حقوق الإنسان في الإسلام ()

 

|

 حقوق الإنسان في الإسلام

جمال الدين زرابوزو

 مقدمة

يبادر كثير من العلماء إلى التأكيد على أن حقوق الإنسان أصبحت فكرة مسيطرة في عالم اليوم، إن لم تكن هي الفكرة المسيطرة. فهذه آن كينت تذكر في كتابها "بين الحرية والبقاء: الصين وحقوق الإنسان"Between Freedom and Subsistence: China and Human Rights "إن مشكلة حقوق الإنسان تقف في لب الخطاب السياسي المعاصر."[1] بل يرى البعض أنه حتى تلك الدول التي لا تهتم اهتماما كاملًا بمفاهيم حقوق الإنسان تضطر لمخالفة أسلوبها كيما تثبت أن أفعالها لا تنتهك حقوق الإنسان."[2] وبالفعل من ذا الذي يسعه أن يعارض مفهوما عنوانه "حقوق الإنسان"؟

وبالنسبة للإسلام على وجه الخصوص يقول خالد أبو الفضل "من بين كافة التحديات الأخلاقية التي تواجه الإسلام في العصر الحديث، يبدو أن التحدي الأكبر هو مشكلة حقوق الإنسان."[3] ولا شك أن الدول والمنظمات الإسلامية والعلماء المسلمين والمسلمين عامة يشعرون بضرورة تقديم شرح يوضح تحديدًا موقفهم من قضية حقوق الإنسان. بل إن الموقف تجأوز هذا الشعور ليتحول إلى التصريح بقبول المفهوم جملة. فعند تنأول كثير من المسلمين للقضايا السياسية مثل قضية الصراع في الشرق الأوسط تجدهم يتحدثون عنه في ضوء حقوق الإنسان. بل إنه في كثير من النقاشات السياسية بين المسلمين -والتي تتمحور حول قضايا الحقوق- نجد أن نموذج حقوق الإنسان هو الذي يجد صداه عند الجمهور بغض النظر عن طبيعة هذا الجمهور.

ومع ذلك يرى الكاتب أن عددًا من الأسئلة المهمة قد أُغفل الحديث عنها نسبيًا، ومن بين هذه الأسئلة: هل يستحق مبدأ حقوق الإنسان كل التقدير والإعجاب الذين يحوزهما؟ كيف يجب أن يكون موقف المسلم على وجه الدقة تجاه مفهوم حقوق الإنسان وخاصة النموذج المعاصر لحقوق الإنسان؟ كذلك هناك سؤال لا يقل أهمية عن ذلك وهو: ما هو موقف مبدأ حقوق الإنسان تجاه الإسلام؟ على سبيل المثال: هل يحق للمسلم أن يمارس دينه في ضوء منظومة الفكر المعاصر لحقوق الإنسان؟

وبسبب الأهمية العامة لحقوق الإنسان في عالم اليوم يجدر بنا في مستهل عملنا أن نقرر بعض الاستنتاجات التي وصل إليها الكاتب.

أولًا: في عالمنا المعاصر نجد أن أي موقف تُحترم فيه حقوق الإنسان ويُعترف بها بشكل عام يكون أفضل بكثير من الموقف الذي تنتهك فيه حقوق الإنسان وتُتجاهل، وهذا يشرح سر شيوع حقوق الإنسان بين المضطهدين والمظلومين، بما فيهم جموع المسلمين في أنحاء العالم. ومما يدعو للأسف - لكنه حق - أن برامج حقوق الإنسان لا تزال تؤكد أن الكثيرين لما يتمتعوا بعد بحقوق الإنسان.

ثانيًا: حتى مع اختلاف التصورات عن حقوق الإنسان، إلا أنه لا شك أن الإسلام يدعم دعما تاما بعض الحقوق المعترف بها، وبالتالي يصبح من الواجب على المسلمين في كافة أنحاء العالم الدفاع عن هذه الحقوق ودعمها، ذلك أن المسلمين لابد أن يظلوا دوما من يدافع عن الحق وينصره ويجاهد الباطل والظلم والاستبداد.

ثالثاً: لابد من الاعتراف بأن برنامج حقوق الإنسان العلماني المعاصر لا يمثل "منهجًا متكاملًا للحياة"، وهذه هي الحقيقة التي يعترف بها كثير من مؤيدي حقوق الإنسان (كما سنبين لاحقًا). لكن في الوقت ذاته، هناك كثير من مناهج حقوق الإنسان تعتبر "شركية" بمعنى أن متطلباتها تُقدم أحيانًا على أي معتقدات أخرى أو أي ديانة أخرى (أو أنها تدعو إلى تقديم قوانينها على الدين). إن حركة حقوق الإنسان المعاصرة تلقي على عاتق المسلمين متطلبات تمس جوهر العقيدة الإسلامية وشعائرها. ويرى الكاتب هنا أنه إذا كان دعاة حقوق الإنسان يطلبون من المسلمين أن يبدلوا دينهم في ضوء هذه المتطلبات، فكان الأولى بهم أن يقدموا حججًا وبراهين قوية تكون مقنعة بالقدر الكافي الذي يدعو المسلمين إلى الاستجابة لهذه المتطلبات. لكن إذا لم يمكن تقديم هذه الأدلة، فليس من العدل أن نطالب المسلمين بتغيير مناهجهم مقابل أمر غير مثبت يرتكز على أسس وهمية.

رابعًا: إن الحقيقة الواضحة التي تظهر عند مقارنة مبدأ حقوق الإنسان بالإسلام هي أن حقوق الإنسان لا تمتلك الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق الهداية السليمة للبشرية. وأفضل ما يمكن قوله شعورًا أو اتفاقًا أن الناس - لسبب فطري أو غيره - يستحقون حقوقًا لأنهم ببساطة بشر. لكن بمجرد أن يتم صياغة هذه الحقوق وتحديدها، يجد المرء أنها، وفي ضوء الحريات والحقوق المطلقة، غير منطقية ومتناقضة ذاتيًا. وعليه، برغم أن الكُتَّاب المسلمين في الجملة وخاصة من يكتبون باللغة الإنجليزية، قد لحقوا كذلك بركب حقوق الإنسان، فيمكن أن نعتبر أن حركة حقوق الإنسان ليست أكثر من مجرد "ولع" مثل "عبء الرجل الأبيض"، والاشتراكية[4] وغيرهما. إن الفكرة الأساسية لدى الكاتب أن المنهج والتكوين الموجود عند كثير من هؤلاء الكتاب يصبح – على المدى البعيد – غير مقبول من المنظور الإسلامي. وفي الحقيقة فإن الحلول الوسط التي تُطرح باسم الإسلام لن تكون كذلك مقبولة بنفس المستوى لدى دعاة حقوق الإنسان.

فهم الكاتب للمنهج الإسلامي السليم

قبل أن نكمل ما شرعنا فيه، يجد الكاتب نفسه مضطرًا لشرح فهمه للإسلام و"المنهج الإسلامي"، وبعبارة أخرى ما الذي يقصده بالإسلام والإسلامي وغيرها من المصطلحات. والسبب في هذه الأهمية وفي ضرورة تحديد ذلك صراحة هو أن كثيرًا من الكتابات عن الإسلام وحقوق الإنسان ترتكز على ادعاء أنه ليس هناك إسلام واحد بل هناك أكثر من إسلام أو هناك أكثر من نوع من المسلمين. فكثير من الكتاب المعاصرين – مسلمين وغير مسلمين– يرون أن الإسلام والمسلمين ليسوا كتلة واحدة.[5] وربما يكون هذا صحيحًا، لكن الاستنتاج الذي يتبع ذلك هو أن أي تعبير عن الإسلام لابد أن يكون مقبولًا، بل في الحقيقة لابد أن يُمدح ما دام أنه متسق مع مبدأ حقوق الإنسان، وهذا استنتاج غير منطقي وغير مقبول.

وفي ضوء هذه النظرة، تتضاءل قضايا حقوق الإنسان والإسلام إلى مجرد ضمان تطبيق الشكل المناسب للإسلام عبر العالم الإسلامي. ولذلك ففي كتاب "الأصول الدينية وحقوق الإنسان للمرأة"Religious Fundamentalisms and the Human Rights of Women تعبر الكاتبة الإيرانية مهناز أفخمي عن وجهة نظر ليست استثنائية في مثل هذه الكتابات بشأن كيف أن أي فهم للإسلام لابد أن يكون صحيحًا على حد سواء:

إن الفكرة المركزية لحقوق الإنسان الخاصة بالمرأة بسيطة، فالإسلاميون جميعهم يطرحون موضوع حقوق المرأة في إطار المرجعية الإسلامية، وهذا النطاق المرجعي يضبط حدود وجودي بوصفي امرأة مسلمة. والأسئلة التي أطرحها هي: لماذا لا يحق لي بوصفي امرأة مسلمة بالغة تحديد كيفية تنظيم حياتي الشخصية؟ ما الذي يعطي لشخص آخر حق التدخل في حياتي الخاصة؟ لماذا يحتكر رجل الدين المسلم حق وضعي بالقوة في نطاق مقدر سلفًا؟ وهل يأخذ هو سلطانه من الله أم يكتسبها من النص أم من العرف؟ إنني أرفض كل هذه الدعأوى لسلطته. بل أؤكد أنني كامرأة مسلمة أعرف من حيث المبدأ-وكذلك كل رجل – ما يأمرني الله به أو ما يقوله النص لي. وأومن أن العرف لم يعد مصدرًا سليما للتشريع لأن المجتمعات تتغير والثقافات تتبدل، وأنا أتغير، وأنا مستعدة وقادرة في الوقت ذاته على مناقشة هذه النقاط معه.[6]

ربما بطريقة أو بأخرى وبسبب أحداث تاريخية تكرر هذا النوع من الاستدلال بين كثير من نشطاء حقوق الإنسان وعلى الأخص نشطاء الحركة النسائية منهم. هل يمكن أن يكون هناك مناقشة أمينة وصريحة لحقوق الإنسان والإسلام إذا كان مثل هذا الموقف من الإسلام يُعد صحيحًا؟

هناك عدد من النقاط المهمة لابد من طرحها بخصوص هذه الفقرة المتكررة.[7] إن ادعاءها الوحيد لفهم الإسلام هو أنها "امرأة مسلمة". مسألة العلم الشرعي وبناء رأي الفرد على منهجية سليمة لتفسير النص وغير ذلك تبدو غير صائبة. ويبدو في الواقع أنها سوف ترفض أي تفسير يأتي من الرجال حتى ولو كان مستنبطًا من النص. في الواقع هل يمكن أن يكون هناك دين حقيقي يزعم أنه يأتي بالحق من عند الله للناس ثم يترك هناك مساحة للاختلاف في تفسير عقيدته فقط لأن هذا الفرد يتبع هذا الدين أو غيره أو لأنه ذكر أو أنثى، بغض النظر عما إذا كان هذا التفسير مبنيًا على نصوص الدين أو تعاليم نبي هذا الدين؟ وحتى مع كل نواحي القصور هذه، فإن كتاباتها تجد طريقها بين "الأعمال العلمية" بشأن حقوق الإنسان للمرأة. وللأسف فإن كتاباتها هي من بين الكتابات المعدودة عن الإسلام والتي تصدر من شخص مسلم، حيث إن معظم المختارات يكون لها كاتب أو اثنان على الأكثر من المسلمين.[8]

ومن بين الأمور الأخرى، يجد المرء ثناءً مبالغًا على الجماعات البدعية في الإسلام مثل الخوارج والمعتزلة والحركة الجمهورية في السودان، حيث تقدم هذه الجماعات أنماطًا من الإسلام يمكن أن تتعايش معها منصات حقوق الإنسان[9]. والأبعد من هذا أن أكثر التفسيرات شيوعًا للإسلام وحقوق الإنسان في الغرب هي في الغالب التفسير التقدمي/الحداثي.[10]

في هذا الكتاب يحأول الكاتب أن يتنأول قضية الإسلام وحقوق الإنسان في إطار "الإسلام السني المستقيم".[11] وبالنسبة لهؤلاء الذين يدينون بهذا المنهج في فهم الإسلام، هذه هي الطريقة الوحيدة الصحيحة التي يمكن من خلالها تنأول هذا الموضوع، ومع التسليم بأن كثيرًا من المسلمين في شتى بقاع العالم لا يؤمنون اليوم بهذا المنهج أو لا يتفقون معه، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن هذا المنهج لا يزال من أكثر المناهج شيوعًا بين المسلمين، وأن كثيرًا من مظاهر الصحوة الإسلامية التي ظهرت في القرن المنصرم جاءت في ضوء هذا الفهم للإسلام. ومن ثم يصبح لزاما على أي عمل جاد يناقش الإسلام وحقوق الإنسان أن ينتهج هذا المنهج، بدلًا من عرض وجهات أخرى حول الإسلام يمكن أن تكون علاقتها هشة بواقع غالبية المسلمين في العالم.

وتشمل بعض خصائص هذا "الإسلام السني المستقيم":

1.                      أن القرآن هو كلام الله أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون هداية للمسلمين. والمسلمون مامورون بأن يعيشوا حياتهم وفق منهج القرآن، والقرآن كما يصف نفسه ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾[12]، وأن مبادئه العامة وهدايته يمكن للجميع أن يفهمها، وبالنسبة لجوانب التفسير التفصيلية في القرآن فهي مستمدة من القرآن نفسه كما وضعها العلماء عبر العصور، وهذه تشمل القواعد المستمدة من السنة (ما ورد عن النبي- صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير) ومن اللغة العربية[13]، وبالتالي فإن أي تفسير للقرآن يخالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويخالف قواعد اللغة فهو تفسير مردود.

2.                      السنة النبوية[14] هي مصدر مطلق للتشريع الإسلامي، وهناك ما لا يقل عن خمسين آية في القرآن تؤسس لأهمية السنة النبوية[15]، ونكرر أن أي فهم أو تأويل للإسلام يخالف منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه مخالفة صريحة فهو مردود.

3.                      الصحابة كانوا يعيشون وفق هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي كان يقرر فهمهم، وبالتالي كانوا على الصراط المستقيم. وهذا لا يعني أنهم بلغوا مرتبة الكمال أو أنهم لم يكونوا بشرًا، لكن ما يعنيه هذا أن فهمهم للمبادئ العامة التي تشكل حقيقة الإسلام كان هو الفهم الصحيح. والأكثر من ذلك أن هذا لا يعني أن المسلمين المعاصرين ممن اتبع هذا المنهج يتطلعون إلى العودة إلى هذا الماضي "المثالي"[16] بل ما نعنيه هو أن هذه النماذج لابد أن تكون القدوة التي نتعلم منها ونحاكيها.

4.                      مبدأ إجماع الأمة هو مصدر معتبر في الإسلام،[17] والحالة أن الإجماع قد يصعب تحقيقه في كثير من الأحيان، لكن هناك بالتأكيد أمور صرح بها القرآن والسنة، وهناك إجماع على قبول النص الصريح المحكم، ومن الأمثلة على ذلك قطع يد السارق. فآيات القرآن صريحة في هذا الصدد وقد أجمع كافة العلماء القدامى على هذه الحقيقة العامة.

نكرر مرة أخرى وبغض النظر عن موافقة القارئ لهذا أو عدم موافقته ورضاه أو سخطه، فإن هذه هي الحقيقة التي يؤمن بها كثير من المسلمين حول العالم، وهي حقيقة لابد من التعامل معها. ولا يسع من يكتب عن الإسلام وحقوق الإنسان أن يزعم أن هذه النظرة سوف تتغير في أي وقت في القريب العاجل بين المسلمين. ولا يعني هذا أن الحركات الأخرى الموجودة بين المسلمين لا تستند إلى أي أساس، مثل الحركة العصرانية. لكن مع ذلك يبقى التواجد العام للإسلام والذي يجد صداه بين جماهير المسلمين هو الإسلام المستقيم كما أوضحناه آنفًا.

لكن للأسف ليس كل من يكتب عن الإسلام وحقوق الإنسان يتبنى هذا المنهج السائد، ولعل هذا أحدث ارتباكًا حول طبيعة العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان أكثر من أي إضافة إيجابية. وبالتالي يجدر في هذا الوقت أن نستعرض الاتجاهات الأساسية في الكتابات حول الإسلام وحقوق الإنسان.


 الفصل الأول: الاتجاهات المعاصرة في العلاقة بين حقوق الإنسان والإسلام

سوف نقدم في هذه الدراسة الموجزة للأدبيات الخاصة بهذا الموضوع أمثلةً من الاتجاهات الرئيسية الثلاث مع نقد موجز لها.[18]

يمكن تلخيص هذه الاتجاهات الثلاث على النحو التالي:

1.                      يرى الفريق الأول من الكُتَّاب أنه ليس هناك ثمة تعارض أصلًا بين الإسلام وحقوق الإنسان، فالأفكار الأساسية لحركة حقوق الإنسان يمكن العثور عليها في الإسلام، ومع هذا فما يجب الانتباه إليه هنا هو أن هذا الاتجاه يؤكد على وجوب تجاهل الفهم التقليدي أو المحافظ للإسلام، ويمكن أن نطلق على هذا الاتجاه المنهج الحداثي أو التقدمي.

2.                      يرى الفريق الثاني من الكُتاب أن الإسلام في جوهره لا يتوافق مع حقوق الإنسان، فتطبيق الإسلام في الحقيقة بل وتطبيق أي من الأديان المعروفة[19] كما يرى العديد من هؤلاء الكُتاب، لا يعني سوى انتهاك المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وقد يتفق هذا الفريق من الكُتاب مع بعض ما يراه الفريق الأول، ولكن نجد أن حديثهم تجاه الأديان بشكل عام وتجاه الإسلام بوجه خاص ليس إيجابيًا أو أنه مناهض له، وسوف نشير لهذا المنهج بـ "المنهج المتشائم"، ومن الممكن وصفه أيضًا بأنه "منهج حقوقي متطرف" أو "منهج حقوقي أصولي" أو "نموذج لهيمنة حقوق الإنسان".

3.                      أما الفريق الثالث من الكُتاب فهم هؤلاء الذين يؤيدون الإسلام "المستقيم" ويؤمنون به، ويرى هذا الفريق أن الإسلام لا ينتهك بحال مبادئ حقوق الإنسان. ويبدو من الوهلة الأولى أن مؤلف هذا الكتاب ينتمي لهذا الفريق، لكنه في الحقيقة يرى أن هذا المنهج هو منهج خاطئ في أساسه كما سوف يظهر في طيات هذا الكتاب. علأوة على هذا، كان المنهج الذي سلكه العديد من هؤلاء الكتاب في هذه المجموعة مدعاة إلى وقوعهم تحت طائلة النقد المُبرر من الكُتاب الذين ينتمون للفريق الأول (أ) والفريق الثاني (ب)، ويمكن الإشارة إلى هذا المنهج بأنه "منهج خاطئ إلى حد ما"، وفي الواقع أفضل ما يمكن أن يُوصف به هذا المنهج أنه "منهج تبريري" وهي ليست بكلمة مدح، بل تحمل في مدلولها بعض المعاني الضمنية المهمة لفهم الشخص للإسلام.

 المنهج الذي يصف نفسه بالحداثيّ/التقدمي

يرى المنهج الذي يطلق على نفسه "المنهج الحداثي أو التقدمي" مبدأ حقوق الإنسان تطورًا تقدميًا أو حداثيًا، وتستند الفكرة الرئيسية لهذا المنهج إلى أن الفهم المستقيم للإٍسلام في حقيقته لا يتفق مع قانون حقوق الإنسان. وهم يرون أن تعاليم الإسلام المستقيم كانت ثورية أو تقدمية عند نقطة ما في التاريخ، لكنها لم تعد صالحة أو مناسبة للعصور الحالية، ومن ثم يلزم تعديل فهم وممارسة دين الإسلام على نحو خاص، وتحديثه وفهمه في ظل ضوءٍ جديد يقتضي نبذ ما كان يتم قبوله تقليديًا بوصفه مفاهيم إسلامية. وبهذه النظرة إلى الأشياء، يصبح التوافق مع التفكير المعاصر لحقوق الإنسان هدفًا يستلزم أن يقوم الإسلام بتعديل نفسه من أجله. ويشيع هذا المنظور بين عدد من الكُتاب الذين يعيشون حاليًا في الغرب ويُدرسون في عدة جامعات، ومن بين هؤلاء الكتاب خالد أبو الفضل وعبد الكريم سروش[20] وعبد الله النعيم وآخرون. بمجرد أن تضع هذه الأسماء في محرك البحث "جوجل" سوف تجد نوافذ معلوماتية تصف كل كاتب من هؤلاء الكُتاب بأنه "خبير رائد        في حقوق الإنسان والإسلام..."، ومن ثم يجب تنأول بعض جوانب آرائهم بشيء من التفصيل في هذا الكتاب.

عبد الله النعيم سوداني الأصل ويدرس حاليًا في جامعة إيموري بولاية جورجيا، وهو كاتب غزير الإنتاج، نشرت له العديد من المجلات والصحف العلمية المجمعة.[21]ويعد النعيم من أتباع وأشد مناصري المصلح السوداني محمود محمد طه (1909-1985م) الذي روج لما أطلق عليه "رسالة الإسلام الثانية"[22]، وفي النهاية أُعدم طه على يد جعفر النميري لآرائه الغريبة[23]. ولعبد الله النعيم تأثير كبير في قضية الإسلام وحقوق الإنسان إذ أنه يمثل الإسلام في عديد من المؤتمرات، وله تأثيرٌ كبير على عدد كبير من الكُتاب المسلمين وغير المسلمين.[24]

تقوم فرضية عبد الله النعيم على أساس أن هناك " تعارضاً كبيرًا بين الشريعة والمعايير الحديثة للعلاقات الدولية وحقوق الإنسان."[25]ولهذا يدعو النعيم إلى إحداث "إصلاح كبير" في القانون العام المشتق من الشريعة، ويزعم النعيم أن رؤيته هذه من شأنها أن يكون لها صدى بين العديد من المسلمين في العالم ممن قد يعارضون تطبيق أحكام الشريعة إذا ما توفرت لهم السبل لفعل ذلك[26] ولكن لا يجرؤون لتخوفهم من التحدث عن ذلك أو لجهلهم بالمعاني الضمنية للشريعة.

وفيما يلي تلخيص حجته في أن المسلمين اليوم ينبغي أن يكونوا أحرارًا في وضع تصورهم الخاص للشريعة.

قد أوضحت أن الشريعة قد وضعها الفقهاء المسلمون على   مدار القرون الثلاثة الأولى في الإسلام، وعلى الرغم من أن الشريعة  مستنبطة من المصادر الإلهية الأساسية للإسلام والمتمثلة في القرآن والسنة، إلّا أنها ليست وحيًا منزلًا لأنها نتيجة للتفسير البشري لهذه المصادر الإلهية. علأوة على هذا، فإن عملية صياغة الشريعة من خلال التفسير البشري حدثت في إطار سياق تاريخي معين، وهذا السياق مختلف تماما عن سياقنا التاريخي المعاصر، لذا ينبغي أن يقوم المسلمون المعاصرون بعملية تفسير وتطبيق للقرآن والسنة في السياق التاريخي الحاضر من أجل صياغة قانون عام آخر للإسلام يكون ملائما للتطبيق في عصرنا هذا.[27]

 لا شك أن البشر كان لهم يدٌ في تطوير الفقه،[28] ولا شك أيضًا أن البشر ليسوا معصومين من الزلل، وقد أقر العلماء المسلمون هذا على مدار تاريخ الإسلام وعملوا وفق هذه القاعدة، ومن ثم فكانوا يختلفون ويتجادلون بالحجج ونحوها، ومع هذا فلا يعني ذلك أن ما وضعه هؤلاء العلماء خطأ أو أنه بحاجة إلى إعادة صياغة. أما إذا ثبت أنهم فهموا القرآن والسنة بطريقة غير صحيحة وأن هناك فهم آخر بديل لهذه النصوص يمكن إثبات صحته وصوابه فللناس الحرية إذن في اختيار التفسير الذي يرونه.بالتالي يحتاج المرء إلى أحد أمرين: فإما أن يثبت وجود خطأ فادح في منهجية الفقه أو أن يثبت أن العلماء أساءوا فهم نصوص القرآن والسنة حتى يسوغ لنفسه العدول عن فهمهم. لم يكترث النعيم بفعل أي من هذين الأمرين بل نجده يبدأ حجته وينهيها بقول أن البشر ليسوا معصومين من الخطأ، فالبشر هم من وضعوا الفقه، وذلك الفقه الذي وضعوه ربما لا يتناسب مع هذا العصر. فالمهندسون مثلًا من البشر وليسوا معصومين من الخطأ كذلك، ولكن لا يعني هذا أن ننحي جانبًا كافة أساليب الإنشاء التي طوروها، وأن نتجاهل المبادئ التي وضعوها للهندسة وأن نصر على وضع مبادئ وأساليب جديدة لمجرد أنهم بشر غير معصومين من الخطأ، وهذا هو المنطق الذي يقوم عليه رأي النعيم.

