الطفولة في حياة المعصوم صلى الله عليه وسلم

خالد بن عبد الرحمن الشايع


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فلم تزل سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - محلا لعناية أمة الإسلام جيلا بعد جيل، وقرنا بعد آخر، كما أنها لم تزل موردا عذبا ومعينا صافيا لاستلهام الدروس والعبر في مختلف المجالات: عقيدة وشريعة ومنهجا وتربية وسلوكا، وكان من عناية العلماء بها ما هو معلوم ومشهود بما لا يشابه هذه السيرة سيرة أحد من الخلق على الإطلاق.

وفي هذا السياق أقدم هذه المقتطفات من بيت النبوة بما يظهر جوانب معينة من سيرة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - مما يتصل ببيت النبوة الوارف.

وفي هذه المجموعة التي بين يديك اقتطفت أربع مجموعات من كتابي الكبير "بيت النبوة" ونظمتها في هذه المجموعات الأربع:

1-   الطفولة في حياة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - .

2-   لمحات من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع بناته.

3-   لمحات من الحياة البيتـية للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

4-   لمحات من زواج المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بأمهات المؤمنين.

وإني لأسأل الله تعالى أن ينفع بهذه المجموعة، وأن يجعلها في ميزان حسناتي وحسنات والدي، وأسأله سبحانه أن يجعلها مدنية من مرضاته وسببا لدخول جناته. آمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

خالد بن عبد الرحمن الشايع

[email protected]

تحريرا في 20/6/1422هـ

الرياض 11574

ص.ب/ 57242

* * *


 صفحات من طفولة المعصوم - صلى الله عليه وسلم -

عندما نتوقف للبحث في طفولة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، وبرغم قلة ما تم تدوينه ورصده بشأنها، مقارنة بمراحل حياته الأخرى، فإننا نجد أن هذه الطفولة قد امتزجت فيها صفحات من الابتلاء والأحزان والآلام بسبب فقد الأحبة، ولكن كان لهذا الإنسان الذي فقد أقرب نفسين إليه: والديه في وقت مبكر من حياته، كان له من العناية الربانية والحفظ الإلهي والإرهاصات ما يبين عظم شأن هذا القادم الجديد.... جنينا .... ثم طفلا، وما قبل ذلك وما بعده، وقد قال الله تعالى له: }فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا{ ([1]) أي: "بمرأى منا، وتحت كلاءَتنا، والله يعصمك من الناس" ([2])، فقد كان الله تعالى يهيئه للرسالة الخاتمة والتي سيحمل لواءها ويتولى بلاغها.

بشارة الأنبياء ببعثة أفضلهم:

قال الله تعالى مخبرا عما دعا به رسوله موسى عليه السلام: }وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ ([3]).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: هذه صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم.اهـ([4]).

وقال الله جل وعلا: }وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ{ ([5]).

فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرا بمحمد، وهو أحمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة.

روى الإمام أحمد وغيره عن العرباض بن سارية السلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل ([6]) في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم ([7])، وبشارة عيسى قومه ([8])، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ([9])، وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم»([10]).

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "المقصود من هذا الحديث أن نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله ويخرجه إلى دار الدنيا حيا، وأن ذلك كان مكتوبا في أم الكتاب من قبل نفخ الروح في آدم عليه السلام، وفسر "أم الكتاب" باللوح المحفوظ، وبالذكر، في قوله تعالى: }يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ{ ([11])" اهـ ([12]).

المولد الشريف ومقدماته ([13]):

اختار الله تعالى لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أبوين شريفين كريمين، أما عبد الله بن عبد المطلب فقد كان أحب أبنائه العشرة إليه، وكان له في قريش حب ومكانة أثيرة، وقد بات ملء السمع والأبصار عقب حادثة نذر عبد المطلب ([14])، وما جعل له من الفداء العظيم، وكان محلا لرغبة قريش كل يرجو مصاهرته، لكن عبد المطلب وهو سيد قريش والخبير بأنسابها وأعراقها اختار له فتاة شريفة جليلة، كانت صفوة نساء قريش وفتياتها، إنها: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ([15])، وكنت ذات مكانة في قريش لا يكاد يدانيها فيها أحد من فتياتها.

وتمَّ ذلكم الزواج الميمون، وما هي إلا أيام معدودة حتى سافر عبد الله في تجارة له إلى الشام، وبعد أن قضى شغله منها رجع ومر بأخوال أبيه عبد المطلب وهم بنو النجار بالمدينة، وقدر أن يمرض بها، فعاد رفاقه وبقي هو، فأرسل والده عبد المطلب أكبر بنيه وهو الحارث ليرجع به، ولكن ما أن وصل الحارث المدينة حتى علم بوفاة أخيه عبد الله.

ولما بلغ الخبر مكة فجعوا به.... فجع به أبوه، وفجعت قريش، غير أن أعظم الأسى كان في نفس الزوجة الأثيرة آمنة.... التي لم تهنأ بزوجها إلا أياما معدودة.

هكذا توفي عبد الله، وفي هذا الوقت لم يكن سيد الخلق إلا جنينا في بطن أمه، وهذا أبلغ ما يكون في اليتم، قال الله تعالى: }أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى{ ([16]).

وقد ترك عبد الله إثر موته خمسا من الإبل، وقطيعا من الغنم، وجارية هي أم أيمن بركة الحبشية، فكان ذلك هو جملة ما يمكن أن يرثه ذلك الجنين اليتيم والسيد الكريم المنتظر: محمد - صلى الله عليه وسلم - .

ثم مضت أيام الحمل وشهوره، لتتابع ما تراه آمنة من أمور واكبت حملها من رؤى منامية تنبئ عن قادم عظيم، ومن مشاعر تختلف عما يجده الحوامل من النساء، ولم تزل أشهر حملها تتتابع، تترقب هذا الوليد الذي لم تجد في حمله أي وحم أو وهن أو ألم، حتى حلَّ ذلكم الأجل، عندما دنا فجر يوم الاثنين، الثاني عشر ([17]) من ربيع الأول عام الفيل ـ الموافق لسنة (570) أو (571) للميلاد ـ حيث حل بالأرض ما يؤذن بدنو المولد المبارك، وفي هذا تقول فاطمة بنت عبد الله والدة عثمان بن أبي العاص الثقفي: إنها شهدت ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وضعته أمه آمنة، وكان ذلك ليلا، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو، حتى إني لأقول: ليقعن عليَّ([18]).

وما أن وضعت آمنة بنت وهب وليدها المبارك حتى رأت أرجاء البيت وما حوله تتلألأ نورا وضياء، وبهذا جاء الحديث الصحيح: «أن أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام»([19]).

فكان بذلك مولد سيد البشر، وخير الأولين والآخرين: محمد - صلى الله عليه وسلم - ، السراج المنير الذي أضاء الله به دياجير الظلمات التي عمَّت الأرض آنذاك.

وكان ذلك النور الذي أضاءت له الأرجاء عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزالت به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: }يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ ([20]). وقال تعالى: }الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ ([21]).

وفي هذا المعنى يقول عمه العباس في أبياته المشهورة السائرة:

وأنت لما ولدت أشرقت الـ

أرض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي الـ

ـنور وسبل الرشاد نخترق ([22])

وفي هذا السياق يورد المؤرخون ما صاحب المولد المبارك من أحداث متنوعة، من مثل انشقاق إيوان كسرى وسقوط شرفاته حتى لم يبق منها إلا أربع عشرة شرفة، وأولت بأنه إيذان بزوال ملكهم، وأنه لم يبق منهم إلا أربعة عشر ملكا، وكان كذلك، وما أصاب البحيرة العظيمة في ساوة ([23]) من الغيض ـ أي أنها جفت تماما ـ وخمود نار فارس التي كانوا يعبدونها، والتي لم تخمد منذ ألف عام قبل مولده - صلى الله عليه وسلم - .

