الفجر الصادق

د. عبد الملك القاسم

مدخل

قال أحمد بن عاصم:

هذه غنيمة باردة، أصلح ما بقي من عمرك،

يغفر لك ما مضى.


 المقدمة

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين.

وبعد:

أقدم للإخوة القراء الجزء الثامن من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟!» تحت عنوان: «الفجر الصادق»، وهو زمن مشرق ناصع في حياة المسلم.

إنه فجر صادق، وهل هناك أصدق ممن صدق الله وصدق في عودته؟

إذا سلك من مسالك الشيطان مدخلاً وأجلب عليه بخيله ورجله، تذكر منتبهًا من الغفلة مستدركًا للتوبة.

إنها إشراقات تبدد ظلام المعصية وتزيل غشاوة الذنب.

فجر تبدأ معه رحلة العودة إلى الله بقلوب منكسرة، ودموع منسكبة وجباه خاضعة... حتى تطأ الأقدام أولى عتبات الآخرة... ورجاء الآية يخاطب شغاف القلوب ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملء السمع والبصر: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها».

جعلنا الله ممن إذا أذنب استغفر وإذا زل تاب وثاب ورزقنا الإخلاص في القول والعمل.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم.


بسم الله الرحمن الرحيم

خلق الله الإنسان للطاعة والعبادة، وفتح له باب التوبة والإنابة، يستدرك بها ذنوبه، ويمسح بها تقصيره، ويصلح بها زلاته.

فالتوبة واجبة على الدوام، لأن الإنسان لا يسلم من معصية، ولا يخلو من نقص إنما الخلق يختلفون في المقادير وقد أمر الله - عز وجل- بالتوبة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

وفي آيات كثيرة حث على التوبة والرجوع والأوبة...

قال -جل وعلا-: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

وهذا نبي الهدى والرحمة يقول في الحديث الشريف: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة»([1]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كـل بني آدم خـطاء، وخير الخطائين التوابين»([2]).

وانظر إلى عظيم فضل الله -جل وعلا- على التائب العائد قال - صلى الله عليه وسلم -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»([3]).

وأبواب السماء مشرعة للتائبين، مفتوحة للعائدين، فإن هناك من يعرض عن هذه الأبواب.. ويترك هذه الأسباب قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([4]).

فهذا الحديث بشارة لجميع المسلمين بالجنة إلا صنفًا منهم لا يريد دخولها، لا زهدًا فيها؛ ولكن جهلاً بالطريق الموصلة إليها، وتراخيًا وتكاسلاً عن دخولها وتفضيلاً لهذه المتع الدنيوية الزائلة على تلك النعم الخالدة في الجنة([5]).

يا من يذنب ولا يتوب، كم قد كتبت عليك ذنوب خل الأمل الكذوب، فرب شروق بلا غروب، وآسفى أين القلوب؟ تفرقت بالهوى في شعوب ندعوك إلى صلاحك ولا تئوب واعجبا الناس ضروب، متى تنتبه لخلاصك أيها الناعس؟ متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا تنافس؟ متى تذكر وحدتك إذا انفردت عن موآنس؟ يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس، يا من تحدثه الأماني.. دع هذه الوساوس.

وانظر إلى قول الحسن ولعل لنا نصيب منه: يا ابن آدم ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة([6]).

إني بليت بأربع يرمينني

بالنبل قد نصبوا علي شراكا

إبليس والدنيا ونفسي والهوى

من أين أرجو بينهن فكاكا

 يا رب ساعدني بعفو إنني

أصبحت لا أرجو لهن سواكا([7])

قال حميد الطويل لبعض إخوانه: عظني، فقال: يا أخي إذا عصيت وظننت أنه يراك فقد تجرأت على عظيم، ولكن بجهلك تظن أنه لا يراك.

وقال رجل لوهيب بن الورد: عظني؟ فقال: اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك([8]).

أخي المسلم: لو لحظك مسئول أو رجل حسبة وأنت تهم بفعل زلة لتوقفت تعد الخطى وتستثقل فعل المعصية، كيف والله –جلا وعلا- يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ مطلع على كل صغيرة وكبيرة. ولكنها قسوة القلوب وفساد النفوس، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، وما خلقت النار إلا لإذابة القلوب القاسية، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، فإذا قسا القلب قحطت العين.

أخي الحبيب:

قسوة القلب من أربعة أشياء: إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ.

ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، فالقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها، شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهورة([9]).

وذاك الداء وهذا الدواء ولكن:

يا من تمتع بالدنيا وزينتها

ولا تنام عن اللذات عيناه

أفنيت عمرك فيما لست تدركه

تقول لله ماذا حين تلقاه؟([10])

كان الحسن كثيرًا ما يقول: يا معشر الشباب عليكم بالآخرة فاطلبوها، فكثيرًا رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحدًا طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا([11]).

وليس للعبد –يا أخي- مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد، اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت([12]).

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقًا لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع([13])

أخي المسلم:

القلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى([14]).

فإياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلاً، ولأيامك وأنفاسك أمدًا، ومن كل ما سواه بد، ولا بد لك منه([15]).

سبحان الله رب العالمين: لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعله الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق، وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، انتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن عنه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له، ومصيره إليه، وصغر الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير، والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة، ووجد حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكاتبين به ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه، وفرحه بتوبته، فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا.

أما في الآخرة: فإنه إذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة، ينعم فيها إلى يوم القيامة.

فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق، وهو في ظل العرش، فإذا انصرفوا بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين([16]).

يا أيها الغافل جد في الرحيل

وأنت في لهو وزاد قليل

لو كنت تدري ما تلاقي غدًا

لذبت من فيض البكاء والعويل

فأخلص التوبة تحظى بها

فما بقي في العمر إلا القليل

ولا تنم إن كنت ذا غبطة

فإن قدامك نوم طويل([17])

قالت عائشة- رضي الله عنها-: أقلوا الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله –عز وجل- بشيء أفضل من قلة الذنوب.

وقال مورق العجلي: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا مثل رجل في البحر على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب، لعل الله –عز وجل- أن ينجيه([18]).

ولهذا الأمر ومن شدة الخوف وطمعًا في ما عند الله.

كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيد الكل، ثم أنه قام حتى ورمت قدماه..

وكان أبو بكر –رضي الله عنه- شجي النشيج([19]).

وكان في خد عمر –رضي الله عنه- خطان من آثار الدموع.

وكان عثمان –رضي الله عنه- يختم القرآن في ركعة.

وكان علي -رضي الله عنه- يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع ويقول: يا دنيا غري غيري!

وكان سعيد بن المسيب ملازمًا للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة([20]).

فيا أخي الكريم اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن ،وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك([21]).

فحيهلا إن كنت ذا همة فقد

حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا

يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة، قد رفع لك علم، فشمر إليه فقد أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير([22]).

اتخذ طاعة الإله سبيلا

تجد الفوز بالجنان وتنجو

واترك الإثم والفواحش طرًا

يؤتك الله ما تروم وترجو([23])

قال يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار عندي.. التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله –عز وجل- مع الإفراط.

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس([24])

قال يحيى بن معاذ –رضي الله عنه-: من أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن خاف النار انصرف عن السيئات ونحن في غفلة.. ونجانب باب التوبة، حالنا كما قال الحسن عندما سأله رجل: يا أبا سعيد: كيف أصبحت؟، قال: بخير، قال: كيف حالك؟ فتبسم الحسن وقال: تسألني عن حالي؟ ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر، فانكسرت سفينتهم، فتعلق كل إنسان منهم بخشبة علي أي حال يكون؟ قال الرجل: على حالٍ شديدة، قال الحسن: حالي أشد من حالتهم([25]).

عيني هلا تبكيان على ذنبي

تناثر عمري من يدي ولا أدري

أنت في غفلة وقلبك ساه

ذهب العمر والذنوب كما هي([26])

أخي... أهل الجهال من آثر عاجلاً على آجل، لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام، فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة، ولو كان هذا فحسب لكفى حزنًا، كيف والجزاء الدائم بين يديه؟

فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك، ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها، لتسلم له عاقبة لذته، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار.

وهل عد في العقلاء قط من قيل له: اجلس في الممملكة سنة ثم نقتلك؟ هيهات بل الأمر بالعكس، وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة بل سنين ليستريح في عاقبته([27]).

قال الحسن: والله ما صدق عبد بالنار إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها حتى يتجهم عليها.

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

درج الجنان لدى النعيم الخالد

ولقد علمنا أخرج الأبوين من

ملكوتها الأعلى بذنب واحد([28])

ونحن نسير في هذه الدنيا.. لا نرى لها نهاية ولا للحياة توقف حتى يفجأنا أمر الله وقدره... نؤخر التوبة... ونؤجل العمل...

قال الحسن البصري: إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل([29]).

 وقال الربيع بن خثيم لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود([30]).

وحال الكثير منا اليوم كما قال عنه أحمد بن حرب: إن أحدنا يؤثر الظل على الشمس، ثم لا يؤثر الجنة على النار([31]).

نعرف اليوم القائض من المعتدل والبارد من الحار.. ونشكو إلى بعض من حر هذا اليوم وشدته، رغم أننا تحت ظلال وارفة، ومكيفات باردة، ولا نفكر في نار حرها شديد وقعرها بعيد، وها هو باب التوبة مشرع الأركان فأين نحن منه؟!

يقول إبراهيم بن أدهم: من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس، وإلا لم ينل ما يريد([32]).

وحذر أبو الوفاء بن عقيل بقوله: احذر ولا تغتر، فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر، وقد دخلت امرأة النار في هرة، واشتعلت الشملة نارًا على من غلها وقد قتل شهيدًا([33]).

