تطبيق الشريعة وأثرها على الأمم

عبد الله بن سعود الهويمل


 المقدمة

         الحمد لله الذي اختار لنا الإسلام شرعة ومنهاجًا, وأشهد أن لا إله إلا الله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:

        إن من ينظر في حال أمتنا الإسلامية اليوم, ويتأمل واقعها، يجدها قد ضلت طريقها وتنكبت الجياد يوم أن طرحت الشرع السماوي جانبًا، وذهبت لتبحث تشريعًا غير شرع الله هو من صنع البشر ورضيت أن تصاغ حياتها وفق أنماط متناقضة، وقوانين وضعية وهي محض زبالة الأذهان، وصرف حثالة الأفكار.

لقد بلغ تحدي الحكام في أكثر البلاد الإسلامية حدًا لا يحتمل، فمنهم من يرفض الإسلام جهده، مناديًا بالتبعية للشرق والغرب، ومنهم من استورد الأفكار والقوانين من غير المسلمين، وجعل أحكامها ملزمة والويل لمن خالفها أو تردد في التحاكم إليها، فلهذا كتبت هذا البحث المتواضع أداء للواجب، وبينت ضرورة تطبيق هذه الشريعة وطرح هذه القوانين الوضعية التي جلبت الويلات والهموم للمسلمين، وقد قسمت هذا البحث إلى سبعة مباحث:

المبحث الأول: التعريف بالشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: مصادر الشريعة الإسلامية.

المبحث الثالث: خصائص الشريعة الإسلامية.

المبحث الرابع: النصوص التي تؤكد يسر الشريعة الإسلامية.

المبحث الخامس: حكم تطبيق الشريعة الإسلامية.

المبحث السادس: أسباب الحكم بغير ما أنزل الله.

المبحث السابع: ذكر بعض الشبه التي تثار حول تطبيق الشريعة الإسلامية وتنفيذها.

الخاتمة.

* * * *


المبحث الأول

 تعريف الشريعة الإسلامية

- الشريعة في اللغة: شَرَّعَ مَشْرَعَةَ الماء. وهو مَوٍْرِدُ الشَّارِبَةِ.

- والشريعة: ما شَرَّعَ اللهُ لعباده من الدين، وقد شَرَّع لهم يشرِّع شرعًا؛ أي سن. والشارع: الطريق الأعظم. وشرَّعَ المنزلَ: إذا كان بابه على طرق نافذ. وشرعت في هذا الأمر شروعًا: أي خضت. وشَرَعَتِ الدوابُّ في الماء, وتشرع شرعًا: إذا دخلت.

-والشرعة: الشريعة. ومنه قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾([1]).

-والشراع أيضًا: شراع السفينة. قالوا للبعير إذا رفع عنقه: قد رق شراعه ([2]).

-والشريعة: ما شرع لعباده. والظاهر المستقيم من المذاهب كالشرعة بالكسر فيها، والعتبة مورد الشاربة، والشِّرع -بالكسر: شراك النعل. والشُّراعية -بالضم وبكسر: الناقة طويلة العنق.

-والناس شرع واحد، والإشراع: الأنف الذي امتدت أرنبه([3]).

والشريعة الإسلامية في الاصطلاح: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة في شعبها المختلفة لتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة([4]).

* * * *


المبحث الثاني

 مصادر الشريعة

 أولاً: القرآن الكريم:

القرآن الكريم في الأصل مصدر: قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا. ومعناه في اللغة: الجمع والضم؛ فالقراءة: ضم الحروف بعضها إلى بعض في النطق، وقد خص القرآن بالكتاب المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فصار له كالعلم، قال بعض العلماء: تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله؛ لكونه جامعًا لثمرة كتبه؛ بل لجمعه ثمرة العلم ([5]).

كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾([6] وقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾([7]).

وعرف القرآن بأنه كلام الله الذي أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، ونقل إلينا تواترًا لنتعبد بتلاوته وأحكامه، وليكون آية دالة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رسالته، وقد نزل به جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلسان عربي ([8]).

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾([9])؛ فتحدى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العرب وهم أرباب الفصاحة والبيان، فظهر عجزهم، وبهذا قامت الحجة عليهم.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([10]).

والقرآن الكريم هو أساس الدين أو مصدر التشريع، وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر.

وتلقاه الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلاوةً له وحفظًا ودراسةً لمعانيه وعملاً بما فيه، قال أبو عبد الرحمن السّملي: حدثنا الذين كانوا يقرِّؤننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قال: «فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»([11]).

ولقد استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور جيلاً بعد جيل من غير تحريف أو تبديل، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾([12]).

 ثانيًا: السنة ومكانتها في التشريع:

-السنة لغة: هي الطريقة والسيرة؛ سواء أكانت محمودة أو مذمومة. وقد ورد استعمالها في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي بهذا المعنى؛ ففي القرآن الكريم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾([13] ويقول: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾([14]).

وفي الحديث الشريف يقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن»([15]).

ويقول: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئةً كان عليه من وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»([16]).

-والسنة عند الفقهاء: ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجوب؛ فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة:

الواجب، والحرام، السنة، والمكروه، والمندوب.

-والسنة عند الأصوليين: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن الكريم من قول، أو فعل أو تقرير.

-والسنة عند المحدثين: ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة، أو سيرة ([17]).

ولقد اتفق المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير في شأن من شؤون التشريع أو شؤون الرئاسة والقضاء، ونقل إلينا بسند صحيح، يكون حجة على المسلمين ومصدرًا تشريعيًا؛ يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية، والأفعال المكلفين بها ([18]).

 ثالثًا: الإجماع:

ذكر في تعريف الإجماع: أنه اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر من الأعصار، على حكم واقعة من الوقائع»([19]).

واتفق المسلمون على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، والدليل على حجية الإجماع من الكتاب والسنة:

-أما الكتاب: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ...﴾([20]).

-وأما من السنة، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمتي لا تجتمع على الخطأ، سألت الله ألا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيه، ومن سره بحبوحة الجنة فليتزم الجماعة، ومن فارق الجماعة قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام من عقه»([21]).