وقد كان مولده - صلى الله عليه وسلم - عقيب ذلك الحدث العظيم الذي سجله القرآن الكريم في سياق امتنان الله تعالى على قريش وعلى المؤمنين وبيان عاقبة المعتدين، إنها حادثة الفيل، عندما عزم أبرهة الحبشي على هدم الكعبة المشرفة فأهلكه الله وجيشه، ولم تمض إلا أيام معدودة، أربعون يوما أو نحوها، حتى ولد المعصوم - صلى الله عليه وسلم - ، قال الله تعالى: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ{([24]).

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: كانت قصة الفيل توطئة لنبوته وتقدمة لظهوره وبعثته، وفي ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقيبها دلالة على نبوته ورسالته، فإنه - صلى الله عليه وسلم - بعث بتعظيم هذا البيت وحجه والصلاة إليه ([25])، فاقترن بمولده حماية البيت، واقترن بمبعثه تطهيره من الشرك ورده إلى ما كان عليه من دين إبراهيم الحنيف على التوحيد الذي لأجله بني البيت.

وهكذا تنفرج أسارير هذه الأم الكريمة المكلومة بفقد الزوج الحبيب عندما أشرقت عليها الطلعة البهيجة لذلك المولود المبارك، والذي ملأ البيت من حولها نورا وسرورا، ورأت فيه السلوى عن كل ما قد فاتها أو يفوتها من مباهج الحياة الدنيا وزينتها.

وها هي البشرى تزف للجد الشفوق عبد المطلب والذي لم تسعه الدنيا لفرحه بهذا الحفيد الحبيب، والذي رأى فيه ما يعوض حزنه على أبيه، وراح يشكر الله على هذه النعمة الجليلة والعطية الكريمة، وألهمه الله أن يسميه (محمدا) هذا الاسم الذي حماه الله أن يتسمى به أحد من قبل نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يتسمى به أحد إلا ما كان من عدد محدود سمي به بعض المولودين قرب مولده - صلى الله عليه وسلم - لما قرأوا وعلموا من بعض الكتب والرهبان بقرب مولد خاتم الأنبياء والرسل، وما جاء من البشارة به في الإنجيل }وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ{ ([26])، رجاء أن يكون مولودهم هو صاحب تلك المنحة الإلهية.

وطفقت قريش تتسامع بهذا المولود المبارك وباتت البشارة يتناقلها أهل مكة، واحتفى البيت الهاشمي بمولودهم محمد، فنحر جده الذبائح في اليوم السابع وأقام الولائم، وكل هاشمي تغمره الفرحة والمسرَّة، حتى إن أبا لهب عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما جاءته مولاته ثويبة تبشره بولادة آمنة وأنها رزقت بمولود ذكر ما كان منه إلا أن أعتقها جزاء بشارتها له ([27]).

وبقي نبينا - صلى الله عليه وسلم - عند أمه الكريمة آمنة فترة وجيزة، فحين ولدته كان رضاعها له أياما معدودة، وأرضعته كذلك ثويبة جارية عمه أبي لهب مع ابن لها يقال له: مسروح.

ولما كان من عادة قريش استرضاع صغارها في البوادي، ليكون ذلك أوفق لهم في أبدانهم وألسنتهم، فقد استرضع النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في بادية بني سعد بالطائف، لدى السيدة الجليلة حليمة بنت ذؤيب السعدية ـ رضي الله عنها ـ فتولت رضاعه وحضانته، واغتبطت بمقامه عندها أكثر من ثلاث سنين، وسنشير إلى شيء من هذه الذكريات الأثيرة في صفحات تالية بعون الله.

ولما كان مبتدأ السنة الخامسة من العمر المبارك لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عاد إلى أمه الحنون بعد أن قوي جسمه وبلغ من النضرة وتفتق الذهن ما لم يبلغه صبي في مثل عمره.

وها هو سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - يدرج في كنف أمه الكريمة، التي أشغلت به ليلها ونهارها، فقد أضحى هو كل شيء في حياتها، وها هو الجد عبد المطلب يلاحظه ويرعاه ويخصه بمعاملة متميزة من التوقير والرعاية والعناية ما لم يجده حتى بنوه، كل ذلك من رعاية الله له وعنايته به: }أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى{ ([28]).

وعندما بلغ المعصوم - صلى الله عليه وسلم - السادسة من عمره ارتأت أمه أن تذهب به إلى أخوال أبيه من بني النجار ([29]) بالمدينة، ليراهم ويروه، فأقامت عندهم شهرا من الزمان، وقد كانت ذكريات هذه الرحلة خالدة في ذاكرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، برغم حداثة سنه إذاك، فقد جاء في بعض الآثار ([30]) أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك، لما نظر إلى أُطُم ([31]) بني عدي بن النجار عرفه وقال: "..... كنت مع غلمان من أخوالي نُطَيِّر طائرا كان يقع عليه....."، ونظر - صلى الله عليه وسلم - إلى الدار فقال: "ههنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار"، هكذا يلتفت الحبيب - صلى الله عليه وسلم - إلى تلك الأيام الخوالي وما تكتنفه من ذكريات أثيرة.... بصحبة أمه الرؤوم آمنة بنت وهب.

وها هو الركب ييمم نحو مكة بعد أن قضت الأم وصغيرها تلك الأيام المعدودة، وفي الطريق بين مكة والمدينة حلَّ مرض بالأم الجليلة آمنة، حتى وافاها الموت بالأبواء، فشاهد نبينا - صلى الله عليه وسلم - فراقها ورحيلها عن الدنيا.... وقاسى لوعة ذلكم الفراق، حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - لما مر بموضع موت أمه بعد أكثر من خمسين عاما توقف عند قبر أمه ومعه عشرة آلاف فارس، فلم يرعهم إلا وسيدهم وإمامهم - صلى الله عليه وسلم - يذرف الدموع الحرَّى، فبكى وأبكى من حوله من أجل أمه الرؤوم([32]).

ست سنين هي عمره - صلى الله عليه وسلم - إذ فارق أمه، ليزيد جده عبد الطلب من رعايته والعناية به والشفة عليه، حتى إن عبد المطلب كان يوضع له فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد منهم إجلالا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي وهو غلام يجلس عليه، فهم أعمامه أن يؤخروه عنه فينهاهم عبد المطلب قائلا: دعوا ابني، إنه ليُؤنِس مُلْكا، ثم يجلسه ويمسح ظهره بيده.

وكان عبد المطلب يقربه منه ويدنيه، ويدخله عليه إذا خلا، وإذا نام، ولا يأكل طعاما إلا ويقول: "علي بابني" فيؤتى به إليه، وكان يوصي به حاضنته بعد وفاة أمه بركة أم أيمن ويؤكد على رعايته وملاحظته، فكانت كذلك في الرفق به والشفقة عليه وملاحظة شؤونه، ولهذا كان المعصوم - صلى الله عليه وسلم - يذكر لها ذلك، فروي عنه قوله: «هي أمي بعد أمي».

ولما بلغ نبينا - صلى الله عليه وسلم - الثامنة من عمره حضرت الوفاة جده عبد المطلب، فأكد وصيته بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وعهد إلى عمه أبي طالب بكفالته وحياطته، ولما مات عبد المطلب وجد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لفقده حزنا عظيما كقدر ما كان يحبه، جاء في رواية لابن سعد في "الطبقات" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: "نعم، أنا يومئذ ابن ثماني سنين".

وقالت أم أيمن: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب.

