الطالبة المثالية والهمة العالية

سعاد الغامدي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]... والصلاة والسلام على القائل: «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها».

أما بعد: أختي طالبة الكلية... يا حبيبة فؤادي.. فإن لكلٍّ منَّا هدف نسعى دائمًا لتحقيقة.. ولكلٍّ منا غاية.. فما هي غايتك.. وما هو مطلبك؟ لا شكَّ أن هدفنا جميعًا في هذه الحياة العمل بما أوجب الله، وترك ما نهى عنه، وما ذاك إلا للفوز بالجنة والنجاة من النار... فكثيرًا ما نخالط في أعمالنا ودراستنا ومجتمعنا بأكملهُ أفرادًا كُثر.. يُرى فيهم من الحِرص على الخير والرغبة في الصلاة ما يُثلِج الصدور، ويُفرح القلب.. ولكن يبقى السؤال: كيف نقوم بإيصال الخير لهؤلاء؟... وكيف نساهم في زيادة إيمانهم؟.. كيف نبدأ.. وبماذا نبدأ؟

أختاه.. إن الذين يستحقون التقدير والاحترام هم أولئك الذين تجاوزوا عقبات أنفسهم إلى حمل هموم الآخرين.. وحمل همِّ هذا الدين.. فالهِمَّة العالية هي الحل الوحيد والمفتاح الأكيد للإجابة على تساؤلنا في كيفية إيصال الخير إلى جميع طبقات المجتمع. نعم، الهمة العالية غاية كل مسلم ومسلمة يُريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورُشد.

فالطالبة المثالية والتي تستحق هذا اللقب بكل جدارة هي التي تسمو روحها دائمًا إلى طلب معالي الأمور والتي تُرَبِّي نفسها على الكمال والرُقي في طلب النهايات.. والترفع عن ما دون النهاية.. ولكن في أي شيء يكون الكمال؟ إنهُ في العمل للآخرة والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة.. فها هو مربي الإنسانية وقائد البشرية وخير البَريَّة بأبي هو وأمي، يوم يُربي أصحابه وأمَّتهُ على علوِّ الهِمة فيقول: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنهُ سر الجنة»، لم يقصر هممهم على الجنة فحسب.. بل الفردوس الأعلى؛ لأن المؤمن عالي الهِمَّة لا يرضى بالدون. أو ما دون النهاية.. لا سيما من أمور الطاعات والقربات إلى الله.

فهذا وهيب بن الورد يقول في التربية الإيمانية: «إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل».. أما إمام السُّنَّة أحمد بن حنبل رحمه الله عندما سُئِل متى الراحة يا أبا عبد الله؟ فقال: «عند أول قدم نضعها في الجنة». رحمهم الله تعالى.

وإليك يا أخية بعض من صور علو الهمة التي تجعل الطالبة مثالية في صفاتها.. مثالية في أخلاقها.. مثالية في تعاملها.. مثالية في كل مجال..

أخيتي.. اعلمي أن المرء لا يولد عالمًا.. إنما هي تربية النفس على الهِمَّة وطلب معالي الأمور.. فهناك مرحلة الشباب من أفضل مراحل العُمر على الإطلاق وهي مرحلة النتاج والعمل.

فرصة لا تُعوَّض في العُمر.. فهي مرحلة القوة بين الضعفين، ضعف الطفولة وضعف الشيوخة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54]. وقال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمسًا قبل خمس». وذَكَرَ منها: «وشبابك قبل هرمك».. وما هذا إلا لأن الشباب هو وقت القدرة على الطاعة.. وهو ضيف سريع الرحيل.. وإن لم يغتنمهُ العاقل اللبيب فإنهُ يبقى في نفسه حسرة وندامة؛ لأن العُمر لا يمكن أن يرجع إلى الوراء.. فاعملي الآن لآخرتك قبل فواتكم الأوان.. فاستدركي ما بقي من عمرك واجعلي أماك قاعدة «اليوم عمل.. وغدًا حساب».