فلنسابق أخي إلى التوبة والأوبة... باب مفتوح مشرع لا يردنا حاجب ولا يقصينا طلب، بل يفرح الله بتوبة أحدنا. ويتجاوز عن سيئاته.

قال أبو بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يا ابن آدم؟ خلي بينك وبين المحراب والماء، كلما شئت دخلت على الله -عز وجل- ليس بينك وبينه ترجمان([34]).

أخي.. اعلم أن الجزاء بالمرصاد إن كانت حسنة أو كانت سيئة ومن الاغترار أن يظن المذنب إذا لم ير عقوبة أنه قد سومح، وربما جاءت العقوبة بعد مدة([35]).

خل الذنوب صغيرها

وكبيرها فهو التقى

واصنع كماش فوق أرض

الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة

إن الجبال من الحصى([36])

قال أبو حازم سلمة بن دينار: قاتل هواك أشد مما تقاتل عدوك([37]).

أخي التائب:

الشرك والكذب والرياء شجرة في القلب ثمرها في الدنيا الخوف والهم والغم وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم([38]).

فسارع أخي بخطى العزيمة.. وارفع نفسك الكريمة... فإنها نفس كالطفل تقبل وتدبر وتعصي وتطيع.

والنفس كالطفل إن تهمله شب على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

 إن ترك الشهوات لله... وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به، لا تحصل في قلب فيه غيره، وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم، فإن الله سبحانه أبى أن يجعل ذخائره في قلب فيه سواه، وهمته متعلقة بغيره، وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله، والغنى فقرًا دون الله، والعز ذلاً دونه، والذل عزًا معه، والنعيم عذابًا دونه، والعذاب نعيمًا معه([39]).

عن طلق بن حبيب قال: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد وإن نعم الله أكثر من أن تحصى ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين([40]).

وقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله، ما عصوا الله عز وجل([41]).

فوا عجبًا كيف يعصى الإله

أم كيف يجحده جاحدُ؟

ولله في كل تحريكة

وتسكينة أبدًا شاهد

 وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد([42])

كان وهب بن الورد يقول: خف الله على قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قربه منك.

أخي المذنب –وكلنا كذلك-، قال هلال بن سعد:لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت([43]).

إنه الله الواحد الأحد مدبر الكون خالق كل شيء.

يا من يرى مد البعوض جناحها

في ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى مناط عروقها في نحرها

والمخ في تلك العظام النحل([44])

سبحان الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا... لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء... خلق كل شيء وأحصى كل شيء.

قال مطرف: من أحب أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده.

وكان الحسن بن عبد العزيز يقول: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع([45]).

وتأمل أخي الحبيب في قول ابن عباس: خوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك، أعظم من الذنب إذا فعلته([46]).

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل

خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة

ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب

وأن غدًا للناظرين قريب([47])

قال الحسن: إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله –عز وجل- وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجؤ الشيء يعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا مالي ولهذا؟ والله لا أعود لهذا أبدًا إن شاء الله، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله –عز وجل- يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه([48]).

ولو تفكرنا في ذلك وأنزلنا أنفسنا موقف الحساب لعملنا ولتبنا إلى الله –عز وجل- فنحن في زمن التوبة... وفي طريق الأوبة في دار أفسح الله لنا فيها أفلا نعود من قريب؟!

قال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم وما علم امرؤ قط... إلا عمل([49]).

فلتكن أخي من أهل العمل، ولا تكن من أهل الأمل.. فإن أعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما قد خبئ لك، تغتر بصحتك، وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم، لقد أراك مصرع غيرك، وأبدى مضجع سواك قبل الممات مضجعك([50]).

هذا شميط بن عجلان: في نداءات خالصة ينادي... أيها المغتر بطول صحتك! أما رأيت ميتًا قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول المهلة! أما رأيت مأخوذًا قط من غير عدة؟ أبالصحة تغترون؟! أم بطول العافية تمرحون؟! أم بالموت تمنئون؟ أم على ملك تجرئون؟

إن الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك، ولا كثرة احتشادك، أما علمت أن ساعة الموت: ذات كرب شديد، وندامة على التفريط؟ رحم الله عبدًا عمل لساعة الموت، رحم الله عبدًا عمل لما بعد الموت، رحم الله عبدًا نظر لنفسه قبل نزول الموت([51]).

أخي إن من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله، زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله، زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في قربه من الناس، وقضاء حوائجهم، والتواضع لهم.

وعلامات الشقاوة: أنه كلما زيد في علمه، زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره، واحتقاره للناس، وحسن ظنه بنفسه وكلما زيد في عمره، زيد في حرصه وكلما زيد في ماله، زيد في بخله وحرصه، وكلما زيد في قدره وجاهه، زيد في كبره وتيهه.

وهذه الأمور: ابتلاء من الله، وامتحان يبتلي بها عباده، فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام([52]).

فانظر أين أنت؟ وأين موضع قدمك؟ واسمع وصية الإمام مالك وهو يوصي رجلاً قال: إذا هممت بأمر في طاعة الله فلا تحسبه إن استطعت فواقًا حتى تمضيه، فإنك لا تأمن الأحداث، فإذا هممت بغير ذلك، فإن استطعت أن لا تمضيه فافعل، لعل الله يحدث لك تركه، ولا تستحي إذا دعيت لأمر ليس بحق، أن تقول: قال الله تعالى في كتابه: «والله لا يستحي من الحق». وطهر ثيابك، ونقها عن معاصي الله؛ وعليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما سفسف منها، فإن الله يحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها، وأكثر تلاوة القرآن، واجتهد أن لا تأتي عليك ساعة من ليل أو نهار، إلا ولسانك رطبًا من ذكر الله، ولا تمكن الناس من نفسك، واذهب حيث شئت([53]).

وقد قال عمر بن عبد العزيز في خطبته: إن لكل سفر زادًا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه وعقابه، ترغبوا وترهبوا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه، ولا يمسي بعد صباحه، وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا، وكم رأيت، ورأيتم من كان بالدنيا مغترًا، وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله تعالى، وإنما يفرح من أمن أهوال القيامة فأما من لا يداوي كلما إلا أصابه جرح من ناحية أخرى... فكيف يفرح؟([54]).

نموت ونبلى غير أن ذنوبنا

إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى

ألا رب عينين لا تنفعانه

وما تنفع العينان من قلبه أعمى

أخي التائب:

احذر نفسك، فما أصابك بلاء قط إلا منها، ولا تهادنها، فو الله، ما أكرمها من لم يهنها، ولا أعزها من لم يذلها، ولا جبرها من لم يكسرها، ولا أراحها من لم يتعبها، ولا أمنها من لم يخوفها، ولا فرحها من لم يحزنها([55]).

قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرة، وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا([56]).

أخي التائب: وأنت تسير في ركاب التائبين... تحط رحالك -إن شاء الله- في جنات عدن.. لا تلتفت إلى نزعات الهوى، ولا تتردد مع وساوس الشيطان، وعليك بلزوم الجادة، تنجو وتسلم.

قال الحسن: ابن آدم! إنك ناظر غدًا إلى عملك، يوزن خيره وشره، فلا تحقرن شيئًا من الشر أن تتقيه، فإنك إذا رأيته غدًا في ميزانك سرك مكانه([57]).

وجهاد النفس -يا أخي- جهاد طويل، وطريق محفوف بالمكاره مذاقه مر وملمسه خشن ولكن لا تكن من الذين وصفهم يحيى بن معاذ بقوله: مسكين ابن آدم قلع الأحجار أهون عليه من ترك الأوزار([58]).

يا مدمن الذنب أما تستحي

والله في الخلوة ثانيكا؟

غرك من ربك إمهاله

وستره طول مساويكا([59])

قال حاتم الأصم: من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر لا يأمن الشقاء:

الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان؟!

الثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث، فنادى الملك: بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟!

الثالث: ذكر هول المطالع، فلا يدري أيبشر برضا الله أم بسخطه؟!

الرابع: يوم يصدر الناس أشتاتًا، فلا يدري أي الطريقين يسلك به([60])؟!.

أخي الحبيب:

لا تحسبن سرورًا دائمًا أبدًا

من سره زمن ساءته أزمان

لا تغتر بشباب آنف خضل

فكم تقدم قبل الشيب شبان

 ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك

لم يكن لمثلك في اللذات إمعان

كان الحسن بن يسار كثيرًا ما يقول: يا ابن آدم! نطفة بالأمس وجيفة غدًا، والبلى فيما بين ذلك، يمسح جبينك كأن الأمر يعني به غيرك، إن الصحيح من لم تمرضه الذنوب، وإن الطاهر من لم تنجسه الخطايا، وإن أكثركم ذكرًا للآخرة أنساكم للدنيا، وإن أنسى الناس للآخرة أكثركم ذكرًا للدنيا.

وإن أهل العبادة من أمسك نفسه عن الشر، وإن البصير من أبصر الحرام فلم يقربه، وإن العاقل من يذكر يوم القيامة ولم ينس الحساب([61]).

أخي... علم أرباب القلوب: أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان: كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تنقية الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار، ومساقي الماء إليها وأن القلب المستغرق بالدنيا: كالأرض السبخة، التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة هو يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان([62]).

وانظر إلى: تقسيم الهمم، ومقدار العزائم... قال محمد بن السماك: همة العاقل في النجاة، والهرب وهمة الأحمق في: اللهو، والطرب([63]).

وأعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة وتأميله الإصلاح فيما بعد، وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حد.

فكلما أصبح وأمسى معافى، زاد الاغترار وطال الأمل، وأي موعظة أبلغ من أن ترى: ديار الأقران، وأحوال الإخوان، وقبور المحبوبين، فتعلم أنك بعد أيام مثلهم، ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك، هذا والله شأن الحمقى...

