القنوات الفضائية وآثارها العقدية والثقافية والاجتماعية والأمنية ()

 

|

 القنوات الفضائية وآثارها العقدية والثقافية والاجتماعية والأمنية

خالد بن عبد الرحمن الشايع


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبيَّ بعده، نبينا محمد، وعلى إخوانه من النبيين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد:

فلا يخفى ما للإعلام والاتصالات من الأثر الكبير على الشعوب وثقافتها وتصوراتها وتوجهاتها في مجالات عدة؛ ولأجل ذلك فقد حَرَصَت الدول ذات القوة العسكرية والسيطرة السياسية وغيرها على استغلال هذا الجانب بما يخدم مصالحها ويحقق طموحاتها، وهذا هو المشاهد والملموس في عالم اليوم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن اليهود لمَّا وقفوا على أهمية الإعلام وتأثيره في حياة الشعوب فقد هَبُّوا للاستئثار به وتصريفه وفق ما يريدون، ولنلْمِح إلى شيء مما يدل على هذا في مجالات الإعلام المتنوعة:

ففي مجال وكالات الأنباء: فواكلة «رويترز» مؤسسها هو: «جوليوس رويتر» اليهودي. ووكالة «أسوشيتد برس» هي شركة تأسست عام 1900 من قبل صحف ومجلات أمريكية تقع معظمها تحت سيطرة اليهود.

وفي مجال الصحافة: اشترى مليونير يهودي يدعى «روبرت ميردوخ» عددًا من الصحف والمجلات البريطانية وهي صحيفة «التايمز» و «الصنداي تايمز» ومجلة «الصن» و «نيوز أُف ذا وورلد» و «سيتي مجازين». وفي أمريكا اشترى اليهودي «أودلف أوش» أشهر صحيفة أمريكية وهي «نيويورك تايمز» وذلك عام 1896، ولليهود سيطرة على صحف أخرى مثل «الواشنطن بوست» و «الديلي نيوز» وغيرهما.

ومن المجلات الأمريكية يسيطر اليهود على عدد منها: كمجلة «التايم» و «نيوزويك»، وفي الصحافة الفرنسية يسيطر اليهود ويؤثرون بوضوح على أشهر صحفها مثل «لوفيقارو».

وهكذا شبكات التلفزة العالمية الشهيرة، حيث تقع تحت سيطرة اليهود، ومن أشهرها الشبكات الثلاث المسماة: (N.B.S و C.B.S و A.B.C) فالأولى رئيسها يهودي يدعى «ليونارد جونسون»، والثانية رئيسها ومالكها اليهودي «ويليام بيلي» والثالثة يرأسها اليهودي «الفرد سلفرمان»([1]).

وبعد حرب الخليج الثانية التي وُظِّفَ لإطلاق شرارتها طاغية العراق، سعت كثيرٌ من الدول العربية؛ لتلمك قنوات تلفزة تعبر طبقات الفضاء؛ لتصل إلى أبعد حدٍّ ممكن، وكان هذا بدافع دخول ميدان السابق في هذا المجال، وإن لم ترد بذلك خيرًا محضًا أو خدمة دين الإسلام فيما يظهر.

وقد ظنَّ كثيرٌ من الناس بهذا الحدث خيرًا، لا لذاته، ولكن لأجل أن يكون تيارًا مضادًا لما تسامعوا به من البَثِّ الفضائي من الدول الغربية.

لكن الواقع خالف هذا التصور، حيث تلك القنوات الفضائية العربية انضمت لغيرها تابعةً لها في تكوين انفجار سرطاني فضائي يقضي على البقية الباقية من ثقافة الأمة وموروثاتها.

وها هي القنوات الفضائية المتنوعة تحل زائرة بغير استئذان على البيوت بساعات بثٍّ متلاحق وعشوائي.

حتى إذا لم تجد تلك القنوات ما تملأ به ساعاتها نصَّبَت على الاستديو مذيعة كاسية عارية وقد صبغت وجهها بأطباق من الألوان، ولقنتها كلمات الميوعة، ثم فتحت الكاميرا والمايكرفون على جمهور بائس من الخليج إلى المحيط لتعبث بالأخلاق والآداب كيف شاءت.. وفي كل ليلة مع وجه «صفيق» «صبوغ».. وهكذا دواليك.. استخفافًا وعبثًا.

إلى غير ذلك من أكوام البرامج المُسِفَّة والأفلام المبنية على الفنِّ الرخيص الذي تقدمه زُبَالة المجتمعات.

أما المتلقُّون والشرائح المستهدفة فهم في معظمهم وسوادهم الأعظم ينتصبون أمام الشاشات وقد أسلموا قياد أنفسهم لأكثر القنوات إسفافًا، فبحسب أكوام اللحوم وكمية ما يعرض منها تتحقق الجماهيرية في ظل ما يسمى الأفلام «الرومانسية» والبرامج «المفتوحة» - حسًّا ومعنى – حيث تُوأَد الفضيلة ويُغتال الحياء.

وقد جعلت تلك القنوات والشبكات أنواعًا من الأطعام والشباك لاصطياد السُذَّج من الناس من خلال التهييج الجنسي الفاضح، وعرض وجوه الغيد والحسناوات وإبراز مفاتنهن.

وآمل من أخي القارئ الكريم، أو أختي القارئة الكريمة أن لا يضيق بما سأكون صريحًا فيه من خواطر جالت في فكري فأردت إبلاغها وبثها بدافع المحبة والنصيحة وإسداء الخير والنفع:

ويحسن أن نوطأ لحديثنا بالمقدمات التالية:

* ينبغي أن يعلم أن معظم ما تعرضه شبكات التلفزة في مختلف أصقاع الدنيا، وسواء كان استقباله من خلال الأطباق الفضائية أو غيرها من وسائل الاتصالات، معظم ذلك ضرره ماحقٌ وخطره كبير جدًا في مجالاتٍ عدةٍ، وهذا ما يصرح به معظم العقلاء من بني الإنسان، المسلمون منهم والكفار، ومن كان له إمكانية للوقوف على الرصد الإحصائي والموضوعي في بعض المعاهد المتخصصة في بعض الدول الغربية فإنه سيقف مشدوهًا من حجم الأرقام المعلنة والتقارير المنشورة والتي ترصد الأضرار والأخطار بسبب ما يُعرض عَبْرَ الشاشات التلفزيونية، أضرار وأخطار في التصورات والمفاهيم، وفي الآداب والأخلاق والقيم الإنسانية، وفي الأمن والاستقرار، وفي صحة العقول والأبدان.

