراجم الحنفية) لتقي الدين بن عبد القادر الدارمي، و(الجواهر المضية في طبقات الحنفية) للقرشي.

و (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك) للقاضي عياض.

و (طبقات الشافعية الكبرى) للسبكي، و(طبقات الشافعية) لابن هداية الحسيني، (طبقات الحنابلة) للقاضي ابن أبي يعلى، و(الذيل على طبقات الحنابلة) لابن رجب، وذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب.


* ومن أمثلة تصنيف التراجم على حسب العلم ونوع الفن والتخصص:

طبقات المفسرين: وقد صنف فيها الداودي، والسيوطي.

وطبقات المحدثين: مثل (طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها) لأبي الشيخ الأنصاري.

وطبقات الحفاظ: وقد صنف فيها الإمام الذهبي كتاباً سماه (تذكرة الحفاظ).

وطبقات القراء: وقد صنف فيها الإمام الذهبي أيضا كتاباً سماه (معرفة القراء الكبار).

وطبقات النحاة: وقد صنف فيها السيوطي كتاب (بغية الوعاة).

وطبقات الأطباء: وصنف فيها ابن أبي أصيبعة، وهلم جراً.

ومنهم من أفرد علماء قطر معين ومن ذلك (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، و(تاريخ دمشق) للحافظ ابن عساكر، و(تاريخ أو أخبار أصفهان) للحافظ أبي نعيم الأصبهاني، و(تاريخ حلب) لابن العديم واسمه (بغية الطلب في تاريخ حلب)، و(تاريخ إربل) لابن المستوفي.

* ومن أمثلة تصنيف التراجم على حسب العصر:

(تاريخ الإسلام) للذهبي، و(الدرر الكامنة) لابن حجر، و(البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) للشوكاني، إلى غير ذلك من أنواع التراجم([12]).

* ومن العلماء من ترجم لنفسه، فمن المتقدمين:

أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ضمن قدراً من نسبه في كتابه: (لفتة الكبد)، والعماد الأصفهاني ترجم لنفسه في كتابه: (البرق الشامي)،


 وأبو شامة المقدسي ألف (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين) وجعل له ذيلاً ترجم لنفسه فيه. والذهبي ترجم لنفسه في معجم شيوخه، وابن خلدون ترجم لنفسه في (تاريخ العبر)، ومحمد بن محمد الجزري ترجم لنفسه في كتابه: (غاية النهاية في طبقات القراء) وابن حجر العسقلاني ترجم لنفسه في: (الدرر الكامنة) و(رفع الإصر) وغيرهما. وجلال الدين السيوطي ترجم لنفسه في كتابه (حسن الحاضرة في أخبار مصر والقاهرة).

* ومن المتأخرين: الشوكاني ترجم لنفسه في (البدر الطالع)، ومحمد بن عبد الله الآلوسي ألف رسالة في ترجمته وسيرته، والطهطاوي، واللكنوي، ومحمد رشيد رضا، والبيطار، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن جبرين، وغيرهم.

* ورحم الله الإمام النووي وهو يقول: "شيوخ الإنسان في العلم آباء في الدين وصلة بينه وبين رب العالمين فيقبح به جهلهم، وكيف لا يقبح جهل الأنساب وهم الوصيلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب؟".

وفي قراءة سير العلماء وتراجمهم فوائد عدة منها:

1-        بعث الهمم وتقوية العزائم في نفوس العلماء والمربين والشباب، بل والآباء والأمهات.

2-        الترحم عليهم ومعرفة جهودهم وعلمهم.

3-        مراعاة نعمة الله عز وجل في تسخيره من يشاء من عباده لخدمة هذا الدين


4-         ونصر الكتاب والسنة في كل مكان وزمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

5-        الوفاء لأعلام الهدى ومصابيح الدجى في زمن الإعلام الفاسد الذي برز السفلة وحثالة القوم من المغنيين والراقصين وغيرهم.

6-        حفظ النماذج المضيئة من حياة العلماء. فها هي سير (أعلام النبلاء) بيننا و(صفة الصفوة) تحكي حياة أولئك الأفذاذ قال أبو بكر بن عياش: "..... أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم .....".

7-        الاقتداء بهم واقتفاء أثرهم في طلب العلم ونشره، وحسن المعشر وحلو الشمائل وطيب الخصال.

8-        غزارة مؤلفاتهم - رحمهم الله - وكثرتها وأهميتها؛ مدعاة إلى الكتابة عنهم فهم أعلام الإسلام والمسلمين ومن يشار إليهم بالبنان في ذلك.

9-        محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة شمائله، فهؤلاء ورثته أتوا بعد قرون طويلة وأحببنا ما فيهم من الخصال الحميدة والسجايا الجميلة؛ فكيف بمن بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً؟!

10-   بعد أن يسر الله وأخرجت كتاباً في ترجمة الوالد - رحمه الله - بعنوان: (العالم العابد)؛ فرح به العلماء وطلبة العلم وأثنوا على هذا النهج وهو ما شجعني على هذه الترجمة للجد - رحمه الله -.

11-   ما كان خاصاً بي من بر والدي وجدي بعد موتهما والترحم عليهما.

وهذا وأسأل الله أن يجعل هذا العمل من البر بهما بعد موتهما، وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم.


 نسبه وولادته ونشأته:

هو أبو عبد الله "الشيخ الإمام العالم العلامة العامل المحقق المدقق المجتهد المتفنن"([13]): "عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم من آل عاصم من قحطان" (القبيلة المشهورة في نجد).

ومنشأ آل قاسم بلدة القصب من بلاد الوشم، ومنها تفرقوا إلى: رغبة والبير وثادق والرويضة بالمحمل والحريق بالوشم.

وتوجد شجرة لآل قاسم وضع أصلها - رحمه الله - في عام 1346هـ.

ووالده محمد توفي مبكراً عام 1324هـ، وكان إذا سمع الأذان يقول: "الله من يوم يأتي ما نسمع فيه الأذان" (يعني الموت).

وجده "عبد الله بن قاسم" فارس شجاع عرف بذلك، قتل ظلماً وغدراً خارج بلدته حيث كان يرافق بسلاحه من يذهب من بلدته إلى القرى المجاورة. له ملك زراعي من أفضل مزارع البلد.

ووالدته هي (هيا بنت عباد([14]) بن حمد بن علي بن محمد بن حمد العباد([15])) ووالدتها (سلمى بنت عبد الرحمن بن محمد بن قاسم) ابنة عمته وكانت ذات يسار وأملاك ورثتها في بلدان (البير وحريملاء والصفرة)


 وكانت تدفعه إلى طلب العلم، وترسل له ما يحتاج (ووصيتها التي كتبت في عام 1317 هـ تنبئ عن ذلك).

ويذكر أن محمد بن عبد الله بن زومان - أمير بلدة البير في حينه، وهو من أخوالنا، كان حريصاً على طلب الجد عبد الرحمن للعلم، حيث قال لأمه: "أقرئي ولدك القرآن...." ولما حفظ القرآن، قال لها: "ادفعيه لطلب العلم...".

* وله أخوان هما:

*العم الشيخ عبد العزيز بن محمد، ولد عام 1337 هـ - حفظه الله وأمد في عمره على طاعته - وهو أخ للجد من أبيه، فوالدته ابنة (محمد بن عبد الله بن راشد) درس في معهد إمام الدعوة بالرياض، وتخرج في كلية الشريعة بالرياض عام 1383 هـ وعمل بعد تخرجه مدرساً للعلوم الشرعية في المرحلة الثانوية حتى تقاعد عام 1402 هـ.

* (عبد الله بن محمد) وهو أخ للجد من أبيه، ووالدته من عائلة الحماد كان عابداً صالحاً توفي في شبابه، قال عند موته: "الدنيا لا تساوي بنة([16])، ولو أعلم أن هذا عمري لجعلته سجدة".

* وله أخت من أب؛ شقيقة للعم الشيخ (عبد العزيز بن محمد) هي "سارة بنت محمد" توفيت في شهر جمادى عام 1422 هـ وكانت عابدة قارئة للقرآن، صاحبة قيام طويل تقوم أول الليل وآخره، ولما أدركها مرض


الموت كانت ثابتة ثباتاً عجيباً ملفتاً للنظر، وكانت تتمثل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه».

* وفي هذا البيت الذي عرف أهله بالدين والصلاح والاستقامة ولد الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - رحمه الله - في عام 1312 هـ([17]) في بلدة (البير) التي تقع على بعد 120 كم شمال الرياض مجاورة لبلدتي ثادق وحريملاء، فنشأ بها، وأخذ مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن مجوداً وهو في سن صغيرة لم يتجاوز التاسعة من عمره.


 شيوخه:

بعد أن تلقى العلوم الأولية من أهل بلده وما جاورها وحفظ كتاب الله - عز وجل - عن ظهر غيب في سن مبكرة؛ تاقت نفسه إلى التضلع من العلم الشرعي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وأكمل أنواع طلب العلم أن تكون همة الطالب مصروفة في تلقي العلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه واتباع ذلك وتقديمه على غيره".

* سمت همته إلى طلب العلم خارج بلده، فرحل - رحمه الله - إلى موطن العلماء في عصره حيث سافر إلى الرياض قبلة العلماء في حينه، وتلقى العلم على أيدي جملة من العلماء فيها، ومن أشهرهم العلامة الشيخ (عبد الله بن عبد اللطيف) وتلقى عنه علوم التوحيد والعقائد والتفسير والحديث والفقه وغيرها، ولازم الشيخ (عبد الله العنقري) فكان من أخص تلاميذه، كما أخذ عن الفقيه (محمد بن محمود) الفقه والفرائض، ودرس كذلك على الشيخ (سعد بن عتيق) والشيخ (سليمان بن سمحان) التوحيد والحديث، كما درس على الشيخ (محمد بن فارس) علوم اللغة وغيرها ودرس أيضا على الشيخ (عبد الرحمن بن راشد) والشيخ (محمد بن مانع).

* وقال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله -: "اشتهر هذا الشيخ في وسط القرن الرابع عشر الهجري، حيث رزقه الله - تعالى - الفهم والعلم الصحيح، والصبر وقوة الجلد على التعب في جمع العلم، فأدرك الكثيرين من مشايخ أئمة الدعوة، منهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ محمد


بن عبد اللطيف، والشيخ حسن بن حسين، ونحوهم من سلالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأدرك بعض تلاميذهم الذين اشتهروا بالعلم والفضل، منهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ حمد بن فارس، والشيخ سليمان بن سمحان، والشيخ محمد بن محمود، والشيخ عبد الله بن راشد، ومن في زمانهم، وقد نهل من العلم وتروى من معينهم، حتى اشتهر بينهم بالتفوق والتقدم على زملائه، ونبغ في شتى العلوم كالفقه والتوحيد والعقيدة والنحو وغيرها([18]).

قال الشيخ عبد الله البسام - رحمه الله -: "..... فأجاد هذه العلوم إجادة تامة"([19]).

وقال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله -: "..... فواصل دراسته وجد واجتهد في التعليم بعد أن ذاق حلاوة العلم، وأدرك من نفسه إقبالاً كلياً على القراءة والحفظ والاستفادة حتى فاق أقرانه..." ([20]).

* وكان يقول عن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهما الله -: "شيخي" وقد سألت فضيلة الوالد هل قرأ الجد على الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - كتاباً معيناً؟ فقال: "هو من أقرانه ولم يقرأ عليه، إنما كان يحضر دروسه لتلاميذه ومجالس علمه، وقرأ عليه ما جمعه من رسائل علماء نجد وغيرها" وكان الجد يحبه ويجله ويسميه "شيخي".


* قال الشيخ محمد بن عثمان القاضي: "وكان مشايخه معجبين بفرط ذكائه ونبله، وكان كثير المطالعة في كتب الفروع والأصول والعربية، لا يسأم منها، وأكب على كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، فكانت كتبهما صبوحه وغبوقه، وأدرك بسببهما إدراكاً تاماً، وكان قوي الحفظ سريع الفهم ذا موهبة وجواب حاضر على البديهة، نبغ في فنون عديدة حتى صار مثار الإعجاب بين جلسائه"([21]).

* قال الشيخ عبد الله بن جبرين -حفظه الله-: "..... ولم يزل مكباً على الدراسة والحفظ والاستفادة حتى حصل على جانب كبير في أكثر العلوم وتضلع في علم التوحيد والفقه والحديث ونحوها من العلوم الدينية....." ([22]).

واستمرت مطالعاته ومحبته للكتب حتى عندما كبر ومرض وساءت صحته.

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: "عجبت من هذا الرجل زرته في مرضه، فوجدت عنده الكتب يقرأ ويحرر"([23]).

وكأني به -رحمه الله- يقتدي في ذلك بأئمة السلف، قال صالح بن أحمد بن حنبل: "رأى رجل مع أبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين! يعني: ومعك المحبرة تحملها؟ فقال: "مع المحبرة إلى المقبرة".


وقال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر"([24]).

وقال سهل بن عبد الله: "اجتهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر"([25]).


 مؤلفاته:

تنوعت معارفه وعلومه ومؤلفاته، وكتب في فنون العلوم الشرعية والعربية وغيرها حتى ذاع صيتها وانتشر أثرها وحمد عملها، ومن أشهر مؤلفاته:

1-        مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، (37) مجلداً.

2-        الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (16) مجلداً.

3-        حاشية الروض المربع، (7) مجلدات.

4-        متن أصول الأحكام، (مجلد).

5-        شرح أصول الأحكام، (4) مجلدات.

6-        حاشية كتاب التوحيد، (مجلد).

7-        حاشية ثلاثة الأصول، (مجلد).

8-        حاشية الدرة المضية، (مجلد).

9-        السيف المسلول على عابد الرسول، (مجلد).

10-   مقدمة في أصول التفسير، (مجلد).

11-   حاشية مقدمة التفسير، (مجلد).

12-   حاشية مقدمة الرحبية، (مجلد).

13-   حاشية الآجرومية، (مجلد).

14-   وظائف رمضان، (مجلد).

15-   تحريم حلق اللحى، كتيب لطيف.

16-   ملخص الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، (مجلدين).

17-   كتاب التاريخ، (مجلدين).


وهناك كتب أخرجها - رحمه الله - سوف أذكر بعضها مختصرة في مظانها عند الحديث بالتفصيل عن مؤلفاته.

وصدق علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عندما قال: "العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة"([26]).

*وتنقسم المؤلفات التي أخرجها إلى ثلاثة أقسام من حيث زمن الطباعة:

فالأول من المؤلفات: الكتب التي طبعت في حياته كاملة مثل: (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) و(حاشية ثلاثة الأصول) وغيرهما.

والقسم الثاني: لم يطبع في حياته وطبع كاملاً بعد وفاته مثل: (حاشية الروض المربع) و(حاشية كتاب التوحيد) وغيرهما.

والقسم الثالث: مؤلفات طبعت في حياته، ثم أضاف إليها إضافات أخرى وطبعت هذه الإضافات في المطبوع بعد وفاته مثل (الدرر السنية في الأجوبة النجدية)، الطبعة الأخيرة (16) مجلدا. كتاب (الإحكام شرح أصول الأحكام) حيث طبعت الأجزاء الثلاثة الأولى في حياته والمجلد الرابع بعد وفاته.

فرحمه الله وأجزل مثوبته وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأوفره.


 علومه ومعارفه:

تنوعت معارفه علومه - رحمه الله - وله في كل فن جهد مشكور من المؤلفات، وما ذاك إلا من توفيق الله - عز وجل - ثم بتبحره في العلوم تبحراً فاق أقرانه وظهرت آثاره.

قال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - عن صفاته التي أعانته على ذلك أنه كان: ".... حسن الخط سريع الكتابة. فنسخ بيده شيئاً كثيراً، ورزقه الله الصبر والقوة بحيث لا يعتريه ملل ولا سآمة، فأكب على المطالعة والبحث والاستفادة والتنقيب عن أفراد المسائل وأماكن الأدلة حتى نال ما تمناه...." ([27]).

وهو كما قال الشيخ محمد بن إسماعيل المدني: رأيت الشيخ عبد الرحمن بن قاسم فقيهاً في (حاشيته على الروض)، ومحدثاً في كتابه (إحكام الأحكام) وفرضياً في شرحه على (الرحبية)، وأصولياً في (حاشيته على ثلاثة الأصول) ونحوياً في شرحه (للأجرومية) ثم قال: "وكان - رحمه الله - عالماً تقياً ورعاً زاهداً".

* وقال الشيخ عبد الله بن بسام - رحمه الله -: "..... وكان له ولع بالتاريخ والأنساب والجغرافيا واشتغل بها مدة وجمع الشيء الكثير في ذلك....." ([28]).

* ".... وكان إلى جانب تضلعه في العلوم الدينية والعقائدية والتاريخية، كان له أيضاً إلمام كبير بالنواحي السياسية والاجتماعية"([29]).


* قال الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله -: "الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله - له باع طويل في فنون العلوم الشرعية في التوحيد وعلوم القرآن والحديث والفقه والفرائض والنحو، وله في هذه الفنون مؤلفاته يعول عليها العلماء وطلاب العلم"([30]).

* ومن تأمل جمال أسلوبه وسلاسته وبعده عن التشدق والتكلف رأى أن الله جمع له مع علمه وسعة اطلاعه صفاء العبارة ودقيق اختيارها، يقول - رحمه الله -: "إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وبدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، وبمراعاة علم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق، ونسأل الله بأسمائه الحسنى الهداية والتوفيق، لما اختلف فيه من الحق إلى أقوم طريق"([31]).

* وقد ذكر لي أحد طلبة العلم أن الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله - علامة المدينة قال: "أعلم من في نجد (ابن قاسم) و(ابن سعدي)".

* قال أبو المعالي عن الإمام البيهقي: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن له المنة على الشافعي، لتصانيفه في نصرة مذهبه"([32]).

وأحسب أن كل حنبلي في عنقه دين للإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية إلا الجد والوالد - رحم الله الجميع - فقد أديا بعض هذا الدين بحفظ علوم ومعارف هذين الإمامين. بل ولأئمة الدعوة السلفية في نجد بنشر مؤلفاتهم.


* وقد نفع الله بعلومه وبارك في أوقاته، فصنف عدة كتب في مختلف الفنون، قال الشيخ عبد الله بن بسام: ".... وقد طبع أغلب هذه المؤلفات والمختصرات وانتفع بها طلاب العلم، وتداولوها، ورأوا فيها سهولة وتبسيطاً للعلوم عن الكتب المطولة"([33]).

قال الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق - حفظه الله -: "أما الشيخ عبد الرحمن فقد تفرغ للجمع والتأليف مما أغنى المكتبات العلمية بالكتب والمؤلفات، أذكر أننا لا نقرأ من الكتب والشروح غير ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم للأجرومية والرحبية وثلاثة الأصول، وكانت هذه الكتب رائجة رواج كتب أئمة الدعوة وبالأخص في الرياض وتلامذة هذه المدرسة"([34]).

 مؤلفاته، وطرف مما ذكر حولها:



مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية

(قدس الله روحه)

جمع وترتيب الفقير إلى الله

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي

"رحمه الله"

وساعده ابنه محمد "رحمه الله"

المجلد الأول

كتاب

توحيد الألوهية




1- كتاب:

"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ويقع في (37) مجلداً.

ذكر فضيلة الجد أجزل الله له الأجر والمثوبة - أنه عثر على بعض مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية أثناء جمعه لرسائل علماء نجد، فواصل البحث في المكتبات القريبة والبعيدة بمساعدة فضيلة الوالد (محمد) - رحمهما الله - وقد تكبدا في سبيل جمعها من الشدة والمشقة ما يرجى لهما جزيل البر والأجر عند الله، وقد رتبها وقسمها فنوناً وأبواباً، وأضاف إليها المطبوع من الرسائل الصغيرة والفتاوى، فبلغت خمسة وثلاثين مجلداً احتوت على علم جم لا يقدر قدره، ثم عمل عليها الوالد - رحمه الله - فهرساً مفصلاً كان كالتقريب لها ويقع في مجلدين ضخمين.

وقد حوى "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" العديد من كتب العقيدة والرسائل والمسائل العقدية، وأجزاء العقيدة والتوحيد، والفقه، والأصول، والحديث، والتفسير، وغيرها من العلوم الأخرى في (37) مجلداً وهي:

-               المجلد الأول: توحيد الألوهية، وعدد صفحاته (405) صفحات.

-               المجلد الثاني: توحيد الربوبية، وعدد صفحاته (524) صفحة.

-               المجلد الثالث: مجمل اعتقاد السلف، وعدد صفحاته (471) صفحة.

-               المجلد الرابع: مفصل الاعتقاد، وعدد صفحاته (579) صفحة.

-               المجلد الخامس: توحيد الأسماء والصفات، وعدد صفحاته (607) صفحات.


-               المجلد السادس: توحيد الأسماء والصفات، وعدد صفحاته (627) صفحة.

-               المجلد السابع: الإيمان، وعدد صفحاته (708) صفحات.

-               المجلد الثامن: القدر، وعدد صفحاته (572) صفحة.

-               المجلد التاسع: المنطق، وعدد صفحاته (336) صفحة.

-               المجلد العاشر: علم السلوك، وعدد صفحاته (793) صفحة.

-               المجلد الحادي عشر: التصوف، وعدد صفحاته (728) صفحة.

-               المجلد الثاني عشر: القرآن كلام الله، وعدد صفحاته (621) صفحة.

-               المجلد الثالث عشر: مقدمة التفسير، وعدد صفحاته (445) صفحة.

-               المجلد الرابع عشر: التفسير من سورة الفاتحة إلى سورة الأعراف، وعدد صفحاته (521) صفحة.

-               المجلد الخامس عشر: التفسير من سورة الأعراف إلى سورة الزمر، وعدد صفحاته (470) صفحة.

-               المجلد السادس عشر: التفسير من سورة الزمر إلى سورة الإخلاص، وعدد صفحاته (620) صفحة.

-               المجلد السابع عشر: التفسير من سورة الإخلاص والمعوذتين، وعدد صفحاته (549) صفحة.

-               المجلد الثامن عشر: الحديث، وعدد صفحاته (406) صفحات.

-               المجلد التاسع عشر: أصول الفقه - الاتباع، وعدد صفحاته (328) صفحة.

-               المجلد العشرون: أصول الفقه - التمذهب، وعدد صفحاته (614) صفحة.


-               المجلد الواحد والعشرون: الفقه - الطهارة، وعدد صفحاته (670) صفحة.

-               المجلد الثاني والعشرون: الفقه - الصلاة، وعدد صفحاته (656) صفحة.

-               المجلد الثالث والعشرون: الفقه، من سجود السهو إلى صلاة أهل الأعذار، وعدد صفحاته (435) صفحة.

-               المجلد الرابع والعشرون: الفقه، من صلاة أهل الأعذار إلى الزكاة، وعدد صفحاته (400) صفحة.

-               المجلد الخامس والعشرون: الفقه - الزكاة والصوم، وعدد صفحاته (350) صفحة.

-               المجلد السادس والعشرون: الفقه - الحج، وعدد صفحاته (325) صفحة.

-               المجلد السابع والعشرون: الفقه - الزيارة، وعدد صفحاته (527) صفحة.

-               المجلد الثامن والعشرون: الفقه - الجهاد، وعدد صفحاته (695) صفحة.

-               المجلد التاسع والعشرون: الفقه - البيع، وعدد صفحاته (590) صفحة.

-               المجلد الثلاثون: الصلح إلى الوقف، وعدد صفحاته (462) صفحة.

-               المجلد الحادي والثلاثون: الوقف إلى النكاح، وعدد صفحاته (416) صفحة.


-               المجلد الثاني والثلاثون: النكاح، وعدد صفحاته (393) صفحة.

-               المجلد الثالث والثلاثون: الطلاق، وعدد صفحاته (263) صفحة.

-               المجلد الرابع والثلاثون: الظهار إلى قتال أهل البغي، وعدد صفحاته (271) صفحة.

-               المجلد الخامس والثلاثون: قتال أهل البغي إلى الإقرار، وعدد صفحاته (487) صفحة.

-               المجلد السادس والثلاثون: الفهارس العامة والتقريب، وعدد صفحاته (468) صفحة.

-               المجلد السابع والثلاثون: الفهارس العامة مع التقريب، وعدد صفحاته (512) صفحة.

* وهذا المجموع العظيم الذي بلغ (37) مجلداً في (18835) صفحة، أقرب من يتحدث عنه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بقوله: "وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما قد ملأ العالم نوراً وهدى"([35]).

* وقد أمضى الجد والوالد - رحمهما الله - أكثر من أربعين عاماً في جمعه وترتيبه وطبعه، وقد وجدوا في سبيل ذلك من العناء والمشقة ما أحتسب أن يكون رفعة لهما وذخراً.

فقد عانيا من كثرة السفر، والبحث عن المخطوطات، وترك الأهل والأبناء ومفارقة الأوطان مع قلة الزاد، ثم في قراءة وفك خط شيخ الإسلام


 حيث إنه - قدس الله روحه - كان سريع الكتابة، وكان خطه في غاية التعليق والإغلاق وبعضه بدون نقط ولا تكاد تظهر حروفه، وقد أشكلت على تلميذه ابن الوردي فيدعو تلميذه أبا عبد الله بن رشيق المغربي لحله.

وكانت إغلاق خط شيخ الإسلام مدعاة إلى إهمال كتبه وعجز الكثيرين عن قراءتها وفك رموزها، يقول ابن عبد الهادي: "كان كثيراً ما يقول: كتبت في كذا وكذا، أو يسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه".

* وكان لدى فضيلة الوالد - رحمه الله - مجموعة من المخطوطات بخط شيخ الإسلام - رحمه الله - منها قاعدة "في الاستحسان" ولم يستطع إدخالها في مجموع الفتاوى لاستغلاق خطها.

وبعد حين حلها شيئاً فشيئاً حتى طبعها ضمن "المستدرك على مجموع الفتاوى".

* قال الوالد - رحمه الله - في بدايات الجمع: عندما جمعنا بعض الفتاوى أخبر الأمير مساعد عبد الرحمن الملك فيصل، فاستعد لطبعها، فما كان من الملك سعود إلا أن أرسل للوالد يطلبه في الناصرية وكانت - مقر حكمه - فقال - رحمه الله -: عندكم محمد.

قال الوالد: فذهبت إلى الناصرية وقابلت يوسف ياسين - وزيراً لدى الملك سعود - واتفقنا على طريقة التمويل والطبع، قال الوالد: لما استقر الأمر


 أن تطبع في مطابع الرياض ذهبت للمطابع، وقابلت الشيخ حمد الجاسر ورفضت توقيع العقد معهم إلا بعد أن يتم توفير (حروف) جديدة للفتاوى. (وكانت طريقة الصف تتم بتجميع الحروف مع بعضها ورصها). فرفض الشيخ حمد الجاسر، وقال: هذه تكفي. قال الوالد: فرفضت، وانتهى الأمر إلى حل ذكرته له، وهو أن أذهب لألمانيا لاستجلاب حروف خاصة بالفتاوى فوافق، وذهبت واشتريت الحروف وما انتهت الفتاوى إلا والحروف قد تآكلت.

وطبعنا ثلاثين مجلداً، منها عشرون مجلداً في سنة واحدة في الرياض، ثم لما حصل بين وزير المالية والمطابع إشكال. قال الأمير مساعد بن عبد الرحمن: تطبع في مكة.

قال الوالد - رحمه الله -: هذا محمد. فذهبت إلى مكة وأتممت خمسة المجلدات هناك من المجلد الثلاثين إلى المجلد الخامس والثلاثين.

* ومع هذا الجهد والعنت والمشقة فإن الجد والوالد - رحمهما الله - لم يأخذا مقابلاً مادياً ألبتة.

قال الوالد - رحمه الله -: "ولم نكن نأخذ أي مبالغ، بل كنت أعمل عملي مدرساً في المعهد العلمي بالرياض صباحاً، ثم في المساء في الفتاوى دون أن أفرغ لها، وما كان يأتينا من أموال تذهب للصف والنسخ والتصوير والمقابلة وما شابهها. حتى إن الشيخ محمد بن إبراهيم يعطينا المبالغ التي تقصر عن حجم العمل".


وقد قال الوالد - رحمه الله - في رحلته للجمع: "فرحت فرحاً عظيماً عندما وجدت مخطوطات الفتاوى ولم أفرح في حياتي مثل ذلك الفرح".

* وقد ذكر الشيخ يوسف المطلق أنه عمل ومعه بعض طلبة العلم على نسخ الفتاوى، وكانت كتابة الصفحة بمبلغ معلوم لمن استمر، كما عمل معهم الشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ غيهب الغيهب، والشيخ حماد الأنصاري وغيرهم في النسخ والمقابلة والتصحيح".

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - "أن بعض المشايخ طلبوا من الجد تخريج أحاديث هذا المجموع فرفض، وكان بينهم وجهات نظر، ولما جلسوا عند الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - ذكروا ذلك؛ وأجاب الجد بأنه لا مانع إذا كان هناك منكم من هو أعلم من شيخ الإسلام بالحديث. ثم ذكر أمراً آخر هو الخوف أن يدخل عليه من لا يحسن الحديث فيضعف ويحسن فيضيع الكتاب، والثالثة: أن غالب الأحاديث التي يوردها شيخ الإسلام في الصحيحين بل ويتتبع أحياناً الرواة. فسكت الجميع".

وصدق - رحمه الله - فقد قام أحد الأدعياء خارج هذه البلاد وخرج بعض الأحاديث ثم حكم على شيخ الإسلام بأنه يناصب العداء لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بل يكفر هذا وذاك.

* وسألت الوالد أن يعاد صفها مرة أخرى وتصغر الحروف لتقل المجلدات فقال - رحمه الله - "غالب من يقرأ هذا المجموع هم العلماء وطلبة العلم فلنتركه مريحاً للعين ثم من يضمن أن لا يدخله تصحيف وتحريف".

ولقد تأكد هذا في طبعة خرجت للناس وفيها ما ذكر من أخطاء.


* قال الشيخ عبد الله بن جبرين في رسالته (هذا ما عرفته عن شيخنا عبد الرحمن بن محمد بن قاسم): "وفي أثناء عمله في تتبع رسائل أئمة الدعوة عثر على رسائل كثيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -، متفرقة في مواضيع مختلفة، منها ما هو بخط يد الشيخ، ومنها ما قد نسخ، ومنها ما هو مطبوع، فاستشار شيخه محمد بن إبراهيم - رحمهما الله تعالى - في جمعها وترتيبها وطبعها فشجعه الشيخ على ذلك، وفي أثناء بحثه وسهره وتعبه في الجمع والترتيب والتبويب، أصيب من آثار ذلك بإذن الله بألم في رأسه تضرر منه، واحتبس عن مواصلة العمل، فأشير عليه أن يبادر إلى العلاج فسافر إلى باريس عاصمة فرنسا، وصحبه ابنه محمد، وذلك في آخر عام 1375 هـ وعولج هناك ونجحت العملية معه، ورجع سالماً بحمد الله، وهناك عثر على بعض المخطوطات القديمة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فصورها كلها وضمها إلى تلك الموسوعة الكبيرة، وهي مجموعة رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -، وقد أدخل في هذه المجموعة كتباً ورسائل عدة، منها ما سبق طبعه في مصر وغيرها، ومنها مخطوطات كثيرة لم يسبق أن طبعت، وقد لقي في ترتيبها ونسخها عرق القربة، حيث كتب بخط يده الكثير من الرسائل المتفرقة في مجموعة الرسائل الكبرى، والفتاوى المصرية وغيرها، وقد وفقني الله للاشتراك مع أبناء الشيخ في نسخ بعض المخطوطات القديمة والأفلام المصورة، رغم صعوبة النسخ، ثم يتولى الشيخ محمد بن عبد الرحمن - رحمه الله - تصحيحها، ووضعها في المكان الذي حدده أبوه من الأجزاء، وتولى تصحيح الطبع ومتابعته  أبناء  الـشيخ،


ومعهم بعض الطلاب الذين اختاروهم من أهل الفهم وإدراك المعاني، حتى كملت هذه الموسوعة الكبيرة التي بذل هذا الشيخ فيها جهداً جهيداً".

* هذا وأسأل الله - عز وجل - أن يجزيهم خير الجزاء على جهودهم طوال سنوات في جمع وإخراج هذا المجموع، فهم في رحلة طويلة وشاقة في طلب العلم ونشره وهذا ديدن العلماء وطريقتهم.

فها هو أحد العلماء: منصور بن عمار يصف حال الرحلة في طلب العلم وأهلها فيقول عنهم: "هم يرحلون من بلد إلى بلد، خائضين في العلم كل واد، فلو رأيتهم في ليلهم وقد انصبوا لنسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطيء والمضجع الشهي، غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم، فانتبهوا مذعورين، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة حرصاً عليها، لعلمت أنهم حراس الإسلام وخزان الملك العلام، فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد.....".









تتألف هذه المجموعة القيمة - أو هذا المجموع - من "فتاوى" - وهي الأكثر - ومن "كتب" و"رسائل" و"نقول" بلغ عدد مجلداتها "أربعة وثلاثين مجلداً" "قسم" منها مطبوع: عدد صفحاته (7000) تقريباً و"قسم" لم يسبق له أن طبع؛ بل كان مخبوءاً في زوايا المكتبات العامة، أو الخاصة فالمخطوطات - التي لم يسبق لها طبع - أكثر من الثلث في هذا المجموع.

وإن كان في هذا المجموع المبارك أجزاء قد طبعت فيما سبق إلا أنها أدخلت في الفتاوى وكان لها تصحيح ومقابلة، وقد قال الشيخ بكر أبو زيد عن مجموع فتاوى شيخ الإسلام: "وكان جهد الشيخين (أي الجد والوالد) فيما سبق طبعه لا يقل عن جهدهما فيما لم يسبق طبعه، لأنهما استحصلا على الأصول الخطية لها فقابلاها مع المطبوع، فأصلحا ما وقع عن غلط وتصحيف وسقط وفوت، وهكذا الكمال عزيز"([36]).

الرحلة في جمع الفتاوى:

قال الوالد - رحمه الله - متحدثاً عن الشروع في الجمع - من نجد:

"بدأ فضيلة الوالد - بارك الله في أوقاته، ونفع الإسلام والمسلمين بمجاميعه ومؤلفاته - في جمعها في الوقت الذي ندرت فيه "حركة الجمع، والتأليف في نجد" أي: بعد سنة (1340 هـ) أثناء تفتيشه عن "فتاوى علماء نجد" فوجد عند الشيخ "محمد بن عبد اللطيف" رحمه الله نحو ثلاثة مجلدات - وهو أكثر من وجد عنده الفتاوى؛ وكان -رحمه الله تعالى- معتنياً بمؤلفات شيخ


الإسلام وأئمة الدعوة، ومكتبته موجودة الآن - وبحث الوالد، وفتش في "المخطوطات" الموجودة عند المشايخ وطلاب العلم؛ كما سافر وراسل من قدر له الاتصال به في نجد وكانت نجد، ولازالت - بحمد الله - أسعد الأقاليم بالانتفاع بمؤلفات شيخ الإسلام، وتداولها، وتدريسها.

في الحجاز:

ولما باشر تصحيح "فتاوى أئمة الدعوة النجديين" - في مكة المكرمة - فتش في المخطوطات الموجودة "بمكتبة الحرم المكي" فاستخرج منها عدداً من المسائل؛ كما تحصل على مسائل من بعض العلماء الأفاضل.

الشروع في الترتيب:

بعد أن جمع ما تيسر له من المخطوطات أشار عليه حضرة صاحب السماحة المفتي الأكبر للمملكة السعودية "الشيخ محمد بن إبراهيم" بأن يضم الموجود من المخطوطات إلى المطبوعات، ويرتب الجميع على حسب الفنون، وعلى ترتيب أبواب الكتب المتداولة بين العلماء والطلاب؛ لتسهل المراجعة ولاسيما على من قل إلمامهم بمؤلفات هذا الإمام.

سارع إلى قبول هذا الإرشاد، وشرع في الترتيب وجعل "قسماً في الفقه" مرتباً على ترتيب "كتب المتأخرين" من فقهاء المذهب الحنبلي كزاد المستقنع وشرحه "وقسماً في أصول الدين" يشمل العقائد وما يتصل بها و"قسماً في تفسير القرآن" و"قسماً في المنطق" و"قسماً في الحديث" وما وجد من المسائل مشتملاً على بحثين في فنين فأكثر، أو في بابين من فن واحد - ينفصل أحدهما عن الآخر بدون إخلال بالمعنى - فصل أحدهما عن الثاني


ونسخه في صحائف أو صحيفة مستقلة، وألحقه بموضعه المناسب له، فنسخ بيده مسائل كثيرة، واستنسخ بعضاً؛ فأصبح مجموع المخطوطات والمطبوعات بعد الترتيب نحواً من عشرين مجلداً؛ ثم كلما طبع شيئاً من الفتاوى ألحقه بها، واستفاد من هذا الجمع أن اطلع على ترجيحات "شيخ الإسلام" واستدلاله، وحكايته الإجماع والخلاف وغير ذلك؛ فأضاف الوالد ذلك إلى مؤلفاته، فاكتسبت ميزة، وصبغة تحقيق: بسبب عمله المبارك في هذا المجموع.

وسمع فضيلته - من بعض رواد المكتبات - بوجود مسائل لشيخ الإسلام في "دار الكتب المصرية" فلذلك أجل طبعها؛ فتجمدت - ما شاء الله لها أن تتجمد - ثم عزم على السفر إلى مصر سنة (1365 هـ) فلم يتيسر له.

الرحلة الأولى لجمع الفتاوى:

في سنة (1372 هـ) سافر الوالد إلى "بيروت" للعلاج؛ ولما استكمل الفحوص الطبية، وأجرى بعض العمليات - التي لم تنجح - توجه إلى "مكتبة بيروت العمومية" - وكان حازماً - فقد استصحب ما جمعه سابقاً من الفتاوى، وفهرساً خاصاً بها - وكنت معه في سفره، ففتشنا فيها فلم نجد مسائل لشيخ الإسلام، ويذكر أن ما كان فيها من "المخطوطات" قد نقل لإحدى الدول منذ زمن طويل؛ ثم فتش في "مكتبة الجامعة الأمريكية" فلم يجد فيها شيئاً.


قصة جمع الفتاوى والكتب من الشام:

كان حضرة الوالد مستصحباً ورقة تحمل أرقاماً لثلاث مسائل في "المكتبة الظاهرية" ذكرها له بعض من زار المكتبة من العلماء الفضلاء فأمرني بالسفر إلى "دمشق" لنسخها - مع ما كان يقاسي من شدة المرض ومواصلة العلاج - وصلت إلى دمشق، وشرعت في النسخ، وفي وقت اشتغالي بالنقل من كتاب "الكواكب الدراري" كنت أتصفح المجلد فأجد فيه مسائل، ونقولاً عن "شيخ الإسلام" أستغربها، وأستعذبها؛ ولا أعلم وجودها فيما جمع؛ فأخذت أتابع المطالعة والتصفح لجميع الموجود فيها من "الكواكب الدراري" - وهو بضع وأربعون مجلداً - فإذا أنا أفاجأ بالمسائل الكثيرة النفيسة معاً، ففرحت فرحاً عظيماً بالتوفيق للعثور على هذه الكنوز العلمية، وشجعني ذلك على الاستمرار في التصفح والتفتيش؛ وربما شككت في فقد بعض المسائل فأراجع فهرس المسائل التي جمع الوالد، وأضيف ما تجدد إلى ما يشاكله من الفتاوى في الفهرس، واحتفظ بأرقام ما كان موجوداً؛ رجاء أن تتيسر - يوماً ما - مقابلة الموجود على هذه المخطوطات القديمة.

ثم تصفحت " المجاميع"، وهي تزيد على (150) مجموعة. وقد اشتملت على مسائل ونبذ لا توجد في غيرها، وهي بخطوط قديمة؛ وفيها من خط شيخ الإسلام بيده ما يزيد على (850) صحيفة.

