العالم العابد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم [ حياته وسيرته ومؤلفاته ]

إعداد: د. عبد الملك القاسم

 قالوا عنه - رحمه الله -

* «محمد بن قاسم» من الموحدين.

سماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم

* «العالم الورع التقي الخفي».

فضيلة الشيخ/ محمد بن عثيمين

* «كان أبرز من في الحلقة الذين قرأنا معهم على سماحة العلامة محمد بن إبراهيم، فكان هو الذي يقرأ على الشيخ المتن والشرح، حيث كان يهتم بحفظ المتون مع أن في زملائه من هو أكبر منه سنًا وأقدم منه تعلمًا...».

فضيلة الشيخ/ عبد الله بن جبرين

* «اسأل والدك فلو تنفس شيخ الإسلام لعرف والدك نفسه».

فضيلة الشيخ/ حماد الأنصاري

* «كان رحمه الله عابدًا زاهدًا منصرفًا عن الناس».

فضيلة الشيخ/ بكر أبو زيد



 المقدمة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:

لا شك أن العلماء هم ورثة الأنبياء، مصابيح الدجى وأعلام الهدى؛ حفظ الله بهم الدين وأنار السبيل، تضرب لهم أكباد الإِبل، وتطوى لأجلهم الأرض، وتثنيى لعلمهم الركب.

قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» [رواه أحمد].

قال الإمام الزهري: «لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم».

وقال - رحمه الله -: «ما عُبد الله بشيء أفضل من العلم».

وموت العلماء ثلمة لا تُسد، فلهم قدم صدق وقدح مُعلى في حفظ الإِسلام ونشر الدين وحسن الاقتداء، وهم أولى الناس بذكر محاسنهم وفضائلهم وخصالهم، وأحق ممن دونهم في الثناء ومعرفة الفضل.

ولما توفي الوالد - رحمه الله - كثر السؤال والإلحاح عن كتابة سيرته ومعرفة فضله، فترددت كثيرًا، وتراجعت مرارًا؛ ثم لما ظهر أن الأمر فيه -بإذن الله- الخير. أقدمت على هذه الكتابة المتواضعة وإلا فأعظم كتابة تُسطر وأفضل فائدة تجنى، قراءة ما جمعه وألفه، مع الترحم والدعاء له.

هذا مع الحرج الشديد والرغبة من الجميع في بقاء أعمال الوالد خفية بعد موته كما كان يُحب في حياته، ولرغبة الاقتداء والتأسي وإعلام سواد الأمة أن الخير باقٍ فيها إلى قيام الساعة، وطمعًا في دعوة صادقة ترفع درجته وتُعلى نُزله؛ كتبت اليسير إحياء للهمم وبعثًا للنفوس. جملتها بفوائد وشواهد.

إنها كلمات في حياة عالم عابد زاهد، وما أنا وإياه إلا كما قال الشاعر:

أنا المكدي وابن المكدي         وهكذا كان أبي وجدي

وهو وإن كان أبي نسبًا فهو للعلماء وطلبة العلم ذو نسب رفيع فيهم ومنهم، فلا تخلو مكتبة من المكتبات إلا وبها مجلدات من تأليفه وجمعه وتحقيقه على بُعد فيه عن الشهرة والأضواء وعدم محبة للظهور.

رحم الله الوالد ورفع درجته وأعلى نزله، فقد أفنى عمره في البحث والتأليف والتعليم والتدريس ولندرة حديثه عن نفسه وعمله فقد يُعذر مثلي في التقصير، فغالب السير تكتب بيد أصحابها أو ممن حولهم، ونحن مع عالم يخفي حسناته مثلما يخفي أحدنا سيئاته، ولهذا صعب التوسع وقل الزاد، وللقارئ نزر يسير من سيرته، وبعض من صفاته  وسجاياه جعلتها في أبواب متتالية، وحسبي جهد المقل والمشاركة في الأجر.

فأولاً: عرض لمولده ونشأته.

وثانيًا: رحلته في طلب العلم.

وثالثًا: حياته العلمية.

ورابعًا: حياته العملية وعرض لمؤلفاته مع مقتطفات للتعريف بها.

وخامسًا: سجاياه وصفاته وعبادته.

وسادسًا: محبة العلماء له.

وسابعًا: فوائد من أقواله وكتبه.

وثامنًا: وفاته ووصيته.

وتاسعًا: ما قيل فيه شعرًا ونثرًا.

هذا وأسأل الله أن يجعل هذا العمل من البرِّ به بعد موته، كما أسأله بجوده وكرمه أن يجمعنا وإياه في دار كرامته.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم



مدخل

انتظرت لوعة الفراق أن تخبو وأحزان الأيام أن تنجلي فأبت إلا البقاء، فتناولت قلمًا يتعثر بدمعة؛ أتعقبه حزينًا يدفعه قلب مكلوم وجناح مهضوم مكثرًا من الدعاء بالمغفرة لسراج من سرج الأمة وعلم من أعلامها وإمام من أئمتها. نشر الله به العلم وأخرج على يديه المؤلفات، مع ما هو فيه من العبادة العظيمة التي ليس عليها مزيد في حياته بما أخذ نفسه فيها من الجد والتشمير واليقظة والتفطن.

إن الكتابة عن قريب أو حبيب فضل من الله وابتلاء لمن حمل القلم! وأدعو الله أن لا أكتب رياءً ولا تفاخرًا ولا مباهاة وليس لعرض من أعراض الدنيا، إنما أردت توثيق حياة عالم وجمع شتات سيرة عابد، متأسيًا بالسلف الصالح في ذلك.

* قال ابن خلكان في وفيات الأعيان: «لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ونقلت عنهم أو كانوا في زمني ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي بعدي»([1]) .

* وقد أفرد الأئمة مؤلفات ضخمة في كتابة السير والتراجم والمناقب؛ وإن كان الوالد -رحمه الله- قد فات الكثير رؤيته وقصَّر  الإعلام في الكتابة عن سيرته؛ فلعل أن يجتمع للقراء مع علمه؛ سمته وأدبه ونزر من حياته في هذه الصفحات... وقد نقلت لنا مواقف وعبر من حياة العلماء، فقد ذكر الإمام الذهبي -رحمه الله- «أن مجلس الإِمام أحمد -رحمه الله- كان يحضره خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون والباقون يستمدون من سمته وخُلقه وأدبه»([2]) .

ولعل هذه المتفرقات التي جمعتُ بداية غيثٍ منهمر للكتابة عن العلماء والمُصلحين لنوفيهم بعض حقهم. فما أزهدنا فيهم أحياءً وأمواتًا - وأخشى أن يكون ذلك من الحرمان..

وأحسب أن الأمر على كاهلي ثقيل أنوء بحمله، ولا ضير وقد استعنت بالله.

* ها هو الإِمام البخاري قد ترجم لوالده - رحمهما الله - كما في كتاب التاريخ الكبير: «إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو الحسن، رأى حماد بن زيد صافح ابن المبارك بكلتا يديه وسمع مالكًا»([3]) .

* وقال الذهبي في ترجمة الإِمام أحمد: «ساق نسبه ولده عبد الله واعتمده أبو بكر الخطيب في تاريخه وغيره»([4]) .

* ونقل ابن الجوزي في كتابه مناقب الإِمام أحمد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل كثيرًا من حياته وسيرته -رحمه الله- مثل قوله: «كان أبي يصلي  في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وقد كان قرب من الثمانين، وكان يقرأ في كل يوم سُبعًا، يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويَدْعو»([5]) .

* وقال أيضًا: «مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا وما ذاق شيئًا إلا مقدار ربع سويق في كل ليلة كان يشرب شربة ماءٍ وفي كل ثلاثة ليال يَستَفُّ حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهرٍ، ورأيت موقيه قد دخلا في حدقته»([6]) .

* وقال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبي يقول: قدمت صنعاء، أنا ويحيى بن معين، فمضيت إلى عبد الرزاق إلى قريته، وتخلف يحيى، فلما ذهبت أدق الباب، قال لي بقال تجاه داره: مه لا تدق فإن الشيخ يُهاب، فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج، فوثبت إليه، وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلمت وقلت: حدثني بهذه، يرحمك الله، فإني رجل غريب قال: ومن أنت؟ وزبرني، قلت: أنا أحمد بن حنبل، فتقاصر وضمني إليه، وقال: بالله أنت أبو عبد الله؟ ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم»([7]) .


* أما محمد بن محمد بدر الدين العامري الشافعي فقد ترجم لوالده في كتابه «بلغة الواجد في ترجمة الشيخ الوالد».

* وقد ترجم للقاضي عياض ابنه محمد فقال عن نشأة والده: «نشأ أبي على عفة وصيانة، مرضي الحال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفًا بالنبل والفهم والحذق، طالبًا للعلم، حريصًا عليه، مجتهدًا في طلبه...» ([8]).

* وترجم القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى لوالده حيث قال: «الطبقة الخامسة تتضمن طرفًا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته...»([9]).

بل وكانوا يروون خواص أمورهم ودقائق حياتهم كما في ترجمة الإمام أحمد؛ قال صالح: قال أبي: ثقبت أمي أذني فكانت تصير فيهما لؤلؤتين، فلما ترعرعت، نزعتهما، فكانت عندها، ثم دفعتهما إليَّ، فبعتهما بنحو ثلاثين درهمًا([10]).

* وقد أفرد العلماء تصانيف متعددة ككتب التراجم، فمنهم من أفرد ترجمة مستقلة عن إمام من الأئمة مثل الإمام الموفق ابن أحمد المكي حيث أفرد ترجمة مستقلة في مناقب الإِمام أبي حنيفة وأسماه «مناقب أبي حنيفة».

* وكذلك الإمام القاضي عيسى الزواوي أفرد مصنفًا مستقلاً في  ترجمة الإِمام مالك - رحمه الله تعالى -.

وصنف الإمام ابن أبي حاتم الرازي كتابًا في الشافعي وسماه «آداب الشافعي ومناقبه».

والإمام الجوزي، أفرد مصنفًا مستقلاً في مناقب الإِمام أحمد - رحمه الله -.

* ونحا بعض أهل العلم منحى آخرًا، فأفردوا كتبًا مستقلة في ترجمة طبقة معينة يشتركون في عصر أو قطر أو علم أو مذهب، فهناك من أفرد بعض أتباع المذاهب بمصنف مستقل مثل (الفوائد في تراجم الحنفية) لتقي الدين بن عبد القادر الدارمي، و(الجواهر المضية في طبقات الحنفية) للقرشي.

و (ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإِمام مالك) للقاضي عياض.

و (طبقات الشافعية الكبرى) للسبكي، و(طبقات الشافعية) لابن هداية الحسيني، و(طبقات الحنابلة) للقاضي ابن أبي يعلى، و(الذيل على طبقات الحنابلة) لابن رجب، وذيل ابن عبد الهادي على طبقات ابن رجب.

* ومن أمثلة تصنيف التراجم على حسب العلم ونوع الفن والتخصص:

طبقات المفسرين: وقد صنف فيها الداودي، والسيوطي.

وطبقات المحدثين: مثل (طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها) لأبي الشيخ الأنصاري.

وطبقات الحفاظ: وقد صنف فيها الإمام الذهبي كتابًا وسماه (تذكرة الحفاظ).

وطبقات القراء: وقد صنف فيها الإمام الذهبي أيضًا كتابًا وسماه (معرفة القراء الكبار).

وطبقات النحاة: وقد صنف فيها السيوطي كتاب (بغية الوعاة).

وطبقات الأطباء: وقد صنف فيها ابن أبي أصيبعه، وهلم جرا.

ومنهم من أفرد علماء قطر معين: (كتاريخ بغداد للخطيب البغدادي)، و(تاريخ دمشق) للحافظ ابن عساكر، و(تاريخ أو أخبار أصفهان) للحفاظ أبي نعيم الأصبهاني، و(تاريخ حلب) لابن العديم واسمه (بغية الطلب في تاريخ حلب)، و(تاريخ إربل) لابن المستوفي.

ومن أمثلة تصنيف التراجم على حسب العصر:

(تاريخ الإِسلام) للذهبي، و(الدرر الكامنة) لابن حجر، و(البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) للشوكاني([11]).

* ومن العلماء من ترجم لنفسه؛ فمن المتقدمين:

أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ضمن قدرًا من نسبه في كتابه «لفتة الكبد»، والعماد الأصفهاني ترجم لنفسه في كتابه «البرق الشامي»، أبو شامة المقدسي ألف «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين» وجعل له ذيلاً ترجم لنفسه فيه. والذهبي وله المعجم لشيوخه ترجم لنفسه فيه، والصفدي وابن خلدون ترجم لنفسه في «تاريخ العبر»، ومحمد بن  محمد الجزري ترجم لنفسه في كتابه «غاية النهاية في طبقات القراء» وابن حجر العسقلاني ترجم لنفسه في «الدرر الكامنة» «ورفع الإِصر» وغيرهما. وجلال الدين السيوطي ترجم لنفسه في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة».

ومن المتأخرين: الشوكاني ترجم لنفسه في «البدر الطالع»، ومحمود بن عبد الله الآلوسي ألف رسالة في ترجمته وسيرته، والطهطاوي، واللكنوي، ومحمد رشيد رضا، والبيطار، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن جبرين، وغيرهم([12]).

* ورحم الله الإِمام النووي وهو يقول: «شيوخ الإِنسان في العلم آباءٌ في الدين ووصلة بينه وبين رب العالمين فيقبح به جهلهم، وكيف لا يقبح جهل الأنساب وهم الوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب».

* وفي قراءة العلماء وتراجمهم فوائد عدة منها: -

1- بعث الهمم وتقوية العزائم في نفوس طلبة العلم والمربين والشباب، بل والآباء والأمهات.

2- الدعاء لهم والترحم عليهم ومعرفة جهودهم وعلمهم.

3- مراعاة نعمة الله - عز وجل - في تسخيره من يشاء من عباده لخدمة هذا الدين ونصر الكتاب والسنة في كل زمن.

4- الوفاء لأعلام الهدى ومصابيح الدجى في زمن الإِعلام الفاسد  الذي بَّرز السفلة وحثالة القوم من المغنيين والراقصين.

5- حفظ النماذج المضيئة من حياة العلماء. فها هي «سير أعلام النبلاء» بيننا و«صفة الصفوة» تحكي حال أولئك وتتحدث عن مناقبهم.

6- الاقتداء بهم واقتفاء أثرهم في طلب العلم ونشره، وحسن المعشر وحلو الشمائل وطيب الخصال.

7- توثيق سير العلماء وذكر نماذج من حياتهم في سنيها المختلفة حتى نعرف «أن العلم دين» فلننظر عمن نأخذ ديننا.

8- معرفة الجهود المضنية التي تكبدها العلماء والأوقات الطويلة التي أمضوها لإِخراج الكتب والمؤلفات.

9- في ذكر سير العلماء والعباد والصالحين ترقيق للقلوب واستشعار ما نحن فيه من تقصير وتفريط؛ لتكون بداية للعودة والأوبة.

10- معرفة أن الله - عز وجل - يجعل في هذه الأمة من الخير إلى قيام الساعة، فرغم الفتن تجد ذلك الورع، ورغم الشبهات يظل هناك المُتمسك، وفي زمن الشهوات يتميز المؤمن الصادق.

11- ذكر طرفًا مما خص الله - عز وجل - به الوالد - رحمه الله - وما جمع له من الحسنيين؛ العلم والعبادة، وقلَّ أن تجتمع اليوم في شخص واحد.

12- ما كان خاصًا بي من بِر والدي بعد موته والترحم عليه وذكر خاصته وأحواله التي قد لا يعرفها إلا من عاش في كنفه وتحت رعايته ونظره.


 نسبه وولادته ونشأته

* هو الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم من آل عاصم؛ ومنشأ آل قاسم بلد (القصب) من بلاد الوشم، ومنها تفرقوا إلي (رغبة والبير وثادق والرويضة والمحمل والحريق بالوشم). وتوجد شجرة لآل قاسم وضع أصلها الجد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم عام 1346هـ.

* ولد - رحمه الله - عام 1345هـ([13]) في بلدة (البير) التي تقع على بعد (120 كم) شمال الرياض مجاورة لبلدتي (ثادق وحريملاء).

* ووالده هو الشيخ العلامة: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، صاحب المؤلفات المعروفة؛ وأشهرها (حاشية الروض المربع) وحاشية (كتاب التوحيد) و(الدرر السنية في الأجوبة النجدية) و(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) الذي ساعده الوالد محمد في جمعه.

* ووالدته هي نورة بنت محمد الزومان، وكانت امرأة عابدة صالحة مداومة على قراءة القرآن وذكر الله - عز وجل - توفيت - رحمها الله - في 30 شعبان وصلي عليها ليلة رمضان 1/9/1418هـ ودفنت في مقبرة العود بالرياض.


* وله إخوة كلهم أشقاء، هم:

عبد الله: وكان عابدًا ورعًا تقيًا حافظًا لكتاب الله - عز وجل - كان يقوم الليل حتى شق عليه فوضع إسفنجًا ليقي ركبتيه أثناء السجود، وبقي سنوات طويلة يمكث في مصلاه حتى تشرق الشمس، وكان يبكر إلى صلاة الجمعة من أول النهار! وله مواقف في العبادة معروفة؛ أعانه على ذلك صحبة عُبَّاد يتعاونون على البر والتقوي والمكوث في مكة طوال شهر رمضان. (مرض أحدهم مرض الموت وكان صائمًا فقال له أبناؤه: أفطر، فقال: لا، فلما أصروا على ذلك وقربوا له الماء رده بيده وقال: إني لأجد ريح الجنة فمات صائمًا قبيل أذان المغرب). توفي - رحمه الله - في 6/6/1402هـ.

عبد العزيز: عمل مع والده في مزرعته؛ محب للخير والعبادة، توفي في شهر الله المحرم عام 1391هـ.

الشيخ أحمد: درس على الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وهو الذي كان يقرأ عليه بعد سفر الوالد لجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وله جهود دعوية معروفة، عمل سكرتيرًا للشيخ محمد بن إبراهيم، ثم أمين مكتبة كلية الشريعة، أخرج «تفسيرًا للقرآن الكريم» في ست مجلدات قدم له فضيلة الشيخ صالح الفوزان. وله كتاب «المنتخب من أدلة الشريعة» طبع قديمًا وأعيد طبعه، وكذلك كتاب «العمدة في فقه الشريعة».

سليمان: عمل مع والده في المزرعة، توفي في شوال 1421هـ بعد مرض أصابه.

ناصر: كان موظفًا في رئاسة تعليم البنات وله أياد بيضاء في الإِنفاق.

الشيخ سعد: مدرس في معهد إمام الدعوة حتى أحيل للتقاعد؛ وله مشاركات في الندوات والمحاضرات حريص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أشرف على طبع «حاشية الروض المربع» مع الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - كما أشرف على إخراج «الدرر السنية» في طبعتها الأخيرة.

حمد: متخرج من كلية الشريعة بالرياض، وفيه من الفضل والأدب الكثير.

وله ثلاث أخوات إحداهن توفيت مبكرًا، واثنتان لا تزالان على قيد الحياة، عُرفن بالصلاح والتقوي([14]).



 بداية طلبه للعلم

* نشأ الوالد -رحمه الله- في بيت علم ودين ودرس في الكتاتيب في بلدته، ثم تلقى العلم على العديد من العلماء والمشايخ، منهم والده العلامة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وسماحة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وسماحة الشيخ عبد الله بن حميد -رحمهم الله-.

* ومن أخص مشايخه وأكثرهم أثرًا في حياته سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- الذي درس عليه كثيرًا ولازمه وثنى ركبه في حلقته خمسًا وعشرين سنة، منذ عام 1357هـ وحتى عام 1381هـ. أي منذ أن كان عمره اثني عشر عامًا وحتى بلغ عمره ستة وثلاثين عامًا.

* وقد درس - رحمه الله - الدراسة النظامية في المعهد العلمي، ثم تخرج من كلية الشريعة بالرياض، ومن أبرز زملائه فيها الشيخ عبد الله بن جبرين - وفقه الله - الذي كان يتنافس معه على المركز الأول في الدراسة.

* قال عنه الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - في مقابلة في مجلة الدعوة بعد وفاته - رحمه الله -: «تعرفنا على الشيخ محمد بن  عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - أول ما فتح معهد إمام الدعوة، حيث كان أبرز من في الحلقة الذين  قرأنا معهم على سماحة العلامة محمد بن إبراهيم، فكان هو الذي يقرأ على الشيخ المتن والشرح، حيث كان يهتم بحفظ المتون مع أن في زملائه من هو أكبر منه سنًا وأقدم منه تعلمًا، ولكن رزقه الله صدق الرغبة ومحبة العلم وحسن المعتقد والتربية الصالحة على يدي والده - رحمه الله -...»([15]) .

* وكان - رحمه الله - محبًا للعلم، صبورًا على طلبه، حافظًا له قلَّ أن يخطئ، حفظ كتاب الله - عز وجل - وكثيرًا من المتون: كالزاد والألفية، والواسطية والتدمرية وغيرها.

* ومن كثرة قراءته وحرصه على طلب العلم؛ ذكر مرة أنه بدأ يقرأ في كتاب «منهاج السنة» بعد صلاة العشاء وما انتبه إلا والمؤذن يؤذن الأذان الأول للفجر!.

* وأخرى ذكرها قبل وفاته، فقد ذهب لزيارة العم عبد العزيز (وهو أخ للجد - رحمه الله) قال الوالد: «فطرقت الباب فلم يفتحوا فركبت سيارتي وجلست فيها ومكثت لعلهم يأتون - وكان العم لا يخرج إلا قليلاً - فتناولت كتابًا وبدأت أقرأ حتى أذن للعشاء ولم أنتبه إلا بالعم يأتي!».

* وقد ذكر رحمه الله أن أول ما دخلت الكهرباء إلى مدينة الرياض  دخلت إلى المسجد - بعد بيوت علية القوم - قال: «ففرحنا بذلك معشر الطلاب وبقينا إلى الفجر نقرأ ونحن وقوف نقترب أكثر من الضوء».

* وقال - رحمه الله - وهو يحدثنا عن بداية طلبه للعلم: «كنت أعمل في مزرعتنا في بلدة (البير)، وقد نصحني عدة مرات «إبراهيم بن محمد اليحيى» وكان رجلاً عاقلاً، قال وهو يراني أعمل في المزرعة: «هذه ليست مهنتك اذهب لطلب العلم». وذكر الوالد أكثر من مرة: «أنه لا ينسى له هذه الوصية».

ثم قال - رحمه الله -: «وقد قال لي مثل هذا الكلام معلم الكتاتيب».

* ومثل هذه الكلمات اليسيرة قيلت لأئمة كبار ولعلماء أفذاذ فوقعت موقعها وأراد الله - عز وجل - أن تجد قلوبًا حية؛ ذُكر لتأليف صحيح البخاري ثلاثة أسباب؛ أشهرها أن الإِمام البخاري - رحمه الله - كان في حلقة إسحاق بن راهويه فقال: «لو أن أحدكم يجمع كتابًا فيما صح من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -»([16]) ، فوقعت هذه الجملة في قلب إمام الحديث فصنف كتابه العظيم.

أما الإِمام الذهبي فقد غير مجري حياته كلمة قالها له شيخه البرزالي لما رأى خطه وحسنه، فقال له: «إن خطك هذا يشبه خط المحدثين» فكانت هذه الكلمة عنوانًا له حتى أضحى من أئمة الحديث وحفاظه ونقاده!.

والوالد - رحمه الله وأجزل مثوبته - وقعت الكلمات في سمعه ووعاها قلبه فكان العمل والجد والمثابرة.

* قال - رحمه الله -: «فأخذت ثيابي ووضعتها في نخلة في المزرعة فلما جاء الليل ذهبت على قدمي إلى ثادق وتبعد ما يقارب من 12 كيلو مترًا، ثم ركبت سيارة منها إلى الرياض واستقر بي المقام عند الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -».

* ومكث عند الشيخ محمد بن إبراهيم وهو أبرز وأخص مشايخه من عام 1357هـ إلى عام 1381هـ أي أكثر من (25) سنة. ومعنى ذلك أنه لازم الشيخ منذ أن كان عمره اثني عشر عامًا([17]) وحتى صار عمره ستة وثلاثين عامًا ملازمًا له في جميع دروسه، وكان يكتب ما يشرح الشيخ حتى جمع كراريس كثيرة أخرج منها شروحات الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمهما الله-.

* وقد وجدنا له ورقة تنبئ عن فهمه وحرصه؛ كتب فيها: «إنني لم أكتب عن شيخي شيئًا إلا وقد فهمته».

* وكان الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - يعتني به عناية خاصة لقوة حفظه وحرصه على طلب العلم ولمكانة والده عنده، فعندما أصابه الجدري وضع العسل في عينه، فسلَّم الله - عز وجل - الوالد من أن يصل الجدري إلى عينه فلا يبصر، ولا ينسى هذا المعروف لشيخه الجليل محمد بن إبراهيم.

* وكان الجد -عبد الرحمن- في مكة مع أهله وأولاده، فأرسل الوالد  محمد رسالة إلى والده في مكة بخط يده يخبره بأنه شفي من الجدري والحمد لله؛ فسجد الجد في الحرم سجود شكر لله سبحانه أن شفى ابنه وسلَّم بصره.

وبين الحين والآخر يدور بخاطري هذا الفعل من الشيخ محمد بن إبراهيم وبين بقاء بصر الوالد حتى أخرج الله على يديه فتاوى وشروح الشيخ محمد بن إبراهيم.

* ذكر الوالد - رحمه الله - أنه قرأ العقيدة الواسطية على الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - ثماني مرات وعمره لم يتجاوز السابعة عشر عامًا بعد، وقرأ التدمرية مرتين، وكتاب كشف الشبهات ست مرات.

* وكان صاحب خط جميل واضح لا يصعب على أحد قراءته يشبه خط العلماء القدامى.

* وقد وجدتُ كتبًا قديمة لديه، مما تدل على عنايته بالقراءة في سن مبكرة منها:

1- الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح، مكتبة التقدم، طبعت عام (1348هـ).

2- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (جزآن) المطبعة السلفية بمكة (1349هـ).

3- منهاج السنة، المطبعة الأميرية ببولاق بمصر عام (1322هـ).

* وأحسب أنه -رحمه الله- يستظهر مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية  وابن القيم، أما مؤلفات شيخ الإسلام فهي ظاهرة في جمعه وتأليفه ومراجعته ثم فهرسته لها فهرسًا دقيقًا في مجلدين.

* وقد سألت الشيخ حماد الأنصاري علامة المدينة عن قول لشيخ الإِسلام ابن تيمية فقال لي: «اسأل والدك، فلو تنفس شيخ الإسلام لعرف والدك نَفَسه».

* وأما كتب ابن القيم فهو يقول - رحمه الله - في المستدرك: «... قرأت مؤلفات ابن القيم كلها في أول عهدي بطلب العلم...».

لقد كان الكتاب قراءةً وتصحيحًا وحفظًا وتبييضًا، كان له ذلك إلْفًا وسكنا يجد فيه قرارة النفس والقلب والعين!

* وكنت ممن غسله - رحمه الله - ورأيت ومن معي أثر القلم في باطن أصبعه السبابة، كأنه لحمٌ ميت.

* وبين أوراقه فائدة كتبها بيده تقول: «وقد أكتب على يدي لتعذر الورق».

* وقد قرأ الآجرومية على الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمهما الله - ولم يتمها، قال: «فرأيت في المنام في وقتها أني آكل من حلوى لذيذة ولم أتم الأكل، فأصبحت وإذا بحلاوتها في فمي، وفسرت بأنه متن الآجرومية الذي لم أتمه مع الشيخ - رحمه الله -».

* ومن معرفته بالكتب وإطلاعه عليها ما ذكره في هوامش كتابه «آل رسول الله وأولياؤه» ومنها التعريف ببعض الكتب التي في المتن وأسوق  بعضًا منها: -

1- كتاب «ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة على الصحابة».

* قال الوالد - رحمه الله -: موجود وهو الجزء الحادي عشر في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري بالمدينة برقم (327)، وذكر أنه وجده في المكتبة الظاهرية بدمشق.

2- كتاب «السنة» للخلال:

* قال - رحمه الله -: «يطبع الآن في مطبعة طيبة وموجود مصور في مكتبة الشيخ حماد الأنصاري في المدينة.

3- كتاب «السنة» لابن بطة:

* قال - رحمه الله -: مصور عند الشيخ حماد الأنصاري، وذكر أنه كبير وصغير. الصغير طبع والكبير يحقق.

4- كتاب «السنة» للآجري:

* قال - رحمه الله -: مطبوع بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي عام 1369هـ.

5- كتاب «السنة» للالكائي:

* قال - رحمه الله -: طبع منه ثلاثة أجزاء وبقي اثنان للتحقيق. والمخطوط المصور لدى الشيخ حماد الأنصاري، ومنه نسخة خطية بالظاهرية رقم 37، 124، 3، ومنه نسخة خطية (بليبرج رقم 1318).

6- قال - رحمه الله -: أما كتاب «السنة» لأبي ذر الهروي والطلمنكي فلم يعثر عليهما بعد.

* وفي مجال القراءة لديه ثقافة عامة واسعة في الطب والزراعة والفلك والأنساب والتاريخ؛ في إحدى المناسبات وكان من الحضور أحد علية القوم من أصحاب الثقافات اليومية كالصحف والمجلات، وكان هناك (أترج) فتحدث عنه بكلام ركيك، ولم يكن يعرف الوالد، ثم سأل أحد الحضور الوالد - رحمه الله - عن الأترج فأخذ يتحدث وكأنه قد أعدَّ بحثًا عنه فذكر أقوال أهل العلم فيه، وفوائده، وأين يزرع ومتي يُثمر؟ فأنصت له الحضور بدهشة عجيبة!

* قال ياقوت الحموي: «فهذه أخبار قوم عنهم أُخذ علم القرآن المجيد والحديث المفيد وبصناعتهم تنال الإِمارة وببضاعتهم يستقيم أمر السلطان والوزارة، وبعلمهم يتم الإسلام وباستنباطهم يُعرف الحلال من الحرام»([18]) .


 حياته العملية:

* بدأت حياة الوالد - رحمه الله - العملية مبكرًا وذلك لأنه درَّس - رحمه الله - في معهد إمام الدعوة وهو لا يزال طالبًا في كلية الشريعة لم يتخرج بعد - ثم بعد تخرجه من كلية الشريعة استمرَّ مدرسًا في المعهد العلمي بالرياض ثم في كلية الشريعة ثم في كلية أصول الدين بالرياض، وناقش العديد من رسائل الدراسات العليا.

* ومن أبرز تلامذته سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ. والشيخ د. صالح السدلان وغيرهما كثير.

* واعتذر عن تولي العديد من المناصب فقد رشح وزيرًا لوزارة العدل إبان التفكير في إنشائها، فقال له الجد - رحمهما الله - عندما علم بالترشيح: «عليك بالكتب» وكان الوالد كثيرًا ما يردد هذه الوصية.

* ورشحه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - ثلاث مرات ليكون عضوًا في هيئة كبار العلماء فاعتذر؛ المرة الأولى منها في أول تشكيل لهيئة كبار العلماء.

* وقد دَرَّس في مسجد أبي بكر الصديق في الرياض (كتاب التوحيد) و(العقيدة الواسطية) وغيرهما وكان له حضور من الرجال والنساء.

* ولربما وعظ في المساجد في شبابه؛ وقد رأيته مرة وقد زرنا بلدة «تربة» في نواحي الطائف فقام ووعظ وتكلم عن الآخرة والحساب  والجزاء فبكى، وهي المرة الأولى التي رأيت والدي يبكي وكنت فيها صغيرًا.

* وتولى طوال أربعين سنة أو تزيد الخطابة في مسجد «أبا الكباش» الواقع في عالية بلدة الدرعية، وكان يصلي معه الجد - رحمه الله - وأصحاب المزارع المجاورة، ومن بينهم الشيخ الأديب عبد الله بن خميس وغيره، وكان مسجدًا قديمًا فهدمه وبناه بناءً حديثًا على حسابه الخاص. وأسماه مسجد عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.


 حياته العلمية ومؤلفاته

بعد أن أكرم الله - عز وجل - الوالد - رحمه الله - بتلقي العلم الموروث من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، منَّ عليه أخرى وأكرمه بأن جمع له - رحمه الله - نشر العلم والقيام بالدعوة بأكثر من وسيلة وطريقة، فقد درَّس في المساجد والمعاهد والكليات، وخطب ووعظ المصلين، كما أخرج العديد من المؤلفات التي نفع الله بها الإِسلام والمسلمين ومنها:

أولاً: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية.

ثانيًا: المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإِسلام.

ثالثًا: مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -

رابعًا: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية.

خامسًا: آل رسول الله وأولياؤه.

سادسًا: أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة.

سابعًا: شرح كتاب كشف الشبهات، من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم.

ثامنًا: شرح كتاب آداب المشي إلى الصلاة من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم.

تاسعًا: موضوعات صالحة للخطب والمواعظ.



مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية

(قدس الله روحه)

جمع وترتيب الفقير إلى الله

عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي

"رحمه الله"

وساعده ابنه محمد "وفقه الله"

المجلد الأول

كتاب

توحيد الألوهية


أولاً: (ترتيب مجموع وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية): حيث ساعد والده - رحمه الله - على إعداد وتجهيز هذا المجموع العظيم، وسافر معه إلى الشام والعراق ومصر وأوربا بحثًا عن ذلك التراث العظيم؛ وكانت البدايات حين عثر الجد - رحمه الله - على بعض الفتاوى أثناء جمعه لرسائل علماء نجد فواصل البحث في المكتبات القريبة والبعيدة بمساعدة الوالد (محمد) - رحمه الله - وقد تكبَّد في سبيل – جمعها من الشدة والمشقة ما يرجى له به جزيل البر والأجر عند الله، وقد رتبها وقسمها فنونًا وأبوابًا، وأضاف إليها المطبوع من الرسائل الصغيرة والفتاوى فبلغت خمسة وثلاثين مجلدًا احتوت على علم جم لا يقدر قدره، ثم عمل عليها الوالد -رحمه الله- فهرسًا مفصلاً كان كالتقريب لها ويقع في مجلدين ضخمين.

* وقد حوى «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» على العديد من كتب العقيدة والتوحيد، والفقه والأصول، والحديث والتفسير، وغيرها من العلوم الأخرى في (37) مجلدًا وهي:

- المجلد الأول: توحيد الألوهية، ويقع في (405) صفحات.

- المجلد الثاني: توحيد الربوبية، ويقع في (524) صفحة.

- المجلد الثالث: مجمل اعتقاد السلف، ويقع في (471) صفحة.

- المجلد الرابع: مفصل الاعتقاد، ويقع في (579) صفحة.

- المجلد الخامس: توحيد الأسماء والصفات، ويقع في (607) صفحات.

ـ المجلد السادس: توحيد الأسماء والصفات، ويقع في (627) صفحة.

ـ المجلد السابع: الإِيمان، ويقع في (708) صفحات.

ـ المجلد الثامن: القدر، ويقع في (572) صفحة.

ـ المجلد التاسع: المنطق، ويقع في (336) صفحة.

ـ المجلد العاشر: علم السلوك، ويقع في (793) صفحة.

ـ المجلد الحادي عشر: التصوف، ويقع في (728) صفحة.

ـ المجلد الثاني عشر: القرآن كلام الله، ويقع في (621) صفحة.

ـ المجلد الثالث عشر: مقدمة التفسير – ويقع في 445

ـ المجلد الرابع عشر: التفسير - من سورة الفاتحة إلى سورة الأعراف، ويقع في (521) صفحة.

ـ المجلد الخامس عشر: التفسير - من سورة الأعراف إلى سورة الزمر، ويقع في (470) صفحة.

ـ المجلد السادس عشر: التفسير - من سورة الزمر إلى سورة الإخلاص، ويقع في (620) صفحة.

ـ المجلد السابع عشر: التفسير - من سورة الإخلاص والمعوذتين، ويقع في (549) صفحة.

ـ المجلد الثامن عشر: الحديث، ويقع في (406) صفحات.

ـ المجلد التاسع عشر: أصول الفقه -الإتباع، ويقع في (328) صفحة.

ـ المجلد العشرون: أصول الفقه - التمذهب، ويقع في (614) صفحة.

ـ المجلد الواحد والعشرون: الفقه - الطهارة، ويقع في (670) صفحة.

ـ المجلد الثاني والعشرون: الفقه - الصلاة، ويقع في (656) صفحة.

ـ المجلد الثالث والعشرون: الفقه - من سجود السهو إلى صلاة أهل الأعذار، ويقع في (435) صفحة.

ـ المجلد الرابع والعشرون: الفقه - من صلاة أهل الأعذار إلى الزكاة، ويقع في (400) صفحة.

ـ المجلد الخامس والعشرون: الفقه - الزكاة والصوم، ويقع في (350) صفحة.

ـ المجلد السادس والعشرون: الفقه - الحج، ويقع في (325) صفحة.

ـ المجلد السابع والعشرون: الفقه - الزيارة، ويقع في (527) صفحة.

ـ المجلد الثامن والعشرون: الفقه - الجهاد، ويقع في (695) صفحة.

ـ المجلد التاسع والعشرون: الفقه - البيع، ويقع في (590) صفحة.

ـ المجلد الثلاثون: الصلح إلى الوقف، ويقع في (462) صفحة.

ـ المجلد الواحد والثلاثون: الوقف إلى النكاح، ويقع في (416) صفحة.

ـ المجلد الثاني والثلاثون: النكاح، ويقع في (393) صفحة.

ـ المجلد الثالث والثلاثون: الطلاق، ويقع في (263) صفحة.

ـ المجلد الرابع والثلاثون: الظهار إلى قتال أهل البغي، ويقع في (271) صفحة.


ـ المجلد الخامس والثلاثون: قتال أهل البغي إلى الإقرار، ويقع في (478) صفحة.

ـ المجلد السادس والثلاثون: الفهارس العامة والتقريب، ويقع في (468) صفحة.

ـ المجلد السابع والثلاثون: الفهارس العامة والتقريب، ويقع في (512) صفحة.

* وهذا المجموع العظيم الذي بلغ مجموع صفحاته (18.835) صفحة موزعة على (37) مجلدًا، أقرب من يتحدث عنه شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله - بقوله: «وعند المسلمين من العلوم الإِلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما قد ملأ العالم نورًا وهدى».

* وقد أمضى الجد والوالد - رحمهما الله - أكثر من ثلاثين عامًا في جمعه وترتيبه وطبعه. ولاقوا في جمعه من العناء والمشقة ما أحتسب أن يكون رفعة لهما وذخرًا. من ذلك المشقة والعنت في السفر والبحث عن المخطوطات، وترك الأهل والأبناء، مع قلة الزاد والرفيق، ثم في قراءة وفك خط شيخ الإِسلام حيث إنه - قدس الله روحه - كان سريع الكتابة، وكان خطه في غاية التعليق والإِغلاق وبعضها بدون نقط ولا تظهر حروفها، وقد أشكلت على تلميذه ابن الوردي فيدعو تلميذه أبا عبد الله بن رُشيق المغربي لحله.

* وكانت رداءة خط شيخ الإِسلام مدعاة إلى إهمال كتبه وعجز  الكثير عن قراءتها وفك رموزها يقول ابن عبد الهادي: «كان كثيرًا ما يقول: قد كتبت في كذا وكذا، ويُسأل عن الشئ فيقول: قد كتبتُ في هذا فلا يُدرَى أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه ويقول: رُدُّوا خطّي وأَظْهِروه لَيُنْقَلَ، فمن حرصهم عليه لا يردُّونه، من عجزهم لا ينقلونه، فيذهب، ولا يعرف اسمه».

* وكان لدى الوالد مجموعة من المخطوطات بخط شيخ الإسلام. رحمهما الله - منها قاعدة «في الاستحسان» ولم يستطع إدخالها في مجموع الفتاوى لاستغلاق خطها وصعوبة قراءته. وبعد حين حلها شيئًا فشيئًا حتى طبعها ضمن (المستدرك على مجموع الفتاوى).

* قال الوالد -رحمه الله- في بدايات الجمع: «عندما جمعنا بعض الفتاوى أخبر الأمير مساعد بن عبد الرحمن الملك فيصل فاستعد لطبعها، فما كان من الملك سعود إلا أن أرسل للوالد يطلبه في الناصرية -وكانت مقر حكمه- فقال -رحمه الله-: «عندكم محمد».

قال الوالد: فذهبت إلى الناصرية وقابلت يوسف ياسين - وزيرًا لدى الملك سعود - واتفقنا على طريقة التمويل والطبع، ولما استقرَّ الأمر أن تطبع في مطابع الرياض ذهبت للمطابع وقابلت مسئولها الشيخ حمد الجاسر ورفضت توقيع العقد معهم إلا بعد أن يتم توفير (حروف) جديدة للفتاوى (وكانت طريقة الصف تتم بتجميع الحروف مع بعضها ورصها). فرفض الشيخ حمد الجاسر، وقال الموجود من الحروف يكفي.


قال الوالد: «فلم أقبل بذلك، وانتهى الأمر إلى حل ذكرته له؛ وهو أن أذهب إلى ألمانيا لاستجلاب حروف خاصة بالفتاوى فوافق، وذهبت بنفسي إلى ألمانيا واشتريت الحروف؛ وما انتهت الفتاوى إلا والحروف قد تآكلت.

وطبعنا ثلاثين مجلدًا، منها عشرين مجلدًا في سنة واحدة، ثم لما حصل بين وزير المالية والمطابع إشكال قال الأمير مساعد بن عبد الرحمن: تطبع في مكة.

قال الوالد - رحمه الله -: «هذا محمد».

فذهبت إلى مكة وأتممن الخمسة مجلدات هناك؛ من المجلد الثلاثين إلى المجلد الخامس والثلاثين».

* ومع هذا الجهد والعنت والمشقة فإن الجد والوالد - رحمهما الله - لم يأخذا مقابلاً ماديًا ألبتة.

قال الوالد - رحمه الله: «ولم نكن نأخذ أي مبالغ، بل كانت أعمل عملي مدرسًا في المعهد العلمي بالرياض صباحًا، ثم في المساء في تصحيح الفتاوى دون أن أفرغ لها، وما كان يأتينا من أموال تذهب للصف والنسخ والتصوير والمقابلة وما شابهها.

حتى إن الشيخ محمد بن إبراهيم يعطينا المبالغ التي تقصر عن حجم العمل».

* وقد ذكر الشيخ يوسف المطلق أنه عمل ومعه بعض طلبة العلم على  نسخ الفتاوى، وكانت الصفحة بمبلغ معلوم لمن استمر. كما عمل معهم الشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ غيهب الغيهب والشيخ حماد الأنصاري وغيرهم في النسخ والمقابلة والتصحيح.

* قال الوالد - رحمه الله - في رحلته للجمع: «فرحت فرحًا عظيمًا عندما وجدت مخطوطات الفتاوى، ولم أفرح في حياتي مثل ذلك الفرح».

* وكان الوالد - رحمه الله - حريصًا على أن تطبع الفتاوى طبعة جيدة توازي الدرر المنثورة في متونها، فبذل قصارى جهده لاختيار أحسن المطابع وأجودها، وسافر بنفسه إلى ألمانيا لشراء حروف الصف.

* وقال مرة عن تصحيح الفتاوى: «كنت أصحح، وإذا أخذني التعب استلقيت على فراشي وعندها أصحح إلى ثلاث ملازم» الملزمة (16 صفحة).

* وعندما بدأ في عمل الفهارس وهي في مجلدين كبيرين، وتعتبر بحق أعظم موسوعة شاملة لهذا المجموع الضخم، قال الوالد: «لما تحدث بعض الناس عن طول مدة مكوثي في مكة وأن الفهارس طويلة لا لزوم لها.

أتيت إلى الرياض وذهبت إلى الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وقرأت عليه بعضًا مما كنت أعمله، فسر بذلك وفرح، وقال لي: أكمل ما بدأت».

* ومن دقة الوالد - رحمه الله - في الفهرسة أنه قال في المستدرك ما  نصه: «ثم بعد نهاية طبع الخمسة والثلاثين مجلدًا وضعت لها فهرسًا عامًا شاملاً مرتبًا على حسب الفنون وعلى ترتيب أبوابها وفصولها وعباراتها في مجلدين ضخمين. فما لم يكن في هذين المجلدين فليس موجودًا في الخمسة والثلاثين».

* قال الوالد -رحمه الله -: «ولكثرة أبحاث الفتاوى كان الفهرس في مجلدين([19]).

* ذكر أحد الأكاديميين المتخصصين في علم الفهرسة والمكتبات أن عمل الفهارس عظيم والجهد الذي بذل فيه كبير، ولا يظن أن يقوم به الآن رجل واحد. بل يحتاج إلى لجنة من العلماء تشمل جميع التخصصات العلمية لكي تتم فهرسته على نسق ما فعله الشيخ محمد - رحمه الله -.

* مجموع فتاوى شيخ الإسلام:

تتألف هذه المجموعة القيمة - أو هذا المجموع - من «فتاوى» - وهي الأكثر - ومن «كتب» و«رسائل» و«نقول» بلغ عدد مجلداتها «أربع وثلاثون مجلدًا» «قسم» منها مطبوع: عدد صفحاته (7000) تقريبًا و«قسم» لم يسبق له طبع؛ بل كان مخبوءًا في زوايا المكاتب العامة، أو الخاصة فالمخطوطات - التي لم يسبق لها طبع - أكثر من الثلث في هذا المجموع.

وإن كان في هذا المجموع المبارك أجزاء قد طبعت فيما سبق إلا أنها وقد أدخلت في الفتاوى كان لها تصحيح ومقابلة؛ وقد ذكر ذلك الشيخ  بكر أبو زيد عن مجموع فتاوى شيخ الإسلام: «وكان جهد الشيخين (أي الجد والوالد) فيما سبق طبعه لا يقل عن جهدهما فيما لم يسبق طبعه، لأنهما استحصلا على الأصول الخطية لها فقابلاها مع المطبوع فأصلحا ما وقع من غلط وتصحيف وسقط وفوت، وهكذا الكمال عزيز»([20]) .

الرحلة في جمع الفتاوى:

قال الوالد - رحمه الله - متحدثًا عن الشروع في الجمع - من نجد -:

بدأ فضيلة الوالد (أي -عبد الرحمن -) -رحمه الله- بارك الله في أوقاته، ونفع الإِسلام والمسلمين بمجاميعه ومؤلفاته، بدأ في جمعها في الوقت الذي ندرت فيه «حركة الجمع، والتأليف في نجد» أي: بعد سنة (1340هـ) أثناء تفتيشه عن «فتاوى علماء نجد» فوجد عند الشيخ «محمد بن عبد اللطيف» - رحمه الله -: نحو ثلاثة مجلدات - وهو أكثر من وجد عنده الفتاوى؛ وكان - رحمه الله تعالي - معتنيًا بمؤلفات شيخ الإِسلام وأئمة الدعوة، ومكتبته موجودة الآن - وبحث الوالد، وفتش: في «المخطوطات» الموجودة عند المشايخ، وطلاب العلم؛ كما سافر وراسل من قدر له الاتصال به في نجد. وكانت نجد، ولا زالت - بحمد الله - أسعد الأقاليم بالانتفاع بمؤلفات شيخ الإِسلام، وتداولها، وتدريسها.


في الحجاز:

ولما باشر تصحيح «فتاوى أئمة الدعوة النجديين» - في مكة المكرمة - فتش في المخطوطات الموجودة «بمكتبة الحرم المكي» فاستخرج منها عددًا من المسائل؛ كما تحصَّل على مسائل من بعض العلماء الأفاضل.

الشروع في الترتيب:

بعد أن جمع ما تيسر له من المخطوطات أشار عليه حضرة صاحب السماحة المفتي الأكبر للمملكة السعودية «الشيخ محمد بن إبراهيم» بأن يضم الموجود من المخطوطات إلى المطبوعات، ويرتب الجميع على حسب الفنون، وعلى ترتيب أبواب الكتب المتداولة بين العلماء والطلاب: لتسهل المراجعة، ولا سيما على من قل إلمامهم بمؤلفات هذا الإِمام.

سارع إلى قبول هذا الإِرشاد، وشرع في الترتيب وجعل «قسما في الفقه» مرتبًا على ترتيب «كتب المتأخرين» من فقهاء المذهب الحنبلي: كزاد المستقنع وشرحه «وقسمًا في أصول الدين» يشمل العقائد وما يتصل بها و«قسما في تفسير القرآن» و«قسما في المنطق» و«قسما في الحديث» وما وجد من المسائل مشتملا على بحثين في فنين فأكثر، أو في بابين من فن واحد - ينفصل أحدهما عن الآخر بدون إخلال بالمعنى - فصل أحدهما عن الثاني ونسخه في صحائف أو صحيفة مستقلة، وألحقه بموضعه المناسب له. فنسخ بيده مسائل كثيرة، واستنسخ بعضًا؛  فأصبح مجموع المخطوطات والمطبوعات بعد الترتيب نحوًا من عشرين مجلدًا؛ ثم كلما طبع شيء من الفتاوى ألحقه بها، واستفاد من هذا الجمع أن اطلع على ترجيحات «شيخ الإسلام» واستدلاله، وحكايته الإِجماع، والخلاف، وغير ذلك؛ فأضاف الوالد ذلك إلى مؤلفاته، فاكتسبت ميزة، وصبغة تحقيق بسبب عمله المبارك في هذا المجموع.

وسمع فضيلته - من بعض رواد المكاتب - بوجود مسائل لشيخ الإِسلام في «دار الكتب المصرية» فلذلك أجل طبعها؛ فتجمدت - ما شاء الله لها أن تتجمد - ثم عزم على السفر إلى مصر سنة (1365هـ) فلم يتيسر له.

الرحلة الأولى لجمع الفتاوى:

في سنة (1372هـ) سافر الوالد إلى «بيروت» للعلاج؛ ولما استكمل الفحوص الطبية، وأجرى بعض العمليات - التي لم تنجح - توجه إلى «مكتبة بيروت العمومية» - وكان حازمًا - فقد استصحب سابقًا من الفتاوى، وفهرسًا خاصًا بها - وكنت معه في سفره، ففتشنا فيها فلم نجِد مسائل لشيخ الإِسلام، ويذكر أن ما كان فيها من «المخطوطات» قد نقل لإِحدي الدول منذ زمن طويل؛ ثم فتش في «مكتبة الجامعة الأمريكية فلم يجد فيها شيئًا».

قصة جمع الفتاوى والكتب من الشام:

كان حضرة الوالد مستصحبًا ورقة تحمل أرقامًا لثلاث مسائل في «المكتبة الظاهرية» ذكرها له بعض من زار المكتبة من العلماء الفضلاء:  فأمرني بالسفر إلى «دمشق» لنسخها - مع ما كان يقاسي من شدة المرض ومواصلة العلاج - وصلت إلى دمشق، وشرعت في النسخ، وفي وقت اشتغالي بالنقل من «كتاب الكواكب الدراري» كنت أتصفح المجلد فأجد فيه مسائل، ونقولاً عن «شيخ الإِسلام» أستغربها، واستعذبها؛ ولا أعلم وجودها فيما جمع؛ فأخذت أتابع المطالعة والتصفح لجميع الموجود فيها من «الكواكب الدراري» - وهو بضع وأربعون مجلدًا - فإذا أنا أفاجأ بالمسائل الكثيرة النفيسة معًا، ففرحت فرحًا عظيمًا بالتوفيق للعثور على هذه الكنوز العلمية، وشجعني ذلك على الاستمرار في التصفح والتفتيش؛ وربما شككت في فقد بعض المسائل فأراجع فهرس المسائل التي جمع الوالد، وأضف ما تجدد إلى ما يشاء كله من الفتاوي في الفهرس، وأحتفظ بأرقام ما كان موجودًا: رجاء أن تتيسر - يومًا ما - مقابلة الموجود على هذه المخطوطات القديمة.

ثم تصفحت «المجاميع» وهي تزيد على (150) مجموعة. وقد اشتملت على مسائل ونبذٍ لا توجد في غيرها، وهي بخطوط قديمة؛ وفيها من خط شيخ الإِسلام بيده ما يزيد على (850) صحيفة.

ومن تلك المجاميع «مجموعة([21]) مسودة» كلها بخطه، لا يوجد شيء منها في المكاتب، ولا غيرها. عدد صفحاتها: (664). تشتمل أقل  صفحة منها على (20) سطرًا، ومتوسطها على (27)، وفيها ما يشتمل على (75). في كل سطر من عشرة كلمات - غالبًا - إلى عشرين. وكثير من صفحاتها محشي عليه بخط المؤلف أيضًا من بعض الجوانب، أو الجوانب الأربع. يتألف منها لو طبعت مفردة «أربعة مجلدات أو خمسة» فيها بياضات: بعضها مخل بالمعنى، وبعضها غير مخل. وقد جنى عليها المجلد بقصه ما زاد من الأوراق عن معظم صفحات الكتاب، فأسقط بذلك كثيرًا من الحواشي، وأواخر الأسطر، وأعلى الصفحات، وأسفلها. وقد حرص الناسخ على أن يذكرها كما هي.

تمتاز هذه «المجموعة» بغزارة المعاني، وندور بعض الأبحاث: عما في مؤلفاته الأخر؛ وتشتمل على كثير من فنون العلم، وهي أحسن خطه - رحمه الله -.

وفي بعض «المجاميع الأخر» صفحات من خطه بعضها متصل وبعضها دشت.

وبعد إكمال المجاميع تصفحت كل كتاب لم يذكر مؤلفه، أو له حاشية؛ فوجدت في ذلك عددًا غير قليل من المسائل. ثم فتشت «الدشوت» التي في المكتبة فتحصلت على مسائل ونواقص في بعض المسائل. كانت مدة التصفح والتفتيش ستة أشهر لما يقارب (900) مجلدًا من (12000) مجلد مخطوط.

مجموع ما فيها إجمالاً (580) صفحة من خط شيخ الإِسلام بيده  كما تقدم وأكثر من (353) ما بين فتوى ونبذة ونقل وكل هذا لم يطبع فيما قد طبع سابقًا من فتاويه ومؤلفاته؛ وآلاف الصفحات التي يستعان بها في التصحيح.

ما نقل من المكاتب الأهلية بدمشق:

لم أزل أتابع البحث والسؤال عن المكاتب الخاصة والتفتيش فيها فوجدت عند «الشيخ حسن الشطي» كتابين في الوقف - ضمن مجاميع لشيخ الإِسلام وغيره - وعند «محمد حمدي السفرجلاني» مسائل في التراويح والإِمامة وغيرهما - وهي قديمة الخط جدًّا - وعند «أحمد عبيد وإخوانه» مسائل. تم تصويرها؛ وهناك مكاتب أخر؛ لكن لا يوجد فيها ما له صلة بغرضنا.

في حلب وحماة:

في مكتبة الأوقاف بحلب مسائل صورتها، وكثير من مخطوطاتها لم يكن مفهرسًا في حين زيارتي لها. وليس في حماة شيء من ذلك.

في بغداد:

بعد أن تأكدت من الحصول على ما في الشام - وطن شيخ الإِسلام ومؤلفاته أحببت السفر إلى العراق لجمع الفتاوى من هذا القطر. فتحصلت بعد التفتيش على مسائل في «مكتبة الأوقاف» في بغداد اجتمع منها([22]) وفيها «الرسالة التدمرية» كاملة بخط نعمان الألوسي وقد  ألحقنا ما فيها من الزيادات بالمطبوعة، وفي مكتبة «الألوسيين» كتب، ورسائل «لشيخ الإِسلام» من جملتها «المجلد الرابع من الدرر المضية» وهو مختصر الفتاوى المصرية، عدد صفحاته (401) لا يوجد هذا المخطوط في الأقطار التي فتشنا فيها - مع أن ناسخه نجدي - ويشتمل على (473) مسألة في «الفقه» من كتاب الحج إلى الإقرار، وفتشت في «مكتبة المتحف العراقي» أياما، وعند جماعات من فضلاء بغداد.

وكنت قد أزمعت السفر إلى البصرة، ثم الكويت، ثم تركيا، لكن صحة الوالد كانت متأخرة جدًّا وقد أقام ثمانية أشهر في بيروت فاضطررت إلى الرجوع إليه ثم رجعنا إلى الوطن.

الرحلة الثانية إلى القاهرة وباريس:

كان مما أدخره الله لشيخ الإِسلام: من إبراز مكنون علمه في خزائن الكتب الخارجية، ومما خص الله به والدنا: من إكمال جمع الفتاوى على يديه، ومن ثواب الصبر: أن جعل بقاء المرض سببًا للسفر المفيد؛ فسافر إلى باريس عن طريق القاهرة، وصلنا القاهرة وقمنا بزيارة «دار الكتب المصرية» ثم تصفحنا ما فيها من المجاميع، وما فيها من «الكواكب الدراري» فتحصل من الجميع مجلد متوسط؛ لم يكن موجودًا عندنا.

في باريس:

بعد أن أجريت له عملية وتماثل للشفاء بحمد الله -عمدنا كعادتنا- إلى  «مكتبة باريس الوطنية» فتتبعنا ما فيها من الفهارس - المطبوعة باللغة العربية - للمخطوطات الموجودة في «باريس» و«لندن» و«برلين» و«فيينا» وبعض فهارس مخطوطات «تركيا» وغيرها. تتضمن تلك الفهارس (13) مسألة فصورت في تلك الرحلة وهي مما لم نعثر عليه في الأقطار العربية.

وفي عودتنا من باريس إلى القاهرة، فدمشق: أكملنا مطالعة فهرس «دار الكتب المصرية» وشرع الناسخ في نسخ المسائل، وصَوَّرْت ما في «الظاهرية» - مما خطه شيخ الإِسلام بيده - إلا أن بعض الصور غامضة، والكتاب قديم؛ لا يستطيع قراءته في زمان المؤلف إلا أخص تلاميذه، ولم يكن عندنا وقت للنسخ؛ ولا للمقابلة؛ إلا لبعض مسائل.

الرحلة الثالثة:

وفي سنة (1380هـ) أمر «جلالة الملك المعظم» - حفظه الله وأثابه - بطبع هذه الفتاوى، وأمر أيضًا أن يدفع من المبالغ ما تحتاج إليه هذه المجموعة لتجهيزها للطبع، وما يحتاج إليه التصحيح. فابتعثت إلى «بغداد» لشراء «المجلد الرابع من الدرر المضية» واستنساخ المسائل الموجودة في «مكتبة الأوقاف» وإلى «دمشق» للاتفاق مع نساخ مختصين - في نسخ المخطوطات القديمة - ليقوموا بنسخ المصورات من خطه - رحمة الله عليه - وتصوير جميع المخطوطات الموجودة في «المكتبة الظاهرية» لمقابلة المطبوعات، والمخطوطات عليها، وتصوير ما لم ينسخ سابقًا فصور ذلك كله وبلغ عدد «الأفلام» التي صورت فيها  المخطوطات أكثر من (10) أفلام. كل فيلم يتسع لألف ومائتي صفحة، كما وفقنا لتصوير كتابي الوقف الموجودين عند «الشطي»؛ ولم تنسخ مصورات خط شيخ الإِسلام في الشام، فقمت بمساعدة الناسخ على ما استصعب عليه؛ وأرجو أن لا يتعذر علينا شيء من خطه.

طريقتنا في التصحيح والفهرس:

كانت الأصول المخطوطة في الظاهرية هي معظم الأصول التي حصلنا عليها للمقابلة، وأقدمها، وأصحها، ويوجد ضمن ما جمعه الوالد من نجد والحجاز «نسخ خطية»، و«مطبوعات» قد طبعت على نسخ متعددة. فحصلت المقابلة على الأصول المذكورة، وهذه الأصول - من حيث الجملة - تبين كثيرًا من التصحيف الواقع في بعض المطبوعات، وبعض المخطوطات: الناشيء عن كثرة الاستنساخ أو جهالة بعض النساخ لبعض المعاني، أو لبعض الخطوط القديمة. كما تبين سقطا قليلاً في مواضع، وكثيرًا في مواضع أخر: ما بين كلمات، أو أحرف، أو أسطر، وأحيانًا صفحات، كما قد تبين زيادات من المؤلف على ما قد كتبه سابقًا.

وكنت أقوم بالتصحيح على هذه الأصول، ويتولى الوالد الإِشراف عليه؛ كما أن بعض المسائل قد قابله الوالد فيما سبق».


ثناء العلماء على مجموع الفتاوى:

يكفي هذا المجموع فخرًا وشرفًا أنه صدر من عالم فذ ملأ الدنيا علمًا ونورًا، نفع الله به في حياته وبعد مماته، ولا يزال هذا الخير جاريًاِ لأهل السنة والجماعة يرتوون من نبعه الصافي وعلمه الجم.