أبان تلك المخاطر والأضرار عدد من مفكري الغرب والمتخصصين في التربية والتقنين، برغم أن المشاهد المعروضة هي من صنع أيديهم وإنتاجهم، ومن وحي ثقافاتهم، لكنهم لم يجدوا بدًّا من إعلان تلك النتائج لعلهم أن يخففوا العواقب والنتائج المريعة.

ولئن اتفقنا نحن المسلمين معهم فيما أرودوه؛ فإن لنا تصورًا آخر وهو المرتكز، وذلك بحفاظنا على عقيدتنا التي يود أعداؤنا أن يزيلوها من نفوسنا ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾([2]).

* وقبل أن نستعرض بعضًا من الأضرار المترتبة على هذا التعامل المشين من كثير من الناس، مع ما تعرضه الشاشات والاغترار به، دعونا نتوقف عند بعض النماذج من خلال الواقع.

* فتى يافع عمره نحو من (13) عامًا، تُرِك ليتابع أفلام الكرتون المعروضة عبر إحدى القنوات الفضائية، يقول له الوالدان: لا تغير هذه القناة، لكن لما انصرفا عنه، دفعه الفضول وحب كشف المجهول؛ لأن يتنقل من قناة إلى أخرى، فشاهد أشياءَ غيرَ لائقة، ولم يزل هذا دأبَه، فماذا كانت النتيجة؟!

خلل في تصوراته عَبَّرَ عنه بأسلوبه فقال:

صرت أنظر لأي امرأة أمامي وكأنها بدون ثياب؟ حتى أمي وأخواتي!!

* نموذج آخر:

زوجان تعوَّدا على أن يتابعا معًا ما يُعرض عبر القنوات الفضائية من المشاهد المخلة بالآداب، وبعد مضي زمن على هذا الحال، صار الزوج ينتقص زوجته بأنها أقل جمالاً من تلك المذيعة التي رأياها، وأنها لا تحسن صنعًا في مشاعرها معه، وأنها كذا وكذا، واحتدم الخلاف والنقاش، وآل الأمر إلى أن طلقها بناءً على تلك المقارنات الجائرة.

* ونموذج ثالث:

لشخص اقتنى طبقًا فضائيًا، ولمَّا وقف على أضراره ومخاطره وأراد إزالته عارضته زوجته، ومانعت ذلك، ولمَّا أصرَّ على رأيه وعَزَم على تركه، خَيَّرَتْه زوجته بين طلاقها أو إبقاء الدش.

* لغة الأرقام:

أظهرت إحصائية ضمن رسالة علمية جامعية بعضًا من السلبيات المنعكسة على الأسرة بسبب متابعتها للقنوات الفضائية وجاء ضمن ذلك ([3]):

85% يحرصن على مشاهدة القنوات التي تعرض المناظر الإباحية.

53% قلَّ لديهن تأدية الفرائض الدينية.

32% فَتَر تحصيلهن الدراسي.

42% يتطلعن للزواج المبكر ولو كان عرفيًا.

22% تعرضن للإصابة بأمراض نسائية نتيجة ممارسة عادات خاطئة.

وكشفت دراسة أخرى ضمن استبانة وُزِّعَت على عدد من طالبات الجامعات أن بعضهن دَأَبْنَ على تسجيل برامج وأفلام إباحية ثم يتبادلنها بينهن، ثم يكون حديثهن فيما شاهدنه.

وقد أظهر استطلاع طبي «حول استقبال القنوات الفضائية الأجنبية والعربية وعلاقته بصحَّة طالبات الجامعة» وجود مرضٍ أُطلق عليه «مرض الدش» وذلك لازدياد أعداد المترددات على العيادات النفسية والنسائية من الفتيات بين 16-27عامًا.

*  *  *

ولنتوقف الآن أيُّها الأحبة الكرام عند بعض الأضرار الناجمة من متابعة الناس للقنوات الفضائية، ولِمَا يُعْرَض عَبْرَ شاشات التلفزة من مَشَاهِد وبرامج ومسلسلات وأفلام.

من الأضرار: ما ينعكس مباشرة على المشاهد والمجتمع الذي يعيش فيه بحيث تظهر آثاره عليه.

ومن الأضرار: ما يكون في المستقبل، أي: أنه بعيد المدى بحيث لا تظهر المخاطر والأضرار إلاَّ بعد مُضي جيلٍ أو جيلين، وكلا النوعين له خطورته، وكل منهما متعلق بالآخر.

وعند التأمل في أنواع الأضرار والمخاطر الناجمة عن التأثر بما يُعرض عَبْرَ شاشات القنوات الفضائية، فسنجد أنها:

أضرار ومخاطر على العقيدة والتصورات والأفهام.

وأضرار ومخاطر على الأخلاق والآداب.

وأضرار ومخاطر على الأمن والاستقرار.

ولنستعرض جوانب تلك الأضرار في تلك المجالات المُشار إليها.

*  *  *

 أولاً: أضرارٌ في جانب العقيدة والتصورات والأفهام

 أ- سنجد أن معظم ما تبثه تلك القنوات يورث ضعف الإيمان بالله تعالى، ويؤدي إلى الإعراض عن عبادته، والاستعباد للشهوات.

