تنبيهات حول بعض المخالفات الواقعة في المقابر

خالد بن عبد الرحمن الشايع

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى إخوانه من النبيين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فلا ريب أن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة شاملة، تناولت جوانب الحياة كافة بما يكفل سعادة العباد في الدنيا والآخرة، واشتملت على تنظيم أمور الحياة بما يحقق استقامة العباد على ما ينبغي أن يكونوا عليه.

ومما جاءت به شريعة الإسلام ما يتعلق بأحكام وآداب المقابر، فراعت ما ينبغي من البعد عن حصول الشركيات والبدع التي تنجم عما يحدثه الناس في هذا الباب، وراعت الشريعة – أيضًا – مقصدًا جليلاً يتمثل في احترام القبور؛ لحرمة الأموات المسلمين، إذ المسلم محترم حيًا وميتًا.

وقد لاحظت في مرات عديدة وقوع عدد من المخالفات من بعض الناس لدى مجيئهم لقبر أحد من ذويهم أو معارفهم، أو لدى زيارتهم للقبور، ورغبة في التواصي بالحق وبيانه فقد حررت هذه الأسطر رجاء النفع بها.

أسأل الله أن يكتب التوفيق للجميع، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم مدنية من جناته جنات النعيم، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يباعدنا عن أسباب سخطه وأليم عقابه، وأن يرزقنا الخاتمة الحسنة والعاقبة الحميدة في الأمور كلها، وأن يجعل قبورنا إذا صرنا إليها وإخواننا المسلمين رياضًا من رياض الجنة. إنه سبحانه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

*     *     *


 مشروعية زيارة القبور وتشييع الجنائز للرجال دون النساء وبيان فضل ذلك

اتفق أهل العلم على مشروعية زيارة القبور واتباع الجنائز، وذلك بالنسبة للرجال دون النساء، وسيأتي ذكر النصوص الدالة على هذا، مع بيان شيء من حكمة منع النساء من زيارة القبور وتشييع الجنائز.

أما المشروعية في حق الرجال:

فلما روى الإمام مسلم رحمه الله في «صحيحه»([1]) عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».

وفي لفظ: «فإنها تذكر الآخرة»([2]).

وفي رواية: «فإنها تذكر الموت».

وفي رواية ([3]): «فإنها ترقق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا([4])».

وفي رواية ([5]): «فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»... «وترغب في الآخرة»([6]).

ومما جاء في فضل اتباع الجنازة وتشييعها:

ما رواه البخاري ومسلم - واللفظ له ([7]) - عن أبي هريرة t عن النبي ﷺ‬ قال: «من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراطان» قيل: وما القيراطان؟ قال: «أصغرهما مثل أحد».

ومما ثبت في فضل شهود الجنازة عند دفنها:

ما رواه الإمام مسلم ([8]) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ‬، رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ‬ قال: «من صلى على جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط مثل أحد».

وبهذا يعلم ما في هذه الأعمال من الثواب العظيم، كما أن فيها قيامًا بحق المسلم، حيث يستمر هذا الحق حتى بعد الموت. بما يحمل المسلم على الحرص على نيل هذا الثواب والقيام بواجب الأخوة الإسلامية.

ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة t أن رسول الله ﷺ‬ قال: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه»([9]).

* وأما النساء فقد ثبت في الشرع المطهر منعهن من زيارة القبور ومن اتباع الجنائز، هكذا صح عن المعصوم ﷺ‬ من غير وجه:

فقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم ([10]) عن أبي هريرة t أن رسول الله ﷺ‬ «لعن زوارات القبور»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وجاء في بعض ألفاظ الحديث: «لعن زائرات القبور»([11]).

* قد التمس بعض العلماء بعضًا من الحكم لهذا النهي، منها:

1- صون مشاعرهن الرقيقة؛ رعاية وحفظًا لهن عن مزيد التكدر وبالغ التأثر.

2- الرحمة بهن بالنظر، لقلة صبرهن وكثرة جزعهن.

3- لما قد يترتب على خروجهن من تضييع حق الزوج.

4- أنهن إذا خرجن وحصل منهم التأثر حملهن ذلك على بعض الأعمال المنافية لتسترهن، فينشأ عن ذلك التبرج والسفور من غير اختيارهن.