ثم انتقلت كفالة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب الذي كان وقتها أشرف قريش وأعظمها مكانة وأكرمها نفسا، برغم أنه لم يكن أكبر بني عبد المطلب سنا ولا أكثرهم مالا، فعظمت مكانة المصطفى عند أبي طالب وأحبه حبا شديدا، وكان يحرص غاية الحرص على ملازمته ويخصه بأشياء كثيرة من قبيل التكريم والتقدير، وقد لاحظ أبو طالب بركات حلول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معيشته وزاده وطعامه.

ولم تزل دلائل الشأن العظيم للنبي - صلى الله عليه وسلم - تبدو لأبي طالب يوما بعد يوم، ومن ذلك ما كان عندما سافر معه إلى الشام حتى وصلوا بصرى، فأخبرهم راهب هنالك يقال له: بحيرى بما توسمه من مخايل النبوة والشأن العظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما كان من إظلال السحاب له من الشمس، وغير ذلك من الدلائل، ونصحه أن لا يذهب به إلى الشام خوفا عليه من اليهود ([33]).

ومما قاله أبو طالب يثني به على النبي - صلى الله عليه وسلم - :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

ومن الأحداث التي كانت في طفولة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - :

رعيه الغنم:

روى البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك: لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها، وفي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء" ([34]).

وهكذا يمضي سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - هذه الطفولة .... بين أرجاء مكة وأنحائها، ولم تزل مكانته بين قومه تزداد سموا وعزا.... لما رأوا فيه من الطهر والزكاء والنبل والوفاء، لقد عرفوه حق المعرفة... عرفوا نسبه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته، هكذا نشأ بينهم معروفا بذلك كله، ولم يحفظوا عنه كذبة قط، ولهذا سأل هرقل ملك الروم عن هذه الأوصاف، فعلم أنه ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يفتري الكذب على الله عز وجل، وعلم بذلك صدقه فيما جاء به من النبوة والرسالة.

ولا غرو في ذلك..... فإن الله كان يهيئه لأعظم رسالة وأشرف مكانة: }وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى{ ([35]).

وتتتابع الأيام وتمضي الشهور والأعوام والنبي - صلى الله عليه وسلم - يزداد شرفا ورفعة ومكانة بين أهل مكة، فلدى تدرجه في مراحل عمره.... ما بعد الطفولة وفي صباه وفي شبابه .... وما بعد ذلك.... لم يعرفوا عنه - صلى الله عليه وسلم - أي أمر يشينه .... فسرته تتوهج نبلا وطهرا وزكاء.... كانت مكة ترتجس بأنواع الملاهي وغوائل العقل والعرض، وطالب هذه الأمور لا نكير عليه ولا مانع له، لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحفظ عنه في يوم من الدهر أنه تعاطى أي أمر مما يبغضه الله من تلك الملاهي المحرمة والأفعال المنكرة.

واستمر ذلك الطهر والزكاء في سيرة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - ، وحفظه الله من مزالق الطبع الإنساني برغم ما كانت ترتجس به مكة آنذاك من أمور منكرة، أما أهل مكة فكانوا لا يدانون به - صلى الله عليه وسلم - أحدا منهم ولا من غيرهم في طهره وأمانته وزكائه، فبات نبينا - صلى الله عليه وسلم - ملء سمع قريش وأبصارها، فلا تعرفه ولا تدعوه إلا بالأمين.... حتى أكرمه الله بالنبوة وابتعثه بالرسالة الخاتمة. فتضاعفت فيه تلك الأخلاق الكريمة وتزايدت الخلال النبيلة بما أوحى الله إليه من الشرع المطهر علاوة على الفطرة المستقيمة التي فطر الله عليها نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - .

نسأل الله أن يوفقنا لمتابعته وسلوك هديه، وأن يحشرنا يوم القيامة في زمرته. آمين.

* * *


 مراضع المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وحواضنه تاريخ وذكريات

كان من عادة العرب ـ ومنها قريش ـ أن تسترضع صغارها في البوادي، ليكون ذلك أوفق لهم في أبدانهم وألسنتهم.

وها هو وفد نساء هوازن وقد أتين من بادية بني سعد يُيَمِّمن وجوههن نحو حاضرة قريش علهن يحظين بصبي أو جارية يدخل عليهن من خلاله مال يزحزح عنهن شبح الفاقة والعيلة.

ولما كان سيد البشر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حينذاك يتيما لا يُرجى له أب يغدق النوال والعطاء، فقد أعرض عنه المراضع، لتتوجه منحة ربنا وكرامته إلى سيدة كريمة ومرضع جليلة .... إنها: حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية... فأسعدها ربها بخير البرية محمد - صلى الله عليه وسلم - .

فقد أكرم الله تعالى هذه المرأة بأن تتولى رضاع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضانته لمدة تربو عن أربع سنين.

وخبر إرضاع حليمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ديار قومها في بادية بني سعد بالطائف خبر شهير مستفيض في كتب السيرة وفي غيرها، وقد قال بصحته عدد من العلماء الحفاظ كابن كثير والذهبي وابن حجر ـ رحمهم الله ـ وغيرهم.

وقد أورد الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في قسم السيرة من "تاريخ الإسلام" ([36]) خبرا مطولا رواه بعض أهل السير عن حليمة السعدية ـ وجود إسناده ـ تخبر فيه عما لاحظته إبان إرضاعها له مما يدل على بركته - صلى الله عليه وسلم - ، وعناية الله به وحفظه له.

فما أن حل عليها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى در ثديها اللبن، فارتوى منه عليه الصلاة والسلام وارتوى ابنها الذي كانت تحمله ([37])، بعد أن كان يبكي من الجوع لجفاف ثدي أمه، وكان ابنها من شدة ما فيه من الجوع من قبل يبكي حتى لا يدع أحدا ينام، وببركة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهو رضيع امتلأ ضرع راحلة حليمة باللبن بعد أن كان يابسا، فشبعت هي وزوجها من لبن الراحلة، وأضحت نشيطة قوية، تسير في مقدمة الركب بعد أن كانت عاجزة تسير في مؤخرة الركبان، وحيثما حلت أغنام حليمة تجد مرعى خصبا فتشبع ولا تجد أغنام غيرها شيئا، وكان ينمو نموا سريعا لا يشبه نمو الغلمان.

كل ذلك وغيره من مباركة الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، منذ صغره على حليمة وأهلها.

ثم عادت هذه البركة على هوازن كلهم بعد أن أسروا بعد فتح مكة ([38])، كما سأذكره بعد قليل، بل إن بركته - صلى الله عليه وسلم - عادت على البشرية جمعاء ليخرج الله من شاء منهم من الظلمات إلى النور.

وكانت حليمة ـ رضي الله عنها ـ تداعب النبي - صلى الله عليه وسلم - وترقصه، وتناغيه، كما تفعل الأمهات مع الأبناء، فمن ذلك قولها ([39]):

يا رب إذ أعطيته فأبقه

وأعله إلى العلا ورقِّه

وادحض أباطيل العدا بحقه

وكانت الشيماء ـ أخته من الرضاعة ـ تقول:

هذا أخ لي لم تلده أمي

وليس من نسل أبي وعمي

فديته من مخول معمي ([40])

فأنمه اللهم فيما تنمي

وكانت تقول ـ أيضا ـ :

يا رب أبق أخي محمدا

حتى أراه يافعا وأمرادا

ثم أراه سيدا مسودا

واكبت أعاديه معا والحسدا

وأعطه عزا يدوم أبدا

وهكذا تعيش حليمة أزهى أيام عمرها وأسعدها منذ ولدت، حتى جاء ذلك اليوم الذي وقع فيه حادث أقلقها، ذلكم هو ما يبينه ما رواه مسلم في "صحيحه" ([41]) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل ـ عليه السلام ـ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه [أي جمعه وضم بعضه إلى بعض] ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعني ظئره [أي مرضعته] فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع [أي متغير اللون] قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره [يعني أنه كان يرى أثر الغرزات والخياطة في صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ].