وحسبك أن الأئمة من بعده تلاميذ له كابن القيم وغيره، وأن طريقه سار عليه أئمة الدعوة السلفية في نجد وغيرها. فإذا ذكر هذا الرجل كان علمًا ورأسًا لأهل السنة والجماعة - قدس الله روحه -.

* قال سماحة الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقًا في مقدمة طبعة مجموع الفتاوى التي طبعت بأمر خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - تحت إشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين (... وبين أيدينا الآن هذه الموسوعة الضخمة من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية يعاد نشرها على نفقة جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية بعد أن تكاثر الطلب على هذه الفتاوى من علماء المسلمين في كل مكان. كما لمؤلفها - رحمه الله - من مكانة في نفوس الخاصة والعامة وما وفق له من فهم لكتاب الله - سبحانه وتعالى - واستنباط لدقائقه ومعرفة لناسخه ومنسوخه وحكمه ومتشابهه ومجمله ومبينه ومعرفة بسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وإدراك لعلوم الحديث حتى قيل: إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث. ولما اشتملت عليه هذه الفتاوى من علوم جمة وفوائد  نادرة كالرد على الملاحدة من القدرية والجهمية والفلاسفة وغيرهم وبيان عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة المسلمين، ولما اشتملت عليه من ذكر شيء من أصول الفقه وكثير من الأحكام الشرعية المحررة والمقتبسة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من العبادات والمعاملات وأحكام النكاح والطلاق.

وبالجملة إنًّ هذه  الموسوعة فريدة في بابها، عظيمة في علومها ونفعها، محتاج إليها كل مريد للحق على جليته...).

* وقد وجه سؤال للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، في فتاوى اللجنة (12/125 – 127) هذا نصه:

س: لقد شرعت قبل سنوات بقراءة فتاوى شيخ الإِسلام، ووصلت للمجلد (15)، وحاشا لمثلي أن ينتقد ذلك الجهبذ الحبر، لكن وجدت فيها كثرة إسهاب وتكرار، فهل أتركها وبماذا توجهون؟

ج: ننصحك بإكمال قراءة مجموع فتاوى الإِمام ابن تيمية -رحمه الله-، والصبر والاحتساب في ذلك، فهو كتاب عظيم القدر، جم الفوائد، كثير المسائل والمباحث المفيدة في حياة الإِنسان وآخرته، إذ هو موسوعة علمية شاملة لجميع العلوم، سواء في مجال العقيدة والتوحيد، أو الفقه وأصول الفقه، أو الحديث، والتفسير، وعلم الفلك، والمنطق والمناظرة، والملل والمذاهب، والطب، واللغة العربية، والجغرافيا، والتاريخ، وعلم النفس وغير ذلك كثير.

فهذا الكتاب عظيم الشأن، جليل القدر، أظهر الله به الحق وأزال به


كثيرًا من شبه المبطلين، وبدع المنحرفين عن الصراط المستقيم، فلقد قارع مؤلفه - رحمه الله - أهل الباطل بالحجج النقلية والعقلية، ورد عليهم من صميم مذهبهم، فكان أعلم بمذاهب أهل الباطل من أهل الباطل أنفسهم، حتى ألجمهم الحجة، وأزال الشبهة، ونصر مذهب السلف، فأبان حقيقة هذا الدين وعقائده، وموافقة العقل السليم للنقل الصحيح، كل ذلك مع حسن التصنيف وجودة العبارة، والتقسيم والتبيين، فمن قرأ هذا الكتاب العظيم خرج إن شاء الله بعقل سليم من الشبه والضلالات، وفكر نير سليم، ورأي سديد، وعلم غزير ينتفع به وينفع به.

وما يحصل من إسهاب أو تكرار في بعض مسائل هذا الكتاب فليس بعبث، وإنما لمصلحة رآها المؤلف - رحمه الله - ليعطي المسألة حقها من البحث والإِحاطة بجميع جوانبها بما لا يدع مجالاً لاعتراض معترض، أو تشكيك مشكك، وليخرج طالب العلم المبتدئ والعالم من ذلك بفائدة كبيرة، وقد يكون التكرار لكثرة السائلين، وقد يذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية المسألة في باب، ثم يكررها مفصلة، - أو مختصرة في باب آخر، لأن المقام يقتضي ذلك، فقد تكون المسألة علاقتها بالباب غير مباشرة، فيذكرها بإيجاز، ثم يذكرها بعد ذلك في موضعها مفصلة، لأن علاقتها به علاقة أصلية مباشرة».

* وأثنى عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بقوله: «.ومن  أجمع ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والدرر السنية في الفتاوى النجدية، جمع العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -»([23]) .

* وكان يقرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله - (فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية) في دروسه التي تقام في الجامع الكبير بالرياض([24]).

*وحث على قراءة «مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية» الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - في المنتقي من فتاوى الشيخ صالح فوزان([25]).

* ومن لطائف هذا المجموع العظيم وعِبره؛ ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -: «أن ابن مُرّي المتوفى بعد سنة 728هـ يكتب رسالة لتلاميذ شيخ الإِسلام، وقد ضمنها الوصية بكتب شيخ الإِسلام ونشرها، ثم قال. رحمه الله -: «ووالله - إن شاء الله - ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره، وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان غرائبه وعجائبه رجالاً هم إلى الآن في أصلاب آبائهم...» ([26]).

قال الشيخ بكر أبو زيد معلقًا: «وقد بَرَّت يمين ابن مُرِّي - بحمد الله ومنته - فقام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم المتوفى سنه 1392 هـ - رحمه الله تعالى - بمساعدة ابنه محمد المتوفى سنة 1421هـ - رحمه الله تعالى - بعد نحو ستة قرون بهذه المهمة الجليلة في: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية»([27]) .


* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - شيئًا من ذلك في مقدمة الفهارس في المجلد 36 صفحة ج حيث قال: «أحببت أن أقوم بعمل ما ليصل القارئ إلى بغيته في تلك المجلدات التي تتضمن قواعد نفيسة وأبحاثًا هامة، وفوائد قيمة. وأرجو أن أكون بهذا قد حققت شيئًا ما من رغبة المؤلف حيث قال بعد أن ذكر تفسير } قل يا أيها الكافرون { مفرقًا... «فتأمل هذه المعاني وتلخص وتهذب»([28]) .

* وقد كان لإِخراج هذا المجموع العظيم النفع الكبير والأثر الواضح، فقل أن تجد فتوىً لأهل الإِسلام إلا وزُينت بكلام لشيخ الإِسلام، ولا تجد نقلاً في أبواب العلم إلا ولشيخ الإِسلام قصب السبق، والمجموع كما قال عنه الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: «هذا كتاب عظيم القدر كثير الفائدة»([29]) .

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - في مقدمة المستدرك على الفتاوى ما نصه: «... ولا تزال عند العلماء والمفتين والقضاة والمتعلمين من أكبر المراجع وأوثقها».

* ولله در الباحث العالم الجليل بكر أبو زيد - حفظه الله - وهو يقول: «إن هذا المجموع المبارك «مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية» لابن قاسم هو غرة في جبين الدهر، زينة لأهل الإِسلام، لسان صدق  للعلماء، عمدة للباحثين، نفع الله به أقوامًا بعد آخرين، وقد انتشر في العالمين انتشار العافية، وكُتب له من القبول والانتشار ما يعز نظيره في جهود المتأخرين فالحمد لله رب العالمين»([30]) .

* وقد وصفه الشيخ عبد الله بن بسام في كتابه علماء نجد بقوله: «العمل الكبير الضخم النافع الذي قام به، ويستحق عليه الثناء العاطر، والدعاء الخالص»([31]) .

* قال الوالد - رحمه الله - عن هذا المجموع العظيم: «فلن يجد البحاثة المطلع «فتاوى» جمعت واستوعبت كل فن من الفنون الإِسلامية. العقائدية والتشريعية - ما جمعته فتاوى العالم الرباني شيخ الإِسلام ابن تيمية - طيب الله ثراه -.

ولن يجد فتاوى يزداد اتجاه أنظار العلماء إليها والبحث عنها والنهل من معينها يومًا بعد يوم ما لهذه الفتاوى، بل أعتقد أنها ستكون عمدة لكل مسلم في أنحاء العالم وأن كل من لم يحط بها علمًا سيفوته من الصواب بقدر ما جهل منها»([32]) .

* وصدق ظنه فالأمة ترجع إلى علمائها ومن أوثقهم وأكثرهم علمًا شيخ الإِسلام ابن تيمية، وقد وجدتُ في داخل وخارج المملكة أكثر من عشرين رسالة دكتوراه ومثلها رسائل ماجستير، أما في داخل المملكة  فيقارب من هذا العدد؛ وكلها قامت على تحقيق بعض أجزاء هذا المجموع العظيم، وبعض الرسائل شملت بعضًا من جزء واحد فقط ومنها:

1- رسالة الباحث: عبد الرشيد بن محمد أمين قاسم.

عنوان الرسالة: الإِجماعات الفقهية عند شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

2- رسالة الباحث: إبراهيم بن عبد الله بن صالح الدويش.

عنوان الرسالة: تخريج الأحاديث والآثار الواردة في مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية: المجلد الثاني والعشرين من بداية فصل «أما الأكل واللباس» (ص310) حتى نهاية فصل «وعد التسبيح بالأصابع سنة» (ص534).

مستوى الرسالة: دكتوراه.

3- رسالة الباحث: عادل بن محمد بن عبد العزيز السبيعي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية «تحقيق ودراسة وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في المجلد الثاني والعشرين» من أوله حتى آخر فصل «أما قيام الليل».

مستوى الرسالة: دكتوراه.

4- رسالة الباحث: حمد بن إبراهيم الشتوي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: «تحقيق ودراسة  وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في المجلد الرابع والعشرين من صفحة 344 إلى 363 نهاية باب صلاة الكسوف.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

5- رسالة الباحثة: شيخة بنت مفرج المفرج.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: «تحقيق ودراسة وتخريج الأحاديث والآثار الواردة في المجلد الثالث والعشرين من أوله إلى نهاية المسألة العاشرة من الفصل الرابع من باب صلاة التطوع.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

6- رسالة الباحث: عبد الله بن محمد بن عبد الحاكمي

عنوان الرسالة، فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، تخريج أحاديث وآثار مجلدات ثلاث، منطق وسلوك وتصوف.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

7- رسالة الباحثة: فوزية بنت رضا أمين خياط.

عنوان الرسالة: الأهداف التربوية السلوكية من خلال المجلد العاشر من مجموع فتاوى ابن تيمية.

مستوى الرسالة: ماجستير.

8- رسالة الباحث: مهدي بن محمد الحكمي.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار الواردة من أول الجزء الخامس عشر إلى نهاية الجزء السادس عشر.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

9- رسالة الباحث: عبد الله بن ظافر العمري.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار من أول الجزء الثاني عشر إلى نهاية الجزء الرابع عشر.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

10- رسالة الباحث: سليمان بن صالح بن عبد الله الخليوي.

عنوان الرسالة: من اختيارات شيخ الإِسلام ابن تيمية في فتاوى الطهارة والصلاة: دراسة مقارنة.

مستوى الرسالة: ماجستير.

11- رسالة الباحث: سعد بن عبد العزيز بن سعد الزيد.

عنوان الرسالة: تخريج الأحاديث والآثار الواردة في مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية من أول المجلد السابع عشر إلى صفحة (396) فصل: وقد احتج بـ (سورة الإِخلاص).

مستوى الرسالة: دكتوراه.

12- رسالة الباحث: إِسماعيل بن حسن محمد علوان.

عنوان الرسالة: القواعد الخمس الكبرى وما يتعلق بها في مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية: جمع ودراسة.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

13- رسالة الباحث: بسام بن عبد الله صالح الغانم.

عنوان الرسالة: فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية: تخريج الأحاديث والآثار من بداية كتاب الجنائز في المجلد الرابع والعشرين إلى نهاية  مسألة الاقتصاد في الأعمال من كتاب الصوم في المجلد الخامس والعشرين: تحقيق ودراسة.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

14- رسالة الباحث: محمد بن عبد الرحمن العريفي.

عنوان الرسالة: آراء شيخ الإِسلام ابن تيمية في الفرق الصوفية، جمع وعرض ودراسة.

مستوى الرسالة: دكتوراه.

* وقد طبع هذا المجموع المبارك - أعني مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية - ولله الحمد مرات عديدة، المرة الأولى في عهد الملك سعود - رحمه الله - سنة 1381هـ بمطابع الرياض، وطبع منها ثلاثون مجلدًا، وطبعت السبعة الباقية في مطبعة الحكومة عام 1386هـ، وطبعت بأمر الملك خالد - رحمه الله - بمكتبة المعارف بالمغرب حينما زار العلماء هناك وطلبوا منه هذا المجموع، وطبعت بأمر الملك فهد - وفقه الله - بإشراف رئاسة شئون الحرمين عام 1404هـ، وهي تطبع الآن ضمن مطبوعات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية.

* وكانت النية متجهة إلى ترجمة هذا السفر العظيم إلى لغات أخرى غير العربية ولكن ضخامة المؤلفات وكثرة الفتاوى تحول دون ذلك.

ومنها ترجمة ثمانية مجلدات إلى اللغة التركية وقد توقف المترجم لعدم حصوله على من يُمول هذا المشروع([33]).

* ومن شدة محبة الجد - رحمه الله تعالى - لهذه الفتاوى العظيمة أورد كلمات عظيمة في حاشية مقدمته للمجموع قال فيها: «وأعيذ بالله من قد يتولاه أن يحشي عليه فهو ذهب مصفى، حققه من قد علمت نزرًا من مزايا فضله، فهو غني عن زعم تحقيق بعض العصريين الذين لم يبلغوا شأوه وغنيى عن عنونتهم وغيرها أثناء كلامه، وعن تعليقاتهم: فلبعضهم من الاعتراضات والسقطات ما يعرفه الناقد البصير».

وقد وقع بعض ما كان يخشى - رحمه الله - فخرجت طبعات يدعي أصحابها تحقيق وتخريج أحاديث هذا المجموع، فكان أن صدر الأمر الملكي الكريم بتفويض رئاسة البحوث العلمية والإِفتاء حق طباعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، والخبر نشر في جريدة الرياض في عددها رقم (11108) نقلاً عن وكالة الأنباء السعودية: «صدر الأمر السامي رقم 402/م وتاريخ 7/6/1419هـ بشأن مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية المطبوع في سبعة وثلاثين مجلدًا متضمنًا ما يلي: تفويض حثق طباعة هذا الكتاب لرئاسة إدارة البحوث العلمية والإِفتاء، ومنع التعرض لهذا الكتاب بطبع أو اختصار أو إضافة أو غير ذلك، وعدم دخول أي نسخة من هذه الأنواع وتسويقها في المملكة وإن من يتصرف فيها بدون إذن مسبق من رئاسة إدارة البحوث العلمية والإِفتاء يطبق بحقه ما تقتضي به التعليمات المتبعة أن لا يتم أي إجراء حول هذا الكتاب إلا بعد صدور قرار به من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء.

وعدت اللجنة الدائمة للبحوث والإِفتاء صدور الأمر السامي بهذا الشأن مأثرة من سلسلة مآثر حكومة المملكة العربية السعودية في محيط العلم وحماية هذا المجموع المبارك من امتداد الأيدي العابثة إليه».


المسـتدرك

عــلى

مجموع فتاوى

شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية

ـ قدس الله روحه ـ

المجلد الأول

العقائد – إلى التفسير

جمعه ورتبه وطبعه على نفقته

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم


ثانيًا: المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية:

لا شك أن من أبحر في مؤلفات شيخ الإِسلام - رحمه الله - سنوات طويلة لا بد أن يعاوده الحنين إلى هذه الثروة العظيمة؛ وقد يقع في يده بعد الطبع أجزاء لم تلحق أو لم تستوف حقها من القراءة وهذا ما جرى للوالد،  فقد أضاف - رحمه الله - (خمسة مجلدات) على مجموع فتاوى شيخ الإِسلام وأسماها «المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإِسلام» جمعه في أكثر من اثني عشر عامًا. ها هو - رحمه الله - يقول مُعرفًا بالمستدرك:

«ثم بعد أن جمعت فتاوى ورسائل مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها والشئون الإِسلامية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بأمر جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - وطبعت في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة عام تسعة وتسعين وثلاثمائة وألف بأمره في ثلاثة عشر مجلدًا وانتشرت، وانتفع الناس بها([34]) فكرت في البحث عن شيء «ما» لشيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية - قدس الله روحه -، فتذكرت أني حين سافرت إلى بغداد للبحث عن فتاوى شيخ الإسلام عثرت على مجلد من «الدرر المضية، من الفتاوى المصرية» وعدد مجلداتها ستة فيما ذكره ابن القيم - رحمه الله - ويقول العليمي سبعة([35])، وتبين أن الخمسة الباقية مفقودة رأيت بعد ذلك أن أرجع إلى مختصر  هذه الفتاوى الذي اختصره بدر الدين محمد بن علي بن محمد البعلي الحنبلي المتوفى سنة 777 أو 778هـ وطبع في مطبعة أنصار السنة بمصر في عام 1368هـ لأجمع منها ما ليس في الجزء الأول الذي أدخلته في مجموع الفتاوى السابق، فوجدت فيه فتاوى كثيرة ليست في المجموع الأول، بلغ عددها سبعًا وخمسين ومائتي مسألة، قليل منها موجود في المجموع السابق، لكن في هذا مع زيادة.

* ثم بدا لي أن أنظر في «الاختيارات الفقهية لشيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية» التي جمعها ورتبها علاء الدين علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي المتوفى سنة (803هـ) مع زيادات من فوائد على المجموع، والتي قال عنها الناشر: «هذه خلاصة الفتاوى وزبدتها».

وأثنى عليها وعلى كل اختياراته ابن القيم فقال: «إنها لا تقصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب وشيخهما أبي يعلى إن لم ترجح عليها» فتحصل منها مما ليس في مجموع الفتاوى سبع وثلاثون وستمائة، منها ما فيه زيادة أو زيادات كما تقدم.

* ثم تتبعت مؤلفات تلاميذه - رحمهم الله - ومن نقل عنه؛ فتذكرت أني قرأت مؤلفات ابن القيم كلها في أول عهدي بطلب العلم وجدت فيها نقولاً كثيرة عن شيخه شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمهما الله -، وابن القيم هو أخص تلاميذه، والذي لازمه ملازمة تامة ما يقرب من ست عشرة سنة ونهل من فيض علمه الواسع. وهذه النقول لم تدخل في  المجموع السابق فبدأت بمراجعتها وهي أربعة وعشرون كتابًا([36]) فاجتمع لديَّ منها ست وعشرون ومائة مسألة.

* ومن بين كتب تلاميذه «الفروع» لمحمد بن مفلح بن مفرج المقدسي المتوفى (763) وعدد مجلداته ستة راجعتها فخرجت بثلاث وتسعين ومائتي مسألة. وهذا الكتاب ومؤلفه موضع التقدير من شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، قال عنه ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإِمام أحمد من ابن مفلح حضر عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ونقل عنه كثيرًا، وكان يقول: ما أنت ابن مفلح؛ بل أنت مفلح([37]). وقد تحصل منها ثلاث وستون ومائتا مسألة.

* ومن بين الكتب التي راجعتها «كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» تأليف علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت885هـ) وعدد مجلداته اثنا عشر فظفرت منه بتسع وعشرين وثلاثمائة مسألة. وقد قال مؤلف هذا الكتاب: إن علاء الدين البعلي جامع اختيارات شيخ الإِسلام لم يستوفها كلها. فاستدرك ما فاته، كما أنه نقل عن جملة من كتب شيخ الإِسلام وفتاويه ومنها حاشيته على المحرر، والفتاوى المصرية([38]). وجميع ما وجدته في الإِنصاف تسعة  وعشرون وثلاثمائة.

* ومن بين ما رجعت إليه «مُسَوَّدة آل تيمية» وقد اجتمع لي مما يخص شيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية من هذه المسودة اثنتان وثمانون ومائتا مسألة. ولم أقتبس من فتاوى والده وجده إلا ما رجحه هو أو تعقبه. لم أقتبس مما أضافه جامع الفتاوى أي شيء.

* ومنها «الآداب الشرعية» لابن مفلح وقد اقتبست منه إحدى وثمانين مسألة وعدد مجلداته ثلاثة.

* ولم أعثر في «شرح الزركشي على مختصر الخرقي» إلا على خمس عشرة مسألة، في مجلداته التي حققها فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.

* وقد ضم هذا المستدرك مجموعة من الرسائل بخط مؤلفها عددها «اثنتا عشرة» تقع في ثلاثين صفحة كنت حصلت عليها حين جمعي للفتاوى التي في المكتبة الظاهرية بدمشق عام (1372هـ) لكن لم أتمكن في ذلك الوقت من قراءتها ونسخها على الوجه الصحيح الذي تبرأ الذمة بنقله، لكني عدت إليها بعد ذلك للقراءة المتأنية وقابلت بعض نصوصها على نظيره في بعض المراجع الأخرى، ومع ذلك لم تُخلُ من فراغات، لكنها لا تخلُّ بالسياق العام.

وما عدا ذلك مما لم أسمه هنا فقد ذكرت مرجعه عند نقله في موضعه.

* وقد بلغ مجموع المسائل التي ضمها هذا المستدرك أكثر من ألفي مسألة، منها نحو المائتين لها أصل في المجموع الأول لكنها تختلف عن أصولها: بزيادة أو إيضاح، أو تعقب، أو جمع لبعض المسائل المتشابهة. أو تعريفات.

* هذا وقد ضمنت هذا المستدرك مقتطفات تدل على فضل الشيخ وكرم أخلاقه، رحمه الله رحمة واسعة».


طريقتي:

طريقتي التي وصلت بها إلى أن فتاوى المستدرك ليست في المجموع الأول:

1- أني عرضت الفتاوى الجديدة على فهارس الفتاوى السابقة فما لم أجده في الفهارس العامة «المجلدين» عرفت أنه ليس موجودًا في المجموع السابق.

2- ولمزيد من التأكد أرجع إلى مظنة المسألة حتى يثبت لي وجودها أو عدمه، أو أن في الأخير زيادة، أم لا. اهـ.

رحمه الله وأجزل مثوبته فقد تتبع آلافًا من الصفحات ومئات من المخطوطات حتى خرج بهذا المستدرك المبارك.

* ويقع المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإِسلام في خمسة مجلدات هي:

الأول: يشمل العقائد - الحديث؛ ويقع في مجلد عدد صفحاته (238) صفحة مع الفهرس.

الثاني: أصول الفقه؛ ويقع في مجلد عدد صفحاته (303) صفحات مع الفهرس.

الثالث: الطهارة - الجهاد؛ ويقع في مجلد عدد صفحاته (271) صفحة مع الفهرس.

الرابع: البيع - الخلع ويقع في مجلد عدد صفحاته (240) صفحة مع الفهرس.

الخامس: الطلاق - علوم؛ ويقع في مجلد عدد صفحاته (256) صفحة مع الفهرس.

* وقد قال الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - عن المستدرك: «ثم إن الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله تعالى - استدرك عليه (أي على مجموع الفتاوى) كتابًا باسم (المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) في خمسة أجزاء يحوي عشر رسائل لم تطبع من قبل منها: «قاعدة في الاستحسان» لشيخ الإِسلام - رحمه الله تعالى - والتقاط ما وقع له من اختياراته وكلامه في كتب ابن القيم، والشيخ ابن مفلح والمرداوي...» ([39]).


دعاء ختم القرآن:

سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - عن دعاء ختم القرآن...

فأجاب:

«الصواب أنه مشروع وعليه درج أهل العلم من عهد الصحابة إلى وقتنا هذا، وقد كان أنس - رضي الله عنه - يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو. فالحاصل أن دعاء ختم القرآن مستحب، وعليه درج سلف الأمة وأتباعهم بإحسان.

ولا فرق بين فعله داخل أو خارج الصلاة؛ فإذا دعا الإِمام عند ختم القرآن في صلاة التراويح أو في القيام في العشر الأواخر فكله لا بأس به، والصواب أنه لا حرج في ذلك إن شاء الله»([40]) .

* وقد أشكل على بعض العلماء إدخال الوالد - رحمه الله - دعاء ختم القرآن في «المستدرك على الفتاوي» وذكر ذلك الشيخ بكر أبو زيد في (المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال) فقال: «دعاء ختم القرآن المشهور بين الناس اليوم: ذكره الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله تعالى - في وصية له كما نبهت على ذلك في أول رسالتي «مرويات دعاء ختم القرآن» ولهذا فيستغرب إدخال ابنه الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - له في المستدرك 3/108 – 111».

وقد سألت الوالد - رحمه الله - قبل سنوات عن دعاء ختم القرآن. فقال: «صدر الدعاء الظاهر أنه لشيخ الإِسلام لجزالة عباراته وقوة ألفاظه، وإن تنزلنا فهو لابن القيم، ولكن لم نجزم أنه من كلامه. ولهذا لم نضعه في المجموع».

ولما راجع الوالد - رحمه الله تعالى - مجموعة من المخطوطات التي لديه منها «قاعدة في الاستحسان» وجد دعاء ختم القرآن فضمها إلى المستدرك على الفتاوى.

وقد ذكر ذلك بقوله: «ولم أتمكن في ذلك الوقت من قراءتها ونسخها على الوجه الصحيح الذي تبرأ به الذمة بنقله، لكني عدت إليها بعد ذلك للقراءة المتأنية..».

* ومن تعسر قراءة خط شيخ الإِسلام ما ذكره الشيخ العلامة حماد الأنصاري - رحمه الله - صاحب المكتبة المشهورة والمحقق المعروف وصاحب المخطوطات الكثيرة قال: «اجتمعنا مرة مع الشيخ ابن قاسم (يعني الجد) ونحن أربعون رجلاً في مكان اسمه المُغيدر (مزرعة الجد) وهو قرب الرياض فأخذنا بعض فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية نقرأ فيها وكانت بخط شيخ الإِسلام، فما استطعنا مواصلة القراءة بسبب صعوبة قراءة خطه، وأخذنا على ذلك أربعة أيام نحاول قراءته»([41]) .

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله - مرة: أنه تعلم قراءة المخطوطات في الشام!

* وكان العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني رفيقًا للوالد والجد - رحمهم الله جميعًا - في مكتبة الظاهرية.

* ويذكر الوالد أنهم ربما خرجوا من المكتبة فوجدوا - دراجة - الشيخ الألباني عند باب المكتبة. ومعنى ذلك أنه لا يزال فيها لم يخرج بعد.

* واطلعت على كتيب لطيف يقع في (22) صفحة بعنوان رسالة شمس الدين ابن قيم الجوزية في بيان مؤلفات شيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية طبعها الوالد في 8/ شعبان/ 1373هـ في مطبعة النسر بدمشق.



طول الصبر:

وقفات مع رحلة البحث عن المستدرك ذكرها الأخ معاوية بن أحمد محمد وهو من يعتني بالكتب ويقرأها قال:

إن مما يلمسه القارئ في هذا الجهد العظيم الذي بذله العلامة عبد  الرحمن بن قاسم وابنه العلامة محمد - رحمهم الله - يعلم عظيم ما احتسباه وكانت العاقبة الحسنة في القبول الذي وضعه لعملهما. وإذا كان البعض قد دعا أن تُجيز لائحة الدراسات العليا في بعض الجامعات الإِسلامية بعض رسائل الماجستير التي تميزت بالجد والأصالة والإِبداع وعمق البحث والتوثيق العلمي، تحويلها إلى رسالة دكتوراه كما في لوائح بعض الجامعات الغربية، فإننا نرى أن عمل شيخنا يستحق من الدرجات العلمية أعلاها، ولقد بذل من المجهود ما تعجز عنه لجان علمية، ولكنها بركة العمر، وقلب طرفك بتفكر فيما سطره العلامة محمد - رحمه الله - حين قدم لمجموع فتاوى شيخ الإِسلام - رحمه الله - تجد دروسًا عظيمة في عملهم هذا منها:

1- رغم الرحلة الشاقة - والتي أشبه برحلات أهل الحديث - والتي عانى فيها والده ما عانى من مرض لم يشكُ ذلك لأحد، وفي ذلك رسالة لطلاب البحث العلمي الذين ما يفرغ أحدهم من بحثه ويمثل بين لجنة المناقشة إلا ويختم قبل حمد الله بقوله (ولقد تكبد من الصعاب ما الله به عليم) وهذا ما لم نقرأه في عمل آل قاسم - رحمهم الله -.


2- الهمة العالية، وطول النفس في تصفح المخطوطات ونسخها حتى إن بعض المخطوطات كما قال لا يستطيع قراءته في زمان المؤلف إلا أخص تلاميذه. ويصدق عليه لقب «الباحث الحقيقي» في من جلستم في حُجر بُردت صيفًا، وأدفئت شتاءً، ونسختم الكتب في سويعات، ولم تمسكوا لها قلمًا انظروا واعتبروا.

3- التأني وعدم الاستعجال ويبدو ذلك صريحًا حين امتنع والده عن إخراج المجموع في بداياته معتذرًا للملك سعود - رحمه الله - بأن في مصر مسائل لم يتيسر الحصول عليها.

ثم جاء هذا المستدرك وترجع النظر كرة أخرى في الهمة العالية حين تطلع قوله (... فتذكرت أني قرأت مؤلفات ابن القيم كلها في أول عهدي بطلب العلم) فأنعم به من عهد.

ومما راجعه لأجل كتابه المستدر كتاب (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف) للمرداوي الحنبلي وعدد مجلداته اثنا عشر مجلدًا. وإن تعجب فعجب من دقته وتحريه (لم أتمكن من قراءتها ونسخها على الوجه الصحيح الذي تبرأ الذمة بنقلها، لكني عدت إليها بعد ذلك للقراءة المتأنية).

في بطون الكتب:

إن الكنوز التي بين أيدينا عبارة عن حصيلة رحلة في أعماق بحور تتفاوت حجمًا وعمقًا استغرقت وقتًا كبيرًا من حياة المؤلف - سقاه الله من الكوثر شربة لا يظمأ بعدها - وإليك البحور التي غاصها من أجل هذه  الدرر في المستدرك:

1- مؤلفات ابن القيم وعددها أربعة وعشرون كتابًا تتفاوت في الأجزاء، ذكرها بنصها في ص232 من ج5 راجعها جميعًا، ولا نكون مبالغين إن قلنا: لعله يكون رجع إلى أصولها وهو من عرف بالتحري، وقد حصل منها على 26 مسألة.

2- كتاب (الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف) للعلامة علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي المتوفى عام 885هـ وعدد مجلداته اثنا عشر مجلدا وقد صادت شباكه من هذا البحر 329 مسألة.

3- كتاب (الآداب الشرعية) لابن مفلح - رحمه الله - وعدد مجلداته ثلاثة وخلص منه بـ 81 مسألة.

4- شرح الزركشي على مختصر الخرقي وهو من تحقيق رفيقه في رحلة الطلب العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين - حفظه الله - وعدد مجلداته سبعة مجلدات وكانت الحصيلة منها 15 مسألة.

5- رسائل بخط مؤلفها عددها اثنتا عشرة تقع في ثلاثين صفحة قابل نصوصها على نظيرها في المراجع الأخرى.

وقد بلغ عدد المسائل التي ضمها هذا المستدرك أكثر من 2000 مسألة، منها 200 مسألة لها أصل في المجموع الأول للنها تختلف عن أصولها: بزيادة، أو إيضاح، أو تعقب، أو جمع لبعض المسائل المتشابهة. أو تعريفات.

حتى تبرأ الذمة:

وقبل أن يقدم لنا المؤلف - رحمه الله - هذا المجهود ولمزيد من التأكد من أن فتاوى المستدرك ليست في المجموع قام - رحمه الله - بعرضها على فهارس الفتاوى فما لم يجده عرف أنه ليس موجودًا في المجموع.

كما أنه ولمزيد من التأكد رجع إلى مظنة المسألة حتى يثبت وجودها أو عدمها، أو أن في الأخير زيادة أم لا.


فتاوى ورسائل

سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

مفتي المملكة ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية

طيب الله ثراه

جمع وترتيب وتحقيق

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

وفقه الله ثالثًا: مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله:

* درس الوالد - رحمه الله - على سماحة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - أكثر من خمسة وعشرين عامًا. ابتداء من عام 1357هـ وحتى عام 1381هـ لازمه فيها ملازمة تامة منذ حداثة سنه وهو لم يتجاوز بعد اثنا عشر عامًا، وكان يكتب ما يقول في دروسه.

* ومن وفائه - رحمه الله - لشيخه ومعرفة قدره ومكانته أخرج رسائله وفتاواه في ثلاثة عشر مجلدًا بأمر من الملك فيصل - رحمه الله -.

قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: «وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ؛ عرف قدر إحسانه إليه وشكره»([42]) .

وقال الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - وهو يتحدث عن الوالد:

«... وكان به برَّا - يعني الشيخ محمد بن إبراهيم - فاعتنى بعلمه وفتاويه فنشرها للناس في 13 مجلدًا فجزاه الله خيرًا ورحمة..» ([43]).

* وكانت الفتاوى تطبع في مكة مما يجعله يقيم فيها ويسافر منها إلى الرياض كل أسبوع وأحيانًا كل أسبوعين عن طريق البر ليجتمع بأبنائه وأقاربه في الرياض، ولم يأخذ انتدابًا على هذا العمل، وكل ما يتقاضاه راتبه الشهري فحسب، بل أُعطي حصصًا دراسية ليقوم بتدريسها في  المعهد العلمي بمكة فوافق رغبة في إتمام هذا المجموع!. واستمر على هذا الجهد والعناء والمشقة سنوات طويلة حتى طبع هذا المجموع ونفع الله به، وأصبح مرجعًا للعلماء والقضاة وطلبة العلم. ويوجد له فهرس في مجلد لم يطبع بعد.

* ومن نباهة الوالد رغم صغر سنه في بداية طلبه للعلم أنه يقيد كلام الشيخ محمد بن إبراهيم تقييدًا كاملاً ولا يكتفي بالكتابة لمرة واحدة على شرح واحد، بل كلما حضر شرح كتاب سجله على دفاتره، حتى إنه سجل شرح كشف الشبهات ست مرات! وحسبك بذلك فطنة ونباهة، ثم من توفيق الله - عز وجل - أن الوالد - رحمه الله - حفظ هذه الدفاتر أكثر من خمسين عامًا حتى بدأ في إخراج تلك الشروح العظيمة.

وقد جعل منها في فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم أكثر من (1800) تقرير.

* وقد أوقف مرتبه أحد عشر شهرًا لمطالبة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية برجوعه مدرسًا، وهو مفرغ من قبل الملك فيصل - رحمه الله - مباشرة وذلك لطباعة الفتاوى، فما وهن وما تراجع مع أن مورده المالي هذا المرتب فحسب - رحمه الله -.

* ومن المناسب ذكر مقتطفات من مقدمته لهذا المجموع العظيم حيث قال:


«أما بعد: فهذه مجموعة من الفتاوى أزفها إلى المجتمع الإِسلامي في جميع أنحاء هذه المعمورة بعد جهد طويل وعمل متتابع كان دافعي الوحيد إلى الصبر عليه علمي الأكيد بحاجة المسلمين إلى هذه الفتاوى نظرًا لأنها صدرت عن شخصية لها مكانتها بين المسلمين، لما كان يتصف به صاحبها من سعة في العلم وحدة في الذكاء، ولما كان يتقلب فيه من أعمال كلها تشرف من قرب على مصالح المسلمين في الداخل، ومع ذلك فقد عني من خلال تلك الأعمال بمصالح المسلمين خارج هذا الوطن، فكانت الأسئلة تتوارد عليه بكل ما يعن لهم من مشكلات وما يهمهم من شئون.

لذلك حرصت كل الحرص على أن تكون جامعة ففتشت كل المظان التي يتوقع أن تكون حفظت فيها هذه الفتاوى، حتى إني جمعت بعضًا منها من أيدي الناس الذين وصل إليه ما لم أجده في المظان التي عنيت بها.

على أني أعترف بالفضل لذويه فإن هذه الفتاوى قد لا ترى النور لو لم يأمرني جلالة الملك (فيصل بن عبد العزيز آل سعود - رحمه الله -) بإعدادها وتكليف الجهات الرسمية بتمكيني مما عندها وطباعتها على حساب هذه الدولة. فقد صدر أمره الكريم المرقم 18302 – 3 – س في 3 – 10 – 1390هـ لمعالي وزير المالية والاقتصاد الوطني بما نصه:

(نفيدكم بموافقتنا على طبع هذه الفتاوى وأن يتولى الشيخ محمد بن قاسم عملية الإِعداد والتصحيح - لا سيما وأنه يشرف على بعض الكتب  الدينية التي تقوم مطبعة الحكومة بمكة بطبعها، على أن لا يترتب على ذلك أي مصاريف، وعلى أن تتم إعارة الشيخ ابن قاسم من المعهد العلمي بمكة إلى أن ينتهي من هذا العمل. فأكملوا ما يلزم بموجبه).

التوقيع الملكي

(فيصل)

رئيس مجلس الوزراء


مصادر الفتاوى والرسائل:

أمضى الوالد - رحمه الله - سنوات طويلة من عام 1392هـ إلى عام 1397هـ في جمع هذه الفتاوى. ثم في مراجعتها وطباعتها حتى 8/1/1405هـ وقد أوضح - رحمه الله - طريقته في الجمع ومن أين استقى هذا المجموع المبارك فيقول - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -:

* جمعتُ هذه المجموعة الضخمة من تسع جهات:

1- تقارير كنت أكتبها عن سماحته في حلقات الدراسة منذ عام 1357 حتى عام 1381هـ وقد كنت كثير الاهتمام بذلك، حتى إني بيضت كثيرًا منها عام 1375هـ وهذه التقارير تكون النسبة الكبرى من هذا المجموع حتى إنها بلغت (1800).

2- دار الإِفتاء وقد اطلعت فيها على مائة وأربعة وثلاثين ملفًا (134) ابتدأت في ذلك في رمضان 1392هـ وفرغت منه في ذي القعدة 1392هـ واستخلصت منها (1600) فتوى.

3- رئاسة القضاة سابقًا (وزارة العدل حاليًا) وقد اطلعت فيها على (488) ملفًا (ملفات القضايا) و(700) ملف في الأرشيف العام.

4- المكتب الخاص لسماحة المفتي، وقد اطلعت فيه على (140) ملفًا ونظرًا إلى أنه قد نقل إلى وزارة العدل والمكتب الخاص في 3 – 11 – 1392هـ وقد استخلصت من وزارة العدل (627) فتوى ومن المكتب الخاص (308) فتوى.

5- الديوان الملكي - الشئون الداخلية - وقد وردنا منهم (8) فتاوى.

6- ديوان رئاسة مجلس الوزراء وقد وردنا منه (10) فتاوى.

7- مكتبة سماحته وقد حصلت منها على فتاوى مطولة: (الجواب الواضح المستقيم) في جواز نقل مقام إبراهيم و(نصيحة الإِخوان) في بيان ما في نقض المباني لابن حمدان و(تحذير الناسك) عما أحدثه ابن محمود في المناسك، ورسالة حول منع تعجيل ذبح الهدي قبل يوم النحر.

8- ما جمعته من أيدي بعض طلاب العلم وليس بالكثير، حيث بلغ (60) ما بين رسالة وفتوى، وقد نسبت سند كل فتوى إلى مقدمها.

9- (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) وقد استخرجت منها (26) فتوى بعضها له وحده وبعضها له بالاشتراك مع غيره».


منهج الوالد في الكتاب:

* بدأ الوالد - رحمه الله - بمقابلة الفتاوى بعضها على بعض فاستبعد المتكرر حرفيًا، وهذا كثير فيما صدر من دار الإِفتاء ثم من رئاسة القضاة.

* ثم استبعد بعض الفتاوى المختصرة لوجود محتواها في أخرى أطول منها وأكثر تفصيلاً.

* ثم لخص بعض الفتاوى المطولة التي تكون الفائدة في جزء منها.

* وقد استبعد ذكر أسماء الأشخاص إذا وردت في مقام لا يحمد.

* كما أنه - رحمه الله - إذا احتوت الفتوى أو التقرير على مسائل في فنون مختلفة أبو أبواب في الفن الواحد وضعت كل مسألة في مكانها المناسب، وأشار إلى رقم الصادر الرسمي بعد انتهاء كل مسألة.

* وقد أحال على بعض المسائل في مواضعها إذا وجد مناسبة وهي كثيرة.

* ووضع عنوانًا على كل فتوى يدل على مضمونها.

* وصحح بعض الأخطاء التي حدثت للناسخ بعد الرجوع إلى ما وجد من مسوداتها.

* وجمَّلها بترجمة لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - صدر بها الكتاب.

* ويقع الكتاب في ثلاثة عشر مجلدًا كالتالي:

الجزء الأول: العقائد ويحوي:

(1) وجود الله ووحدانية ذاته تعالى.

(2) وحدانية الإِلهية.

(3) وحدانية الصفات.

(4) مسائل في فروع العقائد.

(5) الصوفية والشيوعية.

ويقع المجلد الأول في (285) صفحة.

الجزء الثاني: من الكتاب مقدمة في أُصول الطهارة والصلاة، وقد رتبه على ترتيب «زاد المستقنع» وشرحه «الروض المربع» ويقع في (355) صفحة.

الجزء الثالث: ويشمل باب صلاة الجمعة، باب صلاة العيدين، باب صلاة الكسوف، باب صلاة الاستسقاء، كتاب الطب والجنائز، غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، وزيارة القبور، ويقع في (260) صفحة.

الجزء الرابع: ويشمل باب كتاب الزكاة، باب زكاة الحبوب والثمار، باب زكاة النقدين، باب زكاة العروض، باب زكاة الفطر، باب إخراج الزكاة، باب أهل الزكاة، كتاب الصيام، باب صوم التطوع، باب الاعتكاف. ويقع في (231) صفحة.

الجزء الخامس: كتاب الحج وفيه (الكعبة، مقام إبراهيم) أحكام المناسك، وباب المواقيت، باب الإحرام، باب محظورات الإِحرام، باب الفدية، باب صيد الحرم، باب دخول مكة. ويقع في (256) صفحة.

الجزء السادس: ويشمل باب صفة الحج والعمرة، باب الفوات والإِحصار، باب الهدي والأضحية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كتاب الجهاد، باب عقد الذمة وأحكامها، ويقع في (272) صفحة.

الجزء السابع: ويشمل كتاب البيع: شروطه، الرضا، فصل ما يكره في البيع، باب الشروط في البيع، باب الخيار، باب الربا والصرف، باب بيع الأصول والثمار، باب السلم، باب القرض، باب الرهن، باب الضمان والكفالة، باب الحوالة، باب الصلح، ويقع في (296) صفحة.

الجزء الثامن: ويشمل باب الحجر، باب الوكالة، باب الشراكة، باب المساقاة والمفارسة والمزارعة، باب الإِجارة، باب السبق، باب العارية، باب الغصب، فصل في تصرفات الغاصب الحكمية، فتاوى في تصادم السيارات والقطارات والسفن، باب الشفعة، باب الوديعة، باب إحياء الموات، التحجر، إقطاع الموات وتحديده، ويقع في (390) صفحة.

الجزء التاسع: ويشمل باب الجعالة، باب اللقطة، باب اللقيط، كتاب الوقف، باب الهبة والعطية، فصل في تصرفات المريض، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب العتق، ويقع في (295) صفحة.

الجزء العاشر: باب النكاح، باب المحرمات في النكاح، باب الشروط والعيوب في النكاح، باب الصداق، باب وليمة العرس، باب عشرة  النساء، باب الخلع، ويقع في (335) صفحة.

الجزء الحادي عشر: كتاب الطلاق، كتاب الإِيلاء، كتاب الظهار، كتاب اللعان، كتاب العدد، كتاب الرضاع، كتاب النفقات، كتاب الجنايات، كتاب الديات، ويقع في (418) صفحة.

الجزء الثاني عشر: ويشمل الحدود والقضاء، باب حد الزنا، باب حد القذف، باب حد السكر، باب التعزير، باب القطع في السرقة، باب حد قطاع الطرق، باب قتال أهل البغي، باب حكم المرتد، باب الذكاة، باب الصيد، كتاب الأيمان، باب جامع الأيمان، باب النذر، كتاب القضاء، ويقع في (502) صفحة.

الجزء الثالث عشر: باب القسمة: باب الدعاوى والبينات، باب الشهادات، باب موانع الشهادة، باب اليمين في الدعاوى، كتاب الإِقرار.

(معارف عامة) يشمل الإِشارة إلى معارف متنوعة وفنون مختلفة ويحتوي علي:

(1) أصول التفسير.

(2) فتاوى قليلة في التفسير.

(3) اللغة العربية,

(4) الشعر.

(5) اللغة الأجنبية.

(6) الجغرافيا.

(7) صناعات ومهن.

(8) المكتبات ما ينبغي أن يوجد فيها، ومراقبة المطبوعات ودور النشر.

(9) المؤلفات التي تناولها بالمدح أو القدح - وهي مرتبة على حروف الهجاء -.

(10) نصائح عامة. ومنها كلمات سماحته في رابطة العالم الإِسلامي.

(11) التربية والتعليم.

(12) فهارس عامة على الطريقة التي انتهجها - رحمه الله - في فهارس (مجموع فتاوى شيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله -) وقد جاء هذا القسم في جزء، وبه كمل الكتاب (أربعة عشر جزءًا به أكثر من (4575) ما بين مسألة وتقرير) ([44]).

* وقد بدأ الوالد - رحمه الله - في جمع وترتيب وطبع هذا الكتاب العظيم في شهر ذي القعدة عام 1392هـ وانتهى منه في 8/1/1405هـ ومعنى ذلك أنه أمضى ما يقارب من اثني عشر عامًا في ذلك.

* والكتاب يعد مرجعًا مهمًا للعلماء والقضاة وطلبة العلم حتى أضحى كنزًا يقتنى ودرة تصان.

* قال الشيخ إسماعيل بن عتيق: «... غير أن الناس تسابقوا إلى تصويرها وتوزيعها مجانًا، بلغت قيمة النسخة الواحدة ألف ريال وقد تزيد وتنقص..» ([45]).

* وكان الوالد يحب هذا المجموع ويثني عليه كثيرًا، وقد قال أكثر من مرة: «سوف تحتاجون إلى ما فيه من علم في المستقبل».

* ومن نفيس درره وغزارة علم الكتاب أنه كان يقرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -([46]) .

* وأثنى الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - على مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم وحث على قراءته([47]).

* وحريٌّ أن يصدر عن هذا المجموع رسائل عليا تشير إلى ما فيه من أمور مهمة في التوحيد والفقه والاحتساب والدعوة ومناصحة ولاة الأمر وغيرها كثير، مما يجعل كل عنوان منها رسالة ماجستير أو دكتوراه مستقلة، وعلم الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - المبثوث في هذا المجموع بحر لا تكدره الدلاء.


حياة الشيخ محمد بن إبراهيم:

للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - أثر واضح جلي في حياة الوالد - رحمه الله - فهو وإن نهل من علمه الجم وكان المُقدم في القراءة عليه بشهادة جميع طلابه، إلا أنه أيضًا استفاد من أدبه وسمته، وكثيرًا ما يذكر لنا قال الشيخ محمد وفعل الشيخ محمد وأفتى الشيخ! فيا ترى من هو هذا الرجل الفذ الذي درس عليه الوالد - رحمه الله - خمسة وعشرين عامًا! لعل في معرفة سيرة هذا العالم الجليل أعظم فائدة وأجل كنز، فإذا علمت من المُعلم عرفت الطالب!.

إليك الترجمة والتعريف بالشيخ محمد بن إبراهيم بخط الوالد - رحمهما الله -:

* نسبه ومولده:

هو العلامة الجليل الشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن ابن إمام الدعوة محيي السنة مميت البدعة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ابن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسي بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن ظهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم. ثم إلى نزار بن معد بن عدنان.

ولد في مدينة الرياض في (حي دخنة) في 17 من محرم عام 1311هـ بدأ - رحمه الله - من صغره في الأخذ بأسباب العلم والمعرفة فتلقى القرآن الكريم وهو بين الثامنة والعاشرة من عمره نظرًا على معلمه عبد الرحمن بن مفيريج. وفي السادسة عشرة من عمره أُصيب بالرمد في عينيه فكف بصره، وكانت مدة مرضه سنة. وعلى إثر ذلك حفظ القرآن على عبد الرحمن بن مفيريج عن ظهر قلب. وقد درس فن التجويد فيما بعد.

ثم أخذ في طلب العلم بمختلف فنونه فأخذ علم «الفرائض» عن والده الشيخ إبراهيم - رحمه الله - أولاً ثم عن الشيخ عبد الله بن راشد ومما قرأ عليه في ذلك ألفية الفرائض.

وتلقيى علم (العقائد) عن عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف - رحمهما الله تعالى -. ومنها في العقائد كتاب التوحيد وأصول الإِيمان وفضائل الإِسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب والدلائل (حكم موالاة أهل الشرك) للشيخ سليمان بن عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعقيدة الواسطية والعقيدة الحموية وكلاهما لشيخ الإِسلام ابن تيمية.

وأخذ «الفقه» عن الشيخ حمد بن فارس أولاً ثم على الشيخين سعد بن حمد بن عتيق ومحمد بن محمود المتوفى عام 1333هـ. ومن كتبه (زاد المستقنع).

وأخذ علم «العربية» عن الشيخ حمد بن فارس المذكور آنفًا، ومما قرأ  عليه في هذا الفن الآجرومية والملحة والقطر والألفية.

وفي «الحديث وعلومه» قرأ بلوغ المرام وثلث المنتقى على عمه الشيخ عبد الله، ثم أعاد بلوغ المرام على الشيخ سعد بن عتيق، وعليه قرأ أيضًا ألفية العراقي في مصطلح الحديث.

هذا ومن المستفيض أن الشيخ - رحمه الله - كان كثير الدأب على المطالعة في مختلف الكتب وتدريسها، فكان هذا مصدرًا ثانيًا غنيًا بتنمية حصيلته العلمية وتوسيع أُفقه، أعانه على ذلك ما عرف عنه من حدة الذكاء ورجاحة العقل.

اشتغاله بالتدريس:

لمس فيه مشايخه الألمعية النادرة المبكرة والنجابة الظاهرة فأدركوا أنه الخليفة لهم، الذي يمكن أن يطمئن إليه في مجالس العلم، فأوصى عمه الشيخ عبد الله الملك عبد العزيز - رحمه الله ، بابن أخيه خيرًا، وذكر له ما يتمتع به من المزايا الفذة التي لا تكاد تتوافر إلا في القليل من الرجال الذين وهبههم الله ذكاءً وفطنة وجلدًا وإخلاصًا. وحين توفي الشيخ عبد الله عام 1339هـ أخذ ابن أخيه مجلسه فبدأ التدريس إلى جانب مشايخه الذين ما زالوا على قيد الحياة؟ ولما توفي شيخه سعد بن حمد بن عتيق عام 1349هـ وتوفي قبله الشيخ حمد بن فارس عام 1345هـ توسع في مجالس التدريس واستقل بأكثرها إلى جانب أعمامه - رحمهم الله - وغيرهم من أفاضل العلماء الذين كانوا يقومون بالتدريس على  فترات متعاقبة في بعض العلوم.

ولكن ينبغي أن نؤكد أن الشيخ محمد - رحمه الله - له النصيب الأوفر في كثرة المجالس وكثرة القاصدين له من طلب العلم وغزارة العلم وعموم النفع، فقد كان يعمر أكثر نهاره بالتدريس حيث كان يجلس ثلاث جلسات منتظمة. فالأولى بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، والثانية بعد ارتفاع الشمس مدة تتراوح ما بين ساعتين وأربع ساعات، والثالثة بعد صلاة العصر، وهناك جلسة رابعة لكنها ليست مستمرة وهي بعد صلاة الظهر.

وكل هذه الجلسات كانت تتم في جامع الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروف الآن في (حي دخنة شمال الميدان) ما عدا جلسة الضحى، فقد كانت في أول الأمر في هذا الجامع، ثم نقلها إلى بيته.

وكان - رحمه الله - ينقطع بعد المغرب لمطالعة دروس الغد في الكتب التي كانت تدرس بعد الفجر، ومنها (الروض المربع) و(سبل السلام) و(شرح ابن عقيل) على ألفية ابن مالك وما يعين عليها من المراجع.

* وفيما يلي عرض للكتب التي كان يقوم - رحمه الله - بتدريسها:

1- أولاً بعد صلاة الفجر ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل وزاد المستقنع مع شرحه الروض المربع وبلوغ المرام والآجرومية والملحة وقطر الندى وعمدة الأحكام وأصول الأحكام والحموية والتدمرية ونخبة الفكر. الثلاثة الأُول مستمرة وكان يقوم بتدريسها على ترتيبها المذكور.  أما باقي الكتب فبالتعاقب على فترات مختلفة طيلة أيام التدريس.

2- بعد شروق الشمس يدرس في العقائد كتاب التوحيد، كشف الشبهات، ثلاثة الأصول، العقيدة الواسطية باستمرار، مسائل التوحيد، مسائل الجاهلية، لمعة الاعتقاد، أُصول الإِيمان على فترات، وفي الحديث: الأربعين النووية، عمدة الأحكام باستمرار. وفي الفقه آداب المشي إلى الصلاة، وقد يدرس غيرها لكنه نادر.

وبعد الانتهاء من هذه المختصرات تقرأ المطولات ومنها: فتح المجيد، شرح الطحاوية، شرح الأربعين النووية، صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن الأربعة، مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير بدون استثناء وكل ما جد من كتب السلف والمحققين من العلماء، لكنها على فترات يتراوح ما يقرأ منها في اليوم ما بين خمسة عشرة غالبًا.

3- بعد صلاة الظهر ويدرس فيه: زاد المستقنع بشرحه الروض المربع، بلوغ المرام.

4- بعد صلاة العصر ويدرس فيه كتاب التوحيد وشرحه وقد يقرأُ في مسند الإِمام أحمد أو مسند ابن أبي شيبة والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح أو نحوها.

وقد استمر يزاول التدريس بنشاط لا يفتر وهمة لا تكل إحدى وأربعين عامًا من عام 1339هـ - 1380هـ.


طريقته في التدريس:

كان - رحمه الله - يعطي مجالس العلم حقها من الاحترام والتقدير، ويحرص على إيصال الفائدة إلى قرارة قلوب الطلاب معنيًا بتثبيتها، حتى إنه ليكاد يغني بشرحه عن مطالعة. وكان - رحمه الله - إذا هم بالجلوس للتدريس توضأ إن لم يكون على وضوء بعد صلاة، واستقبل القبلة إذا كانت الجلسة في المسجد ويبدأ شرحه باسم الله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه، ويمكن تلخيص السمات الظاهرية لطريقته في التدريس في النقاط التالية:

1- يطلب من بعض الطلاب أن يبدأ بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله والترحم على المؤلف، ثم يتلو حفظًا موضوع الدرس إذا كان الكتاب متنًا. ويحرص جدًا على أن يحفظ جميع الطلاب المنتظمين المتون ولا يرضى بنصف حفظ، ولا ينتقل الطالب من متن إلى متن أطول منه إلا بعد حفظ الأول وفهمه، ولذا كان الطالب المجد منهم يتخرج في سبع سنوات.

2- قبل أن يبدأ بالشرح يقرأ هو ما قرأ الطلاب.

3- يشرع في شرحه عبارات المتن بدقة ووضوح.

4- يعرض بعض المسائل ويتكلم عليها.

5- إذا عرض لمسألة خلاف ذكر رأي المؤلف أولاً وأدلته ثم ذكر رأي المخالفين كلا على حدة، مع دليله. وكان في ذلك كله يحترم كل ذي  رأي من العلماء ولا يذكره بما يسوء، وكان يرجح ما يراه معتمدًا في ذلك على الدليل وأقوال المحققين، ولم يكن يعرض من الخلاف إلا ما كان ذا جدوى. وقد يصحح أحد القولين دون سرد الأدلة لقصر الوقت نظرًا لحال الطالب.

6- كان يلتزم بالموضع ولا يستطرد إلى مسائل خارجة عنه.

7- كان إذا فرغ من الدرس تلقى أسئلة الطلاب وأجاب. وقد يثير هو بعض الإِشكالات ليقدح أذهان الطلاب.

8- يختبر الطلاب فيما شرح لهم في بعض الأحيان بإلقاء الأسئلة عليهم ويعربون متن الألفية وشواهدها.

9- فيما يتعلق بالعقائد لم يكن يحرص على ذكر آراء أهل البدع والإِشراك، فإذا وجد ضرورة لذلك أو كان المؤلف ذكرها فإنه يتكلم عليها بتوسع، ويشتد في الرد عليهم دون إفراط.

10- وبالنسبة لقراءة المطولات لم يكن يشرحها عبارة عبارة، وإنما كان يقف عند المهم منها أو ما يسأل عنه أحد الحاضرين.

11- يلزم اللغة العربية في جميع مجالسه العامة.

12- يلتزم الهدوء أثناء شرحه للمتون أو تعليقه على المطولات، فلا تراه يلتفت أو يشير بيد أو يعبث بشيء.

13- لم يكن يسمح بإثارة الأسئلة التافهة أو الدخول في مناقشات عقيمة.

تلاميذه:

لا أظن أن من يعرفه - رحمه الله - يخفى عليه أمر الذين أخذوا عنه العلم واستفادوا منه الفائدة الكبرى. ولا أظن أن ذلك يخفى على من عرف المدة الطويلة التي قضاها مشتغلاً بالتدريس، فقد مر به أفواج بعد أفواج ينهلون من علمه ويستنيرون بثاقب نظره، وقد انتشروا في أنحاء المملكة السعودية بين عالم وقاض ومدرس وواعظ وخطيب مسجد ومتفرغ من الأعمال، ولا أظن أن الحصر قادر على أن يأتي على جميع أسمائهم، لذلك فإني أكتفي بعرض أسماء طائفة منهم وهم:

الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس المجلس الأعلى لقضاء حاليًا.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإِفتاء والدعوة والإِرشاد.

الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم صاحب المؤلفات المشهورة.

الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد رئيس محكمة هيئة التمييز حاليًا.

الشيخ سعود بن رشود قاضي الرياض سابقًا.

الشيخ صالح بن غصون عضو هيئة التمييز حاليًا.

الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم شقيق المترجم الفرضي المشهور.

الشيخ عبد الملك بن إبراهيم شقيقه رئيس هيئات الأمر بالمعروف في المنطقة الغربية سابقًا.

الشيخ عبد العزيز ابن الشيخ محمد نجل سماحته رئيس هيئات الأمر بالمعروف حاليًا.

الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمد نجل سماحته وزير العدل حاليًا.

الشيخ عبد الرحمن بن فارس قاضي بمحكمة الرياض حاليًا.

الشيخ محمد بن مهيزع قاضي بمحكمة الرياض سابقًا.

الشيخ عبد الرحمن بن هويمل قاضي بمحكمة الرياض سابقًا.

الشيخ عبد العزيز بن زاحم قاضي بمحكمة الرياض.

الشيخ عبد الرحمن بن سحمان قاضي بمحكم الدلم.

الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد.

الأمير محمد بن عبد العزيز بن سعود آل سعود.

الشيخ عبد الله بن عقيل عضو المجلس الأعلى للقضاء.

الشيخ عبد الله بن غديان عضو الهيئة الدائمة للإِفتاء.

الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين مدرس بكلية الشريعة.

الشيخ فهد بن حمين مدرس بكلية أصول الدين.

الشيخ حمود بن عقلاء مدرس بكلية الشريعة.

الشيخ عبد الرحمن بن فريان.

الشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض».

* ولعل القارئ يلاحظ تواضع الوالد - رحمه الله - فلم يجعل اسمه ضمن طلابه، على أنه من أشهرهم وأكثرهم قراءة عليه - رحمه الله -.


بيان تلبيس الجهمية

في تأسيس بدعهم الكلامية

أو

نقض تأسيس الجهمية

تأليف

أبي العباس شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية

قدس الله روحه

بتصحيح وتكميل وتعليق

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

الجزء الأول



رابعًا: كتاب «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» لشيخ الإسلام ابن تيمية:

يقع الكتاب في مجلدين كبيرين الأول عدد صفحاته (658) صفحة والثاني (585) صفحة. وحروف الكتاب صغيرة. وقد سألت الوالد عن سبب ذلك فقال: «إن الملك فيصل - رحمه الله - عندما أمر بطبعه اشترط أن لا يتجاوز جزآن توفيرًا للتكلفة المالية».

* قال ابن عبد الهادي عن المُؤلف: «هذا الكتاب جليل القدر كشف فيه أسرار الجهمية وهتك أستارهم، ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين ما ضاعت رحلته».