وهذا الأمر مُشَاهَد وملموس، فإن تلك المَشَاهِد المُحَرَّمَة التي تعرضها تلك القنوات تُضْعِف الإيمان وتُباعِد بين العبد وربه، فتجعله يستغرق في ارتكاب المحرَّمات حتى يألفها ويستوحش الطاعات، ثبت عن المصطفى ([4]) - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن العبد إذا عمل الخطيئة نُكِتَ في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن هو زاد؛ زِيدَ في تلك النكتة السوداء، حتى يغشى قلبه الران» ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾([5]).

وإذا وصل الشخص إلى هذه المرحلة؛ صار يتثاقل العبادة ويستصعبها، ولكنه يجد نشاطًا وإقبالاً على المعاصي، فيكون كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن الشقي في قبره أن عمله يقول له: «فوالله ما عَلِمْتُكَ إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصية الله»([6]).

ثم يصل به الأمر إلى أن تكون الشهوات المحرمة أحبُّ إليه من كل شيء، بل تصير بمنزلة الإله – نعوذ بالله من ذلك – كما قال ربنا سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾([7]).

* ومن التأثير الذي تحدثه متابعةُ معظم الفضائيات:

 ب- إضعاف عقيدة الولاء والبراء:

ومن المعلوم أن هذه العقيدة لها أصلها الأصيل من هذا الدين، كيف لا وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أوثق عُرى الإيمان: الحب في الله، والبُغض في الله»([8]).

ويقول الله جلَّ شأنه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾([9]) الآية.

فالواجب هو محبة المسلمين، ومحبة الخير لهم، والفرح بكل ما به خيرهم، ويجب بُغض الكفار والتبرؤ منهم، والحذر من مودتهم.

وقد تقول: كيف يضعف الولاء والبراء بسبب تلك القنوات الفضائية؟

فأقول:

ألا يوجد من البرامج ما يقدمه بعض النصارى من الرجال والنساء فتجد المُتابع أو المتصل بالهاتف يبدي إعجابه وتعلقه بهم، وخاصةً إذا كانت المقدمة أو المذيعة امرأة، وأيضًا من خلال المقابلات مع الفنانين الكفرة تجد الجمهور يتابعهم ويتابع إنتاجهم ويتصل بهم ويطلب التوقيع على «الأتوغراف» ويفرح بذلك ويفاخر به، ولا شك أن هذا بدافع المحبة لهم. وقد أخبرنا الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الشأن فقال: «لا يحبُّ رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يوم القيامة»([10] وقال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب»([11]) وهذا عام في الرجال والنساء.

* ومن التأثير العقدي الناجم عمَّا تبثه كثير من الفضائيات:

 جـ- التشبه بالكُفَّار والانبهار بعاداتهم وتقاليدهم:

وذلك أن معظم ما تبثه كثير من الفضائيات يظهر المجتمعات الغربية الكافرة بوجهها الجميل فقط، وجه القوة والنظام والإنتاج والإبداع، ولا غرابة في ذلك، إذ أن إنتاج تلك المواد الإعلامية هو تحت نظر وسمع الغرب والمنبهرين بهم المشبهين بثقافاتهم.

لكن أين ذلك التصوير الحقيقي لحياتهم التي يعيشونها الآن، من إحساس الغرب بالخواء الروحي المرير والشقاء والحيرة والاضطراب، والتفكك الأسري، والانحلال الخُلقي، والتشتت الاجتماعي والذي يهربون منه إلى جحيم المخدرات والمغامرات الحمقاء، والشذوذ في مختلف مناحي الحياة، الشذوذ في الحركات والمظاهر واللباس والطعام، الشذوذ الأخلاقي والسُّلوكي؛ فأورث ذلك أمراضًا عصبية ونفسية لا حصر لها، جعلتهم لا يجدون في الحياة ما هو جدير بالبقاء بها.

هذه الصورة لا تعرضها القنوات الفضائية عن واقع الغرب، ولكن تعرض الصورة على منحى آخر، وأن ما لدى الغرب من تقليعات هو قمة التحضُّر والتقدم، ونتيجةً لذلك لا نكاد نمر في طريق إلا ونجد واحدًا من أبناء المسلمين والبنات المسلمات وقد تأثروا بشيء من تلك التقليعات.

وهذا التشبه يورث المحبة ولا شك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن المشابهة في الظاهر تُورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمرٌ يشهد به الحس والتجربة، حتى إنَّ الرجلين إذا كانا من بلدٍ واحدٍ ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودَّة والاتئلاف أمرٌ عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين...»([12]).

د- ومن المظاهر للأضرار الناجمة عمَّا تعرضه الفضائيات في جانب العقيدة والتصورات ما يكون من التأثير في جوانب عدة من الدين.

حتى بلغ الأمر أن تَجْرُأَ بعض الممثلات في إحدى القنوات الفضائية إلى أن تعد عملها المُسَفَّ أخلاقيًا أمرًا لا يؤاخذ الله عليه.

سبحان الله! الممارسات الجنسية المصورة المحرمة لا يؤاخذ الله عليها العبد وهو مًصِر عليها.

لماذا؟

قالت: لأن الله أعظم من أن يؤاخذ عبده على مثل هذه الأعمال.

سبحان الله! ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾([13]).

وهذا الذي قالته تلك الممثلة هو نفسه عقيدة المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان أي معصية ولو كانت مكفِّرة.

ومن الأضرار – أيضًا -: ما يكون في الأخلاق والأمن ونحو ذلك، وهذا ما نوضحه في الفقرتين التاليتين:

*  *  *

 ثانيًا: الأضرار والمخاطر التربوية والأخلاقية والاجتماعية

 أ- من أبرز الضرار التربوية والأخلاقية والاجتماعية لما تبثه كثير من القنوات الفضائية حصول الانحراف السلوكي لدى الأطفال والشباب والفتيات وهكذا الكبار من الرجال والنساء.

وذلك أن المشاهد المعروضة عبر تلك الشاشات تُظْهِر العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة بأنه سبيل لابد أن يسلكه كل رجل وامرأة، وكل شاب وفتاة، ومن العجيب حقًا تلك المشاهد تجد الاستنكار ومحاولة التغيير من قبَل كثير من العقلاء في بلاد الغرب، في حين أن بعض القنوات العربية تعزز هذا المنهج في قنواتها الفضائية، وتجد الاستجابة لدى كثير من متابعها.