يكمن الخطأ الأساسي في حجج النعيم (وحجج العديد ممن يشاركونه الرأي) أنه يبدأ حجته باقتراحٍ ما، ثم يسعى لفرض هذا الاقتراح على فهمه للوحي الإلهي، فعلى سبيل المثال يقول النعيم في حديثه عن حقوق المرأة وحقوق غير المسلمين: "في الإسلام، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون المرء قادرًا على صياغة أسلوب معين لإعادة تفسير وفهم المصادر الأولى في الإسلام والتي تتمثل في القرآن والسنة بطريقة تمكننا من التخلص من جذور التمييز ضد المرأة وغير المسلمين."[29] يظهر هنا– إذا ما تجاهلنا قضية "التمييز"- خطأ منطقي أساسي في هذه الحجة عندما نضعها في السياق الديني (وليس مجرد السياق العِلماني المعاصر)، وينطبق على المنهج الذي يتبعه النعيم المثل السائد [للتعبير بمن يضع الأمور في غير ترتيبها الصحيح] "يضع العربة أمام الحصان،" فما هي إذن الغاية الكبرى من الوحي إذا كان الهدف منه أن يكون متوافقًا مع الأفكار التي يتوصل إليها البشر بأنفسهم؟[30]

وفي النهاية لاشك أن النعيم ربما كان صاحب أكثر التصريحات تهكمية بين كافة الكُتاب الذين يكتبون عن الإسلام وعن حقوق الإنسان المعاصرة، كما أنه يقدَّم في الوقت الحالي على أنه أحد أبرز الشخصيات المسلمة في الحديث عن حقوق الإسلام، كما يبدو أن العديد يأملون أن يحدث شعلة التغيير في هذا المجال. ومع هذا فقد أدرك النعيم نفسه حقيقة في غاية الأهمية حيث يقول: " فمن غير المحتمل– مثلًا– أن يتبنى المسلمون دعوة الإصلاح الإسلامي على يد شخص غير مسلم أو شخص مسلم يُنظر إليه بأنه مبتدع أو مرتد لاستغراقه في انتقاد مفاهيم الإسلام السائدة."[31] ويُعد هذا التصريح تصريحًا تهكميًا لأن النعيم نفسه هو رائد حركة متطرفة في حد ذاتها، وكما يقول النعيم:

بالإضافة إلى شرح وتوثيق صحة هذه الفرضية اقترحت أن منهجية الإصلاح التي وضعها مؤخرًا المصلح السوداني الأستاذ محمود محمد طه تبدو هي الوسيلة الأنسب لصياغة القانون العام للإسلام والمستنبط من القرآن والسنة وفق تفسيرهما في السياق التاريخي المعاصر، ولاشك أن الحاجة إلى إصلاح جذري لقانون الشريعة العام بات أمرًا لا نزاع فيه سواء لاقت هذه المنهجية الخاصة قبول المسلمين أو رفضهم.[32]

وهكذا نجد أن النعيم يُعد قائد[33] حركة اعتُبرت حركة شاذة وغريبة لدرجة أن مؤسسها كان من الرجال القليلين في التاريخ الإسلامي الذين حُكم عليهم بالإعدام للردة. بالطبع لا يجدر رد آراء النعيم لمجرد أنه من أتباع حركة كهذه، فالنعيم في الحقيقة له بعض الآراء التي توحي ببصيرته عند الحديث عن حقوق الإنسان والعلمانية وقضايا أخرى، ومع هذا فلا شك أن هذه الحركة قد أثرت كثيرًا في رؤيته للإسلام مما جعل الكثير من الأفكار التي يطرحها حول حقوق الإنسان والإسلام لا تجد قبولًا بين جماهير كثيرة. في الحقيقة، من الواضح أن المؤسسات الغربية قد استثمرت كثيرًا من جهودها في النعيم، إلا أن هذه الجهود أصبحت بلا طائل على المدى الطويل كما يشير بذلك النعيم نفسه في الفقرة المقتبسة سابقًا.

وهذا هو خالد أبو الفضل، رجل آخر من الذين حظوا بثناء عطر، وأحد الشخصيات المهمة في النقاشات الغربية الدائرة حول الإسلام وحقوق الإنسان. ومن الواضح أنه يقدم نفسه على أنه معتزلي، بل ويروج لنفسه أنه المرجعية الكبرى في الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويُدرس خالد أبو الفضل حاليًا بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.

يحتاج الإسلام كما أسلفنا من وجهة نظر الحداثيين أو التقدميين إلى إعادة صياغة وإلى إعادة فهم من منظور جديد لكي يتوافق مع نظرية حقوق الإنسان. يوضح المثال التالي الذي يعرضه أبو الفضل أحد المداخل المستخدمة لتبرير إعادة تفسير نصوص الإسلام ومفاهيمه أوالتشكيك في مبادئ الإسلام الراسخة، ويلقي أبو الفضل في الاقتباس التالي بظلال من الشك حول كيفية ادعاء المسلمين معرفة المعنى الحقيقي لأي نص قرآني بل ويذهب في الحقيقة إلى أبعد من ذلك ، حيث يقول أنه لا يستطيع أحدأن يدعي معرفة المعني الحقيقي لأي نص من نصوص القرآن، والمعنى الضمني الذي يحأول أن يوضحه أبو الفضل من هذا هو أنه إذا كان الفرد لا يستطيع مطلقًا أن يتأكد من المعني الحقيقي لنصوص القرآن فذلك يعني أن للمسلمين الحرية في تفسير هذه النصوص بالأوجه التي يرونها مناسبة، ومن ثم فلا ينبغي أن تكون هناك مشكلة في إعادة تفسير هذه النصوص في ضوء مبادئ حقوق الإنسان المعاصرة والقانون الدولي.

والنص القرآني المعني هو الآية التالية التي يقول الله تعإلى فيها: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُما جَزَآءَۢ بِما كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨ ﴾ [المائدة: ٣٨] . حيث كتب أبو الفضل حول هذه الآية ما يلي:

استخدم القرآن تعبير "اقطعوا" من الفعل قطع والذي يعني الجذ أو البتر، وقد يعني أيضًا الحزم أو وضع حد للشيء أو المنع أو الهجر والانقطاع عن الشيء، وأيًّا كان المعنى المستوحى من النص فهل يستطيع بشرٌ أن يدعي اليقين المطلق في أن المعنى الذي توصل إليه هو المعنى الذي يريده الله؟...

لا يعني هذا أن تفسير الشريعة الإلهية لا فائدة منه؛ بل يعني أن التفسيرات التي توصل لها الفقهاء هي مجرد اجتهادات محتملة لتفسير ما يريده الله، ومع هذا لا يمكن اعتبار أي قوانين كتلك القوانين التي تضعها الدولة وتقوم بتنفيذها تطبيقًا حقيقيًا لهذه المعاني المحتملة.

غير أن قانون أي دولة بغض النظر عن أصولها أو خلفيتها هو قانون خاص بتلك الدولة. وبهذا يتأكد في ظل هذا المفهوم بأنه لا يوجد دين يمكن للدولة أن تفرضه، بل ربما تفرض الدولة التزامات شخصية سائدة بين أفراد المجتمع (المدرسة الثانية)، أو ربما تفرض ما يراه الأغلبية أقرب إلى المفهوم الإلهي (المدرسة الأولى)، ومع هذا فإن من المؤكد في كلتا الحالتين أن الذي يتم فرضه وتنفيذه من قوانين ليس القانون الإلهي. ويعني هذا أن كافة القوانين التي يتم وضعها وتنفيذها في دولة من الدول كلها من وضع البشر، ويجب التعامل معها على هذا الأساس...[34]

لا يستدعي الأمر عالما مسلما ذا مكانة كبيرة لدحض التقديم السالف ذكره على لسان أبي الفضل، فالسبيل الوحيد الذي سلكه أبو الفضل للوصول إلى هذه الاستنتاجات ومن ثم التشكيك في فهم الشريعة تتمثل كلها في: (1) تشويه سياق الآية الكريمة أو البنية العربية للآية، (2) التجاهل التام لكيفية فهم الرسول وتطبيقه لهذه الآية.[35]   أولًا: لم تقل الآية "فاقطعه" وإنما قالت صراحة "فاقطعوا أيديهما.[36]" نعم قد تحمل لفظة عربية العديد من المعاني المجازية لكن عندما تُستخدم هذه اللفظة في سياق مترابط مع بعض الكلمات المعينة تزول هذه المعاني المجازية، ولهذا رجع الكاتب هنا إلى المعاجم العربية الأصيلة مثل "لسان العرب وتاج العروس وتهذيب اللغة والقاموس المحيط" ولم يجد أي إشارة لمصطلح بصيغة "اقطعوا أيديهما" تتضمن معاني مثل التي ذكرها أبو الفضل: "يعني الحزم أو وضع حد للشيء أو المنع أو الهجر والانقطاع عن الشيء." وأعيد القول بأن تحريفًا مثل هذا للنص لا أظنه يمر مرور الكرام على الكثير من المسلمين.

كتب أبو الفضل كلاما طويلًا ناقش فيه المسألة المعروفة في التاريخ الفقهي بشأن متى يجوز للفقيه أن يجتهد؟ وهل كل مجتهد مصيب؟ فقد رأى بعض العلماء أن كل مجتهد مصيب في اجتهاده، بمعني أن ما توصل إليه باجتهاده يؤخذ على أنه صواب، بينما يرى فريق من العلماء أنه مثاب على اجتهاده لكنه يمكن أن يكون مخطئًا. ويحأول أبو الفضل بعد سرد هذه المناقشة القول بأنه في ضوء كلا الرأيين لا يستطيع المرء أن يجزم ما هو حقيقة شرع الله، ولا شك أن هذا الاستنتاج يمثل له أهمية كبرى، فبناءً على هذه الفرضية يمكنه القول بمثل ما يلي: " تضم الشريعة العديد من المذاهب والآراء الفكرية، وكلها صالحة ومستقيمة"،[37] ومن ثم فلا يمكن استقصاء نموذج إسلامي جديد يتوافق مع – أو يعتمد في حقيقته على– الفكر المعاصر لحقوق الإنسان. وهكذا تجاهل أبو الفضل أو ربما تغاضى عن نقطة في غاية الأهمية بل هي جديرة لدحض حجته بأكملها؛ ذلك أن النقاش الذي سرده والشك الذي ألقى بظلاله على إيجاد الحقيقة القاطعة إنما هو في أمور الاجتهاد، بينما نجد أن هناك قاعدة ثابتة تقول بأنه "لا اجتهاد مع النص [أي نص القرآن أو السنة قطعي الدلالة]، وكثير من النصوص التي يتنأولها أبو الفضل مثل حد السرقة السالف ذكره هي نصوص ظاهرة الدلالة، ومن ثم فليست محل اجتهاد قد لا يسلم من الخطأ.

لاحِظ أن الاستنتاجات الضمنية التي يشير إليها أبو الفضل مثلها مثل استنتاجات النعيم يعوزها المنطق على الرغم أن الحداثيين عادة ما يزعمون أنهم منطقيون وعقلانيون، فلا يعني مجرد أن بعض الأحكام تقبل قدرًا من الشك أن المشروع بأكمله في حاجة إلى تمزيقه إربًا وأن للمرء البدء من الصفر وفق التفسير الذي يرضاه، وفي القانون لا يحتاج الفرد إلى اليقين المطلق على صحة تفسيره ما دام هناك أدلة كافية تشير إلى صحة تفسيره. لا يزال إلقاء ظلال من الشك ومن ثم السماح بوجود تفسيرات جديدة كليةً فكرة رائجة بين الحداثيين والتقدميين (والتي يُعد مثال النعيم للتشكيك في الشريعة مثالًا لها) ومع ذلك تبقى المعاني الضمنية المترتبة على هذه التشكيكات التي يحأولون إقحامها متطرفة وغير منطقية تماما.

ربما تكون آراء عبد الكريم سروش أشد تطرفًا من الآراء التي ناقشناها في ما سبق[38] وكما تقول أيرين أوه: "تبرز المناقشات التي أثارها عبد الكريم سروش حول الديمقراطية والتسامح وحقوق الإنسان على أنها الأكثر توافقًا مع الدعوات الغربية الحالية لحقوق الإنسان."[39] وتلخص آن ماير مفهوم العدالة الرئيسي  عند عبد الكريم سروش في قوله: "لقد تجرأ سروش على القول علانية بأن مفهوم العدالة كان موجودًا قبل الإسلام، وأنه ينبغي للشريعة الإسلامية أن تتوافق مع معيار العدالة."[40] وهكذا يتضح أن نظرية عبد الكريم سروش تقول بأن دين الله يجب أن يكون قائما على مفهومي العدالة والحرية[41]، دون التنويه على حقيقة غموض مصطلحي "العدالة" و"الحرية"، وأن مفهوم الشخص للعدالة أو الحرية قد يختلف عن مفهوم شخص آخر لهذه المُثل. بل إنه يمكن القول بأن البشر لا حاجة لهم إلى الهدي الإلهي إذا كان هذا هو كل ما يستطيع الهدي الإلهي أن يقدمه.

 التوقعات المتعلقة بهذا المنهج

 على الرغم مما يبدو أن بعض الكُتَّاب الغربيين يعلقون آمالًا كبيرة على مثل هؤلاء الكُتَّاب المسلمين وفي مثل هذا المنهج الذين يتبعونه في الكتابة عن الإسلام،[42] إلا أن من الحقائق البينة أن هذا المنهج لن يجد قط قبولًا في العالم الإسلامي بأسره. وتشير أرين إلى هذه الحقيقة فتقول: "لقد كتب علماء أمريكيون مشهورون مثل عبد الله النعيم وآن إليزابيث ماير عن حقوق الإنسان بشكل مكثف لكن يظهر تأثيرهم بصورة كبيرة بين جماهير أمريكا الشمالية وأوربا الغربية."[43] ولم تفسر أرين سبب عدم تأثير مثل هؤلاء في أنحاء أخرى من العالم، ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن العلماء المسلمين والعديد من عموم المسلمين يرون أن هذه الأفكار أفكارًا مغلوطة وغير صحيحة بالمرة، وفي الحقيقة يتعجب المرء لمن يوجه هؤلاء الكُتاب كتاباتهم على وجه التحديد، بل أصبح من المعقول أن يتساءل المرء هل بالفعل هم يكتبون فقط للأكاديميين الغربيين الذين يبدون مستعدين لقبول أي نظرية جديدة عن الإسلام؟

لقد كانت هناك في الماضي محأولات أخرى للربط بين الإسلام وغيره من المذاهب الفكرية وكانت معظم هذه المحأولات تبوء بالفشل التام. ويستطيع نوح فيلدمان على سبيل المثال أن يفهم كيف أن هذا المنهج الذي يطمح في بلورة شكل جديد من الإسلام يذكرنا بالعديد من المحأولات السابقة الفاشلة، يقول فيلدمان معلقًا على أعمال أبي الفضل:

تذكرنا مثل تلك الجهود كالتي يبذلها أبو الفضل لدمج الإسلام والديمقراطية في ثوب واحد بالفلاسفة المسلمين في القرون الوسطى والذين سعوا لدمج أفكار أرسطو وأفلاطون في رؤية إسلامية عالمية أصيلة، وأسهب فلاسفة مثل الفارابي وابن رشد وابن سينا في كتابة أدبيات فلسفية كبيرة، لكن أثرهم الفكري كان له صدى أكبر في العالم الغربي وصدى أقل منه في العالم الفارسي مقارنة بالعالم العربي.[44]

ولا يمكن أن نتوقع أن كتابات أفراد كهؤلاء وهم في مناصبهم الأكاديمية في الغرب سيكون لها تأثير قوي على أرض الواقع في العالم الإسلامي، لاسيما إذا كانت الحجج التي يطرحونها مغلوطة إلى حد بعيد، فكل ما يفعلونه هو ليعنق نصوص الإسلام حتى تحقق لهم "نتائج وأهداف حقوق الإنسان" التي ينادون بها.

والسبب في أن مثل هذه الكتابات تلقى صداها بين الكُتاب الغربيين على عكس الكتاب المسلمين أن كثيرًا من الغربيين لا يدركون مدى اختلاف الإسلام عن النصرانية أو اليهودية، وعلى الرغم من أن البعض في الغرب قد يتوقع شيء من الإصلاح في العالم الإسلامي يحاكي ما قام به مارتن لوثر في العالم الغربي إلّا أن هذا لن يكون له أثر قط بين المسلمين. فالمعتزلة لم تصبح قط النموذج السائد (وإن كانوا قد تقلدوا السلطة لبعض الوقت)، وكذلك كان للحركة الحداثية التي قادها عبده الأفغاني[45] بعض التأثير إلا أنها سرعان ما دحضت لما احتوت عليه من أخطاء ومفاهيم مغلوطة. وعلى هذا النحو قد يكون لدعاة الحداثة المعاصرين تأثير كبير في الغرب وفي بعض أنحاء العالم الإسلامي، إلا أنه من الصعب للغاية أن نتوقع أن يصبح هذا هو النموذج السائد، لأن – ببساطة – المعارضين لهذا الفكر كثيرون جدًا، كما أن الموقف في الإسلام يختلف عنه في النصرانية من عدة أوجه، فعلى سبيل المثال لا يُوجد في الإسلام كنيسة تمارس الاضطهاد مما يشجع الناس على الثورة ضدها، كما أن العلوم الحديثة لم تكذب القرآن كما قد شعر كثيرون تجاه الإنجيل.

جديرٌ بالذكر قبل الانتقال إلى جزئية أُخرى أن هناك أيضًا بعض النقاط الشائكة للغاية فيما يتعلق بالدفع الحقيقي الذي تمارسه نظرية الدين الحداثي على العالم الإسلامي. ولا ينبغي أن ينسى المرء تلك الدماء الكثيرة التي أُريقت في أوربا نتيجةً لمثل هذه الحركات المتفاعلة مع الحقائق السياسية، ولا يحتاج المرء لإدراك مثل هذه الحقائق سوى قراءة كتاب نورمان هوزلي تحت عنوان: "الصراع الديني في أوربا من عام 1400م وحتى عام 1536 م"(Religious Warfare in Europe 1400-1536 وكتاب ريتشارد دون تحت عنوان: "عصر الحروب الدينية منذ عام 1559م وحتى عام 1715م" (The Age of Religious Wars 1559-1715) ليدرك أننا نتحدث عن قرون من "الحروب الدينية" بين النصارى نتيجة لهذه الإصلاحات التي حدثت في الكنيسة والتي يمكننا القول بأن النصرانية كانت في حاجة إليها نظرًا لتاريخها الخاص. وفي ظل القوة العمياء للصراع المعاصر وحقيقة أن العالم قد أصبح "قرية صغيرة" أصبح من الصعب أن نتخيل أن شيئًا بهذه الطبيعة قد يطلق له العنان في العالم الإسلامي اليوم. ومع هذا، فمن المحزن أن نتوقع أيضًا أن هذا قد يصبح أمرًا حتميًا عندما يُكره الناس على قبول آراء في دينهم لا يؤمنون بها ولا يتوافقون عليها. فبدون إقناع المسلمين أولًا من خلال الحجج الإسلامية القوية بأن هذه التغيرات مقبولة وضرورية من وجهة نظر إسلامية سوف يكون العنف هو النتيجة الأكثر احتمالًا. وقد أخفق الحداثيّون المعاصرون في وجهة نظر المؤلف في عرض أية حجج مقنعة وأنهم بفرضهم آراءهم باسم "حقوق الإنسان" أو أي دعوة أخرى فإن هذا سوف يؤدي على الأرجح إلى مزيد من الضرر بدل المنفعة.

 المنهج المُتشائم

يرى المنهج المتشائم في جوهره أن الإسلام (وربما الدين بوجه عام) معوق أكثر منه مساعد عندما يأتي الحديث عن تنفيذ حقوق الإنسان في أنحاء العالم، ولا يطيق كُتَّاب هذا المنهج المتشائم الصبر على ما يسمى "بالإسلام المستقيم" على الرغم أنهم في الغالب يستخدمون مصطلح "الإسلامي الأصولي". ويدور هذا المنهج حول ثلاث نقاط رئيسية:

1.                      أن برنامج حقوق الإنسان المعاصر برنامج ملائم وينبغي تطبيقه، وبهذا لا يوجد هناك مكان لأي دين ينتهك حقوق الإنسان.

2.                      يجب أن تلتزم الدول الإسلامية بالوثائق التي وقعتها، وإذا قدمت هذه الدول أية تحفظات يتم رفضها وتجاهلها تماما إذا كانت تنافي روح هذه الوثائق والهدف الذي وضعت من أجله.

3.                      لقد أصبحت حقوق الإنسان جزءًا من الأعراف والقوانين الدولية اليوم، وبهذا فحتى لو لم توقع الدول الإسلامية على وثائق معينة فإن القانون يجبرها على الالتزام بالمعايير الدولية. وفي الواقع نجد أن هناك بعض الكُتَّاب يقولون بشكل واضح أنه قد حان الوقت لأن يستخدم المجتمع الدولي كافة السبل المتاحة لإجبار الدول الإسلامية على الالتزام بمثل هذه الأعراف الدولية.

وعلى الرغم أن هناك عددًا كبيرًا من الكُتَّاب الذين يمكن إدراجهم تحت هذا التصنيف فسوف نناقش عددًا محدودًا منهم بالتفصيل نظرًا لضيق المقام.

من الأعمال التي تحتاج لتركيز خاص كتاب آن إليزابيث ماير تحت عنوان "الإسلام وحقوق الإنسان: التراث والسياسة" (Islam and Human Rights: Tradition and Politics)، وقد صدرت الطبعة الرابعة من هذا الكتاب منذ وقت قريب كما أن الكتاب يُستخدم كأحد الكتب الدراسية في العديد من مناهج الجامعات في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أنَّ آن إليزابيث ماير قد اختيرت للكتابة عن العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان في العديد من المختارات الأدبية عن حقوق الإنسان، فضلًا عن حضورها العديد من المؤتمرات ممثلةً المرجعية فيما يتعلق بالإسلام وحقوق الإنسان.

تُعد آن ماير مناصرة قوية لعالمية حقوق الإنسان، وتعني هذه العقيدة بأن كل شخص في العالم يستحق نفس المبادئ والحقوق التي تقرها حقوق الإنسان بحيث لا يجوز لأي ممارسة دينية أو ثقافية أن تحول دون قبول هذه الحقوق. وفي الحقيقة تدحض آن ماير فكرة النسبية الثقافية بشكل مطول وتوضح في العديد من المناسبات أن للمسلمين كامل الحرية في ممارسة ما يشاءون من دينهم ما دام ذلك لا ينتهك حقوق الإنسان. وهكذا كتبت آن ماير تقول: "إنني بإيماني أن قانون حقوق الإنسان الدولي قابل للتطبيق عالمياً فأنا أؤمن أن المسلمين أهل لكافة إجراءات الحماية تحت مظلة القانون الدولي."[46] يشير هذا التصريح الحميد أو المحايد– وهنا يستخدم المؤلف هذا الأسلوب من اللغة التي تستخدمها ماير عندما تعلق على خطط حقوق الإنسان الإسلامية– ضمنًا إلى معاني أكثر بكثير مما يتأتى إلى عقل القارئ لأول وهلة؛ فهي في الحقيقة تقصد أكثر ما تقصد أن للمسلمين الحق الإنساني في إتباع القوانين التي تنتهك مبادئ دين الإسلام.

كما أن آن ماير واحدة من هؤلاء الذين يقولون بأن الإسلام ليس قالبًا واحدًا. فالمسلمون في أنحاء العالم تتفأوت وجهات نظرهم حول العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان، بعضهم يرفضون هذا المفهوم ظاهريًا بينما هناك آخرون يقبلونه تماما. بالطبع آن ماير محقةً في هذا إذ لا يشك أحد في وجود مثل هذه الآراء المتباينة بين المسلمين اليوم، غير أنه لا يمكن للمرء أن يقفز من هذه الحقيقة ودعوى أن الإسلام ليس بقالب واحد للقول مباشرة بأن هناك العديد من الصور المقبولة للإسلام. وتقر آن ماير في الفقرة التالية أنها شخص دخيل على الإسلام تكتب عنه ولا يمكن أن تخبر المسلمين أي صور الإسلام ينبغي أن يقبلوها بصورة كاملة، وفي ذلك تقول آن ماير:

إنني أرحب بظهور دعوة حقوق الإنسان المنهجية في دول الشرق الأوسط والميول المتزايدة نحو تفسير المصادر الإسلامية بطرق تعمل على إيجاد التوافق بين الشريعة الإسلامية والمبادئ الدولية لحقوق الإنسان، ومع هذا دائما أدرك أنني بوصفي ملاحظة دخيلة تعلق على التطورات الجارية في تراث آخر قد لا يكون لآرائي فيه القيمة الإلزامية أو المعيارية، لذا فلست أقر أية قراءة معينة للعقيدة الإسلامية ولا أفترض الإشارة إلي أي التفسيرات التي ينبغي للمسلمين أن يعدوها التفسير المرجعي للإسلام.[47]

يمكن أن نقبل قولها: "ولا أفترض الإشارة إلي أي التفسيرات التي ينبغي للمسلمين أن يعدوها التفسير المرجعي للإسلام"،

ولكن في الوقت نفسه نجد أن كتابها في الغالب مكرس ليظهر كيف أن الفهم "المستقيم" للإسلام يُضعف حقوق الإنسان ولذلك لا يمكن قبوله من وجهة النظر الدولية.[48] وقد لا تبدو من وجهة نظر القانون الدولي أنها "تشير" على المسلمين ما قد يعتقدونه، لكنها في الواقع "تطلب" عدم الاعتراف بآراء الإسلام التي لا تتوافق مع برامج حقوق الإنسان المعاصرة.

تزعم آن ماير أنها تؤمن بحرية الدين والاعتقاد كما يزعم جميع مناصري حقوق الإنسان المعتدلين، ولكنه من الواضح جدًا أن فهم آن ماير لما تعنيه كلمة الاعتقاد في أحد الأديان أو ممارستها هو فهم علماني أو محدود جدًا لما تعنيه الكلمة. فهي توضح أن الدين يُعنى بالمعتقدات الخاصة ولا يُسمح له البتة بالتدخل في السياسات والقانون، وتؤكد آن ماير هذا الفهم فتقول:

قد يكون لدى المسلمين اقتناع تام بأن أعرافهم الدينية تتطلب انحرافات عن القانون الدولي، ومثل هذه المعتقدات الخاصة يجب احترامها، ولكن يختلف الموقف عندما تكون هناك معتقدات بأن الأحكام الإسلامية ينبغي أن تعلو فوق حقوق الإنسان، ويتم حشد هذه المعتقدات لدعم حملات أو إجراءات لسلب الآخرين حرياتهم التي يستحقونها تحت مظلة القانون الدولي أو عندما يتم الاستشهاد بهذه المعتقدات لدعم سياسات وقوانين حكومية معينة تنتهك الميثاق الدولي لحقوق الإنسان، وبهذا تخرج هذه القيود التي تُفرض على الحقوق والحريات من دائرة المعتقدات الخاصة المحمية لتدخل نطاق السياسة والقانون.[49]

يتضح في هذه الفقرة أن آن ماير قد انتقلت من الحديث عن حرية الدين والاعتقاد إلى الحديث عن صور الدين التي يُسمح لها بحرية الوجود والممارسة. يذكرنا كلامها بمقولة هنري فورد الشهيرة: "يمكنك امتلاك نموذج تي (Model-T) بأي لون تحبه ما دام لونه أسودًا."

