حاجة الصحوة إلى الفقه في الدين ()

 

|

 حاجة الصحوة إلى الفقه في الدين

ناصر بن عبد الكريم العقل


 مقدمة

الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:

فإن من الأمور المهمة التي يحتاجها شباب الصحوة اليوم، وعامة المسلمين، بيان مفهوم الفقه في الدين وأهميته ووسائله؛ ذلكم أن الفقه في الدين هو جماع الخير، فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»([1]).

وقد وقع اختياري لهذا الموضوع([2]) واختيار الإخوة الذين اقترحوه لأسباب منها:

أولاً: خطأ كثير من الناس في فهم الفقه في الدين، وفي وسائله وأهميته وضرورته.

والسبب الثاني: أنه قل في هذا الوقت الفقهاء في الدين، رغم كثرة العلم، ورغم توفر وسائل تحصيل العلم، بانتشار الكتاب، والشريط، والمجلة، والجريدة، وانتشار وسائل التعليم، ومع ذلك فإن الفقه في الدين في المسلمين اليوم قليل.

والسبب الثالث: عزوف كثير من شباب الأمة –خاصة من يسمون بالمثقفين– عزوفهم عن العلوم الشرعية، أو أخذهم العلوم الشرعية على غير وجهها الصحيح، وعن غير العلماء، مما أضعف فقههم، وفهمهم للدين، وأدبهم؛ رغم كثرة ثقافتهم ومعلوماتهم.

وموضوع الفقه في الدين موضوع واسع وكبير، لكني سأقتصر في الحديث عنه على خمس مسائل، تدور حول هذا المفهوم، وأرى أنها من أهم ما ينبغي بيانه، في هذه العجالة، وأسأل الله التوفيق والسداد.

وصلى الله وسلم وبارك على أفقه الخلق نبينا محمد وآله وصحبه.

ناصر بن عبد الكريم العقل.


 المسألة الأولى: في مفهوم الصحوة والفقه في الدين

 أ- المقصود بالصحوة:

الصحوة مصطلح جديد فرض نفسه على الناس في الآونة الأخيرة.

والصحوة في اللغة: مأخوذة من الصحو، وهو ترك الباطل، أو ترك الصبوة، أو ذهاب السكر، ونحو ذلك.

وتطلق أيضًا هذه المادة «صحو» على ذهاب الغيم، يقال: أصحت السماء، بمعنى: انقشع عنها الغيم والسحاب ونحوه مما يحجبها. ويقال: صحا فلان من نومه؛ أي أفاق. والصحوة كذلك: بمعنى الإفاقة من الغفلة، ومن النومة، ومن الغفوة.

أما في الاصطلاح([3]): فإن الصحوة تطلق على معنيين:

الأول: خاص وهو عودة شباب هذه الأمة إلى دين الله تعالى في جميع أقطار الدنيا، وبصورة لم تعهدها الأمة في عصورها المتأخرة([4]) بهذا الشمول والتنامي.

والثاني: عام وهو عودة الأمة كلها وإفاقة المسلمين بعامة من غفوة الجهل والفرقة، ومن هيمنة البدع والمحدثات والشركيات، والأفكار والاتجاهات الجاهلية المستوردة وغير المستوردة، والإفاقة من حالة الذل والتبعية والهوان.

أو هي محاولة العودة إلى الإسلام، وتجديد الدين بالمفهوم الشرعي الصحيح([5])، بعد الغربة التي هيمنت على الإسلام والمسلمين في العصور المتأخرة.

والصحوة الإسلامية إن استقامت على السنة وسلمت من الأهواء والتفرق فسيتحقق بها وعد الله الذي لا يخلف، وقدر الله الذي لا يرد إن شاء الله.

والله تعالى بشر رسوله - صلى الله عليه وسلم - حين قوي الإسلام بالصحوة الأولى، وحينما تمكن الإسلام من قلوب الناس في ذلك الوقت فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.

كما أن هذه الصحوة قد بدأت بشائرها على يد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وآتت بواكير ثمارها في هذا العصر، وهذا يعد تحقيقًا لوعد الله تعالى على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([6]).

والتجديد في الدين يعني إظهار السنة، واستئناف العمل بشرائع الإسلام بحق، وذلك في كل زمان بحسبه، وقد يكون المجدد واحدًا أو أكثر، والله أعلم.

قال ابن حجر في الفتح بعد ذكر صفات المجدد: فعلى هذا كل من كان متصفًا بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا([7]).

وفي نظري أن هذا التعبير –أي التعبير عن نهضة المسلمين والعودة إلى دين الله وشرعه، أو محاولة العودة بالصحوة– تعبير جائز، وهو يقابل الإطلاقات والاصطلاحات السائدة إعلاميًّا، والتي انطلقت من خصوم الدعوة في الداخل والخارج. وهي تلك الأسماء والمسميات التي يقصد منها لمز الدعوة إلى الله، ولمز الدعاة، والتشنيع عليهم، والباعث على ذلك كله هو الخوف من عودة الإسلام وهيمنته على الحياة مرة أخرى.

ومن هذه الإطلاقات الشنيعة إطلاق كلمة «التطرف» على الصحوة أو إطلاق «الأصولية» وإن كانت هذه الكلمة محتملة للمعنى الصحيح والمعنى والباطل، إلا أن الذين أطلقوها أرادوا بها معنًى باطلاً، وهو العودة بزعمهم إلى عصور الجهل والظلام، ومحاربة أي مظهر من مظاهر التقدم والمدنية، كتلك العصور التي عاشتها أوروبا قبل ثورتها على الكنيسة!!

وكذلك اتهام كل الدعاة وشباب الأمة الصالحين بالعنف، أو الإرهاب، دون تمييز ظلم وجور.

فكل هذه الإطلاقات الجائرة، التي لاكتها كثير من الألسنة، والتي انساق وراءها كثير من خصوم الدعوة وغيرهم إنما منشؤها كراهية الحق وأهله، وقامت بنشر ذلك وإشاعته وسائل إعلامية متعددة في مختلف بلدان العالم الإسلامي، ويجمع هؤلاء وأولئك هدف واحد، وهو كراهية الإسلام، ومحاولة ضرب هذه الصحوة والنيل منها.

ونحن إذ نعارض تلك الإطلاقات الجائرة لا ندعي العصمة في مسيرة الصحوة الإسلامية المعاصرة، بل قد يوجد من بعض المنتمين للصحوة شيء من التشدد والعنف، لكن ذلك قليل، ولا يمثل الاتجاه الغالب، غير أن خصوم الدعوة اتخذوا وجود مثل ذلك ذريعة للتشهير الإعلامي بها، وهذا من لبس الحق بالباطل، ومن المكر الكبار، كما قال تعالى: ﴿لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ [آل عمران: 118]، وقوله تعالى: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾ [نوح: 22].

كما يحسن التنبيه على أن بعض منابت الصحوة لا تخلو من شيء من الدخن، ومؤثرات بدعية، أو كلامية، أو صوفية ونحوها، فضلاً عن الاتجاهات العقلانية والعصرانية والاعتزالية وامتداد الفرق كالرافضة والخوارج والمعتزلة وسواها مما اختلط بمناهج بعض الحركات والاتجاهات الإسلامية المعاصرة.

وعليه فإن إطلاق الصحوة أو الدعوة لا يعني التزكية المطلقة ولا الثقة المطلقة، فتنبه أخي القارئ وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين إلى الحق والهدى.

 ب- مفهوم الفقه في الدين:

فالفقه في الدين في مفهومه الشرعي هو تحصيل العلم الشرعي، وفهمه، والعمل به على هدى وبصيرة.

 أصول وضوابط في الفقه في الدين:

 (1) فضل العلم والفقه في الدين كما ورد في السنة:

فالفقه في الدين إذن هو الخير، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»([8]). وهو الذي تنال به سعادة الدنيا والآخرة، فلا سعادة للبشر أفرادًا وجماعات، إلا بالفقه في الدين وتحصيله والعمل بمقتضاه.

وقد شبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - العالم الذي يفقه الدين، ويعلمه، ويعمل به، وينشره بين الناس بالأرض الطيبة التي تقبل المطر، وتنبت العشب فيشرب منها الناس الماء، ويرعون منها أنعامهم، وتنتج الخيرات بإذن الله حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل غيث أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير...» الحديث ([9]).

كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن الإنسان إذا مات ينقطع عمله إلا من ثلاث، ذكر من ذلك العلم الباقي الذي يبقى بعده إذا مات قال - صلى الله عليه وسلم -: «... أو علم ينتفع به»([10])، وذكر أنه «لا حسد إلا في اثنتين» يعني لا غبطة إلا في اثنتين، ذكر منهما من آتاه الله علمًا، وفي رواية أخرى: «من آتاه الله القرآن»([11])، والمعنى واحد، لأن القرآن، هو أصل العلم، وأصل الفقه.

كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين فضل طالب العلم وأن: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا في إلى الجنة»([12])، وبين أن الناس معادن، وخيارهم في الجاهلية، هم خيارهم في الإسلام إذا فقهوا([13]).

وكذلك صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن طالب العلم، يدعو له كل شيء من المخلوقات، حتى الحيتان في البحر تدعو لطالب العلم([14])، وهو طالب الفقه في الدين ومن لم يتفقه في الدين فهو في حساب العوام أو الرعاع الهمج.

 (2) لابد في الفقه في الدين من السعي لتحصيله:

ومن هذا المفهوم نستنتج أن الفقه في الدين لا يتم إلا بطلب، وسعي لتحصيله بهمة، ونية، فلا يمكن أن يأتي الفقه في الدين لأي إنسان ما لم يسعَ لتعلمه، وهذا فيه تنبيه إلى خطأ وضلال كثير من الفرق؛ التي زعمت لزعمائها، وأئمتها، ورجالها: أنهم يفقهون الدين بدون تفقه، وأنهم يعلمون العلم الشرعي بدون تعلم.

الرد على الرافضة في دعوى الفقه بلا تفقه:

فالرافضة يزعمون أن أئمتهم الذين يقدسونهم يرثون الدين، والفقه، والعلم الشرعي، أي أنهم ورثوا النبوة والعلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وراثة، بل زعموا أنهم بذلك يعلمون الغيب كله، أو بعضه، فمن هنا انقطعوا عن التفقه في الدين على وجهه الصحيح، واستحوذ عليهم الشيطان وتعلقوا بالكذب والأوهام([15]).

الرد على المتصوفة:

ويشبه الرافضة: المتصوفة فإنهم يزعمون لشيوخهم وأوليائهم ما يسمى بالعلم اللدني، ويقصدون به: أن من يزعمون لهم الولاية يحصل لهم العلم بدون تعلم، وأنهم قد اشتملوا على العلم بدون أن يطلبوه ويأخذوه عن العلماء، وأنهم حصلوا على الفقه بدون تفقه، حتى صاروا يتعلقون بهذيان الأشخاص ومن يقدسونهم ممن يسمونهم بالأولياء ([16]).

وقد يكونون من الصالحين أحيانًا، لكنهم يفترون عليهم، ويرونهم، كالأنبياء والصالحين وأهل الزهد والعبادة. وأحيانًا يكونون من شياطين الإنس أو الجن، الذين يوحون لهم من زخرف القول غرورًا. بل صاروا يتعلقون حتى بالأحلام والرؤى من هؤلاء المفترين، ويصدقون هذيانهم في كل شيء، فزعموا: أن الأولياء يعلمون الغيب، وزعموا أنهم يفقهون الدين بدون تفقه ولا تحصيل، حتى أنهم كانوا -أي كثير من المتصوفة– ولا زالوا يصرفون أتباعهم من طلب العلم الشرعي.

وكانوا يستهزئون بالذين يتعلمون حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهم مقولة ضالة –بل هي قاعدة عندهم– بها يستهزئون بأهل السنة والجماعة يقولون: أنتم تقولون: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونحن نقول: حدثني قلبي عن ربي، وهذه من شبه الشيطان ووساوسه التي أدخلها عليهم حين توهموا أنهم لا يحتاجون إلى طلب العلم، ولا طلب هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، بالرواية، ولا بالدراية، فمن هنا انقطعوا عن الفقه في الدين، فضلوا وأضلوا، نسأل الله العافية.

 (3) الفقه لا يتم إلا بتحصيل العلوم الشرعية:

ومن هذا المفهوم ندرك أن الفقه – أيضًا – لا يتم إلا بتعلم العلوم الشرعية، نعم إن الفقه في الدين لا يتم إلا بتحصيل العلوم الشرعية، فليس كل عالم بأي علم من علوم الحياة أو العلوم الإنسانية، أو غيرها يعد فقيهًا، بل الفقه لا يتم إلا من تعلم العلوم المستمدة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن هدي السلف الصالح وعلمهم، وما عداه فإنه علم مقيد، فيقال: علم الفلك، أو علم الطب، أو علم الحساب، ولا يقال: العلم بإطلاق إلا للعلم الشرعي، فهو العلم عند الإطلاق.

ثم إن الفقه لا يتم إلا بفهم وإدراك وعمل؛ بمعنى أنه قد يحصل بعض الناس شيئًا من العلم، لكن إذا لم يؤت شيئًا من الفهم، والإدراك، والتفقه، أو القدرة على الفقه، والاستنباط؛ فليس بفقيه، ولا يفقه من الدين إلا بقدر مداركه، وإن حفظ العلم.

 (4) الفقه لا يتم ولا يستقيم إلا بالعلم والعمل معًا:

ثم إن الفقه في الدين لا يتم ولا يستقيم إلا بالعمل والعمل معًا، وعلى هذا فإن من حفظ علمًا كثيرًا، وإن كان من العلوم الشرعية، ولم يعمل بعلمه؛ فليس بفقيه، لذلك ذم الله تعالى أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3].

إنه مهما حصل الإنسان من العلوم الشرعية ولم يهتد بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يعمل بالسنة، فليس بفقيه، قال سفيان الثوري رحمه الله: إنما يتعلم العلم ليتقي به الله، وإنما فضل العلم على غيره لأنه يتقي به الله([17]).

لذلك استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من العلم الذي لا ثمرة له ولا يُعمل به، فقال: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» الحديث ([18]).

 (5) الفقه لا يكون إلا بالاهتداء والاقتداء:

ثم إن الفقه في الدين لا يكون إلا بالاهتداء، وبالاقتداء. أعني: بالاهتداء بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به، ثم بسلف هذه الأمة، بأئمة الدين المقتدى بهم، الذين هم الحجة وهم القدوة، فمن زعم أنه يدرك فقهًا غير مأثور أصله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وسلف الأمة، فقد افترى.