حشا من له عقل أن يسلك هذا المسلك.

بلى والله إن العاقل ليبادر السلامة، فيدخر من زمنها للزمن، ويتزود عند القدرة على الزاد لوقت العسرة.

خصوصًا لمن قد علم أن مراتب الآخرة إنما تعلو بمقدار علو العمل لها، وأن التدارك بعد الفوت لا يمكن.

وقدر أن العاص عفي عنه، أينال مراتب العمال؟

ومن أجال على خاطره ذكر الجنة، التي لا موت فيها، ولا مرض، ولا نوم، ولا غم، بل لذاتها متصلة من غير انقطاع، وزيادتها على قدر زيادة الجد ههنا انتبه هذا الزمان، فلم ينم إلا ضرورة، ولم يغفل عن عمارة لحظة.

ومن رأى أن ذنبًا قد مضت لذته، وبقيت آفاته دائمة، كفاه ذلك زاجرًا عن مثله([64]).

ملاك الأمر تقوى الله فأجعل

تقاه عدة لصلاح أمرك

وبادر نحو طاعته بعزم

فما تدري متى يمضى بعمرك([65])

عن الحسن قال: يا ابن آدم! إذا رأيت الناس في خير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا لأنفسهم، قد رأينا أقوامًا آثروا عاجلتهم على عاقبتهم، فذلوا وهلكوا([66]).

أخي التائب: نادى منادي الإيمان: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: 31].

أسمع والله لو صادف آذانًا واعية، وتبصر لو صادف قلوبًا من الفساد خالية، لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء؛ فأطفأت مصابيحها، وتمكنت في آراء الرجال، فأغلقت وأضاعت مفاتيحها، ران عليها كسبها، فلم تجد حقائق القرآن إليها منفذًا وتحكمت فيها أسقام الجهل، فلم تنتفع معها بصالح العمل([67]).

كتب الحسن إلى فرقد... أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والاستعداد لما وعد الله، مما لا حيلة لأحد في دفعه، ولا تنفع الندم عند نزوله، فأحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الجاهلين، وشمر الساق، فإن الدنيا ميدان مسابقة، الغاية: الجنة أو النار، فإن لي ولك من الله مقامًا، يسألني وإياك عنه: وساوس الصدر، ولحظ العيون، وإصغاء الإسماع، وما أعجز عنه([68]).

اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي

وغدًا تموت وترفع الأقلام

أخي التائب:

إن أصول المعاصي كلها، كبارها وصغارها، ثلاثة:

تعلق القلب بغير الله.

وطاعة القوة الغضبية.

والقوة الشهوانية.

وهي: الشرك، والظلم، والفواحش.

فغاية التعلق بغير الله: شرك، وأن يدعى معه إله آخر، وغاية طاعة القوة الغضبية: القتل، وغاية طاعة القوة الشهوانية: الزنى.

ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾([69]).

قال ابن عباس: يا صاحب الذنب! لا تأمن فتنة الذنب، وسوء عاقبة الذنب، ولتتبعك الذنب أعظم من الذنب إذا عملته.

أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء...؟

قال بندار يتحدث عن يحيى القطان: اختلفت إليه عشرين سنة، فما أظن أنه عصى الله قط([70]).

وقال عون بن عبد الله يحذرنا من طول الأمل: ما أحد ينزل الموت حق منزلته، إلا عد غدًا ليس من أجله، كم من مستقبل يومًا لا يستكمله، وراج غدًا لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره([71]) .

أخي المذنب -وكلنا كذلك-.. هيا نسارع إلى جنة عرضها السموات والأرض فيها: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10].

هبك عمرت مثل ما عاش نوح

ثم لاقيت كل ذلك يسارا

هل من الموت -لا أبا لك- بد

أي حي إلى سوى الموت صارا([72])

إن الحزن على الدنيا طويل، والموت في الإنسان قريب، وللنقص في كل يوم منه نصيب، وللبلاء في الجسم دبيب، فبادر قبل أن تنادى بالرحيل([73]).

قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدينا، ويهون مصائب فيها([74]).

قل للمفرط يستعد

ما من ورود الموت بد([75])

قال ابن الجوزي: تأملت وقع المعاصي من العصاة، فوجدتهم لا يقصدون العصيان، وإنما يقصدون موافقة هواهم، فوقع العصيان تبعًا.

فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بوقوع المخالفة؛ فإذا به ملاحظتهم لكرم الخالق، وفضله الزاخر، ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته، ما انبسطت كف بمخالفته([76]).

يا أيها المذنب المحصي جرائمه

لا تنس ذنبك واذكر منه ما سلفا

وتب إلى الله قبل الموت وانزجر عنه

يا عاصيًا واعترف إن كنت معترفًا([77])

قال رجل لداود الطائي: أوصني، قال: اتق الله، وبر والديك، ويحك... صم الدنيا، واجعل فطرك الموت، واجتنب الناس([78]).

وكان زياد بن جرير يقول: تجهزتهم؟ فسمعه رجل يقوم: ما يعني له بقوله تجهزتم؟ فيقول: تجهزتم للقاء الله تعالى([79]).

ألا أيها المغرور ما لك تلعب

تؤمل آمالاً وموتك أقرب

قال أويس القرني –رضي الله عنه- لبعض إخوانه: يا أخي: إذا نمت، فاذكر الموت، واجعله أمامك. وإذا قمت، فلا تنظر لصغر ذنبك، ولكن انظر إلى من عصيت.

أخي الحبيب:

الهمة العالية: من استعد صاحبها للقاء الرب –جل وعلا-..

سلك الطريق وأظمأ الهواجر.. وقام من الليل.. فإنها لحظات قادمة وآجال محدودة... وانظر يمنة ويسرة، لترى أين ذهب ذلك الفتى؟ وماذا أصابه؟ ومن فاجأه؟!

بينما الفتى مرح الخطا فرح بما

يسعى له إذ قيل: قد مرض الفتى

إذ قيل: بات ليلة ما نامها

إذ قيل: أصبح مثخنًا ما يرتجى

إذ قيل: أصبح شاخصًا وموجهًا

ومعللاً إذ قيل: أصبح قد قضى([80])

عن الحسن قال: ابن آدم.. السكين تحد، والكبش يعلف.. والتنور يسجر([81]).

فينبغي لك ذي لب وفطنة أن يحذر عواقب المعاصي، فإنه ليس بين الآدمي وبين الله تعالى قرابة ولا رحم، وإنما هو قائم بالقسط حاكم بالعدل، وإن كان حلمه يسع الذنوب، إلا أنه إذا شاء عفا، فعفا كل كثيف من الذنوب، وإذا شاء أخذ وأخذ باليسير.. فالحذر الحذر([82]).

وكان الحسن يقول: رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس..

ابن آدم! إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك([83]).

وقال عبد الله بن سميط: سمعت أبي يقول: أيها المغتر بطول صحته ! أما رأيت ميتًا قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول المهلة! أما رأيت مأخوذًا قط من غير عدة([84]

وما هي إلا ليلة بعد ليلة

ويوم إلى يوم وشهر إلى شهر

مطايا يقربن الجديد إلى البلى

ويدنين أشلاء الصحيح إلى القبر([85])

وحين سأل رجل عبد العزيز بن أبي رواد: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله في غفلة عظيمة عن الموت، مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي... راحل يسرع كل يوم في عمر... ومؤمل لست أدري على ما أهجم... ثم بكى([86]).

أخي الحبيب:

ترجو البقاء بدار لا ثبات لها

فهل سمعت بظل غير منتقل؟([87])

فالواجب على العقال أن يحذر مغبة المعاصي، فإن نارها تحت الرماد، وربما تأخرت العقوبة ثم فجأت، وربما جاءت مستعجلة، فليبادر بإطفاء ما أوقد من نيران الذنوب، ولا ماء يطفئ تلك النار إلا ما كان من دمع العين([88]).

قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في النار: أعالج أغلاها وسعيرها، وآكل من زقومها وأشرب من زمهريرها، فقلت: يا نفس! أي شيء تشتهين؟! قالت: أرجع إلى الدنيا، أعمل صالحًا عملا أنجو به من النار... من هذا العذاب ومثلت نفسي في الجنة: مع حورها وألبس من سندسها وإستبرقها وحريرها، فقلت: يا نفس! أي شيء تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، فأعمل عملاً أزداد من الثواب فقلت: أنت في الدنيا وفي الأمنية([89]).

مثل لنفسك أيها المغرور

يوم القيامة والسماء تمور

إذا كورت شمس النهار وأدنيت

حتى على رأس العباد تسير

 وإذا النجوم تساقطت وتناثرت

وتبدلت بعد الضياء كدور

وإذا البحار تفجرت من خوفها

ورأيتها مثل الجحيم تفور

وإذا الجبال تقلعت بأصولها

فرأيتها مثل السحاب تسير

وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت

وتقول للأملاك أين نسير([90])

ونحن في غفلة... تعجب منها مالك بن دينار بقوله: عجبًا لمن يعلم: أن الموت مصيره، والقبر مورده.. كيف تقر بالدنيا عينه؟ وكيف يطيب فيها عيشه([91]

ولما حضر الموت الحسن، دخل عليه رجال من أصحابه فقالوا له: يا أبا سعيد زودنا منك كلمات تنفعنا قال: إني مزودكم: ثلاث كلمات، ثم قوموا عني، ودعوني لما توجهت له، ما نهيتم من أمرفكونوا من أترك الناس له، وما أمرتم به من معروف فكونوا من أعمل الناس به، واعلموا أن خطاكم: خطوتان: خطوة لكم، وخطوة عليكم، فانظروا أين تغدون؟ وأين تروحون([92]

خطب عمر بن عبد العزيز فقال: أما بعد: فإن كنتم مؤمنين بالآخرة، فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين بها فأنتم هلكى([93]).