أصل الكتاب:

تحدث الوالد عن الكتاب في المقدمة فقال:

«نقض تأسيس الجهمية» نسختان مخطوطتان: (إحداهما) ضمن «الكوكب الدراري» بالمكتبة الظاهرية بدمشق في قسم التفسير - للشيخ علاء الدين علي بن الحسين بن عروة الدمشقي الحنبلي المتوفى (837هـ) ([48]) مقاس الصحيفة منه 27/18سم، نحو 30 سطرًا، 3سم  حاشية بخط رقعي نصف معجم علقه إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي عام 828هـ «ونقض التأسيس» مبثوث في أربعة مجلدات منها هي: المجلد التاسع والثلاثون رقم (567) والمجلد الثاني والأربعون رقم (570) والمجلد السادس والأربعون رقم (571) والمجلد السابع والأربعون رقم (572). وبعض ما في هذه الأربعة منه مكرر وغير مرتب كما ستراه عند ذكر أصول كل مجلد؛ وقد تضمن بعض هذه المجلدات رسائل أخرى. وقد جاء فيها اسم هذا الكتاب بلفظ «بيان الجهمية، في تأسيس بدعهم الكلامية» كما في رسالة ابن القيم و«العقود الدرية». وهذا الاسم أعمق في المعنى المقصود من الاسم الأول.

و (الثانية) بمكتبة ليدن «بهولندا» رقم (2021) وقد صورت «للمكتبة السعودية بالرياض» ورقمها (176) عام (86) خاص. وهي في مجلدين «الثالث» و«الرابع). وتلتقي هذه النسخة مع نسخة الكواكب بعد هذا المجلد المطبوع، وما تنفرد به إحداهما عن الأخرى في موضع أو أكثر أو بزيادة أو نقص فسيذكر عند ذكر أصول كل مجلد وفي التعليق إن شاء الله. وقد جاء في ديباجة هذه المصورة ما يلي: «الجزء الثالث من نقض تأسيس الجهمية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية. وجاء فيها: ملك محمد العدل النحاس رأس عفى الله عنه، وفيه تملك البيطار. وفيه أيضًا: هذا الجزء مع الجزئين السابقين من هذا الكتاب  صار بالابتياع شرعًا من ممتلكات يوسف بن الحسين بن إسحاق الحسني الحسيني، وفيه أيضًا: ساقته النوبة إلى ملك حسام بن عبد الرحمن. وليس في «المجلد الرابع» من ذكر التملكات إلا تملك النحاس المقتدم. وأول «المجلد الثالث».. (فصل) قال الرازي: القسم الثاني من هذا الكتاب. وآخره: واحتج السلف على صحة مذهبهم إلى قوله بخلافه والله أعلم.

وعدد ورقات هذا المجلد (268) وبعض الصفحات المصورة مكرر للإِيضاح. وأول «المجلد الرابع»: (فصل) قال الرازي في تأسيسه: الفصل الرابع في إقامة البراهين على أنه ليس مختص بحيز وجهة. وآخره: كانت المرجئة لسان أهل السنة حتى غلوا نسأل الله العافية والحمد لله رب العالمين. الخط في المجلدين رقعي في معظم الكتاب ونسخ في بعض الحروف من غير التزام في كل كلمة، وخط الثلث يوجد بقلة في بعض الحروف. أما العناوين التزم فيها خط النسخ بشكل عام، عدد الأسطر (25) غالبًا وعدد الكلمات (15).

وجاء التصريح باسم الناسخ في المجلد الثالث كما بين تاريخ النسخ فقال: فرغ من تعليقه أبو بكر بن المجد بن ماجد المقدسي بتاريخ (20/5/772) بالقاهرة المصرية. ويظهر أنه هو الناسخ «المجلد الرابع». وليس على هذه النسخة هوامش ولا تعليقات عدا السقط فإنه يكتبه على الحاشية ويشير إليه بخط كالمعتاد، وقد يكتب في الحاشية «مطلب» على رأس  موضوع أو يكتب: «بيان» إذا أعاد الكلمات التي لم تتضح من خطه في الأصل على الحاشية، أو «لعله كذا»، وقد يذكر «نسخة» أو «تنظر» أو «فائدة» في كذا، وكل هذه الأشياء نادرة جدًا وسأشير إلى ما له أهمية في التعليق. وعليه بلاغات مما يدل على أن هذه النسخة مصححة، وهي أصح بكثير من نسخة الكواكب».

النقص الذي في الكتاب:

ويدل كتاب الرازي «تأسيس التقديس» المطبوع على أن «نقض تأسيس الجهمية» أكثر مما وجدته لوجود صفحات كثيرة متصلة في أثنائه لا جواب عليها في الخطيتين، وفي آخره صفحات كما في أوله، وكذلك تدل رسالة ابن القيم في كتاب العقود على أنه ستة مجلدات. وقد بذلت جهدي في البحث عن بقيته في المجلدات من «الكواكب الدراري» في الظاهرية وهي (42) وفي الدشوت والمجاميع وغيرها، وكذلك بحثت في المجلدات التي منه بدار الكتب المصرية وهي أربعة، وفي بغداد في مخطوطات محمود شكري الألوسي وقد جمع بعض ما في الظاهرية منه واتصلت بتلاميذه وغيرهم، وكذلك سألت علماء نجد فلم أجد البقية. وقد أخبرني سماحة المفتي شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - بأنه قد كان لديه كراريس يغلب على ظنه أنها من نقض التأسيس فيها الوجه (125) ولكنها نقلت.


تكميل النقص:

وجد الوالد -رحمه الله- كتاب نقض تأسيس الجهمية ناقصًا فأكمل ذلك النقص ولهذا فهو يقول في مقدمته - رحمه الله -:

«ولما كان النقص في أول الكتاب قليلاً، وفهم أول الكتاب يتوقف على أول الجواب، ويعسر حل تلك الشبه على كثير ممن قد يطلع كتابه، وصارت بقية النقض في حكم المفقود، وأجوبة المؤلف عن هذه الشبه متوفرة في مؤلفاته وفي النقض نفسه في مواضع: فقد أكملته منها، وأشرت إلى أماكنها من مؤلفاته في التعليق وفي فهرس هذا المجلد بكلمة: تكميل. بين قوسين هكذا (تكميل) وكذلك عملت بالنقص في جواب الفصل الثاني والجواب على الفصل الثالث من هذا المجلد، وقد وضعت بينهما فاصلاً في أول الكتاب، ثم لم التزامه فيما بعد لكثرة النقص. ويلاحظ من ذكر بعض الوجوه سقوط بعض الأوجه من بعض الأجوبة وما وجد منها كاف في الإِقناع لمن أراد الله هدايته. ورتبته على «تأسيس التقديس».

أما «المجلد الثاني» المعد للطبع فهو متصل لا انقطاع فيه.

تصحيح الكتاب:

ما حصل فيه الغلط من الآيات صححته على المصحف وهو كثير، وفي الأحاديث قليل وقد نبهت عليه، وأكثر الغلط في النقول من الكتب فاستدركت ذلك بمراجعة الموجود منها ونبهت عليه في التعليق، وما عداه نبهت على السقط، وبينت ما يدل على الساقط إذا كان قليلاً  معلومًا لدي أو جعلته في صلب الكتاب بين معقوفتين هكذا [........] والأحرف المعجمة اجتهدت في وضع النقط عليها حسب المعنى، كما قد يلغط الناسخ في وضعها أحيانًا. وما له أصلان قابلت أحدهما على الآخر وذكرت الزيادة أو النقص كما تقدم.

العناوين والتعليق:

ووضعت للكتاب عناوين في الحاشية اجتهدت أن تكون مؤدية للمعنى وواضحة ومختصرة وفي صلب الموضوع؛ ليبقى البحث متصلاً في ذهن القارئ.

وقد ترجمت لبعض الأعلام وذكرت بعض مذاهب الفرق والأشخاص لأن لذلك تأثيرًا في قبول أو رد المذهب أو القول، ونبهت على بعض الكتب. وإذا قال الشيخ: «وقد بسط في موضع آخر» ذكرت الموضع الذي ذكره فيه على سبيل المثال لا الحصر، وأحيل أحيانًا على بعض ما ذكر في هذا الكتاب أو غيره، أو على الفهارس العامة لمجموع فتاويه، أو على الفتاوى نفسها وذكر المجلد والصحيفة، وإذا كان البحث في صحيفتين جعلت بين الرقمين فاصلة هكذا (،) وإذا كان أكثر جعلت بينها خطًا هكذا (ـ) كما عملت في مجلدي الفهارس العامة. ومن طريقة ابن تيمية أنه يبدأ النقل عن الرازي بـ «قال أبو عبد الله الرازي» غالبًا، واقتديت به في التكميل. وإذا انتهيى النقل وضعت له علامة في التعليق هكذا: (×) ثم ذكرت الصحيفة من «التأسيس».

مقدمة نقض تأسيس الجهمية:

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا.

والحمد لله الذي جعل لرسوله منه سلطانًا نصيرًا. والحمد لله الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" ينصرهم بلسان الحجة وسلطان القدرة. وهو الذي يؤتي رسله والمؤمنين به حجة على من خالفهم وجادلهم فيه بالباطل، كما قال: (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال).

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأقدسه عن النقائص والأمثال. وأثبت له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق كل كمال؛ إذا كل الكمال فمن كماله يستفاد وله الثناء الحسن الذي لا يحصيه العباد.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: أعلم الناس بالحق، وأنصحهم للخلق، وأكمل الناس بيانًا وعبارة ودلالة على الحق، بلغ الرسالة وأدى الأمانة فشهدت له الأمة ورفع أصبعه إلى الله في السماء قائلاً: «اللهم اشهد»: أخبرنا باستوائه على عرشه العظيم، وهو أخص مما ذكروه من قهره واستيلائه. وبنزوله لفصل القضاء في ذلك اليوم الرهيب، وهو غير بره وعطائه. وسأل ربه لذة النظر إلى وجه الكريم، وهو غير جوده وحبائه. وعظَّم قدر ربه ومجَّده، فأخبر أنه يقبض الأرض ويطوي السموات بيمينه، وهما غير إنعامه وإكرامه واصطفائه. ويضحك إلى  أوليائه، وضحكه دليل على إحسانه وتكريمه وآلائه. ولما قرأ ﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وضع أصبعه الدعاء على عينه وإبهامه على أذنيه تحقيقًا لإثبات السمع والبصر، كما فرق بين الإِرادة الشرعية والمشيئة في القدر.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، من سلك سبيلهم إلى يوم الدين. الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه عن مماثلة المخلوقات. حاشاهم من التعطيل، ومن التكييف والتمثيل، ومن «التحريف» المسميى عند المتكلمين بالتأويل، و«التفويض» الذي هو التجهيل؛ إذ هذه الأمور مشاركة للملحدين في الإِلحاد، وتنقيص من عظمة الله وجلاله وأوامره في نفوس العباد. شهد لهم الرسول بأنهم خير الناس: فهم خيرهم في العلم والتبليغ والاعتقاد، وأخبر بنجاة من اقتفى أثرهم يوم المعاد. هم أوعى الناس للنقل الصحيح، وأولاهم وأحقهم بالمعقول الصريح، آمنوا بالشرع والقدر، وكانوا من الألفاظ الملبسة على حذر؛ فهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم، والفرقة الناجية، المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة.

أما بعد:

فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها، معرفة الدين وأصله وما تولد فيه من أعظم العلوم نفعًا؛ إذ المرء ما لم يحط علمًا بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة.

وقد بعث الله سبحانه وتعالى محمدًا بالهدى ودين الحق ليخرج  الناس من الظلمات إلى النور؛ ففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والصدق والكذب، والعلم والجهل، والمعروف والمنكر، وطريق أولياء الله السعداء وأعداء الله الأشقياء، وبين ما عليه الناس من الاختلاف وكذلك النبيون قبله، قال تعالي: ﴿تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: 63] ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 64].

حال المسلمين قبل الافتراق:

وكان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين ولا تنازع بينهم، وكان اعتصامهم بالقرآن والإِيمان، وكان الأصل الذي أسسوه هو ما أمرهم الله به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27] فلا يخبرون عن شيء من صفاته ولا غير صفاته إلا بعد أن يخبر سبحانه بما يخبر به؛ فيكون خبرهم وقولهم تبعًا لخبره وقوله، وأعمالهم تابعة لأمره. فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين؛ فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول: فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر، وبه يستدل. فهذا أصل أهل السنة.

مبدأ الافتراق والفرق:

ثم حدث في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم فقتلوا عثمان، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان.

الخوارج:

ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم رجلين خرجت «الخوارج» على أمير المؤمنين على - رضي الله عنه - وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له «حروراء» فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتلهم، وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ لم يقصدوا معارضته؛ لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب؛ إذ المؤمن هو البر التقي، قالوا فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين، لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان: «الواحدة» أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر. و«الثانية» أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك.

الشيعة:

وحدث في أيامه «الشيعة» لكن كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته؛ بل كانوا ثلاث طوائف: (طائفة) تقول إنه إله. وهؤلاء  لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار. و«الثانية السابة» وكان قد بلغه عن ابن السوداء أنه كان يسب أبا بكر وعمر فطلبه. قيل إنه طلبه ليقتله. و(الثالثة المفضلة) الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر فأمر بجلدهم.

ثم الشيعة لما حدثوا لم يكن الذي ابتدع التشيع قصده الدين؛ بل كان غرضه فاسدًا، فقد ذكر أهل العلم أن مبدأ الرفض كان من الزنديق «عبد الله بن سبأ» فإنه أظهر الإِسلام وأبطن اليهودية، وطلب أن يفسد الإِسلام كما فعل بولس النصراني الذي كان يهوديًا في إفساد دين النصاري. وأصل بدعتهم مبنية على الكذب على الرسول، وتكذيب الأحاديث الصحيحة؛ ولكن الشيعة لم يكن لهم في ذلك الزمان جماعة ولا إمام ولا دار ولا سيف يقاتلون به المسلمين، وهم يكفرون ولاة المسلمين، ويلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولاهم. وأما لفظ «الرافضة» فهو أول ما ظهر في الإِسلام لما خرج زيد بن علي بن الحسين في أوائل المائة الثانية في خلافة هشام بن عبد الملك واتبعه الشيعة فسُئل عن أبي بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما فرفضه قوم فقال رفضتموني رفضمتوني فسموا «الرافضة»: فالرافضة تتولى أخاه أبا جعفر محمد بن علي، «والزيدية» يتولون زيدًا وينسبون إليه. ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلي: زيدية، ورافضة إمامية.


القدرية:

ثم في آخر عصر الصحابة حدثت بدعة «القدرية» وأصل بدعتهم كانت من عجز قولهم عن الإِيمان بقدر الله والإِيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي؛ لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد. فلما بلغ قولهم بإنكار القدر والصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرءوا منهم. ثم كثر الخوض في القدر، وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام وبعضه في المدينة، فصار مقتصدهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار نزاع الناس في الإِرادة وخلق أفعال العباد، فصاروا في ذلك حزبين: النفاة يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد. وقابلهم الخائضون في القدر من «المجبرة» مثل الجهم بن صفوان وأمثاله فقالوا ليست الإِرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا: العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط([49]).


المعنزلة:

وكانت الخوارج قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة وقالوا: إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك القدرية بعد موت الحسن البصري فقال عمرو بن عبيد وأصحابه: لا هم مسلمون ولا كفار؛ بل لهم منزلة بين المنزلتين، وهم مخلود في النار، فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون وعلى أنهم ليسوا معهم من الإِسلام والإِيمان شيء؛ ولكن لم يسموهم كفارًا، واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري - مثل قتادة وأيوب السختياني - فسموا «معتزلة» من ذلك الوقت بعد موت الحسن. وقيل إن قتادة كان يقول أولئك المعتزلة.

المرجئة:

وحدثت «المرجئة» وكان أكثرهم من أهل الكوفة ولم يكن أصحاب عبد الله من المرجئة ولا إبراهيم النخعي وأمثاله فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن الأعمال ليست من الإِيمان، وكانت هذه البدعة أخف البدع فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم؛ إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما هم مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة وعلى أنه لا بد في الإِيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة  وتاركها مستحق للذم والعقاب، فكان في الأعمال هل هي من الإِيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي؟ وأما جهم فكان يقول: إن الإِيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها؛ بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول؛ ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك: إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة([50]). وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية.

الجهمية:

وأما «الجهمية» فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز([51])وكان أول من ابتدع هذا في الإِسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا تقبل ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسي تكليمًا ثم نزل فذبحه([52])وكان ذلك في زمن التابعين فشكروه. وكان انقراض دولة بني أمية بسبب هذا الجعد  المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها([53]).

وفي آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان بخراسان، فأظهر هذا المذهب وناظر عليه وإليه أضيف قول الجهمية، فقتله سلم بن أحور أمير خراسان بها([54]) وقول جهم هو النفي المحض لصفات الله تعالي؛ بل والأسماء الحسني حتى ذكروا عنه أنه لا يسمى الله شيئًا ولا غير ذلك من الأسماء التي يسمى بها المخلوق؛ لأن ذلك بزعمه من التشبه الممتنع، وهو حقيقة قول القرامطة الباطنية ومنحرفي المتفلسفة كالفارابي وابن سينا. وأما مقتصدة الفلاسفة كأبي البركات صاحب المعتبر وابن رشد الحفيد فإن المشهور عنهم إثبات الأسماء الحسني وإثبات أحكام الصفات. وقد تكلم عامة أئمة المسلمين فيهم، ولكن لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق([55]).

وأصل مقالة الجهمية مأخوذ من المشركين والصابئين من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلاً، وهؤلاء أعداء إبراهيم الخليل، وهم يعبدون الكواكب.

المعتزلة أيضًا:

ثم انتقل ذلك إلى «المعتزلة» اتباع عمرو بن عبيد فأثبتوا أسماء الله  تعالى ولم يثبتوا صفاته([56])؛ لكن قوي أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه المأمون وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه؛ ثم لما ولي الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب وهو بالثغر بطرسوس إلى نائبه ببغداد كتابًا يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا القرآن مخلوق([57]) لكن لم يجبه أحد، ثم كتب كتابًا ثانيًا يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا أحمد بن حنبل وابن نوح فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه، ثم أوصى إلى أخيه، وكان هذا سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقي أحمد في الحبس إلى سنة عشرين. وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم في الكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أن لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم وأراد المعتصم إطلاقه فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة، فلما ضربوه قامت الشناعة عليهم في العامة وخافوا الفتنة فأطلقوه. وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف([58]) وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه العطاء عزلوه ولم يقبلوا شهادته، وإذا أفتكوا الأسرى  يمتحنون الأسير فإن أجابهم افتدوه وإلا لم يفتدوه، وكتب قاضيهم على ستارة الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) لم يكتب ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ثم لما ولي الواثق اشتد الأمر إلى أن ولي المتوكل فرفع المحنة وظهرت حينئذ السنة([59]).

الأشعرية:

ثم أقرب هؤلاء الجهمية «الأشعرية» يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة، والعلم والقدرة، والإِرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها.

ومنهم من يضم إلى ذلك «اليد» فقط. ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها([60]).

فعلم أن هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية وإن كان ظاهرهم ظاهر أهل الإِثبات، كما أن المعتزلة الجهمية عند التحقيق حقيقة أمرهم  أمر الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وأن تظاهروا بالرد عليهم، والملاحدة حقيقة أمرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية([61]) هذا لعمري عند التحقيق. وأما عوام الطوائف وإن كان فيهم فضيلة وتميز فهم يجمعون بين المتناقضات تقليدًا أو ظنًا؛ ولهذا لا يكونون كافرين وجاحدين مطلقًا؛ لأنهم يثبتون من وجه وينفون من وجه فيجمعون بين النفي والإِثبات، والكفر الصريح على بعضهم أغلب وهو حال الملاحدة النفاة لنقيضين جميعًا، فإن جحود هؤلاء وجعلهم له ممتنعًا أضعاف إقرارهم بوجوب وجوده، وقد يكون الإِيمان أغلب وهو حال من أقر بعامة أسماء الله وصفاته وإنما جحد منها شيئًا يسيرًا كما يوجد في بعض الصفاتية كثيرًا، وهؤلاء يؤمنون ببعض أسماء الله تعالى ويكفرون ببعض، ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؛ ولهذا تنازع الناس في إيمانهم وكفرهم بما ليس هذا موضعه، ولا ريب أن فيهم الجاهل والمتأول الذي لا يجوز أن يحكم عليه بحكم الكفر وأن قوله من قول الكفار، كما أن فيهم المنافق الزنديق الذي لا ريب في نفاقه وكفره([62]).

السلف والأئمة والحنابلة:

وأما «السلف والأئمة» فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفي وإثبات؛ بل اعتصموا بالكتاب والسنة، ورأوا ذلك هو الموافق لصريح العقل، فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته حقًا يجب الإِيمان به، وإن لم تعرف حقيقة معناه([63]) وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم؛ فإن كان مراده حقًا موافقًا لما جاءت به  الرسل والكتاب والسنة من نفي أو إثبات قلنا به، وإن كان باطلاً مخالفًا لما جاء به الكتاب والسنة من نفي أو إثبات منعنا القول به([64]).

وليس «للحنبلية» قول انفردوا به عن غيرهم من أهل السنة والجماعة؛ بل كل ما يقولونه قد قاله غيرهم من طوائف أهل السنة؛ بل يوجد في غيرهم من زيادة الإِثبات ما لا يوجد فيهم. ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد؛ فإنه مذهب الصحابة الذي تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة والجماعة؛ فإنه متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم([65]) و«الحنابلة» لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث، والائتمام بمن كان من بالسنة أعلم: أبعد عن الأقوال المتطرفة في النفي والإِثبات، وإن كان في أقوال بعضهم غلطًا في النفي والإثبات وهو أقرب من الغلط الموجود في سائر الطوائف الذين هم دونهم في العلم بالسنة والاتباع([66]).

علم الكلام:

أصل الجهل والضلال والزندقة والنفاق هو ما اشتركت فيه الدهريرة والجهمية من التكذيب والنفي والجحود لصفات الله تعالى بلا برهان أصلاً، وذلك أن مبدأ حدوث هذا في الإِسلام هو مناظرة الجهمية  للدهرية، كما ذكره الإِمام أحمد في مناظرة جهم للسمنية وهم من الدهرية([67]) حيث أنكروا الصانع وإن كان غيرهم من فلاسفة الهند كالبراهمة لا ينكره. وكذلك مناظرة المعتزلة وغيرهم لغير هؤلاء من فلاسفة الروم والفرس وغيرهم من أنواع الدهرية، وكذلك مناظرة بعضهم بعضا في تقرير الإِسلام عليهم، وإِحداثهم من الحجج التي سموها «أصول الدين» ما ظنوا أن دين الإِسلام ينبني عليها([68]) وذلك هو أصل «علم الكلام» الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وذم أصحابه وتجهيلهم، وأصل ذلك أنهم طلبوا أن يقرروا ما لا ريب فيه عند المسلمين من أن الله تعالى خلق السموات والأرض وأن العالم له صانع خالق خلقه، ويردوا على من يزعم أن ذلك قديم إما واجب بنفسه أو معلول علة واجبة بنفسها([69]) وحججهم تقتضي نفيه وتعطيله، فهم نافون له لا مثبتون، وحججهم باطلة في العقل لا صحيحة في العقل، والمعرفة بالله ليست موقوفة على أصولهم؛ بل تمام المعرفة موقوف على العلم بفساد أصولهم([70])؛ ولهذا تسلط هؤلاء الدهرية على الجهمية؛ فينبغي أن يعلم أن الذي سلط هؤلاء الدهرية على الجهمية شيئان (أحدهما) ابتداعهم لدلائل ومسائل في أصول الدين تخالف الكتاب والسنة ويخالفون بها  المعقولات الصحيحة. (والثاني) مشاركتهم لهم في العقليات الفاسدة من المذاهب والأقيسة، ومشاركتهم لهم في تحريف الكلم عن مواضعه؛ فإنهم لما شاركوهم فيه بعد تأويل نصوص الصفات بالتأويلات المخالفة لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها كان هذا حجة لهم في تأويل نصوص المعاد غيرها، وضموا إلى ذلك ما قد يطلقونه من أن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين([71]).


آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه

موقف أهل السنة والشيعة

من عقائدهم، وفضائلهم، وفقههم ، وفقهائهم

أصول فقه الشيعة وفقههم

بحث لخصه ورتبه

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

من

منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية

قدس الله روحه



خامسًا: كتاب: «آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولياؤه:

* والكتاب يختص بموقف أهل السنة والشيعة من عقائد آل رسول - صلى الله عليه وسلم - وأولياؤه وفضائلهم، وفقههم.

وهو كتاب ذكر الوالد - رحمه الله -: «أنه بحث لخصه ورتبه من كتاب منهاج السنة النبوية لشيخ الإِسلام ابن تيمية - قدس الله روحه -.

* وقام - رحمه الله - بهذا العمل: «رغبة في تبصير الناس بحقائق عقائدهم (أي الشيعة) ودلالة لهم على الطريق الأسلم الذي ينجو سالكه، ورغبة في أن يجد شباب الشيعة فيه ما يدلهم على الحق ويكشف لهم الباطل. وحاملي على ذلك كله النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([72])  ».

* عمل الوالد:

قام الوالد - رحمه الله - بتسهيل هذا الكتاب العظيم فيما يخص الجانب الذي ذكر، وقد عمل فيه ما يلي:

1- ترتيب مسائله.

2- إبراز المسائل بعنوانات توضحها.

3- وضع أرقام الآيات والسور.

4- خرج ما فيه من الأحاديث.

5- أحال على المراجع التي نقل منها.

* واعتمد - رحمه اله - في ذلك على طبعتين من منهاج السنة النبوية: طبعة مكتبة الرياض الحديثة في الجزئين الأول والثاني، وطبعة ببولاق مصر عام 1322هـ. كما راجع في بعض ما أشكل منها على طبعة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم.

وإلى القارئ الكريم مقتطفات من عناوين هذا الكتاب أسوقها للفائدة:

أولياء محمد - صلى الله عليه وسلم -:

أقاربه - صلى الله عليه وسلم - فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر. فإن كان فاضل منهم كعلي - رضي الله عنه - وجعفر والحسن والحسين ففضلهم بما فيهم من الإِيمان والتقوى، فهم أولياؤه بهذا الاعتبار لا بمجرد النسب.

وأولياؤه أعظم درجة  من آله. وإن صلى على آله تبعًا لم يقتض ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه الذين لم يصل عليهم؛ فإن الأنبياء والمرسلين هم من أوليائه وهم أفضل من أهم بيته وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبعًا.

فالمفضول قد يختص بأمر ولا يلزم أن يكون أفضل من الفاضل.

ودليل ذلك أن أزواجه هم من يصلي عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين. وقد ثبت باتفاق الناس كلهم أن الأنبياء أفضل منهن كلهن.

وأما الأتقياء من أمته فهم أولياؤه كما ثبت في الصحيحين: «إن آل  بني فلان ليسوا لي بأولياء وإنما وليي الله وصالح المؤمنين»([73]) .

فبين أن أولياءه صالح المؤمنين، وكذلك في حديث آخر: «إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا»([74])  وقد قال تعالي: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: 4]، وفي الصحيح عنه أنه قال: «وددت أني رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني»([75]) .

وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الدين والإِيمان والتقوى، وهذه القرابة الدينية أعظم من القرابة الطبيعية، والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان([76]).


عقائد الصحابة والقرابة وموقف أهل السنة والشيعة منها:

عقائد الصحابة - رضي الله عنهم -:

الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يختلفوا في شيء من قواعد الإِسلام: لا في التوحيد، ولا في القدر، ولا في الإِمامة، ولا في مسائل الأحكام - لم يختلفوا في شيء من ذلك بالاختصام بالأقوال فضلاً عن الاقتتال بالسيف؛ بل كانوا مثبتين لصفات الله التي أخبر بها عن نفسه، نافين عنها تمثيلها بصفات المخلوقين.

مثبتين للقدر كما أخبر الله به ورسوله. مثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد، مثبتين لحكمة الله في خلقه وأمره، مثبتين لقدرة العبد واستطاعته ولفعله مع إثباتهم للقدر.

ثم لم يكن في زمنهم من يحتج للمعاصي بالقدر، ويجعل القدر حجة لمن عصى أو كفر، ولا من يكذب بعلم الله ومشيئته الشاملة وقدرته العامة وخلقه لكل شيء، وينكر فضل الله وإحسانه ومَنَّه على أهل الإِيمان والطاعة، وأنه هو الذي أنعم عليهم بالإِيمان والطاعة وخصهم بهذه النعمة دون أهل الكفر والمعصية.

ولا من ينكر افتقار العبد إلى الله في كل طرفة عين، وأنه لا حول ولا قوة إلا به في كل دق وجل.

ولا من يقول إنه يجوز أن يأمر بالكفر والشرك وينهى عن عبادته وحده، ويجوز أن يدخل إبليس وفرعون الجنة، ويدخل الأنبياء النار،  وأمثال ذلك.

فلم يكن فيهم من يقول بقول القدرية النافية، ولا القدرية الجبرية الجهمية.

ولا كان فيهم من يقول بتخليد أحد من أهل القبلة في النار، ولا من يكذب بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، في أهل الكبائر.

ولا من يقول إيمان الفساق كإيمان الأنبياء.

بل ثبت عنهم بالنقول الصحيحة القول بخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن إيمان الناس يتفاضل، وأن الإِيمان يزيد وينقص.

ولا كان في الصحابة من يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا أئمة، ولا كانت خلافتهم صحيحة([77] ولا من يقول: إن خلافتهم ثابتة بالنص، ولا من يقول: إن بعد مقتل عثمان كان غير علي أفضل منه ولا أحق منه بالإِمامة.

فهذه القواعد التي اختلف فيها من بعد الصحابة لم يختلفوا فيها بالقول ولا بالخصومات فضلاً عن السيف. ولا قاتل أحد منهم على قاعدة في الإِمامة. فقبل علي لم يكن قتلا في الإِمامة ولا في الولاية.

فمن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقًا على الهدى والرشد وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف  من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، إذ يقول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: 110].

كما لم يكن في الأمم أعظم اجتماعًا على الهدى وأبعد عن التفرق والاختلاف من هذه الأمة؛ لأنهم أكمل اعتصامًا بحبل الله الذي هو كتابه المنزل وما جاء به نبيه المرسل.

وكل من كان أقرب إلى الاعتصام بحبل الله وهو اتباع الكتاب والسنة كان أولى بالهدى والاجتماع والرشد والصلاح، وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة([78]).


الإِمامة

الإِمام المعصوم هو الرسول ولا مصلحة في عصمة إمام إلا وهي حاصلة بعصمته:

الإِمام المعصوم هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد، والأمة تعرف أمره ونهيه.

وورثته الذين ورثوا علمه يصدقون في الإِخبار عنه.

والعلم الديني الذي تحتاج إليه الأئمة والأمة نوعان:

«علم كلي» كإيجاب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والحج وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك.

و «علم جزئي» كوجوب الزكاة على هذا، ووجوب إقامة الحد على هذا ونحو ذلك.

فأما الأول فالشريعة مستقلة به لا تحتاج فيه إلى الإِمام؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون نص على كليات الشريعة التي لا بد منها أو ترك منها ما يحتاج إلى القياس.

فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني فذلك القدر يحصل بالقياس.

وأما «الجزئيات» فهذا لا يمكن النص على أعيانها؛ بل لا بد فيها من  الاجتهاد المسمى «بتحقيق المناط» كما أن الشارع لا يمكن أن ينص لكل مصل على جهة القبلة في حقه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، ونفقة هذه الزوجة، ووقوع الطلاق بهذا الزوج، وإقامة الحد على هذا المفسد، وأمثال ذلك فهذا مما لا يمكن نبي ولا أحد من الخلق أن ينص على كل فرد منه، لأن أفعال بني آدم وأعيانهم يعجز عن معرفة أعيانها الجزئية علم واحد من البشر وعبارته.

وإن اكتفى بالكليات فالنبي يمكنه أن ينص على الكليات كما جاء به نبينا - صلى الله عليه وسلم -، إذ ذكر ما يحرم من النساء وما يحل...

وكذلك في الأشربة حرم ما يسكر دون ما لا يسكر، وأمثال ذلك. بل حصر المحرمات في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

وجميع الواجبات في قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: 29].

والواجب محصور في حق الله وحق عباده.

ثم إنه سبحانه فصل أنواع الفواحش والبغي وأنواع حقوق العباد في مواضع أخر.

فتبين بذلك أنه لا مصلحة في عصمة الإِمام إلا وهي حاصلة بعصمة الرسول ولله الحمد والمنة والواقع يوافق هذا.

ورأينا كل من كان إلى اتباع السنة والحديث واتباع الصحابة أقرب كانت مصلحتهم في الدنيا والدين أكمل، وكل من كان أبعد من ذلك كان بالعكس([79]) ([80]).


والثاني عشر: منهم مفقود فامتنع أن يكون إمامًا وهو محمد بن الحسن العسكري (منتظرالرافضة):

وأما الإِمامة فالرافضة أبعد الناس عنها فإنهم قالوا في الإِمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين؛ فإنهم يحتالون على مجهول أو معدوم لا يرى عين ولا أثر، ولا سمع له حس ولا خبر.

ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب.

والإِمامية الذين يزعمون أنه كان له ولد يدعون أنه دخل السرداب بسامراء وهو صغير، منهم من قال عمره سنتان. ومنهم من قال ثلاث. ومنهم من قال خمس سنين.

وهذا لو كان موجودًا معلومًا لكان الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإِجماع أن يكون محضونًا عند من يحضنه في بدنه كأمه وأم أمه ونحوهما من أهل الحضانة، وأن يكون ماله عند من يحفظه إما وصي أبيه إن كان له وصي وإما غير الوصي..

فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إمامًا لجميع المسلمين معصومًا لا يكون أحد مؤمنًا إلا بالإيمان به؟!

ثم هذا باتفاق منهم سواء قدر وجوده أو عدمه لا ينتفعون به لا في الدين ولا في الدنيا ولا علَّم أحدًا شيئًا ولا عرف له صفة من صفات الخير ولا الشر فلم يحصل به شيء من مقاصد الإِمامة ومصالحها لا الخاصة ولا العامة.

بل إن قدر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلاً؛ فإن المؤمنين به لم ينتفعوا به أصلاً ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة. والمكذبون به يعذبون عندهم على تكذيبهم به، فهو شر محض لا خير فيه، وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم العادل.

فأي شيء أضل من سعي من يتعب التعب الطويل، ويكثر القال والقيل، ويفارق جماعة المسلمين، ويلعن السابقين والتابعين، ويعاون الكفار والمنافقين، ويحتال بأنواع الحيل، ويسلك ما أمكنه من السبل، ويعتضد بشهود الزور، ويدلي أتباعه بحبل الغرور، ويفعل ما يطول وصفه، ومقصوده بذلك أن يكون له إمام يدله على أمر الله ونهيه ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه وإرشاده، ولا أمره ونهيه، ولا حصل له من جهته منفعة ولا مصلحة أصلاً، إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار، وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة الجمهور لداخل في سرداب ليس له عمل ولا خطاب، ولو كان موجودًا بيقين، لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين.

فكيف وعقلاء الناس، يعلمون أنه ليس معهم إلا الإِفلاس.

ولهذا تجدهم لما فاتهم مصلحة الإِمامة يدخلون في طاعة كافر أو ظالم لينالوا به بعض     مقاصدهم. فبينما هم يدعون إلى طاعة إمام معصوم، أصبحوا يرجعون إلي طاعة كفور ظلوم([81]) ([82]).

قدحهم في عائشة وهي من أهل البيت، وفي العباس، ومدحهم لأبي طالب الذي مات كافرًا وآزر وأبوي النبي وابن نوح:

من جهل الرافضة أنهم يعظمون أنساب الأنبياء: آباءهم وأبناءهم، ويقدحون في أزواجهم، كل ذبلك عصبية واتباعًا للهوى، حتى يعظمون فاطمة والحسن والحسين، ويقدحون في عائشة أم المؤمنين؛ فيقولون أو من يقول منهم: إن آزر أبا إبراهيم كان مؤمنًا، وأن أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - كانا مؤمنين، حتى يقولون: إن النبي لا يكون أبوه كافرًا، لأنه إذا كان أبوه كافرًا أمكن أن يكون ابنه كافرًا، فلا يكون في مجرد النسب فضيلة.

وهذا مما يدفعون به أن ابن نوح كان كافرًا لكونه ابن نبي فلا يجعلونه كافرًا مع كونه ابنه.

ويقولون أيضًا: إن أبا طالب كان مؤمنًا. ومنهم من يقول كان اسمه عمران، وهو المذكور في قوله تعالي: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33].

وهذا الذي فعلوه مع ما فيه من الافتراء والبهتان فيه من التناقض وعدم حصول مقصودهم ما لا يخفى.

وذلك أنَّ كون الرجل أبيه أو ابنه كافرًا لا ينقصه ذلك عند الله شيئًا؛ فإن الله يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.

ومن المعلوم أن الصحابة أفضل من آبائهم وكان آباؤهم كفارًا،  بخلاف كونه زوج بغية قحبة، فإن هذا من أعظم ما يذم ويعاب، لأن مضرة ذلك تدخل عليه؛ بخلاف كفر أبيه أو ابنه.

وأيضًا فلو كان المؤمن لا يلد إلا مؤمنًا لكان بنو آدم كلهم مؤمنين، وقد قال الله تعالي: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27 – 31] إلى آخر القصة.

وأيضًا فهم يقدحون في العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي تواتر إيمانه. ويمدحون أبا طالب الذي مات كافرًا باتفاق أهل العلم، كما اتفقت عليه الأحاديث الصحيحة، ففي الصحيحين عن ابن المسيب بن حزن عن أبيه قال: «لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه ويعود له ويعودون عليه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأستغفرن لك ما لم أُنْه عنك» فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56] ([83]).

وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا، وقال فيه: «قال أبو طالب: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾([84]) .

وفي الصحيحين عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك وينصرك ويغضب لك؟ فقال: «نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»([85]) .

وفي حديث أبي سعيد لما ذكر عنده قال: «لعله تنفعه شفاعتي فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه» أخرجاه في الصحيحين([86]) ([87]) ([88]).


ورأس مال الرافضة التَّقيَّة وهي النفاق:

رأس مال الرافضة التقية وهي أن يظهر خلاف ما يبطن من العداوة كما يفعل المنافق. وقد كان المسلمون في أول الإِسلام في غاية الضعف والقلة وهم يظهرون دينهم ولا يكتمونه، والرافضة يزعمون أنهم يعملون بهذه الآية: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28].

ويزعمون أنهم هم المؤمنون وسائر أهل القبلة كفار، مع أن لهم في تكفير الجمهور قولين؛ لكن قد رأيت غير واحد من أئمتهم يصرح في كتبه وفتاويه بكفر الجمهور وأنهم مرتدون، ودارهم دار ردة، يُحكم بنجاسة مائعها، وأن من انتقل إلى قول الجمهور منهم ثم تاب لم تقبل توبته؛ لأن المرتد الذي يولد على الفطرة لا يقبل الرجوع إلى الإسلام.. وهذه الآية حجة عليهم..

وقد اتفق المفسرون على أنها نزلت بسبب أن بعض المسلمين أراد إظهار مودة الكفار فنهوا عن ذلك.

وقوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما أقدر عليه كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه»([89]) .

فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلساه، وإلا فبقلبه غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون وامرأة فرعون، وهو لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب، ولا كان يقول بلسانه ما ليس في قلبه؛ بل كان يكتم إيمانه وكتمان الإِيمان شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله قط إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر؛ والله تعالى فرق بين المنافق والمكره.

والرافضة حالهم من جنس حال المنافقين لا من جنس حال المكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإِيمان.

فالرافضي لا يعاشر أحدًا إلا استعمل معه النفاق؛ فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد يحمله على الكذب والخيانة وغش الناس وإرادة السوء بهم، فهو لا يألوهم خبالاً، ولا يترك شرًا يقدر عليه إلا فعله بهم.. ([90]) ([91]).


من كذب الرافضة على الله وتحريفهم للقرآن:

الذين أدخلوا في دين الله ما ليس منه وحرفوا أحكام الشريعة ليسوا في طائفة أكثر منهم في الرافضة؛ فإنهم أدخلوا في دين الله من الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يكذبه غيرهم، وردوا من الصدق ما لم يرده غيرهم، وحَرَّفوا القرآن تحريفًا لم يحرفه غيرهم مثل قولهم: إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55] نزلت في علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة.

وقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: 19] علي وفاطمة. ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] الحسن والحسين. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33] آل أبي طالب، واسم أبي طالب عمران. ﴿فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 12] طلحة والزبير. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] بنو أمية.

﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] عائشة. ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] بين أبي أبكر وعلي في الولاية.

وكل هذا وأمثاله وجدته في كتبهم.

حتى إن الطوائف الذين ليس لهم من الخبرة بدين الرسول ما لغيرهم إذا قالت لهم الرافضة نحن مسلمون يقولون أنتم جنس آخر.

ثم من هذا دخلت الإِسماعيلية والنصيرية في تأويل الواجبات  والمحرمات فهم أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه([92]) ([93]).

ولا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة:

الرافضة لا ينظرون في الإِسناد ولا في سائر الأدلة الشرعية والعقلية...

ولهذا لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة قط؛ بل كل إسناد متصل لهم فلا بد أن يكون فيه ما هو معروف بالكذب أو كثرة الغلط وهم في ذلك شبيه باليهود والنصارى فإنه ليس لهم إسناد، والإِسناد من خصائص هذه الأمة، وهو من خصائص الإِسلام، ثم هو في الإِسلام من خصائص أهل السنة.

والرافضة من أقل الناس عناية إذا كانوا لا يصدقون إلا بما يوافق أهواءهم، وعلامة كذبه أنه يخالف هواهم.

ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.

ثم إن أولهم كانوا كثيري الكذب فانتقلت أحاديثهم إلى قوم لا يعرفون الصحيح من السقيم، فلم يمكنهم التمييز إلا بتصديق الجميع أو تكذيب الجميع، والاستدلال على ذلك بدليل منفصل غير الإِسناد([94]) ([95]).


تعصب الرافضة وحماقاتهم:

لا نعلم طائفة أعظم تعصبًا في الباطل من الرافضة حتى إنهم دون سائر الطوائف عرف عنهم شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم، وليس في التعصب أعظم من الكذب.

وحتى إنهم في التعصب جعلوا للبنت جميع الميراث، ليقولوا: إن فاطمة - رضي الله عنها - ورثت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون عمه العباس - رضي الله عنه -.

وحتى إن فيهم من حرَّم لحم الجمل، لأن عائشة قاتلت على جمل، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة والقرابة لأمر لا يناسب، فإن ذلك الجمل الذي ركبته عائشة - رضي الله عنها - مات، ولو فرض أنه حي فركوب الكفار على الجمال لا يوجب تحريمها. وما زال الكفار يركبون الجمال ويغنمها المسلمون منهم ولحمها حلال لهم. فأي شيء في ركوب عائشة للجمل يوجب تحريم لحمه؟!

وغاية ما يفرضون أن بعض ما يجعلونه كافرًا ركب جملاً، مع أنهم كاذبون مفترون فيما يرمون به أم المؤمنين - رضي الله عنها -.

ومن تعصبهم وجهلهم أنهم يبغضون بني أمية كلهم لكَوْن بعضهم كان ممن يبغض عليًا، وقد كان في بني أمية قوم صالحون ماتوا قبل الفتنة، وكان بنو أمية أكثر القبائل عملاً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لما فتح مكة استعمل عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل خالد  بن سعيد بن العاص بن أمية وأخويه أبان وسعيد على أعمال أُخَر، واستعمل أبا سفيان بن حرب بن أمية على نجران، وابنه يزيد ومات وهو عليها، وصاهر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناته الثلاث لبني أمية زوج ابنتيه لعثمان بن عفان واحدة بعد واحدة، وقال: «لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان»، وزوج أكبر بناته زينب بأبي العاص بن الربيع.

ومن جهلهم وتعصبهم يبغضون أهل الشام لكونهم كان فيهم من كان يبغض عليًا، ومعلوم أن مكة كان فيها كفار ومؤمنون وكذلك المدينة كان فيها مؤمنون ومنافقون. والشام في هذه الأعصار لم يبق فيها من يتظاهر ببغض علي، ولكن لفرط جهلهم يسحبون ذيل البعض.

وكذلك من جهلهم أنهم يذمون من ينتفع بشيء من آثار بني أمية كالشرب من نهر يزيد، ويزيد لم يحفره ولكن وسَّعه.

وكالصلاة في جامع بني أمية، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى الكعبة التي بناها المشركون، وكان يسكن في المساكن التي بنوها، وكان يشرب من ماء الآبار التي حفروها، ويلبس من الثياب التي نسجوها ويعامل بالدراهم التي ضربوها..

فلو فرض أن يزيد كان كافرًا وحفر نهرًا لم يُكره الشرب منه بإجماع المسلمين.

ولقد حدثني ثقة أنه كان لواحد منهم كلب فدعاه آخر منهم (بكير، بكير) فقال صاحب الكلب: أتسمي كلبي بأسماء أهل النار؟ فاقتتلا  على ذلك حتى جرى بينهما دم، فهل يكون أجهل من هؤلاء؟!

والنبي يسمي أصحابه بأسماء قد تسمى بها قوم من أهل النار الذين ذكرهم الله في القرآن كالوحيد الذي ذكره الله في القرآن في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: 11] واسمه الوليد بن المغيرة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو لابن هذا واسمه أيضًا الوليد، ويسمى الابن والأب في الصلاة ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد كما ثبت ذلك في الصحيح([96]).

ومن فرط جهلهم وتعصبهم أنهم يعمدون إلى يوم أحب الله صيامه فيرون فطره كيوم عاشوراء، وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل المدينة وإذا ناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نحن أحق بصومه» ,أمر بصومه أخرجه البخاري([97]).

ومن فرط جهلهم وتعصبهم أنهم يعمدون إلى دابة عجماء فيؤذونها بغير الحق، إذ جعلوها بمنزلة من يبغضونها كما يعمدون إلى نعجة حمراء يسمونها عائشة وينتفون شعرها.

ويعمدون إلى دواب لهم يسمون بعضها أبا بكر وبعضها عمر، ويضربونها بغير حق جعلاً منهم تلك العقوبة لأبي بكر وعمر.

ويصورون صورة إنسان من جبس يجعلونه عمر ويبعجون بطنه، ويزعمون أنهم يأكلون لحمه ويشربون دمه.

وتارة يكتبون أسماءه على أسفل أرجلهم، حتى إن بعض الولاة جعل يضرب رجلَي من فعل ذلك، ويقول إنما ضربت أبا بكر وعمر ولا أزال أضربهما حتى أعدمهما.

ومنهم من يسمي كلابه باسم أبي بكر وعمر ويلعنهما.

وإذا تسمى رجل عندهم باسم علي أو جعفر أو حسن أو حسين أو نحو ذلك عاملوه وأكرموه ولا دليل على ذلك أنه منهم.

ومن ذلك أن بعضهم لا يوقد خشب الطرفاء؛ لأنه بلغه أن دم الحسين وقع على شجرة الطرفاء. ومعلوم أن تلك الشجرة بعينها لا يُكره وقودها ولو كان عليها أي دم كان، فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم؟

ومن حماقاتهم كراهتهم لأن يتكلم أو يفعل شيئًا عدده عشرة حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة ولا بعشرة جذوع، ونحو ذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة إلا عليًا. واسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196].

ومن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة وهم يبغضون التسعة من العشرة.

ومن حماقاتهم إقامة المآتم والنياحة على من قتل من سنين عديدة، ومعلوم أنه قد قتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلمًا وعدوانًا من هو أفضل  من الحسين، قُتل أبوه ظلمًا وهو أفضل منه، وقتل عثمان ظلمًا وكان قتله أول الفتن العظيمة، وما فعل أحد لا من المسلمين ولا غيرهم مأتمًا ولا نياحة على ميت ولا قتيل بعد مدة طويلة من قتله إلا هؤلاء الحمقى الذين لو كانوا من الطير لكانوا رخمًا، ولو كانوا من البهائم لكانوا حُمُرًا([98]).

ومن حماقاتهم أنهم يجعلون للمنتظر عدة مشاهد ينتظرونه فيها: كالسرداب الذي بسامراء، الذي يزعمون أنه غائب فيه، ومشاهد أُخَر.

ومن المعلوم أنه لو كان موجودًا وقد أمره الله بالخروج فإنه يخرج سواء نادوه أو لم ينادوه([99]).

ومما ينبغي أن يُعرف أن ما يوجد في جنس الشيعة من ألأقوال والأفعال المذمومة قد لا يكون هذا كله في الإِمامية الأثني عشرية ولا الزيدية ولكن يكون كثير منه في الغالية وفي كثير من عوامهم مثل ما يذكر عنهم من تحريم لحم الجمل، وأن الطلاق يشترط فيه رضا المرأة، ونحو ذلك مما يقوله من عوامهم، وإن كان علماؤهم لا يقولون ذلك، ولكن لما كان أصل مذهبهم مستندًا إلى جهل كانوا أكثر الطوائف كذبًا وجهلاً([100]) ([101]).


الخوارج أئمة هؤلاء، والرافضة شر منهم إذا تمكنوا:

الخوارج المارقون أئمة هؤلاء في تكفير أهل السنة والجماعة وفي قتلاهم، وسيفهم أول سيف سُلَّ في الإِسلام، وقد وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعنزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم كالذين خرجوا مع عبد الله بن حسين بن حسين وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسين وغير هؤلاء.

وهذه حالة عامة أهل الأهواء كالجهمية يعاقبون من خالفهم في رأيهم: إما بالقتل وإما بالحبس وإما بالعزل ومنع الرزق. والرافضة شر منهم إذا تمكنوا؛ فإنه يوالون الكفار وينصرونهم، ويعادون من المسلمين كل من لم يوافقهم على رأيهم.

فالرافضة شر من الخوارج في الاعتقاد، لكن الخوارج أجرأ على السيف والقتال منهم، فلإِظهار القول ومقاتلة المسلمين جاء فيهم ما لم يجئ فيمن هو من جنس المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

وقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلال.

فكيف بالرافضة الذين هم أبعد منهم عن العقل والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير([102]) ([103]).

الشيعة أساس كل فتنة وشر:

أما الفتنة فإنما ظهرت في الإِسلام من الشيعة فإنهم أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحا الفتن.

فإن أول فتنة كانت في الإِسلام قتل عثمان فسعوا في قتل عثمان وهو أول الفتن. ثم انزووا إلى علي لا حبًّا فيه ولا في أهل البيت؛ لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين. ثم هؤلاء الذين سعوا معه منهم من كفره بعد ذلك وقاتله كما فعلت الخوارج وسيفهم أول سيف سل على الجماعة.

ومنهم من أظهر الطعن على الخلفاء الثلاثة كما فعلت الرافضة وبهم تسترت الزنادقة كالغالية من النصيرية وغيرهم ومن القرامطة الباطنية والإسماعيلية وغيرهم. فهم منشأ كل فتنة.

ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإِسلام المرتدين أتباع مسيلمة الكذاب، ويقولون: إنهم كانوا مظلومين، وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي... ويعاونون الكفار على المسلمين. ويختارون الكفر وأهله على الإِسلام وأهله([104]) ([105]).

شيوخ الرافضة ليس فيهم إمام في شيء من علوم الإسلام ولا في الزهد وقول الحق:

ليس في شيوخ الرافضة إمام في شيء من علوم الإِسلام، لا علم الحديث، ولا الفقه، ولا التفسير، ولا القرآن؛ بل شيوخ الرافضة إما جاهل وإما زنديق كشيوخ أهل الكتاب.

وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي وهؤلاء المعروفون في الأمة بأنهم يقولون الحق وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ليس فيهم رافضي.

والإِمامية في الجملة يعتقدون صحة الإِسلام في الباطن إلا من كان منهم ملحدًا؛ فإن كثيرًا من شيوخ الشيعة هم في الباطن على غير اعتقادهم: إما متفلسف ملحد وإما غير ذلك.

وهكذا أهل كل دين تجد فضلاءهم في الغالب: إما أن يدخلوا في دين الإِسلام الحق، وإما أن يصيروا ملاحدة مثل كثير من علماء النصارى هم في الباطن زنادقة ملاحدة، وفيهم من هو في الباطن يميل إلى دين الإِسلام، وذلك لما ظهر لهم من فساد دين النصارى.

ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي؛ بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك. وهذه كتب الطوائف كلها تشهد بذلك مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة وذكر جهلهم وضلالهم، وهم دائمًا يذكرون  من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاطراد أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم وأبعد طوائف الأمة عن الهدى([106]).

منهم: ابن النعمان المفيد: الموسوي، الطوسي، الكراجكي، عمدتهم: من شيوخ الرافضة كابن النعمان المفيد ومتبعيه كالكراجكي وأبي القاسم الموسوي والطوسي وأمثالهم.

فإن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النظر والمناظرة ومعرفة الأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة، كما أنهم من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها.

وإنما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإِسناد، وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب وبالإِلحاد.

وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن على وهشام بن محمد بن السائب وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم، مع أن هؤلاء هم أجل من يعتمدون عليه في النقل؛ إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء ممن لا يذكرون في الكتب ولا يعرفه أهل العلم بالرجال.

الطوسي شيخ صاحب «منهاج الكرامة» هو ممن يقول: إن الله موجب بالذات، ويقول بقدم العالم كما في «شرح الإِشارات» له، وقد اشتهر  عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة الباطنية الإِسماعيلية بالألموت، ثم لما قدم الترك المشركون (هولاكو) أشار عليه بقتل الخليفة وبقتل أهل العلم والدين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا، وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من النخشية السحرة وأمثالهم.

وأنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين كان أخس الناس نصيبًا منه من كان إلى أهل الملل أقرب، وأوفرهم نصيبًا من كان أبعدهم عن الملل مثل الصابئة المشركين، ومثل المعطلة، وسائر المشركين، وإن ارتزقوا بالنجوم والطب ونحو ذلك.

ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإِسلام ومحرماته، ولا يحافظون على الفرائض كالصلاة، ولا ينزعون عن محرم الله من الخمر والفواحش وغير ذلك من المنكرات، حتى إنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلاة وارتكاب الفواحش وفعل ما يعرفه أهل الخبرة بهم. ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى.

ولهذا كان كل ما قوى الإِسلام في المغُل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء لمعاداتهم للإِسلام وأهله.

ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير تورون المجاهد في  سبيل الله الشهيد الذي دعا ملك المغول غازان إلى الإِسلام، والتزم أن ينصره إذا أسلم، وقتل المشركين الذين لم يسلموا من النخشية السحرة وغيرهم، وهدم البذخانات، وكسر الأصنام، ومزق شملها كل ممزق، وألزم اليهود والنصارى الجزية والصغار وبسببه ظهر الإِسلام في المغُل وأتباعهم.

وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه في المسلمين أشهر وأعرف من أن يوصف. ومع هذا فقد قيل إنه في آخر عمره يحافظ على الصلوات ويشتغل بتفسير البغوي والفقه ونحو ذلك. فإن كان قد تاب من الإِلحاد، فالله يقبل التوبة من عباده([107]) ([108]).


مذهب الإثني عشرية جمع عظائم البدع المنكرة:

مذهب هؤلاء الإِمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنهم جهمية، قدرية، رافضة.

وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله، والكتب مشحونة بذلك ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك.

وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع والمرجئة والحرورية.

وقد اتفق عقلاء المسلمين على أنه ليس في طوائف أهل القبلة أكثر جهلاً وضلالاً وكذبًا وبدعًا وأقرب إلى كل شر وأبعد عن كل خير من طائفة الإِمامية.

والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلاً له في الأمة لسان صدق متهمًا بمذهب الإِمامية فضلاً عن أن يقال يعتقده في الباطن.

وقد اتهم بمذهب الزيدية الحسن بن صالح بن حي وكان فقيهًا زاهدًا. وقيل إن ذلك كذب عليه ولم يقل أحد إنه طعن في أبي بكر وعمر فضلاً عن أن يشك في إمامتهما([109]) ([110]).

أهل السنة هم الذين حفظ الله بهم الدين:

المسلمون الذين يقيمون دين الإسلام في الشرق والغرب قديمًا وحديثًا هم الجمهور.

والرافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام ونقض عراه وإفساد قواعده.

والقدر الذي عندهم من الإِسلام إنما قام بسبب قيام الجمهور به.

ولهذا قراءة القرآن فيهم قليلة، ومن يحفظه حفظًا جيدًا فإنما تعلمه من أهل السنة.

وكذلك الحديث إنما يعرف ويصدق فيه أهل السنة.

وكذلك الفقه والعبادة والزهد والجهاد والقتال إنما هو لعساكر أهل السنة، وهم الذين حفظ الله بهم الدين علمًا وعملاً بعلمائهم وعُبَّادهم ومقاتليهم.

والرافضة من أجهل الناس بدين الإٍسلام، وليس للإنسان منهم شيء يختص به إلا ما يسر عدو الإِسلام ويسوء وليه فأيامهم في الإِسلام كلها سود([111]) ([112]) (*).

فقه الشيعة أحكامهم الفروعية أقسام ثلاثة:

شيوخ الرافضة يزعمون أنهم تلقوا عن ألأئمة الشرائع، وقولهم في الشرائع غالبه موافق لمذهب أهل السنة، ولهم مفردات عن المذاهب الأربعة، قال بها غيرهم من السلف وأهل الظاهر وفقهاء المعتزلة وغير هؤلاء، فهذه ونحوها من مسائل الاجتهاد التي يهون الأمر فيها.

ولهم مفردات شنيعة لم يوافقهم عليها أحد، ولا يعرف لها أصل لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا سبقهم إليها أحد([113]).

من مفرداتهم الشنيعة والتي شابهوا فيها اليهود والنصارى:

ليس في الطوائف المنتشبين إلى الإِسلام أبعد من الرافضة، فلهذا تجد ما انفردوا به عن الجماعة أقوالاً في غاية الفساد. مثل تأخيرهم صلاة المغرب حتى يطلع الكوكب مضاهاة لليهود. وقد تواترت النصوص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعجيل المغرب([114]).

ومثل صومهم قبل الناس بيومين مضاهاة لمبتدعة أهل الكتاب الذين عدلوا عن الصوم بالهلال إلى الاجتماع وجعلوا الصوم بالحساب. وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»([115])   «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا»([116])   «فإن غم عليكم فاقدروا له»([117])   وفي رواية «فأكملوا العدة»([118]) .

ومثل تحريمهم لبعض أنواع السمك مضاهاة لليهود في تحريم الطيبات.

ومثل معاونة الكفار على قتال المسلمين، وترغيب الكفار في قتال المسلمين. وهذا لا يعرف لأحد من فرق الأمة.

ومثل تنجيس المائعات التي يباشرها أهل السنة، وهذا من جنس دين السامرة وهم رافضة اليهود، هم في اليهود كالرافضة في المسلمين.

والرافضة تشابههم في وجوه كثيرة، فإن السامرة لا تؤمن بنبي بعد موسي وهارون غير يوشع، وكذلك الرافضة لا تقر لأحد من الخلفاء والصحابة بفضل ولا إمامة إلا لعلي.

والسامرة تنجس وتحرم ما باشره غيرهم من المائعات وكذلك لركوب عائشة على الجمل، وهذا من أظهر الكفر فهو من جنس دين اليهود،  وكثير من عامتهم يقولون: إن الطلاق لا يكون إلا برضا المرأة. وعلماؤهم ينكرون هذا. وهذا لم يقله أحد من غيرهم، وهم يقولون بإمام منتظر موجود غائب لا يعرف له عين ولا أثر، ولا يعلم بحس ولا خبر، لا يتم الإِيمان إلا به.

وكذلك إقامة المآتم والنوائح ولطم الخدود وشق الجيوب وفرش الرماد وتعليق المسوح وأكل المالح حتى يعطش ولا يشرب ماء تشبهًا بمن ظلم وقتل... ([119]) لا يعرف لغيرهم من طوائف الأمة. ومفاريد الرافضة التي تدل على غاية الجهل والضلال كثيرة.

وكل طائفة سوى أهل السنة والحديث المتبعين لآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينفردون عن سائر الطوائف بحق، والرافضة أبلغ في ذلك من غيرهم([120]) ([121]).


لا يغسلون الرجلين ولا يمسحون على الخفين:

قوله تعالي: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: 6].

لفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة؛ فإن المسح جنس تحته نوعان:

الإِسالة، وغير الإِسالة. كما تقول العرب: تمسحت للصلاة. فما كان بالإِسالة فهو الغسل...

