انهزام الالتزام ()

 

|

 انهزام الالتزام

خالد بن عبد الله الشهري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده بكل المحامد على كل النعم، ونستعينه على منع البلايا ودفع النقم، نستهديه إذا ادلهمت خطوبٌ وحارت قدم، ونستغفره من جميع الخطايا قبل حلول الندم، ونتوب إليه قبل حصول الرزايا وفرط الألم، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من سيئات أعمالنا ومن كل عقاب وسقم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من سار على الثرى بقدم.

أما بعد: فيا أيها الأحباب:

أجبرت قلمي على الكتابة فأبي. ثم أجبرته أخرى فبكي، واعتصر نفسه وسالت المدامع والدماء، ثم صاح في وجهي: فجرت مدامعي وآلمت جروحي، يا هذا قد كف حبري منذ سنين الأسى، وجف ندى حبري من كثرة ما رأى، يا هذا كف عن هذا الأذى، دعني أنام كما نام كثير ممن ادعى أنه من أهل الالتزام والتقوى، بل وحاملًا لراية الدعوة.

يا هذا إن كتبت سطرت حروفًا ملطخة بالدماء، وفجرت جروحًا لن تجد لها ضمادًا أبدًا، وأسلت مدامع تبكي طول العناء، قد اعتدت الركون والعزلة والبكاء، أبكي وأتباكى مع من ليس همه سوى زيادة النوح والبكاء.

يا هذا كفى، سال دمع قلمي بمزيد من الحزن والأسى، ارتج قلمي في يدي، وحارت أحرفي على لساني، كأنها تقول لي: اجلس معنا، واستمع، بل وشاهد في القناة ما يجلو الهم ويزيل الأسى، أعلنتها صريحة لا أخشى بها أحدًا.

يا قوم، يا هؤلاء هذا ليس بمكاني، وَلَّيت من أهل المدائن خائفًا، أتيت إلى أصحاب أحببتهم وأحبوني، فما وجدت عندهم إلا ازدياد العناء، مستقيمون بهموم دنيوية، يتباكون على مجد تليد ضاع وانتهى أيام أبي بكر وعمر والمثنى -رضي الله عنهم- وأرضى، شعاراتهم أحبتي كان لنا، أصبح أحبتي مثل قبيلة باهلة كلما فاخرها الناس قالت: منا قتيبة بن مسلم لكن مات يرحمه الله... (شعار كان لنا) زاد قلبي حزنًا وكمدا.

سألت أحبتي يا جموع المستقيمين، أين أنت وأنا؟! هل يصنع المجد للأمة الكسالى والنوما، وعلى أهازيج الأناشيد يهتز فرحا وربما، علاه الطرب وهاجت عينه بالبكاء، ودعت أحبتي، وأنا لهم محب، ولكن في القلب نارًا تشتعل، وفي العين بركانًا يثور.

ناشدت قلمي، وجروحي تسيل بالدماء.

أيها القلم المكلوم بل أيها الملتزم المستقيم، ما لي أراك مهزومًا، عرف لما أنت عن الكتابة تمتنع وتأبى، قال: أتهيج مشاعري، وتقرح فؤادي، وتطلب مني السكوت، ودفن الجروح تحت الثرى.

لا والذي خلق الأرض والسموات العلا، لأفجرن في هذه الليلة جروحًا تبل الثرى، عندها تمنيت أن حبر قلمي ما سرى.

أيها الأحباب:

إنني والله لفي حيرة، ماذا أقول وأعبر عما أرى؟ أهي استقامة بلا مستقيمين. أم مستقيمون بلا استقامة؟ عبارات متداخلة، وأفكار محيرة. لا ندري أيها أصوب بل للتعبير أبرع وأجمل. يختار قلمي عبارات لا تجرح بل توقظ النائم، وتستحث المتكاسل، ويكفينا من الماء نضحًا، ومن الكلام قم تهيأ القوم للرحيل وجد السير.

الانهزامية:

تخل عن المبادئ، وتراجع، وتيه في كل واد. عمل بلا ثمرة. أهداف عشوائية. أحلام غير واقعية. هروب من الميدان ودعوة للانعزالية. عجب وكبر واتكالية.

إنها الانهزامية

لا ندري كيف نصف مرض الانهزامية، إنها سوسة الالتزام، وفيروس الاستقامة، تسلب المبادئ، وتسرق الأحلام.

أيها الأعزاء:

لست في هذه الليلة بمتصيد للعيوب. أو مفتش عن النقائص ومعلن للذنوب، لا وحق علام الغيوب. بل هي جراحي أعلنها، دبت في جسدي دون دراية بها، هو مرض أشكوه إليكم، أعلَّ حياتي وأوشك أن يستأصل التزامي، أعلن لكم جراحي، فأنتم دوائي، بل لتضمدوا بلائي. هي صيحات مني لتحصين التزامكم. قبل أن يدب الفيروس. فتطيح الرءوس.

أما ترى النخلة العظيمة ثابتة جذورها، مخضرة أوراقها، وجميل ثمرها، وفجأة دخلتها سوسة النخيل فأكلت ما بداخلها، وما تنبه المزارع لها، فإذا به يرى نخلته العظيمة الجميلة الأنيقة منكسة رأسها ذابلة أوراقها، تهوي أمام عينه، حاول إمساكها، لكن دون جدوى، كانت سوسة النخيل أسرع منه إليها فاجتثت جذورها، وأعلنت نهايتها...

معاشر المستقيمين:

ما أحلى وأجمل وأبهى أن ترى شبابًا زينوا وجوههم بلحاهم. واتبعوا سنة مصطفاهم - صلى الله عليه وسلم - نخيل مثمر، لكن سرت فيهم سوسة الانهزامية، فما أجمل الظاهر، وما أبشع الباطن. صدق فيهم قول ابن عيينة -رحمه لله تعالى-: يا معشر المستقيمين، لا تكونوا كالمنخل، يخرج للناس الطحين الطيب، ويمسك النخالة.

ما أجمل المواعظ تخرج من أفواهنا وما لامست شغاف قلوبنا، لهذا لم يكن لأعمالنا ثمرة؛ لأن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة.

أحبابنا:

إننا في هذه الليلة نحاول جاهدين، إمساك نخلة الالتزام قبل انهيارها، وسريان السوسة إليها.

ولعل من أهم أغراض وأسباب انهيارها، ما يلي:

1- أخطاء في شخصية الشاب الملتزم.