إن من نازعته نفسه إلى لذة محرمة، فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها، وسمع نداء العقل يناديه: ويحك لا تفعل... فإنك تقف عن الصعود، وتأخذ في الهبوط، ويقال لك: ابعد بما اخترت، فإن شغله هواه فلم يلتفت إلىما قيل له، لم يزل في نزول([94]).

قيل للشافعي –رحمه الله-: مالك تكثر من إمساك العصا، ولست بضعيف؟ قال: لأذكر أني مسافر([95]).

وكان عطاء السلمي يقول: رب ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحدتي، وطول مقامي غدًا بين يديك([96]).

أخي التائب:

إذا كثرت منك الذنوب فداوها

برفع يد في الليل والليل مظلم

ولا تقنطن من رحمة الله إنما

قنوطك منها في خطاياك أعظم

فرحمته للمحسنين كرامة

ورحمته للمسرفين تكرم([97])

 أضرار الذنوب

اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها، مثمرة للألم بعد انقضائها، فإذا اشتدت الداعية منك إليها، ففكر في انقطاعها، وبقاء قبحها وألمها، ثم وازن بين الأمرين، وانظر ما بينهما من التفاوت([98]).

قال عبد الله بن عباس: إن للحسنة: ضياء في الوجه ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القبر، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق([99]).

ومن آثار الذنوب والمعاصي ما قاله أبو الدرداء: ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم قال: تدرون مم هذا ؟ إن العبد يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر([100]).

والتعب -أخي الحبيب-: بالطاعة ممزوج بالحسن، مثمر للذة والراحة، فإذا ثقلت على النفس، ففكر في انقطاع تعبها، وبقاء حسنها ولذتها وسرورها، ووازن بين الأمرين، وآثر الراجح على المرجوح، فإن تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذة يهن عليك مقاساته وإن تألمت بترك اللذة المحرمة؛ فانظر إلى الألم الذي يعقبه، ووازن بين الألمين([101]).

وتفكر أخي الكريم في نتائج الذنب.. وما يسببه في قلبك وانظر إلى نور الحسنة، وأتبعها أختها.

قال أبو الحسن المزين: الذنب عقوبة الذنب، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة([102]).

فإن الذنوب والمعاصي تضر ولاشك، وضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور إلا سببها الذنوب والمعاصي؟

هذا ابن عباس يحذرنا من الذنوب والمعاصي، فيقول: لا تأمنن من سوء عاقبته، ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته([103]).

أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء؟

قال هشام بن حسان: كنت أمشي خلف العلاء بن زياد، فكنت أتوقى الطين، قال فدفعه إنسان فوقعت رجله في الطين فخاضه فلما وصل إلى الباب وقف فقال: رأيت يا هشام؟ قلت: نعم، قال: كذلك المرء المسلم يتوقى الذنوب، فإذا وقع فيها خاضها([104]).

والعبد لا يريد بمعصيته مخالفة سيده، ولا الجرأة على محارمه، ولكن غلبات الطبع، وتزيين النفس والشيطان، وقهر الهوى، والثقة بالعفو، ورجاء المغفرة، هذا من جانب العبد، وأما من جانب الربوبية: فجريان الحكم وإظهار عز الربوبية، وذل العبودية، وكمال الاحتياج، وظهور آثار الأسماء الحسنى: كالعفو والغفور والتواب والحليم، لمن جاء تائبًا نادمًا والمنتقم والعدل وذي البطش الشديد لمن أصر ولزم المجرة.

فهو سبحانه يريد أن يري عبده تفرده بالكمال، ونقص العبد وحاجته إليه، ويشهده كمال قدرته وعزته، وكمال مغفرته وعفوه، ورحمته، وكمال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه، وأن رحمته به إحسان إليه لا معارضة، وأنه إن لم يتغمده برحمته وفضله فهو هالك لا محالة.

فلله كم في تقدير الذنب من حكمة وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد من مصلحة ورحمة([105]).

قال سليمان التيمي: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه مذلته.

أخي التائب:

وإن امرءًا لم يصف لله قلبه

لفي وحشة من كل نظرة ناظر

وإن امرءًا لم يرتحل ببضاعة

إلى داره الأخرى فليس بتاجر

وإن امرءًا ابتاع دنيا بدينه

لمنقلب منها بصفقة خاسر

والتوبة من الذنب: كشرب الدواء للعليل، ورب علة كانت سبب الصحة([106]).

اعلموا إخواني! أن للذنوب تأثيرات قبيحة، مرارتها تزيد على حلاوتها أضعافًا مضاعفة، والمجازي بالمرصاد لا يسبقه شيء ولا يفوته.

والذنوب كما قيل: جراحات، ورب جرح وقع في مقتل([107]).

فرب جرح قتل ورب عثرة أهلكت.. ورب فارط لا يستدرك .

كان الحسن([108]) يقول إذا قرأ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.

يقول: ابن آدم ما كان في غدوة أو روحة ما تصبر على المعصية([109]).

إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى

إلى بعض ما فيه عليك مقال


 نُصح المذنب

سأل رجل ابن مسعود عن ذنب ألم به... هل له من توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود ثم التفت إليه فرأى عينيه تذرفان، فقال له: إن للجنة ثمانية أبواب: كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة، فإن عليه ملكًا موكلاً به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس([110]).

أخي الكريم: كلنا أصحاب ذنوب وخطايا، ولكن خيرنا من يسارع إلى التوبة.. تحثه الخطى وتسرع به الدمعة، ويعينه أهل الخير...رفقاء الدنيا والآخرة.

عن أبي قلابة، أن أبا الدرداء مرعلى رجل قد أصاب ذنبًا، فكانوا يسبونه فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله -عز وجل- الذي عافاكم، قالوا: أفلا نبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي([111]).

وكان رجل على حال حسنة فأحدث حدثًا أو أذنب ذنبًا فرفضه أصحابه ونبذوه، فبلغ إبراهيم النخعي، فقال: تداركوه وأعطوه ولا تدعوه([112]).

من واجب المحبة والنصيحة عدم ترك العاصي يستمر في معصيته بل يحاط بإخوانه، ويذكر ولا يهمل فيزل ويطرق أبوابًا أخرى... وهنا يكمن الأخ المخلص والصديق الوفي.. يحوطه قبل أن تزل قدمه وتهوي.

قال رجاء بن حيوة لرجلين وهو يعظهما: انظرا الأمر الذي تحبان أن تلقيا الله –عز وجل- فخذا فيه الساعة، وانظرا الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله –عز وجل- عليه فدعاه الساعة([113]).

فلله در قوم بادروا الأوقات، واستدركوا الهفوات، فالعين مشغولة بالدمع عن المحرمات، واللسان محبوس في سجن الصمت عن الهلكات، والكف قد كفت بالخوف عن الشهوات، والقدم قد قيدت بقيد المحاسبات، والليل لديهم يجأرون فيه بالأصوات، فإذا جاء النهار قطعوه بمقاطعة اللذات، فكم من شهوة ما بلغوها حتى الممات، فتيقظ للحافهم من هذه الرقدات، ولا تطمعن في الخلاص مع عدم الإخلاص في الطاعات، ولا تؤملن النجاة وأنت مقيم على الموبقات.

شمر عسى أن ينفع التشمير

وانظر بفكرك ما إليه تصير

طولت آمالاً تكنفها الهوى

ونسيت أن العمر منك قصير

قد أفصحت دنياك عن غدراتها

وأتى مشيبك والمشيب نذير

دار لهوت بها زهوًا متمتعًا

ترجو المقام بها وأنت تسير([114])

أخي الحبيب: اشتر نفسك اليوم فإن السوق قائمة، والثمن موجود والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير... ذلك يوم التغابن –يوم يعض الظالم على يده-.

ويا أخي:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى

وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله

وأنك لم ترصد كما كان أرصدا([115])


 نماذج من المحافظة على الأعمار

الأعمار تطوى والمراحل تقضى.. وهي أيام تمر مر السحاب... إذا فات يوم لم نستطع تداركه وإذا زال نهار أقبل ليل جديد.

كان يزيد الرقاشي يقول لنفسه: ويحك يا يزيد!!! من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله([116])؟!!

وهذا ميمون بن مهران، يرفع صوته بنداءات حارة، فيقول لجلسائه: يا معشر الشيوخ ما ينتظر بالزرع إذا ابيض؟ قالوا: الحصاد، فنظر إلى الشباب، فقال: يا معشر الشباب إن الزرع قد تدركه الآفة قبل أن يستحصد.

أخي الحبيب... البدار البدار:

وما مضى الشباب بمسترد

ولا يوم يمر بمستعاد


ويا أخي:

دع عنك ما قد فات في زمن الصبا

واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب

واخش مناقشة الحساب فإنه

لابد محص ما جنيت ويكتب

لم ينسه الملكان حين نسيته

بل أثبتاه وأنت لاه تلعب([117])

أخي:

إنما فضل العقل بتأمل العواقب، فأما قليل العقل؛ فإنه يرى الحال الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها... فإن اللص يرى أخذ المال، وينسى قطع اليد، والبطال يرى لذة الراحة وينسى ما تجني من فوات العلم وكسب المال، فإذا كبر فسئل عن علم لم يدر، وإذا احتاج سأل فذل، فقد أربى ما حصل من التأسف على لذة البطالة. ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا.

قس على هذه وانتبه للعواقب، ولا تؤثر لذة تفوت خيرًا كثيرًا وصابر المشقة تحصل ربحًا وافرًا([118]).

قال عبد العزيز بن أبي رواد لرجل: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء... الإسلام والقرآن والمشيب([119]).