وقد تواترت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «بالمسح على الخفين وغسل الرجلين»([122]) .

والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة كما تخالف الخوارج نحو ذلك مما يتوهمون أنه مخالف لظاهر القرآن؛ بل تواتر غسل الرجلين والمسح على الخفين أعظم من تواتر قطع اليد في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو عشرة دراهم أو نحو ذلك.

وفي ذكر المسح على الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجل فإن السرف يعتاد فيها كثيرًا، وفيه اختصار للكلام؛ لأن المعطوف والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من جنس واحد اكتفي بذكر أحد النوعين.

وهذه الآية فيها قراءتان مشهورتان الخفض والنصب.

فالذين قرءوا بالنصب قال غير واحد منهم أعاد الأمر إلى الغسل أي  وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والقراءتان كالآيتين.

ومن قال إنه عطف على محل الجار والمجرور يكون المعنى وامسحوا برءوسكم وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين.

وقولك مسحت الرجل. ليس مرادفًا لقولك: مسحت بالرجل. فإنه إذا عدي بالباء أريد به معنى الإِلصاق. أي ألصقت به شيئًا.

وإذا قيل: مسحته لم يقتضِ ذلك أن يكون ألصقت به شيئًا وإنما يقتضي مجرد المسح باليد بالإِجماع.

فتعين إذن أنه مسحه بالماء وهو مجمل فسرته السنة كما في قراءة الجر.

وفي الجملة فالقرآن ليس فيه نفي إيجاب الغسل؛ بل فيه إيجاب المسح فلو قدر أن السنة أوجبت قدرًا زائدًا على ما أوجبه القرآن لم يكن في هذا رفع لموجب القرآن، فكيف إذا فسرته وبينت معناه؟ ([123]) ([124])  .


محمد بن الحسن العسكري (المنتظر):

المنتظر لا وجود له، ومفقود لا منفعة لهم فيه([125]) ([126]).


خلاصة في فصل وعلم أئمة الإثني عشرية:

الأئمة الإِثنا عشرية - منهم علي - رضي الله عنه - والثلاثة أفضل منه وأكمل خلافة وإمامة.

وأما سائر الإِثني عشر فهم أصناف - منهم من هو من الصحابة المشهود لهم بالجنة كالحسن والحسين وشركهما في ذلك خلق كثير من الصحابة المشهود لهم بالجنة.

وفي السابقين الأولين من هو أفضل منهما مثل أهل بدر، وهما وإن كانا سيدا شباب أهل الجنة فأبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة، وهذا الصنف أكمل من هذا الصنف.

وفي الإِثني عشر من هو مشهور بالعلم والدين كعلي بن الحسين وابنه جعفر وابنه جعفر بن محمد - وهؤلاء لهم حكم أمثالهم - ففي الأمة خلق كثير مثل هؤلاء وأفضل منهم.

وفيهم المنتظر لا وجود له ومفقود ولا منفعة لهم فيه.

وأما سائرهم ففي بني هاشم من العلويين والعباسيين جماعات مثلهم في العلم والدين ومن هو أعلم وأدين منهم([127]) ([128]) .


وفي ختام مقتطفات هذا الكتاب إتمامًا للفائدة لعل القارئ يطلع على فهرس الكتاب برجاء النفع:-

الموضوع:

* المقدمة.

* آل محمد - صلى الله عليه وسلم -.

* أولياء محمد - صلى الله عليه وسلم -.

* عقائد الصحابة والقرابة وموقف أهل السنة والشيعة منها.

* عقائد الصحابة - - رضي الله عنهم - -

* عقائد أئمة أهل البيت - - رضي الله عنهم - -

* التوحيد: أقسامه الثلاثة.

* مذهب السلف في توحيد الأسماء والصفات.

* في القرآن.

* وفي الرؤية.

* الشيعة مخالفون لإِجماع أهل البيت مع مخالفتهم لإِجماع الصحابة في عامة أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة.

* توحيد الإِمامية واختلافهم فيه.

* متى حدث الغلو فيهم في إثبات الصفات وهذا التعطيل.

* متأخرو الرافضة أشبهوا النصارى في الشرك.

* وجود بعض هذا الغلو في بعض النساك والعباد في شيوخهم.


* القدر - الإِيمان به، ومذهب أهل السنة وأهل البيت الشامل فيه.

* اختلاف الشيعة في القدر.

* اختلاف الزيدية في القدر.

* اختلاف القدرية في الظلم والعدل. والتحقيق فيه.

* النبوة: عصمة الأنبياء، وغلو الرافضة فيها.

* الإمامة - الإمام المعصوم هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا مصلحة في عصمة إمام إلا وهي حاصلة بعصمته.

* الشيعة من أبعد الناس عن اتباع المعصوم محمد - صلى الله عليه وسلم - فهم أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم بخلاف أهل السنة.

* ولم يقل بعصمة الأئمة إلا الرافضة، ولم يشركهم فيه إلا من هو شر منهم.

* الرافضة اشبهوا النصارى في تفضيل أئمتهم وتسليم الدين لهم.

* طاعة أهل السنة لولاة الأمور مقيدة.

* اشتراط العصمة في الأئمة ليس بمقدور ولا مأمور.

* ضمان العصمة للأمة.

* عدم حصر الأئمة في عدد معين.

* علي - رضي الله عنه - لم يدع الإِمامة قبل قتل عثمان ولا أنه معصوم أو منصوص.

* عدم وجود نص على علي - رضي الله عنه -.


* ولم يشتغل بدفن النبي عن الإِمامة.

* لم يكن أبو بكر في جيش أسامة لئلا ينازع عليًّا.

* مذهب الزيدية في إمامة علي ومن بعده.

* ولا نص على بقية الإِثني عشر.

* وحديث الإِثني عشر لا ينطبق على أئمتهم.

* الشيعة مختلفون فيمن ادعوا النص عليه من أئمتهم وفي المنتظر منهم.

* مقاصد الإِمامة: السلطان والعلم.

* فضائل الصحابة والقرابة وموقف أهل السنة والشيعة منها.

* الثناء في القرآن بالإيمان والأعمال لا بمجرد النسب والمصاهرة.

* حق آل محمد - صلى الله عليه وسلم - على الأمة زيادة المحبة والموالاة عن غيرهم.

* رعاية الخليفتين أبي بكر وعمر لحقوق قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفاطمة.

* محبة أهل السنة لعلي - رضي الله عنه -.

* رعاية قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لحق أبي بكر وعمر.

* عز الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز.

* دلالة القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن معهم زمن الاستخلاف والتمكين.

* طعن الرافضة على أبي بكر وعمر وسائر الصحابة والأمة سوي طائفتهم.

* زعمهم بأن الصحابة ومن اتبعهم كفار مرتدون.

* مَنْ يطعن على أبي بكر وعمر.

* جميع ما يطعن به فيهم أكثره كذب.

* الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة في الآية.

* الكلام في أعراض الصحابة أشد من الكلام في غيرهم بغيبة أو كذب.

* الرافضة أمروا بالاستغفار للصحابة فسبوهم.

* تسميتهم لمن اثبت خلافة الثلاثة ناصبيًّا.

* محبتهم لعلي لم يوجد، وبغضهم عليًا المتصف بصفاته الحقيقة.

* خذلان الشيعة لأهل البيت (على والسبطين).

* رفضهم زيد بن علي وأمثاله وهم من ذرية فاطمة.

* سعيهم في قتل الهاشمين وسبي النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين.

* قدهم وطعنهم في أهل البيت.

* قدحهم في عائشة وهي من أهل البيت وفي العباس ومدحهم لأبي طالب الذي مات كافرًا وآزر وأبوي النبي وابن نوح.

* رميهم عائشة - رضي الله عنها - وامرأة نوح.

* قدحهم في فاطمة - رضي الله عنها -.

* موالاتهم لأعداء الله من اليهود والنصارى، والمشركين، وأصناف الملحدين ومعاونتهم على قتال المسلمين وآل محمد.

* رأس مال الرافضة التقية وهي النفاق.

* وما يحكى عن أهل البيت فيها كذب ولم يكره أحد منهم.

* كذب الرافضة على الله وعلى رسوله وعلى الصحابة والقرابة.

* من كذب الرافضة على الله وتحريفهم للقرآن.

* كذبهم في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* لا يوجد لهم أسانيد متصلة صحيحة.

* كذبهم على الصحابة والقرابة وعلى أبي ذر وسلمان وعمار.

* تعصب الرافضة وحماقاتهم.

* قصدهم من إقامة المآتم والنياحة على الحسين.

* ما يروى في مصرعه من الكذب.

* من أمر بقتل الحسين.

* من نكت في ثناياه.

* قُتل مظلومًا.

* الناس في قتله ثلاثة أصناف.

* الشيعة - نشأتها وانقسامها إلى رافضة وزيدية.

* لا يعرف في علماء الحديث من يفضل عليًّا على أبي بكر وعمر.

* عدد فرق الشيعة.

* الزيدية - مذهبهم في التفضيل والخلافة والخروج على الأئمة وفي الأحكام.

* الخوارج أئمة هؤلاء، والرافضة شر منهم إذا تمكنوا.

* ما يتولد عن الخروج على الأئمة من الشر أعظم مما يتولد من الخير.

* الشيعة أساس كل فتنة وشر.

* شيوخ الرافضة ليس فيهم إمام في شيء من علوم الإِسلام.

* بعض هؤلاء الشيوخ.

* عمدتهم، حججهم، غاية جهلهم.

* لا يوجد في الملوك ولا في الوزراء الذين نصروا الإسلام رافضي.

* مذهب الإِثني عشرية جمع عظائم البدع المنكرة.

* أول من ابتدع الرفض كان منافقًا زنديقًا أراد إفساد الإِسلام.

* وأمراؤهم إنما قصدوا بالملك إفساد الدين.

* غلاة الشيعة.

* الإسماعيلية.

* النصيرية.

* القرامطة الباطنية.

* التعطيل أعظم من الشرك.

* العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة.


* الفرقة الناجية وصف أهل السنة والجماعة لا وصف الرافضة ولا غيرها من الفرق.

* حكم الفرق الاثنتين والسبعين إذا لم تقع في شرك أو كفر.

* أهل البدع هم أهل الشبهات.

* أصول فقه الشيعة.

* الرافضة لهم في دينهم عقليات وشرعيات.

* عمدتهم في التفسير.

* عمدتهم في الحديث.

* عمدتهم في الفقه.

* مصنفاتهم في الخلاف وأصول الفقه وغيرهما.

* الشيعة كل ما خالفوا فيه أهل السنة كلهم فهم مخطئون فيه.

* أهل السنة هم الذين حفظ الله بهم الدين.

* فقه الشيعة.

* أحكامهم الفروعية ثلاثة أقسام.

* مفرداتهم الشنيعة والتي شابهوا فيها اليهود والنصارى.

* عدم غسلهم الرجلين، عدم مسحهم على الخفين.

* خُمس مكاسب المسلمين يؤخذ منهم ويُصرف إلى نائب المعصوم عند الرافضة.

* إباحتهم المتعة وهي محرمة حتى عند أهل البيت.

* زيادتهم في الأذان (حي على خير العمل).

* ذكر غير الشهادتين في الأذان من أعظم الضلال.

* تخصيص علي بالصلاة عليه دون غيره خطأ.

* الترضي عن علي وحده أو الإِثني عشر بدعة منكرة.

* ما كان مشروعًا لم يترك لأجل فعل أهل البدع لا الرافضة ولا غيرهم.

* فقهاء أهل البيت.

* علماء أهل البيت أئمة أهل السنة أيضًا.

* علم علي - رضي الله عنه -.

* مما روي في علمه.

* وما نسب إليه من العلوم الباطلة.

* الحسن والحسين - رضي الله عنهما - روايتهما وعلمهما وزهدهما.

* محمد ابن الحنفية.

* ابن عباس - رضي الله عنه - روايته وعلمه وفتياه.

* علي بن الحسين روايته وما روي عنه ومناقبه.

* محمد بن على الباقر مَنْ أخذ عنه ومَنْ روى عنه وعلمه.

* جعفر بن محمد - علمه، ودينه، ومَنْ روى عنه الحديث والفقه.

* ما كذب على جعفر (الصادق)؟

* موسى بن جعفر مَنْ روى عنه ومَنْ روى له.


* علي بن موسى - علمه وزهده، وما روي عنه من الأكاذيب.

* محمد بن على الجواد - مناقبه وعلمه.

* علي بن محمد الهادي ويقال له العسكري.

* الحسن العسكري.

* منتظر الرافضة محمد بن الحسن العسكري.

خلاصة

* خلاصة في بيان فضائل وعلم أئمة الإِثني عشرية.

* الشافعي المطلبي.

بنو هاشم في زمن المؤلف - قلة علمهم.

هذا وأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب وأن يثقل به موازين حسنات والدي جزاء ما قدم.


أبو بكر الصديق

أفضل الصحابة، وأحقهم بالخلافة

بحث لخصه ورتبه

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وفقه الله تعالى

من

منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية

قدس الله روحه



سابعًا: كتاب: «أبو بكر أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة»:

* كتاب اعتنى الوالد - رحمه الله - فيه بجمع بعض مآثر وخصال أبي بكر - رضي الله عنه - أفضل الصحابة وأولاهم بالخلافة، وفي هذا رد على من يقول خلاف ذلك.

* والكتاب أخذ نظمًا معينًا قال عنه الشيخ بكر أبو زيد: «... الجمع الموضوعي مثل جمع تلميذه ابن عبد الهادي للأحاديث الضعيفة في منهاج السنة، وجمع محمد بن قاسم لمناقب أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - كذلك»([129]) .

* وقد قال الوالد - رحمه الله تعالي - في مقدمته للكتاب:

«أما بعد - فهذا ملخص - مرتب موثق بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة في بيان أفضلية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - دفعني إليه ما يلي:

1- امتثال أمر رسول الله حيث قال: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه؛ فإنه لم يسؤني قط».

2- أن معرفة فضائله من أسباب محبته، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب»([130]) .

3- أنه روي عن بعض السلف: أن حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة - فروى الإِمام أحمد عن مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. ومسروق من أجل تابعي الكوفة. وكذا قال شقيق بن عبد الله وهو من التابعين، وقال طاوس مثل ذلك. وقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وروي بالسند عن الحسن البصري - رحمه الله -: قيل للحسن: حب أبي بكر وعمر من السنة؟ قال: لا. فريضة.

4- أن السلف كانوا يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن([131]).

وأنا أود أن يكون هذا الكتاب أو مثله في بيت كل مسلم: تكميلاً لمحبتنا وتحصينًا لذريتنا.

5- أنه يتأكد بيان علم الصحابة ودينهم وفضائلهم وتقديمهم الصديق والفاروق إذا جهل ذلك.

6- أنه إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وإبطال حجته بعلم وعدل.

7- أنه قد يتوصل بالطعن فيهم إلى الطعن في الرسول ودين الإِسلام، ويسلط الكفار والمنافقين، ويورث الشبهة والضعف عند كثير من المؤمنين، كما قال مالك وغيره من أهل العلم: هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يمكنهم ذلك، فطعنوا في أصحابه؛ ليقول  القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين([132]).

8- أن أبا بكر هو أولهم وهو أفضلهم، فإذا ثبتت أفضيلته واندفع الطعن فيها انسد باب الطعن في خليفته عمر، وفي جعل عمر الخلافة في الستة الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راضٍ.

9- أن هذا البحث - فضائل الصديق وأحقيته - مفرق في ثنايا المنهاج لا يُحصل عليه كاملاً إلا بمطالعة الكتاب كله وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى وقت، لأن ابن تيمية - رحمه الله - لم يؤلف الكتاب في فضائل أبي بكر؛ وإنما ألفه ردًّا على الرافضي متمشيًا مع عباراته واعتراضاته.

10- أن شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله - قد اعتمد في ذكر فضائل الصديق وخصائصه على الآيات الكريمات، وصحاح الأحاديث النبوية، والآثار السلفية، ووضح الاستدلال منها؛ ولم يعتمد على كتب التاريخ التي غالبها المراسيل، أو التي يخلط الغث منها بالسمين.

ولهذا اخترت هذا الموضوع «أفضيلة الصديق وأحقيته بالخلافة» ولخصته من كتابه «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية».

11- لم أتعرض لبعض الفرق التي أشار إليها الشيخ هنا؛ لأن قصدي الأول أن يكون عند المسلم إلمام كامل بأفضلية الصديق وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

12- مع أن هذا الملخص في فضائل أبي بكر وميزاته إلا أنه في مواضع يستعرض فضائل الصحابة عمومًا، وينبه على مراتب الخلفاء الثلاثة وغيرهم.

13- خرجت الأحاديث التي ذكرها الشيخ - رحمه الله - ولم أتتبع كل من خرجها خصوصًا إذا كانت في الصحيحين أو أحدهما.

14- وضعت لهذه الأبحاث عناوين تقربها، وأرقامًا لبعض الأوجه والأحاديث، وعلقت على بعض ما قد يعتبر من الغريب أو يحتاج إلى زيادة إيضاح.


اعتذار([133]):

1- لم أستوف حياة الصديق وسيرته من حين أسلم إلى أن توفي، وإنما اعتنيت بالمهم منها: وهو فضائله، وأحقيته، ونفعه العام للإِسلام والمسلمين.

2- جل ما في هذا الملخص من كتاب المنهاج كما تقدم؛ لأن مؤلفه إمام جليل وعباراته سهلة رصينة واضحة. وقد أضفت إليه نقولاً قليلة جدًّا، أشرت إليها وإلى مصدرها عند ذكرها.

3- إذ لم أجد البحث كاملاً إلا في موضعين أو أكثر جمعته، وقد أضطر إلى دمج بعض عبارته في بعض بدون إخلال، وأشير إلى ذلك بذكر المجلد والصحيفة أو المجلدات والصفحات. وقد اعتمدت طبعة مكتبة الرياض الحديثة في الجزئين الأول والثاني، والأميرية في 3، 4 (طبع 1322هـ).

4- قد يكون في النقل تقديم أو تأخير أو من آخر الكتاب قبل ما في أوله لأجل التلخيص والتقريب وترتيب المواضيع والعبارات.

يحسن قبل الشروع في ذكر فضائل الصديق أن أذكر لمحة موجزة - مما في المنهاج - في فضائل الصحابة عمومًا والخلفاء الثلاثة خصوصًا ومراتبهم حتى لا يظن بهم الظنون، أو يظن بنا التحيز أو التنقيص من فضائل بعضهم. والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن  ينفع به إنه ولي ذلك والقادر عليه».

* والوالد -رحمه الله- كأهل السنة والجماعة مُظهرًا محبته لأبي بكر رضي الله عنه ويبغض ويعادي من سبه أو تنقص منه، وقد رأيت منه إجلالاً عظيمًا ومعرفة لقدر صاحبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحدث مرة عن قصة الغار وذكر خوف أبي بكر فدمعت عيناه!

* وقد ذكر - رحمه الله - في الكتاب أوائل أبي بكر ومن ذلك:

1- أبو بكر أسبق الصحابة إلى الخيرات.

2- أبو بكر أول من أسلم.

3- أبو بكر أول من أوذي في الله.

4- أبو بكر أول من دافع عن رسول الله.

5- أبو بكر أول من دعا إلى الله.

6- أبو بكر أول من بذل ماله لنصرة الإِسلام.

* ثم ذكر - رحمه الله -: الصحبة وفضلها، ومقاصدها وتبريزه فيها.

ثم عقد عنوانًا: أبو بكر أتقى الأمة، وأرجح الأمة إيمانًا، وشهادة الرسول له ولعمر بكمال الإِيمان.

ثم ذكر - رحمه الله -: أن أبا بكر أعلم الصحابة والأمة وأذكاهم، وأنه من كتاب الوحي، وازهد الصحابة، وأشجع الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه أحب الخلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه لم يسؤ النبي - صلى الله عليه وسلم - قط، وابنته أحب النساء إليه، وأبو بكر من أنصح الناس وأخطبهم، وأنه أول من  يدخل الجنة من هذه الأمة ويدعى من أبوابها كلها.

ثم ذكر - رحمه الله -: خلافة الصديق حق وصواب بالنصوص والإِجماع والأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.

وفي الختام ذكر أعمال أبي بكر بعد الاستخلاف وهي من فضائله - رضي الله عنه - ومنها أنه ثبت المسلمين وقواهم، وقاتل المرتدين، وقاتل مانعي الزكاة، وراسل أهل الردة، وأنفذ جيش أسامة، وشرع في قتال أهل الكتاب، وأمره بجمع القرآن استخلافه عمر بعده.

* والكتاب يقع في مجلد لطيف عدد صفحاته (142) صفحة وقد جمعه - رحمه الله - ورتبه في عام ثمانية وأربعمائة وألف هجرية.


وللقارئ الكريم بعضًا من ذلك الكتاب حتى يطلع عليه عن قرب:

* الصديق أبلغ من الصادق:

الوصف بالصديق أكمل من الوصف بالصادق، فكل صديق صادق، وليس كل صادق صديقًا. وأبو بكر ليست فضيلته في مجرد كونه صادقًا ليس غيره أكثر تحريًا للصدق منه؛ بل في أنه علم ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة وتفصيلاً، وصدق ذلك تصديقًا كاملاً في العلم والقصد والقول والعمل.

وهذا القدر لم يحصل لأبي ذر([134]) ولا غيره؛ لأنه لم يعلم ما أخبر به الرسول كما علمه أبو بكر، ولا حصل له من التصديق المفصل ما حصل لأبي بكر، فإن أبا بكر أعرف منه، وأعظم حبًّا لله ورسوله منه، وأعظم نصرًا لله ولرسوله منه، وأعظم جهادًا بنفسه وماله منه - إلى غير ذلك من الصفات التي هي كمال الصديقية.

وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون([135]) ومن كان أكمل في ذلك فهو أفضل([136]) ([137]).


أبو بكر أسبق الصحابة إلى الخيرات:

* هو أول من أسلم:

أول من آمن بالرسول باتفاق أهل الأرض أربعة: أول من آمن به من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة. وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: «كنت جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما صاحبكم فقد غامر([138]) فسلم، وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأقبلت إليك. فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا» ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتمعر([139]) حتى أشفق أبو بكر([140]) فجثى على ركبتيه فقال يا رسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين([141]) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله([142]) فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها»([143]) .

وفي رواية: «كانت بين أبي بكر وعمر محاورة([144]) فأغضبه أبو بكر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه.

قال: وغضب النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وفيه إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت»([145]) .

فهذا يبين فيه أنه لم يكذبه قط، وأنه صدقه حين كذبه الناس طرًا. وهذا ظاهر في أنه صدقه قبل أن يصدقه أحد من الناس الذين بلغهم الرسالة.

والناس متنازعون في أول من أسلم - فقيل: أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق إسلامًا من علي. وقيل: إن عليًا أسلم قبله، لكن عليًّا كان صغيرًا وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء.

ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع؛ فيكون هو أكمل سبقًا بالاتفاق، وأسبق على الإِطلاق على القول الآخر.

وقال الشيخ في موضع آخر: وأما خديجة وعلي وزيد - فهؤلاء كانوا من عيال النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي بيته.

وخديجة عرض عليها أمره لما فاجأه الوحي وصدقته ابتداء قبل أن يؤمر بالتبليغ، وذلك قبل أن يجب الإِيمان به، فإنه إنما يجب إذا بلغ الرسالة.

وعلي يمكن أنه آمن به لما سمعه يخبر خديجة وإن كان لم يبلغه. وقوله في حديث عمرو بن عبسة: «قلت يا رسول الله: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به»([146])   موافق لهذا. أي اتبعه من المكلفين المدعوين([147]) ([148])  .


وأول من أوذي في الله:

أول من أوذي في الله بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر - آذاه الكفار على إيمانه حتى خرج من مكة مهاجرًا إلى أرض الحبشة - روى البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي اله عنها - قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي النهار وعشية([149]) فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يَخْرُجُ ولا يُخْرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عيشة في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُجُ مثله ولا يُخْرَج، أتخرجون رجلاَ يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فقال ذلك  ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتني مسجدًا بفناء داره، وكان  يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، قد تجاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت: عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإنا أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عزَّ وجلّ. الحديث([150]).

ولما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر جعلوا في كل واحد منهما ديته لمن قتله أو أسره([151]).

وحثوا التراب على رأس أبي بكر، قال ابن إسحاق: حدثني  عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، قال: لقي أبا بكر سفيه من سفهاء قريش حين خرج من جوار ابن الدغنة وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابًا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل، فقال له أبو بكر: ألا تري ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول: أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك([152]) ([153])  .


وأول من دافع عن رسول الله:

لما أراد المشركون أن يضربوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يقتلوه بمكة دافع عنه الصديق فضربوه. عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» ([154]) وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه وأقبلو على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا رجع معه([155]) ([156])([157]) .


وأول من دعا إلى الله:

أبو بكر أول من دعا إلى الله، وكان له قدر عند قريش لما فيه من المحاسن - فيجعل يدعو الناس إلى الإِسلام من وثق به، فأسلم على يديه أكابر أهل الشورى: عثمان، طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وهذا أفضل عمل. وكان يخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو معه الكفار إلى الإسلام في المواسم ويعاونه معاونة عظيمة في الدعوة، بخلاف غيره. كان يجاهد الكفار مع الرسول قبل الأمر بالقتال بالحجة والبيان والدعوة، كما قال تعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 52] وهذه السورة - سورة الفرقان - مكية نزلت قبل أن يهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يؤمر بالقتال. فكان أبو بكر أسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال، فإنه جاهد قبل الأمر بالقتال وبعد الأمر بالقتال، منتصبًا للدعوة إلى الإيمان بمكة والمدينة يدعو المشركين ويناظرهم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وذات يده أبو بكر»([158])   فالصحبة بالنفس، وذات اليد هو المال. فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمن الناس عليه في النفس، والمال([159]).


وأول من بذل ماله لنصرة الإسلام:

روي الإِمام أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكره» فبكى أبو بكر، وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟! ([160]).

وهذا صريح في اختصاصه بهذه الفضيلة لم يشركه فيها علي ولا غيره.

«وكان يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه»([161]) .

وإنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في طعامه وكسوته فإن الله أغنى نبيه عن مال الخلق أجمعين؛ بل كان معونة على إقامة الإِيمان. وكان إنفاقه في أول الإِسلام لتخليص من آمن والكفار يؤذونه أو يريدون قله - مثل اشترائه سبعة كانوا يعذبون في الله، منهم بلال، حتى قال عمر - رضي الله عنه -: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا - يعني بلالاً([162]). وإنفاقه على المحتاجين من أهل الإِيمان في نصر الإِسلام حيث كان أهل الأرض قاطبة أعداء الإِسلام، وتلك النفقة ما بقي يمكن مثلها، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته - لما كان بين عبد الرحمن بن  عوف وبين خالد بن الوليد كلام -: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»([163]) .

فإن إطعام الجائع من جنس الصدقة المطلقة التي يمكن كل واحد فعلها إلى يوم القيامة.

وقال يعقوب بن سليمان في تاريخه: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم، أنفقها في سبيل الله؛ أعتق بلالاً، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس([164]).

وقال أبو قحافة له: يا بني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو اعتقت قومًا يمنعونك. فقال: إني أريد ما أريد([165]).

ولما هاجر استصحب ماله فجاء أبو قحافة، وقال لأهله: ذهب أبو بكر بنفسه فهل ترك ماله عندكم أو أخذه؟ قالت أسماء: فقلت: بل تركه، ووضعت في الكوة شيئًا وقلت هذا هو المال لتطيب نفسه أنه ترك ذلك لعياله، ولم يطلب أبو قحافة منه شيئًا. وهذا يدل على غناه.

وأصحاب الصفة كانوا فقراء فحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على طعمتهم فذهب  بثلاثة، وانطلق نبي الله بعشرة([166]) وكان الصديق ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابة بعيدة، وكان ممن يتكلم في الإِفك، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله تعالي: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22] فقال أبو بكر: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فأعاد عليه النفقة. والحديث بذلك ثابت في الصحيحين([167]) ([168]) ([169]).

أسأل الله الكريم أن يجمعنا ووالدينا مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.



شَرحُ كتاب

كشف الشبهات

من تقريرات

الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

رحمه الله

جمعه ورتبه وطبعه على نفقته

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم



سابعًا: شرح كتاب «كشف الشبهات» من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -

* قال الوالد - رحمه الله - في مقدمته لهذا الكتاب العظيم:

أما بعد: فهذا شرح لكتاب «كشف الشبهات»([170])   للشيخ محمد بن عبد الوهاب - قدس الله روحه - جمعته من تقريرات شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - كتبتها حال إلقائه الدروس في مسجده وفي بيته من عام ستة وستين وثلاثمائة وألف إلى عام اثنين وسبعين وثلاثمائة وألف هجرية. وقد تكررت كتاباتي لهذا الشرح ست مرات. أكتب لفظه من فيه في حينه حرصًا على تقييد الفوائد، ومحافظة على أمانة النقل. وإن كان الثقات من العلماء يقتنعون بالنقل عن مشايخهم سماعًا ويحدثون به، كما يقول ابن القيم أحيانًا: وسمعت شيخنا أو شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول: وكما يذكره الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري - رحمه الله - عن مشايخه بلفظ: (تقرير) وغيرهما.

* وهذه التقريرات التي سمعتها منه وسجلتها في دفاتري كملت بعضها ببعض ورتبتها فتحصل منها شرح واف بالمقصود موجز سهل العبارة ولله الحمد والمنة. ووضعت عناوينه في الهامش للشبه وأجوبتها لتسِّهل فهم  الكتاب . وجعلت المتن في أعلى كل صفحة. وفصلت بين المتن والشرح. وأعدت فقرات المتن مع الشرح ليكون أوضح من وضعه بصفة تعليق. وذكرت بعض من روى الأحاديث، وخرجت الآيات، ونبهت على ما يشكل أو يحتاج إلى توضيح.

* وقدمت للكتاب بمقدمة وصفت فيها طريقة الشيخ محمد بن إبراهيم في افتتاح الدروس، وبينت حرصه على تعليم التوحيد، وحث الطلاب على تعلمه، وذكرت الفرق بين دين قريش ودين محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكرت موضوع الكتاب، ثم نص الشبه وملخص الجواب عنها.

طريقة الشيخ في افتتاح الدروس:

«الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال رحمه الله تعالي»:

كان شيخنا محمد بن إبراهيم - رحمه الله - يستفتح الدروس في هذا الكتاب وغيره بهذه العبارة التي فيها الثناء على الله سبحانه، والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وأصحابه أجمعين، ثم يترحم على المؤلفين.

وكذلك الطلاب يستفتحون قراءتهم عليه في المختصرات (المتون) و«المطولات» كتب الحديث والتفسير والعقائد والفقه والنحو وغيرها بهذه العبارة. يجمعون بين الصلاة والسلام على آله وأصحابه تبعًا للصلاة والسلام عليه؛ لا يقتصرون على الصلاة والسلام على «آله»  دون «أصحابه». وإذا تلوا نص الأحاديث اقتصروا على الصلاة والسلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما هما موجودان في كتب الحديث ومؤلفات العلماء المعروفين باتباع طريقة أهل السنة والجماعة. وقد نبَّهنا شيخنا - رحمه الله - في تقريراته - وكما يذكر ذلك غيره - على سر الجمع بين الصلاة والسلام على آله وأصحابه بأن ذلك تأكيدًا لعقيدة أهل السنة والجماعة في معرفة حقوقهم وفضائلهم ومحبتهم، وبراءة من البدعتين الذميمتين بدعة «النواصب» وبدعة «الروافض» حيث كان الاقتصار على الصلاة والسلام على «آله» دون أصحابه شعارًا للروافض ودعاية لعقيدتهم. هذا بقطع النظر عما يعنون «بآله».

* ولم نسمع منه - رحمه الله - في الدروس ولا في الخطب ولا غيرها بعد ذكر «آله» عبارة «الطيبين الطاهرين» لأن هذه العبارة خبر عن طهارتهم والآية والحديث الواردان في ذلك فيهما الأمر لهم، وفرق بين الأمر والخبر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في «منهاج السنة»: والله لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب عنهم الرجس فإن هذا من الكذب على الله، كيف ونحن نعلم أن من بني هاشم من ليس بمطهر، ولأنه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] ففيه أنه يحب ذلك ويرضاه لكم ويأمركم به، فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب. ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك.

* وقال في موضع آخر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» دليل على أنه يخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك لا يقتصر على مجرد الدعاء([171]) ولأنه قال في الدعاء لنفسه والأمة تبع له: «اللهم طهرني من الذنوب والخطايا»([172]) .

موضوع كتاب كشف الشبهات:

(للشيخ محمد بن عبد الوهاب - قدس الله روحه -):

أما موضوعه فقد عبر عنه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - بقوله:

هذا الكتاب جواب لشبه اعترض بها بعض المنتسبين للعلم في زمانه  عليه؛ فإن الشيخ الإِمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - لما تصدى لبيان التوحيد والدعوة إليه وتفصيل أنواعه والموالاة والمعاداة فيه مصادمة من ضاده وكشف شبه من شبه عليه - وإن كانت أوهى من خيط العنكبوت وبين ما عليه الكثير من الشرك الأكبر - اعترض عليه بعض الجهلة والمتعلمين أزَّهم إبليس فجمعوا شبهًا شبهوا بها على الناس، وزعموا أن الشيخ - رحمه الله - يكفر المسلمين وحاشاه ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفرا([173]) وقامت عليه الحجة، فأجابهم المصنف بهذا الكتاب، وكشف شبههم بما تطمئن به الألباب، من نصوص السنة والكتاب، وما يميز به المصنف ما عليه الشيخ وأتباعه وما عليه أولئك.

وقدم مقدمة في بيان حقيقة دين المرسلين وما دعوا إليه، وحقيقة دين المشركين وما كانوا عليه. وبيَّن أن مشركي زمانه هم أتباع دين المشركين.اهـ.

ملخص الشبهات وأجوبتها:

هذه «الشبه» أجاب عليها المصنف عنها بجواب مجمل، ومثل لذلك بآية ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62] وأن الشفاعة حق، والأنبياء لهم جاه عند الله. ثم أجاب عن كل شبهة بجواب يخصها أو جوابين أو أكثر.

الشبهة الأولى: أن من أقر بتوحيد الربوبية - أنه لا يخلق ولا يرزق ولا  يدبر الأمر إلا الله - وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فضلاً عن عبد القادر أو غيره - وإنما قصد من الصالحين الجاه والشفاعة فليس بمشرك.

والجواب: أن الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقرون بما ذكرت وإنما أرادوا مثل ما أردت.

الشبهة الثانية: قوله: إن الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.

الجواب: أن الكفار منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأولياء ومنهم من يدعو عيسى ابن مريم وأمه، ومنهم من يعبد الملائكة، ولا فرق بين المعبودات([174]) فالكل شرك والكل مشركون، كفَّر الله من يعبد الأصنام وكفَّر من يعبد الصالحين والملائكة.

الشبهة الثالثة: أن طلب الشفاعة منهم ليس بشرك.

والجواب: أن هذا هو قول الكفار سواء بسواء ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] ليس لهم قصد إلا شيء واحد وهو طلب الشفاعة من رب الجميع، وأنه كفرهم بذلك.

الشبهة الرابعة: نفيهم عبادة الصالحين مع أنهم يدعوههم أو يذبحون لهم ويقرون بأن هذه عبادة، وأن المشركين الأولين هكذا كانت عبادتهم. وإن أنكروا أن هذه عبادة أو جهلوا فهذه الآيات والأحاديث تبين ذلك.

الشبهة الخامسة: أن من ينكر طلب الشفاعة من الرسول والصالحين فهو منكر لشفاعة الرسول ومتنقص للأولياء.

والجواب: أن الأمر بالعكس؛ فإن الشفاعة ملك لله ولا تكون إلا من بعد إذنه ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد، وأن طلبها من غير الله شرك وهو سبب حرمانها.

الشبهة السادسة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي الشفاعة وأنها تطلب منه.

والجواب: أن إعطاءه الشفاعة إعطاءً مقيدًا لا مطلقًا، وشفاعته للعصاة لا للمشركين. وأيضًا الشفاعة أعطيها غير الرسول - فلا يدل على أن يعطيها من سألها ولا أنها تطلب منه.

الشبهة السابعة: أن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشطر، فليس مشركًا.

الجواب بالتحدي: يسأل عن الشرك ما هو؟ وعن عبادة الله ما هي؟ فإنه لا يدري ما هو التوحيد، ولا ما هو الشرك الذي وقع منه؟

الشبهة الثامنة: قوله: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.

فيقال له: هل هم يعتقدون أنها تخلق وترزق؟

وإن قال: هو من قصد خشبة أو حجرًا أو بنية على قبر أو غيره يدعونه ويذبحون له يقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته.

فهذا تفسير صحيح لعبادة الأصنام وهو فعلكم بعينه. مع أن الشرك  ليس مخصوصًا بعبادة الأصنام.

الشبهة التاسعة: قولهم: إنكم تكفرون المسلمين - تجعلوننا مثل المشركين الأولين ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق بالبعث ونصلي ونصوم ونحج ونعتمر - وهم بالعكس - كيف تجعلون من كان معه هذه الخصال وهذه الفروق كمن ليس فيه منها شيء؟!

وقد أجاب عنها بتسعة أجوبة بين فيها أن هذه الفروق غير مؤثرة بالكتاب والسنة والإِجماع، بل هذه الخصال والفروق مما يتغلظ بها كفرهم.

من وجد منه مكفر بأن صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء، أو رفع المخلوق في رتبة الخالق، أو غلا في أحد من الصالحين فادعى فيه الألوهية، أو خالف الشريعة في أشياء مثل استحلال نكاح الأختين، أو وجد منه نوع من أنواع الردة، أو استهزأ بالله أو آياته. فهو مرتد، ليس من شرط الردة أن يجمع أطراف الردة أو يجمع الشركيات أو أن رب العالمين ومعبوده واحد في جميع ما يستحق. فإن الردة ردتان: ردة مطلقة، وهي الرجوع عما جاء به الرسول جملة. والثانية: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول.

الشبهة العاشرة: أن من قال: لا إله إلا الله لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. واستدلوا بأحاديث.


والجواب: أنها لا تدل على ما زعم الشبه من أن مجرد قول لا إله إلا الله يمنع من التكفير، بل يقولها ناس كثير وهم كفار؛ إما لعدم العلم بمعناها أو عدم العمل بمقتضاها أو وجود ما ينافيها - ومثل لذلك بأن اليهود يقولونها، وأصحاب مسيلمة الذين قاتلهم الصحابة، وكذلك الذين حرقهم علي - رضي الله عنه - فقولها باللسان لا يكفي في عصمة الدم والمال.

الشبهة الحادية عشرة: قولهم: إن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا لجواز الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة. وقد بين المؤلف جهلهم حيث لم يفرقوا بين الاستغاثتين.

الشبهة الثانية عشرة: استدلالهم على أن الاستغاثة بالأموات والغائبين ليست شركًا بعرضها على إبراهيم من جبريل.

والجواب: أن هذه الاستغاثة جنس وتلك جنس آخر، فمن سوى بينهما فقد سوى بين المتباينين.

الخاتمة:

في بيان أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل. فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا.

هذا والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على محمد وآله وصحبه».

* والكتاب يقع في مجلد لطيف عدد صفحاته (134) صفحة.



شرحُ كتاب

آداب المشي إلى الصلاة أو العبادات

الصلاة، الزكاة، الصيام

من تقريرات

الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

رحمه الله



ثامنًا: شرح كتاب «آداب المشي إلى الصلاة» من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: وقد قال الوالد - رحمه الله - في تعريفه بهذا الكتاب:ـ

فهذا (كتاب العبادات) المسمى بـ (آداب المشي إلى الصلاة) انتقاء الإِمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب: من أحكام الصلاة والزكاة والصيام، مقتديًا في تأليفه بقول الإِمام أحمد - رحمه الله -: «يجب أن يَطْلُبَ من العلم ما يقوم به دينه. قيل: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله صلاته وصيامه ونحو ذلك» فذكر الشيخ أحكام «الصلاة» و«الزكاة» و«الصيام» وأضاف أشياء أخرى من آداب السلام والاستئذان وغيرها. ودلل على ذلك بما في الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأقوال العلماء المجتهدين. وجرده مما يوجد في كتب بعض المنتسبين إلى الأئمة الأربعة من أمور مبتدعة أو مرجوحة. وإن كانت قليلة. وبوبه، وخرج ما يراه محتاجًا إلى تخريج من الأحاديث التي أوردها وترك بعضها لشهرتها.

* فكان هذا الكتاب مع اختصاره مثالاً للتحقيق في هذه العبادات، ومفيدًا للمبتدئين والمتوسطين وأئمة المساجد قدوة المصلين.

* وكان هذا المؤلف ومن انتفع بدعوته وكتبه ومن أخذ بتوجيهاته ونصره من حكام آل سعود مثالاً حيًّا لصدر هذه الأمة المشهود لها بالخيرية: في العقائد والعبادات والمعاملات والحدود والجنايات والجهاد  والأخلاق والآداب وكل ما له صلة بالإِسلام - خصوصًا في نجد - قال حفيده الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: «لم يُوجد إطباق على الخير مثل إطباق أهل نجد، أما أفردا فموجود كثير في المغرب وغيره». اهـ. فرحم الله هذا المؤلف وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء.

هذا الشرح للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:

ولما كان ذلك الكتاب كما وصفه سماحة شيخنا بقوله: «مهم جدًا ولا سيما لطالب العلم المبتدئ». اهـ.

وكان أول كتاب يحفظه الطلاب في الفقه، ثم ينتقلون بعده إلى «زاد المستقنع، وشرحه» في عصره، ولأني كنت ممن يقرؤه ويستمع إلى تقريرات الشيخ عليه في عام تسعة وستين وعام سبعين وثلاثمائة وألف، وعرفت آنذاك قيمتها العلمية، ولما أعلم من الثقة والقبول لمؤلفات المؤلف وغزارة علم الشارح([175])، ولما قرأته في صحيح مسلم من قول ابن سيرين - رحمه الله -: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». اهـ. ولمحبتي لحفظ العلم ونشره لذلك كله حرصت على تسجيل هذه التقريرات في دفاتري مرتين في عام (69 و70) ([176]) وظلت هذه المدة - خمسين عامًا محفوظة عندي كغيرها من شروحات الشيخ وتقريراته وفوائده. ولولا لطف الله بي وبها وبشيخنا وتذكري قول الشاعر:

العلم صيد والكتابة قيده           قيد صيودك بالحبال الواثقة

لطارت في الهواء أو ندت في الصحراء؛ فلم يكن أحد يحفظها حرفيًا أو يقيدها ويمتلك زمامها. ثم إني في عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف استعنت الله في جمعها من دفاتري وتبيضها وترتيب عباراتها مع المتن، واختيار الأوضح والأشمل من عباراته، وقد أسوق العبارتين تتميمًا للفائدة. وراجعت بعض العبارات التي استشكلتها وألفاظ الأحاديث التي ساقها، وعلقت على ما ترك من شرحه أو احتاج إلى زيادة إيضاح. فجاء شرحًا كاملاً موثقًا مختصرًا جزل المعاني، قريبًا لفهم المتعلم والعامي. وكان الشيخ - رحمه الله - يأخذ بالأحوط فيما فيه خلاف معتبر، ذاكرًا الخلاف في مسائل مهمة، مرجحًا الراجح ومضعفًا المرجوح بالأدلة وذلك من حسن نيته، ومحبته لتحقيق العلم ونشره والعمل به، ونصحه للراعي والرعية، فجزاه الله أفضل الجزاء. وأحمد الله على إعانتي وتوفيقي، وأسأله تعالى أن يجعل قصدي وعملي خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع بهذا الشرح كما نفع بمتنه إنه جواد بر رءوف رحيم».

* وقد انتهى - رحمه الله - من تبييضه عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف هجرية. ويقع في مجلد عدد صفحاته (237) صفحة([177]).



موضوعات

صالحة

للخطب والوعظ

جمعها وربتها وطبعها

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

وفقه الله تعالى



تاسعًا: كتاب موضوعات صالحة للخطب والوعظ:ـ

كان - رحمه الله - يخطب الجمعة ويحرص على أن تكون تلك الخطب حاوية جامعة خاصة أنه يصلي معه والده - رحمه الله - وثلة من العلماء وطلبة العلم. وقد جمع بعضًا من خطبه في هذا الكتاب الذي قدم له بمدخل يقول فيه:

* أما بعد: «فإن أحسن ما أنفقت فيه الأنفاس هو التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته».

«وآيات الرَّب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، ويَعرفون أسماءه، وصفاته، وأفعاله، وتوحيده، وأمره، ونهيه».

هاتان العبارات مما جادت به قريحة الإِمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - رحمه الله - (ت751هـ) وسال به قلمه الذي طال النفع به الخلق الكثير.

* وقال في الثناء على كتابه «مفتاح دار السعادة»: إن شئت اقتبست منه معرفة الصانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغير استئذان، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره. وإن شئت اقتبست منه معرفة قدر الشريعة وشدة الحاجة إليها؛ ومعرفة جلالتها وحكمتها. وإن شئت اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الحاجة إليها؛ بل وضرورة الوجود إليها، وأنه يستحيل من أحكم الحاكمين أن يخلي العالم منها. وإن شئت اقتبست منه ما فطر الله عليه العقول من تحسين الحسن وتقبيح  القبيح، وأن ذلك عقلي وفطري. اهـ.

* ومن هنا انطلقت؛ فاقتبست من هذا الكتاب ومن غيره من مؤلفاته ما يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإِنسان وميزاته ومصيره، إلى غير ذلك مما ستراه مفصلاً بصور خطب. وفيها عدد قليل ليس من كتبه.

* وبما أن هذه الخطب السبع والثلاثين (37) ليست من إنشائي، وإنما اخترتها، وجمعتها، ورتبتها، واختصرت بعض العبارات، وربطت بينها، وعلقت عليها ببعض العبارات التي رأيت الحاجة داعية إليها من كلام ابن القيم وغيره، وبعضها من عندي، وعزوت كلاًّ إلى صاحبه، وذكرت مراجع كل خطبة بعد نهايتها فقد سميتها (موضوعات صالحة للخطب والوعظ) ليستعمل منها الخطيب والواعظ ما يريدانه.

* وكان من همي قديمًا التطلع إلى ما يتعلق بإثبات وجود الله - جل جلاله - وتوحيد ربوبيته والرد على الملحدين، فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: «فأما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإِلهية إلا من لم يعطه حقه». وقد يسر الله في هذه كثيرًا مما أردت.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله»([178]) ، وقال: «ولا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» وقال  أيضًا: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى»([179]) .

* وقد كان ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من عبادة الأوثان في فئام من الأمة، وجَدُّوا في تعظيم القبور وإحياء آثار أصحابها للتبرك بها.

* ومن ناحية أخرى وجود الزهد في العبادات في فئام أخرى من الأمة هجروا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كُلِّيًّا واتخذوه وراءهم ظهْريًا أو تخيروا فيما أنزل الله فعملوا ببعض وتركوا بعضًا.

فأولئك في طرف. وهؤلاء في طرف.

والإِسلام وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين.

ولا تزل طائفة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على الحق منصورة. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

* ومن مبادئ العزوف عن ذكر اسم الله تعالى ما اعتاده بعض الناس في تبادل التحيات بينهم، كقوله: صباح النور. صباح الفل. مساء الخير. مساء النور. لا يقول: صبحكم الله بالخير. مساكم الله بالخير. وبدلاً من أن يقول: في أمان الله. في حفظ الله. يقول: مع السلامة. فهذا يشبه «عِمْ صَبَاحًا».

* وكان شيخنا - رحمه الله - إذا لاقاه أحد في الطريق فقال: صبحك الله بالخير. رد عليه: «عليكم السلام» ليعلمه السنة: فكيف لو سمع: صباح الفل. صباح الياسمين.


اللهم اجعلنا ممن يقدرك حق قدرك، وأعنا على امتثال أمرك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك، وسببًا للنجاة من الجحيم والفوز بدار النعيم، فإنك رحيم كريم». اهـ.

* قال الوالد - رحمه الله - بعد قول الإِمام في الخطبة إن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -.

قال - رحمه الله -: ويضيف الخطيب - في كل خطبة أخيرة - ما هو مشهور في الخطب الموثوقة من العبارات الجامعة المأثورة، والترضي عن الصحابة جميعًا، وتخصيص الخلفاء الراشدين بالأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. - ينص على أسمائهم وإمامتهم وخلافتهم - وإذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخص الآل؛ بل يجمع بين الصلاة على آله وأصحابه؛ ليخرج من البدعتين، ولا يخص الآل بالطهارة لأن ما ورد فيهم ترغيب وأمر؛ لا خبر - نبه على ذلك ابن تيمية - رحمه الله - قال: ونحن نعلم أن من بني هاشم من ليس بمطهر، والله لم يخبر أنه طهر جميع أهل الييت، وأذهب عنهم الرجس؛ فإن هذا كذب على الله. اهـ. أو يترك هذه الجملة - الطيبين الطاهرين - وهو أولى. ويوصي بالتقوى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمسلمين. وإنما نبهت على هذا لأني لم أذكره في آخر الخطب([180]).

* ويقع الكتاب في مجلد عدد صفحاته (305) صفحات.


نماذج من الخطب

خطبة بعنوان الله الخالق لا الطبيعة:

تدبير الملائكة، تسبيح المخلوقات: ([181])

الحمد لله الخالق البارئ المصور، لا يستحق هذه الأسماء الحسنى سواه، بر الخليقة وأوجدها، وأبدعها على غير مثال سبق لها، وأعطى العبد التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب وبراه، يغيرها من حال إلى حال على وجه مخصوص لا يتعداه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب كل شيء ومليكه، لا رب لشيء من الأشياء إلا هو، وهو إله كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] وسبحان الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الواسطة بينه وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه وخبره - فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه إلا بواسطة هذا الرسول الذي اصطفاه الله واجتباه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين يضيفون جميع الحوادث إلى مشيئة الله([182]) وسلم  تسليمًا كثيرًا.

أما بعد فيا عباد الله - الخلق أعظم الأفعال، فإنه لا يقد عليه إلا الله، فالقدرة عليه أعظم من كل قدرة، وليس له نظير في قدر المخلوقين - فما خلقه الله من أنواع الحيوان والنبات والمعدن - كالإِنسان والفرس، والحمار، والأنعام، والطير، والحيتان، فإن بني آدم لا يستطيعون أن يصنعوا مثل هذه الدواب. وكذلك الحنطة والشعير والباقلاء، واللوبيا، والعدس، والعنب، والرطب، وأنواع الحبوب والثمار لا يستطيع الآدميون أن يصنعوا مثلما يخلقه الله سبحانه وتعالى. وكذلك المعادن كالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، لا يستطيع بنو آدم أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله، إنما غايتهم أن يشبهوا من بعض الوجوه فيصغرون وينقلون مع اختلاف الحقائق؛ فإن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16] وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لعن المصورين، وقال: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ» ولهذا يفرق في هذا التصوير بين الحيوان وغير الحيوان.

وما يصنعونه فهو لم يخلق لهم مثله؛ فإنه سبحانه أقدرهم على أن يصنعوا طعامًا مطبوخًا، ولباسًا منسوجًا، وبيوتًا مبنية من الفخار  والزجاج ونحو ذلك([183]).

عباد الله: وليس الطبع خالقًا لشيء؛ لأن كل حركة في الوجود ناشئة عن الإِرادة والاختيار، والطبع لا إرادة له ولا اختيار([184]) فبطل أن يضاف خلق شيء من المخلوقات - العَرَضِيَّة فضلاً عن الجوهرية -([185])   إلى الطبع الذي في الأجسام -: مثل أن يكون الخالق للأجنة في الأرحام هو طبع، والخالق للنبات هو طبع؛ بل تضاف هذه الحوادث حتى أفعال الحيوان إلى خلق الله ومشيئته وربوبيته، وهذه طريقة أهل العلم والإِيمان وهم أصح عقلاً ودينًا.

فأما كثير من الناس وأهل الطبع المتفلسفة وغيرهم فيعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، ويرون ظاهر الحركات والأعمل التي للموجودات، ويرون بعض أسبابها القريبة وبعض حكمها وغاياتها القريبة، كما يذكرون في تشريح الإِنسان وأعضائه وحركاته الباطنة والظاهرة، وما  يذكرونه من القوى التي في الأجسام التي تكون بها الحركة، والقوة الجاذبة، والهاضمة، والغاذية، والدافعة، والمولدة، وغير ذلك، إلى غير ذلك من الأسباب ما هو عبرة لأولي الأبصار. لكن يقع الغلط من إضافة هذه الآثار العظيمة إلى مجرد قوة في جسم.

وتجد هؤلاء إذا تكلموا في الحركات التي بين السماء والأرض مثل حركة الرياح والسحاب والمطر وحدوث المطر من الهواء الذي بين السماء والأرض تارة، ومن البخار المتصاعد من الأرض تارة وكذلك إضافة الزلزلة إلى احتقان البخار، وإضافة حركة الرعد إلى مجرد اصطكاك أجرام السحاب إلى غير ذلك من الأسباب - فشهدوا بعض الأسباب - المرئية، وجهلوا أكثر الأسباب، وأعرضوا عن الخالق المسبب لذلك كله، فضلوا في ذلك ضلالاً مبينًا؛ فإن خلق الله سبحانه للسحاب بما فيه من المطر من هذا البحر وبخار الأرض كخلقه للحيوان من المني، وخلق الشجر من الحب والنوى؛ ومعلوم أن المني جسم صغير لا يشبه الذي للحيوان من الأعضاء المكسوة والمتنوعة في أقدارها وصفاتها وحكمها وغاياتها هل يقول عاقل إن هذا مضاف إلى عرض وصفة حالٍ من جسم صغير، أو يضاف هذا إلى ذلك الجسم الصغير؟! هذا من أفسد الأمور في بديهة العقل.

ومعلوم أنه لا نسبة إلى خلق هذا من هذا وإلى ما يصنعه بنو آدم من الصور التي يصنعونها من المداد: مثل الكتابة بالمداد، ونسيج الثياب من  الغزل، وصنع الأطعمة والبنيان من موادها، وهم في ذلك لم يخلقوا المواد، وإنما غايتهم حركة خاصة تعين على تلك الصورة. ثم لو أضاف مضيف هذه الكتابة إلى المداد لكان الناس جميعًا يستجهلونه ويستحمقونه - فالذي يضيف خلق الحيوان والنبات إلى مادتها أو ما في مادتها من الطبع أليس هو أحمق وأجهل وأظلم وأكفر؟!!.

وقدس يعارضهم طوائف من أهل الكلام فينكرون طبائع الموجودات وما فيها من القوى والأسباب، ويدفعون ما أرى الله عبادة من آياته في الآفاق وفي أنفسهم مما شهد به في كتابه من أنه خلق هذا بهذا، كقوله: ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: 57] ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 164] ([186]).

عباد الله: جميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم والجن والبهائم هي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما - فما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركة الرياح والسحاب والمطر والنبات وغير ذلك فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض الذين ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27] كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: 5] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: 4].

وكما دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وتوكلهم بأصناف المخلوقات.

وجميع المخلوقات عابدة لخالقها إلا ما كان من مردة الثقلين، وليست عبادتها إياه قبولها لتدبيره وتصريفه وخلقه فإن هذا عام لجميع المخلوقات حتى كفار بني آدم؛ بل عبادة المخلوقات وتسبيحها هو من جهة إلهيته سبحانه وتعالى وهي الغاية المقصودة منها وبها قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 48 – 50] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44] وفي الصحيحين من حديث أبي ذر قال: «دخلت المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، فلما غربت الشمس قال: يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب تستأذن في السجود فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها ثم قرأ «ذلك مُسْتَقَر لها» في قراءة عبد الله. واتقوا الله عباد الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: 41].


الخطبة الثانية:

الحمد لله الواحد القهار، يفعل ما يشاء ويختار.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فإذا قال له: كن. كان.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار من ولد عدنان، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: أيها المسلم إن سمعت من يقول بأن وجود الحيوان والنبات والمعادن من فعل الطبيعة، أو حركة الرياح والسحاب والمطر أو غير ذلك من فعل الطبيعة. فقل له: لو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبريني عن هذه الطبيعة: أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة، أم ليست كذلك بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه، فإن قالت لك: بل هي ذات قائمة بنفسها لها العلم التام والقدرة والإِرادة والحكمة. فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصور، فلم تسمينه طبيعة؟! فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.

وإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قدرة ولا شعور أصلاً وقد شوهد من آثارها ما شوهد. فقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف  تصدر هذه الأفعال العجيبة والحكم الرفيعة التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممن لا عقل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بهذا إلا دخول في سلك المجانين والمبرسمين!!

ثم قل لها بعد ذلك: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أن مثل هذه الصفة ليست بخالقة لنفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجعلها تفعل ذلك - فهي إذًا من أدل الدلائل على خالقها وبارئها وفاطرها وكمال علمه وقدرته وحكمته، فلم يُجْدِ عليك تعطيلكِ رب العالم وجحودكِ لصفاته وأفعاله إلا مخالفتكِ العقل والفطرة.

فإن رَجَعتْ إلى العقل وقالت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلا من صانع قادر مختار مدبر عليم بما يريد قادر عليه لا يعجزه ولا يؤوده؟ قيل لكَ: فإذا أقررتَ ويحك بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا رب سواه فَدَعْ تسميته طبيعة أو عقلاً فعالاً أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الخالق البارئ المصور رب العالمين وقيوم السموات والأرضين، ورب المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقن ما صنع، فما لكَ جحدت أسماءه وصفاته وذاته، وأضفت صنيعه إلى غيره وخلقه إلى سواه، مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإِبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولا بد. والحمد لله رب العالمين.


على أنك لو تأملت معنى هذه اللفظة «طبيعة» لدلك على الخالق الباري لفظُها، كما دل العقول عليه معناها؛ لأن طبيعة فعيلة بمعنى مفعولة أي مطبوعة؛ لأنها علي بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة والسليقة. فالطبيعة هي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه، ومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال.

والمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنته في خليقته التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وكما شاء، وأن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته، فكيف يحسن بمن له حظ من إنسانية أو عقل أن ينسى مَنْ طبعها وخلقها ويحيل الصنع والإِبداع عليها، ولم يزل سبحانه يسلبها قدرتها ويحيلها ويقلبها إلى ضدد ما جعلت له حتى يرى عباده أنها خلقه وصنعه مسخرة بأمره ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾([187])   [الأعراف: 54] فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن أحسن الحديث.... خطبة بعنوان: حال الناس في موقف القيامة([188]):

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الثقلين الجن والإِنس «لغاية تراد منهم» وهي أن يعرفوه ويعبدوه وحده ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] و«غاية تراد بهم» وهي الجزاء بالعدل والفضل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها عنه. فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.

أما بعد: فيا عباد الله: روي النسائي، عن عوف بن مالك - رضي الله عنه -، قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبيده عصى، وقد علق رجل قنوًا من حشف، فجعل يطعن في ذلك القنو، فقال: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفًا يوم القيامة» أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن جزاءه يكون من جنس عمله، فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها؛ ولهذا سمي يومُ القيامة يومَ الجزاء ويوم المعاد؛ فإن العبد يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه فينعم به ظاهرًا وباطنًا، أو يعذب به ظاهرًا وباطنًا: فيورثه عمله الصالح من الفرح والسرور واللذلة والبهجة وقرة العين والنعيم في  قلبه، وينشأ من أعماله ما تشتهيه نفسه وتلذه عينه من سائر المشتهبات، ويكون تنوع تلك المشتهيات وكمالها وبلوغها مرتبة الحسن والموافقة بحسب كمال عمله ومتابعة فيه وإخلاصه وبلوغه مرتبة الإِحسان فيه؛ فمن تنوعت أعماله المرضية لله المحبوبة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في تلك الدار، وتكثرت له بحسب تكثر أعمله هنا، وكان مزيده من تنوعها والابتهاج بها والالتذاذ بنيلها هناك على حسب مزيده من الأعمال وتنوعه فيها في هذه الدار - فليست لذة من ضرب في كل مرضاة لله بسهم وأخذ منها بنصيب كلذة من أنهى سهمه ونصيبه في نوع واحد منها؛ فلذات أهل الجنة وما فيها من الطيبات أنواع. وكذلك تنوعت آلام أهل النار - فليس ألم من ضرب في كل مسخوط لله بنصيب وعقوبته كألم من ضرب بسهم واحد من مساخطه.