فإن الفقه في الدين، هو ما فقهوه، وإن العلم هو ما عَلِموه وعَلَّموه وعملوا به، وما نقل لنا عنهم، فإن هذا هو الفقه في الدين، إذن فمن أخذ أو حصل شيئًا من العلوم الشرعية لكنه لم يقتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه، وسلوكه، وفي اعتقاده، وعمله وعلمه، فليس بفقيه.

 (6) الفقه في الدين لا يتم إلا بالأدب واحترام العلماء:

كما أن من لوازم الفقه في الدين احترام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم، والتأدب معهم وعندهم، وتلقي العلم عنهم، واعتبار رأيهم فيما يختلف فيه الناس، والرجوع إليهم عند التنازع، وكل ما يتفرع عن ذلك من توقيرهم والدفاع عنهم وذكر فضائلهم، والحفاظ على اعتبارهم الشرعي وقدرهم ومكانتهم بين الأمة كما أمر الله، وإن وقع من بعضهم شيء من الخطأ عن اجتهاد اغتفر له ذلك ودعي له بخير. فإن ذلك كله من نهج السلف وسبيل المؤمنين.

 (7) الفقه في الدين يشمل الأحكام والعقائد:

كما أن الفقه هنا بهذا التعريف، وبهذا المفهوم، يشمل فقه الأحكام وفقه العقائد، بعكس ما يظن بعض الناس حينما انقطعوا عن أخذ العلم عن العلماء والمشايخ وظنوا أن الفقه إنما يعني فقه الحلال والحرام، وفقه الأحكام التفصيلية المتعلقة بشئون الناس، وسلوكهم وأعمالهم، وهذا فهم قاصر، فإن الفقه الأعظم، هو فقه الأصول، وهو فقه العقائد، ما يتعلق بالإيمان بالله، وملائكته، وكتابه، ورسله، وبالقدر، واليوم الآخر، جملة وتفصيلاً، ثم فقه العقائد الأخرى المستمدة من هذه الأصول الكبرى.

لذلك كان بعض السلف يسمي العقيدة بالفقه الأكبر، ويسمون فقه الأحكام: بالفقه الأصغر، مع أن هذا التفريق لا يعني أن الدين ينقسم إلى فقهين، فالدين كله واحد، وفقهه واحد، لكن معنى هذا أن الأصول لهم، لأنها قطعيات؛ لابد من الإيمان بها من كل أحد، ولو أخل بشيء منها اختل دينه، والفروع إنما يعمل الإنسان منها ما يستطيع، وما لا يستطيع فهو معذور فيه، ولو قصر في بعضها لم يخرج من الدين.

 (8) العلم الشرعي هو العلم عند الإطلاق:

كما أن العلم الشرعي، هو العلم إذا أطلق في الكتاب والسنة، وعلى ألسنة أئمة الدين، وأقصد بذلك أن ما ورد في القرآن، وفي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ألسنة العلماء من فضل العلم والحث على طلبه، وغير ذلك من النصوص المتعلقة بالعلم إذا أطلقت، فإنما يقصد بها العلوم الشرعية وما يلحق بها كاللغة، وما عداها فهي علوم مقيدة، فيقال –مثلاً: علم الطب، علم الفلك، علم الحساب، وغير ذلك من العلوم، فلابد من تقييدها وبيانها، أما إذا جاءت كلمة العلم، والحث على العلم، وبيان فضله، وفضل طلبه بإطلاق فإنما المقصود به العلم الشرعي وما يخدمه.

قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: المراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص([19]).

 (9) حكم تحصيل الفقه في الدين:

الفقه في الدين على العموم فرض على الأمة ومن أعظم غايات الدين ومقاصده، أما على جهة التفصيل فإن:

1- منه ما هو واجب عيني على كل فرد:

* وهو أصول العقائد، والأحكام الضرورية، ما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى والإيمان به، وفروض العبادة، وما يتعلق بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به وتصديقه، وحقوقه، وما يتعلق بأركان الإيمان وأركان الإسلام، وقطعيات الأحكام، هذا النوع لا يعذر بجهله أحد. وهو المقصود بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أنس: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»([20]).

2- ومنه ما واجب كفائي ويأثم الجميع بتركه:

ومنه ما يجب على الكفاية، والواجب أن يتصدى له من تقوم به الكفاية، ويحصل به المقصود للأمة من أداء الواجب، وبيان الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة دين الله في الأرض، وإذا لم تقم طائفة بهذا الواجب، فالأمة كلها مطالبة بهذا الفرض. كما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

قال ابن عبد البر: قد أجمع العلماء على أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصة نفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية، إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع([21]).

ثم ذكر تفصيل ما هو فرض عين، وما هو على الكفاية، فليرجع إليه فإنه مفيد جدًّا([22]).

 (10) الفقه في الدين طريق السلامة من الوقوع في البدع والخرافات والأهواء:

ثم إن الفقه في الدين هو الذي يبني الأمة على العقيدة السليمة، ويرشدها إلى شرعه القويم، الذي يحقق لها رضا الله تعالى، وسعادتها في الدنيا، ونجاتها في الآخرة، وذلكم هو الفوز العظيم.

والفقه في الدين يحمي الأمة بأفرادها وجماعاتها، من الوقوع في البدع والخرافات، والهلكة والتفرق، إلى غير ذلك من المصالح العظمى، ذلكم صراط الله المستقيم وشرعه القويم، تنزيل من حكيم حميد، من تمسك به اهتدى ورشد، ومن ضل عنه غوى وشقي.

لذا حرص السلف الصالح رحمهم الله على طلب العلم وبذلوا في سبيل تحصيله المهج والأموال والأقوات، وكل غال ونفيس، ويكفيك في ذلك قصة جابر بن عبد الله t صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بلغني حديث عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فابتعت بعيرًا، فشددت عليه رحلي ثم سرت إليه شهرًا فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيت منزله وأرسلت إليه أن جابرًا على الباب! فرجع إلي الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج إلي فاعتنقته واعتنقني. قال: قلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المظالم لم أسمعه أنا منه...» القصة([23]).

ورحل أبو أيوب الأنصاري t من المدينة إلى مصر ليسمع حديثًا من عقبة بن عامر([24]).

* * *


 المسألة الثانية: ركائز الفقه في الدين

وأقصد بها الأمور التي يرتكز عليها طلب العلم، ويقوم عليها الفقه في الدين، كما هو مبين عند أهل العلم.

 1- أولى هذه الركائز: أن الفقه في الدين ينبني على التسليم لله تعالى.

فمن لم يسلم لله تعالى ابتداءً بقلبه ومشاعره وجوارحه، ويخضع لله سبحانه وتعالى الخضوع الكامل، خضوع الإيمان والدخول في الإسلام، فهو لا يفقه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، ومن لا يستمسك بدينه لا يكون فقيهًا. لذلك وصف الله المنافقين بأنهم ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ مع أنهم يقرون ظاهرًا بالإسلام ويعرفون أحكامه، لكن لم تسلم قلوبهم، ولم يذعنوا للحق.

من يحفظ ويعلم، ولكنه لم يسلم لله لا ينفعه ذلك: كالمستشرق والمنافق؛ لذلك نجد من الكفار من يعرف الشيء الكثير عن أحكام الإسلام، لكن لم ينفعه ذلك، بل وجد في الآونة الأخيرة طائفة من المستشرقين، (وهم من الكفار الإفرنج الذين اهتموا بعلوم الإسلام ودرسوها) وجد منهم أفراد يحفظون مجلدات من كتب السنة والفقه وغيرها من باب الهواية أو الاهتمام العلمي المجرد، أو من أجل الدس على الإسلام والمسلمين والكيد، أو من أي نوع من أنواع الاختصاص التي اهتموا بها. ومع ذلك هم كالحمار يحمل أسفارًا. لم ينفعهم علمهم.

إذن فالفقه أصلاً يقوم ويرتكز بالدرجة الأولى على تسليم الفقيه، أو المتفقه لله تعالى بالعبودية، والطاعة والخضوع، والامتثال ثم التسليم للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتصديق والطاعة، والاتباع، وبالحب للرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن هذه هي أهم الركائز في تحصيل الفقه، وفي نيل البركة في العلم الذي يتلقاه المسلم، إذن فالكافر لا ينفعه علمه ولو تعلم، ولا يمكن أن يكون فقيهًا، أو يفقه من الدين شيئًا، لأنه لو فقه لأسلم.

وكذلك المنافق لا ينفعه علمه حتى وإن ادعى الإسلام، لأنه لم يسلم ابتداء لله تعالى ولم يخضع قلبه وجوارحه لله، ولم يخضع للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتصديق والاتباع، فالمنافق إذن كافر حتى ولو علم شيئًا كثيرًا من أحكام الإسلام، ولو درس الفقه فإنه ليس يفقه من الدين شيئًا، فلو فقه ما بقي منافقًا، نسأل الله العافية من النفاق.

وممن لم ينتفع بعلمه أهل الزندقة والعلمنة والابتداع؛ ومن هذا الصنف فئات كثرت بين المسلمين أخيرًا – لا كثرهم الله – وهم أهل الزندقة والعلمنة والحداثة أو أكثرهم، حيث يعلم كثير منهم الكثير عن الإسلام، وأحكامه، لكن من باب الثقافة، أو العلم للعلم، في حين أنهم يعترضون على كثير من أحكام الإسلام وقيمه.

وكذلك المبتدع، يختل فقهه بقدر بدعته، فأصحاب البدع المغلظة لا يفقهون من الدين شيئًا حتى وإن كانوا من المسلمين، ورغم أنهم يقرءون كتاب الله ويتدارسونه سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقرءون كتب الأحكام ويتلونها، ويتعلمونها، فإنهم ليسوا بفقهاء، لأنهم ما داموا حادوا عن التسليم لله تعالى وللرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما ابتدعوا وأحدثوا في الدين، انعدمت فيهم صفة الفقه.

وكذا من كان فيه بدعة وإن لم تكن مغلظة، ولم تخرجه من الإسلام، فإن فقهه يختل بقدر ما لديه من بدعة محدثة، كما جاء في الأثر: (ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها)([25]).

 2- الركيزة الثانية من ركائز الفقه في الدين سلامة مصدر التلقي

وأقصد بذلك أن الفقه لا يتم إلا بما يتلقاه المسلم عن الله تعالى وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - على نهج السلف الصالح وفهمهم، لأنهم الأعلم والأتقى، ومنهجهم هو الأسلم والأعلم والأحكم.

أي لا يتم الفقه في الدين إلا بالأخذ من الكتاب والسنة، وليس للدين مصدر سواهما. وهذا ما عليه السلف.

فالعلوم المستمدة من الكتاب والسنة، هي الفقه، ومن ذلك ما علمه المسلمون وورثوه عن أئمة الدين الذين أخذوا الفقه عن الكتاب والسنة، وأي علم لا يستمد من الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح ليس بعلم شرعي، ولا يُعَدُّ المتعلم له فقيهًا، فإن الفقه إنما هو فقه النصوص الشرعية: فقه الوحي، والوحي من الله تعالى فمن استمد دينه من غير الوحي، أو زعم أن بإمكانه أن يتفقه في الدين من غير هذه المصادر وهي كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة، وما ورثوه لنا من العلوم الشرعية، أو ادعى أنه بإمكانه أن يتفقه في الدين على غير هذه الأصول، فهو جاهل ضال.

فمن يستمد أحكامه من القوانين الوضعية أو بعضها لم يسلم له مصدر التلقي:

ولعل هذا يتبين بالأمثلة، فمثلاً لو أن مسلمًا زعم أن بإمكانه أن يفقه الأحكام أو يستمدها من القوانين الوضعية أو بإمكانه أن يستمد ولو بعض الأحكام من بعض القوانين الوضعية، أو يخلط بين الفقه والقانون فإنه بذلك لم يسلم لله تعالى ولم يفقه الدين، بل إن هذا يعدُّ - أولاً: خللاً في الاعتقاد والإيمان والإسلام وينافي التسليم. وثانيًا: خللاً في الفقه. وثالثًا: اتباعًا للهوى.

ومثله من استمد دينه من عقله مستقلاً عن الشرع:

وكذلك من زعم أن بإمكانه أن يتلقى الدين بعقله أو من عقول الآخرين مستقلاً ومستغنيًا عن الشرع، فإنه ضال مضل، لأن الدين إنما هو شرع الله تعالى وهو من حيث كونه أصولاً ونصوصًا شرعية مقصورة على الوحي، ولا يمكن لأحد أن يأتي في الدين بجديد بعد أن أكمل الله الدين، إنما الذي يستطيعه البشر هو استنباط الأحكام من النصوص، فهذا مما يستطيعه القادرون على الاستنباط وهم العلماء.

فمن زعم أن بإمكانه أن يقرر شيئًا من الدين بعقله، أو بهواه، أو برغبته، أو عن طريق عامة الناس، أو طوائف من البشر سوى العلماء، أو من إرادة الشعوب فقد كذب وضل سواء السبيل.

أو تلقى دينه بالذوق والهوى:

كذلك من تلقى دينه بمجرد التذوق والهوى، أو مما يسمى عند الصوفية بالكشف والذوق فقد كذب وافترى، ولم يفقهه من الدين شيئًا، ومن ذلك الاعتماد على الرؤى في تقرير أمور الدين في العقائد والأحكام. والرؤى والأحلام منها الصالحة ومنها الفاسدة، فالرؤيا الصالحة، إنما يستأنس بها ويستبشر بها المسلم، لكن لا تكون مصدرًا من مصادر الدين، فهي لا تحل الحرام ولا تحرم الحلال، ولا ينبغي للمسلم أن يبني عليها حكمًا ولا عقيدة، إنما الرؤى الصالحة مجرد مبشرات، فالاعتماد عليها في الأحكام أو العقائد من مناهج أهل الباطن كما تفعل الصوفية وغيرهم.

 3- الركيزة الثالثة: أخذ الدين بالقدوة:

إن الاقتداء بالسلف الصالح ركيزة عظمى من ركائز الفقه في الدين، وأقصد بذلك أنه لا يتم الفقه في الدين، إلا بالاقتداء والاهتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أي: الاقتداء بسنته والاهتداء بهديه، وكذلك الصحابة لأنهم هم الذين نقلوا لنا الدين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمًا وعملاً وهديًا، ثم التابعون وأئمة الهدى ومن اتبعهم، الذين يحفظوا الدين، والذين هم سلف هذه الأمة، وهم الذين وجب علينا أن نتبع سبيلهم.

