الميزان

عبد الله بن سليمان العتيق


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والثناءُ له تعالى شأنه، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا المصطفى، وعلى آله ومَنْ سبيلهم اقتفى.

أما بعد:

(فللنفس خطراتٌ مهلكة، وأهواءُ مربكة)([1])، ونزعات نحو الهوى، وسلوك لدرب الردى، وعن الخير فرارة، وبالشر أمَّارة، ولا يسلم من ذلك من البشر أحد إلا مَنْ مكن الله بتوفيقه بدوام الذكر وطول اليقظة.

والحذر منها مطلوبٌ محضوض عليه، والإزراءُ عليها تأديبًا وتهذيبًا مما ترنو النفوس الزكية إليه، وذلك الحذر والإزراءُ لأمرين([2]):

الأول: أنها عدو من داخل الجسد، ومَنْ ذي صفتُه عزَّت فيه الحيلة وأُمِن.

الثاني: أنها عدو محبوب، والإنسان يعمى عن خطأ محبوبه.

فبهذين يُسْتَحْسَنُ منها القبائح، ويُغْفَلُ عن عيبٍ ركبته، أو خير تركته، «ولا تجد في الخلق فتنةً ولا فضيحةً ولا ضلالاً ولا معصيةً إلا وأصلها النفس والهوى، وإلا كان الناس في سلامة، وإذا كان عدو بهذا الضرر كله فحق للعاقل أن يهتم بأمره»([3]).

وقد سلك السالكون المهذبون لنفوسهم في إلجام النفس عن هواها، وإيقاف تلك النزعات مسالكَ عِدَّة، واتخذوا سُبُلاً، وطرائق عدَدًا.

إلا أن أحسنها وأجمعها؛ بل الأصل لذلك كله أخذها بالمحاسبة، والحَطِّ عليها لومًا إنْ قصَّرت في حقٍّ لله تعالى، أو ركبت ذنبًا، وأخذها بالحزم في الإتيان بالعبادات، والإكثار من الطاعات، حتى تستقيم على جادة الرشاد، وتلبث على سبيل الطاعة لرب العباد إلى يوم المعاد.

وبيَّنوا في ذلك حِكمًا حسانًا، وأصولاً كبارًا، جاءت مِنْ نفوسٍ صقلها الخوف من العاقبة، وهذبها الوجل من غَيب السابقة، فكان لها وقع جليل في نفوس الآخذين.

إن (محاسبة النفس) وظيفةُ من أجلِّ وظائف الصالحين تأتي بعد وظيفة (التوبة) التي فيها تأسيس لحياة جديدة في الطاعة ولزومها وترك المعصية والمخالفة، فتكون (المحاسبة) تدقيقا وتحقيقا مع النفس في مسار سلوكها؛ لومٌ وعتاب على تقصير في أمر أو فعل لنهي، وعلى كل خاطر يخطر بعمدٍ وقصدٍ، ليكون المسير إلى رضا الله مصونًا محفوظًا، وما أسهل الحساب على مَنْ هذا شأنه وحاله.

ونستعرضُ في هذا المكتوب الوجيز معالم هذه الوظيفة العظيمة في درب السالك إلى تحصيل رضا ربه تعالى، والتي هي الخطوة الثانية بعد التوبة التي يكون بها الصدق مع الله ومع النفس.

والله الموفق لا ربَّ سواه.

 تعريف المحاسبة

إن شأن المحاسبة للنفس كبير عند الصالحين، ومقامه عظيم في نفوسهم، ولأجل هذا كانوا يعملون على الإتيان به في واقع عملهم، وفي جريان حياتهم، فكانت قالاتهم المحكية عنهم، وأفعالهم المنقولة في تراجمهم تفيدنا إفادات لمعنى محاسبة النفس، والمقصد منها، والمعنى الجامع من تلك المأثورات هو: الوقوف على النفس محاسبةً لها في أداء المأمور به، وفي ترك المنهي عنه، وتكميل النقص الطارئ.