2- أخطاء في المنهج الدعوي (أسلوب الدعوة).

ولعلنا نبدأ بالأول منهما وهو: أخطاء في شخصية الشاب الملتزم.

وهذه الأخطاء تندرج تحت:

* فقدان السمات –الصفات- الأساسية للداعية.

فإذا فقد الشاب الداعية مقوماته الأساسية لبناء نفسه؛ فقد هام على وجهه في صحراء الانهزامية، فأول بوابات الانهزامية:

1- عدم الإخلاص:

إذا اطلع الخبير على الضمير، فلم يجد غير الخبير، جعل فيه سراجًا منيرًا.

من وجد الله فماذا فقد. ومن فقد الله فماذا وجد.. يا إخوتاه: قولوا لمن لم يكن صادقًا: لا تتعنى... قال أبو عثمان المغربي:

الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر للخالق..

قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق.

أيها الحبيب:

إليك بنقاط من بحار السلف وعجائبهم فأرعها سمعك، وإن كانت غريبة في عالمنا.. هذا زين العابدين علي بن الحسين -رحمه الله تعالى- يقول عنه أبو حمزة الثمالي: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز-أكياس- على ظهره بالليل فيتصدق ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب. قال عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسن فغسلوه، جعلوا ينظرون إلى آثار سوداء بظهره، فقالوا ما هذا؟ فقيل كان يحمل أكياس الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.

لله دره ما أخبر أحدًا حتى عرفوا بعد موته أنه يعول مائة أسرة من فقراء المدينة، رحمك الله وإخلاصك.

ثم اسمع إلى آخر: زين القراء محمد بن واسع يقول: لقد أدركت رجالًا، كان الرجل الواحد يكون رأسه مع امرأته على وسادة واحدة، قد بلَّ ما تحد خده من دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي جنبه. [حلية الأولياء].

إنها والله -أيها الحبيب- لأغرب من الخيال.

قال سفيان بن عيينة: أصابتني ذات يوم رقة في القلب فبكيت، فقلت في نفسي: لو كان بعض أصحابنا معي لرقوا أي: بكوا معي، ثم غفوت. فرأيت في المنام أن أحدًا رفسني برجله قال لي: يا سفيان، خذ أجرك ممن أحببت أن يراك.

نعم خذ أجرك ممن أحببت أن يراك. قل لمن أعد كلمة ليتحف بها الناس. خطبة ليقال عنه: إنه خطيب. محاضرة ليقال عنه: إنه متكلم. دمعة من عين ليقال عنه: ما أرق قلبه؛ صدقة ليقال عنه: ما أجوده؛ تعداد لأعماله، ليقال: ما أبرعه في عمل الدعوة ضحى بنفسه وأهله، وماله، حضور للندوات ودروس العلم، ليقال: ما أعلمه! بل ما أكثر سعة علمه، وقس على هذا كثير، إلى هؤلاء كما قيل لسفيان بن عيينة:

يا سفيان، خذ أجرك ممن أحببت أن يراك، إن أخذت أجرك مديحًا من الناس فماذا تريد؟!. إن انتظرت بعد كلمة تلقيها أو خطبة تعدها، أو عملًا دعويًّا تعمله أن يقال لك: جزاك الله خيرًا أحسنت وما قصرت، فقد أخذت أجرك؛ فلا تنتظر أجرًا من الله عليه.

اسمع إلى ورع السلف: قيل للحافظ عبد الله بن داود: رأيناك كأنك في الجنة فقال لهم: أما وجد الشيطان أحدًا يسخر به غيري غيركم. [حلية الأولياء 2/245]. وهو الذي يقول: يستحب أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح، لا تعلم به زوجته ولا غيرها. [سير أعلام النبلاء 9/346].

وكان محمد بن يوسف الأصبهاني: لا يشتري الخبز من خباز واحد، قال: لعلهم يعرفونني فيحاربوني، فأكون ممن أعيش بديني [حلية الأولياء 8/231].

وكان سفيان الثوري -رحمه الله- لا يترك أحدًا يجلس إليه إلا ثلاثة فغفل يومًا، فرأى الحلقة قد كبرت فقام فزعًا وقال: أخذنا والله ولم نشعر. والله لو أدرك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مثلي، وهو جالس في هذا المجلس؛ لأقامه وقال: مثلك لا يصلح لذلك.

أيها الحبيب المبارك:

نعجب عندما نسمع هذه القصص، ولو رجعنا لحالنا؛ لرأينا العجب. لا نكاد نبدأ في عمل حتى يعلمه الصغير والكبير. وإن خطبة أو كلمة؛ جر معه جحافل الزملاء ليروا الخطيب البارع، والداهية المتكلم. ليقال في النهاية: أحسنت، وأجملت، وفصلت، وأوجزت، يا شيخنا، بيض الله وجهك ورفع في عليين قدرك. فرح شيخنا وأعجب بنفسه. فسرق الإعجاب ثوابه، وأخذ أجره، فما كان لعمله ثمرة..

الإعجاب كلب ينبح في القلب،

والملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة.

2- ضعف العلم الشرعي:

بالعلم يُعرف السهل من الطريق والوعر. به يُميز الطريق وعوائقه يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، به يعرف الحلال من الحرام هو أساس السفر في طريق الاستقامة. أنفع زاد يقتنيه مستقيم. من تدرع بالعلم؛ حُفظ ومُنع. ولما كان المجاهد لا يقتل عدوًا إلا بسلاح وعدة، فكذلك الملتزم لا يؤثر ولا يصنع أمة ولا يكشف غمة ولا يزيل ظلمة، إلا بعلم وعمل.

العلم وسيلة والعمل ثمرة الغراس، والبناء من غير قواعد لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى، فاعلم أخي ولا تنسَ. (إشارات على الطريق).

قال الإمام أحمد: الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يُحتاج إليه بعدد الأنفاس.

واسمع لابن القيم يقول: العلم للقلب مثل الماء للمسك إذا فقده مات، فنسبة العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها.

يقول محمد بن إسماعيل الصائغ: كنت أصوغ مع أبي في بغداد. فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو وفي يديه نعلاه. فأمسك أبي بمجامع ثوبه، وقال: يا أبا عبد الله إلى متى تعدو مع هؤلاء؟؟ -أي طلبة العلم- قال: إلى الموت [مفتاح دار السعادة].