وتوعد الله تعالى من خالف سبيلهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

وأمور الدين كلها منقولة محفوظة بالرواية والدراية، وأعني بذلك أن كل الدين بحمد الله قد حفظه الله، ونقل إلينا طريًا، فلا يمكن أن يدعي أحد من الناس أن شيئًا من الدين اندثر، لأن مصادر الدين محفوظة، وهي:

أولاً: القرآن الكريم: وقد تكفل الله بحفظه إلى قيام الساعة.

ثانيًا: سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -: وقد حفظها الله للناس، إلى يومنا هذا وستبقى إلى قيام الساعة.

ثالثًا: سنة الخلفاء الراشدين: وهي لا تخرج عن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهاج النبوة.

رابعًا: ما أجمع عليه خيار الأمة: أئمة الدين من الصحابة والسلف الصالح ولا يخرج عن الكتاب والسنة، وقد حفظ الله تعالى لنا ذلك، لأن هذا من ضرورات بقاء الدين، وكما هو معلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم الأنبياء وهو آخر الرسل، ودينه هو المهيمن على الديانات، فلا دين بعده، وهذا يعني أنه لا يمكن أن يحتاج الناس إلى دين، ولا إلى رسول بعد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ودينه.

خامسًا: نهج السلف الصالح: وهو مستمد من الكتاب والسنة فهو صراط الله المستقيم، وهو سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه.

حفظ الله الدين في مصادره علمًا وعملاً:

وهذا بالضرورة يقتضي أن الله لابد أن يحفظ الدين، ويحفظ مصادره، وهي القرآن والسنة، والعلم الذي ورثه لنا أئمة الدين. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

إذن فالدين كله منقول: منقول بصفته علمًا، وكذلك بصفته عملاً وهديًا، لأن المسلمين لا يزالون - بحمد الله - يأخذون الدين عن أئمته، عن العلماء، والمشايخ المقتدين، المهتدين.

أعني: أن السنن الظاهرة منقولة رواية وعملاً، وكذلك العقائد منقولة رواية وعملاً، ولا يصح أن تكون فقط مجرد علوم أو تراث من تاريخ، أو مجرد ثقافة في بطون الكتب، فقد حفظ الله الدين بالرجال، الذين يحملونه بالعلم والعمل، كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»([26])، فلابد أن يكون الدين محفوظًا منقولاً بالرواية والدراية، بالعلم والعمل، بالسلوك والاعتقاد (منهج حياة).

ومن حفظ الله لدينه بقاء طائفة على الحق:

ومن حفظ الله لدينه، أن كتب الله تعالى ووعد ووعده الحق ببقاء طائفة من الأمة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة»([27]). ويمثل هذه الطائف العلماء العاملون.

خطورة ادعاء الفقه بلا اقتداء:

فمن لم يعلم ويعمل بالاهتداء والاقتداء فليس بفقيه، بل من زعم أن بإمكانه أن يفقه الدين من غير أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وسلف الأمة، فهو مشاق لله تعالى ولرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو كذلك متبع لغير سبيل المؤمنين، وخارج عن الجماعة وضال وهالك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

 4- الركيزة الرابعة سلامة المنهج في تحصيل الفقه في الدين:

وأقصد بذلك أن تلقي العلم الشرعي لابد أن يكون على طريقة صحيحة، وعلى أسلوب شرعي سليم ومأثور عن أئمة الدين، ويتبين هذا في التفصيل التالي:

لا يتم الفقه في الدين حتى يسلم منهج الاستدلال، ويكون الأخذ بالأدلة على أصول سليمة:

على نحو ما هو مأثور عن سلف هذه الأمة، من الأخذ بقواعد الاستدلال. وقواعد الاستدلال: أصول معروفة منقولة عن الصحابة والتابعين وأئمة الدين.

أمثلة على قواعد الاستدلال وأصوله:

للاستدلال بالنصوص الشرعية أصول وقواعد لا يصح الاستدلال إلا بها وقد التزمها أئمة الدين: كالخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، واعتبار النصوص المتعلقة بالقواعد العامة، ورد الجزئيات إليها، والأخذ بمنهج الاعتدال في الاستدلال، ومراعاة قواعد الدين ومقاصد الشريعة والمصالح الكبرى، فلا إفراط ولا تفريط، ولا ضرر ولا ضرار، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والمشقة تجلب التيسير، ونصوص الوعد ترد إلى نصوص الوعيد، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، التزام الجماعة ونبذ الفرق. ونحو ذلك من القواعد والأصول في الأحكام والعقيدة.

وهكذا فمنهج الاستدلال منهج مرسوم معلوم من أئمة الدين، فمن أخل به فلابد أن يختل فقهه، وتضطرب أحكامه ومواقفه، ولذلك نجد أن أولئك الذين تساهلوا بأصول الاستدلال، وأخذوا يستدلون بطريقتهم الخاصة ينزعون للافتراق في الدين، ولنأخذ مثالاً على هذا:

مثال على من خرج على قواعد الاستدلال ومناهجه:

الخوارج: فالخوارج الذين خرجوا في عهد الصحابة y أخلوا بمنهج الاستدلال، فأخذوا يستدلون ببعض النصوص من القرآن والسنة كما يحلو لهم، أو بما يصل إليهم من الأدلة – رغم قلتها – دون رد النصوص بعضها إلى بعض، ودون الرجوع إلى أهل العلم، فكانوا لا يرجعون إلى الصحابة في معرفة الأدلة بشمولها، وبعمومها، وبمناهج الاستدلال فيها، بل ما كانوا يطلبون العلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم عن العلماء في تفسير القرآن، وفي بيان السنة العملية، والقولية.

فكان أحدهم إذا سمع بنص أو عرف دليلاً، حكم به بهواه وبما يظهر له دون الرجوع إلى أهل العلم، فمن هنا كفروا بالذنوب، لأخذهم بظواهر نصوص الوعيد التي فهموا منها التكفير ولم يردوها إلى نصوص الوعد ولم يرجعوا إلى الذين يؤولونها ويستنبطونها من العلماء، كما أمرهم الله تعالى، ولم يكن عندهم العلم الكافي، ولا الفقه الراشد، فيردون نصوص الوعيد إلى نصوص الوعد، والنصوص الأخرى التي تقيدها، أو التي تبينها وتشرحها؛ ولذا وقعوا فيما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وأرى ظواهر النزوع إلى هذا الاتجاه في عصرنا من بعض من ينتسبون للعلم والدعوات بدأت تبرز، مما يوجب ضرورة البيان والنصيحة.

ومنه صحة منهج استنباط الأحكام:

سلامة منهج الاستنباط: أي استنباط الأحكام من الأدلة، وهذا أمر يعلمه أهل الفقه، وهو مقيد بطريقة أئمة الدين الذي كانوا يستنبطون فقه الدين بقواعده وأصوله الشرعية، فلا يترك الأمر لمن رشح نفسه، بل لا بد لمن يتصدى لذلك أن يلم بما ذكرته من أصول الاعتقاد، ونهج أئمة الدين.

نعم: فهناك منهج للاستنباط رسمه أئمة الدين، ويعتبر من سبيل المؤمنين، هذا المنهج من أخل به اختل فقهه، ووقع في الشذوذ والهلكة، أو في ما وقع فيه أهل الافتراق من التكفير والتشدد، أو التفريط والتساهل في الدين، أو غير ذلك مما خرجت به الفرق عن الصراط المستقيم.

ومن سلامة المنهج: الاعتماد على فهم السلف الصالح وتفسيرهم للنصوص.

وإنما يفهم الدين كما فهمه الصحابة والتابعون وذلك لأمور:

منها: أن الدين الحق إنما هو الدين المنقول علمًا وعملاً، والنقل شامل للنصوص وتفسيراتها، وما استنبط منها من أحكام، من عهد الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم، وشامل أيضًا للعقائد، والقواعد، والأصول، وغير ذلك مما لا يدركه الفرد بنفسه، ولا يدركه الإنسان استقلالاً في عصر من العصور دون الاعتماد على طريقة السلف وعلمهم.

خصائص أولئك السلف الذين عاصروا تنزل القرآن وسمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم -:

ومنها: أن أولئك السلف الصالح الأولين الذين عاصروا تنزل القرآن وسمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذين جاءوا بعدهم في القرون الثلاثة الفاضلة لا شك أنهم:

1- هم الأهدى والأتقى.

2- وهم الأمثل، طريقة وهديًا.

3- وهم الأقرب إلى زمن النبوة.

4- وهم الأحرص على الاقتداء والسنة.

5- وهم أكبر الناس عقولاً، وأكثرهم إدراكًا؛ لذلك اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

6- وهم الأعلم بلغة العرب التي تنزل بها القرآن، والتي تلفظ بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

7- ثم إنهم أول جيل امتثل الإسلام وعمل به في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين، لأن الإسلام إنما هو فقه وعمل، والعمل هو ما عمله الصحابة، في جميع أمور الحياة وفروعها على مستوى الأفراد، والجماعات، والأمم، والدول، وكل ذلك حصل في عهد الصحابة، فكان هذا الفهم الشامل، هو الفقه في الدين، ومن زعم أنه يستغني عنه فإنه بذلك ينزع إلى الهوى والافتراق وربما يفترق.

فلا يمكن لفقيه أن يستغني عن فهم السلف، وعن علمهم، وعن طريقتهم في فهم النصوص، والعلم والعمل الذي ورثوه لنا في ذلك هو سبيل المؤمنين الذي توعد الله من خالفه.

إذن لابد في سلامة المنهج: من اعتبار القواعد الشرعية التي قررها أئمة الدين، وأصبحت مما أجمعوا عليه، أو أصبحت من سبيلهم الذي من لم يتبعه فهو متوعد في الدنيا والآخرة، أعني تلكم القواعد الشرعية الكبرى التي لا يمكن أن يتم الفقه الكامل للدين إلا بها، وهي مبثوثة في كتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول وغيرها، فهذه القواعد الشرعية لا يدركها الناشئ أو المتعلم المبتدئ، أو من يقصر فهمه عن الإحاطة بالعلوم الشرعية الضرورية وأدلتها، أو من يقصر فهمه عن الإحاطة بأصول الفقه وقواعد الاستنباط، ومقاصد الشرع.

فعلى هذا من لم يدرك هذه القواعد، ويحيط بمجملها، فإنه لا يكون فقيهًا، ولا ينبغي أن يتصدر الفتوى أو العلم الشرعي، ولا ينبغي للأمة أن تقتدي به وتقصده لها عالمًا أو قدوة.

تلقي الفقه عن القدوة من العلماء والمشايخ:

ثم أخيرًا من سلامة المنهج في تحصيل الفقه: أن يتلقى المسلم الفقه عن القدوة وهم العلماء والمشايخ ذلك أن هذا العلم دين الله، ويجب على المسلم أن يهتم ويتحرى عمن يأخذ دينه، فمن لم يكن عالمًا قدوة في علمه وعمله، فليس بجدير أن يؤخذ عنه العلم الشرعي كما قال أحد السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وسيأتي مزيد كلام عن هذه المسألة في أكثر الفصول التالية.

 5- الركيزة الخامسة: ضرورة تحلي المتلقي بأخلاق طالب العلم وسمته:

من تقوى الله تعالى وإخلاص النية له والاستقامة على السنة، وسلامة الصدر والتجرد للحق، ودوام المراقبة والتواضع، والبعد عن الخيلاء والتعالي والغرور، والحذر من التعاظم، والإعراض عن الجاهلين، وعن مجالس السوء، وهجر المعاصي، وترك سفاسف الأمور، والزهد والصدق والعفاف والأمانة والحلم والأناة والصبر، واحترام الشيوخ (العلماء) وتوقيرهم، والمبالغة في الأدب معهم في التلقي والسؤال والمذاكرة، والمجالسة والمصاحبة، والعمل بمقتضى العلم([28])، والبعد عن العصبيات والشعارات والحزبيات والولاءات والتزام نهج المشائخ وسمتهم في العلم والمواقف.


 المسألة الثالثة: كيف يتفقه المسلم في دينه؟

طريقة الفقه في الدين، وطلب العلم الشرعي، طريقة مأثورة، وهي من هدي السلف الصالح، وسأذكر شيئًا منها على وجه الإجمال:

 الأصل تنشئة الصغار على الحفظ:

أولاً: الأصل عند السلف، (بل عند سائر المسلمين في كل عصورهم إلى وقت قريب) تلقي الدين بالتلقي منذ الصغر، وتنشئة الصغار على الحفظ في وقت مبكر، وهذا أعظم أثرًا، وأكثر بركة وأجود تحصيلاً، وأحسن وسيلة للتفقه في الدين ابتداءً، وهي أمثل وسيلة تربوية في إعداد الأجيال المسلمة، حيث تقوم على تلقين المبادئ الإسلامية والأصول الشرعية الأولى.

خطأ النظريات الحديثة التي تقلل من أهمية الحفظ:

إن الاعتماد على الحفظ ابتداءً يؤدي لتمرين الذاكرة وشحذها، بعكس ما تقول به بعض النظريات الحديثة التي وفدت للمسلمين، وهي تنطبق على أوضاع الكفار، وعلى تربية أبناء الكفار، والتي تزعم أن التكليف للصغار بالحفظ فيه إثقال عليهم وعنت وأنه طريقة عقيمة.

وهذه النظرية التي تحذر من تكليف الصغار بالحفظ، وإتعابهم فيه، نظرية فاسدة وطريقة رديئة تقوم على تبليد الذاكرة، وطمسها، وضمورها في عهد الطفولة، الذي هو سن النمو للمدارك والمواهب، ولا ينبغي للمسلمين أن يسلكوها، ولا أن يعملوا بها، لأن الأصل في الناشئ الصغير أنه إذا عود على الحفظ، تعود عليه وقويت ذاكرته به، ونمت كنمو جسمه، وبخاصة –حفظ القرآن والسنة– فإن الناشئ إذا حفظ نصوص الوحي تشرب الفقه مبكرًا، فمن بدأ تعليمه بذلك فإن قلبه ينشأ على الخير وعلى بركة القرآن كلام الله تعالى.