ومن تلك المجاميع "مجموعة مسودة"([37]) كلها بخطه، لا يوجد شيء منها


 في المكتبات، ولا غيرها. عدد صفحاتها: (664). تشتمل أقل صفحة منها على (20) سطراً، ومتوسطها على (27)، وفيها ما يشتمل على (75) . وفي كل سطر من خمس عشرة كلمة - غالباً  - إلى عشرين. وكثير من صفحاتها محشي عليه بخط المؤلف أيضاً من بعض الجوانب، أو الجوانب الأربع. يتألف منها لو طبعت مفردة "أربعة مجلدات أو خمسة" فيها بياضات، بعضها مخل بالمعنى، وبعضها غير مخل. وقد جنى عليها المجلد بقصه ما زاد من الأوراق عن معظم صفحات الكتاب، فأسقط بذلك كثيراً من الحواشي، وأواخر الأسطر، وأعلى الصفحات، وأسفلها. وقد حرص الناسخ على أن يذكرها كما هي.

تمتاز هذه "المجموعة" بغزارة المعاني، وندور بعض الأبحاث عما في مؤلفاته الأخر؛ وتشتمل على كثير من فنون العلم، وهي أحسن خطه -رحمه الله-.

وفي بعض "المجاميع الأخر" صفحات من خطه، بعضها متصل وبعضها دشت([38]).

وبعد إكمال المجاميع تصفحت كل كتاب لم يذكر مؤلفه، أو له حاشية؛ فوجدت في ذلك عدداً غير قليل من المسائل، ثم فتشت "الدشوت" التي في المكتبة فتحصلت على مسائل ونواقص في بعض المسائل. كانت مدة التصفح والتفتيش ستة أشهر لما يقارب (900) مجلد من (12000) مجلد مخطوط.


مجموع ما فيها إجمالاً (580) صفحة من خط شيخ الإسلام بيده - كما تقدم - وأكثر من (353) ما بين فتوى ونبذة ونقل - وكل هذا لم يطبع فيما قد طبع سابقاً من فتاويه ومؤلفاته - وآلاف الصفحات التي يستعان بها في التصحيح.

ما نقل من المكتبات الأهلية بدمشق:

لم أزل أتابع البحث والسؤال عن المكتبات الخاصة والتفتيش فيها فوجدت عند "الشيخ حسن الشطي" كتابين في الوقف - ضمن مجاميع لشيخ الإسلام وغيره - وعند "محمد حمدي السفرجلاني" مسائل في التراويح والإمامة وغيرهما - وهي قديمة الخط جداً - وعند "أحمد عبيد وإخوانه" مسائل. تم تصويرها؛ وهناك مكتبات أخر؛ لكن لا يوجد فيها ما له صلة بغرضنا.

في حلب وحماة:

في مكتبة الأوقاف بحلب مسائل صورتها، وكثير من مخطوطاتها لم يكن مفهرساً في حين زيارتي لها. وليس في حماة شيء من ذلك.

في بغداد:

بعد أن تأكدت من الحصول على ما في الشام - وطن شيخ الإسلام ومؤلفاته - أحببت السفر إلى العراق لجمع الفتاوى من هذا القطر. فتحصلت بعد التفتيش على مسائل في "مكتبة الأوقاف" في بغداد اجتمع منها وفيها "الرسالة التدمرية" كاملة بخط نعمان الآلوسي، وقد ألحقنا ما فيها من الزيادات بالمطبوعة، وفي مكتبة "الألوسين" كتب، ورسائل "لشيخ


الإسلام" من جملتها "المجلد الرابع من الدرر المضية" وهو مختصر الفتاوى المصرية، عدد صفحاته (401) ولا يوجد هذا المخطوط في الأقطار التي فتشنا فيها - مع أن ناسخه نجدي - ويشتمل على (473) مسألة في "الفقه" من كتاب الحج إلى الإقرار، وفتشت في "مكتبة المتحف العراقي" أياماً، وعند جماعات من فضلاء بغداد.

وكنت قد أزمعت السفر إلى البصرة، ثم الكويت، ثم تركيا، لكن صحة الوالد كانت متأخرة جداً، وقد أقام ثمانية أشهر في بيروت، فاضطررت إلى الرجوع إليه ثم رجعنا إلى الوطن.

الرحلة الثانية إلى القاهرة وباريس:

كان مما ادخره الله لشيخ الإسلام من إبراز مكنون علمه في خزائن الكتب الخارجية، ومما خص الله به والدنا من إكمال جمع الفتاوى على يديه، ومن ثواب الصبر: أن جعل بقاء المرض سبباً للسفر المفيد؛ فسافر إلى باريس عن طريق القاهرة، وصلنا القاهرة وقمنا بزيارة "دار الكتب المصرية" ثم تصفحنا ما فيها من المجاميع، وما فيها من "الكواكب الدراري" فتحصل من الجميع مجلد متوسط لم يكن موجوداً عندنا.

في باريس:

بعد أن أجريت له عملية وتماثل للشفاء - بحمد الله - عمدنا - كعادتنا - إلى "مكتبة باريس الوطنية" فتتبعنا ما فيها من الفهارس - المطبوعة باللغة العربية - للمخطوطات الموجودة في "باريس" و"لندن" و"برلين" و"فينا" وبعض فهارس مخطوطات "تركيا" وغيرها. تتضمن تلك الفهارس(13) مسألة


فصورت في تلك الرحلة وهي مما لم نعثر في الأقطار العربية.

وفي عودتنا من باريس إلى القاهرة، فدمشق أكملنا مطالعة فهرس "دار الكتب المصرية" وشرع الناسخ في نسخ المسائل، وصورت ما في "الظاهرية" - مما خطه شيخ الإسلام بيده - إلا أن بعض الصور غامضة، والكتاب قديم؛ لا يستطيع قراءته في زمان المؤلف إلا أخص تلاميذه، ولم يكن عندنا وقت للنسخ ولا للمقابلة إلا لبعض مسائل.

الرحلة الثالثة:

وفي سنة (1380 هـ) أمر "جلالة الملك المعظم" - رحمه الله وأثابه - بطبع هذه الفتاوى، وأمر أيضاً أن يدفع من المبالغ ما تحتاج إليه هذه المجموعة لتجهيزها للطبع، وما يحتاج إليه من التصحيح. فابتعثت إلى "بغداد" لشراء "المجلد الرابع من الدرر المضية" واستنساخ المسائل الموجودة في "مكتبة الأوقاف" وإلى "دمشق" للاتفاق مع نساخ مختصين - في نسخ المخطوطات القديمة - ليقوموا بنسخ المصورات من خطه - رحمة الله عليه - وتصوير جميع المخطوطات الموجودة في "المكتبة الظاهرية" لمقابلة المطبوعات، والمخطوطات عليها، وتصوير ما لم ينسخ سابقاً، فصور ذلك كله، وبلغ عدد "الأفلام" التي صورت فيها المخطوطات أكثر من (عشرة) أفلام. كل فيلم يتسع لألف ومائتي صفحة، كما وفقنا لتصوير كتابي الوقف الموجودين عند "الشطي"؛ ولم تنسخ مصورات خط شيخ الإسلام في الشام، فقمت بمساعدة الناسخ على ما استصعب عليه؛ وأرجو ألا يتعذر علينا شيء من خطه.


طريقتنا في التصحيح والفهرس:

كانت الأصول المخطوطة في الظاهرية هي معظم الأصول التي حصلنا عليها للمقابلة، وأقدمها، وأصحها، ويوجد ضمن ما جمعه الوالد من نجد والحجاز "نسخ خطية"، و"مطبوعات" قد طبعت على نسخ متعددة. فحصلت المقابلة على الأصول المذكورة، وهذه الأصول - من حيث الجملة - تبين كثيراً من التصحيف الواقع في بعض المطبوعات، وبعض المخطوطات، الناشئ عن كثرة الاستنساخ أو جهالة بعض النساخ لبعض المعاني، أو لبعض الخطوط القديمة. كما تبين سقطاً قليلاً في مواضع وكثيرًا في مواضع أخر ما بين كلمات، أو أحرف، أو أسطر، وأحياناً صفحات، كما قد تبين زيادات من المؤلف على ما قد كتبه سابقاً.

وكنت أقوم بالتصحيح على هذه الأصول، ويتولى الوالد الإشراف عليه؛ كما أن بعض المسائل قد قابله الوالد فيما سبق"([39]).

بمثل هذا الجهد وبهذه المثابرة والصبر والمصابرة قام العلماء بجهودهم في حفظ هذا الدين، وقد أثنى ابن تيمية - رحمه الله - على هؤلاء الأئمة وارتحالهم وفضلهم وأحسب أن الجد - رحمه الله - أحدهم، يقول شيخ الإسلام: "ولما كان القرآن متميزاً بنفسه - لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس كما قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88] وكان منقولاً بالتواتر - لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه؛ ولكن


 طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد وما يضل به بعض العباد.

فأقام الله - تعالى - الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق من البهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان.

وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين - مقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث - بدفع ما وقع في ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي الذي لا يسوغ عنه العدول؛ ومنه الخفي الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول.

وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، وما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ الطعام والشراب وترك معاشرة الأهل والأصحاب والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه ليحفظ بذلك دين الله، كما جعل البيت مثابة للناس وأمناً يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أموراً مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال؛ حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدي


المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق، الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون"([40]).


ثناء العلماء على مجموع الفتاوى:

يكفي هذا المجموع فخراً وشرفاً أنه صدر من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذك العالم الذي ملأ الدنيا علماً ونوراً، ونفع الله به في حياته وبعد مماته، ولا يزال هذا الخير جارياً لأهل السنة والجماعة يرتوون من نبعه الصافي وعلمه الجم.

وحسبك أن الأئمة من بعده تلاميذ له كابن القيم وغيره، وأن طريقه سار عليه أئمة الدعوة السلفية في نجد وغيرها. فإذا ذكر هذا الإمام كان علماً ورأساً لأهل السنة والجماعة - قدس الله روحه - .

* قال سماحة الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - رئيس مجلس القضاء الأعلى - سابقاً - في مقدمة طبعة مجموع الفتاوى التي طبعت بأمر خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - تحت إشراف الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين (.... وبين أيدينا الآن هذه الموسوعة الضخمة من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية يعاد نشرها على نفقة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية بعد أن تكاثر الطلب على هذه الفتاوى من علماء المسلمين في كل مكان. كما لمؤلفها - رحمه الله - من مكانة في نفوس الخاصة والعامة وما وفق له من فهم لكتاب الله - سبحانه وتعالى - واستنباط لدقائقه ومعرفة لناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومبينه ومعرفة بسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وإدراك لعلوم الحديث حتى قيل: إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث. ولما اشتملت عليه هذه الفتاوى من علوم جمة وفوائد نادرة كالرد على الملاحدة من القدرية والجهمية


والفلاسفة وغيرهم وبيان عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة المسلين، ولما اشتملت عليه من ذكر شيء من أصول الفقه وكثير من الأحكام الشرعية المحررة والمقتبسة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من العبادات والمعاملات وأحكام النكاح والطلاق).

* وقد وجه سؤال للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء هذا نصه:

س: لقد شرعت قبل سنوات في قراءة فتاوى شيخ الإسلام، ووصلت للمجلد (15)، وحاشا لمثلي أن ينتقد ذلك الجهبذ الحبر، لكن وجدت فيها كثرة إسهاب وتكرار، فهل أتركها؟ وبماذا توجهون؟

ج: ننصحك بإكمال قراءة مجموع فتاوى الإمام ابن تيمية - رحمه الله -، والصبر والاحتساب في ذلك، فهو كتاب عظيم القدر، جم الفوائد، كثير المسائل والمباحث المفيدة في حياة الإنسان وآخرته، إذ هو موسوعة علمية شاملة لجميع العلوم، سواء في مجال العقيدة والتوحيد، أو الفقه وأصول الفقه، أو الحديث، والتفسير، وعلم الفلك، والمنطق والمناظرة، والملل والمذاهب، والطب، واللغة العربية، والجغرافيا، والتاريخ، وعلم النفس وغير ذلك كثير.

فهذا الكتاب عظيم الشأن، جليل القدر، أظهر الله به الحق، وأزال به كثيراً من شبه المبطلين، وبدع المنحرفين عن الصراط المستقيم، فلقد قارع مؤلفه - رحمه الله - أهل الباطل بالحجج النقلية والعقلية، ورد عليهم من صميم مذهبهم، فكان أعلم بمذاهب أهل الباطل من أهل الباطل أنفسهم، حتى ألجمهم الحجة، وأزال الشبهة، ونصر مذهب السلف، فأبان حقيقة


 هذا الدين وعقائده، وموافقة العقل السليم للنقل الصحيح، كل ذلك مع حسن التصنيف وجودة العبارة، والتقسيم والتبين، فمن قرأ هذا الكتاب العظيم خرج - إن شاء الله - بعقل سليم من الشبه والضلالات، وفكر نير سليم، ورأي سديد، وعلم غزير ينتفع به وينفع به.

وما يحصل من إسهاب أو تكرار في بعض مسائل هذا الكتاب فليس بعبث، وإنما لمصلحة رآها المؤلف - رحمه الله - ليعطي المسألة حقها من البحث والإحاطة بجميع جوانبها بما لا يدع مجالاً لاعتراض معترض، أو تشكيك مشكك، وليخرج طالب العلم المبتدئ والعالم من ذلك بفائدة كبيرة، وقد يكون التكرار لكثرة السائلين، وقد يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية المسألة في باب، ثم يكررها مفصلة، أو مختصرة في باب آخر؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فقد تكون المسألة علاقتها بالباب غير مباشرة، فيذكرها بإيجاز، ثم يذكرها بعد ذلك في موضعها مفصلة، لأن علاقته به علاقة أصيلة مباشرة"([41]).

* وأثنى عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - بقوله: ".... ومن أجمع ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والدرر السنية في الفتاوى النجدية، جمع العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله"([42]).

* وكان يقرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) في دروسه التي تقام في الجامع الكبير بالرياض([43]).


* وحث على قراءة "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" الشيخ صالح الفوزان - رحمه الله -، في كتاب المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان"([44]).

* ومن لطائف هذا المجموع وغيره ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -: "أن ابن مري المتوفي بعد سنة 728 هـ يكتب رسالة لتلاميذ شيخ الإسلام وقد ضمنها الوصية بكتب شيخ الإسلام ونشرها ثم قال - رحمه الله -: "ووالله - إن شاء الله - ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره، وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان غرائبه وعجائبه رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم...." ([45]).

قال الشيخ بكر معلقاً: "وقد برت يمين ابن مري - بحمد الله ومنته - فقام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم المتوفى سنة 1392 هـ - رحمه الله تعالى - بمساعدة ابنه محمد المتوفى سنة 1421 هـ - رحمه الله تعالى - بعد نحو ستة قرون بهذه المهمة الجليلة في: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية"([46]).

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - شيئاً من ذلك في مقدمة الفهارس في المجلد 36 صفحة ج حيث قال: "أحببت أن أقوم بعمل ما ليصل القارئ إلى بغيته في تلك المجلدات التي تتضمن قواعد نفيسة وأبحاثاً هامة، وفوائد قيمة، وأرجو أن أكون بهذا قد حققت شيئاً ما من رغبة المؤلف حيث قال بعد


أن ذكر تفسير ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ مفرقاً ... "فتأمل هذه المعاني وتلخص وتهذب"([47]).

* وقد كان لإخراج هذا المجموع العظيم النفع الكبير والأثر الواضح، فقل أن تجد فتوى لأهل الإسلام إلا وزينت بكلام لشيخ الإسلام ولا تجد نقلاً في أبواب العلم إلا ولشيخ الإسلام قصب السبق. والمجموع كما قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: "هذا كتاب عظيم القدر كثير الفائدة"([48]).

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - في مقدمة المستدرك على الفتاوى ما نصه: "ولا تزال عند العلماء والمفتين والقضاة والمتعلمين من أكبر المراجع وأوثقها".

* وكان الوالد - رحمه الله - يسمي مجموع فتاوى ابن تيمية "الكنز"، وهي بحق كنز عظيم.

* ولله در الباحث العالم الجليل بكر أبو زيد - حفظه الله - عندما قال:

"إن هذا المجموع المبارك "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن قاسم هو غرة في جبين الدهر، زينة لأهل الإسلام، لسان صدق للعلماء، عمدة للباحثين، نفع الله به أقواماً بعد آخرين، وقد انتشر في العالمين انتشار العافية، وكتب له من القبول والانتشار ما يعز نظيره في جهود المتأخرين فالحمد لله رب العالمين"([49]).


* وقد وصفه الشيخ عبد الله بن بسام في كتابه علماء نجد بقوله: "العمل الكبير الضخم النافع الذي قام به، ويستحق عليه الثناء العاطر، والدعاء الخالص". ثم قال الشيخ عبد الله بن بسام وهو يذكر عمل الجد في مجموع فتاوى شيخ الإسلام: "عمد إلى رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه ومختصرات كتبه في العقائد والتوحيد والتفسير والحديث والفقه وعلم السير والسلوك وأصول التفسير وأصول الحديث وأصول الفقه، عمد إلى هذا التراث الكبير الكثير المطبوع منه والمخطوط، فحققه وبوبه ورتبه وفهرسه فهارس مقربة موضحة، حتى صار منه موسوعة إسلامية كبرى تقع في سبعة وثلاثين جزءاً، ثم أمر بطبعها وتوزيعها على العلماء في داخل البلاد وخارجها جلالة الملك سعود بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - .

فهذان العملان الكبيران من المترجم من الأعمال الكبيرة الجليلة، ولقد أنفق في سبيل تحقيقهما الوقت الطويل والبحث المتواصل والجهد المضني، والذي ليس له جزاء إلا من الله تعالى".

* وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله -: "ومن أعظم أعماله العلمية قيامه بجمع أكثر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ورسائله مصنفة مرتبة بحسب الفنون والموضوعات والأبواب، في ديوان بلغ خمسة وثلاثين مجلداً، جمع فيه ما تفرق في المكتبات الإسلامية والعالمية من فتاوى هذا الإمام ورسائله - رحمه الله - مما جعل هذا الديوان العظيم مرجعاً من أهم المراجع في فنون علوم الشريعة، وقد نال الشيخ بهذا العمل الجليل منزلة في قلوب المؤمنين، وذاع صيته، مع ما يرجى له من ربه من الأجر العظيم،


 ولقد أقر العارفون بشيخ الإسلام ابن تيمية ومنهجه وأسلوبه أن هذا المجموع لا يرتاب في أنه من تراث ذلك الإمام، ولذا يعتمدون عليه في معرفة اختياراته وترجيحاته وتقريراته، فجزى الله المؤلف والجامع عن الإسلام وعن المسلمين أحسن الجزاء"([50]).

* قال مؤلف كتاب (صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف) في مقدمته:

"فإن من أعظم الكتب التي طبعت في الأزمان المتأخرة: (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ) لجامعه: الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وساعده ابنه الشيخ محمد - رحمهما الله تعالى - وجزاهما عن الإسلام وأهله على ما قدماه خير الجزاء. وقد نفع الله بهذا العمل، ورزقه القبول، فلا تكاد تجد مكتبة عامة أو خاصة تخلو من هذا المجموع على ضخامته، بل ولا أبالغ إن قلت: ولا تكاد تجد كتاباً شرعياً ألف بعد طباعة المجموع يخلو من النقل عنه، فهو بحق من مفاخر القرون المتأخرة‍.

ويزيد من قيمة هذا المجموع بالإضافة إلى كونه لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أمور:

الأول: أن من قام بجمعه وترتيبه من أهل العلم الأكابر، الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وابنه - رحمهما الله -، وعملهما كان بإشراف الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -، كما قال الشيخ ابن قاسم في مقدمته على


 الفتاوى: "وأشار علي شيخنا - يعني الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - لما رتبت فتاوى علماء هذه الدعوة، وكان لدي من فتاوى شيخ الإسلام جملة كثيرة، أن أرتبها، أسهل للمراجعة، ففعلت، وأراجعه فيما أشكل" ا هـ.

وحسبك كتاب يقوم على جمعه وتصنيفه هؤلاء‍‍.

والثاني: أن الكتاب يعتمد على (تحقيق) النص و(تصحيحه) دون إثقاله بالحواشي، والتي أغرم بها كثير من المعاصرين، والحال كما قاله الشيخ: جامع الفتاوى عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -: "وأعيذ بالله من قد يتولاه - يعني رسائل شيخ الإسلام رحمه الله - أن يخشي عليه، فهو ذهب مصفى، حققه من قد علمت نزراً من مزايا فضله، فهو غني عن زعم تحقيق بعض العصريين، الذين لم يبلغوا شأوه، وغني عن عنونتهم وغيرها أثناء كلامه، وعن تعليقاتهم؛ فلبعضهم من الاعتراضات والسقطات ما يعرفه الناقد البصير".

والثالث: أن هذا (المجموع المبارك) لم يجمع في شهر، أو شهرين، بل ولا سنة، أو سنتين، بل استغرق جمعه أكثر من أربعين سنة، من بعد عام 1340 هـ إلى أن طبع كاملاً عام 1386 هـ، وجمعت مادته من: نجد، والحجاز، والشام، ومصر، والعراق، وفرنسا، وغير هذه البلدان، واحتاج هذا الجمع إلى رحلات، ونفقات، ونساخ، وغير ذلك من الجهود العظيمة التي أنفقها الشيخان.

ولمعرفة بعض الجهد الذي قاما به - رحمهما الله تعالى وأسكنهما فسيح جناته - يكفي أن تعرف أن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - كان في


أغلب رحلات جمع الفتاوى مريضاً، كما في رحلاته: إلى لبنان، مصر، وفرنسا، ويكفي أن تعرف أن الشيخ محمد بن قاسم - رحمه الله مكث في جمع مسائل شيخ الإسلام من "المكتبة الظاهرية" في دمشق فقط مدة ستة أشهر، تصفح خلالها تسعمائة مجلد من اثني عشر ألف مخطوط، ليجمع من هذا كله ثمانمائة وخمسين صفحة بخط شيخ الإسلام - رحمه الله -، وأكثر من ثلاثمائة وثلاث وخمسين مسألة.

والرابع: فهارسه التفصيلية التي وضعها الشيخ محمد - رحمه الله -، فقد نفع الله بها أيما نفع، واختصر على طالب العلم كثيراً من الوقت والجهد.

وقد بارك الله في جهدهما، فانتشر هذا (المجموع) في الآفاق، وصار لا يستغنى عنه العالم، ولا طالب العلم، ومن حق هذين الشيخين على كل طالب علم استفاد من هذا المجموع أن يدعو لهما بالمغفرة والرحمة، فنسأل الله سبحانه أن يتقبل عملهما، وأن يغفر لهما، وأن يجزيهما خير الجزاء".

* ولعل من قرأ سيرتهما في الجمع والتحقيق والطبع يتذكر قول الإمام الحاكم وهو يصف الرحالين لطلب العلم فيقول: "آثروا قطع المفاوز على التنعم في الدمن والأوطان، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة أهل العلم والأخبار، جعلوا المساجد بيوتهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد، وتوسدهم الحصى.

فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء ووجد الرخاء مع فقد ما طلبوه عندما بؤس، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضا في


الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم"([51]).

* قال فضيلة الوالد -رحمه الله- عن هذا المجموع العظيم: ".... فلن يجد البحاثة المطلع (فتاوى) جمعت واستوعبت كل فن من الفنون الإسلامية - العقائدية - والتشريعية - ما جمعته فتاوى العالم الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية - طيب الله ثراه - ولن يجد فتاوى يزداد اتجاه أنظار العلماء إليها والبحث عنها والنهل من معينها يوماً بعد يوم ما لهذه الفتاوى، بل أعتقد أنها ستكون عمدة لكل مسلم في أنحاء العالم، وأن كل من لم يحط بها علماً سيفوته من الصواب بقدر ما جهل منها"([52]).

* وصدق ظنه - رحمه الله - فالأمة ترجع إلى علمائها ومن أعلمهم وأوسعهم علماً شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد وجدت في خارج المملكة ما يزيد عن عشرين رسالة دكتوراه ومثلها رسائل ماجستير، أما في داخل المملكة فيقارب من هذا العدد؛ وكلها قامت على تحقيق بعض أجزاء هذا المجموع العظيم، وبعض الرسائل شملت بعضاً من جزء واحد فقط ومنها:

1- رسالة الباحث: عبد الرشيد بن محمد أمين قاسم.

عنوان الرسالة: الإجماعات الفقهية عند شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى.

مستوى الرسالة: دكتوراه.


2- رسالة الباحث: إبراهيم بن عبد الله بن صالح الدويش.

عنوان الرسالة: تخريج الأحاديث والآثار الواردة في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: المجلد الثاني والعشرين من بداية فصل "أما الأكل واللباس" (ص310) حتى نهاية فصل "وعد التسبيح بالأصابع سنة" (ص534).

مستوى الرسالة: دكتوراه.

3- رسالة الباحث: عادل بن محمد بن عبد العزيز السبيعي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية "تحقيق ودراسة وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في المجلد الثاني والعشرين" من أوله حتى آخر فصل "أما قيام الليل".

مستوى الرسالة: دكتوراه.

4- رسالة الباحث: حمد بن إبراهيم الشتوي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: "تحقيق ودراسة وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في المجلد الرابع والعشرين من صفحة 344 إلى 363 نهاية باب صلاة الكسوف.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

5- رسالة الباحثة: شيخة بنت مفرج المفرج.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: "تحقيق ودراسة وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في المجلد الثالث والعشرين من أوله إلى نهاية المسألة العاشرة من الفصل الرابع من باب صلاة التطوع.


مستوى الرسالة: دكتوراه.

6- رسالة الباحث: عبد الله بن محمد بن عبده الحكمي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج أحاديث وآثار مجلدات ثلاثة: منطق، سلوك، تصوف.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

7- رسالة الباحثة: فوزية بنت رضا أمين خياط.

عنوان الرسالة: الأهداف التربوية السلوكية من خلال المجلد العاشر من مجموع فتاوى ابن تيمية.

مستوى الرسالة: ماجستير.

8- رسالة الباحث: مهدي بن محمد الحكمي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار الواردة من أول الجزء الخامس عشر إلى نهاية الجزء السادس عشر.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

9- رسالة الباحث: عبد الله بن ظافر العمري.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار من أول الجزء الثاني عشر إلى نهاية الجزء الرابع عشر.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

10- رسالة الباحث: سليمان بن صالح بن عبد الله الخليوي.

عنوان الرسالة: من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاوى الطهارة والصلاة: دراسة مقارنة.


مستوى الرسالة: ماجستير.

11- رسالة الباحث: سعد بن عبد العزيز بن سعد الزيد.

عنوان الرسالة: تخريج الأحاديث والآثار الواردة في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية من أول المجلد السابع عشر إلى صفحة (396) فصل: وقد احتج بـ (سورة الإخلاص).

مستوى الرسالة: دكتوراه.

12- رسالة الباحث: إسماعيل بن حسن محمد علوان.

عنوان الرسالة: القواعد الخمس الكبرى وما يتعلق بها في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع ودراسة.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

13- رسالة الباحث: بسام بن عبد الله صالح الغانم:

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار من بداية كتاب الجنائز في المجلد الرابع والعشرين إلى نهاية مسألة الاقتصاد في الأعمال من كتاب الصوم في المجلد الخامس والعشرين: تحقيق ودراسة.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

14- رسالة الباحث: محمد بن عبد الرحمن العريفي.

عنوان الرسالة: آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الفرق الصوفية، جمع وعرض ودراسة.

مستوى الرسالة: دكتوراه.


15- رسالة الباحث: عبد الله بن عبد الرحمن الشريف.

عنوان الرسالة: تخريج أحاديث وآثار قسمي العقائد والعبادات من المجلد الأول إلى نهاية المجلد الثامن.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

16- رسالة الباحث: عبد الله شاكر الجهني.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تحقيق ودراسة الأحاديث والآثار الواردة من المجلد الحادي والعشرين.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

17- رسالة الباحث: سمير بن سليمان العمران.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار من المجلدين التاسع عشر والعشرين.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

* وقد طبع هذا المجموع المبارك أعني (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) ولله الحمد مرات عديدة، المرة الأولى في عهد الملك سعود - رحمه الله - سنة 1381 هـ بمطابع الرياض وطبع منها ثلاثون مجلدًا وطبعت السبعة الباقية في مطبعة  الحكومة عام 1386 هـ، وطبعت بأمر الملك خالد - رحمه الله - بمكتبة المعارف بالمغرب حينما زار العلماء هناك وطلبوا منه هذا المجموع، وطبعت بأمر الملك فهد - رحمه الله - بإشراف رئاسة شؤون الحرمين عام 1404 هـ، وهي تطبع الآن ضمن مطبوعات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية.


* وهو كتاب لم تزل نعام القلوب إليه زفافة، ورياح الآمال حوله هفافة، وعيون الأفاضل نحوه روامق، وألسنتهم بتمنيه نواطق، كتاب تشد إليه الرحال.

* وكانت النية متجهة إلى ترجمة هذا السفر العظيم إلى لغات أخرى غير العربية، ولكن ضخامة المؤلفات وكثرة الفتاوى حالت دون ذلك.

ومنها ترجمة ثمانية مجلدات إلى اللغة التركية وقد توقف المترجم لعدم الحصول على من يمول هذا المشروع([53]).

ومن شدة محبة الجد -رحمه الله تعالى- لهذه الفتاوى العظيمة أورد كلمات عظيمة في حاشية مقدمته للمجموع قال فيها: "وأعيذ بالله من قد يتولاه أن يخشي عليه فهو ذهب مصفى، حققه من قد علمت نزراً من مزايا فضله، فهو غني عن زعم تحقيق بعض العصريين الذين لم يبلغوا شأواه وغنى عن عنونتهم وغيرها أثناء كلامه، وعن تعليقاتهم فلبعضهم من الاعتراضات والسقطات ما يعرفه الناقد البصير".

وقد وقع بعض ما كان يخشى -رحمه الله- فخرجت طبعات يدعي أصحابها تحقيق وتخريج أحاديث هذا المجموع، فكان أن صدر الأمر الملكي الكريم بتفويض رئاسة البحوث والإفتاء حق طباعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية والخبر منقول عن جريدة الرياض في عددها رقم (11108) نقلاً عن وكالة الأنباء السعودية: صدر الأمر السامي رقم 402/م وتاريخ 7/6/1419 هـ بشأن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية المطبوع في


 سبعة وثلاثين مجلداً متضمناً ما يلي: "تفويض حق طباعة هذا الكتاب لرئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، ومنع التعرض لهذا الكتاب بطبع أو اختصار أو إضافة أو غير ذلك، وعدم دخول أي نسخة من هذه الأنواع وتسويقها في المملكة وإن من يتصرف فيها بدون إذن مسبق من رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء يطبق بحقه ما تقضي به التعليمات المتبعة، أن لا يتم أي إجراء حول هذا الكتاب إلا بعد صدور قرار به من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

وعدت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء صدور الأمر السامي بهذا الشأن مأثرة من سلسلة مآثر حكومة المملكة العربية السعودية في محيط العلم وحماية هذا المجموع المبارك من امتداد الأيدي العابثة إليه".



الدرر السنية

 في الأجوبة النجدية

مجموعة رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام

من عر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصرنا هذا

جمع

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله

الجزء الأول

كتاب العقائد




2- كتاب:

"الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ويقع في (16) مجلداً

(الدرر السنية في الأجوبة النجدية): ترتيب رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام من زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى زمن المؤلف.

قال - رحمه الله - في مقدمة الدرر ص (20) ".... فأمرني من تجب طاعته علي أن أجمعها وأرتبها حسب الطاقة مع إني لست من أهل تلك البضاعة فتمادت بي الأيام أقدم رجلاً وأؤخر أخرى لكثرة الأشغال ومعالجة المعاش والضيعة وعدم الأهلية إلى أن قويت العزيمة وخلصت النية وظهرت ويسر الأمر وسهله ووفقه إليه فحينئذ أمعنت النظر وأنعمت الفكر وجمعت ما أدركته، وأعانني عليه شيخنا الفاضل الحبر الثقة الشيخ محمد بن إبراهيم....".

* وقد بذل - رحمه الله - جهداً في استقصائها وتتبعها في مختلفة البلاد وصبر على ما لقي من صعوبات ونفقات وأخطار ومشقة وأسفار في البحث والنسخ والمقابلة والتصحيح، ثم قسمها فنوناً ورتبها على الكتب والأبواب، فجاءت مجموعة ضخمة بلغت ستة عشر مجلداً في طبعتها الأخيرة حوى آخر مجلد منها: تراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة. وقد أحسن في الثناء على أولئك المشايخ بما هم أهله.

وقد مكث - رحمه الله - في مكة يطبعها ويصححها ويراجعها اثني عشر عاماً! وقد ذكر الوالد أنه كان يذهب مع والده مشياً على الأقدام عندما كانوا في مكة إلى (حي المسفلة)  وفيه مزرعة صغيرة يجلسون حولها بعـد العصر


ويصحح الجد كتاب (الدرر) ثم يعودون قبيل المغرب، وقد طبعت الطبعة الأولى بمطبعة أم القرى سنة 1352 هـ وطبعت المجموعة في ثلاثة مجلدات تضمنت سبعة أجزاء انتهى من طبع المجلد الثالث سنة 1356 هـ وطبع للمرة الثانية سنة 1385 هـ - 1388 هـ على نفقة الملك فيصل واكتمل في 12 جزءاً. ثم طبع الطبعة الثالثة باسم الطبعة الثانية منقحة ومزيدة بين سنتي 1402 هـ 1417 هـ في 16 جزءاً([54]).

* يقول - رحمه الله وأجزل مثوبته - في مقدمة الكتاب: "... وقد صنف العلماء في كل عصر ومصر، في الأصول، والفروع، وغيرها ما لا يحصى، حفظاً للدين، والشريعة، وأقوال أهل العلم؛ وليكون آخر الأمة كأولها في العلم والعمل، والتزام أحكام الشريعة، وإلزام الناس بها؛ لأن ضرورتهم إلى ذلك فوق كل ضرورة، ولولا ذلك، لجرى على ديننا ما جرى على الأديان قبله، فإن كل عصر لا يخلو من قائل بلا علم، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم.

فوضح هؤلاء الأحبار الطريق إلى الله بالعلم، وأبرزوا مشكلات الحوادث، بينابيع الفهم، بما يثلج الصدور، ويطرد الوهم، وصارت فتاويهم وأجوبتهم هي المعتبرة عند القضاة والمفتين، لرجحانها بالدليل، وموافقتها القواعد، والتأصيل.

وها هو ذا: يفصح عن نفسه، ويدل على عظيم نفعه، جامعاً شاملاً نافعاً، فيه من الفوائد ما هو حقيق أن يعض عـليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر،


ويكب عليه أولو البصائر النوافذ، اشتمل على أصول أصيلة، ومباحث جليلة، لا تجدها في كثير من الكتب المصنفة، ولا الدواوين المؤلفة.

فإن أردت مقام الدعوة إلى الدين، وتوحيد رب العالمين، وجدته بأحسن أسلوب وأتم تبيين، وإن أردت حل مشكلات الفروع عن يقين، فخذها عليها النور المستبين، أو أردت حكم جهاد المفسدين، ألفيته على وفق سيرة سيد المرسلين، أو أردت حل أوهام الزائغين، وجدتها مجلوة بأوضح البراهين، أو استنباط آيات من كلام رب العالمين، أفادك ما لا يوجد في كلام أكثر المفسرين، أو نصائح شاملة في أمور الدين، لقيتها آية باهرة للمتأملين، ألفها فحول، من هداة مهتدين، تهدى إليك ساطعة بالنور المستبين، تشتاق إليها نفوس الموحدين، وتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتنشرح لها صدور الطالبين".

وقد حوت مجلداتها ما يلي:

- المجلد الأول: وقد شمل تقريظ الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وتقريظ الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وتقريظ الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري - رحمهم الله -. ومقدمة للجامع مع تنبيهات، ثم بدأ المجموع المبارك بكتاب العقائد. ويقع قي (607) صفحات، مع الفهرس.

- المجلد الثاني: كتاب التوحيد، ويقع في (371) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الثالث: كتاب الأسماء والصفات، ويقع في (388) صفحة،


مع الفهرس.

- المجلد الرابع: القسم الأول من كتاب العبادات، ويقع في (449) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الخامس: القسم الثاني من كتاب العبادات، ويقع في (425) صفحة مع الفهرس.

- المجلد السادس: كتاب البيع، ويقع في (483) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد السابع: من كتاب الوقف إلى نهاية الإقرار، ويقع في (619) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الثامن: القسم الأول من كتاب الجهاد، ويقع في (512) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد التاسع: القسم الثاني من كتاب الجهاد وأول كتاب حكم المرتد، ويقع في (455) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد العاشر: القسم الأخير من كتاب حكم المرتد، ويقع في (533) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الحادي عشر: القسم الأول من مختصرات الردود، ويقع في (600) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الثاني عشر: القسم الثاني من مختصرات الردود، ويقع في (654) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الثالث عشر: القسم الثاني من مختصرات الردود، ويقع في (654) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الرابع عشر: كتاب النصائح، وعدد صفحاته (583) صفحة، مع الفهرس.

- المجلد الخامس عشر: القسم الأول من البيان الواضح وأنبل النصائح عن ارتكاب الفضائح، ويقع في (508) صفحات، مع الفهرس.

- المجلد السادس عشر: القسم الثاني من البيان الواضح وتراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة، ويقع في (512) صفحة، مع الفهرس.

* وقد قام العم الشيخ سعد بن قاسم - وفقه الله - بمراجعة هذه الطبعة وأضاف ما كان الجد - رحمه الله - قد وضعه ولم يطبع.

ويتبادر إلى الذهن أن هذه الطبعة محذوف منها بعض المواضيع والأبواب، والصحيح: أنها كاملة ومطابقة للطبقات القديمة بل وفيها الزيادة التي جعلها الجد - رحمه الله - ولم تطبع. ولما كانت الإضافة تستدعي التأخير والتقديم التبس على البعض أن هناك شيئاً محذوفاً.


ثناء العلماء على "الدرر السنية":

كتاب: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" كتاب عظيم القدر جليل الفائدة فهو مستودع علوم ومعارف أئمة الدعوة في نجد منذ عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - إلى هذا الزمن.

ومع عظم فائدته وجزالة ألفاظه وجمال معانيه حظى بقراءة وتقديم كوكبة من أجل العلماء منهم: الشيخ محمد بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن حمد بن عتيق والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري والشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهم الله - وقرأ في دروس الأئمة المعاصرين كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين - رحمهم الله - وغيرهما من العلماء الأجلاء.

ومن ثناء العلماء على هذا المجموع:

قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله - في تقريظه لهذا الكتاب (1/5-6): "نظرت في هذا المجموع الفائق الرائق، الذي جمعه ورتبه الابن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، فرايته قد جمع علوماً مهمة، ومسائل كثيرة جمة، مما أوضحه علماء أهل هذه الدعوة الإسلامية، في مسائلهم، ورسائلهم، الساطعة أنوارها، لمن أراد الله هدايته.

فإنهم - رحمهم الله - حرروا هذه المسائل، والرسائل، تحريراً بالغاً، مشتملاً على مستنداته، من البراهين والحجة، وعلى طريق الهداية، إلى واضح السبيل والمحجة، لا سيما ما تضمنه من العقائد، والردود، والنصائح، التي لا تظفر بأكثرها في مجموع سواه.


وقد رتبها الترتيب الموافق، وتابع بينها التتابع المطابق، لا سيما المسائل الفقهية، التي رتبها على حسب أبواب الفقه، وفرقها فيها من غير إخلال بشيء من المقصود فكان هذا المجموع هو الدرة المفقودة، والضالة المنشودة".

* وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - في تقديمه (للدرر السنية) (1/7،8): "فقد سمعت هذا المجموع الفائق مرتين، وبعضه أكثر من ذلك، بقراءة جامعه ومُرتبه: الأخ الفاضل عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، فوجدته - وفقه الله تعالى -، لم يأل جهداً في جمع رسائل أئمتنا، أئمة هذه الدعوة، وأجوبتهم، وتتبعها من مظانها، ولم يترك - وفقه الله تعالى - شيئاً مما ظفر به... وقد أجاد ترتيبها بما يسهل على المستفيد طريق يقصد من الفائدة ويريد...".

* وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري - رحمه الله - في تقديمه (الدرر السنية) (1/9): "قد أجاد - وفقه الله - في ترتيبها، وجمع متشتتها وتبويبها، لا سيما المسائل الفقهية، والفتاوى الفروعية فإنه رتبها على تبويب متأخري الفقهاء من أصحابنا - رحمهم الله - فأبرز مخبآت خرائدها، واقتنص ما تشتت من شواردها، حتى تسير للطلاب اجتناء دررها، والتلذذ بالنظر إلى محيا غررها، فإنها كانت قبل متفرقة في رسائل شتى، لا تكاد تحصل القليل منها، فضلا عن الكثير، فجاءت - ولله الحمد - عديمة النظير...".

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: "... ومن أحسن ما جمع في ذلك الأجزاء الأولى من الدرر السنية التي جمعها الشيخ العلامة عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله- فإنه جمع فيها فتاوى أئمة الدعوة من آل


 الشيخ وغيرهم من علماء القرن الثاني عشر وما بعده في العقيدة والأحكام فأنصح بقراءتها ومراجعتها وغيرها من كتب علماء السنة لما في ذلك من الفائدة العظيمة..." ([55]).

وقال - رحمه الله - عن كتب العقيدة: "... ومن أجمع ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والدرر السنية في الفتاوى النجدية، جمع العلامة الشيخ عبد الرحمن بن القاسم - رحمه الله -"([56]).

* وكانت تقرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في دروسه ويتولى الشرح والتعليق عليها([57]).

* وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - عن كتب طالب العالم: فذكر منها في العقيدة: "كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية" جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -"([58]).

قال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - في رسالته (ما عرفته عن شيخنا عبد الرحمن بن قاسم): وقد اشتغل في أول أمره بجمع فتاوى أئمة الدعوة ومن تتلمذ عليهم، فنسخ ما عثر عليه منها بقلمه الحسن، وعرضها على شيخه وزميله سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف الذي كان يحثه ويحرضه على مواصلة هذا العمـل الكـبير، وقد ذكـر سماحة الشيخ


محمد - رحمه الله - أن الشيخ عبد الرحمن قد قرأ عليه تلك الرسائل والمسائل مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك واستشاره في كيفية الترتيب والتبويب، والتقديم والتأخير، وقد صبر على السهر والتعب في جمع تلك الرسائل، فقد كان يسهر أكثر الليل، وينسخ تلك المخطوطات بقلمه ومداده، مع ضعف الإنارة قبل وجود الأنوار الكهربائية، وقبل وجود أجهزة التصوير، والمسجلات الصوتية المسموعة والمرئية، ومع ذلك تجشم المشقة، ووطن نفسه على تحمل التعب في النقل والنسخ بمفرده غالباً، حيث إن بنيه لم يزالوا صغاراً، وكذا زملاؤه، وعمل كما عمل مشايخه ومن قبلهم في الصبر على النسخ القديم، والكتابة بالأقلام الخشبية، والمحابر والمداد يصلحونه، فأحدهم يتخذ القلم من القصب ويبري رأسه، ثم يشقه ليعلق به المداد، ثم يغمسه في الدواة ويرفعه فيكتب به قليلاً ثم يعود فيغمسه، وهو الذي ألغز فيه الحريري في المقامات بقوله:

ومأموم به عرف الإمام         كما باهت بصحبته الكرام

له إذ يرتوي طيشان صاد              ويسكن حين يعروه الأوام

ويذري حين يستسعى دموعا   يرقن كما يروق الابتسام

وبالجملة فقد بذل جهداً جهيداً في جمع رسائل ومسائل أئمة الدعوة من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى المؤلف، ورتبها وقربها، وسماها


 "الدرر السنية في الرسائل والمسائل النجدية" ثم طلب طبعها فوافق على ذلك الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - وطبعت في المطبعة الحكومية في مكة المكرمة وقد فرغ الشيخ للتصحيح والمتابعة، وصحبه ابنه محمد - رحمهما الله تعالى - وتغرب لذلك عدة سنوات، حيث إن المطابع قديمة، وتحتاج إلى صف الحروف وترتيبها كعادة المطابع القديمة، وقد طالت المدة في إكمال الطبع، وبقي من المجموع بعض الأجزاء التي طبعت مؤخراً عند تجديد الطبع، وهذا الجهد الذي بذله - رحمه الله - دليل على محبته للعلم والإفادة، وعلى تضلعه في علم التوحيد والعقيدة، والأحكام والآداب، يعرف ذلك من أمعن النظر في هذه الموسوعة الكبيرة وكيف تمكن من ترتيب المسائل ونسبة الأجوبة إلى أربابها وجمع الأسئلة المتناسبة إلى بعضها، وسرد الرسائل الكبيرة كاملة بذكر كل نوع في الباب المناسب له، حتى خرجت بهذا المنظر الرائع الذي يعبر عن نصح وإخلاص، ومحبة للعلم وللعلماء، وإحياء لذكرهم، ونشر لعلومهم، حتى يستفيد منها من بعدهم، حتى لا تنقطع أعمالهم بوجود العلم الذي ينتفع به تلاميذهم والمسلمون إلى ما يشاء الله - تعالى -".

* وقال الشيخ عبد الله بن بسام وهو يذكر مؤلفات الجد - رحمه الله -: "... قيامه على فتاوى علماء نجد ورسائلهم ونصائحهم المبعثرة المفرقة، وجمعها ثم تحقيقها وترتيبها حسب التآليف المعروفة، حتى صارت عدة أجزاء في التوحيد والردود والنصائح والفتاوى، ثم أمر جلالة الملك


عبد العزيز - رحمه الله تعالى - بنشرها فانتشرت بين العلماء وطلاب العلم فصار لها أكبر الفائدة وأعظم النفع..." ([59]).

* وأثنى كذلك الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - على كتاب (الدرر السنية) وغيرها من مؤلفات الشيخ - رحمه الله -، كما في المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان حيث قال: "... واقرأ أيضاً في مجاميع الفتاوى مثل "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية"، و" مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم..." ([60]).

* وأثنى الشيخ بكر أبو زيد على (الدرر السنية) في كتابه حلية طالب العلم بقوله: "كتب أئمة الدعوة في نجد، لا سيما في الاعتقاد، وفي الفقهيات، ومن أجمعها "الدرر السنية في الفتاوى النجدية"([61]).

* وقال فضيلة الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق - حفظه الله -: "... لا أعرف أحداً اهتم كاهتمام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بإحياء مآثر الدعوة النجدية السفلية، وإن كان قد سبقه الشيخ سليمان بن سحمان في جمعه مجموع الرسائل، والتي طبعت عام 1347هـ في مصر بمراجعة وتصحيح رشيد رضا وبعد الشيخ سليمان جد ما يوجب النظر فيما أثر عن أئمة الدعوة من الكتب والفتاوى والمراسلات فكانت (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) أول ما خرج من مجهودات الشيخ عبد الرحمن وقد قرأها على علماء أجلاء


 واستفادت منهم وأفادوه كان ذلك عام 1357هـ، وقد قدم الشيخ عبد الرحمن بن قاسم إلى الأفلاج ومعه خطاب من الشيخ محمد بن إبراهيم موجه إلى أسرتنا في الأفلاج يأمرهم بتسليم ما لديهم من الرسائل التي تخص المشايخ من آل عتيق للشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وهذا كان في حال الجمع مما يدل على أن سماحة المفتي محمد بن إبراهيم متعاون معه ومشجعه على جمع الرسائل النجدية وبعد جمعها وإخراجها أسماها الشيخ عبد الرحمن بـ (الدرر السنية في الأجوبة النجدية)، وكان ذلك إشارة منه لطمس معالم الدرر السنية في الرد على الوهابية للشيخ أحمد زيني دحلان، وقد جمعها في اثنى عشراً مجلد في طبعته الثانية أما الطبعة الأولى فكانت أربع مجلدات طبعت في مطابع مكة المكرمة".

* وقال الشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان عن الدرر السنية: "... فهذا المجموع القيم أثنى عليه غير واحد من مشايخ العلم، وفيه من العلم العزيز والتحقيق المفيد الشيء الكثير..."([62]).

* وقد لقي - رحمه الله - من المشقة والعنت الشيء الكثير؛ حال جمعها وحين طبعها وبعد نشرها، فأسأل الله أن يجزل له المثوبة وأن يرفع درجته في عليين.


وقفة مع كتاب "الدرر":

* من المعلوم لدى القارئ أن (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) هي رسائل وفتاوى وردود لأئمة الدعوة بدءاً من الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه وأحفاده وتلامذته، لذا فمن المستحسن أن نقف قليلاً على دعوة الشيخ محمد بن الوهاب وبعض ما قيل حولها:

* دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

من المحزن حقاً ما نراه في كثير من البلدان رمي من يدعو إلى عبادة الله وحده وتجديد التوحيد من الشركيات بـ (الوهابية)، و(الوهابية لفظة يطلقها خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - على دعوته إلى تجديد التوحيد من الشركيات، ونبذ جميع الطرق إلا طريق محمد - صلى الله عليه وسلم -).

ومرادهم من ذلك: تنفير الناس من دعوته وصدهم عما دعا إليه، ولكن لم يضرها ذلك، بل زادها انتشاراً في الآفاق وشوقاً إليها ممن وفقهم الله إلى زيادة البحث عن ماهية الدعوة وما ترمي إليه. وما تستند عليه من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، فاشتد تمسكهم بها، وعضوا عليه وأخذوا يدعون الناس إليها ولله الحمد) [اللجنة الدائمة 2/14].

قال المؤرخ الشهير ابن بشر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب([63]): "... وكان - رحمه الله - في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقصه المضلة عن طريقه، وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في


نجد وغيرها وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والثناء عليها والتبرك بها والنذر لهم، ووضع الطعام وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر. والسبب الذي أحدث ذلك في نجد - والله أعلم - أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار صار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض أو في بعض أعضائه جاءه أهله إلى متطببة ذلك القطين من البادية فيسألونهم عن ذوي علته فيقولون لهم اذبحوا في الموضع الفلاني كذا وكذا إما تيساً أصمعاً أو خروفاً بهيماً أسوداً، وذلك ليحققوا معرفتهم عند هؤلاء الجهلة ثم يقولون لهم: لا تسموا الله على ذبحه وأعطوا المريض منه كذا وكذا وكلوا كذا وكذا فربما يشفي الله مريضهم فتنة لهم واستدراجاً وربما يوافق وقت الشفاء حتى كثر ذلك في الناس وطال عليهم الأمد، فوقعوا في عظائم بهذا السبب وليس للناس من ينهاهم عن ذلك، فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورؤساء البلدان وظلمتهم لا يعرفون إلا ظلم الرعايا والجور والقتال لبعضهم البعض، فلما تحقق للشيخ - رحمه الله - معرفة التوحيد ومعرفة نواقصه وما وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع المضلة صار ينكر هذه الأشياء...".

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدرعية:

لما استوطن الشيخ الدرعية وكان أهلها في غاية الجهالة، ورأى ما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلوات والزكاة ورفض شعائر


الإسلام جعل يتخولهم بالتعليم والموعظة الحسنة، ويفهمهم معنى لا إله إلا الله، ويشرح لهم معنى الألوهية وأن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وخوفاً ورجاءً، وأن الإسلام هو الاستسلام لأمر الله - تعالى - والانقياد له والإذعان والخضوع والذب والإنابة والتوكل ويعلمهم أصول الدين والإسلام وقواعده، ومعرفة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ونسبه ومبعثه وما دعا إليه وهي لا إله إلا الله وما تضمنته وأنهم مبعوثون بعد الموت، فلما استقر في قلوبهم معرفة التوحيد وضده بعد الجهالة أشرب حب الشيخ في قلوبهم..." ([64]).

ثمرات التمسك بالتوحيد:

ذكر ابن بشر: إن الله من بالرزق الواسع بعد الشدة والابتلاء على من هاجر إلى الدرعية (ولقد رأينا الدرعية بعد ذلك في زمن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود - رحمهم الله تعالى - وما فيه أهلها من الأموال وكثرة الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة وعندهم الخير الجياد والنجايب العمانيات والملابس الفاخرة والرفاهيات ما يعمر عن عدة اللسان ويكل عن حصره الجنان والبنان، ولقد نظرت إلى موسمها يوماً وأنا في مكان مرتفع وهو في الموضع المعروف بالباطن بين منازلهم الغربية التي فيها آل سعود والمعروفة بالطريق وبين منازلهم الشرقية المعروفة بالبحيري التي فيها أبناء الشيخ ورأيت موسم الرجال في جانب وموسم النساء في جانب وما فيه من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام وكثرة ما يتعاطونه من صفقة البيع والشراء والأخذ والعطاء وغير ذلك وهو مد البصر لا تسمع فيه إلا دوي


النحل من النجناح (الحركة) وقول بعت واشتريت والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي وما فيها من الهدم (الملابس) والقماش والسلاح ما لا يوصف فسبحان من لا يزول سلطانه وملكه..." ([65]).

ويستحسن هنا ذكر نموذج من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب لبيان دعوته:

قال - رحمه الله - في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي: ".... وأخبرك أني - ولله الحمد - متبع لست بمبتدع، عقيدتي التي أدين الله بها هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، ولكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه أحد لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم([66]).

وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فضله وأكثر الأمة - ولله الحمد - ليسوا كذلك، وإما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة فإنا نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة و(جزاء السيئة سيئة مثلها) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرف"([67]).


جهل الكثير بحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

قال الشيخ محمد بن إبراهيم بعد أن ذكر إمكان نشر الدعوة إلى الله ولو بطريق التنقل والسياحة وبيان حقيقة ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "وأنا أقص الآن قصة عبد الرحمن البكري من أهل نجد كان أولاً من طلاب العلم على العم الشيخ عبد الله وغيره ثم بدا له أن يفتح مدرسة في عمان يعلم فيها التوحيد من كسبه الخاص، فإذا فرغ ما في يده أخذ بضاعة من أحد وسافر إلى الهند وربما أخذ نصف سنة في الهند.

قال الشيخ البكري: كنت بجوار مسجد في الهند وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعن ابن عبد الوهاب، وإذا خرج من المسجد مر بي وقال أنا أجيد العربية لكن أحب أن أسمعها من أهلها، ويشرب من عندي ماءً بارداً، فأهمني ما يفعل في درسه، قال: فاحتلت بأن دعوته وأخذت "كتاب التوحيد" ونزعت ديباجته ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه، فلما حضر قلت: أتأذن لي أن آتي ببطيخة. فذهبت، فلما رجعت إذا هو يقرأ ويهز رأسه، فقال: لمن هذا الكتاب؟ هذه التراجم شبه تراجم البخاري، هذا والله نفس البخاري؟! فقلت: لا أدري! ثم قلت: ألا نذهب للشيخ الغزوي لنسأله - وكان صاحب مكتبة وله رد على جامع البيان - فدخلنا عليه، فقلت للغزوي: كان عندي أوراق، سألني الشيخ من هي له؟ فلم أعرف فهم الغزوي المراد،- فنادى من يأتي بكتاب "مجموعة التوحيد" فأتى بها فقابل بينهما، فقال هذا لمحمد بن عبد الوهاب، فقال العالم الهندي مغضباً وبصوت عال: الكافر، فسكتنا وسكت قليلاً، ثم هدأ غضبه فاسترجع، ثم


 قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه، ثم إنه صار كل يوم يدعو له، ويدعو معه تلاميذه، وتفرق تلاميذه في الهند وإذا فرغوا من القراءة دعوا جميعاً للشيخ ابن عبد الوهاب"([68]).

* كتب فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان تحت عنوان: "كتب أئمة الدعوة محل الثقة وإن لم تكن معصومة":

رداً على أحد الكتاب فقال - حفظه الله -: "فإن الله من على هذه البلاد السعودية خصوصاً وعلى بلاد المسلمين عموماً بظهور دعوة الشيخ الإمام المجلد: محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - إلى التوحيد والتمسك بالسنة والنهي عن الشرك والبدع والتقليد الأعمى، فقامت على دعوته دولة إسلامية كتب الله لها الاستمرار مع ما تعرضت له على يد مخالفيها من أذى ومضايقات ومحاولات للقضاء عليها فبقيت لأنها دعوة حق، والحق يبقى والباطل يذهب: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

وقد توارث هذه الدعوة والقيام بها أئمة خلفوا الشيخ في الدفاع عنها ورد شبهات خصومها في كتب ورسائل وفتاوى وقد جمعت هذه الفتاوى والرسائل في مجموعة تسمى بـ "الدرر السنية" وأعقبها مجموعات أخرى على نمطها كفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - .

وفتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - وفتاوى اللجنة الدائمة وننتظر صدور فتاوى الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - .


فكانت هذه المجموعات وبجانبها الكتب التي ألفها أئمة الدعوة في الرد على شبهات الخصوم رصيداً علمياً مباركاً ومناراً مشعاً على الحق وصارت محل الثقة بين الخاص والعام؛ لأنها نتاج جهود علمية من أئمة فضلاء، وقد تداولها العلماء بالدراسة والتدريس والرجوع إليها عند الحاجة ولم تكن محل شك عند من يريد الحق من علماء المسلمين في داخل المملكة وخارجها، بل إن الطلبات تتوالى عليها من كل جهة مما دعا إلى تكرار طباعتها وتوزيعها بالآلاف، ولكن في الآونة الأخيرة وجد من يشكك فيها أو يتهمها بأنها تنشر التكفير والإرهاب، كما نشر ذلك في بعض الصحف بدافع الهوى أو بدافع الجهل بمحتويات هذه الكتب أو استمرار في معارضة هذه الدعوة من قبل خصومها أو لأنها لا تتفق مع رغبات أصحاب الأفكار المسالمة للآخرين مما يسمونه بالرأي والرأي الآخر مع أن الدين وحي منزل لا مجرد آراء وأفكار، ولقد ساءني وساء كثيراً من أهل العلم ما نشر منسوباً إلى "...." في حديث صحفي عنوانه ومضمونه قوله: لا ندعي المعصمة لمقولات وكتب وأئمة الدعوة السلفية ومراجعتها تحتاج إلى مؤسسات علمية.

وأقول لفضيلته:

أولاً: هل لا يعتمد إلا على كتاب معصوم، فجميع الكتب - ما عدا كتاب الله وسنة رسوله ليست معصومة، وما زال المسلمون يعتمدون عليها، وفضيلته - وإن كان لا يريد توقف الاعتماد على كتب أئمة الدعوة - يفتح مجال الشكوك في هذه الكتب ويجرئ خصومها على التشكيك فيها؛ لأنها


 تحتاج عنده إلى مراجعة على يد مؤسسات علمية، ولماذا تحتاج إلى المراجعة وهي المرجع العلمي المبني على الكتاب والسنة ومنهج السلف، ثم ما مصير كتب علماء المسلمين؟ هل يتوقف العمل بها حتى تفحص لدى لجان علمية بناء على اقتراح الشيخ.

ثانياً: كلامه هذا يعطي أن هذه الكتب لم تمحص ولم تفحص من قبل المختصين، فهي بحاجة إلى تكوين لجنة علمية تتولى فحصها وبيان ما فيها من أخطاء، ونقول لفضيلته: إن هذه الكتب بحمد الله من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى وقتنا هذا ما زال العلماء يقرؤونها ويدرسونها في المساجد وفي المدارس والمعاهد والكليات وما انتقدوها بشيء، و(الدرر السنية) بالذات قرأها وقرضها ثلاثة من أئمة الدعوة هم:

1- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي البلاد السعودية ورئيس قضائها وشيخ العلماء في وقته.

2- فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري قاضي سدير وهو من جهابذة العلماء.

3- فضيلة الشيخ محمد بن عبد اللطيف القاضي والداعية المعروف والعالم الغيور والمدرس المشهور والعالم الجليل..." ([69]).


أراجيف وأباطيل([70]):

"شغب بعضهم على شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله - فاتهموه بالرفض والإلحاد، فقال بعض العلماء حينئذ: والله لو سئل هؤلاء عن الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه.

والتاريخ يعيد نفسه، فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وأتباعه يتهمون في هذه الأيام، بالتكفير وإراقة الدماء من قبل علمانيين منافقين ومن تبعهم بسوء من تنويرين ومنهزمين، مع أن في أولئك القوم من لم يفقه الإيمان فضلاً عن أن يعرف الكفر والتكفير وشروطه وموانعه، فهم أحوج ما يكونون إلى الاستتابة والدخول في دين الله - تعالى -، وتعلم الأصول الثلاثة التي يسأل عنها كل مكلف في قبره ويوم بعثه ونشره.

وقد استغل كثير من هؤلاء القوم الحملة الأمريكية على الإسلام وأهله تحت ستار الحملة على "الوهابية" وراحوا يبررون الشبهات، ولا يتوخون الموضوعية والأمانة العلمية فيما يقولون.

ومنذ أن أشرقت شمس هذه الدعوة على جزيرة العرب، وصار لها من القبول والظهور ما لها، وخصوم هذه الدعوة يحيكون المؤامرات، ويثيرون الشبهات والاعتراضات.

وتتضمن هذه المقالة عدة حقائق عن هذه الدعوة، مع جملة من الأوهام والإشكالات المثارة ضدها والجواب عنها:


* تميزت هذه الدعوة بالالتزام بمنهج راسخ وعقيدة ثابتة وأهداف جلية، كالتلقي من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، ووجوب صرف جميع أنواع العبادة لله - تعالى - وحدة، والتحذير من الشرك ووسائله وذرائعه، فكثيراً ما كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب يقرر أن الله - تعالى - هو المعبود المقصود فلا يقصد إلا الله - تعالى - وأن الحنيفية ملة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - هي الإقبال على الله - تعالى - والإعراض عما سواه، وظهر أثر هذه التربية والتقرير من خلال مواقف عملية سطرها المؤرخون كابن بشر وغيره ومن ذلك أن "امرأة أتت إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا بعدما ثبت عنده أنها محصنة، وتكرر منها الإقرار، واستخبر عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل، فقال: لعلك مغصوبة؟ فأقرت واعترفت بما يوجب الرجم، فأمر بها فرجمت"([71]).

إن التعلق بالله - تعالى - وخشيته - عز وجل - في السر والعلن جعل تلك المرأة تقدم بكل طواعية على الاعتراف بفعلتها، وترغب في تطهيرها بتلك العقوبة الموجعة خوفاًَ من الله - تعالى - ورغبة فيما عنده - سبحانه - .

وقد أثار بعضهم آنذاك شبهة أن الشيخ أقام الحدود بدون إذن الإمام، فكان من جوابه - رحمه الله - عن تلك الشبهة: "لا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم ... ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في رد ما لا يقدرون على جحده، كما أني لما


 أمرت برجم الزانية قالوا: لابد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم تصح ولايتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها"([72]).

* لما أظهر الشيخ دين الله - تعالى - وحقق التوحيد في نفسه وأتباعه في جزيرة العرب، وأقام شرع الله - تعالى -، استتب الأمن، وتحقق الاستقرار، وعم الرخاء، وكثرت الخيرات.

ويتضح للقارئ البون الشاسع بين حال الجزيرة العربية - أمنياً واقتصادياً - قبيل ظهور الدعوة وبعد ظهورها، ففي قرية صغيرة في نجد تسمى (التويم) عمد أحدهم إلى قتل أميرها - وكان ابن عمه -، وما أن صار القاتل أميراً حتى قتل، ثم ولي الإمارة شخص ثالث فغدر به، ثم وليها رابع فتمالأ عليه رجال فقتلوه، ثم تنازع "القتلة" في الإمارة، فقسموا تلك القرية الصغيرة أربعاً، وصار كل واحد أميراً على ربعها، وكل هذه الوقائع حدثت في سنة واحدة.

قال المؤرخ ابن بشر معلقاً على تلك الحادثة: "إنما ذكرت هذه الحكاية ليعرف من وقع عليها وعلى غيرها من السوابق، نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة، ولا تعرف الأشياء إلا بأضدادها، فإن هذه القرية ضعيفة الرجال والمال، وصار فيها أربعة رجال كل واحد منهم يدعي الولاية على ما هو فيه"([73]).


وأما بعد ظهور الدعوة فقد كانت البلاد آمنة مطمئنة، والشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أي وقت شاء، في نجد والحجاز واليمن وتهامة وعمان وغير ذلك، ولا يخشى إلا الله، ولا سارق ولا مكابر... وكانت جميع بلدان نجد في أيام الربيع يسيبون جميع مواشيهم في البراري ليس لها راع"([74]).

* من الآثار المشرقة لهذه الدعوة المباركة ما أورثته من تسطير لتأريخ موطنها وتدوين الحوادث والوقائع فيها، كما هو ظاهر في تاريخ ابن غنام وابن بشر ونحوهما، فقد كانت نجد نسياً منسياً طوال القرون الماضية، ولم يحفظ لنا التاريخ عن تلك الحقبة المظلمة سوى نتف مبعثرة كما هو مذكور في سوابق ابن بشر، ولعل الأمر كما قال ابن عقيل الحنبلي - رحمه الله -: "لما كان البلد مملوءاً بالأخيار قيض الله لها من يحكيها، فلما عدموا وبقي المؤذي والذميم العقل، أعدم المؤرخ، وكان هذا ستر عورة"([75]).

ومن جملة تلك الآثار العلمية ما سطره علماء الدعوة من رسائل وفتاوى وتقريرات جمعت في "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية"، وفي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"، فلقد حوت هذه الرسائل تراثاً نفيساً في مسائل الاعتقاد - ولاسيما توحيد العبادة وما يضاده - وأحكام العبادات والمعاملات، وأحكام الجهاد، والمرتد، والتفسير، والردود.


وانظر إلى هذا التراث المتميز جمعه ابن منقور في كتابه "الفواكه العديدة في المسائل المفيدة" لعلماء نجد قبيل الدعوة، فلا مقارنة بين الأمرين، فمجموع ابن منقور مجرد جزأين في فتاوى ومسائل في فروع مذهب الإمام أحمد، بينما تميزت الدرر بثراء في التأليف، وتنوع العلوم الشرعية، وقوة الدليل، وصحة الاستدلال، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع والأحداث.

يقول الشيخ عبد الله البسام - رحمه الله -: "منذ عرفنا علماء نجد حتى قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -، فإن علمهم يكاد ينحصر في الفقه، أي: في المسائل الفروعية الفقهية... فعلم التفسير والحديث والتوحيد مشاركتهم فيها قليلة جداً.

فلما انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تغير هذا الاتجاه وتنوعت الثقافة وتعدد العلوم، فصارت العناية بالتوحيد لاسيما توحيد الألوهية، وصار الاهتمام بكتب التفسير السلفية كابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوها، وصار الالتفات إلى الحديث وأمهات كتبه وشروحه، كما درست أصول هذه العلوم وصار الاهتمام بالفقه، وموضوع الدرس منه هو فقه الإمام أحمد بن حنبل مع الأخذ بالقول الراجح الذي يعضده الدليل.

وإذا أردت المقارنة بين العهدين بتحقيق المسائل العلمية، فقارن بين فتاوى علماء نجد، التي نقل بعضها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه، وبين فتاويهم التي جمعه في "الدرر السنية" لترى أنهم في الأول يقتصرون على


 المشهور من المذهب، ويحاولون تطبيق ما يفتون به على ما قال فقهاء الحنابلة، عارية من سوق الأدلة من الكتاب والسنة.

أما في "الدرر السنية" فترى الفتاوى مستقاة من مذهب أحمد - رحمه الله - إلا أنها مقرونة بأدلتها الشرعية، كما تجد أنها قد تخالف المشهور من المذهب حينما يكون الدليل الصحيح خلاف المذهب.

ونجد بجانب الفتاوى الفقهية بعد قيام الدعوة علوم الشريعة الأخرى، فهذا علم التوحيد الذي قامت الدعوة لتحقيقه، وهو الذي نال القسط الأوفر من العناية والتحقيق، والتأليف، وكتابة الرسائل، والنصائح، لاسيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة، كذلك نجد الكتابة في التفسير والحديث.

والقصد أنه يغير اتجاه الثقافة بين العهد الأول والعهد الثاني، حيث تحررت الأفكار، واتسعت المدارك، وتعددت جوانب العلوم"([76]).

وقد ادعى بعضهم أن في "الدرر السنية" غلواً وإفراطاً، وتكفيراً للمخالفين، وتعطشاً للدماء، وهذه مجرد أوهام وظنون، وسبب ذلك الوهم جملة أمور منها:

1- أن أولئك القوم لم ينظروا إلى الملابسات والظروف التي حررت فيها تلك الرسائل، فليس من الموضوعية أن يجتزأ نص من "الدرر السنية" دون نظر إلى سياقه ومناسبة تأليفه.

2- أن الناظر إلى تقريرات وأجوبة أولئك الأعلام ليدرك التزامهم بطريقة أهل السنة، وبراءتهم من تكفير من لا يستحق التكفير، وإن كان ثمة


إشكال، فإنما هو في تحقيق المناط "التطبيقات"، وتنزيل الأسماء والأحكام - كالكفر مثلاً - على الدول والأشخاص، وهذا الاختلاف في تحقيق المناط واقع ووارد، فقد اختلف السلف الأوائل في تكفير الخوارج مع ورود النصوص بمروقهم من الدين، ومع ذلك فجمهور الصحابة - رضي الله عنهم - لا يرون تكفير الخوارج، لكنهم لم يتهموا مخالفيهم - القائلين بتكفير الخوارج - بالتطرف والغلو‍.

3- لم يقتصر علماء الدعوة على تحرير المسائل وتحقيقها، بل عمدوا إلى تنزيل الأحكام الشرعية - الملائمة - على الوقائع  والأحداث، فمثلاً عندما يحررون مسائل الولاء والبراء يتبعون ذلك بسلوك وتطبيق ومواقف عملية تجاه طوائف ودول وأشخاص بالتنظير لتلك المسائل والتنصل من تطبيقها - لجملة من المسوغات التي ليس هذا موضع بحثها -، فهؤلاء الغارقون في التنظير تعتريهم الدهشة عندما يطالعون تراث علماء الدعوة وما تحويه من أحكام على واقعهم آنذاك، وربما أنكروا على أئمة الدعوة كما هو حاصل الآن.

وها هو العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - والمعروف بعمق علمه، وبرحابة صدره وسعة أفقه حتى عند أولئك "الإصلاحيين"، يقرر - حسب فتاويه - معنى دار الكفر، ثم ينزل هذا الحكم على دول عربية كانت محكومة آنذاك بالاستعمار البريطاني([77]).

4- ينبغي أن يراعى أن أولئك الأعلام - رحمهم الله - عندما يحكمون بكفر أشخاص وطوائف ومن خلال منظور شرعي، كانوا في ظل ولاية شرعية وزمن قوة وغلبة شوكة، ومن ثم نجد أن الأمر ظاهر عندهم، فمن استبان كفره أقيمت عليه الحجة واستتيب فإن تاب وإلا قتل، بخلاف زمن الضعف وبداية الدعوة، حيث كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب قال: "الله خير من زيد"([78]) تمريناً على نفي الشرك بلين الكلام، ونظراً إلى المصلحة وعدم النفرة بخلاف لما ظهرت الدعوة وقامت الدولة.

ونلاحظ في الطرف المقابل لتلك القوة والعزة ما هو مشاهد في عصرنا من هيمنة وتسلط أمريكا، وغياب الولاية الشرعية في أكثر الأمصار، وخور أهل الإسلام، واستجابة كثير منهم لضغوط ومطالب أمريكا، مما جعل أولئك المستسلمين ينفرون من هذه الدعوة التي تصادم ضعفهم واستكانتهم.

5- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير، إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مخذلون مفترون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه، وإن كان ذلك من النفاق"([79]).


استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبد العزيز - رحمهم الله - أن يقيموا دولة إسلامية في جزيرة العرب تحكم شرع الله - تعالى -، وتنشر العلم وتقيم الحدود، وتحقق الأمن، وتظهر الجهاد في سبيل الله - تعالى -، وتحمي الأموال عن طريق الزكاة والغنائم ونحوهما.

يقول محمد جلال كشك: "إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية مجدد، ومبدع، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعاً إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوروبي، كان الظن أو اتجاه الأحداث وخضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر"([80]).

وإذا تقرر أن هذه الدعوة المباركة سبب في وجود الدولة السعودية الأولى، أفيسوغ ما تفوه به بعضهم بأن المذهب الوهابي سبب سقوط الدولة السعودية الأولى؟ أفيصح أن يكون سبب وجودها سبب عدمها؟ اللهم إلا أن يكون مقصودهم أن تمسك هذه الدولة بالدين الصحيح، وقيامها بشعيرة الجهاد تجاه البريطانيين، كان سبباً في تسلط أولئك الصليبيين وأذنابهم "محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم" فهل يريد أولئك التفلت من دين الله - تعالى - من أجل السلامة من الغرب


 وعملائه؟!

لقد اتخذ القرار بتدمير الدولة السعودية الأولى حماية للمصالح البريطانية، حيث أصبحت الحملات الجهادية في بحر الخليج العربي خطراً مباشراً على بريطانيا، فلقد أقلقت بريطانيا تلك القوة البحرية ذات الأسطول الهائل "بل ارهبتها، وأشد جوانبها خطورة هو أنها ترفع لواء الإسلام، فأي حرب مكشوفة ستكون بدون شك طويلة ومريرة، ولن تكون ناجحة إلا إذا قضي على الأصل، أي على الدولة السعودية في قلب الجزيرة العربية، وإذا أقدمت بريطانيا على هذه الحرب فإنها ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطرة طويلة الأمد، قد تتحول بفعل تفاعل الظروف والأحداث إلى حرب صليبية"([81]).

ولذا تم تسخير العملاء المستغربين "محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم" لسحق هذه الدولة المتميزة، وقتل حكامها وعلمائها، فمنهم من قتل صبراً بالبنادق، منهم من جعل في فوهة المدفع، ثم رمي حتى سقط في الجو قطعاً، ومنهم من كانت تخلع جميع أسنانه قبل قتله كما هو مبسوط في تاريخ الجبرتي وابن بشر؛ فأي الفريقين أحق بالإفساد وسفك الدماء؟؛

وكما قال المؤرخ محمد البسام في كتابه: "الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر": "ولا - والله - ما تغلب عليهم صاحب مصر عن ضعف منهم أو جبن، بل خيانة من العربان، ورضا من ساكني البلدان".


"ثم توج إبراهيم باشا هذه الأعمال وهو رسول الحضارة الغربية بهدم مدينة الدرعية - التي سلم الإمام عبد الله بن سعود نفسه بشرط الإبقاء عليها - وتركها أطلالاً مازال تقوم شاهداً حياً على عظم الجريمة النكراء"([82])([83]).



حاشية

الروض المربع

شرح

زاد المستقنع

جمع

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله




3- كتاب:

"حاشية الروض المربع" ويقع في (7) مجلدات:

وهي حاشية على كتاب الروض المربع شرح زاد المستقنع؛ وتقع في سبعة مجلدات ضخمة، وهي حاشية حاوية لأكثر أقوال العلماء في مسائل الفقه ففيهما تتميم لمباحث الروض المربع في فقه الحنابلة، وفيها ذكر الأدلة وبيان اختيارات بعض المجتهدين من الحنابلة. وقد طبع الكتاب بعد وفاة المؤلف - رحمه الله - بإشراف فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين وابن المؤلف العم الشيخ سعد بن قاسم - وفقهما الله - وأولى الطبعات في عام 1402 هـ ثم توالت طبعاتها بشكل دائم، وهي مقررة كمنهج دراسي في كلية الشريعة بالرياض وغيرها من الكليات الشرعية ويقع الكتاب في سبعة مجلدات:

الأول منها حوى: ترجمة مؤلف الحاشية، مقدمة عامة، خطبة لمؤلف الحاشية، وأصولاً وقواعد وتنبهات لمؤلف الحاشية، وخطبتين للشارح والماتن. ثم كتاب الطهارة إلى نهاية باب شروط الصلاة وفهرساً، وعدد صفحاته (584) صفحة.

المجلد الثاني: بقية أبواب وفصول الصلاة، وفهرس. وعدد صفحاته (569) صفحة.

المجلد الثالث: كتاب الجنائز، وكتاب الزكاة والصيام، وأول كتاب المناسك إلى نهاية باب الإحرام، وفهرس. وعدد صفحاته (589) صفحة.

المجلد الرابع: بقية أبواب المناسك، وكتاب الجهاد، وأول كتاب البيع إلى نهاية فصل بيع الثمار، وفهرس. وعدد صفحاته (583) صفحة.


المجلد الخامس: بقية أبواب وفصول البيع، وأول كتاب الوقف إلى نهاية الفصل الثاني منه، وفهرس. وعدد صفحاته (586) صفحة.

المجلد السادس: بقية أبواب الوقف وكتاب الوصايا، وكتاب الفرائض، وكتاب العتق، وكتاب النكاح، وكتاب الطلاق وكتاب الإيلاء، وفهرس. وعدد صفحاته (647) صفحة.

المجلد السابع: واحتوى على كتاب الظهار، وكتاب اللعان، وكتاب العدد، وكتاب الرضاع، وكتاب النفقات، وكتاب الجنايات، وكتاب الديات، وكتاب الحدود، وكتاب الأطعمة، وكتاب الأيمان، وكتاب القضاء، وكتاب الشهوات، وكتاب الإقرار، ونبذة مختصرة، وفهرس. وعدد صفحاته (680) صفحة.

* وكان الدافع إلى الشرح ووضع الحاشية ما ذكره - رحمه الله تعالى - في المقدمة بقوله:

"... وقد انتشرت في هذا العصر فكرة التوسع في الاطلاع على المذاهب الأربعة وغيرها، والأخذ منها، وعدم الاقتصادر على مذهب واحد، ليبنى الحكم على الأقوى دليلاًَ، فأذكر غالباً ما أجمع عليه إذا كان، أو ما عليه الجمهور أو ما انفرد به أحد الأئمة وساعده الدليل حسب الإمكان، بحيث يغني عن مطالعة الأسفار الضخمة...".

* وأما منهجه في الكتاب فهو البحث عن الدليل ومن ذلك ما ذكره في الحاشية:

"... ولا يجب التزام مذهب معين إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن التزم مذهباً


معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له فعله، فإنما يكون متبعاً لهواه. فإنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو محرماً. ثم يعتقد الواجب حراماً والمحرم واجباً بمجرد هواه، كمسألة الجد وشرب النبيذ. وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بالدليل، أو رجحان مفت فيجوز بل يجب، والعاجز إذا اتبع من هو من أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح، فهو محمود مثاب، والله الموفق للصواب..." ([84]).

* بل وذم التعصب والتقليد بدون دليل فقال - رحمه الله -:

"التعصب إلى المذاهب والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، والدعوى إلى ذلك، والموالاة عليه من دعوى الجاهلية، بل كل من عدل عن الكتاب والسنة فهو من أهل الجاهلية. والواجب على المسلم أن يكون أصل قصده طاعة الله وطاعة رسوله، يدور على ذلك ويتبعه أينما وجده، ولا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاً عاماً إلا لأصحابه.

فإن الهدى يدور مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث دار ويدور مع أصحابه دون غيرهم، خلاف ما درج عليه بعض متأخري الأصحاب وغيرهم، حتى قال أبو الحسن الكرخي الحنفي: الأصل قول أصحابنا فإن وافقه نصوص الكتاب والسنة فذاك، وإلا وجب تأويلها، وجرى العمل عليه، وفي جامع الــراموز وغيره: المـذهب أنه لا يقلد أحداً من الصحابة ولا التابعين إلا


أبا حنيفة. بل منهم من أدخل في الإسلام المذهب. وادعى الجويني وغيره وجوب انتحال مذهب الشافعي على كافة المسلمين، حتى على العوام الطغام، بحيث لا يبغون عنه حولاً، ولا يريدون به بدلاً، وقيل غير ذلك مما يستحي العاقل من حكايته فضلاً عن نقله".