فالناس يتفاوتون في أحوال المعاد وما يجري فيه من الأمور المتنوعة - فمنها خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره؛ فإنه بحسب خفة وزره وثقله إن خف خف، وإن ثقل ثقل. ومنها استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للشمس والحر - إن كان له من الأعمال الصالحة والخالصة والإِيمان ما يظله في هذه الدار من حر الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت عرش الرحمن. وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحر الشديد.


ومنها طول وقوفه في الموقف، ومشقَّته عليه، وتهوينه عليه. إن طال وقوفه في الصلاة ليلاً ونهارًا لله وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه الوقوف في ذلك اليوم سهل عليه. وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه، وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلاً * إِنَّ هَؤُلاَء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 23 – 27] فمن سبح الله ليلاً طويلاً لم يكن ذلك اليوم ثقيلاً عليه؛ بل كان أخف شيء عليه.

ومنها ثقل ميزانه هناك بحسب تحمله ثقل الحق في هذه الدار، لا بحسب مجرد كثرة الأعمال؛ وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل وأخذه إذا بذل، كما قال الصديق لعمر - رضي الله عنهما - واعلم أن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقل ذلك عليهم في دار الدنيا، وحق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا باطل أن يكون خفيفًا.

ومنها أن ورود الناس الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشربهم منها - فمن وردها في هذه  الدار وشرب منها وتضلع ورَدَ هناك حوضه وشرب منه وتضلع؛ فله - صلى الله عليه وسلم - حوضان عظيمان: حوض في الدنيا، وهو سنته وما جاء به. حوض في الآخرة - فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل ومستكثر. والذين يذودهم هو الملائكة عن حوضه يوم القيامة هم الذين كانوا يذودون أنفسهم وأتباعهم عن سنته ويؤثرون عليها غيرها - فمن ظمأ من سنته في هذه الدنيا ولم يكن له منها شرب فهو في الآخرة أشد ظمأ وأحر كبدًا، وإن الرجل ليلقى الرجل فيقول: يا فلان أشربت؟ فيقول: نعم والله. فيقول: لكني والله ما شربت، وآعطشاه.

ومنها قسمة الأنوار في الظلمة دون الجسر - فإن العبد يعطى من النور هناك حسب قوة نور إيمانه ويقينه وإخلاصه ومتابعته للرسول في دار الدنيا - فمنهم من يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءةً، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوته وضعفه، وما بين ذلك.

ومنهم من يعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفيء أخرى بحسب ما كان معه من نور الإِيمان في دار الدنيا([189]) ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستقر ولا  متصل بباطنه ولا له مادة من الإِيمان أعطي في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له ثم يطفي عنه أحوج ما كان إليه.

ومنها أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا - فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك. ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هنا - فناج مسلم، ومخزول أى مقطع بالكلاليب مكردس في النار، كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].

ومن كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدنيا فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 72] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76].

فأوصيكم وإياي عباد الله بالتقوى، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ونزنها قبل أن نوزن، وأن نتأهب للعرض الأكبر على الله الذي لا تخفى عليه خافية. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71، 72] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، مالك يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الشافع المشفع في يوم الحشر. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على الأثر.

أما بعد: فيا عباد الله: روى مسلم في صحيحه، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - يسأل عن الورود في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فقال: نجيء نحن يوم القيامة على كُوْم فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول، فالأول؛ ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا. فيقول: أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم فيتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورًا ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويَجْعَلُ أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حُرَاقُةُ، ثم يَسْأَل حتى يَجْعَل له الدنيا وعشرة أمثالها معها».


فتنبهوا عباد الله لما أمامنا: في البرزخ، وفي القيامة، وفي دار الجزاء، وتفكروا في معاني هذا الحديث، وانظروا معاملة الله سبحانه وتعالى لأهل توحيده الذين عبدوه وحده ولم يشركوا به شيئًا هذه المعاملة، ومعاملته أهل الشرك به حيث ذهبت كل أمة مع معبودها فانطلق بها واتبعته إلى النار، وانطلق المعبود الحق واتبعه أولياؤه وعابدوه - فسبحان الله رب العالمين الذي قرت عيون أهل التوحيد به في الدنيا والآخرة، وفارقوا الناس فيه أحوج ما كانوا إليهم([190]). إن أحسن الحديث...


وحتى يكون القارئ على إلمام بعناوين الخطب أذكر له فهرسها مختصرًا لعناوينها:

1- لا تشكك في وجود الله تبارك وتعالى.

2- الله أكبر من كل شيء، وأعظم.

3- محاسن ربنا جل جلاله (أسماؤه وصفاته).

4- الله الخالق لا الطبيعة.

5- لم يتخذ ولدًا سبحانه.

6- معجزات الأنبياء من أعظم الأدلة على الخالق، وصفاته، وصدق رسله، واليوم الآخر.

7- آيات الله في الأرض. (وهي كروية، ولا تدور).

8- السموات، والشمس، والقمر، والكواكب، ودلالتها على خالقها العظيم.

9- (وما بينهما) الهواء ومنافعه، والرياح، والريح خيرها وشرها.

10- السحاب، والنبات والثمار.

11- البحر، والاعتبار بأمواجه وتنوع ما فيه من الجواهر، والحيوانات، وما في البر منها.

12- خلق آدم أبي البشر، وفضله، وما في إيجاده وذريته من الحكم العظيمة.

13- (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) آيات.


14- أطوار الإِنسان، ودلالتها على موجدها.

15- (الذي أعطى كل شي خلقه ثم هدى).

16- كيف لا يحب الله؟! الأسباب الجالبة لمحبته، وعلاماتها.

17- الطاعة حياة القلوب. علامة صحة القلب، ومرضه.

18- الشكر أجل المقامات ومن أجله خلق الخلق.

19- الصبر: وجوبه، وأنواعه، ونتائجه.

20- لا إله إلا الله أولاً.

21- الصلاة: حِكَمُها، وأسرارها، وحِكَمُ الطهارة لها.

22- الصراط المستقيم، والحاجة إلى سؤاله.

23- الدعاء، وأسباب إجابته ورده.

24- التفكر في القرآن، ونتائجه.

25- وساوس الشيطان وشروره، وما يتحصن به منها.

26- غض البصر، وفوائده، ومضار إطلاقه، ومفاسد الزنا واللواط.

27- زهرة الدنيا، وانقسام الناس بالنسبة إليها.

28- الذنوب: عقوباتها، وكيفية الخلاص منها.

29- أبو بكر الصديق - أفضليته، وأحقيته بالخلافة الأولى.

30- عمر بن الخطاب، فضائله، وعز الإِسلام به.

31- المبادرة إلى التوبة، وانقسام الناس فيها.


32- ميزان الناس.

34- حال الناس في موقف القيامة.

35- أحوال كل شخص من حين يوافيه الأجل المحتوم إلى أن يستقر في إحدى الدارين.

36- التخويف من النار.

37- الجنة دار الأفراح، ومن يستحق البشرى بها.


 برنامجه اليومي:

* كان - رحمه الله - محافظًا على وقته أشد ما يكون، فلا تجد له ساعة دون عبادة أو عمل نافع، وكان برنامجه اليومي يبتدئ قبل صلاة الفجر بثلاث ساعات أو تزيد، يقوم فيها يناجي ربه، ثم قبل أذان الفجر يذهب للمسجد ويصلي مع الجماعة ويجلس في مصلاه حتى تشرق الشمس وهو يذكر الله ويقرأ القرآن، ثم ينام في المسجد قريبًا من نصف ساعة بعدها يعود إلى منزله ويصلي ما شاء الله له من صلاة الضحى، ثم يتناول لقيمات وينكب على الكتاب يقرأ ويدون حتى قبيل أذان الظهر ثم يخرج إلى المسجد.

* وبعد صلاة الظهر يعود إلى داره للكتابة حتى قبيل العصر يتناول طعامه ثم يخرج إلى صلاة العصر وهكذا يقضي يومه في العبادة إما صلاة أو قراءة قرآن أو كتابة أو تحقيق، وأظن أنه ينطبق عليه ما قاله بكير بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي النعيم: «كان لو قيل له قد توجه إليك ملك الموت ما كان عنده زيادة عمل»([191]) .

وكنت ممن غسله ورأيت أثر القلم في باطن أصبعه السبابة، كأنه لحم ميت.

وقد قرأت فائدة كتبها بيده تقول: «وقد أكتب على يدي لتعذر الورق».

* وكان من محافظته على الوقت أن لا يضيع دقيقة دون فائدة وقد استأذنه أحد طلاب العلم المقربين لقراءة كتاب فقهي، فأذن له بعشر دقائق عصر كل يوم، عدا الخميس والجمعة.

* وقد سأله أحد طلاب العلم: كم يلزمك لعمل فهارس للمستدرك على الفتاوى ويقع في (5 مجلدات) على نهج فهارس فتاوى شيخ الإِسلام، فقال: رحمه الله -: «شهرين»!

* وفي إحدى السنوات بعد أن قضى صيام شهر رمضان كاملاً في آخر عمره أراد أن يصوم الست من شوال في مكة فصام يومين ثم تراجع عن إكمال الست في مكة ذاكرًا السبب: «ليس معي كتب أطالعها»، ورجع إلى الرياض.

* وفي سنته الأخيرة كان يذكر أبها والمصيف فيها ولكنه تذكر كتبه التي لم تنته بعد فيتراجع عن السفر.

* وأحسب أنه - رحمه الله - ينطبق عليه حال الإِمام أحمد - رحمه الله -؛ قال صالح بن أحمد بن حنبل: رأى رجلٌ مع أبي مَحْبَرة، فقال: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين! يعني: ومعك المحبرة تحملها؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة!» ([192]).

وهذا قول سهل بن عبد الله: «اجتهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر»([193]) .

* والوالد - رحمه الله - توفي ومحبرته ودواته في مكانها تنتظر عودته، فكان هادم اللذات أسرع إليه. رحمه الله رحمة واسعة وأجزل مثوبته.

ومن نعم الله - عز وجل - عليه وعلى الأحياء والأموات أنه توفي وقد أنهى تبييض الكتب التي يرغب في طبعها، بل أرسل بعضها للطبع يوم الخميس وتوفي بعد ذلك بثلاثة أيام.


 صفاته:

* كان - رحمه الله - يميل إلى الطول، ذا لحية خفيفة توفي وقد ابيض أكثرها، حنطي البشرة، متناسق الجسم يمشي بسكينة ووقار، ذا عقل راجح ونظر سديد، بعيدًا عن الخصومة والجدال، محبًّا للسكون والانعزال ، ذاكرًا لله - عز وجل - في كل وقت وحين، زينة للمجالس بعلمه وأدبه وحسن سمته! رزقه الله مهابة عجيبة في قلوب الخاصة والعامة.

* وكان - رحمه الله - ذا فراسة عجيبة، قال أحد أقاربنا: كنا نعرف والدكم منذ أن كان صغيرًا أنه صاحب فراسة! وقد قال مرة: «قابلت أناسًا لأول مرة فوضعت في ذهني أن خُلُقهم كذا وكذا، فكان ما توقعت».

والفراسة: هي نور يقذفه الله في قلب عبده فيفرق بين الحق والباطل والصادق والكاذب. قال - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» وهذا حديث ضعيف ولكن معناه صحيح. وفي رواية «وينطق بتوفيق الله».

قال بعضهم: من غض بصره عن المحرم، وكف نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالمراقبة، وتعود أكل الحلال لم تخطئ فراسته.

عن قيس بن طارق: كنا نتحدث أن عمر - رضي الله عنه - ينطق على لسانه ملك. ورأي عمر قوم من مذحج فيهم الأشتر([194]) فصعد النظر فيه  وصوب ثم قال: قاتله الله، إني لأرى للمسلمين فيه يومًا عصيبًا. فكان منه ما كان.

وقال الحريرى لجلسائه: هل فيكم من أراد الله أن يحدث في المملكة أعلمه قبل أن يبدو. قالوا: لا. قال: ابكوا على قلوب لم تجد من الخير شيئًا.

وقال البرقي: وقع اليوم في المملكة حدث. لا آكل ولا أشرب حتى أعلم ما هو؟ فورد الخبر بعد أيام أن القرمطي دخل مكة في ذلك اليوم وقتل بها المقتلة العظيمة.

قال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة. ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأن الله يقول: } وإن تطيعوه تهتدوا {.

* كان - رحمه الله - حسن السمت مع هيبة تلازمه ووقار وأدب جم رفيع. حليمًا صبورًا، قليل الكلام، لا يتحدث فيما لا يعنيه. يُعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. متورعًا عن الفتوى ولم يعرف عنه أن يفتي إلا في أضيق الحدود في الحج وذلك لحاجة الناس الآنية للفتوى.

إذا تحدث على قلة كلامه يستفيد منه في المجلس من علمه فلديه معلومات واسعة واطلاع عجيب وتحليل عميق، فإن تحدث في العلم فهو بحر لا ساحل له، وإن تكلم في الزراعة حسبته من خبراء الزراعة، وإن تحدث في أحوال المسلمين فهو الخبير بها.


* وكان - رحمه الله - ذا ذاكرة قوية واستحضار فريد خاصة لأقوال شيخ الإِسلام وابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم، وقد سألت علامة المدينة الشيخ حماد والأنصاري - رحمه الله - مرة عن قولٍ لشيخ الإِسلام فقال لي: «اسأل ولدك، فلو تنفس شيخ الإسلام لعرف والدك نفسه».

* وسأله أحد طلاب العلم متعجبًا: شيخ الإِسلام يعرف أحكام النساء كأنه متزوج؟ قال الوالد: «لم يتزوج ولكنه تسرى».

* وسُئل مرة: «هل لشيخ الإِسلام أولاد»؟

فقال - رحمه الله -: «نحن أولاده».

ولعله يقصد ما ذهب إليه بعض العلماء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أو ولد صالح يدعو له». أن منهم تلامذته وطلابه.

* ووصفه الشيخ بكر أبو زيد - كما في المدخل إلى كتب شيخ الإِسلام - بقوله: «كان رحمه الله - عابدًا زاهدًا منصرفًا عن الناس»([195]) .

* وذكر الوالد؛ محمد بن عبد الله الحمدان في ترجمة الجد. حين عدد أبناء فقال: «ثم محمدًا الذي لا يقل عن والده تقى وعلمًا وأدبًا»([196]) .

* وكان يقول - رحمه الله -: «تركت مجالس الناس خوفًا من الغيبة».

قال الإمام مالك: «أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا  ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس»([197]) .


الإخلاص:

* من أعظم الصفات التي برزت لنا في حياته وبعد موته - رحمه الله - إخفاؤه لأعماله وعدم التحدث عنها أو الثناء عليها أو رفع نفسه أو ذكر جهده وما بذل. بل أحيانًا تقول: هذا لم يعمل شيئًا ألبتة! لطول سكوته وعدم حديثه عن نفسه وأعماله... ليس له رفعة ومطلب شخصي أبدًا - أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدًا، وإذا أثنى فهو يثني على شيخ الإِسلام أو الشيخ محمد بن إبراهيم وليس لنفسه حظ أو نصيب.

والإِخلاص شاق، لأنه كما قال سهل بن عبد الله: «ليس على النفس شيء أشق من الإِخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب»([198]).

* كان - رحمه الله - يتحرى الإِخلاص في عمله، وله دقائق من الأعمال لا يعرفها أحد، وأعمال لم تعرف إلا بعد موته، وقال مرة: «الإِنسان يؤجر على الذم ولا يؤجر على الثناء والمدح».

* وقد أخفى نفقته لبعض معارفه لما يقارب عشرين عامًا لا يعلم أحد أنه ينفق عليهم من ماله الخاص، حتى ظن هؤلاء المعارف أنها أموال والدهم فطالبوا بها بعد الكبر، وقالوا: نريد الأموال التي لوالدنا عندك، فقال لهم: لا حاجة لكم بها، وعندما أكثر أحد أبنائه قال له: أموالكم لدى فلان ولا شيء لكم عندي. - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته - تمثل فيه قول الخريبـي: «كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة  من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها»([199]).

* وكان - رحمه الله - يعمل في الكتب ولم نعرف ما أسماؤها وعناوينها حتى أخرجها، وكان قليلاً ما يتحدث عن كتبه وأعماله، ونتناوب في السؤال لعله يتحدث، وما هذا النزر اليسير في هذا الكتاب من معلومات إلا محاولات متكررة للظفر منه بشيء.

* ومن إخلاصه - رحمه الله - أنه لا يتباهى بأعماله ولا من درس في المعهد أو الكلية! ولا يذكر الطلاب المبرزين منهم!

* وقد قلت له يومًا مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ يُسلم عليك، ثم أضفت هل درسته؟ قال: نعم.

أما الشيخ صالح السدلان فهو الذي أخبرني أن الوالد درسه. أما غيرهم فالله أعلم بهم.

* قال ابن القيم - رحمه الله -: «لا شيء أفسد للأعمال من العُجْب ورؤية النفس، ولا شيء أصلح لها من شهود العبد منة الله وتوفيقه، والاستعانة به والافتقار إليه وإخلاص العمل له»([200]).


عبادته:

* كتب عبد الله العمري إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، فكتب إليه الإِمام مالك: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فَرُبَّ رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر»([201]).

* وغالب من نراه اليوم فتح له باب أو بابان أما الوالد - رحمه الله - ففتحت له أبواب كثيرة، لعل في إيراد بعضها فائدة. وأولها الصلاة.

* عرف عنه - رحمه الله - منذ نشأته كثرة العبادة والمداومة عليها، كثير الاستغفار ورفع الصوت بلا إله إلا الله خاصة عند دخول المنزل، وما حفظت دعاء ركوب الدابة إلا ما كنت أسمعه منه وأنا صغير.

* وأنواع العبادات التي يتقلب فيها كثيرة أهم ميزة نراها واضحة «الثبات والاستمرار والمداومة» أولها ما كان في طلب العلم والسعي إليه لفضله وعظم منزلته؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» [رواه أحمد والترمذي].

* قال الإمام الزهري: «ما عُبد الله بشيء أفضل من العلم»([202]).

وذكر الخطيب البغدادي كلامًا نفيسًا في شرف أهل الحديث، إذ قال: «طلبُ الحديث في هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع لأجل  دُروس السنن وخمولها، وظهور البدع واستعلاء أهلها»([203]) .

* ولا شك في فضل العالم على العابد، فقد قال الإِمام البغوي - رحمه الله -: «وفضل العلم على العبادة من حيث إن نفع العلم يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه إحياء الدين، وهو تَلْوَ النبوة»([204]) .

* وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «العالم أفضل من الصائم القائم الساجد، وإذا مات العالم ثُلم في الإِسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه»([205]) .

* والوالد - رحمه الله - جمع الله له بين العلم والعبادة.

* وقد كتبت منذ فترة مجموعة أسميتها: أين نحن من هؤلاء؟ تتعلق بزهد السلف وورعهم وعبادتهم فرأيت من والدي عجبًا، وكأنه من أولئك ولعلي كنت أقرأ وأتعجب من فعل أولئك ثم أراه ماثلاً في الوالد رحمه الله.

ومن حولنا من الأقارب خاصة كبار السن منهم يعرفون ذلك وأنه منذ حداثة سنة صاحب طاعة وعبادة.

* ويغلب على ظني أنه لا يوجد في عبادته مزيد؛ ولو قيل له - رحمه الله - إنك تموت غدًا ما كان عنده مزيد عبادة على عمله!

* وتميزت عبادته عن كثير من الزهاد والعباد بعلمه الشرعي الغزير،  وأذكر من طرح عليه أن بعض السلف يحفرون قبورهم في بيوتهم للعظة والتفكر، فقال - رحمه الله -: «ليس من الهدى في شيء!».

* وذكرُ له عن عابدة اشترت كفنها ووضعته في خزانة ملابسها فقال - رحمه الله - جملة واحدة: «خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -. السلف يستعدون للموت بالعمل»([206]) .

* وما رأيت عبادته إلا تذكرت قول الله - عز وجل -: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].

والعجب في مثل حال الوالد الثبات وعدم التميع، فقد ذهب إلى لبنان وسوريا والعراق ومصر وفرنسا وغيرها وهو في سن الشباب وقوته، وبقي في سفرة واحدة أحد عشر شهرًا في الخارج! فلم يتأثر - رحمه الله - بما يراه من فجور وفسوق بل ثبته الله فما تميع دينه ولا نقص مظهره ولم يفتتن بما رأى. بل كان يرتدي الزي العربي (الثوب والغترة) لأننا رأينا بعضا ممن ذهبوا أسابيع وعادوا وقد ظهر عليهم النقص في الدين وهذه منَّة وفضل من الله عز وجل.

وتأمل في قول ابن قيم الجوزية - رحمه الله - وهو يقول: «إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكًّا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل  إذا وردت عليه ردها حرسُ العلم وجيشه مغلولة مغلوبة»([207]) .

* وادعو الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يكون للوالد النصيب الأوفى من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل كان قلبه معلقًا بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله واجتمعا على ذلك فتفرقا، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» [متفق عليه].

* ومع كثرة الحديث وظن المبالغة أسوق للقارئ الكريم ما ذكره الإِمام الذهبي في السير: «قال الطبري حدثنا محمد بن حسين الأنماطي قال: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل فقال رجل: فبعض هذا. فقال يحيى: وكثرة الثناء على أحمد تستنكر؟ لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكاملها»([208]) .


الصلاة:

* للصلاة في الإِسلام منزلة عظيمة، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، وهي فريضة دائمة مطلقة لا تسقط حتى في حال الخوف، وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات بعد التوحيد، وهي أول ما يحاسب عليه العبد، وهي آخر وصية وصى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهي آخر ما يفقد من الدين، وقد ذكرها الله تعالى من الشروط الأساسية للهداية والتقوى في أول سورة البقرة!

* وقد عرف عنه - رحمه الله - محافظته الشديدة على صلاة الجماعة في المسجد، ولا أذكر أنه تخلَّف يومًا عنها، وكان يأتي إلى الصلاة قبل الأذان ولم أراه يومًا وقد أذن المؤذن وهو في البيت إلا ما قل؛ خاصة إذا حبسه أحد الضيوف، وإلا فيسابق المؤذن كما نرى وكما ذكر لنا المؤذن ذلك بعد وفاته!

* وكان محافظًا على السنن والرواتب وصلاة الضحى، وقد كان يحب أن يكون متوضًأ ولو في غير وقت صلاة. وكثيرًا ما رأيته يتوضأ في أوقات مختلفة ثم يعود لكتبه! ولعل الله - عز وجل - أن يجعل له نصيبًا أوفى من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».

* وقد ذكر - رحمه الله - أنهم عندما كانوا يسافرون لجمع فتاوى شيخ الإِسلام هو والجد أنهم يؤذنون في الطائرة!

* وأذكر أننا ذهبنا إلي زواج أحد أقاربنا وكنا معه - رحمه الله - في سيارة واحدة، وكان منزل أهل الزوجة خارج الرياض بمسافة تقارب الخمسين كيلو مترًا، ولما صلي بنا العشاء في أرض منبسطة! أسرع القوم إلى سياراتهم إلا هو بقي في مصلاه ثم صلى ركعتين كعادته في المسجد حتى انتهى ثم ركب السيارة، وقال له أحد أخوتي: تأخرنا، فقال: «الآن تجدهم ينتظرون غيركم» وصدق فقد مكثنا في السيارات أكثر من ربع ساعة بعدها!

* وفي أحد العطل ذهبنا خارج الرياض ولما أذن المؤذن للعشاء وتفرقنا للوضوء جلس في المصلى يقرأ القرآن فجاء المؤذن وهو من أحفاده فقال متسائلاً: أقيم الصلاة؟

قال - رحمه الله - «تسننوا. ما أعلم فراغًا أكثر من اليوم!».

* وفي آخر سنة حججنا معه كان يقوم يتهجد، وكل حين ينظر في ساعته ويحد النظر - لضعف الإِضاءة - ليرى هل دخل وقت الفجر أم لا!

* ومن صفاته التي يعرفها جماعة المسجد محافظته على المكوث في المسجد بعد صلاة الفجر إلى ما بعد شروق الشمس.

* وقد أصيب قبل سنوات بكسر في القدم وجبست رجله وذهب إلى المسجد في اليوم الأول فقال له أحد المشايخ ممن حضر لزيارته: يا شيخ؛ كان الرجل يهادي بين الصفين لضعف أما أنت فيخشى على قدمك، فقال مستنكرًا: «أسمع النداء ولا أجيب».

* وقد أعدت الذاكرة وأنا أكتب ما حدث للوالد - رحمه الله - فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم قدوة وقد غلبه المرض فإذا أفاق سئل عن الصلاة!

وكان الربيع بن خثيم قد سقط شقة يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحابه يقولون: يا أبا يزيد لقد رُخص لك، لو صليت في بيتك، فيقول: «إنه كما تقولون، ولكني سمعته يُنادي، حي على الفلاح، فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوًا»([209]) .

* ولا أذكر يومًا أنه فاتته صلاة الجماعة إلا مرة واحدة... كان نائمًا القيلولة فأذن لصلاة العصر وحسب أهل البيت أنه خرج للمسجد كالعادة. فما علموا إلا وهو يقوم من نومه بعد انتهاء الصلاة معاتبًا من حوله على عدم إيقاظهم له. وعلاه من الحزن وسواد الوجه ما الله به عليم... كل ذلك حرصًا منه - رحمه الله - على صلاة الجماعة.

والعجيب أنه لما توفي قريب له وكان تقيًا ورعًا يحبه الوالد كثيرًا ما رأينا ذلك السواد في وجهه كيوم فاتته صلاة الجماعة... فهل يعي المتهاون بصلاة الجماعة ولربما كان جارًا للمسجد ذلك؟!

وهذه القصة تذكرنا بما جرى لحاتم الأصم عندما قال: «فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من  مصيبة الدنيا»([210]) !

* وقد استرجعت الذاكرة وأنا صغير لأتذكر أين كان مكان والدي في المسجد في شبابه فما تذكرت إلا أنه كان في روضة المسجد - رحمه الله -.

* وذكر مرة أنه لم تفته صلاة الجماعة منذ كان عمره ست سنوات». ويقصد - رحمه الله - بدون عذر. ومعنى ذلك أنه لم تفته الصلاة منذ أن وعي.

* وقد ذكر أنه كان في قريتهم إذا أقاموا وليمة - لأي مناسبة كانت - دعوا لها مؤذن المسجد والإِمام من تكريمهم لهما. قلتُ: ولعله تطبيق لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ولا يأكل طعامك إلا تقي».

* ولأخي القارئ وقد طالت به الأوراق وتفرقت به العناوين أسوق قولاً للإِمام أبي حنيفة - رحمه الله - وهو يستحث الخطا ويدعو للمزيد حيث يقول: «الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلى من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم وأخلاقهم»([211]) .


الصيام:

* كان - رحمه الله - يصوم في مكة شهر رمضان كاملاً ليفوز بشرف الزمان والمكان، وقد واظب على هذه الحال منذ أكثر من عشرين عامًا، وكان يأتي إلى مكة قبل شهر رمضان بيومين أو ثلاثة ويأتي معه بالتمر من مزرعته. ويفطر الصائمين ويتابع إفطارهم وهو واقف بنفسه! وقد تجاوز عدد من يفطرهم في السنة الأخير 500 رجل ومن شدة حرصه على تفطير الصوام أنه يأتي إلى داره بعد صلاة الظهر ويبدأ بفرز التمر الجيد ويضعه في صحون بلاستيكية كل ذلك بنفسه؛ وتسمع صوته وهو يقرأ القرآن وإن قام وساعده أحد وإلا فهذا ديدنه - رحمه الله -.

* قال الشيخ عبد الله المعتاز: «وقد رأيته مرارًا يحمل الفطور لهم ومن رآه وهو لا يعرفه لا يحسب أن هذا الرجل بمظهره المتواضع ينفق مئات الآلاف في مجلس واحد يبذلها للدعاة والمشاريع الخيرية والفقراء والمساكين ووجوه الخير»([212]) .

* أما في العشر الأواخر من رمضان فلا نرى له وقتًا ينام فيه من كثرة طوافه بالبيت وقراءته للقرآن وصلاته. ولربما نام نومة خفيفة وهو جالس متكأ.

ولا نعرف له فراشًا ونومًا معتادًا في العشر الأواخر من رمضان.


الحج:

* الحج ركن من أركان الإِسلام وهو من العبادات العظيمة التي ورد الفضل في القيام بها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [رواه البخاري].

* وكان السلف يتابعون بين الحج والعمرة فبعضهم حج حججًا متوالية بلغت الخمسين والستين، قال سعيد بن المسيب: «حججت أربعين حجة»([213])   أما سفيان بن عيينة فقد قال - رحمه الله -: «شهدت ثمانين موقفًا»([214]) ، وآخرون حجوا على أقدامهم مرات عديدة كما روي عن الحسن - رحمه الله - وغيره من أئمة الدين.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «خرج أبي إلي طرطوس ماشيًا، وحج حجتين أو ثلاثًا ماشيًا»([215]) .

* والوالد رحمه الله - حج حججًا كثيرة حسبت ما كان متصلاً منها فوجدتها أكثر من خمسين حجة متواصلة.

* وقد ذكر عند بدايات الحج وهم يطلبون العلم؛ قال: تأتي سنوات ليس لنا نية في الحج ثم إذا كبر الناس بدخول العشر أخذنا الشوق فأذهب إلى موقف السيارات وأسافر مع سيارات الأجرة».

* وإذا أقبل موسم الحج يذكر من حوله بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حجوا  قبل أن لا تحجوا».

وها هو - رحمه الله - قد انقطع عن الحج بعد0 موته!.

* وذكر من طرائفهم في الحج أنه حج مرة في سيارة (لوري) وكانت محملة براميل زيت. قال: فركبت فوق البراميل حتى مكة.

وقد كان - رحمه الله - يحج لوحده سنوات طويلة.

* وذكر أنه في سنة (الرحمة) وهي سنة توفي فيها خلق كثير قال: «حججت ولما كان يوم عرفة بدا لي أن أصعد إلى منارة مسجد نمرة بعرفة، فصعدت بعد الصلاة وكنت أجلس وأتابع ظل المنارة في الدائرة العلوية منها. ولما قرب غروب الشمس نزلت فإذا بكثير من الناس توفوا من جراء الحر ولم تخل جماعة إلا ولديهم متوفى أو أكثر حتى إن الأجانب جمعوهم في حفر وردموا عليهم التراب بالشيولات من كثرة موتاهم.

* وكان - رحمه الله - عند شروعه في التلبية للعمرة أو الحج لا يكاد يكلم أحدًا. بل يجتهد اجتهادًا كثيرًا في التلبية والدعاء.

* وفي آخر سنوات الحج قال مستنكرًا: «ما نسمع الأذان في المخيمات. كانت منى سابقًا ترتج برفع أصوات الأذان»!

* وقد كان - رحمه الله - لا يذهب مع الجهات الرسمية أو المخيمات ولا يرضى بذلك، بل كان يحج حجًا كعامة الناس يحمل خيمته وينصبها بنفسه بنشاط وهمة. وصدق ابن القيم - رحمه الله -: «إن قوة المؤمن في قلبه فإذا قوي قلبه قوي بدنه».

* وحج مرة مع مجموعة من طلبة العلم، وذكر أنهم أكرموه ولم يعمل معهم شيئًا وأنه لا يرضى بذلك، ولم يكرر هذا الحج مطلقًا واستمر على حجه بأهله.

* وآخر حجة حجها كانت حجة عام 1420هـ.

وكان حجًّا بعيدًا عن المظاهر والترف، تفرغ فيه - رحمه الله - للعبادة والطاعة وقيام الليل.

وكان - رحمه الله - يستصحب كتبه معه في الحج ويقرأها ويعمل في تبييض بعضها في أيام منى.

* وظهر لنا في عرفة من طول دعائه الشيء الكثير! فهو يتفرغ للدعاء من بعد سماع خطبة عرفة وأكل شيء يسير. ويبقي في مكانه يدعو الساعات الطوال حتى غروب الشمس. وربما قرأ «الورد المصفى المختار» وذكر مرة أن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - قال: إن هذا الورد أول من جمعه الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - صاحب فتح المجيد.

* وكان - رحمه الله - يرفق بمن معه في السير ولربما وقف في اليوم الواحد ونحن سائرون إلى مكة خمس مرات ويقول: نسير على رغبة أضعفنا.

إذا مات ذو علمٍ وتقى

فقد ثُلمت في الإٍسلام ثلمة

وموت القاضي العدل المولَّى

بحكم الأرض منقصة ونقمة

وموت فتى كثير الجود محلٌ

لأن بقاءه خصبٌ ونعمة

وموت الفارس الضرغام هدمٌ

فكم شهدت له له بالصدق عزمة

فحسبك خمسة يبكي عليهم

وباقي الناس تخفيف ورحمة


الصدقة:

* في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما عند الترمذي: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». وهذا الحديث أحسبه واضحًا جليًّا في حياة الوالد - ولا أزكي على الله أحدًا -

* من رأى حاله في الدنيا لا يعلم كثرة إنفاقه وصدقته، لكن لما مات ودفن في قبره ظهر بعض ما كان يخفيه، فقد أتته الأموال من أملاك باعها قبل موته بخمس سنوات فتصدق منها وهو صحيح معافى - رحمه الله - ولم يأت الحول وعنده منها درهم. وأسأل الله أن يدخرها له قربى وزلفى.

* عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس، ولا تناله اللصوص، فافعل بالصدقة»([216]) .

وقد وجدنا بعد موته عشرات المساجد التي بناها، ودورًا اشتراها وأوقفها، ولم يكن يعلم بذلك أحد.

* وأمر صدقته عجيب من ثلاث جهات:

الأولى: إخفاؤه لها في حياته، فلا يعلم عنها أحد ولا يتحدث بها إلى أقاربه وأبنائه.

الثاني: كثرة إنفاقه من الأموال التي أتته؛ بل أنفق أكثرها ولم يبق منها شيئًا ألبتة.

الثالث: أنه أنفقها في حال صحته وعافيته وحاجته للدنيا.

* ومن نفقته العظيمة أيضًا نفقة العلم بإخراج الكتب والمؤلفات، وقد ذكر عن الحسن - رضي الله عنه - أنه قال عند قول الله - عز وجل - ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ قال: «أعظم النفقة نفقة العلم».

* وقد تنازل - رحمه الله - قبل وفاته بسنوات عن حقوقه المالية في «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» وهي تقدر بالملايين وذكر ذلك - رحمه الله - بقوله: «شكا إلى بعض من صور هذا المجموع ونوزع في تصديره، فأخبره هو وغيره بأني قد وقفت ما يخصني من حقوق طبع هذا المجموع المحتوي على سبعة وثلاثين مجلدًا المطبوع في مطابع الرياض سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف هجرية - أرجو بره وذُخره وكثرة النفع بتعميم طبعه ونشره. سبَّلت عملي مع والدي وميراثه منه. والله أسأل أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين».

* والمال الذي في يد الوالد - رحمه الله - له نصيب من قول شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس؛ ليبارك له فيه، من غير أن يكون له في القلب مكانة. والسعي فيه إذا سعى كإصلاح الخلاء»([217]) .

ثم قال - رحمه الله -: «فيكون المال عنده يُستعمل في حاجته بمنزلة  حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، فيكون هلوعًا، إذا مسه الشر جوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا»([218]) .

* وأمر الوقف عظيم، فالدنيا مزرعة الآخرة وهي دار التكليف والعمل، ومن فضل الله ومنته أن أعمال المسلم لا تنقطع بموته وخروجه من الدنيا، بل هناك أعمال تجري حسناتها له بعد وفاته.

ولعل نشر العلم من ذلك الوقف الذي يجري له بعد موته إلى ما شاء الله - عز وجل -. كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» وذكرها منها «... أو علم ينتفع به».

* وقد ذكر العم الشيخ سعد - حفظه الله - أنهم في بداية شبابهم رأوا رجلاً يعرفونه يسأل الناس، قال: فقال لي أخي محمد: نذهب ونسد حاجته حتى لا يسأل أحدًا، وكان ذلك.

* وأذكر أنه أخفى نفقته لبعض معارفه لما يقارب من عشرين عامًا لا يعلمون أنه ينفق عليهم - رحمه الله - من ماله الخاص.

* وأذكر أن رجلاً موحدًا من أهل اليمن يحبه العلماء ويجلونه يسكن مكة، لما مات ترك خلفه بنات وزوجة. تكفل الوالد بهذه الأسرة، حتى أخبروه فيما بعد أن الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - كفلهم. وهذا الأمر علمناه منهم بعد وفاة الوالد - رحمه الله -؟

* وقد حضر إليه في الحرم شخص أرسله أحد المشايخ ولم يكن معه إلا ستمائة ريال فأعطاه إياها، ورفض الشخص استلامها بحجة أنها قليلة. فقال: ما أملك الآن إلا هي!

* قال الحسن: «المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله - عز وجل -»([219]) .

أسأل الكريم ذا العرش العظيم أن يجعل لأبي النصيب الأوفى وأن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وأن يثقل بها موازين حسناته يوم العرض.


قيام الليل:

* قيام الليل له لذة وفيه حلاوة وسعادة لا يشعر بها إلا من صف قدميه لله في ظلمة الليل يناجي ربه، ويشكو ذنبه ويرجو رحمته، ويخاف عذابه.

* وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ مسفرة من طول ما أغبرت في سبيل الله - عز وجل - وقيل: من آثار الوضوء. وقال ابن عباس: من قيام الليل.

قال - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء من الحسد».

قال قتادة: «ما قام الليل إلا مخلص».

قال ابن الحاج: «وفي القيام من الفوائد أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق الجاف من الشجرة، وينور القبر، ويحسن الوجه، ويذهب الكسل، وينشط البدن».

قال ابن عباس - رضي الله عنه -: «من أحب أن يهون عليه طول الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجدًا قائمًا يحذر الآخرة».

* واشتكت زوجة صهيب - رضي الله عنه - عن سهره بالليل، فقال لها: «إن صهيبًا إذا ذكر النار طار نومه وإذا ذكر الجنة طار شوقه (فهو بين خوف من النار وشوق إلى الجنة) وعكس ذلك من يسهر الليالي على  لهوٍ ومحرم إلى آخر الليل وتشتكي زوجه من سهره. وشتان بين سهر أهل الطاعات وأهل المعاصي.

وكان الفضيل يقول: «أدركت أقوامًا يستحيون من الله من طول الضجعة».

ومن مُنع قيام الليل فليراجع نفسه ويتذكر ذنوبه قيل للحسن: ما بالنا لا نقوم الليل؟ قال: «قيدتكم خطاياكم».

* قيام الليل صلة بين العبد وربه، وهي صفة من صفات عباد الله المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: 16].

وقيام الليل سنة مؤكدة حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على أدائها وبين فضل قيام الليل بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل» [رواه مسلم].

وقيام الليل منحة ربانية للصالحين والموفقين من عباده.

* عُرف عن الوالد - رحمه الله - قيامه لليل منذ حداثة سنه، وكان قيامه يتجاوز ثلاث ساعات، وقد سأله أخي عبد المحسن: هل الشيخ محمد بن إبراهيم هو الذي دلكم على ذلك؟ قال: لا، قرأت كتابًا عن فضل قيام الليل وكان عمري سبعة عشر عامًا فما تركته، وقد ذكرت والدتي أنه قام ليلة زواجه مثل الليالي الأخرى.

وكان يداوم على ذلك سفرًا وحضرًا بردًا وحرًا! وكثيرًا ما كنا نسمعه يقرأ في السيارة وهو يصلي.

* وأثر عنه - رحمه الله - أنه كان يصلي قيام الليل في صالة المنزل وأحيانًا في المجلس وأخرى في غرفته! ولعل ذلك فيه نشاط له، وإسماع لمن حوله في البيت وحتى تشهد له يوم القيامة، وأعانه على القيام وطوله حفظه لكتاب الله - عز وجل - وحرصه على النوم مبكرًا، مع أننا لاحظنا في الشهور الأخيرة أنه ربما سهر إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً وهو يكتب.

* أما صلاة التراويح فكان - رحمه الله - لا يكتفي بها في رمضان خاصة في العشر الأواخر، بل كان يحيي أيضًا ما بين التراويح والقيام، وقد شاهدته في سطح الحرم المكي قائمًا حتى صلاة القيام - رحمه الله - مع فترة راحة لا تذكر!

* وكان في شبابه يؤم بمسجد المزرعة ومن المصلين والده (الجد - رحمه الله -) وقد سألت أحد المعارف كم كان يصلي بكم: قال يصلي بنا صلاة التراويح ساعات طويلة.

* وذُكر أن الجد - رحمه الله - في أحد أيام رمضان وبعد الإِفطار استأذنه بعض من الأقارب للعودة إلى الرياض فأذن لهم، ثم قام أحد المشايخ وطلب الأذن فرفض الجد - رحمه الله - فقال الشيخ: لماذا أذنت لهم؛ فقال: «تشق عليهم صلاة محمد». وكان الوالد يصلي بهم صلاة التراويح([220]).


قال الحسن - رحمه الله -: «ما نعلم عملاً أشد من مكابدة الليل ونفقة المال، فقيل له: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره».

* أثنى الله - عز وجل - على أهل قيام الليل فقال - عز وجل -: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: 16] لننال تلك الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].

قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: «أي فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا أعمالهم كذلك أخفى الله لهم من الثواب، جزاءً وفاقًا. فإن الجزاء من جنس العمل.

قال الحسن البصري: «أخفى قوم أعمالهم، فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر»([221]) .


القرآن:

قال عثمان - رضي الله عنه -: «لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من كلام ربنا».

وقال خباب بن الأرت - رضي الله عنه - لرجل: «تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه» [رواه الحاكم].

* كان الوالد - رحمه الله - محبًّا للقرآن وأهله حافظًا له منذ حداثة سنه، وفي رمضان يختم كل ثلاث، وفي آخر عمره كان يختم كل يوم، قسم أجزاء القرآن على نهاره؛ فكنا نسمعه يقرأ الظهر في سورة معينة ونجده من الغد قد وصل إلى هذه السورة وهكذا يوميًا. وكان يرفع صوته بالقراءة فيسمع من بجواره.

ويقرأ كثيرًا بعد صلاة الفجر حتى تشرق الشمس ويبكر للصلاة فيقرأ بين الأذان والإِقامة ويقرأ في الطريق وهو سائر.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله» [رواه الطبراني].

* وقد ظل هذا الحب لهذا القرآن العظيم حتى بعد وفاته فقد أوصى لحفاظ كتاب الله - عز وجل - في وصيته التي أوقف فيها عددًا كبيرًا من النخيل وقال: «فيصرف على الذين يتعلمون العلم الشرعي أو يتحفظون القرآن الكريم».

* وقد ذكر - رحمه الله - أنه كان في القرية إذا ختم الصبي القرآن حملوه على الأكتاف وداروا به في أرجاء القرية - من حبهم لخاتم القرآن -  ولا ينزلونه إلا على الوليمة التي أعدها أهله له بهذه المناسبة.

* وقد وجدنا كثيرًا من المبالغ التي صرفها في حياته خاصة لطلاب العلم وممن يتحفظون كتاب الله - عز وجل -.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإن إعانة المسلمين بأنفسهم وأموالهم على تعلم القرآن وقراءته وتعليمه من أفضل الأعمال»([222]) .

* وقد سُئل مرة: كم يكفي لختم القرآن من ساعة؟

قال: «أول ما طلبت العلم قرأت عن الأئمة وختمهم للقرآن في يوم واحد فتعاهدت أنا وفلان (من طلبة العلم) ودخلنا الجامع الكبير في الرياض وصلينا الفجر ثم بعد الصلاة بدأنا في قراءة القرآن، قال فختمت مع دخول الخطيب المنبر، وصاحبي لم يتمكن من ذلك!».

* وذكرتُ ذلك لأحد المشايخ فقال: «إنه ختم في مثل الوقت»؛ لاستظهاره القرآن وسرعة جريانه على لسانه!.

* ومن قوة حفظه وكثرة تعاهده للقرآن قل أن يخطئ - رحمه الله - في حفظه، وذكر مرة أنه صلى بجماعة المسجد وقرأ قول الله - عز وجل في سورة البقرة: ﴿وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ فرد عليه أحد المصلين بقوله: الظالمين.

قال الوالد: «فبقيت على تصحيح هذا الرجل سنتين ثم شكتت في فتحه على ففتحت المصحف ووجدت أن الرجل أخطأ فعدت إلى  قراءتي الصحيحة».

* ومن حرصه على قراءة القرآن والمكوث في المسجد أنه إذا ذهب للمزرعة وصلى بهم الفجر بقي في مصلاه حتى تشرق الشمس ويصلي الضحى ثم يخرج، هذا مع كثرة الأعمال التي تنتظره في المزرعة ومع ذلك لم يقدم الدنيا أو يؤخر الطاعة!

* قال بعض السلف: عشر خصال تبلغ العبد منزلة الأخيار، وينال بها الدرجات:

أولها: كثرة الصدقة.

والثاني: كثرة تلاوة القرآن.

والثالث: الجلوس مع من يذكِّره بالآخرة، ويزهده في الدنيا.

والرابع: صلة الرحم.

والخامس: عيادة المريض.

والسادس: قلة مخالطة الأغنياء الذين شغلهم غناهم عن الآخرة.

والسابع: كثرة التفكر في ما هو صائر إليه غدًا.

والثامن: قصر الأمل، وكثرة ذكر الموت.

والتاسع: لزوم الصمت، وقلة الكلام.

والعاشر: التواضع، ولبس الدون، وحب الفقراء، والمخالطة معهم، وقرب اليتامي والمساكين ومسح رءوسهم».

فأسأل الله الكريم المنان أن يجعل لوالدي الأجر والمثوبة على أعماله وقرباته وصدقته، وأن يجعلها في موازين حسناته.

الحياء:

«الحياء شعبة من شعب الإيمان» كما قال - صلى الله عليه وسلم -.

* كان - رحمه الله - شديد الحياء، لا يرفع الصوت ولا يحد النظر ولا يعنف ولا يذم ولا ينتقد، ويستمع إلى المتحدث بإصغاء عجيب ولربما أنه سمع الكلام قبل أن تلد المتحدث أمه؛ ولا يقول أعرف أو سمعت. بل يدع المتحدث يكمل الحديث.

* ولم يكن - رحمه الله - صاحب ضحك وإزجاء للوقت. بل تراه صامتًا خاشعًا.

* سُئل ابن الجوزي: أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي؟ فقال: «عند نفسك من الغفلة ما يكفيها».

* مر الحسن برجل يضحك، فسأله: يا ابن أخي: هل جزت الصراط؟

فقال الرجل: لا، قال: فهل علمت إلى الجنة تصير أم إلى النار؟

فقال: لا، قال: ففيم الضحك؟! عافاك الله والأمر مهول.

فما رُئي الرجل ضاحكًا حتى مات([223]).

* ومن حيائه - رحمه الله - إن لم يكن يتمخط في المجلس أو يتجشأ أو يمد قدميه أو يحقر أحدًا! هذا في وسط بيته وبين زوجته وأولاده!

* وكان يستحم رحمه الله جالسًا حياءً من الله عز وجل، ولم يؤثر  أنه اغتسل في الدش. بل يرى ذلك من الإِسراف والتبذير! ويسعه ما وسع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يتوضأ بمد ويغتسل بالصاع.

* ومن صفاته المتميزة عزه واستغناؤه عن الناس، فلا يطلب لنفسه شيئًا، فأعماله الخاصة والعامة يقضيها بنفسه حتى ولو ألح عليه بطلب مساعدته أحد أقاربه.

* وسبب وفاته أنه ذهب للقيام بعمل لو كلَّفَ به أي شخص، لقام به. ولعل في ذلك امتثال وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر أن لا يسأل الناس شيئًا.


ورعه:

عرف معاذ بن جبل - رضي الله عنه - الورع فقال: «الورع اجتناب كل ريبة، وترك كل شبهة، والوقوف مع الله على حد العلم من غير تأويل»([224]) .

* قال شيخ الإِسلام - رحمه الله - عن الورع «أنه من قواعد الدين»([225]) .

* وقال ابن القيم - رحمه الله -: «وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الورع كله في كلمة واحدة فقال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» فهذا يَعُمُّ الترك لما يعني: من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع».

* أخذ الوالد نفسه بالجد والحزم. وما رُئيَ - رحمه الله - إلا مهمومًا بأمر نفسه، لا يتكلم في أحد ولا يسأل عن الأموال والدور! بل تراه قد شغله شاغل وأهمه أمر!

* من ورعه - رحمه الله - أنه كتب في وصيته مبلغ (55) ريالاً مساهمة لأحد إخوتي.

* وأذكر أننا في مكة في يوم ممطر ومررنا بصاحب دراجة يسير فأتاه قليل من ماء الأرض بفعل سير السيارة.

فوقف - رحمه الله - ونزل إليه، وعندما عاد إلى السيارة قال: «استسمحته وأرضيته»، ولا نعرف هل أرضاه بمال أم لا؟!

وتذكرت وأنا أكتب هذه الحادثة قول الحسن: «إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني وبينك الله، فيقول: والله ما أعرفك، فيقول: أنت أخذت طينة من حائطي، وآخر يقول: أنت أخذت خيطًا من ثوبي، فهذا وأمثاله قطع قلوب الخائفين».

وذكر الإِمام الذهبي في الكبائر عن بعض الصالحين: أنه رُئِيَ بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرًا، غير أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أرده»([226]) .

* ومن ورعه العجيب - خاصة في هذا الزمن - رده للمناصب التي أتت إليه؛ خوفًا على دينه من أن يناله شيء!

* وعندما توفي وجدنا في مكتبته كرتونًا صغيرًا كتب عليه بخط واضح: «عواري ترد إلى أربابها» ومنها كتاب للشيخ عبد الله بن جبرين وآخر للشيخ عبد الرحمن الفريان - حفظهما الله -.

* وكان في سفره إلى أوربا ولبنان يلبس الثوب العربي، ولم يلبس اللباس الأفرنجي مطلقًا مع أنه أقام في الشام وحدها شهورًا طويلة منها أحد عشر شهرًُا متواصلة.

* ولم أره يلبس الجاكيت حتى مات، ولما سُئل عن الجاكيت: هل فيه  شيء؟ قال: «إنه نصف لباس الأفرنج وأكرهه».

* وكان من حرصه على تنزيه سمعه إذا فتح إذاعة لندن لسماع الأخبار وهو في السيارة أن يغلق المذياع حتى تذهب دقات ساعة «بك بن» فسُئل: هل هذه موسيقى قال: «هذه تشبه أصوات أجراس الكنائس!».

* وقد تحدث عنده البعض قبل فترة عن موت شخص مقيم على معصية يجاهر بها وسقط أمام الناس وهو يغني، فقال - رحمه الله -: «تأملوا في حالكم واخشوا سوء الخاتمة ودعوه»!

* ويومًا قص علينا بداية دخول مكائن إخراج الماء من الأرض في مزرعتهم، فقال: «لما أتينا بها وكانت نادرة، تعطلت بعد فترة وجاء مهندس لإِصلاحها فإذا به يدخن وكنا له كارهين فألقين النظر إليه وهو يعمل، فما احتجنا إليه بعد ذلك اليوم واصبحنا نصلحها أنا وإخواني».

* ومن ورعه - رحمه الله - أنه كتب كل ما عليه وهي مبالغ يسيرة! والعجب أننا لم نجد أنه كتب من يطلب منه والظاهر أنه سامحهم! ومن بينهم صاحب مكتبة في ذمته للوالد أكثر من مائة وستين ألف ريال وقد أعسر وطلب مسامحته فتناول له الوالد - رحمه الله - في حياته!

* والورع وإن كان شاقًا على النفوس إلا أن قول حسان بن أبي سنان فيه قدوة: «ما شيء أهون عندي من الورع؛ إذ رابني شيء تركته!» ([227]).

* وأحسب أننا نصحب رجلاً صحب أمثاله من كان قبلنا.

قال الحسن: «أدركت أقوامًا وصحبت طوائف، ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يقبلون على شيء منها أدبر، وهي في أعينهم أهون من التراب، وكان أحدهم يعيش سنةً أو سنتين لم يطوله ثوب ولم ينصب له قدر، ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئًا، ولا أمر من في بيته بصنعه طعام قط. فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون ربهم فكاك رقبتهم، كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها، وسألوا الله أن يقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفر لهم، فلم يزالوا على ذلك، والله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا من العذاب إلا بالمغفرة، رحمه الله عليهم ورضوانه».


التواضع والبعد عن المظاهر:

* كان - رحمه الله - بعيدًا عن المظاهر يمشي الهوينا يذكرك بسير السلف والعباد والزهاد، رزقه الله الأموال فما غيرت قلبه ولا أثرت فيه إلا محبة للخير. أتته الدنيا وهي راغمة على مناصب عليا فردها، وساق الله - عز وجل - إليه الأموال من أملاك باعها بملايين الريالات وتصدق منها.

ولم يؤثر عنه - رحمه الله - أنه طلب أحدًا شيئًا من أمور الدنيا ألبتة.

* وكان - رحمه الله - قليل الكلام يحسب كلامه من الجمعة إلى الجمعة. وقد زارنا في المزرعة أحد الأطباء وأشرت عليه أن يعرض على الوالد لعله يقبل أن يذهب للمستشفى لعلاج ضعف السمع اليسير الذي ينتابه أحيانًا. فقال متسائلاً - رحمه الله -: لماذا أعالج أذني؟ فقال الطبيب: لتسمع بوضوح! فقال - رحمه الله -: «أكثر الكلام لا حاجة لي فيه».

* وقال مرة: «لا أخشى على سمعي بل أخشى على ذهاب بصري ولم أتم الكتب التي بين يدي».

* ومن تواضعه - رحمه الله - أنه كان يذهب في مكة بنفسه بزكاة الفطر إلى الفقراء، وقد سُئل - رحمه الله - أين نجد فقراء فيها؟ قال: «عليك برءوس الجبال!».

قال يحيى بن معين: «ما رأيت مثل أحمد، صحبناه خمسين سنة ما  افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير»([228]) .

* وما نراه ماثلاً للعيان رحمته بالعالمين لديه في المزرعة والرفق بهم وعدم نهرهم وسماع مشاكلهم وشكاواهم، وجلب الأرزاق لهم كل جمعة - زيادة على رواتبهم - ما تخلف عن ذلك حتى مات.

* ومن بعد الوالد - رحمه الله - عن المظاهر، أرسلت له استمارة دعوة لتعبأ بمعلومات شخصية لترشيحه لنيل جائزة من الجوائز العالمية لخدمة الإِسلام! وكنت حاضر الموقف، فقرأها وأسندها في مكتبة الجلوس، قال: لا حاجة لي فيها!.

وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - في كتابه «مدارج السالكين» في منزلة الخشوع:

«ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:

أنـا المـكـدي وابـن المـكـدي

وهـكـذا كـان أبـي وجـدي

وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الأن أُجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعد إسلامًا جيدًا».

* وما رأيت مشيته وحديثه إلا وذكرت الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83].

* وكان - رحمه الله - لا يحب أن يسمى بالشيخ، وإذا هاتف أحدًا أو طرق الباب على أحد وسُئل: من أنت؟ قال - رحمه الله - ببساطة وتواضع: «محمد بن قاسم».

* ولم أسمع ألبتة طوال حياته أنه افتخر وقال: أنا الشيخ فلان أو أنا جامع الفتاوى أو أنا درست في الكلية أو أن فلانًا تتلمذ عليَّ. ولربما رآه أحد من الناس فظن أنه رجل عامي لتواضعه وحسن سمته وطول صمته!

* وكان الحسن يقول: «رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدًا، فأكل كسرة، ولبس خلقًا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة؛ ابتغاء الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك»([229]) .

* وأذكر من حسن تواضعه - رحمه الله - أنه دخل محلاً لبيع الخضروات قال: فقال لي البائع - (وهو لا يعرف الوالد) - رحمه الله -: نريدك أن تجلس في المحل (حسب نظام السعودة) ونعطيك مالاً. قال فقلت له: «أنا مشغول عندي عمل!».

* قال عنه الشيخ عبد الله المعتاز يعدد بعضًا من صفاته: «بعده عن التفاخر في مسكنه ولباسه ونسبه وماله وغير ذلك ومقته الاعتزاز بشيء إلا بالدين فهو يوالي حسب التقوى والإِيمان بعيدًا عن المعصية والتفاخر بالمظاهر التي ابتلي بها كثيرًا من الناس»([230]) .

تلك سيرة الأئمة وحال الأخيار قال عارم: «وضع أحمد عندي نفقة، فقلت له يومًا، يا أبا عبد الله، بلغني أنك من العرب؟ فقال: يا أبا النعمان، نحن قوم مساكين، فلم يزل يدافعني حتى خرج ولم يقل شيئًا»([231]) .

* وكان - رحمه الله - يشجع على التدريس والتعليم دون غيره لأنه علم ينتفع به.

* وكان عجبًا في سكونه وخشوعه وتتمثل فيه الآية: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] معنى بأمره ولا يعنيه أمر الناس وتتبع أحوالهم ومعرفة أمورهم. فقد شغلته خاصة نفسه عن متابعة أحول غيره - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا -.

* قال الحسن:  «إن أيسر الناس حسابًا يوم القيامة، الذين حاسبوا أنفسهم لله في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الذي هَمُّوا به لله، مضوا فيه، وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا، أخذوها على غير محاسبة، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر، ثم قرأ ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].


اتباعه للسنة:

* كان - رحمه الله - حريصًا على اتباع السنة في أعماله وأقواله وأفعاله، وكنا نشاهد هذا باستمرار، فقد كان - رحمه الله - وهو ذاهب للمسجد ينتعل حينًا ويمشي حافيًا أخرى اقتداء بالسنة في ذلك.

* وقد لوحظ - رحمه الله - أنه إذا دخل المسجد وقدم اليسرى ناسيًا فإذا به يعود ويقدم اليمنى.

* وكان يشرب الماء وهو جالس كما هي السنة.

* كان يغتسل في إناء صغير ولا يستعمل الدش المائي إطلاقًا ويرى أن ذلك من الإِسراف؛ ويسعه ما وسع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يغتسل بالصاع.

* وكان - رحمه الله - لا يتكلم أبدًا في دورة المياه ولا يرد على أحد طرق الباب عليه، إنما يتنحنح.

* وكان إذا صلى إمامًا يسكت بعد نهاية قراءة السورة الجهرية سكتة خفيفة ثم يركع.

* ومن حرصه على السنة إنه كان يكتحل وكان يلبس الجديد في يوم العيد. وأذكر وكنت صغيرًا أنه اشترى لي ثوبًا ليلة العيد وكان واسع الرقبة وسعًا ملفتًا للنظر فلما لبسته صباح يوم العيد قال - رحمه الله - وكأنه أحس بعدم رغبتي في هذا الثوب: «صل العيد واخلعه».

* ومن السنن التي تفلتت من حياة المسلمين حرصه على كثرة  الاستغفار وذكر الله - عز وجل - في المجلس الواحد.

* ومن حرصه على السنة رفع صوته بعد السلام في الصلاة وذلك بالأذكار الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يغير جلسته ولا مكانه إلا بعد الانتهاء منها تماما. بل كان بصره إلى الأرض لا يتحرك ولا يلتفت يمنة ويسرة.


الصبر:

قال شيخ الإٍسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وجعل الأمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24] ([232]).

والصبر ثلاثة أقسام كما عدها العلماء وللوالد - رحمه الله - نصيب أوفى من هذه الأقسام.

فالأول: الصبر على طاعة الله - عز وجل - وتمثلت هذه في محافظته على الواجبات والإِكثار من النوافل.

الثاني: الصبر عن معاصي الله - عز وجل - ببعده عن المحرمات فحفظ - رحمه الله - بصره وسمعه وجوارحه عن الحرام.

الثالث: الصبر على أقدار الله - عز وجل - التي لا يخلو منها بشر، وتميز في هذا الجانب بعدم الشكوى والتذمر وذكر ما نزل به من مصائب وأحزان وأكدار وأمراض! بل كان دائم الصمت لا يعرف ما به، وكنا نرى معه أحيانًا أدوية لا نعلم حتى اليوم لم هي! وما هو المرض الذي أصابه ليستعملها؟ - رحمه الله تعالى -.

* كان رحمه الله - آية في الصبر وكتم الغيظ. صبر على طلب العلم والسفر لأجله سنوات طويلة أتم فيها الدراسة في المعهد العلمي ثم كلية الشريعة مع ملازمته للشيخ محمد بن إبراهيم أكثر من خمسة وعشرين  عامًا وهو يثني ركبته في حلقة علمه. ثم صبر على نشره والبحث عن درره وجواهره في ما بقي من عمره المبارك!.

* وصبر على العبادة العظيمة فلم ينقطع عنها ولم يشغله شاغل.

