توظيف الأموال بين المشروع والممنوع ()

 

|

  توظيف الأموال بين المشروع والممنوع

عبد الله بن محمد الطيار


توظيف الأموال

المطلب الأول

الباب الأول

 المبحث الأول: تعريف الربا لغة واصطلاحا:

هو النمو والزيادة والعلو والارتفاع، يقال: ربا الشيء ربوًا إذا زاد ونما وعلا، وأربيته: نميته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة البقرة: آية 276]. ومنه أخذ الربا الحرام، قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: آية 39].

وربا الرابية: علاها، وربا السويق: إذا صب عليه فانفتح، والربا بكسر العين. وقوله تعالى في صفة الأرض ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [سورة الحج: آية 5، وسورة فصلت: آية39]. قيل معناه: عظمت وانتفخت.

والربوة والرابية: ما ارتفع من الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. [سورة المؤمنون: آية 50].

أي أرض مرتفعة، وسميت الربوة رابية كأنها ربت بنفسها في مكان، وقوله سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [سورة الحاقة: آية 10] أي زائدة.

وأربى الرجل: دخل في الربا.([1])

تعريف الربا في الشرع:

هو زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير أن يقابل هذه الزيادة عوض([2])، وهذا التعريف يشمل نوعي الربا، وهما ربا الفضل وربا النسيئة.

فمثال ربا الفضل أن تكون الزيادة في أحد البدلين مجردة عن التأخير بدون مقابل لها، وذلك كما إذا اشترى صاعا من قمح بصاع ونصف من جنسه مقابضة، بأن استلم كل من البائع والمشتري ماله في الحال.

ومثال ربا النسيئة: أن تكون الزيادة في أحد البدلين في مقابله "تأخير الدفع" كما إذا اشترى صاعا من القمح في زمن الشتاء بصاع ونصف يدفعها في زمن الصيف.

فهنا نصف الصاع الذي زاد في الثمن إنما هو في مقابلة الأجل.


 المطلب الثاني: ربا الفضل:

تعريفه:

هو الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنسا ([3])

مثاله:

اشترى زيد من خالد مائة صاع من القمح بمائة وعشرين صاعا من القمح، وتقابض زيد وخالد العوضين في مجلس العقد، فهذه الزيادة وهو عشرون صاعا من القمح لا مقابل لها، وإنما هي فضل، ولذا سمي هذا النوع الفضل.

 موقف العلماء من ربا الفضل([4])

اختلف العلماء في ربا الفضل على قولين:

القول الأول:

ذهب جمهور العلماء إلى تحريم ربا الفضل في الأصناف الستة الآتية:

الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، فلا يجوز بيع جنس منها بجنسه متفاضلا حالا أو مؤجلا، وكذا بيع صاع بر بصاعي بر نقدا أو مؤجلا.

قال الكساني في بدائع الصنائع: (الحنطة كلها على اختلاف أنواعها وأوصافها وبلدانها جنس واحد،وكذلك الشعير، وكذلك دقيقهما وكذا سويقهما، وكذلك التمر وكذلك الملح وكذل العنب وكذلك الزبيب وكذلك الذهب والفضة، فلا يجوز بيع كل مكيل من ذلك بجنسه متفاضلا في الكيل، وإن تساويا في النوع، والفضة بلا خلاف)([5]).

وقال ابن رشد في بداية المجتهد بعد أن ذكر حديث عبادة المشهور([6]): (فهذا الحديث نص على منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأعيان)([7]).

وقال السبكي في تكملة المجموع: (الحكم الأول تحريم التفاضل في الجنس الواحد من أموال إذا بيع بعضه ببعض كبيع درهم بدرهمين نقدا، أو صاع قمح بصاعين أو دينار بدينارين، ويسمى ربا الفضل لفضل أحد العوضين على الآخر)([8]).

وقال ابن قدامة في المغني: مسألة: قال أبو القاسم([9]) رحمه الله "وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا"([10]).

القول الثاني:

ذهب ابن عباس([11]) إلى عدم وجود ربا الفضل، وجعل الربا محصورا في ربا النسيئة.

قال في تكملة المجموع. "وقد أطبقت الأمة على تحريم التفاضل إذا اجتمع مع النساء، وأما إذا انفرد نقدا، فإنه كان فيه خلاف قديم صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما إباحته"([12]).

وقال في المغني: (وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة فحُكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير؛ أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة).

ثم قال صاحب المغني: (والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة)([13]).

أدلة الجمهور:

استدل الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع:

الدليل من الكتاب:

قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: آية 275]. وقد استدل الجمهور بالآية من وجهين.

الوجه الأول:

أن أل من قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لاستغراق الجنس، فتشمل كل أنواع الربا دون فرق بين نوع ونوع، فيدخل في الآية ربا الفضل كما يدخل فيها ربا النسيئة لأن اللفظ فيها عام يشمل كل أنواع الربا.

قال ابن العربي في تفسيره: (.... فلأجل ذلك اختلفوا([14]): هل هي عامة في تحريم كل ربا أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها، والصحيح أنها عامة لأنهم كانوا يتبايعون ويُربون)([15]).

وقال القرطبي في تفسيره: (قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الألف واللام هنا للعهد، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيناه، ثم تناول ما حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا، وما في معناه من البيوع المنهي عنها)([16]).

الوجه الثاني:

أن لفظ الربا في الآية مما يحتاج إلى بيان والمبين لذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بين عليه السلام بأحاديثه الصحيحة المراد من الربا بما يتناول ربا الفضل دون النسيئة، وبذلك يلتحق البيان بالمبين فيثبت تحريم ربا الفضل بالآية الكريمة.

قال الجصاص في تفسيره: (الربا في الآية من الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة، فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مُسمى في الشرع بذلك، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا من مراد الله بالآية نصا وتوقيفا، وفيه ما بينه دليلا، فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند أهل العلم بالتوقيف والاستدلال)([17]).

وقال ابن رشد في المقدمات: (وقد اختلف في لفظ الربا الوارد في القرآن، هل هو من الألفاظ العامة التي يُفهم المراد بها وتُحمل على عمومها حتى يأتي ما يخصها أو من الألفاظ المجملة التي لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها على قولين، والذي يدل عليه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يفسرها) أنها من الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان والتفسير)([18]).

مناقشة الدليل من الكتاب:

قد يناقش الاستدلال بالآية بأنها ليست نصا في تحريم ربا الفضل، وإنما مجرد احتمال، ذلك أن بعض المفسرين يرون أن (أل) في الربا للعهد أي: الربا المعهود والشائع في الجاهلية وهو ربا النسيئة:

دفع هذه المناقشة

يمكن دفع هذه المناقشة بأن (أل) في الربا لاستغراق الجنس، وليست للعهد، وعلى فرض أنها للعهد فلفظ الربا المذكور في الآية لا يخلو إما أن يكون عاما أي: (الربا المعهود وغيره مما لا يعرفه أهل الجاهلية.

أو يكون مجملا بينته السنة أي: الربا المعروف في الجاهلية وغيره مما ورد ذكره في السنة المطهرة وبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتم البيان.

وبالرجوع إلى ما ذكره([19]) العلامة الجصاص حول تفسير هذه الآية –مع أنه يرى أن لفظ الربا في الآية لفظ مُجمل- وما ذكره العلامة([20]) ابن العربي في تفسيره –مع أنه يرى أن لفظ الربا في الآية لفظ عام- يتبين أنهما يتفقان في النهاية على أن الربا المحرم الذي تشمله هذه الآية هو ربا النسيئة. وربا الفضل الذي بينته السنة المطهرة والله أعلم:

1- حديث عبادة بن الصامت؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل. سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»([21]).

وجه الدلالة من الحديث:

وجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب إذا بيع صنف من هذه الأصناف الستة بجنس أن يكونا متماثلين. والأمر في الحديث للوجوب، ويدل على ذلك تأكيده - صلى الله عليه وسلم -: «مثلا بمثل» بقوله «سواء بسواء»، والقيد الذي ذكره عليه السلام في آخر الحديث هو –فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم- يدل على أنه عند عدم اختلاف الأصناف ليس لهم الخيار في البيع كيف شاءوا.

2- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذهب بالذهب والفضية بالفضية، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء»([22]).

وجه الدلالة من الحديث:

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يباع صنف من هذه الأصناف بجنسه متفاضلا، وأمر أن وأمر أن يكونا متساويين، ونص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى أي: فعل الربا المنهي عنه شرعا.

مناقشة دليل الجمهور من السنة:

يمكن أن يقال فيما استدل به الجمهور من الأحاديث إن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة ويحمل الأمر فيها بالتماثل في بيع جنس بجنسه على الاستحباب.

دفع هذه المناقشة:

دفع الجمهور هذه المناقشة فقالوا: الأمر في الأحاديث للوجوب لأن الأصل فيه كذلك حتى يأتي ما يصرفه عن الوجوب ، ثم الأحاديث كثيرة متوافرة تدل دلالة صريحة على جريان الربا في الأمور الستة المنصوص عليها، وأيضا فهذه الأحاديث لا غبار عليها من حيث الصحة، إذ رواها الأئمة الثقات، وفي مقدمتهم البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.

الدليل من الإجماع:

حكى غير واحد من العلماء الإجماع([23]) على تحريم ربا الفضل بين كل واحد من الأصناف الستة المذكورة إذا بيع بجنسه فمن ذلك ما يأتي:

قال في الإفصاح: (وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب منفردا والورق بالورق منفردا تبرها ومضروبها وحُليها إلا مثلا بمثل وزنا بوزن يدا بيد، وأنه لا يباع شيء منها غائب بناجز فقد حرم في هذا الجنس الربا من طريقة الزيادة والنساء جميعا)([24]).

وقال النووي: (وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلا ومؤجلا، وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل. وأجمعوا على أنه لا يجوز الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالا كالذهب بالذهب)([25]).

ونقل صاحب الزواجر الإجماع فقال بعد أن ذكر أنواع الربا الأربعة:([26]) (وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع بنص الآيات والأحاديث)([27]).

وقال القرطبي في تفسيره: (المسألة الثامنة: أجمع العلماء على أن التمر بالتمر لا يجوز إلا مثلا بمثل)([28]).

مناقشة دعوى الإجماع على تحريم ربا الفضل:

نوقشت هذه الدعوى بأنها غير صحيحة، قال ابن حزم في المحلى: (وأعجب شيء مجاهرة من لا دين([29]) له بدعوى الإجماع على وقوع الربا فيما عدا الأصناف المنصوص عليها، وهذا كذب([30])  مفضوح من قريب، والله ما يصح الإجماع في الأصناف المنصوص عليها فكيف في غيرها، أو ليس ابن مسعود وابن عباس يقولان: لا ربا فيما كان يدا بيد، وعليه كان عطاء وأصحاب ابن عباس وفقهاء أهل مكة)([31]).

قال هؤلاء: وقد ثبت عندنا أن ابن عباس لم يرجع عن رأيه في إباحة ربا الفضل.

قال سعيد بن جبير: "صحبت ابن عباس حتى مات فوالله ما رجع عن الصرف" وقال سعيد أيضا: "عهدي به([32]) قبل أن يموت بستة وثلاثين يوما وهو يقوله([33]) وما رجع([34]) عنه"([35]).

دفع هذه المناقشة:

دفع الجمهور هذه المناقشة فقالوا: إن الإجماع صحيح لا غبار عليه، وإذا كان ثبت عن ابن عباس ومن وافقه القول بجواز ربا الفضل، فإنه قد ثبت عنهم رجوعهم عن ذلك، فانقرض الخلاف، وتحقق الإجماع دون إشكال.

قال في المبسوط: (وعن الشعبي قال: حدثني بضعة عشر نفرا من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما الخبر. فالخبر أنه رجع عن فتواه فقال: الفضل حرام، وقال جابر بن زيد رضي الله عنه، ما خرج ابن عباس رضي الله عنه في الدنيا رجع عن قوله في الصرف والمتعة، فعلم أن حرمة التفاضل مجمع عليه في الصدر الأول، وأن قضاء القاضي بخلافه باطل)([36]).

وقال في موضع آخر: 0فإن لم يثبت رجوع ابن عباس فإجماع التابعين رحمهم الله بعده يدفع قوله)([37]).

وقال في المغني: (والربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمها، فقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير، أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة لقوله عليه السلام: «لا ربا إلا في النسيئة»([38]). والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة. روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم)([39]).

بهذه النصوص من الفقهاء يتبين أن ابن عباس رضي الله عنه قد رجع رأيه كما هو –رأي الأكثر، وعليه يكون الخلاف قد انقرض ويسلم الإجماع المنقول عن الصحابة، وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن رأيه فإن إجماع التابعين يدفع قوله والله أعلم.

أدلة مذهب ابن عباس:

استدل لمذهب ابن عباس بالكتاب والسنة، وتفصيل ذلك كالتالي:

الدليل من الكتاب:

قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. [سورة البقرة: آية 275].

وجه الدلالة:

لفظ البيع في الآية عام يشمل كل أنواع البيوع حتى بيع الدرهم بالدرهمين نقدا، ولفظ الربا في الآية خاص بما تعارف عليه أهل الجاهلية وهو ربا النسيئة فقط.

مناقشة هذا الاستحلال

قال الجمهور: لا نسلم أن لفظ الربا خاص بربا النسيئة، بل هو لفظ عام، يشمل كل أنواع الربا، ومنها ربا الفضل، وعلى فرض أنه خاص بنا تعارف عليه أهل الجاهلية فإن السنة جاءت بتحريم هذا النوع تحريما قاطعا، والسنة شارحة للقرآن ومبينة لمجملة.

وقال ابن تيمية: (إن النهي عن الربا في القرآن يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء والفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك)([40]).

حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ربا إلا في النسيئة»([41]).

وفي رواية لمسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الربا في النسيئة»([42]).

وفي رواية له أيضا: «لا ربا فيما كان يدا بيد»([43]).

وجه الدلالة:

حصره عليه السلام الربا في النسيئة، ونصه على نفي الربا عما كان يدا بيد مما يدل على جواز ربا الفضل.