ولنتوقف قليلاً عند التصورات الذهنية التي تُخَلِّفَها كثير من المَشَاهَد التي تبثها معظم القنوات الفضائية في تكوين العلاقة بين الرجل والمرأة.

سنجد: التساهل في تكوين العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة واعتباره أمرًا طبيعيًا.

وسنجد: استساغة حمل المراهقات سفاحًا، واعتياد ذلك وشرح كيفية التخلص منه.

وسنجد: عدم الاستهجان أو الاستغراب لمواعدة الرجل المرأة الأجنبية لأمر مُحَرَّم، مع شرح الكيفية والوسيلة لتحقيق ذلك والتحايل لأجله، وهكذا الخلوة بينهما، والقيام بحركات مثيرة، من لمس، ونحو ذلك.

بل إنَّ كثيرًا من الناس لم يعودوا يستغربون أن تعرض بعض القنوات مشهد رجل وامرأة يضطجعان على سرير واحد.

ماذا ستكون النتيجة لهذه المشاهد المتكررة والمتلاحقة تلاحق الساعات والدقائق؟

سيكون من النتائج:

 ب- فشو الفواحش على اختلاف أنواعها مع ما يلحقها من الاختلال الاجتماعي في نواحٍ عدة.

وَلْنُشِر إلى بعض من ذلك:

* إن عرض تلك المناظر لابد وأن يؤثر في الشباب والفتيات وخاصة من لم يتزوج منهم، ذلك أن تلك المناظر تؤجج الشهوات وتجعل الشخص ذكرًا أو أنثى مهيئًا للوقوع في الرذيلة متى فُتِحَ له بابها. بل إنه ليعمد إلى كسر كل باب يمنعه من مشتهياته المحرمة.

ومن العجيب حقًا أنه يوجد تصور لدى كثير من الناس رجالاً ونساءً، آباءَ وأمهات، شبابًا وفتيات، مفادُ هذا التصور أن النظرة البريئة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة، أن ذلك تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة ووقاية من الكبت ومن العقد النفسية، وتخفيف من الضغط الجنسي.

والواقع أن هذا التصور خطأٌ جملةً وتفصيلاً.

وإلا وبربكم ماذا أَوْرَثَ هذا المسلك في البلاد التي يتوفر فيها ذلك وزيادة؟!

أليست بلاد الحرية البهيمية في أوروبا وأمريكا لا تجعل قيدًا ولا شرطًا لمن أراد العُري والاختلاط، على تلك الشاكلة، فهل كفاهم ذلك؟

كلا وربي، بل إنه زادهم شرهًا وفحشًا لا نهاية له، فشبَّ على ذلك الصغير وشاب الكبير، حتى تطلبوا إرواء غرائزهم بأنواع من الشذوذ كزواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة.

* ومن نتائج ذلك وثمراته المُرَّة:

الوقوع على المحرام.. نعوذ بالله من ذلك.

وبأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ما كان أشد رحمته بأمَّته يوم حذَّرها من شطحات الأمم الضالة، فقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لتبعتموهم» قال الصحابة: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!» رواه البخاري ومسلم ([14]).

وفي رواية الترمذي والحاكم ([15] قال عليه الصلاة والسلام: «حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك».

وفي هذا السياق يقول أستاذ علم الاجتماع د. أحمد المجدوب ([16]):

وُجِدَتْ في إحدى الدول (الإسلامية) (12000 قضية إسقاط نسب، أي: (12000) لقيط: قنبلة موقوتة داخل المجتمع، وهذا يعني انهيار كيان الأسرة التي هي محل رعاية وتعظيم في كل الشرائع.

* وفي الجانب التربوي والأخلاقي – أيضًا – وما يتبعهما من التداعيات الاجتماعية.

أن مشاهد مناظر الحب والغرام المحرم والجنس تؤدي إلى ضعف الغيرة وانعدامها، وإلا فبأي شيء يفسر أن تبدي المرأة إعجابها بالفنان أو الممثل الفلاني، وأنه جميل قسيم وسيم، تصرح بذلك وتتلفظ به أمام زوجها، ولا تتحرك لذلك مشاعره، وكأنها تتحدث من فراغ. وبعض الناس يغفل عن أنه بتساهله بنظر زوجته إلى المشاهد المحرمة وخاصة مناظر الفاحشة ومقدِّمَاتها وجلبه للأفلام والمجلات الهابطة الداعية للفحش والغرام – أنه بفعل ذلك – يكون قد مهَّد الطريق لإفساد بيته، وهذا ما يعبِّر عنه أصحاب الدراسات المتخصصة المعاصرة بالخيانة الزوجية، وهذا ما أكَّدته دراسة أكاديمية في رسالة علمية حول: «الانحرافات السرية وظاهرة الخيانة الزوجية»، وقد ذكرت الباحثة جملةً من الأسباب منها: خروج المرأة للعمل واختلاطها «بزملائها» الرجال وتحادثها معهم بخصوصياتها، ومن ذلك: الاطلاع على الكتب والأفلام الجنسية والتي يحضرها الزوج أو لا يمانع من تعاطي زوجتها لها ([17]).

وهكذا المرأة التي تشاهد زوجها وقد كادت عيناه أن تخرجا من الحدقتين يقلبهما في وجه الممثلة أو المغنية وهي لا تعير لذلك اهتمامًا، فالغيرة بين الزوجين على بعضهما مطلوبة، الزوج يغار على زوجته فيحفظها ويصونها ويحرص على أن تقصر طرفها عليه، كما هو وصف نساء الجنة ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾([18]) والمرأة تغار على زوجها أن يمتد نظره إلى غيرها.