* وصبر على أمراض به وعلل ولم يخبر بها أحدًا أبدًا، ومن العجائب في حياته أن مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون اتصل علينا بعد وفاته بشهور ليسأل عنه ويخبروا عن موعد عملية لعينه.

فقلنا: الشخص المطلوب توفي من شهور؟ ومعنى ذلك أنه راجع عدة مرات واشتكى من ألم..

ولم نعلم أنه يشتكي من عينه وأنه يحتاج إلى عملية ورتب لها وتذكرنا قول الأحنف رضي الله عنه: «لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد»([233]).

* ومن صبره - رحمه الله - أنه ولد له مولود وهو مسافر ولم يره إلا بعد ستة أشهر وما ذاك الغياب إلا سفرًا لنشر العلم وجمعه وطبعه!

ولله در ابن الجوزي وهو يتحدث عن الأئمة أصحاب الهمم والعزائم فيقول: «كانت همم القدماء من العلماء عالية، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة أعمارهم»([234]) .

* ويقارب من قول ابن الجوزي حال الوالد - رحمه الله - وهو يقول في حديثه عن المكتبة الظاهرية بدمشق حين جمع فتاوى شيخ الإِسلام:  «فكانت مدة التصفح والتفتيش ستة أشهر لما يقارب تسعمائة مجلد من اثني عشر ألف مجلد مخطوط»؟

«ثم تصفحت «المجاميع» وهي تزيد على (150) مجموعة، وقد اشتملت على مسائل ونبذ لا توجد في غيرها، وهي بخطوط قديمة؛ وفيها من خط شيخ الإِسلام بيده ما يزيد على (850) صحيفة».

* أما فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - فقد بدأ في جمعها وترتيبها وطباعتها ابتداء من شهر 11/1392هـ وحتى 8/1/1405هـ ومعنى ذلك أنه - رحمه الله - أمضى ما يقارب من اثني عشر عامًا.

* أما «المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام»، فقد أمضى في إخراج درره ونشرها أكثر من اثني عشر عامًا.

* وعندما سافر إلى بيروت قبل سنوات قريبة لصف وطبع المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإِسلام. تعجب أصحاب المطبعة من جلده وصبره، وقالوا: ما رأينا مثله إذا أتينا الصباح وجدناه ينتظرنا عند الباب وقد صحح البروفات في الليل.


الدعاء:

«الدعاء هو العبادة» كما قال - صلى الله عليه وسلم -.

* كان - رحمه الله - كثير الدعاء في الأسحار وأبار الصلوات، وفي يوم عرفة كان يستمع إلى خطبة مسجد نمرة عبر المذياع ثم يصلي ويأكل ما تيسر ثم ينعزل فيدعو لساعات طوال حتى يؤذن المغرب!

* وأحسب أنه - رحمه الله - من مستجابي الدعوة، والشواهد في هذا كثيرة وقد سألته يومًا عن الدعاء عند الملتزم وهل فيه فضل؟ فقال: الشيخ محمد بن إبراهيم دعا فيه واستجاب الله دعوته، (وذكر دعوته وهي خاصة بأمر عظيم من أمور المسلمين)، ووالدي (عبد الرحمن) دعا واستجاب الله دعوته، ودعوت عند الملتزم، واستجاب الله دعوتي. وجاء في فضل الالتزام واستحباب الدعاء فيه أحاديث حتى إنه مروي بذلك مسلسل من المسلسلات إلى عطاء، فيقول الراوي عن ابن عباس: إني دعوت ربي دعوة فأعطانيها إلى الآن.

عندها تذكرت حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنهما -: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله..» وفي رواية «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». حديث عظيم رأيناه في حياة الوالد كثيرًا!.


لطائفه:

للعلماء مجالس يتبسطون فيها ودعابات لطيفة يحسن إيراد بعضها!

* قال - رحمه الله - وكان ينوب عن الإِمام إذا غاب: تقدمت للصلاة، ولما انتهت الصلاة أتى شخص وأكثر على في الكلام عن المكيفات وأنها لا تعمل، قال - رحمه الله - فقلت له: أنا بدل فاقد!

* وأذكر أن أحد مشايخ المدينة النبوية قابله عندما ذهبنا إلى المدينة وطلب موعدًا فاعتذر الوالد بالسفر، فقال الشيخ للوالد: أينكم من حديث: «من صلى أربعين صلاة في مسجدي..» قال الوالد - رحمه الله - مبتسمًا: هذا حديث رواه أصحاب الفنادق التي بجوار الحرم!

* ومرة أتاه أحد العوام ممن يعملون في المزارع وقال: يا شيخ ما حكم صبغ الشعر بالسواد، وكان الرجل كبيرًا في السن. فقال الوالد: إذا كنت تريد أن تتزوج بثانية قلنا لك الحكم، وإلا فلا تشغل نفسك!

* سألته إحدى المعلمات عن قوله تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ هل يقال للتلميذات: الكرسي: أحد مخلوقات الله العظيمة؟ فقال: أنتم مدرسون لا مدلسين. قولوا: الكرسي: هو موضع قدمي الرب جل جلاله كما ورد.

* ومن لطائفه العجيبة أنه ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم وأسهب في ذكره، فقلنا: تحبونه على عكس طلاب اليوم لمعلميهم، فذكر لنا أنهم كانوا في سفر مع الشيخ، ولما قربوا من الطائف تأخر عليهم وكأنهم فقدوه، قال: فأصابنا بكاء كبكاء الأطفال عليه خوفًا من ضياعه -رحمه الله-».

وأذكر أن الشيخ صالح بن محمد اللحيدان - حفظه الله - ألقى محاضرة في جامعة الإِمام محمد بن سعود وتعرض بثناء ومدح للشيخ محمد بن إبراهيم فأخذته العبرة!

* ومن حسن تربية الشيخ محمد بن إبراهيم لتلاميذه ما ذكره الوالد: أنهم في سفر وكان الشيخ - رحمه الله - يتبسط معهم في الحديث ويوآنسهم، قال: فلما قربنا من البلد وكنا جلوسًا حفر حفرة صغيرة وقال - رحمه الله -: كل ما سمعتموه اجعلوه هنا، ثم دفن الحفرة!

*وكان - رحمه الله - يحب الخروج للبر في نهاية الأسبوع، ويقول: «حتى يرتاح رأسي وأستجم»، وكثيرًا ما كان يردد إذا أراد أن يرتحل من مكانه ويركب السيارة:

هـكـذا نــزلـنــا وارتحـلـنـا

                                وهـكذا الـدنيا نـزول وارتحـال نفعه للمسلمين:

في يوم دفنه رفع أحد كبار السن صوته وقال: «أشهد أنه خدم الإِسلام والمسلمين» وأخذ يكررها.

* نفعه - رحمه الله - واضح جلي كالشمس في باعة النهار، فالتدريس والجمع والتأليف سمة في حياته، وما مجموع فتاوى شيخ الإِسلام رسائل وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهما من المؤلفات إلا من ذلك النبع الذي أجراه الله - عز وجل - على يديه لإِرواء ظمأ الناس. كما قال الشيخ بكر أبو زيد في المداخل إلى آثار شيخ الإِسلام: «ومن الذين لهم جهود في ذلك (أي في نشر كتب ابن تيمية وابن القيم):

1- عبد الرحمن بن قاسم.

2- ابنه محمد بن عبد الرحمن بن قاسم»([235]) .

وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة»([236]) .

وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «ومن له في الأمة لسانُ صدق عام بحيث يُثنى عليه ويُحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى»([237]) .

* وقد ذكر ذلك النفع في مقدمة كتابه «آل رسول الله وأولياؤه» فقال  رحمه الله:

«أما بعد: فهذا بحث جمعت أصوله من «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله - يتعلق ببيان موقف أهل السنة والشيعة من عقائد آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأوليائه وفضائلهم وفقههم وأصول فقه الشيعة وفقههم.

* وقد قمت بهذا العمل رغبة في تبصير الناس بحقائق عقائدهم، ودلالة لهم على الطريق الأسلم الذي ينجو سالكه، ورغبة في أن يجد شباب الشيعة فيه ما يدلهم على الحق ويكشف لهم الباطل. وحاملي على ذلك كله النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».

* وفي أحد المرات تقدم - رحمه الله - للصلاة بالناس صلاة العصر ولما انتهى من الصلاة، وجد كتاب رياض الصالحين على يمينه. فتناوله وحمد الله وصلى على نبيه، ثم بحث في جيبه فلم يجد نظارة القراءة، ولكنه وجد (عدسة مكبرة) كان يقرأ بها المخطوطات فأخرجها وبدأ يقرأ بها والناس تتأمل في حاله وصنيعه - رحمه الله -.

* ومن نفعه أنه يبذل نفسه للناس وللمؤسسات الخيرية في الاستشارة وكتابة الوصايا وغيرها.

* وكان - رحمه الله - لا يترك ثلاثة أمور؛ رغم أن فيها مشقة عليه خاصة في سنوات الكبر: زيارة المريض، وحضور وليمة العرس، والتعزية.

أحوال الدنيا عجيبة ففي يوم الخميس الموافق 23/6/1421هـ ذهب للتعزية في امرأة من المعارف. وتوفي رحمه الله بعدها بأيام، في يوم  الاثنين 27/6 وتوافد المعزون من الأقارب والمعارف وغيرهم. فسبحان الحي الذي لا يموت، يوم الخميس يُعزي غيره ويوم الاثنين الذي بعده يُعزَّى فيه. وما هو إلا كما قال الشاعر:

من الخلود ولكن سنة الدين

إني معزيم لا إني على ثقة

ولا المعزى ولو عاشا إلى حين

فما المعزي بباق بعد صاحبه

أو كما قال الشاعر:

فمتم فزرناكم وسوف نُزار

كنا وإياكم نزور مقابرًا

* وكان - رحمه الله - إذا قرب الحج يستقبل حجج الناس ووصايهم ولربما في سنة واحدة تجاوز ما يصل إليه ألف حجة عن أموات وأشخاص غير قادرين عن الحج، ومنها ما يكون من مكة ومبلغها (1550) ريالاً يعطيها ممن يظهر عليهم سمات الخير وطلب العلم كطلبة دار الحديث أو نحوهم، ومن الرياض كانت مبالغ الحج من 3000 – 5000 ريال مع الهدي ويختار من يظن فيه الخير والصلاح. وكان يجمع الأموال ويتعب في عدها وتسجيل أسماء من يُحج عنه. ثم في إرسالها إلى الموثوقين هناك ومتابعة وصول الأسماء. أما ما كان مشروطًا بالحج من الرياض فإن المسجد والمنزل يمتلأ بمن يريدون نيابة عن الحج وغالبهم فقراء ومساكين من طلبة التحفيظ. وقد جعل أنموذجًا لاستلام المبلغ واسم من يحج عنه. فرحمه الله وأجزل مثوبته.

* وحيث إن الإِحسان لا يضيع. فقد حج عنه شاب في السنة الأولى التي توفي فيها ورفض أن يأخذ مبلغًا على الحجة عندما علم أن الوالد  هو الذي يُحج عنه.

* ومن نفعه للناس أنه لا يرد من يريد أن يقرأ له رقية في ماء أو زيت.

ومن ورعه - رحمه الله - ذكرنا له يومًا أن امرأة من علية القوم (وذكرنا اسمها) تريده أن يقرأ عليها، فقال: «ما قرأت على الرجال حتى أقرأ على النساء!».

وكان لا يأخذ أجرًا، ولا يريد أن يُخبر أحدًا من الذي قرأ في الماء أو الزيت، وقد نفع الله بهذه القراءة، ولنا قصص كثيرة من هذا الأمر، حتى إن امرأة بها مرض السرطان كانت تبكي في الليل وترفع صوتها ولربما سمعها الخارج من المسجد، فأعطيت من ذاك الزيت، فما عاد يسمع بكاءها.

* وكان يقول: إن القراءة في الماء الكثير من قبل بعض القراء غش للناس، والأصل: القراءة في القليل ثم يزاد عليه.

* ومن نفعه للناس في السفر أنه إذا وجد أحدًا متعطلاً في الطريق؛ لا يتجاوزه بل يقف ويساعده ولا يذهب إلا وقد يسر الله أمره!

* ويظهر والله - أعلم - أن نفعه للمسلمين جبلة في خُلقه منذ فترة شبابه، فقد ذكر الأستاذ محمد بن عبد الله الحمدان في كتابه «البير» ما يؤيد ذلك حيث قال: وفي عام 1373هـ كانت الطرق وقتها غير سالكه ما بين رمال وجبال فتطوع بعض أهالي البير بفتح طريق يربط البير بحريملاء وعبر حوجان (طريق إبل متعرج قديم) فوادي (أبا السدر) وأذكر أني أشتركت في عمل هذا الطريق وكان على رأس العمل فيه الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم وقد تم تذليل كثير من الجبال والتلال  والتلاع التي سلكها الطريق ووضعوا أنابيب كعبارات لعبور السيل([238]).

* قال ابن القيم - رحمه الله -: «من رَفَق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه».

فأسأل الله الكريم بمنه وكرمه أن يعامله بلطفه وجوده وأن يجعله من أصحاب الفردوس الأعلى، وأن يجزيه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء.

* وأنا أعد هذا الكتاب أحضر جار لنا ورقة تزكية لهم جعلتها كما هي بخط يده - رحمه الله -.


 محبة العلماء له:

أهل العلم ذوو نسب يجمعهم العلم ويحب بعضهم بعضًا ويدعو بعضهم لبعض، وكان كثير من السلف يقول: «ما صليت إلا ودعوت لوالدي، ولمشايخي جميعًا([239])!

وقال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد: «أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرًا([240])».

تأمل في ترحم العلماء اليوم على أئمة توفوا منذ مئات السنين لم يروهم ولم يجالسوهم! فما بالك بمن زاملوهم في التعليم وثني الركب في حلق العلم.

* لما توفي الوالد - رحمه الله - امتلأت الصفوف في المسجد ومن ثم المقبرة من العلماء وطلبة العلم فقد صلى عليه جمع منهم سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ - الذي أم المصلين - والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبد الرحمن الفريان وغيرهم من العلماء.

* أما الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - فقد تحدث إلينا بالهاتف ونحن نغسله وعزى واعتذر عن الحضور للصلاة عليه بسبب مرضه - رحمه الله - وقال عنه: «العالم الورع التقي الخفي» وحثنا - رحمه الله - على  نشر مؤلفات الوالد وطبعها.

* أما الشيخ عبد الرحمن بن فريان - حفظه الله - فقد تحدث إلينا بعد صلاة فجر يوم الثلاثاء ليتأكد من خبر الوفاة وقال «العالم المجاهد» وحضر بنفسه إلى البيت وعزى الجميع وذهب إلى النساء وعزاهن من وراء الباب -جزاه الله خيرًا-.

* وقد زار قبل وفاته الشيخ صالح بن غصون - رحمه الله - فهش له وبش، وقال: أخرج يا شيخ محمد ما لديك من الكتب فالناس اليوم في أمس الحاجة إليها.

* أما الشيخ عبد الله بن غديان - حفظه الله - فقد زارنا معزيًا في المنزل، وقبل وفاة الوالد بفترة زارنا ابنه الشيخ د. سعود في المزرعة وقابل الوالد. ثم قال الشيخ سعود فيما بعد: إني أخبرت والدي أني كنت في مزرعتكم وقابلت والدكم.

قال الشيخ سعود: الوالد لم يذهب لأحد منذ عشرين سنة لا أميرًا ولا عالمًا ولا وجيهًا إطلاقًا. وعندما أخبرته قال: إذا أردت أن تذهب للشيخ محمد أخبرني لأذهب معك نسلم عليه.

* وقد زارنا العلامة الشيخ عبد الله بن جبرين - حفظه الله - مرتين في البيت معزيًا وصلى عليه وحضر دفن جنازته فجزاه الله عنا والإِسلام خير الجزاء.

* وقد زارنا معزيًا الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله - ولا يزال يحث  على إخراج مؤلفات الوالد - رحمه الله -.

* وقد ذكر الوالد - رحمه الله -: أن الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - أسر إليه: «أبشرك لدي ابن توجه إلى طلب العلم.» (يعني الشيخ صالح). قال الوالد: وكان الشيخ عبد الله وهو يبشرني فرحًا مسرورًا!

* وكان علامة المدينة الشيخ حماد الأنصاري ذا صلة قوية بالوالد - رحمهما الله - فكان إذا سافر إلى المدينة يقيم عنده اليومين والثلاث.

وأحسب أن الله طرح له القبول في الأرض من العلماء والعامة بل ومن الملوك والأمراء مع أنه منعزل عن الخاصة والعامة.

* وعندما توفي - رحمه الله - صلى عليه في الجامع الكبير الأمير سلطان والأمير سلمان الذي أخذ بأيدي أنبائه من بين الصفوف وعزاهم وقال سلموا على أخي الأمير سلطان الذي عزاهم في وفاة والدهم - فجزاهم الله خيرًا -.

* وقد زارنا معزيًا وفود لا نعرفها استمر تدفقها حتى اليوم السابع ونحن نستقبل المعزين من العلماء والأمراء وطلبة العلم وعامة الناس من داخل الرياض وخارجها.


بره بوالديه:

كان الوالد - رحمه الله - بارًا بوالده حيًا وميتًا. ملازمًا لوالده في سفره وهو في حال الصحة والمرض. وهناك رسائل أرسلها الجد إلى الوالد يستشيره في أمور كثيرة! وحسبك ببره القصة التالية:

* أصيب الجد - رحمه الله - في حادث سيارة في عام 1349هـ وأثر في رأسه تأثيرًا بالغًا والتأم بعد ذلك وعوفي، فلما ضعف جسمه وأسن عادوه الألم بشدة.

قال الوالد - رحمه الله -: «لما ذهبنا إلى بيروت لم يستفد - الوالد - من العلاج، ثم بعد فترة ذهبنا إلى فرنسا وجلسنا في فرنسا سبعة أشهر وأصبح الجد في عافية بعد أن كشفوا عليه بالأشعة وظهرت الأشعة أن هناك دم جامد في الرأس وذكرت لهم سبب الدم وإنه من حادث سابق، قالوا: إذا هذا من الحادث، لك ثلاثة حلول اختر أحدها:

الأول: أن نفتح جمجمة الرأس ونشفط الدم.

الثاني: أن يذاب الدم المتجمد بالحرارة الشديدة.

الثالث: أن ننفخ الرأس مع الأدوية.

فاختار الثالث وهي النفخ مع الأدوية فلما استخدم الدواء تعافى وتحسنت حاله، ولكنه لم يداوم على الدواء. فلما انتهى الدواء لم يوجد مثله في السعودية».

* ولما تعب الجد - رحمه الله - كان الوالد محمد يذهب يوميًّا من  الرياض إلى المزرعة يضرب الجد إبرة للرأس ولم يبق منها إلا القليل (وكانت المسافة تقطع حينذاك في ساعة ونصف والطريق وعر)، جاء الوالد للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهم الله - وقال: «الإبر لا تكفي والوالد تعب حين انتهت الأدوية، وأريد أن أذهب إلى فرنسا اشتري له الدواء». قال الشيخ محمد بن إبراهيم: أخشى أن تتأخر، قال الوالد: إن شاء الله ثلاثة أيام. وكانت العلاقة مقطوعة بين المملكة وفرنسا في حينها فذهب الوالد إلى البحرين ومنها إلى فرنسا.

وأحضر الدواء، ثم رجع عن طريق ألمانيا وتركيا، ثم البحرين ثم الظهران فلما أكمل الجد الدواء قام صحيحًا.

* قال الوالد - رحمه الله -: ذهبنا إلى بيروت للعلاج ومكثنا أحد عشر شهرًا للعلاج. قال: وكنت أذهب إلى الشام للبحث عن المخطوطات كل يوم سبت وأعود له في بيروت يوم الأربعاء، ولما ذهبت إلى العراق بقيت شهرًا كاملاً والوالد في بيروت واتصلت عليه من العراق فطلب عودتي وألح في ذلك ورجعت إليه وبقينا في بيروت شهرًا ثم عُدنا إلى المملكة».

* وقد رأيت الجد - رحمه الله - مرة وقد أتى إليه بغاز أزرق صغير ثم أوقدوه، وأتوا بمقلاة لها يد فقلبت على الغاز حتى سخنت ثم قربوها إلى جمجمته وتكرر الأمر وكنت في صغري أخشى أن تلامس قشرة رأسه حيث لم يبق بينها وبين القشرة سوى سنتمتر أو أقل. ثم قام الجد -  رحمه الله - وكان له طاقية من الصوف السميك فلبسها لتحفظ الحرارة ثم لبس شماغ الصوف.

* ومن بر الوالد - بالجد - رحمهما الله - البر به بعد موته وقد حسبت ما كان يحج لجدي - رحمه الله - فوجدتها حجة كل سنة، وقد أخبرني قبل وفاته أنه ما ترك ذلك حتى وإن ضاقت الحال ومعنى ذلك إنه يحج عن والده (أي يوكل من يحج عنه) كل عام، وضحى عنه كل عام ومجموعها أكثر من (29) حجة وأضحية. وقد أوصى لوالديه بأضحية.

* ومن بره بوالده ما ذكره - رحمه الله - من سبب شراء مزرعته المسماه الآن - المحمدية - وهي مجاورة لمزرعة الجد قال: في مساء أحد الأيام رأينا رجالاً يصعدون الجبل المجاور بينا وبين الأرض المجاورة، فقيل هؤلاء يريدون أن يكونوا بجواركم ولهم رغبة في شراء هذه الأرض، قال - رحمه الله - فأشرت على والدي أن يشتريها حتى لا يأتي أحد ويكشف مرزرعتنا!، قال الجد - رحمه الله - لا حاجة لي فيها! فذهب الوالد واستدان جزءًا من قيمتها واشتراها. وأوقف فيها - رحمه الله - أكثر من ستمائة نخلة على طلبة العلم الشرعي.

* ومن بره بوالدته بعد موتها أنه كان يحج عنها كل سنة، وقال مرة:

أن أمي ذكرت لي قريبة لها تريد أن تضحي عنها ونسيت اسمها. وبرًا بأمي نضحي عن هذه المرأة بنيتها، وضحى عنها - رحمهم الله جميعًا.


رجاحة عقله:

كان - رحمه الله - يروي لنا قولاً: «إن من قل دينه قل عقله» ولا شك في ذلك فإن الدين يستقيم به عقل وجوارح المسلم.

* وقد تميز - رحمه الله - برجاحة عقل عجيبة وملفتة لنظر؛ زان ذلك صمت وحكمة، فهو لا يتحدث إلا إذا طلب منه ذلك، ومن رجاحة عقله، أذكر نماذجَ لذلك:ـ

القصة الأولى: كان من طلابه في المعهد وكلية الشريعة« جهيمان العتيبـي» الذي وقعت منه الواقعة في الحرم المكي عام 1/1/1400هـ وقد أتى إلى الوالد قبل الحادثة وقال: نريد دروسًا. قال له - رحمه الله -: أين مقر هذه الدروس؟ قال جهيمان: في بيت لنا في شارع الخزان يجتمع فيه بعض الإخوان.

فقال الوالد - رحمه الله - وهذا يدل على رجاحة عقله وبعد نظره وربما فراسته: «إذا كان في المسجد مع جماعة المسلمين فنعم، وإلا فلا». فذهب ولم يعد إليه!

والقصة الثانية: أنه - رحمه الله - في وقت الفتنة التي وقعت في الحرم كان في مكة يطبع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم وكان فجر ذلك اليوم في الحرم وصلى الفجر، ولما سمع بإطلاق النار ورأى الوجوه. قال: تأملت في وجوه القوم فإذا بعضهم قد درسته في المعهد فتلثمت وجلست مكاني لم أتحرك، ولما قرب الظهر فإذا أحد المشايخ موجود  بجواري وقلت له: يا شيخ هذه فتنة، قال: أريد أن أقضي حاجتي وأكره أن تكون هنا ولكن في بئر زمزم قال: فقلت أخشى أن يعرفوك أو أن لا تعود، وصدق ظن الوالد.

أما هو - رحمه الله - فقد خرج من شباك المسعى وعاد إلى الرياض.

* وزاره في عصر جمعة الدكتور عبد الرحمن اللويحق وأهدى إليه كتابه «الغلو في الدين» فقال الوالد: بعد أن وقعت عينه على العنوان: «وأين التقصير؟».

وكأنه - رحمه الله - يرى كثرة الحديث عن الغلو وترك التقصير وهما طرفا نقيض لهذا الدين.

قال الدكتور عبد الرحمن اللويحق: هذه رسالة دكتوراه.

* وفي مسجد مزرعته سأله أحد الشباب في أيام توزيع نشرات «المسعري». وقال: يا شيخ ما رأيك فيها؟ فأجاب - رحمه الله - بكلمتين فقط: «أول ما يفرح بها الرافضة والنصارى».

* وذُكر قوله لامرأة طلقت ومنعها زوجها من رؤية أبنائها: «تصبر وتحتسب وتحفظ لسانها عن غيبة زوجها وإذا قدر الله سوف ترى أبناءها يقودون السيارة ويأتون إليها». فكان الكلام بردًا وسلامًا على قلبها! وصدق في هذه النظرة فقد رأيت أكبر أبناءها كذلك!

* ومن رجاحة عقله ما ذكره الشيخ عبد الله المعتاز بقوله: «رأيه السديد في أي مسألة تعرض عليه، فقد كنت وغيري يعرفون ما عنده  من فقه في الدين ورزانة عقل إذا إدلهمَّ علينا أمر أخذنا منه المشورة والفتوى المستندة على الدليل من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -»([241]) .


رحمته:

صاحب الهيبة يُظنَّ أنه صاحب قلب قاس وشخصية لا تلين، لكن الوالد - رحمه الله - كان رحيمًا رقيق القلب. يرحم الفقير ويعطف على المسكين ويواسي الحزين.

* رأيته يومًا في عزاء أحد المعارف فسأل عن ابن المتوفى فجيء به وهو في العاشرة من عمره فسلم عليه وقبل رأسه قبلات متتالية!

* ومن رحمته رفقه بمن يسافر معه خاصة ما نراه في الحج حيث ينظر إلى أضعفنا وأرقنا عظمًا ويجعل قياس المشي والوقوف حسب استطاعته.

* في حج عام 1418هـ وقد انتهينا من رجم الجمرات ونزلنا نسير على أقدامنا وإذا بسيارة مسرعة ولم يبق بينها وبين الوالد إلا أقل من سنتمترات فأوقفها صاحبها ونزل خائفًا معتذرًا فقال له الوالد: أردت أن تهديني الشهادة!

* وكان رحيمًا بالفقراء والمساكين، الذين يأتون إلى المسجد ويجلسونه معهم فما يعتذر ويبقى حتى تنتهي طلباتهم.

* أما الصغار فلهم في قلبه منزلة يسلم عليهم ويأمرهم بالجلوس معه على الطعام ولربما قدم لهم الطعام وتوقف عن الأكل.


 فوائد من أقواله وكتبه:

لا شك أن القراءة في مؤلفات وكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم لها تأثير شرعي وعلمي على القارئ، والوالد رحمه الله قد استظهر هذه الكتب، كما أن جلوسه سنوات تزيد عن خمس وعشرين سنة لدى علامة زمانه الشيخ محمد بن إبراهيم رحمهما الله ترك أثرًا في شخصيته وعلمه.

وهذه بعض تلك الفوائد والفرائد:

* فائدة 1:

التوحيد: هو إفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات([242]).

لا يقال: وكمال الأسماء والصفات، لأن صفات الله كاملة.

* فائدة 2:

معنى توحيد الربوبية:

قال - رحمه الله -: «هو العلم والإِقرار بوجود الله تبارك وتعالى، وأنه الخالق الرازق المدبر للكون وحده».

* فائدة 3:

قيل له: هناك تعريف لتوحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله كالخلق والرزق.

فقال - رحمه الله - هذا التعريف هو العلم والإِقرار... أوضح، وفيه عمل القلب، وهو الذي عليه مشايخنا.


* فائدة 4:

قيل له: هناك تعريف لتوحيد الربوبية: هو العلم والإِقرار أن الله هو الخالق المالك الرازق المدبر..

فقال: الخالق أعظم. وتكفي عن المالك. لأنه قد يملك ولكن لا يخلق.

* فائدة 5:

قيل له: الاعتقاد بأن الله خالق... فقال: لا يقال خالق. لأنها لا تمنع أن يكون هناك خالق آخر.

* فائدة 6:

قيل له: معنى الرب: المعبود المالك المتصرف. قال: معنى الرب: هو الخالق الرازق المدبر المستحق للعبادة وحده. لأن لفظة المعبود تشمل جميع المعبودات فتستبدل: المستحق للعباده وحده.

* فائدة 7:

قال - رحمه الله -: «لا ينكر توحيد الربوبية إلا ملحد كافر كالنمرود وفرعون، وفرعون قلد النمرود كما ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله -».

* فائدة 8:

«وأدلة توحيد الربوبية: سبعة هي:

1) الفطرة: الخلق كلهم مغروز في قلوبهم ومجبولون على الإِقرار بالله سبحانه، وأنه أجل وأكبر وأعظم وأكمل من كل شيء بدون بحث واستدلال، هذا اعتقاد من سلمت فطرته من التغير والتبديل. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [الروم: 30].

2) الآيات الكونية: وهي علامات وأدلة على وجود الله وتوحده بالربوبية يستلزم العلم بها، العلم به كاستلزام العلم بالشعاع، العلم بالشمس. فالإنسان إذا نظر في مخلوقات الله وما فيها من الإِبداع والأحكام والتسخير والعجائب دله ذلك على وجود الرب الخالق العظيم.

إذا تفكر في خلق السموات وعظمتها ودوران الليل والنهار والشمس والقمر والأرض والبحار والجبال وخلق الإِنسان دله ذلك على وجود الله قال الحسن - رحمه الله -: كان الصحابة - - رضي الله عنهم - - يقولون: الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقًا دائمًا لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه، وإن الله قد حادث بما ترون من الآيات، إنه قد جاء بضوء طبق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشًا وسراجًا وهاجًا. ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا. وإذا شاء بنى بناءً جعل فيه المطر والرعد والبرق والصواعق ما شاء. وإذا شاء صرف ذلك الخلق. وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس. وإذا شاء ذهب بذلك وجاء ببحر يأخذ بأنفاس الناس ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربًّا يحادثه بما ترون من الآيات. كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة.


3) معجزات الرسل: ثبوت الرسالة بالمعجزات دليل على أن مرسلاً معينًا أرسلهم. وقد أخبروا الأمم بأنه الله ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزخرف: 46].

4) إجماع الأمم: الأمم مجمعون على الإِقرار بتوحيد الربوبية. ولم يدع أحد من البشر أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال وحتى مشركو العرب وأهل الكتاب والمجوس ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [العنكبوت: 61].

5) المقاييس العقلية: مثل أن يقال: العالم مصنوع وكل مصنوع لا بدل له من صانع. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35].

6) سماع موسى u كلام الله بدون واسطة ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143] يدل على أنه تعالى موجود.

7) إجابة دعوة المضطر ولو كان كافرًا: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].

أما إجابته دعاء المؤمن فهو كثير وباستمرار ولو في غير حال ضرورة.

* فائدة 9:

سُئل - رحمه الله - عن قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «أعرف ربي بآياته ومخلوقاته كالليل والنهار والسماء والأرض. ما الفرق بين الآيات والمخلوقات؟».

قال - رحمه الله -: «الآيات أعظم من المخلوقات».

* فائدة 10:

قول: «الله الذي أحياني ثم يميتني».

قال - رحمه الله - الصواب: «ثم يميتني وإليه النشور» أضيفت العبارة الأخيرة لتقرير حقيقة البعث بعد الموت».

* فائدة 11:

قول: «ربي الله الذي خلقتني ورباني بنعمته».

قال - رحمه الله - الصواب: «ربي الله الذي خلقني ورباني بنعمه؛ ليست نعمة واحدة».

* فائدة 12:

معنى توحيد الألوهية:

قيل له: هناك تعريف: هو توحيد الله بأفعال العباد. فقال (إفراد الله بالعبادة أوضح).

قال رحمه الله: «هو إفراد الله بالعبادة كالصلاة والصيام والدعاء».

* فائدة 13:

قال - رحمه الله -: «توحيد الألوهية هو أول دعوة الرسل. لأن توحيد الربوبية والأسماء والصفات ليست من دعوة الرسل. فتوحيد الربوبية لم ينكره إلا شواذ البشر عن عنادٍ أو هوى أو حب للرياسة غالبًا. أما توحيد الأسماء فمنكروه قليل كالجهمية».

* فائدة 14:

قال - رحمه الله -: «توحيد الألوهية منكروه كثير والقائمون به حقًا قليل».


* فائدة 15:

* قول: «حكم من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله فهو مشرك كافر».

قال - رحمه الله - يضاف الدليل ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المؤمنون: 117]. فقد كفرهم الله في آخر الآية.

* فائدة 16:

* قول: «إن كلمة التوحيد هي الأساس الذي تبني عليه جميع الأعمال من قالها خالصًا من قلبه دخل الجنة».

قال - رحمه الله - الصواب: «إن كلمة التوحيد هي أساس الدين الذي لا تصح ولا تقبل الأعمال إلا به».

* فائدة 17:

* قول: «بيان أهمية التوحيد أنه سبب للسعادة في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة».

قال - رحمه الله - الصواب: «بيان أهمية التوحيد وأنه لا سبيل للسعادة في الدنيا والآخرة إلا به ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

* فائدة 18:

قول: «العبادة مبنية على التوحيد».

قال - رحمه الله - الصواب: العبادة هي التوحيد.

* فائدة 19:

«وجوب معرفة التوحيد الخالص».

قال - رحمه الله -: «لا يقال التوحيد الخالص. بل يقال: (وجوب معرفة التوحيد) لأن التوحيد واحد».

* فائدة 20:

قول: «خص الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجنة والنار لأنهما أعظم ما يكون يوم القيامة وذلك في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - «من شهد لا إله إلا الله والجنة حق والنار حق..».

قال - رحمه الله - «وخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجنة والنار لأنهما مستقر نهاية الأبرار والفجار. فالجنة دار الأبرار والنار دار الفجار. ليس الجنة والنار أعظم ما يكون يوم القيامة».

* فائدة 21:

قال - رحمه الله -: في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه».

قال: أرسل بها جبريل فنفخ فيها من روحه، إضافة الروح إلى الله إضافة تشريف وتكريم لا إضافة ذات ولا صفات إلى الله.

* فائدة 22:

قول: بيان ما كان عليه الناس من جهل وضلال قبل بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

قال - رحمه الله - الصواب: «بيان ما كان عليه أكثر الناس من جهل  قبل بعثة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -». لأنه في ذلك العصر يوجد حنفاء كورقة بن نوفل وغيره».

* فائدة 23:

قول: «وجوب محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -».

قال - رحمه الله - الصواب: «وجوب محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون الغلو فيه». للرد على الصوفية.

* فائدة 24:

قول - صلى الله عليه وسلم -: «لا يسترقون ولا يكتوون».

«يدل على أن ترك الاسترقاء أفضل لكونه ينقص التوكل».

قال - رحمه الله - الصواب: «ترك الاسترقاء من كمال التوكل».

* فائدة 25:

قول: تعريف الرياء: أن يعمل العبادة يريد من الناس أن يمدحوه.

قال - رحمه الله -: «أن يحسن العبد العبادة ليراه الناس».

* فائدة 26:

توحيد الأسماء والصفات:

هو الإِيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - في السنة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.

معنى التحريف: تغيير الصفة إلى معنى آخر لم يرده الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

التعطيل: نفي الصفات كلها، أو بعضها عن الله - عز وجل -

التكييف: بيان حال الشيء وكنهه. وصفات الله لا يعلم كيفيتها إلا  هو سبحانه.

التمثيل: إثبات مثل للشيء. كأن يقال: إن صفات الله مثل صفات المخلوقين.

* فائدة 27:

قول: «إن معرفة الله بأسمائه وصفاته سبب في زيادة الإِيمان».

* قال - رحمه الله - الصواب: «إنَّ الإِيمان بأسماء الله وصفاته سبب في زيادة الإِيمان. لأنه قد يعرف ولا يؤمن».

* فائدة 28:

علاقة الشرك الأكبر والأصغر والبدع والمعاصي بالتوحيد:

قيل له: هل نقول: الشرك الأكبر ينافي التوحيد بالكلية والشرك الأصغر والبدع والمعاصي ينافي كمال التوحيد الواجب.

فقال - رحمه الله -: «لا. الشرك الأصغر والبدع والمعاصي ليسوا في مرتبة واحدة. إذ أن الأصغر لا يغفر وإنما يدخل تحت الموازنة. فهل يستوي صاحبه مع صاحب المعاصي».

* فائدة 29:

الشرك الأكبر ينافي التوحيد بالكلية.

الشرك الأصغر ينافي كمال التوحيد الواجب.

البدع تقدح في التوحيد([243]).

المعاصي تنقص ثواب أهل التوحيد([244]).

* فائدة 30:

الشرك الأكبر والشرك الأصغر وبيان الفرق بينهما:

الشرك الأكبر: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله كالذبح لغير الله([245]).

الشرك الأصغر: هو ما ورد في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر كقول: لولا الله وأنت.

والفرق بينهما:

ـ الشرك الأكبر يخرج من الملة، الشرك الأصغر لا يخرج من الملة.

ـ الشرك الأكبر يوجب الخلود في النار، الشرك الأصغر لا يوجب الخلود في النار.

ـ الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، الشرك الأصغر يحبط العمل الذي قارنه.

ـ الشرك الأكبر يبيح النفس والمال، الشرك الأصغر لا يبيح النفس والمال.


* فائدة 31:

* قول: «الشرك الأكبر لا يغفره الله. الشرك الأصغر: قد يغفر الله لعباده».

قال - رحمه الله - الصواب: «اجتمعوا في عدم المغفرة فالشرك الأصغر لا يغفر وإنما يدخل تحت الموازنة والموازنة ليست مغفرة».

* فائدة 32:

* شرح قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]:

الظلم على ثلاثة أقسام:

1- ظلم العبد نفسه بالشرك.

2- ظلم العبد نفسه بالمعاصي.

3- ظلم العبد لغيره في نفس أو مال أو عرض,

تفاوت حصول الأمن والاهتداء:

ـ من سلم من أنواع الظلم الثلاثة كان له الأمن التام والاهتداء التام.

ـ من سلم من الظلم الأكبر ولم يسلم من النوعين الآخرين يحصل له من نقص الأمن والاهتداء على قدر ظلمه لنفسه وظلمه للعباد.

ـ ومن لا يسلم من الظلم الأكبر لم يكن له أمن ولا اهتداء في الدنيا والآخرة».

* فائدة 33:

مراتب الدين:

1) الإِسلام: لغة: الاستسلام قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم وانقاد.

اصطلاحًا: وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله([246]).

معنى الاستسلام لله بالتوحيد: إفراده الله وعبادته بما شرع([247]). فمن لم يعبد الله فهو ملحد، ومن عبد معه غيره فهو مشرك.

والانقياد له بالطاعة: فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه.

* فائدة 34:

قول «إن الإِسلام سبب في دخول الجنة والنجاة من النار».

قال - رحمه الله - الصواب: «إن الإِسلام هو السبب الوحيد في دخول الجنة والنجاة من النار».

* فائدة 35:

الإيمان لغة: التصديق بالأمور الغائبة. وليس مرادفًا للفظ التصديق، لأن التصديق يكون بالأمور المشهورة والأمور الغائبة، فمن قال:  السماء فوق الأرض قيل له: صدقت ولا يقال: آمنا بك.

شرعًا: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.

* فائدة 36:

الإحسان: هو نهاية الإِخلاص.

وهو على مرتبتين: المرتبة الأولى: أن تعبد الله على استحضار أنك تراه وهي الأفضل، فإن عجزت عن هذه المرتبة فلتعبد الله على استحضار أنه يراك.

* فائدة 37:

قول: «كل دين غير الإِسلام باطل، والدليل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 19].

قال - رحمه الله - الصواب: «... والدليل ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]. لأن دلالة الآية الأخيرة أن كل دين لا يقبل عند الله إلا دين الإِسلام أقوى من الآية السابقة.

* فائدة 38:

قول: بيان بعض من مظاهر البراءة من المشركين».

قال - رحمه الله - الصواب: «بيان بعض من صور البراءة من المشركين». كلمة مظاهر عصرية لا تشمل الباطن قد يتبرأ من الظاهر ولا يتبرأ من الباطن.

فائدة 39:

قول: الإِيمان الصادق يوجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.  قال - رحمه الله - الصواب: «الإيمان يوجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. تحذف الصادق لأنه ليس هناك إيمان كاذب وصادق».

* فائدة 40:

قول: النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق.

قال - رحمه الله -: النفوس ليست مجبولة على الباطل.

* فائدة 41:

* قول: «إذًا أنا أعبد الله الذي خلق كل شيء».

قال - رحمه الله - الصواب : «إذًا يجب عليَّ أن أعبد الله وحده الذي خلق كل شيء». لأن الأمر للوجوب.

* فائدة 42:

قول البعض: «ادعو الله ولا أدعو غيره».

قال - رحمه الله - الصواب: «ادعو الله وحده ولا أدعو معه غيره». للتنبيه على أن هناك من يدعو الله ويدعو معه غيره كالبدوي...».

* فائدة 43:

قول: «ذكر أنواع من العبادة كالصلاة والصيام والزكاة».

قال - رحمه الله - الصواب: «.. كالصلاة والصيام والدعاء والذبح». يذكر بعض أنواع من توحيد الألوهية.

* فائدة 44:

قول يجب على كل مسلم أن يحب التوحيد والطاعة وأن يبغض الشرك والمعاصي وأهلها.

قال - رحمه الله - الصواب: «... وأن يبغض الشرك وأهله» لأن المعاصي وبغض أهلها فيه تفصيل.

* فائدة 45:

قول: «من الذي ندعوه وحده».

قال - رحمه الله - الصواب: «من الذي يجب علينا أن ندعوه وحده» لبيان الوجوب وتنبيه من يشرك معه سبحانه في الدعاء».

* فائدة 46:

قول: «الإِشارة إلى أن هناك معبودات مع الله بغير حق مثل عبادة البقر والأصنام كبوذا وغيره».

قال - رحمه الله - الصواب: «الإشارة إلى أن هناك معبودات مع الله بالباطل كمن يتوجه بطلب المدد والدعاء والذبح لقبور الأنبياء والصالحين وهذا هو الشرك الأكبر. ثم الإِشارة إلى أن هناك معبودات مع الله بالباطل مثل عبادة البقر والأصنام كبوذا وغيره. أضيفت العبارة الأولى لبيان الشرك الأكبر المتفشي في كثير من بلاد العالم.

* فائدة 47:

قول: يجب الحذر مما وقع فيه الكثيرون من المنتسبين إلى الإِسلام من الغلو في الأنبياء والصالحين والبناء على قبولهم والطواف حولها واتخاذ المساجد والقباب عليها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات.

قال - رحمه الله - الصواب: «... والصالحين بالطواف بقبورهم وبسؤالهم قضاء الحاجات وطلب الشفاعة لهم..».

لا بد من التفصيل لأن البناء على القبور ليس شركًا.

* فائدة 48:

قول: الحكمة من خلق الناس: بيان أن لكل شيء حكمة في وجوده ومن ذلك الإِنسان لم يخلق عبثًا.

قال - رحمه الله - الصواب: «بيان أن لكل شيء خلقه الله أو أمر به فله في ذلك حكمة».

* فائدة 49:

قول: «إفراد الله بالإِلهية: أي صرف جميع أنواع العبادة لله وحده. مثال: لا ندعو إلا الله. لا تذبح إلا لله.

قال - رحمه الله - الصواب: إفراد... مثال: لا يُدعى إلا الله لا يُذبح إلا الله. حتى يعم الجميع.

* فائدة 50:

قول: «يجب عليَّ أن أطيع الرسول - صلى الله عليه وسلم -».

قال - رحمه الله - الصواب: «يجب عليَّ أن أحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأطيعه».

* فائدة 51:

قول: «الإِشارة إلى أن الحج واجب مرة واحدة في العمر».

قال - رحمه الله - الصواب: «الإِشارة إلى أن الحج واجب مرة واحدة في العمر مع الاستطاعة». لا بد من الإِضافة.

* فائدة 52:

قول: «إن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من علامات الإِيمان».

قال - رحمه الله - الصواب: «إن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجبة على كل مسلم ومسلمة».

* فائدة 53:

قول: «بيان فضل القرآن الكريم والحث على قراءته وحفظه والعمل بما جاء به».

قال - رحمه الله - الصواب: «والحث على قراءته وحفظه ووجوب العمل به».

معنى البراءة من الشرك وأهله: قطع الصلة بالشرك وأهله، وذلك ببغضهم والهجرة من ديارهم، وبيان ما هم عليه من الباطل، وأنّ الإِسلام هو الدين الحق، وعدم التشبه بهم في قول أو عمل.

* فائدة 54:

قول: «توضيح خطر الشرك وأنه سبب الشقاء في الدنيا والعذاب في الآخرة».

قال - رحمه الله - الصواب: توضيح خطر الشرك وأنه أعظم سبب للشقاء في الدنيا. لأنه قد يشقى العبد بسبب المعاصي ولكن الشقاء  بالشرك أعظم.

* فائدة 55:

قول: في صفة الإِيمان بالله: اعتقاد أن الله هو الإِله الحق وحده دون من سواه وإخلاص العبادة له؟

قال - رحمه الله - الصواب: أضيفت عبارة: اعتقاد أن الله هو الإِله الحق دون من سواه وفعل العبادات. للرد على الإِلحاد.

* فائدة 56:

* سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عن قول: متوكل على الله ثم عليك يا فلان؟

فأجاب سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: شرك. يقول موكلك، ولا يقول موكل الله ثم موكلك على هذا الشيء، هذه عامية، وليست في محلها.

قال الوالد - رحمه الله -: قلت: والفرق بين هذا وبين أعوذ بالله ثم بك أنه تجوز الاستعاذة بالمخلوق مفردًا فيما يقدر عليه، بخلاف التوكل فإنه كله عبادة، كما لا يجوز: أسجد لله ثم لك يا فلان، أو أعبد الله ثم أعبدك يا فلان».

* فائدة 57:

* وكان يقول عن الشرك الذي حول القبور والأضرحة: «لا تقولوا مظاهر الشرك، فمعناه أن باطنهم خلاف ذلك! بل هذا هو الشرك!».

* فائدة 58:

* وسمع خطيبًا يومًا وكانت الخطبة منقولة عبر المذياع يقول: هل يليق بك أيها المسلم أن تطوف بالقبور! فقال - رحمه الله -: «هل هذا مسلم!» يعني - رحمه الله - الذي يطوف على القبور.

* فائدة 59:

* وناقشه أحد القضاة يومًا عن أرض مزرعة في طرفها مسيل لهم، فقال القاضي: إن المسيل خارج الأرض، لأن هيئة النظر قالوا: إن الحد إلى المسيل. فقال - رحمه الله - في كلمة واحدة: «فاغسلوا أيديكم إلى المرافق».

* فائدة 60:

* وكان لا يحب أن يقال: عمرة مقبولة، حج مقبول، وإنما يقال: «أسأل الله أن تكون عمرة مقبولة، وأسأل الله أن يكون حجًّا مبرورًا».

وقد علق على قول من فرغ من عمرته (اللهم تقبل منا) قال: وتجاوز عن سيئاتنا.

* فائدة 61:

* كان لا يرى كلمة «خير خلقه» وقال إن في الخلق حشرات وحيوانات تنفر منها النفس فلا نجمعها بالرسول - صلى الله عليه وسلم -.

* وكان يقول قولوا عن المتوفى: «رحمنا الله وإياه» انفعوا أنفسكم([248]).

* فائدة 62:

* وقال مرة لأحد الخطباء: لا تقولوا في الدعاء على المنبر لولاة الأمر: «واجعلوهم رحمة على رعاياهم» بل خصصوا «من المسلمين» لأن بعض الحكام لديه نصارى ودروز.

* فائدة 63:

* وقال مرة لأحد الخطباء لا يقال «وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين» بل يذكرون بأسمائهم «وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي» للرد على الرافضة.

* فائدة 64:

* ومن ذلك قوله - رحمه الله - في هامش كتاب موضوعات صالحة للخطب والمواعظ: وإذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخص الآل، بل يجمع بين الصلاة على آله وأصحابه، ليخرج من البدعتين.

* فائدة 65:

* ومن ذلك أيضا: ولا يخص الآل بالطهارة، لأن ما ورد فيهم ترغيب وأمر، لا خبر، نبه على ذلك ابن تيمية - رحمه الله - قال: ونحن نعلم أن من بني هاشم ممن ليس بمطهر، والله لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت، وأذهب عنهم الرجس، فإن هذا كذب على الله». ويترك هذه الجملة - الطيبين الطاهرين - وهو أولى.

* فائدة 66:

* وسمع مرة خطيبا يدعو: ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا» فقال: نحن السفهاء.! وكأني به - رحمه الله -: يرى عدم تزكية النفس.

* فائدة 67:

* ومرة قال :عن صلاة الاستسقاء الأصل الاستغفار وكثرة التوبة! اليوم أكثرهم في خطبة الاستسقاء يذكر المعاصي وكثرتها وأنواعها! وذكر أعمال الفسقه والفساق!

* فائدة 68:

* قال - رحمه الله - : ونسمي رياح الرحمة : المبشرات، والناشرات، الذاريات، والمرسلات، والرخاء، واللواقح، ورياح العذاب : العاصف والقاصف وهما في البحر، والعقم، والصرصر وهما في البر.

* فائدة 69:

* ومرة قرأ كتيبا صغيرًا يذكر فيه المؤلف حالة العرب ويمجدهم فأضاف بخط يده عن العرب: «وفيهم النصارى والدروز والنصيرية ».

* فائدة 70:

* ومرة قرأ كتابًا عن جغرافية الأرض وأنها قبل ملايين السنين كانت كذا ثم أصبحت...» فأخذ قلمًا وكتب عليها ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾.ٍ

* فائدة 71:

* وقد سُئل إذا اختلف العلماء، فأي فتوى نأخذ بها ٍ«ابن باز، أو ابن عثيمين أو اللجنة الدائمة» فأجاب - رحمه الله - : «جواب اللجنة الدائمة للإفتاء».

* فائدة 72:

* وسُئل عن حديث النبي- صلى الله عليه وسلم - : «من صلى اثنتي عشر ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتًا في الجنة» هل يبني له كل يوم بيت في الجنة أم بيتًا واحدًا فقط؟

فأجاب - رحمه الله -: «هذه من نصوص الترغيب التي تمر كما جاءت بلا كيف، وهناك ثلاثة لا يفسرون:

ـ نصوص الأسماء والصفات نمرها بلا كيف.

ـ نصوص الوعيد لأنها أبلغ في الزجر.

ـ نصوص الوعد والترغيب لأنها أبلغ في الترغيب».

* فائدة 73:

* قول: الإِشادة بجهود مراكز الدعوة إلى الله في نشر الإِسلام وتوعية المسلمين».

قال - رحمه الله - هذا يعتبر تزكية لجميع مراكز الدعوة. والصواب: بيان فضل الدعوة إلى الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم».

* فائدة 74:

* قال - رحمه الله -: «والتعبير بـ «نصراني» أولى من التعبير بـ «مسيحي» كما أن التعبير بمسلم أولى من التعبير بمحمدي، لئلا يوهم صحة دين النصارى، وأن الاختلاف إنما هو بالنسبة إلى اسم النبيين: محمد، والمسيح، وأن اختلاف الدينيين كاختلاف المذهب، وأن الجميع أخوة كما يدعيه النصارى، وخير وصف لدينهم المبدل ما قاله ابن القيم - رحمه الله -: «ما بأيدي النصارى باطلة أضعاف أضعاف حقه، وحقه منسوخ».

* وللقارئ الكريم.. حسبي من هذه المتفرقات قول الشاعر:

الـيـوم شـيء وغـدًا مـثله

                       مـن نُـخـب العـلم تُلـتقط

يُـحصل المـرء بهـا حـكـمة

                        وإنمـا الـسيل اجـتماع النقـط


من الموحدين - بإذن الله -:

* ذكر لنا أحد المشايخ أن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - قال عن الوالد: «محمد، من الموحدين».

وقد رأينا هذا التوحيد في حياته وعمله ومجاهدته لنفسه، فإن رأيت العمل وجدت الإِخلاص وإخفاءه، وعدم المباهاة والعجب فهو لا يرى لنفسه شيئًا، يخاف من ربه ليلاً ونهارًا.

* وقد كان كثيرًا ما يردد الكلام عن التوحيد في بيته ومجلسه، والتمسك بالتوحيد يجعل الإِنسان يعبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه ويطلع عليه، ولذا نجد أن الوالد - رحمه الله - كالوجل الخائف، لا تجد ضحكًا ولا جلسات استرخاء وعبث في غالب أحواله!

* قال رحمه الله -: إن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - قال: «ما دخلت الخرافات إلا بالتسامح في معرفة التوحيد وبالغلو في الصالحين، وأنه يكفي التسمي بالإِسلام، فبذلك وقع الشرك».

وقال - رحمه الله - في تقرير الحموية: «في الحقيقة ما أفسد الناس إلا صنفان: المتكلمون في باب الصفات والخرافيون في باب العبادات»([249]) .

* دخلت يومًا معه المقبرة فما زاد - رحمه الله - منذ أن دلفنا مع الباب إلى أن خرجنا على السلام على الأموات وترديد: أشهد أن لا إله إلا الله.

* وقد قرأ يومًا كتابًا عن أناس يعكفون على القبور في بلد مجاور وإذا بالكاتب يقول: هذا من مظاهر الشرك! فقال - رحمه الله -: كان هذا ظاهرهم أما باطنهم فخلاف ذلك، والصحيح أن يقول هذا من الشرك.

* وقال في هامش المجلد الأولى من فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يجيب عن دار الأرقم ومسجد الحديبية.

قال الوالد - رحمه الله - معلقًا: قلت: «وعلى فرض أنها الدار المعروفة فقد هدمت وجعلت ضمن الساحة موقفًا للسيارات وطريقًا للمشاة، وكفى الله شر التعلق والتبرك بها».

* وقال - رحمه الله - منكرًا: وقد كثر تعليق لوحات في جدران المنازل مكتوب فيها «الله، محمد» وشاهدت في بعض البلدان الأخرى ياء النداء مقرونة بكل من الاسمين»([250]) .

* وذكر - رحمه الله -: أن المشعر الحرام (الجبل) في مزدلفة قد سهل وأقيم عليه المسجد الجديد.

* وفي حمايته لجناب التوحيد وحرصه على عدم التعلق بالأموات والتبرك بهم الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أذكر أن العم الشيخ سعد - حفظه الله ووفقه -: أتى يومًا بنظارة الجد وساعته وبعض أشيائه الشخصية وقال للوالد: نريد أن نبيعها. فقال  الوالد: تباع لشخص لا يعرف لمن هي، ولا تبيعها أنت حتى لا تعرف»!

* ولما توفيت جدتي لأبي أخذت إحدى قريباتنا ما كان عليها من حلي وقالت: أريد أن أُقيِّم سعرها وأراد المبلغ إليكم، فغضب - رحمه الله - وقال: «تباع لأناس لا يعرفون لمن هي».

ولا شك أن ذلك سد لذرائع الشرك فقد يأتي في مستقبل الأيام من يقول هذه للشيخ فلان وتلك لزوجة فلان فيتبرك بها.

* وذكر في هامش المجلد الأول لفتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، عند النذور والذبح للولي، قال - رحمه الله -: «قلت والذبح عند طلعة السلطان، قد أنكره شيخنا، وأحضر المباشر للذبح وأدب، وأمر بإحراق لحمها، واعتقد المشايخ أنها وقعت جهلاً بالحكم (والقصة معروفة، وسمعت فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز يقول: روى لنا المشايخ عن بنت الشيخ محمد بن عبد الوهاب (فاطمة) أنه أريد منها أن تقرب لأحد المعبودين في زفافها شيئًا فأبت. فقالوا: ولو تراب. قالت: ولا تراب، التراب خير من الذباب».

قال -رحمه الله-: «فضل التوحيد أن الله يدخل صاحبه الجنة على كل تقدير بخلاف غيره من الأعمال مع عدمه».

* قال - رحمه الله - كلامًا نفيسًا عن التوحيد فقال في هامش حاشية كشف الشبهات للشيخ محمد بن إبراهيم:

قال شيخنا - رحمه الله -: لا يُزهد في التوحيد، فإن بالزهد فيه يوقع  في ضده. وما هلك من هلك ممن يدعي الإِسلام إلا بعدم إعطائه حقه ومعرفته حق المعرفة، وظنوا أنه يكفي الاسم والشهادتان [لفظًا]، ولم ينظروا ما ينافيه وما ينافي كماله هل هو موجود أو مفقود؟!

قال: ومما يذكر عن المؤلف - رحمه الله - أنه قال يومًا: يذكر البارحة أنه وجد رجل على أمه يجامعها، فاستعظم المحضر ذلك وضجوا منه رأوا أنه منكر كبير، وهو كبير. ثم قال لهم مرة أخرى: واحد أصيب بمرض شديد، فقيل: اذبح «دِيْكْ» لفلان «وَليِّ» فلم يستعظموه.

ثم بين لهم أن الأول فاحشة يبقي معها التوحيد، والآخر ينافي التوحيد كله. وهذا لم يستعظموه مثل ذاك. وهذا هو الواقع من أكثر الناس فإن النفوس تستبشع أشياء أعظم من استبشاعها ما هو من ضد التوحيد.

ولما ذكر المؤلف قصة بني إسرائيل الذين قالوا: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138] وقصة الذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنْ يجعل لهم ذاتَ أنواطٍ» قال: ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، وتفيد أن قول الجاهل: «التوحيد فهمناه» أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان.

قال شيخنا: إذا كان السائل في القصة الثانية مع نبي وهم أعلم وأقدم فضيلة استحسنوا ذلك ظنًّا منهم أن الله يحبه وأنه من العبادات التي يتقرب بها إلى الله.

وهذه الكلمة «التوحيد فهمناه» قد صدرت من بعض الطلبة لما كثر  التدريس في التوحيد متنه أو كتب نحوه سئموا وأرادوا القراءة في كتب أخرى. وقيل: إنها صدرت من المراسلين([251]).


دين قريش ودين محمد - صلى الله عليه وسلم -

من أنفس كلام الوالد - رحمه الله - في التوحيد ما كتبه عن دين قريش ودين محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث ذكر ذلك في كلام سلس جميل مترابط وهو يتحدث في مقدمة كتاب كشف الشبهات فيقول:

« قريش أناس يتعبدون ويحجون ويعتمرون ويتصدقون ويصلون الرحم ويكرمون الضيف ويذكرون الله كثيرًا ويعترفون أن الله وحده هو المتفرد بالخلق والتدبير ويخلصون لله العبادة في الشدائد. ولكنهم يتخذون وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويذبحون لهم وينذرون لهم ويستغيثون بهم ليشفعوا لهم ويسألوا الله لهم زعمًا منهم أنهم أقرب منهم إلى الله وسيلة.

فبعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم - u - ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، وأن فعلهم هذا أفسد جميع ما هم عليه من العبادات وصاروا بذلك كفارًا مرتدين حلال الدم والمال، قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله.

وانتقد المؤلف والشارح - رحمهما الله - من يدعي الإِسلام بل يدعي العلم بل يدعي الإِمامة في الدين وهو لا يعرف من كلمة «لا إله إلا الله»  إلا مجرد التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني. وأن الحاذق منهم الذي يرى أن المراد شيء آخر غير اللفظ يخطئ المعنى المراد ولا يعرفه، يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بأصل الإِسلام. هذا أجهل من أبي جهل وأضرابه.

قلت: وسمعت أحد هؤلاء يشرح حديثًا يروى في فضل ليلة النصف من شعبان ونصه: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن».

ففسر المشرك: بأنه الشخص إذا أتى إلى صاحب القبر وسجد له وسأله جلب نفع أو كشف ضر فهذا هو الشرك.

وقال الشارح أيضًا: كثير ممن ينتسب إلى الإِسلام من هذه الأمة ليسوا على الدين إنما معهم اسمه فقط، ولا يعرفون شرك الأولين وشرك أهل هذا الزمان ولو عرفوه لوجدوه هو هو؛ بل شرك مشركي هذه الأزمة أعظم بكثير([252]).

وقال المؤلف والشارح في آخر الكتاب: كثير من الناس إذا بين له أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل قالوا: هذا حق، وهذا الذي ندين الله به؛ ولكن لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار. ما جهلوا ذلك ولا جحدوه؛ لكن آثروا العاجل والحطام على الآجل. والعياذ بالله.