قال الحارث المحاسبي: «الرعاية لحقوق الله» (ص45) عن المحاسبة:«النظر والتثبت بالتمييز لما كره الله عزَّ وجلَّ مما أحب».

وقد بيَّن معناها الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: «إحياء علوم الدين» (5/138) حيث قال: اعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية في الحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها. اهـ.

ثم قال رحمه الله: «إحياء علوم الدين» (5/139): رأس مال العبد في دينه الفرائض، وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي). اهـ.

فمن هذه المنقولات يبين لنا المعنى المراد من محاسبة النفس، والقيام عليها بالمتابعة والنظر، إذ بها يكون الظفر بالسلامة من محاسبة الآخرة.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا».

 فضل محاسبة النفس

النصوص الواردة في شأن محاسبة النفس متنوعة، وليست على نوع واحد، إذ هي مرةً: بملازمة حالها، أو بيان ثمرتها، أو ذكر صفة أهلها، ونحو ذلك، وعليه: فأسوق هنا جملة مباركة من النصوص الواردة في ذلك:

1- قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والتقوى: اتقاءٌ مِنْ عذاب الله؛ بفعل الطاعات وترك المنهيات.

2- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18].

3- قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: 16].

فهذه الآيات توحي بحقيقة المحاسبة إيحاءً ظاهرًا لمن أمعن التدبر، فإن محاسبة العبد نفسه تورثه التقوى؛ وهي: اتقاءُ عذاب الله بطاعته وترك معصيته، وتجعله ينظر في أي عملٍ يعمله قبل العمل به؛ هل هو مما يرضي الله أو لا؟ ونحو ذلك، فإذا فكر في مستقبل أعماله ففي ماضيها أجدرُ وأحق أن يفكر محاسبًا، وأيضًا إذا علم أن الله قريبٌ منه، مُطَّلعٌ عليه، يعلم خافيَ نفسه وعلانيتها وقف عند أعماله وأقواله، فهذه هي حقيقة المحاسبة في تلك الآيات المباركات، وفي غيرها من الآي.

4- قال سيدنا - صلى الله عليه وسلم -: «الكيِّس مَنْ دان نفسه وعمل لما بعد الموت»([4]).

قال الحارث المحاسبي رحمه الله: «وقوله: «دَانَ نفسه» يعني: حاسب نفسه». اهـ([5]).

والأخبار الواردة بمعنى المحاسبة كثيرة، وآثار الصالحين وأخبارُ أحوالهم كثيرة وفيرة – أيضًا -.

ذكر جملةً من أخبار القوم الحارث المحاسبي رحمه الله في: «الرعاية لحقوق الله»، ومن جملة ما ذكر:

أن أبا بكر رضي الله عنه قال لعائشة رضي الله عنها عند الموت: ما أحد من الناس أحب إليَّ من عمر، ثم قال لها: كيف قلتُ؟، قالت: قلت: ما أحد من الناس أحب إلى من عمر، فقال: لا، ما أحد من الناس أعزَّ عليَّ من عمر.

فهذه المحاسبة من أبي بكر رضي الله عنه من دقائق الأحوال، فهي في لفظةٍ من الألفاظ، قد تكون خرجت لا عن قصدٍ، فكيف بمحاسبته لأعماله، وما يتعلق بها من إتمام واستيفاءٍ؟

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتهرت كلمته التي غَدَتْ مثلاً بين الناس، وهي: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر».

وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة.

ولما شغلت الطير أبا طلحة في صلاته جعل حائطه – بستانه – صدقه لله عزَّ وجلَّ، ندمًا على فعله ورجاء العوض لما فاته.

والمتتبع لما نقل عنهم من أخبار وحكايات يجد ذلك بينًا في حياتهم y وسلك طريقهم في ذلك جماعة من ذوي السلوك والنسك، سلك الله بنا معهم.