كوني ذات همة عالية.. فلله دَّر تلك الطالبة التي همتها تناطح السحاب، حتى في دراستها فهي الحكيمة التي علمت أن تخصصها يخدم دينها ودنياها.. لا كما ترى بعض الجاهلات – هداهن الله – بأن التخصصات غير الشرعية مثلاً [اللغة الانجليزية – الرياضيات – وغيرها...] لا تخدمها في دينها ولا دنياها.. وقد سُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن مثل هذا الكلام.. فقال: «بل يؤجر المتعلم إذا نوى بهذا العلم خدمة الإسلام وأهله والاستغناء من غير المسلمين في بلد الإسلام». فأخلصي لله وأنوي بهذا التخصص خدمة بنات المسلمين.. واجعليه مجالاً خصبًا لممارسة الدعوة إلى الله، فإذا لم تكن الهمة العالية في الدعوة إلى الله وتبليغ ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسبق إلي جنة عرضها السموات والأرض.. فأين تكون الهمة العالية؟.. فاعلمي أن الدعوة إلى الله هي وظيفة الأنبياء والمرسلين: ﴿يقَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59].. وهي أشرف الأعمال وأحسنها.. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

فهذا نبي الله نوح - عليه السلام - مَكَثَ في قومهِ يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا ولم يؤمن معه إلا (مائة رجل وامرأة) في أصح أقوال العلماء، وهذا يعني أنهُ في كل مائة عام يؤمن لهُ شخص واحد.. ومع هذا لم يستعجل.. ولم يفتر عن دعوتهم إلى دين الله.

وهذا خير الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم -، أفنى عمره كله في الدعوة إلى الله.. ولم يفتر.

فيا أخية.. لا يضرَّك قلة المتجاوبين.. ولا تلتفتي إلى هذا الأمر، ولا تستعجلي النتائج.. فالنصر آت بإذن الله سواءً لك أو لمن يسلك مسلككِ ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56].

فاسلكي سبيل الدعوة إلى الله.. فأنت مكلَّفة بأمر تبليغ هذا الدين «بلِّغوا عني ولو آية». فوالله إنهُ لمؤسِف ومُحزِن أن يكون الدُعاة في أُمَّة المليار مسلم ممَّن عَلَت أعمارهم الخمسين!

وهُنا سؤال... ماذا قدمنا لهذا الدين؟ وخاصة نحن معشر الفتيات.. وأظنك لا تجهلين مكانة البنت قبل الإسلام.. إنها تدفن حية.. بمعنى كُنا في عداد الأموات.. فلما جاءت الشريعة السمحة حرَّمت هذا.. وأعطت المرأة كامل حقوقها.. وأعادت لها عِزَّتها وكرامتها المُهدرة.. وأخرجتها من تلك الجاهلية العمياء.. فيالله ما أعظمهُ من دين.. وما أجلَّه.. ويكفينا وربي شرفًا وفخرًا أن ننتسب إلى هذا الدين..

ومما زادني شرفًا وفخرًا

وكدت بأخمصي أطأ الثُريا

دخولي تحت قولك يا عبادي

وأن صيرت أحمد لي نبيًّا

وإننا لنعجب ويعجب كمل مسلم من صبر الكافر وجَلَده وما نسمعه عن تفاني أهل الباطل في باطلهم.. وكيف أنهم يبذلون أعمارهم وأوقاتهم وأموالهم رخيصة في سبيل نشر باطلهم.. وهاك شاهد على هذا.. قصة يرويها أحد الدعاة إلى الله عندما ذهب لأدغال أفريقيا.. غابة صغيرة مليئة بالهوام.. والوحوش.. وعدد السكان قليل وقد ألمَّ بهم الجوع والفقر والأمراض والأوبئة.. في هذه الغابة قصر صغير به عجوز قد ضعف بصرها.. تعيش بمفردها.. فلما سئل عنها. قالوا: هذه العجوز مكثت هُنا قُرابة (35) عامًا.. لنشر الدعوة إلى النصرانية.. فلِمَ كل هذا؟! وما هذا الصبر؟! صبرت على الجوع والأمراض والفقر لتعيش في تلك الغابة المُخيفة من أجل نشر الباطل. ويبقى السؤال.. الذي نقف حيارى أمامه: أليس هذا الدين أولى بالنشر والتمكين.. لاسيما أنه الحق المبين..

