الطبيب المسلم .. تميز وسِمات

يوسف بن عبد الله التركي


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الطبيب المسلم له سماته التي يتميَّز بها في الممارسة اليومية لمهنة الطب، ولقد عُني الإسلام بتربية المسلم في شتَّى مجالات الحياة، ولعلَّ من أهمها ما يتعلق بمهنة الطب.

إن الطبيب المسلم المتمسك بدينه قولاً وعملاً يتميَّز عن غيره من الأطباء بسمات شرف بها في الدنيا والآخرة؛ لارتوائه من المعين الصافي من كتاب الله وسنة رسوله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، والتي رسمت للبشرية منهجًا متكاملاً للحياة الطيبة، والتي أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بها جميعًا معشر الأطباء المسلمين في ممارسة مهنة الطب، وأذكِّر إخوتي أن هذه بعضُ سمات الطبيب المسلم وليست كلها.

ومن السمات التي سأذكرها في هذا الكتاب ما يلي:

1- النية واحتساب الأجر من الله.

2- الأمانة وإتقان العمل.

3- الإحسان ومفهوم المراقبة.

4- تزكية النفس والمحاسبة.

5- طلب العلم المستمر.

6- الشخصية المتميزة وحُسن الخُلق:

- التواضع.

- الصدق.

- الرحمة.

- العدل.

- التعاون وحب الخير للآخرين.

- الحياء.

- الحلم والأناة.

7- احترام حقوق المريض.

8- التفقه في الدين في المسائل الطبيَّة حسب الاختصاص.

9- إعطاء كل ذي حق حقه.

والله أسأل أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفِّق الأطباء والطبيبات للتطبيق العملي لتعاليم الإسلام في مجال الطب وفي جميع شؤون الحياة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163].

د/ يوسف بن عبد الله بن إبراهيم التركي

ص.ب 28054 الرياض 11437

البريد الألكتروني: [email protected]


 النية واحتساب الأجر من الله

* أهمية النية في العمل واحتساب الأجر من الله:

إن مراجعة طالب الطب والطبيب لنيَّته أمرٌ هام ينبغي العناية به؛ فهو أساس الأعمال، وحُسن العمل يُشترط له شرطان هما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لسُنَّة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، والنيَّة الخالصة لله تُحَوِّل الأعمال الدنيوية إلى عبادة لله يَكْتَسِب بها المسلم الأجر والثواب من الله في الدنيا والآخرة.

* الأدلة الشرعية:

عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمَنْ كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». [متفق عليه].

* التأثير الإيجابي على أداء الطبيب:

إن الطبيب الذي يبتغي بعمله وجه الله تجده يهتم بمريضه ويبذل كل ما في وسعه فيما يعود على مريضه بالصحة والخير، ويعالج مريضه بالطرق العلمية الصحيحة، ولا يستغل مرضه في تحقيق كسب مادي؛ كإجراء فحوصات طبيَّة أو إعطاء أدوية بدون مستند علمي؛ بل نجده يعالج المرضى بالأسلوب العلمي الصحيح في أي منشأة طبيَّة يعمل بها؛ مبتغيًا بذلك وجه الله ومتوكلاً عليه، لا يبحث من وراء ذلك عن شهرة أو كسب مادي، وإن تحقق له ذلك فهو فضل من الله فلا تغرّه تلك الشهرة أو الغنى، فهدفه رضا الله ومرضاته؛ لا رضا الخلق الذين تتقلب أهواؤهم بين عشيَّة وضحاها.

* * * *


 الأمانة وإتقان العمل

* أهمية الأمانة وإتقان العمل:

إن الطبيب المسلم ينبغي أن يتميز بتحقيق الأمانة في ممارساته اليومية في عمله؛ بل عليه أن يحقق ذلك في شئون حياته كلها، ومن المؤكَّد أن إتقان الطبيب للمهام المُوكلة إليه وعدم التكاسل وإضاعة الأوقات واحترام حقوق المرضى والتفاني في رعايتهم لهو دليل عملي على تطبيق الأمانة في ممارسة الطب.

* الأدلة الشرعية:

قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 1، 2].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: 32].

وفي الحديث الشريف: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». [رواه البيهقي].