كانت تلكم الحادثة ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوالي الأربع سنين أو الخمس ([42]).

ويحدثنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الحادثة التي كانت في طفولته وكيف أنها أقلقت حاضنته وأمه من الرضاعة حليمة فيقول: "فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرا لها، فجعلتني على الرحل وركبت خلفي، حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك [أي لم تفزع أو تقلق]، وقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام" رواه الإمام الدارمي وأحمد والحاكم ([43])، وصححه الحافظ الذهبي والعلامة الألباني ([44]).

ويحسن التوقف عند حادثة شق الصدر هذه، والتي تكررت أيضا ليلة الإسراء كما ثبت ذلك في "الصحيحين" ([45]) أيضا، حيث يقول الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : "إن جميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك".اهـ([46]).

وشق الصدر هذا يبين تعهد الله ـ عز وجل ـ نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - عن مزالق الطبع الإنساني ووساوس الشيطان، وهو حصانة للرسول الكريم التي أضافها الله عليه ليكون المثل الكامل للإنسان الكامل الذي يحقق الكمال بطهارة القلب وزكاء النفس، ولأجل ذلك فقد شب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وهي تعج بمختلف أنواع اللهو والفساد والملاذِّ الشهوانية الدنسة، ومظاهر الشرك المتنوعة، ولم يتدنس بشيء من ذلك، فكانت حياته - صلى الله عليه وسلم - حياة زكية طاهرة من الآثام التي تُدنس كثيرا من الشباب في مجتمعاتهم.

وعودا على رضاعه عليه الصلاة والسلام، فها هو بعدما يزيد على ستين سنة يعود ببركته وبره على مرضعته وقومها، فإن هوازن وقعوا في الأسر وغنمت أموالهم في غزوة حنين، وذلك بعد فتح مكة بأشهر، قال وفدهم وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال ضمن ما قال: "إنما في هذه الحظائر [يعني مواضع الأسرى] عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك" ([47]).

فأطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - الذرية، وكانت ستة آلاف، ما بين صبي وامرأة، وأعطاهم أنعاما وأناسي كثيرا.

وهذا الخبر ضمن أبيات شعر مال الحافظ ابن حجر إلى تصحيحه([48]).

قال الحافظ ابن كثير: قال الحسين بن فارس فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمائة ألف ألف درهم (أي خمسمائة مليون درهم)، فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الآخرة. اهـ([49]). أسأل الله الكريم أن يجعلني وإياك منهم.

وحيث قد عدنا بالذاكرة بما يزيد على ألف وأربعمائة وخمسين عاما، فلنبق هنالك لنختم هذا المقتطف العابق بذكر حواضن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - على طريقة أهل السير.

وفي هذا يقول العلامة ابن القيم([50]) ـ رحمه الله ـ : فمنهن أمه آمنة، ومنهن ثويبة، وحليمة، والشيماء ابنة حليمة، وهي أخت النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرضاع، كانت تحضنه مع أمها، ومنهن الفاضلة الجليلة أم أيمن بركة الحبشية، وهي مولاته، ورثها من أبيه ثم أعتقها عندما تزوج بخديجة، وقيل ورثها من أمه.

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : وكان - صلى الله عليه وسلم - يكرمها، ويبرها مبرة الأم، ويكثر زيارتها، وكان - صلى الله عليه وسلم - عندها كالولد، ولذلك كانت تَتَذَمَّر وتَتَغَضَّبُ عليه محبة وشفقة، ومن طريف ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" ([51]) عن أنس قال: انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أم أيمن، وانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب، قال: فلا أدري أصادفته صائما أو لم يرده، فجعلت تَصَخَّب عليه وتذمر عليه. يعني كما تفعل الأمهات إذا عاف الابن الطعام.

وللقرطبي ـ رحمه الله ـ كلام في الثناء عليها، والتعليق على بكائها على النبي - صلى الله عليه وسلم - كلام مختصر جليل يضيق المقام عن إيراده وهو في كتابه "المفهم" ([52]).

وبعد، أيها الأحبة، تلكم بعض الصفحات لطفولة أعظم مخلوق وطئت قدماه الثرى صنعت على عين الله، يرعاه ويحوطه، وله الحكمة والقدرة سبحانه، طفولة امتزجت بإظهار المعجزات مع مكابدة البلاء من اليتم والعيلة وقلة النصير، حتى أكمل الله دينه وأتم نعمته بدين الإسلام وبعثه خير الأنام محمد بن عبد الله خاتم رسل الله وأنبيائه - صلى الله عليه وسلم - .

وفقنا الله لسلوك شرعه واقتفاء هديه ولزوم سنته ومصاحبته في الآخرة. آمين...

* * *


 الرعاية النبوية للطفولة

لا ريب أن الحياة الأسرية النبوية مثال متميز في سموه وكماله، ولهذا ينبغي على كل مسلم ومسلمة الاقتداء بها وترسُّم آثارها، ومن جوانب هذه الأسر التي ينبغي دراستها وتفهمها، جانب الرعاية النبوية للطفولة، وهذا جانب جدير بأن يفرد بالتأليف والتصنيف، وفي ضوء ذلك فسوف نستجلي تلك الرعاية النبوية مع التنبيه على بعض الدروس والفوائد.

وفيما يتعلق بأولاد النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رزق بهم، فمعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - رزق بسبعة، أربع بنات، وثلاثة أولاد ذكور.

البنات هن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، والأبناء: القاسم وعبد الله وإبراهيم.

وكلهم من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة، فإنها عاشت بعده ستة أشهر.

ومن صور رعاية الطفولة في بيت النبوة، ما رواه مسلم في "صحيحه" ([53]) عن خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم»، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين [أي حداد] يقال له أبو سيف، [يعني أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل تلك المرأة التي يقال لها أم سيف ترضع إبراهيم، كما كانت عادة العرب في ذلك] قال أنس: فانطلق يأتيه، واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانا [يعني من آثار الحدادة] قال أنس: فأسرعت المشي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمسك، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصبي، فضمه إليه، وقال: ما شاء الله أن يقول".

فدل هذا الحديث على كمال رأفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفقته، فبرغم كونه إمام الأمة وقائدها فلم يشغله ذلك عن رعاية هذا الوليد الجديد، وفي هذا تنبيه لأولئك الآباء والأمهات الذين يحرمون أبناءهم من عطفهم وحنانهم ويتشاغلون عنهم بالجري المستميت في جمع المال أو في غير ذلك.

وها هو عليه الصلاة والسلام يقدم درسا عمليا لمثل هذا الصنف من الناس. ذلك ما ثبت في "الصحيح" ([54]) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم».

فهذا الرجل وهو الأقرع بن حابس ـ وكان من سادة العرب وأمرائهم أسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه ـ كان يظن أن مقام الرجولة والسيادة يفرض على صاحبه عدم التأثر بالعاطفة، وأن يكون منقبضا عن إظهار أثر تلك العاطفة أمام الناس، فاستنكر تقبيل النبي - صلى الله عليه وسلم - للحسن ـ رضي الله عنه ـ .

لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين له أن تقبيل الأطفال والحنو عليهم والشفقة بهم مظهر من مظاهر الرحمة التي يستحق صاحبها رحمة الله ـ جل وعلا ـ ، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»([55]).