مناقشة هذا الدليل:

ناقش الجمهور هذا الدليل نقاشا طويلا، وسلكوا فيه مسالك متعددة([44]) أكتفي منها بأمرين:

1- أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بجواز ربا الفضل، ومنع ربا النسيئة هو فيما إذا كان البدلان من جنسين مختلفين.

2- قال الجمهور: حديث أسامة منسوخ بأحاديث تحريم ربا الفضل.

قال النووي: (وأما حديث أسامة فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه)([45]).

الترجيح:

الذي يظهر لي رجحان مذهب الجمهور القائلين بتحريم ربا الفضل للأمور التالية:

1- كثرة الطرق الصحيحة التي روت تحريم ربا الفضل حيث وردت في الصحيحين.

2- أحاديث تحريم ربا الفضل ناطقة بالتحريم ولا تحتمل أي تأويل.

3- رجحان القول برجوع ابن عباس عن رأيه كما قررنا سابقا.


 المطلب الثالث: ربا النسيئة:

تعريفه:

النساء معناه في اللغة التأخير والتأجيل، يقال: نسأت الشيء إذا أجلته، وأخرته قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة: آية 37].

وربا النسيئة هو الزيادة في أحد العوضين مقابل تأخير الدفع، ويسمى ربا الديون والربا الجلي، وهو ربا الجاهلية([46]).

مثاله:

اشترى شخص مائة صاع من التمر في وقت الشتاء بمائة وعشرين صاعا من التمر في وقت الصيف.

قال الجصاص في تفسيره: (والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به .... هذا كان المتعارف المشهور بينهم)([47]).

وقال في موضع آخر: (إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه)([48]).

وبهذا يتضح أن ما يجري التعامل به البنوك الربوية في العصر الحاضر هو نوع من أنواع ربا الجاهلية المجمع على تحريمه قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: آية 275].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 278-280].


 المبحث الثاني: أدلة تحـريم الربا

الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وإيضاح ذلك كالتالي:

أدلة تحريم الربا من القرآن:

آيات القرآن المتعلقة بموضوع الربا ثمان موزعة في أربع سور، خمس آيات منها في سورة البقرة، وأما الآيات الباقية فتجدها على التوالي في سورة آل عمران، وفي سورة النساء، وفي سورة الروم. وقد كان تحريم الربا على أربع مراحل، وسنعرض الآيات الخاصة بالربا وفقا لترتيب نزولها ليتبين لنا التدرج في التحريم.

1- قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [سورة الروم: آية 39].

وجه الدلالة من الآية:

هذا خطاب موجه لأكلي الربا أي: وما أعطيتم من مال إلى الناس لينمو ويزيد فيه، تعطون مقدار معينا، ثم تستترون مقدارا أكبر لأنكم تطلبون الناس بالزيادة، ولكنكم لا تستطيعون مطالبة الله بذلك. إن مقابلة الربا بالزكاة وبيان أن الزكاة يثاب عليها دليل واضح على أن الزكاة عمل صالح، والربا سيء، فحري بكم أيها المؤمنون أن تجتنبوه وتبتعدوا عنه.

2- قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [سورة النسا: آية 160-161].

وجه الدلالة من الآية:

هذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الربا محرم على اليهود، ولكنهم عصوا الله وتمردوا على أوامره، وواضح من الآية أن عذابا أخذوا به في الدنيا وآخر ينتظرهم في الآخرة بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله، وإذا علمنا أن شرع من قبلنا ملزم لنا ما لم يرد نص من القرآن أو السنة يخالفه، كما هو رأي الجمهور من العلماء، ثبت لنا تحريم هذه الآية الربا على المسلمين، ولكن الأمر ما يزال فيه غموض، فهناك من يرى أن شرع من قبلنا غير ملزم لنا، فلابد في تحريم الربا من نص قاطع.

3- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: آية 130-134].

وجه الدلالة من الآية:

هذه الآية نص قاطع في تحريم الربا المضاعف على المسلمين، وهو الربا الفاحش، ولكن يبقى حكم الربا اليسير، فهل هو مباح أم لا؟، هذا ما تحسمه المرحلة الرابعة من مراحل تحريم الربا.

4- قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 274-281].

وجه الدلالة من الآية:

الآيات نص صريح في تحريم الربا قليله وكثيره بمختلف أشكاله وأنواعه، فهل بعد قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، يبقى لأحد إشكال أو تنتابه ريبة في حرمة الربا؟!

يقول الدكتور محمد دراز: (نعم فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضا، وكان أول موضع منها وحيا مكيا والثلاثة الباقية مدنية ففي المكية يقول الله جلت حكمته  ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [سورة الروم: آية 39].

وهذه موعظة سلبية أن الربا لا ثواب له عند الله، نعم ولكنه لم يقل: إن الله ادخر لأكله عقابا.

أما الموضع الثاني([49]) فكان درسا وعبرة قصها علينا القرآن من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا، فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر فإن هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصدا في هذا الشأن).

ثم يقول دراز: (وكذلك لم يجيء النص الصريح عن الربا إلا في المرتبة الثالثة([50])، وكذلك لم يكن إلا نهيا حزئيا عن الربا الفاحش الربا الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة).

وأخيرا وردت الحلقة الرابعة التي ختم بها التشريع في الربا، وفيها النهي الحاسم عن كل ما يزيد على رأس مال الدين([51]) يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 278-281].

أدلة تحريم الربا من السنة:

الأحاديث في تحريم الربا والنهي عنه وذم فاعله ومن أعان عليه كثيرة جدا نذكرها طرفا منها([52]):

1- عن جابر رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء»([53]).

وجه الدلالة:

اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمته جل وعلا، ولعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء دليل على أنهم آثمون وأن ما تعاطوه محرم.

2- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب، والفضية بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»([54]).

3- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء»([55]).

وجه الدلالة من الحديثين:

إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يباع صنف من هذه الأصناف المذكورة في الحديثين بجنسه متفاضلا، وأمر أن يكونا متساويين، والأمر هنا للوجوب، إذ لا صارف له عن أصله. وقد نص في الحديث على أن من زاد أو استزاد فقد أربى أي: فعل الربا المنهى عنه شرعا. ونص في الحديث الآخر على أنه حال اختلاف الأصناف للناس أن يبيعوا كيف شاءوا، وهذا يفهم منه أنه حال اتفاق الجنس ليس لهم الخيار في البيع إلا بشرط القبض والتساوي.

الدليل من الإجماع ([56]):

أجمع المسلمون قاطبة على تحريم الربا في الجملة، وإن اختلف الفقهاء في بعض مسائله.

قال صاحب المجموع: "أجمع المسلمون على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر"([57]).

وقل في سبل السلام: "وقد أجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل»([58]).

قال السرخي في المبسوط: "وقد ذكر الله تعالى لآكل الربا خمسا من العقوبات"([59]).

الأولى: التخبط قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [سورة البقرة: آية 275].

الثانية: المحق من الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة البقرة: آية 276].

الثالثة: الحرب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة: آية 278].

وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة: آية 276].

الخامسة: الخلود في النار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 275].

وقال ابن رشد في المقدمات: (فمن استحل الربا فهو كافر حلال الدم يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل)([60]).

وقال الباجوري في حاشيته: "وهو من أكبر الكبائر فإن أكبر الكبائر على الإطلاق الشرك بالله، ثم قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، ثم الزنا، ثم الربا، ولم يحل في شريعة قط لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [سورة النساء: آية 161]. أي في الكتب السابقة، فهو من الشرائع القديمة، ولم يؤذن الله تعالى في كتابه بالحرب سوى آكله ولذا قيل إنه يدل على سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى"([61]).

 المبحث الثالث: اتجاهات العلماء في تحديد منطقة الربا

سأذكر في هذا المبحث آراء العلماء([62]) في تحديد منطقة الربا، وهذه الآراء منها الذي توسع في دائرة الربا لتكون شاملة لكل ما يصدق عليه أنه ربا، وهؤلاء اختلفوا في العلة التي يتعدى بها الحكم حسب فَهْمهم للنصوص المحرمة للربا، ومن هذه الاتجاهات الذي يضيق منطقة الربا لتكون محصورة في دائرة محدودة لا يجاوزها إلى غيرها، وقد رأيت أن أقسم هذا المبحث إلى مطلبين:

المطلب الأول

 الاتجاهات الموسعة والمضيقة لمنطقة الربا

منذ الصدر الأول الإسلامي حتى عصرنا الحاضر توجد اتجاهات متعارضة في أمر الربا ويمكن حصرها في مجموعتين:

الاتجاهات الموسعة لمنطقة الربا

يعتبر أصحاب هذا الاتجاه جميع أنواع الربا محرمة تحريما قطعيا بلا تمييز بين ربا وربا لأن حكمة التحريم متحققة في تحريم الزيادة أيا كان قدرها أو وقت اشتراطها أو اقتضائها، قال هؤلاء: والربا المنهي عنه في القرآن هو الربا نفسه المعروف على مر العصور بمختلف أشكاله، ولهذا فرق عندهم بين القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية لأن الربا الذي كان سائدا في الجاهلية، وحرمه القرآن لا يفرق في القروض بين استهلاكي وإنتاجي.

وبالإضافة إلى الزيادة المشروطة في القرض والمحرمة تحريما قطعيا فإن المنفعة تعتبر –في نظر أصحاب الاتجاهات الموسعة- ربا أيضا، والمنفعة يقصد بها مجرد الانتفاع بسبب القرض انتفاعا لا تشمله النصوص الخاصة بالربا صراحة. وأقوال شيوخ الفقهاء من المذاهب الأربعة شاهدة على ذلك.

قال السرخي في المبسوط: "إن المنفعة إذا كانت مشروطة في الإقراض فهو قرض جر منفعة، وإن لم تكن مشروطة فلا بأس به حتى لو رد المستقرض أجورا مما قبضه فإن كان ذلك عن شرط لم يحل لأنه منفعة القرض، وإن لم يكن عن شرط فلا بأس به لأنه أحسن في قضاء الدين وهو مندوب إليه"([63]).

وقال الخرشي: وحرم هديته([64]) –الضمير للمدين([65]) والمعنى أن من عليه الدين يحرم أن يهدي لصاحب الدين هدية، ويحرم على صاحب الدين قبولها لأن ذلك يؤدي إلى التأخير بزيادة([66]).

وقال الشيرازي في المذهب: "ولا يجوز قرض جر منفعة مثل أن يقرضه ألفا على أن يبيعه داره أو على أن يرد عليه أجود منه أو أكثر منه"([67]).

وقال ابن قدامة في المغني: "وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا"([68]).

ويضيق أصحاب هذا الاتجاه([69]) من  أحوال الضرورة التي تبيح الربا، فالضرورة عندهم هي الضرورة الملحة التي يكون من شأنها أن تبيح أكل الميتة والدم، وذلك في جميع صور الربا دون استثناء.

 الاتجاهات المضيقة لمنطقة الربا

تنوعت المذاهب الإسلامية في مجال تضييق منطقة الربا، وتبعا لهذا التنوع اختلفت طريقتهم في التضييق، فمنهم من قصر الربا على الوارد في القرآن فقط، ومنه من قصر الربا على الوارد في القرآن والسنة، ولم يدخل غير المنصوص عليه في منطقة الربا، ومنهم من بالغ في التضييق متأثرا بضغط العوامل الاقتصادية وإليك بيان هذه الاتجاهات:

الاتجاه الأول:

ضيق الظاهرية منطقة الربا فقصروه على الأصناف الستة المنصوص عليها في الأحاديث، وما عداها فهو عندهم باق على الأصل، وهو الإباحة، ومعروف أنهم يقفون عند ظواهر النصوص، ولا يقولون بالقياس إطلاقا.

قال ابن حزم في المحلى: (والربا لا يجوز في البيع والسلم إلا في ستة أشياء فقط: في التمر والقمح والشعير والملح والذهب والفضة)([70]).

وقال في موضع آخر: (فصح بأوضح من الشمس أن كل تجارة وكل بيع وكل سلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم فحلال مطلق لا مرية في ذلك إلا ما فصل الله تعالى لنا تحريمه على لسان رسوله عليه السلام)([71]).

والظاهرية في هذا الرأي يضيقون منطقة الربا ويخالفون جماهير العلماء الذين يرون شمول الربا للأمور المنصوص عليها وغيرها مما يشترك معها في العلة.

الاتجاه الثاني:

هذا الاتجاه بين ربا النسيئة وربا الفضل، ومن أنصاره العلامة ابن القيم([72])، والفقيه ابن رشد "الحفيد"، وقد ميز أصحاب هذا الاتجاه بين ربا النسيئة –وهو ربا جلي أو ربا قطعي-، وبين ربا الفضل، وهو ربا خفي أو ربا غير قطعي.

ووجه الفرق عندهم أن ربا النسيئة محرم لذاته تحريم مقاصد، وهو الذي نزل فيه القرآن، وكانت عليه العرب في الجاهلية، وهو الربا الذي لا يشك أحد في تحريمه، وقد أجمعت الأمة قاطبة على تحريمه.

أما ربا الفضل فهو محرم أيضا، ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد، وهو الذي حصل فيه خلاف بين العلماء: هل هو محرم أم لا؟ وهل التحريم قاصر على المنصوص عليه –كما هو رأي الظاهرية- أم يتعداه إلى ما يشاركه في العلة –كما هو رأي جمهور الفقهاء؟.

وقد أطال ابن القيم النفس في هذا البحث في كتابه (أعلام الموقعين)، ومما قال: (الربا نوعان جلي وخفي فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي فتحريم الأول قصدا وتحريم الثاني وسيلة.

فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة ...

وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع ... وذلك أنهم إذا باعوا درهم بدرهمين ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين –إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك، تدرجوا بالريح المعجل فيها إلى الريح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدا، فمن حكم الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة، فهذه حكم معقولة مطابقة للعقول، وهي تسد عليهم باب المفسدة([73]).