 رابعًا: القياس:

-القياس في اصطلاح الأصوليين: هو تسوية واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد نص بحكمها في الحكم الذي ورد به النص لتساوي الواقعتين فل علة هذا الحكم ([22]).

وجمهور الفقهاء متفقون على أن القياس دليل شرعي تثبت به الأحكام.

واستدل الجمهور على حجية القياس بأحاديث كثيرة، منها:

-ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال لعمر حين سأله عن «القُبلة في حال الصوم»: «أرأيت لو تمضمضتَّ بماء ثم مَجَجْتَه، كان يضرك؟». وهذا تعليم بالمقايسة؛ فإنه عليه الصلاة والسلام قاس القبلة على المضمضة؛ في أنها لا تضر الصوم ([23]).

وكان الصحابة رضوان الله عليهم يجتهدون في بعض الأحكام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين ظهرانيهم، ولم يعاتبهم، وذلك عندما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال: «لم يُرِدْ منا التأخير؛ وإنما أراد سرعة النهوض». فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها، ونظروا إلى اللفظ.

والقياس هو أول طريق يلجأ إليه المجتهد لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه، وهو أوضح طرق الاستنباط وأقواها.

والقياس يقوم على أركان أربعة:

1- الأصل الذي ورد به الحكم.

2- الفرع الذي يراد قياسه على الأصل.

3- العلة؛ وهي ما بني عليه حكم الأصل، وتخفيف الفرع.

4- الحكم الوارد في الأصل، ثم: إن كان هذا الجامع موجبًا للإجماع على الحكم كان قياسًا صحيحًا؛ وإلا كان فاسدًا ([24]).

 خامسًا: الاستحسان:

الاستحسان في اصطلاح الأصوليين القائلين به: هو العدول عن حكم اقتضاه دليل شرعي في واقعة إلى حكم آخر فيها؛ لدليل شرعي اقتضى هذا العدول... وهذا الدليل الشرعي المقتضي للعدول هو سند الاستحسان ([25]).

والاستحسان عبارة عن ترجيح دليل على آخر يعارضه بمرجِّحٍ مغيِّرٍ شرعًا، وقد يكون هذا الترجيح بالعدول عن مقتضى قياس ظاهر إلى قياس خفي، أو العدول عن مقتضى نص عام إلى حكم خاص، أو العدول عن حكم كليٍّ إلى حكم استثنائيٍّ.

وقال الإمام مالك: «هو القول بأقوى الدليلين».

وقال الإمام أبو حنيفة: «إنه ترجيح قياس خفي على قياس جلي، أو استثناء مسألة جزئية من أصل كلي؛ لدليل استقر في عقل المجتهد واطمأن إليه ([26]).

*     *     *


المبحث الثالث

 خصائص الشريعة الإسلامية

- أولاً: الشريعة الإسلامية شريعة ربانية منزلة من عند الله، وكل ما فيها من عند الله؛ إما نصًا أو تفصيلاً، وإما استنباطًا من نص أو قياسًا عليه، ووسائل الاستنباط والقياس منصوص عليها في الكتاب والسنة، وأقوال الفقهاء ([27]).

- ثانيًا: الشريعة الإسلامية تحقق الخير والمصلحة للفرد والمجتمع؛ وذلك أنه ما دامت الشريعة الإسلامية من عند الله سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيء علمًا، ويعلم خبايا النفوس وطبائع الخلق في كل زمان ومكان؛ يعلم ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ومن ثم فإنها تحقق السعادة لبني الإنسان إذا ما التزموا بها في حياتهم؛ لأنها انطوت على قواعد تنظيم حياة الإنسان، وتحقق له السعادة والخير؛ حتى قبل أن يوجد في هذه الحياة، فأمرت الأب أن يحسن اختيار الأم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «حق الولد على والده أن يحسن موضعه وأن يحسن اسمه وأدبه». وفي الوقت نفسه جعل للآباء حقوقًا على الأبناء؛ ممثلة في طاعتهم والإحسان إليهم، بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾([28]).

- ثالثًا: الشريعة الإسلامية عالمية، صالحة لكل زمان ومكان:

لم تأت الشريعة الإسلامية مقيدة بمكان يقتصر سلطانها فيه عليه دون سواه من الأمكنة، ولا موقوفة ينتهي العمل بها عند انتهاء؛ فحيثما وجد إنسان على ظهر الأرض في أي زمن من الأزمنة اختصت الشريعة الإسلامية بتنظيم حركته في هذه الحياة وتنظيم شئونه الاجتماعية والعقائدية والتشريعية، وهذه الخاصية مترتبة على كونها من عند الله خالق الكون كله ([29]).

- رابعًا: أحكام الشريعة الإسلامية مرتبطة بالعقيدة:

إن المتتبع لأحكام الشريعة الإسلامية يجد أن منها ما يتعلق بالنواحي الاقتصادية، وأخرى متعلق بالجوانب الاجتماعية، ومنها ما يتعلق بالجوانب الأخلاقية، ومنها ما يتعلق بالأحكام المنظمة لقواعد التعامل من بيع وشراء وإيجار، ومنها ما يتعلق بالجرائم التي يرتكبها الأفراد، هذه الأحكام المتنوعة نجدها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة؛ فالزكاة مثلاً هي ركن من أركان الإسلام: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾([30]). إلى غيره من الأحكام مثل الربا نجد آثار العقيدة الإسلامية وضياءها متعلقة بالمعاملات التجارية يرتبط تحريمها بالدين والعقيدة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ومن غش فليس منا».

 وحد السرقة عقوبة تتعلق من ناحية بالنظام الأخلاقي، ومن ناحية بالجانب الاقتصادي، وهي مربوطة بالعقيدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله﴾([31]).

وهكذا اكتسبت أحكام الشريعة قوة وفاعلية نفَذَت إلى أعماق الضمير الإنساني.