وما ضاع الحفظ وقل في الناس اليوم وتبلدت الذاكرة لدى كثير من الناشئة إلا بسبب إهمالهم الاهتمام بالتحفيظ منذ الصغر، وبعض الناس يظن أنه يشفق على أبنائه إذا لم يحملهم مشقة الحفظ ولم يكلفهم به، وهذه ليست شفقة، بل إنها في الحقيقة تقصير وإهمال وتفريط في حق الصغار، فالأولى والمناسب، أن يعود المسلم أطفاله الصغار على الحفظ وتلقين مبادئ الدين وأساسيات العلوم، فإن تلقين المبادئ من الصغر، من أعظم وسائل الفقه في الدين، التي تربي الأجيال وتنشئهم على الخير والفضيلة.

ويتم ذلك بالعناية بكتاب الله تعالى حفظًا وتلاوة وتفسيرًا ميسرًا يناسب مداركهم.

ثم حفظ الأحاديث:

أي تحفيظ الأطفال والشباب بعض الأحاديث السهلة الحفظ منذ الصغر وتعليم مفرداتها وشيء من فقهها، وكذلك أصول الإسلام الكبرى، كأركان الإسلام، وأركان الإيمان، والأصول الثلاثة وكذلك المتون السهلة، والأشعار المفيدة.

ونعلم أن بعض هذا يتم في المدارس بحمد الله، وهذا شيء طيب، لكني أرى أنه لا يكفي، لأسباب:

منها: أن التلاميذ إذا أخذوا العلوم على أنها تكليف في المدرسة، فإنهم في الغالب يشعرون بثقلها على النفوس، ويتبرمون منها –لا تقع في قلوبهم موقعهًا– لأنهم يقرءونها للاختبار فإذا انتهوا من الاختبار ضاعت وضاعت بركتها، فلذلك ينبغي أن ينشئوا على ما يرفد ما يتلقونه في المدارس من خلال حلق تحفيظ القرآن ونحوها، وينبغي أن يضاف إلى القرآن الدروس المبسطة الضرورية، في علوم الدين، كما كان آباؤنا وأجدادنا يتعلمونها.

ضرورة التذكير الدائم بأصول الدين وأحكامه:

وكما يذكر كثير من كبار السنن عندنا([29])، حين كان الناس يلقنون أصول الدين دائمًا في المساجد للكبار والصغار، بل كان إمام المسجد، إذا انتهى من الصلاة يتجه إلى بعض المصلين يسأله عن ربه، وعن نبيه، وعن دينه، وعن أركان الإسلام وأركان الإيمان، وشروط الصلاة وأمور الطهارة وغير ذلك من الأمور الضرورية في الدين.

فكان الناس أو أغلبهم عندهم من الفقه في الدين ما يكفيهم ليحفظوا دينهم، وليعملوا على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كل بقدر طاقته واستعداده، فلذلك كان يقل في آبائنا وأجدادنا الانحراف والجهل بالضروريات في الدين، ويقل فيهم الابتداع (أعني في هذه البلاد السعودية).

بل كان سائرهم على السنة وعلى الفطرة، لأنهم يتعلمون الدين على هذا النهج، وهذا أمر ينبغي أن نستمر عليه، بمعنى أن ننشئ الصغار والكبار على ضرورة تعلم أصول الدين وأركانه وأحكام الحلال والحرام والفرائض، والأمور القطعية، والضرورية في المساجد، وفي الدروس، وفي حلق الذكر، وفي البيوت، وفي حلق تحفيظ القرآن، إضافة إلى ما يتم في المدارس ومؤسسات التعليم والإعلام.

 ثانيًا: ثم يكون تعليمهم وتلقينهم قواعد الكتابة والقراءة:

وأيضًا يتم التفقه في الدين بالتلقين، (ولو بدون فهم): تلقين قواعد القراءة، والكتابة السليمة على القواعد القديمة لأنها أجدى، مع الإفادة من الوسائل الحديث لأنها تيسر التعليم.

أهمية التبكير بتعليم قواعد القراءة والكتابة:

كان الأولون، يدرسون أبناءهم قواعد القراءة والكتابة مبكرين، وبعناية فائقة تقصر عنها عناية المحدثين الذين يزعمون التطور والأخذ بنظريات التربية الحديثة، وما رأيت أجهل بقواعد القراءة والكتابة من هذا الجيل الذي أخذ بالنظريات الحديثة، فيجب أن يتعلم الناشئة القراءة والكتابة، بأسلوب يناسب البيئة عندنا، ويناسب لغة العرب، ويناسب معاني وألفاظ القرآن، وألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصول التعليم والتلقين عند العلماء المسلمين الأولين([30])، لأن تلك الأمور مبنية على تجارب الأولين في تدريس الصغار، فكانت قواعد مفيدة لتعليم الكتابة، وقواعد لتعليم القراءة، تهيِّئ المسلم لتلاوة كتاب الله تعالى بسهولة، وتهيِّئ ذهنه لفهم نصوص الوحي بسهولة، ثم ليكون قارئًا وكاتبًا ومتعلمًا وعالمًا عن جدارة واستعداد.

طريقة التعليم الحديثة أخرجت من لا يجيد القراءة والكتابة حتى في المرحلة الجامعية:

أما طرق التعليم الحديث فقد فقدت كثيرًا من هذه الأصول ولذلك نجد اليوم أن أغلب المتعلمين حينما أهملت الطريقة القديمة في تعليم القراءة والكتابة، لا يجيد القراءة ولا الكتابة، بل رأينا من أبناء الجامعات والذين تخرجوا منها من لا يجيد قواعد الإملاء ولا قواعد الكتابة والقراءة، ولا يكاد خطه يُقرأ، بل يغلط في بدهيات اللغة وبدهيات الإملاء، ويتلعثم ويتعثر في القراءة؛ لأنه ما أسس منذ البداية الأولى، على الأسس الصحيحة وقواعد القراءة والكتابة، فإتقان القراءة والكتابة من أحسن الوسائل للتفقه الصحيح في الدين، لأن فهم ألفاظ العربية ومعانيها، وإدراك قواعد اللغة العربية كتابةً وقراءةً هو الوسيلة الأولى لفهم نصوص الشرع.

 ثالثًا: يتم التفقه في الدين بربط الناشئين بالدروس العلمية على معلمين ومشايخ تتوفر فيهم صفات القدوة:

وهنا أحب أن أنبه على ضرورة قيام طلاب العلم والمشايخ بواجبهم في تعليم العلوم الشرعية، والفقه في الدين، وإن كان (بحمد الله) وجدت الدروس، والمحاضرات، والندوات، لكنها لا تزال بشكل غير كاف، وفي أماكن دون أخرى، فينبغي أن نحرص على نشر التعليم الشرعي، في كل مكان، ابتداء من البيوت.

أهمية الدروس في البيوت:

فلو أن كل واحد منا أقام في بيته درسًا مبسطًا يعلم فيه مبادئ الدين الضرورية، ويكون بقدر مدارك أهل البيت، يحضره الكبير والصغير، لكان في هذا خير كثير، وأظنه سهلاً وميسورًا جدًّا لمن عزم عليه.

ضرورة وجود الدروس خاصة في القرى والأرياف والبادية ولو بأعداد قليلة:

كذلك ينبغي قيام طلاب العلم بنشر العلم الشرعي، في كل بلد بخاصة في القرى والأرياف والبادية، وفي كل وقت، لا سيما في المساجد بعد الصلوات، وغير ذلك من الأوقات التي تناسب، ولا يشترط لذلك الكثرة في الحضور، بل العكس أرى أن طالب العلم، إذا تعلم على يده عدد قليل: ثلاثة، وأربعة، وخمسة يستمرون معه، فإن ذلك خير له أحيانًا من الحشد الكبير الذي لا يثبت، هذا يدخل، وهذا يخرج.

والتعليم الشرعي لا يفيد المتعلمين فحسب، بل يفيد المتعلم والمعلم، فهذا النهج هو الذي حفظ به العلم وحفظ به الدين، ومنذ أن ترك المسلمون هذا النهج ضاع الفقه في الدين، وإن كثر العلم كمًا، لكنه قليل البركة.

 رابعًا: التلقي عن الأئمة العدول:

لا يتم الفقه في الدين على الوجه السليم إلا بتلقي العلم عن الرجال، أي عن العلماء، والمشايخ، وطلاب العلم، لأن الدين منقول -كما أسلفت- بالاقتداء، وبالاهتداء، وبالتلقي، والرواية، والدراية، وهذا لا يتم إلا عن طريق الرجال.

يقول الشاطبي رحمه الله في الموافقات([31]): وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق مع ما تقدم، وإن خالفتها في النظر وهي ثلاث:

إحداها: العمل بما علم حتى يكون قوله مطابقًا لفعله. فإن كان مخالفًا له فليس بأهل لأن يُؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم. وهذا المعنى مبين على الكمال في كتاب الاجتهاد والحمد لله.

والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم، وملازمته لهم فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك. وهكذا كان شأن السلف الصالح.

فأول ذلك ملازمة الصحابة y لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذهم بأقواله، وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أي وجه صدر. فهم فهموا مغزى ما أراد به أولاً حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها. وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المراقبة.

وتأمل قصة عمر بن الخطاب في صلح الحديبية، حيث قال: يا رسول الله! ألسنا على الحق، وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فلِمَ نعطي الدَّنيَّة في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولم يضيعني الله أبدًا. فانطلق عمر فلم يصبر، متغيظًا، فأتى أبا بكر فقال له مثل ذلك. فقال أبو بكر: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. فقال: فنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله! أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع([32]).

فهذا من فوائد الملازمة، والانقياد للعلماء، والصبر عليهم في مواطن الإشكال، حتى لاح البرهان للعيان. وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس! اتهموا رأيكم؛ والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته. وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر، ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن، فزال الإشكال والالتباس.

وصار مثل ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا، ونالوا الكمال في العلوم الشرعية.

وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وجدت فرقة زائغة، ولا أحد مخالف للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم. وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم.

والثالثة: الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بأدبه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن. وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه، أعني بشدة الاتصاف به، وإلا فالجميع ممن يهتدي به في الدين كذلك كانوا؛ ولكن مالكًا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى. فلما تُرِك هذا الوصف رفعت البدع رءوسها، لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث عند التارك، أصله اتباع الهوى. ولهذا المعنى تقرير في كتاب الاجتهاد بحول الله تعالى. اهـ.

وقال: وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان:

أحدهما: المشافهة. وهي أنفع الطريقين وأسلمهما، لوجهين:

الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها؛ فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة. وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضوع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي العلم ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه.

وهذا ليس ينكر؛ فقد نبه عليه الحديث الذي جاء: أن الصحابة أنكروا أنفسهم عند ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحديث حنظلة الأسدي، حين شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسه كانوا على حالة يرضونها، فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها».

وقد قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث. وهي من فوائد مجالسة العلماء؛ إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم، ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم، وتأدبهم معه، واقتدائهم به.

فهذا الطريق نافع على كل تقدير، وقد كان المتقدمون لا يكتب منهم إلا القليل، وكانوا يكرهون ذلك، وقد كرهه مالك. فقيل له: فما نصنع؟ قال: تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتابة.

وحكي عن عمر بن الخطاب كراهية الكتابة. وإنما ترخص الناس في ذلك عندما حدث النسيان، وخيف على الشريعة الاندراس([33]).

خطر الاعتماد على الوسائل فقط وترك التلقي عن الرجال:

وهنا أحب أن أنبه على ظاهرة فشت في الآونة الأخيرة، وهي اكتفاء كثير من الناس في تحصيل الفقه، وطلب العلم الشرعي بالوسائل فقط، أعني أن البعض يقرأ الكتب والمجلات والصحف، ويسمع الإذاعة ويسمع الأشرطة، ويحضر المحاضرات والندوات، ويكتفي بذلك ويظن بذلك أنه تفقه، وهذا الأسلوب لا يكفي، بل الاكتفاء به أمر خطير.

نعم إذا لم يعد المسلمون إلى الطريقة السليمة، فسيكون لهذا المسلك (أي الاكتفاء بأخذ العلم عن الوسائل وعن غير الرجال)ن ستكون له عواقب وخيمة في انتشار الأهواء والآراء الشاذة والتعالم والغرور، وقلة الأدب، وقد بدأت بوادرها، ولا يدركها إلا بعض من تأمل هذا الأمر.

فإن تلقي الفقه والعلم، عن غير المشايخ أمر خطير جدًّا، وهذا لا يعني أني أمنع الإفادة من الوسائل، ولا أني أقول للناس لا تقرءوا الكتب، ولا تسمعوا الأشرطة ولا تحضروا المحاضرات، ولا الندوات، ولا تقرءوا ولا تسمعوا شيئًا من الفقه في الدين عبر الوسائل، لا. بل هذا وسائل طيبة ورافدة، وهي نعمة كبرى، وفيها خير كثير.

خطر الوسائل وأثرها في ظهور نزعات الافتراق:

لكن أقول: إن الاكتفاء بهذه الوسائل وبهذه الطرق والاستعاضة بذلك عن أخذ العلم عن المشايخ أمر لا يحمد، بل بدأت بوادر ضرره في ظهور نزعات الافتراق والأهواء في عدد من الشباب، وهم لا يشعرون. فقد أفرزت لنا هذه الطريق –أي التعلم على غير العلماء– وجود طائفة من الشباب يتعالمون، ويتعالون على المشايخ وعلى طلاب العلم، وبمجرد ما يحصل الواحد منهم بضعة نصوص، ويقرأ شيئًا من الكتب يجعل نفسه إمامًا للناس ويفتي ويحكم، ويُخطِّئ العلماء، والأئمة، وإذا عرض لقول من أقوال الأئمة الكبار ربما قال بعده: (قلت)، أو: (أنا لا أرى هذا) أو (هذا علمي) أو (من لديه شيء فليأت به أو ليقدمه لي)، ومن أنت أيها المسكين؟!!

هذه النزعة بدأت تظهر بين طائفة من الشباب، وسبب ذلك في نظري هو أنهم تلقوا العلم عن الكتب، أو عن بعضهم، حيث يتلقى الصغار عن الصغار، من بعض المتعالمين أو أهل الأهواء، ولم يتلقوه عن العلماء وهذا أمر خطير كما أسلفت.