والذي يترتب على التمييز بين ربا النسيئة، وربما الفضل نتيجة هامة هي أن درجة التحريم في ربا النسيئة أشد منه في ربا الفضل، ومن ثم لا يجوز ربا النسيئة إلا لضرورة ملحة كالضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم، أما ربا الفضل فيجوز للحاجة ولا يخفي أن الحاجة أدنى من الضرورة([74]).

الاتجاه الثالث:

هذا الاتجاه يميز ما بين الربا الوارد في القرآن الكريم –وهو الربا الجلي- والربا الوارد في الحديث – الربا الخفي.

يقول أصحاب هذا الاتجاه: إن الربا المحرم هو ربا الجاهلية وحده، فهو الربا الوارد في القرآن الكريم، وهو الربا الذي يؤدي إلى خراب المدين، إذ هو مخير بين أن يقضي أو يربي ويعجز عن القضاء عادة، فليس إلا أن يربي، ولا يزال الدين يتضاعف عليه حتى يرهقه، وبالتالي يؤدي إلى إفلاسه، وهذا النوع من الربا هو الربا الخبيث، وهو الذي ورد بحق متعاطيه الوعيد الشديد، وهو الربا الجلي الذي حرم تحريم مقاصد لا تحريم وسائل، فلا يجوز التعامل به إلا للضرورة،وهي الضرورة التي تصل في الإلحاح إلى حد إباحة الميتة والدم، أما ربا النسيئة وربا الفضل الواردان في الحديث الشريف فقد ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن النهي عنهما في الحديث إنما جاء سدا للذريعة إلى الربا المحرم القطعي وهو ربا الجاهلية([75]).

الاتجاه الرابع:

يحرم أصحاب هذا الاتجاه ربا النسيئة([76]) فقط، وأما ربا الفضل فهو مباح عندهم، ويعتبر ابن عباس([77]) رضي الله عنه زعيم هذا الاتجاه، وربا النسيئة عندهم هو ربا الجاهلية، وهو الربا الوارد في القرآن([78]).

الاتجاه الخامس:

أصحاب هذا الاتجاه تأثروا كثيرا بالظروف الاقتصادية المعاصرة، قال هؤلاء: إن التطور في الظروف الحاضرة يقتضي التطور في الأحكام فلابد من قصر التحريم في موضوع الربا على القروض التي يقصد منها الاستهلاك، أما قروض الإنتاج فلا داعي لتحريمها([79]).

والحق أن أصحاب هذا الاتجاه سايروا الواقع كثيرا، وحاولوا أن يلووا عنق النصوص لتوافق آراءهم وإلا فإنه من العسير جدا التفريق بين قروض الإنتاج، إذ أكثر القروض وقوعها هي التي يعقدها الأفراد مع المصاريف والمنظمات المالية، فهل هذه قروض استهلاك فتحرم على رأي هؤلاء؟ أم هي قروض إنتاج تباح على رأيهم؟ إن التفريق عسير ولا مسوغ له في نظري([80]).

 المطلب الثاني: علة الربـا

اختلف أصحاب الاتجاهات الموسعة لمنقطة الربا في العلة التي يتعدى بها الحكم ليشمل غير المنصوص عليه من الأصناف الستة:- الذهب، الفضة، التمر، الشعير، البر، الملح- وطالت بينهم المناقشات والردود، ولذا سوف أعرض لعلة الربا باختصار شديد لئلا([81]) يتشعب الموضوع كثيرا، وقد رأيت تقسيم هذا المطلب إلى فرعين:

 الفرع الأول: علة الربا في النقدين

اختلف الفقهاء –رحمهم الله- في علة الربا في الذهب والفضة. وخلاصة آرائهم كالتالي:

المذهب الأول: ذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد في المشهور عنه إلى أن العلة فيهما الوزن مع الجنس.

قال في المبسوط: (ثم اختلفوا بعد ذلك في المعنى الذي يتعدى الحكم به إلى سائر الأموال، قال علماؤنا –رحمهم الله تعالى-: الجنسية والقدرة، عرف الجنسية بقوله، - صلى الله عليه وسلم -: «الذهب بالذهب والحطة بالحنطة».([82]) والقدر يقول - صلى الله عليه وسلم -:([83]) «مثلا([84]) بمثل([85])».

ويعني بالقدر الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن([86]) وقال في المغني: (روي عن أحمد في علة الربا ثلاث روايات أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس)([87]).

المذهب الثاني:

ذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي في المشهور عنهما، والإمام أحمد في إحدى الروايات عنه إلى أن العلة فيهما جوهر الثمنية غالبا، فالعلة قاصرة على الذهب والفضة.

قال الخرشي: (واختلف على أنه معلل، هل علته غلبة الثمينة؟ وهو المشهور –فتخرج فلوس النحاس وغيرها- أو مطلق الثمنية؟ وهو خلاف المشهور –فتدخل فلوس النحاس وغيرها)([88]).

وقال في المجموع: (فأما الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة وهو أنهما من جنس الأثمان، فيحرم الربا فيهما ولا يحرم فيهما سواهما من الموزونات([89]).

وقال في المغني: (والرواية الثانية أن العلة في الأثمان الثمنية)([90]).

المذهب الثالث:

ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه والمالكية في غير المشهور إلى أن العلة هي مطلق الثمينة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

قال الخرشي: (واختلف على أنه معلل هل علته غلبة الثمنية)؟ وهو المشهور أو مطلق الثمنية؟ وهو خلاف المشهور)([91]).

وقال ابن تيمية: (والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم، والأظهر أن العلة في ذلك([92]) هي الثمنية لا الوزن، كما قاله جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص والحديد والحرير والقطن والكتان ...).

ثم قال: (والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال يتوسل بها إلى معرفة مقادير  الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية)([93]).

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: (وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة، وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي، ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب)([94]).

والذي يظهر لي رجحان الرأي القائل إن علة الربا في النقدين هي الثمنية المطلقة، وأن العلة ليست قاصرة على النقدين- الذهب والفضة، وإنما تشملهما وغيرهما مما اتخذه الناس سكة بينهم وراج رواج النقدين، وأصبح معيارا لتقويم السلع وتقديرها، فإنه على هذه يجري فيه الربا كما يجري في النقدين لأنه بمعناهما ويؤدي وظيفتهما.


 الفرع الثاني: علة الربا في الأصناف الأربعة

اختلف العلماء في علة الربا في الأصناف الأربعة: البر - الشعير - التمر - الملح - اختلافاً واسعاً وبلغت أقوالهم نحو عشرة آراء، وسأقتصر على أشهرها تجنبا للإطالة، فأقول وبالله التوفيق:

المذهب الأول

مذهب الحنفية - وهو المشهور عن الإمام أحمد- إلى أن علة الربا في الأصناف الأربعة هي الكيل مع الجنس سواء كان مطعوما كالأرز أو غير مطعوم كالحناء، قال في فتح القدير: (فالعلة عندنا الكيل مع الجنس، والوزن مع الجنس)([95]).

وقال في الشرح الكبير (روي عن أحمد في علة الربا ثلاث روايات، أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة كونه مكيل جنس)([96]).

المذهب الثاني

ذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن العلة هي الطعم والجنس شرط.

ويترتب على هذا الرأي أن الربا يجري في كل ما يطعم من الأقوات والآدام والحلاوات والفواكه سواء كان مما يكال أو يوزن أو من غيرهما، لكنه يطعم، فيجري الربا فيما كان مكيلا كالأرز والذرة، وفيما كان موزونا كالسمك والسمن واللحم والخضراوات، وفيما ليس يمكيل ولا موزون كالبيض ونحوه([97]).

قال في المجموع: (علة تحريم الربا في الأجناس الأربعة الطعم فيحرم الربا في كل مطعم سواء كان مما يكال أو يوزن أو غيرهما، ولا يحرم في غير المطعوم، وعلى هذا يحرم الربا في كل ما يطعم من الأقوات والآدام والحلاوات والفواكه)([98]).

وقال في الإنصاف: (..... فتكون العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها كونها مطعوم جنس، فتختص بالمطعومات ويخرج ما عداها)([99])

المذهب الثالث

ذهب المالكية إلى أن علة الربا في الأصناف الأربعة هي الاقتيات والادخار، وزاد بعض المالكية اشتراط غلبة العيش بأن يكون غالب استعماله قوت الآدمي كالقمح([100]).

قال الدسوقي في حاشيته: (علة طعام الربا اقتيات وادخار، وهل يشترط مع ذلك كونه متخذا لغلبة العيش بأن يكون غالب استعماله اقتيات الآدمي بالفعل كقمح وذرة أو لا يشترط ذلك؟ وهو قول الأكثر المعول عليه ...)([101]).

المذهب الرابع

ذهب الشافعي القديم، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن علة الربا في الأصناف الأربعة هي كونها مطعوم جنس مكيلا أو موزونا([102]).

ويترتب على هذا القول عدم جريان الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالبيض، ولا فيما ليس بمطعوم كالحديد والرصاص([103]) قال في المجموع: (وقول الشافعي القديم أنه لا يحرم الربا إلا في مطعوم يُكال أو يوزن فعلى هذا لا ربا في الرُّمان والبيض وغيرهما مما لا يكال ولا يوزن، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا، وهذا القول ضعيف جدا)([104])

وقال ابن تيمية في اختياراته: 0والعلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم، وهو رواية عن أحمد رحمه الله)([105]).


 المبحث الرابع: مضار الربا

إذا فشا الربا في أمة من الأمم وترك شأنه حتى يتمكن من السيطرة عليها انتهى بها إلى أسوأ مصير من الاستعباد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان وبالتالي إلى تحطيم الأخلاق وكل القيم الإنسانية، وإسقاط البشرية في مستنقع آسن من اللذات والشهوات ونظرا لخطورة هذا الوباء سأفصل القول في أضراره مبينا مضاره الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية فأقول مستعينا بالله:-

 المضار الأخلاقية

الأخلاق هي جوهر الإنسانية وملاك أمرها فكل ما يضرها في صميم هذا الجوهر جدير بالرفض ولا يصلح لأن تأخذ به أبدا ولو كانت فيه منافع كثيرة، والإسلام حين يحرم الربا يريد أن يكون مجتمعا متراحما متعاونا لا تكون قاعدة التعامل فيه أن يستلب القوي ما في يد الضعيف، وأن تستغل حاجات المحتاجين استغلالا دنيئا لزيادة أموال الأغنياء وتكديس ثرواتهم في خزائنهم، وذلك كله على حساب الفقراء الذي يعيشون على موائد الأغنياء الربوية يتوسعون بها ما استطاعوا رغم أن الأيام ترهقهم أكثر وتحملهم ما لا يستطيعون، وهم على هذه الحال ينظرون إلى الأغنياء أصحاب المطامع العاجلة الذين غرقوا بتأثير الأثرة والبخل وضيق الصدر وتحجر القلب والعبودية للمال والتكالب على المادة. وإلى جانب هؤلاء الأغنياء صنف تشرب صفات الكرم والسخاء والإيثار والمواساة والمناصحة، وسعة القلب ورحابة الصدر وعلو الهمة وهؤلاء هم الذي عناهم القرآن في الآية التالية حيث يقول جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: آية 133].

يقول الشيخ شلتوت في تفسيره (وقد وازن القرآن الكريم بين هذه المعاملة القاسية وبين الصدقة والإحسان والتعاون ليبرز لنا صورتين متضادتين صورة الغني الذي يأخذ بيد الفقير رحمة به وإشفاقا عليه، فيعطيه بعض ماله ابتغاء وجه الله.

وصورة الغني الذي امتلأ قلبه بالقسوة فلم يعد له همٌّ إلا أن يمتص دماء المحتاجين ويجمع دراهمه ودنانيره من أفواه الجائعين المحرومين)([106])

إن الإسلام يربي النفوس على البذل والإيثار والبر ويعلم الغني أنه لم يخرج بغناه عن بني جنسه ولم يصر بالمال نوعا آخر حتى ينكر الناس ويتنكر لحاجتهم، وإنما هو منهم وهم منه، وهو بهم وهم به، وعليه أن يعاونهم وأن يبادلهم العطف والرحمة والبذل كما يعلم الفقير أنه لم يخسر نفسه إذا خسر المال، ولم يفقد كرامته وقيمته الإنسانية وأن هناك إخوة له يشاركونه في آلامه وآماله، يجعلون له نصيبا في أموالهم يتخطى به الصعاب ويصمد أمام الأزمات، ومع وجود الربا تنعدم هذه الصفات وتزول إلى غير رجعة فهل من مضرة أخلاقية على كيان الأمة الإسلامية أشد خطر وأمضى فتكا من هذه الأضرار؟! إن الأمة المحافظة على أخلاقها والتي تحاط بسياج قوي من الخلق الأصيل هي الأمة الجديرة بالبقاء مهما تكالبت عليها الشدائد ووقفت في طريقها العقبات، وما أحسن قول([107]) الشاعر في هذا المجال.

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 المضار الاجتماعية

لا شك أن للربا أضرارا اجتماعية خطيرة فهو يزرع الأحقاد والحزازات بين الناس، كما يسبب كثيرا من الجرائم والأمراض النفسية، والمجتمع الذي يتعامل أفراده فيما بينهم بالأثرة ولا يساعد فيه أحد غيره إلا أن يرجو منه فائدة، ويستغل فيه بعض الأفراد عوز الآخرين وضيقهم وفقرهم، ويجعل هذا فرصة يغتنمها للتمويل والاستثمار وتكون مصلحة الطبقات الغنية الميسرة فيه مناقضة لمصلحة الطبقات المعدمة.

هذا المجتمع لا يمكن أن تقوم له قائمة لأن قواعده غير محكمة ولابد أن تبقى أجزاؤه مائلة إلى التفكك والتشتت في كل حين، يقول الشيخ شلتوت: "وقد دلت التجارب على أن المجتمع الذي يرتكز فيه التعاون والتراحم بين الناس بعضهم وبعض ويكون شعاره إحساس كل فرد بآلام الآخرين، وتموت من بين أفراده نزعة عبادة المال وتقديمه على كل معنى شريف من المعاني الإنسانية الكريمة؛ دلت التجارب على أن المجتمع الذي يكون شأنه ذلك يكون مجتمعا سعيدا هانئا، ينظر أغنياؤه إلى فقرائه، وفقراؤه إلى أغنيائه نظرة الحب المتبادل، والتعاون المشترك، أما المجتمع الذي تتسلط في النزعة المادية على الخلق، فإنه يكون أشبه بمجتمعات الذئاب كل يريد أن يستلب لنفسه ما يستطيع ولو مات غيره، وكل يتربص بغيره دارة السوء([108]).