* وقد قال - رحمه الله - في مقدمته للحاشية:

"... أما بعد فإن زاد المستنقع وشرحه قد رغب فيهما طلاب العلم غاية الرغب. واجتهدوا في الأخذ بهما أشد اجتهاد وطلب؛ لكونهما مختصرين لطيفين، ومنتخبين شريفين، حاويين جل المهمات، فائقين أكثر المطولات والمختصرات. بحيث إنه يحصل منهما الحظ للمبتدئ. والفصل للمنتهي، وخدمهما علماء العصر كالشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ عبد الله العنقري، وعبد الوهاب بن فيروز، بالحواشي مفردة وعلى الهوامش. من لا أحصيهم مكثر ومقل، فتطفلت بوضع هذه الحاشية، منتخبة من تلك الحواشي، ومن تقرير شيخنا محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ومن كتب الأصحاب كالتنقيح والمغني والزركشي والشرح والمبدع والمطلع والمحرر والفروع والتصحيح والإنصاف والإقناع والمنتهى وحواشيهما، ومن كتب وفتاوى شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وابن رجب، ومن كتب الحديث وشروحهما، وكتب أهل المذاهب كالبغوي والنووي وابن رشد وغيرهم، مجتهداً في نقل الإجماع عمن تقدم ذكرهم، وعن ابن جرير وابن كثير وابن عبد البر وابن المنذر وابن هبيرة وغيرهم من أهل التحقيق، مفتشاً على خلاف يعتبر، ومجتهداً في إبراز الدليل والتعليل، وتوضيح القول الصحيح...".


* وقد أثنى العلماء على هذه الحاشية ووصفها الشيخ بكر أبو زيد كما في المدخل المفصل بأنها: ".... غاية في النفاسة والتحقيق...".

وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - يعتني بها عناية خاصة، قال الشيخ خالد الحيان: "قرر الشيخ - رحمه الله - قراءة كتاب "الروض المربع" كما تقدم، وذلك في فجر يوم الأربعاء 27/5/1417 هـ فكان القارئ يقرأ ويعلق الشيخ على كل جملة من كلام المؤلف، وإذا أشكل شيء وأراد الشيخ - رحمه الله - مزيد إيضاح كلف التلميذ بقراءة الحاشية التي يصطحبها القارئ وهي حاشية الشيخ عبد الله العنقري وقد يطلب من أحد التلاميذ قراءة ما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته هذا وأحياناً وبقلة إذا أراد القارئ أن يقرأ قال الشيخ لعل القراءة تكون في وقت آخر إذ لم أحضر"([85]).

* وذكر بعض المشايخ ثناءً عاطراً عليها وقال: "أنها مستودع لنقولات المحققين في المذهب...".

* وأثنى عليها غير واحد بقولهم: "كل الصيد في جوف الفرا".

* ".... وهي البحر الذي لا ساحل له، يستفيد منه كل طالب علم باختلاف مذهبه على اختلاف مستوى علميته؛ لما فيه من الفقه المقارن المعضد بالدليل والمقرون بأقوال الأئمة كابن تيمية وابن القيم وغيرهما...".


* وقد ذكر الوالد عن الجد - رحمهما الله - في مقدمة مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: "واستفاد من هذا الجمع [أي جمع فتاوى شيخ الإسلام] أن اطلع على ترجيحات "شيخ الإسلام" واستدلاله، وحكايته الإجماع، والخلاف، وغير ذلك؛ فأضاف الوالد ذلك إلى مؤلفاته، فاكتسبت ميزة، وصبغة تحقيق؛ بسبب عمله المبارك في هذا المجموع"([86]).

* وقد بذل في جمعها جهداً عظيماً وأنفق وقتاً طويلاً - رحمه الله - في هذه الحاشية الضخمة وكانت مدة التأليف أكثر من أربعين عاماً.

* وقابل جميع المجلدات السبعة على خط المؤلف للحاشية، وكذا على الروض للمخطوط. ووضع الفهارس، والفواصل، والأقواس، وغيرها من الأشياء الفنية فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، والعم الشيخ سعد بن عبد الرحمن بن قاسم - حفظهما الله - .

* وقد سئل الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - عن حاشية الروض المربع للشيخ عبد الرحمن بن قاسم هل نقل فيها شيئاً من الشيخ محمد بن إبراهيم؟

فأجاب - حفظه الله -: غالباً أنه ينقل عن شيخ الإسلام وعن الكتب المتقدمة في هذه الحاشية كما هي مشاهدة، إلا أنه - رحمه الله - اعتنى بالقسم الأول الذي هو العبادات؛ بيضه وكمله وزاد فيه، وأما من البيع إلى آخر الكتاب فإنه لم يتفرغ له، أصابه آخر عمره عجز وضعف بصر فلم يتفرغ للعناية به وتبييضه([87]).


*قال الشيخ عبد العزيز السدحان - وفقه الله - ضمن رسالة بعثها يستحثني على إخراج ترجمة للجد: "سمعت بعض مشايخي يقول: إذا أردت اختيار أو قول شيخ الإسلام فانظر إلى حاشية الروض للشيخ ابن قاسم - رحمه الله  تعالى - فإن لم يذكر الشيخ ابن قاسم قولاً لشيخ الإسلام فقد يصعب الوصول إلى قوله؛ ذلك لأن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - من أدرى الناس بكلام شيخ الإسلام".

* وقال الشيخ عبد العزيز السدحان أيضاً في مقالة له في مجلة الدعوة:

".... أما أكبر الحواشي التي كتبها الشيخ، فهي حاشية الروض المربع، فهي يحق أن تسمى بـ "أم الحواشي" لما تضمنها الشيخ من التعليقات النفيعة والتحريرات العلمية الرصينة..." ([88]).

* قال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله -: "وقد اشتركت مع ابنه سعد بن عبد الرحمن - حفظه الله تعالى - في تصحيح وطبع الحاشية الكبيرة على الروض المربع شرح زاد المستقنع، وكتبت له ترجمة مختصرة في مقدمة تلك الحاشية، وكذا اشتركت في تصحيح وطبع حاشيته على كتاب التوحيد، والجزء الأخير من شرحه لكتابه أصول الأحكام، واستفدت كثيراً من تلك المؤلفات"([89]).

* وقال العم الشيخ سعد حفظه الله: أتيت إلى الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - بعد أن انتهينا من تصحيح وطبع (حاشية كتاب التوحيد) و(كتاب


الأحكام)، وذكرت له (حاشية الروض المربع) وإنها تحتاج إلى سنوات من المراجعة فوافق - جزاه الله خيراً - .

وكنت أعد المخطوطات والأوراق التي كتبها الوالد وأرتبها ثم نراجعها سوياً ونصحح البروفات يومياً من صلاة العصر إلى المغرب، ويستمر غالباً إلى العشاء، ويوم الجمعة بعد صلاة الفجر، واستمر العمل أربع سنوات حتى خرجت للنور، ونفع الله بها، وكان تمام ذلك العمل كله في رمضان سنة 1400 هـ.

* وسألته - حفظه الله  ووفقه -: هل زدتم فيها، أو وجدتم نقصاً فأكملتوه؟

قال: "لا، كانت كاملة، وكنا فقط نصحح بعض تصحيف العبارات، ونراجع بعضها في مظانها إذا لم نتأكد منها، ووضعنا علامات الترقيم والفواصل، ثم متابعة البروفات وتصحيح الأخطاء المطبعية".

* وذكر العم الشيخ سعد أيضاً أن مخطوط الحاشية التي كتبها الجد - رحمه الله - تتنوع فيه الأقلام، فبعضها من خطوط الأقلام القديمة التي تجعل في الدواة وتبرى برياً، وآخرها من خطوط الأقلام الحديثة، ومعنى هذا إنه كتبها في وقت مبكر واستغرق ذلك أكثر من أربعين عاماً، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.


أصول الأحكام

جمع

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله




4- كتاب:

"متن أصول الأحكام" ويقع في مجلد:

(أصول الأحكام): مختصر قيم، انتقى فيه الأدلة الواضحة الصحيحة بإيجاز.

قال - رحمه الله - في مقدمته: "... فهذا مختصر يشتمل على أصول الأحكام، من الكتاب والسنة، فهذبته تقريباً لطالبي منهج الملة.

ولوهن القوى وتفرقها، وضعف الهمم وتشعبها، بالغت في اختصاره ليسهل حفظه...".

ثم قال - رحمه الله -: ".... حتى اقتصرت على الشواهد المأخوذ بها، وعلى البخاري ومسلم أو أحدهما....".

* قال الشيخ خالد الحيان: "وكان يقرأ على الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - كتاب أصول الأحكام لابن قاسم، فيقرأ القارئ كذا حديث ثم يقول له يكفي أو برك ثم يبدأ الشيخ في شرح تلك الأحاديث المقروءة ويعلق عليها، هذا وقد توقف عن هذا الكتاب بسبب انقطاع القارئ في عام 1415 هـ وكان الوقت المحدد للقراءة بعد فجر كل أربعاء في الجامع الكبير بالرياض([90]).

* وقد طبع الطبعة الأولى في القاهرة - مطبعة الإمام - وطبع الطبعة الثانية في مؤسسة النور للطباعة والتجليد، ثم طبع مراراً.

* ويقع في مجلد عدد صفحاته (288) صفحة.



الإحكام  

شرح أصول الأحكام

جمع

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله




5- كتاب:

"الإحكام شرح أصول الأحكام" ويقع في (4) مجلدات:

وهو شرح لأصول الأحكام المتقدم قال - رحمه الله - في مقدمته: ".... وجمعت مختصراً لطيفاً انتقيته من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الأحكام الفقهية، سهل المنال واضح المنوال.....".

"..... وهذا شرح له موجز مقتبس من كلام الأئمة الأعلام، يوضح معانيه، ويؤيد مبانيه، أردفته بآيات وأخبار. وبإجماع الأئمة الأخيار أو قول جمهور السلف الأطهار وبترجيح شيخ الإسلام...".

ويقع الكتاب في أربع مجلدات.

الأول منها:

يشمل سبب تأليف الكتاب، ثم الكلام على البسملة والحمدلة، ثم كتاب الطهارة وكتاب الصلاة، حتى باب صلاة الاستسقاء، وعدد صفحاته (520) صفحة.

والمجلد الثاني: يبتدئ بكتاب الجنائز، ثم كتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب المناسك، وينتهي بفصل في العقيقة. وعدد صفحاته (554) صفحة.

والمجلد الثالث: يبتدئ بكتاب الجهاد، ثم كتاب البيع، ثم كتاب النكاح حتى باب المحرمات في النكاح. وعدد صفحاته (548) صفحة.

المجلد الرابع: ويبتدئ بباب الشروط في النكاح، ثم كتاب الطلاق، ثم كتاب العدد، ثم كتاب الجنايات، ثم كتاب الحدود، وباب حكم المرتد، ثم


كتاب الأطعمة، ثم باب في القضاء، ونهايته باب الإقرار. وعدد صفحاته (572) صفحة.

* وقد طبعت ثلاثة الأجزاء الأولى في حياته - رحمه الله - في مطبعة (الترقي) بدمشق سنة 1375 هـ، وطبع الجزء الرابع في المطابع الأهلية بالرياض 1396 هـ .

ويمتاز هذا الكتاب بمزايا منها:

أولاً: أنه يصدر الأبواب بآيات الأحكام ثم يأتي بالأحاديث.

ثانياً: أن أحاديثه كلها صحيحة وليس فيها ضعيف لا يحتج به.

ثالثاً‌: أنه مع ذكره خلاف العلماء منهم يهتم بأقوال الحنابلة خاصة، ويذكر من المنقول عن محققيهم ومحققي غيرهم من الجمهور.

رابعاً: لا يستطرد في نقل الخلاف، ولا يتوسع توسعاً يخرجه عن المقصود، ولا يوجز بحيث يخل بالمراد.

وأعتقد أن الكتاب لم يأخذ بعد حظه لدى طلبة العلم والمتعلمين مع نفاسته وأهميته وتميزه.


حاشية

كتاب التوحيد

تأليف

شيخ الإسلام

الشيخ محمد بن عبد الوهاب

قدس الله روحه

بقلم الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله




6- كتاب:

"حاشية كتاب التوحيد" ويقع في (مجلد):

"كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - كتاب عظيم النفع في بابه. بين فيه المؤلف التوحيد وفضله، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر أو ما يقدح في التوحيد من البدع أو ما ينقص التوحيد من المعاصي موثقاً بالدليل من الكتاب والسنة.

وقد عني طلاب العلم بحفظ متنه، وسارع العلماء إلى شرحه وكان للجد - رحمه الله - سهم في ذلك فألف عليه "حاشية كتاب التوحيد".

وهي حاشية مختصرة منقحة من أبرز شروح من سبقه من الشراح إضافة إلى ما استفاده من مشايخه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن عتيق والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهم.

* قال - رحمه الله - في المقدمة: "..... فإن (كتاب التوحيد) الذي ألفه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - أجزل الله له الأجر والثواب - ليس له نظير في الوجود، قد وضح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعاً في معناه لم يسبق إليه، علماً للموحدين، وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصـار الطالب


يحفظه عن ظهر قلب، وعم النفع به، وتصدى لشرحه والتعليق عليه جماعة من الجهابذة النبلاء، وأول من تصدى لشرحه وأجاد، حفيده الشيخ سليمان ابن الشيخ عبد الله، ثم هذبه وكمله حفيده أيضاً الشيخ عبد الرحمن بن حسن وبرز فيهما من البيان ما ينبغي أن يرجع إليه، وعلق عليه أيضاً الشيخ عبد الرحمن حاشية مفيدة، وعلق عليه تلميذه الشيخ حمد بن عتيق، وتلميذه الشيخ عبد الله أبا بطين، وغيرهم ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصرة منتخبة مما أبرزوه وغيره، تسهيلاً للطالب، متوخياً فيها ما يلقيه أشياخنا: الشيخ عبد الله ابن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وغيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم....".

* وقال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - عن الحاشية: "من أنفس ما كتب على هذا الكتاب"([91]).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن محمد بن السدحان - حفظه الله -: "هذه الحاشية للشيخ ابن قاسم - رحمه الله - لعلها من أحسن الحواشي على الكتاب - يعني كتاب التوحيد - وخاصة أن الشيخ ابن قاسم سلك فيها مسلك الاختصار غير المخل، وضمنها نقولات وفوائد نفيسة"([92]).

* ويقع الكتاب في مجلد عدد صفحاته (410) صفحات.


* وقد طبعت الطبعة الأولى منه بعد وفاته في سنة 1396 هـ في المطابع الأهلية للأوفست بالرياض، ثم توالت طباعته كثيراً ولله الحمد والمنة.



حاشية

ثلاثة الأصول

تأليف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب

قدس الله روحه

بقلم

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله




7- كتاب:

"حاشية ثلاثة الأصول" ويقع في (مجلد):

الأصول الثلاثة للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من الكتب التي اعتنى بها العلماء في هذا البلد عناية خاصة إذ اشتملت على تقرير توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والولاء والبراء وذكر الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؛ وهي: معرفة الله سبحانه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسارع الطلاب إلى حفظها وتتبع شروحها التي شرحها العلماء الأجلاء.

وممن جعل حاشية على هذا المتن العظيم من العلماء - الجد - رحمه الله - وهو أول شرح موجود للأصول الثلاثة.

قال - رحمه الله - في المقدمة: ".... فإن ثلاثة الأصول لشيخ الإسلام والمسلمين، مجدد الدعوة والدين، محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، قد جد الناس في حفظها، لعظم نفعها، وتشوقت النفوس لبيان معانيها، لرصانة مبانيها، فوضعت عليه حاشية، موضحة لمعناها، مشجعة لمن اقتناها، والله المسؤول أن ينفع بها، كما نفع باصلها، إنه على كل شيء قدير....".

وتقع في مجلد عدد صفحاته (103) صفحات، تكرر طبعها في حياته - رحمه الله - وبعد وفاته حيث طبعت الطبعة الأولى في مطبعة الترقي بدمشق سنة 1375 هـ ثم توالت طباعتها، فيها طبعات الرئاسة العامة للإفتاء وغيرها.


قال العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين عن حاشية ثلاثة الأصول: "شرحها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله وأكرم مثواه - بحاشية نفيسة، أوضح فيها مقاصد المؤلف ودلالة النصوص"([93]).

وقد تم ترجمة الكتاب إلى عدة لغات من بينها اللغة الإنجليزية حيث قامت بالترجمة دار الخير بجدة ويقع في (192) صفحة.


حاشية الدرة المضية

في

عقد الفرقة المرضية

تأليف

العالم الأوحد الشيخ محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

النابلسي الحنبلي

رحمه الله تعالى

بقلم الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله




8- كتاب:

"حاشية الدرة المضية" ويقع في (مجلد):

هو حاشية على كتاب (الدرة المضية في شرح عقد الفرقة المرضية): للإمام السفاريني.

قال - رحمه الله -: ".... فإنه عزم من وفق لبث العلوم الدينية، على نشر هذه العقيدة الجليلة، المتضمنة لجل عقائد الفرقة المرضية، طلب مني أن أكتب عليها حاشية وجيزة عجالة، فأجبته إلى ذلك رجاء المثوبة من الله، والاندراج في سلك أهل السنة والجماعة ونبهت على ما خالف المصنف فيه مذهب السلف، لتكون خير بضاعة.

وعرضتها على عالم الوقت المجتهد الثبت، الشيخ: محمد ابن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعلى غيره من العلماء الأفاضل، فجاءت بحمد الله غرة للطالبين، ومحجة واضحة للراغبين، مؤيدة بالبراهين، طبق عقيدة السلف، وأسأله السداد وحسن الطوية، والزلفى لديه في الجنات العلية...".

وقد ذكر الوالد - رحمه الله - في هامش مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم قوله: "وقد علق عليها والدي - رحمه الله - وبين ما فيها من أخطاء وسماه (حاشية الدرة المضية)".

وقد طبعت الطبعة الأولى في مطبعة الحكومة بمكة عام 1364 هـ.

ويقع الكتاب في مجلد عدد صفحاته (159).



السيف المسلول

على عابد الرسول

رد الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله

على

علي بن محمد الرشيدي الجزائري



9- كتاب:

"السيف المسلول على عابد الرسول" ويقع في (مجلد):

(السيف المسلول على عابد الرسول): وهو رد على: علي الرشيدي الجزائري في تحريم توجيه شيء من العبادة للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأساس الكتاب مقالة نشرت في جريدة أم القرى حيث قال - رحمه الله - في مقدمة الكتاب: "... فقد وقفت على وريقات، كتبها: علي بن محمد الرشيدي، الجزائري، في الرد على ما نشرته، في جريدة أم القرى، تحت عنوان: "هل عبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟" وسيأتي نص ما نشرته، عند ذكري: زعمه أنه يفهم منه إنكار الشفاعة.

وقد تضمن رده: رد ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل، وأجمعت عليه الأمة، من إفراد الله - سبحانه - بالعبادة، وتجويز عبادة غير الله - عز وجل - بالالتجاء إليه، والاستغاثة به، وطلب الشفاعة منه؛ وأكثر الطعن على من دعا الناس إلى توحيد الله، وكفرهم بمحض التوحيد، وزعم أنهم خوارج، سمى عباد الأنبياء والصالحين، مؤمنين موحدين؛ وعكس القضية، وصرف المقالة عن مدلولها، ونسب إلي ما لا يتحمله كلامي فالله المستعان....".

وقد طبع قديماً وانتشر، ويقع في مجلد عدد صفحاته (208) صفحات.



مقدمة

في

أصول التفسير

بقلم

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله



10- كتاب:

"مقدمة في أصول التفسير":

مفيدة في بابها وقد وضع المقدمة - رحمه الله - ثم شرحها. وهي غير "مقدمة التفسير" لشيخ الإسلام ابن تيمية المعروفة، والبعض يظن أن المقدمة لشيخ الإسلام والشرح له. والصحيح أن كليهما له - رحمه الله - وهي مختلفة عن ما كتبه شيخ الإسلام.

وقد طبعت الطبعة الأولى في (دمشق) المطبعة الهاشمية.



حاشية

مقدمة التفسير

جمع

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله



11- كتاب:

"حاشية مقدمة التفسير" ويقع في (مجلد):

(حاشية مقدمة التفسير): وهي شرح لكتاب مقدمة في أصول التفسير من تأليفه، وقد نشرت في حياته.

قال - رحمه الله - في المقدمة: "..... أما بعد: فحيث إن كتاب الله وبيانه أهم ما يهتم به، فهذه حاشية على المقدمة في تفسيره، توضح المقاصد، وتعين مريد معرفة معانيه، كأصول يتوصل بها إلى المراد منه، على ما كان عليه السلف الصالح، والله ولي التوفيق".

وتقع في مجلد متوسط تبلغ صفحاتها (166) صفحة.



حاشية الرحبية

في علم الفرائض

بقلم الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله



12- كتاب:

"حاشية كتاب الرحبية" ويقع في (مجلد):

وهي (حاشية على نظم الرحبية): في علم الفرائض؛ حيث إن الرحبية لأبي عبد الله بن محمد علي الرحبي الشافعي. ومتن الرحبية منظوم عدد أبياته (175) بيتاً، وهي من أنفع ما صنف في هذا العلم للمبتدئ. إلا أن المؤلف - رحمه الله تعالى - لم يذكر في منظومته ما يتعلق ببابي الرد وميراث ذوي الأرحام؛ بناء على مذهب الشافعي من عدم القول بالرد وعدم توريث ذوي الأرحام.... وذكر وعلق عليها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في حاشيته على الرحبية([94]).

قال - رحمه الله - في مقدمتها: ".... أما بعد: فهذه حاشية وجيزة، علقتها على الأرجوزة الرحبية، وعلى أبيات لبعضهم، في بابي الرد، وذوي الأرحام، تسهيلاً للمبتدئ، وتذكيراً للمنتهي؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله ....".

وقد طبعت الطبعة الأولى في حياة المؤلف - رحمه الله - سنة 1357 هـ في (88) صفحة ثم طبعت بعد ذلك مرات عديدة. وتقع الطبعة الأخيرة في مجلد لطيف عدد صفحاته (90) صفحة.



حاشية الأجرومية

بقلم الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله



13- كتاب:

"حاشية الآجرومية" وتقع في (مجلد):

(حاشية على متن الآجرومية): وهي حاشية على متن الآجرومية في علم النحو، طبعت ونشرت فانتفع بها، وطبعت الطبعة الثالثة في عام 1407 هـ مزيدة ومنقحة ومصححة وتقع في مجلد لطيف، عدد صفحاته (120) صفحة.



وظائف رمضانية

ملخص من لطائف المعارف

للشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الحنبلي

مع زيادات

للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

رحمه الله تعالى


14- كتاب:

"وظائف رمضان" ويقع في (مجلد):

(وظائف رمضان): نبذة لخصها - رحمه الله - من كتاب (لطائف المعارف) مع زيادات نفيسة ضمها إليه.

قال - رحمه الله - في المقدمة: "فهذا مختصر لطيف في وظائف هذا الموسم الشريف، يبعث الهمم إلى التعرض للنفحات، ويثير العزم إلى أشرف الأوقات....".

قال الشيخ عبد الله البسام عن الكتاب: "..... وهو مختصر من لطائف المعارف لابن رجب مع زيادات نفيسة...." ([95]).

وقد أثنى عليه فضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - في كتابه (المنتقى) وأوصى بقراءته لاسيما في شهر رمضان.

ويقع في مجلد عدد صفحاته (83) صفحة.



تحريم حلق اللحى

من السنة والإجماع

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم



15- كتاب:

"تحريم حلق اللحى":

- نبذة مفيدة في (تحريم حلق اللحى): وقد طبعت مراراً. ومقدمة الطبعة الأولى كانت في عام 1354 هـ .

- وطبعت الطبعة الثانية في القاهرة (مكتبة ومطبعة محمد علي صبح) وذلك عام 1375 هـ.

- ثم طبعتها دار الإفتاء طبعات متوالية، وأضافت إليها (وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها وتقصيرها) لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - .



ملخص الفواكه العديدة

في المسائل المفيدة

جمع

الشيخ النبيل أحمد بن حمد المنقور التميمي

النجدي الحنبلي علقه على الإقناع

تلخيص وترتيب

الفقير إلى الله تعالى

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي

الحنبلي رحمه الله



16- كتاب:

"ملخص الفواكه العديدة في المسائل المفيدة":

قال - رحمه الله - في المقدمة: ".... وبعد: فإني لما رأيت بعض الإخوان، معهم اعتناء بمجموع المنقور "أحمد بن محمد المنقور" في هذا الزمان، أردت أن أختصره وأرتبه على أبواب الفقه؛ ليسهل تناوله على المتعلمين والطلاب، وإن كنت لست لهذا الشأن أهلاً، ولا ممن يجول في ميدان النبلاء.

وقد استخرت الله قبل أن أعزم على الاختصار، واستعنته، وإني إلى معونته في أشد ضرورة وافتقار، فلما طالعت الكتاب بعد النظر والتأمل، ورأيت فيه تكراراً يغني منه البعض عن الكل، فأثبت منه ما يدل على المراد، وتركت بعضه بحسب الطاقة والاجتهاد، فالله أسأل، أن يجعله خالصاً لوجهه سبحانه، موجباً لرضاه والفوز بجنانه....".

ويقع الكتاب في مجلدين:

المجلد الأول: عدد صفحاته (320) صفحة.

المجلد الثاني: عدد صفحاته (312) صفحة.

وطبعت الطبعة الأولى بعد وفاة المؤلف - رحمه الله - بنحو اثنين وثلاثين عاماً وذلك في عام 1424 هـ بإشراف العم الشيخ سعد بن قاسم - حفظه الله وسدده - .





17- كتاب التاريخ:

اهتم العرب قديماً وحديثاً بأخبار وحوادث الأيام، وكان لهم شغف بالأنساب ومعرفتها، ومن أبرزهم في ذلك الخليفة الراشد أبو بكر - رضي الله عنه - فقد كان نساباً بارعاً عند أهل الجاهلية والإسلام.

وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بقوله: "تعلموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم" ولم يتعد الأمر ذلك إلى الكبر والتفاخر؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: "من قصر به عمله لم يبلغ به نسبه".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "..... ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيه أحد بنسبه، ولا يذم أحد بنسبه، إنما يمدح بالإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان...." ([96]).

والجد - رحمه الله - كان نساباً، وله في بداية حياته اهتمام بعلوم الجغرافيا والتاريخ، ولعله استفاد في معرفة البلدان والحوادث والتواريخ والأنساب من ذهابه عاملاً على جباية الزكاة.

* قال الشيخ حمد الجاسر: "إنه أستاذي في التاريخ".

* وألف - رحمه الله - كتاباً في التاريخ من مجلدين، ذكره الشيخ حمد الجاسر، وقال: "أن جدكم صنف الكتاب على طريقة مختلفة عن تاريخ من سبقه من مؤرخي نجد كابن بشر وغيره، حيث يذكر البلدة ويصفها وصفاً جغرافياً ثم يذكر ما جرى فيها من أحداث وما حصل من وقائع ثم يختم بذكر أنساب سكانها وهكذا".


وقال عن الجد - رحمه الله -: "كان في أول أمره ذا عناية، بتدوين الحوادث التاريخية المتعلقة بنجد واطلعت على كتاب ألفه في هذا الموضوع قبل أربعين عاماً يقع في مجلدين سار فيه على طريقة المتقدمين من تدوين الحوادث، من عهد آدم إلى هذا العصر بإيجاز غير أنه توسع فيما يتعلق بتاريخ نجد أو سكانها، أو بذكر بلدانها وتواريخ إنشائها، وفي تراجم الأعيان من أهلها. والشيخ عبد الرحمن كان من تلاميذ الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، ويعتبر هذا من أوسع المعاصرين اطلاعاً على حوادث نجد في العهود الأخيرة بحيث أن الملك عبد العزيز أمره بأن يكمل تاريخ ابن بشر، ويستمر في تدوين الحوادث التاريخية إلى العصر الحاضر.

ولكن يظهر أن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في سنيه الأخيرة انصرف عن التاريخ، ويتناقل المعاصرون قصة يقولون إنها هي التي حملته على ذلك، ومما لا شك فيه أن القسم الذي سجله من تاريخه ذو فائدة لمن يعنى بتاريخ هذه البلاد في عهودها الأخيرة، أما أنا فأرى أن سبب انصرافه هو اهتمامه بجمع مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وترتيب فتواه ورسائله، هذا الجهد العظيم الذي أثمر ثمرة مباركة، حيث قدم للباحثين وللعلماء من فتاوى هذا العالم الجليل ورسائله غير الكتب الكبيرة المطبوعة ما يزيد على ثلاثين مجلداً"([97]).

* وقال الشيخ حمد الجاسر أيضاً في كتابه (جمهرة أنساب العرب) عن كتاب الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -: "تاريخ مخطوط في مجلدين - أطلعت عليه سنة 1353 هـ، الجزء الأول منه يشمل الخلق


 وقصص الأنبياء والثاني وهو المهم يتعلق بحوادث نجد وكأنه تكملة لابن بشر ويشمل أنساب الأسر في نجد".

* وقد زرت الشيخ حمد الجاسر في أواخر شهر رجب عام 1418 هـ وسألني عن كتاب التاريخ هذا فقلت له: لا أعلم عنه شيئاً ولم أره، فقال: "رأيته في مجلدين بقماش أخضر كأني أراه الآن".

وقد ذكر في مجلة العرب: ".... واتجه في أول اشتغاله بطلب العلم لتدوين تاريخ بلاد نجد، ثم انصرف عن ذلك، ويقال: "إن سبب انصرافه ذكره لأنساب بعض الأسر المعروفة بحيث أثار حفيظة تلك الأسر وقد اطلعت على كتابه واستفدت منه...." ([98]).

* وقال الشيخ بكر أبو زيد عن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - في كتابه (طبقات النسابين): "كان من أوعية العلم، جلداً في سبيل الطلب، فقيهاً، نسابة، مؤرخاً، له تاريخ عن نجد، ذكر فيه أنساب أهل نجد وقبائلهم لم يطبع ولا ندري ما مصيره"([99]).

* وقد ذكر الشيخ زيد بن فياض - رحمه الله - يوماً: "إنه أراد أن يعرف اسم منطقة في براري نجد، قال: فسألت عنها الشيخ عبد الله بن خميس والشيخ حمد الجاسر وغيرهما، فلم أجد جواباً، ولما زرت جدك في المزرعة أجابني وكأنه قد أعد بحثاً عنها‍‍؛".

* وقال عنه خير الدين الزركلي: "..... وأولع في أوليته بالتاريخ


والأنساب والجغرافيا ووقعت له قضية بسبب التاريخ فأحرق كثيراً من أوراقه"([100]).

* وذكر محمد بن عبد الله الحمدان في مجلة العرب: "وقد اطلعت على بعض الكراريس التي كتبها في التاريخ والجغرافيا، فألفيتها ذات فائدة كبيرة، فإنه يذكر اسم القرية أو الموقع وسكانه، وما قيل فيه من الشعر على غرار "صفة جزيرة العرب) للهمداني و"صحيح الأخبار" لابن بليهد".

والكتاب مفقود ولم أجد له أثراً ولا أعلم ما مصيره سوى ما سمعت أنه - رحمه الله - قام بإحراقه.

وقد كانت حافظته قوية مع حرصه وتسجيله؛ علاوة على أنه كان يذهب مع عمال جباية الزكاة ويجوب المناطق ويستمع إليهم، ما مكنه من أن يكون أستاذاً لفحول النسابة والمؤرخين.

وأحسب أنه - رحمه الله - أمضى ليله ونهاره في الجمع والتأليف والمطالعة والتصنيف حتى أتاه اليقين. فرحمه الله رحمة واسعة.

وما زلت تدأب في التأليف مجتهداً

                                حتى رأيتك في التأليف مكتوباً




18- كتاب:

"الحجاب واللباس في الصلاة":

ذكره الشيخ محمد بن عثمان القاضي في روضة الناظرين([101]): ولعله يقصد كتاب الحجاب واللباس في الصلاة لشيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه -.

وأذكر أن والدي - رحمه الله - ذكر أنه هو الذي أخرجه.

* وله مؤلفاته أخرى ذكرها الشيخ محمد بن عثمان القاضي وهو يعدد مؤلفاته - رحمه الله - بقوله: "..... ورسائل وفتاوى لو جمعت لجاءت أسفاراً ضخمة....." ([102]).

وقد أخرج - رحمه الله - مجموعة من الكتب وأشرف على طبعها وإخراجها من غير مؤلفاته ومنها:

19- (كتاب الزهد) للإمام أحمد بن حنبل طبع في مطبعة أم القرى بمكة عام 1357 هـ.

قال - رحمه الله - في مقدمته: "فإنها لم تزل النفوس تطلع والألسن تبحث عن أجل كتاب صنف في الزهد، وذلك ما صنفه الإمام الجليل إمام المحدثين أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - إلى أن أتاح الله من شمر في نشره.....".


20- وكذلك أخرج (ديوان ابن مشرف) وطبع في مطبعة أم القرى في مكة.

وهناك غيرها من الكتب التي أخرجها وأشرف على تصحيحها وطبعها.


جولة تاريخية:

لاشك أن حركة التأليف في بداية تأسيس هذه البلاد كانت تتماشى مع ظروف تأسيس الدولة ولم تكن بتلك الكثرة المعهودة؛ لأن التعليم قبل تأسيس المملكة عام 1351 هـ كان ضعيفاً وقليلا‌ً، بل إن التعليم في ذلك الوقت تزامن مع ندرة العلماء في أكثر البلدان.

يقول د. محمد بن ناصر الشثري: "وكان في البلاد بقية من العلماء تعلموا على أيدي أئمة الدعوة وتلاميذهم الذين قامت عليهم دعائم الدولة السعودية في سابق عهدها،... إلا أن هؤلاء العلماء كانوا من القلة، بحيث نجد أن بعض القرى لا يوجد بها من يقرأ أو يكتب لانشغال الناس بكسب العيش...." ([103]).

وفي هذا الوضع من انعدام المراجع وصعوبة السفر ومشقته وندرة المكتبات قام الجد - رحمه الله - بالتأليف.

وقد ذكر الوالد في مقدمة الفتاوى "..... بدأ فضيلة الوالد - بارك الله في أوقاته ونفع الإسلام والمسلمين بمجاميعه ومؤلفاته - في جمعها في الوقت الذي ندرت فيه حركة "الجمع والتأليف" في نجد أي بعد سنة 1340هـ......." ([104]).

اشتغل الجد - رحمه الله - أيضاً بالتحقيق لكثير من الكتب المفيدة التي طبعت بعد أن تولى تصحيحها والتعليق عليها.


ولو جمعت صفحات كتبه التي أخرجها - رحمه الله - لتجاوزت 40 ألف صفحة. ولو قدرنا أنه بدأ الجمع والتأليف وعمره عشرون سنة، فمعنى ذلك أنه بقي ستين سنة يؤلف ويجمع في السنة الواحدة ما معدله 667 صفحة أي ما يقارب كل يوم صفحتين مع ما أصابه - رحمه الله - من المرض والضعف واعتلال الصحة.

ومن تأمل (حاشية الروض المربع) فقط لعلم الجهد المضني في النقل والرجوع إلى أمهات الكتب.

وقد تتبعت تاريخ طبع كتبه - رحمه الله - كما ذكرها د. علي جواد الطاهر في مجلة العرب مجلد 8 السنة السابعة/ صفر 1393 هـ فوجدت أنه - رحمه الله - أخرج أول كتبه وهو (حاشية الرحبية في علم الفرائض) في عام 1357 هـ طبعتها مطبعة أم القرى، وكان عمره حينئذ 45 عاماً فقط، تلتها حاشية (الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية) في عام 1364 هـ طبعت في مطبعة الحكومة.

ووجدت مقدمة كتاب (تحريم حلق اللحى) في جمادى الأولى 1354هـ. ومعنى ذلك أنه ألفها وعمره دون 42 عاماً.

أما بداياته في الجمع والترتيب وهي مرحلة طويلة قبل الطبع فلعل من أقدمها جمعه (لفتاوى شيخ الإسلام) حيث ذكر في المقدمة أنه بدأ في الجمع سنة 1340 هـ . وله من العمر حينئذ 28 عاماً فقط.

أما تاريخ التقاريظ التي على الطبعة الأولى (للدرر السنية) فهو عام 1351 هـ. ومعنى ذلك أنه بدأ الجمع قبل ذلك بسنوات.


ثم توالى إخراج مؤلفاته - رحمه الله - فمنها ما طبع في حياته ومنها ما طبع بعد وفاته - رحمه الله - .

والمعلوم أن تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية كان في عام 1351 هـ، وبالاستقصاء فإن حركة التأليف والطبع والنشر قبل ذلك العام بل وبعده بسنوات كانت ضعيفة ونادرة مع انعدام المكتبات والمطابع. فلهذا يعلم أن الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله - سبق عصره بسنوات طويلة وأنعم الله عليه بإخراج هذه المؤلفات العظيمة.


 منهجه في البحث والتأليف وما تميزت به مؤلفاته:

اقتصر بعض العلماء على الكتابة في فن واحد من علوم الشريعة، والبعض الآخر كتب وألف في فنون عديدة ممن تبحر في العلوم وتزود منها، وتنوع مؤلفات الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله- واختلاف مواضيعها ينبئ عن ملكة عظيمة في البحث والقراءة وسعة الاطلاع والتعمق في أمهات الكتب، وكان مرجع هذا التنوع والتعدد في الموضوعات صفات تميز بها الشيخ -رحمه الله- من أبرزها:


أولاً: التزامه منهج السلف الصالح في العقيدة:

وهذا واضح جلي لا يحتاج إلى برهان، وحسبك به إخراج (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) وشيخ الإسلام من هو في تأصيل وكتابة منهج السلف الصالح -قدس الله روحه- وكذلك في إظهار الحق والرد على أهل البدع والمخالفات والأهواء.

وكذلك جمع ونشر كتاب (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) لأئمة الدعوة السلفية، وهي تزخر بتقرير العقيدة والرد على المخالفين.

وأثنى -رحمه الله- ثناءً عطراً على شيخ الإسلام لنصرة مذهب السلف، فقال في مقدمة (مجموع الفتاوى):

"أما بعد: فإن شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الخضر بن تيمية النمري الحراني العالم الرباني، سيد الحفاظ، بحر العلوم، مفتي الأمة، قريعة الدهر، أعجوبة الزمان، حجة الله على عباده الجامع بين العلوم النقلية والعقلية بأنواعها، ومذاهب أهل الملل والنحل، وآراء المذاهب، ومقالات الفرق؛ ما لا يعلم مثله عن أحد من علماء الأرض لا قبله ولا بعده، مع بيان حقيقة الشريعة المطهرة على الوجه الصحيح وقوة الحكم".

* كما أن في تعقبه وملاحظاته على كتاب "الدرة المضية" للإمام السفاريني، التزام بمنهج أهل السنة والجماعة وذلك عندما شرحه وحشى عليه، قال - رحمه الله - في مقدمته: "..... ونبهت على ما خالف المصنف فيه مذهب السلف....".


* وفي مقدمة (حاشية كتاب التوحيد) التي أخرجها إنباء عن حرص على التوحيد، وتقريره، وذكر ما ينقص كماله أو ينافيه.

* يقول -رحمه الله- في كتابه (السيف المسلول على عابد الرسول) راداً على علي بن محمد الرشيدي:

".... هلا كان نصرتك للحق، ودعوتك في رد العظائم، في جهتكم وغيرها، المضادة لأصل الإسلام، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ من الشرك بالله وأعظمها عبادة الأنبياء والصالحين وغيرهم، وأشهرها عبادة القبور، التي طبقت العالم إلا من شاء الله.

ولقد اتخذوها في هذه الأزمان معابد، وزخرفوها بالأبنية الضخمة، وموهوها بالذهب والفضة، وكسوها بأنواع الحرير، وازدحموا عندها يعكفون، ويطوفون، ويتمسحون، ويذبحون لها، وينذرون، ويخضعون لها، ويذلون، ويخشعون؛ بل يحصل لهم من الرقة والخشية والدعاء والمناجاة ما لا يحصل لهم إن قصدوا المسجد للصلاة، بل لا تكاد ترى عليهم من الخشوع والابتهال في الصلاة معشاره عند القبور.

ويعتقدون أن الصلاة عندها وفيها وإليها أفضل من الصلاة في بيوت الله - عز وجل - ؛ ويقصدونها من الأماكن البعيدة، وربما تكون بحذائهم مساجد مهجورة معطلة، وإذا أدركوا الصلاة في تلك المساجد، كان عندهم أفضل؛ وهي ليست مقصودة، لكونها بيوتاً لله، بل لكونها مقامات ومشاهد، لمن نسبت إليه، من أهل تلك القبور؛ يدل على ذلك: أنهم لا يسمونها إلا مقامات، وحضرات، ومشاهد، وليس مقصودهم،


 إلا التقرب بالميت وبحضرته.