 أقسام المحاسبة

محاسبة المرء لنفسه وظيفة كبرى لاستمرارية سلوكه في تهذيب نفسه، وإصلاح خللها، ولذا كان العلماء من عنايتهم بها يقسمون محاسبة النفس إلى قسمين:

القسم الأول: محاسبة عامة، فيحاسبُ نفسه على ما بدر منها من تقصير بواجب، أو ارتكاب لمنهي عنه، فيعاتب نفسه على ذلك معاتبةً تثمر له زيادةُ في الخير، وتقليلاً من الشر، وملازمةً للهدى، ومفارقة للهوى.

وفي هذا إشارات للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله في «إحياء علوم الدين» (5/139) فلتراجع.

القسم الثاني: محاسبة خاصة، وهي متعلقة بجوارحه، فيقف عند كل جارحةٍ مِنْ جوارحه فيحاسبها على ما قدَّمته وما أسلفته.

والمقصود: بالجوارحُ والحواس، القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والقدم، والفرج.

فمحاسبة (القلب): معاتبته على ما كان منه من عملٍ قَصَدَ نيته لغير الله تعالى، أو تلبَّس قلبه بآثام الباطن، كـ: العجب، والحقد، والحسد، والغش، ونحوها.

أو كان ذنبه ترك عملٍ من أعماله المطلوبة، كالتوبة إلى الله، والرِّضا عنه، ومراقبته، وخشيته، وما إليها.

ومحاسبة (اللسان): فيما جرى عليه من كلام بذيء، وغيبةٍ، وفاحش لفظٍ، وسخرية وانتقاصٍ، وغير ذلك.

أو ما جرى من تقصيره في: ذكر الله تعالى، وأمرٍ ونهي، ونصح...

ومحاسبة (السمع): (المراجعة مع النفس فيما سمعه من غيبةٍ لم ينكرها، ولفظٍ منكرٍ لم يأنف منه، وغير ذلك.

ومراجعتها فيما قصرت فيه من سماع للعلم والذكر بعمومه.

وقلْ مثل ذلك في باقي الجوارح([6]).

فهذه المحاسبة للنفس تفيد المرء دقةً في تعامله مع نفسه وإصلاحها، في كلتا حالَتَي: (التحلية) و (التخلية).

وما أندر مَنْ كان يضع ذلك في زمان السلف السابقين فكيف اليوم!! فقد مرَّ معنا ما كان من أبي بكر رضي الله عنه من محاسبة لنفسه في لفظة قالها، وما كان منه من إخراجه ما كان قد أكله من كسب (المتكهن).

 أركان المحاسبة

للمحاسبة أركان ثلاثة([7]):

الركن الأول: المقايسة بين نعمة الله وجناية العبد، قال ابن القيم رحمه الله: وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد، ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها، وعظمة جلال الربوبية، وتفرد الرب بالكمال والإفضال، وأن كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك، وبربوبية فاطرها وخالقها، فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر، وأساس كل نقص، وأن حدها: الجاهلة الظالمة، وأنه لولا فضل الله ورحمته بتزكيته لها ما زكت أبدًا، ولولا هداه ما اهتدت، ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصول إلى خير البتة.

فهذه نعمة الله تعالى على العبد، وجناية العبد هي أفعاله: طاعةً أو معصيةً فيقايس بين الحسنات والسيئات فيعلم أيهما أكثر وأرجح قدرًا وصفةً.

وهذه المقايسة شاقة على العباد إلا على مَنْ له ثلاثة أشياء:

الأول: العلم الذي به التمييز بين الحق والباطل، وبه معرفة مراتب الأعمال، وكلما قوي العلم كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم.

الثاني: سوءُ الظن بالنفس، لأن حُسْن الظن بها يمنع من كمال التفتيش، فيُريها المساوئ محاسنًا، والعيوب كمالاً.

ومَنْ أساء الظن بنفسه فلمعرفته بها.

الثالث: التمييز بين النعمة والفتنة، فإن بعض النعم قد تكون استدراجًا من الله تعالى للعبد، ومن النعم ما تكون إحسانًا ولطفًا من الله.

فكل ما كان من نعم الله تعالى جامعًا للعبد على الله فهو نعمةٌ حقيقية، وكل ما كان مفرقًا له عن الله فهو بلاءٌ في صورة نعمة، ومحنة في صورة منحة.