هذا دأب المؤمن إلى الممات. كيف لو رأى أحمد بن حنبل جبل اليوم من طلبة العلم. فما يكاد أحدنا يثني ركبته ويقرب أقلامه في درس عمل أو حلقة قرآن، إلا وعرض له عارض وحزبه أمر طارئ، فترك درسه وهجر حلقته، وهام على وجهه ثم عاد بعد شهور، ليصلح ما فات وليبني ما انهدم. فإذا بالأساس قد اندك، فعاد من جديد، يبني ويرمم، ويراجع ويحفظ، فإذا أوشك الحال على الاستقرار، تعب من المواصلة، وسئم المراجعة، فترك درسه وحلقته، وعاد من حيث بدأ.

هذه حياته العلمية. يومًا في عمدة الأحكام، وغدًا في الفرائض، وبعده مع بلوغ المرام. إن حضر درسًا؛ لم يكن معه دفتر لتقييد عمله، بل في أوراق تتبعثر معه في السيارة، وربما تلقى بغير قصد في الزبالة. فما أكثر الأوراق، تملأ الأدراج. يبحث عنها بعد أيام فلا يتمكن من قراءتها، ثم يقول: سبحان الله من كتبها... ثم ليجد لنفسه مخرجا (هذا الشيخ شديد في طرحه، جاف في تعامله، لم يبدأ بالأساسيات، إذن قررت هجره، والانتقال لغيره).

ولا يزال ينتظم ويبني، وبعد شهور يسأم ويهدم. فهذه بداية فيروس الانهزامية: عدم الانضباط، وضياع الأوقات، عدم الثبات على منهج، أو مع شيخ معين، ونهاية المطاف يترك العلم وطلبه، ويحتج بهذا الحديث: عن الحبيب - صلى الله عليه وسلم - قال: «بلغوا عني ولو آية» [رواه البخاري 3461].

ونصاب البلاغ آية. فها أنا أبلغها، نسي أخي هذا. أكل يوم تردد هذه الآية، تدعو بها، تفسرها، تستخرج منها فوائد، ثم بعدها، يرد عليك الناس: أمعك آية غيرها...

أيها الحبيب:

نحن لا نطالبك أن تكون عالمًا وفقيهًا أو مفتيًا، بل قادرًا على أن تعد كلمة، تصوغها خطبة، تبحث عن مسألة، حافظًا مدركًا لشيء من القرآن؛ لتفتح يومًا حلقة، فتعلم فيها القرآن. هذا أملنا فيك. وربما وقع أحد الأحباب في أحد مزالق هذا الطريق، فلن أدعو وأربِّي حتى أكون على قدر من العلم.

أيها الأخ المبارك:

إن الواقع المرير للأمة، والضعف الظاهر للمسلمين، لا يسمح لمثل هذا الرأي أن يدب كسوسة يفترس جهود الداعين، فيثبطه عن طريق دعوته، فإن أهل الشر يسعون ويبذلون الجهود المتضافرة لإفساد المجتمعات ويبقى أهل الخير يسوفون ويتأخرون عن النزول للميدان. ولو أن كل واحد بهذا الرأي وسعى لتطبيقه، لبقي شاب الأمة بلا دعاة يربونهم. وبهذا سيفقد الداعية التجربة الميدانية والخبرة العملية، التي تساعده على مواصلة طريقه دون عثرات قادمة، وتجارب فاشلة. أما العلم وطلبه فإنه مع الداعية من المحبرة إلى المقبرة.

ولعل المخرج من كل هذا: الواقعية التي تقتضي أن يوازن الداعية بين تربية نفسه، وطلب العلم، ودعوة الآخرين، توازنًا مستمرًّا دائمًا؛ ليحقق هذه المعادلة: علم ودعوة ثمارها سير في الطريق بدون ظلمة.

3- لو وصلوا لما عادوا:

العبادة قارب النجاة، ومجداف السعادة تبحر به في وسط بحر الاستقامة، فالبحر طويل، والأمواج عاتية، والرياح شديدة. فمن أبحر بلا قارب ومجداف التهمته أسماك القرش والحيتان. فلولا عبادة مكنونة، وتسبيحة في ظلمة الليل معلومة، لما خرج ذو النون -عليه السلام- من بطن الحوت. بـ: ]لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[ [الأنبياء: 87]، ]فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[ [الصافات: 143، 144].

سعادة الدنيا ونورها في شكوى إلى الله في آخر الليل نحن في لذة لو عرفها الملوك وأبناء الملوك؛ لقاتلونا عليها بالسيوف قالها إبراهيم بن أدهم -رحمه الله تعالى- وهو ينام في الطريق ويغمس كسرة خبر يابس في نهر الفرات ويأكلها. أي سعادة وجدها ابن أدهم وحرمناها، إنها سعادة الأنس في الخلوة بالله والناس نيام.

يقول سيد قطب -رحمه الله-: قيام الليل والناس نيام، والانقطاع عن عيش الحياة اليومية وسفاسفها والاتصال بالله، والأنس به، والخلوة إليه. هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل، والعبء الباهظ، والجهد المرير. الذي ينتظر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، يُنير القلب في الطريق الشاق الطويل هي مصباح الظلمة في عصر الظلام.

يا دعاة الخير.. يا مصابيح الظلام.

حسبنا قول الله -جل وعلا-: ]قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا[ [المزمل: 2-4]، لـمَ يا رب هذا كله؛ لأننا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا. فلابد من همة تجلو الكسل. هذا هو الزاد الذي يبقي حين يفنى كل زاد، يصل القلوب بربها الرحيم الودود، القريب المجيب، وتهب عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها.

يا دعاة الخير.. يا حملة الرسالة:

لكل مصباح وقود. فالذكر والصلاة، وتلاوة القرآن، هي وقود مصباح الإيمان، فالله الله في هذا الوقود ألا يتناقص. ويصيب الكثير الدهشة، عندما يرى أحد المستقيمين مضى في طريق الاستقامة سنوات ثم عاد ناكصًا على عقبيه؛ لأن وقود الإيمان تناقص حتى انتهى، وأضاءت أمامه الإشارات التحذيرية. قف. الوقود قارب على النهاية.