ومن صور الرعاية النبوية للطفولة: ما رواه البخاري ومسلم ([56]) عن عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ قالت: أُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي [وذلك ليحنكه، كما في رواية] فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه.

وروى البخاري ومسلم ([57]) أيضا عن أم قيس بنت محصن ـ رضي الله عنها ـ أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأجلسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله.

ففي هذين الحديثين أن هذين الصبيين أتي بهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان المسلمون يأتون بصبيانهم إليه - صلى الله عليه وسلم - ، ليحنكهم وليدعو لهم ولطلب بركته - صلى الله عليه وسلم - ، وحيث أن الصبي صغير لا يعقل، فربما بال بعض أولئك الصبيان على ثياب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذا كان الواحد منهم في حجره - صلى الله عليه وسلم - ، فكان عليه الصلاة والسلام لا يأنف لذلك ولا يغضب، بل يرفق بهم ويتلطف معهم، وكان هديه أن يرش ذلك البول بالماء.

وفي هذين الحديثين عدد من المسائل والفوائد: منها:

بيان ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التواضع وطيب المعشر، ورحمته بالصغار، ومراعاة خواطر أهليهم إذا صدر من أولئك الصغار ما يكره، فإن ذلك الصبي لما بال على ملابس النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يظهر كراهة ذلك، بل شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ينبغي لهم في مثل هذه الحال.

ولو أن صبيا بال على الفراش لا على ملابس الأب أو الأم لسمعت دعوات الموت أن تنزل به، أو أن يتخطفه الجن، أو يحل به مرض أو عاهة!.

وهذا يقع من كثير من الناس وخاصة الأمهات، وهذا خلاف الهدي النبوي.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم»([58]).

ومن المسائل التي دل عليها الحديث المذكور آنفا: استحباب تحنيك الطفل الوليد.

قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : والتحنيك: مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي، ودلك حنكه به، يصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه، وينبغي عند التحنيك أن يفتح فاه، حتى ينزل [المحنك به إلى] جوفه، وأولاه التمر، فإن لم يتيسر تمر فرطب، وإلا فشيء حلو، وعسل النحل أولى من غيره، ثم ما لم تمسه النار، كما نظيره مما يفطر الصائم عليه" اهـ.

ومن أدلة سنة التحنيك، ما رواه مسلم ([59]) عن عائشة قالت: كان - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالصبيان فيُبَرِّكُ عليهم ويُحنِّكهم.

"فدل ذلك على أن التحنيك سنة لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يقوم به الوالدان أو غيرهما، لكن لا يطلب ذلك من العلماء أو الصالحين أو غيرهم لأجل التبرك بهم، لأن طلب ذلك من الغير لأجل البركة خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث جعل الله البركة في ريقه وعرقه - صلى الله عليه وسلم -"([60]).

ومن المسائل التي دل عليها الحديثان المذكوران، أن الصبي الذكر إذا كان لا يأكل الطعام، أي أنه لا يزال يعتمد في طعامه على الحليب فقد خففت نجاسة بوله بأن يُكتفى بإمرار الماء عليه دون دَلْك ولا عَصْر، كما في النجاسات الأخرى. ولهذه المسألة تفصيلات محلها كتب الفقه.

وها هو موقف آخر وصفحة وضيئة من بيت النبوة في العناية بالأطفال وتلبية نزعاتهم الفطرية من محبة العبث واللعب أو التعلق بأشخاص ونحو ذلك، يبين هذا موقف طريق لأمامة بنت أبي العاص بن الربيع، حفيدته - صلى الله عليه وسلم - ، بنت بنته زينب، فقد روى أبو قتادة ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما نحن ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة، في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال للصلاة، إذ خرج علينا وأمامة بنت أبي العاص، بنت ابنته، على عنقه، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه، قال: فكبَّر، فكبَّرنا، قال: حتى إذا أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها، فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع بها ذلك في كل ركعة، حتى فرغ من صلاته.

هذه إحدى روايات أبي داود في سننه([61])، وأصله في صحيحي البخاري([62])، ومسلم([63]) بسياق أخصر من هذا.

وكأن أمامة وهي الطفلة الصغيرة قد تعلقت بأبيها - صلى الله عليه وسلم - حتى ألحت بأن تخرج معه للصلاة، ولو تركها لبكت لذلك، فخرج بها ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصلى بالمسلمين وهو يحملها على عاتقه الشريف، فإذا سجد وضعها، ثم يعيدها إذا قام.

قال الإمام الحافظ النووي ـ رحمه الله ـ عن فعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك: إنه جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، وذكر من فوائده: جواز حمل الصبيان في الصلاة، وأن ثيابهم وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى يتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة، وفيه تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفقته على الأطفال، وإكرامه لهم جبرا لهم ولوالديهم. اهـ. ملخصا.

وينبه هنا إلى أن الحكم بجواز حمل الصبيان في الصلاة لا يعني أن يكون من عادة الأب أن يأتي بأبنائه للمسجد وهم غير مميزين، أو وهم يحدثون الفوضى، أو وهم لا يوجهون ولا يقبلون التوجيه، بل ينبغي أن يحرص على توجيه الأطفال عند حضورهم للمسجد إلى ما ينبغي، وكل ذلك باللطف واللين.

فمن مظاهر تلك الرعاية: ما رواه الإمام أحمد ([64]) والنسائي ([65]) بسند صحيح عن عبد الله بن شداد عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنا أو حسينا، فتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال شداد: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك [يعني في أثناء صلاتك] سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليه، قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته».

وهذا درس عملي منه - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى مرأى من الصحابة لبيان جواز مثل ذلك العمل في الصلاة، قال الحافظ الذهبي معقبا عليه: أين الفقيه المتنطع عن هذا الفعل.

وفي رواية لابن حبان في "صحيحه" ([66]) عن أبي بكرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا، وكان الحسن يجيء وهو صغير، فكان كلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثب على رقبته وظهره، فيرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه رفعا رقيقا حتى يضعه، فقالوا: يا رسول الله، إنك تصنع بهذا الغلام شيئا ما رأيناك تصنعه بأحد، فقال: «إنه ريحانتي من الدنيا، إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين».

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : عنهما: «ريحانتي من الدنيا» شبههما بذلك لأن الولد يشم ويقبل.

وروى أهل "السنن" ([67]) بسند حسن عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يخطب إذ اقبل الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل وحملهما، فقال: «صدق الله: }أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ{ ([68]) رأيت هذين يمشيان ويعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى نزلت فحملتهما»، وفي رواية: ثم أخذ في خطبته.

وفي صحيح البخاري ([69]) عن أبي بكرة قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، والحسن إلى جنبه [يعني وهو طفل صغير] ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين».

وهذا من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوته، حيث كان ذلك الذي أخبر به في عام واحد وأربعين في شهر ربيع الأول، وذلك عندما نزل الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ فحقنت بذلك دماء الأمة، وما أعظمه من سيد جليل رزين عاقل حينما التقت عساكر المسلمين الذين معه ومع معاوية، والناس أمثال الجبال في الحديد، فقال: أضرب هؤلاء بعضهم ببعض في ملك من ملك الدنيا! لا حاجة لي بهم ـ فرضي الله عنه وأرضاه ـ .

وفي المسند ([70]) بسند صحيح عن أبي الحوراء قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [وإنما هذا السؤال لصغره عندما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان له من العمر نحوا من سبع سنين وستة أشهر حيث كان مولده للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة وهكذا أخوه الحسين كان يصغره بسنة أو أقل] فقال الحسن في جوابه لأبي الحوراء: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلعابها، فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك، لو أكل هذه التمرة؟ قال: «إنا لا نأكل الصدقة»، قال: وكان يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة»([71]) قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء، [وفي رواية علمني] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في قنوت الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت».

