تفسير سورة النصر

ابن رجب الحنبلي

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

أما بعد:

فإن الله عز وجل قد أكرم هذه الأمة الإسلامية بكتاب عظيم، فيه نبأ ما قبلها وخبر ما بعدها، من ابتغى الهدى في غير هذا الكتاب الكريم فقد ضل، فهو حبل الله المتين، والذكر المبين، والصراط القويم، جمع الله فيه ما يحتاج إليه من أخبار الأولين والآخرين، ففيه المواعظ والحكم البالغة، والآداب المتنوعة، والحجج الساطعة، والبراهين الظاهرة.

قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].

وقال عزَّ اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57] إلى غير ذلك من الآيات الزاخرة في ذكر مكانة هذا الكتاب الكريم.

وقد هيأ الله لهذا الكتاب أئمة فحولاً فاعتنَوْا بحفظه وتعلمه وتعليمه، وبذل الغالي والنفيس في سبيل إيصاله إلى جميع الأمم لإخراجها من دياجير الظلمات إلى النور: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16] كما وعد سبحانه بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

ومن هذه الجهود التي خدمت هذا الكتاب العزيز، وبينت مقاصده، ما ألفه الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في تفسير سورة «النصر» وتوضيح معانيها، وما اشتملت عليه من حِكم وأحكام.

وقد قمتُ بتحقيق هذه الرسالة، والتعليق عليها، سائلاً المولى عز وجل أن يعم نفعها الجميع، إنه ولي ذلك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

كتبه

الفقير إلى عفو ربه

محمد بن ناصر بن محمد العجمي

الرياض 16/3/1412هـ


 وصف نسخ تفسير سورة النصر

اعتمدت في تحقيقي لتفسير هذه السورة على عدة نسخ، إلا أنها متأخرة النسخ، مما حدا بي أن لا أتخذ منها نسخة أصلية، بل اعتمدت على الجميع مع ذكر بعض الفروق الجوهرية:

1- نسخة مكتبة جامعة الملك سعود المركزية – الرياض سابقًا – تحت رقم (4433)، في ثلاث ورقات، يتراوح عدد الأسطر فيها ما بين (24) و (27) سطرًا، وخطها دقيق متراص الكلمات، كتبت في القرن الثالث عشر تقديرًا، والناسخ غير معروف وأرمز لها بحرف (أ).

2- نسخة مكتبة الأوقاف العراقية، تحت رقم (3809 – مجاميع)، في خمس ورقات، ويترواح عدد الأسطر فيها ما بين (18) و(21) سطرًا، وخطها دقيق أيضًا، والناسخ غير معروف، وكذا تاريخ نسخها، وهي المرموز لها بحرف (ب).

3- نسخة مكتبة جامعة الملك سعود المركزية تحت رقم (1639)، في خمس ورقات، ويتراوح عدد الأسطر فيها ما بين (21) و(27) سطرًا، وخطها نسخي معتاد، ولم يكتب اسم الناسخ أو تاريخ كتابتها وهي المرموز لها بحرف (جـ).

وهناك نسخة أخرى في جامعة الملك سعود برقم (1737) إلا أنها ناقصة بالآخر وتشترك مع نسخة العراق في الخطأ، فلذلك لم اعتمد عليها.

كما اطلعت على المطبوعة في الهند سنة 1339هـ، وأفدت منها في بعض المواضع ـ وهي المرموز لها بحرف (ط).

هذا وقد ذكر هذه الرسالة ضمن مؤلفات ابن رجب الحافظ ابن عبد الهادي المبرد في كتابه «الذيل على طبقات الحنابلة» (ص50)، كما اقتبس منها أكثر من مرة العلامة الألوسي في تفسيره «روح المعاني» (30/255، 256، 257، 259).

* * * *


 ترجمة المؤلف

(نبذة مختصرة)

* اسمه ونسبه:

هو زين الدين عبد الرحمن بن الحسن بن محمد ابن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بـ (ابن رجب). ولد ابن رجب في بغداد سنة 736هـ.

* مشايخه:

أول مشايخه والده الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن، وقد كان عالمًا صالحًا، وهذا ذكر بعض مشايخه:

1- القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله، المشهور بابن قاضي الجبل المتوفى سنة 771هـ.

2- صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي المتوفى سنة 761هـ.

3- جمال الدين أبو سليمان داود بن إبراهيم العطاء المتوفى سنة 752هـ.

4- محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن الخبازي المتوفى سنة 756هـ.

5- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ.

6- صدر الدين، أبو الفتح محمد بن إبراهيم الميدومي المتوفى سنة 754هـ.

7- فتح الدين، أبو الحرم، محمد بن محمد بن القلانسي الحنبلي المتوفى سنة 765هـ. وغيرهم.

* تلاميذه:

تتلمذ على الحافظ ابن رجب جمع ليس بالهين ونذكر جملة منهم:

1- أحمد بن أبي بكر بن أحمد الحموي الأصل الحلبي الحنبلي ويعرف بابن الرسام المتوفى سنة 844هـ.

2- داود بن سليمان بن عبد الله الموصلي ثم الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة 844هـ.

3- عبد الرحمن بن أحمد بن عياش الزين الدمشقي الأصل المكي المتوفى سنة 853هـ.

4- الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الزين أبو ذر المصري الحنبلي ويعرف بالزركشي المتوفى سنة 846هـ.

5- على بن محمد بن علي الطرطوسي المزي المتوفى سنة 850هـ تقريبًا.