إن المجتمع الذي يتفشى فيه الربا يكثر فيه الصدام بين طبقاته وتحل به الكوارث بسبب عدم التوازن في توزيع الثروات، وما هذه الرجَّات التي تحصل في وقتنا الحاضر في بعض المجتمعات إلا أدلة واضحة على ما نقول، ومن أضرار الربا الاجتماعية ما يحدثه بين الدول المتجاورة من عداوة  وبغضاء إذ من المستحيل إذا عاملت أمةٌ أمة مجاورة لها بالقسوة والغلظة، واستغلت مصائبها وشدائدها لتنال بذلك منفعة مادية أن يبقى لها في نفس جاراتها شيء من العطف والحب والإخلاص.

وأضرب لهذا مثلا واحدا هو الأثر السيئ الذي تركه امتناع أمريكا من إقراض حليفتها إنجلترا بدون ربا، إذ طلبت إنجلترا من أمريكا قرضا كبيرا بعد الحرب العالمية الثانية، وألحت بالطلب وأن يكون خاليا من الربا فرفضت أمريكا ذلك وأخيرا أقرضتها بربا، فحصل استياء عام من المسئولين في إنجلترا عبروا عنه بطرق مختلفة يقول اللورد –كينـز- لا أستطيع أن أنسى أبد الدهر ذلك الحزن الشديد والألم المرير الذي لحق بنا من معاملة أمريكا لنا في هذه الاتفاقية فإنها أبت أن تقرضنا شيئا إلا بربا([109]).

 المضار الاقتصادية

الإسلام يريد نظاما عادلا حتى لا يطغى قوي على ضعيف، ولا غني على فقير وحتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء، ولذا أوجب على كل فرد يعيش في ظلاله أن يكون طريق كسبه مشروعا لا شبهة فيه، وقد أحل في نظامه البيع وحرم الربا، لأن المال وحده في نظر الإسلام لا يلد المال، وإنما ينتج المال بالعمل والبيع والشراء والتعرض للريح والخسارة بما ينفع الأمة، ويعود عليها بالصالح العام، والمجتمع الصالح المبني على أسس قوية هو المجتمع الذي يكون كل فرد من أفراده عضوا عاملا فيه، أما إذا كان بعض أفراده عاملين وبعضهم كسالى يعيشون عالة على غيرهم، ويعتمدون في بقائهم ومتاعهم على ما يقدمه الآخرون لهم فإن هذا المجتمع يختل توازنه، ويدركه الضعف والشقاء والتخاذل بقدر ذلك.

يقول الرازي في تفسيره: "إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة، تُغل عليه اكتساب وجه المعيشة فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات"([110]).

ويقول الأستاذ سيد قطب: "إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم، وهم قد نشأوا في ظله وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق"([111]).

وإليك شهادتين أدلى بهما أستاذان من أكبر أساتذة الاقتصاد الغربيين يقول الاقتصادي كينز - وهو من ألمع الاقتصاديين الرأسماليين المعاصرين - في كتابة النظرية العامة: "إن ارتفاع سعر الفائدة يعوق من الإنتاج لأنه يغري صاحب المال بالادخار للحصول على عائد مضمون دون تعريض أمواله للمخاطرة في ناحية حالة الاستثمار في المشروعات الصناعية أو التجارية ، كما أنه من ناحية أخرى لا يساعد رجل الأعمال على التوسع في أعماله لأنه يرى أن العائد من التوسع –مع ما فيه من مخاطر- يعادل الفائدة التي سيدفعها للمقرض، سواء كان الاقتراض عن طريق المصرف أو بموجب سندات وعلى ذلك فكل نقص في سعر الفائدة سيؤدي إلى زيادة في الإنتاج وبالتالي في العمالة وإيجاد الفرصة لتشغيل المزيد من الناس"([112]).

وهذا هو نفس ما انتهى إليه الدكتور شاخت المدير السابق لبنك الرايخ الألماني في محاضرة له بدمشق عام 1953م حيث قال :"إنه بعملية رياضية غير متناهية يتضح أن المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين، ذلك أن الدائن الرابي دائما (رابح) في كل عملية بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهاية لابد –بالحساب الرياضي- أن يصير إلى الذي يربح دائما وإن هذه النظرية في طريقها إلى التحقق الكامل فإن معظم مال الأرض الآن يملكه –ملكا حقيقيا- بضعة ألوف، أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من المصارف والعمال وغيرهم فليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف"([113]).

هاتان الشهادتان دليل صريح من الواقع على ضرر الربا من الناحية الاقتصادية وإني إذ أسوقهما –مع ما نراه نحن من ضرر واضح للربا في واقعنا الحاضر- وفوق ذلك كله مع ما قرره القرآن قبل أربعة عشر قرنا من ضرر خطير للربا – أسوقهما لأولئك المفتونين بحب الغرب وأساتذته لينتبهوا للخطر المدمر الذي يسحق البشرية سحقا ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات دولا وشعوبا لمصلحة حفنة من المرابين، ويحطها أخلاقيا ونفسيا وعصبيا، ويحدث الخلل في دورة المال ونمو الاقتصاد البشري نموا سويا، نسأل الله أن تعود البشرية إلى رشدها وتأخذ بالنظام الإسلامي جملة لتحيا حياة كريمة في ظلال الإسلام الوارفة.


 المبحث الخامس: حكمة تحريم الربا

التعامل بالربا يحمل على حب الأثرة، والتكاليف على جمع المادة، ويحمل على البخل والشح وضيق الصدر وتحجر القلب والعبودية للمال، والمجتمع الذي تسود أفراده الأثرة وحب الذات وتقديم مصلحة الطبقات الغنية على مصلحة الطبقة الفقيرة، يصبح في حالة من الشحناء والبغضاء والتفكك والتصدع. وإن البون الشاسع بين هذا المجتمع الذي تسوده تلك الرذائل وبين المجتمع الذي تقوم دعائمه على التعاون والتكافل، ويتعامل أفراده فيما بينهم بالكرم والسخاء ومساعدة المحتاجين ومد يد العون لهم، والإسلام حري كل الحرص على اتقاء الضرر ودفعه واستجلاب النفع واستيفائه، وفي التعامل بالربا إضرار بالفقير لأن الغالب غني المقرض وفقر المقترض.

يقول الشيخ محمد عبده: "وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسم الدين، وقل فيها التعاطف والتراحم، وحلت القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير فيها يموت جوعا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه" ثم يقول: "إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار عن أعناق الناس الذي ربما استعبدهم المال يوما ما ..." إلى أن يقول: "وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا"([114]).

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا: "إن تحريم الربا هو عين الحكمة والرحمة الموافق لمصلحة البشر، وإن إباحته مفسدة من أكبر المفاسد للأخلاق، وشئون الاجتماع زادت في أطماع الناس وجعلتهم ماديين لا هم لهم إلا الاستكثار من المال وكادت تحصر ثروة البشر في أفراد منهم، وتجعل بقية الناس عالة عليهم، فإذا كان المفتونون من المسلمين بهذه المدينة يتنكرون من دينهم تحريم الربا بغير فهم ولا عقل، فسيجيء يوم يقر فيه المفتونون بأن ما جاء به الإسلام، هو النظام الذي لا تتم سعادة البشر في دنياهم فضلا عن آخرتهم إلا به"([115]).

ولعلَّ من أبرز أسباب تحريم الإسلام للربا أنه يقتضي أخذ مال الإنسان بغير عوض شنيع ممنوع لأن المال شقيق الروح، فكما يحرم إزهاق الروح من غير حق يحرم أخذ المال بغير حق.

وأيضا فالربا يربي الإنسان على الكسل والخمور، ويقعد به عن العمل والسعي في الأرض بالتجارة أو الزراعة أو الصناعة وبهذا يصبح عضوا فاسدا في المجتمع، وكلما فشا الربا وانتشر كثرت هذه الأعضاء الفاسدة في جسم الأمة فتضعف تدريجا حتى تنهار.

وأيضا فالربا يقضي على المودة بين الناس ويزيل رباط الأخوة الذي هو مكمن قوتهم وسر نهضتهم، ومتى ما كثر الربا تضاعفت الأحقاد وساءت العلاقات بين الأفراد فيتسلط المرابون أصحاب الجشع على إخوانهم الفقراء، يمتصون دماءهم ويرهقونهم بالديون المتضاعفة فيوغرون صدورهم ضدهم. وحول هذا يقول العلامة ابن القيم: "فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته، ويصبر عليه بزيادة يبذلها تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل لأخيه، فيأكل ما أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه، أن حرم الربا ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحرب منه وحرب من رسوله، ولم يجيء مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر"([116]).

يتضح لنا من هذا النص وجاهة التشريع الإسلامي في تحريم الربا وذلك لما يأتي:

1- أن فيه ظلما واضحا لاسيما في ربا القرض لأن فيه أخذ مال من غير عوض ولا جهد ولا عمل ولا تعرض لربح وخسارة.

2- أنه يربي الإنسان على الكسل والخمول والابتعاد عن الاشتغال بالمكاسب المباحة النافعة.

3- أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس، والتعاون، والتراحم، والمواساة، والإحسان فيما بينهم وتكدس الأموال بأيدي نفر قليل من المرابين.

4- الربا يجمع أموال الأمة في يد طبقة معينة تتحكم في رقاب الناس واقتصاد البلاد.

5- والربا مصادم للأخلاق ناقض للفضيلة لا يعرف الخلق والفضيلة ولا يتقبلها أبدا لأن المرابين لا تزيد ثرواتهم إلا إذا كثرت مصائب الناس وعظمت حاجتهم، والذين يتعاطون الربا أعداء ألداء للمجتمع لا يرجون له خيرا؛ بل يعملون على نزول المصائب وخلق الأزمات.

6- والربا معصية كبيرة لله تعالى ينطوي على خيانة الأمانة في المال الذي استخلف عليه الإنسان، إذ المرابي يخون الله ورسوله ويتمرد على أوامر الله ورسوله.

يقول الأستاذ سيد قطب: "النظام الربوي بلاء على الإنسانية –لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب- بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية وهو أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقا، ويعطل نموها الإنساني المتوازن على الرغم من الطلاء الظاهري الخداع الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام"([117]).

وقال الشيخ عطية سالم في معرض حديثه على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 279] نبه تعالى على أن أخذ الربا ظلم وهو إشارة إلى العلة. والوقع أنها أعظم علة يمكن الاعتماد عليها، ورد جميع صور المعاملات الربوية إليها لأن جميع النهي عنه من أنواع المكاسب لا تخرج عن هذه العلة، فالسرقة والغصب والغش والتدليس والاختلاس كل ذلك ظلم..

ثم قال: "والواقع أن هذه ليست كل العلة بل هي جزء منها، وهو الجزء الذي يتعلق بالمدين المظلوم وهناك علة معنوية تتعلق بنفسية المرابي وهي التي سولت له ارتكاب الظلم ألا وهي شح النفس الذي ولد قسوة القلب، وموت الضمير، وانتزاع الرحمة، وتبلد الشعور الإنساني"([118]).

 المبحث السادس: شبه القائلين بحل الربا والرد عليها:

يرى بعض الناس أن الربا أصبح في عصرنا الحاضر معاملة عامة وأساسا من أسس الاقتصاد؛ لأن المصارف المالية والشركات المختلفة التي لا غنى للأمة عنها تتعامل بالربا ولذا ليس من المصلحة أن تبتعد الأمة عن التعامل به، لأنه ضرورة من ضرورات الوقت الحاضر، وبناء على هذا الرأي ذهبوا يتلمسون الشبه والواهية التي يمكن أن يدخلوا عن طريقها إلى القول بإباحة أنواع من الربا، وقد كثرت شبه القوم في تحليله وسأذكر معظمها بإيجاز مفصلا القول في ثلاث شبه منها لأنها أكثرها تداولا على ألسنة الناس.

الشبهة الأولى:

استدل بعض المعاصرين بمطلق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: آية 29]. على أن الربا جائز طالما أن هناك تراضيا من الطرفين.

الرد على هذه الشبهة:

هذا القول خاطئ إذ ليس مطلق التراضي هو الذي يبيح الشيء، إنما الذي يبيحه هو وجود التراضي بين المتابعين على شيء لا يخالف حكم الله فهذا غير جائز أبدا.

الشبهة الثانية:

قال المجيزون للربا إن كراء الأرض جزاء بدون جهد، فكيف نفرق بين إيجار الأرض والاقتراض بالربا.

الرد على هذه الشبهة:

الجواب على هذه الفرية بين وواضح: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: آية 46].

إن كراء الأرض من باب الإجازة التي أباحها الشارع الحكيم مقابل الانتفاع بالعين المؤجرة التي لا تستهلك، أما إقراض الدراهم فمن جنس التبرع بالمنافع ولهذا لا يجوز أخذ الأجر عليها، والفرق كبير بينها وبين منافع العين المؤجرة فإن منافع الإجارة مضمونة على المؤجر قبل الاستيفاء، بمعنى أنها إن تلفت بآفة سماوية كموت الدابة كانت من ضمان المؤجر، لأن العين المؤجرة تلفت قبل التمكن من الاستيفاء وهذا بخلاف المنافع العائدة من القرض للمستقرض فإنها ليست بمضمونة على المقرض، بل القرض نفسه قد يتعرض للتلف ويكون من ضمان المستقرض وهنا يبدو الغرر ويظهر الضرر وتتجلى الحكمة من تحريم الربا.

الشبهة الثالثة:

قالوا: الربا مقيس على الشركة فكما أن الشريك الذي لا يعمل في الشركة يأتيه ربح بغير جهد فكذلك ينبغي أن يباح ما يأخذه المرابي قياسا عليه.