وفي صحيح البخاري ([72]) ومسلم ([73]) عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كخ كخ، إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة»، وفي رواية: «أنا لا تحل لنا الصدقة». قال الحافظ ابن حجر في فوائده: فيه تأديب الأطفال بما ينفعهم ومنعهم مما يضرهم من تناول المحرمات، وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا على ذلك. فليتنبه لهذا من استمرأت نفسه أن يتعاطى المحرمات من أموال وغيرها ثم يطعم أولاده منها، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أيما جسد بني على حرام فالنار أولى به».

وهكذا نلحظ من خلال المواقف السابقة وغيرها أن أكثير رعاية النبي - صلى الله عليه وسلم - للأطفال والطفولة، بتنشئتهم على الإيمان والتقوى، وتوثيق صلتهم بالخالق - جل وعلا، مع تعويدهم على الأخلاق الفاضلة، والخصال الحميدة، ورعاية الأدب والفضيلة، مع إشباع رغباتهم الفطرية في اللهو واللعب المباح والمفيد، من غير زجر لهم، ولا جرح لمشاعرهم الرقيقة، ولا تكدير لخواطرهم اللطيفة، إذ أن من صفات النفوس الكريمة الحرص على غرس السعادة في نفوس الأطفال ورسم البسمة على وجوههم.

فحمل الطفل وتقبيله وضمه ومداعبته والابتسام في وجهه لها أثر السحر في نفسيته.

وهكذا التوجيهات اللطيفة الأساسية ترسخ في قلب الطفل وذاكرته كما تقدم فيما حفظه الحسن من جده الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

وهكذا مداعبته - صلى الله عليه وسلم - لأحد أطفال الصحابة وله من العمر خمس سنين، ذلكم هو محمود بن الربيع حيث روى عنه البخاري في "صحيحه" ([74]) أنه قال: عقلت من النبي - صلى الله عليه وسلم - مَجَّةً مَجَّهَا في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو".

وهكذا مداعبته - صلى الله عليه وسلم - لأخي أنس بن مالك وقوله له: «يا أبا عُمَيْر ما فعل النُّغَيْر» لأن أبا عمير هذا كان له طائر وهو النُّغْرَة يشبه العصفور فمات، فحزن عليه، فلما زارهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فرآه حزين النفس مهموم فأخبر أنه حزن على موت طيره فمسح النبي - صلى الله عليه وسلم - رأس أبي عمر يداعبه ويقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير» خرجه البخاري([75]) وغيره، وفيه من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ما يزيد على ستين وجها. نبه إليها الحافظ في الفتح.

وجاءت طفلة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبيها، وهي بنت خالد بن سعيد، وعليها قميص أصفر، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «سنه، سنه»، قال الراوي ومعناها بالحبشية: حسنة، وكانت هذه الطفلة قد لبثت في الحبشة زمنا أثناء الهجرة للحبشة فعرفت شيئا من لغتهم، ثم همت تلك الصبية أن تلعب بخاتم النبوة الذي بين كتفيه - صلى الله عليه وسلم - ، فزجرها أبوها، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعها» ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [بعد أن كساها ثوبا جديدا كما في الرواية]: «أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي»، فبقي ذلك الثوب أمدا طويلا وعمرت تلك الطفلة عمرا طويلا ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم -، والحديث رواه البخاري وبوب عليه في كتاب الأدب فقال: باب من ترك صبية غيره تلعب به، أو قبلها أو مازحها([76]).

وفي جانب آخر من جوانب رعاية الطفولة في بيته - صلى الله عليه وسلم - ثبت في صحيح البخاري([77]) وغيره عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوذ الحسن والحسين: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق».

وفي سياق حفظ الأطفال ورعايتهم يوجه النبي - صلى الله عليه وسلم - أولياءهم إلى حفظهم وملاحظتهم وخاصة عند أول الليل، فيقول - صلى الله عليه وسلم - : «إذا كان جنح الليل [أي إذا أقبل ظلامه] فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم...»([78]) إلخ الحديث، والمعنى: لا تمنعوهم من الخروج بعد ذلك.

وفي صحيح البخاري([79]) وغيره عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى بيت فاطمة وسأل عن الحسن، فانتظره عليه الصلاة والسلام، فأبطأ عليه حتى قال أنس: ظننت أن فاطمة تلبسه أو تغسله فجاء يشتد ـ يعني يسرع ـ [فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده هكذا، أي: مدها] حتى عانقه وقبله وقال: «اللهم إني أحبه وأحب من يحبه»، وفي صحيح مسلم([80]) قال: «اللهم إني أحبه فأحب من يحبه».

اللهم إننا نحب سبطا نبيك وريحانتيه وسائر آله الكرام وصحبهن العظام، اللهم فاكتب لنا عفوك وحبك يا سميع الدعاء. وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد.

* * * * *

 المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يمازح يتيمة

روى الإمام مسلم في "صحيحه" ([81]) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: كانت عند أم سليم يتيمة ـ وهي أم أنس ـ فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليتيمة، فقال: «أنت هيه؟ لقد كبرت، لا كبر سنك» فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدا ـ أو قالت: قرني ـ فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها [أي تديره على رأسها وعنقها]، حتى لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «مالك يا أم سليم؟» فقالت: يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أم سليم؟» ، قالت: زعمت أنك دعوت ألا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال: «يا أم سليم، أما تعلمين شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيُّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة تقربه بها منه يوم القيامة».

وهذا الموقف فيه عدد من المسائل والفوائد:

أولا: أم سليم هذه هي بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية الخزرجية، واسمها سهلة، وقيل: غير ذلك، واحدة من سادات النساء وفواضلهن، ومن المبشرات بالجنة، عرفت بالحصافة والسداد والرأي الرشيد، وهي أم أنس بن مالك، وزوجة أبي طلحة، لها قرابة مباشرة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنسب أو الرضاع. فهو عليه الصلاة والسلام أحد محارمها ([82]).

الثانية: أن هذا الدعاء الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - على سبيل المداعبة والممازحة لتلك اليتيمة الصغيرة ليس مقصودا بذاته، وإنما هو مما جرت به عادة العرب كقوله: "تربت يمينك" ([83]) و "عقرى حلقى" ([84]) و "لا أشبع الله بطنك" ونحو ذلك، ولا يقصدون به حقيقة الدعاء وإرادة وقوعه، وإنما هي عادة غالبية العرب يصلون كلامهم بهذه الدعوات، ويجعلونها دعاما لكلامهم.

ومع ذلك خاف عليه الصلاة والسلام أن يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا، مع أن ذلك كان يقع منه - صلى الله عليه وسلم - في النادر من الأزمان ([85]).

وبهذا يتبين ـ وهذه المسألة الثالثة ـ أن ما يقع من كثير من الآباء والأمهات من الدعاء على أولادهم أمر منكر، لأن دعاءهم ليس كدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، من جهة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الله دعاءه على الناس ـ لو صدر ـ رحمة وطُهْرة لهم، وهذه خصوصية له - صلى الله عليه وسلم - دون غيره، ثم إن دعاء أولئك الناس ليس من قبيل كلام العرب الذي أشرنا لبعض أمثلته، لأن دعاء الوالدين الذي نسمعه هو بالموت العاجل والمصيبة الفادحة والداهية القاتلة، نسأل الله السلامة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» خرجه مسلم في "صحيحه"([86]).