- خامسًا: الشريعة الإسلامية تربي الضمير:

يغرس الإسلام في قلوب المسلمين الخشية من الله والخوف منه؛ فضلاً عن ارتباط أحكام الشريعة الإسلامية بالعقيدة؛ مما يجعل المسلم يلتزم بما شرعه الله من أحكام وقوانين عن طواعية واختيار لا عن قسر وإرغام، لأنه يحس أن الالتزام بالقانون الإسلامي دينًا وطاعةً لله، بينما يتفنن الناس في التحايل في سبيل التفلت من الخضوع والانقياد للقوانين الوضعية؛ إحساسًا منهم بأن الانقياد لها ليس طاعة والهروب منها ليس معصية ([32]).

ولقد نجحت الشريعة الإسلامية في صياغة الضمير البشرى وتهذيبه على نحو نادر وفريد، وهذا نجده في قصة ماعز t؛ حينما أنبه ضميره وخوفه من الله حينما وقع في الزنا، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلب منه أن يطهره، فأمر به ورُجِمَ، وقال: «استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبةً لو قسمت بين أمة لوسعتهم».

وفي مجال المعاملات تجد نفس الروح الإسلامية العالية والضمير الحي اليقظ؛ فمما يؤثر أن أبا حنيفة t بعث بمتاع إلى حفص بن عبد الرحمن شريكه في التجارة، وأعلمه أن في ثوب منه عيبًا للناس فباع حفص المتاع، ونسي أن يبين، واستوفى ثمنه كاملاً؛ لثوب  غير كامل، وقيل أن الثمن كان بثلاثين ألفًا، أو خسمة وثلاثين ألفًا، فأبى أبو حنيفة إلا أن يبعث لشريكه يكلفه أن يبحث عن المشتري، ولكنه لم يهتد إلى الرجل، فأبى أبو حنيفة إلا فصالاً من شريكه، ورفض أن يضيف ثمن الثوب إلى ماله، وتصدق به ([33]).

وبهذا الضمير الحي الذي رباه الإسلام اكتسب التشريع الإسلامي قوة على غيره من القوانين الوضعية التي ليس لها تأثير في نفوس الناس؛ كما كان عليه التشريع السماوي.

وإن ما يحدث في المجتمعات التي انحرفت عن الإسلام وأعرضت عن شريعته من انعدام الأمن والاستقرار وانتشار الجرائم- لخير شاهد على صدق الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾([34]).

- سادسًا: الشريعة الإسلامية تقوم على المساواة:

لا تحقق القوانين الوضعية المساواة بين الناس؛ فتميِّز بين رئيس الدولة الأعلى- ملكًا كان أو رئيس جمهورية- وسائر أفراد الأمة؛ ففي الدساتير، لا يسأل رئيس الدولة عن أي جريمة ارتكبها، وتعفي القوانين الوضعية رؤساء الدول الأجنبية وحاشيتهم من أن يحاكموا على ما يرتكبون من جرائم، وتمارس حكومة جنوب إفريقيا هذا التميز العرقي بكل وقاحة، وتتبجح وتتحكم حفنة من البيض في الجماهير الغفيرة من السود([35]).

أما الشريعة الإسلامية فإنها تمتاز عن القوانين الوضعية بمبدأ المساواة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا؛ فالناس جميعًا في ظل الشريعة الإسلامية سواءٌ في الحقوق وفي الواجبات وفي المسئوليات؛ لا فرق بين الحاكم والمحكوم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾([36]).

وعن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالرَّبَدَة وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك فقال: إني سبَبْت رجلاً فعيَّرتُه بأمه؛ قلت له: يا ابن السوداء، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية».

وخاصم يهودي عليًّا بن أبي طالب t أمام أمير المؤمنين عمرٍ بن الخطاب، فقال له عمر: قم يا أبا الحسن واجلس أمام خصمك، ففعل وفي وجهه التأثر، فلما انتهت الخصومة قال له عمر: أكَرِهْتَ يا عليُّ أن تجلس أمام خصمك؟ فقال: كلا ولكني كرهت أنك لم تراع المساواة بيننا بقولك أبا الحسن؛ إذ الكنية تشير إلى التعظيم.

وتقام الحدود في الشريعة الإسلامية على الناس جميعًا شريفهم ووضيعهم، والقمة في ذلك حديث المخزومية عن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلِّم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»([37]).

* *


المبحث الرابع

 النصوص التي تؤكد يسر الشريعة الإسلامية

- أولاً: النصوص من القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾([38]).

نعم، لم يكلف الله أحدًا فوق طاقته ووسعه، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وإحسانه إليهم؛ فهو سبحانه بلطفه وإنعامه علينا لم يكلفنا بما يشق علينا ولا بالأمور المؤلمة، كما كلف مَنْ قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم؛ بل سهَّلَ علينا ورفق بنا ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعت على من كان قبلنا([39]) قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([40]).

قال السيوطي: «فهذه الآية أصل القاعدة الكبرى التي تقوم عليها تكاليف هذه الشريعة؛ فهي يسيرة لا عسر فيها سمحة لا تكلف فيها سهلة لا تعقيد فيها، وهي أصل لقاعدة عظيمة ينبني عليها فروع كثيرة،لألتأل وهي:

«أن المشقة تجلب التيسير»، وهي إحدى القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه، ونختار من القواعد: قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» وقاعدة: «إذا ضاق الأمر اتسع» ([41]).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا»([42]).

فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحَضَرِ أربعًا، وفي السفر تُقْصَرُ إلى اثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة واحدة مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وهذا دليل على يسر الشريعة الإسلامية، وسماحتها.

ثانيًا: من السنة النبوية:

1- ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أسامة t قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية من سراياه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنفية السمحة...» الحديث([43]).

2- وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما خُيِّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم تكن إثمًا؛ فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قطُّ، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها لله»([44]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «إن دين الإسلام ذو يُسْرٍ، وسمي الدين يسرًا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم» ([45]).

* * * *


المبحث الخامس:

 وجوب الحكم بالشريعة الإسلامية

الإيمان بالله والاعتقاد بوحدانيته يقتضيان بأن نؤمن بأنه سبحانه خالق السماوات والأرض ومن فيهن؛ فالخلق يختص به وحده، ولا يوجد أحد من دون الله يعرف أسرار الخلق والتدبير، أو يشاركه في هذا الأمر.