5- بالنظر لما يقع منهن من الصياح ونحو ذلك، فيفتتن في أنفسهن ويفتن غيرهن، حيث جبلن على الرقة والشفقة.

وبكل حال فالخير كل الخير في اتباع أحكام الشرع والسير وفقها.

 بعض المخالفات الواقعة في المقابر

يقع من بعض الناس أخطاء ومخالفات لدى زيارتهم للقبور أو عند مجيئهم لأجل دفن الموتى، وتقع منهم هذه المخالفات في الغالب الأعم عن غير قصد، أو لظنهم أن ذلك هو الصواب، أو لذهولهم عما ينبغي في تلك المواقف بسبب حزنهم واضطرابهم لأجل ميتهم.

ونحن نجمل عددًا من تلك المخالفات في ضوء ما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى في الأسطر التالية:

فمن جملة ذلك:

أولاً: عدم معرفة الحكم الشرعي فيما ينبغي لدى مرور الجنازة، فبعض الناس يظن الوقوف واجبًا، وبعضهم يمنعه ويحرمه.

والصواب: أنه إذا مر بالجنازة فالمستحب للمسلم أن يقف حتى ولو كانت الجنازة لكافر، بهذا صح الخبر عن سيد البشر([12]) ﷺ‬.

قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن واقد، وهو ابن عمرو بن سعد بن معاذ، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم عن علي بن أبي طالب t أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع فقال علي: قام رسول الله ﷺ‬ ثم قعد.

قال الترمذي رحمه الله عقب تخريجه هذا الحديث: حديث علي حديث حسن صحيح، وفيه رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، قال الشافعي: وهذا أصح شيء في هذا الباب، وهذا الحديث ناسخ للأول «إذا رأيتم الجنازة فقوموا». وقال أحمد: إن شاء قام وإن شاء لم يقم، واحتج بأن النبي ﷺ‬ قد روي عنه أنه قام ثم قعد. وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم. قال أبو عيسى: معنى قول علي: «قام رسول الله ﷺ‬ في الجنازة ثم قعد» يقول: كان رسول الله ﷺ‬ إذا رأى جنازة قام ثم ترك ذلك بعد، فكان لا يقوم إذا رأى الجنازة». انتهى كلام الإمام الترمذي ([13]).

وهذا الوقوف المشروع عند مرور الجنازة ليس تعظيمًا للجنازة، ولكن لأن للموت رهبة وعظمة لا يحسن أن يتغافل عنها الشخص، وهذا اختيار سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز – تغمده الله برحمته - ([14]).

ثانيًا: بعض الناس يصلي على الميت ويحضر دفنه على سبيل المجاملة، أو على اعتبار أنه عرف اجتماعي أن يحضر لموت قريبه أو زميله أو نحو ذلك.

والواقع أن الثواب المرتب على الصلاة على الميت وتشييعه وحضور دفنه إنما يكون لمن احتسب أجر ذلك عند الله تعالى وأحسن نيته بطلب الثواب من الله، فإن الأعمال بالنيات.

وقد روى البخاري في صحيحه»([15]) عن أبي هريرة t أن رسول الله ﷺ‬ قال: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يصلي عليها، ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط».

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «والتقييد بالإيمان والاحتساب لابد منه؛ لأن ترتيب الثواب على العمل يستدعي سبق النية فيه، فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجردة، أو على سبيل المحاباة»([16]).

ثالثًا: يقع من بعض من يشهد دفن الجنازة، وخاصة الذين يتولون الدفن ومن حولهم – يقع من بعضهم – لغط ومزادة في الكلام، حيث يريد كل أن يفرض رأيه وأن يعمل ما يظنه هو الصواب، وربما أفضى ذلك إلى الخصومة، وخاصة إذا تكلم من لا علم عنده بكيفية الدفن وإنزال الميت في قبره.

وهذا الذي تقدم لا ريب أنه خطأ فاحش، فمثل ذلك الموقف المفترض أن تخيم عليه السكينة والخشوع، مع الاعتبار والدعاء للميت، ألا ترى كيف وصف البراء بن عازب t حضورهم إحدى الجنائز مع النبي ﷺ‬، حيث وصف جلوسهم وانتظارهم تجهيز القبر وجلوسهم حول النبي ﷺ‬ بقوله: «وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير»([17]).