وكثير ممن زين لهم الشيطان أعمالهم، يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت، فيقول اغفر لي، وارحمني، ونحو ذلك، ويسجد له؛ ومنهم من يستقبل قبره، ويصلي إليه مستدبر الكعبة؛ ويقول: القبر قبلة الخاصة؛ والكعبة قبلة العامة.

قال بعض أهل التحقيق: وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهداً، يحبون ألهتهم أكبر من حب الله؛ يغضب أحدهم لهم ولحرماتهم أعظم مما يغضب لله ويستبشر بذكرهم، ويسر به، ويحن قلبه، ويهيج من لواعج التعظيم بذكرهم، والخضوع لهم؛ وإذا ذكر الله وحده لحقتهم وحشة وضيق وحرج؛ بل تراهم يقفون عندها، أخشع من موقفهم في عرفات ويفضلونها والحج إليها على حج بيت الله الحرام، والسفر إليها على السفر للحج، وغير ذلك مما هو معلوم، عند جميع أهل العلم بدين الإسلام، أنه مناف لشريعة الإسلام.

وطائفة من علمائهم: صنفوا كتباً وسموها: مناسك حج المشاهد؛ وأما الكتب المصنفة باسم الزيارة، والمولد، والتحريض على التوسل بالأموات ودعائهم وإهداء النذور لهم والصدقات، فأكثر من أن تحصر؛ فأين نصرتك للحق والحالة هذه؟! بل تخطيت بالرد على من نهى عن ذلك....." ([105]).


ثانياً: عدم تعصبه لمذهب معين:

فالشيخ - رحمه الله - حنبلي المذهب ومع هذا يورد أقوال الأئمة كما في (حاشية الروض) وغيرها مستهدياً بالدليل من الكتاب والسنة.

وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه (حاشية الروض المربع): فقال: "....... ولا يجب التزام مذهب معين إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن التزم مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له فعله، فإنما يكون متبعاً لهواه، فإنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو محرماً، ثم يعتقد الواجب حراماً والمحرم واجباً بمجرد هواه كمسألة الجد وشرب النبيذ، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بالدليل، أو رجحان مفت فيجوز بل يجب، والعاجز إذا اتبع من هو من أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح، فهو محمود مثاب، والله الموفق للصواب...." ([106]).

* وقال - رحمه الله - في ذم التعصب: "..... التعصب إلى المذاهب والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض، والدعوى إلى ذلك، والموالاة عليه من دعوى الجاهلية. والواجب على المسلم أن يكون أصل قصده طاعة الله وطاعة رسوله، ويدور على ذلك ويتبعه أينما وجده، ولا ينتصر لشخص انتصاراً مطلقاً إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا لطائفة انتصاراً مطلقاً عاماً إلا لأصحابه.


فإن الهدى يدور مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث دار ويدور، حتى قال أبو الحسن الكرخي الحنفي: الأصل قول أصحابنا فإن وافقه نصوص الكتاب والسنة فذاك، وإلا وجب تأويلها، وجرى العمل عليه، وفي جامع الراموز وغيره: المذهب أنه لا يقلد أحد من الصحابة ولا التابعين إلا أبا حنيفة، بل منهم من أدخل في الإسلام المذهب، وادعى الجويني وغيره وجوب انتحال مذهب الشافعي على كافة المسلمين.

حتى على العوام الطغام، بحيث لا يبغون عنه حولاً، ولا يريدون به بدلاً، وقيل غير ذلك مما يستحي العاقل من حكايته فضلاً عن نقله"([107]).

* وقال - رحمه الله - "عن فضل الأئمة الأربعة وكذا غيرهم من أئمة الدين. ووجوب توقيرهم واحترامهم، والتحذير من بغضهم وأذاهم. قد تظاهرت به الآيات وصحيح الأخبار والآثار، وتوارت به الدلائل العقلية والنقلية، وتوافقت، وهم أهل الفضل علينا، ونقلوا الدين إلينا، وعول جمهور المسلمين على العمل بمذاهبهم، من صدر الإسلام إلى يومنا هذا، بل لا يعرف العلم إلا من كتبهم، ولم يحفظ الدين إلا من طريقهم، فيجب احترامهم، وتوقيرهم، والاعتراف بقدرهم وتحسين الظن بهم، فهم من خيار الأمة، وخلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة أقوالهم سبب للإصابة، ومعرفة الحق، لاسيما أهل الحديث، فإنهم أعظم الناس بحثاً عن أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته وطلباً لعلمها، وأرغب الناس في اتباعها، وأبعد الناس عن اتباع ما يخالفها ومقدمهم الإمام أحمد بن حنبل، الذي قال فيه شيخ الإسلام


 وغيره: أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً، كما يوجد لغيره، لكن لا ندعي فيه ولا في أحد منهم العصمة، ولا نتخذهم أرباباً من دون الله، وما وجد في بعض كتبهم من خطأ فمردود على قائله، مع إحسان الظن به، والفقهاء المنتسبون إليهم لم يختاروا مذاهبهم عند عدم الدليل، إلا عن اجتهاد لا مجرد رأي وتقليد، كما ظنه من لم يحقق النظر في مصنفاتهم. ومع ذلك فليسوا بمعصومين"([108]).

* وأثنى - رحمه الله - على أئمة الدعوة وعلماء السلف في مواضع كثيرة فقال - أجزل الله مثوبته ورفع درجته -:

"وبالجملة: فمن تأمل حالهم، واستقرأ مقالهم عرف أنهم على صراط مستقيم، ومنهج واضح قويم؛ شمروا عن ساعد الجد والاجتهاد، وصرفوا عنايتهم في نصرة هذا الدين، الذي كان الأكثر في غاية من الجهالة بمبانيه العظام، ونهاية من الإعراض عن الاعتناء به والقيام، فشرعوا فيه للناس موارد، بعد أن كان في سالف الزمن طامساً خامداً، وعمروا لهم فيه معاهد، حتى صار ظاهراً مستنيراً مشاهداً ....." ([109]).


ثالثاًَ: الدقة المتناهية في عبارات وألفاظ كتبه:

فلا تجد حشواً ولا تكلفاً؛ يتضح ذلك جلياً في (حاشية الروض المربع) و(حاشية كتاب التوحيد) وغيرهما، من مؤلفاته.

يقول - رحمه الله -: "....إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وبدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، وبمراعاة علم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق، ونسأل الله بأسمائه الحسنى الهداية والتوفيق، لما اختلف فيه من الحق إلى أقوم طريق...." ([110]).

* ويقول - رحمه الله - في مقدمة كتاب (حاشية الروض):

"....ينبغي لكل مبتدئ في فن من فنون العلم أن يعرف مبادئه قبل الشروع فيه، ولما كان الفقه من أنفع العلوم وأهمها، كما قال ابن الجوزي - رحمه الله -: الفقه عليه مدار العلوم، فإن اتسع الزمان للتزيد فليكن من الفقه، فإنه الأنفع، وقيد المهم من كل علم، فهو سيد العلوم انتهى، فلذلك نذكر المبادئ العشرة المشار إليها في قول بعضهم، ونمثل بالفقه وهي هذه:

إن مـبادي كـل فـن عشر

الحـد والموضـوع ثـم الثمرة

وفضـله ونسبـة والواضـع

والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى

ومـن درى الجميع حاز الشرفا


فالمهم من ذلك معرفة الحد وهو أصل كل علم، ومعناه: الوصف المحيط الكاشف عن ماهية الشيء، وشروطه طرد وعكس، ومعنى الطرد: إدخال المحدود، والعكس: إخراج ما عداه، فإن لم يطرد وينعكس فليس بحد، والموضوع: وهو ما يقصد بيانه، والثمرة - ويقال لها الفائدة أيضاً - وهي ما ينتجه، إذا عرفت ذلك فحد الفقه: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصلية، وموضوعه: أعمال المكلفين من العبادات والمعاملات، وثمرته: الاحتراز من الخطأ في القيام بالعبودية، وفضله: ما فضل به على غيره، ونسبته إلى العلوم كنسبة الفرع إلى أصله، والواضع هو الله - تعالى -، والاسم: يعني الفقه، والاستمداد: يعني من كلام الله - تعالى - وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وحكمه: أنه فرض عين فيما يجب، وفرض كفاية فما زاد على ذلك، ومسائله ما يذكر في كل باب من أبوابه، وهي جمع مسألة وهي القضايا المبرهن عنها في العلم، ويقال في كل فن من العلم كما في فن الفقه، فافهم ذلك والله أعلم([111]).


رابعاً: إجلاله للعلماء وثناؤه عليهم:

وإرجاع الفضل لأهله بعيداً عن العجب والأنانية، وكأنه لم يعمل شيئاً مع عدم التشكي والتذمر وذكر ما لاقاه من مشقة وتعب.

قال - رحمه الله - في مقدمة (مجموع فتاوى شيخ الإسلام): "وأشار علي شيخنا - حفظه الله - لما رتبت فتاوى علماء هذه الدعوة - وكان لدي من فتاوى شيخ الإسلام جملة كثيرة - أن أرتبها أسهل للمراجعة، ففعلت وأراجعه فيما يشكل، ثم جمعت من نجد والحجاز مجلدات، ورتبتها.

ولما سافرت للمعالجة جمعت ما تيسر وساعدني الابن محمد - وفقه الله - وضممت ما تحصل على ما رتبته، وما توفيقي إلا بالله"([112]).

* ويقول - رحمه الله - في مقدمة (الدرر السنية): "..... وأعانني عليه شيخنا الفاضل الحبر الثقة الشيخ محمد بن إبراهيم .... وحرره وهذبه، وأعدته وأبديته عليه فزهى...." ([113]).

* ويقول - رحمه الله - في مقدمة (الدرة المضية): "..... فإنه لما عزم من وفق لبث العلوم الدينية على نشر هذه العقيدة الجليلة، المتضمنة لجل عقائد الفرقة المرضية، طلب مني أن أكتب عليها حاشية وجيزة عجالة، فأجبته إلى ذلك رجاء المثوبة......" ([114]).

* بل ولا تجد في جميع مؤلفاته وكتبه ثناءً أو ذكراً إلا لفئة العلماء فحسب - الذين ورثوا ميراث النبوة - .


خامساً: أمانته العلمية في النقل والعزو إلى المصادر:

القارئ المتابع لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله - يلحظ دقته وأمانته في النقل؛ فانظر مثلاً قوله في (حاشية كتاب التوحيد) "قال شيخنا" - وهي مشافهة.

وانظر إلى أمانة النقل عندما نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخضر حي، واستدرك عليه في الهامش، قال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (الردود): "وهذه الفتوى لم نر من نقلها عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قبل الشيخ ابن قاسم - رحمه الله تعالى - جامع الفتاوى وقد علق عليها بقوله (4/338) "هكذا وجدت الرسالة".

ومعلوم أن الشيخ ابن قاسم - رحمه الله تعالى - لا يعلق على الفتاوى بمثل ذلك؛ لأنها تخالف سائر فتاويه وأقواله في الخضر، وينقله عنه الكافة، وبخاصة أخص تلامذته ابن القيم - رحمه الله تعالى - وغيرهم من أهل العلم - رحمهم الله - في هذا"([115]).

وذكر لي الوالد - رحمه الله - أنه أشار إلى الجد بعدم وضع هذه الفتوى حتى لا تثير أشكالاً، ولكن الجد - رحمه الله - أثبتها وعلق عليها. وبهذا انتفى الحرج من وضعها. خاصة أن هناك أقوالاً لشيخ الإسلام تثبت أن الخضر ميت كما في مجموع الفتاوى (1/249) و(27/100) وكذلك في منهاج السنة (4/93) وغيرها.


* وقد ذكر في كتاب (الزهر النضر في حال الخضر) للحافظ ابن حجر تحقيق صلاح الدين مقبول، ذكر المحقق قولاً لشيخ الإسلام في حياة الخضر ثم نقض هذا القول المنسوب إليه بعدة أدلة وكان مما قاله المحقق:

"تعليق الشيخ عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي (جامع فتاوى شيخ الإسلام) على هذه الفتوى بقوله: "هكذا وجدت هذه الرسالة".

ثم قال للمحقق: ومن عادة جامع الفتاوى بأن لا يعلق مثل هذه التعليقات ولكنه - في نظري - اضطر إلى هذا التعليق في هذا المكان ما رأى فيه من رأي شاذ حول حياة الخضر، يخالف جميع أراء شيخ الإسلام، فنبه عليه، وهذا التعليق ممن رتب الفتاوى الذي له اطلاع واسع دقيق على جميع كتابات ابن تيمية الموجودة مثير للشك ولا ريب أنه تعليق دقيق ووجيه في محله ولابد"([116]).

* وتأمل في دعاء ختم القرآن ولم يتضح له أنه من كلام شيخ الإسلام فلم يوضع في الفتاوى؛ حتى يسر الله - عز وجل - للوالد - رحمه الله - ووجد نسخة له فأضافه في (المستدرك على مجموع الفتاوى).

* ومن أمانته - رحمه الله - ودقته لمن تأمل في هوامش مجموع فتاوى شيخ الإسلام يجد عبارات كثيرة في ثنايا المجلدات: (سقط مقدار ثلاث كلمات) أو (هكذا في الأصل) أو (سقط في الأصل) أو (سقط مقدار نصف سطر) أو (سقط مقدار ثلاث كلمات) أو (خرم في الأصل مقدار كلمتين) بل ومن شدة أمانته في النقل وحرصه على إيصال العلم يجعل الكلمة التي صعبت قراءتها ولم يستطع فك رموزها يكتبها كما رسمت بالخط ويكتب موضحاً: (هكذا في الأصل).


سادساً: مما تميزت به مؤلفاته . طرح القبول لها وهذا - ولله الحمد - واضح جلي:

قال الشيخ بكر أبو زيد - وفقه الله - وهو يتحدث عن (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية): "..... إن هذا المجموع المبارك "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن قاسم هو غرة في جبين الدهر، زينة لأهل الإسلام، لسان صدق للعلماء، عمدة للباحثين، نفع الله به أقواماً بعد آخرين، وقد انتشر في العالمين انتشار العافية، وكتب له من القبول والانتشار ما يعز نظيره في جهود المتأخرين فالحمد لله رب العالمين...." ([117]).

* وقد ذكر الشيخ عبد الله بن منيع - وفقه الله - القصة التالية:

قام فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - بجمع ما تيسر له جمعه من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، واستصدر سماحة الشيخ [محمد بن إبراهيم] - رحمه الله - أمراً من الملك سعود - رحمه الله - بطباعته على نفقته الخاصة، وبعد تمام طبعه وتوزيعه قلت لسماحته: لا شك أن الشيخ عبد الرحمن ثقة وثبت أمين فيما ينقله عن شيخ الإسلام إلا أن توفر القناعة في أمانته وثقته وعدالته مقصورة على من يعرفونه ومن يعرفون من يعرفونه أما من يجهله وما أكثرهم في بلادنا وفي غير بلادنا من البلدان الإسلامية فقد يكون تردد في قول النقل ما لم يعز إلى جهة الأخذ منه سواء كان ذلك من رسائل مشهورة أو من رسائل مخطوطة في مكتبة من المكتبات التي أخذ منها ولم يعز - رحمه الله - شيئاً من مجموعه فإذا ترون سماحتكم إصدار


شهادة توثيق لسلامة ما نقله عن شيخ الإسلام منكم ومن الشيخين عبد الله بن حميد وعبد العزيز بن باز ليكون ذلك أدعى إلى القبول العام، فلم يستصوب سماحته هذا الاقتراح، ورده بقوله: "إن كان ما تريد نسختك فرجعها لنا". والحمد لله بأن الأمر كما اطمأن إليه سماحته فلم يكن شيء مما كنت أتخوفه ولم يكن اقتراحي مزعزعاً عقيدته في هذا المجموع واعتباره من أنفس الأسفار"([118]).

* ومن طرح القبول لمؤلفاته ما نراه الآن من جعلها مرجعاً للعلماء والمتعلمين، فلا يخفى كثرة عزو علماء المسلمين إليها والأخذ عنها والنهل من معينها، وقد ذكرت ثناء العلماء على مؤلفاته في مظانها.

*كما أن في جعل كتابه: "حاشية الروض المربع" منهجاً مقرراً على طلاب كلية الشريعة من طرح القبول لمؤلفاته.

ومن تتبع كثرة طبعها وتوزيعها في الداخل والخارج وجد أثر ذلك ولله الحمد.

* قال الشيخ محمد آل إسماعيل: "..... وقد لقيت كتب الشيخ ابن قاسم ومؤلفاته قبولاً في حياته وأثنى عليها أقرانه وزملاؤه حتى أن أستاذي وشيخي الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش هو الذي عرفني بكتب الشيخ ابن قاسم في حياته، وأهداني كثيراً منها ودرسني في حاشيته على الرحبية في علم الفرائض وحفظت بفضل الله الرحبية مع حاشيتها، هذا مع أن الغالب أن العالم لا يسلم من حسد الأقران وداء المعاصرة خصوصاً في حياته، ولكن ابن قاسم - رحمه الله - لقيت كتبه قبولاً في حياته لدى شيوخه وأقرانه،


 بل أثنى زملاؤه عليها ودرسوها ودرسوا تلاميذهم فيها وعرفوا تلاميذهم عليها...." ([119]).

* ومن طرح القبول لها حفظها سنوات طوال وعقود متتالية حتى خرجت إلى النور، قال العم الشيخ سعد: "أتعجب من حفظ الله - عز وجل - لكتب الوالد عندما كانت مخطوطة وبقيت سنوات بعضها يزيد عن الأربعين سنة وكان يحفظها - رحمه الله - في دولاب خشب ثم وضعها في صناديق حديد وبقيت محفوظة".

قال: "وبعضها وجدتها مدبوسة بمشابك وأخرى بمسامير كبيرة".

* ومن توفيق الله - عز وجل - أن سخر ابنه العم الشيخ - سعد بن قاسم - لمراجعة ونشر مؤلفاته بعد وفاته بسنوات تصل إلى ثلاثين عاماً وهو يسعى - مشكوراً مأجوراً - في مراجعتها وتصحيح بروفاتها ومطابقتها على الأصل.

ومن توفيق الله ومنته أن سخر ابنه العم الشيخ - ناصر بن قاسم - إلى تبني طباعتها من ماله الخاص وبيعها بسعر يقارب سعر التكلفة مع كثرة الكتب المتبرع بها من قبله.

فنفع الله بجهود الأعمام - وفقهم الله - فهي متممة لجهد - الجد - رحمه الله - .


سابعاًَ: مما ظهر جلياً واضحاً في مؤلفاته الثبات على المنهج:

في جميع مؤلفاته مع تنوعها وكثرتها واختلاف أزمنة جمعها وتأليفها ففي أول مؤلفاته التي خرجت تجد نفساً مثله في آخر مؤلفاته إن لم يكن قد زاد ثباتاً وتمسكاً بالمنهج السلفي المستمد من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.

وهذه منة وفضل من الله - عز وجل - عليه، خاصة في زمن بدأ الانفتاح على هذه البلاد وتأثر الكثير بالأفكار الوافدة وظهور الترخص والبعد عن المظهر الواجب واتباع السنة.

هذا إضافة إلى سفره للخارج سواء البلاد العربية أو بلاد أوروبية للعلاج وجمع الفتاوى، في زمن ندر من يسافر خارج بلدته، بل وإقامته الشهور الطويلة هناك، ومع ذلك كان مثالاً للمؤمن المتمسك بعقيدته المعتز بدينه، ومن ذلك إنه كان يسافر بلباسه المعتاد في بلده (الثوب والشماغ).

وقد ثبته الله - عز وجل - ثباتاً في حياته العامة ومؤلفاته وكتبه، فلله الحمد والثناء وعظيم الشكر.


ثامناً: ترتيب مؤلفاته الفقهية على أبواب الفقه المعروفة:

وهذه مزية اكتسبتها مؤلفاته وصبغة علمية ومنقبة أكاديمية.

* ففي (الدرر السنية) مثلاً: أثنى عليه في هذا الجانب الشيخ محمد بن عبد اللطيف - رحمه الله - فقال في تقريظه (للدرر السنية):

".... وقد رتبها الترتيب الموافق وتابع بينها التتابع المطابق، لاسيما المسائل الفقهية، التي رتبها على حسب أبواب الفقه، وفرقها فيها من غير إخلال بشيء من المقصود فكان هذا المجموع هو الدرة المفقودة، والضالة المنشودة...." ([120]).

* وقال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - أيضاً عن ترتيب (الدرر السنية):

".... وقد أجاد ترتيبها بما يسهل على المستفيد طريقة ما يقصد من الفائدة ويريد، لاسيما المسائل الفرعية...." ([121]).

وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري - رحمه الله - عن (الدرر السنية):

"وقد أجاد وفقه الله في ترتيبها، وجمع مشتتها وتبويبها، لاسيما المسائل الفقهية، والفتاوى الفرعية فإنه رتبها على تبويب متأخري الفقهاء من أصحابنا - رحمهم الله - ".

وقس على ذلك بقية كتبه كـ (حاشية الروض المربع) وغيرها - رحمه الله وأجزل مثوبته - .


تاسعاً: سلاسة عباراته وتجانسها وحسن انتقائها وجمال عرضها وبعدها عن الحشو والتكلف والكلام الإنشائي المكرر:

وانظر إليه في مقدمة كتابه (حاشية الروض) يكسب العبارات بتجانس عجيب.

يقول - رحمه الله -:

"..... أما بعد، فإن زاد المستقنع وشرحه قد رغب فيهما طلاب العلم غاية الرغب، واجتهدوا في الأخذ بهما أشد اجتهاد وطلب؛ لكونهما مختصرين لطيفين، ومنتخبين شريفين، حاويين جل المهمات، فائقين أكثر المطولات والمختصرات، بحيث إنه يحص منهما الحظ للمبتدي، والفصل للمنتهي، وخدمهما علماء العصر كالشيخ عبد الله أبا بطين، والشيخ عبد الله العنقري، وعبد الوهاب بن فيروز، بالحواشي مفردة، وعلى الهوامش، من لا أحصيهم مكثر ومقل، فتطفلت بوضع هذه الحاشية، منتخبة من تلك الحواشي، ومن تقرير شيخنا محمد بن إبراهيم آل الشيخ....".

ويقول - رحمه الله - في مقدمته للدرر السنية:

"وأعانني عليه شيخنا الفاضل الحبر الثقة الشيخ محمد بن إبراهيم .... وحرره وهذبه، أعدته وأبديته عليه فزهى، فظهر عليه آثار القبول وبهى، كررت الفقه عليه مراراً، والأصول وغيرها أمراراً....".


عاشراً: ظاهرة التواضع والضراعة والابتهال إلى الله - عز وجل - بادية في مؤلفاته وكتبه - رحمه الله -:

وحسبك به في مقدمة مؤلفاته أمثلة واضحة وشواهد ساطعة:

يقول في مقدمة (حاشية الروض المربع) والتي تقع في سبعة مجلدات وتدرس في كليات الشريعة بالمملكة، ويتخرج عليها العلماء والقضاة، يقول في المقدمة: "فتطفلت بوضع هذه الحاشية".

* وفي كتاب (حاشية التوحيد) كتب - رحمه الله - "..... ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصر منتخبة....".

* وفي كتابه (أصول الأحكام) ويقع في أربعة مجلدات كبيرة يعرف به فيقول: "..... هذا مختصر يشمل على أصول الأحكام....".

* وفي مقدمة (حاشية الرحبية) قال: "هذه حاشية وجيزة علقتها...".

* وقال في مقدمة (الدرر السنية) وتقع في ستة عشر مجلداً: "..... فأمرني من تجب طاعته علي أن أجمعها، وأرتبها حسب الطاقة، مع أني لست من أهل تلك البضاعة....".

* وقال - رحمه الله - في مقدمة (حاشية الروض المربع): "..... ولست وإن بذلت الجهد قد بلغت النهاية، بل خطوة في البداية. فميدان العمل فيه سعة لمن شحذ همته، وبذل نصحه، وشرعة لمن خلصت نيته....".

* وقال - رحمه الله - في مقدمة (ملخص الفواكه العديدة في المسائل المفيدة): ".... وإن كنت لست لهذا الشأن أهلاً، ولا ممن يجول في ميدان النبلاء.....".


* والملاحظ أن مقدمات كتبه - رحمه الله - أقل من صفحة كما في (حاشية كتاب التوحيد)، وصفحتين في (حاشية الروض المربع)، وفي (مجموع فتاوى شيخ الإسلام) خمس صفحات فقط. ومجموع هذه المؤلفات (45) مجلداً، والمقدمات التي كتبت ليس فيها مدح للذات أو استجداء بالكمال! بل وبعض مؤلفاته كتبت بدون مقدمة كما في (حاشية الآجرومية) وغيرها.

والعجب شدة تواضعه وهو يخرج نفائس شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى) ثم هو يقول عنها: ".... فجمعت منها أكثر من ثلاثين مجلداً ورتبتها وهو بدء؛ وإلا فعسى الله سبحانه أن يقيض لفتاويه من يجمعها من مشارق الأرض ومغاربها ومن المكتبات التي لم نطلع عليها، ويلحقه بما جمعته منها؛ فهو سبحانه المستعان...." ([122]).


الحادي عشر: محبته لمؤلفات السلف وعنايته بها:

وما قام به من شروحات عليها أوضح دليل، بل وفي اهتمامه وحرصه على نشر مؤلفات أئمة السلف كشيخ الإسلام وأئمة الدعوة النجدية في (الدرر السنية) دليل ناصع على ذلك.

قال - رحمه الله - في مقدمة (مجموع فتاوى شيخ الإسلام):

"... وأعيذ بالله من قول يتولاه أن يحش عليه، فهو ذهب مصفى، حققه من قد علمت نزراً من مزايا فضله، فهو غني عن زعم تحقيق بعض العصريين الذين لم يبلغوا شأواه، وغني عن عنونتهم وغيرها أثناء كلامه، وعن تعليقاتهم: فلبعضهم من الاعتراضات والسقطات ما يعرفه الناقد البصير..."([123]).

* قال الشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان - وفقه الله - في مقال له في مجلة الدعوة: "... ففي كتاب تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - (2/1133)، وفي ترجمة الإمام البيهقي نقل الذهبي عن إمام الحرمين أبي المعالي قوله: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن له المنة على الشافعي، لتصانيفه في نصرة مذهبه..." انتهى.

ومن المعلوم ما للإمام البيهقي من الرسوخ والمكانة في التصنيف والانتصار لمذهب الشافعي.

شاهد المقال: أنني عندما قرأت تلك العبارة تبادر إلى ذهني غير واحد من المصنفين الذين كان لهم أثر بارز في خدمة كتاب معين أو علم إمام معين.


فمن الصنف الأول الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - فقد قام بخدمة صحيح البخاري بصورة قلّ أن يكون لها مثيل من حديث التحقيق العلمي والنقل الموثق، ناهيك عن الفوائد، وما أحسن قول القائل لو رأى ابن خلدون - فتح الباري - لتيقن أن ابن حجر قد قام بسداد الدين الذي حمله ابن خلدون لأمة الإسلام في صحيح البخاري، كما أشار إلى ذلك بعض أهل العلم.

وأما الصنف الثاني - وهم من خدموا علم إمام معين - بل زادوا على ذلك، فمن أبرز المتأخرين: الشيخ الفقيه المصنف الجامع، صاحب الهمة العالية والقلم المصابر والحواشي النفسية عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - رحمه الله تعالى - الذي أثنى عليه من عاصره وكثير ممن أتى بعده، فهذا الشيخ المجاهد الصابر الزاهد ممن كان له فضل بعد الله - تعالى - على كثير من أهل العلم علماء وطلبة علم من عاصره وممن أتى بعده إلى ما يشاء الله - تعالى -، وبيان ذلك من وجوه خمسة:

الوجه الأول: جمعه لـ "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" وإني لأحسب أن ما بذله من جهد مالي وبدني ووقتي، وما تكبده من مشاق السفر والتغرب عن الأهل والوالد والبلد في سبيل تحصيل العلم عامة وفي جمعه لما تفرق وتناثر من علم لشيخ الإسلام بخاصة، من أعظم القربات عند الله تعالى، ومما يؤكد ذلك ويصدقه ما كان لذلك المجموع العظيم من النفع العظيم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً - إن شاء الله تعالى - وإني لأكاد أجزم أن هذا المجموع لا تخلو في الغالب مكتبة خاصة أو عامة حكومية كانت أو أهلية أو


خيرية إلا وله مكان فيها.

الوجه الثاني: جمعه لـ "الدرر السنية في الأجوبة النجدية": فهذا المجموع القيم أثنى عليه غير واحد من مشايخ العلم، وفيه من العلم الغزير والتحقيق المفيد الشيء الكثير.

الوجه الثالث: ما سطره الشيخ عبد الرحمن - رحمه الله تعالى - من تلك الحواشي النفيسة التي حوت درراً متنوعة من فنون العلم: ومن تلك الحواشي:

1- حاشية كتاب التوحيد.

2- حاشية الأصول الثلاثة.

3- حاشية الرحبية.

4- حاشية مقدمة التفسير.

5- حاشية على متن الآجرومية.

6- أما أكبر الحواشي التي كتبها الشيخ، فهي حاشية "الروض المربع"، فهي بحق أن تسمى بـ "أم الحواشي" لما ضمنها الشيخ من التعليقات النفسية والتحريرات العلمية الرصينة.

وحدثني شيخي محمد المعيوف - أثابه الله تعالى - بما معناه: أن الشيخ ابن قاسم قد أودع كثيراً من أقوال واختيارات شيخ الإسلام في هذه الحاشية، ذلك لدراية الشيخ عبد الرحمن واطلاعه الواسع على كلام شيح الإسلام، وحسبك الفائدة التي جناها الشيخ من جمعه لفتاوى شيخ الإسلام.

وهذه الحواشي - وبخاصة الأخيرة - قد لاقت قبولاً واستحساناً وثناء من أهل العلم، علماء وطلبة علم.


الوجه الرابع: ما ألفه الشيخ استقلالاً، ومن ذلك:

1- السيف المسلول على عابد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

2- أصول الأحكام.

3- شرح أصول الأحكام.

4- وظائف رمضان.

5- مقدمة في أصول التفسير - والحاشية السابقة رقم (4) شرح لها.

6- رسالة لطيفة في تحريم حلق اللحى.

7- تراجم أصحاب الرسائل والأجوبة المذكورة في الدرر السنية، وقد جعل تلك التراجم ذيلاً للدرر السنية([124]).


الثاني عشر: تعظيمه لأمر الشريعة واعتناؤه بالدليل من الكتاب والسنة كما ذكر ذلك في مقدمة (حاشية الروض):

"... يتعين الاعتناء بالكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:59] في غير موضع من كتابه، أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله، واعتنوا بهما، ففيهما الهدى والنور، وحذر عن مخالفتها، فعلى المتمسكين بالمذاهب أن يعتنوا بالشريعة المطهرة أكثر، ويعرضوا أقوال الأئمة عليها، ليعلموا بذلك مذاهب أئمتهم الحقة، وعليهم أن يرجعوا إلى الأدلة الشرعية التي اشتهر العمل بها بين علماء المسلمين، خلاف ما لهج به غالب المتأخرين من أتباع الأئمة، من اقتصارهم على الكتب الخالية من الدليل، وإعراضهم عن الكتاب والسنة وكثير من الآراء التي يعتقدونها مذاهب لأئمتهم، بعضها مخالف لمذاهب أئمتهم. فضلاً عن الكتاب والسنة. وما عليه جمهور الأمة وما كان كذلك ليس بمذهب لأحد من الأئمة. كما علم عنهم..."([125]).

* ويقول - رحمه الله - في مقدمة (حاشية الروض المربع):

"... وأحرص إن شاء الله أن لا أطيلها إلا بقواعد وبراهين ومهمات تثلج الصدر، وتبرد الوحر. ويطمئن لها قلب من له طلب مليح، وقصد صحيح..." ([126]).


الثالث عشر: رجوعه في نقولاته إلى أمهات الكتب المعروفة من مؤلفات أئمة الهدى والدين.

فهو في (حاشية الروض) نقل عن جملة من الأئمة الثقلات ومن علماء عصره كما ذكر - رحمه الله -: "... ومن كتب الأصحاب، كالتنقيح والمغنى والزركشي والشرح والمبدع، والمطلع والمحرر، والفروع والتصحيح، والإنصاف، والإقناع، والمنتهى، وحواشيهما، ومن كتب وفتاوى شيخ الإسلام وتلميذيه ابن القيم وابن رجب، ومن كتب الحديث وشروحها.

وكتب أهل المذاهب كالبغوي، والنووي وابن رشد، وغيرهم، مجتهداً في نقل الإجماع عمن تقدم ذكرهم، وعن ابن جرير، وابن كثير، وابن عبد البر، وابن المنذر، وابن هبيرة وغيرهم من أهل التحقيق. مفتشاً على خلاف يعتبر. ومجتهداً في إبراز الدليل والتعليل. وتوضيح القول الصحيح..." ([127]).

* وفي (حاشية كتاب التوحيد) ذكر - رحمه الله - نقولاته من أهل العلم فقال - أجزل الله مثوبته -:

"... ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصرة منتخبة مما أبرزوه وغيره تسهيلاً للطالب، متوخياً فيها ما يلقيه أشياخنا الشيخ عبد الله ابن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد ابن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وغيرهم..." ([128]).


* بل وفي "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" أخرج مؤلفات هذا العالم الجهبذ الذي قل أن تلد الأمهات مثله على مر العصور، وفي (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) أخرج مؤلفات ورسائل أئمة الدعوة النجدية وهي درر ثقال وبحر لا تكدره الدلاء.


الرابع عشر: خدمته لدينه الحنيف والشرع المطهر:

فجميع مؤلفاته باستثناء كتاب التاريخ الذي أخرجه في أول حياته تدور حول العقائد والأحكام وعلوم القرآن، وحسبك جمعه (لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) - قدس الله روحه - وجمعه لرسائل علماء نجد (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) في حقبة اندثرت فيها أكثر تلك الرسائل العظيمة.

وحسبك به إخراج (حاشية الروض المربع) في الفقه وغيرها من المؤلفات الشرعية.

وقد جمعت صفحات كتبه التي طبعت حتى الآن فإذا بها تقارب (40.000) صفحة ومعنى ذلك إذا حسبنا عمره (1312-1392) ثمانون عاماً. وأنه - رحمه الله - يكتب كل يوم بعد بلوغه العشرين، فمعنى ذلك أن يكتب في الستين سنة الباقية من عمره يومياً ما معدله ورقتين تقريباً - رحمه الله - وأجزل الله مثوبته، فقد كان من العلماء المجاهدين.

* قال الحسن البصري: "يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء".


خامس عشر: السعة والشمول وتنوع المعارف في علوم الشريعة واللغة فقد ألف في جوانب متعددة منها:

·       الفقه:

* (أصول الأحكام) و(الإحكام شرح أصول الأحكام) و(حاشية الروض المربع).

·       وعلم الفرائض:

* ألف (حاشية على نظم الرحبية).

·       وعلوم القرآن:

* ألف (مقدمة في أصول التفسير) و(حاشية مقدمة التفسير).

·       والنحو:

* (حاشية الآجرومية).

·       وفي التوحيد:

* (حاشية كتاب التوحيد) و(حاشية ثلاثة الأصول) و(السيف المسلول في الرد على عابد الرسول).

إضافة إلى الكتب الأخرى الشاملة الوافية (كمجموع فتاوى شيخ الإسلام) و(الدرر السنية في الأجوبة النجدية) وغيرهما.


السادس عشر: حرصه على الدليل والبحث عن القول الراجح:

قال - رحمه الله - في مقدمة (حاشية الروض) وكأنه يكتبه لغير عصره وزمانه ومكانه:

"... وقد انتشرت في هذا العصر فكرة التوسع في الاطلاع على المذاهب الأربعة وغيرها، والأخذ منها، وعدم الاقتصار على مذهب واحد، لبني الحكم على الأقوى دليلاً، فأذكر غالباً ما أجمع عليه إن كان، أو ما عليه الجمهور أو ما انفرد به أحد الأئمة وساعده الدليل حسب الإمكان، بحيث يغني عن مطالعة الأسفار الضخمة، وليست - وإن بذلت الجهد - قد بلغت النهاية، بل خطوة في البداية، فميدان العمل فيه سعة لمن شحذ همته، وبذل نصحه، وشرعة لمن خلصت نيته، وأحرص - إن شاء الله - أن لا أطيلها إلا بقواعد وبراهين ومهمات تثلج الصدر، وتبرد الوحر، ويطمئن لها قلب من له طلب مليح، وقصد صحيح، إذ لا التفات لكراهة ذوي البطالة والمهانة، بل قال ابن رشد: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها إلا وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها، وقد يتكلم الشخص على ما يظنه مشكلاً، وهو غير مشكل على كثير من الناس، وقد يشكل عليهم ما يظنه هو جلياً، والكلام على بعض المسائل دون بعض تعب وعناء بدون فائدة تامة، وإنما الفائدة التامة التي يعظم نفعها، ويستسهل العناء فيها، أن يتكلم الشخص على جميع المسائل كي لا يشكل على أحد مسألة إلا وجد التكلم عليها، والشفاء مما في نفسه منها، والحال دون ما ذكر، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله"([129]).


السابع عشر: مقدرته العلمية:

برزت وظهرت مقدرته العلمية في معرفة أقوال أهل العلم والترجيحات، وهذه مزية عظيمة ومنقبة محمودة لمن ألف ودرس ونشر العلم، يقول الوالد عن الجد - رحمهما الله - في مقدمة (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية):

"... واستفاد من هذا الجمع أن اطلع على ترجيحات "شيخ الإسلام" واستدلاله، وحكايته الإجماع، والخلاف، وغير ذلك فأضاف الوالد ذلك إلى مؤلفاته، فاكتسبت ميزة وصبغة تحقيق بسبب عمله المبارك في هذا المجموع..." ([130]).

ويحتاج هذا الجانب العلمي إلى طلبة علم لتتبع ذلك في مؤلفاته.

* ون ذلك قوله - رحمه الله - بقتل الساحر مطلقاً قال - رحمه الله - بعد قول عمر - رضي الله عنه - أن: "اقتلوا كل ساحر".

قال: ظاهره أن يقتل من غير استتابة، وهو المشهور عن أحمد، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة".

وقال - أيضا - بعد أثر حفصة - رضي الله عنها - في أمرها بقتل جارية لها سحرتها: "وهذا الأثر يؤيد قتل الساحر"([131]).

وقد قال بذلك جمع من الصحابة والتابعين، ومن المعاصرين: الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ عبد الله بن قعود، وغيرهم.

وتحتاج مؤلفاته إلى رسائل علمية لاستقراء ترجيحاته واستنتاجه.


الثامن عشر: جهاده وصبره في إخراج المؤلفات:

فقد أخرج - رحمه الله - مخطوطات وأوراقاً متناثرة، ضاعت في أروقة المكتبات، وتاهت في خبايا المنازل؛ كتبت بخط اليد منذ مئات السنين أكل الزمن عليها وشرب، وكساها حلة من الغبار والفرقة، مع رداءة الخط وضعفه؛ والنقل باليد مباشرة لأكثر الموجودات، ورزقه الله الصبر وطول النفس مع العزم والتصميم لاستخراج هذه الكنوز والدرر.

يقول الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله -: "... ورزقه الله الصبر والقوة بحيث لا يعتريه ملل ولا سآمة فأكب على المطالعة والبحث والاستفادة والتنقيب عن أفراد المسائل وأماكن الأدلة حتى نال ما تمناه..."([132]).

فقد بدأ في جمع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية منذ عام 1340هـ وبدأت طباعتها في عام 1381هـ ومعنى ذلك أنه أمضى أكثر من 40 عاماً في الجمع مضافاً إليها سنوات الطبع وقد تجاوزت العشر سنوات.