الرد على هذه الشبهة:

وردا على هذه الفرية الحمقاء نقول: إن حصة الشريك خاضعة لمبدأ الربح والخسارة فإذا وفق المشروع ونجح ربحت الشركة وعاد جزء من الربح للشريك، وإذا لم يوفق المشروع فإن الشركة تخسر ويعود جزء من الخسارة على الشريك، أما المرابي فالربح دائما من نصيبه ولو على حساب المقترض، وخسارته وهذا ضرر بالغ والمعاملات التجارية مبنية على العدل والرحمة والشفقة.

الشبهة الرابعة:

قال بعض المجيزين للربا: إن التزام الزيادة قبل الوفاء نظير الزيادة عند الوفاء فكما أن الأخيرة جائزة بل ومندوب إليها فكذلك لا مانع من جواز الأولى.

الرد على هذه الشبهة:

الزيادة المشروطة قبل الوفاء فيها معنى الظلم واستغلال حاجة المحتاج، أما غير المشروطة فهذه فضل وكرم من صاحبها فهي عكس الزيادة الأولى.

الشبهة الخامسة:

قال المجيزون للربا: إن الربا المحرم في القرآن هو الربا المضاعف أما غيره فلا يسري عليه التحريم.

الشبهة السادسة:

قالوا: الربا مقيس على السلم، فكما أن السلم جائز فكذلك الربا إذ المعنى فيهما واحد.

الشبهة السابعة:

قالوا: الربا ضرورة في هذا العصر إذ البناء الاقتصادي لا يقوم إلا عليه ولو قلنا بتحريمه لتعطلت الأمة وحلت بها الكوارث.

هذه الشبه الثلاث هي أكثر الشبه تداولا على الألسنة وهي التي يتعرض لها أكثر الباحثين في قضية الربا، ولهذا سوف أعوض لها بشيء من التفصيل على ما أذكره عبرة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. أقول وبالله التوفيق.

الشبهة الخامسة:

قال المجيزون للربا: إن الربا المحرم إنما هو الفاحش الذي تكون النسبة فيه مرتفعة، أما الفائدة المعتدلة فلا حرمة فيها، لأن الله تعالى قيد النهي عن الربا بقيد المضاعفة حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [سورة آل عمران: آية 130].

فهذا دليل على أن النهي عن الربا المحرم جاء مشروطا ومقيدا بهذا القيد وهو كونه أضعافا مضاعفة أما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: آية 275]. فهو مطلق مقيد بالآية السابقة.([119])

الرد على هذه الشبهة:

هذه الشبهة باطلة ويتضح بطلانها من الوجوه التالية:

1- أن قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس قيدا ولا شرطا لتحريم الربا وليس للتخصيص، وإنما هو لبيان الواقع الغالب الذي كان التعامل عليه أيام الجاهلية، والتشنيع عليهم بأن هذه المعاملة ظلم واضح وعدوان على الضعفاء والمساكين، ولهذا الأسلوب نظائر كثيرة في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [سورة النور: آية 33]. فقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. ليس قيدا ولا شرطا لتحريم الزنا، وأن الإماء إذا لم يردن التحصن جاز إكراههن على البغاء، أو جاز تمكينهن منه، ولو بدون إكراههن على البغاء، وإنما القيد مسوق للتأنيب وتفظيع ما كانوا يفعلونه مع إمائهم من إكراههن على البغاء يتكسبن به ويعطينه لسادتهن فجاءت الآية تقبيحا لشنيع فعلهم.

2- أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 279]. وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: آية 278].

نص صريح قاطع على أن ما زاد على رأس المال ظلم صارخ بلا تحديد ولا تقييد، فقد أمر بترك كل ربا للمؤمنين على الناس مما يدل على تحريم الربا في جميع صوره ومهما كان سعر الربا قليلا.

3- أنه لا تنافي بين قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وبين قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. لأن الربا في الأولى عام في الزيادة مطلقا، والثانية لا تنافي ذلك العموم، لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافقه ليس تخصيصا له، وهذا يدل على أنه لم يقصد من قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. الدلالة على أنه إذا كان غير مضاعف يحل أكله. وهذا ما تؤيده الآية الثالثة: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. لأنها تؤكد تحريم الزيادة على رأس المال قليلة أو كثيرة ولو كانت الثانية قيدا لكان بينهما وبين الثالثة تناقض وهذا ليس بجائز إذ: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: آية 42].

4- أجمع المسلمون على تحريم الربا قليله وكثيره وقد نقلت طرفا من كلام أهل العلم عند حديثنا على أدلة تحريم الربا.

يقول الشيخ شلتوت بعد أن ساق شبهة من قصر التحريم على ربا المضاعف: "وهذا قول باطل فإن الله سبحانه وتعالى أتى بقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. توبيخا لهم على ما كانوا يفعلون وإبراز لفعلهم السيء وتشهيرا به، وقد جاء مثل هذا الأسلوب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فليس الغرض أن يحرم عليهم إكراه الفتيات على البغاء في حالة إرادتهن التحصن، وأن يبيحه لهم إذا لم يردن التحصن، ولكنه يبشع ما يفعلونه ويشهر به.."([120]).

الشبهة السادسة:

قياسهم الإقراض فائدة على السلم، ووجه ذلك أن القرض بفائدة فيه نفع للطرفين فالمقترض يحصل على المال العاجل ليسد حاجته ويقوم بشئونه الخاصة، والمقرض يحصل الأكثر أجلا مقابل الأجل الذي أعطاه للمقترض. وهذا نظير السلم فإنه يعتمد على دفع الأقل عاجلا للحصول على الأكثر أجلا، وقد أبحته الشريعة فحيث جاز السلم فإننا نقيس عليه القرض بفائدة لأن المعنى فيهما واحد.

الرد على هذه الشبهة:

الفرق بين القرض بفائدة وبين السلم واضح، وقياس أحدهما على الآخر قياس مع الفارق وهذه بعض الفروق الأساسية بينهما.

1- السلم نوع من البيع، فيه ثمن ومثمن، فليس النقد فيه كل شيء، أما القرض بفائدة فالنقد فيه كل شيء وهو المقصود في العقد.

2- المشتري في السلم ليس كاسبا على كل حال فقد ترخص السلعة التي أسلم فيها عند حلول الأجل، وقد يرتفع سعرها، ولهذا فالربح غير مضمون والمخاطرة التي تكون في التجارة موجودة في السلم، وهذا بخلاف القرض بفائدة، فالربح فيه مضمون ومعروف سلفا.

3- عقد السلم فيه حث على الزراعة والصناعة والتجارة وتكثير السلع وإنتاجها، مما يسبب ازدهار الحياة وانتعاش الحركة الاقتصادية، وهذا عكس المعنى الموجود في القرض لأنه بفائدة، لأنه يدعوا إلى تقويض السوق التجارية، ويحث على البطالة وعدم الاشتغال بالأعمال الزراعية والصناعية والتجارية.

يقول الشيخ شلتوت: "أما ما اعترضوا به من إباحة السلم فإن السلم بيع فيه ثمن ومثمن وليس النقد هو كل شيء فيه، وليس المشتري فيه دائما كاسبا فقد ترخص السلعة عند حلول الأجل، وقد تغلو فالمخاطرة التي تكون في التجارة موجودة فيه.."([121]).

الشبهة السابعة:

لا يتصور المسلم إطلاقا أن هناك ضرورة اقتصادية أو اجتماعية تجعل المسلمين في حال اضطرار إلى التعامل بالربا، لكنها الرغبة في تنمية الأموال والتوسع في التجارات وإنشاء المصانع  وهذه ليست ضرورة تبيح ما حرم الله.

ثم إن الله جل وعلا حين حرم الربا شرع للناس من الحلال ما يغنيهم عن الحرام، فهل أغلقت كل أبواب الإنتاج الحلال؟ أو سدت طرق المكاسب الطبيعية كالسلم، والمضاربة الشرعية، والبيع بالنسيئة والتقسيط، والاتجار بأنواعه والإسهام في المصانع والمزارع والشركات؟! فهذه الطرق المشروعة وغيرها كثير فيها غنية عن الربا المحرم وأيضا فثمة دليل من الوقع على أن الربا ليس ضرورة اقتصادية.

ذلك أن المسلمين قامت لهم حضارة ومدنية إسلامية، لم تشهد الدنيا لها مثيلا، واستمرت تلك الحضارة وتلك المدنية قرونا طويلة، سارت فيها شئون الحياة الاقتصادية على وجه لم يشهد له مثيل، حيث كان التآخي والمحبة والإنفاق من أسس هذه الحضارة الأصلية، وعلى هذا لم تعرف الحضارة الإسلامية الربا بأي نوع من أنواعه لأنها كانت في غنى عنه.([122])

ولقد بات من المؤكد أن النظم الاقتصادية التي يتشدقون بها ويأخذون على الإسلام عدم مجاراته لها قد صارت الآن في موضع الشك والتزلزل عند أهليها والمتعاملين بها، وأصبح العالم يبحث عن نظام اقتصادي ينقذ العالم مما يعانيه من الأزمات الخانقة، وتسلط فئة قليلة العدد مستحوذة على العالم منتفعة بما يدره عليها من الربح والجاه والنفوذ، وذلك على حساب طائفة أخرى هي الكثرة العاملة الناصبة لا همَّ لها إلا أن تكدح لهؤلاء وتجد في تنمية ثرواتهم، ثم لا ينالها من هذا الكدح والنصب إلا أدنى القوت وأحط المساكن والملابس، والواقع أن هذه الشبه التي سقتها ولاسيما الشبهة السابعة أتت من عمل أهل التشكيك في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، والقضية ليست قضية الربا أو غيره من المعاملات المالية، وإنما هي قضية الشريعة كلها بعد أن انصرف عنها أهلها وفتنوا بقوانين الغرب وشبهاته حول الإسلام وأهله.


 الباب الثاني: البنوك الإسلامية

 المبحث الأول: التعريف بالبنوك الإسلامية، ونشأتها

البنك الإسلامي: هو كل مؤسسة تباشر الأعمال المصرفية على أسس الشريعة الإسلامية وقواعدها الفقهية.

يقول الدكتور أحمد النجار: "باستعراض قوانين ومراسيم إنشاء البنوك الإسلامية التي قامت حتى الآن نستطيع أن نخلص إلى تعريف عام للبنك الإسلامي مؤداه: أن البنك هو مؤسسة مالية مصرفية لتجميع الأموال وتوظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية مما يخدم بناء مجتمع التكافل الإسلامي، وتحقيق عدالة التوزيع، ووضع المال في المسار الإسلامي"([123]).

هذا هو تعريف البنك الإسلامي، أما وصفه بالإسلامي فالقصد من ذلك بيان هوية الالتزام المقررة في أسلوب التعامل الذي يسير عليه هذا البنك في علاقته مع الناس، سواء كانوا من المودعين أو من الممولين المستثمرين، وهو أسلوب ملتزم بمبادئ الشريعة الإسلامية أسلوب يطهر المعاملات من أية محظورات شرعية ويوفر البدائل الكافية التي تنبع من صميم التشريع الإسلامي.

نشأة البنوك الإسلامية:

من المعلوم أن نصوص الإسلام متضافرة على تحريم الربا وعلى اعتباره منكرا اقتصاديا واجتماعيا غليظ الإثم، وقد عده بعض الباحثين جريمة سياسية، ونحن نشاهد عين الحقيقة أن الشبكة الربوية المنتشرة في الحياة العامة انتشار الشرايين في الجسم، قد صدعت البناء الاجتماعي للإسلام، وشوهت حقائقه في قلوب أبنائه، وإذا كان المسلمون يستوردون أنظمتهم الاقتصادية من الشرق والغرب –ناسين ما لديهم من نظام اقتصادي أصيل فعليهم أن يعلموا أن الشرق والغرب لا يبالي في تنحية الدين عن الحياة الاقتصادية، لأنه لا ميزان للأخلاق عندهم، بل القوى هو المتسلط ولو كان على حساب الفقراء والمساكين، والإسلام نظام متكامل فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه على أساس الاستغناء عن الحاجة إلى هذا النوع من التعامل دون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، ونحن نعتقد اعتقادا جازما وجود استحالة اقتصادية في أن يحرم الله أمرا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه، لهذا كان لزاما على المسلمين أن يبحثوا عن نظام اقتصادي لا يتعارض مع الشرع المطهر، وقد ظهرت النوايا الطيبة من بعض الباحثين فأخذوا يفكرون في البديل الإسلامي لهذه المصارف الربوية، وأخيرا زادت قناعتهم بحتمية الحل وسرعته، لاسيما وقد رأوا أنظار المسلمين تتجه إليهم بعد الصحوة العامة في السبعينات من هذا القرن، ولكن الظروف المحيطة بالعالم الإسلامي في بداية عهده بالتفتح لم تكن تساعد على حمل لواء التحدي لرفض هذه الأعمال المستجدة طالما أنه لا يوجد عنها بديل.

وقد بدأت المحاولات بتبرير الواقع وتلمس المسالك المختلفة لإخراج الفوائد وما في حكمها من نطاق الربا المحرم.

ثم انتقلت المحاولات إلى التطويع والتوفيق ثم ظهرت في العالم الإسلامي محاولات أكثر جرأة وأقوى إيجابية؛ بحيث رفضت الواقع المنقول من الغرب في عهد التبعية والضعف واتجهت هذه المحاولات إلى إيجاد الدلائل الإسلامية.

وهكذا تحول الاتجاه من خط الدفاع السلبي إلى خط التنفيذ الإيجابي، وشهدت الثمانينات من هذا القرن تجربة وراء تجربة لبنوك إسلامية أثبتت وجودها رغم أنوف الحاقدين،ورغم ما وضع في وجهها من عقبات،وقد بدأت أول محاولة لتنفيذ توجيهات الله في المؤسسات المطلوبة للمجتمع متمثلة في بنوك الادخار بمصر سنة (1963م). أعقبها محاولات مماثلة في الباكستان، ثم ثانية في مصر (بنك ناصر الاجتماعي سنة 1971م) ثم البنك  الإسلامي للتنمية بالسعودية (سنة 1974م) ثم بنك دبي الإسلامي (سنة 1975). فبنك فيصل الإسلامي السوداني (سنة 1977م) فبيت التمويل الكويتي (سنة 1977م) ثم بنك فيصل الإسلامي المصري (سنة 1977م) ثم البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار (سنة 1978م).