6- علي بن محمد بن علي البعلي ثم الدمشقي الحنبلي علاء الدين أبو الحسن المعروف بابن اللحام، وكان أقرب تلاميذه إليه توفى سنة 803هـ.

7- عمر بن محمد بن أبي بكر السراج أبو حفص الحلبي ويعرف بابن المزلق المتوفى سنة 841هـ. وغيرهم.

* ثناء العلماء عليه:

قد أثنى عليه كل من ترجم له ثناء عاطرًا وإليك ذكر بعض تلك الأقوال في حقه رحمه الله:

قال ابن حجي: «أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق».

وقال ابن فهد المكي: «الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمة العباد، مفيد المحدثين واعظ المسلمين».

وقال أيضًا: «كان رحمه الله تعالى إمامًا ورعًا زاهدًا مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامة نافعة وللقلوب صادعة».

وقال الحافظ ابن حجر: «الشيخ المحدث الحافظ».

وقال أيضًا: «وكان صاحب عبادة وتهجد...».

وقال ابن عبد الهادي المبرد: «الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ، جامع الشتات والفضائل».

وقال أيضًا: «الفقيه الزاهد البارع الأصولي المفيد المحدث».

وقال تلميذه علاء الدين ابن اللحام: «سيدنا وشيخنا الإمام العلامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام مجلي المشكلات وموضح المبهمات...».

وقال أيضًا: «شيخنا الإمام العالم الحافظ بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره شيخ الإسلام زين الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى وعفا عنه برحمته».

وقال ابن قاضي شهبة: «الشيخ الإمام العلامة الحافظ الزاهد الورع شيخ الحنابلة وفاضلهم، أوحد المحدثين».

وقال السيوطي «الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ» وقال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي «الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة، البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة واعظ المسلمين مفيد المحدثين».

وقال العليمي «هو الشيخ الإمام، الحبر البحر الهمام، العالم العامل، البدر الكامل، القدوة الورع الزاهد، الحافظ الحجة الثقة، شيخ الإسلام والمسلمين، وزين الملة والدين، واعظ المسلمين، مفيد المحدثين، جمال المصنفين».

وقال ابن العماد: «الشيخ الإمام العالم العلامة، الزاهد القدوة البركة، الحافظ العمدة، الثقة الحجة، الحنبلي المذهب».

وقال ابن العماد أيضًا: «وكان لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات، وكان يسكن بالمدرسة السكرية بالقصاعين».

* مؤلفاته:

قال ابن فهد: « له المؤلفات السديدة والمصنفات المفيدة».

وقال ابن العماد الحنبلي: «وله مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة».اهـ.

* كتبه في الفقه:

1- (الأحاديث والآثار المتزائدة في أن الطلاق الثلاث واحدة).

2- (أحكام الخواتيم وما يتعلق بها) مطبوع.

3- (إزالة الشنعة عن الصلاة بعد النداء يوم الجمعة).

4- (الاستخراج لأحكام الخراج)، مطبوع.

5- (الإيضاح والبيان في طلاق كلام الغضبان).

6- (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة).

7- (القواعد الكبرى في الفروع)، مطبوع، وقال عنه الحافظ ابن حجر: «أجاد فيه» وقال ابن قاضي شهبة: «مجلد كبير، وهو نافع من عجائب الدهر حتى إنه استكثر عليه، حتى زعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها، وليس الأمر كذلك بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك».

8- (قاعدة غم هلال ذي الحجة)، مطبوع.

9- (القول المعذاب في تزويج أمهات أولاد الغياب).

10- (الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان).

11- (منافع الإمام أحمد).

12- (نزهة الأسماع في مسألة السماع).

* كتبه في علوم القرآن:

1- (إعراب البسملة).

2- (إعراب أم الكتاب).

3- (الاستغناء بالقرآن).

4- (تفسير سورة الفاتحة).

5- (الكلام على سورة الإخلاص).

6- (الكلام على سورة النصر).

* كتابه في الحديث:

1- (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)، مطبوع([1]).

2- (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم)، مطبوع.

3- (الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة») مطبوع.

4- (شرح حديث: «إن أغبط أوليائي عندي»).

5- (شرح حديث شداد بن أوس: «إذا كنز الناس الذهب والفضة»).

6- (شرح حديث عمار بن ياسر: «اللهم بعلمك الغيب»).

7- (شرح حديث: «ما ذئبان جائعان...») ويسمى أيضًا: (ذم الجاه والمال) مطبوع.

8- (شرح حديث: «لبيك اللهم لبيك»).

9- (شرح حديث أبي الدرداء: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا...»)، مطبوع.

10- (شرح حديث: «يتبع المؤمن ثلاثة»).

11- (شرح حديث: «مثل الإسلام»).

12- (شرح جامع الإمام الترمذي) ويقع في نحو عشرين مجلدًا كما ذكر الحافظ ابن حجر، والموجود منه شرح العلل وهو مطبوع.

13- (غاية النفع في شرح حديث: «تمثيل المؤمن بخامة الزرع»). مطبوع.

14- (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، شرح قطعة منه، قال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي «وشرح من أول صحيح البخاري إلى الجنائز شرحًا نفيسًا».

15- (كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة)، وهو: (شرح حديث «بدأ الإسلام غريبًا...») مطبوع.

16- (المحجة في سير الدلجة)، وهو: (شرح حديث: «لن ينجي أحدًا منكم عمله») مطبوع.

17- (نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس)، وهو: (شرح حديث: «احفظ الله يحفظ...»)([2]).

* كتبه في التاريخ:

1- (الذيل على طبقات الحنابلة)، مطبوع.