فلم يستمع للتحذير، قلبه يغتر يومًا بعد يوم، لم يكن له ساعة خلوة، نهاره جولات ودعوة، مراكز وحلقاتِ، طلعات وجولات، رحلات ومخيمات، فيأتي الفراش جثة هامدة. قيام الليل يناديه، كتاب الله يدعوه، الرحمن ينزل في الثلث الآخر من الليل. أين المتهجِّدون، أين القائمون الداعون، أين المستزيدون من وقود وِتْرُه يشكوه، وَوِرْدُه يبكيه، يمر الشهر وربما الشهران، ولم ينهِ ورده، يقوم للصلاة متكاسلًا، الصف الأول قدم له الدعوة للحضور مبكرًا، فإذا بمشعل الهداية في زمن الظلام لا يأتي إلا متأخرًا، تفوته تكبيرة الإحرام، بل وربما نام القدوة، واستغرق النوم، ولم يسمع أذانًا، ولم يذهب للصلاة.

أيها العقلاء:

مع زحمة الأشغال وكثرة الارتباطات، يهمل جانب العبادة. نحن لا نلومك؛ لأنك استغرقت في الدعوة ودخلت غمارها، وغصت في جوفها؛ لتبحث عن اللؤلؤ المكنون، فتخرجه للوجود، ولكن ربما أخرجت اللؤلؤ، ونسيت حظ الغواص، نسيت أسباب الخلاص، نسيت أن العبادة هي هواء الغواص، فإذا نقص الهواء؛ غرق الغواص في البحر، واحتوشته الحيتان.

يا شعلة الخير:

القلب يتقبل والحال يتبدل، لابد له من مرساة يرسو بها تُمسِك السفينة عند هدوء الليل، وبداية العاصفة، أفلتت منه السفينة؛ لتصطدم بالصخور، فتتحطم قبل وصول رحلتها، وبلوغ مناها، ومن لم يحمل مجدافًا قد صنعه في الليل، ليستعين به في النهار؛ لم يصل لمناه.

أيها الأحباب:

سعادة الدنيا وبهجتها. استمع إليها يقول أبو سليمان الداراني: بينما أنا ساجد، إذ ذهب بي النوم، فإذا بالحوراء قد ركلتني برجلها فقالت: يا حبيبي... أترقد عيناك والملك يقظان. ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضًا، فما هذا الرقاد؟ حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أربي لك في الخدور منذ كذا وكذا؟ فوثبت فزعًا وقد عرقت استحياءً من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لقي سمعي وقلبي. وأنشدته تقول:

أتطلب مثلي وعني تنام

ونوم المحبين عنا حرام

لأنا خلقنا لكل امرئ

كثير الصلاة براه القيام

[صفوة الصفوة].

التوازن التوازن، ضبط المواعيد، عدم الاستغراق إلى وقت طويل في هموم الدعوة ومشاكلها. أما رأيت الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، نهاره دعوة وليله قيام، يستعين في الليل بالملك العلام على شواغل النهار. أما سمعت عمر بن الخطاب عندما عوتب في قلة النوم قال: لو نمت النهار؛ لأضعت رعيتي، ولو نمت الليل؛ لأضعت نفسي.

أيها الفضلاء:

نحن لا نطالبكم بما لا تستطيعون. ولكن تنظيم الحياة، وإعطاء كل ذي حق حقه: جهد في النهار متوازن، يقابله راحة في الليل، وعبادة ودعاء، ليصل الخاطب إلى المخطوبة فيفوز بها. فعندها يحمد القوم السرى.

تنبيه أيها الحبيب:

من نسي المهر لم تزف له الحوراء

من نسي المهر لم تزف له الحوراء

4-الانسحاب من الميدان:

يا دعاة الخير... في خضم الأحداث، ما الهم الذي تحملون، أم أن ضعف الأمة وتكاسل المتكاسلين، حدا بالكثير منا للنوم والقعود، أما أنهض فيكم حرصًا وهمة هدهد. نعم هدهد سليمان، طائر ليس له من الفهم كما للإنسان، رحل من مكان لآخر عملًا وسعيًا لنصرة الدين، ما أعظمه من طائر، حمل الدعوة بين جناحيه، تحركت غيرته، عندما رأي قومًا يعبدون غير الله من خلقه، جاء مسرعًا، لم يتردد، لم ينتظر الصباح ليخبره بدون تأخير، كل هذا الهم حمله وهو طائر غير مكلف. أما هزك أيها الحبيب، شوق ذلك الهدهد، وتحركت فيك غيرته وأنت أولى بحمل الأمانة منه.

قيل لسعيد بن المسيب -رحمه الله- وهو خارج للغزو وقد ذهبت إحدى عينيه: إنك مريض. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثَّرتُ السواد، وحفظت المتاع.

أيها المبارك:

الأمة تنتظر دوري ودورك، فلنكن شعلة دعوة ومصباح هداية، يستضاء به في وسط ركام الفتن.

يا حملة الرسالة:

لا يجوز الانسحاب من الميدان، اسمعها مرات، كررها قبل الفوات. (لا يجوز الانسحاب من الميدان، إذ يخلو الجو للشيطان، ويكر الجراد على الحرث فيلتهمه، وقد تغير اللصوص عليه فينتهبونه، فلابد من صبر وجلد، نعم لابد من صبر وجلد حتى يثبت ويثمر العود) [إشارات على الطريق] ليس هذا زمن العزلة، بل إنه من أوجب الواجبات، النزول لإزالة ظلام الميدان لإشعال جذوة الإيمان في قلوب الناس.

اسمع إلى أحد المفكرين يقول: أصبح المتدينون يفهمون التدين على أنه انسحاب من الحياة، وابتعاد عن هموم الناس، ومعالجة مشكلاتهم وقضاياهم، والذين يعيشون في المقابر بدل الحواضر، والمدن والحياة، ويأوِّلون الدين تأويلات جاهلة، تؤدي إلى العطالة والانسحاب. فإن فهمهم بحاجة إلى المراجعة والتصحيح، والذين يفهمون أن غاية ما في التدين هو الصلاة والصيام والحج، بعيدًا عن الإسهام في قضاء حاجات الناس، ومعالجة مشكلاتهم، ومجاهدة الظلمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن فهمهم بحاجة إلى المراجعة والتقويم، وإن صاموا وحجوا وزكوا. -والله- يبقى إيمانهم منقوصا.

وقد تكون المشكلة أن هذا الواقع الذي يعيشونه هو الواقع الصحيح للتدين، بعيدا عن سيرته - صلى الله عليه وسلم -، ولا يكتفون بهذا الفهم المعوج، وإنما يستدلون على سلامة تدينهم بسلامتهم من الأذى، وأن تنالهم يد الظلمة، دون أن يدروا أن الذي ينسحب من الحاضر والمستقبل هو إنسان خارج عن الاجتهاد والعقل والتفكير، فهو لا يلغي رسالته فقط، بل هو يعيش في المقابر، لكن مع وقف التنفيذ، أي مع وقف الدفن. [صلاح الأمة].