يقول الدكتور غريب الجمال حول نشأة البنوك الإسلامية: "يأبي الكثير من الشعوب الإسلامية التعامل بالربا وبالتالي فهي لا تتعامل مع المصارف القائمة الآن، وعلى ذلك تظل الأموال المملوكة لهذه المجموعات الضخمة من أبناء العالم الإسلامي معطلة، ولذا كان من الدوافع للدعوة إلى إنشاء المصارف الإسلامية إيجاد مخرج لهذه الشعوب سعيا وراء الإفادة من الأموال المملوكة لها لمصالح العالم الإسلامي بأجمعه بالإضافة إلى إنارة الطريق أمام ولاة الأمور في هذه الشعوب لإراحة ضمائرهم بإيجاد النظام الكفيل بأن يحقق للدول الإسلامية تنمية مجتمعنا بالأسلوب الشرعي"([124]).

ونحمد الله جل وعلا أن حقق للأمة الإسلامية شيئا طالما تطلعت إليه في نظرتها إلى مستقبل أفضل، فمن آمالها الكبيرة أن يعيد مجتمعها بناءه الاقتصادي على أسس مثالية شرعية –نحمده جل وعلا- أن هيأ جماعة من المسلمين المخلصين لربهم ومن ثم لأمتهم والذين اقتنعوا بصلاحية الشريعة الإسلامية لتنظيم المعاملات المصرفية فأخرجوا للعالم الإسلامي المنكوب عدة مصارف باشرت عملها بعيدا عن الربا المحرم.

ولعل سائلا يسأل: لم توجد هذه المصارف طيلة العصور الماضية والتي من خلالها عرف الناس المصارف واحتاجوا إليها؟

وتقول جوابا عن هذا السؤال: إن خلو الساحة الإسلامية خلال حقبة طويلة من الزمن من الحلول العملية البديلة للعمل الاستثماري القائم على التعامل بالفوائد، لم يكن بسبب قصور في فقهاء الشريعة أو عجزهم عن إدراك طبيعة المعاملات التي تتطلبها الحياة، ولكن العيب كل العيب كان يكمن فيمن تشبث في عناد بكل ما حصل عليه من فكر وافد إليه من الغرب أو الشرق، وفي نظره أن هذا الفكر دون سواء هو الفكر الأمثل الذي يجب أن يحتذى ولا سبيل للحياة بدونه في ظل مقتضيات هذا العصر.

والحق أن المكابرين أقاموا سدا منيعا من صنع أنفسهم بين عقولهم وبين ما قدمه علماؤنا الأجلاء من فكر نير يشتمل على الحلول الجذرية لكثير مما استجد من قضايا الحياة، وحال بين هؤلاء المكابرين وبين ما خلقه سلفنا الصالح ذلك التعلق المشين بالمستعمر وأن ما لديه هو الحق الذي لا يقبل النقاش، وأما تراث السلف ففيه العقم والسطحية وهذا ليس قاصرا على الناحية الاقتصادية وحدها بل شمل جميع مجالات الحياة، وإننا على يقين - ونحن نرى نجاح المصارف الإسلامية القائمة فعلا- أن عددها - بإذن الله- سيتضاعف ويتشعب ، ومن ثم تتسع الدائرة وتقوى الرابطة بينها على مستوى العالم الإسلامي كله ليتحقق الدعم والتمويل اللازم لمشروعات استغلال موارد الشعوب الإسلامية استغلالا يخدم المصلحة ويتسم بالعدل والكفاءة في إطار تضامن إسلامي قوي وطيد.


 المبحث الثاني: خصائص البنوك الإسلامية

من المسلم به أن عمر البنوك الربوية في بلادنا لا يزيد عن مائة عام –مهما قيل عن قدمها ورسوخ جذورها- وقد صاحب دخول هذه البنوك الربوية دخول الاحتلال الأجنبي للبلاد الإسلامية، وليس بخاف على ذي بصيرة أن مجتمعاتنا الإسلامية قد ظلت أربعة عشر قرنا لا تعرف الفائدة في معاملاتها ولا تتعامل بها بل تتجنبها وتحرمها.

والتوافق الزمني بين سيطرة الاحتلال الأجنبي، وقيام هذه البنوك الربوية في مجتمعاتنا الإسلامية يؤكد القول بأن هذه البنوك إنما أقيمت عن عمد لكي تساعد الاحتلال الأجنبي بسيطرتها الاقتصادية، ولكي تعمق التناقض في هذه المجتمعات بين ما يعتقده الأفراد من حرمة للربا وبين ما يمارسونه من واقع عملي كله عالة على الربا، ولكي تزرع بذور الشك في عدم صلاحية التشريع الإسلامي للعصور المتأخرة، ولكن الله جل وعلا –وقد تكفل بحفظ شريعته- هيأ لبعض المفكرين القدرة على طرح فكرة البنوك الإسلامية، وأخذت مجراها في الحياة العملية.

وأصبح الناس حيارى حيال هذا المشروع العملاق الذي أثبت وجوده رغم كل العقبات والصعوبات التي وضعت عمدا في طريقه، وكان على أصحاب هذه التجربة أن يجعلوا هذه البنوك قادرة على الوفاء بالأمور التالية:

1- أن يكون البنك اللاربوي –الإسلامي- قادرا على أداء كل الوظائف التي تقوم بها البنوك الربوية، من تمويل، وتيسير لمعاملات وجذب للودائع، وتحويلات، وصرف وما شكل ذلك من العمليات المصرفية.

2- أن يكون البنك الإسلامي ملتزما بأحكام الشريعة الإسلامية مع القدرة على الوفاء بمتطلبات العصر من حيث التنمية الاقتصادية في جميع مجالاتها.

3- أن يكون البنك ملتزما بالأسس الاقتصادية السليمة التي تتفق مع المبادئ الإسلامية ولا عليه أن يلتزم بالأسس المصرفية السليمة، لأن الأخيرة تنبثق مبادئها من المصارف الربوية وحسب.

هذه الأمور لابد أن يفي بها البنك الإسلامي، لكي يساير الحياة المعاصرة بكل قضاياها المستجدة، ومع كل ما تقدم. وهناك خصائص أساسية تميز البنك الإسلامي عن غيره أجمل الحديث عنها فأقول:

الخاصية الأولى:

استبعاد التعامل بالفائدة –الربا- وتشكل هذه الخاصية المعلم الرئيسي للبنك الإسلامي، وبدونها يصبح البنك أي شيء آخر غير كونه بنكا إسلاميا، والأساس الذي بنيت عليه هذه الخاصية أن الإسلام حرم الربا وشدد عليه العقوبة.

والبنك الإسلامي ينطلق من تصور الإسلام لهذه الحياة، ولكي تنسجم البنوك الإسلامية مع غيرها من المؤسسات الأخرى التي تشكل في مجموعها المجتمع الإسلامي لابد من تنقيتها مما لا يتلاءم مع الإسلام، وبهذا ينعدم التناقض الموجود في بنية المجتمع الذي يتعامل أفراده بالربا عن طريق البنوك الربوية، وسوءات الربا معروفة ومسلم بها منذ أجيال، ولهذا نرى كثيرا من الاقتصاديين المرموقين ينسبون للنظام الربوي جميع العيوب التي ظهرت في المجتمعات الرأسمالية، ويكاد يكون هناك إجماع على أن الربا يفتح باب الظلم والاستغلال، فكلما كثرت الأزمات وعم الضيق زاد التعامل بالربا، ووجد المرابون لذتهم وسعادتهم في كسر ظهور المحتاجين وإرهاقهم بالقروض ذات الفوائد الكبيرة، وهكذا يؤدي  التعامل بالربا بطريقة حتمية إلى تكوين طبقة تملك رؤوس الأموال وتتيح لها هذه الملكية التحكم في الطبقات وتظل طبقة أصحاب رؤوس الأموال تعمل على إضعاف الطبقة الفقيرة بكل ما أوتيت من وسائل، وهنا ينقسم المجتمع إلى طبقتين تستغل إحداهما الأخرى، وهذا يفتح باب الصراع الطبقي الذي يؤدي إلى المقاومة من قبل الطبقة المستغلة المظلومة بالأنين، ثم بالصراخ، ثم بالعنف، وخليق بمجتمع يتكون من هذه الطبقات أن يعيش عيشة الوحوش يفقد كل المقومات الأساسية لحياة المجتمع من الود والرحمة والإخاء والتعاون بين أفراده، والإسلام وهو يعني بحماية الفرد كما يعني بحماية المجتمع في نفس الوقت، ويحرص على الوحدة والتآخي بين أفراده، لذا فإنه يقيم تشريعه الشامل –الاجتماعي والاقتصادي- بطريقة تقتلع الأسباب التي تؤدي إلى خلق طبقة استغلالية ظالمة على حساب طبقة أخرى.

يقول الدكتور غريب الجمال: "تشكل خاصية استبعاد الفوائد من معاملات المصارف الإسلامية المعلم الرئيسي لها، وتجعل وجودها متسقا مع البنية السليمة للمجتمع الإسلامي، وتصبغ أنشطتها بروح راسية ودوافع عقائدية تجعل القائمين عليها يستشعرون دائما أن العمل الذي يمارسونه ليس مجرد عمل تجاري يهدف تحقيق الربح فحسب، بل هو إضافة إلى ذلك أسلوب من أساليب الجهاد في حمل عبء الرسالة، والإعداد لاستنقاذ الأمة من مباشرة أعمال مجافية للأصول الشرعية، وفوق كل ذلك –وقبله- يستشعر هؤلاء العاملون أن العمل عبادة وتقوى مثاب عليها من الله سبحانه وتعالى، بالإضافة إلى الجزاء المادي الدنيوي([125]).

الخاصية الثانية:

هي توجيه الجهد نحو التنمية عن طريق الاستثمارات:

معلوم أن البنوك الربوية تتجه إلى الاستثمارات عن طريق الإقراض بفائدة، لأنها لا تفرق بين الحلال والحرام، أما البنوك الإسلامية فقد عدلت عن هذا المنهج وسلكت سبيلا يتمشى مع المبادئ الإسلامية، وأصبحت تستثمر أموالها بأحد طريقين تقرهما الشريعة الخالدة:

الأول: الاستثمار المباشر، بمعنى أن يقوم البنك بنفسه بتوظيف الأموال التجارية في مشروعات تدر عليه عائدا.

الثاني: الاستثمار بالمشاركة بمعنى مساهمة البنك في رأس مال المشروع الإنتاجي، يترتب عليه أين يصبح البنك شريكا في ملكية المشروع، وشريكا في إدارته وتيسيره والإشراف عليه، وشريكا كذلك في كل ما ينتج عنه من ربح أو خسارة بالنسب التي يتفق عليها بين الشركاء.

ولأن البنك الإسلامي ينطلق من تصور الإسلام ومنهجه الخاص في الحياة، فإن استثماراته المباشرة ومشاركته تخضع لمعايير الحلال والحرام التي يحددها الإسلام ويترتب على ذلك ما يلي:

1- توجيه الاستثمار وتركيزه في دائرة إنتاج السلع والخدمات التي تشيع الحاجات السوية للإنسان المسلم.

2- تحري أن يقع المنتج –سلعة كان أم خدمة- في دائرة الحلال.

3- تحري أن تكون كل مراحل العملية الإنتاجية (تمويل- تصنيع- بيع- شراء) ضمن دائرة الحلال.

4- تحري أن تكون كل أسباب الإنتاج (أجور –نظام عمل) منسجمة مع دائرة الحلال.

5- تحكيم مبدأ احتياجات المجتمع ومصلحة الجماعة قبل النظر إلى العائد الذي يعود على الفرد ([126]).

الخاصية الثالثة:

ربط التنمية الاقتصادية التنمية الاجتماعية:

والأصل في هذه الخاصية في البنك الإسلامي، أنه ينطلق من تصور الإسلام ومنهجه الخاص، والإسلام ين الوحدة الذي لا تنفصل فيه الجوانب المختلفة للحياة بعضها عن البعض الآخر، والاهتمام بالنواحي الاجتماعية أصل من أصول الإسلام.

وبنظرة عاجلة إلى الزكاة ومصارفها في الإسلام، تتبين أهمية الوظيفة الاجتماعية للدول الإسلامية.

والبنك الإسلامي لا يربط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية فحسب، بل إنه يعتبر التنمية الاجتماعية أساسا لا تؤتي التنمية الاقتصادية ثمارها بمراعاته، وهو بذلك يغطي الجانبين ويلتزم بصالح المجموع والعدالة، ولا يتجه كما يتجه البنك الربوي إلى المشروعات التي تضمن له ربحا أكثر دون مراعاة أمور التنمية، لأن ذلك خلل له نتائجه الخطيرة في المجتمع.

الخاصية الرابعة:

تجميع الأموال العاطلة ودفعها إلى مجال الاستثمار والتوظيف بهدف تمويل المشروعات التجارية والصناعية والزراعية، فإن المسلمين الذين يتورعون عن إيداع أموالهم في البنوك الربوية يتطلعون إلى وجود بنك إسلامي يودعون فيه أموالهم.

الخاصية الخامسة:

تيسير وسائل الدفع وتنشيط حركة التبادل التجاري المباشر فيما بين أنحاء العالم الإسلامي، وتتعاون في هذا المجال جميع المصارف الإسلامية لتؤدي وظيفتها على أكمل وجه، شأنها في ذلك شأن البنوك الربوية التي تسود العالم في الوقت الحاضر حيث تحل البنوك الإسلامية محلها.

الخاصية السادسة:

إحياء نظام الزكاة بإنشاء صندوق فيه حصيلتها داخل المصرف، ويتولى المصرف إدارة هذا الصندوق، فإنه مصرف إسلامي يخضع في توظيف الأموال للتعامل الإسلامي والحقوق الواجبة في هذه الأموال.

الخاصية السابعة:

إحياء بيت مال المسلمين، وإنشاء صندوق له يتولى المصرف إدارته.