ألم تك منهاة عن الزهو أنني

بدا لي شيب الرأس والضعف والألم؟

ألم بي الخطب الذي لو بكيته

حياتي حتى ينفذ الدمع لم أُلَمْ([120])

قال أبو عبد الله القرشي: سيروا إلى الله تعالى عرجًا ومكاسير فإن انتظار الصحة بطالة([121]).

وقال بعضهم: أكثر من يموت الشباب وآية ذلك أن الشيوخ في الناس قليل.. فكن -أخي- على حذر من أن يفجأك من لم تستعد له... فتمسي في قبرك بدون زاد... فإن:

سبيلك في الدنيا سبيل مسافر

ولابد من زادٍ لكل مسافر

ولابد للإنسان من حمل عدة

ولاسيما إن خاف سطوة قاهر([122])

قف يا أخي! حاسب نفسك وكن مثل محمد بن الفضل عندما قال: ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله –عز وجل-([123]).

وهذا خارجة بن مصعب يقول: صحبت عبد الله بن عوف أربعًا وعشرين سنة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة([124]).

أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء؟

تمر أيامنا وتنقص أعمارنا ونحن لا نزال في غفلاتنا.. نسوف في التوبة... ونلمح سراب الأمل... وقد قال أبو سليمان الداراني: من كان يومه مثل أمس فهو في نقصان.

وكيف لا يكون في نقصان، وهو يقترب نحو منيته... ويسير إلى نهايته... وهو في تقصير متتابع ولهو، ووقت ضائع.

وحين عوتب عطاء السليمي في الرفق بنفسه قال: أتأمرونني بالتقصير، والموت في عنقي والقبر بيتي، وجهنم أمامي...

ولا أدري ما يصنع بي ربي –عز وجل-([125]).

المرء تأكله الليالي

كأكل الأرض ساقطة الحديد([126])

قال سعيد بن جبير: إن بقاء المسلم كل يوم غنيمة فذكر الفرائض والصلوات وما يرزقه الله من ذكره([127]).

وقال ميمون بن مهران: لا خير في الدنيا إلا لرجلين، رجل تائب، ورجل يعمل في الدرجات([128]).

قال ابن الجوزي:

تذكرت في سبب دخول جهنم، فإذا هو المعاصي.. فنظرت في المعاصي، فإذا هي حاصلة في طلب اللذات، فنظرت في اللذات، فرأيتها خدعًا ليست بشيء، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيرها نغصًا فتخرج عن كونها لذات.

فكيف يتبع العاقل نفسه، ويرضى بجهنم لأجل هذه الأكدار؟

وهي ليست بكثير شيء فكيف تباع الآخرة بمثل هذه([129])؟.

ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له

من الله في دار المقام نصيب

فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنه

متاع قليل والزوال قريب

قال رياح القيس: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة([130]).

كثرت ذنوبنا فلم نحصها...وقلت ذنوبهم فعرفوها.

قال أبو إسحاق القرشي: كتب إلي أخي من مكة... يا أخي! إن كنت تصدقت بما مضى من عمرك على الدنيا، وهو الأكثر، فتصدق بما بقي من عمرك على الآخرة، وهو الأقل([131]).

وفي حديث لتحريك الهمم وشحذ النفوس، قال السري: يا معشر الشباب! جدوا قبل أن تبلغو مبلغي فتضعفوا، وتقصروا كما قصرت... وكان -رحمه الله- في ذلك الوقت لا تلحقه الشباب إلى العبادة.

وكان العلاء بن زياد يقول: ينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه -عز وجل- فأقاله... فليعمل بطاعة الله –عز وجل-.

ونحن -يا أخي- -أقالنا الله- عز وجل- وأمد في أعمارنا...

وفتح لنا باب التوبة... والإنابة والأوبة... فماذا بقي...؟ إنها محاسبة النفس، والجد في الطاعة، والإسراع في التوبة.

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

درج الجنان وطيب عيش العابد

ونسيت أن الله أخرج آدم

منها إلى الدنيا بذنب واحد([132])

رأيت من نفسي عجبًا... تسأل الله –عز وجل- حاجاتها، وتنسى جناياتها.. نحرص على جمع الدنيا وحطامها وهي سنوات محدودة... ولهونا عن الآخرة وهي الحياة الأبدية، قال رجل لأبي حازم: أوصني قال: كل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة فالزمه، وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه([133]).

وقال الحسن وهو يحكي حالنا: إن المؤمن لا يصبح إلا خائفًا... ولا يصلح إلا ذاك، لأنه بين ذنبين... ذنب مضى لا يدري كيف يصنع الله فيه، وأجل أو قال آخر... لا يدري ما كتب عليه فيه.

وقال -رحمه الله-: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث:

أنه لم يتمتع بما جمع، ولم يدرك ما أمل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه([134]).

قال ابن الجوزي:

رأيت الخلق كلهم في صف محاربة، والشياطين يرمونهم بنبل الهوى ويضربونهم بأسياف اللذة.

فأما المخلطون فصرعى من أول وقت اللقاء.

وأما المتقون ففي جهد جهيد من المجاهدة، فلا بد مع طول الوقوف في المحاربة من جراح، منهم يجرحون ويداوون، إلا أنهم من القتل محفوظون، بلى إن الجراحة في الوجه شين باق، فليحذر ذلك المجاهدون([135]).

مضى أمسك الأدنى شهيدًا معدلاً

ويومك هذا بالفعال شهيد

فإن تك بالأمس اقترفت إساءة

فثن بإحسان وأنت حميد

 ولا ترج فعل الخير منك إلى غد

لعل غدًا يأتي وأنت فقيد([136])

أخي الحبيب: قس نفسك، وانظر ماذا يهمك في هذه الدنيا؟ آمالك وطموحاتك ما هي؟ أهي حطام الدنيا أم جنة عرضها السموات والأرض؟! وانظر ما يهمك من أمر، أهو للآخرة أم للدنيا؟ فقد قال الجنيد بن محمد: علامة إعراض الله عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه([137]).

فلا تشغلك الدنيا بزينتها وزخرفها فإننا:

نسير إلى الآجال في كل لحظة

وأيامنا تطوى وهن مراحل

ولم أر مثل الموت حقًا كأنه

إذا ما تخطته الأماني باطل

 وما أقبح التفريط في زمن الصبا

فكيف والشيب للرأس شاغل؟

فارحل من الدنيا بزاد من التقى

فعمرك أيام وهن قلائل

الإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه، وعمل بمرضاته، وآثره على هواه، وشر المخلوقات إذا تباعد عنه، ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته فمتى اختار التقرب إليه، وآثره على نفسه وهواه فقد حكم قلبه وعقله وإيمانه على نفسه وشيطانه، وحكم رشده على غيه، وهداه على هواه، ومتى اختار التباعد منه فقد حكم نفسه وهواه وشيطانه على عقله وقلبه ورشده([138]).

عن مسرور بن الأجدع قال: إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها يتذكر ذنوبه ويستغفر منها([139]).

وقد كان ابن أبي ذئب الإمام يجتهد في العبادة، ولو قيل له: إن القيامة تقوم غدًا ما كان فيه مزيد اجتهاد([140]).

أيأسوني لما رأوا من ذنوبي

أتراهم هم الغفور الرحيم؟

اتركوني وإن تعاظم ذنبي

إنما يغفر العظيمَ العظيمَ([141])

تأملت في الخلق وإذا هم في حالة عجيبة، ويكاد يقطع منها بفساد العقل، وذلك أن الإنسان يسمع المواعظ، وتذكر له الآخرة، فيعلم صدق القائل، فيبكي وينزعج على تفريطه، ويعزم على الاستدراك، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم عليه.

فإذا قيل له: أتشك فيما وعدت به؟ قال: لا والله، فيقال له: فاعمل فينوي ذلك، ثم يتوقف عن العمل، وربما مال إلى لذة محرمة وهو يعلم النهي عنها([142]).

قال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة([143]).

أخي التائب: الحذر الحذر من المعاصي.. فإن عواقبها سيئة، وكم من معصية لا يزال صاحبها في هبوط أبدًا مع تعثير أقدامه وشدة فقره، وحسراته على ما يفوته من الدنيا، وحسرة لمن نالها.

فالله الله في تجويد التوبة عساها تكف كف الجزاء.. والحذر الحذر من الذنوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر وقد أصلح لك أحوال العلانية.

ولا تغتر بستره، فربما يجذب عن عورتك، ولا بحلمه فربما بغت العقاب، وعليك بالقلق واللجوء إليه والتضرع([144]).


 صور من التوبة

قوافل التائبين تسير... وجموع المنيبين تقبل وباب التوبة مفتوح ودعوة تتلى من آيات القرآن الكريم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

دموع التائبين صادقة، وقلوبهم... منخلعة.. يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار.

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: اجلسوا إلى التوابين، فإنهم أرق أفئدة([145]).

وذكر أن الفضيل بن عياض كان شاطرًا في قطع الطريق، وكان يتعشق جارية، فبينما هو ذات ليلة يتسور عليها جدارًا إذ سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فقال: بلى، فتاب وأقلع عما كان عليه، ورجع إلى خربة، فبات بها، فسمع سفارًا يقول: خذوا حذركم، إن فضيلاً أمامكم يقطع الطريق، فأمنهم واستمر على توبته، حتى كان منه ما كان من السيادة والعبادة والزهادة، ثم صار علمًا يقتدى به، ويهتدى بكلامه وفعاله([146]).