الركن الثاني: التمييز بين ما لله تعالى على العبد، وبين ما للعبد أو عليه.

بيان: أن الله تعالى له حق على عباده، وهو: عبادته والتزام طاعته، واجتناب معصيته.

والعبد له حق وهو كل ما أباحه الشرع له.

والمقصود بالركن أن يؤدي العبد ما عليه مِنْ حق لله تعالى، فإذا أداه آتاه الله الحق الذي له.

والذي على العبد شيئان:

أولهما: لله تعالى، وهو حق العبودية وما يتبع ذلك.

ثانيهما: للخلق، فلا يمنع ذا الحق حقَّه؛ بل يؤدي ما عليه لهم.

(ولابد من التمييز بين ما لك وما عليك، وإعطاء كل ذي حق حقه، وكثيرٌ من الناس يجعل كثيرًا مما عليه من الحق من قسم ماله؛ فيتحير بين فعله وتركه، وإن فعله رأى أنه فضل قام به لاحق أداه.

وبإزاءِ هؤلاء مَنْ يرى كثيرًا مما له فعلُه وتركُه من قسم ما عليه فعله أو تركه، فيتعبد بترك ما له فعله، كترك كثير من المباحات، ويظن ذلك حقًّا عليه، أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقًّا عليه)([8]).

الركن الثالث: عدم الرضا بالطاعة، وعدم التعيير بالمعصية؛ لأنها ستعود إلى المُعَيِّر.

فالعبد إذا رضي بطاعته فهو محسنٌ ظنَّه بها، وجاهل بحقوق العبودية، والرضا بالطاعات من رعونات النفس وحماقتها.

قال عليٌّ المنيِّر: وقد أجمع العارفون على أن من علامات الرياء استحلاء العبادات؛ لأن النفس لا تستلذ بعبادة إلا إذا وافقت هواها([9]).

ولقد جاءت نصوص تقطع مجيء الرضا بالطاعات، كآيات الاستغفار عقب الإفاضة من عرفات، حيث قال ربنا تبارك وتقدَّس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]، وكقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]، ونحوها.

قال ابن القيم رحمه الله في «مدارج السالكين» (1/327): وأرباب العزائم أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية، ولا رضيها لسيده).

فلا يكون راضيًا عن طاعته مَنْ عرف حقيقة ربه المعبود جلَّ جلاله، ولا يكون راضيًا بها مَنْ عرف حقيقة عبوديته، قال الشيخ أبو مَدْينَ رضي الله عنه: «مَنْ تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء»([10]).

فالرضا بالطاعات عائدٌ على العبد بما لا يكون فيه خير له.

هذا ما يتعلَّق بالشقِّ الأول من الركن، وهو: عدم الرضا بالطاعة.

وأما الشاق الثاني، فله احتمالات ذكرها ابن القيم رحمه الله([11]):

الأول: أن المعصية صائرةٌ إلى المعيِّر ولابد أن يعملها، مأخوذ من حديث سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَيَّر أخاه بذنبٍ لمْ يَمُتْ حتى يعمله» [رواه الترمذي].

وقيده الإمام أحمد رضي الله عنه بالذنب الذي قد تِيْبَ منه ([12]).

الثاني: أنه من الشماتة بالمعيَّر.

الثالث: أن التعيير بالذنب أعظم إثمًا من الذنب المُعَيَّر به صاحبه، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس.

لطيفةٌ: ذكر الإمام المنَاوي يرحمه الله في: «فيض القدير» (3/223) حكاية تتعلق بالاحتمال الأول والثاني، فقال: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد فقدموا الكسائي يصلي جهريةً فارْتُجَّ عليه في قراءة «الكافرون»، فقال اليزيدي: قارئ الكوفة يرتج عليه في هذه؟، فحضرت جهرية أخرى فقام اليزيدي فارتج عليه في «الفاتحة».