* القدوة وبيئة العمل:

إن تدرُّب الطبيب وممارسته للطب في بداية مشواره في بيئة عمل صحيَّة يلتزم فيها الفريق الصحي بتطبيق الأمانة وإتقان العمل له دور كبير بعد الله في اكتساب الطبيب لهذا السلوك في ممارساته في مستقبل حياته العملية.


 الإحسان ومفهوم المراقبة

* تأثير الإحسان في تقويم سلوك الطبيب:

إن استشعار الطبيب المسلم لمراقبة الله له في شؤون حياته كلها يحفِّزه لكي يكون حريصًا ومنتظمًا في أداء عمله ورعاية مرضاه على أكمل وجه، ويفعل ذلك بدون أن يرتبط ذلك بوجود رئيسه أو غيره من البشر؛ وذلك لأنه متميز بخاصية عظيمة يتميَّز بها المسلم الحق؛ ألا وهي: الإحسان.

 والإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

* الأدلة الشرعية:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5].

وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].

وفي الحديث عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منَّا أحد، حتى جلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام...، قال: أخبرني عن الإيمان...، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك..». ثم انطلق فلبث مليًا، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا عمر، أتدري مَنِ السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». [رواه مسلم].

* * * *


 تزكية النفس والمحاسبة

* دور تزكية النفس ومحاسبتها في تقويم سلوك الطبيب:

إنَّ الطبيب المسلم يهتم بتزكية نفسه ومحاسبتها؛ مما يؤثِّر تأثيرًا إيجابيًا على سلوكه وعلاقته مع مرضاه وأعضاء الفريق الصحي، ومِِنْ وسائل التزكية التي حثَّ عليها السلام: الإيمان والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

كما أن لمحاسبة النفس بالأسلوب الصحيح البعيد عن الإفراط أو التفريط دورًا كبيرًا في تقويم سلوك الطبيب المسلم في ممارسته لمهنته.

* الأدلة الشرعية:

قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9، 10].

وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38].

وقال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 14، 15].

وفي الحديث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». [رواه البخاري].

وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». [رواه مسلم].

* * * *


 طلب العلم المستمر

* أهمية التعليم الطبي المستمر:

إن علم الطب من العلوم التي يواكبها الكثير من المستجدات العلمية، لذا فإن على الطبيب أن يستمر في طلب العلم حتى بعد حصوله على أعلى الدرجات العلمية؛ حتى تكون ممارسته للطب مبنيَّة على الدليل العلمي الصحيح، ويتحقق ذلك بعد معونة الله وتوفيقه بمواكبة الجديد من الأبحاث العلمية الموثَّقة والمؤلفات العلمية في مجال التخصص، والمشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية، ومناقشة الحالات المرضية مع أهل الخبرة والاختصاص ومتابعتها؛ حتى يكون الطبيب المسلم مبدعًا ومتفوقًا في مجال تخصصه، وهو في طلبه للعلم يحرص على الإخلاص واحتساب الأجر من الله.

* الأدلة الشرعية:

قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة». [رواه مسلم].

 الشخصية المتميزة وحسن الخُلُق

قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خُلُقًا» [متفق عليه].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا». [متفق عليه].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن المؤمن ليدرك بحُسن خُلُقه درجة الصائم القائم» [رواه أبو داود].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سُئِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يُدْخِل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله، وحُسن الخُلُق». وسُئِل عن أكثر ما يُدْخِل الناس النار، فقال: «الفم، والفرج». [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].

ومن هذه الأخلاق الفاضلة: على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

* التواضع:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وقال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32].

وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». [رواه مسلم].

* الصدق:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

وقال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: 21].

وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». [متفق عليه].

* الرحمـة:

قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 118].

وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء». [رواه البخاري].

* العـدل:

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا» [رواه مسلم].

* التعاون وحبُّ الخير للآخرين:

قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

وعن ابن مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله». [رواه مسلم].

وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [متفق عليه].

* الحيـاء:

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها؛ فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه». [متفق عليه].

وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء لا يأتي إلا بخير». [متفق عليه].

* الحلم والأنـاة:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34، 35].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». [متفق عليه].