2- (سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز)، مطبوع.

3- (مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز)، مطبوع.

4- (وقعة بدر).

* كتبه في الوعظ والفضائل.

1- (استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس)، مطبوع.

2- (الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان).

3- (الإلمام في فضائل بيت الله الحرام).

4- (أهوال القبور)، مطبوع.

5- (البشارة العظمى في أن حظَّ المؤمن من النار الحمى).

6- (بيان فضل علم السلف على علم الخلف)، مطبوع.

7- (التخويف من النار)، مطبوع.

8- (تسلية نفوس النساء والرجال عن فقد الأطفال).

9- (الذل والانكسار للعزيز الجبار) طبع بعنوان: (الخشوع في الصلاة).

10- (ذم الخمر).

11- (صفة النار وصفة الجنة).

12- (الفرق بين النصيحة والتعبير)، مطبوع.

13- (فضائل الشام)([3]).

14- (كلمة الإخلاص وتحقيق معناها)، مطبوع.

15- (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف)، مطبوع، قال عنه الحافظ ابن حجر: «واللطائف في وظائف الأيام بطريق الوعظ، وفيه فوائد».

* وفاته:

يقال: إن هذا الإمام جاء إلى حفار فقال له: احفر لي هنا لحدًا وأشار إلى بقعة فقال الحفار: فحفرت له، فنزل فيه فأعجبه واضطجع فيه، وقال: هذا جيد. فمات بعد أيام فدفن فيه وذلك في شهر رجب من سنة 795هـ. رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

* مصادر ترجمته:

1- إنباء الغمر بأبناء العمر (1/460) للحافظ ابن حجر.

2- والدرر الكامنة (2/321) له أيضًا.

3- الرد الوافر (ص106) لابن ناصر الدين الدمشقي.

4- لحظ الألحاظ (ص180) لابن فهد المكي.

5- طبقات الحفاظ (ص536) للسيوطي.

6- الشهادة الزكية (ص49) للكرمي.

7- شذرات الذهب (6/339) لابن العماد الحنبلي.

8- البدر الطالع (1/328) للشوكاني.

9- الذيل على طبقات الحنابلة (ص46) لابن عبد الهادي المبرد([4]).

10- السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (ص117، 118) – مصورة مكتبة خدابخش بتنه بالهند - لابن حميد النجدي ثم المكي.

11- هدية العارفين (1/527، 528) للبغدادي.

12- الدارس في أخبار المدارس للنعيمي (2/76).

13- فهرس الفهارس (2/636) للكتاني.

14- الأعلام (4/67) للزركلي.

15- معجم المؤلفين (5/118) لرضا كحالة.

16- العلل في الحديث للدكتور همام سعيد (ص227-256).


 تفسير سورة النصر

للحافظ زين الدين

عبد الرحمن بن رجب الحنبلي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الأجل عبد الرحمن بن رجب رحمه الله وعفا عنه بمنه وكرمه آمين - «الكلام على سورة النصر».

جاء في حديث أنها: «تعدل ربع القرآن»([5]).

وهي مدنية بالاتفاق؛ بمعنى: أنها نزلت بعد الهجرة إلى المدينة، وهي من أواخر ما نزل.

وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس([6]) قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾([7]).

واختلف في وقت نزولها، فقيل: نزلت في السنة التي توفي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي «مسند الإمام أحمد» عن محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نعيت إلى نفسي [بأنه]([8]) مقبوض في تلك السنة» عطاء هو ابن السائب اختلط بآخره([9]).

ويشهد له ما أخرجه البزار في «مسنده» والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار وصدقة بن يسار([10]) عن ابن عمر قال: نزلت هذه السورة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى وهو في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع([11]) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء، فرحلت له، ثم ركب. فوقف للناس بالعقبة فحمد الله وأثنى عليه.. وذكر خطبة طويلة...

هذا إسناد ضعيف جدًا، وموسى بن عبيدة قال أحمد: «لا تحل عندي الرواية عنه»([12]).

وعن قتادة قال: عاش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها سنتين([13]).

وهذا يقتضي أنها نزلت قبل الفتح، وهذا هو الظاهر لأن قوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يدل دلالة ظاهرة على أن الفتح لم يكن قد جاء بعد، لأن إذا ظرف لما يستقبل من الزمان هذا هو المعروف في استعمالها، وإن كان قد قيل: أنها تجيء للماضي كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11].

وقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92].

وقد أجيب عن ذلك بأنه أريد أن هذا شأنهم ودأبهم، لم يرد به الماضي بخصوصه، وسنذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعد نزول هذه السورة: «جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن   »([14]) ومجيء أهل اليمن كان قبل حجة الوداع ([15]).

قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.

أما نصر الله فهو معونته على الأعداء حتى غلب النبي - صلى الله عليه وسلم - العرب كلهم، واستولى عليهم من قريش وهوازن وغيرهم. وذكر النقاش ([16])  عن ابن عباس أن النصر: هو صلح الحديبية ([17]).

وأما الفتح فقيل: هو فتح مكة بخصوصها، قال ابن عباس وغيره: لأن العرب كانت تنتظر بإسلامها ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - على مكة.

وفي «صحيح البخاري» عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت الأحياء تلوم ([18]) بإسلامها فتح مكة فيقولون: دعوه ([19]) وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي ([20]).

وعن الحسن قال لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة قالت العرب أما إذا ظفر محمد بأهل مكة وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان ([21])، فدخلوا في دين الله أفواجًا ([22]).