تحأول آن ماير في أكثر من مناسبة بشكل صريح توضيح "صور" الإسلام التي ينبغي تشجيعها ودعمها ويجعلها هذا تتوصل إلى بعض الاستنتاجات الغريبة. وفي الواقع نجد أن آن ماير تتغنى بقصائد الثناء والمدح في الخوارج والمعتزلة وهو ما يفسر وجود انحياز متأصل في نموذج حقوق الإنسان ألا وهو التأكيد على النزعة الفردية والنزعة العقلية (واللتين سوف نناقشهما بمزيد من التفصيل فيما بعد)، وها هي آن ماير بعدما يفترض من نقدها "للرؤية الإسلام المستقيم" لحقوق الإنسان تعود فتركز اهتمامها على الخوارج فتقول:

 أعاقت خصائص الفكر الإسلامي نمو مفاهيم الحقوق الفردية التي يمكن تأكيدها أمام الانتهاكات التي ترتكبها الحكومات، غير أنها لم تستطع الحجب التام لتيارات أخرى في الفكر الإسلامي كانت حاضنة للمُثل الحقوقية، ويمكن للمرء أن يتعرف على تيارات إنسانية بدأت في المراحل الأولى من الفكر الإسلامي وظلت مستمرة حتى اليوم.وبالإضافة إلى هذا، كان في الفكر الإسلامي الأول بوادر ومؤشرات لفكرة الحرية السياسة، كما يمكن أن نجد مفاهيم للديمقراطية شديدة الشبه بأفكار الديمقراطية في الأنظمة السياسية الحديثة في الحقبة الأولى من التاريخ الإسلامي مثل أفكار الخوارج التي انفصلت عن الإسلام السائد في القرن السابع الميلادي نظرًا لرفض الإسلام الانصياع لعقيدة الخوارج في أن خلفاء النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - يجب توليهم الخلافة بالانتخاب. لقد انتُقد الخوارج كثيرًا لآرائهم غير التقليدية في الإسلام، كما كانت كتاباتهم تختلف كثيرًا عن كتابات غيرهم من المسلمين، ومع هذا يمكننا القول بأن التراث الإسلامي احتوى منذ مراحله الأولى على أفكار تنبأت بمبادئ ديمقراطية تعزز أعراف وقوانين حقوق الإنسان المعاصرة.[50]

ومن المذهل أن تجد أن هذه الكاتبة المناصرة لحقوق الإنسان لا تخجل أن تطري فضائل الخوارج، وبالطبع هي لا تذكر أن الخوارج ربما كانوا أكثر الطوائف عنفًا في الإسلام وأنهم بإجماع الأمة كانوا فرقة ضالة متطرفة، بل إن نظرتهم "الديمقراطية" للحياة جعلتهم يكفرون كل من عداهم من المسلمين بل ويبيحون سفك دمائهم.[51] فكيف يستطيع المرء في عصرنا هذا، عصر التطرف والإرهاب والعنف، أن يقول جادًا بأن على المسلمين أن يحذوا حذو الخوارج وأن يستلهموا من أفكارهم!

أما في معرض الحديث عن المعتزلة نجد أنَّ آن ماير لم تذكر أن المعتزلة عندما أمسكوا بزمام الأمور في بلاد الإسلام راحوا يجبرون علماء المسلمين وعامتهم على اعتناق مذهبهم، ولم يعبئوا باحترام حرية الاعتقاد، فزُج بكثير من العلماء في السجون لرفضهم الخضوع لضغوط هذه الفرقة، وقصة أحمد بن حنبل خير شاهد على هذا، وهي أشهر من أن نسردها في هذا المقام، ومع هذا فمن العجب العجاب أن تجد من يدعو المسلمين اليوم أن يُحتذي طريق هؤلاء فيما يتعلق بالحرية وحقوق الإنسان. في الواقع ليس هذا بالغريب والمحال؛ فها هي آن ماير تدعو باسم الحرية وحقوق الإنسان والعقلانية بكلمات مستترة لوضع نهاية للإسلام "التقليدي المستقيم" على الأقل على المستوى العام.

كان المنهج الذي سلكته آن ماير أكثر وضوحًا في مقال لها كتبته في بعض المؤلفات تحت عنوان "حقوق المرأة وحقوق الإنسان: وجهات نظر نسائية دولية."[52] حيث أوضحت آن ماير في هذه المقالة بصورة أدق ما تعترض عليه بشأن الفهم التقليدي للإسلام، حيث يتضح بسهولة للقارئ الذي له دراية بالإسلام أن كثيرًا من تحفظاتها كانت على أحكام ذكرت صراحة ولا جدال عليها في القرآن أو السنة تقول آن ماير:

تقرر الأحكام [في الشرق الأوسط الإسلامي] بصورة عامة أن المرأة يجب أن تُطيع زوجها، وأنه لا يحق للزوجات العمل خارج المنزل دون إذن أزواجهن، وأن للرجال الحق في التعدد حتى أربع زوجات، وأنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج إلا من ملتها، وأن للمرأة نصف نصيب الرجل في الميراث، وفي بعض الدول يجب على المرأة ارتداء الحجاب خارج بيتها... وأن شهادة المرأة في القضاء لا يُعتد بها أو أن شهادتها تعدل نصف شهادة الرجل، وأنه لا يجوز للنساء السفر دون إذن محرم أو بدون محرم... من الجلي أنه سيكون من الصعب تبرير بقاء مثل هذه الأحكام إذا تم تطبيق الأعراف الدولية بشكل جاد كما تقر المادة (2) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي تم التوقيع عليها عام 1918م والتي تتطلب من جميع الدول "أن تسعى لاستخدام كافة السبل الملائمة دون مماطلة أو تأخير لتنفيذ سياسة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة."[53]

جدير بالذكر أنه لم يُقر اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سُوى عدد قليل من الدول الإسلامية، وأن الدول التي صادقت عليها كانت لديها تحفظات على بعض بنود هذه الاتفاقية، ومع ذلك تقول آن ماير بأن مثل هذه التحفظات غير صالحة لأنها "لا تتوافق مع هدف الاتفاقية أو المعاهدة المعنية."[54]

في الواقع، تعتقد آن ماير أن قانون حقوق الإنسان يجب أن يُطاع بغض النظر عن قبول الدولة أو رفضها لمثل هذه القوانين، وعن هذا كتبت هذه المناصرة "للحقوق والحريات" ما يلي:

على الرغم أن أنماط التصديق على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان غير متوازنة، وأن هناك الكثير من البنود المتنازع عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إلا أن هناك إجماعًا كافيًا ليبرر القول بأن العديد من حقوق الإنسان أصبحت جزئًا من القانون الدولي المعتاد ومن ثم فهي ملزمة لجميع الدول بغض النظر عن حالة تصديقها على تلك القوانين.[55]

إن أقل ما يقال عن هذا التصريح أنه تصريح غريب؛ حيث تبدأ فيه آن بالاعتراف بأنه لم يتم التصديق على كافة حقوق الإنسان، وتذكر أن هناك اختلافًا في الرأي حول قانون حقوق الإنسان ثم تختم كلامها بأنه مهما يكن فعلى جميع الدول أن تلتزم بهذه القوانين بغض النظر عن موافقتها عليها أم لا.

تحتاج النقطة الأخيرة في تصريح آن ماير إلى مزيد من التعليق وذلك لما لها من معاني ضمنية ذات آثار كبيرة، فذلك يعني أنه بمجرد أن يصبح أي شيء جزءًا من قوانين حقوق الإنسان مثل ما يتوقع مستقبلًا من إقرار زواج الشواذ أو حق الإجهاض بدون قيود فإن هذا الشيء يصير جزءًا من القانون الدولي. وعلى الرغم من وجود بعض الجدل حول مدى إلزامية القانون الدولي[56] فإن الهدف الذي يسعون لتحقيقه بات واضحًا للغاية، فبمجرد توقيع مثل هذه القوانين يكون على كل الدول الالتزام بكل ما فيها من بنود، وعن هذا يكتب أنتوني داماتو التعليق التالي:

يتخطى الآن مبدأ القانون الدولي واجب الدول في عدم التدخل في حقوق الإنسان الدولية لمحاسبة تلك الدول على عدم التحرك بإيجابية لضمان حماية هذه الحقوق. وعلأوة على هذا... يلزم القانون الدولي الآن الدول باستخدام الإجراءات اللازمة لمنع وقوع انتهاكات حقوق الإنسان الشنيعة والمنظمة بين الأطراف الخاصة إلى جانب التحقيق في هذه الانتهاكات والمعاقبة عليها.[57]

لم يعد تأثير هذه القوانين يقتصر على الحكومات فحسب، بل إنهم يودون مد أيديهم بالتدخل في الهيئات غير الحكومية، وعن ذلك كتب هنري ستينر وفيليب ألستون ما يلي:

لا تقتصر الحقوق التي تم الإعلان عنها في العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية على حقوق عدم التدخل الحكومي، ويعني هذا أن التدخل غير الحكومي من قبل الأطراف الخاصة (كالمُغتصِب مثلًا) قد يقوض الحق في "أمن الأشخاص" تماما (الفقرة 9). ومن ثم يُعد واجب الدولة في تقديم التعويضات المناسبة ناشئ عن سلوك (كالاغتصاب) ليس فعلًا حكوميًا في الأصل.[58]

والأخطر من ذلك أن هذا يعني أنه لا يُسمح لأي دين أو عرف أن يقف في طريق القانون الدولي، إلى جانب أنهم يخططون لأن يجعلوا من يصادق على مثل هذه القوانين لا يحق لهم الانسحاب منها حتى ولو كان تصديقهم عليها في ظل حكومة سابقة كما تشير آن ماير في تصريحها التالي: "لا يُسمح للدول بأن تتخلى عن التزاماتها الدولية بإراداتها أو بزعم أنها ستضع قوانين خاصة بها... ويُسمح بمخالفة المعايير الدولية لحقوق الإنسان في ظل ظروف ضيقة ومحددة لا تشتمل على منع الناس من التمتع بحقوق الإنسان من خلال إتباع تعاليم أي دين من الأديان."[59]

إن لهذه الحقيقة خطر جسيم؛ فما أن يصبح شيء ما جزءًا من القانون الدولي تستطيع المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان أن تمارس ضغوطها ومقاطعتها للتدخل تحت ذريعة انتهاك حقوق الإنسان، بل حتى وإن تغيرت حكومة الدولة تبقى الحكومات التي تعقبها مسؤولة عن مثل هذه الاتفاقيات الخاصة بالقانون الدولي.

وهناك عدة أمور أخرى تجدر الإشارة إليها فيما يتعلق بآن ماير وذلك أن ميول أو ربما انحياز هذه الخبيرة في قضايا الإسلام وحقوق الإنسان تؤثر بشكل واضح في تصريحاتها وتعليقاتها عن الإسلام، وأنه في عالم يكثر فيه انتقاد "الإسلاميين" و"الأصوليين" بأنهم "متطرفين" ينبغي أيضًا أننوجه أصابع الاتهام لمتطرفي منابر الحركات الأخرى.

تحت مظلة ما يمكن أن نطلق عليه الرؤية المتطرفة وما قد يبدو الصورة المثالية لحقوق الإنسان تطرح آن ماير مجموعة من المزاعم الغريبة نيابة عن منبر حقوق الإنسان؛ حيث تنتقد آن ماير على نحوٍ متواصلٍ العلماء المسلمين لزعمهم أن لديهم حقوق إنسان من نوع خاص يقبلها الإسلام ثم يشيرون إلى أن الشريعة الإسلامية لديها بعض التحفظات على جميع هذه الحقوق. وهذا في الحقيقة سلوك مخادع من جانبها، حيث تشير في بعض المواضع إلى أن قوانين حقوق الإنسان تسمح بوجود بعض الاستثناءات ولكنها في الوقت ذاته ــلاسيما إذا كانت تنتقد المناهج الإسلامية ــ تجعل الأمر يبدو كما لو كانت الحقوق التي تضمنها الاتفاقيات الدولية حقوقًا مطلقة ولا تقبل أي صورة من صور التقييد. وعلى سبيل المثال فبينما تنتقد آن ماير الأحكام الإسلامية الخاصة بالزواج والتي تقيد من يجوز الزواج منه لكل من الرجل المسلم والمرأة المسلمة تقول: "لا تخضع حرية الزواج في ظل القانون الدولي لأية قيود."[60] وهذا ما تقر جميع الدول بعدم صحته حيث تضع جميع الدول العديد من الشروط واللوائح التي تقيد الزواج بما في ذلك القيود على مثلية الجنس وسن الزواج.[61] إن ما تعنيه آن ماير بقولها أن حرية الزواج غير مقيدة أن ذلك عندما يتعلق الأمر بالدين والعرق والجنسية لكنها عدلت عن أن تذكر هذه الأشياء على هذا النحو الصريح.

والمثال التالي أكثر وضوحًا وخطرًا في معرض حديثنا عن هذه القضية حيث تقول آن ماير:

لا تسمح القوانين الدولية لحقوق الإنسان بوجود أي قيود على معتقدات الشخص الدينية؛ فحرية الدين والاعتقاد لا تخضع لأي قيود، ومن أكثر بيانات هذه الحرية تأثيرًا ما جاء في المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث تنص المادة الثامنة عشر على ما يلي: "لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة."[62]

وتتحدث آن ماير في مواضع أخرى عن الاضطهاد الديني للأقليات في إيران حيث قالت ذات مرة: "تتصادم ممارسات الاضطهاد الديني مع مبدأ حرية الدين والاعتقاد وهي حرية لا تخضع لأي قيود في القانون الدولي."[63]

 هل من الممكن أن يكون ذلك حقًا – كما تزعم آن ماير أو كما تنص هذه المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان– بأن قانون حقوق الإنسان "لا يسمح بفرض أية قيود على المعتقدات الدينية لأي إنسان" أو "حرية الدين"؟ في الحقيقة، يُعد هذا الزعم أحد المزاعم البارزة في ثنايا كتاب زعمه الوحيد أن بعض صور الإسلام تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن ثم فلا يمكن التجأوز مع ممارسات هذه الصور في العالم الواقعي. ولنتساءل الآن عما حدث لهذه الحرية التي لا تخضع لأية قيود سواء كان ذلك بشكل فردي أو جماعي سرًا أو علانية؟ إن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الفقرة السابقة نفسها تكشف أحد الأخطاء الفادحة والأساسية في القانون الدولي المعاصر لحقوق الإنسان، فلا يمكن للمرء الجمع بين النقيضين في آن واحد: فلا يستطيع مثلًا أن يقول بأن بعض الممارسات ينبغي عدم التجأوز معها بينما يقول في الوقت ذاته أن كل إنسان حر في أن يعتقد أو يمارس ما شاء.

وهذه كاتبة أخرى من هذه المجموعة وهي كورتني هولاند تتنأول موضوع الإسلام وحقوق الإنسان (لاسيما حقوق المرأة)، وعلى الرغم أن آن ماير تتنأول في معظم كتاباتها الإسلام نجد أن هولاند تعمم نقدها على أي دين يحمل صفة "الدين الأصولي".

تسير هولاند على نفس نهج آن ماير ولكنها كانت أكثر صراحة منها في الاستنتاجات التي تخلُص إليها، حيث استنتجت أن أحكام الإسلام التي تتنأول بنية الأسرة الداخلية ولباس المرأة وأحكام الزواج والميراث وغيرها من أحكام هي انتهاكات لحقوق المرأة التي تقرها الأمم المتحدة، ومن أمثلة ذلك في كتاباتها ما يلي: "الكثير من أنظمة الزواج الأصولية الدينية تجبر الزوجات على الخضوع لأزواجهن وعلى طاعتهم طاعة كاملة، ولا شك أن هذه القوانين تتعارض مع صنفين من الحقوق المكفولة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: وهي حقوق الحرية وحقوق المسأواة."[64] ثم توضح كورتني أنه ليست هناك حجة مشروعة للدفاع عن مثل هذه الممارسات الدينية، بل إنها تتمادى فتقول بأن على الدول مسؤولية مواجهة مثل هذه القوانين وأي جهة تحأول فرضها. وتقول على سبيل المثال: "يجوز للدولة بل يكون من واجبها أن تحرم تلك الممارسات الدينية التي تنتهك حرية المرأة وحقوق المسأواة. ومن الأمور المطروحة للنقاش أن يكون من واجب الدول التي بها حركات أصولية دينية قوية مثل اليابان وإيطاليا وسريلانكا والولايات المتحدة الأمريكية أن تمرر قوانينًا تحرم الممارسات التي تتطلب طاعة الزوجات لأزواجهن."[65] وأخيرًا تقول كورتني بأن على الدول الأعضاء أن تتخذ إجراءات عقابية ضد تلك الدول التي سمحت بأن تكون الأحكام الأصولية الدينية جزءًا من أنظمتها القانونية. بل تقرر: "يجب أن تُستخدم كافة آليات تنفيذ القانون المتاحة للمجتمع الدولي لإجبار هذه الدول الشاذة على عدم انتهاك المادتين (55) و(56). لقد حان الوقت للمجتمع الدولي أن يحيا وفق معايير ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان."[66]

من الصعب للغاية أن تتخيل أن منهجًا كهذا يُتوقع أن يكون له صدىً بين الجموع المسلمة، بل إنه من الصعب أن تتخيل كيف يزعم نشطآء حقوق الإنسان أن لهم الحق في الإصرار على منهج كهذا. فهم في بادئ الأمر يزعمون أنهم يمثلون حرية مطلقة للدين والاعتقاد، بينما هم في الحقيقة يقولون ــوهم بين المسلمين ــ أنهم يحافظون على حقوق المرأة وغير المسلمين بل وحتى المرتدين، والواقع يشهد أن كل إنسان ما عدا الذين يدينون بالإسلام الأصولي والتقليدي والمستقيم حرٌ في ممارسة صورتهم "الخاصة" للإسلام والتي تتوافق مع قوانين حقوق الإنسان، وبهذا تقرر المنصات الداعية لحقوق الإنسان باسم حرية الدين وحقوق الإنسان صورة الإسلام التي يكون الناس أحرارًا في اختيارها.

ربما الأمر الأكثر خطورة بالنسبة للعديد من المسلمين الذين يؤمنون بأن القرآن والسنة وحي من عند الله هو أن هذا المنهج لحقوق الإنسان يجرد الله من صفات الألوهية أو ما يعرف بالحاكمية، فما يقوله دعاة هذا المنهج حرفيًا هو أن الله ليس له الحق في تشريع القوانين التي تحكم حياة البشر، والحق الذي لا ريب فيه أن الله له الحق المطلق في ذلك، ومن ثم يمكننا القول بأن هذا المنهج هو منهجٌ عدائي تجاه العديد من المسلمين فيما يتعلق بجانب شديد الأهمية في عقيدة المسلم وليس أمرًا تافها يتوقع المرء أن يتجاهله المسلمون.

وبهذا ينطوي منهجهم هذا على خطأ فادح وخلل منطقي ظاهر في تنأوله الحديث عن الحقوق والحريات، فليس هناك شيء حقيقي يدعى الحقوق أو الحريات المطلقة لأنَّ مثل هذه الحقوق والحريات إن وُجدت فسوف تنتهك حتما حقوق الآخرين وحرياتهم، وبهذا فحتما سوف يكون هناك نوعًا من المبادلة أو التوازن، وهنا نواجه السؤال الحتمي الذي فحواه: من له الحق في تحديد هذه المبادلات التي سوف يقبلها جميع الأطراف؟ يتضح جيدًا أن آن ماير تدرك هذه الحقيقة جيدًا ومع هذا فهي تزعم أن الدين لن يكون في عصر من العصور سببًا لاستثناء هذه الحقوق والحريات العامة حيث جاء في كلامها نصًا كما استشهدنا به من قبل ما يلي:

لا يُسمح للدول بأن تتخلى عن التزاماتها الدولية بإراداتها أو بزعم أنها ستضع قوانين خاصة بها... ويُسمح بمخالفة المعايير الدولية لحقوق الإنسان في ظل ظروف ضيقة ومحددة لا تشتمل على منع الناس من التمتع بحقوق الإنسان من خلال أتباع تعاليم أي دين من الأديان.[67]

حقًا إن هناك العديد من دعاة حقوق الإنسان الذين يبدون أكثر اعتدالًا أو توازنًا في تنأولهم قضية حقوق الإنسان من النماذج التي ناقشناها سابقًا، وفي هذا السياق يُعد جاك دونلي أكثر اعتدالًا في كتاباته عن حقوق الإنسان إلى جانب منهج ماك جولدريك الذي يتبنى الرؤية التالية:

إن وجود خبراء من أنظمة قانونية مختلفة من شأنه أن يساعد هيئة حقوق الإنسان في دراستها للتقارير التي تشير إليها المادة (40). فعلى سبيل المثال خلال دراسة تقرير حقوق الإنسان عن المغرب كان مفيدًا للغاية أن تجد هيئة حقوق الإنسان من بين أعضائها خبراء على دراية بالأحكام الإسلامية، كما أن الشرط الذي ينص عليه البند رقم (2) في المادة (31) يمنح الأحزاب السياسية في الدول الثقة في أن منهجهم سوف يتم تفهمه حتى وإن لم يتم الموافقة عليه...[68]

ومع هذا فهناك العديد من الأمثلة الأكثر تشددًا مثل آن ماير وكورتني هولاند، لاحظ هذا التعليق الصريح والغريب للغاية:

على سبيل المثال، قال أحد دعاة هذا المنهج الأحادي، في إجابته على هذا السؤال وهو"كيف ينبغي أن يستجيب القانون الدولي لعدم توافق المطالبات التي تستند إلى الشريعة الإسلامية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان؟" ما يلي: ينبغي عدم المسأومة على قواعد القانون الدولي، وأنه قد يكون من الأفضل للعلماء المسلمين أن يبحثوا عن تفسيرات بديلة للمصادر الإسلامية والتي بموجبها يمكن التوفيق بين الشريعة وبين تطورات القانون الدولي لحقوق الإنسان."[69]

وأذكر أن إحدى المناصرات لحقوق الإنسان للمرأة - سيمون دي بوفوار - صرحت ذات مرة بخصوص السماح للنساء بالبقاء في المنزل كربات بيوت أو أمهات قائلةً:

لا، نحن لا نعتقد أن لأي امرأة الاختيار بين هذين الأمرين، وينبغي أن لا يُسمح لأي امرأة أن تبقى في المنزل لتربية الأطفال، وعلى المجتمع بأسره أن يرفض هذا، كما لا ينبغي أن يكون للمرأة هذا الخيار ـ على وجه التحديد ـ لأنه لو وُجد مثل هذا الخيار فسوف يعمل به عدد كبير جدًا من النساء.[70]

عندما يقرأ المرء مثل هذه التصريحات الصادرة عن أنصار حقوق الإنسان، يدرك بسهولة أنهم في الواقع مجرد أشخاص متزمتين ومتحمسين مثل أي متطرف ديني أو أصولي، بطبيعة الحال قد يزعمون بأن موقفهم هذا ليس مجرد مسألة إيمان أعمى،[71] وإنما رؤية معقولة ومدروسة لهذا العالم، أما عن الأساس الذي تقوم عليه هذه الرؤية فهو ما سوف نرجئ مناقشته للفصول القادمة.


 منهج تفاؤلي ولكنه اعتذاريّ معيب

ثمة منهج ثالث هنا نصفه بأنه تفاؤلي وإن كان اعتذاريًّا معيبًا. تقوم الفرضية الأساسية أو المضمون العام لهذا المنهج على أساس أنه ليس هناك تعارض حقيقي بين المنطق المعاصر لحقوق الإنسان والإسلام. في الواقع، ليس من الغريب على مثل هؤلاء الكتاب المسلمين (وهؤلاء الكتُّاب في هذه الفئة هم كتُّاب مسلمون بصفة عامة) الادعاء بأن الإسلام هو أول من دعا إلى حقوق الإنسان.[72]

ويمكن تقسيم هذه المجموعة إلى فئتين فرعيتين هامتين:

(أ) يقول الفريق الأول من هؤلاء الكتاب بأنه لو أنصف المرء في قيم العدالة والإنصاف والحكمة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، فسوف يدرك أن الإسلام وحقوق الإنسان، في الواقع، متوافقين تماما مع بعضهما البعض.

(ب) يقول الفريق الآخر من هؤلاء الكتاب أنه عندما يدرك المرء أن هناك مجالًا للتفسير وأن هناك هامشًا للتقدير داخل قانون حقوق الإنسان، مع وجود مساحة لإعادة فهم بعض الممارسات الإسلامية، سوف يجد المرء أنه في الواقع ليس هناك تعارض بين الإسلام وحقوق الإنسان.

يرى العديد من النقاد أن هذا المنهج الثالث ما هو إلا تقديم اعتذاري للعلاقة بين حقوق الإنسان والإسلام، ويبدو أن هدف هذا المنهج هو محأولة إثبات عدم وجود صراع بين البرامج المعاصرة لحقوق الإنسان والإسلام، ومع ذلك فمن أجل تحقيق هذا الهدف فإنه يجب توضيح القوانين الإسلامية التي يبدو أنها تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المعاصرة على الرغم من أن حجة العديد من الأحكام الإسلامية "المثيرة للجدل" هي حجج صحيحة ودامغة في كثير من الأحيان وهذا ما يظهر جليًا فقط للمسلمين المؤمنين بهذه الأحكام. وبعبارة أخرى فإن كثيرًا من غير المسلمين يرون في هذه البلاغة والحجج المستخدمة محأولة لإخفاء الصراع الموجود بين الإسلام وحقوق الإنسان. وللأسف فإن النتيجة الحتمية لهؤلاء المدافعين عن الصورة الإسلامية لحقوق الإنسان هي نتيجة ضررها أكبر من نفعها، كما أن بعض الكتاب غير المسلمين ينتقدون هذه الكتابات ويسخرون منها بكل سهولة كما سوف نوضح ذلك فيما يلي.[73] كما سوف نبين لاحقًا أن العديد من الجوانب التي يمدحها كتاب هؤلاء المنهج بوصفها جوانب ملائمة لحقوق الإنسان هي ذاتها الجوانب التي ينتقدها[74] الكتاب الآخرون بأنها تنتهك حقوق الإنسان.