فقال الكسائي:

احفظ لسانك لا تقول قتلتني

إنَّ البلاءَ موكلٌ بالمنطق

 طريقةُ محاسبة النفس

أفعالُ العبد وأقواله هي عمله الذي يُؤَاخذُ به ويثاب عليه، والجدير بالكيِّس أن يكون محاسبًا نفسه عند تلك الأعمال – القولية والفعلية -، ولذلك طريقان معروفتان([13]):

الأولى: محاسبةٌ قبل العمل([14] وفي هذا يقول الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: فإن كان لله: مضى، وإن كان لغيره: تأخَّر.

وبيان ذلك أن يُسائل نفسه أربعة أسئلة قبل البَدْءِ بالعمل، وهي:

1- هل العملُ في مقدوره واستطاعته أو لا؟ فيُقدِم إن كان جوابه بـ (نعم)، ويُحجم إن كان بـ (لا)، ثم يسألها إن كان جوابه بـ (نعم).

2- هل فعله خيرٌ أو تركه؟ فإن كان جوابها بـ (لا) ترك العمل، وإن كان جوابها بـ (نعم) سألها ثالثًا:

3- هل الباعث على العمل وجه الله أو غيرُه؟ فإن كان جوابها بالثاني لم يُقدم على العمل – ولو كان به تحقيق غرضه، وإن كان الأول سألها رابعًا:

4- هل هو معانٌ عليه أو لا؟ فإن كان ثمَّةَ معين أقدم على العمل، وإن لم يكن له معينٌ ترك العمل.

هذه مقامات أربع في محاسبة النفس قبل الشروع بالعمل، ولابُدَّ أن يُقيَّدَ ذلك بميزان الشريعة على ما قرَّره الفقهاء في كل عمل.

والوقوف مع النفس في هذا المقام صَعبٌ جدًّا، وليس كلُّ أحدٍ مُوَفَّقا إليه، ولا كل أحد يطيقه، إلا أن الحازمَ من الرجال مَنْ يُكْرِهُ نفسَه على ذلك، ويؤطِرُها عليه ، فإن استقامت فذاك، وإن لم يكن فيكون قد أعذر وبذل جهده.

ومن الحَسَنِ المعمولِ به عند القوم في محاسبة أنفسهم أن يقومَ أحدهم مع نفسه قبل كل عملٍ بالمشارطة، يوضح ذلك الإمام الغزَّالي يرحمه الله في: «إحياء علوم الدين» (5/135) حيث يقول: «فحتمٌ على كل ذي حزمٍ آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها، وسكناتها، وخطراتها، وحظواتها، فإنَّ كلَّ نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكن أن يشتري بها كنزًا من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآبدين.

وانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفةً إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل.

فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح، ينبغي أن يفرِّغ قلبه ساعةً لمشارطة النفس – كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته، فيقول للنفس: ما لي بضاعة إلا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد أمهلني الله فيه؛ وأنسأ في أجلي، وأنعم عليَّ به، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يومًا واحدًا حتى أعمل فيه صالحًا. فاحسبي أنك قد توفيت، ثم رددت، فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها» ([15]) – ثم قال – رحمه الله: «فهذه وصيته لنفسه في أوقاته، ثم ليستأنف لها وصيةً في الأعضاء السبعة»... اهـ.

فبمراعاة هذه المشاركة يستطيع العبد أن يمسك زمام نفسه، وأن يكبح جماحها، فيكون بينهما عهدٌ وميثاق على لزوم شيء ما وعلى ترك آخر، ولا بد أن يكون مع ذلك متصفًا بثلاث صفات حتى يتحقق ما يريد:

الصفة الأولى: الحزم، فلا يكون ذا لينٍ في موطنٍ شدة، ولا يكون هينًا في غير موضعه.

الصفة الثانية: الصدق، فإنه لَمْ يُفْلحُ في تهذيب نفسه إلا كل مَنْ كان صادقًا معها، والصدق معها ضامنٌ ثمرةً كبرى، والغايةُ محقَّقة.