يجلس بعض المتخاذلين عن تبليغ دين الله ونشره، حتى إذا ما كلف بكلمة أو مُهمة لخدمة الدين، انبرى يتهرب من المسئولية، يورد الأدلة الصحيحة على أن واقع المسلمين سيكون ضعيفًا وسيئًا في المستقبل ولابد من العزلة، ويقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم، غنم يتتبع لها شعف الجبال ومواضع القطر يفر بدينه من الفتن» [أخرجه البخاري].

وهكذا يبرر قعوده، فأول ما يجني عليه اجتهاده الخاطئ تعود نقض العزائم، فحيل بينه وبين الغنائم. وهناك آخر إذا ما عاتبته في التخاذل عن تبليغ الدين، واستغراقه في اللهو والترف، انطلق كالقذيفة مرددًا: يا حنظلة ساعة وساعة [أخرجه مسلم] وكأنه لا يعرف من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - غير هذا.

إن الذين لا تغلي دمائهم، ولا تهتز نفوسهم لهذا الدين، هم أموات غير أحياء، والميت لا يحس بالأوجاع.

يا شعلة الخير... يا مصابيح الدجى:

لا يجوز الانسحاب من الميدان، مهما كان الحال. لا يقعدنكم ما تسمعون وما ترون من مآسي المسلمين، فلابد من بزوغ الفجر، فهناك يوم يتبين فيه الخيط الأبيض من الأسود من الفجر.

لهذه المبادئ نادى بها أبو عقيل في يوم اليمامة. لما كان يوم اليمامة، واصطف الناس، وبدأ القتال، رُمي أبو عقيل بسهم فوقع بين منكبيه، وفؤاده في غير مقتل، فأخرج السهم، وانشل له شقه الأيسر، وجر إلى المعسكر، ولما حمي القتال وانهزم المسلمون في أول المعركة، وهو مريض من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح: يا للأنصار، الله الله، والكرة على عدوكم.

يقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت ما تريد، ما فيك قتال. قال: قد صاح المنادي باسمي يا ابن عمر، قال ابن عمر: إنما يقول يا للأنصار، ولا يعني الجرحى. فقال أبو عقيل: لقد دعا المنادي باسمي وأنا من الأنصار، فوالله الذي لا إله إلا هو لأجيبنه ولو حبوا. يقول ابن عمر: فتخرم أبو عقيل، وأخذ السيف باليمنى، ثم جعل ينادي: يا معشر الأنصار، كرة كيوم حنين، كرة كيوم حنين، يا خيل الله اثبتي، وبالجنة أبشري، يقول ابن عمر: فنظرت إليه وقد قطعت يده المجروحة من المنكب، ووقعت على الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا، كلها خلصت إلى مقتل.

قال ابن عمر: فأتيته وهو في آخر رمق، فقلت: أبا عقيل، فقال بلسان ملتاث: لبيك، لمن العاقبة. قلت: أبشر قتل عدو الله فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ثم لقي الله.

أيها الفضلاء:

ها هو أبو عقيل لم يمنعه جرحه، دمه يسيل، وآلامه لا تحتمل، ومع هذا لم يعف نفسه من نصرة هذا الدين. إنه ينادي فيَّ وفيك. ها هم أهل الباطل لباطلهم يخططون، فما دوري ودورك. كم شريطًا وزعت، وشابًا دعوت، كم كلمة ألقيت، ما هو دورك في حيك... مدرستك... عملك... كليتك.. بيتك؟!!

اسمع إلى أحد الأحباب يقول: وضعت على سيارتي لوحة إرشادية مكتوب عليها: من أراد استبدال أشرطة إسلامية بأشرطته فليتصل بي. قال: فوالله لقد أوقفني الكثير من الشباب، والألسن تلهج بالدعاء، خذ ما معنا، تعبنا من هذا الطريق، أبدلنا أشرطة إسلامية. قال: ثم صاح أحدهم... أين أنتم أيها المستقيمون عنا، تائهون، حيارى، إلى متى وأنتم في أبراجكم العالية، ما حجتكم أمام الله يوم القيامة إذا سئلتم عنا.

أيها الفضلاء:

لا تكفي حجتنا: هلك الناس. بل كل بحسب جهده، هذا يبذر، وذاك يسعى، وآخر يعتني بالثمرة حتى تثمر، يد واحدة. لو نزل الكل للميدان؛ لتغير الحال، ولما علت الأحياء الدشوشُ، ونحن ندس رءوسنا كالخفافيش.

5- احذر المطبات الاصطناعية:

أيها الحبيب:

إن الطريق شاق، والمسافة طويلة، ولابد من مطبات اصطناعية، وهي للسالكين عوائق، وللساقطين حواجز، وللعارفين محطات ابتلاء، يجلى فيها الذهب، فيخرج منها در وجوهر.

يا شعلة الخير:

أنت رجل بمائة، صاحب منهج ورسالة، فلا تتذبذب مع طول الطريق، وقلة السالكين، وتهالك المتهالكين.

يا مصباح الدجى:

لا تتنازل ولو تنازل الناس أجمعين، لا تسقط ولو كان في السقوط مع الناس النجاة، لا تتراجع عن مبدأ الحق، اصبر ولو زاد الأذى، اصبر ولو جار العِدا، اصبر ولو كثر العناء، اصبر ولو تخطفتك الطير ونالتك سيوف العِدا، اصبر فإن لك في الجنة منزلًا، بالله عليك... لا تُسْكِنْه غيرك، فأنت له وهو لك.

أيعقل برجل سمع الجنة وما فيها، ثم تراجع عن خطبة حورها، المهر: الاستقامة، نعم المهر الاستقامة أما سمعت برجل باع حياته، خلع ملابسه، ثابت بإيمانه، يصرخ في مسمع الدنيا لتنفذ صرخته فوق البر، ولتحملها نسمات الرياح على ضفاف البحر، ولتتناقلها الركبان إلى أقاصي البلدان، كالسهم النافذ إلى قلب من أعاقته المطبات الصناعية، فبدأ يحاول الانتكاسة، آذاه كلام الناس، الهمز.. واللمز.. أخرجه الإعلام وما يبث فيه من رءوس العلمنة، أحزنه القتل، والتشريد أتعسه، فيك يا قرة العين يصرخ، لا تبع المبادئ، فتتيه حائرًا في كل واد، لا تبع الاستقامة؛ لأنك وقَّعت عقدًا مع الله ]إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى...[ [التوبة: 111]. فلا ترجع في بيعك، فالعمر بآخره، والعمل بخاتمته، من أحدث قبل السلام بطل ما كان من صلاته، ومن أفطر قبل الغروب ذهب صيامه ضائعًا. الله الله في هذا الطريق لا تتركه.