وقيل: إن الفتح يعم مكة وغيرها مما فتح بعدها من الحصون والمدائن، كالطائف وغيرها من مدن الحجاز واليمن وغير ذلك، وهو الذي ذكره ابن عطية ([23]).

وقوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾.

المراد بالناس العموم على قول الجمهور، وعن مقاتل: أنهم أهل اليمن.

وفي «مسند الإمام أحمد» من طريق شعبة عن عمرو  بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري عن النبي ([24]) - صلى الله عليه وسلم - [أنه]([25]) قال: لما نزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ﴾ قال: قرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ختمها فقال «الناس حيز وأنا وأصحابي حيز» وقال «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» وأن مروان كذبه ([26]) فصدق رافع بن خديج وزيد بن ثابت أبا سعيد على ما قال ([27]).

وهذا يستدل به على أن المراد بالفتح فتح مكة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية»([28]).

وأيضًا فالفتح المطلق هو فتح مكة كما في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: 10] ولهذا قال: «الناس حيز وأنا وأصحابي حيز».

وروى النسائي من طريق هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة قال: نعيت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه حين أنزلت فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: «جاء الفتح وجاء نصر الله وجاء أهل اليمن» فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟.

قال: «قوم رقيقة قلوبهم لينة قلوبهم ([29])، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان»([30]).

وروى ابن جرير من طريق الحسين بن عيسى الحنفي عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة إذ قال «الله أكبر الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن» قيل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم لينة طباعهم ([31])، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية»([32]).

ورواه أيضًا من طريق عبد الأعلى عن معمر عن عكرمة مرسلاً ([33])، وكذا هو في «تفسير عبد الرزاق»: عن معمر أخبرني من سمع عكرمة فأرسله ([34]).

وهذا لا يدل على اختصاص أهل اليمن بالناس المذكورين في الآية، وإنما يدل على أنهم داخلون في ذلك فإن الناس أعم من أهل اليمن.

قال ابن عبد البر: لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف، منهم من قدم، ومنهم من قدم وافده، ثم كان بعد من الردة ما كان، ورجعوا كلهم إلى الدين.

قال ابن عطية: المراد – والله أعلم – العرب عبدة الأوثان. وأما نصارى بني تغلب فما أراهم أسلموا قط في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،لكن أعطوا الجزية.

(والأفواج): الجماعة إثر الجماعة كما قال [الله تعالى]([35]) ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: 8] وفي المسند» من طريق الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني جار لجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله يسلم على فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا»([36]).

وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.

فيه قولان حكاهما ابن الجوزي.

أحدهما: أن المراد به الصلاة، نقله عن ابن عباس.

والثاني: التسبيح المعروف ([37]).

وفي الباء في بحمد قولان:

أحدهما: أنها للمصاحبة فالحمد مضاف إلى المفعول، أي فسبحه حامدًا له، والمعنى: أجمع بين تسبيحه وهو تنزيهه عما لا يليق به من النقائص، وبين تحميده وهو إثبات ما يليق به من المحامد.

والثاني: أنها للاستعانة، والحمد مضاف إلى الفاعل، أي سبحه بما حمد به نفسه إذ ليس كل تسبيح بمحمود كما أن تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات، كما كان بشر المريسي ([38]) يقول: سبحان ربي الأسفل...

وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾.

أي اطلب مغفرته، والمغفرة هي وقاية شر الذنب لا مجرد ستره.

والفرق بين العفو والمغفرة أن العفو محو أثر الذنب، وقد يكون بعد عقوبة بخلاف المغفرة فإنها لا تكون مع العقوبة.

وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.

إشارة إلى أنه سبحانه يقبل توبة المستغفرين المنيبين إليه، فهو ترغيب في الاستغفار، وحث على التوبة. وقد فهم طائفة من الصحابة y أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار عند مجيء نصر الله والفتح، شكرًا لله على هذه النعمة. كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة ثماني ركعات ([39]) وكذلك صلى سعد يوم فتح المدائن، وكانت تسمى: صلاة الفتح.

وأما عمر وابن عباس فقالا: بل كان مجيء النصر والفتح علامة اقتراب أجله، وانقضاء عمره، فأمر أن يختم عمله بذلك، ويتهيأ للقاء الله، والقدوم عليه على أكمل أحواله وأتمها، فإنه لما جاء نصر الله والفتح بحيث صارت مكة دار إسلام، وكذلك جزيرة العرب كلها، ولم يبق بها كافر، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

وقد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسالات ربه، وعلم أمته مناسكهم وعباداتهم، وتركهم على البيضاء، ليلها كنهارها، ولم يبق له من الدنيا حاجة، فحينئذ تهيأ للنقلة إلى الآخرة فإنها خير له من الأولى([40])، ولهذا نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 35] بعرفة([41]).

وعلم الأمة مناسكهم وقال لهم: «لعلي لا أراكم بعد عامي هذا»([42]).

وقال لهم: «هل بلغت» قالوا نعم، وأشهد الله عليهم بذلك، وودع الناس فقال:« هذه حجة الوداع  »([43]).

وقد خير - صلى الله عليه وسلم - بين الدنيا وبين لقاء ربه، فكان آخر ما سمع منه «اللهم الرفيق الأعلى»([44]).

ونظير هذا الفهم الذي فهمه عمر من هذه السورة ما فهمه أبو بكر من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته: «إن عبدًا خير بين الدنيا وبين لقاء ربه، فاختار لقاء ربه»([45]). وقد سبق من حديث ابن عباس ما يدل على ذلك.