هذا من أسباب بقاء كثير على الشرك:

ومن أسباب بقاء عامتهم على الشرك أن كثيرًا ممن يدعي العلم والإِمامة في الدين منهم يشارك عبَّاد القبور في عباداتهم واحتفالاتهم ويأكل من نذورهم».

وإذا شدد الإِنكار عليه وانقطعت حجته قال: «هذه مظاهر الكفر» وهذه الكلمة تخفي تحتها أن عقائدها في التوحيد صحيحة سليمة.

ويعتذر بعضهم عن عامتهم: بأنهم جهال جهال، أو خرافيون، أو صوفية، أو ما قصدوا بعبادة أصحاب القبور إلا الله فلا يخرجون من دائرة الإِسلام بهذه الأفعال وأشباه هذه العبادات التي فيها التهوين من شأن الشرك أو تسويغه.

لم يصرح لهم بالتوحيد الذي بعث الله به الرسل ولا بأن ما يفعلونه مثل ما كان يفعل عند اللات والعزى وهبل، بل أعظم، حتى إن بعضهم يحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بمعبوده إن كان كاذبًا([253] بل إن بعض من ينتسب إلى الإِسلام بدلاً أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله ينشدون:

أشــهـــد أن لا إلـــه

                             إلا حـيدرة الأنـزع البـطين([254]).

وإذا أضيف إلى ذلك الشهادة لهم بالإِسلام بموجب البطاقة «الهوية» أو بأن آباءهم كانوا مسلمين أو أن بلدانهم كانت إسلامية وأدخلوا في تعداد المسلمين. فمتى يقلع هؤلاء عن دعاء الأموات والطواف بقبورهم والعكوف عندها وبناء المساجد عليها والذبح والنذر لها وسؤال أصحابها العون والمدد وغير ذلك من الشركيات والبدعيات التي الإسلام والمسلمون حقًا براء منها ومن أهلها؟ ([255]).

ومتى يدخلوا في الإِسلام المبني على خمسة أركان. ويسلم البعض الآخر من الإِلحاد في الدين، واتباع طريقة العلمانيين (اللادينيين)؟ ومتى تصحح عقائد الناشئين، ويعرفوا الفرق بين دين المرسلين ودين المشركين؟ ومن يتحمل إثم الأريسيين؟!!». اهـ.

* وقد ذكرت له يومًا أن مجموع فتاوى شيخ الإسلام قد طبع دون إذن في بيروت وقد يناله التحريف والتغيير فلو وكلنا محاميًا يدافع عن الأمر. فالتفت إليَّ وقال مستنكرًا: «نتحاكم إلى غير شرع الله.». وسكت.


 اهتمامه بأحوال المسلمين:

* رغم أنه - رحمه الله - آثر الكتابة والمحابر والورق إلا أنه كان وثيق الصلة بهموم ومشاكل المسلمين، ومن أبرز ذلك إخراج هذه الكتب العظيمة خاصة ما له تصد لامتداد الرافضة وذلك بإخراج مؤلفين في ذلك هما: «أبو بكر أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة» وكتاب «آل رسول الله وأولياؤه».

ومن صور الاهتمام: الإِنفاق في أوجه الخير وتعليم القرآن ووقف الأوقاف وتحدثت عنه.

* ومن ذلك زيارة طلبة العلم والعلماء له وقد زاره قبل أسبوع تقريبًا من وفاته (ساجد أمير) وهو أمير أهل الحديث في الباكستان وبقي معه أكثر من ساعة بحضور أبنائه.

* وأذكر أن زاره قبل سنوات الشيخ جميل الرحمن قبل مقتله، ولما علم بمقتله، قال كلمة معناها: «ليس فيهم خير، وهم يقتلون مثل هذا الرجل». وكان - الشيخ جميل الرحمن رحمه الله - حامل رآية التوحيد في بلاد الأفغان.

* وقد -تأسف - رحمه الله - وهو يتحدث عن مروره بقرب المسجد الأقصى وليس بينهم وبينه إلا عشرين ميلاً، قال: وكانت النفقة معي قليلة فلم أذهب له.

* أما أقاربه ومعارفه وجيرانه فكان - رحمه الله - يجيب دعوات  الزواج مع أن ذلك يكلفه كثيرًا من سهر وبعد مكان، ولا يتأخر عن اتباع الجنازة وتعزية أهل الميت.

* وكان يوزع من تمر وعنب المزرعة على كل الأقارب ويذهب هو بذلك بنفسه.


 حديث الوالد عن شيخه:

للوالد شيخان: الأول شيخ الإِسلام ابن تيمية الذي قال لي الشيخ حماد الأنصاري وقد سألته عن مسألة لشيخ الإِسلام قال لي: «اسأل والدك فلو تنفس شيخ الإِسلام لعرف نفسه!».

والشيخ الثاني: سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وله معه مواقف يذكرها دائمًا ويثني عليه كثيرًا، ومن بعض الفوائد التي قد لا توجد في مؤلفاته وذكرها لنا:

* أن الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - يقول وهو على المنبر بين الخطبتين: اللهم إني أسألك العفو والعافية([256]).

* كان الوالد - رحمه الله - يقول في ورده بعد صلاة المغرب: ربي أجرني من النار (أربعًا) ثم يقول: اللهم أجرني من النار (مرتين) فسألته عن هذا. قال: سمعت الشيخ محمد بن إبراهيم يفعل هذا، فقلت: هل هناك أثر ورد في هذا؟ قال: ما سألت الشيخ هيبة منه!

وهذه الهيبة أمرها عجيب!

قال أحمد بن حنبل: «لزمت هشيمًا (ابن بشير) أربع سنين ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له»([257]) .

عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر  بن الخطاب - رضي الله عنه - عن حديث، ما منعني إلا هيبته»([258]) .

* قال الوالد - رحمه الله -: توفي نصراني في نجد، وجاء استفتاء للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عن نقل جثته إلى بلاده.

فأجاب سماحته وهو واقف في الطريق بهذا اللفظ الجامع الموجز: «لا مانع من نقل هذه الجثة الخبيثة النجسة من هذه الأرض الطيبة الطاهرة».

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: «بعض قرى نجد من عادتهم أن يطيب المسجد الفجر، من تزوج».

قال الوالد - رحمه الله -: «وهي من عاداتهم الطيبة، وما أكثرها».

* قال الوالد - رحمه الله -: سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم: لماذا لا توجد هذه المخترعات الجديدة في الأزمان الماضية؟

قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: «إن الأولين أقوى أفهامًا، وكذا، ولكن ما أراد الله أن توجد إلا في هذه الأزمان ووقت لها هذا الوقت».

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم عند قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».

قال: يشمل الحسي بأن مشى إلى العلم، ويشمل المعنوي وهو الدراسة.

لكن لا يؤتون الناس إلا من أنفسهم: إما بالنية السوء، أو بعضها، أو  عدم الجد»([259]) .

* وسُئل - رحمه الله - عن تمرة العجوة فأجاب:

يقال: له بقايا في المدينة، وكان أُناس لهم مزيد من الخبرة يقولون إنه معدوم، وإنما يوجد شيء يقرب من العجوة، وليس عجوة يروجونه على الحجاج.

أقرب ما يشابه العجوة النبوت الحمر، والنبوت الحمر قيل: إنها العجوة([260]).

* قال - رحمه الله -: كان شيخنا - رحمه الله - (يعني الشيخ محمد بن إبراهيم) يصلي في السفر تهجده المعتاد في الحضر».

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: «قد وقع الغلط في الجمعة. جاء إلينا إمام أهل قرية وسألنا عن صلاتهم: وهو أنهم صلوا الجمعة يوم الخميس، فلما كان آخر وقت الجمعة علموا أنها الجمعة وأن صلاتهم أمس الخميس غلط، ومع ذلك ما اهتدوا كيف يفعلون؟ وسببه أن الإِمام قرأ ﴿تَنزِيلُ﴾ ﴿وهَلْ أَتْى﴾ فجاءوا للجمعة فلما جاء يوم الجمعة جاء من خارج البلد حواشيش وبوادي فقالوا: اليوم الجمعة».

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: «مما يندب الخروج إلى الوادي إذا سأل، وترجم عليه البخاري في الأدب المفرد، وهذا مطلقًا.

وبعد الاستغاثة آكد».

* قال الوالد - رحمه الله -: حدثنا شيخنا: أن رجلاً توفيت زوجته، وذات يوم قرأ القرآن كله، وبعد فراغه أهدى ثوابه لها ودعا الله أن يقبله، وليس في المسجد أحد، وكان لهذا القارئ عمود معروف يستند إليه، وبعد فراغه المذكور بقليل دخل عليه رجل أعمي حتى وصل إليه وقال: أنا ناعس قبل قليل ورأيت زوجتك تقول: الآن ختمت القرآن. قال: نعم أنا خاتم ومهدي لها ثواب تلاوتي. والمكفوف لا علم بأن زوجته متوفاة. وهذا من العجائب وصول الثواب بهذه السرعة»([261]) .

* وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: عن قول: كلك بركة، أو هذه من بركاتك؟

فأجاب: لا بأس بذلك - كما في قول أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر - إذا تلمح أن فيه البركات التي جعل الله فيه، أو أن الله الذي جعل فيه البركة والبركات. والممنوع تباركت علينا يا فلان.

* وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: عن قول: وأعاد علينا من بركته عبارة شارح زاد المستقنع.

فأجاب - رحمه الله -: يعني بركة علمه، وليس المراد بركة ذاته، فإن الذوات جعل الله فيها ما جعل من البركة ولكن لا تصلح للتبرك بها إلا  نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من أبعاضه كريقه، ولا يقاس على النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره والصحابة ما فعلوا مع أبي بكر وعمر من قصد البركة فيهما كما فعلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -([262]).

* وسُئل - رحمه الله - عن أكل الحية لئلا تلدغه؟

فأجاب: لا يجوز، من يشوي الحية ثم يأكلها فقد أطاع الشيطان. وأيضًا هي شيء منها شيطان نفسه، وشيء منها ترجع إلى الشياطين: إما أنها دواب لهم، أو نحو ذلك. فالذي خالط لحمه لحمها أو نحو ذلك تكف عنهم لأجل هذا([263]) .

* وقال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: بعد أن ذكر إمكان نشر الدعوة إلى الله ولو بطريقة التنقل والسياحة وبيان حقيقة ما دعا إليه الشيخ محمد - رحمه الله -: وأنا أقص الآن قصة عبد الرحمن البكري من أهل نجد - كان أولاً من طلاب العلم على العم الشيخ عبد الله([264]) وغيره، ثم بدأ له أن يفتح مدرسة في عمان يعلم فيها التوحيد من كسبه الخاص فإذا فرغ ما في يده أخذ بضاعة([265]) من أحد وسافر إلى الهند وربما أخذ نصف سنة في الهند. قال الشيخ البكري: كنت بجوار مسجد في الهند وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعنوا ابن عبد الوهاب، وإذا خرج  من المسجد مر بي وقال: أن أُجيد العربية لكن أحب أن أسمعها من أهلها، ويشرب من عندي ماءً باردًا.

فأهمني ما يفعل في درسه، قال: فاحتلت بأن دعوته وأخذت «كتاب التوحيد»([266])   ونزعت ديباجته ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه، فلما حضر قلت: أتأذن لي أن آتي ببطيخة. فذهبت، فلما رجعت إذا هو يقرأُ ويهز رأسه فقال: لمن هذا الكتاب؟ هذه التراجم([267]) شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري؟! فقلت: لا أدري، ثم قلت: ألا نذهب للشيخ الغزوي لنسأله - وكان صاحب مكتبة وله رد على جامع البيان - فدخلنا عليه فقلت للغزوي كان عندي أوراق سألني الشيخ من هي له؟ فلم أعرف، ففهم الغزوي المراد فنادى من يأتي بكتاب «مجموعة التوحيد» فأُتي بها فقابل بينهما فقال هذا لمحمد بن عبد الوهاب. فقال العالم الهندي مغضبًا وبصوت عال: الكافر. فسكتنا وسكت قليلاً. ثم هدأ غضبه فاسترجع. ثم قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه. ثم إنه صار كل يوم يدعو له ويدعو معه تلاميذه وتفرق تلاميذ له في الهند وإذا فرغوا من القراءة دعوا جميعًا للشيخ ابن عبد الوهاب([268]). اهـ.

* قال الوالد - رحمه الله -: قلت هذه القصة يتناقلها المشايخ وسمعتها من شيخنا في تقريره مرتين. وقال تعليقًا على هذه القصة: إن العماية  الكبرى كلها من المنتسبين إلى الإِسلام، وأن على الداعي إلى الله أن يدعو إلى العقائد أولاً، لا إلى الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج. وقال: ومع الأسف أهل التوجيه والدعوة قليل فيهم هذا أو معدوم.

* سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: هل يجوز أن يكتب للمريض بعض آيات قرآنية في إناء يغسله ثم يشربه؟

فأجاب: لا يظهر في جواز ذلك بأس. وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله -: أن جماعة من السلف رأوا أن يكتب لمريض الآيات من القرآن ثم يشربها، قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض. ومثله عن أبي قلابة، ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسرت ولادتها أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى. وبالله التوفيق وصلى الله على محمد([269]).

* وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله: هل يجوز للمسلم أن يضع الزهور على قبر كافر؟

فأجاب: لأي شيء يزور؟ ولأي شيء يزور معهم. وإذا زار اعتبارًا لا يزور مع أهل البدعة والشرك ولا سيما وهو يقول جبرًا لخواطرهم. يزور الزيارة البدعية الشركية؟!! ([270]).


ثم وضع الزهور الذي لا يدري فعل ما لا يجوز. والذي يدري قد يكون منه تعظيم القبور قد يكون من التقريب للمقبور فإنه محتمل أن يكون في حاله يصل إلى القربان للميت فيكون شركًا، فإنه إكرام للميت وتعظيم له لأجل أي شيء؟ الأصل في تعظيمه رجاء شفاعته فهو يقصد ثوابًا من أجل تعظيم الأموات. فالتحريم ظاهر. أما وصوله إلى وثنية فيحتمل، والجهل يختلف قوة وضعفًا([271]).

* وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله -: قول بعض العامة: تباركت علينا يا فلان أو يا فلان تبارك علينا؟

فأجاب: هذا لا يجوز، فهو تعالى المبارك، والعبد هو المبارك. وقول ابن عباس (تبارك الله) تعاظم يريد أنه مثله في الدلالة على المبالغة. والبركة هي دوام الخير وكثرته، ولا خير أكثر وأدوم من خيره سبحانه وتعالى، والخلق يكون في بعضهم شيء ولا يبلغ النهاية. فيقال: مبارك، أو فيه بركة. وشبه ذلك([272]).

* وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عن قول: أنه على ما يشاء قدير.

فأجاب: الأولى أن يطلق ويقال: أن الله على كل شيء قدير، لشمول قدرة الله جل جلاله لما يشاؤه ولما لا يشاؤه([273]).

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في شرح حديث: «مَن جَامَع الْمشرك أو سَكن مَعه فهو مِثله» وحديث «أنا برئٌ مِن مسلِم بَات بين ظهراني الْمشِركِين»([274])   هذان الحديثان هما من الوعيد الشديد المفيد غلظ تحريم مساكنة المشركين ومجامعتهم، كما هما من أدلة وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذا في حق من لم يقدر على إظهار دينه. وأما من قدر على إظهار دينه فلا تجب عليه الهجرة، بل هي مستحبة في حقه. وقد لا تستحب إذا كان في بقائه بين أظهرهم مصلحة دينية من دعوة إلى التوحيد والسنة وتحذير من الشرك والبدعة علاوة على إظهاره دينه.

وإظهاره دينه ليس هو مجرد فعل الصلاة وسائر فروع الدين واجتناب محرماته من الربا والزنا وغير ذلك. إنما إظهار الدين مجاهرته بالتوحيد والبراءة مما عليه المشركون من الشرك بالله في العبادة وغير ذلك من أنواع الكفر والضلال([275]).

* سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عن الرقى والتمائم ونحوها، النفث في الماء من الرقى الجائزة؟

فأجاب - رحمه الله -:

لا بأس بذلك فهو جائز، بل قد صرح لعلماء باستحبابه.

وبيان حكم هذه المسألة مدلول عليه بالنصوص النبوية، وكلام  محققي الأئمة. وهذا نصها:

قال البخاري في صحيحه: «باب النفث في الرقية» ثم ساق حديث أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رَأي أحَدكم شيئًا يَكرَهه فليَنفُث حِين يَستيقِظُ ثلاثًا وَيَتَعَوَّذْ مِن شَرِّهَا فإنَّهَا لا تَضُرهُ». وساق حديث عائشة «أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذَا أوَى إلى فِرَاشِهِ نَفَث فِي كَفَّيهِ بِقُل هُوَ اللهُ أحَد والمعَوِّذَتَين جَميعًا ثُمَّ يَمسَحُ بِهِمَا وَجَههُ وَما بَلَغَت يَدَاهُ مِن جَسَدِهِ».

* وكان الوالد - رحمه الله - يذكر أن الشيخ محمد بن إبراهيم - إذا خرجوا إلى البر أن الشيخ - رحمه الله - يقوم ويجمع معهم الحطب وهو كفيف» وهذا ممن سماحة العلماء وحسن معشرهم.

* وذكر الوالد - رحمه الله - أن الشيخ محمد بن إبراهيم تكلم عن فطنة العميان فقال: «ويكون عند بعض العميان من المعرفة الباهرة، ويذكر أن شخصًا توفي منذ أزمان يعرف العبائة البرقاء ويعرف سواد العبائة من سواه، ومرة أنها عبائة فلان الضائعة.

الحاصل أنه يصح بيعه وشراؤه ووكلته فيما يعرف بالوصف واللمس والشم والذوق([276])».

* وسُئل عن قول: سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

فأجاب - رحمه الله -: للعلماء فيها كلام. والصحيح أنه لا محذور فيها، لكن ما الراجح؟ الراجح تركها لأجل مجيئها في النصوص  «مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهْ».

* وسُئل - رحمه الله - ما هو الجمع بين قوله «السيد الله» وقوله: «أنا سيد ولد آدم»؟

فأجاب: الجمع أنه منع من هذا الذي هو جائز حماية لحمى التوحيد. والثاني قاله على وجه التحدث بنعمة الله. أما التحريم والله -أعلم- فبالنسبة إلى غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -([277]) .

* وسُئل عن قول الله - عز وجل ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؟

فأجاب - رحمه الله -: هذه صيغة حصر تحصر جميع أنواع الغلب، ولا نظن أنه لا يمكن تسلط أهل الشر في هذه الأزمان، فإنه بسبب إضاعته وإلا فدين رب العالمين محفوظ، حتى إنه يحفظ من يقوم به. ولا نظن أنه يرد عليه إدالة أهل الباطل بعض الأحيان فإنه تمحيص ورفعة لأهل الحق، وغرور لأهل الباطل([278]).

* ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم قصة ذات مغزي وفائدة فقال - رحمه الله -:

رواها القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] روي بسنده إلى يحيى بن أكثم، قال كان للمأمون وهو أمير إذ ذاك مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل  يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام، قال: فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم. قال: أسلم حتى أفعل لك وأصنع، ووعده، فقال: ديني ودين آبائي، وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا، قال فتكلم على الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان وأنت تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإِنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الوراقين فاشتريت مني، وعدمت إلى القرآن فكتبت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت وأدخلتها الوراقين فتصفحوها فلما وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.

قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الخبر، فقال: مصداق هذا في كتاب الله - عز وجل -. قال: قلت في أي موضع؟ قال في قول الله - تبارك وتعالى - في التوراة والإِنجيل ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ﴾ [المائدة: 44] فحفظه الله - عز وجل - علينا فلم يضع. اهـ([279]).


* سُئل الوالد - رحمه الله -: لماذا لا تحذف مقدمة يوسف ياسين من مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية؟ قال: «قرأتها على الشيخ محمد بن إبراهيم. ولا أرى حذفها».

* ولعلى أتجرد وأنا أذكر قول إمام الحرمين أبي المعالي الجويني: «ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منَّة إلا أبا بكر البيهقي، فإنه له المنَّة على الشافعي، لتصانيفه في نصرة مذهبه».

فأقول: أن لشيخ الإِسلام - قدس الله روحه - فضل على أهل الإِسلام عامة وأهل السنة والجماعة خاصة وللجد والوالد - رحمهما الله - فضل على شيخ الإِسلام بإخراج ونشر مؤلفاته، وكما أنه للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - فضل على علماء هذا الزمن وأهله، فإن للوالد فضل على الشيخ محمد بن إبراهيم بإخراج فتاواه ورسائله وشروحاته التي لم يكن يسجلها إلا الوالد - رحمه الله -.


زوجته:

في تراجم العلماء والدعاة للزوجات مكان، ولمن صبرت منهن مقام. فقلَّ أن تجد سيرة أحدهم إلا ولزوجته ترجمة.

لما ترجم الإِمام الذهبي للإِمام أحمد عقد بابًا: زوجاته وآله.

ومنه: «قال زهير بن صالح: تزوج جدي بأم أبي عباسة، فلم يولد منها سوى أبي، ثم تُوفيت، ثم تزوج بعدها ريحانة امرأة من العرب فما ولدت له سوى عمي عبد الله»([280]) .

* بل وقد يكون في الترجمة من خواص البيوت قال الإِمام الذهبي: «قيل: كانت والدة عبد الله عوراء، وأقامت معه سنين»([281]) .

* والوالد - رحمه الله - رجلٌ يتمثل فيه خلق القرآن, ورزقه الله حسن سمت وأدب مع هيبة في قلوب الخاصة والعامة.

ويصدق عليه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيره لأهله». ومع أنه - رحمه الله - انصرف إلى كتبه ومكتبته فإن لأهله نصيبًا من ذلك.

* كان - رحمه الله - إذا أراد في الصباح أن تقوم الوالدة لتجهيز الإِفطار يطرق الباب طرقًا خفيفًا لا يقوم النائم منه، ولربما ضرب فنجانين ببعضهما لتسمعه. والعجب أنه إذا كان الأمر للصلاة خاصة في صلاة الفجر فإنه يرفع صوته ويسمعه من في البيت - رحمه الله -.

* وفي إحدى المرات تحدث أحد إخوتي عن زميل له تزوج له من دولة عربية سماها، ثم قال مازحًا وكان ذلك بحضور والدتي: ولماذا لا تكون يا أبي مثله وتأخذ من (وسمى البلد) فقال أبي: «من العقوق أن تقول هذا أمام والدتك». وذكرت هذه القصة مع أنها من خاصة البيوت لأني لم أحد مثلها في الكتب والمؤلفات.

* وكان - رحمه الله - إذا دخل البيت ذكر الله - عز وجل - وسمى وكان يردد كثيرًا بصوت مسموع: يا كريم.

* وإذا سأل عن الغداء هل جهز؟ يسأل بطريق غير مباشر، فيقول: يكفي الوقت أن انتهي من ورقتين أو ثلاث؟!.

فيقال له: نعم، أو أقل من ذلك!


التربية:

حرص الوالد - رحمه الله - على غرس التوحيد في قلوب أبنائه وكان يردد ذلك كثيرًا لا يحصى، وأمر الصلاة عنده كان مقدمٌ على كل شيء.

* وكان - رحمه الله - لا يعنف ولا يحب الضرب. وقد سألته يومًا عن الضرب وفائدته من الناحية التربوية.

فقال: «أبي - رحمه الله - لم يضربني».

* توفي - رحمه الله - عادلاً بين أبنائه ومتوازنًا في حديثه وعباراته وحركاته وسكناته معهم! وحريصًا على تعلمهم وتعليمهم.

* وكان - رحمه الله - يقول لإخوتي: «لا أسمح لكم أن تخرجوا من البيت إذا أذن المؤذن إلا للصلاة» وذلك خوفًا من التهاون فيها أو تضييعها!

* ومن المواقف التي لا أنساها وأنا صغير: سفرنا إلى المدينة وأقمنا ليلة في طريق العودة بجوار مزرعة وكان البرد شديدًا جدًا، وقبل الفجر قام وتوضأ وبدأ يتهجد، وجعل الماء على النار ليسخنه لنا.

ثم أيقظنا جميعًا لصلاة الفجر في تلك الليلة الباردة.

* وكان - رحمه الله - يكره إلباس الصغار من الأطفال البنطال والقميص ويقول: حتى لا يتعودون عليه.

* وذكر - رحمه الله - أنه في العراق كان جالسًا لدى علامة العراق  الآلوسي، قال فقال لي: معي في البيت ابنة لم تتزوج قال فسألته: لماذا لم تتزوج؟ فقال: لأنها جاهلة لم تتعلم، قال الوالد: لما عدت إلى الرياض ألحقت بناتي بالمدرسة في حين أن هناك ممن في سن بناته لم يدرسن في ذلك الوقت.

* وقد سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - عن تعليم البنات وهل له حد، ومتى تكف عن الدراسة إذا بلغت كم من العمر؟

فأجاب - رحمه الله -: ليس للدراسة حد في ابتدائها ولا في انتهائها، فما دامت الفتاة تستفيد من دراستها علمًا نافعًا لا يترتب عليه أي مفسدة فلا مانع من مواصلتها الدراسة. وإذا كانت الدراسة لا تزيدها إلا نقصًا في دينها وانحلالاً في إخلاقها وتبرجًا وتهتكًا تعين حينئذ منعها منها([282]).

* وللفائدة أذكر أن أعظم تربية استفدنا منها ورأيناها ظاهرة: القدوة!

فقد كان قدوة في العبادة والطاعة وحفظ اللسان وغيرها.

مع إبعاد أهل بيته عن المنكرات، ولعله - رحمه الله - كان يخرج بنا كل خميس أو جمعة إلى رحلة برية ونحن صغار. لعل الهدف من ذلك إبعادنا عن جو لا يرتضيه.

* وكان - رحمه الله - مثل كل أب يجد ألم الفراق ومشقة البعد عن أبنائه ويتمنى أن يبقى معهم، ولكن الدرجات تنال بالصبر والمصابرة.


ولعل مما يطفئ شدة الفراق ولوعته المهاتفة أو المراسلة ومن بعض عباراته التي كتبها لأبنائه:


 وفاته:

كان - رحمه الله - سليم الحواس معافى البدن لم يسقط له سن، ولم يضعف له بصر، ولم يشكُ من مرض ظاهر وكان خفيف اللحم نشيطًا في المشي والقيام، عندما انتصفت ليلة الاثنين 27/6/1421هـ قام - رحمه الله - يناجي ربه، ولم يكن يعرف أنها آخر ليلة له في هذه الدنيا، ثم قبيل الأذان خرج إلى المسجد وصلى الفجر، وبقي كعادته إلى أن أشرقت الشمس وارتفعت، ثم دلف إلى منزله وتوضأ وصلى ما شاء الله أن يصلي الضحى، تناول بعدها لقيمات لا تتجاوز الثلاث، وقد أهمه أمر قطع عليه أحب أعماله وهي الكتاب، فذهب لإِنجازه وبقي القلم بدون غطاء والمحبرة مفتوحة على أمل أن يعود، لكنه قضى نحبه ذلك اليوم في مدينة الرياض إثر حادث مروري أليم وصلي عليه في الجامع الكبير عصر الثلاثاء وقد كان هناك جنازة لأحد الأمراء وكانت متقدمة على جنازة الوالد، فلما قام الإِمام لصلاة الجنازة قال الشيخ عبد الرحمن بن فريان بصوت مسموع: قدموا الشيخ قدموا الشيخ، فقدموه.

وأم المصلين سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ودفن - رحمه الله - في مقبرة النسيم وحضر الصلاة وتشييع الجنازة خلق كثير لا تجمعهم إلا مثل هذه الجنائز يتقدمهم العلماء وطلبة العلم ولا أرى ذلك إلا مصداق قول الله - عز وجل - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96].

فالعلماء حملة ميراث النبوة قال الشافعي: «إذا رأيتُ رجلاً من أصحاب الحديث كأني رأيت رسول - صلى الله عليه وسلم -»([283]) .

* وقد ذكر لنا من حضر دقائقه الأخيرة أنه كان يلهج بالذكر بسرعة عجيبة حتى أغمي عليه.

* وقد رأى - رحمه الله - بنفسه ثلاث رؤيا قبل موته بأيام قال: «رأيت رؤى ثلاث مبشرةً ولم يذكر ما هي، ونظن أنه علم بقرب وفاته، وقد كتب آخر وصية له قبل موته بأربعة أيام ختمها بقوله «والله يوفقكم ويحفظكم».

* ورؤيت له رؤيا طيبة قبل موته وبعد موته. أسأل الله أن يكون ممن قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: 63، 64].

فُسرت البشرى: بمحبة الناس وثنائهم على المؤمن. وفسرت أيضًا بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له.

* وأحسب أنه - رحمه الله - ممن يجري له عمله بعد موته، كما في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».

أما الصدقة الجارية فهي في أوقاف ومساجد جعلها في حياته - رحمه الله - وقفًا له وصدقة عليه بعد موته.

أما العلم النافع فهي المؤلفات التي تركها خلفه ثروة عظيمة وطلاب علمهم درسهم.

أما الوالد الصالح فأدعو الله - عز وجل - أن يوفق أبناءه إلى الدعاء له وإهدائه عملاً صالحًا كحج أو عمرة أو صدقة، كما أسأله أن يثبتهم على الدين وأن يرزقهم حسن الاتباع والسير على طريق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.


 وصيته:

* الوصية أمرها عظيم كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» [رواه البخاري].

قال الشافعي - رحمه الله - «ومن مات وقد أوصى مات على سبيل وسنة» [رواه ابن ماجه].

وقال أبو بكر المزني: «إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا وعهده عند رأسه مكتوب فليفعل؛ فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا ويصبح في أهل الآخرة».

* وصايا العلماء لها طابع شرعي ليس فيها مخالفة أو جور؛ لما رزقهم الله - عز وجل - من الفقه، ولوصية الوالد - رحمه الله - نقاط أذكر أهمها للقارئ الكريم للفائدة، فمنها:

أولاً: قدم الوصايا التي كتبها - رحمه الله - فبعضها كتبه وهو دون الأربعين من عمره، ثم استبدلت بغيرها بحسب تغير الحال.

ثانيًا: توثيق الوصية من جهة شرعية.

ثالثًا: حيث إن الجد - رحمه الله - توفي ولم يقسم ورثه - حيث إن غالبها مزارع - حتى وفاة الوالد فقد أوصى بالثلث في ورثه من والده تخرج كما نص - رحمه الله -: «يشترى به أراضي تعمر مساجد في أماكن ليس فيها شيعة (روافض) بما لا يتجاوز ثمن الأرض وعمارة المسجد ودكان أو دكانين لا يتجاوز عشرة آلاف إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين ألف ريال».

وعلل ذلك - رحمه الله - بقوله: «بما أن المال كثير والورثة بخير والثلث صدقة تصدق الله بها على من مالي فقد أوصيت بما ذكر».

وهذا الأمر ينساه كثير من الناس، فقد تتأخر أموال الورثة فلا تقسم ويموت أحد الورثة ولم يوصِ بشيء فيرثها غيره، وأعرف أناسًا جرى لهم مثل ذلك!

* وأمر الوقف في الإِسلام عظيم حتى قال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: «فما أعلم أحدًا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقةً مؤبدةً لا تُشترى أبدًا، ولا توهب ولا تورث».

وجاء في وقف لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ما نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبد الله على أمير المؤمنين تصدق بالضيعتين المعروفتين عين أي نيزر والبغيبة، على فقراء المدينة وابن السبيل ليقي بها وجهه حر النار يوم القيامة، لا تباعا ولا تورثا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، إلا أن يحتاج إليهما الحسن أو الحسين فهما طلق لهما وليس لأحد غيرهما..».

رابعًا: أوقف جزءًا من مزرعته أوصى فيه بأضحية وحجة له على الدوام، وأضحية لوالديه. وما فضل يصرف على الفقراء الذين يتعلمون العلم الشرعي أو يحفظون القرآن الكريم».

خامسًا: كتب - رحمه الله - لتبرئة ذمته مبالغ تصل إلى 50 ريالاً فقط ومع هذا فقال في آخر وصية كتبها: «ومن ادعى عليَّ بشيء من نقد أو أرض فُيرضى...».

سادسًا: لم يترك شاردة ولا واردة إلا كتبها، حتى إنه ذكر لنا أين جوازات عمال المزرعة، وهذا من تمام الفطنة وإبراء الذمة.

سابعًا: ختم آخر وصية كتبها قبل وفاته بأيام بقوله -رحمه الله-: «والله يوفقكم ويحفظكم...».


الرؤى:

رأى - رحمه الله - رؤى ثلاث قبل موته بأسابيع وقال: «رأيت رؤى ثلاث مبشرة» ولم يذكر ما هي ألبتة!

* ورأى أحد أبناء العم قبل أسبوع من وفاة الوالد أن هاتفًا يقول له في المنام: «عمك محمد شهيد»، وتكررت أكثر من مرة، ولم يخبرنا بها إلا بعد موت الوالد!

* وقد سمعت الوالد في عام وفاته يردد أكثر من مرة حديث: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه».

* وقال الحسن: «يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجع مداد العلماء على دماء الشهداء». ولعل الله - عز وجل - أكرمه بالشهادة من الحادث المروري الذي جرى له.

* ورأت إحدى أخواتي رؤيا قصتها على الوالد قبل شهر أو أقل من وفاته؛ وهي أن هناك أناسًا كثر يدخلون المنزل وأولتها في نفسها بأنه زواج. وكنا نترقب ذلك - ولما قصتها على الوالد - رحمه الله -: حرص على معرفة تفسير هذه الرؤيا. فكان يسألها بين الحين والآخر هل أولت رؤياك فتقول: لا. وآخر ما سألها ليلة الاثنين قبل ليلة وفاته فلما أجابت بالنفي عقب: «ليس طيب أن تئول» ولعله أحس بدنو أجله وأن دخول الناس معزين.

* ورأي أحد أقاربنا بعد وفاته وجهه - رحمه الله - كالقمر وفسرت:  أنه مع أول زمرة يدخلون الجنة! ولا نزكي على الله أحدًا - وما ذلك على الله بعزيز - وهناك رؤى أخرى كثيرة ولله الحمد.

* ولما ذُكر له امرأة صالحة متوفاة منذ سنوات وأن أهلها يرونها في المنام دومًا.

قال - رحمه الله -: لاحظت أن الذين أحوالهم طيبة على استقامة وطاعة في حياتهم يُرون في المنام بعد وفاتهم وأما الذين أحوالهم رديئة فهؤلاء لا يرون بعد وفاتهم»([284]) .

* والعجب أنه - رحمه الله - مع تأكده من دنو أجله لم يتغير في حياته وطريقته شيئًا.

وإنما لاحظنا أنه مهموم وقل طعامه ولا يأكل الفاكهة حريصًا على قضاء أموره التي تخص الوصايا.

* وأذكر أنني قرأت عليه يوم الجمعة - قبل وفاته بثلاثة أيام - في المزرعة تقريرًا من ثلاث صفحات عن نشاط الرافضة في السودان،  وكان يستمع ولم يعقب!

* هذا ما أعرفه عن الوالد - أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدًا - ولفراقه وحشية، ولفقده دمعة، ولكن عزائي في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب».

* وأسأل الله أن يكون ممن قال فيه - صلى الله عليه وسلم - لما مُر عليه بجنازة «مستريح ومستراح منه» قالوا: يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: «العبد المؤمن مستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله - عز وجل - والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب» [رواه مسلم].

* كما أسأل الله الكريم أن يخرجه من تعب الدنيا ونكدها إلى نعيم الآخرة وسعادتها.

* قال صفوان بن سليم: «في الموت راحة للمؤمن من شدائد الدنيا وإن كان ذا غُصصٍ وكُرب. ثم ذرفت عيناه»([285]).


الشيخ عبد الله بن جبرين يتحدث

الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين - حفظه الله - من زملاء الوالد في الدراسة والتدريس فيما بعد، كما أنه وفقه الله قد عمل مع الوالد في تصحيح فتاوى شيخ الإِسلام وفهارسها فيما بعد، وأذكر أنه سكن معنا شهورًا طويلة في مكة. وأشرف على طبع حاشية الروض المربع - للجد - رحمه الله - مع العم سعد وبيننا وبينه علاقة نسب.

ولما توفي الوالد - رحمه الله - زارنا في المنزل معزيًا فأثنى على الوالد وذكر محاسنه وعلاقته به! وقد سُئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين في مجلة الدعوة العدد 1770 عن الوالد فقال - حفظه الله -:

تعرفنا على الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - أول ما فتح معهد إمام الدعوة حيث كان أبرز من في الحلقة الذين قرأنا معهم على سماحة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم فكان هو الذي يقرأ على الشيخ المتن والشرح، حيث كان يهتم بحفظ المتون مع أن في زملائه من هو أكبر منه سنًا وأقدم منه تعلمًا ولكن رزقه الله صدق الرغبة ومحبة العلم وحسن المعتقد والتربية الصالحة على يدي والده - رحمه الله - وكذلك رزقه الله قوة الذاكرة وسرعة الحفظ والانتباه للأخطاء والمخالفات، وكان يحب الانفراد في المذاكرة ويكب على المطالعة، ويكرر الحديث أو  المتن الذي يريد حفظه حتى يستظهره، ولم يزل على ذلك، إلا أنه سافر في إحدى السنوات مع أبيه للعلاج فقام أخوه أحمد مقامه في القراءة على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم واستمر على ذلك إلى نهاية المرحلة الجامعية، أما محمد فكان يحضر مع الزملاء ويكتب كلام الشيخ حرفًا حرفًا قبل توفر أجهزة التسجيل، فلا يفوته من كلام الشيخ إلا القليل، حيث رزقه الله السرعة بالكتابة سواء في دفاتر منفردة أو على هوامش النسخ المقروءة أو بين الأسطر، وقد كتب من ذلك شيئًا كثيرًا أورد بعضه في فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وذكر أنه من تقرير الشيخ - يعني من شرحه لتلك المعاني - ثم في سنة تسع وسبعين ألزمه الشيخ بالتدريس في معهد إمام الدعوة فالتزم بذلك ولم ينقطع عن مواصلة الدراسة، ولا عن دروس سماحة الشيخ محمد، واختير بعد ذلك للتدريس في كلية الشريعة لمادة العقيدة والتوحيد، ثم كلفه الشيخ - رحمه الله -، بالإِشراف على طبع ما بقي من فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية التي كان قد اشترك مع أبيه في جمعها وتصحيحها وترتيبها وطبعها في مطابع الرياض في حدود سنة تسع وسبعين، وحيث بقي منها خمسة المجلدات الأخيرة فقد كلفه الشيخ أن يشرف على طبعها بمكة في مطبعة الحكومة، فسافر بأولاده في حدود سنة ست وثمانين أو قبلها، وقام بطبع وتصحيح المجلدات الخمسة الأخيرة، ثم اشتغل بالفهارس العامة وطلب مساعدتي له في الإِجازة الصيفية  فاشتركت معه في عمل الفهارس في الإِجازة سنة سبع وثمانية وثماني وثمانين، وقد رأيت منه الجد والنشاط والمواصلة والصبر والتحمل على العمل، ثم كلف أيضًا بترتيب وطبع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وقد بقي في ترتيبها وطبعها عدة سنوات بعد وفاة الشيخ - رحمه الله - حتى خرجت كاملة مرتبة أحسن ترتيب، وبعدها رجع إلى الرياض وزاول عمله في التدريس إلى أن أحيل للتقاعد فأكب على البحث في المؤلفات والمطبوعات الجديدة واستخرج منها أسئلة وفتاوى ورسائل شيخ الإِسلام ابن تيمية التي لم تكن في المجموع الذي تقدم طبعه، فطبع هذه المستدركات في خمسة مجلدات وسماها بالمستدرك ورتبها في ترتيب الأصول وطبعت ووزعت واستفيد منها كثيرًا، ونفع الله بجده وبما بذله وله - رحمه الله - سيرة حسنة في تحفظه عن مجالس اللهو والباطل وفي قيامه بالنصح والتوجيه ودعوته إلى الله تعالى بالقول والفعل حتى أتاه اليقين من ربه. فرحمه الله وأكرم مثواه.


الشيخ العلامة محمد بن عبد الرحمن القاسم كما عرفته:

الشيخ عبد الله بن محمد المعتاز له مواقف كثيرة مع الوالد وقد ذكر لنا بعضًا منها بمقالة في مجلة الدعوة قال فيها:

لقد عرفت فضيلته وعاملته منذ مدة طويلة وتبين لي من صفاته ما رأيت أن في التنويه عنها فيه مصلحة كبيرة ليقتدي به من يحب الاقتداء بالصالحين ووفاء لحق هذا العالم العباد الغني التقي الذي لا يعرفه الكثير لبعده عن الأنظار والظهور والإِعلام ولأن ذكر محاسن الميت مطلوب شرعًا - أحسبه كذلك والله حسيبه - والله يغفر لي وله ولجميع المسلمين.

أولاً: حبه العظيم لأهل عقيدة التوحيد الصافية في كل مكان من العالم وسعيه المتواصل لمساعدتهم بالمال والجاه فقد كان يقيم المشاريع الخيرية من بناء المساجد والمدارس وكفالة الدعاة والأيتام وحفر الآبار وتوزيع الكتب والأغذية والمال، ويتابع بنفسه أحوالهم ويسأل عنهم ويفرح بهم ويتعرف عليهم فجزاه الله عن الإِسلام والمسلمين أفضل الجزاء.

ثانيًا: علمه الغزير الذي يشهد له ما ألفه من كتب وما جمعه من فتاوى ومنها فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية (مع والده) وفتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهما الله -.

ثالثًا: تواضعه وعدم حبه للظهور فقد كان يجلس في الحرم الشريف في رمضان مع الفقراء وطلبة العلم المساكين يخدمهم ويقوم بإطعامهم،  فقد رأيته مرارًا يحمل على رأسه الفطور لهم ومن رآه وهو لا يعرفه لا يحسب أن هذا الرجل بمظهره المتواضع ينفق مئات الآلاف في مجلس واحد يبذلها للدعاة والمشاريع الخيرية والفقراء والمساكين ووجوه البر.

رابعًا: رأيه السديد في أي مسألة تعرض عليه، فقد كنت وغيري ممن يعرفون ما عنده من فقه الدين ورزانة عقل إذا أدلهمَّ علينا أمر أخذنا منه المشورة والفتوى المستندة على الدليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.

سادسًا: بذله للمال فقد كان يحمد الله تعالى أن أغناه وأولاده عنه ورفعهم وهداهم حتى تمكن من بذل ما عنده من مال في وجوه الخير المختلفة خاصة ما يستمر أجره وقفًا لله تعالى فما أكثر ما جاءه من مال وأوقفه لله تعالى في حياته وبعد مماته وأظنه بذل كل ما يملك أو جلَّه وقد ذكرت ذلك لأني متأكد منه وكثير من ذلك بواسطتي جزاه الله على ثقته بي ورحمة رحمة واسعة وتقبل منه.

سابعًا: استغلاله لوقفه في طاعة الله تعالى فهو يحج كل عام ويتفرغ للعبادة والصيام في مكة كل سنة طوال شهر رمضان المبارك ويتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار حفظًا عن ظهر قلب ويؤلف الكتب النافعة ويشارك في مشاريع خير كثيرة.

تاسعًا: بعده عن التفاخر في مسكنه ولباسه ونسبه وماله وغير ذلك ومقته الاعتزاز بشيء إلا بالدين فهو يوالي حسب التقوى والإِيمان بعيدًا  عن العصبية والتفاخر بالمظاهر الذي ابتلي بها كثير من الناس.

أسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته ويدخله جنات الفردوس ويجمعنا به في مستقرها إنه سميع مجيب الدعوات وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم([286]).


حياة بين الكتب

كتب الشيخ الدكتور حمد بن إبراهيم الحيدري مقالة عن الوالد -رحمه الله- فقال:

فقدت الأمة الإِسلامية في هذه السنة والتي قبلها كثيرًا من هذه الأعلام المباركة - وكان آخر من توفي منهم فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم الذي استوفى عمره يوم الاثنين الموافق 27/6/1421هـ - رحمه الله تعالى - ولقد نفع الله بعلمه وجهده أهل العلم وطلبته، ومن حقه عليهم الترحم عليه والدعاء له والقيام بما يجب له من الوفاء، وقد أحببت المشاركة في الوفاء لهذا الرجل بالإِشارة إلى منزلته وجهوده العلمية ولا سيما أنه من المعروفين بالزهد في الشهرة والإِعراض عنها.

ولادته ونشأته العلمية:

قيل: إنه ولد عام 1345هـ والذي يظهر لي أنه ولد قبل ذلك يدل على هذا أنه بدأ الطلب على سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم عام 1357هـ ويبعد أن يكون ذلك وعمره ثنتا عشرة سنة وبخاصة أنه كتب التقارير التي سجلها عن الشيخ - رحمه الله - في سنين طلبه العلم عليه وذلك من سنة 1357هـ إلى 1381هـ فمن كان في هذا السن يبعد أن يقيد هذه العلوم المذكورة.


ومحل ولادته بلدة البير بالمحل شمال الرياض بـ120كم ونشأ في بيت علم ودين، فقرأ القرآن ومبادئ العلوم على مقرئ بلدته، ثم طلب العلم على يد والده، ولما انتقل إلى الرياض طلب العلم عند كبار علمائها ومنهم سماحة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ولازم سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم خمسًا وعشرين سنة كما سبق الإِشارة إليه، ودرس - رحمه الله - في المعهد العلمي، ثم في كلية الشريعة وحفظ القرآن وبعض المتون العلمية مثل زاد المستقنع وألفية ابن مالك وغيرها.

أعماله العلمية:

يمكن تقسيم أعماله العلمية إلى قسمين:

الأول: التعليمي.

الثاني: الكتابي.

أما التعليم فقد درَّس في معهد إمام الدعاة العلمي، ثم في كلية أصول الدين وقد وصف تلامذته الأوفياء طريقته في التدريس بأنها لا تعتمد على السرد، بل على الحوار المميز الذي يجذب الطلبة ويبعث فيهم النشاط والتطلع للمعرفة وحب المادة مع تمكنه من المادة العلمية لما يلقى، ومن مساهماته أنه ناقش العديد من رسائل الدراسات العليا.

وأما التأليف: فله فيه جهد مميز فأول نشاطه في ذلك مشاركته والده  -رحمه الله- في جمع فتاوى شيخ الإِسلام وانفرد بعمل الفهارس لذلك العمل العلمي الضخم، ثم ألحقه بالمستدرك على فتاوى شيخ الإِسلام في خمسة مجلدات.

ومن أعماله النافعة المباركة جمعه وتحقيقه لفتاوى سماحة العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في ثلاثة عشر مجلدًا، وأخرج في مجلدين كبيرين كتاب «بيان تلبيس الجهمية» وله من الكتب المطبوعة «أبو بكر أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة» وكتاب «آل رسول الله وأولياؤه».

ومما تميز به من الصفات الجلد على القراءة واقتناص الفتاوى والفوائد، ومن الأمثلة التي تدل على هذه الصفة أن لما ذهب إلى المكتبة الظاهرية في دمشق لاستخراج ما فيها من فتاوى شيخ الإِسلام بتوجيه - من والده -رحمه الله- جد في البحث في هذه المكتبة والتنقيب والمطالعة يقول عن ذلك «فكانت مدة التصفح والتفتيش ستة أشهر لما يقارب تسعمائة مجلد من اثني عشر ألف مجلد مخطوط».

ومثال آخر، وضعه فهرسًا دقيقًا مرتبًا على حسب الفنون على ترتيب أبوابها وفضولها وعباراتها، فهرس لخمسة وثلاثين مجلدًا تيسر للقارئ مواضع كلام شيخ الإِسلام في كل موضوع سواء أكان كلامه في هذا الموضع أصالة أم جرى ذكره استطرادًا، هذا الفهرس احتواه مجلدان كبيران يقول الشيخ محمد - رحمه الله -: «فلم تبق مسألة أو بحث مقصودًا أو مستطرد إلا ذُكر فيهما فما لم يكن في هذين المجلدين  فليس موجودًا في الخمسة والثلاثين».

ومن ذلك المستدرك على مجموع الفتاوى، إذا احتاج لاستخراجه لقراءة كتب تلاميذه فقد ذكر أنه راجع جميع مؤلفات ابن القيم وهي أربعة وعشرون كتابًا بعضها يتكون من عدة مجلدات كما راجع كتاب الفروع لابن مفلح وهو ستة مجلدات وكتاب الإِنصاف للمرداوي ويقع في اثني عشر مجلدًا والآداب الشرعية لابن مفلح وهو ثلاثة مجلدات كما راجع شرح الزركشي على مختصر الخرقي وهو في سبعة مجلدات ومسودة آل تيمية في الأصول مجلد، ثم يحتاج إلى عرض ما وجده منسوبًا لشيخ الإسلام على فهارس مجموع الفتاوى وهذا كله يحتاج إلى جهد ووقت وصبر، ومن هذه الجهود المباركة التي أعجزت غيره وكانت عنوانًا على وفائه جمعه لفتاوى شيخه سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم - رحمه الله تعالى - فقد جمعها في ثلاثة عشر مجلدًا من تسع جهات يطول المقام بذكر هذه الجهات وعمله في استخراجها وجمعها ثم ترتيبها وحذف المكرر منها ووضع فهارس لها، ما لآثار سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم - رحمه الله - من قيمة علمية عظيمة يدل عليها مكانته العلمية وما كان يتقلده من أعماله جسيمة حيث كان المرجع في تدريس العلم والإِفتاء والقضاء.

ولا عجب من صبر هذا العالم فقد كان والده عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ذا صبر وجلد ومحبة للعمل والبحث، شهد له سماحة الشيخ  العلامة محمد بن إبراهيم بالحرص على طلب العلم وتحرير المسائل، وأنه لا يكل من المطالعة والكتابة، وقال: عجبت من هذا الرجل زرته أثناء مرضه فوجدته عنده الكتب يقرأ ويحرر.

لقد أحسن الشيخ محمد بن قاسم - رحمه الله تعالى - إلى الأحياء والأموات؛ أحسن إلى الأحياء بنشر وتقريب هذا العلم السابق كله بين أيديهم، وأحسن إلى الأموات بالتسبب في إظهار وإيصال آثارهم العلمية إلى عباد الله ينتفعون بها، فيجري ثواب هذه العلوم لأصحابها..» إلخ ما ذكره وفقه الله. ثم ختم مقالته بالدعاء له فقال:

رحم الله الشيخ محمد بن قاسم فلئن كان يجهله كثير من عامة الناس لزهده في الشهرة والظهور، فإن أهل العلم يعرفون له فضله ومنزلته، يدل على ذلك كثرة العلماء وطلبة العلم وأهل الخير الذين حضروا الصلاة عليه مما سرَّ أحبابه وخفف مصابهم.

اللهم اغفر لعبدك محمد بن عبد الرحمن بن قاسم وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([287]).


ابن قاسم جامع الفتاوى:

كتب الشيخ خالد بن على الحيان عضو الدعوة في الشئون الدينية بالقوات البحرية مقالة بعد وفاة الوالد في مجلة الدعوة فيها([288]):

لقد أحزنتنا وفاة فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن القاسم - رحمه الله - يوم الاثنين 27/6/1421هـ والشيخ - رحمه الله - وإن كان ليس مشهورًا إلا أنه معروف لدى الكثيرين باسمه، كيف وهو المعروف بمساعدته لأبيه في جمع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله - التي استفاد منها الكثير من العلماء وطلبة العلم في الداخل والخارج، أيضًا قد عرف - رحمه الله - باعتنائه بكتب شيخه سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - والتي قد خرج منها بعض الشيء، والبعض ما زال يعمل فيه كما أخبرني بذلك، والشيخ ابن قاسم لم تنقطع صلته بكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية بعد وفاة أبيه، بل استمر على تلك العناية حيث أخرج المستدرك على فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية، ومما يدل على صلته بما ذكر إنني رأيته ليلة السبت 10/6/1421هـ في حفل زواج الشيخ عبد العزيز بن ناصر السليمان فسألته عن لامية شيخ الإِسلام ونسبتها إليه، فقال - رحمه الله -: «ذكر لي أن مخطوطة لها مع الشرح موجودة في مكتبة الرياض فذهبت ورأيتها... إلخ» ثم سألته عن نسبة دعاء ختم القرآن لابن تيمية فقال: هو له، ولذا ذكرته في  المستدرك، وعودًا على بدء وحتى تعرف أعمال ذلك العالم الجليل وعنايته بكتب ابن تيمية وابن إبراهيم - رحمه الله على الجميع ، نطلب من أبناءه الفضلاء كتابة ترجمة ولو يسيرة عن حياة والدهم.


إلى جنة الخلد أبا عبد الملك([289]):

يا فقيد المحراب والعلم والعلماء:

الأستاذ صالح بن إبراهيم المنيف رئيس تحرير مجلة الدعوة - سابقًا - ومدير عام فرع وزارة العدل في منطقة مكة من تلاميذ الوالد ومن له صلة به، كتب في جريدة الجزيرة فقال:

لنا الله من زُرء عرانا فأفزعا

                                وخطب ملم للبرية أوجعا

فجعت مختلف أوساطنا العلمية والاجتماعية بفقد عالم جليل من علماء هذه البلاد إثر حادث أليم، رجل نذر نفسه وحياته للعلم والمعرفة فقدم للمكتبة الإِسلامية العديد من المؤلفات والكتب وتتلمذ على يديه المئات من طلبة العلم ذلكم هو شيخنا الشيخ محمد ابن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - رحمهما الله رحمة واسعة -.

حـكم المـنيـة في البـرية جار

                           مـا هـذه الـدنيا بدار قـرار

بينا يـرى الإنسـان فيها مخـبرا

حتى يرى خـبرًا مـن الأخـبار

طُبعت على كدر وأنت تريـدها

صـفوًا مـن الأقـذاء والأكدار

ومُـكلف الأيـام ضـد طباعها

متـطلب في المـاء جـذوة نـار


فالـعيش نـوم والمـنية يـقـظة

والمـرء بـيـنـهما خـيال سـار

من قصيدة مؤثرة لأبي الحسن التهامي.

* ولد الشيخ محمد - رحمه الله - عام 1345هـ وبدأ القراءة والكتابة في الكتاتيب على نظام ذلك الزمان.

وعندما شب عن الطوق شمر عن ساعد الجد في طلب العلم والمعرفة بصدق وإخلاص وتفان، فنهل من ينابيعها ورشف من نميرها، فأتيح له من العلم ما لم يتح لكثير من أقرانه لما وهبه الله من جد وذكاء وفطنة وما منحه من همة ونشاط.. وقدرة نادرة على الاستيعاب والطلب.

وقد تلقى العلم على عدد من كبار العلماء والمشايخ وأولهم والده العلامة الشيخ عبد الرحمن الذي فتح له آفاق العلم الشرعي واسعة رحبة.

وأبرز مشايخه سماحة مفتي الديار السعودية رئيس قضاتها العلامة والحبر الفهامة الشيخ محمد بن إبراهيم - طيب الله ثراه - الذي لازمه فقيدنا زمنًا طويلاً ودرس عليه وتلقى عنه.

وكان يحرص على أي كلمة يلقيها سماحة الشيخ محمد في حلقاته ويسجلها ويعتني بها؛ ولهذا جمع ثروة نفيسة من تقارير الشيخ وتقاريضه وعلمه وفتاويه.

وحب فقيدنا لشيخه عميق لا يوصف، وتأثره به واضح وبين،  وكذلك استلهامه لسيرته ومنهجه، وحسب العلماء مكانة وعلم وقدر سماحة المفتي - رحمه الله - والتأسي بشخصيته وقد ترجم الفقيد الكبير هذا الحب الجم والصادق بالوفاء والتقدير والعرفان لسماحة شيخه الشيخ محمد فشمَّر بعد وفاته عن ساعد العمل والجد وقام بجمع فتواه وتحقيقها والإشراف على طبعها وقد بلغت 13 مجلدًا فحفظ جزاه الله خيرًا للعلم وطلابه ثروة علمية كبيرة ونفيسة لا تقدر بثمن - بذل من أجل إخراجها جهدًا كبيرًا، وعملاً متواصلاً، وبحثًا مستفيضًا، أخذ منه سنين طويلة حتى أخرجها عملاً علميًا متكاملاً.. خدمة للعلم.. ومحبة ووفاء وبرًا بسماحة شيخه الشيخ محمد سيبقى منهلاً ثرًا وينبوعًا نيرًا ومرجعًا للعلم وطلابه.

* ومن محطات فقيدنا العلمية المهمة أنه رحل برفقة والده في مطلع شبابه إلى أوربا في أوائل السبعينات الهجرية عندما كان السفر شاقًا ومجهدًا سعيًا وراء جمع شتات آثار وفتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله - وبعد جهد جهيد وبحث علمي متواصل حققا ما أرادا من نجاح علمي كبير وقدما للمكتبة العلمية والإِسلامية فتاوى شيخ الإِسلام التي بلغت 37 مجلدًا ستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مرجعًا ومنهلاً لا ينضب معينه للعلم وطلابه.

فجزاهما الله تعالى عن العلم وطلابه خير الجزاء لقاء ما بذلا من جهد عظيم وما مسهما من عناء ونصب في هذا السبيل.

* درس في فترة من حياته في المعهد العلمي بالرياض ثم في كلية الشريعة ثم آثر التقاعد ليتفرغ للتأليف والبحث وقد تتلمذ عليه أعداد كبيرة من طلبة العلم.

رحم الله شيخنا - أبا عبد الملك - رحمة واسعة. لا أنسى عندما كنت طالبًا في المعهد العلمي بالرياض - عندما يطل علينا في الفصل بقامته الشامخة وثغره الباسم، وشخصيته المهيبة ووقار العلماء الذي يجلله، وكان يدرسنا آنذاك «النحو والصرف» وأذكر مرة أن موضوع الدرس كان «المستثنى» وكان المقرر شرح ابن عقيل في النحول فحول - رحمه الله - بأسلوبه الحواري المميز إلى شعلة من النشاط في الفهم والاستيعاب ففك طلاسم الكتاب وشرحه بما وهبه الله من علم وقدرة وأسلوب رائع في الشرح لا يعتمد على السرد الممل، والأسلوب التقليدي في شرح العلوم وتدريسها، مما أوصله مكانة عالية وبخاصة في نفوس طلابه وتلاميذه.

* قلت إنه آثر التقاعد للتفرغ للعلم والتأليف وكان كثيرًا ما يقضي أجزاء من وقته في مزرعته القريبة من الرياض حيث أنشأ فيها مكتبة علمية تحوي الكثير من المراجع وأمهات الكتب.

ولعلنا نشير إلى مؤلفاته فيما يلي:

1- مساعدة والده - رحمهما الله تعالى - في جمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية التي بلغت 37 مجلدًا بالفهارس.

2- جمع وتحقيق فتاوى سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم - رحمه الله - 13 مجلدًا.

3- شرح كشف الشبهات.

4- شرح كتاب آداب المشي للصلاة.

5- المستدرك على فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 5 مجلدات.

6- عدد من الرسائل في جملة من الفنون العلمية كالخطابة والوعظ والإِرشاد. رحمك الله يا أبا عبد الملك وأسكنك فسيح جناته فلشدّ ما كنت أشتاق دائمًا للجلوس معك واجتلاء طلعتك البهية كلما تهيأ الوقت وسنحت مشاغل الحياة.. أستفيد من علمك الغزير.. وآنس بأحاديث الطلية.. وأبحر في خضم تجربتك العلمية والحياتية الفذة الناضجة.

أحاديثك لا أملها.. وعلمك لا أرتوي منه.. وفرائدك وفوائدك لا تنتهي... وهكذا تكون أحاديث العلماء الكبار.. والرجال القمم..

* صفاته وسجاياه وأخلاقه يطول الحديث عنها لكننا نشير إلى أمثلة ورموز منها:

عرف عنه التواضع الجم.. إنه تواضع العلماء الربانيين وكفى..

ومن صفاته الحلم فنادرًا ما يغضب وإذا غضب فإنه يملك نفسه عند الغضب ولا يستبد به الغضب..

ومن صفاته الكرم والسخاء.. كرم المال وكرم النفس والخلق..  وموافقة في هذا لا يمكن حصرها..

يا أبا عبد الملك ماذا أقول.. وكيف لي أن أتحدث عن شخصيتك وسيرتك وصفاتك في هذا المقام الحزين وفي هذا المقام إنه أمر صعب المنال والتحقيق..

يا أبا عبد الملك أيها الفقيد الكبير إن قلبي كما قال الأستاذ الأديب الزيات في إحدى مراثيه «تنزف عيني عبرات بعضها صامت وبعضها معول فهل لبيان الدمع والحزن ترجمان».

العزاء الصادق لأسرة فقيدنا ولأبنائه وإخوانه وللعلم وطلابه وللمحراب وعباده.. ولنا كل محبيه وعارفي قدرة وفضله ومكانته..