يعني لو رأتهم طير لحطت على رؤوسهم وما طارت لخشوعهم وسكينتهم وامتناع أدنى صوت منهم، حتى تظنهم الطير شيئًا جامدًا لا يتحرك من شدة خشوعهم وسكينتهم.

ثم إن من المفترض – أيضًا – أن يسمع الناس لأهل العلم إن كان معهم أحدٌ منهم، فإن الدفن وإنزال الميت في قبره ووضعه فيه إلى آخر ذلك... كل هذا عبادة ينبغي أن تؤدي على الوجه المشروع والمأثور عن المعصوم ﷺ‬، وأدرى الناس بذلك هم طلبة العلم وأهله.

رابعًا: يخطئ بعض الناس برفعه القبر أكثر من شبر، فقد أمر النبي ﷺ‬ بتسوية القبور المشرفة.

كما أن قبره الشريف عليه الصلاة والسلام لم يرفعه الصحابة إلا نحوًا من شبر، ثبت هذا في «صحيح ابن حبان»([18])، حيث أسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ‬ ألحد ([19])، ونصب عليه اللبن نصبا، ورفع قبره من ألأرض نحوًا من شبر.

والحكمة في ذلك: أن رفع القبور وتعظيم ظاهرها، أو جعلها شاخصة بشكل مبالغ فيه يؤدي إلى الفتنة بها وبمن فيها؛ كما هو واقع اليوم في أنحاء كثيرة من بلاد الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وإنما كان بدء الشرك في الناس بسبب غلوهم في تعظيم القبور، وقد نبه العلماء لهذه المسألة وبينوا خطر الغلو فيها، ومن ذلك ما أوضحه شيخ الإسلام الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في «كتاب التوحيد» حيث عقد لذلك بابًا فقال: «باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين». وعقد بابًا آخر فقال: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله»، ثم ساق الأدلة المبينة لهذه المسألة العظيمة، فراجعه فإنه مفيد بإذن الله.

خامسًا: يظن بعض الناس أن لرش الماء على القبر بعد الفراغ من الدفن تأثيرًا على الميت أو أنه يبرد عليه أو نحو ذلك.

وواقع الأمر أن رش الماء على القبر بعد الفراغ من الدفن إنما هو لأجل أن يلتزق التراب به فلا تذوره الرياح.

قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه «المُغني»([20]): «ويستحب أن يرش على القبر ماءٌ ليلتزق ترابه». اهـ.

وهكذا الشأن في وضع الحصباء والنصيبتين من اللبن على طرفيه، إنما ذلك لأجل أن تعرف حدود القبر ويتميز عن مساحة الأرض من جوانبه على مرور السنين، فلا يوطأ ولا يهان، وهذا ما يشير إليه فعله عليه الصلاة والسلام عندما فرغ من قبر عثمان بن مظعون t وسأذكر حديثه بعد أسطر بعون الله.

سادسًا: بعض الناس – في بعض البلاد – يظن أن وضع الزهور على القبر، أو وضع جريدة النخل عمل مشروع.

والحق أنه لا يشرع شيء من هذا، بل ينهى عنه؛ لأن الرسول ﷺ‬ لم يفعله مع سائر قبور المسلمين في حياته، وإنما في حالة خاصة وواقعة عين، وهي التي رواها البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي ﷺ‬ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ([21])، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» ثم أخذ جريدة رطبة ([22]) فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا»([23]).

قال سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله في حاشيته على «الفتح»: «القول بالخصوصية هو الصواب؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يغرز الجريدة إلا على قبور علم تعذيب أهلها، ولم يفعل ذلك لسائر القبور، ولو كان سنة لفعله بالجميع، ولأن الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة لم يفعلوا ذلك، ولو كان مشروعًا لبادروا إليه». انتهى ([24]).

سابعًا: من المشاهدات في المقابر أن بعض الناس تحمله العاطفة على أن يكتب على القبر، أو يجصصه، أو يقوم بما في حكم هذين الأمرين.

والواقع أن هذه مخالفة صريحة لنهي النبي عليه الصلاة والسلام.

ففي «سنن أبي داود» و «جامع الترمذي» و «صحيح ابن حبان» أن رسول الله ﷺ‬ «نهى عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والبناء عليها، والجلوس عليها»([25]).

وفي «صحيح مسلم»([26]) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله ﷺ‬ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه».