وإذا كان الخلق والتدبير لله وحده، فإن الأمر والحكم خاصٌّ به أيضًا، والعباد خاضعون لأمره مطيعون لحكمه، وهذا مقتضى العبودية، ومضمونها؛ فهي خضوع وانقيادٌ وطاعةٌ لله وامتثالُ أمره([46]).

والقرآن بين حقيقة الألوهية في آيات كثيرة؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾([47]).

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾([48]).

هذه الآيات تقرر فكرة رئيسية، وهي أن الخلق والتدبير بيد الله وحده، ويترتب على ذلك أن تكون أمور العباد كلها خاضعة له منقادة لحكمه([49]).

والعبادة لله تعالى هي الانقياد والطاعة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾([50]).

يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:  بعث الله في كل أمة؛ أي في كل قرن وطائفة من الناس رسلاً، وكلهم يدعون إلى عبادة الله، وينهون عن عبادة ما سواه ([51])؛ فالله سبحانه وتعالى يأمر عباده بإخلاص العبادة له، وعدم الخضوع للطواغيت التي يطيعونها من دون الله؛ سواء كانت أصنامًا أو رؤساءهم الذين يخضعون لهم ويطيعونهم فيما لم يأذن الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا﴾([52]).

هكذا إنكارٌ من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -([53])؛ فمن يتحاكم إلى غير ما أنزل الله في كتابه وما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه.

والحكم بخلاف ما أنزل الله هو الجور والظلم والضلال والكفر، والفسوق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾([54]).

فانظر كيف سجل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق([55]).

ونفى الله تعالى الإيمان عن المسلمين إذا لم يرضخوا لحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([56]).

* * * *


المبحث السادس:

 أسباب الحكم بغير ما أنزل الله ونتائجه

-أولاً: أسباب الحكم بغير ما أنزل الله:

-السبب الأول: انعدام الإيمان أو ضعفه:

إن ضعف الإيمان في نفوس كثير من المسلمين هو الأصل الجامع لكل انحراف وقعوا فيه، ولا غرو؛ فإن الإيمان بالله تعالى وما يقتضيه هو نقطة البدء التي ينبغي أن ينطلق منها المسلم؛ بل وتعد عنصرًا فعالاً في الاستجابة لأوامر الله تعالى وتطبيق شرعة ([57]).

أما أن لا يتجاوز الإيمان إلا دعاء، أو لا يتجاوز النطق بكلمة الإيمان، فإذا نظرت في واقع مدعيه لا تجده شيئًا؛ فمثلاً هذا الإيمان لا يحرك ساكنًا ولا ينتج أثرًا، ولا يشعر صاحبه بحلاوته، وإنما إيمانٌ اعتراه فتور أو موت، ويتبع هذا والعياذ بالله المرض القلبي الذي يجعل المريض يعرض عن حكم الله، ويُقبل على حكم البشر الذي ثبت عجزه ([58]): ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾([59]).

-السبب الثاني: مداهنة الكفار والركون إليهم:

إن الإسلام يواجه حربًا من أعداء شرسين وحاقدين؛ سواء من الشيوعيين الملحدين والصهيونيين واليهود عليهم لعائن الله؛ كل هؤلاء يعملون بكل طاقاتهم لحرب الإسلام والمسلمين، ومن المؤسف أن تنضم إليهم وتعمل لحسابهم فئة تنتسب إلى الإسلام، وتقصد بتلك الفئة الطبقات المتعاقبة من أصحاب القانون الوضعي، وهي الطبقات البديلة ممن تربوا في أحضان الغرب ودانوا بفكرتهم وتمذهبوا بمذاهبهم، على آثارهم يهرعون، وبمذاهب العلمانية والاشتراكية، والشيوعية، والصهيونية، يتمذهبون، يهتفون باسمهم، ويدعون إلى مبادئهم، ويحملون الناس عليها؛ فهؤلاء إلى غير الإسلام أقرب؛ لأنهم يعملون عمل الكفار وما هم بمسلمين، ولو قالوا ألف مرة بألسنتهم أنهم من المسلمين([60]).

قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾([61]).

إن هذا نهي عن التولي العام لهم واتخاذهم أعوانًا وأنصارًا وأولياء، والدخول في دينهم.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله في حكم موالاة أهل الشرك: «بسم الله الرحمن الرحيم، اعلم رحمك الله تعالى أن الإنسان إن أظهر للمشركين الموافقة على دينهم؛ موالاة لهم، وخوفًا منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إن كان في دار منعة واستدعى بهم، ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل وأعانهم عليه بالنصرة ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها، بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؛ فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -»([62]).

ومن أبرز ملامح موالاة الكفار ما وقع في كثير من أهل البلاد الإسلامية في موالاة الكفار ومداهنتهم:

-تحكيم القوانين الوضعية، وهذا نتيجة لضعف الإيمان أو فقده.

-السبب الثالث: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:

إن أكثر المسلمين اليوم يتوارثون الإسلام تقليديًا، وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم؛ لهذا نشأ الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية لدى كثير من أبناء الأمة الإسلامية قيادات وشعوبًا، حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه؛ فلا يعرف أحكامه وعقائده ولا أخلاقه وآدابه؛ مما سهل على أعداء الله أن ينشروا ضلالهم ويبثوا سمومهم.

وإليك صورًا من الجهل المنتشر بين أبناء الأمة الإسلامية؛ ففريق استهوته الشياطين من البشر فراح ينادي بعدم صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق وأنفسهم، هذا الفريق انقسم إلى صنفين:

-صنف لم يدرس الشريعة ولم يفهم أحكامها، ولكن لقن على أيدي الخبثاء المغرضين بأن الدين تأخر وانحطاط، وتحجر، ورجعية، وأن الوسيلة الوحيدة للتحضر والارتقاء والتقدم هو الانسلاخ من الدين بالكلية.