* ومن التداعيات الاجتماعية في هذا الجانب:

الاستظهار بالمنكرات وعدم الاكتراث بنظر وعلم الآخرين، وهذه القضية نجدها في تزايدٍ يومًا بعد آخر، ومن له اطلاع على مجتمعات الشباب من الفتيان والفتيات يلمس ذلك الأمر عن كثب، حيث تبدو آثار ذلك جليةً في جوانب مختلفة:

فعند الشباب: تجد أحدهم منذ صغره يعتاد شرب الدخان، ثم إنك واجدٌ تلك المسالك والتصرفات المنحرفة التي تظهر في التعامل واللباس وغير ذلك.

وستجد لديهم أيضًا: الميل لتكوين العلاقات المحرمة، فتجده يَنْصب شَرَكَه لاصطياد من يستطيع اصطياده؛ ليمارس من خلاله الفاحشة التي تكرَّس مفهومها لديه عبر مئات المناظر والمشاهد التي جعلت منه إنسانًا مهيِّجًا جامحًا لارتكاب الفاحشة بأي سبيل ممكن.

وبعض الشباب تُحْدِث له مناظر القنوات الفضائية المغرية انتكاسًا في فطرته وسقوطًا في رجولته، حيث يعمد إلى المسلك الأنثوي، فهو ينافس البنات في ميوعته ونعومته؛ لتشبه بالنساء في الكلام والحركات واللباس.

ولم يعد غريبًا أن توجد الأعداد المتكاثرة من الشباب الذين يسافرون في أوقات الإجازات إلى الشرق والغرب، حيث موابئ الفتنة ومعارض الفواحش بأبخس الأثمان، وهذا ما حَمَل كثيرًا من وكالات السفر والسياحة إلى إعداد قوائم متعددة كالبلدان والمدن وتخفيض تكاليف السفر للمجموعات، وهكذا الخطوط الجوية الأجنبية، حيث تقوم بتقديم العروض الخاصة لاصطياد أولئك السُّذَّج من الشباب الذين عُبث بأفكارهم في عقر دار كل واحدٍ منهم وجعل لهم الطُّعم المهيأ لاصطيادهم، عبر برامج الإغراء في القنوات الفضائية المأفونة. والذي تصنعه وكالات السفر طمعًا في الربح المادي حتى ولو تسببت في هدم أخلاق الأمة بأسرها.

وعند الفتيات المتابعات لقنوات الإسفاف: ستلحظ جنوحًا مقيتًا نحو أنواع من الارتكاسات الأخلاقية بما تظهر معه نذر الخطر على أخلاقيات المجتمع بأسْرِهِ.

فكل فتاة، وكل امرأة، لديها استعداد فطري – ككل الرجال – للتفاعل مع الغرائز التي وظَّقَتها الشريعة توظيفًا حسنًا ووَجَّهتها إلى ما فيه صلاح الأُمَّة وعِمارة الأرض.

لكن الفتيات والنساء المتأثرات ببرامج وتمثيليات التَّفَلُّت الأخلاقي يظهر عليهن التبرج والسفور المحرم، بل إنهن ليسعين لمجاراة زبالة المجتمعات من الممثلات والمغنيات، فيقلدنهن في اللباس العاري وتقليعات الموضة المتهتكة! وقد نزعن جلباب الحياء، فأقحمن أنفسهن فيما به هلاكهن.

وأنت واجدٌ من هذا الصنف من الفتيات والنساء جنوحًا نحو إقامة العلاقات المحرمة، حيث تتلقفها الكلاب المسعورة لقمة سائغة، ليعبثوا بها كيفما شاؤوا، ثم يرمون بها زهرة ذابلة قد أفسد رحيقها.

فانظر إلى هذه النهايات والنتائج المؤسفة التي تؤول إليها الفتيات والنساء في مستنقعات مأفونة، بعد أن كانت الآمال المعلقة عليها عريضة عرض ما بين المشرق والمغرب، «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»([19]).

ماذا ينتظَر من فتيات تفتحت أعينهن ومداركهن يوم تفتحت على مناظر الإسفاف والتهتك من تقبيل وضم وأجساد عارية وكلام في الجنس وعلاقاته ومقدماته.

فهل ينتظر منهن بعد ذلك إلا ثمارٌ من جنس تلك المشاهد؟!

وفي كثير من المجتمعات الإسلامية المحافظة والتي غُزِيت بثقافة الفن الرخيص تتابعت الانتكاسات في الأفهام لدى كثير من الناس، ورحن يتبارين في استحداث كل غريب.

ففي مجال الألبسة وطُرق التجميل: جعلن من أنفسهن ألاعيب لمصممي الأزياء في شرق الدنيا وغربها، فهذا زي – موضة – ألوان حمار الوحشي، وهذه موضة قرد «الشنبازي»، وهذه موضة حيوان الكنغر، وهذه موضة الجرذان الهندية... الخ.

في اللباس... وتسريحات الشعر... والمكياج... و ... و ... الخ.

فتأتي تلك المسلمة.. العفيفة.. الساذجة لتتلقف هذه الأضحوكات تحت مسمى الموضة والتمدن الذي تأخذه عبر القنوات وبرامج الموضة، وتقليعة زبالة المجتمعات الشرقية والغربية، ثم يتتابع هؤلاء النسوة في تقليد بعضهن للخروج عن المألوف، حتى ولو جعلها ذلك في عداد السفيهات..

* ومن الأضرار والمخاطر التربوية والأخلاقية:

 جـ- العزوف عن الزواج، والاكتفاء بالمناظر المحرَّمة:

لدى دراسة توجهات عدد من الشباب الذين تأثروا بمناظر العُري والفاحشة التي هي المادة الرئيسية في معظم القنوات الفضائية، ظهر من توجهاتهم عزوف عن الزواج ورغبة عنه، لِمَ؟ يجيبك هذا الشاب:

- الزواج مسؤولية وتكاليف.

- بِسَفْرةٍ أو سَفْرَتَين نحصِّل ما يحصله المتزوجون وأحسن.

- لن نجد من النساء الجميلات من يشابه الممثلة فلانة أو فلانة لنتزوج بها.