فيا أخية.. جددي عزمك.. وخوضي غِمار الدعوة إلى الله.. لكن لابدَّ للطريق من زاد.. فما هو زادك في طريق الدعوة إلى الله؟

إنه العلم.. فلن تستطيعي الدعوة إلى الله إلا بطلب العلم.. الذي يتحقق من خلاله صلاح الدنيا والآخرة. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19]؛ لذلك يجب على الدُعاة إلى الله أن يتعلَّموا العلم الشرعي الصحيح قبل أن يدعو الناس.. فالعلم الشرعي هو مفتاح الدعوة إلى الله.. وأسرع طريق للوصول إلى عقول الناس وقلوبهم، والجهل سببٌ للوقوع في الخطأ.. وهو داءٌ عُضال، إذا سرى فشا في الأمة.. فكم من حلال حُرِّم... وكم حرام حُلل. وما ذاك إلا بسبب الجهل.. وبهذا يتحتم على الداعية ومَن علَت همتها للسبق في الطاعات أن تطلب العلم الشرعي بحقه، بل هي في أمس الحاجة إلى الزود من العلم الشرعي الصحيح.

فمن المؤسف أن نرى بعض الفتيات ظاهرهن الصلاح والتقوى ولكن عندما نجالسهن ونحادثهن نسمع الجهل المطبق لأبسط أحكام الشريعة. فيا محمية هذا الدين.. يا دُرَّةً مصونة.

ألا ترين -يا حفيدة عائشة- هذه الجموع الغفيرة من نساء المسلمين.. ألا ترين حالهم وجهلهم بأمور دينهم.. مَن لهم بعد الله إلا أنت وأمثالهم المخلصات بإذن الله.. أيعقل أن نتركهم في جهلهم وغفلتهم يتخبطون؟! لا أظنك وأمثالك ترضين هذا.. فظني بك أنك رمز بارز بإذن الله من رموز الصحوة الإسلامية التي تبشِّر بالخير العظيم..

 القدوة الحسنة

كوني قدوةً لغيرك.. نعم.. قدوة للزميلات قدوة للمعلمات.. قدوة للكبار والصغار.. والنساء.. فكم من امرأة فاقت أقرانها.. فبأي شيء؟ بالأفعال قبل الأقوال.. فلا يخالف فعلك قولك:

لا تنْه عن خلقٍ وتأتي مثلهُ

عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

كوني قدوة في ملبسك.. فلا تلبسين ما يُخدش الحياء ويُخِلَّ بالمروءة ويُسقطك -والعياذ بالله- من أعين الناس، وإلا فلن يُقبل منك كلمة ولا موعظة، فأخطاؤك دائمًا تحت المجهر.. كذلك لا تلبسين الرَّث من الثياب فيعتقد البعض من الناس أن الدين يدعو إلى التبذل والتقشف فيكرهون الاستقامة.. ولا تلبسين الباهظ الثمين.. بل كوني متوسطة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

أخيتي.. احذري أن تكون سببًا في التناقض بين الدعوة والسلوك والقول والعمل.. وأبذلي قصارى جهدك في سبيل تحقيق مبدأ القدوة في الملبس والمأكل والمشرب والتعامل مع الآخرين.. وليكن عليك وقار وسكينة.. وذلك إجلالاً لما تحصلينه من علم. ولا تكثري من المباح كالضحك واللعب والنوم، فهي ليست محرَّمة لكن الإكثار منها يؤدي إلى أمر خطير، ألا وهو الغرق في الشهوات، والدعوة إلى التراخي والكسل عن الطاعات، والركون إلى الدنيا الفانية..