وفي «صحيح البخاري» من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه ممن قد علمتم ([46]). فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال ما تقولون في قول الله عز وجل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره فلم يقل شيئًا! فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا! قال: ما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله أعْلَمه له قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذاك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر بن الخطاب ([47]): ما أعلم منها إلا   ما تقول ([48]) وقد رويت هذه القصة عن ابن عباس من غير وجه.

وفي «المسند» عن أبي رزين عن ابن عباس قال: «لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ علم النبي أنه قد نعيت إليه نفسه».

وقد سبق من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه السورة أخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة ([49]).

وروى الخرائطي في «كتاب الشكر» من طريق شاذ بن فياض عن الحارث بن سبل عن أن النعمان الكندية عن عائشة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] اجتهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في العبادة فقيل له: يا رسول الله ما هذا الاجتهاد؟ أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» إسناده ضعيف ([50]).

وروى البيهقي من طريق سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة، وقال: «إنه قد نعيت إلى نفسي»، فبكت، ثم ضحكت، وقالت أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسي فبكيت، ثم أخبرني بأنك أول أهلي لحاقًا بي فضحكت ([51]).

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر من التسبيح والتحميد والاستغفار بعد نزول هذه السورة. في الصحيحين عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن ([52]).

وفي «المسند» و «صحيح مسلم» عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر في آخر أمره من قول: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه» وقال: «إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا، فقد رأيتُها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة كلها ([53]).

وروى ابن جرير من طريق حفص ثنا عاصم ([54]) عن الشعبي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر أمره لا يقوم ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: «سبحان الله وبحمده» فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من «سبحان الله وبحمده»، لا تذهب ولا تجيء ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: «سبحان الله وبحمده» قال:« إني أمرت بها»، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخر السورة. غريب([55]).

وفي «المسند» عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» ثلاثًا ([56]).

واعلم أن التسبيح والتحميد فيه إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص والعيوب.

والاستغفار يتضمن وقاية شر الذنوب.

فذاك حق الله، وهذا حق عبده، ولهذا في خطبة الحاجة: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره»([57]).

وكان رجل في زمن الحسن البصري معتزل الناس فسأله الحسن عن حاله؟ فقال إني أصبح بين نعمة وذنب فأحدث للنعمة حمدًا، وللذنب استغفارًا، فأنا مشغول بذلك فقال الحسن: الزم ما أنت عليه، فأنت عندي أفقه من الحسن.

والاستغفار: هو خاتمة الأعمال الصالحة فلهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعله خاتمة عمره.

كما يُشرع لمصلي المكتوبة أن يستغفر عقبها ثلاثًا ([58] وكما يشرع للمجتهد من الليل أن يستغفر بالأسحار قال تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]، وقال ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] وكما يشرع الاستغفار عقيب الحج قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199].

وكما يشرع ختم المجالس بالتسبيح والتحميد والاستغفار وهو كفارة المجلس ([59])، وروي أنه يختم به الوضوء أيضًا ([60]).

وسبب هذا أن العباد مقصرون عن القيام بحقوق الله كما ينبغي، وأدائها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يؤدونها على قدر ما يطيقونه، فالعارف يعرف أن قدر الحق أعلى وأجل من ذلك، فهو يستحي من علمه ويستغفر من تقصيره فيه كما يستغفر غيره من ذنوبه وغفلاته، وكلما كان الشخص بالله أعرف كان له أخوف، وبرؤية تقصيره أبصر، ولهذا كان خاتم المرسلين وأعرفهم برب العالمين - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في الثناء على ربه، ثم يقول في آخر ثنائه: «لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك»([61]).

ومن هذا قول مالك بن دينار: لقد هممت أن أوصي إذا مت أن أقيد ثم ينطلق بي كما ينطلق بالعبد الآبق إلى سيده، فإذا سألني؟ قلت يا رب لم أرض لك نفسي طرفة عين، وكان كهمس يصلي كل يوم ألف ركعة، فإذا صلى أخذ بلحيته، ثم يقول لنفسه: قومي يا مَأْوى كل سوء، فوالله ما رضيتك لله طرفة عين ([62]).

فائدة

الاستغفار: يرد مجردًا ويرد مقرونًا بالتوبة، فإن ورد مجردًا دخل فيه طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء، والندم عليه. وشر وقاية الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع عنه.

وهذا الاستغفار الذي يمنع الإصرار بقوله: «ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة»([63]) وبقوله: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار»([64]) خرجهما ابن أبي الدنيا.

وكذا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135]، وفي الصحيح: «أذنب عبد ذنبًا...»([65]) الحديث.

وهو المانع من العقوبة في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]، وإن ورد مقرونًا بالتوبة اختص بالنوع الأول، فإن لم يصحبه الندم على الذنب الماضي، بل كان سؤالاً مجردًا فهو دعاء محض، وإن صحبه ندم فهو توبة.

والعزم على الإقلاع من تمام التوبة والتوبة إذا قبلت فهل تقبل جزمًا أم ([66]) ظاهرًا فيه خلاف معروف.

فيقال: الاستغفار المجرد هو التوبة، مع طلب المغفرة بالدعاء والمقرون بالتوبة: هو طلب المغفرة بالدعاء فقط.

وكذلك التوبة إن أطلقت دخل فيها الانتهاء عن المحظور، وفعل المأمور ولهذا علق الفلاح عليها، وجعل من لم يتب ظالمًا فالتوبة حينئذ تشمل فعل كل مأمور، وترك كل محظور ولهذا كانت بداية العبد ونهايته هي حقيقة دين الإسلام.