ومن آثارها أيضًا الاستغناء عن العلماء وعدم الأخذ عنهم:

ومما أفرزته هذه الطريقة وجود طائفة من الناس، فيهم دين، وفيهم خير، وفيهم صلاح، أو أكثرهم كذلك، لكنهم تلقوا العلوم الشرعية بالوسائل، دون أن يأخذوها عن العلماء، فاغتروا بذلك، بمعنى أنهم ظنوا أنهم ليسوا بحاجة إلى العلماء الذين يعلمونهم الفقه في الدين، أو أنهم يستغنون عن التفقه فيه بطريقته السليمة، وهذا يكثر في طائفة من يسمون بالمثقفين والمفكرين، فإن هؤلاء يتعالمون، ويظنون أنهم يعلمون شيئًا كثيرًا عن الدين، وهم قد لا يفقهون منه شيئًا، أو يفقهون القليل ويجهلون الكثير، وهؤلاء لا يشعرون بقصورهم في الفقه، لأنهم في لغة العصر (مثقفون)، ومع أن كثيرًا من العجائز أفقه منهم في الدين، حتى وإن حصلوا على الكم من المعلومات، وإن كان لديهم معلومات وثقافة، وقرءوا كتبًا كثيرة.

ومما أفرزته هذه الطريقة اعتماد فئة من الشباب على الكتب الفكرية والثقافية، والعزوف عن كتب العلوم الشرعية، فمن هنا ظهرت منهم بعض الأهواء والآراء الشاذة والمواقف الغريبة، وظهرت منهم بعض التصرفات تجاه العلماء وأهل الحل والعقد وتجاه الأمة غير سليمة وتحتاج إلى نظر، وتحتاج إلى علاج.

 خامسًا: الحاجة للتثبت فيما يقرأ بالرجوع إلى العلماء وأخذ الموازين عنهم:

ثم لابد من تلقي العلم عن مصادره الأصلية: من القرآن، والسنة ومصنفات أهل السنة، ومن كتب العلم الموثوقة في العلوم الشرعية، فلا ينبغي للمسلم أن يقرأ مما هب ودب، بل عليه أن ينتقي نوع القراءة ونوع الكتاب المقروء وأن يستشير، وأن تكون القراءة ابتداءً على العلماء، ثم بعد ذلك إذا تعلم وأخذ العلم على أصوله وعلى طريقته السليمة، وأخذ العلم على المشايخ فله أن يقرأ وأن يسمع كما يشاء، إذا أخذ الموازين الشرعية، واستوعبها.

 سادسًا: ثم لابد في التفقه السليم، من البداءة بالتدرج في أخذ العلم كمًّا ونوعًا وطريقة:

وأقصد بالتدرج أن يأخذ العلوم الأساسية من كتبها الأساسية الأوليات التي تقرر قواعد العلم وأصوله ومصطلحاته، ثم يرتقي إلى ما هو أوسع، ثم يرتقي إلى الكتب الموسعة والشروح والمطولات، إذا كانت لديه المقدرة أو الاستعداد، وكل ذلك يكون مشروطًا بالاقتداء بالمشايخ، وطلاب العلم الثقات، والتعلم على أيديهم ابتداءً، فلابد من التدرج في التعلم كمًّا وكيفًا وعدم التلفيق في أخذ العلوم الشرعية.

أخرج ابن عبد البر عن يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب: يا يونس! لا تكابر العلم فإن العلم أودية فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.([34])

قلت: وهذه نصيحة غالية فأمسك بها.

 سابعًا: أهمية الاستمرار والصبر في طلب العلم:

ومن أعظم أصول التفقه في الدين الاستمرارية والجلد والانقطاع للتحصيل:

فمن الخطأ مثلاً أن يأتي الشاب إلى درس من دروس المشايخ، فيقرأ بضع صفحات ثم ينقطع عن الدرس، فإن هذه وسيلة ملفقة، وبعض الناس يقرأ كتابًا من الكتب فإذا أخذ ثلثه، أو ربعه، أو نصفه، انقطع عنه وتركه، وقد يكون الكتاب لابد من إكماله.

ومثله أن يبدأ بمشروع علمي معين في موضوع أو تخصص معين، ثم إذا انتصف في الطريق حلا له أن يعدل إلى موضوع آخر أو تخصص آخر، هذه كلها أساليب ليست سليمة ولا صحيحة، بل هي من التلفيق الذي يجعل المسلم مهزوز الشخصية، ولا يفقه الفقه الكافي، بل ربما يضره ذلك أكثر مما ينفعه.

إن المتفقه إذا أخذ العلم بأساليبه الصحيحة، واستشار أهل العلم، أخذ بالمنهج السليم في التعلم عن العلماء، وتدرج في أخذ العلم الشرعي، ثم أخذ النوع الذي يستطيعه، أو التخصص الذي يستطيعه، وبدأ فيه بالسهل ثم الأصعب فالأصعب. حتى يتمرس في العلم ويفقهه، فإنه بذلك يصل إلى نتيجة في الغالب، إن شاء الله، وإلا فسيكون مضطربًا في علمه وفي فقهه.

إذن لابد من الابتعاد عن التلفيق والخلط، ولابد من الاستمرارية في التحصيل، ولابد من العمل بعد العلم، ولابد من المعلم القدوة.

وجماع ذلك كله الصبر والجلد في طلب العلم، والنهم في ذلك كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: منهومان لا تنقضي نهمتهما: طالب علم وطالب دنيا([35]). ما ظفر بالباقية أرشدني الله وإياك. وقيل لابن المبارك رحمه الله: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله([36]).

ثم من ضمانات التفقه في الدين بإذن الله:

 ثامنًا: استمرار المسلم في مجالسة الصالحين:

فإن كثيرًا من طلاب العلم، أضاعوا علمهم وأضاعوا فقههم حينما اختلطوا بغير الصالحين، وعايشوهم وداهنوهم، وأضاعوا معهم الوقت والجهد، فإنهم بذلك فقدوا فقههم، وقد يفقدون دينهم، نسأل الله العافية.

فالمداومة مع الصالحين ضمان بإذن الله؛ في حلق الذكر وفي المساجد وفي العمل وفي كل مكان بحيث يختار المسلم جلساءه من أهل العلم، وأهل الفقه في الدين الذين يرشدونه ويحثونه على الخير ويعينونه على نفسه، إذا لم يكن كذلك، فربما يضيع فقهه وبركة علمه.


 المسألة الرابعة: السمات التي يتميز بها المتفقه في الدين

إن من أهم علامات المتفقه في الدين وسماته التي ينبغي أن يتحلى بها([37]):

 (1) الصلاح والاستقامة:

الصلاح والاستقامة على السنة، لأن الصلاح والاستقامة والتمسك بالسنن هي أبرز علامات الفقه في الدين، فلذلك ينبغي لكل طالب علم، أن يتحرى عمن يأخذ العلم، فمن عرف بالصلاح والاستقامة مع العلم والجدارة، يؤخذ منه العلم. ومن لوازم ذلك: الإخلاص والتجرد والمتابعة.

ولا يلزم أن يكون طلب العلم عن أكابر العلماء، فهذا أمر قد لا يتيسر لجميع الناس، ولا يتيسر في كل بلد وفي كل مكان، لكن في كل بلد بحسبه، إذ لا يمكن أن يخلو بلد من مجموعة من طلاب العلم بحسبهم، فينبغي التلقي عنهم وإن لم يكونوا علماء كبارًا، فيؤخذ عنهم ما يجيدونه وما يعرفونه إذا توفر فيهم شرط سلامة الاعتقاد والعمل بالسنة والاستقامة والصلاح.

وإذن فالفساق وأهل الفجور لا يؤخذ عنهم العلم الشرعي، كذلك أهل الأهواء والبدع المفارقون للسنة لا يؤخذ عنهم العلم الشرعي، فمن ظهر منه الفسق والفجور وجاهر به، فليس بقدوة، ومن ظهرت منه البدع فليس بقدوة، وإن كان عنده شيء من العلم، فإن العلم من صاحب الهوى لا بركة فيه، ولا يسلم علمه من نزعة هواه غالبًا، وربما لبس بما عنده من علم على غيره.

 (2) تلقي الدين عن أهله وعدم الاستقلالية في طلب العلم:

أي أخذ العلم عن أهل العلم الجديرين، القدوة «العدول». وعدم الاستقلالية في طلب العلم، فالاستقلالية عن العلماء والمشايخ من علامات الهلكة، والغرور، والشذوذ، والافتراق.

نعم إن الاستقلالية في تلقي الفقه في الدين عن المشايخ والعلماء خطيرة، لأنها وإن لم يشعر بها الشخص في أول الأمر فإنها على المدى البعيد لابد أن تنتج الفصام النكد، وهو الخروج عن الجماعة، المتمثل بالانفصال عن العلماء، والمشايخ، في الهدي والرأي والمواقف والنظرة تجاه الأمور والحكم عليها.

 (3) تحصيل العلم الشرعي على نهج سليم:

أعني سلامة المنهج في التلقي. فليس كل قارئ فقيهًا، ولا كل مثقف فقيهًا، إذا لم يكن أخذ العلم والدين على مناهجه، وأصوله السليمة المتمثلة بنهج السلف وطريقتهم في ذلك، وذكرت شيئًا من ذلك فيما سبق.

 (4) التواضع والأدب واحترام العلماء وعدم التعالي والغرور عند طالب العلم:

فإذا وجد عند من ينتسب للعلم، شيء من الغرور والتعالي على العلماء، والتعالي على الجماعة والأمة، وعدم التواضع، فليس بفقيه ولا يحسن أخذ العلوم عنه حتى وإن كان مظهره على الاستقامة.

فإن وجد عنده شيء من اللمز للعلماء، والمشايخ، والاستهانة بهم، أو شيء من التعالي والغرور على الآخرين، أو النزعة الاستقلالية عن أئمة الدين، فمثل هذا لا ينبغي أخذ العلم والفقه عنه، حتى وإن كان لديه من العلم الكثير، لأن الغرور العلمي ينافي الفقه في الدين وينمي الأهواء.

كذلك لا ينبغي أخذ الفقه في الدين عن من لديه شيء من الخروج على العلماء، وسمتهم، وهديهم، وطريقتهم، سواء في ما يتعلق بالمسائل العلمية (المسائل الكبار) أو ما يتعلق بتقرير المصالح، فإن مخالفة المشايخ في الأمور الكبيرة ضعف في الفقه، فلا ينبغي أن يعتمد على أمثال هؤلاء دون المشايخ الكبار، لأنهم وإن صلحت حالتهم في الظاهر، وإن كان لديهم علم كثير، فإن وجود هذه النزعة لديهم، ربما يكون عن هوى أو يؤدي إلى الهوى، وهم لا يشعرون، وذلك خطر على المتلقي عنهم وعلى الأمة، فالارتباط بالعلماء من شروط طلب العلم، ومن أهم سمات طالب العلم.

وقد يقول قائل: لماذا العلماء هم المقياس؟

وهذا سؤال قد يرد خاصة عند كثير ممن أخذوا ثقافتهم عن غير أهل العلم، أو الذين درسوا العلوم الشرعية عن غير العلماء والمشايخ، ربما يرد في أذهانهم هذا السؤال ومعهم في ذلك شيء من الحق.

نعم لماذا نجعل العلماء هم الموازين؟ ولماذا نقول: الفقه في الدين لا يكون إلا عن طريق العلماء، وأن الأصل فيه التلقي عن أهل العلم؟

الجواب مبين في النصوص الشرعية، وفي قواعد الشرع، وفي ما عليه سلف الأمة، ومن ذلك:

أن العلماء والمشايخ في جملتهم هم أهل الاستقامة، وهم أهل العلم، وهم الأئمة وهم القدوة وذلك لأمور:

أولها: لأنهم ورثة الأنبياء: نعم العلماء والمشايخ هم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا درينًا، وإنما ورثوا هذا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر([38]).

فالعلماء هم الذين ورثوا الأنبياء خير وراثة، فعلى هذا فلا سبيل إلى معرفة دين الأنبياء، وفقه ما جاءوا به على وجه سليم، إلا عن طريق العلماء، فهم أهل الذكر والاستقامة، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].

وثانيًا: العلماء هم حجة الله في أرضه:

الذين بهم يقوم الدين، وتقوم بهم الحجة على الخلق، ولو خلت الأمة من العلماء لضلت وهلكت، وما عرفت العلم ولا الدين على الوجه السليم.

ثالثًا: العلماء هم الجماعة:

الذين يلتف حولهم المسلمون عند الملمات، فهم جماعة المسلمين لأنهم هم القدوة والمرجع الشرعي.

رابعًا: وهم أهل الحل والعقد:

وهم من ولاة الأمر وهم المرجع الشرعي للأمة في أمورها الخاصة والعامة وفي قضاياها الكبرى والصغرى ثم إن العلماء هم مصابيح الدجى، وهم ملاذ الأمة بعد الله، فقد دلتنا الأحداث على هذا في طول تاريخ المسلمين. وكلكم عشتم الأحداث الأخيرة فكان التفاف الأمة على علمائها وأخذها برأيهم من أسباب أمنها وجمع شملها، ووحدة صفوفها.

ولولا اعتصام الأمة بأهل العلم بعد الله واقتداؤها بهم لحصل في الأرض فتنة وفساد كبير.

وخامسًا: العلماء هم الدعاة:

لأنهم هم الذين يدعون إلى الله على بصيرة، والبصيرة لا تكون إلا بالعلم الشرعي والفقه في الدين، والعلم الشرعي هو ما يحمله العلماء، والعلماء هم الذين تقر لهم الأمة بالعلم والاهتداء والذين تقر لهم الأمة بالإمامة في الدين.

والعلماء المشايخ بحمد الله متوافرون في هذه البلاد بخاصة وفي كل مكان وكل زمان، أعني الذين تتوفر فيهم صفات الفقه في الدين، وهذا من فضل الله ومنة.

إن العلم لا يمكن أن ينقطع أبدًا إلى أن تقوم الساعة، لأن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ هذا الدين، ولا يكون حفظ الدين إلا بوجود العلماء القدوة للمسلمين.

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أنه ستبقى طائفة من هذه الأمة ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خذلهم([39]). والظهور والبيان، لا يكون إلا بقدوات من الأئمة العلماء والمشايخ، الذين تقتدي الأمة بهم وتهتدي برأيهم، وبفقههم وبعلمهم.

سادسًا: أن العلماء هم الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر، المقيمون لحدود الله، وحراس دينه بالعلم والهدي والعمل، والذب عنه والذود عن حياضه.