كذلك كوني قدوة بأن يكون وقتك كله عبادة.. فاجعلي لسانك رطبًا بذكر الله.. وكوني قدوة لزميلاتك فالله تعالى امتدح عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].. فتأمَّلي هذه الآية.. لم يسألوا الله الإيمان والذرية الصالحة فحسب، بل سألوا الله بأن يكونوا أئمة يُقتدى بهم في الطاعات والخيرات.

أختاه.. لا بأس بأن تظهري بعض أعمالك الباطنة على أن تكون النية هو الاقتداء بك لا الثناء عليك.. فالشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عندما سُئِل عن حكم إظهار بعض العبادات والنوافل أمام الأهل من أجل الاقتداء وفعل الطاعات.. لا للثناء من الناس؟ فأجاب رحمه الله: لا بأس إذا اقتضت المصلحة ذلك.. وعُلِم أن هذا الأمر سيتأثرون به ويقومون بتلك الطاعات.

فيا أختاه.. كَبِّرى عند الصعود للطابق العلوي.. وسبِّحي عند النزول.. واذكِّري صديقاتك  بهذه السُّنَّة المنسيَّة إلا ما رحِم ربي.. أكثري من الاستغفار، والثناء والحمد لله. فهذا صدِّيق هذه الأُمَّة مرَّ يومًا على حمَّال حطب.. فإذا هو يستغفر الله ويحمده، فقال له: يا فلان، لِمَ الاستغفار والحمد؟ فقال: أنا بين ذنب فأستغفر الله منه، وبين نعمة فأحمد الله عليها.. فقال أبو بكر: الحمَّال أفضل من أبي بكر.. الحمَّال أفضل من أبي بكر..

فكلنا -يا أخية- نتقلب والله في نِعم الله صباح مساء.. فهل أدَّينا حقها من الشكر.. هل شكرنا الله ولو على نعمة الإيمان ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17].. ومَن منَّا لا يُخطئ.. ومَن منَّا لا يُذِنب، فهلا استغفرنا الله من ذنوبنا العِظام التي تخر لها الجبال الرواسي.. وهل شكرنا نِعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18].. فالشكر دأب المؤمنين فهذا الفاروق عمر بن الخطاب t سمع رجلاً يقول: «اللهم اجعلني من الأقلين». فقال: يا عبد الله، وما الأقلون؟ قال: يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].


 بذل النصيحة

لا يدفعك حُب الصديقات إلى ترك نُصحهن، فهناك الكثير منهن ينتظرن منك النُصح والتوجيه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فهناك ذات النقاب، ومَن تلبس عباءة الكتف، وربما لبستها مجاراة للموضة وتقليدًا للصديقات، وتجهل الحكم الشرعي لها.. ومنهن مَن تفتن الشباب أثناء الخروج.. ومنهن مَن تترك الصلاة في الكلية بحجة أنها لا تستطيع الصلاة في مكان بهِ إزعاج أو أنها لا تخشع في صلاتها إلا في منزلها.. وربما لا تكون في منزلها إلا بعد خروج وقت الصلاة.. وإن دخلت المنزل في وقت الصلاة ربما نقرتها نقر الغراب لأنها متعبة.

فيا أخية.. ألا ترين هؤلاء من لهن بعد الله؟ مَن يرشدهن.. مَن يوجههن.. لِمَ نترك هؤلاء.. فلا تغفلي عن النصيحة فرُبَّ كلمة منك خرجت بإخلاص وقعت في قلب من نصحتيها فغيَّرت من شأنها ما الله بهِ عليم.. واجعلي نصحك دائمًا باللين والحكمة، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ﴾ [آل عمران: 159]، وتجنَّبي النُصح أمام الآخرين؛ لأنهُ غالبًا غير مقبول فهو نوع من التشهير وفضيحة المنصوح، ويورِث الشحناء والبغضاء في الظاهر والباطن.. وبذلك يصُد دعوتك.