المرأة لا تستحق من يتعب من أجلها، هي للمتعة فقط، مثل ما رأينا في المسلسلات والأفلام.

إلى غير ذلك من التعللات الساذجة.

إن إدامة نظر الشباب إلى مناظر الفضائيات المحرمة أحدثت عندهم خمولاً نحو ما أحلَّه الله، وشرها نحو الفواحش المحرمة يأخذ صورًا متعددة.

ولدى عزوف هؤلاء الشباب عن الزواج، تنشأ مشكلة أخرى لدى الفتيات اللاتي لم يتقدم لهنَّ أحد، مما يزيد من عدد العانسات وفي ذلك من الأضرار ما لا يخفى.

* ومن الأضرار والمخاطر التربوية والأخلاقية:

 د- ممارسة العلاقة الزوجية على وجه محرم.

يقول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾([20]).

وقد بيَّن أهل العلم في ضوء هذه الآية ما جاء في معناها من أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن محل الوقاع هو محل الولد. وجاءت النصوص المحرمة لإتيان المرأة في دبرها. ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ملعونٌ من أتى امرأةً في دبرها»([21])، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها أو كاهنًا فصدَّقه فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -»([22]).

وحيث إن أكثر القنوات الفضائية والقائمين عليها لا يَعتَدُّون بشرعة ولا فضيلة، وإنما الأمر عندهم شهوات مسعورة، فهم يعرضون كل ما من شأنه تهييج الشهوات لاجتذاب من يستطيعون من الناس، وللوصول إلى غاياتهم، كلٌّ وما خطط له، وأصحاب الإعلانات التجارية من ورائهم يهيمون في كل وادٍ طمعًا في مزيد من الكسب المالي.

* ومن أضرار القنوات التربوية والأخلاقية:

 هـ- ظهور الشذوذ الجنسي والانتكاس الفطري، حيث يكتفي الذكور بالذكور، والإناث بالإناث، وخصوصًا لمن لم يحصن بالزواج.

* ومن الأضرار التربوية والأخلاقية للقنوات الفضائية المنحرفة:

 و- الإخلال بهوية المجتمعات الإسلامية، والقضاء على البقية الباقية مما لديها من تراثها وأخلاقياتها.

ومن مَحَّصَ ما تعرضه القنوات الفضائية المنحرفة، بما فيها القنوات العربية فإنه يلحظ أنها تقدم النموذج الغربي المتحلل من الأخلاق على أنه هو محل التقليد والإعجاب، مع تنحيتها للأخلاق والآداب الإسلامية.

وبذلك دخل المجتمع المسلم في نفق التبعية والتقليد لما فيه هلاكه.

ومن الأمثلة على ذلك:

أن القنوات الفضائية المنحرفة تعرض العلاقة بين الرجل والمرأة على أنها علاقة جنسية، يتحتم على كل منهما أن يقتحم الأعراف الشرعية لأجلها، فيتعرف كلٌ منهما على الآخر ويتخلي ويختلط به، ويمارس معه ما تشاء نفسه، ليس لأحد عليه أمرٌ ولا نهي كائنًا من كان، حتى ولو كانت تلك العلاقة علاقة سِفَاح وخدن!

ومن الأمثلة: تصوير تعاطي الخمور بأنه لا حرج فيه وأنه شيء اعتيادي يشبه شربه شرب العصير والماء!

ومن الأمثلة: الدعاية للتقليعات الغربية في اللباس وتطويل الشعر وحلقه وتسريحه، وغير ذلك من المسالك المثيرة للاشمئزاز.

ز- تقديمها لنماذج منحرفة باعتبارها قدوة مقتفاة:

فقد دَرَجَت معظم القنوات الفضائية على إعداد اللقاءات بنماذج سيئة من المنتسبين والمنتسبات إلى ما يسمى الفن، وهذه النماذج عندها من السقوط الأخلاقي والتخلف الثقافي ما جعلها لا تجد غضاضة في المجاهرة بسوئها وفحشها.

ومن النماذج على ذلك – والمطلع ِأخبر -:

أن إحدى القنوات ([23]) عرضت برنامجًا بعد الإفطار في رمضان يستضيف الممثلين والممثلات. استضاف ذات مرةٍ إحدى الراقصات، فسألتها مقدمة البرنامج: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من مجد؟(!!!)

قال: (أنا هربت من أسرتي وأنا عمري 12 سنة) ومارست حياتي (!!) حتى وصلت (!) وأصبحت (فلانة) صاحبة الشهرة والملايين)!!

ثم سألتها المذيعة: أنت تزوجت 3 مرات رسميًا و4 عرفيًا؟

فقال: (لا، بل 4 رسميًا و 7 عرفيًا).

هكذا يقدم هذا النموذج، وفي شهر رمضان بكل إسقاطاته الأخلاقية.

ومن الأمثلة أيضًا ([24]):

أنهم استضافوا إحدى الممثلات، فسألوها عن عدد مرات الزواج.

فقالت: 4 رسميًا، أما العرفي فلا أعرف له عددًا.

فسألوها: ولماذا كل هذا العدد؟ يبدو أن العيب في الرجال!

قال: (لا، إنَّ العيب في نظام الزواج، لأنه نظامٌ بالٍ متخلف عفاه الزمن).

وهي تعني بذلك نظام الزواج الإسلامي.

هكذا يجاهرون بالفاحشة وينتقصن شريعة الإسلام، ثم يكافأن على هذه الجرأة بإعادة اللقاء معهن في التوقيت نفسه من العام التالي في برنامج عنوانه (سر التفوق)!! وتقدم تلك النماذج على أنها نجوم في المجتمع.

وهكذا تصبح هذه النماذج العفنة وما ماثلها قدوة لكل من أرادت السقوط في أوحال العُهر والفواحش.. هروب من المنزل.. مخادنة وسفاح.. وتنقص لشريعة الله واعتراض على أحكامها.