خل الذنوب صغيرها

وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أر

ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة

إن الجبال من الحصى([147])

قال إبراهيم بن بشار: قلت لإبراهيم بن أدهم: كيف كان بدء أمرك؟ قال: غير ذا أولى بك، قال: قلت: أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يومًا، قال: كان أبي من الملوك المياسير، وحبب إلينا الصيد، فركبت، فثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي، فسمعت نداءً من ورائي: ليس لذا خلقت، ولابذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدًا فقلت: لعن الله إبليس ثم حركت فرسي، فأسمع نداء أجهر من ذلك: يا إبراهيم ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر فلا أرى أحدًا، فقلت: لعن الله إبليس، فأسمع نداء من قربوس (حنو الفرس) سرجي بذاك، فقلت: انبهت، انبهت، جاني نذير، والله لا عصيت الله بعد يومي ما عصمني الله، فرجعت إلى أهلي، فخليت فرسي، ثم جئت إلى رعاة لأبي، فأخذت جبة كساء، وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق، فعملت بها أيامًا، فلم يصف لي منها الحلال، فقيل لي: عليك بالشام.

في الذاهبين الأولـ

ين من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردًا

للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها

يسعى الأصاغر والأكابر

لا يرجع الماضي إلي

ولا من الباقين غابر

أيقنت أني لا محا

لة حيث صار القوم صائر([148])

قال سلام بن أبي مطيع: كن لنعمة الله عليك في دينك، أشكر منك لنعمة الله لعليك في دنياك([149]).

وقالت عائشة -رضي الله عنها- إنكم لن تلقوا الله بشيء خير لكم من قلة الذنوب فمن سره أن يسبق الدائب المجتهد، فليكف نفسه عن كثرة الذنوب([150]).

أخي الحبيب: عليك بلزوم الطريق والسير على الجادة

واتق الله فتقوى ما

جاوزت قلب امرئ إلا وصل

ليس من يقطع طرقًا بطلاً

إنما من يتق الله البطل

كان الحسن يقول: نضحك ولعل الله قد اطلّع على بعض أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئًا([151]).

فالدنيا خداعة غدارة... ترى منها الحسن... فتلهيك عن الدار الآخرة... ثم يفجأك الموت على حين غفلة من أمرك...

فلا تغرنك الدنيا وزينتها

وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها

هل راح منها بغير الزاد والكفن([152])

وتأمل –أخي- في قول الحسن: المؤمن من علم أن ما قال الله كما قال، والمؤمن: أحسن الناس عملاً، وأشد الناس وجلاً، فلو أنفق جبلاً من مال، ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحًا وبرًا إلا ازداد فرقًا، والمنافق يقول: سواد الناس كثير وسيغفر لي، ولا بأس علي، فيسيئ العمل ويتمنى على الله([153]).

وكان الربيع بن خثيم يقول لأصحابه: تدرون ما الداء، والدواء، والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء: الذنوب، والدواء: الاستغفار والشفاء: أن تتوب ثم لا تعود([154]).

أخي الحبيب: جهاد النفس يحتاج إلى: صبر، ومثابرة، وخوف، ووجل، ورجاء، وأمل... لا يتهاون بالصغائر، ولا تؤتى الكبائر.

قال عمرو بن مرة: نظرت إلى امرأة فأعجبتني، فكف بصري فأرجو أن يكون ذلك كفارة([155]).

أين نحن من هؤلاء؟!

أين من يطلق بصره على محارم الله؟! من يتتبع الخطوات ويلحظ المسلمات بعين شرهة.. لا يكف بصره ولا يخاف ربه.

تنفى اللذاذة ممن نال صفوتها

من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها

لا خير في لذة من بعدها النار

قال أبو حازم سلمة بن دينار في نصيحة أخوية صادقة: انظر إلى الذي تحب أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك ثم فاتركه اليوم([156]).


أخي المسلم:

إذا ما خلوت يومًا فلا تقل

خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ما مضى

ولا أن ما تخفى عليه يغيب

لهونا عن الأيام حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب

قال مالك بن دينار -رحمه الله-: رأيت في البادية في يوم شديد البرد شابًا عليه ثوبان خلقان، وعليه آثار الدعاء وأنوار الإجابة، فعرفته، وكنت قبل ذلك عهدته في البصرة: ذا ثروة، وحسن حال، وكان ذا مال، وآمال.

قال: فبكيت لما رأيته على تلك الحال، فلما رآني بكى وبدأني بالسلام، وقال لي: يا مالك بن ينار! ما تقول في عبد أبق من مولاه؟ فبكيت لقوله بكاء شديدًا، وقلت له: وهل يستطيع المسكين ذلك؟ البلاد بلاده، والعباد عباده، فأين يهرب؟

فقال: يا مالك سمعت قارئًا يقرأ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. فأحسست في الحال بنار وقعت بين ضلوعي، فلا تخمد، ولا تهدأ من ذلك اليوم، يا مالك... أتراني أرحم وتطفأ هذه الجمرة من قلبي؟

فقلت له: أحسن الظن بمولاك، فإنه غفور رحيم، ثم قلت له: إلى أين؟ قال: إلى مكة شرفها الله تعالى لعلي ممن أكون إذا التجأ إلى الحرم استحق مراعاة الذمم.

قال مالك: ففارقني ومضى، فتعجبت من وقوع الموعظة منه موقعها، وما تأجج بين جنبيه من نار التيقظ والإنابة، وما حصل عليه من صدق القبول وحسن الاستماع([157]).

فحي على جنات عدن فإنها

منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى

نعود إلى أوطاننا ونسلم([158])

أخي... طال بنا الأمل... ومضى بنا التسويف... فماذ ننتظر لنتوب؟

وحالنا وتسويفنا حكاه أبو حازم بقوله:

نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت([159]).

لهونا الأيام حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب

فياليت أن يغفر الله ما مضى

ويأذن لي في توبة فأتوب([160])

قال يونس بن سليمان البلخي: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم والجنائب والبزاة، فبينما إبراهيم في ذلك اليوم وهو على فرسه يركضه، إذا بصوت من فوقه... يا إبراهيم ما هذا العبث؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. اتق الله وعليك بالزاد ليوم الفاقة.

قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة([161]).

وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟! تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فمن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلة؟

قال: يسيرة... تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى وما بقي([162]).

أرأيت -أخي- هذا الفضل العظيم والإحسان الجزيل... فالتوبة تجب ما قبلها.

بلغت من عمري ثمانينًا

وكنت لا آمل خمسينًا

فالحمد لله وشكرًا له

إذ زاد في عمري ثلاثينًا

وأسأل الله بلوغًا إلى

مرضاته آمين آمينًا([163])

قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية –خلاًّ لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك بن مروان وتصدع عن قبره، وقف عليه فقال: أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك- وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من غير ثوبين، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين، ثم انكفأ إلى الله، واجتهد في العبادة، حتى صار كأنه شن بال، فدخل عليه بعض أهله، فعاتبه في نفسه وإضراره بها، فقال للقائل: أسألك عن شيء تصدقني عنه قال: نعم، قال: أخبرني عن حالتك التي أنت عليها، أترضاها لنفسك؟ قال: اللهم لا، قال: أفعزمت على الانتقال منها إلى غيرها؟ قال: ما انتصحت رأيًا في ذلك، قال: أفتأمن أن يأتيك الموت على حالك التي أنت عليها؟ قال: اللهم لا.

قال: حال ما أقام عليها عاقل، ثم انكفأ إلى مصلاه.

لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا

وبت أشكو إلى مولاي ما أجد

وقلت: يا أملي في كل نائبة

ومن عليه لكشف الضر أعتمد

أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها

مالي على حملها صبر ولا جلد

وقد مددت يدي بالذل مبتهلاً

إليك يا خير من مدت إليه يد

فلا تردنها يا رب خائبة

فبحر جودك يروي كل من يرد([164])

دخل لص على مالك بن دينار فما وجد ما يأخذ، فناداه مالك: لم تجد شيئًا من الدنيا، فترغب في شيء من الآخرة؟ قال: نعم، قال: توضأ، وصل ركعتين، ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد، وخرج، فسئل: من ذا؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه([165])!!

قال مطرف بن عبد الله: لأن أبيت نائمًا، وأصبح نادمًا: أحب إلي من أن أبيت قائمًا، وأصبح معجبًا([166]).

نسير إلى الله في توبة صادقة وبقلب وجل، عسى الله أن يرحمنا.

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن

فمن الذي يدعو ويرجو المجرم؟

أدعوك رب كما أمرت تضرعًا

فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟

مالي إليك وسيلة إلا الرجا

وجميل عفوك ثم إني مسلم([167])

أخي... أين نحن من تذكر ذنوبنا وأن ما أصابنا هو بسبب ذنوبنا؟! فقد أغلظ رجل لوكيع بن الجراح، فدخل بيته، فعفر وجهه في التراب، ثم خرج إلى الرجل فقال: زد وكيعًا بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه([168]).

وقال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل به علي الدين ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس([169]).

رحمهم الله –لقلة ذنوبهم- عرفوا من أن يؤتون... ونحن لكثرة ذنوبنا لا نحصي... ولا نتذكر..!!

قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: قلت ليزيد بن مرثد: مالي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله أن ينفعني به، قال: يا أخي إن الله قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حريًا أن لا تجف لي عين، فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه، قلت: عسى الله أن ينفعني به، فقال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي، فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام وبين يدي، فيعرض لي، فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا([170]).

قدم لنفسك في الحياة تزودًا

فلقد تفارقها وأنت مودع

واهتم للسفر القريب فإنه

أنأى من السفر البعيد وأشسع

واجعل تزودك المخافة والتقى

وكأن حتفك من مسائك أسرع([171])

قال ابن سيرين: إذا أراد الله -عز وجل- بعبده خيرًا جعل له واعظًا من قلبه يأمره وينهاه([172]).

أخي الحبيب:

خذ من شبابك قبل الموت والهرم

وبادر التوب قبل الفوت والندم

واعلم بأنك مجزيٌ ومرتهن

وراقب الله واحذر زلة القدم([173])

القلوب التائبة منكسرة بين يدي الله... تسبقها الدمعة... ويحدوها عفو الله وسعة كرمه، وهي قلوب قال عنها عوف بن عبد الله: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب([174]).