_وصنف لم يدرس الشريعة ولكن درس القوانين الوضعية فقط، وتولى تربية جيل من المسلمين لا يعرف شيئًا عن حقيقة الإسلام؛ بل يعرف عن ذلك شبهات تحوم في نفسه حول هذا الدين([63]).

-وفريق تولى إفساد المسلمة وإخراجها باسم الثقافة والحرية والديمقراطية سافرة ومتبرجة، وجعلها أحبولة الفساد في المجتمعات الإسلامية، ومن ثم تعطيل وهدم كيان المجتمع الإسلامي»([64]).

لقد وقع كثير من السذج والجهلة بل وبعض العلماء في أيامنا هذه في شِرْكٍ حقيقي، وبرهانُ ذلك ما نراه بأعيننا في كثير من البلاد العربية والإسلامية؛ إذ يتساقطون على الأضرحة والمشاهد؛ ويقصدون الموتى، ويعتمدون عليهم في جلب النفع ودفع الضرر([65]).

-ثانيًا: النتائج السلبية المترتبة على عدم تطبيق شرع الله تعالى:

-النتيجة الأولى:

في مجال العقيدة: بسبب البعد عن شرع الله وتطبيقه نصًا وروحًا، كانت الكارثة الأولى التي تسببت بها الأمة؛ فسادُ عقيدتها، وأصابتها ملوِّثات مادية زرعت الشك والإلحاد في كثير من نفوس أبنائها ([66]).

-النتيجة الثانية:

في مجال العبادة: تعرضت العبادات لكثير من الانحرافات، وسوء الفهم لدى الغالبية العظمى من المسلمين؛ منها:

-الغلو والإفراد في أدائها، وما أحسن ما وصفهم به ابن عقيل رحمه الله: «ما أعجب أموركم: إما هوى متبع، أو رهبانية مبتدعة»([67]).

-النتيجة الثالثة:

في المجال الاجتماعي: فشلت النظم المستوردة «يمينيةً ويساريةً» في تأمين السعادة والطمأنينة والاستقرار للإنسان؛ بل إنها تسببت في شقاء الإنسان وانغماسه، وانعكس ذلك على الأسر؛ فتفككت وضعفت الروابط الأسرية، وانهدمت الأواصر العائلية، وانعدمت القيم والمكارم، وبدت ظاهرة القلق والاضطراب والاكتئاب على كثير من أفراد المجتمعات التي تنكرت لشرع الله، وترتب على ذلك العيادات النفسية وارتفاع نسبة الانتحار وشرب الخمور، والمسكرات، والإفراط في التدخين، والانغماس في الموبقات والشذوذ الجنسي واقتراف الرذائل، وهذا بسبب سيطرة النظم الوضعية([68]).

- النتيجة الرابعة: في مجال السياسة ونظام الحكم:

إن العدل في الإسلام عدلٌ مطلق يطبق على الكبير والصغير، والشريف، والوضيع والأمير، والسوقة، والمسلم، وغير المسلم، والمساواة على إطلاقها؛ فلا قيود ولا استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين، ومساواة تامة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات.

والشورى من أهم قواعد الشريعة الإسلامية، وهي لأهل الحل والعقد، والتجربة، والخبرة، وهي الدعامة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، ولكن هذه قد تعطلت بسبب أهواء كثير من الحكام واستبدادهم وقوانينهم الوضعية، ولقد عانت الشعوب الإسلامية من جراء ذلك وكابدت الأمَرَّيْن ([69]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

«وإذا خرج ولاة الأمور عن الحكم بغير ما أنزل الله وقع بأسهم بينهم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم».

وهذا من أعظم أسباب تغير الدول، كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادتَه جعله يعتبر بما أصاب غيره؛ فيسلك مسلكَ من أيده الله ونصره، ويتجنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾([70]).

فقد وعد الله من ينصره وهو نصر كتابه ودينه ورسوله؛ لا ينصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم ([71]).

والخلاصة: أن أداة الحكم في تلك البلاد التي تحتكم إلى غير ما أنزل الله قد فسدت وتعفنت، وانتشرت روائح الفساد في كل جانب من جوانب الحكم فيها؛ فالحاكم يستولي على الحكم بالقوة المسلحة ويحتفظ بمنصبه بالحديد والنار، ورجال السياسة الباروزن؛ سواء كانوا في الحكم أو كانوا من المعارضين كلهم من العلمانيين.

-النتيجة الخامسة:

في مجال الاقتصاد: نشأت مشاكل حرب الطبقات والظلم الاجتماعي والاستغلال الحربي والاحتكار والفقر والبطالة، إلى ما لا نهاية له من المشاكل اليومية، ولقد تمثل الشعب بسادته وكبرائه في سوء أخلاقهم، فعَمَّ النفاق وفشا الربا وضاعت الأخلاق والكرامات، ولم يبق بين هؤلاء من له ذمة أو ضمير أو خلق إلا قليل([72]).

المبحث السابع:

 ذكر بعض الشُّبَهِ التي تُثار حول تطبيق الشريعة وتفنيدُها

منذ بزوغ فجر الإسلام وقوى الشرك والضلال تكيد للإسلام وتضع المخططات، وتدبر المؤامرات وتحيل الشبهات لكسر شوكته، ومكافحة دعوته والقضاء عليه، ولكن الإسلام هو الإسلام؛ لم ينكسر له جيش ولم تنكس له راية، ولم ينهزم في معركة طوال تلك الحقبة من الزمن.

وأعداء الإسلام قد جربوا الحرب مع المسلمين وذاقوا المرارات في معاركهم وعادوا يجرون أسمال الهزيمة في كل مواجهة بينهم وبين المسلمين...وفكروا ونظروا أن سر تقدم المسلمين وانتصارهم إنما يكمن وراء دينهم، وأن الإسلام هو مبعث وحدتهم وقوتهم، فأجمعوا أمرهم ودبروا كيدهم لهدم الإسلام، ثم انطلقوا يضعون المخططات ويرسمون الخطط لتشويه الإسلام، ويتهمونه بالباطل ويشوهون حقائقه الناصعة.