الخاصية الثامنة:

القضاء على الاحتكار الذي تفرضه الشركات المساهمة على أسهمها، فبدل أن كانت تصدر سندات لتمنع الغير من الاشتراك في رأس المال ستلجأ إلى فتح باب الاكتتاب في زيادة أسهمها لكي تتوسع في أعمالها.

الخاصية التاسعة:

إرساء قواعد العدل والمساواة في المغانم والمغارم، وإبعاد عنصر الاحتكار، وتعميم المصلحة في أكبر عدد ممكن من المسلمين بعد أن كانت المصالح خاصة لأصحاب الأموال الطائلة الذين لا يهتمون من أي طريق كسبوا المال.


 الفصل الثاني: إسهام البنوك الإسلامية في التصحيح الإسلامي للمسار الاقتصادي

 المبحث الأول: تخليص البلاد الإسلامية من التبعية الاقتصادية

عانت البلاد الإسلامية نتائج كثير من المشاكل الاقتصادية، وذلك بسبب تبعيتها للدول الصناعية.

فقد كانت البلاد الإسلامية خلال عصر التبعية بتخصص أغلبها في إنتاج المواد الأولية، ويعتمد دخلها على عائد محصول رئيسي يصدر إلى الدول الصناعية، وكان لهذه الدول الاستعمارية مصالح كبيرة عملت على بقائها في البلاد الإسلامية لتظل التبعية قائمة، ولئلا تدخل هذه البلاد إلى ميدان الإنتاج الصناعي.

وقد ساند هذه التبعية الظروف القائمة في مجال المعاملات المصرفية، وشئون النقد، واستثمار رؤوس الأموال.

(1) فيما يتعلق بالمعاملات المصرفية:

ظلت المصارف القائمة في البلاد الإسلامية خلال القرن التاسع عشر أجنبية، وذلك بسبب قلة رؤوس الأموال عند المسلمين لضعف الحالة الاقتصادية عندهم، وقد كان النشاط الأساسي لهذه المصارف الأجنبية لحما ودما –مع أنها قائمة في قلب البلاد الإسلامية- يتمثل في تمويل عمليات التجارة الخارجية بين الدول التي توجد فيها هذه المصارف، وبين الدول التي تتبعها، ولذلك لم تهتم الدول الأجنبية بأوجه النشاط الاقتصادي المحلية كالصناعة والزراعة.

يضاف إلى ذلك أن المصارف الأجنبية في البلاد الإسلامية لم تكن تخضع لأي نوع من أنواع الرقابة المحلية على الائتمان، إما لعدم وجود مصارف مركزية محلية، أو لكون الموجود منها يدار بأيد أجنبية تجعل الرقابة على المصارف التجارية شكلا لا واقع له، وقد أساءت هذه المصارف إلى البلاد الإسلامية كثيرا، وساعدت على ضعف الحالة الاقتصادية مما جعل التفكير في إنشاء مصارف إسلامية أمرا ضروريا للغاية.

(2) وفيما يتعلق بشئون النقد:

أخذت النظم النقدية في البلاد الإسلامية تتداول نقد الدول الأجنبية المسيطرة عليها على أن يكون غطاء الإصدار المحلي من عملتها أو من سندات على خزائنها، ومن مظاهر التبعية للبلاد الأجنبية وجود المناطق النقدية التي تتحكم فيها الدول الاستعمارية مع الضغط على البلاد الإسلامية بالانضمام لها والبقاء فيها، وبذلك تلتزم بما يفرضه اقتصاد الدول الاستعمارية، وتتحمل كل النتائج المترتبة على ذلك.

(3) وفيما يتعلق باستثمار رؤوس الأموال:

تدفقت رؤوس الأموال الكثيرة على البلاد الإسلامية وخصوصا التي تتوفر فيها المواد الأولية، إذ عملت الدول الأجنبية على جعل البلاد الإسلامية سوقا رائجة لمنتجاتها لتربط بين استغلال المواد الأولية ورواج المنتجات لها.

وقد تضاعف هذا الأمر بعد اكتشاف البترول في المناطق الإسلامية، فقد حرصت الدول الاستعمارية على تغطية أسواق البلاد الإسلامية بالمنتجات المتنوعة وبأسعار باهظة، لتعيد الأموال الطائلة التي بذلتها قيمة للبترول وغيره.

وهكذا نتيجة لكل هذه الأوضاع اصطبغت اقتصاديات كثير من دول العالم الإسلامي بالتبعية لاقتصاد الدول الأجنبية، وأصبحت المشروعات التي تقام في البلاد الإسلامية تدار بأيد أجنبية. وقد أدت هذه التبعية إلى تقلص وانكماش حجم التبادل التجاري فيما بين البلاد الإسلامية.

وخلاصها ولا شك من مساوئ هذه التبعية يتوقف على وجود المصارف الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي، وبالتالي اتباعها في مباشرتها أعمالها أسلوب التعاون الوثيق فيما بينهما؛ لكي تغطي حاجات العالم الإسلامي وتفرض وجودها كقوة مضادة للمصارف الأجنبية.

ومتى حصل هذا سعدت البلاد الإسلامية وعم الخير وكثرت المشاريع النافعة التي تدربها الأيدي النزيهة.

نسأل الله أن يكون ذلك في القريب العاجل.([127])


 المبحث الثاني: تجميع فوائض الأموال، واستثمارها

تقوم المصارف الإسلامية بخدمات جليلة يعم نفعها شعوب البلاد الإسلامية فبجانب الخدمات المصرفية المتنوعة التي تؤديها هذه المصارف تقوم بتوفير الوسائل لتجميع فوائض الأموال واستثمارها. وسنعرض لهذا الجانب من خدمات المصارف في فروع خمسة موجزة:

 الفرع الأول: المصرف الإسلامي يحفز المسلمين إلى الادخار

تسعى معظم الدول لتحفيز الناس للادخار لئلا يكثر النقد المتداول قيمته وخاصة إذا كان بعضه لا يقابل إنتاجا حقيقيا، والمصرف الإسلامي يفتح أمام المسلمين باب المشاركة في المشروعات المختلفة.

فيدعو عملاءه لأن يستثمروا الأموال الفائضة عندهم، وذلك في مشاريع طويلة الأجل.

والمصارف الإسلامية بهذا العمل الجليل تقضي على الظاهرة السائدة لدى كثير من أبناء البلاد الإسلامية يودعون أموالهم في المصارف الأجنبية فتستفيد منها دولهم وتسعد شعوبهم بأموال المسلمين حيث توفر لهم العيشة الآمنة والرفاهية المتناهية في الوقت الذي تعيش فيه الشعوب الإسلامية في شظف من العيش.

 الفرع الثاني: المصرف الإسلامي يوفر التمويل الاستثماري نظير مقابل عادل

ظلت البلاد الإسلامية تعاني المشاق للحصول على تمويل لمشروعاتها الحيوية من قبل الدول الصناعية الغنية؛ إذ كثيرا ما ترفض هذه الدول تقديم التمويل الذي تحتاجه مشروعات العالم الإسلامي متذرعة بأسباب واهية، ولكن السبب، الحقيقي يمكن في رغبتها الماسة في تأخر البلاد الإسلامية وتبعيتها لها اقتصاديا، ولكي تضطر هذه البلاد للاقتراض منها قروضا كبيرة لتمويل هذه المشاريع، وبذلك تضمن الدول الأجنبية رواج منتجاتها في أسواق البلاد الإسلامية الفقيرة.

والنتيجة الحتمية لكل هذا هو تراكم الديون عل البلاد الإسلامية، وهنا تشتد الحاجة إلى المصرف الإسلامي؛ لأنه ييسر على رجال الأعمال الاستفادة من التسهيلات المصرفية، إذ يقوم بأعمال التمويل الاستثمارية على أساس مشاركة يجني جميع الأطراف ثمرتها كما أنها تحقق مصالح كبيرة للمجتمع الإسلامي؛ لأن المصرف الإسلامي يوجه تبار الاستثمار إلى إنتاج السلع والخدمات التي تعود بالنفع الكثير ويأخذ مقابل هذه الأعمال جزءا من الربح يتناسب وحجم العمل الذي يقوم به.

وبهذا تحصل الفائدة الكبيرة للمستثمر أولا، وللمصرف الإسلامي، ثانيا، وللمجتمع الإسلامي ثالثا.

 الفرع الثالث: المصرف الإسلامي يحد من سوءات التضخم

من خصائص وطبيعة أعمال المصرف الإسلامي تطهير المعاملات السائدة في سوق النقد وتجنيبها من التسبب في تحقيق ثراء غير مشروع في سوق المعاملات، ثراء يأتي نتيجة انخفاض القوة الشرائية للنقود.

ذلك أن النقد يعتبر رمزا يعبر عن قيمة معدنية مقابلة، لكن المصارف التجارية درجت على اتباع وسائل تزيد في حدة التضخم حيث تتفق مع عملائها لفتح اعتمادات يسحبون عليها ويستفيدون منها هم وغيرهم.

وبهذا يستفيد المصرف التجاري من أضعاف المبالغ المودعة لديه. وهذا الاتفاق الذي لا يقابله إنتاج يزيد حجم المتداول من النقود دون مقابل من  السلع أو الخدمات، والنتيجة لهذا ارتفاع الأسعار وما يصاحبه من سوءات التضخم النقدي. والمصارف الإسلامية نهجها مخالف لذلك تماما فهي لا تلجأ إلى خلق نقود دون مقابل لأنها تقوم على استثمار ما لديها من الودائع دون أي إثراء غير مشروع، ولهذا فهي الملجأ من ويلات التضخم والله أعلم.

 الفرع الرابع: المصرف الإسلامي يوسع حجم المبادلات التجارية المباشرة

حرص المستعمر الأجنبي على تقطيع أواصر العلاقات التجارية المباشرة بين دول العالم الإسلامي؛ لكي تتم عملية المبادلات التجارية بين هذه الدول عبر عواصمه محققا بذلك مغانم لا نحصى لمؤسساته التأمينية، وفي مقدمة ذلك مؤسساته المصرفية.

ولقد بات من المؤكد أن المعاملات المصرفية هي محور وعصب المال والاقتصاد والتجارة، وبناء عليه فلابد من قيام شبكة محكمة من المصارف الإسلامية في كافة أنحاء العالم الإسلامي، لكي تحقق الأهداف المرجوة لتصحيح المسار الاقتصادي ودعم استقلالها وتوسيع حجم المبادلات التجارية المباشرة دون وسيط أجنبي.

 الفرع الخامس: المصرف الإسلامي ينظم جمع واستثمار حصيلة أموال الزكاة

يعتبر مورد الزكاة من أقوى الدعائم لإقامة بناء المجتمع الإسلامي العادل الذي يكفل تأمين حياة كريمة لأفراده؛ ولهذا فمن جملة الأعمال التي يقوم بها المصرف الإسلامي تجميع أموال الزكاة، وذلك عن طريق صندوق ينشئه المصرف لهذا الغرض - كما هو معمول به حاليا في بيت التمويل الكويتي - أما عملية توزيع حصيلة الصندوق فتتم عن طريق إدارة الصندوق أو لجنة تشكل لهذا الغرض، تقوم بتوزيع أموال الزكاة على المصارف الشرعية لها المحددة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: آية 60].



([1]) انظر: لسان العرب لابن منظور: ج14 ص304، والقاموس المحيط للفيروزبادي: ج4 ص332.

([2]) أخذت هذا التعريف من مجموع التعريفات المختلفة عند المذاهب الفقهية انظر في ذلك:

أ- المبسوط للسرخسي: ج12 ص109.

ب- المقدمات لابن رشد: ج2 ص506.

ج- مغني المحتاج للشربيني الخطيب: ج2 ص21.

د- المغني لابن قدامة: ج4 ص3.

([3]) هذا التعريف مأخوذ من مجموع التعاريف المختلفة عند المذاهب الفقهية. انظر في ذلك:

أ- تبين الحقائق للزيلعي: ص4 ص85.

ب- حاشية الخرشي: ص5 ص36.

ج- حاشية الباجوري: ص1 ص343.

د- الإنصاف للمرداوي: ص5 ص11.

([4]) تعمدت بسط الخلاف وبيان الراجع، مع أن نظام يتطلب الإيجاز لأنا لا نزال نرى من لاحظ لهم من العلم يتعلقون بما ينسب لابن عباس من إباحة ربا الفضل مع الثابت عنه رضي الله عنه رجوعه عن ذلك.

([5]) بدائع الصنائع للكاساني: ج17 ص3116.

([6]) حديث عبادة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبُرِّ والبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، إلا سواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد رواه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري: ج3 ص97ن وصحيح مسلم: ص42.

([7]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد: ج2 ص127. وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ج3 ص147.

([8]) تكملة المجموع للسبكي: ج10 ص22.

([9]) أبو القاسم، هو عمر بن الحسين الخرقي، صاحب المختصر المشهور بمختصر الخرقي.

([10]) المغني لابن قدامة: ج4 ص4.

([11]) أفردت ابن عباس بالذكر مع أن هناك من يقول به غيره لأنه اشتهر عنه حتى صار يقال: مذهب ابن عباس في الربا.

([12]) تكملة المجموع للسبكي: ج10 ص22.

([13]) المغني لان قدامة: ج4 ص3.

([14]) الإشارة تقود إلى قوله قبل ذلك –ولا بد في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به.

([15]) أحكام القرآن لابن العربي: ج1 ص241.

([16]) أحكام القرآن للقرطبي: ج3 ج358.

([17]) كتاب أحكام القرآن للجصاص: ج1 ص64-465.

([18]) المقدمات الممهدات لابن رشد: ج2 ص505.

([19]) كتاب أحكام القرآن للجصاص: ج1 ص465.

([20]) أحكام القرآن لابن العربي: ج3 ص241.

([21]) رواه البخاري، ومسلم. واللفظ لمسلم. انظر صحيح البخاري: ج3 ص97.

([22]) رواه البخاري، ومسلم. والفظ لمسلم؛ انظر صحيح البخاري: ج3 ص97، وصحيح مسلم: ج5 ص44.

([23]) الذين نقلوا الإجماع أخذوا بما ثبت عندهم من رجوع ابن عباس عن رأيه في إباحة ربا الفضل.