في الحقيقة هناك عدد كبير نسبيًا من الأعمال التي من الممكن إدراجها تحت هذه الفئة، وتحصر هذه الأعمال وتناقش كافة حقوق الإنسان المتعددة التي يكفلها الإسلام للإنسان. ربما يحسن وصف بعض هذه الأعمال بأنها مقدمات للإسلام وليس أعمالًا تتنأول حقوق الإنسان بحيث تغطى هذه الأعمال كل جوانب الدين وتحأول أن تظهر كافة الحقوق التي كفلها الإسلام ـ كل شيء ـ بدءًا من حق خصوصية الأزواج وحقوق الآباء وغيرها.[75] ومع هذا تناقش هذه الأعمال أيضًا متى وكيف يبدو هناك بعض أوجه الاختلاف بين التصريحات العامة لحقوق الإنسان وموقف الإسلام حول قضايا معينة.

من الكتابات النموذجية لهذا المنهج والتي تبين أنه ليس هناك تعارض حقيقي بين فكر حقوق الإنسان والإسلام كتاب عبد الله بن بيه بعنوان "حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام"، يبدأ بن بيه في هذا الكتاب بالرد على من يقولون أن الإسلام لا يقر أيًّا من مفاهيم حقوق الإنسان، ثم يقول بأن الحضارة الغربية المادية العلمانية هي التي أهانت المرأة وأساءت إليها.[76]

 وعند مناقشته وضع المرأة في الإسلام لم يذكر ابن بيه إلا ما هو موجود في معظم الكتب التي وُضعت حول حقوق الإنسان في الإسلام.[77] فبعد أن انتقد بعض آخر التطورات في الحركة النسائية (في صفحة أو صفحتين) وبعدما بين كيف أن هذه الحركة تمثل تهديدًا لبنية الأسرة ووحدتها، راح ابن بيه يتحدث عن كيفية نظر الإسلام للرجل والمرأة وأن كلًا منهما يكمل الآخر باعتبار ما فضل الله به بعضهم على بعض، ثم ذكر أن الإسلام يحث على الرحمة والمودة في العلاقة بين الزوجين، وأن هذا شيء قدمه الإسلام للعالم ولم تكن المرأة تعرف مثل هذه المكانة قط قبل الإسلام.[78] ثم تطرق ابن بيه إلى أن الإسلام إنما هو وحي من عند الله وأنه كان بمثابة تغيرٍ جذريٍ في حياة المرأة ومكانتها، لاسيما في بلاد العرب الذين كانوا لا يستبشرون إذا علموا أن زوجاتهم قد أنجبن لهم إناثًا، بل لم يكن للنساء نصيب في الميراث ولم يكن هناك حدٌ للتعدد.[79]

ثم بعد ذلك يقول عبد الله بن بيه أن الاختلافات في الأحكام التي تخص الرجال والنساء لا تعني أن الإسلام يفرق بذلك في شرفهم أو منزلتهم حيث يستشهد بقوله تعإلى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ما كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97).

ثم يقول بعد ذلك: "ومع هذا فمن الواجب أن يبين المرء المسؤوليات الخاصة والملائمة لطبيعة كل من الرجل والمرأة، ولذا لا يُعد توزيع الأدوار والتأكيد على الحقوق والواجبات من قبيل النظرة الدونية لأي من الجنسين."[80]وبهذا يقول أن على المرء أن يلاحظ العلاقة التكاملية بين الرجل والمرأة لكي يدرك سبب التباين في نصيب المرأة والرجل من الميراث، حيث لا تتحمل المرأة أبدًا عبء نفقتها، فإما أن تكون مسؤولة من زوجها أو والدها أو أحد أقربائها أو الدولة.

ثم بعد ذلك يستشهد ابن بيه ببعض الأمثلة لمشاركة المرأة خارج بيتها في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتطرق إلى مناقشة الآراء حول حكم عمل المرأة قاضيًا وحكم توليتها الحكم وغير ذلك من مسائل، ثم يذكر ثانية أن الإسلام كان بمثابة ثورة لحقوق المرأة[81]، وبوجه عام يقول ابن بيه أن حقوق المرأة محفوظة ومكفولة في الإسلام وأن مسألة قوامة الرجل هي مبدأ إسلامي ذكره القرآن الكريم في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: 34)، ثم لم يلبث حتى قال ما يلي:

إن القوامة تصب في مصلحة المرأة قبل كل شيء ولصالح البيت والأسرة إذ أن الرجل يكون عليه أعباء المعاش والإنفاق بينما تلتزم المرأة بواجبات بيتها... وعلى هذا لا يكون المقصود بالقوامة أن تكون ديكتاتورية أو طغيانًا ولا اضطهادًا أو ظلما...[82]

على الرغم أن بعض النقاط التي ذكرها ابن بيه قابلة للنقد إلا أن مجمل ما قاله حق وصواب من المنظور الإسلامي، ومع ذلك، فهذا النوع من المنطق ليس له صدى لدى مناصري نظرية حقوق الإنسان، فكتاباته جيدة عندما يخاطب بها الطبقة المتدينة أي هؤلاء الذين يدينون بالإسلام ويرونه وحيًا منزلًا من عند الله، ولكن كتاباته هذه لن تجدي كثيرًا إذا كان الهدف منها توضيح وجهة نظر الإسلام عندما يأتي الحديث عن حقوق الإنسان.

تُوضح أوجه القصور التي ينطوي عليها هذا المنهج صعوبة محأولة شرح ما هو الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان للآخرين، كما أنه يذكرنا بمناقشة جاك دونلي للتحديات التي تواجه مناصري القانون الطبيعي، يقول جاك دونلي:

تواجه نظريات القانون الطبيعي المشكلة ذاتها، ويعد كتاب جون فينيز بعنوان "القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية" Natural Law and Natural Rights (عام 1980م) وصفًا دقيقًا لمضمون القانون الطبيعي عند أتباع توماس أكويناس الجدد (neo-Thomist natural law)فيما يخص قضايا حقوق الإنسان الطبيعية. وبالنسبة لنا ممن هم خارج تلك التقاليد تبدو صور الاستغاثة الأساسية بالطبيعة والعقل مثيرة أو جذابة أو مقنعة إلى حد ما. أما بالنسبة لجون فينيز فكون هذه الحقوق تقع في هذا السياق يجعلها حتما مقنعةً. ربما نقتنع منطقيًا إذا انطلقنا من نقطة البداية التي انطلق منها جون فينيز لنقبل استنتاجاته بشأن الحقوق الطبيعية، لكن الشخص المتشكك لن يقتنع بالعقل وحده حتى يستطيع البداية من هذا المنطلق.[83]

من المواقف التي يبدو فيها التناقض جليًا أن نفس الجوانب التي يمتدحها ابن بيه في كتابه بأنها جزء من جمال الإسلام وكماله وعظمته هي تلك الجوانب التي يقول عنها نشطاء حقوق الإنسان أنها انتهاكات للقوانين الدولية لحقوق الإنسان أو أنها ليست إلا مجرد تفسيرات مشوهة لما ينبغي أن تكون عليه حقوق الإنسان. ومن أمثلة هذا أنَّ آن ماير تنتقد آراء المودودي التي ذكرها حول بعض حقوق المرأة على نحو يشبه كتابات ابن بيه، تقول آن ماير في نقدها ما يلي:

من الحقوق الأخرى الماخوذة من المصادر الإسلامية حق المرأة ألا يدخل عليها الرجال من أفراد أسرتها دون استئذان أو إعلام، وعندما يفكر المرء فيما تتضمنه حماية المرأة من مباغتة الرجال لها في بيتها يُدرك المرء أن هذا الحق ـ بعيدًا عن كونه يحافظ على الحريات ـ فإنه يفرض ضمنيًا بعض القيود على حقوق المرأة الأخرى، حيث إن هناك افتراض بعدم وقوع اختلاط بين الرجال والنساء وأن على المرأة أن تمكث في بيتها معزولة عن الرجال، ثم نجد أن هذه العزلة أو هذا الحجب يمتد ليشمل الرجال من أسرة المرأة فلا ينبغي لهم أن يباغتوا المرأة في حجرتها دون إعلام المرأة واستئذانها حتى تستر المرأة نفسها فلا يدخلها إلا وهي محتشمة بشكل مناسب. يحمل هذا الحكم أيضًا في طياته إشارةً ضمنيةً بأن المرأة ينبغي أن تبقى في عزلة ومحتجبة حتى وهي في بيتها إذا أن من واجب المرأة أن تتجنب التبرج والسفور، وبهذا نجد أن هذا الحق لا يتصل بأي حق هادف من حقوق الإنسان وإنما يتعلق بواجب المرأة التقليدي في ظل الشريعة أن تبقى معزولة ومنفصلة ومحتجبة .[84]

هذا الأمرـ الذي يبدو وكأنه اختيار انتقائي للحقوق التي تتوافق تماما مع قانون حقوق الإنسان أو تلك الحقوق التي يتم تعديلها بشكل كامل ـ لم يسلم من النقد أيضًا، وتعتبر آن ماير واحدة من أبرز النقاد لمثل هذه المحأولات لتقديم إعلان إسلامي لحقوق الإنسان، حيث تقول محقة عن هذه المحأولات:

تضم معظم حقوق الإنسان الإسلامية حقوقًا مقتبسة من القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتي تم تعديلها أو تشويه صورتها إلى حد ما، فصياغات "المسأواة" التي تم ذكرها ما هي إلا شروح وتوضيحات كاملة لبنود حقوق الإنسان في هذا الصدد، وتمثل المبادرات الإسلامية لحقوق الإنسان مزيجًا من مبادئ حقوق الإنسان الدولية وخصائص إسلامية غير واضحة، كما أن هذه الحقوق الماخوذة من القانون الدولي هي في صورة قيود إسلامية على هذه الحقوق. تنص المادة (24) على سبيل المثال على أن "كافة الحقوق والحريات التي ينص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإسلام تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية." ومن ثم فإن فرض هذه القيود الإسلامية يمثل ممارسة لا طائل منها مع عدم تقديم تعريفات محددة لماهية هذه القيود الإسلامية. ويبدو أن الكُتاب لا يودون أن يبينوا صراحةً أنهم يضمرون محأولة تقييد الحقوق ويفضلون الكلام عنها بشكل غير قاطع وصريح وبهذا يمنحون الحكومات حرية تفسير هذه القيود الإسلامية بشكل عام كما تريد، وبما أن الأصل في الحقوق السياسية والمدنية الحديثة أنها موضوعة لحماية حقوق الفرد ضد انتهاكات الدولة فإن السماح للدولة بممارسة الدهاء الكامل في تعريفها لمجال تطبيق هذه الحقوق والحريات يجعل من هذه الحريات والحقوق مجرد خداع ووهم.[85]

يمكننا القول في إيجاز أن الكُتاب المسلمين يتحدثون عن "حقوق إنسان" مختلفة تماما عن تلك التي تقدمها حقوق الإنسان المعاصرة مجسدة في كتابات مناصريها أمثال آن ماير وكثيرين غيرها. يمكننا أيضًا أن نستنتج من هذا أن هناك فجوة كبيرة بين المناقشات الإسلامية لمثل هؤلاء الكتاب الاعتذاريين وبين مطالب ومفاهيم حركة حقوق الإنسان، وهذا ما جعل آن ماير تنتهي إلى الاستنتاج التالي بشأن حقوق الإنسان الإسلامية:

بعد دراسة المفاهيم الغامضة والمشوشة لدى الكُتاب الذين يتبنون حقوق الإنسان الإسلامية في مذكراتهم يستطيع المرء أن يرى أن هؤلاء الكتاب ليس لديهم فهم كامل ودقيق لاهتمامات حقوق الإنسان الحقيقية، حيث تشمل كتاباتهم قيودًا لا وجود لها في برنامج يجمع ما بين الأسس الفلسفية المنتشرة والمتفق عليها وحقوق الإنسان الدولية.[86]

على الرغم أن العديد من الكتاب المسلمين قد يمتعضون لهذا النقد الحاد التي تشنه آن مايرضد "مشاريع حقوق الإنسان الإسلامية"[87] فليس هناك شك أن مثل هذا النقد سيلقى قبولًا واسعًا في ظل فهم العديد من المناصرين المعاصرين لحقوق الإنسان. وفي الحقيقة يشعر المرء بأنه إزاء وضع معقد للغاية؛ فكما أن المنهج الذي سلكه خالد أبو الفضل وعبد الله النعيم لن يلقى قبولًا بين جماهير المسلمين،فكذلك لن يجد المنهج الاعتذاري قبولًا يذكر بين العلماء الغربيين المناصرين لحقوق الإنسان.

وهذا مشهود بدرين الذي انتهج طريقًا أبعد مما سلكه كتاب آخرون في محأولته سد هذه الفجوة الواسعة، وتتميز كتاباته بسمات خاصة حيث يحأول صراحة أن يجمع بين جوانب معينة للنظرية الغربية لحقوق الإنسان مع جوانب معينة للنظرية الشرعية الإسلامية، ولذلك يستحق كتابه المقتبس من رسالته العلمية لنيل درجة الدكتوراه تسليط بعض الضوء في سياق هذا الكتاب. ربما يكون بدرين هو النموذج الأفضل للمنهج الثاني من هذه الفئة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا الجزء من الكتاب والتي وصفناها في موضع سابق بأنها تحأول إيجاد مساحة للمنأورة والتعأون المشترك بين قانون حقوق الإنسان وبين الشريعة الإسلامية. يوضح بدرين كيفية اختلاف منهجه عن غيره من الكتاب فيقول:

لقد كان المنهج المتبع بصفة عامة في معظم الأعمال السابقة كأنه حوار الشخص مع نفسه، كما يعكس ما وصفه واتسون بأنه افتراضٌ بأن التفسيرات الحالية للقانون الدولي لحقوق الإنسان هي تفسيرات معصومة من الخطأ، ولابد من تعديل أي شيء غير هذا القانون ليبقى هذا الافتراض قائما. وكان يطرح مرارا التعليل الذي مفاده أن مصادقة الدول المسلمة على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تكون ملزمة بلائحة من لوائح القانون الدولي التي من مضمونها أن الدولة التي توقع على هذه الاتفاقية "لا يجوز لها أن تتذرع بأحكام القانون الداخلي لها باعتباره مبررًا لعدم التزامها ببنود الاتفاقية التي توقع عليها." ومع ذلك فمن الناحية العملية نجد أن الدول المسلمة... في الغالب لا تعترض على نص القانون بل على بعض تفسيرات القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يقولون بأنه لا يهتم بالقيم الإسلامية... ولا شك أن هناك حاجة ملحة للجمع بين هذين الطرفين المتباعدين ومن تقديم رؤية بديلة للعلاقة بين القانون الدولي لحقوق الإنسان وبين الشريعة الإسلامية. يتحدى هذا الكتاب من خلال استخدامه الأدلة المستنبطة من الفقه الإسلامي ومن الممارسات الدولية لحقوق الإنسان الجدلية التي تقول بأن الالتزام ببنود القانون الدولي لحقوق الإنسان أمر مستحيل دون استثناءات تقر عليها الشريعة الإسلامية. كما يجمع الكتاب من الناحية النظرية بين الممارسة الدولية لحقوق الإنسان وبين نظام الفقه الإسلامي في شكل حوار بناء يقدم رؤية مشتركة للقضايا التي يتنأولها كل منهما، ويتطلب منهج حواري مشترك بهذه الصفة تحلي الطرفين بثقافة التسامح والإقناع والتخلي عن ثقافة ضيق الأفق والعنف والعدوانية، كما يتطلب القدرة على الإنصات للآخر وإظهار الاحترام المتبادل وتبادل الآراء.[88]

يقر بدرين من خلال هذا الكلام أن هناك "اختلافات في مجال العمل" بين كل من الشريعة الإسلامية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويقول أنه هناك مساحة للنقاش ونبذ التضاد، ولكنه ـ مرة أخرى ـ يقول أنه لابد من إحداث تعديلات في كل من طرفي القضية، وفيما يلي توضيحه لما يدعو إليه:

 يسعى تطبيق مبدأ التبرير إلى إحداث تغيُر نموذجي في التفسيرات التقليدية المتشددة للشريعة وفي التفسيرات الاقصائيّة للقانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي هذا الصدد نناقش قاعدة تغليب المصلحة (العامة) في نظام الفقه الإسلامي وقاعدة "هامش التقدير" في قوانين حقوق الإنسان الأوربية من أجل صياغة هذه الجدليات.[89]

ليس هذا مجرد موقف نظري من جانب بدرين وإنما نتيجة لمقارنته وثائق حقوق الإنسان بنوعيها العلمانية والإسلامية، وهذا ما يؤكده قوله في ختام كتابه حيث يقول بدرين:

توضح الدراسة التفصيلية لكل من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) في ضوء الشريعة الإسلامية إمكانية التوصل إلى توافق بنَّاء بين القوانين الدولية لحقوق الإنسان وبين أحكام الشريعة الإسلامية، ولكن يتطلب هذا التوافق إيمانًا صادقًا بإمكانية التوصل إليه مع التخلي عن الإجحاف والتحامل بين علماء الشريعة الإسلامية من جهة وبين مناصري القوانين الدولية لحقوق الإنسان من جهة أخرى.[90]

ينتهي بدرين إلى القول بأن النظر إلى الإسلام بوصفه متوافقًا مع حقوق الإنسان هو المنهج الأكثر ملائمة، ويقول بأن هذا لن يكون عن طريق المنهج الإعتذاري وإنما من خلال الإقرار بجوانب معينة في الشريعة الإسلامية مثل الحكومة الرشيدة واحترام العدالة وتغليب المصلحة العامة وغير ذلك من الأصول.[91] ويقول بدرين بأن الهدف الأول والأخير من حقوق الإنسان هو كرامة الحقوق الإنسانية والمحافظة عليها وهذا ما تقوم عليه الشريعة الإسلامية.[92] (ومع هذا فنجد– كما سوف نشيرإلى هذا فيما بعد– أن مصطلح "الكرامة الإنسانية" مصطلح مبهم لا يؤدي إلى أي نوع من التوافق إلا في المفاهيم العامة).

يوضح بدرين بنفسه الأصل الذي تستند إليه حجته التي مفادها أن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تتغير نتيجة لحقوق الإنسان:

من الممكن تعزيز حقوق الإنسان الدولية بشكل إيجابي في العالم الإسلامي من خلال التفسيرات المعتدلة والمتفاعلة والبناءة للشريعة الإسلامية بدلًا من التفسيرات المتشددة غير المتفاعلة لها، ويصدق هذا بشكل خاص فيما يتعلق بحقوق المرأة وحقوق الأقليات وتطبيق الحدود الإسلامية. ولقد أوضحنا بالإشارة إلى المذاهب المختلفة في الفقه الإسلامي وعرض الآراء الفقهية القديمة أنه حتى الفقهاء والمسلمون القدامى قد أكدوا على أهمية الوسطية والاعتدال، وكانت لهم آراءٌ بناءة يمكن الاعتماد عليها بشكل كبير اليوم لتعزيز قابلية تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان داخل نطاق أحكام الشريعة الإسلامية. لقد وصف القرآن الكريم الأمة الإسلامية بأنها "أمةً وسطًا" وهو وصف يؤكد أهمية الاعتدال والوسطية في الإسلام، كما يؤكد هذا التحليل الفقهي الإسلامي لميثاقين دوليين لحقوق الإنسان الحاجة الملحة لمراجعة بعض تفسيرات الشريعة الإسلامية في ضوء الآراء المعتدلة منذ عهد الفقهاء المسلمين القدامى حتى يتم فهم القوانين الموجودة في هذه التفسيرات بشكل كامل في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية. كما تحث أصول الفقه الإسلامي على تبني تفسيرات للشريعة من شأنها تعزيز روح التسامح والإحسان الإسلامية لاسيما عندما يتوافق منطق هذه التفسيرات مع الحاجة الملحة لتحقيق العدالة الاجتماعية والرفاهية الإنسانية.[93]

يمكننا القول في حالات عديدة أن الاستنتاجات التي توصل إليها بدرين تدور في فلك الاستنتاجات الفقهية المقبولة بصفة عامة. على سبيل المثال، يقول بدرين فيما يتعلق بلباس المرأة أنه قد يكون من الأفضل أن تدع الدولة الخيار للمرأة في أن تغطى كافة جسدها أو أن تظهر الوجه والكفين،[94]ولكن في الوقت ذاته قد نجد من الصعب تخيل قبول مناصري حقوق الإنسان من أمثال آن ماير فكرة أن يحدد زي المرأة دون الرجل، والحقيقة أن بدرين نفسه يستشهد بتعليقات اللجنة على اتفاقيات حقوق الإنسان على النحو التالي:

إن عدم المسأواة في تمتع النساء بحقوقهن في جميع أنحاء العالم حقيقة متأصلة بعمق في التقاليد والتاريخ والثقافة بما في ذلك السلوكيات الدينية...وعلى الدول الموقعة على اتفاقية حقوق الإنسان أن تضمن أن السلوكيات التقليدية أو التاريخية أو الثقافية لن تستخدم كذريعة تبرر انتهاكات حق المرأة في المسأواة أمام القانون، والتمتع العادل بكافة الحقوق التي تكفلها اتفاقية حقوق الإنسان.وعلى الدولة الموقعة أن تقدم المعلومات الكافية عن المظاهر التقليدية بها إلى جانب الممارسات التاريخية والثقافية والسلوكيات الدينية التي قد تحول دون – أو تحول بالفعل دون -الإذعان لما تنص عليه المادة (3) وأن تشير إلى التدابير التي قامت بها أو التي تنوى القيام بها للتغلب على مثل هذه العوامل.[95]

يبدو أن بدرين يغفل أن ما يدعمه كجزء من الشريعة الإسلامية لا يعبر عن المسأواة، ومن ثم فسوف يكون من حق بعض مناصري حقوق الإنسان القول بأن هذا ينتهك القانون الدولي، في الحقيقة كلمات بدرين في هذا الصدد خير دليل على أن منهجه في المقاربة لن يلقى قبولًا حتميًا، يقول بدرين:

على الرغم أن الرجال والنساء يُعدون متسأوين إلا أن ذلك لا يعني التطابق التام في الأدوار التي يقومون بها لاسيما داخل نطاق الأسرة. وقد ذكر محمد قطب أنه وإن كانت المسأواة بين الرجل والمرأة مطلب طبيعي ومنطقي فإن هذه المسأواة لا ينبغي أن تمتد لتبديل الأدوار والوظائف التي يقوم بها كل منهما، وهذا من شأنه أن يحدث مواقف تباين في الأدوار التي يقوم بها كل من الرجل والمرأة في ظل الشريعة الإسلامية إلى حد ما يمكن أن يعتبره القانون الدولي لحقوق الإنسان تميزًا على أساس الجنس بينهما، وعلى الرغم أن ملاحظات الأمم المتحدة على مسودة المادة (3) حول المسأواة في الحقوق بين الرجل المرأة قد سجلت تقديرًا لمحرري هذه المادة إلا أنه كان من الصعب أن يرى الجميع إمكانية تجاهل الأعراف والأنظمة القانونية أو أن يمكن تغيير المجتمعات المنظمة في مدة زمنية قصيرة أو أن يتم تغيير المواد التشريعية الخاصة بالعقيدة والدين من خلال بنود الاتفاقية فقط. ويبدو أن لجنة حقوق الإنسان باتت مقتنعة في ظل التجارب التي مرت بها من خلال الأنشطة التي قامت بها على مدار العقدين الماضيين أن تعمل على تطبيق معايير عالمية لتحقيق المسأواة الكاملة بين الجنسين في ظل الميثاق الدولي لحقوق الإنسان والذي يهدف إلى تغيير السلوكيات الدينية والثقافية والتقليدية التي تحط من شأن المرأة على مستوى العالم.[96]

اقترح بدرين في مواضع أخرى قبول الآراء التي تعد آراء الأقلية من العلماء على مر العصور. ومن المهم قبل التطرق إلى مناقشة أمثلة بدرين أن نذكر نقطة متعلقة بالشريعة الإسلامية أخفق بدرين في الانتباه لها بينما يحأول جاهدًا التوفيق بين الإسلام والقانون المعاصر لحقوق الإنسان. إن مجرد تبني أحد العلماء المسلمين لرأي من الآراء لا يعني أن نعده صائبًا من وجهة نظر الشريعة، ويبقى السؤال المهم: هل هذا الأمر مبرر من منظور الشريعة أم لا وليس ببساطة هل قال أحد المسلمين بهذا الرأي أم لا؟ ويبقى الواجب على العالم المسلم (بل أي مسلم) أن يتبع الحق الذي له ما يؤكده من القرآن والسنة، أما اختيار رأي من الآراء لمجرد أنه لائق سياسياً حتى لو بدا متناقضًا مع القرآن أو السنة أو كان تناقضه لهما واضحًا فهذا لا مبرر له، كما أنه من الضرر البالغ أن نميل لآراء معينة لمجرد أنها تتوافق مع الاتجاه السائد في عالمنا اليوم.