وسوف أذكر بعض هذه الاتهامات الباطلة التي يوجهها خصوم الإسلام للإسلام، ثم أتبع كل واحد منها بما يكشف عن زيفها وبطلانها.

-الشبهة الأولى: قالوا: «أن تطبيق الشريعة الإسلامية يثير المشاعر السلبية لدى الأقليات غير المسلمة، ويهيج نوازع الأحقاد الطائفية في نفوسهم، مما يعرض الأمة لخطر الأحقاد الطائفية في نفوسهم؛ مما يعرض الأمة لخطر التدابر والانقسام، وخير للأمة أن تكون في مأمن من هذا الخطر عندما يلتقي أبناؤها على شرعة وضعية لا صلة لها بعقيدة أو دين؛ مما يتخالف الناس فيه»([73]).

فهم يقولون وهم يتهمون الشريعة الإسلامية بأنها تتجاهل حقوق الأقليات التي لا تنتسب إلى الإسلام، فتحرمهم حقوقهم ولا تسمح لهم بممارسة الحياة الإنسانية في ظل الكرامة الجديدة بالإنسان، ولكن على هؤلاء أن يعلموا علم اليقين أن هذه تهمةٌ باطلة تكذبها النصوص ويكذبها التاريخ المعروف للمسلمين يوم كانوا يحكمون بلادًا فيها أقليات غير مسلمة؛ بل ويكذبها أيضًا المنصفون منهم، ولا يتهمون بالتعصب للإسلام.

فأما النصوص، يقول تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾([74]).

فبينما كان رؤساء أكثر الأديان يأمرون أتباعهم باستعمال أشد الطرق الإكراهية لحمل الناس على الدخول في دينهم نرى أن الإسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه، بل ويدع الناس في ظله أحرارًا في عقائدهم الخاصة ([75]).

ويقول سبحانه مخاطبًا رسوله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾([76]).

ما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكره أحدًا على الإيمان وليس بمستطاع له ذلك، ولا من وظائف الرسالة التي بعث بها أن تكره الناس على الإيمان؛ فالإكراه في الدين الإسلامي منهي عنه؛ لأنه لا ثمرة له، ومن آثار هذه الحرية ما سنَّه الإسلام من أدب المناقشة الدينية مع أهل الكتاب؛ «اليهود والنصارى»، محاولة أساسها العقل وعمادها الإقناع ولكن بالتي هي أحسن:

﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾([77]).

ورغم قطع الولاء بين المسلم وأقاربه من الكفار وانفصام عرى المحبة بينه وبينهم، فإن القرآن أمر بأن يصل الإنسان رحمه، ولو كفروا بدينه الذي اعتنقه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾([78]).

هذا من الناحية الشخصية، أما من الناحية العامة فلم ينهنا الإسلام عن برهم والإحسان إليهم، إذا كفوا أيديهم عنا وأعلنوا الانضواء تحت سلطان المسلمين ([79]) ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾([80]).

ولقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً أعلى لمعاملة أهل الكتاب وكفل حقوقهم الدينية والإنسانية، وحفظ لهم مواثيقهم وعهودهم، ووفى لهم، وأوصى بهم خيرًا، ما داموا يعيشون تحت مظلة الحكم الإسلامي، والناظر في تصرفات قادة الفتوحات الإسلامية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرائه وولاته، ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم، يرى أنهم كانوا أحرص الناس على الرفق والسماحة في تنفيذ العهود والمواثيق، وأحفظ من عرف التاريخ لحقوق من يقطنون ديارهم ويدينون بغير دينهم ([81]).

ويروي أبو يوسف عن الإمام مكحول الشامي: «أن أبا عبيدة بن أبي الجراح t صالح أهل الذمة بالشام واشترط عليهم حين دخلوا أن تترك كنائسهم وبِيَعُهم وطلبوا منه أن يجعل لهم يومًا في السنة يخرجون فيه صلبانهم بلا رايات، وهو يومُ عيدهم الأكبر، فأجابهم على ما طلبوا ووَفَّى لهم المسلمون بشرطهم»([82]).

ومن حقوق غير المسلمين، بل ومن آكدها وأقواها:

المحافظة على شروط صلحهم أو معاهداتهم إن كانوا من أهل الصلح والمعاهدة؛ محافظة تحرِّم على أي مسلم أن يبخس بشيء مما جاء في تلك العهود والمواثيق؛ فقد روى أبو داود بسنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة»([83]).

وروى ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة t أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل معاهدًا له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة سبعين عامًا»([84]).

«وقتل رجل من بني بكر بن وائل رجلاً من أهل الذمة بالحيرة في عهد عمر بن الخطاب t، فأمر عمر بتسليم الرجل إلى أولياء المقتول فسلم إليهم فقتلوه»([85]).

بهذه المعاملة الطيبة التي عامل بها المسلمون أصحابَ الديانات الأخرى من أهل البلاد التي فتحوها جعلت بعض عقلاء المفكرين المسيحين المنصفين يعترفون بتلك الحقيقة ويشيدون بالمسلمين وبمعاملاتهم السمحة الندية...

يقول الكونت هندي كاسترو في كتابه «الإسلام خواطر وسوانح»: ولقد درست تاريخ النصارى في بلاد الإسلام فخرجت منه بحقيقة مشرقة وهو أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف في المعاشرة وترفع عن الغلظة، وعلى حسن مسايرة ورقة ومجاملة».

وبهذا التشريع المستنبط من عدالة الإسلام وروح الوحدة الإنسانية عامل المسلمون غير المسلمين، ولا يزالون على هذه السنة المحمدية إلى اليوم، وتلك المعاملة تعد أساسًا أسلوب دعوة إلى الله تعالى، على الدعاة إلى الله أن لا يغفلوا؛ عليهم أن يقوم بين المسلمين وغير المسلمين ولاء وتناصر وتوادٌّ على حساب العقيدة؛ إذ إن الولاء الحق لا يكون إلا لله ودينه ورسوله والمؤمنين.