تعمدني بنصحك في انفرادي

وجنِّبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع

من التوبيخ لا أرضى استماعه


 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن من مطلبها جنة عرضها السموات والأرض.. لا تخاف في الله لومة لائم.. فهي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. هي تلك الفتاة التي اتخذت العلم والصبر والرفق منهج في أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فلا تأمر وتنهى إلا بالعلم الشرعي الصحيح، والدليل القاطع من الكتاب والسُّنَّة.. كذلك الرفق واللين.. فالنفوس جُبِلَت على محبة مَن يرفق بها.. ويُحِسن إليها بالكلام، يقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزعَ من شيء إلا شانه».

كذلك الصبر والمجاهدة.. فلابد من الصبر على الأذى بعد القيام بهذه الشعيرة المباركة.. وما من دعوة إلا أذي صاحبها.. فكيف لا يؤذى، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قد حال بين الشخص الذي رُئي على المنكر وبين شهواته ورغباته.. فيا أخية ثقي بالله واعلمي أن الله معك، والنصر للمؤمنين بإذن الله تعالى ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].

أخي.. رعاك الله.. إن صاحبة الهمة العالية هي تلك الداعية في كل زمان ومكان.. ليس لها وقت محدد ولا زمان مقيَّد.. لا تتغير مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة.. نعم.. فهي صاحبة الهمة العالية بنتًا وزوجة وأمٍّا وطالبة ومعلمة همها الأول والأخير ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 22، 23].

نراها في الكلية أو الجامعة داعية بالقول والعمل والنصيحة ونشر العلم بإقامة الدروس المصغرة والحلقات العلمية النافعة.

* تخرج للنزهة البرية، فتشتغل بالتفكر والتأمل والتدبر في صنع الخالق الجليل.. لا تضيع دقيقة واحدة من وقتها.. علمت أن الدنيا ساعة، فحوَّلتها طاعة. تأخذ الكتيب للقراءة، تأخذ المصحف للمراجعة، تحمل في حقيبتها عددًا من المطويات المختلفة التي تناسب المكان، فتلك عن استغلال الوقت، وأخرى عن غض البصر، وثالثة عن الحجاب وحكم عباءة الكتف.. وهي تعلم قاعدة «قليل دائم خير من كثير منقطع».

* عندما تخرج لحفل زفاف.. تحمل الأشرطة والمطويات وتصوير بعض الفتاوى عن بعض أحكام الزفاف، فهناك في الحفلات، الغناء الماجن -إلا ما رحم ربي- واللباس الفاضح الذي تلبسه مَن تجردت من الحياء، والسخرية، والاستهزاء. لذلك نراها تعدَّ للأمر عُدَّته، تأخذ ما تراه نافعًا مفيدًا، ومُخلي لمسؤوليتها أمام الله كداعية حملت أمانة التبليغ عن المصطفى «بلِّغوا عني ولو آية». فلله درها من فتاة نسأل الله أن يكثر من أمثالها في بنات المسلمين.

 مجاهدة النفس

 صاحبة الهمة العالية هي تلك التي تحفظ كل دقيقة من عمرها، وتحرص على أن لا يمر عليها ساعة إلا وتغتنمها فيما يعود عليها بالنفع والفائدة في الدُنيا والآخرة.. فهي تحفظ حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلى على ساعة مرَّت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها».

هي تلك المجاهدة التي تجاهد نفسها والهوى... رغم كونها لديها دوام رسمي في الكلية أو الجامعة إلا أنها تُجاهد وتقضي بقية يومها في طاعة الله، فإما أن تكون طالبة للعلم تقرأ في أمهات الكتب وشروحات أهل العلم.. أو تلتحق بإحدى حلقات القرآن الكريم لإتمام حفظها أو المراجعة.. تكتب الكلمة والنصيحة، تلقي المحاضرة والموعظة وكأنها متفرغة لأمر دينها فقط. وما أن تبدأ الإجازة إلا وتعلو الطموحات، وتجدد الهمم.. تبدأ بطلب العلم الشرعي، تلتحق بالدورات الشرعية في منطقتها.. تشارك في مسابقات حفظ القرآن أو الأحاديث لديها دروس أسبوعية، أو شهرية.. تشارك في المخيمات الدعوية..