كتب بدرين معلقًا على مسألة الردة ما يلي:

إن شمول تفسير الحق في حرية الفكر والاعتقاد ليضم حرية المرء في تغيير ملته بل واعتناق الآراء الملحدة لم يسلم من الجدل واختلاف الآراء بين العلماء المسلمين وهم يتنأولون مسألة حكم الردة في الشريعة الإسلامية. وسوف نتطرق فيما يلي إلى تحليل الآراء المختلفة في هذه المسألة، ومع هذا فإن الاتجاه العام بين العلماء المسلمين المعاصرين في مسألة الحرية الدينية في ظل الشريعة الإسلامية يتمثل في التأكيد على التوجيه القرآني في قوله تعالي:      ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ.. ﴾[97] (البقرة: 255)

ثم يستشهد بدرين بعد ذلك برأي كل من الدكتور إسماعيل الفاروقي والأستاذ محمد فتحي عثمان في هذه المسألة، ثم ينتقل بدرين من خلال استشهاده بآراء العلماء القدامى إلى مناقشة أخرى لا صلة لها بهذه المسألة حول عدم إكراه الزوجة غير المسلمة لاعتناق الإسلام.[98]

وفيما يتعلق بحق الزوج في الطلاق قال بدرين في معرض مناقشته لتعليق لجنة حقوق الإنسان على هذا حيث قالت: "يجب أن تكون أسباب الطلاق وفسخه حقًا مكفولًا للرجال والنساء على حد سواء"، ويقول بدرين بشأن هذا "الإشراف القضائي من قبل الدولة على فسخ النكاح قد تبرره قاعدة (المصلحة العامة)."[99]كما يقول بأن هذا الإشراف على الطلاق من قبل الدولة من الممكن أن يعتبر جزءًا من مبدأ الحسبة والتي يجب على الدولة فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقول بدرين زيادة في تأييد منهجه المبتكر "بما أن فسخ النكاح بأمر قضائي هو بمثابة وسيلة عقابية تقرها الشريعة الإسلامية فلن يرتقي لسن قوانين جديدة وإنما إزالة الميزة الإجرائية لهذا الفسخ والتي عامة ما تخضع لسوء استغلال البعض." وقد لاحظ بدرين أن هذه الآراء سوف تواجه معارضة قوية فقال:

ومع هذا اعتبر خلَّاف أن إبطال حق الرجل في الطلاق وتخويل أمر فسخ عقود الزواج إلى دور القضاء بشكل كامل هو تحقيق لمصلحة وهمية، ويمكننا أن نختلف مع خلَّاف في هذا لأن هذا المنهج الجديد لا يتعارض مع أمر قرآني صريح في الطلاق، كما يتفق هذا المنهج مع سنة النبي- صلى الله عليه وسلم - المتمثلة في قوله: "لا ضرر ولا ضرار." وسوف يزيل هذا المنهج ضررًا حقيقًا واقعًا على المرأة وإضرار بالرجل حيث لا يسد سبل الطلاق أمام الرجل وإنما يضمن أن الطلاق يقع لأسباب وجيهة.[100]

وإذا قُبلت حجة بدرين هنا لاستنتاجها المنطقي، فهذا يعني أنه إذا رأت الدولة الإسلامية أن الرجال لن يسيئوا استخدام حقهم في الطلاق فسوف يُعاد إليهم هذا الحق، ولكن هذا يُعد انتهاكًا لقانون حقوق الإنسان لأن الحق في الطلاق لن يكون مكفولًا بالمسأواة لكل من الرجل والمرأة، وبما أن حجة بدرين هنا زائفة فإنه لا يمكنه الادعاء بأن "القانون" من الممكن صياغته بما يتفق مع مطالب حقوق الإنسان إلا في ظل ظروف استثنائية يسيء الرجال فيها استعمال حقهم في الطلاق، وإذا لم يحدث هذا يجد المرء نفسه مرة أخرى أمام حالة من التعارض بين الشريعة الإسلامية ومطالب حقوق الإنسان.

وعلأوة على هذا، هناك بعض الحالات التي ينص فيها بدرين على أن المسلمين لا يمكنهم التحلي بالمرونة فيها، وفي مثل هذا يصبح لزاما علينا أن نستدعي هامش مفهوم التقدير في القانون الدولي وأن نتقبل ظروف المسلمين الخاصة التي تمليها عقيدتهم الدينية. وعلى هذا النحو يرفض بدرين ـ على سبيل المثال ـ  قبول الإجهاض لمجرد أن الحمل لم يكن مرغوبًا فيه[101]. وكذلك كتب بدرين معلقًا على مسألة "الأطفال غير الشرعيين" بما يلي:

 تتعلق المشكلات الأساسية بقضايا المرأة العاملة ومفاهيم الأسرة والأطفال المولودين خارج رابطةالزوجية. وإذا كانت قضايا النساء العاملات في معظم الدول الإسلامية تحكمها التقاليد والعادات وليست الشريعة الإسلامية نفسها، فإن قضايا الأسرة والأطفال المولودين خارج رابطة الزوجية تنظمها الشريعة الإسلامية بشكل حاسم وتضع لها ضوابط محددة...وتشمل مسألة الأسرة والأطفال المولودين خارج رابطة الزوجية مبدأً إسلاميًا يجمع بين الدين والأخلاق، ويتطلب اعترافًا بمفهوم هامش التقدير للدول الإسلامية كما هو مُوضح بمزيد من التفصيل في الفصل الخامس من هذا الكتاب.[102]

يمكننا القول في إيجاز أن الجزء الأول من أطروحة بدرين يحأول تغيير المنهج الدولي لحقوق الإنسان بينما يعرض الجزء الثاني من أُطروحته نظرة جديدة إلى الشريعة الإسلامية؛ ويعتمد جزء من أطروحته بشكل كبير على مفهوم "هامش التقدير" بينما يناقش جزء آخر منها المفهوم الإسلامي الذي يُسمى بتحقيق المصلحة العامة ومقاصد الشريعة، ولاشك أن كل هذه النقاط التي تنأولها بدرين قابلة للنقد والمناقشة على الأقل بخصوص الأسلوب التي عُرضت به.

من الأهمية بمكان أن نلاحظ فيما يتعلق بمفهوم "هامش التقدير" أن هذا المفهوم لم يلق قبولًا واسعًا في حركة حقوق الإنسان، وفي الحقيقة لاحظ بدرين نفسه هذا في قوله: "لم تتبن لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مفهوم "هامش التقدير" بشكل رسمي من الناحية العملية، ولكنها أشارت إليه في هيرزبيرج وآخرون ضد فنلندة (Hertzberg and Others v. Finland).[103] وفي الواقع رفضت لجنة حقوق الإنسان صراحة كما ذكر ذلك بدرين بنفسه مفهوم "هامش التقدير" وصرحت بأن كل دولة ملزمة ببنود المادة المعنية من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان.[104] هناك تخوف من أن يؤدي مفهوم الهامش التقديري إلى نسبية ثقافية ومن ثم إلى رفضٍ كامل لقانون حقوق الإنسان على هذا الأساس، ومن ثم فإن هذا يعني أن بدرين يبني نظرية المصالحة على نظرية ليست جزءًا من القانون الدولي لحقوق الإنسان أو تفسيره حتى وإن كانت أوربا تحتل مكانة بارزة فيما يتعلق بفهم حقوق الإنسان.

أيضًا يحتاج منهج بدرين تجاه الشريعة الإسلامية إلى إعادة نظر، ومن المثير أن نجد بدرين يتفق مع آن ماير في أن بعض المناهج القديمة لفهم الإسلام بحاجة إلى إعادة إحياء حتى يكون هناك توافق أكثر بين الإسلام وحقوق الإنسان. بعد الاستشهاد بفقرة من كتاب آن ماير تشير فيهاإلى "العديد من المفاهيم الفلسفية والقيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية" الموجودة في "الإرث الفكري الإسلامي فيما قبل الحداثة" كتب بدرين يقول: "إنها تلك القيم والمفاهيم الإنسانية الإسلامية التي تحتاج إلى إحياء كامل من أجل تحقيق حقوق الإنسان الدولية في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة الإسلامية."[105] وللأسف لم يوضح بدرين هذه النقطة، ولا يملك المرء إلا أن يتمنى أنه لن يثني ـمثل آن مايرـ على مذهب المعتزلة والخوارج أو يأمل استعادة مناهجهم التفسيرية.

أما فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية ينتقد بدرين التفسير الثابت للشريعة الإسلامية حيث يؤكد بدرين أهمية مبدأ المصلحة العامة ومقاصد الشريعة[106]، وفيما يلي يعرض بدرين شرحه لمنهجه فيقول:

استنادًا إلى الصورة العامة التي أوضحناها سابقًا لطبيعة وتطور الشريعة الإسلامية، تدعو هذه الدراسة إلى الأخذ بمبدأ تغليب المصلحة العامة بوصفه أحد الأصول المهمة في الشريعة الإسلامية للتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وتطبيقه في ظل تطبيق الشريعة. ويستند هذا إلى الصورة التي أوضحناها سالفًا بأن القوانين الدولية لحقوق الإنسان تهدف إلى حماية الأفراد من إساءة السلطات الحكومية كما تهدف إلى نشر الكرامة الإنسانية وتعزيزها. وسوف نستند في دراستنا هذه إلى مبدأ المصلحة العامة بمفهومه العام للشريعة والذي يهدف إلى تحقيق كل ما فيه خير للمرء ويرفع عنه كل حرج وهذا هو المعنى الذي تؤكده الآية الكريمة في قوله تعالي: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨)

هذا المبدأوهو مبدأ المصلحة العامة في صلته بمقاصد الشريعة سوف يوجه مبدأ التخيُّر لسهولة الانتقال بين المذاهب الرئيسية في الفقه الإسلامي إلى جانب دراسة آراء بعض الفقهاء المسلمين لدعم الحجج البديلة في القضايا الأساسية في هذا الكتاب.[107]

لهذين المفهومين فائدة عظيمة ولا شك في قبولهما بصفة عامة داخل إطار النظرية الفقهية المستقيمة، ومع هذا فإن المشكلة في هذين المفهومين أنه يمكن إساءة استخدامهما بسهولة، حيث يمكن استخدامهما لتجاهل الاستنتاجات الفقهية الثابتة من ناحية وهذا أمر قابل للجدال والخلاف، ومن ناحية أخرى يمكن استخدامهما لتجاهل نصوص واضحة وصريحة في القرآن والسنة وهذا أمر إشكالي في العديد من الحالات ولا يمكن تقبله بحال من الأحوال.

هناك مبدأ آخر يدعو إليه بدرين حيث يقول: "قد تتغير الأحكام الفقهية مع مرور الوقت." ويقول أن هذا ينطبق في معظم الحالات على المسائل "التي تتعلق بالمعاملات."[108] وهذا مبدأ مهم بلا شك حيث يسهل تغيير الفقه الإسلامي، ومع ذلك فلم يذكر بدرين الحقيقة في أن هذا المبدأ يتم تطبيقه فقط في الأحكام والقوانين التي لم ينص عليها القرآن أو السنة صراحةً، وهذه أحد النقاط المهمة التي يتجاهلها معظم الناس عند الحديث عن هذا المبدأ.

ويؤكد بدرين كذلك على أوجه الاختلاف بين المنهج النصي/المتشدد والمنهج التطوري في فهم الشريعة الإسلامية، ويوضح بدرين بشكل واضح ما يطلق عليه المنهج التطوري حيث يقول:

 يمثل "التطويريون" هؤلاء الذين يحأولون إلى جانب درايتهم بالفقه الإسلامي التقليدي ومناهج الشريعة الإسلامية أن يجعلوه مواكبًا للأزمنة المعاصرة، ويؤمن هؤلاء بضرورة استمرار تطور الشريعة الإسلامية، ويقولون بأنه إذا كان للشريعة حقًا أن تتواكب على نحو هادف مع صور التطور الحديث وأن تكون قابلة للتطبيق في كافة العصور فلا بد من تدارك مثل هذه الصور في تفسير الشريعة وتطبيقها. ويشار إلى هؤلاء أيضًا بالمسلمين المعتدلين أو الليبراليين، ويتبنون منهج النظرة للماضي والمستقبل في تفسيراتهم للشريعة وتطبيق الفقه الإسلامي التقليدي في ضوء السياق والقرينة، ويعتمد مجال التوفيق بين الشريعة الإسلامية وبين القانون الدولي لحقوق الإنسان بشكل كبير على ماهية المنهج الذي يتم تبنيه في تفسير الشريعة وتطبيق الفقه الإسلامي هل هو المنهج الوسطي أم التقليدي.[109]

قد يجد التقسيم الذي قدمه بدرين بين "المتشددين" و"الليبراليين" صدى لدى العديد من العلماء الغربيين ولكنه في الحقيقة تقسيم زائف فُرض على مناقشة الإسلام وما تعلق به في السنوات الأخيرة لعديد من الأسباب السياسية. والحقيقة أن التقليديين لا بد أن يكونوا أكثر مرونة في تطبيقهم للشريعة الإسلامية اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه، ولكن يجب أن تكون هذه المرونة في نطاق حدود معينة من الشريعة. ولم يقبل العديد من العلماء التقليديين المنهج الليبرالي لأنه يسعى لتجأوز هذه الحدود ومن ثم فلا يمكن أن يوجد له مسوغ في أي تفسير لنصوص القرآن أو السنة.

تبدو أطروحة بدرين من أول وهلة منهجًا جديدًا يحأول إيجاد توافق جيد بين بعض التفسيرات الحديثة لفكر حقوق الإنسان وبعض الجوانب الموجودة بالفعل في نظرية الشريعة الإسلامية، وفيما يلي بعض الاستنتاجات المهمة بشأن كتاب بدرين:

1.                      يؤكد بدرين أن هناك قضايا معينة لا يمكن أن تسأوم عليها الشريعة الإسلاميةلذا يجب احترام هذه النقاط في الشريعة الإسلامية وحسب، وعلأوة على هذا لم يصل بدرين إلى تطرف المنهج الحداثي/التقدمي حيث لم يدع إلى فهم جديد تماما للقوانين والأحكام الإسلامية، وإنما بحث عن الآراء التي قال بها أحد أو بعض العلماء في الماضي، وهذا من شأنه أن يجعل لاستنتاجاته قبولًا أفضل بين الجماهير المسلمة، ولكنه أهمل حقيقة مهمة وهى أن القضية الأساسية بالنسبة للفقه الإسلامي ليس مجرد أن عالما ما قال برأي ما في الماضي، بغض النظر عن مكانة هذا العالم، ولكن القضية الأساسية هي هل هناك دليل لهذا الرأي في ضوء القرآن والسنة أم لا.

2.                      على الرغم أن بدرين يطالب هؤلاء الذين يقفون في جانب حقوق الإنسان أن يلجئوا إلى مفهوم "هامش التقدير" إلا أنه من الصعب أن تتخيل أن بعضًا من استنتاجاته ستكون محل قبول لدى بعض مناصري حقوق الإنسان الأكثر تشددًا مثل آن ماير وهولاند ومناصري الحركة النسائية وغيرهم. وفي هذا المنهج لا تختلف حجج بدرين وتفسيراته كثيرًا عن الكتابات الاعتذارية التي تتنأول حقوق الإنسان.

3.                      يجب على المرء أن يتساءل حول مد ىسداد الدعوة إلى تطبيق مبدأ المصلحة العامة وغيره من أدوات الشريعة الإسلامية ليكون الفقه متوافقًا مع ما تنادي به منابر حقوق الإنسان المعاصرة؛ أولًا:  لا بد أن يتساءل المرء هل هذا أسلوبٌ مقبولٌ لدعوة تطبيق مبدأ المصلحة العامة،  ثانيًا: لا بد أن يتساءل المرءلماذا يجب إجبار الشريعة الإسلامية على التوافق مع الفكر المعاصر لحقوق الإنسان. هذا بلا شك هو السؤال الأهم الذي تجاهله بدرين بصورة أساسية، وإن كان هو السؤال الذي سيلعب دورًا كبيرًا في ما تبقى من هذا الكتاب.

تبقى نقطة أخيرة ينبغي ذكرها بشأن بدرين في دعوته لتطبيق مفهوم مقاصد الشريعة أو الأهداف والأولويات العامة للشريعة الإسلامية، ويبقى الحق أنه ـ وكما سوف نوضح هذا لاحقًا ـ لو كان شيءٌ يوضح أن مقاصد وفكر وحقيقة الإسلام مختلفة عن أهداف وحقيقة حركة حقوق الإنسان فهذا الشيء هو مقاصد الشريعة نفسها، وتتلخص مقاصد الشريعة التي تدور في فلكها كافة أحكام الشريعة في خمسة مقاصد هي حفظ الدين والنفس والنسل (والعرض) والمال والعقل، وتختلف هذه المقاصد اختلافًا كبيرًا عن الأهداف التي يسعى لتحقيقها نشطاء حقوق الإنسان خاصة عندما يتذكر المرء التأكيد البالغ على حفظ الدين. فعلى سبيل المثال من الأحكام الإسلامية التي يصعب على حقوق الإنسان تقبلها حكم الردة، ولو كان هناك حكم شرعي يتوافق مع مقاصد الشريعة وأهدافها فلا شك أنه حكم الردة لأن الغاية منه حفظ وحماية الهدف الأسمى من أهداف الشريعة ألا وهو حفظ الدين، وبهذا نجد أن الدعوة لتطبيق مبدأ مقاصد الشريعة لا تؤيد في حقيقتها على المدى الطويل قضية بدرين التي يدعو لها.

لقد ناقشنا في هذا الكتاب عمل بدرين بشيء من التفصيل لأنه يبدو كأنه يقدم شيئاً مختلفًا عن غيره: في صورة توافق حقيقي بين الشريعة الإسلامية وقانون حقوق الإنسان. حأول بدرين تحقيق ذلك من خلال دمج ليس فقط بعض جوانب الشريعة الإسلامية وهو النمط النموذجي الرائج بين العديد من الكُتاب الذين يندرجون تحت هذه الفئة الاعتذارية ولكنه حأول أيضًا دمج بعض التغيرات في قانون حقوق الإنسان، ومع هذا كله فعلى المدى البعيد لم ينجح بدرين في مسعاه. وليس من العجيب أن تخفق هذه المحأولة كما أخفقت من قبلها العديد من المحأولات كما سوف نبين ذلك فيما تبقى من صفحات هذا الكتاب، ولا شك أن هناك سبب مشترك بين هذه المحأولات للوصول إلى هذا الوضع المتعسر والذي لا يزال يتكرر بين مناصري الشريعة الإسلامية ومناصري الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان.

 إلى أين نذهب؟

كرست صفحات عديدة في هذا الفصل لإلقاء الضوء على المناهج الحالية لكيفية التوفيق بين الإسلام وحقوق الإنسان، والسبب في تنأول هذه المناهج بشيء من التفصيل أن هذه التفاصيل توضح كيفية تنأول هذا الموضوع ووضعه في السياقات والإطارات المعاصرة على طأولة الجدل والنقاش.[110] يدعو منهجان من ثلاثة مناهج إلى التخلي عن دين الإسلام بطريقة فهمه وممارسته طوال قرون، بينما يسعى المنهج الثالث إلى تكوين مزيج سيء للغاية من الإسلام وحقوق الإنسان، وفي الحقيقة يتفق مؤلف هذا الكتاب كثيرًا مع وجهة نظر مايكل إجناتيف عندما قال:

لقد كانت هناك محأولات متكررة بما فيها الإعلانات الإسلامية لحقوق الإنسان للتوفيق بين التقاليد الإسلامية والتقاليد الغربية من خلال التأكيد بصورة أكبر على واجب الأسرة والإخلاص الديني ومن خلال التأكيد على تقاليد التسامح العرقي والديني المميزة، ومع هذا فلم تنجح قط هذه المحأولات في تحقيق الانصهار التوافقي بين الإسلام والغرب بشكل كامل:حيث كان الاتفاق بين الأطراف يتجاهل النقاط المهمة لدى كل منها، ومن ثم يأتي البيان المتفق عليه عقيما وغير مقنع بالمرة.[111]

ويرى المؤلف في المنهج الذي يتبناه أن الإسلام مستقل تماما عن حركة حقوق الإنسان المعاصرة، وأن مصادر وأسس كل منهما مختلفة ومستقلة تماما، ومن ثم فليس من المنطق أن نتوقع أن يتوافق أي منهما مع الآخر بشكل كامل، وعلأوة على هذا فإن مقارنة الاثنين أمر صعب للغاية لكثرة ما بينهما من أوجه الاختلاف (وعلى الرغم من هذا فسوف يضم هذا الكتاب بعض جهود المقارنة).

من المهم جدًا أن يفهم جيدًا كل من طرفي القضية ماهية الطرف الآخر، ذلك أن حركة حقوق الإنسان تدعي لنفسها مزاعما كبيرة وعريضة وكذلك الإسلام يدعي مزاعما كبيرة وعريضة، وفي كثير من الأحيان نجد أن كافة هذه المزاعم حول نفس القضايا لكن الاستنتاجات مختلفة اختلافًا كبيرًا إن لم تكن متناقضة تماما، وفي هذا العصر ينبغي أن يكون المرء أمينًا وواضحًا حول هذه الفروق الفلسفية. وسوف يتضح لنا أن فلسفة حقوق الإنسان ومبادئها تختلف عن مبادئ الإسلام وأصوله، وهذا يضع في أذهاننا نقطة في غاية الأهمية فحواها: لماذا يحأول المسلمون أن يجعلوا الإسلام يتوافق مع نظام ليس من الإسلام في شيء؟ فمن المؤكد أن العلماء المسلمين لا يقومون بهذا تجاه النصرانية أو اليهودية حيث لا يحأولون إثبات توافق كل منهما بصورة كاملة. ومع هذا ربما بسبب عقدة الدونية التي بدأت عندما استعمرت الدول الغربية جزءًا كبيرًا من العالم الشرقي وآمن العديد من المسلمين بفكرة أن حقوق الإنسان هي عطية من الله مثلها في ذلك مثل الحضارة والعلوم الغربيتين، وشعور العديد من المسلمين أن عليهم أن يبرهنوا على عدم وجود أية تعارض بين حقوق الإنسان والإسلام.

لا يدور النقاش هنا حول النسبية الثقافية بل هي في الحقيقة تساؤل عن أساس أصيل في هيكل حقوق الإنسان، وهذا النقد نقد سليم وله أهميته حتى من وجهة النظر العلمانية، فالسؤال إذن حول ماذا بإمكان هذه الحركة أن تقدم للإسلام؟ ولا يعني هذا رفض كل ما يقول به مناصرو حقوق الإنسان، فلا شك أن الإسلام يقر ويدعم العديد من المفاهيم التي تدعو لها حركة حقوق الإنسان كما سوف نبين ذلك فيما بعد. ومع هذا فلا يجب أبدًا أن نخلط بين الإسلام وبين الفلسفة أو الفكر الفلسفي أو العلماني الذي ما زال يشكل الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان.

في الحقيقة، بمقدور المؤلف أن يطرح فرضيته المنطقية في عبارة أقوى من هذه، حيث توضح الصفحات السابقة صعوبات التوفيق التام بين النظريات الحالية لحقوق الإنسان وبين الشريعة الإسلامية. وفي المناهج الثلاثة التي ناقشناها فيما سبق كان على الإسلام دائما أن يتوافق مع معايير حقوق الأنسان أو أن يكون على الأقل مقبولًا في ضوء النظرية الحالية لحقوق الإنسان. ومع ذلك فهناك سؤال مهمٌ لم يتم الإجابة عليه وهو: لماذا يكون الإسلام مسؤولًا أمام مزاعم نظرية حقوق الإنسان؟ أو بعبارة أخرى؛ ما هو الشيء الذي تمتلكه نظرية حقوق الإنسان مما يجعلها المتعهد الذي لا ريب فيه للحقيقة حتى أنه على الأديان أن تتوافق مع معاييرها؟ هل هناك شيء في نظرية حقوق الإنسان بلغ من الصواب مبلغًا يجعل مجرد التساؤل حول هذا الشيء أمرًا غير مقبول؟ أم أن هذا مجرد تكرار لعبارة "عبء الرجل الأبيض" والتي تعنى أن الغربيين يشعرون بأن عليهم إنقاذ المسلمين؟[112]

سوف يسلك هذا العمل منهجًا مختلفًا تماما تجاه القضية الحالية، وسوف يوضح أن الإسلام ليس بحاجة إلى أيديولوجية حقوق الإنسان، ولن يكون ذلك بأسلوب متعجرف أو بمجرد القول بأن الإسلام هو الهداية المنزلة من عند الله وأنه محال على الفكر البشري أن يحقق شيئًا من عظمة التشريع الإلهي وإن كان هذا هو ما يؤمن به كل مسلم عن يقين. فالنهج الذي يسلكه الكاتب في هذا الكتاب مختلف تماما، حيث يستخدم الكاتب النقد الذي توجهه حركة حقوق الإنسان إلى الإسلام في إظهار حقيقة الخلل البين الذي يقوم عليه نظام حقوق الإنسان إلى جانب تناقضه مع نفسه وعدم توافقه من الناحية المنطقية.

ولا يعني هذا أن الإسلام يتخذ موقفًا معارضًا لحقوق الإنسان، فالإسلام يدعم ويدافع عن حقوق إنسانية كثيرة كما سوف نبين ذلك فيما بعد، كما لا يعنى هذا أيضًا أنه ليس هناك شيء نافع أو جيد في دعوة حقوق الإنسان، بل يعني هذا أن دعوة حقوق الإنسان ـ مثلها مثل باقي الأنظمة الوضعية وكما يرى ذلك العديد من الناس اليوم ـ  لا يمكنها أن تقدم للبشرية ما يقدمه الدين الحنيف الذي جاء من عند الله.