إلى جنة الخلد يا أبا عبد الملك مع الشهداء والأبرار والصالحين وحسن أولئك رفيقا ولا نقول إلا كما أمرنا ربنا ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ كما أسأل الله تعالى أن يبارك في عقبه ويجعلهم خير خلف لخير سلف وأن يبارك فيهم جميعًا ولله الحمد أهل لكل خير وللسير على منهج والدهم رحمه الله تعالى.

صالح بن إبراهيم المنيف


على مثل أبي عبد الملك فلتبك البواكي

الحمد لله المتفرد بالدوام، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا راد لأمره، له ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى سبحانه القائل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم القائل: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء..» الحديث.

رزئت الأوساط العلمية بخطب فادح، ومصاب جلل، ألا وهو وفاة الشيخ العلامة محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - إثر حادث أليم، هز المشاعر، وأبكى العيون، وخلف حزنًا عميقًا، فكان الخطب عظيمًا بعظم مكانة الفقيد وقدره:

كذا فليجل الخطبُ وليفدح الأمرُ

فما لـعيون لم يصب ماؤها عذرُ

نجمٌ أفل، وشمس غابت، وهل هناك مصيبة أعظم وفجيعة أشد من فقد العلماء، ولكنها سنة الله في خلقه، أجيال تتعاقب وأمم تحل محل أخرى.


هـو الموت ما منه مـلاذ ومهربُ

متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ

وعندما يرحل رجل بمكانة وقدر الشيخ الوالد محمد - رحمه الله - فتلك طامة كبرى، وفاجعة عظيمة، فقد طويت بوفاته صفحة من صفحات العلم والفضل والخلق الكريم، فقد عاش - رحمه الله - للعلم والدين، وعلم ودرس، وألف وجمع، كان ينصح ويدعو، حياة مليئة بالعطاء والبذل، ونكران الذات، رجل هجر المناصب ولو أرادها لأتته وهي راغمة، وهو من تفتخر به المناصب، ومناقبه - قدس الله روحه - كثيرة ولا تحصى في هذه العجالة، ولكن هذه إشراقات من تلك الصفحات البيضاء، فحياة الشيخ كانت للعلم وفي العلم، طلبًا وبحثًا، وجمعًا وتأليفًا، فقد طلب العلم على يد عدد من العلماء أبرزهم سماحة الشيخ سماحة مفتي الديار السعودية العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - حيث لازمه وفاق أقرانه في كتابه ما يقوله الشيخ في دروسه، وكان وفيًا لشيخه حيث أمضى جزءًا من عمره متفرغًا لجمع وضبط فتاوى شيخه، وأخرجها للأمة في ثلاثة عشر جزءًا، حيث بذل فيها من الجهد ما لا يعلمه إلا الله، ثم المقربون إليه، وقبل ذلك كان الجهد الجهيد في جمع وترتيب فتاوى شيخ الإِسلام مع والده الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - في عمل خالد ستتناقله الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم قام في أواخر حياته  باستدراك فتاوى شيخ الإِسلام، وطُبع المستدرك في خمسة أجزاء، وقد وجدت آثارًا في أصابع الشيخ من كثرة الكتابة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

هيهـات أن يـأتي الـزمان بمثله

إن الـزمان بمـثلـه لبـخـيل

أما العطاء والبذل فحدث عن البحر ولا حرج، فقد كان جوادًا معطاءً، ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، أقبلت عليه الدنيا فأعرض عنها، ومن سخاء نفس الشيخ ما أسرّ لي به أحد أبنائه أنه قد أنفق مبلغًا يقدر بالملايين قيمة أملاك باعها في أواخر حياته، أنفق معظمها - رحمة الله عليه - في أعمال البر وبناء المساجد ودعم حلقات تحفيظ القرآن، ولسان حاله يقول: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: 60].

إن لله عـــبــادًا فــطــنــا

طـلقـوا الـدنـيا وعـافـوا الفـتنا

نـظـروا فـيـها فلـمـا عـلمـوا

أنهـا لـيـسـت لحـــي وطـنـا

جـعــلـوهـا لجـة واتخــذوا

صـالح الأعـمـال فــيها سفـنـا

وأعلم من الشيخ منذ وعيت على الدنيا أنه في كل عام كان يصوم رمضان في مكة، وهناك يمد الموائد بنفسه - رحمه الله - لتفطير المحتاجين والمعتمرين في الحرم الشريف، أما عن عبادته فكان - غفر الله له - مواظبًا على صلاة الجماعة إمامًا ومأمومًا، مداومًا على السنن والرواتب


والأوراد وصلاة الضحى والحج والعمرة، وصلاة الليل لا يتركها مهما كانت الظروف، لا حر ولا برد ولا مرض يعوقه عنها، وخلاصة ذلك ما قاله ابنه الكاتب الإِسلامي البارز الشيخ عبد الملك لو قيل لأبي: وفاتك في اليوم الفلاني ما زاد في عبادته شيئًا، وأما عن أخلاقه وتعامله فكان مدرسة في حسن الخلق كان عفيف اللسان، سليم القلب، فيه حياء المؤمن لا يغضب لنفسه - رحمه الله - يا أبا عبد الملك، فستبقى دهورًا ونتذكر تلك الصورة الجميلة والروح الطيبة، التي نلقاك عليها في منزلك أو في مزرعتك، وجه جميل، نور الإِيمان يكسوه، مرحبًا بالصغير قبل الكبير، صورة مليئة بالوقار والتواضع، كرم وبذل ومجلس لا يمل، أعاننا الله يا أبه عبد الملك، على فراقك وجبر كسرنا ومصابنا في فقدك.

ومـا الـدهر والأيـام إلا كما ترى

رزيـة مـال أو فـراق حـبيـب

ولكن عزاؤنا في الشيخ ما رأيناه من حسن الثناء عليه، والدعاء عليه من الصغير والكبير، ذكر وأنثى، وتلك عاجل بشرى المؤمن، وعزاؤنا فيه ما خلفه من علم وآثار ستبقى إلى يوم الدين، وما قدمه من صدقات جارية وأعمال بر، وعزاؤنا في الشيخ ما خلفه من ذرية صالحة ذكورًا وإناثًا، نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا، ومما يبشر به ما ذكره أحد مغسليه أن سبابة الشيخ كانت قائمة كأنما هو يتشهد، وكذلك ما  كان عليه من أثر في وجه الشيخ من بقايا مرض قديم استحال إلى صفاء ونور، فسبحان الله فله الأمر من قبل ومن بعد، نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجزي الشيخ خير ما جزى به عباده الصالحين، والحمد لله على قضائه وقدره.

خالد بن صالح المنيف([290])


جدي - رحمه الله -

الحمد لله القائل ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

الموت بـاب وكل النـاس داخله

يا ليت شعـري بعد الباب ما الدار

الـدار جنة خلد إن عـملت بما

يـرضي الإلـه وإن قصرت فالنار

وبعد: فقدت جدي الحبيب فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الذي فقدته الأمة بأجمعها، كان - رحمه الله - حريصًا على القرآن، فقد كان يسألني: كم أحفظ من كتاب الله تعالي؟ وكم أحفظ من المتون العلمية؟ وكان - رحمه الله - يسر بذلك وحججت معه ست حجات كلما مررنا بمحلات تجارية يقف ويشتري لكل واحد ما يريد، وكان في الحج لا يأمر أحدًا أن يساعده في شيء ألبتة، وكان رمضان كله في مكة يفطر الصائمين وكنا نساعده في ذلك، وكل وقته في الحرم إلا وقت النوم أو في حاجة البيت وكان نومه في البيت غفوة بسيطة، ويختم القرآن في رمضان كل يوم وفي غيره كل ثلاثة أيام وكان يقوم ليله متعبدًا لرب العالمين، ومن ذلك أننا كنا في سفر خارج الرياض فلما رجعنا الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل سمعنا صوته قائمًا  يصلي في الصالة وكان - رحمه الله - يستعد ويتجهز للصلاة قبل الأذان بمدة - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته - فكيف الآن حال شباب المسلمين؟

وكان زاهدًا في الدنيا فمع أن الملايين أتته إلا أنه تصدق بها كلها وينام على فراش بسيط، أتته الدنيا فلم ينظر إليها وإلى حطامها الفاني ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20].

وكلما جلسنا في مجلس في الحضر أو السفر لا يتكلم إلا قليلاً، وإذا تكلم أعطانا من الفوائد والكلام المفيد النافع، ويحكي لنا قصصه خارج المملكة أثناء جمع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية وكان - رحمه الله - حسن الجلسة في المجلس لا يقهقه ولا يتمخط، ويقول لمن يجلس وسط المجلس: قم فاجلس مع الناس. وإذا كان معه - رحمه الله - على طعام يدعو الجميع حتى الأطفال منهم، ويسمي عن الجميع ويقول: باسم الله لكم فيه. ويذكرنا بحديث عمر بن أبي سلمة عندما قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: «يا غلام كل بيمينك وكل مما يليك» وكان يلعق الصحن بعد الأكل ويقول هذه من سنن المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. وقد سألته قبل سنة تقريبًا عن أول ما أحفظ من المتون أولاً فقال: أولاً كتاب الله - عز وجل - ثم احفظ الأصول الثلاثة والقواعد الأربع وآداب المشي إلى الصلاة وكتاب التوحيد وزاد المستقنع - ثم قال: هذه هي الكتب المهمة التي تنفعك لو سئلت سؤالاً بسيطًا وقد ذهب يعزي أناسًا من أقاربنا قبل موته بأربعة  أيام فقال لهم: أول ما تعلمنا في المدرسة كلنا إلى الله صائرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ورأي أحد أقاربنا رؤيا عجيبة فيه، وفسرت بأنه من أول زمرة يدخلون الجنة، وما ذلك على الله بعزيز، فقد كان - رحمه الله - يكثر من قول: يا كريم.

وقد أخبرنا أبي بوفاته - رحمه الله - وقال: قولوا: «إنا لله وإنا إليه راجعون» ثم قال لقد مات أبي... فبكينا بكاءً كثيرًا وكيف لا نبكي على مثله؟

غفر الله له ورحمه وأنزله منازل الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا([291]).



ماذا جري؟

قصيدة في رثاء الشيخ:

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله -

شعر/ عبد الله بن إبراهيم الفارس

وقلبي الغض بالأحزان يلتهب

سالت دموعي على الأوجان تنسكب

وذكريات النقا بالهم تختضب

وأحرف الشعر قد صارت تناوءني

وقعًا على النفس لا يكفي له خطبُ

ماذا جرى ظهر ذاك اليوم إنَّ له

أحزانه جثمت في القلب لا تثبُ

ولا يعوضه أبيات منكسر

مثلومةً، قد بلاها الغمّ والتعبُ

في ذلك اليوم قد أمست كواكبُنا

وعالمًا مخلصًا لم تنسه الكُتُبُ

قد ودعت فيه رمزًا من منائرها

أعمته، أوزْاره الإِملالُ والنَّصبُ

وعابدًا زاهدًا، قاسى الحياة فما

فشا النفاق به، والكُفرُ قد وثبوا

ذاكم هو (القاسم) النحرير في زمنٍ

وضيَّع الدين قبرُ فوقه قُبَبُ

والابتداعُ فشا، والرّفضُ قد كثروا

عظيمةٍ نحو جمع العلم ترتقبُ

فصال (قاسمنا) وجال في همم

بنشرْ ما قد دري، والكُتْبُ تُكتْتبُ

فنال ما قد تمنى، ثم أعقبه

أعان والده فيه، فلم يَخبوا

فكان منها كتاب قد حوي عجبًا

لابن تيمية: العالمُ الأربُ

قد جمَّعوا فيه ما قد كان مفترقا

كالشمس بين الدَّراري نورُها لهبُ

فكان مجموعهم في الناس مشتهرًا

مستدركًا ما نسُي، فكُمِّل العجبُ([292])

من ثم قام (فقيد الكل) مجتهدًا

بما مضب، بل تسامي الهمُّ يا عربُ

ولم يقف عند هذا الحدِّ مكتفيًا

لهُ بأدني الذي للشيخ قد يَجبُ

بجمعه لفتاوى شيخه([293]) لَيَفي

تروي حياة الذي للعلم ينتهبُ

هذي مآثره في العلم شامخة

من العجائب صدقٌ ما به كذبُ

أما عبادته فإنها مثلٌ

يتلو الكتاب، لأهل الحفظ ينتسبُ

فليلهٌ قائمٌ، بالذكر يعمُره

في عُشر شهرٍ، فلا سأمٌ ولا نصبُ

مُجودًا لكتاب الله يختمه

ذريةٌ همْ كرامٌ حُفظٌ نُجُبُ

عزاؤنا في وفاة الشيخ أن له

أيامها في زمانٍ كله صخبُ

رحماك يا رب فالعلماء قد طويت

من ابن باز وألبانينا، ذهبوا

في فترةٍ قد فقدنا جلَّةٌ رحلت

ما خلفوا من فراغ كله عطبُ

واخلف لنا يا إلهي من يسد لهم

منك الرجا، وإليك السؤال والطلب

واغفر إلهي لشيخ الكلِّ (قاسمنا)

على نبي الهدي، وخير من صحبوا

وصلِّ ربي وسلم دائمًا أبدا


وترجل العالم العابد

بقلم: سعود بن عبد الرحمن الجبرين

أشرق يوم التاسع والعشرين من جمادي الثانية من السنة الأولي بعد العشرين وأربع مائة وألف من الهجرة النبوية، أشرق هذا اليوم على علم من أعلام التقى والصلاح والفقه المؤصل والفكر النير، أشرق عليه ذلك النهار وهو شامخ في علوه، متسامق في عليائه، تعلوه المهابة وتحيط به النضارة من كل مكان، وتتدفق من قممه جداول بالعلم والنور الوضاء تغذي القلوب وتزيل الغشاوة عن بعض العيون الناعسة، حتى إذا ما ارتقت شمس ذلك النهار على عتبة سلمه الأولي قضى الله فيه أمره فقبض فيه روح ذلك العلم الشامخ، والعالم الجهبذ الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الرحمن بن محمد القاسم إثر حادث مروري آلم القلوب وأبكى العيون، فنسأل الله له المغفرة والرحمة وأن يلهمنا فيه الصبر والسلوان، ولما كان للمصاب من وقع مؤلم على نفسي وعلى نفوس المسلمين فقد انطلقت هذه الأبيات من أغوار الفؤاد لتعبر عن هذا الشعور، مع يقين متأصل بقضاء الله وقدره. ولسنا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون وإنا عليك يا أبا عبد الملك لمحزونون.

بسم الله الرحمن الرحيم

وأيِّ قوسٍ به الأرزاءُ تصلينا

بأيِّ كأسٍ حمامُ الموت يُسقينا

مقدَّرُ السردِ منها لا يوقينا

في كلِّ يومٍ سهامًا نصلها ثقفٌ

إلى القلوبِ فتضميها وتدمينا

تغسلُ ما بين أضلاع وترقوةٍ

ويزفُرُ الصدرُ بالأحزان تطوينا

فيثعبُ الدُّمعُ من كلِّ العيونِ أسي

عنَّا وقدْ كانَ يغلينا ويدنينا

أكأس ذي رحمٍ غابتْ نواضرهُ

عالٍ يصيرُ برمس اللحد مرهونا

أم صاحبٍ صادقٍ في القلبِ منزلهُ

لفقده وانطوت أفرحُ ماضينا

أم والدٍ قدِّدتْ أكبادنا ألمًا

سقطت مشكاتُه يكاد الجهلُ يُعمينا

أم عالمٍ عاملٍ بالعلم قد سقَطتْ

ما عادَ ترتيلهُ يُحيي ليالينا

أم راكعٍ ساجدٍ في كلِّ حالكمٍ

*     *     *

برمحِ حادثةٍ دهماءَ يرمينا

أكلَّما اندملتّ جراحُنا نُكئت

فاليوم كلُّ جراحِ الأمس يجرينا

ربَّاهُ صبرًا وتثبتًا ومعذرةً

منْ هولِ صاعقةٍ حطَّتْ بوادينا

واليوم تنطبقُ الأفواهُ ملجمةٌ

إذ جلجلت وتوالي قصفها فينا

هزَّتْ عواصفُها أوتار أفئدةٍ

مثليْ شواعقُها الحمراء يُصلينا

يا لهف نفسي على نفسِي وأنفس من

يغلي بها الدمعُ دفقًا من مآقينا

أسي يفجِّرُ في أعناقنا حِممًا

مسَّ الخدود بوهج الحزن يكوينا

يثجُّ ثجًا سخينًا كالدماءٍ إذا

عبرَ الصدورِ إلى الأفواهِ تبكينا

وحشرجاتٍ من الأحشاءِ زافرةٍ

كيابسِ الس!َنِ والصَّحراءُ تضمينا

تهتزُّ منْ كُرْبها الأضلاعُ قعقعةً

مشفقٍ بلْ أبٍ للنصح يسدينا

على فِراقِ صديقٍ صادقٍ بل قريبٍ

بل عابدٍ زاهدٍ.. يا من يعزينا

بل عالمٍ عاملٍ بالعلم مجتهدٍ

في ركب راحلنا.. من ذا يسلينا

في هؤلاء وقد سارت ركائبهم

إلا رجاءَ التحاقٍ بالنبيينا

لا سلوةُ اليوم عنُه لا عزاء به

وأن ما نالهُ حتمًا سيغنينا

برحمةِ الله في الفردوس مُتَّكًأ

بفضلهِ أنْ سيهدينا وينجينا

وأن آمالنا في اللهِ واسعةٌ

في جنةِ الخلدِ تُؤويهِمْ وتؤْوينا

ويجمعُ الشَّملُ بالأحبابِ قاطبةً

*     *     *

ظمئ غدتْ للبكا في الحلقِ إسفينا

غصصت بالعبرةِ الحرَّى على كبدٍ

هيَّا اخرجيْ فالبكا حينا يسلينا

فقلت يا عبرةً في الصدرِ غائرةً

علَّ الرثا منه للأشياخِ يرضينا

واستنطقىْ منبر الإسلام في دعةٍ

ليخفي الدمعَ عنَّا ثم يزجينا

فقال بعد ارتجافٍ وانحني خجلاً

يدري أيشكو إلينا أم يواسينا

منهُ السلامُ بصوتِ قد تهدج لا

مرثيةً أخرجت ما كان مكنونا

واستعبرت لوعةً أعوادُه وروتْ

بعد انفصام العري بين المحبينا

تقول ربَّاهُ من همِّ أناخ بنا

روضاتٍ علمٍ مليئات رياحينا

غابتْ وجوهٌ منيرات وكنَّ له

يا ليت شعري من بالعلمِ يرفينا

تصوموا في توالٍ شقّنا مزعًا

كنوز سفرٍ من الأسلاف مدفونا

ومن يغوصُ بأحقاب مضت ليري

طريق أسلافهم بالنور ساعينا

إلا بقايا من الأفذاذ قَدْ ركبوا

ثمارُها أينعتْ فالناسُ يجنونا

يحيونَ مندرسًا من علمهم غُرُسًا

كامنهم بيننا بالنور يهدونا

منها وأصحابُها في اللحد قد رقدوا

معالم الحق إيضاحًا وتبيينا

حتى أقيم جناب الدين وانبلجت

*     *     *

منْ هؤلاءِ هوي فانفلَّ نادينا

واليوم تنجأُنا الأيامُ في عَلَمٍ

يتلو ويحفظ والأولاد يلهونا

عرفتُهُ وهو طفل في وَداعتِهِ

ملئ وأقلامُه منهنَّ يسقونا

وفي فتوته جلدًا محابره

بين الصحائف تحبيرًا وتلوينا

صوادرًا وورودًا وهو سائقها

صبَّت لآلئها نقشًا وتدوينا

حتى إذا ارتعتْ ما بين أسطرها

من فيضِ أشياخِهِ فهمًا وتبيينا

لكلِّ فائدةٍ بالعلم زائدةٍ

في حلقات دروس الشيخ مفتينا

يا متعةُ النفس بينا كُنتُ أرمقهُ

منهُ الأصابعُ إعياءً ولالينا

محمد، ابن إبراهيم، ما سئِمتُ

لولاهُ ما انتظمت يومًا دواوينا

حتى أتمَّ تصانيفًأ موثقةً

يغوصُ في اللجج الملئ ليعطينا

وفي كهولته مثابرًا نشطًا

مدافعًا شيخنا في حجرِ ماضينا

كنوزها دررًا بالحق شيدها

منْ في ابن تيمية المقدام تحمينا

يا فرحة القلب إذا كانت قذائفها

في وجهها فثنت عنا أعادينا

من الضلالات بعد الله إذا نصبت

في حِقبةٍ أظلمت فيها ليالينا

عفي عليهنَّ دهرٌ بعده هُجِرتْ

بِعلمهِ وأبوهُ الحبرُ يجلونا

فمدَّ راحتَه لهنَّ صاحِبُنا

فأصبحتَ قاذفاتٍ في مرامينا

ها قد علاهنَّ من أصدائها حِقبًا

في كلِّ فنٍّ بها تلقي عناوينا

إذا أصدروها فتاوى جُمِّعت كتبا

*     *     *

بهِ ولا أنس في الدُّنيا سينسينا

إنْ ننس لن ننسَ لأنسًا كان يؤنسنا

ضجَّت حناجرُهم لله داعينا

مصابنا في فقيد المسلمين وقدْ

مشيِّعين له يمشون ماحيينا

إذ يرفعون على أكتافهم علمًا

ومُستراحٍ لهُ ليسوا براضينا

به إلى غايةٍ ليستْ بغايتهم

يبكي عليهِ وأحباب يواسونا

وودَّعوه وعادُوا بين مضطربٍ

لمَّا رأيتُ الثرى منْ فوق غالينا

واحرَّ قلبيْ ويالوعاتِ عاطفتي

فيه وثّبتهُ بالإيمان آمينا

فارحمْ إلهيْ نزيلَ اللَّحد، مُدَّ لَهُ

واجعلْ به مؤنس الأعمال مقرونا

وافرشْ لهُ من جنانِ الخُلدِ تكرمةً

غدًا صحائفنا مدَّت لأيدينا

وارفعْ منازله في الصَّالحين إذا

بفضلك الله في الأيمان واسقينا

واجعل صحائِفَنا واجعلْ صًحيفتهُ

ما بعده ظمأ يومًا سيظمينا

من حوضِ أشرف خلق الله منْ ظمأ

منه الوفا والصَّفا، والدينُ يكفينا

إن ابن قاسم نهجٌ يقتفي وكفَي

أمَّا اللِّسانُ فشهدُ منُهُ يحذينا

فالقلبُ أبيضُ لا حقدٌ تدنِّسهُ

تَزْهُو بألفاظِ درٍّ منه يجرينا

أما مجالسُهُ والأُنسُ، وهي به

في نفسه منزلاً، ما كان مفتونا

أما المفاتِنُ والدُّنيا فما وَجدتْ

نهجَ النبيِّ وهذا قَدْ يُعَزِّبنا

مشي على سككِ الأسلافِ مُتَّبِعًا

ولي العزاءُ بِه فِيكُم فواسُونا

فيا بنيه: بذا منِّي العزاءُ لَكُمْ

وادعوا لهُ بجنانِ الخُلدِ آمينا

كونُوا لهُ خَلفًا وارْقَوا منازِلَه



 الخاتمة

أخي الكريم:

عشت لحظات ودقائق مع رجل - نحسبه والله حسيبه - ممن قام بأمر هذا الدين ونشره، وقد أفضى إلى ما قدم وذهب إلى ما جمع. ولولا خشية الإِطالة وظن الغلو فيه لذكرت أمورًا أدق من ذلك خاصة ما كان في بيته أو له علاقة بالمجتمع أو غيره، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ومع هذا أطمع في دعوة صادقة ترفع درجته وتؤانس وحدته، كما وأدعو الله - عز وجل - أن يكون ما كتبت برًا به بعد موته.

* وتبقى صفحات أخري لم تكتب لعلها تكتب فيما بعد... وتبقى صفحات لا يعلمها إلا الله - عز وجل -.

وحال الوالد - رحمه الله - يصفها الشاعر بقوله:

وما زلت تدأب في التـأليف مجتهدًا

حتى رأيتك في التـأليف مكتوبًا

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يسكنه الفردوس الأعلي، وأن يجزيه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجمعنا وإياه والمسلمين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

* كما أسأله وهو صاحب الجود والعطاء أن يجبر الكسر ويجزل  الأجر. وإنا لفراقك يا أبي لمحزونون.

* ولمن بقي على وجه الأرض وأمهله الله - عز وجل - ومد في عمره، ماذا قدمت لهذا الدين؟ وكيف أمضيت عمرك ووقتك؟ وهل تجهزت للقاء الله سبحانه؟

قال بعض السلف: «العمر قصير فلا تقصره بالغفلة».

وقال ابن الجوزي: إن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، فالأيام تبسط ساعات والساعات تبسط أنفاسًا. وكل نفس خزانة فإياك أن تأتي يوم القيامة وخزانتك فارغة.. نعم قد تزل القدم ولكن لا بد من المبادرة إلى التوبة التي وصفها بعض السلف: «هذه غنيمة باردة. أصلح ما بقى من عمرك يغفر لك ما مضى».

فعمرك أيام وهن قلائل

ترحل من الدنيا بزاد من التقى

وأفضل منه قوله تعالي: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

هذا وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا جميعًا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،



([1]) مقدمة وفيات الأعيان 1/20.

([2]) سير أعلام النبلاء 11/316.

([3]) التاريخ الكبير 1/342.

([4]) السير 11/178.

([5]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، ص357.

([6]) تهذيب الكمال 1/459.

([7]) سير أعلام النبلاء 11/192.

([8]) التعريف بالقاضي عياض ص6، وأزهار الرياض 3/7.

([9]) طبقات الحنابلة 2/193.

([10]) السير 11/179.

([11]) انظر كتاب الإِمام ابن باز للشيخ عبد العزيز السدحان ـ وفقه الله ـ .

([12]) انظر كتاب الإِعلان بالتوبيخ للسخاوي والنظائر للشيخ بكر أبو زيد.

([13]) هذا ما كُتب في بطاقة الأحوال الشخصية، ويذكر بعض المشايخ ممن تتلمذ معه على يد الشيخ محمد بن إبراهيم أن تاريخ مولده بعد هذا التاريخ.

([14]) الأولى منهن والدة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن القاسم القاضي بالمحكمة المستعجلة في الرياض.

والثانية والدة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد القاسم القاضي في محكمة خميس مشيط سابقًا.

([15]) من مقابلة معه في مجلة الدعوة العدد 1770.

([16]) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري ص7.

([17]) وهذه السن هي غالب بداية سن طلب العلم عند الأئمة المتقدمين والمتأخرين.

([18]) معجم الأدباء 1/32.

([19]) المجلد 36 ج المقدمة.

([20]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/93.

([21]) في المجلد الأول منه (الخطبة) و(اهدنا الصراط المستقيم) (فصل في أن لا يسأل العبد إلا الله) (سمي الله آلهتهم) (الشفاعة المنفية) (قد ذكرت فيما تقدم) (وفي المجلد الثاني منها ـ وهو كتاب توحيد الربوبية والرد علي أهل وحدة الوجود ـ من صفحة (1) إلى (104).

([22]) منه رسالة في المجاز والحقيقة (112) صحيفة، ورسائل في القدر، وأفعال العباد، وغير ذلك.

([23]) مجموع وفتاوى ومقالات ابن باز 7/70.

([24]) الإلمام بطريقة دروس الشيخ الإمام ص38، 40.

([25]) المنتقى 2/213.

([26]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ص92.

([27]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ص92.

([28]) مجموع الفتاوى 16/601.

([29]) المستدرك على مجموع الفتاوى 1/5.

([30]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/93.

([31]) علماء نجد خلال ستة قرون 2/415.

([32]) مجموع الفتاوى 36/أ.

([33]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/71.

([34]) ولها فهرس عام في مجلد مخطوط.

([35]) ذكرها ابن القيم في النونية بقوله:

وكذاك أجوبة له مصرية            في ست أسفار كتبن سمان

ويقول العليمي: إنها سبع مجلدات (الدر المنضد جـ2/478).

([36]) يأتي ذكر أسمائها وعدد أجزائها.

([37]) مختصر طبقات الحنابلة «الناشر دار الكتب ـ العربي».

([38]) وقد رأيت فيما نقلته أن تلاميذه وعلماء المذهب يتتبعون كتبه الكبار أيضًا: كرده علي الرافضي، «واقتضاء الصراط المستقيم» و«شرح العمدة» وغيرها وقد نبهت على ذلك في أماكنه.

([39]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/43.

([40]) مجلة اليمامة العدد 1151.

([41]) المجموع في ترجمة الشيخ حماد الأنصاري 2/633.

([42]) مجموع الفتاوى 28/17.

([43]) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام 1/43.

([44]) لا يزال الفهرس مخطوطًا لم يطبع بعد.

([45]) كتاب تاريخ من لا ينساه التاريخ ص122.

([46]) الإِمام ابن باز للشيخ عبد العزيز السدحان ص14.

([47]) المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان 3/213.

([48]) وكتاب «الكواكب الدراري» رتب فيه ابن عروة أحاديث مسند الإمام أحمد على الأبواب التي وضعها البخاري في الجامع الصحيح، ثم أضاف المرتب بين الأبواب نقولا من الكتب لتفسيرها أو لإتمام نقص أو مؤلفات كاملة. وأذكر منها: «اقتضاء الصراط المستقيم» «التوسل والوسيلة» «السياسة الشرعية» لابن تيمية. «كتاب الفروسية» لابن القيم.

-وأظنه قد ذكر المغني فيها لابن قدامة - وقيل: إن الكواكب الدراري مائة وعشرون مجلدًا وقد ذكر بعض هذا في فهارس المكتبة نفسها.

([49]) ويدخل في هذا القسم الرازي، كما قال في مقدمة كتابه: «ولا يجري في الدارين من أفعاله إلا ما يريده ويشاؤه».

([50]) من «الفرقان بين الحق والباطل» باختصار في بيان مبدأ الافتراق، ومذاهب الفرق انظر جـ13، ص:30 - 47.

([51]) «التحفة العراقية في الأعمال القلبية» انظر جـ10 ص66، 67 «الفرقان بين الحق والباطل» انظر جـ13، ص182.

([52]) المصدر السابق.

([53]) المصدر السابق.

([54]) المسألة المصرية في القرآن ص202، 205 جـ12.

([55]) المسألة المصرية في القرآن ص202، 205 جـ12.

([56]) جـ12 ص311. و«متأخرو الشيعة» يوافقون المعتزلة في هذا.

([57]) والقول بخلق القرآن حلقة من سلسلة التعطيل.

([58]) وانظر كتاب «الرد علي الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن: وتأولته على غير تأويله» للإمام أحمد مطبوع.

([59]) جـ13 ص183، جـ10 ص229.

([60]) جـ6 ص387، وقال الشيخ ولا ريب أن أئمة الأشعرية وهم الذين كانوا أهل العراق: كأبي الحسن الكبير، وأبي الحسن الباهلي، وأبي عبد الله بن مجاهد، وصاحبه القاضي أبي بكر، وأبي علي بن شاذان ونحوهم لم يكونوا في النفي كأشعرية خراسان: مثل أبي بكر بن فورك ونحوه، بل زاد أولئك في النفي أشياء علي مذهب أبي الحسن ونقصوا من إثباته أشياء. اهـ. «نقض التأسيس المخطوط». وقال: لكنه أبو المعالي وأتباعه لا يثبتون الصفات الخبرية، بل منهم من ينفيها، ومنهم من يقف فيها كالرازي والآمدي. جـ13 ص139، وقال: والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع علي الجنبلية، كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم. جـ6 ص52. قلت: و«الأشعرية» هم كثير ممن ينتسب إلى السنة في مقابلة الشيعة، ومقالتهم مبثوثة في كتب كثيرة: من التفاسير، وشروح السنة، وأصول الدين، والفقه، ومطولات التاريخ وكتب المقالات التي بأيدي الناس اليوم و«لكل قوم وارث» وإن لم يأتوا باعتراضات جديدة و«الماتريدية» يقاربون الأشعرية.

([61]) وجحد الصانع هو أصل كل باطل وكفر وكذب وتناقض وشر في الوجود، كما أن الإِيمان به أصل كل حق وهدى وصدق واستقامة وخير في الوجود. «المؤلف».

([62]) جـ2 نقض التأسيس المخطوط.

وقد ذكر الشيخ خلاصة عن التجهم والجهمية فقال في «التسعينية»: وكذلك التجهم علي ثلاث درجات: فشرها «الغالية» الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى قالوا هو مجاز، فهم في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم ولا يتكلم.. «والدرجة الثانية» من التجهم هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرؤن بأسماء الله في الجملة لكن ينفون صفاته وهم أيضًا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها علي الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها علي المجاز وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.

و «الدرجة الثالثة» هم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسمائه وصفاته في الحجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية وغير الخبرية، ويتأولونها، كما تأول الأولون صفاته كلها. ومن هؤلاء من يقر بصفاته الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث. (ومنهم) من يقر بالصفات الواردة في الأخبار في الجملة لكن مع نفس وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف. وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نذاعًا فيما يثبتونه من الصفات. «أو ينفونه من الصفات» وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر وقدموهم على أهل السنة والإِثبات وخالفوا أوليهم. (ومنهم) من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر الناس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه بين النفي والإِثبات. قلت: وانظر ما قاله أبو إسماعيل الأنصاري الهروي ويحيى بن عمار في أخذ الجهمية المعتزلة عن الجهمية الفلاسفة، وأخذ الأشاعرة عن المعتزلة، وما وصفا به الطائفتين: في «الرسالة المدنية» وجـ8 ص227 جـ6 ص359.

([63]) أي كيفيته.

([64]) جـ6 ص36، 37.

([65]) المنهاج جزء (1) ص256.

([66]) ص، 34. قلت هذا مذهب الطائفتين اللتين ذكر الرازي أنهم خصومه في هذا الباب (الكرامية والحنابلة) ونسب إليهم ما نسب.

([67]) انظر مناظرة جهم للسمنية ص324، 325.

([68]) انظر ص280 ذكر فيها المؤلف نموذجًا من حججهم كمسألة «الجوهر».

([69]) 139.

([70]) جـ16 ص451.

([71]) ص323 باختصار. وانظر أجوبة أهل السنة والإِثبات للدهرية ص145 – 149، 165 – 169، وكذلك في المنهاج، والعقل والنقل، وغيرهما من مؤلفاته، وخاصة إذا ذكر أدلة المتكلمين وبين بطلان حججهم أو تقصيرهم وعجزهم عن إفحام الدهرية.

([72]) مقدمة الكتاب ص4.

([73]) أخرجه مسلم رقم (215) وأخرجه البخاري ك78 ب14 والإِمام أحمد جـ4 ص203.

([74]) رواه الإِمام أحمد عن معاذ بن جبل: «إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا».

([75]) أخرجه مسلم ك2، ص249 والبخاري ك4، ب3.

([76]) جـ4 ص21، 22.

([77]) كذا الأصل. ولعله: غير صحيحة.

([78]) جـ3 ص223 – 225 – 241 - 242.

([79]) جـ3 ص247 - 257.

([80]) انظر الكتاب ص35 وما بعدها.

([81]) جـ2 ص164، 190 جـ3 ص248 جـ1 ص29، 37.

([82]) انظر الكتاب ص57.

([83]) أخرجه مسلم ص54 والبخاري ك23 ب81.

([84]) أخرجه مسلم ص55.

([85]) صحيح مسلم ص195 والبخاري ك78 ب115.

([86]) صحيح مسلم ص195 والبخاري ك81 ب51 إلا أنه قال يغلي منه أم دماغه.

([87]) جـ2 ص248، 249.

([88]) انظر الكتاب ص92.

([89]) صحيح مسلم ص69.

([90]) جـ3 ص259 – 261 جـ4 ص41 جـ1 ص18.

([91]) انظر الكتاب ص100.

([92]) جـ2 ص111 جـ4 ص110 جـ1 ص209 قال المؤلف ـ رحمه الله ـ بعد أن استعرض تفاسير الرافضة لهذه الآيات.

وأمثال هذا الكلام الذي لا يقوله من يؤمن بالله وكتابه وهو بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن قال: وكذلك قول القائل: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ علي وفاطمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ النبي ﷺ‬ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ الحسن والحسين. وكل من له أدنى علم وعقل يعلم بالاضطرار بطلان هذا التفسير وأن ابن عباس لم يقله، وهذا من التفسير الذي في تفسير الثعلبي وذكره بإسناد رواته مجهولون لا يعرفون عن سفيان الثوري وهو كذب على سفيان.

قال الثعلبي: أخبرني الحسن بن محمد الدينوري حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال قرأ أبي علي أبي محمد بن الحسن بن علويه القطان من كتابه وأنا أسمع حدثنا بعض أصحابنا حدثنا رجل من أهل مصر يقال له طسم حدثنا أبو حذيفة عن أبيه عن سفيان الثوري في قوله ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ قال فاطمة وعلي ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ الحسن والحسين. وهذا الإسناد ظلمات بعضها فوق بعض لا يثبت بمثله شيء ومما يبين كذب ذلك وجوه:

أحدها: أن هذا في سورة الرحمن وهي مكية بإجماع المسلمين والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة.

الثاني: أن تسمية هذين بحرين وهذا لؤلؤ وهذا مرجان وجعل النكاح مرجا أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه لا حقيقة ولا مجازًا، بل كما أنه كذب على الله وعلي القرآن فهو كذب على اللغة.

الثالث: أنه ليس في هذا شيء زائد علي ما يوجد في سائر بني آدم..

الرابع: أن الله ذكر أنه مرج البحرين في آية أخرى فقال في الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ فلو أراد بذلك عليًا وفاطمة لكان ذلك ذمًا لأحدهما بإجماع أهل السنة والشيعة.

الخامس: أنه قال ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ فلو أريد بذلك علي وفاطمة لكان البرزخ الذي هو النبي ﷺ‬ بزعمهم أو غيره هو المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر. وهذا بالذم أشبه منه بالمدح.

السادس: أن أئمة التفسير متفقون على خلاف هذا كما ذكره ابن جرير وغيره فقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام. وقال الحسن يعنى بحر فارس والروم (وبينما برزخ) وهو الجزائر وقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال الزجاج من البحر المالح وإنما جمعهما لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما مثل ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾... وقال ابن جرير إنما قال منهما لأنه لا يخرج من أصداف البحر عن قطر السماء.

(وأما اللؤلؤ والمرجان) ففيهما قولان أحدهما: أن المرجان ما صغر من اللؤلؤ واللؤلؤ العظام قاله الأكثرون.. (جـ4 ص66 – 68) ومضى في بيان بطلان بقية تفاسيرهم لبعض الآيات انظر جـ4 ص68 – 80 فليرجع إليه من أراده.

([93]) انظر الكتاب ص105.

([94]) جـ4 ص11.

([95]) انظر الكتاب ص110.

([96]) صحيح مسلم رقم الحديث 675.

([97]) رواه البخاري في الصوم (باب صيام عاشوراء) وكذلك رواه مسلم.

([98]) جـ1 ص10، 7، 20، 13. جـ3 ص43، 44. جـ2 ص121، 180 - 183.

([99]) جـ1 ص12.

([100]) جـ1 ص16.

([101]) انظر الكتاب ص113.

([102]) جـ2 ص316، 317 جـ3 ص229.

([103]) انظر الكتاب ص129.

([104]) جـ3 ص241.

([105]) انظر الكتاب ص131.

([106]) جـ4 ص76 جـ1 ص226، 227 جـ3 ص264 جـ2 ص122، 123.

([107]) جـ1 ص16 جـ2 ص122.

([108]) انظر الكتاب ص132.

([109]) جـ ص178 جـ1 ص345.

([110]) انظر الكتاب ص138.

([111]) جـ4 ص111.

([112]) انظر الكتاب ص163.

(*) وقد ذكر رافضي في هذه الأيام وقال إن مما دعاني إلى الدخول في منهج أهل السنة والجماعة: أنكم تقولون قال الله، قال رسوله، في الدليل، ونحن نقول: قال: في الكافي، وقال في: منهاج الكرامة، ليس فيه استدلال بآية أو حديث. (عبد الملك)

([113]) جـ ص296، 297.

([114]) كما في الحديث عن رافع بن خديج t قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ‬ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله» أخرجه البخاري في باب وقت المغرب ومسلم 51 ص637 وأخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود عن سلمة بن الأكوع ـ t ـ: «أن رسول الله ﷺ‬ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» وفي رواية أبي داود قال: «كان النبي ﷺ‬ يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها» رواه البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب (2/36) ومسلم ك5/6364 وأبو داود رقم 417 في باب وقت المغرب والترمذي رقم 164 في الصلاة. وأخرجه أبو داود عن أبي أيوب «لا تزل أمتي بخير ـ أو قال ـ على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم» رقم 418.

([115]) صحيح مسلم ص761 ك3 ب11.

([116]) صحيح مسلم ص760 صحيح البخاري ك30 ب13.

([117]) صحيح مسلم ص759 البخاري ك73.

([118]) صحيح مسلم ص762 البخاري ك30 ب11.

([119]) ويعني بذلك قتل الحسين كما تقدم ويأتي.

([120]) جـ3 ص43، 44. جـ ص6.

([121]) انظر الكتاب ص164.

([122]) صحيح البخاري ك4 ب48 صحيح مسلم ص227 – 230 وأبو داود رقم (154) في الطهارة باب المسح على الخفين والترمذي رقم 93 في الطهارة باب المسح على الخفين والنسائي جـ1 ص81 في الطهارة باب المسح على الخفين.

([123]) جـ2، ص191 - 194.

([124]) انظر الكتاب ص168.

([125]) وتقدم في ذكر الثاني عشر من أئمتهم في بحث الإمامة مبسوطًا فليرجع إليه من أراده هناك.

([126]) انظر الكتاب ص197.

([127]) جـ2، ص190، جـ3، ص248.

([128]) انظر الكتاب ص198.

([129]) المداخل إلى آثار شيخ الإِسلام 1/12.

([130]) أخرجه مسلم في كتاب البر (45/ ح2640) جـ/ ص2034: عن أبي وائل عن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ‬ فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحب قومًا ولما يلحق بهم؟ قال رسول الله ﷺ‬: «المرء مع من أحب».

([131]) ذكره ابن الجوزي في فضائل عمر.

([132]) ذكر ذلك الشيخ ـ رحمه الله ـ وابن القيم (صواعق ص1405).

([133]) هذا من حسن أدب وتواضع الوالد ـ رحمه الله ـ أن يعتذر للقارئ الكريم.

([134]) الذي جاء في الحديث المروي «ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» منهاج 2/221.

([135]) ولهذا قدمهم الله في القرآن على الشهداء والصالحين.

([136]) منهاج السنة جـ2/221، 222.

([137]) انظر الكتاب ص21.

([138]) غامر: خاصم. أي دخل في غمرة الخصومة.

([139]) أي تذهب نضارته من الغضب.

([140]) أن يكون لعمر من الرسول ما يكره.

([141]) لأنه هو الذي بدأ.

([142]) المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء. ومواساته بنفسه وقايته في المخاوف ـ كما يأي في قصة الهجرة وغيرها.

([143]) لما أظهر النبي ﷺ‬ من تعظيمه.

([144]) مراجعة.

([145]) والحديث في البخاري (ك62 ب5، ك65 سورة 7 ب3).

([146]) صحيح مسلم ك6 جـ294.

([147]) هذه النقول التي روى فيها الأحاديث وبين وجه الدلالة منها هي في المنهاج جـ4/251، 8، 42، 45، 253، 254، 136، وجـ3 منه ص4 وانظر «البداية والنهاية لابن كثير جـ3 ص26».

([148]) انظر الكتاب ص22.

([149]) والإِسلام إذ ذاك ضعيف والأعداء كُثر، وهذا غاية الفضيلة والاختصاص في الصحبة (منهاج جـ4/ 245) ويأتي.

([150]) أخرجه البخاري ك63 ب45.

([151]) منهاج السنة جـ3/6، جـ268، 31.

([152]) البداية والنهاية جـ3 ص95.

قلت وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية»، عن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي بسنده عن عائشة بعد أن ذكرت إسلام أبي بكر قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ‬ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ‬ في الظهور، فقال يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله ﷺ‬ وتفرق الناس في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله ﷺ‬ جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله ورسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلي المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووطئ أبو بكر ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة ويضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزل على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، إلى آخر القصة (البداية والنهاية جـ3/29 30).

([153]) انظر الكتاب ص25.

([154]) البخاري ك62 ب5.

([155]) أخرجه أبو يعلى، انظر فتح الباري جـ7/169.

([156]) منهاج السنة جـ3/4، جـ4/252، 166، 168، وقال في الفتح: ولقصة أبي بكر هذه شاهد من حديث علي t أخرجه البزار من رواية محمد بن علي عن أبيه أنه خطب فقال: من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت. فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكنه أبو بكر. لقد رأيت رسول الله ﷺ‬ أخذته قريش هذا يجؤه وهذا يتلقاه، ويقولون له: أنت تجعل الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويدفع هذا ويقول ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم بكى علي. ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون أفضل أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير منه، ذاك رجل يكتم إيمانه، هذا يعلن إيمانه. (الفتح جـ7/169).

([157]) انظر الكتاب ص29.

([158]) أخرجه الترمذي في مناقب الصديق رقم (3739) «ما من الناس أحد أمن إلينا في صحبته وذات يده من ابن أبي قحافة» قال: ومعنى قوله «أمن إلينا» هي أمن علينا. أي أسمح بماله وأبذل له، ولم يرد به معنى الإمتنان. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ـ t «إن أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلاً» الحديث (ك8 ب8) ويأتي مع أحاديث المخالة.

([159]) منهاج السنة جـ3/4، جـ4/8، 166، 7، 54، 245، 43.

([160]) المسند جـ2/253 وفي رواية: «وقال: وهل نفعني الله إلا بك؟ وهل نفعني الله إلا بك؟ وهل نفعني الله إلا بك؟» المسند جـ2/266 وروى الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ «ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة» (رقم 3741).

([161]) قوله «وكان يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه» أخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلاً (تاريخ الخلفاء ص38).

([162]) أبو نعيم في الحلية (1/147).

([163]) أخرجه مسلم (ك44 ح221 ص1967 بلفظ «ما أدراك من أخذهم..» وأخرجه البخاري ك 62 ب5.

([164]) وأخرج سعيد بن الأعرابي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أسلم أبو بكر -t- يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم فخرج إلى المدينة في الهجرة وماله غير خمسة آلاف كل ذلك ينفقه في الرقاب والعون على الإِسلام.

([165]) وفي رواية ابن جرير قال: «يا أبت إني ما عند الله».

([166]) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر. انظر البخاري ك61 ب25.

([167]) في البخاري جـ5/198 – 201 ومسلم رقم (2770).

([168]) جـ4/286، 4، 44، 45، 289، 7، 50، 287، 283، 284، 274، 245.

([169]) انظر الكتاب ص32.

([170]) كشف الشيء أظهر عنه ما يواريه أو يغضيه. والشبهة الالتباس. والشبهات ما يلتبس فيه الحق بالباطل والحلال بالحرام على بعض الناس.

والنظر في الشبهات لا ينبغي مخافة الوقوع فيها. والنظر فيها ليعرفها لينكرها أو يحذر منها. وإلا فهو شر وقربان الشر شر.

([171]) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (ج4/ 20 ج2/ 419، 145، 146).

([172]) قلت: ولبعض من لا أثق به عبارة أستريب منها في الصلاة والسلام على الرسول، وهي: «والصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله» وقد يرفع صوته بالجملة الأخيرة، أو حبيبي حبيبي يا رسول الله.

ولم أكن أسمع شيخنا يقول في خطبه ودروسه «سيدنا» وله في ذلك فتوى مطبوعة. ولا «شفيعنا» بهذا الإِطلاق، بل يقول: الشافع المشفع في المحشر. والمراد الشفاعة العظمي. وأما شفاعاته الخاصة. فلا يجزم بها لكل شخص. ولا «رسوله أعلم» فهذه تقال في حياته. أما الآن فيقال: الله أعلم. «يقول الله تعالى» قليلاً ما يستعمل هذه العبارة في حال استدلاله بآية؛ بل يقول: قال الله تعالى. فالله قال وقت إنزالها، لا الآن والمستقبل. ولا: يقول القرآن» فالقرآن لا يتكلم، وليس هو القائل، بل هو المقول. ومثلها «يقول الحديث الشريف» بل يقول: قال رسول الله ﷺ‬. ولا: «اسمعوا الله يقول» لأن هذه العبارة توهم أمرين محذورين الأول: أن الحاضرين يكونون بمنزلة موسى حين كلمه ربه. والثاني: أن الله يتكلم الآن بما يتلوه من القرآن. ورحم الله ابن مالك حيث قال في تمثيله لبعض مسائل التعجب:

...................... كما        كان أصح علم من تقدما

([173]) ويأتي قوله: ليس المراد اللفظ بل اللفظ وإقرار وعمل. لكن لما كان العمل هو الأظهر للناس اكتفى به هنا.

([174]) في أن شيئًا منها لا يصلح للإلهية.

([175]) انظر من المؤلف؟! ومن الشارح؟! ومن نقله؟! محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن قاسم ـ رحمهم الله.

([176]) أي في عام 1369هـ و1370هـ.

([177]) وهناك أيضًا بعض الكتب تحت الطبع «كشرح كتاب الزاد» وغيره.

([178]) أخرجه أحمد في المسند ج3/107.

([179]) رواه البرقاني في صحيحه.

([180]) انظر الكتاب ص20.

([181]) انظر الكتاب ص37.

([182]) ويقولون: شاء الله، أو يشاء الله. ولا يقولون: شاءت إرادة الله؛ كما قد كثر إطلاق هذه العبارة ـ فإن المشيئة صفة من صفات الله ليست هي الله، بل الله صفاته هو الذي يشاء ويريد.

([183]) قاعدة في المحجة لابن تيمية ص30، 31، 195 – 197، 14، 28.

([184]) والحركات: إما إرادية، وإما طبيعية، وإما قسرية؛ لأن الفاعل المتحرك إن كان له شعور بها فهي الإِرادية. وإن لم يكن له شعور فإن كانت على وفق طبع المتحرك فهي الطبيعية. وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية. الطبع بمنزلى السكون وعدم الحركة. وانظر العقل والنقل جزء 9 ص 325 قال: لأن الحركة إن كانت قسرية فلها قاسر، وإن كانت طبيعية فالطبيعية لا تكون إلا إذا أخرجت بالعين عن محلها فهي مقسورة على الخروج.

([185]) الصورة قد تكون عرضًا كالشكل، والصورة الصناعية من هذا الباب. وقد يعتبر بالصورة عن نفس الشيء المصور كالإِنسان. فالصورة هنا جوهر قائم بنفسه ليس قائمًا بجوهر آخر. والقرآن ذكر خلق الله تعالى لما خلقه من الجواهر التي هي أعيان قائمة بنفسها مع ما نشهده من إحداث الصفات والأعراض أيضًا، والاستدلال بذلك على الخالق سبحانه (انظر العقل والنقل جـ7 ص234).

([186]) وكلا الطائفتين قد لا يعلمون ما فيها من الحكمة التي هي عبادة ربها وتسبيحه والسجود له.

([187]) مفتاح دار السعادة ص161، 388 شفاء العليل 131، 32 قاعدة في المحجة ص14، 23، 26، 30، 31، 195 – 197، 28، فتاوى جـ29/368 وجـ16/353 روضة المحبين.

وإذا أردت زيادة أدلة على توحيد الربوبية ـ إثبات الصانع ـ وطريقة الرسل وطرق الصابئة والمتفلسفة والمتكلمين والصوفية في إثباته. وبيان بطلان القول بقدم العالم أو شيء منه. وذكر المواد التي خلقت منها السموات وآدم والجن، وبيان بطلان جحود الصانع -إذا أردت ذلك- فانظر المجلد 36 فهارس مجموع فتاوى ابن تيمية ص21 – 31 تطلعك على ملخصها وتدلك على أصولها في المجموع.

([188]) انظر الكتاب ص270.

([189]) فهو هذا النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يرى عيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه، إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نور لم ينفعه نور غيره.

([190]) البدائع جـ4/162، 82، 83. اجتماع الجيوش ص4 وقبلها وبعدها صحائف.

([191]) السير 5/62.

([192]) مناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي ص31.

([193]) شذرات الذهب 2/182.

([194]) الأشتر: هو الذي قاتل عليًّا ـ t ـ وأصحابه. وسمه غلام لمعاوية ـ t ـ في عسل. فلما أبلغ معاوية بذلك قال: «إن لله جنود من عسل».

([195]) المداخل إلى آثار شيخ الإِسلام 1/43.

([196]) مجلة العرب جـ1 س7.

([197]) التذكرة ص149.

([198]) جامع العلوم والحكم ص21.

([199]) سير أعلام النبلاء 9/349.

([200]) الفوائد ص64.

([201]) مناقب الإِمام أحمد ص28.

([202]) البداية والنهاية 9/359.

([203]) شرف أصحاب الحديث ص86.

([204]) شرح السنة 1/278.

([205]) الإحياء 1/18.

([206]) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: «ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي ﷺ‬ لم يفعل ذلك لا هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت؟ وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح» (المستدرك على الفتاوى 3/146).

([207]) مفتاح دار السعادة 1/140.

([208]) السير 11/196.

([209]) حلية الأولياء 2/113.

([210]) مكاشفة القلوب ص463.

([211]) تذكرة السامع والمتكلم ص50.

([212]) من مقال له في مجلة الدعوة.

([213]) السير 4/222.

([214]) السير 8/494.

([215]) السير 11/211.

([216]) تنبيه الغافلين ص247.

([217]) مجموع الفتاوى 10/662.

([218]) مجموع الفتاوى 10/189.

([219]) جامع العلوم والحكم ص269.

([220]) ذكر بعض كبار السن أن صلاة التراويح في السابق تقارب الثلاث ساعات.

([221]) تفسير ابن كثير 3/607.

([222]) مجموع الفتاوى 24/316.

([223]) الحسن البصري ص69.

([224]) الزهد للبيهقي ص319.

([225]) مجموع الفتاوى 29/315.

([226]) الكبائر، ص121.

([227]) جامع العلوم والحكم ص131.

([228]) السير 11/214.

([229]) الزهد الكبير للبيهقي 2/65.

([230]) من مقال في مجلة الدعوة.

([231]) السير 11/187.

([232]) مجموع الفتاوى 10/39.

([233]) مختصر منهاج القاصدين ص299.

([234]) صيد الخاطر ص571.

([235]) المداخل إلى آثار شيخ الإِسلام 1/86.

([236]) جامع بيان العلم وفضله 1/68.

([237]) مجموع الفتاوى 11/43.

([238]) سلسلة هذه بلادنا «البير» ص42.

([239]) السير 10/82.

([240]) السير 11/227.

([241]) من مقال نشر في مجلة الدعوة.

([242]) هذه وما بعدها مأخوذة من بعض المناهج صوبها حسب ما يراه.

([243]) أي تؤثر في التوحيد. البدعة تورث شبهة والشبهة تورث الريب ولأن صاحب البدعة لا يتوب منها غالبًا وهي أعظم المعاصي.

([244]) المعاصي: تنقص ثواب أهل التوحيد والحامل على المعصية الشهوة.

([245]) قيل له: تعريف الشرك الأكبر: صرف شيء من العبادة لغير الله». أو هو أن يجعل الإنسان لله ندًا في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فقال ـ رحمه الله ـ الصواب: الشرك الأكبر هو تسوية... إلخ.

قال ـ رحمه الله ـ الصواب: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.

([246]) نبه ـ رحمه الله ـ على أن هذا التعريف هو الذي ورد في النسخ القديمة للشيخ محمد بن عبد الوهاب وليس (... والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله).

([247]) قيل له: قول: معنى الاستسلام لله بالتوحيد: إفراد الله بالعبادة مع الذل والخضوع له. فقال الصواب: عبادة الله بما شرع وإفراده بها. فالعبارة الأولى للرد على الملحدين والثانية للرد على المشركين وأيضًا يدخل في معنى العبادة الذل والخضوع يقال: طريق معبد أي مذلل.

([248]) عن أبي بن كعب: أن رسول ﷺ‬ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه» رواه الترمذي.

([249]) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 1/204.

([250]) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 4/910.

([251]) الذين يكاتبون الشيخ -والله أعلم-.

([252]) لأن الأولين يشركون في الرخاء، وفي الشدة يخلصون، في الشدائد لا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وأما في زماننا فشركهم في الحالين جميعًا؛ بل إذا كانوا في الشدة نسوا الله بالكلية ولهجوا بمعبوداتهم من دون الله هذا يقول: يا متبولي! يا عدروس! يا عبد القادر! يا علي! يا حسين! يا رسول الله! يا فلان!. اهـ (الشارح).

قلت: ومن القصص الحية: أن بعض نسائهم إذا أخذهن الطلق نادت يا علي! يا حسين! وأن بعض الرجال إذا أيقن أحدهم بموت في بئر أو نفق استغاث بعلي أو بالنبي أو بالخمسة أو غيرهم ممن يعتقد فيه. وآخر يصرخ: من لبلادنا غيرك يا رسول الله!

وآخر وعظنا يومًا في أحد مساجد من ينتسب إلى السنة، وذكر أن وفاة النبي ﷺ‬، أشكلت على بعض الصحابة حتى جاء أبو بكر ـ t ـ فكشف عن وجهه وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، اذكرنا يا رسول الله عند ربك. اهـ. وهذه الجملة الأخيرة لا تصح نسبتها إلى أبي بكر، ولا يصدق أن الصديق يقول مثل ذلك وهو الذي تلا على المنبر: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]، وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله... إلخ.

([253]) وهذا دليل على أن عظمة مخلوقه أعظم في قلبه من عظمة الله. ثم كيف أعمال القلوب الأخرى من الحب والخوف والرجاء. ومن الأناشيد والأشعار التي فيها الغلو والشرك بالنبي ﷺ‬ ما لا يزال يسمع كالهمزية والبردة وغيرهما..

([254]) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية (جـ35/161).

([255]) وكيف ينصرون؟.

([256]) يوجد في فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم تقريرات كثيرة نقلها الوالد ـ رحمهما الله ـ وفيها فوائد جمة ودرر عظيمة.

([257]) تذكرة الحفاظ 1/249.

([258]) جامع بيان العلم وفضله 1/122.

([259]) فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 3/81.

([260]) فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 7/178.

([261]) واذكر أن قريبة لنا ختمت القرآن حفظًا فرأت في تلك الليلة، والدتها المتوفاة تأتي إليها وتقبل رأسها.

([262]) فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/103.

([263]) فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/95.

([264]) ابن عبد اللطيف آل الشيخ.

([265]) مال يتجر فيه ببعض ربه.

([266]) الذي هو حق الله على العبيد.

([267]) العناوين.

([268]) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 1/75.

([269]) فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/94.

([270]) قال الوالد: ويفهم من هذا أنه لا ينبغي مصاحبة أهل الشرك والبدعة في زيارتهم قبور المسلمين.

([271]) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/135.

([272]) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/207.

([273]) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/207.

([274]) رواهما أبو داود.

([275]) مجموع فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ 1/91.

([276]) مجموع فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 7/49.

([277]) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 1/195.

([278]) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 1/200.

([279]) مجموع فتاوى الشيخ 13/87.

([280]) السير 11/332.

([281]) السير 11/185.

([282]) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 13/223.

([283]) شرف أصحاب الحديث.

([284]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في المستدرك على الفتاوى 1/95: «وقد استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وأنه يرى ويدري بما يفعل عنده، ويسر بما كان حسنًا ويتألم بما كان قبيحًا. وروي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ بعد أن دفن عمر -t-: «كانت تستتر، وتقول: كان أبي وزوجي، فأما عمر فأجنبي» تعني أنه يراها.

وروي أن الموتى يسألون عن حال أهليهم. فيعرفهم أحوالهم، وأنه ولد لفلان ولد، وتزوجت فلانة، ومات فلان، فما جاء؟

فيقولون: راح إلى أمه الهاوية».

([285]) السير 5/366.

([286]) نشرت في مجلة الدعوة العدد 1766 وقد اختصرتها وأبقيت ما يهم القارئ.

([287]) نشرت في مجلة الدعوة العدد 1765 وأثبت هنا ما يهم القارئ.

([288]) نشرت في مجلة الدعوة العدد 1764.

([289]) نشرت في جريدة الجزيرة العدد 10228.

([290]) نشرت في مجلة الدعوة العدد 1765 ونشرت أيضًا في جريدة الجزيرة.

([291]) مقالة نشرت بقلم أحد أحفاده في مجلة الدعوة العدد 1768.

([292]) المقصود: المستدرك علي مجموع الفتاوي.

([293]) المعنى شيخه: الشيخ محمد بن إبراهيم.