وما أن تنتهي الإجازة إلا ولديها حصيلة من العلم الشرعي، وقد أتمت حفظ كتاب الله.. لله درها ذكَّرتنا بابنة الإمام مالك رحمه الله.. عندما حفظت الموطَّأ.. وإذا أخطأ أحد تلامذة الإمام ولم ينتبه طرقت الباب.. فينتبه أباها، ويأمر القارئ أن يُصحح الخطأ.. فكم والله نحتاج لمثل هذه الفتاة في زمن زهدت النساء في تعلم أبسط الأحكام الشرعية.. ضعفت الهِمم، وأصبح جلَّ همهن السعي وراء حطام الدنيا الفانية. والله المستعان.

 الزهد في الدنيا

إن من علت همتها وسمت روحها إلى الرقي في درجات الكمال لا تلتفت إلى مباهج الدُنيا وزخرفها..: بل تدرك حقارتها وزوالتها، فهي تعلم أن الدُنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.. فجناح البعوضة أكرم عند الله من هذه الدُنيا إلا مَن اتخذها سُلمًا للوصول إلى الدار الآخرة...

واعلمي يا أخية أن أكبر مُعين لك على الزهد في هذه الدنيا هو التضرع إلى الله بأن يصرفها عنك.. والإكثار من ذِكْر الموت ويوم العرض على الله بأهواله ومواقفه فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: لو فارق ذِكْر الموت قلبي ساعة لفسد.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والسلف الصالح ضربوا لنا أروع الأمثلة في الزهد، وكُتب السِّيَر شاهدة على هذا.. فإن مَن يقرأها ويتمعن فيها يرى عجبًا عُجابًا لأُناس طلَّقوا الدنيا ثلاثُا بلا رجعة، ذلك الرعيل الأول الذي فقه ما أمرهم الله به وتدبروا حقيقة الدُنيا ومآلهم إلى الآخرة.. فأكرموا أنفسهم عن هذه الفانية وآثروا الباقية ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17].. وأذكر لك نموذجًا واحدًا فقط من عدة نماذج التي تزهد في الدُنيا وتُرَّغِب في الآخرة.. حضر «يحيى بن زكريا» إلى الإمام مالك وهو صغير، وكان الإمام مالك يعجبهُ سمتهُ وعقله، وكان يومًا عند مالك في جملة أصحابه، فقال قائل: «قد حضر الفيل» فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه «إلا يحيى» فقال لهُ مالك: «لِمَ لَمْ تخرج فترى الفيل؛ لأنهُ لا يكون في الأندلس».. فقال يحيى: «إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل»، فأُعجب به مالك.. وسمَّاه «عاقل أهل الأندلس». الله أكبر ما أشرفها من نفس وما أكرمها على صاحبها..

إذا كانت النفوس كبارًا

تعبت في مرادها الأجسام

فيا أخية.. هذه همة طالب في حلقة الإمام مالك.. فكيف بالمعلم فتتبَّعي سيرهم واقتدي بهم.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

إن التشبه بالكرام فلاحُ

ولا تغتري بالدُنيا وزخارفها وغرورها فتنسي الآخرة، وتخسري الدُنيا والآخرة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

وفَّقنا الله وإياك لمعرفة الحق، والاقتداء بنبيه وصحبه الكرام..