 الفصل الثاني: تاريخ حقوق الإنسان: هل حقوق الإنسان أحد المفاهيم الغربية الحديثة؟

هناك اختلاف كبير في الآراء حول بداية تاريخ حقوق الإنسان. على سبيل المثال تقول آن ماير: "إن مفاهيم حقوق الإنسان هي عبارة عن جزء من سلسلة من الأعراف التي انتقلت من الغرب منذ القرن التاسع عشر."[113] وينفي جاك دونلي بشدة أن تكون أي حضارة أخرى (بما فيها الحضارة الغربية في فترة ما قبل الحداثة) قد عرفت أي مفهوم قريب من المفهوم الحالي لحقوق الإنسان، ومن أمثلة ذلك أن كتب جاك دونلي ما يلي: "معظم الأعراف السياسية والثقافية غير الغربية لا يعوزها ممارسة حقوق الإنسان وحسب بل مجرد مفهوم حقوق الإنسان. ومن الحقائق التاريخية أن مفهوم حقوق الإنسان أحد ثمار الحضارة الغربية الحديثة."[114]

ويؤكد جاك دونلي هذا بشكل قاطع في موضع آخر حيث يقول: "لا زلت أقول بأن الأعراف السياسية والثقافية غير الغربية إلى جانب الأنظمة الغربية في فترة ما قبل الحداثة لم يعوزها فقط ممارسة حقوق الإنسان فحسب وإنما لم يكن تعرف هذا المفهوم أصلًا."[115]

ومن الناحية الأخرى يزعم يوجيندرا خوشلاني أن " مفهوم حقوق الإنسان يمكن تتبعه عبر تاريخ الجنس البشري نفسه."[116] وربما تكون الصورة الأكثر واقعية كما تذكر موسوعة بريتانيكا أن:

يُرجع معظم الباحثين في حقوق الإنسان الأصول التاريخية لهذا المصطلح إلى عهد اليونان القديمة وروما حيث كان المصطلح وثيق الصلة بمبادئ القانون الطبيعي فيما قبل الحداثة والخاصة بمذهب الرواقيين الإغريق (مدرسة فلسفية أسسها الفيلسوف الرواقي اليوناني زينو من مقاطعة كيتيوم الفينيقية، وتقول هذه المدرسة الفلسفية بأن القوة العالمية العاملة تتخلل جميع الخلائق ومن ثم فيجب الحكم على السلوك البشري وفقًا لهذه القوة كما يجب أن يسير في تناغم مع قانون الطبيعة.)[117]

وإلى جانب هذا، يشير بعض المؤلفين المسلمين كما ذكرنا ذلك من قبل ضمنًا إلى أن فكرة حقوق الإنسان قد بدأت مع قدوم الإسلام، وفيما يلي ما قاله جاك دونلي تعليقًا على هذه الظاهرة:

نجد غالبًا في كافة الأدبيات العربية المعاصرة حول هذا الموضوع [حقوق الإنسان] قائمة بالحقوق الأساسية التي أرستها الإعلانات والاتفاقيات الحديثة ثم نرى محأولة جادة لإرجاع أصل هذه الحقوق إلى نصوص قرآنية (زكريا، ص. 228)، بل يقول مؤلفون كثيرون (مثل تابنده [Tabandeh 1970: 1، 85) أن مبادئ حقوق الإنسان الحالية ما هي إلا مجرد نسخة متكررة للأفكار الإسلاميةالتي ترجع إلى ما قبل ألف وأربعمائة عام، وتستند الحجة التقليدية في هذه الأدبيات الغزيرة إلى القول بأن "الإسلام قد أرسى الحقوق العالمية الأساسية للبشرية جمعاء والتي ينبغي احترامها وامتثالها في كافة الظروف...فهي حقوق أساسية لكل إنسان لمجرد أنه إنسان" (المودودي، 1976: 10) " لقد جسدت الشريعة الإسلامية من أول يوم المفاهيم والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان."[118]

(ثم يختتم جاك دونلي هذه الفقرة بتقديم رأيه في هذه المزاعم فيقول: "ومع هذا، فمثل هذه المزاعم لا أساس لها.[119]")

وتؤكد ميتشيلين إيشاي حقيقة أن أصل حقوق الإنسان مسألة خاضعة للأبعاد والميول السياسية تُمنح الميزة فيها لنظام قيمي معين ضد التحديات المواجهة لهذا النظام القويم الأساسي[120]. ولهذا يجد المرء مثل هذه المزاعم الكثيرة حول أصول حقوق الإنسان.

والسؤال الأبرز الذي يطرح نفسه الآن هو: كيف يتوصل هؤلاء الباحثون إلى استنتاجات مختلفة حول تاريخ أصول حقوق الإنسان؟ والإجابة على هذا السؤال سهلة للغاية، فمع الكم الهائل من الحديث عن أهمية حقوق الإنسان في هذا العصر، نجد أن هناك حقيقة قلما تُذكر وهي أن مختلف الناس لهم تصورات مختلفة حول الماهية الحقيقية لحقوق الإنسان، ومن ثم تجد أن البعض يقول بأن أصول حقوق الإنسان ترجع إلى التاريخ القديم بينما يقول آخرون أنها وليدة العصر الحديث والعالم الغربي.

من الصعب أن نتخيل أن الحضارات السابقة لم تكن تعرف بعض الحقوق الإنسانية التي كان يستحقها كل إنسان، ولا شك أن حقوقًا مثل حق تكوين أسرة والحق في حرية التحرك والانتقال وغير ذلك من حقوق كانت تلقى قبولًا "وإن اختلف مداه"[121] ـ مثلها في ذلك كثير من الحقوق ـ وكانت مصونة دون أن يكون هناك دعوة لها" كحقوق الإنسان". ينطبق هذا المفهوم على الشريعة الإسلامية بصفة خاصة حيث أن هناك قاعدة عامة في الشريعة الإسلامية تقول بأن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يكن هناك نص يحرمها.[122] وبعبارة أخرى، لكل فرد من أفراد المجتمع الحق أو الحرية في أن يمارس أي شيء مادام هذا الشيء لم ينزل نص شرعي بتحريمه، ولم يكن يطلق على شيء كهذا "حق من حقوق الإنسان" حيث لم يكن هذا المصطلح دارجًا أنذاك.

كذلك من الأهمية بمكان أن ندرك أن مفهوم "حقوق الإنسان" المعاصر مفهوم حديث وله أصوله الغربية وهذا زعم له ما يبرره. يوضح جاك دونلي علاقة هذا المفهوم بحقوق الإنسان وليس بواجباته، حيث إن مفهوم واجبات الإنسان يمكن وجوده في مجتمعات أخرى أو في المجتمعات السابقة، يقول جاك دونلي:

كان لدى المجتمعات التقليدية–الغربية وغير الغربية على حد سواء– أنظمة واجبات واضحة، وكان العديد من هذه الواجبات استجابة للقيم والالتزامات التي نربط بينها وبين حقوق الإنسان اليوم، ومع هذا كان لدى هذه المجتمعات مفاهيم مثل العدالة والشرعية السياسية ورغد العيش وكان الهدف من العمل وفق هذه المفاهيم صيانة كرامة الإنسان وتوفير حياة كريمة له بشكل مستقل تماما عن حقوق الإنسان. كانت هذه الأعراف والممارسات صورة بديلةً لحقوق الإنسان ولم تكن صياغات مختلفة لها.[123]

على الرغم أن الفرق بين الحقوق والواجبات من الممكن المبالغة فيه إلا أن هناك في الواقع شيئًا حداثيًا محضًا وله طابع غربي في الرؤية المعاصرة لحقوق الإنسان مما يميزها عن بقية المفاهيم التي قد تبدو في الظاهر شبيهة بمفهوم حقوق الإنسان. وقد أثرت السمات الفريدة لهذا التاريخ المفهوم الحالي لحقوق الإنسان حيث يعكس التاريخ الغربي الثورة ضد أنواع السلطة المختلفة لاسيما سلطة الكنيسة وسلطة الملوك، ومن ثم لعب هذا الصراع دورًا كبيرًا في التأكيد على"الحقوق" وليس الواجبات أو الالتزامات.[124] وربما هذا هو السبب في أنه ليس هناك ما يسمى "الإعلان العالمي لواجبات الإنسان" لدى هذه الكيانات الغربية. إن مفهوم "الالتزام أو الواجب" بوصفه المضاد لمفهوم "الحق" هو النقيض الحقيقي لما يدور عليه هذا الصراع وهذه هي الحقيقة التاريخية التي أثارت ما تلاها من نقاش.

ويمكننا القول بإيجاز أن الزعم بأن مفهوم حقوق الإنسان مفهوما غربيًازعم صائب إلى حد ما بمعنى أن البرامج الحالية لحقوق الإنسان كما يعرضها العديد من نشطاء حقوق الإنسان هي بالفعل مفاهيم حديثة وغربية في طبيعتها، لذا كان من المهم أن نفهم خلفية تطور الفكر الحالي لحقوق الإنسان حيث إن خلفية تطوره لا يزال لها أثر كبير على العديد من المناصرين المعاصرين لفكرة حقوق الإنسان. كما أن هذا التاريخ والتطور يلقيان بعض الضوء على مسألة ما إذا كان بإمكاننا أن نقول عن دعوة حقوق الإنسان المعاصرة أنها في طبيعتها دعوة عالمية أم لا.

 تاريخ موجز لحركة حقوق الإنسان المعاصرة

هناك علاقة وثيقة بين حركة حقوق الإنسان المعاصرة وبين تاريخ أوربا الفريد، ومن الجلي أن العالم كله لم يشهد هذا النوع من التاريخ الذي شهده الغرب والذي سوف نشير إلى جزء منه لاحقًا. وينبغي على المرء في البداية أن يقول أنه سيكون من الصعب أن نتخيل أن هذه المفاهيم التي هي وليدة هذا التاريخ الفريد سوف تناسب بقية سكان المعمورة ممن لم يلاقوا هذا المصير في تاريخهم.

تولدت فكرة الحرية والمسأواة في البيئات الأوربية التي كانت تشهد تقييدًا للحريات وطمسًا لمفهوم المسأواة، وكان المقيد لجزء كبير من هذه الحريات وحقوق الدين والحكومة الحاكمة لهذه البلاد–حيث كان هذان الكيانان مرتبطان بنظرية "الحق الإلهي للملوك".

تقدم الفقرة التالية من موسوعة بريتانيكا وصفًا جيدًا ومختصرًا لهذه التجربة التاريخية:

شجعت الإنجازات العلمية والتاريخية للقرن السابع عشر– بما فيها من اكتشافات غاليليو والسير إسحاق نيوتن، ونظرية المادية لتوماس هوبز، والعقلانية لرينيه ديكارت وجوتفريد فيلهلم لايبنتز، ووحدة الوجود لبنديكت دي سبينوزا، والنظرية التجريبية لفرانسيس بيكون وجون لوك– الإيمان بصحة القانون الطبيعي والنظام العالمي؛ وخلال القرن الثامن عشر وما يسمى بعصر التنوير أدى إلى تنامي الثقة في العقل البشري وقابلية كمال الشؤون البشرية إلى جعل هذا الإيمان أكثر شمولية. ومن أهم الأعمال التي ينبغي ذكرها من القرن السابع عشر كتابات الفيلسوف الإنكليزي جون لوك– الذي يُعد أهم منظري القانون الطبيعي في العصر الحديث– وكتابات فلاسفة القرن الثامن عشر التي تركزت في باريس بصفة أساسية ومن أبرز كتابها مونتسكيو وفولتير وجان جاك روسو. وذكر لوك بالتفصيل في كتاباته المرتبطة بثورة عام 1688م (الثورة المجيدة) أن بعض الحقوق لا شك أنها تخص الأفراد كبشر (وذلك لأنها كانت موجودة بطبيعتها قبل أن يطور البشر فكرة المجتمع المدني). ومن أهم هذه الحقوق الحق في الحياة والحرية (التحرر من الحكم التعسفي) والحق في التملك، فلما تبنى الناس فكرة المجتمع المدني (على أساس "العقد الاجتماعي" ) تركوا للدولة فقط حق إنفاذ هذه الحقوق الطبيعية وليس الحقوق نفسها، وأدى فشل الدولة في تأمين هذه الحقوق الطبيعية (على الرغم أن الدولة بموجب عقد المجتمع المدني مسؤولة عن حماية مصالح أفرادها) إلى التأكيد على أهمية حق المسؤولية الاجتماعية والسياسية، ومن ثم كانت الثورة الشعبية. واستنادًا إلى ما قال به لوك وغيره وتبنيًا لكثير من التيارات الفكرية المختلفة والتي يجمعها إيمان كامل بالعقل، هاجم الفلاسفة بقوة الجمود العلمي والديني والتعصب والرقابة والقيود الاجتماعية والاقتصادية، كما سعوا إلى اكتشاف وتطبيق مبادئ ذات قبول عالمي تعمل على تنظيم سير الطبيعة والإنسانية والمجتمع، إلى جانب صياغة نظريةحقوق للإنسان غير قابلة للسلب والتي أصبحت فيما بعد بمثابة المرجع الذي يملي عليهم المبادئ الاجتماعية والأخلاقية العليا.[125]

ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه على الرغم من ذلك فإن حركة حقوق الإنسان التي تبلورت مبكرًا والتي أثرت بشكل كبير على الدستورين الأمريكي والفرنسي ضعفت في نهاية المطاف . ضعفت هذه الحركةلأنها كانت تفتقر إلى أساس راسخ،حيث تعرضت نظريات كثيرة في عصر النهضة والتنوير إلى التساؤل والتحقيق، واستُبعدت نظرية القانون الطبيعي وكذلك نظريات أخرى بصور أقل أو أكثر مما أدى إلى فراغ كبير جدًا واضمحلال في تقدم حقوق الإنسان. وعلأوة على ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تطوير فكر حقوق الإنسان في الغرب لم يحقق شيئًا يذكرحيث انتهى بحالة من الفشل والتطرف الذي شهده الغرب.[126] أدى هذا التطرف بين الكنائس وبين الحكام إلى ظهور مطالب بحقوق الإنسان (تماما كما أدت صور التطرف والفظائع التي ارتكبت في الدول الغربية في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانيةوعلى يد الاستعمار إلى المطالبة بحقوق الإنسان). تلخص الفقرة التالية من موسوعة بريتانيكا هذه الحقائق بصورة رائعة:

وخلاصة القول أن فكرة حقوق الإنسان لعبت- تحت مسمى آخر- دورًا رئيسيًا في نضالات أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ضد الاستبداد السياسي. في الحقيقة كان عدم احترام الحكام لمبادئ الحرية والمسأواة، والتي كانت محور فلسفة القانون الطبيعي منذ بدايته، هو السبب الحقيقي لتطور الأمور على هذا النحو. يقول موريس كرانستون أحد الباحثين البارزين في حقوق الإنسان: "...دفع الاستبداد الإنسان للمطالبة بحقوقه [الإنسانية والطبيعية] حيث حرمه منها الاستبداد."[127]

و يذكر إيجناتيف مناقشة جيدة أيضًا حول هذه النقطة، حيث يقول:

ربما كان إعلان [حقوق الإنسان] لا يزال في طوره الأول في عصر التنوير، ولكنه كُتب عندما واجه الإيمان بالتنوير أشد أزماته التي تعلقت بفقدان ثقة الناس فيه، وبهذا ندرك أن حقوق الإنسان لم تكن إعلانًا عن تفوق الحضارة الأوروبية بقدر ما كانت تحذيرًا من قبل الأوروبيين لبقية العالم ألا يسعى لإعادة ارتكاب أخطائهم.[128]

في الواقع، كان فكر حقوق الإنسان في أوربا بمثابة ردة فعل لعصر لم يشهد في حقيقته أية حرية دينية؛ كانت الدولة تعلن ديانتها ولا يملك الشعب أن يمارس أو حتى ربما يعتنق أية ديانة مختلفة عن التي اتخذتها الدولة. تصف ميتشلين إيشاي في الفقرة التالية جانبًا من هذه الحقبة المظلمة من تاريخ أوربا– التي لم يشهد العالم لها مثيلًا:

لم تكن المعركة التي قامت من أجل الحصول على الحرية الدينية انتهت بعد، ففي فرنسا شهد النضال تقدما مهما في شكل مرسوم نانت Edict of Nantes (عام 1598م) والذي سعى من خلاله هنري الرابع إلى إنهاء الحروب الدينية الفرنسية من خلال ضمان الحرية الدينية للبروتستانت الفرنسيين (أو الهوغونوتيون). ومع هذا، قام لويس الرابع عشر بإلغاء هذا المرسوم عام 1658م وحرم البروتستانت الفرنسيين من كافة الحريات المدنية والدينية. أما في إنجلترا فكان البرلمان قد أقر قانون التسامح الديني عام 1689م، الذي وإن كان سمح لبعض المعارضين بممارسة شعائرهم الدينية إلا أنه واصل إقصاء مظاهر العبادة اليهودية والكاثوليكية.[129]

تجعل ميتشلين إيشاي التطورات في أوروبا تبدو منطقية جدًا حيث استنتجت ما يلي:

وحتى لو كانت سلسلة الحروب الدينية الطويلة أدت إلى تلاشي التطلعات الأولية للديانةالنصرانية، فإن الطابع الدولي للحروب ساعد على ظهور رؤية جديدة للوحدة العالمية على أساس التفكير العقلاني وليس الحقائق الدينية المُنزلة  تلك المبادئ التي أظهرت طبيعتها الانقسامية خلال الحروب الدينية. كما ساعد نفوذ الكنيسة البروتستانتية من خلال تأكيدها على المسؤولية الفردية في مسائل الخلاص وتحقيق السعادة في الأرض على ظهور عقيدة جديدة تعتمد على الاختيار والحقوق الفردية، ثم عزز من الإيمان بقيمة الأفراد وقدرتهم على إعمال العقل تفجر ثورة أخرى من الاكتشافات العلمية.[130]

ومع ذلك قد لا تكون هذه الصورة الوردية لتطور "التفكير العقلاني" صائبة على الإطلاق. في الواقع، لم تكن العملية التي وضعت من خلالها أوروبا مفاهيم جديدة للحياة بالضرورة "عملية عقلانية" ومدروسة جيدًا. وبعبارة أخرى، حدثت التغييرات التي شهدتها أوروبا ردًا على ضعف الدين والحضارة الأوربية ذاتها وأوجه القصور فيها. على سبيل المثال، ليست النظرة الأوربية المعتادة للدين نظرة عقلانية بالضرورة بل أكثر عاطفية في جذورها كما لاحظ ماكغولدريك ذلك بشأن المنهج الفرنسي ونظرته للدين والعلمانية حيث يقول:

لم يُتوصل إلى المنهج الفرنسي الحديث تجاه الدين من خلال التفكير المنهجي الفلسفي في أهمية وقيمة الحرية الدينية وإنما تم التوصل إليه بعد قرون من الصراع العنيف والمرير بين الدولة والكنيسة. وقد شهدت فرنسا تاريخًا طويلًا من العداء والصراع الديني بما في ذلك الحروب الدينية منذ عام 1562م إلى عام 1598م، وقد لعبت الكنيسة الكاثوليكية في كثير من هذه الصراعات دورًا سياسيًا بارزًا. وفي الحقيقة، كان الحد من السلطة السياسية وصور النفوذ الاجتماعي والثقافي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية أحد أهداف الثورة الفرنسية (1789- 1795م). وفي عام 1789م أعلنت الجمعية التأسيسية أن ممتلكات الكنيسة الكاثوليكية سوف تكون منذ ذلك الحين فصاعدًا تحت تصرف الدولة، وفي عام 1790م صدر القرار الذي ألغى كل النذور الرهبانية، كما وُضع الدستور المدني لرجال الدين، وقُتل ونُفي الآلاف من القسأوسة الكاثوليك.[131]

من المهم جدًا أن نفهم وندرك هذه الخلفية لحركة حقوق الإنسان في الماضي لأنه لا يزال لديها تأثير قوي على هذه الحركة اليوم؛ هناك حركة واضحة ليست لها صلة بأية سلطة دينية وإن كانت أقرب إلى سلطة مايسمى بسذاجة "العقل البشري" و"الحرية" وما شابه ذلك. تحارب هذه الحركة في الواقع التشدد أو الاعتقاد بأن مبدأ ما أو قاعدة ما لا ينبغي أن تتغير بل تظل ثابتة. وتم التخلص من هذا الاعتقاد تحت مسمى العقل البشري الذي لم يعد يتقبل معتقدات الكنيسة المسيحية وخاصة فيما يتعلق بالعالم المادي.[132] لذا أصبح من أهم رسائل التنوير بل ومن ثوابت الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان أن كل شيء مرتبط بالإنسان. وكما ذكر راسموسن ما يلي:

تعتبر حركة التنوير الإنسان صنفا خاصا من الكائنات،بينما لها تصور عن باقي الكائنات يوافق أفكار ديكارت ووكانت. كان كانت نفسه واضحًا تماما في تصوره لهذا فقال: " الحيوانات ليست مدركة لذاتها وإنما هي مجرد وسيلة لتحقيق غاية معينة. هذه الغاية هي الإنسان. ولنكن على يقين بأن "الطبيعة" و"الحقوق الطبيعية" و"القانون الطبيعي" هي موضوعات أخلاقية ودينية وميتافيزيقية جادة بل تمثل المصطلحات الرئيسية في خطاب الحقوق في عصر التنوير، كما نلاحظ هنا تأثرًا كبيرًا بأمثال لوك وروسو وجيفرسون وباين وغيرهم من رجال هذه الدعوة الفكرية. ولكن محور الاهتمام هنا هو الإنسان دون شك... أما العالم السماوي من منظور علم الكونيات في العصور الوسطى–  مع رؤية كافة مظاهر الطبيعة في صورة بحر من الرموز التي تصل الأرض بالسماء–  فقد تم علمنته في نفس تلك الحركة الواسعة التي جعلت من الفكر والحكم على الذات البشرية مركز اهتمام خطاب الحقوق والنظرية الأخلاقية. أما الحديث عن الإله والطبيعة بوصفها تعبيرًا مليئًا بالفيوض الإلهية فقد تم تجاهله لصالح البشرالذين يتمتعون بكفاية ذاتية من الأخلاق والطبيعة الميكانيكية والمجهولة. على أية حال انبثقت لغة خطاب الحقوق من داخل عالم أخلاقي ليس بعالم روحاني أو مادي وإنما عالم بشري بحت.[133]

تلخص الفقرة التالية النقاط المهمة في تاريخ الحركة الحديثة لحقوق الإنسان  –  وفي هذه الفقرة تعترف آن ماير ببعض الجوانب المهمة لحقوق الإنسان والتي توضح مرة أخرى أن حرية الدين والاعتقاد لا يمكن بحال أن تكون جزءًا من دعوة حقوق الإنسان المعاصرة في صورتها المجملة - حيث تقول آن ماير:

إن صياغات حقوق الإنسان المستخدمة في القانون الدولي هي صياغات حديثة نسبيًا على الرغم من أنه يمكن للمرء أن يجد الأفكار التي تتنبأ بمفاهيم حقوق الإنسان في أدبيات العصور القديمة، ومن المؤكد أن تطور الأسس الفكرية لحقوق الإنسان حظي بدافع قوي يتمثل في عصر النهضة في أوروبا والنمو المرتبط به في الفكر العقلاني والإنساني، الأمر الذي أدى إلى نقطة تحول مهمة في تاريخ الفكر الغربي: حيث التخلي عن المذاهب التي سادت العصور السابقة للعصر الحديث والتي كانت تركز على مهام الإنسان وواجباته واعتماد رؤية جديدة مفادها أن حقوق الإنسان ينبغي أن تكون محورية في النظرية السياسية. وخلال عصر التنوير الأوروبي أصبحت حقوق الإنسان الشغل الشاغل للفلسفة السياسية، ومن ثم وُضع الأساس الفكري لنظرية حقوق الإنسان الحديثة على النحو التالي:

قام القانون الدولي فيما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والذي تم وضعه في القرن العشرين على الموروثات الغربية من الفردية والإنسانية والعقلانية وعلى المبادئ القانونية التي تحمي الحقوق الفردية، كما أن رفض النزعة الفردية والإنسانية والعقلانية هو بمثابة رفض المبادئ الحديثة لحقوق الإنسان.[134]

ومن المدهش أن نجد أنه من الواجب إقرار مثل هذا التاريخ لحركة حقوق الإنسان المعاصرة – إلى جانب خصائصها – وأن يُعد التساؤل بشأن عالمية حقوق الإنسان أمرًا إلحاديًا. ومن بين الكُتاب الغربيين الذين أدركوا هذه الحقيقة وعلقوا عليها ستاكهأوس الذي كتب يقول:

ومن المؤكد أن بعض الذين يطلق عليهم المدافعون عن حقوق الإنسان قد عرّضوا أنفسهم للنقد، والتشويه غير المقصود لأفكار حقوق الإنسان. على سبيل المثال، يقول كل من رودا هوارد وجاك دونلي أن فكرة حقوق الإنسان "ترجع إلى التغييرات الهيكلية التي بدأت في الظهور في أواخر العصور الوسطى وأوائل العصر الأوربي الحديث." ومع ذلك، إذا ثبت أن مثل هذه الأفكار ليست أكثر من مجرد أفكار ثانوية أُخذت من سياق تاريخي واجتماعي معين سوف يكون من الصعب جدًا أن يقول قائل بأنه ينبغي جعل هذه المبادئ مبادئ حاكمة للمجتمعات إذا كان سياقها التاريخي قد تغيّر جذريًا أو أنه ليس متوافقًا مع مناطق أخرى من العالم. يمكننا طبعًا أن نعتقد أن هذا المنطق الثابت للتاريخ العالمي يسعى نحو تمكين أكثر لحقوق الإنسان والحكم المستقل في كل أرجاء العالم جنبًا إلى جنب مع التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يشهده العالم. ومع هذا فإن هذا الاقتناع الذي يشبه الاقتناع الديني هو بعيدعن الأدلة الملموسة وأبعد ما يكون من ثقة معظم الناس في منطق التاريخ. حيث يبدو أن التاريخ لا يضمن هذه الثقة المتفائلة في الحافز الفطري لدي الناس لفعل الآخر عندما تتحرر الحياة من كافة القيود الدينية والاجتماعية كما أراد العديد من مفكري عصر التنوير أن تكون هذه هي النتيجة النهائية. علأوة على ذلك، فليس من الواضح أن الحكم الذاتي المستقل ينبغي أن يكون الغاية الأخلاقية الأسمى.[135]

 إضفاء الطابع الرسمي على حقوق الإنسان والمدارس الفكرية المعاصرة لحقوق الإنسان

يمكن القول بحق أن أكبر التحولات في إضفاء الطابع الرسمي على حقوق الإنسان كانت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. فقد أدت"المعاملة الوحشية للأفراد والجماعات" والتي كانت موجودة بصورة أكثر في العالم الغربي في الفترة التي تخللت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية إلى ظهور مطالبات بقدر أكبر من الحقوق الإنسانية لمزيد من الناس. وكان هناك قلق خاص إزاء مصير الأقليات في أوروبا الوسطى وأوربا الشرقية. كان هذا جزء من الأمور التي أدت إلى إبرام عهد عصبة الأمم. وفي عام 1929م تبنت هيئة دولية خاصة يطلق عليها معهد القانون الدولي إعلانًا غير ملزم لحقوق الإنسان.[136]

دفعت مشاعر الهول والرعب لرؤية ما يزيد على خمسين مليون شخص يلقون حتفهم في الحرب العالمية – التي امتدت جذورها في قلب أوربامن جديد– العديد للشعور بحتمية فعل شيء للحد من حدوث هذه الأهوال. بعد فشل عصبة الأمم السابقة تم إنشاء الأمم المتحدة والتي لا تزال موجودة حتى اليوم. أُنشئت الأمم المتحدة من خلال معاهدة أكدت على "الاحترام العالمي لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين." كانت هذه الهيئة الدولية بدولها الأعضاء التي تشمل العالم بأسره المنظمة الأولى من نوعها التي يمكنها أن تناقش بجدية مسألة حقوق الإنسان على مستوى العالم ممتدة بأنشطتها إلى ما وراء الدول لتصل إلى كل فرد وكل إنسان في كل دولة، واضطلعت بهذه المهمة في وقت مبكر جدًا من تاريخها لتقوم بصياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) بحلول عام 1948م.[137]

من الأهمية بمكان أن نقدم نبذة مختصرة عن صياغة هذه الوثيقة. أعدت المسودة الأصلية لهذا الإعلان العالمي لجنة مختصة بقيادة السيدة إلينور روزفلت – أرملة الرئيس الراحل فرانكلين روزفلت - تكونت هذه اللجنة من ثمانية عشر عضوًا من مختلف بلدان العالم وكان على رأسها أستراليا وبلجيكا وبيلاروسيا وشيلي والصين ومصر وفرنسا والهند وإيران ولبنان وبنما والفلبين وأوكرانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وأوروغواي والاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا. وأثناء كتابة المسودة تم توزيع استبيان يتضمن أسئلة بشأن تقاليد وأعراف وثقافات مختلفة، منها الثقافة الصينية والإسلامية والهندوسية. بعد تلقي عدد من الردود من جميع أنحاء العالم رأت اللجنة أن لديها توافق كافي في الآراء بشأن حقوق الإنسان الأساسية للمضي قدما في صياغة هذا الإعلان.