والجهد واضح في جمعه لرسائل وردود وفتاوى علماء وأئمة الدعوة في نجد في كتاب "الدرر السنية" فقد جمع المادة من بلدان نجد ومن المكتبات الشخصية في زمن ندرت فيه حركة الجمع والتأليف، وإنما هو إلهام من الله وتأتيد لنشر دينه وسنة نبيه.

* وأمضى كذلك في تأليف (حاشية الروض المربع) أكثر من أربعين عاماً في سبكها وحبكها حتى تختال في عباراتها وجميل تبويبها.

* وإن كان رحمه الله بذل جهداً وسافر شرقاً وغرباً فلا عجب في ذلك


فإنه يسير على خطى الأئمة ممن رفع الله بهم راية الدين.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: "أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيارة على ألف فرسخ([133])، لم أزل أحصى حتى لما زاد على الألف فرسخ تركته، أما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة ماشياً، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي على شيء من حديث أبي ليمان فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشياً، كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبعة سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقدمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة والمقرئ حي بمكة، وجاءنا نعيه ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومائتين.

وخرجت المرة الثانية سنة اثنين وأربعين ورجعت سنة خمس وأربعين، أقمت ثلاث سنين، وقدمت طرسوس سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة"([134]).


التاسع عشر: رحلاته في جمع شتات المؤلفات:

طول رحلاته في جمع شتات الكتب هي أشبه ما تكون برحلة أهل الحديث وعلماء الأمصار حتى إنه كان يغيب عن زوجته وأولاده شهوراً عدة، بل وتزيد عن السنتين أحيانا، وقد بقي في بيروت مع مرض لازمه شهوراً تسعة حين جمع (مجموع فتاوى شيخ الإسلام).

وقد ذكر الوالد عن مدة تصفح "الدشوت"(*): أنهم تصفحوا وفتشوا في هذه الدشوت ستة أشهر تقريباً، وذلك لما يقارب (900) مجلد من (12000) مجلد مخطوط ويقول - رحمه الله -: "... وبعد إكمال المجاميع تصفحت كل كتاب لم يذكر مؤلفه، أوله حاشية..." ([135]).

ولم يأت هذا الجهد إلا برحلات كان أولها عام 1372هـ إلى بيروت والشام والعراق وسافر إلى مصر وفرنسا عام 1377هـ وإلى بغداد عام 1380هـ وهذا خاص بمجموع فتاوى شيخ الإسلام وقد استمرت مدة الجمع لهذا المجموع مدة تزيد عن أربعين عاماً.

وغالب العلماء يمضون السنوات الطوال في تأليف مصنفاتهم، يقول ابن حزم: "أنفقت في ذلك أكثر عمري" يعني كتابه "مداواة النفوس" وهو في ثمانين صفحة.

والإمام ابن حجر مكث في تصنيف "فتح الباري" خمسة وعشرين عاماً.

* وفي جمعه (للدرر السنية) سافر إلى مناطق نجد وأطرافها لجمع رسائل


أئمة الدعوة النجدية، فأجزل الله مثوبته ورحمه.

وإن تعجب من طول السنوات وكثرة الأيام والشهور فهاهو الإمام البخاري رحل إلى محدثي الأمصار، وكتب بخرسان والجبال ومدن العراق كلها والحجاز والشام ومصر، وورد بغداد دفعات([136]).

قال الإمام البخاري - رحمه الله - محدثاً عن نفسه: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلا أذكره بإسناده([137]).

وهذا أبو حاتم الرازي كان يرتحل في طلب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشياً على أقدامه، وقال وهو يتحدث عن نفسه: مشيت على قدمي ألف فرسخ([138])، ثم تركت العدد([139]).

نعم يا أهل الهمم، مشى على قدمه أكثر من خمسة آلاف كيلو متر، من أجل جمع أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

وقد سافر من البحرين إلى مصر، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى طرسوس على أقدامه، وضاقت عليه النفقات مرة في البصرة فباع ثيابه حتى نفدت، وجاع يومين، فأعلم رفيقه، فساعده وخدمه([140]).

والمكتبات اليوم عامرة بالكتب وعلى بعد خطوات، ولكن أين المجدون وأين المشمرون؟!


دببت للمجد والساعون قد بلغوا     

جهـد النفوس وألقوا دونه الأزرا

وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم   وعانق من أوفى ومن صبرا


العشرون: غالب مؤلفاته قرأت على علماء أجلاء ورجال فحول، فاكتسبت صبغة علمية واضحة.

ومن ذلك مثلاً: (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) قرئ على الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وغيره من العلماء عدة مرات.

و(الدرر السنية) قرئت على علماء أجلاء، منهم الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد لله بن عبد العزيز العنقري - رحمهم الله -.

و(حاشية الروض) قرأها الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - وقدم لها.

وبعض تلك المؤلفات قرئت عليهم أكثر من ثلاث مرات([141]).

ثم قرئت بعد طبعها ونشرها على جمع من العلماء وأوصوا بقراءتها، منهم سماحة الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله -، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -، والشيخ محمد بن عثيمين - رحمه لله -، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد العزيز الراجحي، والشيخ عبد الكريم الخضير، - حفظهم الله - وغيرهم من أكابر أهل العلم.

ولا تزال عند العلماء وطلبة العلم من أعظم المصادر وأكثرها نفعاً ولله الحمد والمنة.


الحادي والعشرين: الحاجة إلى مؤلفاته في العصر الحاضر:

مع انتشار التعليم والاتجاه نحو التخصص ظهرت الحاجة إلى مؤلفاته في العصر الحديث فـ (مجموع فتاوى شيخ الإسلام) تسابق إليها العلماء وطلبة العلم مثنى وفراداً، ويكفي أنه تم إجازة ما يقرب من عشرين رسالة ماجستير ودكتوراه حول هذا المجموع في داخل المملكة فحسب.

وبعض الرسائل اشتملت على عشرات الصفحات فقط من مجلد واحد!

و(الدرر السنية في الأجوبة النجدية) كانت رماحاً وسهاماً في نحور أصحاب الوهن والمعتزلة والعقلانين وغيرهم من أصحاب البدع والأهواء.

و(حاشية الروض) قررت كمنهج معتمد في كلية الشريعة. فلا يتخرج فيها طالب إلا وقد درس الحاشية كمنهج معتمد مقرر.

وعندما انتشرت - ولله الحمد - الدورات الشرعية والمحاضرات العلمية كان لدروس العلماء والمشايخ نصيب من تدريس وشرح مؤلفاته - رحمه الله -.

* بل قد كان سباقاً إلى عصره وزمانه، فهاهو يقول في (حاشية الروض المربع):

"... وقد انتشرت في هذا العصر فكرة التوسع في الاطلاع على المذاهب الأربعة وغيرها، والأخذ منها، وعدم الاقتصار على مذهب واحد، ليبني الحكم على الأقوى دليلاً، فأذكر غالباً ما أجمع عليه إن كان، أو ما عليه الجمهور أو ما أنفرد به أحد الأئمة وساعده الدليل الإمكان، بحيث يغني مطالعة الأسفار الضخمة..." ([142]).


 وضع اسمه على مؤلفاته

تتبع الدكتور علي جواد الطاهر مؤلفاته - رحمه الله - فقال: "ترد مؤلفات باسم الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ومؤلفات أخرى أكثر منها باسم عبد الرحمن بن محمد بن قاسم... وكان دليلي إلى أنهما اسم واحد لمؤلف واحد، أن ذكر في أحد مؤلفاته عبد الرحمن بن محمد بن قاسم و(هو الإحكام شرح أصول الأحكام) (ج1 دمشق 1375/1957) أسماء كتب المؤلف، أصول الأحكام، حاشية مقدمة التفسير، حاشية ثلاثة الأصول، حاشية الدرة المضية، حاشية الآجورمية، حاشية الرحبية، وقد صدرت هذه الكتب أي أصول الأحكام... إلخ باسم عبد الرحمن بن قاسم.

ثم أن الكتاب الواحد له قد يطبع مرة باسم عبد الرحمن بن قاسم ويطبع مرة باسم عبد الرحمن بن محمد بن قاسم كما حدث في حاشية ثلاثة الأصول، وفي حاشية الرحبية.

ويدل الاستقراء على أنه بدأ ينشر باسم عبد الرحمن بن قاسم ثم عدل إلى عبد الرحمن بن محمد بن قاسم بدليل أن الطبعتين الأوليين من هذين الكتابين ظهرتا باسم عبد الرحمن بن قاسم وأن الطبعات المتأخرة باسم عبد الرحمن بن محمد قاسم.

وهذا وقد جاء في كتاب: "علماء الدعوة" للشيـخ عبد الرحمن بن


عبد اللطيف ص68 وهو يتحدث عن الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ: "وأمر عليه مجموع الرسائل والمسائل النجدية جمع ابن قاسم من أوله إلى آخره... أخذ المذكور في قراءتها على الشيخ ثلاث سنوات" ونحن نعلم جيداً أن صاحب مجموع الرسائل والمسائل وهو "الدرر السنية" هو عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ينظر). وكدت أفصل بين الاسمين لدى توزيع المؤلفات، ولكني فضلت درج المؤلفات تحت اسم واحد مع النص على الكتب التي صدرت باسم عبد الرحمن بن قاسم لدى تسلسها"([143]).

* والذي يظهر أيضاً أنه كان يكتب مؤلفاته المتقدمة باسم: "عبد الرحمن بن قاسم" ثم باسمه الثلاثي: "عبد الرحمن بن محمد بن قاسم" ثم باسم: "عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي القحطاني النجدي" على طريقة السلف وعادتهم في ذكر المذهب والفخذ والقبيلة والموطن، ثم اكتفى في مؤلفاته الأخيرة باسم: "عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي".


المشاركة في الدعوة ونفع الناس:

شارك - رحمه الله - في نفع الناس بجميع المسائل المتاحة في حينه؛ وهو ما بين مقل ومكثر من هذه الوسائل والأساليب حسب الحاجة والتيسير. فقد درس زمناً في المسجد ووعظ وخطب، وألف الكتب وجمع الرسائل، وسافر لجمع المخطوطات، وشارك في وسائل الإعلام التي منها الصحف خاصة في الفترة التي كان يعمل فيها في مكة حين طبع "الدرر السنية" حيث كانت تطبع في مطابع الحكومة التي تصدر منها جريدة (أم القرى) ولعله توقف عن الكتابة بعد عودته إلى بلده.

وقد كتب فيها عدة مقالات متنوعة وجدت منها ما يقارب عشر مقالات بعضها يصل إلى صفحة كاملة في الصحيفة، وكانت تحت عناوين منها: (تجديد المجد الداثر)، ومقال طويل بعنوان: (اللهو الباطل - الغناء والمزاميرـ) ويقع في صفحات موزعة على أربعة أعداد من صحيفة (أم القرى).

وله مقال بعنوان: (العلم وعلو الهمة) وكذلك (البحث في النية) ومقال بعنوان: (هل عبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟) وقد جرت له قصة بعد نشر هذا المقال.

ويظهر أن الفترة التي كتب فيها في الصحيفة الوحيدة في ذلك الوقت هي الفترة التي قضاها في مكة حين طبع (الدرر السنية) في مطبعة الحكومة التي تطبع فيها صحيفة (أم القرى)؛ لأن غالب مقالاته التي حصلت عليها كتبت بين عامي 1357- 1358هـ([144]).


ومن نماذج كتاباته في صحيفة أم القرى:

يقول - رحمه الله - في مقاله: هل عبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟:

"... نعم، عبده كثيرون، ووقع ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذوا القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟" (أي: فمن القوم إلا هم).

وقال: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذوا النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملةٍ كلهم في النار إلا ملةً واحدةً" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"([145]).

فاليهود عبدوا العزير وقالوا: إنه ابن الله، والنصارى عبدوا المسيح وقالوا: انه ابن الله، وقالوا: هو الله، وعبدت هذه الأمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  يدعونه ويناجونه بما يشاؤون من أمورهم، مستغيثين به لائذين به، متوسلين به,

يقول أحدهم إذا قام أو قعد أو أهمه أمر: يا رسول الله.

ويقول الآخر: مالي من ألوذ به سواك.

والآخر: فرج كربي يا رسول الله، أو: اشفع لي يا رسول الله أو: الشفاء يا رسول الله.

ومنهم من ينذر له، ومنهم من يذبح له، ويوقفون لذلك الأوقاف،


 ومنهم من يقول: هذا المال للنبي، أي: قربةً له، وصرفوا له جل أنواع العبادة التي هي حق الله - عز وجل - وعلى ألسنتهم: الله والنبي، وبالنبي، وقد لا يحلف إلا به وإن كان هذا شركاً أصغر، فإنه إذا كان المخلوق في نفسه بمنزلة الخالق - جل وعلا - لا يحلف إلا به، فقد يكون أكبر وفي الحديث: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فقد غلوا فيه كما غلت النصارى في المسيح، وأطروه كما أطرته، وفي الصحيحين عنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"..."([146]).


تسلسل تاريخي لمؤلفاته

من الله - عز وجل - على الجد - رحمه الله - وأنعم عليه بعمر مديد (1312-1392هـ) أي: ما يقارب الثمانين عاماً قضاها في العلم وطلبه ومن ثم في نشره ورفع رايته.وقد بدأ التأليف والجمع في سن مبكرة، حيث بدأ جمع "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" منذ عام 1340هـ وله من العمر حينئذ (28) عاماً.

والتقاريظ التي كتبها العلماء والمشايخ على (الدرر السنية) كانت في وقت مبكر؛ فمثلاً تقريظ الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ في تاريخ 21ذو القعدة 1351هـ وتقريظ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في 20ذو القعدة 1351هـ، وتقريظ الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري في 13هـ ذو الحجة 1351هـ. ومعنى ذلك أنه - رحمه الله - انتهى من جمع (الدرر السنية) وقرأها وقرظ عليها العلماء في عام 1351هـ، وله من العمر (39) عاماً ولا شك أن له سنوات تزيد عن العشر إن لم تكن أكثر في جمع هذا المجموع وترتيبه وقراءته على العلماء.

وهذه النباهة والتميز في إخراج تلك المؤلفات العظيمة في سن مبكرة من نعم الله - عز وجل - عليه وعلى عباده.

والعجب أن الإنتاج في أعمار العلماء يكون متقدماً على غيرهم من عامة الناس، بل وامتاز العصر القديم بذلك فمعاذ بن جبل رضي الله عنه الذي


قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل".

توفى وعمره ثنتان وثلاثون عاماً.

* ومن العلماء أيضاً الإمام النووي - رحمه الله - صاحب التصانيف العديدة والمؤلفات المفيدة في الفقه والحديث والسلوك واللغة، توفى وعمره خمس وأربعون سنة.

وهذا ابن الجوزي يحدث عن نفسه فيقول: "... كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلدة...".

وقد مكث الإمام الطبري أربعين سنة يكتب كل يوم منها أربعين ورقة.

ورغم أعمارهم القصيرة إلا أن الله نفع بعلمهم وبارك في أوقاتهم، ومن تقاصر ثمانين سنة من عمره فلينظر إلى أعمار هؤلاء وماذا قدموا لأنفسهم ولدينهم.

هذا مع ما أصاب الجد - رحمه الله - من مرض أقعده عن العمل الذي تتطلبه المخطوطات من السفر والصحة التامة لقراءتها، ولكنه ما ضعف ولا أصابه الوهن، بل كان هذا المرض سبباً في السفر، وكانت مدة الإقامة للعلاج ميدان للبحث في المكتبات والنظر في المخطوطات، فلله الحمد والمنة وله جزيل الشكر والثناء أن يسر وأعان.

* وفي ختام هذه العجالة التي ذكرت عن بعض جهوده ومآثره في البحث والتأليف؛ لعل الله أن ييسير إخراج رسائل علمية لكل كتاب من كتبه وجهوده العلمية بحيث تبين طريقة عمله وذلك بالاستقراء والمتابعة لما ألف وصنف وحشا.


 أعماله:

ذكر مؤلف كتاب (الشيخ محمد بن إبراهيم وأثر مدرسته في النهضة العلمية) عن الجد - رحمه الله - وأعماله فقال: "... فجد واجتهد وثابر وعكف على البحث والمطالعة حتى بلغ مرتبة الأستاذية مع قوة الشخصية وثبات العزيمة وصلاح الظاهر والباطن وغنى النفس والترفع عما في أُيدي الناس واستقلال الرأي وحصافته، وكان في وقت تتلمذه على مشايخه محل إعجابهم بفرط ذكائه ونبله، رشح للقضاء فامتنع..." ([147]).

* وقال الشيخ عبد الله بن جبرين - وفقه الله - في مقدمته لحاشية الروض: "... وأما أعماله الإدارية فقد تنقل مدة تزيد على اثنين وثلاثين عاماً بين التدريس في المساجد وإدارة المكاتب والإشراف على طبع الكتب وقبل وفاته بثماني سنين طلب الإحالة للتقاعد...".

* وقد ذكر العم الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم - حفظه الله -: "أن والدة الشيخ عبد الرحمن طلبت من الملك عبد العزيز إعفاء ابنها من القضاء فأبى الملك عبد العزيز، وبعد امتناعه - رحمه الله - من القضاء مع الحاجة إليه في ذلك الزمان خرج مع عمال الزكاة بأمر من الملك عبد العزيز لمدة سنوات، ودرس في المسجد سنة ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف، قرأ عليه من الطلاب: الشيخ عبد الرحمن بن فريان والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ فهد بن حمين والشيخ عبد الرحمن بن مقرن وابناه محمد وأحمد، قرابة


عشرين طالباً لأن كثيراً من الطلاب انصرفوا إلى المعهد العلمي"([148]).

* قال في روضة الناظرين: "... فقد رشح للقضاء مراراً فامتنع تورعاً منه، ودرس الطلبة وأفتى وتولى إدارة المكتبة السعودية..." ([149]).

وقد ذكر مؤلف كتاب ( المكتبات في عهد الملك عبد العزيز) أنه - رحمه الله - تولى إدارة مكتبة الرياض السعودية مدة تقارب العشرين عاماً([150]).

والمكتبة بدأ في إنشائها في عهد الملك عبد العزيز بناء على توصية من الشيخ محمد بن إبراهيم وافتتحها الأمير سعود عندما كان ولياُ للعهد عام 1371هـ([151]).

والذي يظهر أنه - رحمه الله - كان يعمل مديراً لها قبل ذلك التاريخ؛ لأنه تقاعد قبل وفاته بثماني سنين([152]).

* وقال الشيخ ابن بسام: "وقد عمل المترجم مدة مشرفاً على ما يطبع في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة سنة 1352هـ وما بعدها، ثم تولى إدارة المكتبة السعودية في الرياض([153]).


 تلامذته:

كان محباً للعلم حريصاً على بذله، وعندما افتتحت المعاهد العلمية بالرياض طلب منه التدريس فيها، وسأل (إذا كان ابن باز وابن حميد) فيها فلا بأس، وقد ذكر والدي عنه - رحمه الله -: "أنه درس في الجامع الكبير أشهراً في زاد المستنقع".

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن جبرين أنه - رحمه الله -: "درس في المساجد".

* "وممن درسهم في المسجد تلك الفترة القصيرة: الشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الرحمن بن فريان والشيخ فهد بن حمين، والشيخ عبد الرحمن بن مقرن، ووالدي - رحمه الله - والعم أحمد - حفظه الله - وغيرهم.

وكان اعتناؤه في الغالب بعلم العقيدة والتفسير والحديث والفقه والفرائض، وكان مجلسه للدرس مرة في اليوم"([154]).

وعندما استقر في مزرعته لم يكن له حلق وطلاب ينشدون علمه مشافهة، ولعله أخذ برأي ابن الجوزي - رحمه الله - كما في صيد الخاطر الذي قال: "رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأني أشافه في عمري عدداً من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقاً لا يحصى، ما خلقوا بعد، ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدون من مشايخهم".

ولهذا شاهد آخر من حرصه على المؤلفات، فعندما عرض على الوالد -رحمه الله - أن يتولى وزارة العدل، وكانت فكرة إنشائها جاهزة، قال له -


رحمه الله -: "عليك بالكتب". فأخذ بوصيته.

ومن تأمل في حال طلابه اليوم يجد أنهم طلاب الجامعات والمعاهد الشرعية الذين يدرسون ما ألف وجمع وكتب، ويجد أن العلماء يصدرون عن تآليفه وكتبه - رحمه الله -. فهذه حاشية الروض المربع تدرس في كليات الشريعة، وتلك فتاوى العلماء تدبج بقول شيخ الإسلام - رحمه الله - وبأقوال أئمة الدعوة.

وحسبك هذه القصة التي جرت للشيخ حمود العقلاء الشعيبي - رحمه الله - لترى للجد أثراً غير منظور في دفع الطلاب إلى العلم؛ ذكر القصة صاحب كتاب (السلوى الحزين) فقال:

توافق الرواة في نقل القصة من أقرانه وأصحاب أبيه، ومجمل القصة أنه قبل ظهور حقن تحصين الأجسام من الأمراض المعدية، كان مرض الجدري من بين الأمراض التي تغشى الناس، وقد يستحر الفناء فيهم بإرادة الحي القيوم.

وكان من بين من أصابهم هذا الوباء، أولاد رجل من أهل بلدة (الشقة)، شمال مدينة بريدة في منطقة القصيم، وذلك في العقد الرابع من القرن الرابع عشر للهجرة وكان من بين هؤلاء غلام له ست سنوات نتج من هذا المرض ظهور خدوش في الوجه، وفقدان البصر بالكلية، كان هذا الغلام يتقلب بين ظهراني إخوته وأخواته الذين يعملون في المزرعة فهو يجري خلفهم يريد اللحاق بهم، لكنه يتعثر هنا وهناك، ويحصل له من الجروح ما يحصل، لكنه ينهض مسرعاً نحو أصواتهم فيصطدم بتلك النخلة أو


الشجرة، وعنده عزم وجلد، وقد رزقه الله ذكاءً فهو يحاول القيام بكل شيء، ويريد أن يفعل أكثر مما يفعله المبصرون، كان أبوه فقيراً جداً، يرى أن هذا الأعمى عالة عليه؛ لأنه لا يستفيد منه كإخوته، وذات يوم قدم صديق لوالده غاب عنه منذ سنوات، فشكا إليه حال هذا الغلام الأعمى، وأنه لا يستفيد منه، بل إنهم منشغلون في ملاحقته ورعايته مما سبب تعطيل بعض أعمالهم، فأشار الصديق عليه أن يرسله إلى الرياض حتى يطعم من مضيفة ابن سعود، ولا يعدم من وجود من يعطف عليه هناك.

استحسن الوالد هذه الفكرة، قدم جمال على ظهر جمله معه خشب يريد بيعه في الرياض، قال الأب: أريد أن أبعث معك هذا الغلام، تذهب به إلى الرياض وأعطيك ريالين فرانسي بشرط أن تضعه في الجامع، وتدله على المضيفة بئر المسجد ليشرب ويتوضأ منه وتوصي عليه من يحسن به.

حدث هذا الغلام بقصته بعدما كبر قائلاً: دعاني والدي - رحمه الله - وكان عمري قرابة ثلاث عشرة سنة فقال: يا بني الرياض فيه حلق العلم وفيه مضيفة يحصل لك فيها العشاء كل يوم، وفيه، وفيه، ... وسوف ترتاح هناك -إن شاء الله- وسوف تبعثك مع هذا الرجل، ويعرفك بكل ما تريد، قال فبكيت بكاءً شديداً وقلت أمثلي يستغنى عن أهله؟ كيف أفارق والدتي وإخوتي وما ألفت، وكيف أصرف نفسي في بلدة غريبة عليَّ، فأنا متعب وأنا عند أهلي فكيف إذا كنت عند غيرهم! وأنا لا أريد ذلك، قال فزجرني والدي وأغلظ عليَّ القول، ثم أعطاني ثيابي، وقال توكل على الله اذهب وإلا فـعلت بك كذا وكذا، ارتفع صوتي بالبكاء وإخوتي حولي صامتون،


ثم أمسك صاحب الجمل بيدي، ووعدني بالخير والراحة التامة، ومشيت وأنا أبكي ثم أمرني أن أمسك طرف خشبة خلف الجمل فكان يسير أمام الجمل وأنا خلفه وقد علا صوتي بالبكاء، وأتحسر على فراق أهلي، ومضت تسعة أيام وإذا نحن وسط الرياض، ثم وضعني في الجامع ودلني على البئر والضيافة، لكن مازلت كارهاً متحسراً، أبكي بين الحين والحين، وأقول في نفسي كيف أعيش في بلد لا أعرف فيها شيئاً، لا يعرفني فيها أحد وتمنيت لو كنت مبصراً لهمت عليَّ وجهي في الصحراء، لكن من رحمة الله أن قيض لي أناساً في الجامع، عطفوا على فأخذوني إلى الشيخ عبد الرحمن القاسم - رحمه الله - وقالوا هذا رجل غريب، فأتى الشيخ، وسألني عن اسمي ولقبي، ومن أي البلاد؟ ثم أجلسني بجواره، وأنا أكفكف دمعي فقال: يا بني ما شأنك؟ فأخبرته خبري فقال: خيراً - إن شاء الله - لعل الله أن ينفعك وينفع بك، أنت ولدنا، ونحن أهلك وسوف ترى ما يسرك عندنا، وسوف نضمك إلى الطلبة الذين يطلبون العلم ونجعل لك سكناً وفيه طعام، وإخوة لك في الله يقومون برعايتك.

فقلت: جزاك الله خيراً، لا أريد ذلك، أريد أن تحسنوا عليَّ فترجعوني إلى أهلي مع أحد القافلين إلى القصيم، فقال: يا بين جرب ما عندنا فإن طاب لك المقام وإلا ستصل إلى أهلك - إن شاء الله -، ثم نادى رجلاً فقال له ضم هذا الغلام إلى فلان وفلان وقل لهم استوصوا به خيراً، فأمسك بيدي وذهب بي إلى أخوين فاضلين فرحبا بي، وجلست عندهما وأخبرتهما بحالي، وكرهي الشديد لهذا المقام، ومفارقة أهلي فما كان منهـما إلا أن


حدثاني بحديث تسلية ووعدا بالخير وطلب العلم فاطمأننت لهما وأحسنا بي - جزاهم الله عني أحسن الجزاء - لكني ما زلت محزناً كارهاً، أبكي بين الحين والحين على فراق أهلي.

كان مسكن الأخوين غرفة قرب المسجد فمكثت عندهما، أذهب وأجيء معهما نذهب لصلاة الفجر، ثم نجلس في المسجد في حلقة القرآن حتى يتعالى النهار، فقد كان الشيخ يحفظنا ثم بعد ذلك نعود إلى الغرفة فنستريح ساعة ونطعم ما تيسر، ثم نعود إلى الحلقة مرة أخرى نمكث إلى الظهر ثم نستريح للقيلولة ثم نعود للحلقة بعد العصر، وهكذا استمررنا فبدأت أطمئن شيئاً فشيئاً، كل يوم أفضل من الذي قبله، وشرح الله صدري لحفظ القرآن خاصة بعد تشجيع الشيخ - رحمه الله - واهتمامه بي ورأيت أني أتقدم في الحفظ يوماً بعد يوم، والشيخ يشحذ همم الطلاب ويقول: لماذا لا تكونون مثل حمود؟ انظروا إلى جده وحرصه، وهو رجل كفيف! فكنت أنشط بهذا الكلام مع ما يحصل بيني وبين الزملاء من منافسة، ولم يمض علي شهر ونصف إلا وقد رزقني الله الطمأنينة وراحة النفس حتى أصبحت أتلذذ بهذه الحياة الجديدة، ولما مضى علي سبعة أشهر قلت في نفسي - سبحان الله - كم فيما تكره النفس من الخير وهي عنه غافلة!!، كيف أبكي وأحزن على الحياة البائسة عند أهلي؟ جهل وفقر وتعب وإهمال واحتقار وأحس أني عالة عليهم، استمررت على هذا الوضع، فلم يمض علي عشرة أشهر إلا وأنا أحفظ القرآن بكامله - بحمد الله - ثم عرضته على الشيخ مرتين


ثم قام الشيخ معي وذهب بي إلى المشايخ الكبار، وهم الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم وعرفهم بي ثم قال ستنتظم في حلق العلم، ومراجعة القرآن تكون بعد صلاة الفجر يتابع لك فلان، وبعد صلاة المغرب يتابع لك فلان، فبدأت أحضر إلى حلق المشايخ وأنهل من العلم وبجد واجتهاد، وكانت الدروس في العقيدة، والتفسير، والفقه وأصوله، والحديث، وعلومه والفرائض، فالدروس منتظمة، كل وقت في فن من الفنون، وكنت مع مرور الأيام تزداد طمأنينتي والأنس وراحة البال، فقد كنت مغتبطاً في طلب العلم. كان والدي - رحمه الله - يسأل الذاهبين والرائحين إلى الرياض وتصله أخباري دون علمي واستمررت - بحمد الله - على مواصلة العلم والتقلب في رياض وبعد ثلاث سنوات استأذنت مشايخي في زيارة أهلي، فأمروا بترتيب سفري مع صاحب جمل فركبت - بحمد الله - حتى وصلت إلى أهلي فطاروا بي فرحًا شديدًا خاصة الوالدة رحمها الله وسألوني عن حالي فقلت لا أظن أحداً فوق الأرض أسعد مني، ورأوا من حالي السكينة والوقار، كما رأيت منهم التقدير والاحترام وقدموني إماماً في الصلاة وحدثتهم عن حالي فارتاحوا لذلك وحمدوا الله وبعد أيام استأذنتهم للسفر فألحوا علي بالبقاء فقبلت رأس والدي وطلبت منهما الإذن فحصل ذلك - بحمد الله - ثم رجعت إلى الرياض وواصلت طلبي للعلم وكنت شغوفاً في تحصيله...

وقد حدث أحد أقرانه قائلاً: جد واجتهد الشيخ في التحصيل حتى نال إعجاب مشايخه وأقرانه وأدرك علماً غزيراً، وكان أحب شيء إليه أن


يجالسه أحد يقرأ عليه كتاباً لم يسبق أن سمعه، أو يناقشه في مسائل علمية، وكان ذا حفظ عجيب، وسرعة بديهة، ولما بلغ الثامنة عشرة أمره شيخه أن يجلس لصغار الطلاب يحفظهم بعض المتون، ولما فتحت كلية الشريعة أشار عليه بعض مشايخه الالتحاق بها فكان ضمن الدفعة الأولى التي تخرجت منها عام (1377هـ) فعين مدرساً في كلية الشريعة في الرياض، وفي آخر حياته انتقل إلى كلية الشريعة في القصيم وتخرج على يديه أفواج طلبة العلم من القضاة والخطباء والمدرسين والمديرين وغيرهم، وقد شارك في مواسم الحج في الفتيا والدعوة، كما اشتغل في تجارة العقار فكان سبباً في الإنفاق على أهله وإخوته ومواساة عامة أقاربه؛ أما إخوانه الذين كانوا يسخرون منه لما كان طفلاً صغيراً، فقد نالوا منه خيراً كثيراً لأن بعضهم لم يوفق للكسب وصدق الله العظيم: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216] رحم الله الشيخ رحمة واسعة([155]).


ورعه:

كان - رحمه الله - إماماً في الورع ومضرب المثل في الزهد ولعل قراءته ومطالعاته في سير الأئمة الأعلام كأحمد بن حنبل وابن تيمية طبعت ذلك في نفسه!

وقد ذكر أكثر من مرة أنه - رحمه الله - دفع بقلمه ليعبأ من المحبرة وكان في حينها مديراً للمكتبة السعودية بالرياض، وكان عنده دواة للحكومة وأخرى له، فملأ الموظف قلمه من دواة الحكومة فغضب عندما علم وقال: "تريد أن تدخلني النار!".

* وقد قال - رحمه الله - قبل وفاته بسنتين لبعض محبيه من المشايخ الذين زاروه وكانوا يتحدثون في أمورهم الخاصة: "ما أذكر أني وقعت في حرام أعرفه!" وهذا تواضع منه، وأعتقد - والله أعلم - أنه لم يفعل أمراً فيه شبهة، والأمثلة على ذلك كثيرة! -أحسبه كذلك ولا أزكى على الله أحداً-.

* ومن شدة ورعه أنه إذا ركب مع الناس في سيارة أجرة لتنقله خارج الرياض كان يعطي الأجرة مثل غيره من الركاب، وإذا عرفه صاحب السيارة رفض أخذ الأجرة منه، فيقوم إذا نزل بإلقائها عليه ويسرع ماشياً.

* وكان - رحمه الله - يتحرج من الفتوى ولا يفتي ألبتة! مع أنه جعل (حاشية الروض) في سبعة مجلدات ويفتي من قرأها فكيف بمن عكف عليها أربعين سنة؟!

وكان لا يتقدم إماماً للمصلين ويرفض ذلك.


ومن شدة ورعه واحتياطه لنفسه أنه يتحرج من إجابة دعوات الناس لخوفه من كسبهم وقد برر ذلك لأحد أقاربي عندما دعاه لمنزله فقال: "أعرفك وأعرف مدخلك ومخرجك لكن لو أجبت دعوتك لم أرد غيرك".

* وقد ذكرت قصة طريفة عن الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم - رحمه الله - أنه كان في مجلس وفيه الجد - رحمهما الله - وكان يعرف تحرجه من إجابة الدعوة، فقال: "يا شيخ اليوم تتغدى معنا".

فرفض وأصر الشيخ عبد اللطيف وقال: "زوجتي طالق إن لم تجب!"

فأجاب - رحمه الله - الدعوة، ولما انتهى من الطعام قال له أحد المشايخ: "عز الشيخ عبد اللطيف في زوجته فقد ماتت".

فقال - رحمه الله -: والله، إني متعجب! وأعرف الشيخ عبد اللطيف، رجل عاقل لا يصدر منه مثل هذا القول!".

* ومن ورعه - رحمه الله - أنه يكره تشييد البناء، وكره أن يبنى له بيت بالأسمنت والطوب.

* ومن احتياطه لنفسه أن كان يقوم بالمرور على منتجات مزرعته التي ترسل إلى الأسواق، ويرى هل أسفلها مثل أعلاها. وكان أهل السوق في الرياض يحبون شراء منتجات مزرعته لعلمهم أنه ليس فيها غش.

* ومن حرصه على الولاء والبراء أنه كان يحب شيخاً من المشايخ ويقدمه، ولما سافر الشيخ إلى خارج البلاد وأخذ من لحيته هجره ولم يذهب إليه.


* وعندما زاره أحد العلماء وهو بمرتبة وزير وكان معه بعض القانونيين كره جلوسهم معه في المجلس، ونهرهم، وذكرهم بحكم الشرع وتحكيمه، فقاموا.

* وقد أوصى - رحمه الله - أن تمزق صورته في حفيظة النفوس إذا مات.

* ومن ورعه أنه لم يدخل التلفاز والمذياع في بيته.

قال محمد الحمدان في مجلة العرب: "وكان إلى جانب تضلعه في العلوم الدينية والعقائدية والتاريخية له إلمام كبير بالنواحي السياسية والاجتماعية وتعليقات وانتقاءات، وكان يسأل زائريه عن أخبار السياسة...".

* ومن ورعه وشدة عنايته بنفسه وتطهيرها معرفته لذنوبه فقد ذكر أنه جلس مع الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهم الله - وتحدثا في أمر رجل، ولما كان من الليل رأى - رحمه الله - شجرة خضراء مورقة ثم بدأت تيبس أوراقها وتتساقط، فلما أصبح ذكر ذلك للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - فقالوا: لعلنا أكثرنا الكلام عن الرجل!


تواضعه:

* كان - رحمه الله - متواضعاً مستكينًا لربه، ظهر ذلك في معاملته للناس عامة وللفقراء والمحتاجين خاصة، وكان لا يرضى أن يسمى شيخاً، ودائماً يقول: "لست شيخاً، المشايخ في الرياض"، ويرفض أن يقبل رأسه.

* ومن تواضعه - رحم الله - أنه كان يأكل مع عمال المزرعة جميع الوجبات، بل لم يتميز بوجبة خاصة إنما كان الطعام مشتركاً، وكان يمازحهم ويحادثهم ويعلمهم أمور دينهم، ويسألهم عن ذلك.

* وقد ذكر العم الشيخ عبد العزيز بن محمد - أخو الجد - رحمه الله - أنهم عندما قدموا إلى الرياض مروا بمزرعة شخص - ذي كرم وضيافة على الطريق - يقال له ابن دغيم - تقع في أعالي الدرعية قرب الملقا - قال: فلما عرف أن أخي الشيخ أراد أن يقوم، فمنعه، أن يكرمه بشيء زايد عن عمال المزرعة ورفض ذلك بشدة، قال العم: فلما أكلنا معه وعماله، أقسم على أخي ينام في سطح المنزل فقبل.

* وذكر (على بن جابر) وهو ممن عمل في مزرعة الجد سنوات طويلة وقد سألته يوماً هل سرت على قدمك من الرياض إلى مزرعة الجد في العمارية؟ قال: "نعم، ذهبت من المزرعة إلى الرياض ليلة عيد، وفي اليوم التالي وقد انتهيت من السلام على الأقارب والمعارف ذهبت إلى موقف السيارات التي تذهب إلى العمارية، ولم أجد سيارة حتى انتصف العصر، فقلت أسير على قدمي حتى ييسر الله لي سيارة، فسرت حتى وصلت الناصرية ثم المعذر، ولما غابت الشمس وإذا بي أنزل على الدرعية، فوجدت أهل تلك المزرعة


فصليت معهم، وتعشيت معهم، وأكرموني عندما علموا أني أعمل لدى الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، ثم بعد ذلك سرت على قدمي حتى وصلت المزرعة بعد العشاء، وذهبت إلى فراشي مباشرة، ولما أذن الفجر صليت معهم فسألني الجد - رحمه الله - "متى أتيت؟" قلت: البارحة، قال: "ومع من؟" قلت: مع طريق العمارية، ففهم أنني أتيت بسيارة ولم أقل أني أتيت على قدمي لأني أعرف أنه يتكدر من ذلك ولم أخبر أحداً بهذه القصة إلى الآن، وكانت مسيرتي ثلاث ساعات.

* ومن عجائب قصصه - رحمه الله - في هذا أنه كان يومًا في مزرعته وقد لوحت الشمس وجهه فأتاه أعرابي (حدثني القصة بنفسه) قال: فقلت له: أنت سوداني؟ قال: نعم، فقلت له وكنت أظنه عاملاً بالمزرعة ولم أعرف من هو: لماذا الشيخ يمنع البدو من دخول مزرعته بأغنامهم؟ قال - رحمه الله -: "يخشى أن تفسد الأغنام فيها لكنه ترك لكم هنا مدياً (خزان ماء) ليشربوا". قال الأعرابي: ثم ذهبت إلى العمارية وبعد شهور رجعت قافلاً من العمارية إلى الرياض في سيارة لوري، وكنت مقدماً في قومي فأركبوني بجوار السائق، ومررنا بمزرعة جدكم وكان واقفاً ينتظر السيارة ليدخل إلى الرياض، فلما رآه السائق رفع صوته: الشيخ الشيخ. وأمرني أن أنزل وأركب في صندوق السيارة، فلما رآني جدكم هش، وسلم عليَّ وعرفته، فقلت له: أنت السوداني، قال: نعم، ورفض أن أنزل من مقدمة السيارة وقال: بل نركب سوياً.


* وكان يمازح الأعراب إذا أتوا ويقول لهم مختبراً: قال - الله - عز وجل - عن الأعراب: ﴿الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا...﴾ ثم إذا حاروا في الجواب، قال: قولوا: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَن يُّؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ...﴾.


 صبره وجلده:

فضيلة الجد -رحمه الله ورفع درجته- آية في الصبر، فمن تأمل رحلته في جمع المخطوطات وقراءتها ومن ثم إخراجها، بل وفي صبره على ما أصابه من مرض مع حرصه على القراءة والتأليف ليعجب من ذلك.

وأين يذهب وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية الذي نشأ على محبته وتربى وهو يرى صبره وجلده وقوة تحمله.

قال الإمام ابن القيم: "وحدثني شيخنا - يعني ابن تيمية - قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسرت وقويت الطبيعة دفعت المرض؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة، فقال: هذا خارج عن علاجنا...".

وقال ابن القيم أيضاً: "وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه فإذا غلب وضعه، فدخل عليه الطبيب يوماً وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل لك فإنك تعين على نفسك وتكون سبباً لفوت مطلوبك"([156]).