وبعد.. فقد ذكرنا بعضًا من صور علو الهمة.. ويبقى السؤال.. ألا وهو ما هي

 الأسباب المؤدية إلى علو الهمة

.. نقول وبالله التوفيق:

(1) العلم والبصيرة: فالعلم يصعد بالهمة، ويُنقي النية، ويورث الفقه بمراتب الأعمال، ويبعد عن المباحات التي تشغله عن التعبد والتقرب إلى الله، كالأكل والنوم والضحك وفضول الكلام، فهو يتبع قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «أعط كل ذي حق حقه»، بالعلم يحصل الفقه، ونحصل على ما لم نكن نعلم من قبل، والعلم يُرَغِّب في القيام بأعمال جديدة، وهذا هو سُلَّم الصعود للهمة العالية.

(2) طلب الآخرة: وأن يكون الهم الأول والأخير هو طلب الآخرة والسعي لها، فما هذه الدنيا إلا دار ممر للوصول للآخرة ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].. ويكفينا حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كانت الآخرة همَّه، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدُنيا راغمة، ومَن كانت الدُنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتهِ من الدُنيا إلا ما كتب الله لهُ». اهـ.

(3) الدعاء واللجوء إلى الله: فالدعاء مفتاح كل خير وسلاح عجيب وسِر عظيم، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه»، وعليك بالصبر مع الدعاء فلا تستعجلي وتقولين دعوت.. دعوت.. فلم يُستجب لي.

لا تيأسنَّ وإن طالب مُطالبةٌ

إذا استعنت بصبر أن ترى فرجًا

(4) كثرة ذكر الموت: فهو دافع لترك الدنيا والعمل للآخرة، وكثرة محاسبة النفس على النقير والقطمير، فإن كثرة ذِكر الموت تبعث على النفس المبادرة بالأعمال الصالحة والقناعة بالقليل من الدنيا.

قال الدقاق: «مَن أكثر ذِكْر الموت أُكْرِم بثلاثة: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة».

(5) القراءة في كتب السير: وصحبة أصحاب الهمم العالية، فإن كثرة الاطلاع على سير الأنبياء والصالحين سبب في ارتقاء الهمة، ودافع للعمل بما كانوا عليه.

وصحبة أولي الهمم العالية وأهل الفضل والمجاهد فهم خير معين بعد الله. فهذا أحد السلف يقول: «كُنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده. فعملت على ذلك أسبوعًا».

(6) المبادرة بالأعمال الصالحة والمداومة عليها وإن قلَّت.. فقليل دائم خير من كثير منقطع.. فكلما عملتِ عبادة أو عمل صالح داومي عليه.. واجعليه في برنامجك اليومي.. واستغلي كل دقيقة من يومك في طاعة الله ومرضاته.. فهذا شيخنا ابن باز رحمه الله.. عَلْم أن كل دقيقة من عُمره تقربه إلى الله.. فعندما يسأله السائل يُكثر من الاستغفار والتسبيح حتى ينتهي من السؤال، ثم يبدأ بالإجابة، وهو كذلك في سائر أعماله وأوقاته، فلم يُرى رحمه الله إلا مُسَبِّحًا أو مُسْتَغْفِرًا ذاكرًا لله.. ومَن يقرأ سيرته.. يرى عجبًا في حياته رحمهُ الله رحمة واسعة.

* وأخيرًا.. أخية هذه الأسباب وتلك الصور لعلو الهِمَّة.. فالباب مفتوح، والمنادي ينادي للسباق للمعالي والتنافس على جنة عرضها السموات والأرض.. إلا إن سلعة الله غالية.. ألا إن سلعة الله الجنة.

فيا أختاه.. أمة الإسلام تنتظرك وأمثالك فارفعي من شأن هذا الدين بهمَّتك العلياء، وبادري بالأعمال فأنتِ في زمن المهلة والموت آتٍ لا محالة.. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. فأخلِصي النيَّة، وجَدِّدِي العَزْم، واصعدي بهمَّتكِ للثُرَيَّا، ولا تَغْتَرِّي بكثرة الأعمال الصالحة، فإنك لا تعلمين أَقُبلَت منكِ أَمْ لم تُقْبَل، فالله تعالى يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

أختاه.. دعي الفراغ وَوَدّعِيه وابدئي العمل.