* * * *


 احترام حق المريض

إن الطبيب المسلم يحترم مريضه ويحافظ على حقوقه، ومن ذلك: الاهتمام بفهم المريض لمرضه وخطة علاجه؛ مع تقدير رأي مريضه وإشعاره بالاهتمام به، وشرح النواحي الطبيَّة بأسلوب مفهوم ومبسط؛ حتى لا يكون هناك مجال للقلق أو سوء الفهم لبعض الفحوصات المطلوبة أو طريقة العلاج، مع أخذ إذن المريض قبل الإجراءات الطبيَّة، ومراعاة الضوابط الشرعية في الكشف على المرأة عند الضرورة، وعدم كشف العورة للرجل أو المرأة إلا عند الضرورة، وكذلك حفظ وقت المريض وتقدير ظروفه والتزاماته الأُسرية وعمله ودراسته، والاهتمام بحفظ سر المريض وفق الضوابط الشرعية، مع الاهتمام بالدعاء والرقية الشرعية للمريض؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» [متفق عليه]. وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - أنه شكا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجعًا يجده في جسده، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله – ثلاثًا – وقل سبع مرَّات: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر» [رواه مسلم].

* * * *

 التفقه في الدين في المسائل الطبية حسب الاختصاص

* أهمية الفقه الطبي للطبيب:

الطبيب المسلم يؤمن بأهمية النواحي الشرعية في جميع مجالات الحياة، ومن ذلك ما يتعلق بالأحكام الفقهية الضرورية لممارسة الطبيب المسلم لمهنة الطب.

 ومن ذلك على سبيل المثال: أحكام الطهارة والصلاة للمريض؛ حيث يُلاحَظ أن بعض المرضى يجهل ذلك؛ بل ربما يترك الصلاة في المستشفى لعدم توجيهه لأحكام طهارة وصلاة المريض، وكأنَّ هذا الأمر ليس من واجبات الطبيب مع أن النُصح للمسلم من حقوقه.

كذلك ينبغي الاهتمام بتطبيق التعاليم الإسلامية؛ كالتزام الطبيبات والممرضات بالحجاب الشرعي، والبُعد عن الاختلاط؛ عبادة لله تبارك وتعالى وامتثالاً لأمره، مع الحرص على غض البصر رجالاً ونساءً، واحترام عورات المرضى وعدم كشفها إلا للضرورة ووفق الضوابط الشرعية، والتفقه في الدين في كل ما يتعلق بنواحي الممارسة الطبية؛ امتثالاً لقوله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

لذا فإنه ينبغي العناية بهذه الجوانب في مناهج كليَّات الطب في البلاد الإسلامية، وأن يكون التدريب والتطبيق العملي والممارسة من الأطباء والأساتذة والاستشاريين محققًا للهدف؛ حتى يكون الاهتمام بالجوانب الشرعية في علاج المرضى جزءًا رئيسيًا من الممارسة اليومية للطبيب.

* الأدلة الشرعية:

عن معاوية - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدين» [متفق عليه].

* * * *


 إعطاء كل ذي حق حقه

* التوازن في حياة الطبيب:

إن التوازن المهني والأُسري والاجتماعي في حياة الطبيب عاملٌ هام في توفير الاستقرار النفسي ورفع درجة الإنتاجية للطبيب، والإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة؛ فهو يدعو إلى التوسط والاعتدال؛ حتى لا يكون هناك إفراط أو تفريط؛ فالطبيب المهمل في عمله لا يمثِّل الطبيب المسلم، وكذلك الطبيب المهمل لأسرته وأولاده لا يمثِّل الطبيب المسلم، ومما لا شك فيه أن إعطاء كل ذي حق حقه وترتيب الأولويات وحُسن استغلال الوقت وتنظيم العمل يساعد على تحقيق التوازن في حياة الطبيب اليومية.

* الأدلة الشرعية:

عن رهب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء؛ فزار سلمان أبا الدرداء... فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، وإنَّ لنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذَكَرَ ذلك له فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدق سلمان» [رواه البخاري].

* * * *

 الخـاتمــة

إن التميُّز الحقيقي هو التطبيق العملي لسمات الطبيب المسلم في الممارسة اليومية لمهنة الطب؛ ومنها: الإخلاص واحتساب الأجر من الله، والإحسان ومراقبة الله، وتزكية النفس ومحاسبتها، وطلب العلم المستمر، والمعاملة الحسنة، وحُسن الخُلق مع المرضى والزملاء والفريق الصحي، واحترام حقوق المريض، والتفقه في الدين في المسائل الطبيَّة حسب الاختصاص، والتوازن المهني والأُسري والاجتماعي.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.