ومن الصدق أن لا يلتمس لها عذرًا في حال تقصيرها بواجب، أو ركوبها لذنب، وأن لا يكون محسنًا الظنَّ بها؛ فحُسْنُ الظن نوع من الكذب والمخادعة.

ومن الصدق معها أن يكون دقيقًا في محاسبة نفسه، وأن لا يُغْفِلَ شيئًا من أفعالها دون الوقوف عنده ومحاسبتها عليه.

ومن الصدق مع النفس أن يكون صادقًا في محاسبتها، وأنه يريدُ منها السلامة من كلِّ آفة، والحظوة بكل مكرمةٍ وفضيلة.

الصفة الثالثة: التدرج، فليس شأن الرجل المزكي نفسه قَهْرُ النفس والشدةُ عليها، ولا إلزامها بما لا تطيق من العمل، وفي الحديث: «خذوا من العمل ما تطيقون ([16])» وفي حديث آخر: «خدوا من العبادة ما تطيقون»([17]).

وانظر شرحهما في: «فيض القدير» (3/474) للإمام المناوي يرحمه الله.

ومن التدرج: الترقي في مراحل: التزكية، والتحلي بالأخلاق الحسنة، والتخلي عن الأخلاق المذمومة.

وصور التدرج كثيرة، إلا أن المقصود منها: لزوم العمل على وَفق ما هو مقرَّر في الشريعة على وجهِ الأحكام التكليفية، وهكذا.

الطريق الثانية: المحاسبة بعد العمل، والمرادُ منها ظاهر بيِِّن، وهي ثلاثة أنواع.

النوع الأول([18]): المحاسبة على التقصير في الطاعات، إذا لم تكن الطاعةُ قد أُوْقِعَتْ على الوجه الذي ينبغي، والذي ينبغي شيئان:

أولهما: شرعي، وهو: المجيء بالطاعة على الوجه المعتبر لها شرعًا، فهذا له أحكامه لدى الفقهاء.

ثانيهما: سلوكي، وهو: المجيء بالطاعة على وجه إحسانِ لها وإتقان، زيادة على المجيء بها على الوجه المعتبر لها في الشريعة، وهذا هو الذي انماز به أهل السلوك عن غيرهم من الناس.

وفي الطاعة ستةٌ من حقوق لله سبحانه، وهي:

الأول: الإخلاص في العمل.

الثاني: النصيحة لله فيه.

الثالث: متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه.

الرابع: شهود مشهد الإحسان فيه، أي مشهد إتقان العمل.

الخامس: شهود مِنَّة الله فيه على العبد.

السادس: شهود العبد تقصيره في الطاعة بعد كل ذلك([19]).

فإذا أتى العبد بطاعته بهذه الحقوق الستة فقد أتَتْ طاعته على وجد كامل تامٍّ – إن شاء الله تعالى- ، وإذا تخلَّف شيءٌ– أصلاً أو كمالاً – اعترى طاعته من النقص بقدر ما أصابه من نقص تلك الحقوق.

فهنا يكون العبد في حال محاسبة لنفسه في اعتراء النقص طاعته، إذ كل حق من هذه الحقوق أساسٌ في تمام عبادة العبد.

النوع الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عَمَلٍ تَرْكُهُ خيرٌ له من فعله، فبعضُ الأعمال يكون الأمر فيها مترددًا بين الفعل وبين الترك، وقد يكون في الترك خيرية أكبر من الفعل، ككثير من المباحات.

فيحاسب العبد نفسه – هنا – على فعله العمل إذْ كان تَرْكُه خيرًا، وليس المقصود أن يحاسبها من حيث الجهةُ الشرعية، بل المقصود من حيث تهذيب النفس، ومن حيث الورعُ.

فقد كان كثير من السلف يتركون المباحات خشية الوقوع في المنهي، وقد يكون ترك المباح من قبيل تهذيب النفس، كما هو شأن بعض من الصالحين.

وقد يكون العمل المقصود في النوع شيئا من المكروهات، فإنَّ تَرْكَها خيرٌ من فعلها، من حيث الجهةُ التشريعية، ومن حيث الجهة السلوكيةُ التهذيبية.