ومن قرأ كتب الجد - رحمه الله - علم أنه ذو جلد وصبر وطول نفس في القراءة! ناهيك عما قام بجمعه وترتيبه وإخراجه. ولاشك أن خصلة الصبر والجلد توفيق من الله -عز وجل- ونتيجة لتربية النفس ومجاهدتها، وهذه


الصفة تجلت في طلبه للعلم وسعيه إليه، وقد ذكر أخو الجد العم الشيخ (عبد العزيز بن محمد)؛ أن الجد - رحمه الله - كان يذهب إلى (مكة) حين طبع "الدرر السنية" في مطبعة الحكومة وغيرها من المؤلفات ويعود بعد حين إلى بلده.

قال: يأتي من (مكة) إلى (بلدة البير) عن طريق بلدتي (عفيف والدوادمي)؛ وقبل بلدة (ضرما) ينزل من السيارة في مكان يقال له (العويند)، ثم يمشي من (العويند) إلى (بلدة البير) على قدميه والمسافة بينهما تزيد على سبعين كيلومتراً.

ومن تأمل في سيرة حياته وطول رحلاته وبعدها والمشقة فيها مع ما يلازمه من مرض علم صبره وجلده - رحمه الله -.

* وقد ذكر لي العم الشيخ عبد العزيز بن محمد القاسم - حفظه الله - قصة عجيبة في صبر الجد وجلده وقد سمعت القصة منه أكثر من مرة فقد ذكر: أنهم ساروا من بلدتهم (البير) إلى (الرياض) على أقدامهم لمدة ثلاثة أيام ليدركوا دروس العلم فيها، قال لي العم عبد العزيز: مشينا من بلدتنا (البير) قبل المغرب وعمري 17سنة وكان أخي عبد الرحمن أكبر مني، ولما نزلنا على (بلدة الصفرة) وقد غابت الشمس قلت له: نذهب لأبناء خالك الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عباد (طالب علم وإمام مسجد)، قال: لم نذهب لأحد، واستمررنا في المشي حتى أدركنا المبيت في الخلاء، وقبل الفجر مشينا ووصلنا إلى بلدة (حريملاء) ضحى، قلت له: نروح لزميلك عبد الرحمن بن خريف، قال ما بيننا بين بلدة (سدوس) إلا ذراع، ومشينا


حتى انتصفت الضحوة، قلت له: نروح لعبد الرحمن بن معمر أمير (سدوس) قال - رحمه الله -: ما بيننا وبين البلدة (العيينة) إلا مسافة قليلة، واستمررنا في المشي إلى الظهر وإذا بنا في (العيينة) فصلينا فيها الظهر، وأخذنا في السير إلى صلاة العصر، حيث وصلنا بلدة (الجبيلة) ولما أتى المغرب وإذا بنا في بلدة (الملقا) ثم استمرينا نمشي حتى وصلنا (الدرعية) ثم أرحنا في الفوارة (الفاخرية) ثم جاء الليل ولما أذن الفجر وإذا بنا عند دروازة (آل سويلم) وهي من أبواب الرياض في ذلك الحين، استفتحنا فلم يفتحوا لنا وبعد الإلحاح استيقظ أحد الحراس الذين يعرفون أخي، وكانت الرياض تغلق أبواب سورها ليلاً، فعرف صوته أحد الحراس، وقال: "هذا الشيخ عبد الرحمن بن قاسم افتحوا له".

ففتحوا له، ودخل مع فتحة يسيرة في الباب وكان ممسكاً بيدي فردوا الباب، وصاح: "هذا معي ادخلوه"!

قال: فدخلت وقد بلغ مني التعب، وسرنا إلى الجامع وقد أذن المؤذن فصلينا، واستندت إلى سارية بالمسجد ولم أع إلا وقد ارتفعت الشمس! وتفرق الطلاب فنظرت إلى قدمي وقد انتفخت وبلغ مني التعب مبلغه، فلم أستطع أن أسير إلى الغرف المجاورة للمسجد، قال: وأخي أدرك الدرس بعد الفجر ثم ذهب الضحى لدرس آخر، وأتاني بعد الظهر وكأنه لم يمشي تلك المسافة الطويلة"!

* وذكر الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله - بعضاً من الجهد في قراءة خط شيخ الإسلام -رحمه الله- فقال: "اجتمعنا مع الشيخ ابن قاسم ونحن


أربعون رجلاً في مكان اسمه المغيدر (اسم مزرعة الجد) وهو قرب الرياض فأخذنا بعض فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية نقرأ فيها، وكانت بخط شيخ الإسلام، ولم نستطع مواصلة القراءة بسبب صعوبة قراءة خطه، وأخذنا على ذلك أربعة أيام نحاول قراءته!" هذا كما ذكر الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله - في أربع ورقات فكيف بمجموع الفتاوى؟!".

ويكفي معرفة أن إجمالي صفحات كتبه تجاوزت 40 ألف صفحة كلها من الدر النضيد والذهب المسبوك.

* وذكر الشيخ محمد بن عثمان القاضي ذلك فقال: "وقام بجهود جبارة في التأليف وغيره، ومن ذلك عنايته واهتمامه التام بجمع التراث العلمي من مصادره، فقام بنشاط يشكر عليه، تحمل من أجله مشاق السفر وبحث ونقب في مكاتب كثيرة في الدولة العربية وغيرها، وجمع كل ما وجده من مؤلفات ابن تيمية - رحمه الله - ثم سعى في ترتيبه وتنقيحه وتصحيحه وذلك برحلات عديدة فمنها إلى القاهرة في عام 1365هـ.

وكان بصحبته ابنه محمد الذي ساعده على ذلك وبحث مع علماء الشام ومصر، ودار على الكتب المطبوعة وخزانات المخطوطات الأثرية للوصول إلى الهدف الذي آلى على نفسه بلوغه، وقام برحلة ضمن العلاج في عام 1373هـ ودار عليهما أخرى.

وفي عام 1377هـ قام برحلة إلى القاهرة للعلاج مرة أخرى، ولما تماثل للشفاء دار كالأولى على مكتباتها، وعكف على مكتبة الأزهر ودار الكتب بشارع محمد علي، ونقب عما فيهما من مؤلفات الشيخ،  ثم واصل سفره


إلى فرنسا للمعالجة في باريس، فأجرى عملية في رأسه للألم كان يعاوده عاماً بعد عام، ولما تماثل للشفاء دار مكتباتها، ثم على مكتبات أوربا في هذه الرحلة للتنقيب عن هذه المؤلفات في مظانها، ولم يشغله مرضه العضال الذي سافر هذه الرحلات من أجله عما هو بصدده من المجهود الكبير الذي طالما تعطش المستفيدون لأن يبرز بالمظهر الذي أبرزه، ثم سعى بمجهود كبير لإتمامه بعد جمعه ولم شعثه من تفرقة وترتيبه وتقريبه لمراجعيه وتصحيحه وتنقيحه، فجاءت تلك الضالة المنشودة مجموعة نفيسة بلغت ستة وثلاثين مجلداً، الخامس والثلاثون والسادس والثلاثون فهارس وأعلام للتقريب لرواد المطالعة.

كما قام بمجهود كبير آخر لجمع الرسائل والمسائل النجدية التي كان صاحب المنار قد طبعها على نفقة الملك عبد العزيز إلا أنها غير مرتبة، فقام بترتيبها أحسن ترتيب وتقريب لقارئها وصححها نقحها، وجاءت اثني عشر مجلداً فطبعها وسماها (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) وترجم لهم بجزء مفرد خلد مآثرهم، وأبرز فيه كفاحهم في سبيل الدعوة إلى الله ونفع الخلق، وذلك بإضافة زيادات كثيرة عما جمعه قبلها في عام 1356 هـ بمطبعة (أم القرى) فجاءت الطباعة الأخيرة بتاريخ 1385 هـ على أحسن ترتيب وتقريب على نفقة الشهيد الملك فيصل - رحمه الله - بواسطة دار الإفتاء، فصار لهذين المجهودين أثرهما الطيب وبقيا لسان ذكر له في العالمين"([157]).


* قال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - (في رسالته ما عرفته عن شيخنا): وقد استزارني ابنه الزميل أحمد بن عبد الرحمن - حفظه الله تعالى - وقت المذاكرة للاختبار النهائي عام سبعة وسبعين وثلاثمائة وألف، وكان أبوه في ذلك الوقت يشتغل بآخر حاشية الروض المربع، ويطالع بعض الكتب والشروح، وتعجبت من صبره وتجشمه المشقة والتعب في المطالعة والكتابة، رغم كبر السن، ولكن الله - تعالى - أمده بقوة البدن، ومتعه بالسمع والبصر، وقد بقيت عندهم في المزرعة المعروفة بالمغيدر في أعلى الدرعية لمدة أسبوع، وكان غالباً ينزل إلى الرياض حيث كان مشرفاً على المكتبة السعودية، فيدخل صباحاً ويخرج ظهراً أو قريباً من ذلك، وكثيراً ما نجالسه في منزله القديم في الرياض قرب دخنه، ونستفيد منه فوائد وحكماً وأمثالاً يلقيها ويعرضها على الحاضرين، فيحجمون عن الجواب حتى يجيب عنها".


 محافظته على الوقت:

للعلماء مواقف ودروس في المحافظة على الوقت وإدراك قيمته، وهم أسعد الناس بالاستفادة منه والأخذ به.

قال السخاوي عن شيخه ابن حجر: "... إنما كان همته المطالعة والقراءة والسماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يخلي لحظة من أوقاته عن شيء من ذلك، حتى في حالة أكله وتوجهه وهو سالك، كما حكى لي ذلك بعض رفقته الذين كانوا معه في رحلته، وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه...." ([158]).

* فضيلة الجد - رحمه الله -  كان يقرأ ويكتب حتى في حالة مرضه ناهيك عن حالة صحته وعافيته وسفره وإقامته.

* وقد ذكر لي العم الشيخ سعد أمراً عجباً منه - رحمه الله - فقال: كان لدينا في المزرعة عمال يحفرون بئراً فلما زاد الحفر والعمق وكأن همتهم ونشاطهم قلَّ، كان الجد - رحمه الله - ينزل بكتبه وهم يحفرون البئر ويقول: "أنتم تعملون وأنا أعمل"!.

هذه القصة تذكرنا بقصة الإمام السرخسي لما سجنه الحاكم في (بئر) بسبب كلمة قالها.

فكان تلاميذه يكتبون ما يملى عليهم وهو في البئر فكتبوا عنه (المبسوط) في الفقه، ولما انتهى من إملائه لهم قال اكتبوا: هذا آخر شرح العبادات أبسط المعاني وأيسر العبارات إملاء المحبوس عن الجمع والجماعات.....".


وتذكرت حينها قول الإمام الذهبي في السير: "قال ابن الآبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جزء يطالعه"([159]).

* وكان - رحمه الله - يكتب في كل وقت وينقل كتبه وأوراقه معه أينما ذهب، ولا تراه إلا في عبادة أو جالساً لإكرام ضيف أو يكتب، وكان يكتب بعد الفجر والظهر والعصر حتى أذان المغرب ولا يكتب في الليل إلا قليلاً لعدم توفر الإضاءة بشكل كاف. وكان له محفظة يضع فيها أوراقه وينقلها معه في كل مكان حتى أنه يرقى على مرتفع من الأرض ليشرف على أعمال المزرعة ويكتب.

* وقد ذكر لي العم عبد العزيز بن محمد: أن الجد - رحمه الله - يقرأ في الليل ثم يطفئ السراج لينام فإذا به يعود ويشعل السراج مرة أخرى ليكتب وهكذا ينام ويستيقظ.

وله - رحمه الله - في أئمة الدين أسوة وقدوة!.

* قال الوراق عن الإمام البخاري: "كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري ناراً بيده ويسرج ويخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب، فلا أحب أن أفسد عليك نومك"([160]).


طرائفه:

مجالس العلماء مجالس علم وفائدة، قال عنه - رحمه الله - الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله -: ".... فلا يخلو حديثه من فائدة دينية أو مسألة فقهية أو استشهاد بآية أو حديث....." ([161]).

وكان - رحمه الله - صاحب طرفة ونكتة، لا يتجاوز حدود الأدب والسمت والوقار، ولكنه كان يتبسط مع الناس ويتواضع لهم ويحدثهم بما يفهمون، ولهذا أحبه العلماء والعامة ومن تلك الطرائف:

* في مرحلة قوة الإخوان كانوا يقابلون من يدخل إلى الرياض ويسألون في الأسواق: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وكان حظهم في أحد الأيام الجد - رحمه الله - وهم لا يعرفونه فاستوقفوه، وسألوه الأسئلة الثلاثة.

فقال - رحمه الله - أولا: "أنا أسالكم ثم أجيب" قالوا له: اسأل.

قال: "أنتم دخلتم في الدين أم الدين دخل فيكم" فاحتاروا وتركوه!

* ومرة زاره إمام أحد المساجد في القرى المجاورة ولما دخل مزرعته وجد العمال يعملون في رؤوس النخل ويرددون كلمات طيبة يقضون بها على مشقة العمل. فغضب ذلك الإمام ونهرهم وقال: "تعملون في نعمة الله وتغنون، اسكتوا أو انزلوا".

فنزلوا يطلبون الراحة. ولما دخل على الجد - رحمه الله - في مجلسه أنكر ما يفعله العمال، وقال: "أنزلتهم من رؤوس النخل" قال الجد -رحمه الله- "اتركهم يرددون كلماتهم أو اصعد رأس النخل اعمل نيابة عنهم". فانظر


على فقه العالم في مثل المواقف.

وكان ما يرددونه ويرفعون أصواتهم به ذكر وحدانية الله -عز وجل- وطلب العون والتوفيق والتيسير كعادة أصحاب الأعمال.

* وذكر أحد المشايخ في أحد دروسه في أبواب الطهارة وأن الأصل الطهارة، ثم قال إن أحدهم سأل الشيخ عبد الرحمن بن قاسم عن سجادة في الأرض يريد أن يصلي عليها: هل هي طاهرة؟ فقال - رحمه الله - مازحاً: "هل رأيت أمك توبل عليها؟!" فكان رداً عملياً مباشراً.

* وكان - رحمه الله - يذكر قصة رآها في بيروت ويندر بها، فقد رأى صغاراً أربعة يمشون خلف رجل؛ اثنان منهم ينادونه بابا واثنان ماما! فاحتار القوم الذين شهدوا الموقف، فقال لهم: هذا تحول من ذكر إلى أنثى حيث إن من يسير الأربعة معه كان أنثى فولدت ولدين يناديانه: ماما ثم أجريت لها عمليات جراحية فتحولت إلى رجل فأنجب اثنين يناديانه: بابا.


 خلقه وأخلاقه:

قال عنه صاحب روضة الناظرين: "وكان -رحمه الله- طويلاً، نحيفاً قمحي اللون يميل إلى البياض، متوسط الشعر، دمث الأخلاق، لا يحب المظهر والشهرة، سخياً، لين العريكة، حلو الشمائل، وصولاً للرحم، مستقيماً في دينه وخلقه".

وقال العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - في مقدمة حاشية الروض: "وكان - رحمه الله - غيوراً على حرمات الله، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يصدع بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم، ثم هو مع ذلك حسن السمت، دمث الأخلاق، دائم البشر، كريم النفس، متعزز عن رذائل الأمور وسفاسف الأخلاق، وكان متواضعاً لربه لا يستنكف، ولا يرفع نفسه عن إجابة الصغير والكبير، ومحادثة الغني والفقير، مع ما رزقه الله من الهيبة والاحترام في قلوب الخاص والعام".

وقال الشيخ حمد الجاسر: "كان -رحمه الله- من أرق من عرفت من العلماء نفساً، وألطفهم خلقاً، وأسخاهم يداً".

وله قصص في ذلك معروفة يضيق المقام بذكرها.، وقد زرت الشيخ حمد الجاسر مع بعض طلبة العلم يوم الخميس أواخر شهر رجب عام 1418هـ ولما عرفني تحدث عن الجد، وقال كلاماً طويلاً في الثناء عليه وذكر فضائله منها قوله إنه: "كريم النفس، كريم اليد، وكان هو الوحيد الذي تعاهدني بالسؤال والهدايا من مزرعتكم حين تركني الناس".


ثم ذكر لي كتاب التاريخ وسألته عنه فقال: "رأيته ولازلت أذكره إلى الآن وكان مجلداً بقطعة من قماش أخضر، الجزء الأول منه يشمل بدء الخلق وقصص الأنبياء، والثاني وهو المهم يتعلق بحوادث نجد وكأنه تكملة لابن بشر ويشمل انساب الأسر في نجد".

* قال الشيخ عبد الله بن بسام: "فكان على جانب كبير من الأخلاق، لو الشمائل مستقيماً في دينه وخلقه، وكان عنده غيرة على حرمات الله، ويكره جداً مساكنة الكفار وجوارهم، وكان يخشى ويتخوف دائماً بسبب سوء الأوضاع الدينية في الدول العربية والإسلامية أن يصيبها السوء بسبب معاصيها وبعدها عن الله"([162]).

* امتازت أخلاقه بسمو النفس وعلوها وحسن الخلق وطيبة زاد ذلك إيمان وتقى وورع، وكان - رحمه الله - غيوراً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر وله في ذلك مراسلات مع الملوك والأمراء. وقد ذكر لي أحد أبناء العم أنه قال له يوماً: يا أبي، لماذا ترسل وأنت ترى أنه لا يرد على رسائلك؟

فقالـ رحمه الله -: ما أرسلت ليرد على رسائلي، ولكن أرسلت براءة للذمة ونصيحة للأمة.

* ولم يستشرف للدنيا ويبحث عنها، فقد كان - رحمه الله - يسكن في بيت طين متواضع في مزرعته، ولما زاره الملك سعود - رحمه الله - قال له: "نريد أن نبني لك بيتاً غير هذا" وكان البيت مبنياًَ من الطين في وسط المزرعة فقال -رحمه الله-: "قد بنيت لي داراً وانتظر الرحيل إليها". فسكت الملك


وقد حدثني بهذه القصة عبد العزيز المنيع وكان حاضراً المجلس.

وكان للملك سعود أياد بيضاء في جمع وطبع مجموع الفتاوى حتى إن والدي - رحمه الله - ذكر أنه أمدهم بمليون ريال لطبع المجموع وكان مبلغاً كبيراً في حينه، وقد قال لي الوالد - رحمه الله -: إن من أعمال الملك سعود العظيمة طبع (مجموع فتاوى شيخ الإسلام) ويرى أنه مع توسعته للحرمين الشريفين من أعظم الأعمال؛ واستدرك: المساجد كل يبنيها ولكن نشر علوم السلف ليست إلى كل أحد؛".


 محبته للعلماء ومحبة العلماء له:

كان - رحمه الله - محباً للعلم وأهله، ولهذا سعى إليهم في سن مبكرة لنيل العلم وطلبه، فوهبه الله من العلم الحظ الوافر والقدح المعلى؛ ولما طاب له الثمر نفع الأحياء بعلوم أخرجها وكنوز أظهرها، ونفع الأموات بإشاعة ونشر علومهم ومعارفهم كمؤلفات "شيخ الإسلام" والإمام أحمد وأئمة الدعوة وغيرهم.

قال - رحمه الله - مثنياً على أهل العلم والإمامة في الدين:

"فضل الأئمة الأربعة وكذا غيرهم من أئمة الدين، ووجوب توقيرهم واحترامهم، والتحذير من بغضهم وأذاهم قد تظاهرت به الآيات وصحيح الأخبار والآثار، وتواترت به الدلائل العقلية والنقلية، وتوافقت، وهم أهل الفضل علينا، ونقلوا الدين إلينا، وعول جمهور المسلمين على العمل بمذاهبهم، من صدر الإسلام إلى يومنا هذا، بل لا يعرف العلم إلا من كتبهم، ولم يحفظ الدين إلا من طريقهم، فيجب احترامهم، وتوقيرهم، والاعتراف بقدرهم وتحسين الظن بهم. فهم من خيار الأمة، وخلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة أقوالهم سبب للإصابة، ومعرفة الحق، لاسيما أهل الحديث، فإنهم أعظم الناس بحثاً عن أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته وطلباً لعلمها، وأرغب الناس في اتباعها، وأبعد الناس عن اتباع ما يخالفها ومقدمهم الإمام أحمد بن حنبل الذي قال فيه شيخ الإسلام وغيره: أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً، كما يوجد لغيره، لكن لا ندعي فيه ولا في أحد منهم العـصمة، ولا نتخـذهم أرباباً


من دون الله، وما وجد في بعض كتبهم من خطأ فمردود على قائله، مع إحسان الظن به، والفقهاء المنتسبون إليهم لم يختاروا مذاهبهم عند عدم الدليل إلا عن اجتهاد، لا مجرد رأي وتقليد، كما ظنه من لم يحقق النظر في مصنفاتهم، ومع ذلك فليسوا بمعصومين"([163]).

* وعندما كبر سنه وضعف بصره - رحمه الله - كان أحد الأقارب يقرأ عليه مختارات من الكتب وأكثر ما كان يقرأ عليه (مجموع الفتاوى) وغيره.

* وكان -رحمه الله - يجل علماءه ومشايخه، ويثني عليهم وحسبك بالمجلد السادس عشر من (الدرر السنية) لترى ذلك جلياً واضحاً في ترجمته للعلماء، كما ترى ذلك أيضاً في حاشية (كتاب التوحيد) عندما يقول "قال شيخنا".

وعندما استقر - رحمه الله - في مزرعته كان يقدم عليه العلماء والمشايخ وطلبة العلم يزورونه ويحادثونه، قال الشيخ عبد الله بن بسام بعد أن ذكر بقاءه في مزرعته.... "ولكن العلماء وطلاب العلم ممن يعرفون فضله وجهوده يترددون عليه للاجتماع به والتباحث معه...." ([164]).

وقال الشيخ محمد القاضي: وهو يتحدث عن مجالس الجد - رحمه الله -: "وكانت مجالسه مجالس علم وبحث شيقة وممتعة للجليس، وله نكت حسان وعلى جانب كبير من الأخلاق العالية...." ([165]).


وقال الشيخ حماد الأنصاري - رحمه الله -: "اجتمعنا مرة مع الشيخ ابن قاسم ونحن أربعون رجلاً في مكان اسمه "المغيدر" [أي في مزرعته] وهو قرب الرياض، فأخذنا بعض فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية نقرأ فيها، وكانت بخط شيخ الإسلام، فما استطعنا مواصلة القراءة بسبب صعوبة قراءة الخط وأخذنا على ذلك أربعة أيام نحاول قراءته"([166]).

* قال الشيخ حمد الجاسر: "وكان - رحمه الله - من أرق من عرفت من العلماء نفساً، وألطفهم خلقاً، وأسخاهم يداً...." ([167]).

* وأدركت بمزرعته - رحمه الله - غرفاً مبنية تتجاوز الخمس للضيوف ومن يقيمون عنده لأيام من العلماء والمشايخ والأقارب والفقراء والمساكين وغيرهم، وقد زاره يوماً الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان - رحمه الله - . قال أحد الحضور: فما كان من الشيخ الشنقيطي وقد رأى طائراً على نخلة إلا وسأل: "أهنا بندقية؟" قالوا له: نعم. فناولوه إياها، فمد يده وصوب البندقية، وإذا بالطائر يسقط ميتاً! فتعجبوا من فعل الشيخ ودقة رميه.

* وكان الجد - أجزل الله مثوبته ورفع درجته - يقدر المشايخ ويسر بزيارتهم ويعطيهم من نتاج مزرعته من تمر وعنب، ولا يترك أحداً يذهب إلا وقد أخذ شيئاً منه ويتفقد ذلك بنفسه.


* يقول الشيخ حمد الجاسر: " وقد توطدت الصداقة بيننا، فكان يتعاهدني بالصلة - بعد أن انفرد في مزرعته في وادي (العمارية) فيبعث إلي من بواكير الرطب والفاكهة في الوقت الذي كنت فيه مجفواً من عامة الناس بعد فصلي من إدارة كليتي (العلوم الشرعية) و(اللغة العربية) ([168]).

* وكان -رحمه الله- إذا أتى إلى الرياض يزور العلماء، وقد ذكر فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان - رئيس مجلس القضاء الأعلى - وكان في حينها في المحكمة الكبرى بالرياض: "أنه كان يزورهم وكانوا يقولون له: لك الحق يا شيخ، فيقول: "أنتم مشغولون".

* وقال الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق - حفظه الله - وهو يتحدث عن الجد - رحمه الله -:

"كنت أتردد على المكتبة السعودية وأسلم عليه، ويحتفي بي، ويسألني عن أسرتي وأهلي، وكان لا يرد لي طلباً وقد طلبت منه إعارتي رسالة خطية لجدنا الشيخ حمد بن عتيق حيث امتنع الموظف المختص بإعارة المخطوطة وهي النسخة الوحيدة في المكتبة، فأمر الشيخ بإعطائي إياها على أن أنسخها وأعيدها إلى المكتبة بعد نسخها، حيث لا يوجد في تلك السنين أجهزة لتصوير المخطوطات وإنما يتخذ الناس النسخ بالقلم وقد كنت أسمع الحديث عن الشيخ عبد الرحمن وما هو عليه من الجوانب الخيرة المباركة من الجد والاجتهاد والحرص على التحصيل والاستفادة من العلماء حتى كان ذلك طبعاً له وسجية".


* وقد قال الشيخ عبد العزيز السدحان مرة: "ما تمنيت أن أرى أحداً من العلماء مثلما تمنيت رؤية جدك - رحمه الله - ".

ومن صفات الجد - رحمه الله - التي كتب عنها الكثير إنه محبوب من الجميع، وليس له مع أقرانه خصومة أو عداوة أو مع أحد من الناس، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من أصحاب التراجم.


الغيرة على محارم الله:

كان -رحمه الله- غيوراً على محارم الله أن تنتهك، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر في عامته وخاصته.

وله مراسلات مع الملوك في النصيحة، وما كتبه ومؤلفاته إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر.

ومن قصصه العجيبة في ذلك التي تدل على شدة نفرته من الشرك وإن كان أصغر:

أنه سمع عاملاً أتى إليهم في المزرعة يقول: "والنبي" فقال: "لا يبقى عندي ويعلم التوحيد قبل أن يرجع به".

* قال محمد الحمدان في مجلة العرب متحدثاً عن الجد - رحمه الله -:

"إنه كان غير مرتاح للأوضاع الدينية والاجتماعية في الدول العربية والإسلامية المجاورة خاصة بعد ما شاهده هناك من العقائد المنحرفة وأنواع المعاصي الظاهرة، وكان يتخوف دائماً أن يصيب قومه ما أصاب أولئك".

* ومن غيرته على محارم الله أنه - رحمه الله - وجه سؤالاً إلى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم عن حكم لبس المرأة لبعض الملابس الضيقة كما في مجموع فتاوى محمد بن إبراهيم - رحمه الله - ([169]).

* ويتضح ذلك أيضاً في سؤاله لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم عن قائمة أسماء الكتب الممنوع توريدها لئلا تطلب، حفاظاً على المكتبات من الكتب المخالفة للشريعة. وقد أجابه سماحة الشيخ - رحمه الله -:


بالجواب التالي:

من محمد بن إبراهيم إلى

حضرة المكرم مدير المكتبة السعودية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

فقد وصلني كتابكم المؤرخ 15/5/1376 هـ وفهمت مضمونه خصوصاً إشارتكم بأنكم تودون أن لو أرسلت إليكم أسماء الكتب الممنوع توريدها لئلا تطلبوها.

وأفيدكم: أن الكتب الممنوعة لا تنحصر أسماؤها، فإن كل كتاب يشتمل على باطل فهو ممنوع؛ ووظيفة المكتبة توريد الكتب النافعة التي لا محذور فيها وليس وظيفتها وشأنها توريد الكتب كلها حتى يطلب تبيين ما لا يصلح ليتقى. أما ما كان مشهور النفع في علم طب أو لغة أو ما أشبه ذلك وفيه أشياء منتقدة فهذا شيء آخر... ومن خصوص طلبكم بياناً بأسماء الكتب التي يحجزها المفتشون فلا مانع من أن ترسلوا شخصاً إلى دار الإفتاء يأخذ أسماءها من التفتيش. والسلام عليكم([170]).


النصيحة

العلماء هم أهل النصيحة الصادقة المشفقة، وهل هناك أعظم من نصيحة تدل على طريق الجنة وتحذر من النار؟!

والشيخ - رحمه الله - له باع طويل ويد معطاة في بذل النصيحة شفقة على الأمة ورفقاً بالخاصة والعامة.

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله -: عن الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في مقدمة (حاشية الروض المربع): ".... وكان - رحمه الله - غيوراً على حرمات الله آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر يصدق بالحق، ولا يخاف في الله لومة لائم....." ([171]).

وقد كان - رحمه الله - ناصحاً لأئمة المسلمين وعامتهم. أما الأئمة والعلماء فكان متواصياً معهم على الحق والصبر، وكان - رحمه الله - يرسل نصائح للملك سعود ثم الملك فيصل بخطابات يسلمها إليهم بوساطة أحد المقربين منه.

* وذكر العم الشيخ سعد أن الجد - رحمه الله - كان يتواصل مع الملوك بالنصيحة، وذكر أنه في أواخر سنوات عمره في عام 90 أو 1391هـ كتب نصيحة للملك فيصل من صفحتين، وختمها بقوله: "وأرجو أن تكون معذرة إلى الله - عز وجل - ".


ثم سأل أبناءه ومن حوله من يسلمها للملك فيصل؟ قال العم سعد قلت: أنا. قال: "هناك رجل عند الملك فيصل اسمه ابن حسين، اسأل عنه ودعه يدخلك على الملك وسلم الخطاب للملك يداً بيد".

قال: فذهبت وكان الاستقبال بعد المغرب، وعندما وصلت إلى قصر الملك وقفت مع الناس وكان عددهم من 50 – 70 رجلاً قال: فلمحني رجل، وقال: أنت ابن قاسم. قلت: نعم، قال: أنا ابن حسين ماذا لديك" قلت: الوالد أرسلني بخطاب إلى الملك فيصل. فأخذ بيدي وأدخلني وسلمت الخطاب للملك فيصل يداً بيد".

* ومن ذلك مناصحته أيضاً مراسلته لطلبة العلم ومن يشفق عليه ويحبه. ومنهم الشيخ حمد الجاسر حيث كان يحبه في شبابه وبداية طلبه للعلم الشرعي، وله منزلة في قلبه حين بدأ في طلب العلم؛ لما يتوسم فيه من النجابة والنباهة، وهذا نموذج من تلك الرسائل:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الرحمن بن قاسم

إلى حضرة الأديب الصديق الأخ الشفيق حمد الجاسر

المـدرك بـلا تـعاسـر     ألهمه الله رشده وتقواه آمين

سلام عليك ورحمة الله وبركاته وأزكى وأشرف تحياته على الدوام، محبك يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على جزيل نعمه.

وكتابكم الكريم وصل وسر الخاطر حيث أنبأ عن صحتك وسلامتك بعد انقطاع وحرقة من المكاتبة والفرقة.


وكنت في هذا العام مشتاقاً للقائك محزوناً بفراقك، وزاد في لوعة ما ذكرته من همك للتخصص مع البعثات لطلب الفنون ولم أدر ماذا يتعلمون وإلى ما بعده تكونون وأنى تذهبون، ومساكنة الكفار ما تخفاك وانظر ما نحن فيه ونحن في بلاد الإسلام بين أهل المعاصي، لا ننكر ولا نفارق فكيف بالكفرة؟ والعاقل لا يأمن الفتنة، واذكر قصة أهل الهجرة وتأثير الخلطة وقد خولك الله من فنون العلم والبلاغة والفصاحة ما لم يدركه أحد، وقد كنت وددت ألا يسعد بك قطر من أقطار نجد ولو اطلعوا على ما خولك الله لم يدعوه مهجوراً وعلى ينبع مقصوراً ولغالوا فيك ولكن نأيك يواريك وأوطانك بما أودع فيك ونأمل أن يأتينا منك كتاب يجبنا وبقدومك يهنينا والمجلد الأول من الرسائل فرقوه في نجد وفي مكة ربما وهو قليل حتى أنا ما تحصلت على نسخة إلا من غير طريقة الشيخ والنبذة لابن صالح أربع ورق عند المسعودي، ولم أنقل منها شيئاً وهي عند رجل في الرياض مستخف بها، ولابد إن فسح الله في الأجل ننقلها ونرسلها لك والمجلدات في متن من الرسائل انتصف. ومنا سلام على الإخوان من أهل الدين كما من عندنا العيال والإخوان وينهون السلام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

26/3/1365 هـ


* وهذه الرسالة بعثها الجد - رحمه الله - إلى الشيخ حمد الجاسر عندما كان مدرساً في ينبع عام 1365 هـ قبل أن ينقل إلى ضبا قاضياً وكان عمره حينئذ 29 عاماً وعمر الجد 38 عاماً بمعنى أنه أكبر منه سناً وقدراً ومع ذلك أرسل نصيحة مشفقة فيها التلطف والتودد وجميل العبارة.





 عبادته:

كان - رحمه الله - عابداً ورعاً تقياً، يختم القرآن في كل أسبوع، وله في رمضان ختمة في كل يوم ونصف؛ أي يختم في رمضان عشرين ختمة.

* وذكر عبد الرحمن بن عبد العزيز القاسم: "أنه كان يمشي معه من بلدة البير إلى الرياض سيراً على الأقدام، وكان سريع المشي يتقدمه في السير، لا يدركه إلا إذا سجد"؛ ومعنى ذلك أنه يقرأ القرآن الكريم وهو يمشي وكلما أدركته سجدة سجد وعندها يدركه.

* وذكر العم الشيخ سعد - حفظه الله - أنهم كانوا يسيرون معه في نواحي المزرعة فإذا به يهوي ساجداً! ومعنى ذلك أنه كان يقرأ القرآن وهو يسير حتى في مزرعته.

* وفي مرض موته في المستشفى كان يقرأ القرآن كاملاً من صدره، وإذا مر بآية أومأ إيماءً - حيث كان لا يستطيع السجود - .

* وقد ذكرت (جدتي) - رحمها الله - أنه سأل مرة: أين المصحف؟ كي يقرأ فيه، ولم يكن المصحف قريباً فقالت متسائلة: ألست بحافظ للقرآن؟ قال: - رحمه الله -: "بلى ولكن اشتقت لحروفه".

* وكان - رحمه الله - يذهب إلى المسجد قبل ساعة من غروب الشمس يوم الجمعة رغبة في إدراك ساعة الإجابة.

* وله نصيب من قيام الليل منذ حداثة سنة، قالت جدتي عنه: كنت أصلي " أي في الليل" ويصلي لكنه كان كثير البكاء.


* وكان له - رحمه الله - دعوات مستجابة، منها ما ذكره الوالد عندما سألته يوماً عن فضل الدعاء في الملتزم. قال - رحمه الله -: "حدثني والدي أن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - حدثه أنه دعا في الملتزم بدعوة فاستجيب له، (وذكرها وهي خاصة بأمر عظيم من أمور المسلمين)، ثم قال أن والدي قال [أي الشيخ عبد الرحمن]: دعوت في الملتزم بدعوة فاستجيب لي، وقال والدي - رحمه الله -: وأنا دعوت في الملتزم بدعوة فاستجيب لي".


 سخاؤه وكرمه:

* كان منفقاً ذات اليمين والشمال على الفقراء والمحتاجين، وعندما ضرب البرد مزرعة جاره (وهو الذي حدثني بالقصة) كان له الكثير من الأبناء الصغار ذهب له - رحمه الله - ومعه ما يقارب (8000) ريال وقال: "هذه لك"، قال: ففرحت بها فرحاً شديداً وسد الله بها فاقتي وحاجاتي، وكان ثمن محصولي لا يتجاوز هذا المبلغ، وكان في حينه كبيراً.

* وكان له - رحمه الله - عناية بأقاربه ومعارفه، يكرمهم ويدعوهم إلى مزرعته ويلح عليهم في ذلك، ويرسل سيارته إلى الرياض لإحضار من يرغب المجيء إليه.

وقد ذكر الدكتور خالد القاسم قصة رواها عن والده حيث قال: "هذه قصة ذكرها لي والدي عبد الله بن عبد العزيز بن محمد القاسم - شفاه الله - عند لقائه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - فيقول: خرجت أنا ووالدي عبد العزيز - رحمه الله - من بلدة الحريق مشياً على الأقدام قاصدين بلدة القصب ثم الرياض وكان عمري وقتها لم يتجاوز العاشرة، فوصلنا إلى القصب فلما خرجنا منها قاصدين الرياض قال لي والدي، سنزور ابن عم لنا في بلدة البير - يقصد الشيخ عبد الرحمن - وبعد عناء ومشقة السير وصلنا إلى البير فإذا بالشيخ عبد الرحمن بن قاسم يستقبلنا استقبال الكريم الفرح بضيوفه فذبح لنا وأطعمنا وأكرمنا غاية الإكرام، مع أن ذلك الزمان كان زمن فقر وحاجة وقلة زاد.


وعندما عزم والدي على الانطلاق إلى الرياض قال له الشيخ عبد الرحمن: إلى أين يا ابن العم لا تذهب إلى بعد أن تستكمل ثلاثة أيام، فأصر علينا بالجلوس عنده، وكنت أريد الجلوس لما رأيت من عظيم إكرامه لنا، فجلسنا عنده حتى انقضت الثلاث، وكان مع ذلك متواضعاً فقد كان مهتماً بي على صغر سني مقدراً لي، ثم انطلقنا بعد ذلك إلى الرياض.

فكان يقول: "أكرمنا في هذه الأيام الثلاثة إكراماً بالغاً حتى إني تمنيت أن نقيم عنده ولا نذهب إلى الرياض، فرحمنا الله وإياه وجمعنا به في مستقر رحمته".

* وأذكر أن بعض من يتظاهرون بالحاجة يأتون إليه ويوقفون سياراتهم في الوادي حتى لا يراها.

فلما ذكر له أحد أحفاده أن هؤلاء لديهم سيارات ولكنهم يوقفونها بعيداً حتى لا تراها. قال: سوف أعطيهم ما أتوا.

قال في (روضة الناظرين): "كان يحنو على الفقراء ويواسيهم ويقول: "مرحباً بمن يحمل زادنا إلى الآخرة".


والدته وزوجته - رحمهما الله -:

للأمهات الصالحات دور كبير في دفع أبنائهم لطلب العلم والسعي لتحصيله وفي صدر الإسلام نماذج حية لذلك.

حدث الإمام الشافعي عن نفسه فقال: "... كنت يتيماً في حجر أمي، فدفعتني إلى الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطيه للمعلم، فكان المعلم يرضى مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع المسألة أو الحديث فأحفظها، ولم يكن عند أمي مال تعطينه لأشتري به ورقاً وقراطيس أكتب فيها، فكنت أتبع العظام والخزف وأكتاف الجمال وسعف النخل، فأكتب فيها الحديث، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا في البيت، ثم إن الجرار التي في البيت قد كثرت، فقالت لي أمي: إن هذه الجرار قد ضيقت علينا البيت، فأقبلت على هذه الجرار أحفظ بما فيها ثم ألقيها...." ([172]).

وكان سبب تبكير سفيان لطلب العلم والاشتغال به تشجيع أمه له، وحفظها له عليها، وتوجيهها له أن يستفيد علماً وأدباً.

فقد قالت لسفيان وهي تدفع به إلى حلقات العلم ومجالسة العلماء: "يا بني خذ عشرة دراهم، وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تغير في جلستك ومشيتك وكلامك مع الناس فأقبل عليه، وأنا أعينك بمغزلي هذا وإلا فاتركه، فإني أخشى أن يكون وبالاً عليك يوم القيامة"([173]).


* والجد - رحمه الله - اعتنت به والدته واسمها (هيا بنت عباد بن حمد العباد)، وأمها ابنة عمته، وكانت ذات يسار ولها أملاك في (البير وحريملاء والصفرة)، ولما توفي أخوه عبد الله أراد والده محمد أن يبقى معه في المزرعة لكنها - رحمها الله - دفعته إلى طلب العلم ودفعت له من مالها.