وفي لفظ عند النسائي ([27]) عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ‬ أن يبني على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص» وفي بعض طرقه: «أو يكتب عليه».

قال السيوطي رحمه الله في «حاشيته على سنن النسائي»([28]) عند نهيه ﷺ‬ أن يبنى على القبر: قال العراقي في «شرح الترمذي»: يحتمل أن المراد البناء على نفس القبر ليرفع عن أن ينال بالوطء، كما يفعله كثيرٌ من الناس، أو أن المراد النهي أن يتخذ حول القبر بناء كمتربة أو مسجد أو مدرسة ونحو ذلك، قال: وعليه حمله النووي في شرح المهذب، قال الشافعي والأصحاب: يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرجه منه لهذا الحديث؛ لئلا يرتفع القبر ارتفاعًا كثيرًا.

وعند قوله: أو يجصص، قال العراقي: ذكر بعض العلماء أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كان الجص أحرق بالنار، قال: وحينئذ فلا بأس بالتطيين كما نص عليه الشافعي.

ونقل عن الحافظ العراقي قوله عن النهي عن الكتابة على القبور: يحتمل أن المراد مطلق الكتابة، كتابة اسم صاحب القبر عليه أو تاريخ وفاته، أو المراد كتابة شيء من القرآن وأسماء الله تعالى للتبرك لاحتمال أن يوطأ أو يسقط على الأرض فيصير تحت الأرجل([29]).

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: بعد إيراده للحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ‬ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبني عليه» قال: هذا الحديث الصحيح وما جاء في معناه يدل على تحريم تجصيص القبور والبناء عليها؛ لأن ذلك من تعظيمها، وهو من وسائل الشرك كما وقع ذلك في كثير من الأمصار، فالواجب على أهل العلم وعلى جميع المسلمين إنكاره والتحذير منه، وإذا كان البناء على القبر مسجدًا صارت المعصية أعظم والوسيلة به إلى الشرك، ولهذا صح عن رسول الله ﷺ‬ أنه لعن من اتخذ القبور مساجد، وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». انتهى([30]).

قال العلماء رحمهم الله: ولا مانع من أن تجعل على القبر علامة لمعرفته عند زيارته بوضع حصاة أو  نحو ذلك ([31])، كما فعل المصطفى ﷺ‬ عندما فرغ من قبر عثمان بن مظعون t.

ففي «سنن أبي داود»([32]) عن كثير بن زيد المدني عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن؛ أمر النبي ﷺ‬ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ‬ وحسر عن ذراعيه – قال كثير: قال المطلب" قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ‬ قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ‬ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه – وقال: «أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي».

ثامنًا: أن بعض الناس لا يرعى لأهل القبور حرمتهم، فتجده يطأ القبور ولا يبالي بأهلها، ولا بما جاء من النهي والتحذير البليغ في ذلك.

فقد روى مسلم في «صحيحه»([33]) عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر».

وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر رجلاً يمشي بنعليه بين القبور أن يخلعهما، فعن بشير بن الخصاصية t قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ‬ فمر على قبور المسلمين فقال: «لقد سبق هؤلاء شرًا كثيرًا» ثم مر على قبور المشركين فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا» فحانت منه التفاتة فرأى رجلاً يمشي بين القبور في نعليه، فقال: «يا صاحب السبتيتين ألقهما» رواه البخاري وغيره([34]).

تاسعًا: أن بعض الناس يعمد إلى تغطية الجنازة حال حملها بغطاء مكتوب عليه بعض الآيات القرآنية، وهذا العمل لا أصل له صحيح.

وقد أفتى سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله بوجوب ترك ذلك والتحذير منه، لما فيه من تعريض الآيات القرآنية للامتهان، ولأن بعض الناس يظن أن هذا العمل ينفع الميت، وهو لا ينفعه ([35]).

عاشرًا: يظن بعض الناس أن المتوفى إذا وضع في لحده فإنه لا بد من كشف وجهه، وقد سئل عن هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فأفتى بأنه لا يكشف، بل يغطي كله، إلا إذا كان محرمًا، فيكشف وجهه ورأسه؛ لأمره عليه الصلاة والسلام بذلك كما في «الصحيحين»([36])، أما المرأة فلا يكشف وجهها، حتى ولو كانت محرمة، لأنها عورة ([37]).