*  *  *

 ثالثًا: الإخلال بالأمن

 أ- استساغة الجريمة واعتيادها:

دَرَجَت معظم القنوات الفضائية على عرض أفلام الجريمة، المسماة بالأفلام «البوليسية» وتكرار هذه المناظر للجريمة على أنظار الناس بمختلف طبقاتهم وأعمارهم يجعل الجريمة في أنفسهم أمرًا اعتياديًا، حتى يصبح المجتمع ويمسي وروح الجريمة يدب فيه وتكون بماثبة الأحداث اليومية من حياة الناس.

 ب- تمكين المنحرفين من ارتكاب الجريمة المنظمة:

والمراد ها هنا أن الجرائم منها ما يكون عرضًا من غير احترافٍ لها، وإنما تحت تأثير وقتي ولغرض محدد، فهذا نوع.

وثَمَّة نوع ثانٍ وهو الأخطر وهو: الجريمة المنظمة، بحيث تصير الجريمة حرفة أو مهنة يمتهنها الشخص، فيرتب لها وينظم خطواتها، بحيث يحكم تنفيذها لينال بغيته ويَنْفَذ بجلده من القبض عليه.

* فمما تبثه تلك الشاشات فيما يسمَّى الأفلام «البوليسية» عرض كيفيات الخطف، خطف النساء... خطف الأطفال.. وخطف عموم الأشخاص.

* ومن ذلك: السرقة وكيفية التخطيط لها، وكيفية الوصول للأماكن المستهدفة، والأدوات المستخدمة.

* ومن ذلك: إعداد السموم والمواد المكونة لها، وكيفية دسِّها على الشخص المستهدف.

* ومن ذلك: توضيح إعداد المتفجرات وإعدادها من المواد الأولية القريبة من الأشخاص في حياتهم اليومية، وكيفية وضعها ونشرها للغرض المستهدف.

* من ذلك: توضيح الخطوات المتبعة لإخفاء معالم الجريمة والتخلص من أدواتها وإتلاف كل ما يدل عليها أو على الجُناة.

* ومن ذلك: عرض كيفية التهرب والوسائل المتبعة للتعمية على التفتيش.

* ومن ذلك: التشجيع على تعاطي المخدرات وإظهار المتعاطين بمظهر البطولة والقوة والذكاء، وتوضيح وسائل وطرق تعاطيها.

وكل تلك المشاهد لها متابعوها من مختلف الشرائح والأعمال ليصيروا فيما بعد عصابات مدربة تدريبًا عاليًا من خلال المشاهد التي حفظوا خطواتها، فسعوا إلى تطبيقها في ممارساتهم.

دعاوى مرفوضة

بقي أن نشير ها هنا إلى أن عددًا من الناس اعتذروا لأنفسهم في جلب الأطباق الفضائية وأجهزة المتابعة للقنوات الفضائية العالمية – اعتذروا – ببعض الأعذار التي لا تسلم لهم.

* فمن قائل: إنه يتابع أخبار العالم ونشرات الأخبار والاكتشافات العلمية وما دار في فلك ذلك.

وهؤلاء: لم يكلفهم الله هذا العَنَت، ولن يسألهم يوم القيامة عن تركهم متابعة الأخبار، ولكن سيسألهم عما سمعوا وما رأوا وما أنفقوا فيه أموالهم.

وإنك لواجدٌ أن الواحد من أولئك لم يتحمس ولم يَسْعَ لتعلم ما خفي عليه من لوازم دينه في العقيدة والعبادة كتحمسه وحرصه على متابعة ما تنفثه الفضائيات من السوء والفحشاء.

* ومن قائل: إنه يجد في متابعته لبرامج القنوات الفضائية متعة وترويحًا عن النفس وانفتاحًا على العالم يبعده وأهل بيته عن الكبت والانغلاق.

وتالله إن هؤلاء قد وضعوا أقدامهم على طريق الكبت الحقيقي الذي لا يفيقون منه إلا إلى أعظم منه، يوم يوافون ربهم بذلك العمل الذي يسوِّد صحائفهم ووجوههم. ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾([25]).

وإن في حال الغرب الذين أطلقوا لأنفسهم العنان فركبوا كل ما اشتهته أنفسهم من الشهوات المحرمة، لهم فيهم أعظم معتبر.

فإن ذلك لم يزدهم إلا حسرة وضيقًا ونكدًا، فكثر اكتآبهم وتتابعت عندهم الأزمات النفسية، وزادت نسب الانتحار.

* ومهما اعتذر معتذر فإنه ما دام مخالفًا لشريعة الله متبعًا لشهوات نفسه، فإنما يختار حتف نفسه، ويسلك سبيل شقائه.

أَلاَ فليتق الله، وليرجع إلى ربه ما دام في الزمن مهلة، وما بقي في الأجل فُسحة.

*  *  *

 كيف المخرَج وما البديل

لدى إدراك الأخطار الناجمة عن بث القنوات الفضائية وعموم شبكات التلفزة، يرد على الذهن مباشرة: كيف المَخْرَج ما البديل؟ خاصة وأن متابعة ما يُعرض عبر الشاشات بات أمرًا لصيقًا بالحياة اليومية لجميع الناس على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وثقافاتهم.

أقول: لا شك أن معالجة مثل هذا الأمر ليست سهلة ميسورة، فلو أن الشخص رعى الأمور في بيته وتابع من تحت يده فلن يسلم من آثار الخلطة بمن له بهم صلة من جيرة أو رحم أو غير ذلك.

لكن ثَمَّة أمور مُسَلَّمَة أجملها فيما يلي:

أولاً: أن جلب أجهزة متابعة القنوات الفضائية المختلفة وشراءها وإحضارها للمسكن خطأ فادح لِمَا يترتب عليه من الأضرار الحاضرة والمستقبلية، ولذا أفتى أهل العلم بتحريم اقتناء تلك الأجهزة، كما أفتى بذلك سماحة شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله وأفتى بذلك أيضًا صاحب الفضيلة الشيخ العلاَّمة محمد بن صالح بن عثيمين.