وتارة يقرن بالتقوى، أو بالعمل فتختص حينئذ بترك المحظور والله أعلم.

وفي فضائل الاستغفار أحاديث كثيرة منها:

حديث «جلاء القلوب تلاوة القرآن والاستغفار»([67]).

وحديث: «فإن تاب واستغفر ونزع صقل قلبه»([68]).

وحديث: ([69]) «ابن آدم إنك لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني على ما كان منك، غفرت لك ولا أبالي»([70]).

وحديث ابن عمر: كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد: «رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور مائة مرة»([71]). وحديث أبي هريرة مرفوعًا: «إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، وأتوب إليه» خرجه البخاري ([72]).

ومن حديثه مرفوعًا «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم ([73]) يستغفرون فيغفر لهم» خرجه مسلم ([74]).

وفي «المسند» من حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قال حين يأوي إلى فراشه، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله له ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت مثل رمل عالج، وإن كانت عدد ورق الشجر»([75]).

وحديث: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا» خرجه أحمد من حديث ابن عباس ([76]) ويعضده قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10]، وقوله ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: 3].

قال رباح القيسي: "لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة".

وقال الحسن: "لا تملوا من الاستغفار".

وقال بكر المزني: " إن أعمال بني آدم ترفع فإذا رفعت صحيفة فيها استغفار رفعت بيضاء، وإذا رفعت ليس فيها استغفار رفعت سوداء".

وعن الحسن قال: "أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة ([77])".

وقال لقمان: لابنه: "أي بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائلا ([78])".

ورئي عمر بن عبد العزيز في النوم فقيل له: ما وجدت أفضل؟ قال :"الاستغفار".

آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا إلى يوم الدين.



([1]) وقد حققه أخي البحاثة/ جاسم الفهيد الدوسري - حفظه الله وأولاه - وهو من مطبوعات دار الأقصى بالكويت.

([2]) وقد حققته ولله الحمد، وطبعته مكتبة دار الأقصى بالكويت، ثم طبعته دار البشائر الإسلامية ببيروت.

([3]) وأقوم حاليًا بتحقيقه، سائلا الله أن ييسر لي ذلك.

([4]) طبع هذا الكتاب بتحقيق الأخ الدكتور عبد الرحمن العثيمين حفظه المولى.

([5]) ورد هذا ضمن حديث طويل أخرجه الترمذي (2895) وابن عدي في الكامل (3/1180) والبيهقي في شعب الإيمان (414/أ/1) من حديث أنس، وإسناده ضعيف، فيه سلمة بن وردان وهو ضعيف كما في التقريب، والحديث ضعفه الحافظ في فتح الباري (9/62) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وأبي الشيخ.

([6]) وفي (ب): «جابر» وهو خطأ.

([7]) أخرجه مسلم (4/2318) ولفظه: عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعًا؟ قلت: نعم }إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ{. قال: صدقت.

([8]) في جميع النسخ بياض والمثبت من المسند و (ط).

([9]) أخرجه أحمد (1/217) والطبري في تفسيره (30/216)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/22): «رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط».اهـ. وعليه فالإسناد ضعيف، لكن للحديث طريقا  أخرى: أخرجه أحمد (1/344، 356) بنحوه وإسنادها حسن.

([10]) وفي جميع النسخ «بشار» والتصويب من مسند البزار وسنن البيهقي.

([11]) قوله: «في حجة الوداع» كذا في جميع النسخ وليست عند البزار والبيهقي، فلعل المصنف زادها توضيحًا، أو سبق قلم من النساخ والله أعلم.

([12]) أخرجه البزار (1141 – كشف الأستار)، والبيهقي في سننه (5/152) وفي دلائل النبوة (5/447)، وقد كفانا المصنف مؤنة الحكم على الإسناد، وهو كما قال.

([13]) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور (6/406) والطبري (30/217).

([14]) يأتي تخريجه إن شاء الله.

([15]) انظر روح المعاني (30/256).

([16]) هو أبو بكر محمد بن الحسن الموصلي ثم البغدادي النقاش، له عدة كتب منها: «شفاء الصدور» في التفسير قال عنه الحافظ هبة الله اللالكائي: تفسير النقاش إشفى – هو المثقب يخرز به – الصدور لا شفاء الصدور. وقال أبو بكر البرقاني: كل حديث النقاش منكر توفي سنة 351هـ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (15/573) وشذرات الذهب (3/8) والأعلام للزركلي (6/81).

([17]) قال القرطبي رحمه الله في أحكام القرآن (20/230): النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض، إذا أعان على نباتها ومنع من قحطها...» وقال أيضًا: «يقال: نصره على عدوه ينصره نصرًا، أي أعانه. والاسم النصرة. واستنصره على عدوه، أي سأله أن ينصر عليه.. ثم قيل: المراد بهذا نصر الرسول على قريش، قاله الطبري. وقيل نصره على من قاتله من الكفار فإن عاقبة النصر كانت له». اهـ. وانظر كذلك تفسير الشوكاني (5/509).

([18]) وفي (ب) و (جـ) و (ط): «تتلوم» وهو خطأ والمثبت من (أ) وصحيح البخاري ومعنى تلوم: أي تنتظر.

([19]) وفي جميع النسخ «دعوه» وفي صحيح البخاري: «اتركوه».

([20]) أخرجه البخاري (8/22 – فتح).

([21]) أي طاقة.

([22]) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (9/256).