سابعًا: العلماء هم أمثل الأمة، وأفضلها، وأعلاها منزلة:

وهذا لا يعني أنهم فوق البشر بل إنهم بشر يخطئون، ويحدث منهم ما يحدث من البشر من الضعف، ومن السهو ومن النسيان والخطأ، وربما بعض التجاوز والظلم أيضًا – وهذا نادر بحمد الله – وهو من الأشباه التي لابد وأن تحدث من البشر، لكن مع ذلك فهم بجملتهم علماؤنا ومشايخنا الذين رضيت الأمة بعلمهم وبالاقتداء بهم، وهم أفضل الأمة قطعًا، وإن كان فيهم شيء مما يظنه بعض الناس من القصور والتقصير، حيث يتطلع بعض الجهلة إلى أن يكونوا فوق مستوى البشر وهذا لا يكون، ولكن إن كان فيهم شيء من القصور فهو في غيرهم أكثر، وإن كان عند بعضهم شيء من الخطأ، فالخطأ عند غيرهم أكثر، وإن وجد فيمن ينتسب إلى أهل العلم شيء من الظلم، وغير ذلك مما يزعمه بعض الناس وليس بحق غالبًا، فهذا في غيرهم أكثر.

إذن فهم الأمثل، نعم دائمًا هم الأمثل.

العلماء هم أهل الفقه في الدين:

وأقول بناء على هذا: العلماء هم أهل الفقه في الدين، وهم مرجع الأمة، فلا تجوز الاستهانة بهم ولا الطعن فيهم ولا استنقاصهم، ولا لمزهم، ومن لم يسلم بذلك فهو جاهل يحتاج إلى تعليم أو صاحب هوى مفتون، نسأل الله السلامة.

خطورة لمز العلماء:

فالذين يتجرءون على لمز العلماء، يخشى عليهم من الفتنة، خاصة إذا كانوا طلاب علم، فطلاب العلم الذين يتجرءون على لمز بعض المشايخ، أو على لمز المشايخ في جملتهم، أو أصناف منهم يخشى عليهم من الفتنة أكثر من غيرهم، فليحذر المسلم من التساهل في هذا الأمر، لاسيما أن أحاديث الناس في مجالسهم قد تتجاذب إلى هذه الأمور، بمعنى أنه قد يقع أحد من الناس في أعراض العلماء فيستجيب له الآخرون من باب التبسط في الحديث أو التندر أو المجاراة في الحديث، أو ذكر القصص والحكايات في أهل العلم وطلاب العلم، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والمشايخ.

وهذا والله عمل شائن ما وقعت فيه طائفة إلا ابتليت، ووقعت فيها الأهواء والفتن والعقوبات. حمانا الله وإياكم من ذلك.

ضرورة الذب عن أعراض العلماء:

فلا يجوز هذا لا بجد ولا بهزل، بل يجب على كل مسلم إذا رأى تطاولاً على أحد العلماء أو على جملتهم أو على بعضهم، أو على أصناف منهم، أن يدافع عنهم بالغيب، فإن هذا خير له وخير للأمة، ودعوى بعض الناس أن في بعض العلماء تقصيرًا، أو شيئًا من الضعف، أو نحو ذلك مما يقع فيه البشر، دعوى قد تكون حقًّا أحيانًا قليلة، لكن يراد بها الباطل، لأنها لا ينبغي أن تكون مبررًا للطعن في إمامة المشايخ والاقتداء بهم، والأخذ بقولهم ورأيهم، بل هي من نزعات الافتراق، لأن من طعن في العلماء لم يبق للأمة ذخرًا، ومن جرؤ على المشايخ وطلاب العلم وأهل الحسبة فهو على غيرهم أجرأ.

ويحسن أن نتنبه إلى أنه قد يقع بعض طلاب العلم وبعض المهتمين بالدعوة في الكلام في العلماء والخوض في أعراضهم، أو في نياتهم، أو في مقاصدهم، وهذا أمر قبيح، وهو استهداف للأمة، بل أقول: إن من طعن في العلماء وفي المشايخ لم يبق في الأمة من الفضل شيئًا، بل هو حري إن أصر على هذا أن يرفع السيف عليها، نسأل الله العافية من الأهواء والفتن.

فما تجرأت أمة على علمائها ومشايخها إلا ويخشى عليها أن تهلك وتتفرق وتصيبها المحن والفتن.

 (5) من سمات المتفقه في الدين الاعتدال:

في كل شيء، في أخذ الدين وطلبه والعمل به وفي الحكم على الأشياء، وفي الحكم على الناس، وفي الموقف من الأحداث ومن الأمور كلها، فلا تشديد ولا تساهل، فإنه كما جاء في الحديث الصحيح: «لن يشاد الدين أحد إلا غلبه»([40]).

والتساهل في الدين تفريط والإعراض عنه زندقة، فينبغي للمسلم أن يعتدل.

وطالب العلم ينبغي أن يكون أنموذجًا للعامة في الاعتدال، والاعتدال هو المنهج الوسط، ومن ذلك: الاعتدال في القول والحكم على الآخرين، وهذا مما أخل به كثير من الناس، حتى ممن ينتسبون إلى العلم –هداهم الله– فإن كثيرًا منهم لا يعدلون في القول، وأقصد بذلك أن هناك، من إذا تكلم في الناس، أفرادًا أو جماعات تكلم بهواه، وإذا تكلم في من يعجبه ذكر حسناته وفضائله، وترك سيئاته، وإذا تكلم في من لا يعجبه، لا يرقب فيه إلًّا ولا ذمة، أي تكلم بسيئاته وبأخطائه ولم يذكر شيئًا من حسناته وفضائله.

وهذا مسلك كثر في كلام كثير من المسلمين – في بعض – سواء كان هذا الكلام في الأشخاص أو في الهيئات أو المؤسسات، أو في ولاة الأمور، أو في المشايخ أو في الجماعات أو في الدعاة، أو في طلاب العلم أو في أفراد الناس، فنجد كثيرًا من الناس إذا تكلم في الغير، تكلم بما يحلو له وما يعجبه، وترك ما لا يعجبه، وعلى هذا يصدر الحكم الخاطئ الجائز، بناء على هذا التقويم الخاطئ الجائز.

فالمسلم يجب أن يكف لسانه عن القيل والقال، وأن يعدل إذا قال وإذا تكلم في الناس، وأن يحسن الظن، وأن يبدأ بالثناء، ويذكر حسنات الأشخاص وما فيهم من خصال الخير والاستقامة والنفع، قبل أن يذكر سيئاتهم وأخطاءهم، إلا إذا كانوا من رءوس البدع والضلالة فإنهم يحذر منهم إذا أمنت المفسدة.

الرد على دعوة أننا نبين الأخطاء، أما الحسنات فهي الأصل:

وهناك دعوى يقولها بعض الذين يتكلمون في الأشخاص وفي العلماء والمشايخ والدعاة وولاة الأمور وغيرهم يقولون: نحن يهمنا أن نبين الأخطاء والسيئات للتحذير منها، أما الحسنات فهي الأصل ولا داعي لذكرها.

وهذا من مداخل الشيطان على الإنسان، بل هي شبهة عظيمة من الشبه التي قد تهلك المسلم وتوقعه في الظلم، فليس صحيحًا أن نتجاهل صفات الخير في الناس بدعوى أن الأصل في الناس الخير، نعم الأصل في الناس الخير عندما نعاملهم ونتعامل معهم، ولو لم نصرح بهذا الخير ونعلنه.

لكن عندما تتكلم وتجرح أحدًا من المسلمين علنًا وفي مسمع من الناس، وعندما تبين رأيك في شخص ما أمام الآخرين، فلابد أن تذكر ما فيه من خير، ثم تعرج على جوانب النقد إن وجد فيه شيء من أخطاء مع محاولة الإعذار والاعتذار له، وحمل الكلام والمواقف والتصرفات على أحسن المحامل وما وجدت لذلك محملاً.

هذا هو العدل في القول، وهو الإنصاف في الحكم. ليس هذا في الأشخاص فقط، بل حتى في الجماعات والهيئات، والعلماء، والولاة وغيرهم، لابد من العدل في القول. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: 152]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

العدل في الحكم وأهميته:

ومن الاعتدال والعدل الذي يدل على الفقه في الدين، العدل في الحكم، فإذا حكم الإنسان فلابد أن يعدل وينصف، ولذلك نجد أهل التعالم الذين ذكرتهم، أي الذين لا يتعلمون على المشايخ ولا يقتدون بأهل العلم، يكثر فيهم الجور على الناس والظلم في الكلام، والظلم في الأحكام، وإن كانوا – أعني الواقعين في هذا الظلم والجور – من أهل الاستقامة.

والإنسان قد يؤتى من قبل تدينه، أما الدين فلا يؤتى من قبله أحد، لكن التدين بغير فقه ولا بصيرة ولا مراعاة لقواعد الشرع ومقاصده أحيانًا قد يوقع بعض المتنطعين، في المخالفات لأنه قد يغتر بتدينه.

استهانة الخوارج بعلماء الصحابة وأثرها:

ولنا في ما مضى عبرة، فالخوارج خرجوا من طوائف يعدون من أتقى الناس وأصلحهم، لكنهم استهانوا بعلماء الصحابة، ولم يأخذوا العلم عنهم، ولم يعتدوا بفقههم في الدين، بل كان منهم من يتعالى على العلماء والأئمة، ويتجرءون على استنقاص أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا ذكر لهم القول عن أحد من علماء الصحابة مثل ابن عباس وهو حبر الأمة، قالوا: ما لنا ولابن عباس أو غيره؟! هم رجال ونحن رجال. مع أنهم – أي الخوارج – كانوا متدينين، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصفهم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم»([41])، ومع ذلك وقعوا في الأهواء، لماذا وقعوا؟ لأنهم لم يقتدوا ولم يهتدوا، فلذلك لم ينصفوا في القول، ولم يعدلوا في الحكم، والتعالم أوقعهم في الغرور، وترك تلقي العلم عن الأئمة أوقعهم في القصور والشذوذ والجور على الناس، فلذلك كفروا غيرهم من المسلمين، إلا من تبعهم، بل كفروا الصحابة!.

من سمات الخوارج المشاكسة والمجادلة وعدم الأدب عند العلماء:

وكان من خصال الخوارج، الذين خرجوا عن الاعتدال، ومن سماتهم أنه إذا حضر أحدهم، عند علماء الصحابة والتابعين، يشاكس ويجادل، ولا يتأدَّب، فكان المسلمون وطلاب العلم يتكلمون عند العلماء بأدب، وبتواضع جم، وكان سؤال أحدهم ومناقشته للعالم بتلطف واحترام وإجلال، أما الخوارج فكان أحدهم يعترض على العالم بلا أدب، أو يرفع يده ويقطع الحديث بجلافة وغلظة وصوت مرتفع، فلا يتأدب، ولا يوقر الشيخ، ولا يذكر ما يبين مكانته ومنزلته، وحتى وصل الأمر بأحدهم – نافع بن الأزرق([42]) – وهو من رءوس الخوارج أنه سمع ابن عباس t يتكلم عن بعض أسماء الله وصفاته، وعظمة الله وجلاله، فقال بغير أدب وبكل وقاحة: أخبرني عن ربك الذي تعبد كيف هو؟

سبحان الله سؤال يدل على التعالم ونزعة الهوى والجلافة، وسببه الجهل والخروج عن منهج الاعتدال، وترك تلقي العلم عن العلماء، وسوء الأدب.

 (6) من علامات وسمات المتفقه في الدين:

العلم بقواعد الشرع، وبمقاصد الشريعة، واعتبار ذلك عند الحكم على الأشياء أو الأشخاص، وعند المواقف، والحكم على الهيئات، والعلماء، والولاة، والحوادث، والأمور المتعلقة بمصالح الأمة، واعتبار ذلك عند الحكم والتقويم والبيان وعند اتخاذ المواقف.

 (7) ومن سمات المتفقه في الدين القيام بواجب النصيحة:

من أبرز علامات الفقه في الدين أداء النصيحة، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة.» قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأئمة المسلمين وعامتهم»([43]).

أهمية النصيحة لولاة الأمر:

فأداء النصيحة والقيام بواجبها من أبزر علامات الفقه في الدين، وهو من ثمار التفقه في الدين، ومن أهم جوانب النصيحة التي أخل بها أكثر المسلمين اليوم، بل حتى بعض طلاب العلم – هداهم الله – النصيحة لولاة الأمور، وهذا نتيجة لضعف الفقه في الدين، وللجهل بالسنة وبنهج السلف في النصيحة لولاة الأمور.

وبعض الناس يظن أن النصيحة لا تكون إلا لولي الأمر الصالح، وهذا خطأ، فالنصيحة واجبة للصالح والفاجر، لأن النصيحة في الدين ليست حقًّا للشخص لذاته – ذلكم أنها حق لولي الأمر – لأن مناصحته تعود نتيجتها بالنفع للإسلام والمسلمين، لأن الوالي يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فمناصحة ولاة الأمر بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين أمر واجب لأنه مقتضى النصيحة لله تعالى ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى قد أوجب الله المناصحة لولاة الأمور خصوصًا، والذي عنده شيء من الانحراف وعدم الاستقامة من ولاة الأمور، أولى بالنصيحة، والأمة أحوج إلى صلاحه واهتدائه.

فالأمة أحوج إلى هداية وصلاح ولي الأمر، فلذلك تجب نصيحته بكل وسيلة، فإذا تخلى طلاب العلم عن مناصحة ولاة الأمور فإن الشر والفتنة تعم الجميع.

أثر النصيحة في دفع الغل عن القلوب:

ثم إن مناصحة ولاة الأمور تدفع الغل عن القلوب، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الغل بين الولاة والرعية إذا حدث حصلت منه الفتن، ونتج عنه ما يفسد الدنيا والدين، لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ثلاث لا يغل عليها قلب مسلم». وذكر منها «مناصحة ولاة الأمور» ([44]). إذًا فمناصحة الولاة متعينة لأمور:

أولاً: لأن طالب العلم والعالم إذا نصح ولي الأمر فإنه بذلك يقوم بما أوجبه الله عليه من البيان، وإذا لم يفعل فقد أخل بالواجب.

ثانيًا: إذا ناصح العالم وطالب العلم ولي الأمر أقام الحجة عليه، وما لم تقم الحجة عليه فإن العالم وطالب العلم لا يسلمان من التقصير والإثم.