اسمع إلى عبد الله ذي البجادين: لم يتنازل عن مبدأ، ولم يحد عن هدف؛ لأنه باع، والله اشترى.. نعم لأنه باع، والله اشترى. كان يتيمًا في صغره، كفله عمه، فلما شب وكبر سمع بالحبيب - صلى الله عليه وسلم -، فنازعته نفسه للإسلام، فقرر السير والاتباع. يا عم إني أسلمت، مرض عمه، فانتظر شفاء، فلما تكاملت صحته، دعاه للإسلام، يا عم: طال انتظاري لإسلامك وما أري منك نشاطًا، فرد عمه: يا عبد الله؟.. لو أسلمت لآخذن كل ما أعطيتك! فصاح لسان شوقه: يا عم نظرة من محمد - صلى الله عليه وسلم - أحب من الدنيا وما عليها! فلما تجرد، وقرر السير والاتباع جرده عمه وخلع ملابسه، واسترد ما أعطاه، وقف عاريًا أمام الملأ، حافيًا أمام الناس، قد جرد من ملابسه، لم يرده كلام المستهزئين، ولم يثنِ عزمه وعيد المتوعدين. أما عرفتم اللغز، وبانت لكم الحقيقة. لِمَ (يا عبد الله تنازلت عن الدنيا، وجردت جسدك من الثياب؟ لأني بعت النفس والله اشترى).

بقي ذو البجادين أمام الناس عاريًا... فناولته أمه بجادًا –قطعة من لحاف- فقطعه نصفين، ائتزرَ بأحدهما وارتدى الآخر، وأقبل للحبيب مرتديًا بجاديه. فلما صاح منادي الجهاد بتبوك، خرج ذو البجادين مجاهدًا. استشهد آخر الليل. بحث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه فلم يجدهم، فإذا بنور في آخر المعسكر، اتجه إليه، فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، وإذا بعبد الله ذي البجادين المزني قد مات، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مهد له لحده بيديه، يقول لصاحبيه: «أدينا إليَّ أخاكما»، فدلياه إليه، فلما هيأ له لحده، أعد الحبيب الجائزة «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارض عنه»، فصاح ابن مسعود: يا ليتني صاحب القبر [سيرة ابن هشام].

لله دره من همة عالية، وثبات على المبدأ، لم يحد عن الطريق؛ لأنه عرف السر، وأدرك الحقيقة. إنه باع والله اشترى.

الثبات الثبات ولو كبلت اليدان بالحديد، ولو جلد الظهر بالسياط؛ لأن لنا لقاء مع الله يوم الوعيد.

أخي وحبيبي:

لِمَ أراك كل يوم بشخصية، مداهنًا بالآراء، مجاملًا الأصدقاء، متخفيًا بالتزامك. يا حفيد المصطفى:

لا نريدك كما يقولون: مطوع موديل ألفين (2010) بتصرفك السريع، ليس لك مجداف، ولا هوية هذه هي الانهزامية.

6- الاستعجال آفة العمل:

لا تعجل في دعوة أو حكم، فتدمر ما تحرص عليه وتعمل، لا تقطف الثمرة قبل نضوجها، فتكن أنت آفتها، إن لله سننًا مع العصاة والمكذبين والمجرمين ألا وهي الإمهال. ]وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا[ [الكهف: 58].

إذا أغفل الداعية هذه السنن تعجل، وربما فشل في دعوته وكبا، إن من يريد أن يزرع اليوم ويحصد غدًا، بل يريد أن يغرس في الصباح، ويجني الثمرة في المساء، وهذا محال.

لابد من صبر وتروٍّ على البذرة حتى تنبت، وعلى النبتة حتى تورق، وعلى الورقة حتى تزهر، وعلى الزهرة حتى تثمر، وعلى الثمرة حتى تنضج، ثم يبادر إلى قطفها قبل أن تفسد.

7- لابد من سقي الغراس:

ولكن من الخطأ -هو الآفة الأخرى- عدم متابعة البذرة وتعهدها. فتراه اليوم يدعو زميلًا فإذا أتاه وبدأ خطواته نحو الاستقامة، عرض له صديق آخر، فترك الأول، جهده للثاني وهكذا.. يغرس غرسه في الصباح، وفي الليل أخرى، ثم يتركها بلا ماء. فلا زال هذا دأبه، يغرس ولا يسقي، يدعو ولا يتابع، فإذا ما عاد بعد أشهر ليتعهدها، وجد الغراس قد مات، وجهده قد ضاع. لا تلمه.. لأنه فيه حرص زائد، وحماس غير متوازن.

يا حفيد المصطفى:

افعل وسعك وطاقتك، وما تستطيع الدوام عليه؛ لئلا تنقطع عن الطريق، ولا يكلف الله نفسها إلا وسعها، وإذا صلحت المقاصد لم يخب القاصد، وعلى المرء أن يسعى إلى الخير جاهدًا، وليس عليه أن تتم المقاصد.

الاستعجال وعدم المتابعة، هي آفة جني الثمرة:

إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو القدوة، بعث - صلى الله عليه وسلم - والأصنام حول الكعبة تحيط بها، فلم يقبل على إزالتها إلا يوم فتح مكة في السنة الثامنة، أي: بعد واحد وعشرين سنة، لتقديره أنه لو قام بتحطيمها أول يوم قبل أن تحطم داخل النفوس؛ لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أعظم. ولكن ربي الرجال، وطهر القلوب، عندها أقبل برجال سادوا العالم، فحطموا الأصنام.

ثم اسمع! هذه شجرة الصنوبر تثمر بعد ثلاثين سنة، وشجرة الدباء (القرع) تثمر في أسبوعين.. تسخر الدباء من الصنوبر وتقول: إن الطريق التي تقطعينها في ثلاثين سنة أقطعها في أسبوعين، ويقال لي شجرة ولك شجرة. فردت الصنوبر: مهلا أيتها الدباء، مهلا حتى تهب رياح الخريف، لا تفعل أمرًا حتى تنتظر عواقبه، وتبصر أبعاده، فكن أفضل من أن تخدع، وأعقل من أن تخدع، لا خب ولا خب يخدع.