وقال الفضيل بن عياض: كل حزن يبلى إلا حزن التائب([175]).

إلهي لا تعذبني فإني

مقر بالذي قد كان مني

ومالي حيلة إلا رجائي

وعفوك إن عفوت وحسن ظني

وكم من زلة لي في الخطايا

وأنت عليَّ ذو فضل ومنِّ

يقول ابن الجوزي:

ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه، وإن تاب منها، وبكى عليها، وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي، الخجل من فعلها.

فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلاً.

وهذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد، لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة، وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل([176]).

قال سلمان الفارسي: إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية، فأحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه بهذه([177]).

أخي المسلم:

من نعم الله علينا أن طريق التوبة مفتوح... ليس عليه حجاب ولا دونه أبواب.

إنه باب: أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، غافر الذنب، وقابل التوب..

قال أحمد بن عاصم الأنطاكي: هذه غنيمة باردة، أصلح ما بقي من عمرك، يغفر لك ما مضى([178]).

فالحمد لله الذي أمهلنا ومن العيوب سترنا.. وإلى بابه باب التوبة سيرنا..

قدم لنفسك توبة مرجوة

قبل الممات وقبل حبس الألسن([179])

قال بعض السلف: كان داود –عليه السلام- بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينيه ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينيه فيستغفر الله ويتوب إليه منها([180]).

وقال مالك بن دينار: إن البدن إذا سقم لم ينجع فيه: طعام ولا شراب، ولا نوم، ولا راحة، وكذلك القلب إذا علقه حب الدنيا لم تنجع فيه الموعظة([181]).

أخي:

أقبل على صلواتك الخمس

كم مصبح وعساه لا يمسي

واستقبل اليوم الجديد بتوبة

تمحو ذنوب صحيفة الأمس

فليفعلن بوجهك الغض البلى

فعل الظلام بصورة الشمس([182])

إذا عزم العبد على السفر إلى الله -تعالى- وإرادته عرضت له الخوادع والقواطع، فينخدع أولاً: بالشهوات، والرياسات والملاذ، والمناكح والملابس، فإن وقف معها انقطع، وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في طلبه، ابتلي بوطء عقبه، وتقبيل يده، والتوسعة له في المجلس، والإشارة إليه بالدعاء، ورجاء بركته، ونحو ذلك، فإن وقف معه، انقطع به عن الله، وكان حظه منه، وإن قطعه ولم يقف معه ابتلي: بالكرامات، والكشوفات فإن وقف معها، انقطع بها عن الله وكان حظه، وإن لم يقف معها ابتلي: بالتجريد، والتخلي، ولذة الجمعية، وعزة الوحدة، والفراغ من الدنيا، فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود([183]).

وطريق التائب طريق فيه مشقة، وتحفه المزالق والشهوات، ولكنه يسير إلى رب غفور كريم.

الحسنة عنده بعشرة أمثالها، أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان، والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات والأرض إلى آخر الزمان، إن ربنا لغفور شكور.. بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار، وسماء عطاء لا تقلع عن الغيث بل هي مدرار ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار... إن ربنا لغفور شكور([184]).

أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته، التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها، وأشكر للقليل من جميع خلقه، فمن تقرب إليه بمثقال ذرة من الخير شكرها وحمدها إن ربنا لغفور شكور([185]).

يا من يجيب دعاء المضطر في الظلم

يا كاشف الضر والبلوى من السقم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا

وأنت يا حي يا قيوم لم تنم

هب لي بجودك ما أخطأت من جرم

يا من إليه أشار الخلق بالكرم

إن كان عفوك لم يسبق لمجترم

فمن يجود على العاصين بالنعم([186])

ألقى الله –سبحانه-

العداوة بين الشيطان وبين الملك، والعداوة بين العقل وبين الهوى، والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب، وابتلى العبد بذلك وجمع له بين هؤلاء، وأمد كل حزب بجنود وأعوان، فلا تزال الحرب سجالاً([187]).

فشمر –أخي الحبيب- عن همتك.. وبادر نفسك.. فإننا كما قال معاذ بن جبل: إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه([188]).

تفكرت في حشري ويوم قيامتي

وإصباح خدي في المقابر ثاويا

فريدًا وحيدًا بعد عز ومنعة

رمينا بجرمي والتراب وساديًا

تفكرت في طول الحساب وعرضه

وذل مقامي حين أعطى حسابيا

ولكن رجائي فيك ربي وخالقي

بأنك تعفو يا إلهي خطائيا

والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه.. ليحصل له بذلك من تكميل العبودية والتضرع، والخشوع لله والإنابة إليه، وكمال الحذر في المستقبل والاجتهاد في العبادة ما لم يحصل بدون التوبة، كمن ذاق الجوع والعطش، والمرض والفقر والخوف، ثم ذاق الشبع والري والعافية والغنى والأمن، فإنه يحصل له من المحبة لذلك وحلاوته ولذته، والرغبة فيه وشكر نعمة الله عليه، والحذر أن يقع فيما حصل أولاً مالم يحصل بدون ذلك([189]).

عاد حماد بن سلمة سفيان الثوري، فقال سفيان: يا أبا سلمة أترى الله يغفر لمثلي؟ فقال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي، لأخذت محاسبة الله، وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي.

قال خالد بن معدان مهيبًا لاغتنام الفرص واستثمار الأوقات: إذا فتح لأحدكم باب خير، فليسرع إليه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه([190]).

إذا هبت رياحك فاغتنمها

فإن لكل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها

فما تدري السكون متى يكون

وإن درت نياقك فاحتلبها

فماتدري الفصيل لمن يكون([191])

قال يحيى بن معاذ: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددت طريقها بالذنوب([192]).

الله يغضب إن تركت سؤاله

وابن آدم حين يسأل يغضب([193])

يا أرحم الراحمين نرفع أيدي التوبة... ونستغفرك من كل ذنوبنا فنحن من التائبين العائدين.. قلوب تخفق وعيون تدمع.

أسير الخطايا عند بابك يقرع

يخاف ويرجو الفضل فالفضل أوسع

مقر بأثقال الذنوب ومكثر

ويرجوك في غفرانها فهو يطمع

فإنك ذو الإحسان والجود والعطا

لك المجد والأفضال والمن أجمع

فكم من قبيح قد سترت عن الورى

وكم نعم تترى علينا وتتبع

ومن ذا الذي يرجى سواك ويتقى

وأنت إله الخلق ما شئت تصنع؟([194])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الذي يضر صاحبه هو مالم يحصل منه توبة، فأما ما حصل منه توبة، فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة، كما قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة أحسن منه حالاً قبل الخطيئة، ولو كانت التوبة من الكفر والكبائر، فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليقة بعد الأنبياء، وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب، ولم يكن ما تقدم قبل التوبة نقصًا ولا عيبًا، بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات كانوا أعظم إيمانًا، وأقوى عبادة وطاعة ممن جاء بعدهم، فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها([195]).

والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب:

أحدها: أن يتوب توبة نصوحًا ليتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الثاني: أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له.

الثالث: أن يعمل حسنات يمحوها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.

الرابع: أن يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعون له حيًا وميتًا.

الخامس: أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.

السادس: أن يشفع فيه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

السابع: أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب في نفسه وماله وأولاده وأقاربه ومن يحب ونحو ذلك.

الثامن: أن يبتليه في البرزخ بالفتنة والضغطة وهي عصر القبر، فيكفِّر بها عنه.

التاسع: أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفِّر عنه.

العاشر: أن يرحمه أرحم الراحمين.

فمن أخطأته هذه العشرة، فلا يلومن إلا نفسه، كما قال تعالى في الأحاديث الإلهيات: «إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»([196]).

يا أهل لذة لهو لا تدوم لهم

إن المنايا تبيد اللهو واللعب

كم من رأيناه مسرورًا بلذته

أمسى فريدًا من الأهلين مغتربًا([197])

قال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم، قلع الأحجار أهون عليه من ترك الأوزار([198]).

أخي الحبيب: الأيام تمر والساعات تسير، ونحن في رحلة إلى الدار الآخرة قد بدأت، فوقتك هو رأس مالك، فإضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.

كيف -يا أخي- يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟([199]).

أخي الحبيب:

فياليت أن الله يغفر ما مضى

ويأذن في توباتنا فنتوب([200])

أخي المسلم:

وأنت في طريق التوبة تلمس علامات صحة التوبة في أمور خمسة:

أولاً: أن يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها.

ثانيًا: أن لا يزال الخوف مصاحبًا له، لا يأمن مكر الله طرفة عين، فخوفه مستمر إلى أن يسمع البشرى تأتيه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30].

ثالثًا: انخلاع قلبه، وتقطعه، ندمًا وخوفًا، وهذا على قدر عظم الذنب.

رابعًا: انكسار وذل، وخضوع بين يدي الله.

خامسًا: الازدياد في الأعمال الصالحة والمداومة عليها.

قال يحيى بن معاذ: للتائبين فخر لا يعادله فخر، فرح الله بتوبتهم.

أخي الحبيب:

حان وقت التوبة والرجوع... والإيمان والخشوع والندم والدموع فاسكب العبرات، وادع رب الأرض والسموات..

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي نحو بابك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته

بعفوك ربي كان عفوك أعظما


 الخاتمة

ختم الكتاب بباب في سعة رحمه الله -تعالى- على سبيل التفاؤل بذلك.

فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الفأل وليس لنا من الأعمال ما نرجو به المغفرة، فنقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التفاؤل، ونرجو أن يختم عاقبتنا بالخير في الدنيا والآخرة كما ختمنا الكتاب بذكر رحمة الله –تعالى- فقد قال الله –تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ونحن نستغفر الله -تعالى- من كل ما زلت به القدم أو طغى به القلم، ونستغفره من أقوالنا التي لا توافقها أعمالنا، ونستغفره من كل علم وعمل قصدنا به وجهه الكريم ثم خالطه غيره، ونستغفره من كل وعد وعدنا به من أنفسنا ثم قصرنا في الوفاء به، ونستغفره من كل نعمة أنعم بها علينا فاستعملناها في معصيته، ونستغفره من كل تصريح وتعريض بنقصان ناقص وتقصير مقصر كنا متصفين به، ونستغفره من كل خطرة دعتنا إلى تصنع وتكلف تزينًا للناس بها([201]).

أخي الحبيب:

جعلني الله وإياك من أهل التوبة والعودة والرجوع والأوبة..

وجمعني وإياك ووالدينا وأحبابنا في جنات عدن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.



([1]) رواه مسلم.

([2]) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم.

([3]) رواه ابن ماجه والطبراني.

([4]) رواه البخاري.

([5]) واحات الإيمان: 1/125.

([6]) الزهد: للإمام أحمد، 242.

([7]) التذكرة: 475.

([8]) جامع العلوم: 195، حلية الأولياء: 8/142.

([9]) الفوائد: 128.

([10]) صفة الصفوة: 2/516.

([11]) الزهد للبيهقي 9.

([12]) الفوائد: 9.

([13]) الزهد للبيهقي: 329.

([14]) الفوائد: 129.

([15]) الفوائد: 129.

([16]) الفوائد: 198 باختصار.

([17]) الزهر الفائح: 19.

([18]) حلية الأولياء: 2/235، صفة الصفوة: 3/250.

([19]) يبكي بكاء مؤثرًا تنقطع له النفس.

([20]) صيد الخاطر: 106.

([21]) الفوائد: 195.

([22]) عدة الصابرين: 338.

([23]) طبقات الحنابلة: 4/177.

([24]) تزكية النفوس: 114.

([25]) الإحياء: 4/197.

([26]) مكاشفة القلوب: 34.

([27]) صيد الخاطر: 239.

([28]) الجواب الكافي: 142.

([29]) الجواب الكافي: 3.

([30]) صفة الصفوة.

([31]) الإحياء: 4/568.

([32]) السير: 7/389.

([33]) الجواب الكافي: 69.

([34]) صفة الصفوة: 3/249.

([35]) صيج الخاطر: 593.

([36]) جامع العلوم والحكم: 192.

([37]) حلية الأولياء: 3/231.

([38]) الفوائد: 215.

([39]) الفوائد: 252.

([40]) السير: 4/602.

([41]) الإحياء: 4/451.

([42]) مفتاح دار السعادة 1/225.

([43]) الجواب الكافي: 95.

([44]) شذرات الذهب: 4/121.

([45]) طبقات الحنابلة: 1/135.

([46]) جامع العلوم والحكم: 43.

([47]) الإحياء: 4/422.

([48]) صفة الصفوة: 3/234

([49]) الإحياء: 4/451.

([50]) صيد الخاطر: 26.

([51]) صفة الصفوة: 3/347.

([52]) الفوائد: 201.

([53]) ترتيب المدارك: 1/187.

([54]) الإحياء: 4/483.

([55]) الفوائد: 90.

([56]) صفة الصفوة: 3/164.

([57]) البداية والنهاية: 9/307.

([58]) السير: 13/15.

([59]) جامع العلوم والحكم: 196.

([60]) جامع العلوم والحكم: 71.

([61]) الزهد للبيهقي: 94.

([62]) منهاج القاصدين: 2.

([63]) حلية الأولياء: 8/204.

([64]) صيد الخاطر: 427.

([65]) جنة الرضا: 1/141.

([66]) حلية الأولياء: 2/157.

([67]) مدارج مدارج السالكين: 1/7.

([68]) البداية والنهاية: 9/302.

([69]) الفوائد: 106.

([70]) تذكرة الحفاظ: 1/299.

([71]) حلية الأولياء: 4/243.

([72]) السير: 10/233.

([73]) الإحياء: 4/483.

([74]) التذكرة: 13.

([75]) التبصرة: 1/70.

([76]) صيد الخاطر: 285.

([77]) مكاشفة القلوب: 91.

([78]) السير: 7/424.

([79]) حلية الأولياء: 4/197.

([80]) التذكرة: 22.

([81]) السير: 4/586.

([82]) صيد الخاطر: 185.

([83]) حلية الأولياء: 2/155.

([84]) الإحياء: 4/483.

([85]) عقود اللؤلؤ والمرجان: 216.

([86]) حلية الأولياء: 8/194.

([87]) طبقات الشافعية: 2/239.

([88]) صيد الخاطر: 267.

([89]) حلية الأولياء: 4/211.

([90]) التذكرة: 244.

([91]) صفة الصفوة: 3/277.

([92]) حلية الأولياء: 2/154.

([93]) حلية الأولياء: 5/290.

([94]) صيد الخاطر: 256.

([95]) السير: 10/97.

([96]) حلية الأولياء: 6/224.

([97]) التبصرة: 1/200.

([98]) الفوائد: 248.

([99]) الجواب الكافي: 99.

([100]) الجواب الكافي: 96.

([101]) الفوائد: 248.

([102]) صفة الصفوة: 2/226.

([103]) جامع العلوم والحكم: 430.

([104]) حلية الأولياء: 2/244.

([105]) الفوائد: 88.

([106]) الفوائد: 88.

([107]) الفوائد: 54.

([108]) الحسن البصري 149.

([109]) شذرات الذهب: 1/165.

([110]) الإحياء: 4/16.

([111]) صفة الصفوة: 1/640، حلية الأولياء: 1/225.

([112]) صفة الصفوة: 3/89.

([113]) صفة الصفوة: 4/214.

([114]) التبصرة: 1/120.

([115]) الفوائد: 64.

([116]) التذكرة للقرطبي: 10.

([117]) ديوان الإمام الشافعي: 47.

([118]) صيد الخاطر: 613.

([119]) صفة الصفوة: 2/229.

([120]) السير: 22/9.

([121]) وفيات الأعيان: 4/306.

([122]) التبصرة: 1/35.

([123]) جامع العلوم والحكم: 930.

([124]) حلية الأولياء: 3/37.

([125]) الزهد للبيهقي: 228.

([126]) وفيات الأعيان: 6/103.

([127]) السير: 4/326.

([128]) حلية الأولياء: 4/83.

([129]) صيد الخاطر: 553.

([130]) صفة الصفوة: 3/368.

([131]) الزهد للبيهقي: 175.

([132]) البداية والنهاية: 9/291.

([133]) الإحياء: 4/28.

([134]) حلية الأولياء: 6/272.

([135]) صيد الخاطر: 257.

([136]) مكاشفة القلوب: 132.

([137]) صفة الصفوة: 2/418.

([138]) الفوائد: 225.

([139]) صفة الصفوة: 3/26.

([140]) تذكرة الحفاظ: 1/191.

([141]) جنة الرضا: 1/135.

([142]) صيد الخاطر: 461.

([143]) جامع العلوم: 192.

([144]) صيد الخاطر: 264.

([145]) الإحياء: 4/16.

([146]) البداية والنهاية: 10/226.

([147]) بستان العارفين: 105.

([148]) تاريخ بغداد: 2/281.

([149]) حلية الأولياء: 6/188.

([150]) صفة الصفوة: 2/32.

([151]) صفة الصفوة: 3/233.

([152]) موارد الظمآن: 3/492.

([153]) السير: 4/586.

([154]) حلية الأولياء: 2/108.

([155]) صفة الصفوة: 3/106.

([156]) حلية الأولياء: 3/238.

([157]) العاقبة: 72.

([158]) عقود اللؤلؤ: 33.

([159]) أدب الدنيا والدين: 109.

([160]) حلية الأولياء: 9/220.

([161]) صفة الصفوة: 4/152.

([162]) جامع العلوم: 464.

([163]) تاريخ بغداد: 5/211.

([164]) عقود اللؤلؤ: 251.

([165]) السير: 5/363.

([166]) السير: 4/190.

([167]) صفة الصفوة: 3/171، جامع العلوم والحكم: 477.

([168]) صفة الصفوة: 3/171.

([169]) صفة الصفوة: 3/246.

([170]) حلية الأولياء: 5/164.

([171]) ديوان الإمام علي: 129.

([172]) صفة الصفوة: 3/243.

([173]) ترتيب المدارك: 2/461.

([174]) صفة الصفوة: 3/104.

([175]) حلية الأولياء: 8/101.

([176]) صيد الخاطر: 502.

([177]) صفة الصفوة: 1/548.

([178]) الزهد للبيهقي: 228.

([179]) التذكرة: 53.

([180]) تسلية أهل المصائب: 218.

([181]) حلية الأولياء: 2/763.

([182]) أدب الدنيا والدين: 97.

([183]) الفوائد: 223.

([184]) عدة الصابرين: 340.

([185]) عدة الصابرين: 339.

([186]) عقود اللؤلؤ: 197.

([187]) الفوائد: 78.

([188]) الإحياء: 4/198.

([189]) مجموع الفتاوى: 15/55.

([190]) حلية الأولياء: 5/211، السير: 4/540.

([191]) أدب الدنيا والدين: 202.

([192]) السير: 13/15.

([193]) عقود اللؤلؤ: 283.

([194]) موارد الظمآن: 1/547.

([195]) مجموع الفتاوى: 15/53.

([196]) تسلية أهل المصائب: 218.

([197]) شرح الصدور: 217.

([198]) السير: 13/15.

([199]) الفوائد: 45.

([200]) موارد الظمآن: 2/94.

([201]) الإحياء: 1/578.