* وكان - رحمه الله - يسافر كثيراً، ويمكث عنهم بعيداً، وكعادة الأمهات تحب بقاء ابنها عندها ولو إلى حين، لكنه - رحمه الله - كان مشغولاً بطلب العلم وتلقيه ثم بنشر المؤلفات والكتب، ولما أراد أن يسافر مرة عزمت عليه أن يبقى فسكت وكانت تدفعه بيدها حتى لا يقبل رأسها، فلما كبرت للصلاة، أتى من خلفها وقبل رأسها، وسافر، وكانت وفاتها - رحمها الله - في سفره ذلك.

* وكما للأمهات دور فإن للزوجات الصالحات أثراً واضحاً وجلياً في حياة الرجال. أم المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - تواسي نبي الأمة وترفع من همته وتشد أزره؛ لما نزلت الآيات الأولى على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لزوجه خديجة موقف عظيم فقد واسته ولاطفته بكلمات عظيمة حتى هدأ روعه وسكن خوفه.

* وقد تزوج بالجدة رحمها الله وهي (نورة بنت محمد الزومان)([174])، وكانت ذات عقل ورزانة وورع وعبادة وعفاف وقراءة للقرآن وما رأيتها إلا


والمصحف في يدها أو مسبحة الله أو مصلية وآمرة بالمعروف.

* تقول - رحمها الله -: كنت أنزعج كلما أراد السفر خاصة أنه يغيب شهوراً متواصلة، فلما قلت له يوماً في ذلك قال لي: "أنت خشيرتي في الأجر" أي شريكتي. قالت - رحمها الله -: "فما عدت أقول له شيئاً بعد ذلك".

وكانت حريصة على تربية أبنائها والمحافظة عليهم، ومن ذلك أنها كانت تحفظهم كتاب الله - عز وجل - وهي تعمل وقد جعلتهم بجوارها.

* وعندما كبر سنها وضعف بصرها، وتأسفت عليه، قلت لها: لعلك لا ترين أحفادك الصغار؟ قالت: "أتأسف على قراءة القرآن".

وقد كان لها من الصبر والجلد الشيء العظيم فقد تحملت سفر الجد وغيابه عن مزرعته شهوراً طويلة، وربت الأبناء وأنشأتهم النشأة الطيبة، وكانت إذا رأت خادمة مع من يزرنها سألتها عن التوحيد أولاً.

وقد عانت من فراق الزوج كثيراً حتى إنها ذكرت ما يشبه أحاديث السلف فقالت - رحمها الله -: "إنه كان يسافر وقد حملت بحمل في بطني ثم يعود وإذا بالحمل قد وضعته بل ويجري ويستقبل والده".

* وكانت كثيراً ما تسأل عن أخبار الصالحين، وكانت تحمل السلام إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وتقول: أنا أحقر من أن أرسل إليه سلامي وكان هو - يرحمه الله - يسأل عنها أبناءها وأحفادها عند زيارتهم له.

* وتأمل في أحوال من سبق تجد الأثر ... أراد عبد الله بن القاسم العتكي المصري، السفر من القاهرة إلى المدينة لطلب العلم عند الإمام مالك،


وكانت زوجة عبد الله آنذاك حاملاً، فقال لها: "إني قد عزمت على الرحلة في طلب العلم، وما أراني عائداً إلى مصر إلا بعد مدة طويلة، فإن شئت أن أطلقك طلقتك فتنكحين من شئت، وإن أردت أن أبقيك في عصمتي فعلت ولكن لا أدري متى سأرجع إليك!

فاختارت البقاء زوجة له، ورحل ابن القاسم إلى مالك، وبقي عنده سبع عشرة سنة ملازماً لمالك لا يبيع ولا يشتري، بل همته مصروفة إلى طلب العلم، وفي هذه المدة ولدت زوجته غلاماً وكبر ولم يكن يعلم ابن القاسم لولادة ولده؛ لأن أخباره قد انقطعت عن زوجته منذ رحيله.

قال ابن القاسم: فبينما أنا ذات يوم عند مالك في مجلسه، إذ أقبل علينا حاج مصري شاب ملثم، فسلم على مالك، ثم قال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشاروا إلي، فأقبل علي يعتنقني ويقبل ما بين عيني، وجدت منه رائحة الولد، فإذا هو ابني الذي تركت زوجتي حاملاً به وقد شب وكبر".

* وقد توفيت الجدة - رحمها الله - في 30 شعبان، وصلي عليها ليلة رمضان 1/9/1418 هـ وقد صلى عليها جمع من العلماء والمشايخ، منهم الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - ودفنت في مقبر العود بالرياض - رحمها الله رحمة واسعة - .


 حياته وسكنه:

سكن - رحمه الله - في مسقط رأسه بلدة (البير) أول عمره وذكر الوالد - رحمه الله - أن والده بحث عن أرض زراعية ليسكن فيها في (ثادق) فلم يتيسر له، ثم وجدها في (القصب) وبقي هناك مدة يسيرة.

ثم انتقل إلى الرياض، وأقام بها حتى كان عام 1366 هـ حيث غرس الجد - رحمه الله - مزرعته في أول طريق العمارية والمسماة (المغيدر).

وبنى له فيها بيتاً متواضعاً سكن فيه هو وزوجته وأولاده. وكانت له غرفة صغيرة تحت الأرض هي مكتبته وقد أدركتها ومساحتها لا تتجاوز 4 م2 وفيها دولاب لكتبه - رحمه الله - .

وقد أمضى في هذا المسكن بقية عمره حتى تاريخ وفاته في عام 1392 هـ أي: ما يقارب من ستة وعشرين عاماً.

وقد زاره في هذا المنزل الملك سعود بن عبد العزيز وجمع من الأمراء.


البركة في حياته:

البركة ما حلت في قليل إلا كثرته ولا في كثير إلا نفعته وأبقته وحفظته، والبركة هي دوام الخير وكثرته، ولا خير أدوم وأكثر من خير الله - سبحانه - .

والسبب في حلول البركة في وقت المؤمن وعمره وماله وولده هو تقوى الله - سبحانه - قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].

وكلما كان العبد أنقى لربه طرح الله البركة في وقته وعمره وماله، والناس في هذا على مراتب لا تحصى.

وقد قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه اله - عن الجد: "إنه مبارك في ماله وولده".

أما المال فأحوال الجد ميسورة - ولله الحمد - وعاش أكثر من عشرين عاماً في مزرعته خارج الرياض في نعمة وعافية.

أما أولاده وأحفاده فنسأل الله أن يطرح البركة فيهم.

* وأذكر أن الدكتور محمد بن أحمد الصالح كان ينادي الأحفاد ممن يدرسون في كلية الشريعة بالسلسلة الذهبية!

* أما البركة في علمه فواضحة في قبول مؤلفاته وانتشارها ونفع الناس بها والنهل منها.

* وقد ظهر له - رحمه الله - بعض الكرامات في حياته فقد ذكر: "أنه - رحمه الله - حفر بئراً وقت مسغبة وندرة أمطار فوجد ماء عذباً لم يجد جيرانه مثله.


وحفروا في أراضيهم في الأرض المجاورة للبئر التي لم تكن تبعد عنها سوى أمتار قليلة ولم يجدوا مثل ما وجد - رحمه الله - !".

*ولعل من أبرز ما لاحظه المشايخ الذين كانوا يزورونه في المزرعة: كبر حجم الفواكه في مزرعته من عنب ورمان وخوخ ومشمش مع حلاوة فيها وكان الناس يتساءلون عن سر ذلك.


 قصة مرضه:

أصيب الجد - رحمه الله - في حادث سيارة في عام 1349 هـ، وأثر في رأسه تأثيراً بالغاً والتأم بعد ذلك وعوفي، فلما ضعف جسمه وصار مسناً عاوده الألم بشدة. وأصيب بعد ذلك بسنوات بحادث سيارة آخر ولكنه لم يؤثر عليه بشيء - ولله الحمد - .

قال الوالد - رحمه الله - وهو يحدثنا عن ذلك في حج عام 1414 هـ قال: "..... لما ذهبنا إلى بيروت لم يستفد الوالد من العلاج، ثم بعد فترة ذهبنا إلى فرنسا وبقينا فيها سبعة أشهر، وأصبح الوالد في عافية بعد أن كشفوا عليه بالأشعة، وأظهرت أن هناك دماً جامداً في الرأس، ولما ذكرت لهم سبب الدم وإنه من حادث سابق، قالوا: هناك ثلاثة حلول اختر أحدهما:

الأول: أن نفتح جمجمة الرأس ونشفط الدم.

الثاني: أن يذاب الدم المتجمد بالحرارة الشديدة.

الثالث: أن ننفخ الرأس مع استعمال الأدوية.

فاختار الثالث وهي النفخ مع الأدوية، فلما استخدم الدواء تعافى وتحسنت حاله، ولكنه لم يداوم على الدواء. حيث انتهى الدواء ولم يوجد مثله في السعودية".

ولما مرض الجد -رحمه الله- كان الوالد محمد -رحمه الله- يذهب يومياً من الرياض إلى المزرعة حيث يعطي الجد حقنة (إبرة) لتخفيف الألم الذي كان يصيبه في رأسه ولأنه لم يبق من الإبر إلا  القليل، فقد استأذن الوالد من


الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- وقال: "الإبر لا تكفي والوالد تعب حين انتهت الأدوية وأريد أن أذهب إلى فرنسا أشتري له الدواء". قال الشيخ محمد بن إبراهيم: أخشى أن تتأخر، قال الوالد: إن شاء الله ثلاثة أيام".

وكانت العلاقة مقطوعة بين المملكة وفرنسا في حينها، فذهب الوالد إلى البحرين ومنها إلى فرنسا. وأحضر الدواء، ثم رجع عن طريق ألمانيا وتركيا، ثم البحرين ثم الظهران فلما استعمل الجد الدواء قام صحيحاً".

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - كلاماً مؤثراً: "قال: لما أقبلت على المزرعة بعد هذه الرحلة فإذا بوالدي خارجها يمشي وحده، قال: "فلما رآني فرح فرحاً شديداً ومن شدة فرحه بكى".

* قال الوالد - رحمه الله -: ".... بكى من فرحته بالدواء وذلك لشدة ما كان يجد من الألم....".

* قال الوالد - رحمه الله -: ذهبنا إلى بيروت للعلاج، ومكثنا أحد عشر شهراً وكنت أذهب إلى الشام للبحث عن المخطوطات كل يوم سبت وأعود له في بيروت يوم الأربعاء، ولما ذهبت إلى العراق بقيت شهراً كاملاً والوالد في بيروت واتصلت عليه في العراق فطلب عودتي وألح في ذلك ورجعت إليه وبقينا في بيروت شهراً ثم عدنا إلى المملكة".

* وقد رأيت الجد - رحمه الله - في أحد الأيام وقد أتى إليه بغاز أزرق صغير ثم أوقدوه، وأتوا بمقلاة لها يد فقلبت على الغاز حتى سخنت ثم قربوها إلى جمجمته وتكرر الأمر وكنت في صغري أخشى أن تلامس قشرة رأسه حيث لم يبق بينها وبين القشرة سوى سنتمتر أو أقل. ثم قام - رحمه


الله - وكان له طاقية من الصوف السميك فلبسها لتحفظ الحرارة ثم لبس شماغ الصوف.


 وفاته:

لم يزل - رحمه الله - مكباً على إخراج كتبه ومؤلفاته مع ما أصابه في حياته من ألم شديد في الرأس.

وفي أواخر أيامه ضعف بصره - رحمه الله - من كثرة ما يقرأ ويكتب وهذه حال العلماء، جاء في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي: "..... وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء، وكان أوحد زمانه في علم الحديث....." ([175]).

* قال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - وهو يتحدث عن الجد - رحمه الله -: "ولما توفي ابنه عبد العزيز - رحمه الله تعالى - إثر سبب عارض، زرناه في المغيدر [مزرعته] للتعزية وكان بصحبتنا الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد، فذكره الشيخ ببعض ما مضى منهما زمن الطلب، وأنه لم يبق من تلاميذ الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف غيرهما، وقد فهم من ذلك قرب الأجل حيث تذكر من مضى من مشايخهما وزملائهما وهكذا بقى متمتعاً بعقله وفهمه حتى وافاه أجله عام 1392 هـ وصلى عليه جماهير أهل البلد وعلماؤه فرحمه الله وأكرم مثواه".

* وكان - رحمه الله - قد رأى رؤيا قبل وفاته: "أنه أذن المؤذن فدخل المسجد للصلاة، ورأى شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد بن حنبل وجمعاً من العلماء واقفين في الصف فقدموه للصلاة!".


وقال: "ما أراه إلا أجلي قريب، فما بين الأذان والإقامة إلا قليل"، ولكنه - رحمه الله - قال: "إن كنت مع هؤلاء فلا علي خوف". فمكث أربعين يوماً ثم توفي.

وقد ذكر الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ هذه الرؤيا عندما أتى معزياً بوفاة والدي ثم قال: "وهذه لها مناسبة فهو الذي أخرج مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى) وكذلك مؤلفات الإمام أحمد بنشر حاشية الروض وغيرها".

* وذكر العم الشيخ أحمد: "أن والدي - رحمه الله - رأى شيخ الإسلام يضع التاج على رأسه".

* وعندما اشتد به المرض أرادوا أن يذهبوا به من المزرعة إلى المستشفى فقال - رحمه الله -: "يا الله مقسوم خير".

ولم يفت في عضده الألم ولم يثنه المرض عن العلم وتحريره، وأمثال ذلك في كتب السير كثير، فقد ذكر القرشي في ترجمة إبراهيم بن الجراح التميمي مولاهم - تلميذ أبي يوسف وآخر من روى عنه - قال: "أتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم؛ أيهما أفضل في رمي الجمار، أن يرميها الرجل راجلاً أو راكباً؟

فقلت: راكباً. فقال: أخطأت؛

قلت: ماشياً. قال: أخطأت؛

قلت: قل فيها - يرضى الله عنك - .


قال: أما ما يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه راجلاً، وأما ما كان لا يوقف عنده، فالأفضل أن يرميه راكباً.

ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات - رحمه الله - "([176]).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى ليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل، فهم بعداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس"([177]).

* وأدخل الجد - رحمه الله - المستشفى وكانت شفاهه تتحرك بقراءة القرآن ويومئ برأسه حين يمر بسجدة ولم يلبث إلا قليلاً من أسبوعين حتى وافاه الأجل، في مدينة الرياض في 8/8/1392 هـ. ودفن في مقبرة العود. وكان في مقبرة العود أثلة بجوار قبر الشيخ سعد بن عتيق - رحمه الله - فقال: "أن مت لعلي أجاور الشيخ". ولم يتيسر ذلك.

رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

كانوا جمال ذي الأرض في الحياة وهم

                                بعد الممات جمال الكتب والسير.


 أولاده:

كان - رحمه الله - حريصاً على تعليم أبنائه العلم الشرعي وحفظ القرآن، وقد ذكر الوالد - رحمه الله -: ".....أنه لم يكن يضرب أياً من أولاده بل كان يوجه وينصح....".

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - أنه عندما رشح وزيراً لوزارة العدل إبان إنشائها قال له - رحمه الله -: "عليك بالكتب" وكانت هذه الوصية من أنفع الوصايا وأثمن النصائح.

* وكان يلتمس لأبنائه العذر للخروج من المضائق؛

وذكر الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق - حفظه الله - القصة التالية عن - الجد - رحمه الله -: "تأهل ابنه محمد للقضاء، فرغب الشيخ محمد بن إبراهيم ترشيحه للقضاء، ولكن لما علم محمد بذلك سافر إلى الحجاز.

قال الشيخ [محمد بن إبراهيم] لأبيه الشيخ عبد الرحمن: أين محمد؟ فقال الشيخ عبد الرحمن: لقد أخفته وارعته فقد هرب إلى الحجاز.

فقال الشيخ محمد بن إبراهيم: وماذا يصنع هناك؟ فقال: اشترى سيارة يؤجرها لينفق على أولاده؛

فقال الشيخ محمد بن إبراهيم: أبلغه ليعد فلن أعرض عليه القضاء والحالة هذه".

* وكان إذا قدم من سفر وأولاده في شوق إليه يريدون أن يسألوه عن سفره، يبادرهم بقوله: "كم حفظتم من القرآن؟".


* قال الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - يثني على تربية الجد لأبنائه في معرض حديثه عن الوالد - رحمه الله -: "..... رزقه الله صدق الرغبة ومحبة العلم وحسن المعتقد والتربية الصالحة على يدي والده - رحمه الله - ".

* وقال الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق - حفظه الله -: "وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يظهر للشيخ عبد الرحمن القاسم المودة والتقدير، وكان يعتبر أولاده وبالأخص محمد وأحمد من طلبته الخاصين وممن هم في خدمته والاستفادة منه، فكان الابنان محمد وأحمد يلازمان الشيخ ملازمة تامة في مجالس التعليم وفي البيت".

* ولما أصاب الجدري الوالد - رحمه الله - وشفي منه كتب إلى والده في مكة يخبره بشفائه وأن الله سلم عينيه وبدنه، فسجد - رحمه الله - في الحرم شكراً لله - سبحانه - أن شفى ابنه وسلم بصره.

* ومما أثر في نفسي ما ذكرته إحدى عماتي عندما سألتها عنه - رحمه الله - فقالت: "ما تهنينا به" فهو بين سفر وكتابة، وقالت: أذكر مرة أنه أتى إلينا وسمعت أنه سوف يسافر في الغد فقلت له في تلك الليلة وأنا صغيرة جداً: "احلف أنك ما تسافر؛".

* وكان - رحمه الله - يأمرهم بالصلاة ونوافل العبادات، وقد ذكرت لي عمتي سارة وهي أخت للجد - رحمه الله - أنه كان يقول لها يا أختي: "النار..... النار".

* وكان في رمضان يحثهم على قراءة القرآن ويقول: "لا تجلسوا إلى بعض، بل تفرقوا حتى تقرؤوا".


* وأذكر وأنا صغير أنني أتيته فأخذ بيدي - رحمه الله - إلى غرفته، وناولني كيكاً يحفظه كهدايا يقدمها للصغار؛ وكان نادراً في وقته.

* وقد غرس أشجاراً من الخوخ والمشمش بجوار مجلس الضيوف في المزرعة ويقول لبعض أحفاده: قولوا غداً هذه زرعها جدي. - فرحمه الله رحمة واسعة - .

* وكان يعطي الصغار ريالاً إذا سقوا أشجاراً بجوار مجلس الضيوف في المزرعة وكانت من الخوخ والمشمش ويقول: تذكرون هذه وتأكلون منها؛

وقد رزق - ولله الحمد - أولاد وبنات، فقد ولد له من أبناء:

* عبد الله: أكبر أولاده؛ كان عابداً ورعاً حافظاً لكتاب الله - عز وجل - كان يقوم الليل حتى شق عليه فوضع اسفنجاً ليقي ركبتيه أثناء السجود، وبقي سنوات طويلة يمكث في مصلاه حتى تشرق الشمس، وقد ذكر الوالد - رحمه الله - أنه وجد ورقة كتب فيها ابتداء جلوسه في المسجد بعد صلاة الفجر فوجدنا أنه قد مضى على تلك الحالة أحد عشر عاماً، وسألت الوالد - رحمه الله -، لماذا جعل هذه الورقة وتاريخ هذا اليوم، قال: "لعله جعل ذلك لتزيد همته وحتى لا يتكاسل يوماً عن المكوث في المسجد حتى تشرق الشمس".

وكان من عبادته عجب؛ فقد كان يوم الجمعة يصلي الفجر ثم يذهب إلى الجامع الكبير ويمكث في المسجد حتى يصلي الجمعة.

وكان صواماً قواماً وله مواقف في العبادة معروفة؛ أعانه على ذلك صحبة عباد يتعاونون على البر والتقوى والمكوث في مكة طوال شهر رمضان.


وقد توفي - رحمه الله - في 6/6/1402 هـ فرحمه الله رحمة واسعة.

* ويليه: إبراهيم وتوفي وهو ابن أربعين يوماً.

* الوالد الشيخ محمد: العالم العابد الزاهد خريج كلية الشريعة، لازم الشيخ محمد بن إبراهيم خمس وعشرين سنة، واشتغل بالتدريس في المعهد العلمي، ثم كلية الشريعة وكلية أصول الدين بالرياض، وهو الذي ساعد والده، في جمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وأخرج (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم) في ثلاثة عشر مجلداً، وله (المستدرك على الفتاوى) في خمسة مجلدات وغيرها من المؤلفات، رشح وزيراً للعدل ورشح عضواً في هيئة كبار العلماء فاعتذر، توفي يوم الثلاثاء 7/6/1421 هـ وكانت جنازته مشهودة ([178]).

* عبد العزيز: عمل مع والده في المزرعة، محب للخير والعبادة، توفي - رحمه الله - قبل والده بـ 18 شهراً أي: في محرم عام 1391 هـ. وقد أوصى الجد - رحمه الله - لأولاده ابنه عبد العزيز بمثل نصيب أحد أبنائه الموجودين حال الوصية من عقار ومنقول.

ذكر صاحب كتاب "حياة الشيخ محمد بن إبراهيم" عن سماحته ما يلي:

من المنامات التي رؤيت: ما ذكره ابنه معالي الشيخ إبراهيم بن محمد أنه لما كان الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في العمارية في مزرعته كان له ابن صالح وهو عبد العزيز بن عبد الرحمن. لما توفي ذهبت لعزائه وبعد الخروج من


عنده خرج معنا سليمان وقال: إن عبد العزيز المتوفى رأى ليلة وفاته رؤيا، يقول عبد العزيز:

رأيت الليلة رؤيا عجيبة وهي أنه جاءني رجل ومعه قطعة قماش خضراء وقال: قد أرسلني محمد بن إبراهيم من الجنة بهذه القطعة فقال والده الشيخ عبد الرحمن: بشرك الله بالخير لعلها تكون كفني. وفي صباح هذا الرؤيا ركب عبد العزيز الحراثة لحرث الأرض فحصل له حادث ومات رحمه الله([179]).

* الشيخ أحمد: درس على الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وهو الذي كان يقرأ عليه بعد سفر الوالد لجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وله جهود دعوية معروفة، عمل سكرتيراً للشيخ محمد بن إبراهيم، ثم أمين مكتبة كلية الشريعة، أخرج "تفسيراً للقرآن الكريم" في ستة مجلدات قدم له فضيلة الشيخ صالح الفوزان. وله كتاب "المنتخب من أدلة الشريعة" طلع قديماً وأعيد طبعه، وكذلك كتاب "العمدة في فقه الشريعة".

* سليمان: عمل مع والده في المزرعة، باراً بوالدته، توفي -رحمه الله- في شوال 1421 هـ إثر مرض أصابه ولم يمهله طويلاً.

* الشيخ ناصر: كان موظفاً برئاسة تعليم البنات، وله أياد في الإنفاق ومن مآثره أنه طبع كتب الجد كاملة على نفقته (كالفتاوى) و(الدرر) و(الحاشية) وغيرها - فجزاه الله خيراً - وبارك في ماله وولده.


* الشيخ سعد: عمل مدرساً في معهد الرياض العلمي حتى أحيل للتقاعد، وله مشاركات في المحاضرات والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أشرف مع الشيخ عبد الله بن جبرين على طبع (حاشية الروض المربع) وكذلك إخراج (الدرر السنية) في طبعتها الأخيرة وغيرها من كتب الجد - رحمه الله - فأسأل الله أن يجزيه خير الجزاء على ما قدم.

* الشيخ حمد: خريج كلية الشريعة، وعنده من الفضل والأدب الكثير.

* ورزق الجد - رحمه الله - من البنات ثلاث:

الأولى: تزوجها حمد بن عبد الله المحيذيف وأنجبت ولدين وابنتين توفوا صغاراً عدا (محمد بن حمد المحيذيف) وهو خريج كلية الشريعة وكلية الهندسة في آن واحد.

وقد توفيت - رحمها الله - في حياة الجد وأوصى لها في وصيته بخطه: "وأوصي لابنتي سلمى - رحمها الله - بثلاث نخلات دخيني".

الثانية: تزوجها عبد الرحمن بن عبد العزيز بن القاسم وهي والدة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن القاسم القاضي في المحكمة المستعجلة بالرياض.

الثالثة: تزوجها محمد بن عبد الرحمن القاسم - رحمها الله - وهي والدة الشيخ عبد العزيز بن محمد القاسم القاضي في محكمة خميس مشيط سابقاً.

وقد عرفن - ولله الحمد - بالصلاح والتقوى.

* وبارك الله في ذريته فزادوا على ثلاثمائة نفس، فمنهم العلماء والقضاة وطلبة العلم والدعاة ومن لهم نفع في المجتمع.

 أسال الله أن يبارك فيهم وأن يثبتهم على دينه وأن يجعلهم هداة مهتدين.


رثاء في العالم العامل المحقق السلفي

الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

المتوفى بتاريخ 8/8/1392 هـ تغمده الله بواسع رحمته

مصاب على الإسلام بين العوالم

على العلم والدين القوي الدعائم

رحيل رجال العلم والمجد والتقى

أولى الصدق والإخلاص من كل عالم

نجوم الهدى والرشد والحق والعلى

رجوم العدا من كل غاو وآثم

فكم فاضل ...حبر جليل مهذب

حكيم حليم ثابت الجأش حازم

تصرمت الأيام... أيام عمره

وبات بأطباق الثرى المترادم

وفي اليوم ذا ... تجري الدموع غزيرة

كهتان وبل من خلال السواجم

وتتقد الأحشاء حزناً ولوعة

تجيش بها الأشجان مثل الضرائم

لفقد التقي الألمعي أخ الوفا

أخي السبق في شأو العلا والمكارم

هو العابد الرحمن ... نجل محمد

أكيد الإخا الشيخ الأديب "ابن قاسم"

هو الصالح المحبوب والناصح الذي

يسير على النهج المنير المعالم

على الأصل والتقوى وحسن عقيدة

وصحة إيمان ورشد القوادم

عفاف وزهد صادق وتورع

وحسن اعتناء في الأداء والتفاهم

ونصح وإرشاد وحزم وغيرة

بحكمة داع مشفق ... غير ناقم

وحرب على "الإلحاد" والغي والردى

وكل انحراف زائع ... أو جرائم

سخاء ونبل فائق وسماحة

وعون مع الإخوان أوفى مساهم

وترتيل آيات الكتاب تدبراً

وخشية رب بالسرائر عالم

مفيد بما يدري ... وما صح علمه

بحسن بيان واضح غير كاتم

وما ليس بالمعنية عنه بمعزل

وعن كل خوض سيء أو تخاصم

له في سبيل العلم والحق والهدى

جهاد بمجهود الدؤوب الملازم

حريص على نشر العلوم ونصرها

وتأليفها والجمع بين الملازم

فنون بحوث .. ضم بعضاً لبعضها

بترتيب فن لائق متلائم

له القلم الموهوب عزماً وقوة

بخط رشيد شيق السطر راقم

بعزم وجد واهتمام مواظب

لم يثنه وهنٌ... ولا لوم لائم

فلله شوق في المعارف والعلى

بهمة صبار قوي العزائم

ويكفيك عن عد الخصال لماجد

عظيم مساع في سجل الأكارم

فقد طار في الآفاق بالخير ذكره

وسار إلى أدنى وأقصى الأقالم

فنرجو له خير الثواب مضاعفاً

بواسع إحسان من الله دائم

وأن يخلف المولى بخير تكرماً

ويجبر صدعاً في المصاب المداهم

وسبحان رب دائم أبدع الورى

ويفنى الورى محي العظام الرمائم

وكل ملاق في الحساب جزاءه

وما الله يوماً للعباد بظالم

فيا نعم من يلقى السعادة فائزاً

وبئس لحظ خاسر الربح نادم

من الله نرجو العفو واللطف رأفة

وأحسن عقبى وهو أرحم راحم

وحمداً وتسليماً مع الصبر والرضا

بكل قضاء الله أعدل حاكم

وأزكى صلاة الله رب مسلماً

على المصطفى الهادي الأمين ابن هاشم

وأتباعه الأبرار ما ناح طائر

وهب الصبا وأنهل صواب الغمائم

                                بقلم/ محمد بن عبد العزيز بن هليل([180])



([1])      طبع في عام 1423هـ من إصدارات دار القاسم، ويقع في مجلد عدد صفحاته 414 صفحة.

([2])      مقدمة وفيات الأعيان 1/20 .

([3])      سير أعلام النبلاء 11/316 .

([4])      طبقات الحنابلة 2/194 .

([5])      التاريخ الكبير 1/342 .

([6])      مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص357.

([7])      تهذيب الكمال 1/459.

([8])      سير أعلام النبلاء 11/192.

([9])      التعريف بالقاضي عياض ص6، وأزهار الرياض 3/7.

([10])     طبقات الحنابلة 2/193.

([11])     سير أعلام النبلاء 11/179.

([12])     انظر كتاب الإمام ابن باز للشيخ عبد العزيز السدحان ـ وفقه الله ـ.

([13])     مقدمة الشيخ عبد الله بن جبرين على حاشية الروض 1/3.

([14])     وهي عمة الشيخ: محمد بن عبد الرحمن بن عباد، ت 1380 هـ له كتاب (دواء القلوب المقرب إلى علام الغيوب).

([15])     الشيخ (محمد بن حمد بن عباد) ت 1175 هـ عاصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبينهما مراسلات، وقد تولى قضاء ثرمداء حتى وفاته وهو صاحب كتاب (تاريخ ابن عباد).

([16])     البنة: رجيع الغنم.

([17])     وقيل ولد عام 1319 هـ، والأظهر أنه ولد في التاريخ المذكور أعلاه، وهو ما ذكره أخوه العم عبد العزيز بن محمد وما أقره الوالد ـ رحمه الله ـ وكذلك العم الشيخ سعد، وكذلك الشيخ عبد الله بن جبرين في ترجمته للجد في (حاشية الروض)، وهو ما استقر عليه الأمر فجعل على أغلفة كتبه التي طبعت.

([18])     من رسالة كتبها في 4/5/1426 هـ بعنوان (ما عرفته عن شيخنا عبد الرحمن بن قاسم ـ رحمه الله تعالى ـ).

([19])     علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/203.

([20])     حاشية الروض 1/3.

([21])     روضة الناظرين 1/334.

([22])     حاشية الروض 1/3.

([23])     تاريخ من لا ينساه التاريخ للشيخ إسماعيل بن عتيق ص 61.

([24])     مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص31.

([25])     شذرات الذهب 2/182.

([26])     جامع بيان العلم وفضله 1/68.

([27])     حاشية الروض 1/3.

([28])     علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/203.

([29])     علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/203.

([30])     من رسالة كتبها ـ حفظه الله ـ في 29/5/1426 هـ.

([31])     حاشية الروض المربع 1/9,

([32])     تذكرة الحفاظ 3/1133.

([33])     علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/204.

([34])     من رسالة كتبها فضيلته مشكوراً في 24/11/1425 هـ.

([35])     مجموع الفتاوى 2/84.

([36])     المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/93.

([37])     في المجلد الأول منها (الخطبة) و (اهدنا الصراط المستقيم) (فصل في ألا يسال العبد إلا الله) (سمى الله آلهتهم) (الشفاعة المنفية) ( قد ذكرت فيما تقدم) "وفي المجلد الثاني منها ـ وهو كتاب توحيد الربوبية والرد على أهل وحدة الوجود ـ من صفحة (1) إلى (104)".

([38])     المقصود بها: أوراق متناثرة متفرقة ممزقة.

([39])     مقدمة مجموع فتاوى شيخ الإسلام.

([40])     مجموع الفتاوى 1/7.

([41])     فتاوى اللجنة 12/125.

([42])     مجموع وفتاوى ومقالات ابن باز 7/70.

([43])     الإلمام بطريقة ودروس الشيخ الإمام ص38 ـ 40.

([44])     المنتقى 2/213.

([45])     المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ص92.

([46])     المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ص92.

([47])     مجموع الفتاوى 16/601.

([48])     المستدرك على مجموع الفتاوى 1/5.

([49])     المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/93.

([50])     من رسالة كتبها الشيخ في 29/5/1426 هـ.

([51])     معرفة علوم الحديث ص2.

([52])     مجموع الفتاوى 36/أ.

([53])     المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/71.

([54])     طباعة الكتب ووقفها عند الملك عبد العزيز ص86.

([55])     مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 7/63.

([56])     مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 7/70.

([57])     الإلمام بطريقة دروس الإمام ص36.

([58])     من كتاب العلم للشيخ ابن عثيمين ص92.

([59])     علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/204.

([60])     المنتقى 3/213.

([61])     حلية طالب العلم ص55.

([62])     مجلة الدعوة العدد 1746.

([63])     عنوان المجد في تاريخ نجد 1/19 وما بعدها.

([64])     عنوان المجد في تاريخ نجد 1/19.

([65])     المرجع السابق 1/25.

([66])     الدرر السنية 1/54.

([67])     الدرر السنية 1/51.

([68])     فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 1/45.

([69])     مجلة الدعوة ـ العدد 1991 ـ 26 ربيع الأول 1426 هـ.

([70])     نقلاً عن مجلة البيان العدد (198) بعنوان: "دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب: حقائق وأوهام" للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، باختصار.

([71])     عنوان المجد، (2/357).

([72])     عنوان المجد، (1/267)، باختصار.

([73])     عنوان المجد، لابن بشر، (1/39).

([74])     مجموعة مؤلفات الشيخ، (3/67).

([75])     المنتظم، لابن الجوزي، (16/276).

([76])     علماء نجد خلال ثمانية قرون (1/17 – 19).

([77])     انظر: الفتاوى السعدية، ص(92).

([78])     مجموعة التوحيد ص(339).

([79])     الاستقامة (1/265).

([80])     السعوديون والحل الإسلامي، ص (109) باختصار يسير.

([81])     قراءة جديدة لسياسة محمد علي باشا التوسعية، لسليمان الغنام، ص (35)، وانظر ص (122).

([82])     المرجع السابق ص(37).

([83])     تحت الطبع كتاب بعنوان (ثناء العلماء على كتاب الدرر السنية) للشيخ سليمان الخراشي ـ وفقه الله وسدده..

([84])     حاشية الروض 1/19.

([85])     الإلمام بطريقة دروس سماحة الإمام ص36.

([86])     مجموع فتاوى شيخ الإسلام المقدمة 1/د.

([87]) من محاضرة للشيخ عبد الله بن جبرين بعنوان (الشيخ محمد بن إبراهيم ومنهجه في التعليم) ألقيت في جامع الأميرة نورة بنت عبد الله بتاريخ 12/8/1424 هـ .

([88])     مجلة الدعوة العدد 1846 ص 66.

([89])     من رسالته: ما عرفته عن شيخنا عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ـ رحمه الله ـ .

([90])     الإلمام بطريقة دروس سماحة الإمام ص 34.

([91])     مقدمة حاشية كتاب التوحيد ص7.

([92])     معالم الطلب ص76.

([93])     مقدمة حاشية الأصول الثلاثة طبعة دار الإفتاء ص8.

([94])     الدليل إلى المتون العلمية ص47.

([95])     علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/23.

([96])     مجموع الفتاوى 35/230.

([97]) مجلة العرب السنة الخامسة ص979.

([98])     مجلة العرب 162 ص8.

([99])     طبقات النسابين ص267.

([100])   الأعلام 3/336.

([101])   روضة الناظرين 3/236.

([102])   روضة الناظرين 1/236.

([103])   الدعوة في عهد الملك عبد العزيز 1/40.

([104])   مجموع الفتاوى 1/ب.

([105])   السيف المسلول على عابد الرسول ص7.

([106])   حاشية الروض 1/20.

([107])   حاشية الروض 1/9.

([108])   حاشية الروض المربع 1/19.

([109])   مقدمة الدرر السنية 1/19.

([110])   حاشية الروض 1/9.

([111])   حاشية الروض 1/8.

([112])   مجموع الفتاوى 1/د.

([113])   الدرر السنية 1/20.

([114])   الدرة المضية 1/7.

([115])   كتاب الردود ص357.

([116])   الزهر النضر في حال الخضر ص48.

([117])   المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/93.

([118])   الشيخ محمد بن إبراهيم من أفذاذنا العلماء ص65.

([119])   الشيخ محمد بن إبراهيم وأثر مدرسته في النهضة العلمية، ص51.

([120])   الدرر السنية 1/7.

([121])   الدرر السنية 1/8.

([122])   مقدمة مجموع الفتاوى ج1/د.

([123])   مجموع فتاوى شيخ الإسلام 1/د.

([124])   مجلة الدعوة العدد 1846 باختصار.

([125])   حاشية الروض 1/17.

([126])   حاشية الروض 1/10.

([127])   حاشية الروض 1/9.

([128])   حاشية كتاب التوحيد ص7.

([129])   حاشية الروض 1/10.

([130])   مقدمة مجموع الفتاوى 1/د.

([131])   حاشية كتاب التوحيد ص192.

([132])   حاشية الروض 1/10.

([133])   أكثر من خمسة آلاف كيلومتر.

([134])   الجرح والتعديل 1/359.

(*)      وهي الأوراق المبعثرة المتناثرة.

([135])   مجموع الفتاوى 1/ز.

([136])   تاريخ بغداد 2/4.

([137])   تاريخ بغداد 2/10.

([138])   الفرسخ: نحو خمسة آلاف كيلومتر.

([139])   تذكرة الحفاظ 2/567.

([140])   الجرح والتعديل 1/359.

([141])   انظر تقريظاتهم على تلك المؤلفات.

([142])   حاشية الروض 1/3.

([143])   مجلة العرب م16 ص8.

([144])   انظر معجم المصادر الصحيفة د. منصور الحازمي (1/163-167-185-21).

([145])   رواه البخاري ومسلم.

([146])   مجلة أم القرى العدد (764) سنة 16 عام 1358هـ ص6.

([147])   ص75 وما بعدها.

([148])   من أسئلة وجهت للعم الشيخ أحمد وكتبها بخط يده أرسلها إلي مشكوراً ابنه د. يوسف.

([149])   روضة الناظرين 3/237.

([150])   المكتبات في عهد الملك عبد العزيز د. سالم السالم ص212.

([151])   المكتبات في عهد الملك عبد العزيز باختصار ص113.

([152])   مقدمة حاشية الروض للشيخ عبد الله بن جبرين 1/6.

([153])   علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/206.

([154])   من ورقة كتبها العم الشيخ أحمد بن قاسم ـ حفظه الله ـ.

([155])   كتاب سلوى الحزين ص107 باختصار.

([156])   روضة المحبين ص70.

([157])   روضة الناظرين 3/235.

([158])   الجواهر والدرر ص48.

([159])   السير 18/218.

([160])   البداية والنهاية 10/336.

([161])   حاشية الروض 1/13.

([162])   علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/206.

([163])   حاشية الروض 1/19.

([164])   علماء نجد خلال ثمانية قرون 3/206.

([165])   روضة الناظرين 1/236.

([166])   المجموع في ترجمة الشيخ حماد الأنصاري 2/633.

([167])   مجلة العرب 163 ص8.

([168])   مجلة العرب م 16 ص18.

([169])   فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 2/159.

([170])   فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 13/114.

([171])   حاشية الروض 1/4.

([172])   جامع بيان فضل العلم وأهله 1/98.

([173])   صفة الصفوة 3/119.

([174])   وعائلة الزومان ممن ولوا إمارة البير، ويعد الأمير محمد بن عبد الله بن زومان من أمراء البير وأعدلهم بل هو أبرزهم.. وقد ولى الإمارة مرتين إحداهما إبان فترة الإمام عبد الرحمن الفيصل ثم عزله ابن رشيد وورده الإمام عبد الرحمن بعد فتح الملك عبد العزيز الرياض، وكان عبد الرحمن الفيصل يحبه ويثق فيه، ويسميه أخاه، ولا يقبل قولة أحد فيه (انظر كتاب البير ص92).

([175])   ذيل الروضتين ص47.

([176])   الجواهر المضية 1/76.

([177])   مجموع الفتاوى 11/43.

([178])   أخرجت كتاباً يتحدث عن سيرته بعنوان " العالم العابد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ـ رحمه الله ـ حياته وسيرته ومؤلفاته".

([179])   حياة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وآثاره د. صالح الأطرم، د. عبد الله العمار ص223.

([180])   ديوان زاهي الأزهار في مليح الأشعار ص44.