ولترق شيئا فشيئا صاعدا درجا

من البناء وحينا واحذر العجلا

فكم عجول كبا من ضعف رؤيته

وذي أناة أصاب الرشد والأملا

8- لا تنتصر لنفسك:

أيها الداعية:

أنت لا تدعو لنفسك، فمن باب أولى ألا تنتصر لها، وألا تسعى للانتقام لها، أو تتوقف عن الدعوة من أجل نفسك، أو تعادي وتوالي من أجل نفسك، تحت غطاء مصلحة الدعوة، وهذا من المزالق الخطيرة، التي يقع فيها الداعية. ولأهمية هذا الأمر ربى النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابته على هذا الأمر. ففي معركة أحد وبعد إشاعة مقتله - صلى الله عليه وسلم -، صعد أبو سفيان على صخرة وأخذ ينادي: يا محمد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجيبوه». فقال: إن محمدًا قد مات. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجيبوه». فقال: يا أبا بكر. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجيبوه». وهكذا أخذ أبو سفيان وهو ينادي عمر بن الخطاب، وهو لا يسمع جوابًا. ثم قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الآن أجيبوه»، فقال عمر: ما نقول يا رسول الله. قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، فقالوها... فعلم أنهم أحياء.

رباهم - صلى الله عليه وسلم - ألا يعادوا لأنفسهم ولا يوالوا إلا في الله، ولا يهاتروا غيرهم من أجل أشخاصهم، فلما انتقل الكلام على الله ودينه، أمرهم أن يردوا على أبي سفيان.

كانت هذه التربية في نفس علي بن أبي طالب يحملها. ففي معركة الخندق، خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لقتال عمرو بن ود، أشجع فوارس العرب، فلما تنازلا علا عليِّ بسيفه وأمكن منه، فلما رفع علي سيفه ليقتله، بصق عمرو بن ود في وجهه، فرفع علي سيفه، ثم علاه مرة أخرى، ثم سأل عمرو بن ود: لِمَ لَمْ تقْتلني في الأولى وقد تمكنت مني، قال علي -رضي الله عنه-: أما في الأولى، فحين بصقت في وجهي، ثارت نفسي، فخشيت أن أقتلك انتصارًا لنفسي فتركتك لها، أما الآن فهي لله، فقتله علي رضي الله عنه وأرضاه.

الله الله يا دعاة الحق، احذروا من تقديس أشخاصكم، فإنه من أكبر مداخل الشيطان الانهزامية، فإن المتلبس به لا يقبل نصيحة ولا توجيها، يغضب لنفسه ويرضى لهان وربما يمرض إن هو انتقد، ويفرح ويسر إن هو مدح؛ لأن دعوته لأغراض شخصية. ليتق الله -جل وعلا- مَنْ هذا طريقه، فليس لنا من الأمر شيء، إن الأمر كله لله. [همومنا إلى أين].

9- تعال نتعاتب لا نتخاصم:

الشك والظن هما آفة الأخوة، تأويل الأمور وتحميلها أكثر من حملها، عدم قبول الأعذار، [لا صديق لمن أراد صديقًا لا عيب فيه]. وقيل لأحد الحكماء: هل من أحد لا عيب فيه؟ قال: من لا موت له.

العتاب ماء الأخوة، ونبض حياتها:

أخي وحبيبي: لا تلمني على فعلي تجاهك حتى تسمع مني، لا تهجُني قبل أن تسمع دفاعي، لا يكن غضبك مني حاجزًا دون سماع اعتذاري، لا ترخِ سمعك لمن أراد إبعادك عني، أنا منك، وأنت مني، أنا وإياك كاليدين تغسل بعضهما بعضًا، فلابد لإزالة الأوساخ من ضغط يد على الأخرى، فاحتمل شدتي عليك، فقلبي بك رحيم، فمن أنت ومن أنا، بالله لا تهجرني قبل رؤيتي، التمس لي الأعذار، اغمر خطيئتي في بحر حسناتي، ولا تجعل إساءتي لك نقطة سوداء تنشر؛ لتسود صفحة حياتي، لِمَ نتقاطع؟! ولِمَ الهجر والخصام؟! تذكر أننا على الدرب سواء.

لا يكن أحدنا عونًا للشيطان على أخيه، وليس الذئب يأكل لحم ذئب آخر.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: بعض الناس لا تراه إلا منتقدًا، نسي حسنات الطوائف والأجناس ويذكر سيئاتهم، فهو مثل الذباب، يترك موضع البرء والسلامة، ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس.

انظر كيف غمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إساءة حاطب بن أبي بلتعة في بحر حسناته، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنه قد خان الله والمؤمنين، فدعني أضرب عنقه، قال: «أليس من أهل بدر». غمر - صلى الله عليه وسلم - خطيئته تلك في بحر حسناته، فكأنها لم تكن.

هذه هي الأخوة، أما سمعت عن إبراهيم بن أدهم، خرج إبراهيم بن أدهم -رحمه الله- في سفر ومعه ثلاثة نفر، فدخلوا مسجدًا والبرد شديد، وليس للمسجد باب، فلما ناموا قام إبراهيم بن أدهم، فوقف على الباب إلى الصباح، فقيل له: لِمَ لَمْ تنم؟! فقال: خشيت أن يصيبكم البرد، فقمت مقام الباب. [صلاح الأمة].

يا أخي:

نحن على درب الدعوة سواء، كن لي بابًا، وأكن لك الآخر، تسد خلتي، وتحفظ غيبتي، وتعفو عن زلتي؛ لأنك أخي.

يا أخي:

كن لي منصفًا من نفسك. أما سمعت هذا الموقف من النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعدل صفوف أصحابه بعام بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزيه وهو خارج عن الصف، فطعنه في بطنه بالقدح، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «استو يا سواد»، فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأنصفني من نفسك فكشف - صلى الله عليه وسلم - عن بطنه وقال: استقد -أي استنصف-، فاعتنقه سواد فقبل بطنه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما حملك على هذا يا سواد؟» قال: يا رسول الله: حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك، أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخير.

ها هو المنصف - صلى الله عليه وسلم - ينصف من نفسه، فما بالك أنت، تريد الاستنصاف من الناس، ولا ترغب في إعطاء الحقوق.