([24]) الإفصاح عن معاني الصحاح ليحيى بن هبيرة: ج1 ص326.

([25]) صحيح مسلم بشرح النووي: ج4 ص93-94.

([26]) الأنواع الأربعة هي: 1- ربا النسيئة. 2- ربا الفضل. 3- ربا اليد. 4- ربا القرض.

([27]) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حج-ر الهيثمي: ج1 ص222.

([28]) أحكام القرآن للقرطبي: ج3ص 352.

([29]) لا يخفى ما في هذه العبارات من الغلظة والقسوة مما يجب أن يتنزه عنه العامة بله العلماء، ولكن ليس بمستغرب على أبي محمد، فقد عرفت بسلاطة اللسان يغفر الله لنا وله.

([30]) لا يخفى ما في هذه العبارات من الغلظة والقسوة مما يجب أن يتنزه عنه العامة بله العلماء، ولكن ليس بمستغرب على أبي محمد، فقد عرفت بسلاطة اللسان يغفر الله لنا وله.

([31]) المحلى لابن حزم: ج9 ص537.

([32]) الضمير يعود لابن عباس.

([33]) الضميران يعودان للصرف أي: جواز التفاضل في بيع الذهب بالذهب، وقصر الربا على الربا النسيئة.

([34]) الضميران يعودان للصرف أي: جواز التفاضل في بيع الذهب بالذهب، وقصر الربا على الربا النسيئة.

([35])  تكملة المجموع للسبكي: ج10 ص34.

([36]) المبسوط للسرخسي: ج14 ص6.

([37]) المرجع السابق: ج12 ص112.

([38]) رواه البخاري؛ انظر صحيح البخاري: ج3 ص98.

([39]) المغني لابن قدامة: ج4 ص3.

([40]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية: ج1 ص491 بتصرف.

([41]) رواه البخاري: انظر صحيح البخاري: ج3 ص98.

([42]) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم: ج5 ص50.

([43]) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم: ج5 ص50.

([44]) انظر تفصيلها في تكملة المجموع للسبكي: ج10 ص48، وفتح الباري لابن حجر: ج5 ص286، والنووي على مسلم: ج4 ص109.

([45]) النووي على مسلم: ج 4 ص109.

([46]) توسع الفقهاء رحمهم الله في التعريف الاصطلاحي لربا النسيئة، وذهبوا فيه مذاهب شتى، وقد تعمدت عدم ذكرها خشية الإطالة، ولأني سأذكر طرفا منها عند الحديث على علة الربا بإذن الله، ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع:

الحنفي: (أ) بدائع الصنائع: ج7 ص2106، فتح القدير: ج7 ص4.

المالكي: (ب) بداية المجتهد: ج3 ص132، حاشية الدسوقي: ج3 ص47.

الشافعي: (ج) الزواجر للهيثمي: ج1 ص221، مغني المحتاج: ج2 ص21.

الحنبلي: (د) المقنع: ج2 ص73.

([47]) أحكام القرآن للجصاص: ج1 ص465.

([48]) أحكام القرآن: ج1 ص467.

([49]) قوله تعالى: }فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ..{ الآية. [سورة النساء: آية 160].

([50]) قوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً{[سورة آل عمران: آية130.

([51]) .

([52]) سأكتفي بذكر ثلاثة أحاديث فقط ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى:

( أ ) صحيح البخاري: ج3 ص97 وما بعدها.

(ب) صحيح مسلم: ج5 ص44 وما بعدها.

(ج) سبل السلام: ج3 ص47 وما بعدها.

([53]) رواه البخاري ومسلم،واللفظ لمسلم. انظر صحيح البخاري: ج3 ص73، وصحيح مسلم: ج5 ص50.

([54]) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. انظر صحيح البخاري: ج3 ص97، وصحيح مسلم: ج5 ص44.

([55]) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. انظر صحيح البخاري: ج3 ص97، وصحيح مسلم: ج5 ص44.

([56]) سبق أن نقلنا الإجماع من المراجع التالية:

( أ ) الإفصاح لابن هيبرة: ج1 ص326.

(ب) صحيح مسلم بشرح النووي: ج 4 ص93-94.

(ج) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن الهيثمي: ج1 ص222.

([57]) المجموع للنووي: ج9 ص391.

([58]) سبل السلام للصنعاني: ج3 ص47.

([59]) المبسوط للسرخسي: ج12 ص109 -110 بتصرف كبير.

([60]) المقدمات لابن رشد: ج2 ص503.

([61]) حاشية الباجوري على ابن الغزي: ج1 ص343. وانظر هذا في المراجع التالية:

( أ ) مغني المحتاج للخطيب الشربيني: ج2 ص21.

(ب) المهذب للشبرازي: ج1 ص270.

(ج) تبين الحقائق للزيلعي: ج4 ص85.

(د) إعانة الطالبين للسيد البكري: ج3 ص21.

(هـ) الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر: ج2 ص633.

([62]) سوف أذكر هذه الاتجاهات بإيجاز دون أدلة ومناقشات لأني ذكرت أهم اتجاهين فيها عند الحديث على ربا الفضل.

([63]) المبسوط للسرخسي: ج14 ص35.

([64]) ما بين القوسين عبارة للسيد خليل.

([65]) كتبت في الأصل للمديان.

([66]) الخرشي على مختصر خليل: ج5 ص230.

([67]) المذهب للشيرازي: ج1 ص304.

([68]) المغني لابن قدامة: ج4 ص354.

([69]) يعتبر الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله من أنصار هذا الاتجاه في العصر الحاضر، فقد تحدث عن كون الربا ضرورة في العصور المتأخرة، وقرر أنه بعد استفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام، وبعد أن يكون المرء الذي سيحدد مجال الضرورة عالما بقواعد الشريعة. له من الورع والتقوى ما يحجزه عن التوسع أو عن التسرع في تطبيق الرخصة على غير موضعها. إذا تم كل هذا فلا بد من معرفة حقيقة، وهي: "أن الإسلام قد وضع إلى جانب كل قانون بل فوق كل قانون قانونا أعلى يقوم على الضرورة التي تبيح كل محظورة" قال تعالى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [سورة الأنعام: آية 119]، انظر الربا في نظر القانون الإسلامي لدارز ص39.

([70]) المحلي لابن حزم: ج9 ص503.

([71]) المحلي لابن حزم: ج9 ص563.

([72]) انظر أعلام الموقعين: ج2 ص154، وما بعدها وبداية المجتهد: ج2 ص126.

([73]) أعلام الموقعين: ج2 ص45-155.

([74]) أوضح ابن القيم وابن رشد كثيرا من مواطن الضرورة والحاجة، انظر أعلام الموقعين: ج2 ص161 وما بعدها، وبداية المجتهد لابن رشد: ج2 ص139 وما بعدها.

([75]) ممن ذهب إلى هذا الاتجاه الشيخ محمد رشيد رضا، فقد نقل ذلك عن السنهوري في مصادر الحق: ج3 ص219.

([76]) ربا النسيئة عند هؤلاء هو ربا الجاهلية "زدني في الأجل وأزيدك في المال" وهو غير ربا النسيئة الوارد في الحديث "بيع الأصناف المختلفة متفاضلة نسيئة" فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، انظر صحيح البخاري: ج3 ص97، وصحيح مسلم: ص44 ج5.

([77]) مضى تفصيل القول في هذا الخلاف عند الكلام على ربا الفضل في المبحث الأول من هذا الفصل.

([78]) الفرق بين هذا الاتجاه والاتجاه الثاني أن هذا الاتجاه أشد تضييقا لأنه يرى حل ربا الفضل بينما يرى أصحاب الاتجاه  الثاني النهي عنه ولكن مرتبة النهي لا تصل إلى مرتبة النهي عن الربا الوارد في القرآن.

([79]) ممن ذهب إلى هذا الاتجاه الدكتور معروف الدواليبي في بحثه الذي ألقاه في مؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بباريس عام 1371هـ. نقل ذلك عنه السنهوري في مصادر الحق: ج3 ص533.

([80]) تطالعنا الأيام بآراء غريبة في ساحة الفكر الإسلامي العريض وخصوصا في مجال الاقتصاد، إذ هناك آراء لبعض الباحثين تقصر الربا على الربا المضاعف، وهناك من يبيح ربا القروض، وإني لأجد نفس في غنى عن التصريح ببعض الأسماء، ولكني أنصح القارئ بمتابعة مجلة البنوك الإسلامية، إذ فيها ردود على كثير من الآراء المتطرفة. انظر مثلا مجلة البنوك الإسلامية: العدد السابع: ص58 الصادر في شهر ذي القعدة من عام 1399هـ.

([81]) من أراد الاطلاع على أدلة الفقهاء ومناقشاتهم حول علة الربا فليراجع المصادر التالية:

( أ ) المبسوط للسرخسي: ج12 ص113 وما بعدها. تبين الحقائق للزيلعي: ج4 ص85.

(ب) شرح منح الجليل لمحمد عليش: ج2 537. جواهر الإكليل للأبي الأزهري: ج2 ص17.

(ج) المجموع للنووي: ج9 ص392 إلى ص404. صحيح مسلم شرح النووي: ج4 ص93. جواهر العقود للسيوطي: ج1 ص63.

(د) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: ج29 ص471 وما بعدها. أعلام الموقعين لابن القيم: ج2 ص156 وما بعدها.

([82]) من حديث أبي سعيد المتفق عليه، انظر صحيح البخاري: ج3 ص97، وصحيح مسلم: ج5 ص44.

([83]) من حديث أبي سعيد المتفق عليه، انظر صحيح البخاري: ج3 ص97، وصحيح مسلم: ج5 ص44.

([84]) كتب في الأصل مثل –بالرفع- ولعلها تصحيف.

([85]) .

([86]) المبسوط للسرخسي: ج12 ص113.

([87]) المغني لابن قدامة: ج4 ص5.

([88]) حاشية الخرشي على مختصر خليل: ج5 ص56 بتصرف.

([89]) المجموع للنووي: ج9، ص392.

([90]) المغني لابن قدامة: ج4 ص6.

([91]) حاشية الخرشي على مختصر خليل: ج5 ص56.

([92]) يلاحظ هنا تذكير الضمير، ولعل الصحيح تأنيثه .

([93]) مجموع الفتاوى لابن تيمية جمع عبد الرحمن بن قاسم: ج29 ص71-472.

([94]) أعلام الموقعين لابن القيم:ج2 ص156.

([95]) شرح فتح القدير لكمال بن الهمام: ص7 ص4.

([96]) الشرح الكبير على متن المقنع لأبي الفرج بن قدامة: ص4 ص105.

([97]) انظر نهاية المحتاج للرملي: ص3 ص424.

([98]) المجموع للنووي: ص9 ص395 ص397 بتصرف كبير.

([99]) الإنصاف للمرداوي: ج5 ص12.

([100]) انظر حاشية الخرشي على مختصر خليل: ج5 ص57، وبداية المجتهد لابن رشد: ج2 ص128.

([101]) حاشية  الدسوقي على الشرح الكبير: ج3 ص47.

([102]) الفرق بين هذا المذهب والمذهب الثاني زيادة قيد الكيل أو الوزن في هذا المذهب، فعند أصحاب المذهب الرابع لا يجري الربا في البيض، وعند أصحاب المذهب الثاني يجري فيه الربا.

([103]) انظر روضة الطالبين: ص3773، والمغني لابن قدمة: ج4 ص7، والشرح الكبير لأبي الفرج بن قدامة: ج4ص 126.

([104]) المجموع للنووي: ج9 ص397 بتصرف.

([105]) الاختيارات الفقهية لابن تيمية: ص127، ولم أشأ أن أرجح نظرا لأني لم أذكر الأدلة والمناقشات، ومع ذلك فإني أميل إلى القول الرابع لشموله.

([106]) تفسير القرآن الكريم لمحمود شلتوت: ج1 ص40-141.

([107]) الشاعر هو أحمد شوقي.

([108]) تفسير القرآن الكريم لمحمود شلتوت: ج1 ص144.

([109]) انظر الربا للمودودي: ص43.

([110]) تفسير الرازي: ج7 ص94.

([111]) تفسير آيات الربا لسيد قطب: ص14 وهو مأخوذ من تفسيره العظيم في ظلال القرآن.

([112]) انظر مقومات الاقتصاد الإسلامي لعبد السميع المصري: ص73-174.

([113]) انظر في ظلال القرآن لسيد قطب: ج1 ص471.

([114]) تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا: ج3 ص109.

([115]) تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا: ج3 ص12-113.

([116]) أعلام الموقعين لابن القيم: ج2 ص154.

([117]) تفسير آيات الربا لسيد قطب: ص17 وهو مأخوذ من تفسيره في ظلال القرآن.

([118]) من مقال للشيخ عطية سالم بعنوان: الحكمة الإلهية في تحريم المعاملات الربوية: نشر في ندوة المحاضرات لموسم حج 1388هـ ص42-143.

([119]) ممن ذهب إلى هذا الرأي الشيخ عبد العزيز جاويش –خريج كلية دار العلوم- وقد أعلن الشيخ جاويش رأيه في محاضرة ألقاها بكلية دار العلوم ضمن سلسلة محاضرات نظمها نادي الكلية لكبار الخرجين عام 1908م. انظر تطوير الأعمال المصرفية لسامي حسن محمود ص233.

([120]) تفسير القرآن الكريم لمحمود شلتوت: ج1 ص50-151.

([121]) تفسير القرآن الكريم لمحمود شلتوت: ج1 ص150.

([122]) الربا والمعاملات المصرفية لعمر المترك: ص64-165.

([123]) مجلة البنوك الإسلامية: ص22 العدد السابع ذو القعدة 1399هـ.

([124]) المصارف والأعمال المصرفية للدكتور غريب الجمال: ص391.

([125]) المصارف وبيت التمويل الإسلامي للدكتور غريب الجمال: ص47.

([126]) كتاب مائة سؤال ومائة جواب حول البنوك الإسلامية: ص45-46 من مطبوعات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.

([127]) المصارف وبيوت التمويل الإسلامية للدكتور غريب الجمال: ص56-57.