وقد يتعلل بعض الناس بعلل لا تسلم لهم كقولهم: إنهم يحضرون تلك الأجهزة حتى لا يذهب أولادهم لبيوت الآخرين.

أو قولهم: إنهم يحددون القنوات التي يمكن متابعتها ويحذفون ما لا يناسب.. أو غير ذلك من الأعذار.

ومهما يكن، فليتصور الواحد من أولئك لو هجم عليه الموت بين لحظة أو أخرى أيسره أن يكون ضمن ما يورثه لمن بعده جهاز فيه حرب الله ورسوله والمحادة لدينه.

ثانيًا: أن التربية والتأصيل الشرعي تزداد أهميتها في مثل هذه الأحوال، فلابد من الحرص على تنمية المدارك الشرعية وتقوية الإيمان، والخوف من الله ومراقبته في قلوب الناشئة، مع الحرص على تعظيم الشريعة في نفوسهم، وملاحظة جلسائهم وحسن اختيارهم.

لا كما يقول بعض الناس: دع الشاب يطرق كل الأبواب حسنها وقبيحها ثم يختار هو ما شاء عن قناعة ودراية!!

ثالثًا: يوجد من البدائل الثقافية والترفيهية اليوم ما لا حصر له، وذلك عبر برامج «الكمبيوتر» النافعة والمفيدة ما يمكن أن يملأ به فراغ الناشئة من غير إضرار بهم، بل بما ينفعهم ويوسع مداركهم العلمية، وتلك البرامج تتناسب مع جميع أفراد الأسرة ذكورًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا.

هذه بعض المسلمات، أو لنقل المقترحات، وكل شخص يدرك ما يتناسب مع ميوله، وما به سلامته، وبُعده عن المزالق.

ولعلَّ للمتخصصين في هذه المجالات مزيد عناية بما يناسب حل هذه المعضلة وإيجاد البدائل النافعة.

*  *  *

 خاتمـة

وبعد أيها القارئ الكريم:

فحقيقٌ بكل مكلَّف أن يبادر بأخذ الأسباب؛ لينجو بنفسه، فإن النُّقلة عن هذه الحياة الدنيا وشيكة، وذلك أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، والله جل وعلا قد عزَّانا جميعًا في أنفسنا فقال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾([26])، وقد حذر جل وعلا من الغفلة والتمادي في المنكرات، وأن عذابه وعقوبته قد تحل بمن عصاه بين لحظة وأخرى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾([27]) وقال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾([28] وقال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾([29]).

وصح عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما الأعمال بالخواتيم» رواه البخاري ([30])، وقد تقرر أن دسائس السوء والإقامة على المعاصي والإصرار عليها توجب الخاتمة والعياذ بالله.

نسأل الله حسن الختام، والأمن يوم الفزع الأكبر، والسعادة يوم العرض عليه جلَّ وعلا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



([1]) ينظر: كتاب «السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية» لمؤلفه زياد أبو غنيمة، نشر دار عمَّار بعمَّان. و «النفوذ اليهودي في الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الدولية» لمؤلفه: فؤاد بن سيد عبد الرحمن الرفاعي، نشر دار المجتمع.

([2]) سورة النساء، الآية: 89.

([3]) ينظر: ملحق الرسالة الصادر عن «جريدة المدينة» السعودية، العدد (13460) الاثنين 23/11/1420هـ الموافق 28 فبراير 2000.

([4]) «جامع الترمذي» برقم (3331). و «سنن ابن ماجه» برقم (4244). و «مسند الإمام أح-مد» (2/297).

([5]) سورة المطفيين، الآية: 14.

([6]) جزء من حديث صحيح مخرَّجٌ في «الصحيحين» وغيرهما من حديث البراء بن عازب t عن النبي ﷺ‬. وانظر تمام تخريجه في كتاب «أحكام الجنائز» (ص202) للشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وقد سبقه للعناية بطرقه وألفاظه الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله في «تفسيره» (2/131) والعلامة الحافظك ابن حجر العسقلاني رحمه الله في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (3/234-240). وقد ضمَّن ذلك فوائد نفيسة وكثيرة.

([7]) سورة الجاثية، الآية: 23.

([8]) «المسند» (4/286) للإمام أحمد. و «مسند أبي داود الطيالسي» (ص101) رقم (747) واللفظ له.

([9]) سورة المجادلة، الآية: 22.

([10]) جزءٌ من حديث صحيح رواه الإمام أحمد في «المسند» (6/145، 160) والحاكم في «المستدرك» (1/19) و (4/383) وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها وانظر: «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للشيخ العلامة الألباني رحمه الله رقم (1387).

([11])  رواه البخاري (6168) ومسلم (2640).

([12]) «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/549).

([13]) سورة الأعراف، الآية: 28.

([14]) «صحيح البخاري» برقم (3456) و (7320). و «صحيح مسلم» برقم (2669).

([15]) «جامع الترمذي» برقم (2643). «المستدرك» (1/128) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/261): رواه البزار (3285) ورجاله ثقات.

([16]) مجلة البيان، (عدد 141) (ص39).

([17]) سُجِّلت هذه الرسالة العلمية بقسم علم الاجتماع في كلية الآداب، جامعة القاهرة. (ينظر: «ثبت علميًا» (5/281) لمحمد كامل عبد الصمد، نشر الدار المصرية اللبنانية).

([18]) سورة الصافات، الآية: 48.

([19]) «صحيح مسلم» (1467).

([20]) سورة البقرة، الآية: 223.

([21]) رواه أبو داود (2162).

([22]) رواه الترمذي (135) وابن ماجه (639) وغيرهما.

([23]) مجلة البيان، (عدد 141) (ص39).

([24]) مجلة البيان، (عدد 141) (ص39).

([25]) سورة الأحقاف، الآية: 20.

([26]) سورة آل عمران، الآية: 185.

([27]) سورة المعارج، الآية: 28.

([28]) سورة النحل، الآيات: 45-47.

([29]) سورة الأعراف، الآيات: 97-99.

([30]) «صحيح البخاري» (6493) و (6607).