إن الإسلام حين يبيح للمسلم معاملة من لا يحاربه في دينه بالحسنة ويدعو إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم يقصد من وراء ذلك تأليفهم وترغيبهم في الإسلام لا غير ([86]).

-الشبهة الثانية: ما يتعلق بأحكام الحدود في الإسلام:

قالوا: العقوبات الإسلامية قاسية لا تساير روح العصر، ولا تتقدم مع ركب المدنية، ثم قالوا: لماذا كان حد المحصن رجمًا بالحجارة، أليس ذلك تحقيرًا له، ثم إن إقامة الحدود تقتضي إزهاقًا للأرواح وتقطيعًا للأطراف، وبذلك تفقد البشرية كثيرًا من الطاقات وينشر المشوهون والمقطعون، ثم قالوا: إن إقامة الحدود ردة تاريخية ونكسة إنسانية، ولا يليق بإنسان عاقل متمدن يعيش في القرن العشرين الميلادي أن يأخذ بقانون نشأ بين جبال مكة.

قبل أن ندحض هذه الشبهة نوضح الأسباب والدوافع التي جعلتهم يستفيضون هذه العقوبات:

- السبب الأول: الجهل بحكم التشريع الإسلامي في العقوبات.

- السبب الثاني: أنهم ينظرون نظرة سطحية عند تقويم خطورة الجرائم التي تطبق بها الحدود؛ فيستقلونها دون أن يرجعوا في ذلك إلى اعتبار الحِكْمَةِ المشروعِ وتقويمه.

- السبب الثالث: أنهم لم يدرسوا نظرة الإسلام للجريمة والعقاب على حقيقتها:

نعم إن في إقامة الحدود مَظْهرًا من مظاهر القسوة والشدة، وإن لم تشتمل على الشدة والقسوة فأيّ أثر لها في الزجر والردع؛ إن العقوبة في ظاهرها قسوة وشدة وفي حقيقتها رحمة وشفقة؛ إذ لو ترك العضو المريض ونارُ الألم تتوهج وتستشري لأَوْدَى بحياة المريض؛ بل وسار سرطان الجريمة في أوصال المجتمع؛ فكان من الواجب ومن الحكمة أن يُبْتَرَ عضوٌ فاسد مفسِد؛ لإنقاذ بقية المجتمع([87]).

إن الإسلام يقدر عقوباتٍ رادعة قد تبدو قاسية فَضَّةً لمن يأخذها أخذًا سطحيًا بلا تمعن ولا تفكير، ولكن لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار.

فالإسلام يقرر قطع يد السارق، ولكنه لا يقطعها أبدًا إذا كانت هناك شبهة بأن السرقة نشأت من جوع، والإسلام يقرر رجم الزانية والزاني، ولكنه لا يرجمهما إلا أن يكونا محصنين، وإلا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة؛ وهذا يعني أن العقوبات لا تنفذ جزافًا أو تسلطًا على الناس بلا حساب ([88]).

وعمر بن الخطاب- من أبرز فقهاء الإسلام- لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة ([89])؛ فهذا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل؛ وهو أن قيام ظروف وملابسات تدفع الجريمة يمنع تطبيق الحدود؛ عملاً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا عثرات الكرام إلا في حد من حدود الله».

إن الازدراء والتحقير بالإنسانية أن تقام حدود الله، وليس من الازدراء والتحقير بالإنسانية إذلال الإنسان وتعذيبه بخلع أظافره، وإحراق جسمه، وتسليط الصدمات الكهربائية على مخه وعصبه، وكَيِّه بالنار، وقلع شعره، والعبث بكرامته وأذيته، كما يتعرض لذلك المعارضون في الرأي والسياسة في البلاد التي تتشرف بالحريات والديمقراطيات والاشتراكية، والشيوعية، وتتباهى بقوانينها ونظمها؟!

إن المراد من قتل المحصن رجمًا إنما المراد من هذا القتل الزجر والردع عن مقارفة الجريمة الشنعاء، إن قتل المرجوم رجمًا يقصد بذلك الشارع زيادةً في الإيلام وتنفيرًا لغيره من مقارفة تلك الجريمة النكرة وعبرةً لمن تسول له نفسه أو يزين الشيطان أن يقع في مثل ما وقع فيه.

وفوق هذا كله: أن الذي فرض العقوبة وقدرها وبين كيف تكون إنما هو العليم الخبير الذي يعلم دروب النفس وخباياها ([90]).

﴿وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾([91]) ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾([92]).

ويقولون أن إقامة الحدود إزهاقٌ للأرواح وتقطيعٌ للأطراف.. إلخ.

ونقول لهؤلاء: إن القتل وتقطيع الأطراف في الحدود لفئات شريرة تعطل العمل والإنتاج، وتؤدي إلى حفظ مئات الأرواح وآلاف الأطراف سليمة طاهرة عاملة منتجة، مع ملاحظة أن المشوهين والمقطوعين لا يكادون يشاهدون في البلاد التي يقام فيها شرع الله تعالى؛ وذلك لأن إقامتهم للحدود قد حالت بين الناس والجرائم التي تقام بسببها الحدود، فقلَّتِ الجرائم، وبالتالي قل من تقام عليه الحدود، وصدق الله العظيم إذا يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([93]).

* * * *


 الخــاتمـة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد:

فلله الحمد والمنة، وله الفضل على إتمام هذه النعمة؛ حيث استكملت في هذا البحث المتواضع وتطرقت لبعض جوانب تطبيق الشريعة الإسلامية من حيث مصادرها وخصائصها والنصوص التي تؤكد يُسْرَ الشريعة الإسلامية وسماحتها، وحكم تطبيق الشريعة الإسلامية، وذكرت بعض الشبه حول الشريعة الإسلامية وتنفيذها:

وإذ بلغ البحث نهايته فإن من المناسب أن أَسْرِدَ بعض النتائج التي وصل إليها هذا البحث، وهي على النحو التالي:

1- إن الشريعة الإسلامية هي الناسخة لجميع الشرائع.

2- إن مصادر هذه الشريعة من عند الواحد الأحد عالم بما يصلح أحوال الناس وما يصلح لهم.