([23]) تفسير ابن عطية (226/أ/10) نسخة دار الكتب المصرية)، وكذا ذكره الماوردي في تفسيره (4/535) والشوكاني في تفسيره (5/509). وذهب طائفة من المفسرين كالطبري (30/214) والقرطبي (20/230) والألوسي في روح المعاني (30/255) وغيرهم إلى أن المراد بالفتح هو فتح مكة.

([24]) وفي المسند «رسول الله ﷺ‬».

([25]) ما بين المعكوفين من المسند.

([26]) وفي (جـ): بياض.

([27]) أخرجه الطيالسي (2204 – المسند) وأحمد (3/22) والبيهقي في دلائل النبوة  (5/109) وقال الهيثمي في المجمع (5/250، 10/178): «ورجاله رجال الصحيح» لكن فيه انقطاعا فإن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد الخدري كما في جامع التحصيل للعلائي (ص222).

([28]) أخرجه البخاري (6/37، 189) ومسلم (2/986).

([29]) وفي (جـ): «ألسنتهم» وفي (ط) بعض التقديم والتأخير في هذا الحديث.

([30]) أخرجه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (5/172) والطبراني في الكبير (11/328، 329) وفي الأوسط كما في المجمع (9/23) وإسناده حسن.

([31]) وفي (أ) و (ب) «طاعتهم» والمثبت من (جـ) و (ط) وتفسير الطبري.

([32]) أخرجه الطبري (30/215)، وإسناده ضعيف، فيه الحسين بن عيسى الحنفي وهو ضعيف كما في التقريب.

([33]) تفسير الطبري (30/215).

([34]) لم أقف عليه في تفسير عبد الرزاق من نسختي والله أعلم.

([35]) ما بين المعكوفين من (جـ).

([36]) أخرجه أحمد (3/343) وإسناده ضعيف، فيه من لم يسم جار جابر بن عبد الله.

([37]) انظر زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (9/256).

([38]) هو بشر بن غياث المريسي، مبتدع ضال، تفقه أول أمره على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وأتقن علم الكلام، ثم جرد القول بخلق القرآن وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان، وإنما أخذ مقالته، واحتج لها، ودعا إليها، وقد رد على مقالته الشنيعة الإمام أبو محمد الدارمي في كتابه «الرد على المريسي» وهو مطبوع، هلك بشر في سنة 218، وهو من أبناء السبعين. تاريخ بغداد (7/56)، ووفيات الأعيان (1/277)، وميزان الاعتدال (1/322).

([39]) أخرجه البخاري (3/51) ومسلم (1/497) من حديث أم هانئ.

([40]) وفي (جـ): «الدنيا».

([41]) أخرجه البخاري (1/105، 8/270) واللفظ له ومسلم (4/2312) عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أن رجلاً من اليهود قال له: «يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال أي آية؟ قال }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا{ قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ‬ وهو قائم بعرفة، يوم جمعة».

([42]) أخرجه مسلم (2/943) من حديث جابر ولفظه: «لتأخذوا مناسككم. فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه».

([43]) أخرجه البخاري (573-574) ومسلم (3/1307) من حديث أبي بكرة t.

([44]) أخرجه البخاري (8/136) ومسلم (4/1722) من حديث عائشة.

([45]) أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد (3/478، 4/211) والترمذي (3659) والدولابي في الكنى (1/55، 56) وأبو يعلي والبغوي كما في الإصابة (4/182) والطبراني في الكبير (22/328) من حديث أبي معلى الأنصاري وفي إسناده ابن أبي معلى لا يعرف كما قال الحافظ في التقريب، لكن الحديث في صحيح البخاري (1/558، 7/12، 227) ومسلم (4/1854) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ مقارب له.

([46]) وفي (ب) و (ط): «علم».

([47]) قوله: «ابن الخطاب» كذا في جميع النسخ ولا وجود له في البخاري.

([48]) أخرجه البخاري (8/734، 735).

([49]) تقدم تخريج هذا الحديث ص47.

([50]) أخرجه الخرائطي في كتاب الشكر (52) وفي إسناده الحارث بن شبل وهو ضعيف كما في التقريب، وقد أصاب المصنف في تضعيف إسناده.

([51]) أخرجه الدارمي (1/37) والطبراني في الكبير (11/330) وفي الأوسط (887) والبيهقي في دلائل النبوة (7/167) وإسناده حسن.

([52]) أخرجه البخاري (2/299، 8/733) ومسلم (1/350).

وقوله: يتأول القرآن أي يجعل ما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال من الفتح (8/734).

([53]) أخرجه أحمد (6/35، 184) ومسلم (1/351).

([54]) وفي جميع النسخ «حفص بن عاصم» وهو خطأ والتصويب من الطبري ومعجم الطبراني الصغير.

([55]) أخرجه ابن جرير (30/216) والطبراني في الصغير (1/241) وإسناده صحيح، ولا وجه لاستغراب المصنف له، وقال الهيثمي في المجمع (9/23): «ورجاله رجال الصحيح».

([56]) أخرجه أحمد (1/392، 394، 410، 434، 455، 456) وإسناده منقطع، أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، ويشهد له ما قبله.

([57]) حديث خطبة الحاجة أخرجه مسلم (2/593) عن ابن عباس، وقد ورد عن جماعة من الصحابة ،خرجها مسهبًا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في رسالته «خطبة الحاجة».

([58]) أخرج مسلم (1/414) عن ثوبان: كان رسول الله ﷺ‬ إذا انصرف، استغفر ثلاثًا وقال «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» وأخرجه أيضًا (1/414) من حديث عائشة.