وبعد مواصلة العمل لعام ونصف في إعداد الصيغة النهائية لهذه لوثيقة تألفت لجنة الصياغة النهائية إلى جانب السيدة روزفلت من الفيلسوف الصيني بن تشونغ تشانغ رئيسًا مشاركًا للجنة وتشارل مالك الفيلسوف الوجودي اللبناني وعالم القانون الفرنسي رينيه كاسان. وهكذا شارك في وضع المسودة الأصلية للوثيقة عدد من الشخصيات التي تتمتع بوجهات نظر واسعة.

حتى في تلك المرحلة المبكرة كان من الواضح أن صياغة بنود عالمية لحقوق من شأنها أن تشمل العالم كله بنفس القدر من الاحترام والملائمة لم تكن بالمهمة السهلة، فلو واجهت عملية صياغة هذه المسودة بعض المشاكل والعقبات لا شك أن تطبيقها سيكون أكثر تعقيدًا وإشكاليةً. توضح الفقرة التالية بعض التوترات التي شهدتها اللجنة لاسيما بين ممثلي "الكتلة الشرقية الاشتراكية" و"الكتلة الغربية":

من أهم ما يوضح الاختلافات الأيديولوجية والفلسفية الجوهرية المناقشة الرئيسية الأولى التي دارت خلال الجلسة الأولى بين أعضاء لجنة حقوق الإنسان. كانت المناقشة حول تعريف الطبيعة الإنسانية، حيث أثارت أسئلة تشارل مالك المثيرة - "هل الإنسان مجرد كائن اجتماعي؟ هل هو مجرد حيوان؟ هل هو مجرد كائن اقتصادي؟" - نقاشًا محتدما بين دعاة الحقوق الفردية والجماعية. وقد أكد تشارل مالك محذرًا من خطر النظرة الجماعية التي امتصت في النهاية "الفرد البشري بفرديته وقداسته" على مركزية عقل الفرد البشري ووعيه، وحرمة حقوق الملكية الفردية، وحماية الفرد من الدولة الدينية وكافة أشكال الإكراه الخارجي. أثار موقف تشارل مالك ردود فعل قوية من ممثلي الشيوعية اليوغوسلافية مثل فلاديسلاف ريبنيكار(1900-1955م) والمبعوث الروسي فالنتين تيبلياكوف. يقول فلاديسلاف ريبنيكار: "استخدمت الطبقة الحاكمة في معظم بلدان العالم السيكولوجية الفردية للحفاظ على امتيازاتها الخاصة؛ لذا يجب ألا يهتم الإعلان المعاصر لحقوق الإنسان فقط بالحقوق التي تصب في مصلحة الطبقة الحاكمة" ومن جانبه تساءل فالنتين تيبلياكوف كيف يمكن للمرء أن يفهم الحقوق والواجبات الفردية للمرء بشكل منفصل عن حقوق وواجبات المجتمع الذي يعيش فيه.

لم يكن من المثير للدهشة أن يمنح ممثلو الاتحاد السوفيتي الأولوية للحقوق الاجتماعية والاقتصادية وما يقابلها من الواجبات المدنية في حين فضل الممثلون الأمريكيون أن تكون الأولوية للحقوق السياسية والمدنية. ومن المواقف المهمة في هذا الخلاف إحدى المواجهات المحتدمة بين أنصار التخطيط المركزي ودعاة البرامج التي تتيح فرصة لتحرك "اليد الخفية". وأثارت هذه المواجهات عاصفة من الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، على سبيل المثال جاء رد ممثلي الاتحاد السوفيتي على الاتهامات الأميركية بوجود انتهاكات لحقوق الإنسان المدنية والسياسية في الجمهورية السوفيتية أن الولايات المتحدة كانت تمارس سياسة الخداع في إبقائها التفرقة في بلادها لتحرم المواطنين السود في الجنوب من ممارسة حقوقهم الأساسية من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية.[138]

يجدر الانتباه إلى أن بعض المشاكل التي أبرزتها الفقرة السابقة لم يتم حلها بعد، ولا تزال هذه الاتهامات (المحقة) تُثار باستمرار حتى اليوم. وفي نهاية المطاف عندما جاء وقت اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان امتنعت الكتلة السوفيتية، وتم اعتماد الإعلان، ومع هذا نجد أن أنصار حقوق الإنسان اليوم لا يذكرون علنًا أن قطاعًا كبيرًا من دول العالم امتنع عن اعتماد هذا الإعلان بل ويقول هؤلاء المناصرون بوجوب اعتبار هذا الإعلان إعلانًا عالميًا. فيما يلي تذكر ميتشلين إيشاي بعض تفاصيل الاعتماد النهائي لهذا الإعلان:

عندما طُرحت هذه الوثيقة المُهمة–وإن كانت غير ملزمة–للتصويت عليها كان عدد الدول الأعضاء بالأمم المتحدة ثمان وخمسين دولة فقط،صادقت خمسون دولة منها على الإعلان بينما امتنعت بيلاروسيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا وأوكرانيا والاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا. انتاب هذه البلدان شعور بالقلق إزاء هذه الوثيقة التي تغلب عليها النزعة"الفردية" فيما يخص مجموعة الحقوق التي تنص عليها وتخوفت هذه الدول من أن هذه الوثيقة قد تمثل طعنًا في سيادة القضاء المحلي التي يكفلها ميثاق الأمم المتحدة الملزم من الناحية القانونية.ثبت أن هذه المخأوف مبررة بسبب الممارسات الدوليةوالاستدلالات المتعاقبة على مدار الوقت بهذا الإعلان، مما حول الوثيقةإلى قانون عرفي دولي يحظى باحترام،بل الأهم من ذلك أن مفوضي حقوق الإنسان أدركوا أن الإعلان لم يكن سوى خطوة أولى نحو وضع ميثاق ملزم وأكثر تحديدًا من الناحية القانونية لحقوق الإنسان.[139]

مضت سنوات عديدة قبل أن تصادق الأمم المتحدة على مواثيق ذات صفة قانونية كاملة. وفى عام 1966م اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة وثيقتين هما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)[140]، وقد دخل هذان العهدان حيز التنفيذ واكتسبا كامل الصفة القانونية في عام 1976م، ويمثل هذان العهدان إلى جانب الإعلان العالمي الشرعية الدولية للحقوق.

من المهم تسليط الضوء على جانب آخر من النقاش الذي وقع خلال تلك الفترة والذي لا تزال له تداعيات كبيرة اليوم. هناكأنواع مختلفة من الحقوق التي تقرها هذه الوثائق المختلفة، وعادة ما توصف فئة منها بأنها حقوق مدنية وسياسية وفئة أخرى بأنها حقوق اقتصادية واجتماعية.[141]وقد كان الغرب دائما بزعامة الولايات المتحدة وإيمانها الجازم في رأسمالية السوق الحرة مترددًا في الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وقد ذكرت الولايات المتحدة بوضوح أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ما هي إلا مجرد "أهداف مجتمعية " وليست "حقوقاً للإنسان."[142] (سوف نعلق على هذه الطريقة الانتقائية لرؤية حقوق الإنسان عند مناقشة توافق الإسلام مع حقوق الإنسان).

 دور المسلمين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

أكد مؤلفون مثل آن ماير وجاك دونلي وذكّروا قراءهم بأن الدول المسلمة كانت من الدول الموقعة على الإعلان العالمي وكان لها دور فاعل في صياغته النهائية. تقول آن ماير: "من الخطأ أن نزعم بصورة عامة أنه عندما كان يجري وضع الأسس لمنظومة الأمم المتحدة الحديثة في مجال حقوق الإنسان الحديثة كانت البلدان المسلمة من خصوم حقوق الإنسان العالمية."[143] ويبدو أن آن ماير سعيدة ومسرورة أن تجد مقالة سوزان والتز تحت عنوان "حقوق الإنسان العالمية: مساهمة الدول المسلمة."[144] حيث توحي الطريقة التي تشير بها آن ماير وجاك دونلي إلى هذه الحقائق للمرء بالشعور أنهما يحأولان القول بأنه ليس للمسلمين الحق في التذمر بشان حقوق الإنسان لأنهم شاركوا فعليًا في الصياغة وأبدوا موافقتهم على مفهوم القانون الدولي لحقوق الإنسان. ومع ذلك فالنقاط التي يحأول كُتَّابٌ مثل آن ماير وجاك دونلي تأكيدها هي نقاط ضعيفة إن لم تكن خداعًا بينًا. ناقشت آن ماير هذه المسألة في عدة صفحات ولكنها في النهاية أخفقت في إثبات أي صحة للنقاط التي تحأول تأكيدها. ويرجع هذا للأسباب التالية:

1.                      يقول الكُتاب مثل آن ماير وجاك دونلي أن الإسلام ليس قالبًا واحدًا، وهذا فقط لأنهم وجدوا قطاعًا من المسلمين–على الأرجح من النخبة الذين تلقوا تعليمهم في الغرب– شاركوا في هذه الحركة ووقعوا عليها. ووفقًا لحجج هؤلاء الكتاب لا يمكن للمرء أن يفترض أن كل المسلمين الآخرين (ربما الأغلبية) يتفقون مع هذه الحركة أو يتماشون معها.

لم تغفل أيرين أوه هذه النقطة المهمة (صفحات 21-22) حيث قالت:

على الرغم من أن النطاق الدولي لمشروع حقوق الإنسان يدل على أن ملهمي الإعلان العالمي حأولوا جاهدين أن يدرجوا أصواتًا أخرى غير الأصوات الغربية، وكانت هذه الأصوات من صنع ثقافتهم الغربية حيث أن غالبية قادة جهود حقوق الإنسان في أواخر الأربعينيات من الرجال البيض الذين تعلموا في الغرب وحصلوا على امتيازات من أوروبا والولايات المتحدة. وبهذا فقد وجَّه الغربيون جهودًا بقيت في هيكلها العام نتاج معتقداتهم ومخيلتهم حتى وإن سعوا خلال هذه العملية إشراك أصوات من الدول غير الغربية.[145]

وهذه الرؤية هي التي تبنتها أيضًا أليسون رنتلن حيث أشارت إلى أن "المسودات الثماني عشرة التي تم اعتمادها لإعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جاءت كلها من الغرب الديمقراطي مكتوبة باللغة الإنجليزية باستثناء مسودتين فقط." وبهذا استنتجت رنتلن أن "حقيقة عدم وجود أصوات معارضة في التصويت على اعتماد الإعلان لا يعني التوصل إلى التوافق الجماعي بمعناه الحقيقي."[146]

2.                      تقول آن ماير[147] أن المسلمين الذين شاركوا في صياغة الوثائق الأولى لحقوق الإنسان لم يعترضوا على مضمون هذه الوثائق لأسباب إسلامية، ويبدو أنهم لم يروا في هذه الوثائق إشكالية من المنظور الإسلامي، وعلى الرغم من هذا تعترف آن ماير في مواضع أخرى أن العلماء المسلمين لم يتنأولوا قضية حقوق الإنسان إلا بعد فترة النهضة الإسلامية في السبعينيات بعد الحروب العربية الإسرائيلية.[148] وفي الحقيقة كان ممثل المملكة العربية السعودية - الدولة المسلمة الأكثر تحفظَا – في المشاركة في الصياغة الأولى لمسودات حقوق الإنسان رجلًا نصرانيًا لبنانيًا[149]. فكيف تقول آن ماير أن المسلمين كانوا حقًا مشاركين وهي تعلم أن العلماء المسلمين لم يتنأولوا قضية حقوق الإنسان إلا بعد إعلانها بفترة؟ بل إنها في الحقيقة تذهب أبعد من ذلك وتعترف أن الإسلام في معظم هذه العملية تم تجاهله من قبل الواضعين لقانون حقوق الإنسان، وفيما يلي نص كلامها عن هذا حيث تقول:

أظهرت الكتابات العلمية التي تتنأول حقوق الإنسان الدولية والتي كتبها متخصصون أكاديميون عدم الاكتراث بالتراث الإسلامي أو التقاليد الإسلامية، وحتى عهد قريب لم تكن الشريعة الإسلامية تُذكر إلا عرضًا في مناسبات قليلة في صدد الحديث عن القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما كان ينظر إليها بوصفها أحد الظواهر الهامشية والغريبة. كما أن هناك افتراض مسلم به بشأن مرجعية القانون الدولي لحقوق الإنسان والكيانات المتصلة به إلى جانب اعتقاد سائد بالرجعية النسبية لأية نماذج إسلامية قد يختلف معها القانون الدولي لحقوق الإنسان. وعلأوة على هذا، لم تثر الانتقادات التي قدمها المسلمون الذين يعترضون على القانون الدولي لحقوق الإنسان لأسباب دينية ضجر العلماء الغربيين المتخصصين في القانون الدولي، ذلك أن هؤلاء العلماء لم يشعروا بأن شرعية القانون الدولي في خطر نظرًا لتعارض القانون الدولي مع القوانين والأحكام الإسلامية.[150]

3.                      عدم وجود تفويض أو تصويت. يقول البعض اليوم أن المسلمين في أنحاء العالم لا يجدون فرصة التصويت على تطبيق الإسلام وأنهم لو سنحت لهم الفرصة ليدلوا برأيهم لرفضوا الإسلام. ومع هذا فمن المثير أنه لم يكن هناك أي تصويت من جانب شعوب العالم على إعلانات حقوق الإنسان. ناهيك عن أنه عندما تمت المصادقة على وثائق حقوق الإنسان كانت معظم الدول المسلمة في مرحلة ما بعد الاستعمار وكان يحكمها ضباط أو حكومات دكتاتورية خلفتها القوى الاستعمارية آنذاك، ومن ثم فلا يستطيع المرء أن يزعم أن هؤلاء الحكام كانوا يمثلون أي صورة من صور الإرادة الشعبية أو الإسلام في حد ذاته بل كان معظم الحكام في الدول الإسلامية اشتراكيين أو رأسماليين أولا دينيين وهكذا.

4.                      عندما يعيد المرء النظر في البنود التي اعترض عليها المسلمون أثناء صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجد أن المسلمين –وفقا لما تقوله آن ماير[151]– كانوا يعترضون على نفس البنود التي يعترض عليها العلماء المسلمون اليوم مثل البنود المتعلقة بالنكاح والأسرة.[152] وبعبارة أخرى فبدلًا من أن تحأول أن تثبت أن المسلمين لا ينبغي لهم أن يتذمروا بشأن وثائق حقوق الإنسان لأنهم كانت لهم يد في وضعها وصياغتها عليها أن تقر بأن المسلمين كانوا ولا يزالون يعترضون على نفس القضايا منذ بدأت حركة حقوق الإنسان.

نكتفي الآن بما سبق عن ذكر المزيد عن دور المسلمين في صياغة الوثائق الأولى لحقوق الإنسان. ونخلص إلى أن ما يحأول كُتَّاب أمثال آن ماير وجاك دونلي التأكيد على أهميته ليس له معنى، بل ليس له أساس بالمرة، وحجتهم ضعيفة للغاية إذا كانوا يحأولون أن يشيروا ضمنًا بأن المسلمين اليوم لا ينبغي لهم أن يعترضوا على وثائق حقوق الإنسان لأن بعض المسلمين أو الحكومات الإسلامية- التي لم تكن تمثلهم- شاركت في التوقيع على مثل هذه الوثائق.

في الحقيقة تبرز آن ماير فيما يلي أحد الفروق بين وجهة النظر الإسلامية ووجهة النظر الغربية لحقوق الإنسان حيث تقول:

غالبًا ما يغفل البعض عن أن لائحة الحقوق الإنسانية في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان تضم حقوقًا اقتصادية وحقوقًا اجتماعية. وقدصادقت الدول الإسلامية بشكل عام على البنود الاقتصادية والاجتماعية والتي دائما ما تعترض عليها الولايات المتحدة الأمريكية لأنها تمثل تناقضًا لقيمها الرأسمالية بشكل أساسي. لذلك عندما رفعت مطالب أنه بدلًا من ميثاق دولي واحد ينص على الحقوق التي تم إقرارها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجب أن تُصاغ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في ميثاق منفصل. وقد عارضت الدول الإسلامية هذا الفصل في مجال حقوق الإنسان، وتبين أنها تبنت بذلك موقفًا خاسرًا، ولكن مال مناصرو حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة إلى القول بأن حقوق الإنسان تتكافأ بشكل متبادل ومن ثم فإن فصل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان خطوة مضللة وغير جيدة لهذه الحقوق. وبهذا كسب ممثلو الدول الإسلامية– ذوي الرأي الأكثر تقدما – شيئًا من التبرير لموقفهم ولكن جاء هذا التبرير متأخرًا[153].

ثم ذهبت ماير لتوضح انقساما آخرًا أكبر في وجهة النظر الغربية ووجهة النظر التي يتبناها المسلمون حيث قالت:

أقرت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مواقف الدول الإسلامية بشأن تقرير المصير وأخطاء الاستعمار، وبقيت هذه المواقف مصونة في البنود المؤيدة لها في الوثائق الدولية لحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، لم تنحز الدول الغربية دائما إلى المواقف المرتبطة بالفلسفة المؤيدة لحقوق الإنسان ولحقت أحيانًا بالأصوات المعارضة لحقوق الأقليات والإجراءات التي تضمن التنفيذ الفعال لحقوق الإنسان والقضاء على التمييز.[154]

وفي النهاية وبغض النظر عن الدور الذي لعبته الدول الإسلامية في صياغة بعض الوثائق الأولى لحقوق الإنسان ليس هناك ثمة شك بأنه منذ ذلك الحين والمنظور الغربي والممثلون الغربيون هم الصوت البارز في اتجاه فكر ووثائق حقوق الإنسان، وهذه هي الملحوظة التي لم تذكرها آن ماير قط في كتاباتها؛ وقد أوضح بدرين:

ومع هذا فقد لاحظ كل من جوزيف وشولتز وكاستان أنه من الممكن رصد التحيز التمثيلي الغربي في السنوات الأخيرة حيث أن أكثر من نصف أعضاء [لجنة حقوق الإنسان] الذين يعملون بها منذ عام 1998م وحتى عام 2000م من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسرائيل وفنلندا وألمانيا وبولندا. ومن ثم فإنه لا يُعد من المبالغة القول بضرورة التفكير في توزيع أعدل للعضويات العاملة في مجال حقوق الإنسان ليس فقط في لجنة حقوق الإنسان وحسب بل في جميع الهيئات المتعلقة بمعاهدة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.[155]

 أحدث التطورات: القاهرة وبكين والقضايا ذات الصلة

تواصلت الدعوات في السنوات الأخيرة مطالبة باحترام حقوق الإنسان، كما اتسع نطاق حقوق الإنسان وأصبح أكثر تحديدًا، وأصبحت البيانات العامة للوثائق السابقة لحقوق الإنسان أكثر دقة مما سبق حيث استهدفت فئات خاصة (مثل النساء والأطفال)، وتشمل الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة والتي لم تحظ بتصديق واسع النطاق مثل الوثائق الأولى ما يلي:

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (ديسمبر عام 1979م).

 اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (ديسمبر عام 1984م).

 اتفاقية حقوق الطفل (ديسمبر عام1992م).

وبشكل خاص، هيمنت المطالب بالحريات الجنسية وحقوق "النمط البديل للحياة"على الكثير من ساحات النقاش في مجال حقوق الإنسان، ويرجع هذا في معظمه إلى التأثيرات الليبرالية الغربية. وفي عام 1994م استضافت القاهرة المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، ومن بين القضايا التي أكد عليها المؤتمر "نهوض وتمكين المرأة والقضاء على جميع أنواع العنف ضد المرأة وحق المرأة في التحكم في خصوبتها."[156] ثم عُقد مؤتمر المرأة في بكين عام 1995م، وأثار مطالب جديدة من أجل المرأة تصفها ديساي في الفقرة التالية:

تتمثل الإضافة الجديدة ذات الأهمية الكبرى لهذه الوثيقة في الاعتراف بنوع جديد من الحقوق الجنسية:"حيث تشمل حقوق الإنسان للمرأة حقها في أن تتحكم في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية، وأن تقرر ما تشاء فيها على مسؤوليتها الخاصة بما في ذلك الصحة الجنسية والإنجابية وذلك دون إكراه أو تمييز أو عنف."[157]

لقد أخفقت الوثيقة في أن تذكر صراحة أن السحاق على سبيل المثال هو من حقوق الإنسان، وقد كانت هذه من النقاط الشائكة في الجدل الدائر حول هذه المنصة من منصات حقوق الإنسان. ولسنا بحاجة للقول بأن هناك الكثير من الجماعات الدينية التي تعارض هذا النوع من الحقوق. وقد اختتم مؤتمر بكين فعاليته بهذا البيان المبهم الذي سبق ذكره والذي يمكن تفسيره في حقيقة الأمر بأنه إشارة ضمنية إلى أن هذا الحق يجب قبوله باعتباره حقًا من حقوق الإنسان.[158]

ولقد كانت لهجة البيان وحدّته أشد جرأة، حيث تقول ديساي مرة أخرى:

وكما أشار أحد منظمي ورش العمل بالمؤتمر: "في نيروبي لم نكن حاسمين، فقد كان التأكيد على أنه ينبغي للحكومات أن تدعم المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. أما في بكين فقد بات الأمر أكثر جزما حيث جاءت المطالب بأنه يجب على الحكومات أن تذعن لقوانين حقوق الإنسان."[159]

تستمر المطالب بهذه الأنواع من الحقوق، بينما يتم تجاهل حقوق أخرى صراحة وبصور متفأوتة. واليوم يتم تصنيف حقوق الإنسان من خلال عدة طرق: إما من حيث الموضوع أو الهدف أو "الجيل"، لكن لا يزال التأكيد الأكبر على الحقوق المدنية والسياسية. وكمايقول بدرين أن هذه الحقوق "هي الحقوق المفضلة لدى الدول الغربية، والتي اعتبر البعض أنها التوصيف الحقيقي لحقوق الإنسان."[160] ويُشار إلى الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية "بالجيل الثاني من الحقوق"، وربما يفضل هذا النوع من الحقوق عدد من الدول النامية إلا أنه ليس لهذه الحقوق تأييد قوي بين مناصري حركة حقوق الإنسان بشكل عام.وهذا من الأمور المثيرة إذ تلقى الحقوق التي تبرز أهميتها في صيانة "الكرامة الإنسانية" اهتماما أقل من جانب برامج حقوق الإنسان، ويعلق بدرين مرة ثانية على هذا فيقول: "غالبًا ما كان يُنظر إلى الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية باعتبارها "طموحات مثالية" غير قانونية ولا يمكن حمايتها تحت مظلة العدالة."[161] وقد وصفت جين كيرك باتريك سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عهد رونالد ريجان هذه الحقوق بأنها "خطاب إلى بابا نويل"[162]، وقد نوَّه جين بريك مونت أن تصريح كيرك باتريك هذا لميثر ردة فعل الصحافة والمثقفين، وتساأل بريك مونت ماذا قد تكون ردة الفعل لو وُصِفت الحقوق المدنية والسياسة بأنها "خطاب إلى بابا نويل."[163]

ويشير الجيل الثالث من الحقوق إلى الحقوق الجماعية مقابل الحقوق الفردية، وتشمل حقوق هذا الجيل "الحق في الحياة بسلام"[164] و"الحق في التنمية"، وكانت هذه هي آخر المفاهيم التي تطورت في ظل هذا التصنيف من حقوق الإنسان، وهي تنال قدرًا قليلًا من الاهتمام العام بحقوق الإنسان.

وعلى الرغم من أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أكدت أن جميع حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة وتمثل وحدة واحدة إلا أن ممارسة حقوق الإنسان شهدت تباينًا كبيرًا، وهكذا فعندما تقدم المنظمات الدولية قوائمها التي تضم أبرز منتهكي حقوق الإنسان نجد أن معظم هذه الانتهاكات تتعلق "بحقوق الجيل الأول" ولا تولي إلا قليلًا من الاهتمام بكافة الحقوق الأخرى،ويمثل هذا التحيز الواضح بشأن اهتمام حركة حقوق الإنسان بحقوق دون أخرى أحد الأسباب لاستهداف الإسلام إلى جانب ديانات أخرى بأنه يتعارض مع حقوق الإنسان، بينما لا يتم تسليط الضوء في وسائل الإعلام على أنظمة اجتماعية بأكملها لا تهتم باحتياجات الفقراء.[165]

وخلاصة القول أنه بغض النظر عن التاريخ والأسس الأصلية لحقوق الإنسان، وبغض النظر عن ما إذا كان كل مجتمع له تصوره الخاص بحقوق الإنسان أم لا، فمن المؤكد أن هناك تحيزًا غربيًا في حركة حقوق الإنسان المعاصرة، وبقية العالم يُنظر إليه في ضوء المعيار الغربي. وقد أدى ذلك إلى وضع متناقض جدًا يُتوقع فيه باسم حقوق الإنسان والحرية أن تحاكي المجتمعات والثقافات الأخرى هذه الأعراف والمبادئ الغربية. وجدير بالذكر أن هذا لا يبشر بخير بالنسبة لحركة حقوق الإنسان نفسها حيث تظهر أصوات عديدة تندد برؤية حركة حقوق الإنسان للعالم والمجتمعات الفردية.