أخيرا.. أيها الحبيب:

دعنا نتعاتب قبل أن نتخاصم. لِمَ أراك بعيدًا عني؟! كأنك لست مني. هل الحزبية المقيتة، دب فيروسها بيننا؟ (هذا من الإخوان، وذاك سلفي، وآخر من التبليغ..) احذر منه حين يلفي، هيا بنا نقع في عرضه، ونغتابه، هيا نسبه ونرتابه، لأنه في الرأي قد خالفنا، وفي المنهج لم يوافقنا، أسلوبه لا يعجبنا، وطريقته لا تناسبنا، فلا نريد في المنهج من قد جفانا، وفي الجولات قلانا.

يا مفتاح الخير:

هذه حزبية نهى الحبيب - صلى الله عليه وسلم - عنها، فلم لا زلت مصرًّا، ما دام الهدف واحد، والمنهج سليم، فلا تفترق وإن اختلفنا، لم الحجر على العقول... لا تذهب إلا معنا، ولا تسمع إلا من شيخنا، إن جلست معنا، فلا تبق مع غيرنا.. سبحان الله أأنت ربه ومولاه، دعه يأخذ من كل طريق، يتعلم من أكثر من واحد.

10- أنت تحت المجهر:

التربية قدوة قبل أن تكون توجيهًا، فالعمل أبلغ من القول، والذي يربي الناس بفعله، هو الذي يجني ثمرة زرعه.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعون إلى النار بأفعالهم، كلما قالت أقوالهم: هلم اسمعوا، قالت أفعالهم افرنقعوا لا تسمعوا لو كان حقًّا ما يدعون إليه، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة هداة مرشدون أدلاء، لكنهم في الحقيقة قطاع طرق، ما يغني الأعمى معه نور الشمس لا يبصرها، وما يغني عن العالم كثرة العلم لا يعمل به، إنما هو كالسراج، يضيء البيت ويحرق نفسه، عليه خسره ولغيره نوره.

فأسعدت الكثير وأنت تشقى

وأضحكت الأنام وأنت تبكي

فكم والله من قدوات -ظاهرًا- لم تعمل بما علمت، فسقطت على الطريق، ولعل ابن عيينة كان يقصدها؟ لا تكونوا كالمنخل يخرج الدقيق الطيب ويمسك النخالة، تخرجون المواعظ، ويبقى الغل في الصدور قاعدًا.

أيها الملتزم إياك والزلل

واحذر الهفوة فالخطب جللْ

هفوة الملتزم مستعظمة

إن هفا أصبح في الناس مثلْ

إن تكن عندك مستحقرة

فهي عند الله والناس جبلْ

يا معشر القراء يا ملح البلد

ما يصلح الزاد إذا الملح فسدْ

أيها المبارك:

أنت تحت المجهر.. الأهل يفتقدونك ليس لهم منك نصيب طلعات دعوية، ومراكز تربوية، ودروس علمية، إن سألوك.. أنا خارج، ومع الشباب طالع. نريد للأقارب أن توصلنا.. نعم ولكن الاستقامة، لأنهم معك دومًا في دوامة، وقتك كله تقضيه في الشارع، جولات، لا... (دشرة إسلامية). أهملت التحصيل والدراسة، فأنت في الفصل كسلان، وفي الكلية تعبان، إن وجدت فرصة فلا مانع من (الفركة).

يا مشعل الهداية:

ليس هذا تحت غطاء الدعوة، فهي والله بريئة، أنت أولى بالمقاعد الأمامية، ولكن لسوء الحال، كثرت الشكوى، وأكبر البلاية.. أن ترى المشاغب المتلاعب من الاستقامة بمكان!، شوهت الصورة، وقلبت أساس الفكرة، فشتان بين المستقيم والاستقامة. أخلاق شرسة، ومعاملة سيئة، مقطب الجبين، كأن الناس قتلوا لك قتيل، تبخل بالابتسامة، وتحكم بالسجن المؤبد على الكلمة الطيبة لا ترى إلا شاتمًا وللناس سابًّا، تنصح بين الناس، ونسيت: «تعمدني بنصحك في انفراد».

يا دعاة الخير:

لم الناس يشكون سوء الأخلاق والصد عن الدين!، سوء الفعال!، الأب يئن والأم تبكي.. لَمْ نعد نراه؛ لأنه استقام!!، يا ليته ما استقام!!.

أيها الحبيب:

أكثرنا من اللوم والعتاب، ولكن هي وصية محب، وصيحات بل وأنات شاكٍ يرى جراحه عميقة، قد تصيب منه يومًا مقتلا، فينتشر دمه بين الناس، ويعلو صياحه، هل من مضمد للجراح؟!.

يا أخي ويا قرة عيني:

هذه أخطائي، أعياني علاجها، وطال نزفها، أردت الليلة أن أبحث عن مضمد لها.

يا أخي:

شمر عن ساعد الجد، واكشف عن قدم العزم، وامض راشدًا في مجالات الخير، فالمؤمل فيك أكبر، والمرجو منك أكثر، إنما يحتاج إلى عزيمة ماضية، وهمة عالية، دون تردد، ومثابرة بغير تقهقر.

أهل الباطل يعملون، يدعون للنار، وأنت تحمل الرسالة تدعو إلى الجنة. فبالله عليك لا تتأخر، فالجيل ينتظرك، والأمة تناديك.

أقبل أيها الحبيب اعتذاري، وزللي في كلامي، وكن لي يدًا مضمدة، كن طبيبًا رفيقًا، لا صديقًا شامتًا، إن لم يعجبك كلامي، فاسأل الله أن يعفو عني.

هذه رسالة اقبلها على علاتها، وغض الطرف عن هفواتها، وتجاوز بحلم عن زلاتها، فعذرًا على التقصير، فالبضاعة مزجاة، والجراب خالي الإهاب، والجراب قليل في جوف الفرا.

جاءت سليمان يوم العرض هدهدة

أهدت له من جراب كان في فيها

وأنشدت بلسان الحال قائلة

إن الهدايا على مقدار مهديها

لو كان يهدي إلى الإنسان قسمته

لكان يهدي لك الدنيا وما فيها

عذرًا أيها الحبيب:

وربك ليس إمساكي لبخلي

ولكن لا يفي بالخرج دخلي

وفي نفسي السماحة غير أني

على قدر الكساء مددت رجلي

جزى الله أحبتي: من شاركني بفكرة أو أعان بطباعة المحاضرة. جعل الله ذلك في ميزان الحسنات، وختم لنا ولهم بالصالحات.