الرابعة: بيان ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التواضع وحسن الخلق، فهو عليه الصلاة والسلام لم يستكثر ممازحة تلك الطفلة الصغيرة ومداعبتها بشيء من الكلام، وقد كان عليه الصلاة والسلام يرى هؤلاء الأطفال اليتامى والربائب في بيوته عند أزواجه، ومن أولئك هذه الطفلة اليتيمة، وكان قد رآها صغيرة، ثم غابت عنه مرة فرآها قد طالت وعَبُلَت ـ كما يقول الحافظ القرطبي، ومعنى عبلت أي ضخمت وابيضت ـ فتعجب عليه الصلاة والسلام من سرعة ذلك، فقال لها ذلك القول متعجبا، ممازحا.

وقد قال بعض أهل العلم: إن قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا كبر سنك» بمعنى ألا يكبر سنها كبرا تعود به إلى أرذل العمر ([87])، فتبقى على قوتها ونشاطها مدة حياتها.

وهذا شبيه بما كان مع طفلة صغيرة يقال لها أم خالد، وكانت قد لبثت في الحبشة زمنا أثناء الهجرة، فعرفت شيئا من كلامهم، وهي بنت خالد بن سعيد ـ رضي الله عنه ـ حيث جاءت مع أبيها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت لابسة قميصا أصفر، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «سنه، سنه»، قال الراوي: ومعناها بالحبشية: حسنة ([88]).

ثم همت تلك الطفلة أن تعبث بخاتم النبوة الذي بين كتفي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فزجرها أبوها، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعها» ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بعد أن كساها ثوبا جديدا ـ كما في الرواية ـ : «أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي»، فبقي ذلك الثوب أمدا طويلا، وعمرت تلك الطفلة عمرا طويلا ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم - .

والحديث رواه البخاري في كتاب الأدب ([89]) من صحيحه وبوب عليه فقال: باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به، أو قبلها أو مازحها.

ثم قف الآن عند هذا الأدب العالي والخلق الكريم، الذي يرويه جابر بن سمرة ـ رضي الله عنه ـ قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الأولى [يعني الظهر]، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم، واحدا واحدا، قال: وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار، خرجه الإمام مسلم في "صحيحه" ([90]).

قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ : وفي مسحه - صلى الله عليه وسلم - الصبيان بيان حسن خلقه ورحمته للأطفال وملاطفتهم، وفيه بيان طيب ريحه - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ما أكرمه الله تعالى.

قال العلماء: كانت هذه الريح الطيبة صفته - صلى الله عليه وسلم - ، وإن لم يمس طيبا، ومع هذا فكان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة وأخذ الوحي الكريم ومجالسة المسلمين.اهـ([91]).

المسألة الخامسة: في الموقف الذي صدرنا به هذا الموقف: بيان ما كانت تزخر به بيوت الصحابة من رعاية اليتامى، فقد رأينا أن تلك اليتيمة التي مازحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت في بيت أم سلمة وكانت شديدة العناية بها، وهكذا كانت بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقد ثبت أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ كانت في حجرها أكثر من يتيم ترعاه([92]).

وهكذا بيت زينب بنت خزيمة، فقد كان لكثرة إحسانها تعرف بأم المساكين.

وهذه الرعاية لليتامى في العصر النبوي هي عمل بترغيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب، فهو القائل: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وقال بأصبعيه السبابة والوسطى. رواه البخاري ([93] قال ابن بطال: "حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك".

وكفالة اليتيم تكون برعايته من جهة الإنفاق وتهيئة الطعام والكساء والدواء وهكذا التربية والتعليم، وفي زماننا هذا اشتدت حاجة اليتامى لقلة الالتفات إليهم، فحق على أصحاب الإحسان أن يقفوا على أحوالهم من خلال جمعيات البر، وهكذا اليتامى في بلاد المسلمين الأخرى الذين صاروا يستجدون أمم الكفار لتخلي كثير من المسلمين عنهم.

والوقوف عليهم يكون من خلال هيئات جمع التبرعات وهيئة الإغاثة ومؤسسة الحرمين وغير ذلك، وهذه المؤسسات الخيرية مهيأ الوصول إليها بحمد الله في جميع أرجاء بلاد الحرمين، زادها الله عزا وتمكينا، وفي عموم بلاد المسلمين إذ لا تخلو من أهل المعروف والإحسان بحمد الله ومنته.

وفق الله الجميع لما فيه الخير.



([1]) سورة الطور، الآية: 48.

([2]) "تفسير ابن كثير" (7/438) ط دار طيبة.

([3]) سورة الأعراف، الآيتان: 156 ، 157.

([4]) "تفسير ابن كثير" (3/483).

([5]) سورة الصف، الآية: 6.

([6]) المراد بالمنجدل: الطريح الملقى على الأرض، قبل نفخ الروح فيه.

([7]) أشار بذلك إلى دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام، كما قص الله في كتابه عن إبراهيم وإسماعيل أنهما قالا عند بناء البيت الذي بمكة: }وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [سورة البقرة: 127 - 129]، ولهذا امتن الله على المؤمنين ببعث هذا النبي فيهم على هذه الصفة التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل، قال الله تعالى: }لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ{ [آل عمران: 164].

([8]) وهي قول عيسى لقومه كما في آية سورة الصف المتقدمة، الآية: 6.

([9]) هذا يحتمل أحد معنيين: إما الرؤية المنامية، وقد روي بكثرة أن آمنة بنت وهب رأت في أول حملها بالنبي ﷺ‬ في المنام بأنها إذا ولدت يخرج منها نور تضيء له قصور الشام، والمعنى الثاني: أنه النور الحسي، حيث تكاثرت الروايات بأن أمة ﷺ‬ آمنة بنت وهب لما وضعت خرج منها نور أضاء أرجاء المكان حتى بلغ النور والضياء قصور الشام. انظر: "لطائف المعارف" (ص171 – 173).

([10]) "المسند" (4/128). "صحيح ابن حبان" (6404). "المستدرك" (2/453). وحسنه الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام ـ قسم السيرة" (ص42). وحسنه كذلك العلامة الألباني رحمه الله: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1546).

([11]) سورة الرعد، الآية: 39.

([12]) "لطائف المعارف" (ص158 – 159).

([13]) ينظر لهذا وما بعده: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ـ المجلد الأول ـ . و "سيرة ابن هشام" (1/4 – 186). و"الإشارة لسيرة المصطفى" (ص51 – 80) لمغلطاي، و "السيرة النبوية" (1/160 – 218). و "تراجم سيدات بيت النبوة" (ص83 – 178) لعائشة بنت عبد الرحمن ـ بنت الشاطئ ـ .

([14]) للتفصيل حول هذه الحادثة: ينظر: "سيرة ابن هشام" (1/151 – 156).

([15]) يلتقي النبي ﷺ‬ في نسبه مع أمه آمنة في: عبد مناف، الجد الثالث له ﷺ‬ .

([16]) سورة الضحى، الآية: 6.

([17]) دار بين أهل العلم خلاف في تحديد اليوم، فقال ابن إسحاق: إنه يوم الثاني عشر، وقال بعضهم: بل في اليوم الثاني، وقال بعضهم: بل اليوم التاسع من ربيع الأول. أقول: ولا ريب أن مولده ﷺ‬ مولد مبارك شريف لما جعل الله بمجيء نبينا محمد ﷺ‬ من الخير العظيم للبشرية، غير أن ما يفعله بعض الناس من الاحتفال به أمر يجب أن نتوقف عنده لننظر هل هو من سنته عليه الصلاة والسلام أم أنه على خلاف ذلك، فإذا علمنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يحتفل بمولده ولا الصحابة الكرام ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وإنما كان من صنع العُبيديين في القرن الرابع، علم حينئذ أنه أمر محدث مبتدع مردود على من يصنعه.