وثالثًا: إذا ناصح طلاب العلم ولاة الأمور، أعذروا عند الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164]. وإذا لم يقوموا بمناصحة ولاة الأمور، لم يكونوا معذورين، ولم يقوموا بواجب الإعذار.

ورابعًا: في تكرار النصيحة دفع للعقوبة، ومنه للبلاء العام.

ليس من شرط النصيحة العمل بها:

ولا يشترط في المناصحة أن يعمل ولي الأمر بالنصيحة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272]، فالهداية، بيد الله، فعليك أن تبين وأن تكرر البيان، وأن تنصح وأن تكرر النصيحة، حتى لو عشرات المرات، ما دمت تستطيع أن توصل النصيحة لولي الأمر، بأي وسيلة مشروعة، بالمكالمة المباشرة، بالهاتف، بالرسالة، بالبرقية، بالكتاب، بالدعاء في ظهر الغيب، بأن يهديه الله، فهذا واجب لا يعذر بتركه أحد كل يعمل ما يستطيعه.

أثر النصيحة في دفع البلاء عن الأمة:

وأخيرًا فالمناصحة ولو لم تؤد إلى ثمرة (مع أن هذا فيه نظر)، فأقل ما يكون فيها دفع البلاء عن الجميع، إذا تناصح الرعية والراعي. وإذا نصح العلماء والمشايخ ولاة الأمور، دفع الله بهذه النصيحة البلاء، ولعلم الله سبحانه وتعالى دفع عنا كثير من الشرور والبلايا والمصائب التي كادت تحل بالبلاد بسبب بقاء بعض المشايخ في مناصحة ولاة الأمور، وأسباب دفع البلاء كثيرة، لكن هذا من أعظمها.

ويجب الاستمرار في المناصحة وإقامة الحجة وإلا فستكون العقوبة على الجميع. لا قدر الله.

الرد على من يقول: ناصحنا ولم تفد النصيحة:

وقد أطلت في هذه المسألة لأن هناك من الشباب وبعض طلاب العلم من يتفلسف ويقول: ناصحنا ولم تفد النصيحة، أو ناصح غيرنا ولم تفد النصيحة، وهذا خطأ من وجوه:

أولها: أن الله أمرنا بذلك مطلقًا بلا قيد.

الثاني: ليس صحيحًا أنه لم تفد النصيحة بإطلاق.

الثالث: إذا نصح طائفة ولم تنفع، فينبغي أن تنصح طائفة أخرى.

الرابع: إذا كانت النصيحة (جدلاً) ما أفادت فلا يعني أنها تنقطع أبدًا، فلابد أن تبقى النصيحة وتستمر لإقامة الحجة، والإعذار أمام الله عز وجل كما قال تعالى عن حال بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164].

إذن فعزوف بعض طلاب العلم وبعض الدعاة ومن لديهم فقه في الدين عن المناصحة خلاف نهج السلف، بل هو نزعة خطيرة يجب أن لا تبقى، وألا تستمر.

والمعروف عند أهل العلم أن ترك مناصحة ولاة الأمور تدينًا، من سمات أهل الأهواء والفرق كالخوارج، والمعتزلة والجهمية، والرافضة، هؤلاء هم الذين لا يناصحون ولاة الأمور، بل يدينون الله بعدم المناصحة، فليحذر المسلمون من الوقوع في هذه السمة.

نعم أقول: من علامات أهل الأهواء والافتراق، أنهم يرون عدم جواز مناصحة ولاة الأمور، بل ليس بينهم وبينهم إلا السيف، فمن هنا ضلوا وخالفوا السنة، وخرجوا عن نهج الجماعة وعن نهج أهل السنة؛ السلف الصالح.

تنبيــه:

ظهرت نابتة بين أبناء المسلمين في الآونة الأخيرة لا تكتفي بترك مناصحة الولاة: بل تشغل نفسها وغيرها بغيبتهم والتشهير بهم والدعاء عليهم وشحن قلوب العامة والأحداث عليهم، بذرائع ليست من سمات أهل العلم والاستقامة، كقولهم: لا غيبة لمجهول، أو لا غيبة لمجاهر!

مع علم كثير منهم أن هذه الأمور إنما تعالج من قبل أهل الحل والعقد ومن يعنيهم الأمر.

أما إثارتها عند العامة وأشباههم فهو نوع من إثارة الفتنة، والتشفي والثرثرة والهرج الذي لا طائل تحته، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

نعم إن ما يحدث من منكرات ومظالم يجب إنكارها، لكن بالطرق الشرعية، ومن قبل من يستطيع ذلك من الولاة والعلماء وأهل الحل والعقد، وكل بحسب استطاعته.


 المسألة الخامسة: التنبيه على بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض الناس في الفقه في الدين

(1) انتقاص بعض المثقفين، ومن يسمون بالمفكرين وسواهم للفقه والفقهاء، وأعني بذلك الفقه في الأحكام، الذي هو من التراث الثمين لهذه الأمة، بل هو من نهج السلف الصالح، وهو الآثار القيمة التي ورثوها لنا، من العلم وسنن الهدى، وشرائع الإسلام.

فهناك طائفة من الناس، تستهين بالفقه، أو تنتقص الفقه المتمثل باجتهاد أئمة الدين، والفقهاء وهم علماء الأمة، وكتب الفقه التي هي من آثار السلف ومن سبيل المؤمنين، بدعاوى كثيرة، كلها تدل على الجهل والقصور.

من هذه الدعاوى قولهم: إن الفقه تراث قيم لكنه لا يصلح في عصرنا إنما ينطبق على العصور القديمة، ونحن الآن في العصر الحديث نحتاج إلى فقه جديد.

أقول: نعم نحتاج إلى فقه جديد في مستجدات الحياة، لكن لا يعني هذا أن نستغني عن الفقه القديم أو نستهين به.

وما يقول ذا إلا جاهل؛ لماذا؟ لأن الأحكام وسلوكيات البشر واحدة، وإن تغيرت صور الحادثات، وتغيَّرت الأساليب، وتجددت وسائل الحياة، فالأحكام في أدلتها وقواعدها وأصولها وفي مآخذها وفي استنباطها من النصوص واحدة، وسلوك البشر يتشابه، ولذلك بقي الاجتهاد.

وأمر الله تعالى الأمة بالرجوع إلى العلماء أهل الذكر،، وأهل الاستنباط كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وكون الوسائل تتغير، فهذا يعني أن الفقهاء في العصر الحاضر يجب أن يجتهدوا في النوازل، وفي القضايا الجديدة، لكن لا يمكن أن يستغنوا عن الفقه القديم، فالفقه القديم كما تعرفون يشمل الأدلة وقواعد الاستدلال، والسنن والآثار، والأحكام المستنبطة والأحكام الدائمة كأحكام المياه والطهارة، وأحكام الصلاة، وأحكام الصيام، وأحكام الحج وأحكام البيوع، والنكاح والطلاق، وأحكام الجهاد، وأحكام الحدود، وأحكام أهل الذمة، وغير ذلك من الأحكام.

هذه الأحكام قائمة إلى قيام الساعة، وإن اختلفت بعض صورها، لكنها بأصولها وجملتها لن تزال، فهل استغنى عنها المسلمون الآن؟ فيدعي الجاهلون بأنه لا حاجة لنا بكتب الفقه وسنن أئمة الهدى وآثارهم، أو أنها من التراث الثقيل؟ هذه دعوى فارغة، خاصة إذا قال بها بعض المثقفين أو بعض طلاب العلم، بل هي خروج عن سبيل المؤمنين، وخروج عن صراط الله المستقيم، الذي هو نهج سلف الأمة، ومن خرج عن نهجهم، خرج عن الجماعة، ومن خرج عن الجماعة شذ إلى النار – نسأل الله العافية.

إذن فاستنقاص الفقه والفقهاء، واستنقاص كتب الفقه وتراث الأئمة خطأ، ويدل على عدم الفقه في الدين وعلى الجهل المركب المطبق، وإن صدر عن بعض من ينتسبون إلى طلاب علم، - وهذا قليل بحمد الله – وإن صدر عن بعض من يسمون بالمثقفين والمفكرين.

(2) ومن الأخطاء التي وقع فيها بعض المتعلمين – هداهم الله – في طريقة التفقه:

تتلمذ الصغار على الصغار، حيث تجد طالب علم صغير، قرأ على بعض المشايخ القليل، أو في الغالب لم يقرأ على المشايخ إنما قرأ شيئًا من الكتب، أو برز في أمر من الأمور، فيجعل من نفسه إمامًا للشباب، يقرأون عليه ويدرسون كتبه، ويتدارسونه معه، ويحجبهم عن العلماء وعن المشايخ.

نعم، لا منع أن يدرس طالب العلم بنفسه، ويتلقى العلم من الكتب، ولا مانع من أن يدرس غيره، لكن بشرط أن يكون التلقي عن المشايخ هو الأصل، وبشرط أن لا يجعل من نفسه المرجع الأول لأن المنهج الأسلم الذي عليه سلفنا الصالح أن أول العلم النية والتلقي والاستماع ثم الحفظ ثم العمل ثم التعليم ونشر العلم، فقد صح عن سفيان ومحمد بن النضر وعبد الله بن المبارك والفضيل وغيرهم بأسانيد صحيحا أن (أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثمن النشر)([45])، وهذا خلاف الواقع عند بعض المتعلمين الصغار اليوم حيث يجعل أحدهم من نفسه المرجع للشباب الذين يلتفون حوله، بل أحيانًا ربما يلمز المشايخ والعلماء بأنهم لا يفقهون، وأنهما لا يدركون بعض مسائل الواقع، وأنهم يعالجون الأمور بعقلية ضيقة أو منظور قاصر، أو أن وعيهم للواقع ليس بذاك؟! إلخ.....

فيجعل من نفسه إمامًا، ويحجب الشباب عن العلماء وهو لا يشعر، أو يشعر أحيانًا، لكنه معجب بطريقته وبأسلوبه، وهذا أمر خطير، بل أشبه بالطرق الصوفية، التي تجعل لكل شيخ طريقة، ومن خرج عن الطريقة خرج عن السنة أو عن الطريقة المثلى، وربما عن الإسلام، وهذا الحال إن لمك يتبين خطره الآن، لكنه بعد حين، سيتبين، حينما تنشأ ناشئة تتعلم على الصغار دون اعتبار للكبار والمشايخ.

ثم تكون هذه الناشئة شوكة بين طلاب العلم، وتكون نشازًا في المجتمع والأمة، وهذا الأمر بدأ بوادره وترجوا أن لا تتوسع، لأنها سيادة من هؤلاء الأحداث بلا فقه. وقد حذر منها عمر بن الخطاب t بقوله: «ومن سوده قومه على غير فقه كان ذلك هلاكًا له ولمن اتبعه»([46]).

(3) ومن الأخطاء كذلك: الاعتماد على الوسائل دون التلقي عن أهل العلم:

وهذا سبق أن أشرت إليه، لكن سأذكر بعض السلبيات التي لم تمر وهي: أن بعض الناس بمجرد أن تتوفر لديه الأشرطة، والكتب ينقطع عن حلق الذكر، وعن دروس المشايخ، ويقول: أنا بحمد الله أتلقى العلم بالشريط في السيارة أو البيت، وأتلقى العلم من الإذاعة والجرائد، والمجلات التي تعرض شيئًا من العلم الشرعي. وليس هناك حاجة لأن أتكبد المشاق، وأجلس عند ركب العلماء، وهذا أمر لا يستقيم، بل إذا استمر الناس على هذا فسيخرج جيل متعالم مضطرب، عنده بلا فقه، بل لا يفقه من الدين إلا ما تهواه نفسه.

وقد استغنى كثير من المثقفية والشباب بهذه الوسائل عن المشايخ فوقع المحذور، فصارت نظرتهم للمشايخ قاصرة، يتهمون المشايخ بالقصور والتقصير ويتهمونهم بعدم إدراك الواقع ويتهمون المشايخ بأنهم يجاملون ويداهنون إلخ. من الأمور التي هي من سمات أهل الأهواء.

وأنا هنا إذا تكلمت عن المشايخ، إنما أقصد المشايخ الذين هم قدوة الأمة، والمشايخ بجملتهم على خير. لكن لا يعني أنه لا ينتسب إلى أهل العلم من ليس منهم، بل هذا أمر موجود، بل يوجد على مختلف العصور، لكننا عندما نتكلم عن المشايخ نتكلم عنهم بجملتهم.

وهؤلاء الذين يتتلمذون على الوسائل، دون أن يتتلمذوا على المشايخ، قد حدث منهم فعلا استنقاص المشايخ والاستهانة بهم، بل أسهموا في حجب الأمة عن المشايخ بشبهات ودعاوى باطلة قد ظهر بعضها كما تعلمون.

(4) ومن الأخطاء التي ينبغي التنبيه عليها في مسألة الفقه، فصل الدعوة عن العلم، يقولون (مثلاً): الدعوة شيء والفقه في الدين شيء آخر.

فلذلك نجد أن بعض الشباب يهتم بالدعوة عمليًا، ويبذل فيها جهده ووقته، لكن تحصيله للفقه والعلم الشرعي قليل جدًا، مع أن العكس يجب أن يكون هو الصحيح؛ وينبغي أن يتعلم، وأن يتفقه، وأن يأخذ العلوم الشرعية ثم يدعو، ولا مانع أن يؤجل ما يحتاج إلى علم من أمور الدعوة سنة، أو سنتين، أو أخمس أو أكثر حتى يشتد عوده، ويكون عنده من العلم الشرعي ما يدعو به، أما أن يبدأ كما يفعل بعض الشباب بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بمجرد العاطفة وعلم قليل، ثم ينقطع عن العلم وعن المشايخ، فهذه الطريقة سيكون لها أثرها الخطير في الأمة، حيث سيخرج دعاة بلا علماء، كما حصل في أكثر البلاد الإسلامية الأخرى. ومعلوم أن الذي يعمل بغير فقه وعلم ربما يفسد أكثر مما يصلح كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»([47]).