3- يجب على المسلمين تحكيم الشريعة الإسلامية؛ سواء كانوا حكامًا أو محكومين.

4- إن تعطيل الشريعة الإسلامية سبب لكل شر وفتنة.

5- إن لعدم تطبيق الشريعة الإسلامية آثاراً سلبية في الحياة السياسية والاجتماعية، والأخلاقية، والاقتصادية.

6- وجود حفنة قذرة تثير الشكوك والفتنةَ حول تطبيق الشريعة الإسلامية القصد منها تنحية هذه الشريعة من حياة الناس.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.



([1]) سورة المائدة، الآية: 48.

([2]) تاج اللغة وصاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، ج2، ص957.

([3]) القاموس المحيط، محمد يعقوب الفيروزآبادي، ص946.

([4]) وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، مناع خليل القطان، ص9.

([5]) وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، مناع خليل القطان، ص10.

([6]) سورة يوسف، الآية: 111.

([7]) سورة النحل، الآية: 89.

([8]) وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص11، 12.

([9]) سورة الشعراء، الآيات: 192-195.

([10]) سورة البقرة، الآية: 23.

([11]) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه نقلاً من كتاب وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، ص16.

([12]) سورة الحجر، الآية: 9.

([13]) سورة الإسراء، الآية: 77.

([14]) سورة الفتح، الآية: 23.

([15]) متفق عليه.

([16]) رواه مسلم.

([17]) وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص20، 21.

([18]) المرجع السابق، ص23.

([19]) الحكم بما أنزل الله، عبد لعظيم فوده، ص71.

([20]) سورة النساء، الآية: 115.

([21]) الحكم بما أنزل الله، مرجع سابق، ص72.

([22]) مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه، عبد الوهاب خلاف، ص16.

([23]) أصول السرخسي، للسرخسي، ج1، ص130.

([24]) المستصفى في علم الأصول، أبو حامد الغزالي، ص403.

([25]) الحكم بما أنزل الله، مرجع سابق، ص79.

([26]) المرجع السابق، ص80.

([27]) تاريخ الشرائع، الدكتور مختار القاضي، ص176.

([28]) سورة النساء، الآية: 136.

([29]) في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإسلامية، مصطفى فرغلي الشقيري، ص66.

([30]) سورة المؤمنون، الآيات: 1-4.

([31]) سورة المائدة، الآية: 38.

([32]) في وجه المؤامرة على تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص68.

([33]) المرجع السابق، ص70.

([34]) سورة المائدة، الآية: 50.

([35]) وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص114.

([36]) سورة الزلزلة، الآيات: 7، 8.

([37]) رواه البخاري ومسلم.

([38]) سورة البقرة، الآية: 286.

([39]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل عصر، صالح السدلان، ص102.

([40]) سورة البقرة، الآية: 185.

([41]) انظر: الإكليل في استنباط التنزيل، للسيوطي، ص14.

([42]) تفسير ابن كثير، 3/236.

([43]) مسند الإمام أحمد،/ 5/266.

([44]) صحيح البخاري، 7/101، باب (80) كتاب الأدب.

([45]) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله 1/93، 94، حديث رقم 39.

([46]) الحكم بما أنزل الله، مرجع سابق، ص22.

([47]) سورة القصص، الآية: 70.

([48]) سورة الأنبياء، الآية: 22.

([49]) المصدر السابق.

([50]) سورة النحل، الآية: 36.

([51]) تفسير ابن كثير، 12/54.

([52]) سورة النساء، الآية: 60.

([53]) تفسير ابن كثير، 5/499.

([54]) سورة المائدة، الآيات: 44-45، 47.

([55]) تحكيم القوانين، سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص15.

([56]) سورة النساء، الآية: 65.

([57]) أسباب الحكم بغير ما أنزل الله، د. صالح السدلان، ص7.

([58]) انظر: المرجع السابق، بتصرف يسير، ص7.

([59]) سورة النور، الآيات: 47، 48.

([60]) بتصرف من أسباب الحكم بغير ما أنزل الله، المرجع السابق، ص9.

([61]) سورة آل عمران، الآية: 28.

([62]) المرجع السابق، ص14، 15.

([63]) جاهلية القرن العشرين، محمد قطب، ص274.

([64]) واقعنا المعاصر، محمد قطب، 250.

([65]) مصرع الشرك والخرافة، خالد علي الحاج، ص34-35.

([66]) أسباب الحكم بغير ما أنزل الله، مرجع سابق، ص57.

([67]) تلبيس إبليس لابن الجوزي، ص206.

([68]) انظر: أسباب الحكم بغير ما أنزل الله، مرجع سابق، ص58.

([69]) المرجع السابق، ص60.

([70]) سورة الحج، الآيات: 40، 41.

([71]) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 35/388.

([72]) المرجع السابق، ص61.

([73]) انظر: شبهات حول الإسلام، محمد قطب، ص176.

([74]) سورة البقرة، الآية: 256.

([75]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص230.

([76]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص232.

([77]) سورة العنكبوت، الآية: 46.

([78]) سورة لقمان، الآية: 15.

([79]) المرجع السابق، ص232.

([80]) سورة الممتحنة، الآية: 8.

([81]) المرجع السابق، ص234.

([82]) الخراج لأبي يوسف، ص138.

([83]) سنن أبي داود 3/37، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب (33)، حديث رقم (3052).

([84]) سنن ابن ماجه، 2/112، حديث رقم 2719.

([85]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص243.

([86]) المرجع السابق، ص248-251.

([87]) انظر: وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، المرجع السبق، ص258.

([88]) شبهات حول الإسلام، محمد قطب، ص137.

([89]) سمي عام الرمادة لأن الريح كانت تسفي ترابًا كالرماد، وكان ذلك سنة 18هـ، وقد أصاب الناس في هذه السنة مجاعة وقحط. انظر: الفاروق عمر بن الخطاب، ص215 تأليف محمد رضا.

([90]) وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص261.

([91]) سورة البقرة، الآية: 220.

([92]) سورة الملك، الآية: 14.

([93]) سورة البقرة، الآية: 179.