([18]) ينظر: "الإصابة في تمييز الصحابة" (8/67) في ترجمة فاطمة بنت عبد الله.

([19]) "المسند" (4/127). من حديث العرباض، ومن حديث عتبة بن عبد السلمي ـ رضي الله عنه ـ وصححه ابن حبان (6404).

([20]) سورة المائدة، الآيتان: 15 ، 16.

([21]) سورة الأعراف، الآية: 157.

([22]) ينظر: "لطائف المعارف" (ص173 – 174) لابن رجب. و "سير أعلام النبلاء" (2/103) للذهبي.

([23]) مدينة حسنة بين الري وهمذان.

([24]) سورة الفيل.

([25]) "لطائف المعارف" (ص185 و 186).

([26]) سورة الصف، الآية: 6.

([27]) في "صحيح البخاري" (5101) أن عروة بن الزبير قال: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ‬ ، فلما مات أبو لهب أُريَهُ بعض أهله بشَرِّ حِيبَة (سوء حال) قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم (أي رخاء ولا راحة) غير أني سقيت في هذه (جاء في رواية أنه أشار للنقرة التي تحت الإبهام) بعتاقتي ثويبة. اهـ. وقد اختلف في هذا أهل العلم وكيف ينتفع الكافر بالعمل الصالح مع كفره، لكن قال بعضهم: قد يكون هذا خاصا به كما اختص به أبو طالب، قال ابن حجر: وقد يقع التفضل المذكور من الله إكراما لمن وقع من الكافر البِرُّ له، ونحو ذلك. ينظر: "فتح الباري" (9/146 – 147).

([28]) سورة الضحى، الآية: 6.

([29]) هذه الخؤولة سبيلها من جهة سلمى بنت عمرو النجارية، فهي أم عبد المطلب، وجده لعبد الله ابنه، فقومها أخوال له، وهم بذلك أخوال لنبينا محمد ﷺ‬ لكونهم أخوال أبيه.

([30]) ينظر: "طبقات ابن سعد" (1/115).

([31]) حصن من حصون ديارهم ومزارعهم.

([32]) ينظر: "صحيح مسلم" (676)، و "شرح السنة" (5/463) للبغوي.

([33]) ينظر: "جامع الترمذي" (362)، و "المستدرك" (2/615). و "الإصابة في تمييز الصحابة" (1/293) للحافظ ابن حجر. و "صحيح سنن الترمذي" (3/191) للعلامة الألباني.

([34]) "فتح الباري" (4/441).

([35]) سورة الضحى، الآيات: 5 – 8.

([36]) (ص 45 – 48).

([37]) واسمه: مسروح.

([38]) ينظر: "البداية والنهاية" (2/338)، ط الأولى دار إحياء التراث، تحقيق: علي شيري.

([39]) ينظر: "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة" (1/195) للدكتور محمد أبو شهبة ـ رحمه الله ـ.

([40]) تعني أنها تفتديه بأكرم أخوالها وأعمامها.

([41]) (رقم 162/261).

([42]) ينظر: "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" (ص117) د. مهدي رزق الله أحمد.

([43]) "سنن الدارمي" (1/8 – 9)، "المسند" (4/184)، "المستدرك" (2/616 – 617).

([44]) "السيرة من تاريخ الإسلام" (ص48 – 49)، "السلسلة الصحيحة" رقم (373).

([45]) "صحيح البخاري" (3207)، "صحيح مسلم" (164)، "السيرة" للذهبي (ص49).

([46]) "فتح الباري" (7/205)، عند حديث (3887).

([47]) حاشية "دلائل النبوة" للبيهقي (1/137 – 138).

([48]) ينظر: "الإصابة" (2/474).

([49]) "البداية والنهاية" (2/340)، والخبر رواه ابن هشام (2/488) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهذا سند حسن، وأخرجه بنحوه البخاري. وأحمد (4/326).

([50]) ينظر: "زاد المعاد" (1/83).

([51]) (رقم 2453).

([52]) ينظر: "المفهم" (6/361 – 362).

([53]) (رقم 2315).

([54]) عند البخاري (رقم 5997)، ومسلم (رقم 2318).

([55]) أخرجه أحمد (2/160)، وأبو داود (رقم 4941)، والترمذي (رقم 1924) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 3522).

([56]) "صحيح البخاري" (222)، و "صحيح مسلم" (286).

([57]) "صحيح البخاري" (223)، و "صحيح مسلم" (287).

([58]) أخرجه أبو داود (رقم 1532)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 7267).

([59]) في "صحيحه" (رقم 286).

([60]) من إفادات سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ .

([61]) (رقم 920).

([62]) (رقم 516 ، 5996).

([63]) (رقم 543).

([64]) في "مسنده" (3/493) (6/467) من حديث شداد بن الهاد الليثي.

([65]) في "المجتبى" (2/129 – 230 رقم 1139)، وفي "الكبرى" (برقم 727)، وكذا أخرجه الحاكم في "المستدرك" (3/165 – 166) (3/626 – 627)، وصححه ووافقه الذهبي.

([66]) (9/57 رقم 6925)، وفي "موارد الظمآن" (رقم 2232).

([67]) أخرجه أحمد (5/354)، وأبو داود (رقم 1109)، والترمذي (رقم 3774)، وابن ماجة (رقم 3600)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم 1456 ، 1801)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

([68]) سورة التغابن، الآية: 15

([69]) (رقم 2704 ، 3629 ، 3746 ، 7109).

([70]) (1/200) من حديث أبي الحوراء السعدي.

([71]) أخرجه أحمد في "المسند" (1/200)، والترمذي (رقم 2518)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 3378).

([72]) (رقم 1491).

([73]) (رقم 1069).

([74]) (رقم 1185).

([75]) في "صحيحه" (رقم 6129)، وكذا أخرجه مسلم في "صحيحه" (رقم 2150).

([76]) رقم (5993)، وينظر: "الفتح" (10/272 ، 425).

([77]) (رقم 3371).

([78]) أخرجه البخاري (رقم 3280)، ومسلم (رقم 201 ، 2013) باختلاف.

([79]) (رقم 2112، 5884).

([80]) (رقم 2421).

([81]) (رقم 2603) ورواه ابن حبان في "صحيحه" (6514).

([82]) ينظر: "تهذيب الأسماء واللغات" (2/363)، و "شرح النووي لصحيح مسلم" (13/57) و (16/10).

([83]) ثبت هذا اللفظ في حديث عائشة عندما قال لها رسول الله ﷺ‬ : «ائذني له، فإنه عمك تربت يمينك» أخرجه البخاري (رقم 6156)، ومسلم (رقم 1445).

([84]) وثبت هذا اللفظ في حديث عائشة قالت: أراد النبي ﷺ‬ أن ينفر، فرأى صفية على باب خبائها كئيبة حزينة لأنها حاضت فقال: «عقرى حلقى» أخرجه البخاري (رقم 6157)، ومسلم (رقم 1211).

([85]) ينظر: "شرح النووي لصحيح مسلم" (16/153)، و "المفهم" (6/585) للقرطبي.

([86]) (رقم 3009).

([87]) ينظر: "المفهم" (6/556).

([88]) أخرجه البخاري (رقم 3071).

([89]) (رقم 5993).

([90]) (رقم 2329). وجؤنة العطار هي ما يضع فيه الطيب ويختزنه، فتكون رائحته عبقة متميزة.

([91]) "شرح النووي لصحيح مسلم" (15/85).

([92]) ينظر: "الموطأ" (1/251)، "سنن البيهقي" (40/108).

([93]) (رقم 5304 ، 6005).