خطر هذا المسلك وأثره كما حصل في بعض البلاد الإسلامية:

فالذي حصل في أكثر البلاد الإسلامية، أنه انبرى للدعوة شباب متحمسون، عندهم عواطف للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بإخلاص وصدق، لكن لم يجلسوا مع العلماء، ولم يتفقهوا عليهم فما الذي حصل؟، الذي حصل عندما كبرت تلكم الحركات ونمت وتوسعت، انحرفت في كثير من أمورها عن طريق السنة، وكثرت فيها الأهواء والبدع، وخلطت في العقائد وخبطت في الأحكام والمواقف، لأن الذين تصدروا الدعوة لا يفقهون من الدين ما يرشد مسيرتها، والعلماء أصبحوا بمعزل عنها. بل ربي الشباب فيها تحت رعاية هؤلاء الدعاة، الذين أنشأوهم على بغض المشايخ، كراهيتهم ورميهم بالتهم دون تثبت ولا تمييز.

وكل ذلك وإن تم دون قصد في الغالب فهو إخلال في المنهج، والخلل في المنهج أحيانًا يكون أشد من الخلل في القصد، لأن الإنسان إذا كان مقصده فيه شيء ثم تاب حسن حاله وحسنت نيته، لكن إذا تربى على منهج غير سليم، فإنه يندر أنه يتركه. فلذلك يندر أن يرجع أهل البدع إلى السنة، لأن نهجهم غير سليم وإن كانت عندهم نية صالحة ومقاصد حسنة أحيانًا.

(5) كذلك من الأخطاء في التفقه في الدين الاعتماد على كتب الفكر والثقافة دون الكتب الشرعية، فبعض الناس يظنه بمجرد القراءة يكون عالمًا، وداعية، وهو لم يقرأ إلا كتبًا فكرية وثقافية، ويبرز للناس على أنه عالم وداعية، مع ضعف الفقه في الدين، وقلة الاستمداد من الكتب الشرعية.

(6) ومن الأخطاء التفريق بين مفهوم العلماء والدعاة، والزعم بأن العلماء ليسوا دعاة، مما أدى إلى الانفصام بين الدعاة والعلماء، وإلى التعالي والتعالم، واغترار الدعاة والمثقفين بمجرد تحصيل معلومات شتى في الدين عن غير العلماء وبغير نهج سليم.

(7) من أعظم مظاهر ضعف الفقه في الدين: (الغلو في الدين) أي التشدد والتشديد على الناس في الدين، ولو تأملنا هذه السمة في العصر الحاضر، لوجدنا تكثر في الذين لم يتلقوا الفقه والعلم على المشايخ. وأغلب هذا الصنف من حدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام، قليلي الفقه.

(8) فصل الدين عن سائر أمور الحياة أو عن بعضها وهو ما يسمى بالعلمانية، وكما أن ذلك خلل في الاعتقاد، فهو كذلك خلل في الفقه في الدين. فلو كان العلمانيون يفقهون الدين لما أعرضوا عنه، أو عن بعضه، إنما حالهم كحال المنافقين.

(9) ومنه الخطأ في مفهوم تجديد الدين، ودعم التفريق بين التبديل والتجديد، فقد ظهرت مقولة أو دعوى عند بعض المفكرين المتأخرين يقولون: لابد من تجديد الدين.

وفهمهم لتجديد الدين يعني: التبديل الذي يؤدي إلى ترك السنن وترك الآثار وترك الفقه، وترك التفقه والابتعاد عن العلماء والمشايخ ووضع قواعد وأصول ومناهج ومفاهيم جديدة للدين، تخالف نهج السنة والجماعة، وتخالف ما عليه سلف الأمة ويسمونه التجديد، وهو تبديل للدين، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر: «أن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها»([48]) ولم يقل يجدد في الدين، أو يحدق فيه.

وإنما يستأنف العمل به، والصحابة والتابعون والسلف، الذين فهموا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في التجديد، فهموا منه العمل بما اندثر من السنن، وهذا هو المفهوم الشرعي لتجديد الدين.

فتجديد الدين إذن هو أن نعمل بالدين كما نزل، وكما عمله النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون، وسلف الأمة، لكن الذين لا يفقهون الدين فهموا أن المقصود بالتجديد العمل بدين جديد ووضع أصول جديدة، والاستغناء عن السنة وسبيل المؤمنين، وربما زعموا أنهم لا يتركون العمل بالكتاب والسنة، لكن لا داعي للتمسك بالسنن، ولا بالفقه ولا بالأحكام، وقالوا: ممكن أن ننشئ أحكامًا جديدة وأصولاً جديدة ومقاييس جديدة في سائل العلوم الشرعية بما في ذلك تفسير القرآن وعلوم السنة والأسانيد، وهذا خلل في فهم الفقه في الدين والتجديد.

(10) ومما ينافي الفقه في الدين: الفصل بين العقائد والأحكام، ودعوى أن المهم هو العقائد، أما الأحكام فيسع الناس تركها أو استبدال القوانين والنظم الوضعية بها.

(11) ومنه الاكتفاء بالكتب الخفيفة، أو الكتب الأدبية والتاريخية والثقافية والفكرية الحديثة، دون الكتب العلمية الأصلية، وهذا من أخطر أسباب حجب الناس عن الفقه في الدين في هذا العصر.

هذا وأسأل الله لي ولجميع المسلمين وأئمتهم وعامتهم وشبابهم التوفيق والهداية والسداد والرشاد وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا وشبابنا إلى ما فيه صلاح الأمة في دينها ودنياها وأن يقينا جميعًا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يوفق جميع المسلمين لسلوك طريق السنة ويهديهم سواء السبيل، وأن يجمع كلمتهم على الحق وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.



([1]) أخرجه البخاري(1/71/ ص42)، ومسلم (3/ جزء 7/ ص128/ نووي) كلاهما عن معاوية t.

([2]) أصل هذا الموضوع محاضرة ألقيتها في كل من الرياض والدمام والزلفي والقويعية عام 1412هـ.

([3]) أي فيما هو معهود عند الناس اليوم وبخاصة عند المسلمين.

([4]) لقد قامت على يد المجدد المصلح الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوة سلفية قوية نقية لكنها لم تتجاوز جزيرة العرب إلا قليلاً على الرغم من آثارها الطيبة في كل مكان.

([5]) هذا التعريف ينصرف إلى أهل السنة والمنتسبين إلى السنة بحق وبغير حق، مع العلم بأن ظاهرة التدين والعودة إلى الأصول الدينية ظاهرة عالمية على مستوى العالم وتشمل جميع الديانات والنحل، كاليهودية والنصرانية، وكذلك الفرق الضالة كفرق الرافضة والباطنية وأهل الكلام وغيرهم، بل إن هذه الظاهرة شملت النزعات العرقية والشعوبية، وأظنها إيذانًا بسقوط تلك النظم القائمة على أسس علمانية مضادة للعقائد والديانات، والله أعلم.

([6]) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/523) وأبو داود، الحديث (4291) وغيرهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (599).

([7]) الفتح (13/295).

([8]) سبق تخريجه في المقدمة.

([9]) أخرجه البخاري (1/79/ ص45)، ومسلم (5/ جزء15/ ص46/ نووي).

([10]) أخرجه مسلم في كتاب الوصية (4/ جزء 11/ ص85/ نووي).

([11]) أخرجه البخاري كتاب العلم (1/ برقم 73/ ص43). وفي كتاب فضائل القرآن (3/ برقم 5052/ ص346). ومسلم في صحيحه فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (2/ جزء 6/ ص97/ نووي).

([12]) الحديث رواه مسلم كتاب الذكر (6/ جزء 17/ ص21/ نووي) وأبو داود (4/3641، 3643) وابن ماجه في المقدمة (1/223، 225) ورواه الترمذي (5/2646) وقال: هذا حديث حسن. والإمام أحمد في المسند (5/196).

([13]) أخرجه البخاري. كتاب المناقب (2/493، 3496)، ومسلم في فضائل الصحابة، (6/ جزء 16/ ص78، نووي).

([14]) قطعة من حديث أبي الدرداء في «فضل العلماء والحث على طلب العلم» أخرجه الترمذي (5/2682). وأبو داود (4/3641)، وابن ماجه (1/223) والإمام أحمد في المسند (5/196). وابن حبان في صحيحه (1/ برقم 88/ ص247/ بتحقيق المحدث: أحمد شاكر).

([15]) انظر: مسألة التقريب بين السنة والشيعة، للدكتور ناصر القفاري 1/254 وما بعدها.

([16]) راجع التصوف – المنشأ والمصادر لإحسان إلهي ظهير 159 وما بعدها.

([17]) الموافقات للشاطبي 1/63.

([18]) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن أنس وغيره 1/162 والسيوطي في الجامع الصغير عن أنس أيضًا وعزاه إلى الحاكم 1/223 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/409، الحديث رقم (1306) وعن زيد بن أرقم في سياق حديث أوله: «اللهم إني أعوذ بك من العجز... الحديث» وعزاه إلى أحمد ومسلم والنسائي. وصححه 1/236.

([19]) فتح الباري 1/141.

([20]) أخرجه ابن ماجه الحديث رقم (224) 1/81 وابن عبد البر في جامع البيان العلم 1/1307 وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/34.

([21]) جامع بيان العلم 1/10-13.

([22]) انظر: جامع بيان العلم 1/10-13.

([23]) جامع بيان العلم 1/389، 390 بتحقيق الزهري، قال (إسناد حسن والحديث صحيح).

([24]) جامع بيان العلم 1/392 بتحقيق الزهري، وقال: (إسناد ضعيف والحديث صحيح).

([25]) أخرجه الدارمي في سننه (1/ برقم 98/ ص58)، تحقيق فؤاد زمرلي والعلمي عن حسان بن عطية وهو تابعي جليل، ثقة، فقيه، عادل، عابد، توفي سنة (130هـ)، وذكره الخطيب التبريزي في «المشكاة» (1/ برقم 188/ ص66)، وقال العلامة الألباني في الحاشية: (سنده صحيح) وقد روي من قول أبي هريرة أخرجه أبو العباس الأصم في «حديثه» (رقم 101).

([26]) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (10/209)، كتاب الشهادات. والبزار كما في «كشف الأستار» (1/ برقم 143/ ص86). والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» ص28-29. وابن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» ص210، وابن عدي في الكامل (1/152-153)، وذكره ابن كيكلدي العلائي في كتابه «بغية الملتمس» وصححه لتعدد طرقه «ص34-35». وسئل الإمام أحمد t عن هذا الحديث، فقيل له: كأنه كلام موضوع؟! قال: لا، هو صحيح، سمعته من غير واحد».

([27]) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (27) فتح الباري 6/632 ومسلم – كتاب الإمارة – باب قوله ﷺ‬ «لا تزال طائفة من أمتي...» الحديث 1920/1921.

([28]) لمزيد من الفائدة اقرأ:

1- جامع بيان العلم وفضله لابن عبد الببر.

2- الجامع للخطيب البغدادي.

3- الفقيه والمتفقه للخطيب أيضًا.

4- الآداب الشرعية لابن مفلح.

5- تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة.

6- فضل العلم لابن رسلان.

7- حلية طالب العلم، للدكتور/ بكر أبو زيد.

8- التعالم، للدكتور/ بكر أبو زيد، أيضًا.

([29]) أعني في المملكة العربية السعودية، ومنذ قامت دعوة المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وآزره الإمام محمد بن سعود رحمه الله وإلى وقت قريب والناس على هذه الحال.

([30]) هذا مع اعتبار أهمية الإفادة من الوسائل والأساليب الحديثة، فإننا ينبغي أن نفرق بين النظريات التي يجب أن لا نقبل منها إلا ما يتناسب مع ديننا وأوضاعنا وبين الوسائل التي يجب أن نأخذ منها بكل مفيد.

([31]) الموافقات 1/93، 94.

([32]) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف، الحديث رقم (1785) وقد اختصر بعضه هنا.

([33]) الموافقات: 1/96.

([34]) جامع بيان العلم 1/431 بتحقيق الزهيري وقال: (إسناده صحيح).

([35]) جامع بيان العلم 1/404 بتحقيق الزهيري وأشار إلى صحته، وصححه الألباني في تخريج المشكاة (260).

([36]) جامع بيان العلم 1/404، بتحقيق الزهيري.

([37]) راجع كتاب (حلية طالب العلم) للدكتور الشيخ/ بكر بن عبد الله أبو زيد. حفظه وجزاه الله خيرًا. فإنه مفيد لطالب العلم اليوم.

([38]) إشارة إلى حديث أبي الدرداء t الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند (5/196)، والترمذي (5/2682)، وأبو داود (4/3641)، وابن ماجه (1/223)، وابن حبان في صحيحه (1/ برقم 88/ 247)، تحقيق المحدث أحمد شاكر.

([39]) وذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم (5/ جزء 13/ ص65/ نووي) والترمذي (4/2229)، وأبو داود (4/4252)، وابن ماجه (1/6، 7) وغيرهم وهو حديث مستفيض عن جماعة من الصحابة، روي بألفاظ متعددة. انظر: تخريج الحديث في «السلسلة الصحيحة» المجلد الأول ص478، برقم 270، للعلامة المحدث الألباني.

([40]) أخرجه البخاري (1/ برقم 39/ ص29). والنسائي (8/ برقم 5034/ ص121-122) ط. دار البشائر 1409هـ.

([41]) أخرجه البخاري (3/ برقم 5058/ 353)، ومسلم (3/ جزء 7/ ص171/ نووي).

([42]) وروى مثله عن نجدة بن عامر (أحد رءوس الخوارج) راجع ذم الكلام للهروي 211 مخطوط، وصون المنطق للسيوطي ص 50.

([43]) أخرجه مسلم (1/ جزء 2/ ص36-37/ نووي) والنسائي (7/4197، 4198/ ص156) ط دار البشائر 1409هـ. وأبو داود (5/4944)، والإمام أحمد في المسند (4/102).

([44]) أخرج الحديث بذكر «مناصحة ولاة الأمر»، الترمذي (5/2658)، وابن ماجه (1/230). والدارمي (1/برقم 227، 228، 230/ ص86-87/ بتحقيق خالد العلمي وفؤاد زمرلي، وابن حبان في صحيحه (1/ برقم 66/ ص225- 226/ بتحقيق المحدث أحمد شاكر). وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/175 بتحقيق الزهيري وقال: (إسناده صحيح).

([45]) هذا لفظ قول ابن المبارك أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/476 بتحقيق الزهيري وانظر ما بعده.

([46]) جامع البيان والحكم وفضله 1/62.

([47]) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/131 بتحقيق الزهيري.

([48]) الحديث رواه أبو داود (4/4291) كتاب الملاحم. والحاكم في المستدرك (4/8592)، 8593/ ص576-568. والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 2/61 وصححه العلامة الألباني في سلسلته الصحيحة 2/599.