([59]) أخرج أحمد (4942) وأبو داود (4858) والترمذي (3433) وصححه والنسائي في عمل اليوم والليلة (397) وابن السني في عمل اليوم والليلة (447) والحاكم (5361) وغيرهم وإسناده جيد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‬: «من جلس مجلسًا فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كان كفارة لما بينهما» وفي الباب أحاديث جمع من الصحابة اعتنى بتخريجها والكلام عليها الحافظ ابن حجر في كتابيه النكت على كتاب ابن الصلاح (2/726-741) وفتح الباري (13/544-546).

([60]) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (81) والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (ق40) والحاكم (1/564) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ‬ قال: «من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة» وصححه الحافظ في تخريج الأذكار كما في الفتوحات الربانية (2/20) لكن قال النسائي بعد الحديث: «هذا خطأ والصواب موقوف» ثم ساقه موقوفًا وسنده صحيح، قال الحافظ بعد أن ذكر الكلام عليه مرفوعًا وموقوفًا: «فالسند صحيح بلا ريب إنما اختلف في رفع المتن ووقفه..» ثم قال: «فهذا مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع» وقال في النكت الظراف (3/477): «ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم المرفوع». اهـ.

([61]) أخرجه مسلم (1/352) من حديث عائشة.

([62]) أخرجه أبو نعيم في الحلية (6/211).

([63]) أخرجه أبو داود (1514)، والترمذي (3559)، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (121، 122)، وأبو يعلي في مسنده (137، 138، 139) وابن السني في عمل اليوم والليلة (361)، وابن أبي الدنيا في كتاب التوبة (ق26/ب) والقضاعي في مسند الشهاب (788)، والبغوي في شرح السنة (5/80) من حديث أبي بكر الصديق، وإسناده ضعيف فيه مولى أبي بكر الصديق مجهول.

([64]) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (ق26/ب) والديملي كما في المقاصد الحسنة ص(467) والقضاعي في مسند الشهاب (853) وقال السخاوي في مقاصده: «وسنده ضعيف».

قلت: فيه أبو شيبة الخراساني قال عنه الذهبي في الميزان (4/537) «أبو شيبة الخراساني، أتى بخبر منكر» ثم ذكر هذا الحديث.

([65]) أخرجه البخاري (13/466) ومسلم (4/2112) واللفظ له عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ‬، فيما يحكي عن ربه عز وجل قال «أذنب عبد ذنبًا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال: تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنه له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئت فقد غفرت لك».

([66]) وفي (ب) و (ط): «أو».

([67]) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن ورد ما يقاربه في حديثين:

الأول: من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ‬ «إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد» قالوا يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال «تلاوة القرآن» أخرجه أبو نعيم في الحلية (8/197) والخطيب في التاريخ (11/85) وإسناده ضعيف جدًا، فيه عبد الرحيم بن هارون متروك كما قال الدارقطني.

الثاني: من حديث أنس عن النبي ﷺ‬ قال: «إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار» أخرجه ابن عدي في الكامل (7/2494) وإسناده ضعيف فيه النضر بن محرز مجهول، فلعل المصنف دمج بين الحديثين والله أعلم.

([68]) أخرجه أحمد (رقم 7939) والترمذي (3334) والنسائي في عمل اليوم والليلة (418) وابن ماجه (4244) والطبري في تفسيره (30/62) وابن أبي الدنيا في التوبة (ق29/أ) وابن حبان (2448) والحاكم (2/517) والبغوي في شرح السنة (5/89) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ‬ قال إن المؤمن إذا أذنب، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه: فإن زاد زادت. فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: }كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ وإسناده حسن.

([69]) وفي (ط) «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي...».

([70]) أخرجه الترمذي (3540) من حديث: أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: قال الله: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة».

وفي إسناده كثير بن فائد لم يوقفه سوى ابن حبان إلا أن له شاهدين.

الأول: من حديث أبي ذر أخرجه أحمد (5/172) والدارمي (2/322) وإسناده ضعيف فيه شهر بن حوشب.

الثاني: من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير (12/19) وفي الصغير (2/20/21) وقال الهيثمي في المجمع (10/216): «وفيه إبراهيم بن إسحاق الصيني وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح» فيكون الحديث بذلك حسنًا والله أعلم.

([71]) أخرجه أحمد (1/21) والبخاري في الأدب المفرد (618) وأبو داود (1516) والترمذي (3434) والنسائي في عمل اليوم والليلة (458) وابن ماجة (3814) وابن السني في عمل اليوم والليلة (370) والبغوي في شرح السنة (5/71) وإسناده صحيح.

([72]) أخرجه البخاري (11/101) ولفظه عنده عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».

([73]) وفي صحيح مسلم «فيستغفرون».

([74]) أخرجه مسلم (4/2106).

([75]) أخرجه أحمد (3/10) والترمذي (3397) والبغوي في شرح السنة (5/107) وإسناده ضعيف فيه عطية العوفي ضعيف.

([76]) أخرجه أحمد (1/248)، وأبو داود (1518)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (456)، وابن ماجة (3819)، وابن أبي الدنيا في التوبة (ق26/ب)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (364)، والحاكم (4/262)، والبغوي في شرح السنة (5/79)، وإسناده ضعيف لجهالة الحكم بن مصعب، قال الذهبي في تلخيص المستدرك: «الحكم فيه جهالة».

([77]) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (ق25/أ).

([78]) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (ق25/أ) عن المعتمر بن سليمان عن أبيه.

قال أبو عبد الرحمن محمد بن ناصر العجمي عفا الله عنه:

"تم تبييض هذه الرسالة والتعليق عليها في السابع والعشرين من شعبان سنة ستة وأربعمائة بعد الألف للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات وأتم التحية".