حادي عشر: يكثر من بعض الناس عدم التهيب والاستشعار لموقف الدفن وحضور الجنازة، وقد شاهدت بعض الناس في المقبرة حال الدفن وهو يتحدث مع آخر وهو يضحك بملء فيه، وشاهدت بعضهم يستقبل المكالمات عبر الهاتف الجوال ويعقد المواعيد ويصرف أمور دنياه وهو على شفير القبر والناس مشتغلون بالدفن، وشاهدت بعضهم يتنادمون الحديث على حافة القبر فيسأله ماذا صنع في سفره؟ وماذا كان من فلان؟ هل رجع؟ وماذا صنع في السفر؟ وشاهدت أمورًا كثيرة مشابهة لذلك، وهذا يدل على الغفلة وعدم تقدير ما ينبغي في ذلك المقام من السكينة والإخبات والاتعاظ والاعتبار.

كان السلف رحمهم الله إذا رأوا الجنائز نظروا إليها نظر المعتبرين، وتكلموا عندها بكلام الموفقين.

ومن أمثلة ذلك: ما روي عن أبي هريرة t أنه كان إذا رأى جنازة قال: امض ونحن على أثرك.

وقال أسيد بن حضير t: ما شهدت جنازة وحدثت نفسي بشيء.. سوى: ما يفعل بالميت، وما هو صائر إليه.

وقال الأعمش رحمه الله: كنا نشهد الجنازة وما ندري من المعزِّى لكثرة الباكين، وإنما بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت.

وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه: أنه كان يلقى الرجل في الجنازة من خاصة إخوانه قد بعد عهده به، فلا يزيده على السلام، حتى يظن الرجل: أن في صدره عليه موجدة – أي غضب وإعراض – كل ذلك لانشغاله بالجنازة، وتفكره فيها وفي مصيرها، حتى إذا فرغ من الجنازة لقيه وسأله ولاطفه، وكان منه أحسن ما عهد.

تلكم هي أحوال سلفنا الصالح لدى دخولهم المقابر وتشييع الجنائز: قلوب مؤمنة.. ونفوس خاشعة.. وأعين دامعة، فما أحوجنا لأن ننزع جلباب الغفلة، وأن نترسم خطاهم، ونحذو حذوهم، فنخبت لربنا، وتخشع قلوبنا، ونعتبر بمن سبقونا.

وفق الله الجميع لما فيه الخير، وغفر لنا ولإخواننا المسلمين من الأحياء والميتين، ونسأله سبحانه أن يجعل قبورنا إذا صرنا إليها رياضًا من رياض الجنة وأن يؤنس منا فيه الوحشة، وأن يجعلنا عند البعث منها من الآمنين الفائزين، وأن يشمل بذلك والدينا وأهلينا وذرياتنا وإخواننا المسلمين إنه سبحانه سميع قريب مجيب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

تم تحريره في 19/11/1421هـ

الرياض 11574 – ص.ب 57242

*     *     *



([1]) رقم (977) و (1977).

([2]) عند أبي داود (3698) والنسائي (4/73) من حديث أنس، وعند الترمذي (939) وأحمد في «المسند» (5/355) من حديث بريدة بن الحصيب t.

([3]) عند الحاكم (1/532) من حديث أنس.

([4]) كذا ضبطها الحافظ ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري» بضم الهاء وسكون الجيم، وقال مبينًا معناها: أي كلامًا فاحشًا.

([5]) عند ابن ماجه (1571) من حديث ابن مسعود.

([6]) لفظ ابن حبان (3/261).

([7]) «صحيح البخاري» (1261). «صحيح مسلم» (945).

([8]) «صحيح مسلم» (946).

([9]) «صحيح البخاري»، «صحيح مسلم» (2162) واللفظ له.

([10]) «المسند» (2/337 و 356). «جامع الترمذي» (1056). «سنن ابن ماجه» (1576) «صحيح ابن حبان» (3178). وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن ماجه (1575). ومن حديث حسان بن ثابت عند أحمد (3/442) وابن ماجه (1574) وغيرهما.

([11]) عند أبي داود (3236) وابن حبان (3179) و (3180) من حديث أبي هريرة وابن عباس y.

([12]) «صحيح مسلم» (961). «سنن أبي داود (3147). «سنن النسائي» (1922).