النوع الثالث: أن يحاسب نفسه على أمرٍ مباحٍ أو معتادٍ لِمَ فعلَهُ؟ وهل أراد به الله والدارَ الآخرة؛ فيكون رابحًا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به؟

وهذا النوع مما لا يكاد يوجد بين الناس اليوم، فإن المباحات والعوائد كثيرة وقد يكون منها ما هو سابلةٌ للشر والضُّرِّ مِنْ غير أن يشعر العبد بذلك.

فمحاسبة العبد نفسه على المباحات والعوائد والتدقيق معها فيها قد يكون فيه تخلُّصٌ من كثير منها، وتعديل وتصحيح لجملةٍ أخرى.

وهذه المحاسبة بعد العمل ذكرها الإمام الغزالي يرحمه الله في: «إحياء علوم الدين» (5/138) حيث قال: اعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يُشارط فيه نفسه على سبيل التوصية في الحق فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يُطالب فيها النفسَ ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنةٍ، أو شهر، أو يومٍ، حرصًا منهم على الدنيا من أن يفوتهم ما لو فاتهم لكانت لهم الخيرة لهم في فواته، ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلا أيام قلائل، فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلَّق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟

ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة، والخذلان، وقلة التوفيق، نعوذ بالله من ذلك.

* * * *


 الخـاتمــة

هذه نُقَلةٌ في أفياء رياض (محاسبة النفس)، جَنَيْنَا منها كلَّ ثمرٍ طيبٍ، وتبصَّرْنا بحقائق في التعامل مع النفس، ورعاية وقوفها مع الأمر والنهي.

فجديرٌ بالعاقل أن لا يغفل عن متابعة نفسه، ولا عن رعايتها وصيانتها، فبذلك يكون قد أخذ نفسه مآخذ المَراقب المتابع.

ومتى أهملَ رعايتها ومحاسبتها فإن المُتضَرِّرَ الأول من بلائها وآفاتها هو، فعندها لا يلومنَّ إلا نفسه.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خيرٌ من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها.

اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

كتبه

عبد الله بن سليمان العُتَيِّق

ربيع الآخر/1425هـ الرياض: 11527

ص.ب: 68298



([1]) كشف اللبس في مناصحة النفس: (ص157 «رسائل في النفس»).

([2]) «منهاج العابدين» (ص144).

([3]) «منهاج العابدين» (ص146).

([4]) رواه الترمذي.

([5]) «الرعاية لحقوق الله» (ص47).

([6]) انظر: «إحياء علوم الدين» (5/126).

([7]) انظر: «مدارج السالكين» (1/319).

([8]) «مدارج السالكين» (1/325).

([9]) «كشف اللبس عن دسائس النفس» (ص70)، [ضمن: «رسائل في النفس» ت: سعيد عبد الفتاح].

([10]) «مدارج السالكين» (1/329).

([11]) «مدارج السالكين»( 1/233-331).

([12]) انظر: «مدارج السالكين» (1/330).

([13]) انظر: «إغاثة اللهفان» (1/97-98).

([14]) وقد بيَّنها الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله في: «الرعاية لحقوق الله» (ص48) فقال هي: النظر بالتثبت قبل الزلل، ليبصر ما يضره مما ينفعه، فيترك ما يضره على علم، ويعمل بما ينفعه على علم، فمن اتقى العجلة، وتَثَبَّتَ قبل فعله، واستدل بالعلم أبصر ما يضره مما ينفعه قبل العمل بهما. اهـ.

([15]) أي: لا قدَّر بقيمة، والله أعلم.

([16]) متفق عليه.

([17]) رواه أحمد.

([18]) انظر: «إحياء علوم الدين» (5/139).

([19]) هذه الأركان قد بيَّنها وشرحها شيخنا العلامة الفقيه: صالح بن محمد الأسمري – حفظه الله وبارك به – في شريط مسموع، عنوانه: «الأركان الستة للطاعة» فليُرجع إليه.