([13]) «جامع الترمذي» عند الحديث (1044).

([14]) ينظر: «مجموع فتاوى ومقالات سماحته» (13/187-188).

([15]) «صحيح البخاري» (47).

([16]) «فتح الباري» (3/198).

([17]) حديث البراء بن عازب في وصف خروج روح المؤمن وروح الفاجر وما يكون بعد ذلك في القبر، جاء من طرق عديدة، فرواه أحمد في «المسند» (4/287 و 295) وأبو داود (3210)، والنسائي (1/282)، وابن ماجه (1548) و (1549). وغيرهم بألفاظ مختصرة ومطولة. وقد صححه العلامة ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» (1/214) وفي «تهذيب السنن» (4/337). وقد عني بألفاظه وطرقه عدد من أئمة العلماء، منهم الحافظ المفسر ابن كثير في «تفسيره» (2/131). والعلامة الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (3/234-240). والشيخ المحدث الألباني في «أحكام الجنائز» (ص198-202).

رحمهم الله جميعًا وجزاهم خيرًا وجمعهم ببعض ونحن معهم في الجنة.

([18]) (14/602).

([19]) أي: جعل قبره ﷺ‬ على هيئة لحد، وليس شقًا.

([20]) (3/436).

([21]) أي في ذنب لا يشق عليهما الاحتراز منه، أو بمعنى أنه ليس بكبير عندهما. ولكنه كبيرٌ عند الله، أو أنه صار كبيرًا بسبب مواظبتهما وإصرارهما عليه. ينظر: «فتح الباري» (1/318).

([22]) وفي لفظ: «فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين».

([23]) «صحيح البخاري» (1361). «صحيح مسلم» (292).

([24]) «حاشية فتح الباري» (3/223).

([25]) «سنن أبي داود (3226). «جامع الترمذي» (1052). «المسند» (3/339). «صحيح ابن حبان» رقم (3164) (7/434) واللفظ له.

([26]) رقم (970).

([27]) «سنن النسائي» (4/86).

([28]) ينظر المرجع السابق.

([29]) أورد السيوطي رحمه الله قول الحاكم في «المستدرك» بعد تخريجه هذا الحديث – أي حديث النهي عن الكتابة على القبور وتجصيصها.. – أنه قال: هذه الأسانيد صحيحة، وليس العمل عليها! فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب يكتبون على قبورهم وهو شيء أخذه الخلف عن السلف. وتعقبه الذهبي في مختصره بأنه محدث ولم يبلغهم النهي.

فانظر رحمك الله كيف خفي هذا الحكم على الحافظ الحاكم رحمه الله برغم ما جاء فيه من النصوص الصحيحة الصريحة، وهذا يبين لك أن الحق إنما يعرف بالدليل، وليس بكثرة من يعمل العمل، ويبين أن المسلم محتاج جدًا إلى العلم الشرعي وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.

([30]) حاشية سماحته رحمه الله على «فتح الباري» (3/225).

([31]) وهذا هو الذي أفتى به سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله. ينظر: «مجموع الفتاوى» (13/199 و 200).

([32]) رقم (3206).

([33]) برقم (971).

([34]) «سنن النسائي» (4/96) واللفظ له. ورواه أيضًا ابن ماجه (1568) وأحمد (5/83 و 84 و 224) وابن حبان (7/442) والحاكم (1/529) والبيهقي (4/80) وأبو داود الطيالسي في «مسنده» (2/153) رقم (1124). والحديث قال عنه شيخنا ابن باز رحمه الله: لا بأس به. وحسنه الألباني رحمه الله. ومن عجائب ابن حزم رحمه الله أنه قال: إن ذلك يحرم إذا كانت النعال سبتية ويجوز بغيرها!!، قال الحافظ ابن حجر: وهذا جمود منه. ينظر «الفتح» (3/206).

([35]) «مجموع فتاوى ومقالات سماحته رحمه الله (13/184)»، ط الأولى، 1420هـ. الإفتاء.

([36]) حيث قال عليه الصلاة والسلام في حق أحد الذين ماتوا معه في الحج وقد وقصته راحلته وهو محرم: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» «صحيح البخاري» (1851). «صحيح مسلم» (1206) واللفظ له.

([37]) «مجموع فتاوى ومقالات سماحته» (13/193، 194).