 وبالنظر إلى الإجماع العام الذي يشير إليه العديد من الكُتَّاب فيما يتعلق بقبول مرجعية حقوق الإنسان،فلا يزال هناك قدر كبير من الاختلاف بشأن أي هذه الحقوق تُعد هي حقوق الإنسان، وفيما يتعلق بحقوق الإنسان التي تم الاتفاق عليها، ما هي الكيفية التي تُنفذ بها. بل حتى في الدول الغربية، تلك الدول والحكومات التي تسمي نفسها زعماء حملات حقوق الإنسان، لا تزال هناك تباينات كبيرة في كيفية وضع هذه الحقوق قيد التطبيق وفي إطار القانون.


 الفصل الثالث: القضايا الأساسية المتعلقة بالنموذج المعاصر لحقوق الإنسان

سوف نناقش في هذا الفصل بعض القضايا الأساسية المتعلقة بالنموذج المعاصر لحقوق الإنسان، وهذه هي القضايا التي يجب أن تؤثر في موقف المرء تجاه النموذج المعاصر لحقوق الإنسان، وتشمل هذه القضايا الأساسية ما يلي:

1.                      تبرير منظومة حقوق الإنسان.

2.                      كيف يمكن تحديد شيء ما بأنه حق من "حقوق الإنسان"؟

3.                      التناقض في نموذج حقوق الإنسان.

4.                      حقوق الإنسان بين النظرية والممارسة.

 تبرير منظومة حقوق الإنسان

عند قراءة الكتب التي تتنأول حقوق الإنسان يبدو واضحًا أن بعض المدافعين عن حقوق الإنسان ينتظرون أن تنحني جميع المجتمعات والأديان لمطالبهم وتنفذ البرامج المعاصرة لحقوق الإنسان. وهذا لا شك يمثل مطلبًا ثقيلًا على المسلمين الذين يعتقدون أن بين أيديهم الوحي الإلهي المنزل من عند الله وهو ما يمثل عقيدة توجب عليهم عدم الانحراف عن هدي الوحي الذي أنزله الله إليهم.

فإذا كان المدافعون عن حقوق الإنسان جادون في مطلبهم الذي يريدون من الجميع أن يذعنوا له، عليهم أن يقدموا على الأقل تبريرًا وجيهًا لما يدّعونه لأنفسهم وما يطالبون به الآخرين، وهذا من شأنه أن يثير سؤالًا حتميًا حول الأساس الذي تقوم عليه فكرة حقوق الإنسان؛ فما هو هذا الأساس إذًا؟

ربما سيعترف المدافعون عن حقوق الإنسان بأن هذه القضية هي التي تمثل الثغرة الأولى في درع حركة حقوق الإنسان، وفي الحقيقة نجد أن هذا السؤال يتم التعامل معه بتجاهله بكل بساطة، ويكتفي الكثيرون منهم بمجرد القول بأن هذا السؤال بشأن الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان هو سؤال مثير للجدل والانقسام والحيرة، فمن الأسهل والأفضل أن تتقبل ببساطة هذه النظرية وأن تضمن أن كل إنسان يتمتع بهذه الحقوق. ومع ذلك، فهناك العديد والعديد من المنظرين الذين يتساءلون حول هذا المنهج الأعمى ويثيرون تساؤلات كثيرة بشأن الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان، بل هناك العديد والعديد من المناظرين الذين يدركون حتمية الإجابة على هذه التساؤلات ويرون أن هذه الإجابات لابد وأن تكون مرضية. يقول عبد الله النعيم أحد الكُتاب المؤيدين لحقوق الإنسان: "وحتى بعد مضي أكثر من خمسين عاما على [الإعلان العالمي لحقوق الإنسان] لا يزال من الصعب تقديم إجابة حاسمة لمسألة الأساس الأخلاقي أو الفلسفي لحقوق الإنسان، ولا تزال هذه المسألة حيوية من الناحية العملية لتنفيذ قوانين حقوق الإنسان."[166]

عندما تُفرض مطالب معينة على المجتمع الإنساني ينبغي–كما نوَّهنا من قبل– أن يكون هناك شيء مهم يبرر تلك المطالب، وإذا لم يكن هناك مبرر لهذه المطالب فيمكن القول بأنها ليست سوى تعصب أعمى وتطرف وغطرسة تدفع مثل هؤلاء الدعاة لحقوق الإنسان أن يطالبوا العالم بأسره أن يسيروا على طريقهم.

 تاريخ هذا السؤال: الذي تهرب منه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

مما لا شك فيه، أن من بين أكبر أسباب الخلافات في الرأي بشأن حقوق الإنسان قضية الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان ذاتها، ويؤثر هذا السؤال بشكل أساسي في قضايا مهمة ذات صلة بحقوق الإنسان: مثل ما هي الأمور التي تشكل حقوق الإنسان، وكيف يتم تنفيذ قانون حقوق الإنسان.

قرر المسنون للمسودة الأصلية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأربعينيات تجاهل التعرض لهذا السؤال محأولةً منهم الحصول على اتفاق عالمي على صياغة المسودة، وعن هذا يقول بوكار وبارنيت:

 كان للإعلان العالمي هدف محدود وهو إعلان حقوق إنسانية معينة يتسنى للدول الأعضاء الاتفاق عليها. وتنعكس هذه الصورة المحدودة لهذا المشروع في تعليق الفيلسوف الكاثوليكي الفرنسي جاك ماريتين على المناقشات التي سبقت صياغة هذا الإعلان حيث يقول: "اتفقنا على هذه الحقوق شريطة أنا لا يسألنا أحد عن السبب، فبمجرد أن يقول البعض "لماذا" يبدأ الجدال" ومن ثمَّ جاء نص الإعلان العالمي وفق نصيحة ماريتين، وتعمد عدم توضيح السبب والعلة التي تكمن خلف دعوة حقوق الإنسان، بل تركها غامضة محيرة، حيث يؤكد نص الإعلان العالمي على أن "الكرامة المتأصلةوالحقوق المتسأوية وغير القابلة للسلب لكافة أفراد المجتمع البشري هما أساس الحرية والعدل والسلام في هذا العالم"، غير أنه جعل لهذه الحقوق أساسا غير محدد وغير معروف ألا وهو "الفهم العام."[167]

ربما تبدو هذه خطة ماهرة من جانبهم في ذلك الوقت من أجل الحصول على قدر كبير من التأييد والموافقة المبدئية على هذا الموضوع المبتكر، ومع هذا فإن الواقع يشهد بأنها كانت خطأ فادحًا، وللأسف فعلى الرغم من كل هذا لم يتم معالجة هذا الخطأ بصدق منذ البداية، وكما ذُكر في بوكر وبارنيت مباشرة بعد الاقتباس المذكور أعلاه: "بعد هذه المحأولة المبكرة للتأكيد على الأسباب المنطقية التي تبرر حقوق الإنسان، واصل المجتمع الدولي تأييده لرفض عرض هذه الأسباب، ربما كان ذلك بدافع الخوف من أن تؤثر أية مناقشة للاختلافات الموجودة بين الأسباب المنطقية المبررة لحقوق الإنسان على الإجماع حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان."[168]

ولا يزال هذا السلوك مستمرًا في العديد من الدوائر حتى اليوم، وعلى الرغم من احتمال وجود اتفاق واسع على المستوى العام، فالحق أن هناك اختلافات شديدة في وجهات النظر حول القضايا الجوهرية في حقوق الإنسان، وكما أشار ويستون:"إن القول بوجود قبول واسع لمبدأ حقوق الإنسان على المستويين المحلي والدولي لا يعني أن هناك اتفاقًا كاملًا بشأن طبيعة مثل هذه الحقوق أو نطاقها الموضوعي."[169]

وينبغي على المرء أن يدرك أن حركة حقوق الإنسان المعاصرة ليست مجرد حركة تُعنى بضمان بعض الحقوق أو تمريربعض القوانين وسنها لكافة البشر، بل إنها تقدم رؤية متكاملة للبشرية وتفرض مطالب على كافة المجتمعات البشرية على وجه الأرض.وفوق ذلك، فإنها تعرض دعأوى كبيرة ومن أمثلتها تقريرها أن "البشر لهم الحق لفعل هذا أوذاك." وهذا السلوك من شأنه أن يثير السؤال التالي الذي لابد له من إجابة: هل هناك شيء له هذا القدر من القداسة أو الخصوصية لدى البشر يُسوّغ أن يكون لكل إنسان قائمة خاصة من الحقوق لمجرد أنه بشر؟

مفاد هذه الحجة في هذا الصدد أنه لا يمكن تجاهل الأسئلة الأساسية بشأن حقوق الإنسان،إذ أن العديد من المخأوف الموجودة بشأن حركة حقوق الإنسان تستند في حقيقتها إلى قضايا جوهرية تم تجاهلها دون توفير حل مقنع لها. ولحسن الحظ فإن هناك المزيد والمزيد من العلماء الذين يقرون بهذه النقطة ويدركون أنها شديدة الأهمية بالنسبة لنجاح أو فشل حركة حقوق الإنسان، ولا يمكن قط تجاهل هذه المزاعم حول حقوق الإنسان أو إغفالها، وقد أصاب غوتمان هذه النقطة عندما كتب قائلًا:

السؤال الذي يمكن أن يوجهه -بنوع من التشكيك-أصحاب التفكير العملي هو نفس السؤال الدائر في المناقشات الساخنة والشائعة بشأن الأسس الأخلاقية والميتافيزيقية لحقوق الإنسان. تميل هذه المناقشات التي تتنأول على سبيل المثال الكرامة والمجتمع الإنساني والقانون الطبيعي إلى الطابع النظري بشكل كبير، ومن ثم فقد توحي بأنه ليس هناك ما نقلق بشأنه من الناحية العملية، ولكن افتراض كهذا هو افتراض عاري تماما من الصحة والحكمة، إذا أن ما هو على المحك فعلًا فيما يتعلق بخطاب حقوق الإنسان هو شرعية هذا الخطاب نفسه في الساحة الدولية. ولو كانت هذه الحقوق بالضرورة مستندة إلى أساس أخلاقي أو ميتافيزيقي فهذا لا يعني بأي منطق أنها عالمية أو أنها ستسلم من النقد على الساحة الدولية، أما لو كانت هذا الحقوق مستندة بصورة حصرية إلى الأفكار الخاصة بالثقافة الأوربية كما يزعم ذلك العديد من النقاد (وبإصرار شديد)وأن هذه الأفكار تنحاز ضد الدول والثقافات غير الغربية فإن هذا يلقي بظلال من الشك على شرعية خطاب حقوق الإنسان وعهود حقوق الإنسان وسن قوانين حقوق الإنسان[170].

وقد تنأولت كريس برأون هذه المناقشة بعمق أكثر من غوتمان حيث قالت: "في الواقع كل ما تتنأوله "حركة حقوق الإنسان" هو محل جدل واختلاف...كما أن فكرة تملك الأفراد لحقوق أو أن ذلك هو ما يجب أن يكون فكرة مثيرة للجدل، وكذلك لم تسلم من النقد الصائب فكرة أن إلحاق الحقوق بالأفراد ينبغي أن تكون على أساس إنسانيتهم المشتركة.[171]

هذا هو الواقع الذي ينبغي على مناصري حقوق الإنسان مواجهته والاعتراف به، فلا يمكنهم الاختباء والتستر وراء المصطلحات الجميلة مثل "حقوق الإنسان" بينما ما يدعون إليه في الواقع ليس سوى مجرد خرافة لا أساس لها على الإطلاق. ولا بد من طرح مسألة الأسس التي تقوم عليها حقوق الإنسان على مائدة المناقشة والحوار إذا كانوا ينتظرون من الناس في جميع أنحاء العالم أن يقوموا بتغيير مجتمعاتهم بل وأديانهم من أجل قانون حقوق الإنسان.

وُضع عدد من النظريات ردًا على هذه الأسئلة الجوهرية وبهدف تبرير مجرد وجود منصة لحقوق الإنسان، ومن ذلك على سبيل المثال أن براين أوريند كرَّس الفصل الثالث بأكمله من عمله التقديمي لمسألة تبرير حقوق الإنسان، ويناقش أوريند في هذا الفصل الميثاق الأخلاقي والحكمة الشخصية ومنهجية رأولز الشهيرة ومسألة الكرامة الإنسانية ونظرية العقاب والاستدلال والاحتياجات الضرورية للإنسان والالتزام بعدم إيذاء الآخرين.[172] وفي الواقع لا يحتاج المرء حتى إلى قراءة الفصل ليدرك عدم تأثير هذه الحجج بل يمكن للمرء أن يرى ذلك بسهولة من خلال الاطلاع على وصف هذه الحجج.

لم يكن أمام أورند خيار سوى استخدام نظرية تعددية لتبرير حقوق الإنسان،[173] وهذه النظرية مفادها أنه لا يوجد تبريرواحد كافي أو كامل لتبرير دعوة حقوق الإنسان، وذلك لأن كل حجة في سياق هذا التبرير تنطوي على ثغرة معينة، ومن ثم تُقبل مجموعة من هذه الحجج التبريرية المعيبة في آن واحد لتبرير هذه الدعوة مع الاقتناع بأن تقديم هذه الحجج كلها في آن واحد سيكون أقوى من تقديم كل منها على حدة. يشبه هذا السلوك ما يفعله المحامي عندما يقدم العديد من الحجج الجزئية لتكتمل الصورة لدى القاضي.[174] وينبغي أن لا يفقدنا هذا بصيرتنا في الصورة الحقيقية المكتملة عن حركة حقوق الإنسان وأهدافها، فهناك أديان وأنماط حياتية كاملة يتم تعديلها وتغييرها باسم هذه الحركة، والحق أنه لا بد وأن يقدم أنصار حقوق الإنسان دليلًا أكثر إقناعا من ذاك الذي يقدمه المحامي للقاضي لتبرير هذه الدعوة.

(لقد تساءل البعض هل هناك حقًا حاجةٌ لتبرير حقوق الإنسان، والحق أن الحاجة لتقديم تبرير مقنع لحقوق الإنسان ينبغي أن تكون من أكبر اهتمامات مناصري حقوق الإنسان أنفسهم، وإذا كانوا حقًا يريدون من غيرهم أن يحذوا حذوهم–دون أدنى إكراه أو تهديدات عسكرية أو مقاطعات اقتصادية وغيرها مما تجعل البشر يعانون أكثر مما قد ينتفعون[175]–فينبغي أو يجب عليهم أن يقدموا دليلًا مقنعًا يؤيد موقفهم. ومع العلم بحجم كافة هذه المخاطر سيكون فشلهم في تقديم هذا الدليل المقنع والتبرير الشافي دليلًا قاطعًا على ضعف مزاعمهم).

 حقوق الإنسان بصفته مصطلحًا مركبًا: طبيعة الإنسان مقابل حقوق الإنسان

لكي نبين أهمية فهم الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان بشكل أكثر ينبغي أن نحلل عبارة "حقوق الإنسان" بوصفها مصطلحًا مركبًا. إن تصور المرء لمصطلحي "الإنسان" و"الحقوق" يؤثر على التصور العام الذي يدركه المرء لهذا المفهوم. وكما أشار أوريند في قوله: "في النقاش الأخلاقي والسياسي عادة ما تشمل هذه المقدمات بعض التصورات للطبيعة البشرية وبعض الفهم للمطلب الجوهري للأخلاقيات والعدالة."[176]

وحتى لا نستطرد في الكلام، فسوف نناقش في هذا السياق المصطلح الأول وهو مصطلح "الإنسان" (أما مصطلح "الحقوق" فهو مصطلح قانوني ولا شك أن له إسقاطات متباينة في مختلف المجتمعات لذا سنرجئ مناقشته إلى سياق مناسب.)

لا شك أن تصور المرء لمفهوم "الإنسان" له آثار عديدة في تكوين تصوره لمفهوم حقوق الإنسان، كما أن له آثاره أيضًا في معرفة ما إذا كان الآخرون سيقبلون هذا المفهوم أم لا. تتباين آراء الناس في أنحاء العالم حول طبيعة البشر، وكانت هذه المسألة حول طبيعة الإنسان من الأشياء التي تم مناقشتها في المناقشات السابقة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تقول ميتشيلين إيشاي:

من أهم ما يوضح الاختلافات الأيديولوجية والفلسفية الجوهرية المناقشة الرئيسية الأولى التي دارت خلال الجلسة الأولى بين أعضاء لجنة حقوق الإنسان. كانت المناقشة حول تعريف الطبيعة الإنسانية، حيث أثارت أسئلة تشارل مالك– "هل الإنسان مجرد كائن اجتماعي؟ هل هو مجرد حيوان؟ هل هو مجرد كائن اقتصادي؟" نقاشًا محتدما بين دعاة الحقوق الفردية والجماعية. وفي سبيل التحذير من خطر النظرة الجماعية التي امتصت في النهاية "الفرد البشري بفرديته وحرمته"، أكد تشارل مالك على مركزية عقل الفرد البشري ووعيه، وحرمة حقوق الملكية الفردية، وحماية الفرد من الدولة الدينية وكافة أشكال الإكراه الخارجي. أثار موقف تشارل مالك ردود فعل قوية من ممثلي الشيوعية أمثال اليوغسلافي فلاديسلاف ريبنيكار (1900-1955م) والمبعوث الروسي فالنتين تيبلياكوف. يقول فلاديسلاف ريبنيكار: "استخدمت الطبقة الحاكمة في معظم بلدان العالم السيكولوجية الفردية للحفاظ على امتيازاتها الخاصة؛ لذا يجب ألا يهتم الإعلان المعاصر لحقوق الإنسان فقط بالحقوق التي تصب في مصلحة الطبقة الحاكمة" ومن جانبه تساءل فالنتين تيبلياكوفكيف يمكن للمرء أن يفهم الحقوق والواجبات الفردية بشكل منفصل عن حقوق وواجبات المجتمع الذي يعيش فيه؟[177]

ولا شك أنه- بغض النظر عن كون الإنسان حيواني بطبعه أم لا، أو اجتماعي بطبعه أم لا- فمن الجلي أن الدين يؤثر في تصور المرء لما تعنيه كلمة "إنسان"[178]. فبعض الناس يرون أنهم شعب الله المختار ويدرجون جميع من سواهم في فئة دونية من البشر، كما أن هناك بعض النصارى يعارضون فكرة "حقوق الإنسان" تماما ويعتبرون أنه من سوء الأدب مع الله أن يدعي البشر أن لهم حقوقًا مستقلة عن الرب فضلا عن منح هذه الحقوق لأنفسهم،[179] وهذا بسبب تصورهم للإله والعلاقة بين الإله وبين البشر. ويذكر جوريان صراحة فيما يتعلق بالنصرانية الأرثوذكسية الشرقية أن "فكر حقوق الإنسان فكر دخيل على الأرثوذكسية."[180]ويتمسك بعض المسيحيين الأرثوذكسيين غير الشرقيين بفكرة عدم وجود أية صلة بين االنصرانية وحقوق الإنسان، ومن ذلك على سبيل المثال ما اقتبسه جوريان عن ديتريش بونهوفر-ذائع الصيت- في قوله:

لا يمكن أن تكون كلمة الكنيسة لهذا العالم مختلفة عن كلمة الله للعالم، والكلمة هي المسيح عيسى والخلاص في اسمه،  فصلة الله بهذا العالم لا يمكن معرفتها إلا من خلال يسوع (عيسى) المسيح ... ويعني هذا بعبارة أخرى أن علاقة الكنيسة القويمة بهذا العالم لا يمكن أخذها من القوانين الطبيعية أو القوانين العقلانية أو من المبادئ العالمية لحقوق الإنسان وإنما من خلال إنجيل يسوع (عيسى) المسيح.[181]

ومع هذا يرى آخرون أن الدين يمثل القوى الدافعة خلف ترسيخ فكرة احترام حقوق الإنسان في المقام الأول.[182] بل يمكن القول بأنه بتجاهل أي مظهر من مظاهر الدين سوف يكون من الصعب أن نزعم أن هنا كأية صورة حقيقية لحقوق الإنسان لأن ذلك يجعلنا نتساءل ما هو الشيء الخاص في الطبيعة البشرية الذي يجعلهم يستحقون هذه الحقوق العظيمة والمهمة. لقدكانت هذه هي النقطة ذاتها التي جعلت منظرين مثل ماكس ستاكهأوس ومايكل بيري يقولون بأن فكرة حقوق الإنسان "ترتكز على فكرة اللاهوت" أو أنها "فكرة دينية بحتة." ويقول بيري بأن فكرة حقوق الإنسان تستند إلى فكرة أن كل إنسان "مقدس" وأن "كل إنسان لا يمكن أن تُنتهك حرمته أو يُعتدَى على حقه" ومن ثم فإن له "كرامة وقيمة" متأصلة فيه.[183] كتب بيري ما يلي في مقارنة بين دوركين (الذي ادعى أنه يمكن للمرء أن تكون نظرته لقدسية البشر نظرة علمانية) وبين تأوني (الذي ادعى أن مثل هذا الاعتقاد يجب أن يكون اعتقادًا دينيًا): "أستنتج في هذا الفصل استنادًا إلى الأسباب التي طرحتها فيه أن تأوني مصيب ودوركي مخطئ، وذلك لأنه ليس هناك تصور علماني مفهوم للاعتقاد في قدسية وحرمة الإنسان؛ والتصورات المفهومة لهذا الاعتقاد هي تصورات دينية.[184]

يرى الكثيرون أن من بين أهداف حركة حقوق الإنسان تقييد البشر في سلوكهم تجاه الآخرين أو جعل البشر يعاملون غيرهم من البشر بما يستحقون من المعاملة، وقد ذكر البعض أيضًا حول هذه النقطة بأن هذا الجانب من حقوق الإنسان يتطلب وجود الدين، يقول إيجناتيف:

فليس من العجيب إذن أنه في أعقاب المحرقة ينبغي أن تواجه حقوق الإنسان تحديًا فكريًا دائما من مجموعة من المصادر الدينية بما فيها المصادر الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية والتي تنادي كلها بنقطة أساسية وهي: أنه إذا كان الغرض من حقوق الإنسان كبح الاستخدام البشري للسلطة، فإن المرجعية الوحيدة التي تستطيع القيام بهذا يجب أن تكمن فيما هو أبعد من الإنسانية نفسها وهو ما يمكن أن نجده في بعض مصادر المرجعية الدينية[185].

يعترف إيجناتيف وهو الذي يكتب من منظور إنساني بالتخبط في "حقوق الإنسان" ببساطة من أجل دعوة "حقوق الإنسان" نفسها، دون الاعتقاد بأن هناك شيئًا خاصًا بالبشر يميزهم عن كل ما سواهم. يقول ايجناتيف:

إذا كانت الوثنية تتمثل في الارتقاء بأي مبدأ إنساني بحت إلى مستوى الحق المطلق الذي لا جدال فيه، فإن هذا يعني أن حقوق الإنسان تبدو كما لو كانت ضربًا من ضروب الوثنية. ولا شك أن الإنسانيين لا يعبدون حقوق الإنسان بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكننا نستخدم هذه العبارة لنقول بأن هناك شيئًامقدسًا حول حرمة كرامة كل إنسان. وهذا بلا شك سلوك تعبدي، والمعنى الضمني في استعارة كلمة العبادة هو سرعة التصديق في شيء يشبه إحدى الديانات أو العبادات المشهورة، وهو ما يمثل عدم القدرة على إخضاع الفرضيات الذي تفرضها العقلانية الإنسانية على العقيدة الدينية، وجوهر هذا الانتقاد هو عدم تناسق النظرية الإنسانية في ذاتها حيث أنها تنتقد كافة صور العبادة وتستثني نفسها.[186]

إن الرد الوحيد الذي يستطيع أن يقدمه الإنسانيون هو رد تاريخي حيث يقولون أن هذه الحقوق إنما هي لغة صاغها البشر كشكل من أشكال مناهضة الظلم[187].

ومع ذلك، فإن العديد من أنصار حقوق الإنسان الأعلى صوتًا يتنأولون مسألة حقوق الإنسان من منظور علماني بحت ويحأولون استبعاد فكرة اللاهوت أو الدين من الصورة تماما. على سبيل المثال، يقول أورنيد أن المبررات الدينية لحقوق الإنسان هي "مبررات إقصائية ومثيرة للجدل"،[188] وهناك بالتأكيد شيء من الصواب في كلامه، ولكن تجنب مسألة صعبة لا يحل بالضرورة أي شيء.

وأقول صراحة أن استبعاد اللاهوت أو الدين من الصورة قد لا يكون بالضرورة أفضل منهج لتأسيس فكرة حقوق الإنسان وترسيخها، فلم يرسم التفكير العلماني في الماضي والحاضر صورة وردية لمعاملة البشر.[189] ومن ذلك على سبيل المثال، أن فكر النظرية الداروينية والذي ينظر إلى البشر بوصفهم صورة متطورة من الحيوانات لم ولن يوحي بأي إحساس بالكرامة الإنسانية أو حقوق الإنسان. وقد أبرز ممداني في الفقرة التالية بعض النقاط التاريخية لهذا النوع من الفكر حيث قال:

كتب هربرت سبنسر في كتابه الإحصاء الاجتماعيSocial Statics (عام 1850م): "إن القوى التي تعمل على وضع المخطط الكبير لتحقيق السعادة، ولا تراعي حالات المعاناة التي تحدث عرضًا في سبيل ذلك، تقضى على تلك القطاعات البشرية التي تقف في طريقها." وهذا هو منهج التفكير الذي سلكه تشارلز لايل منذ عشرين عاما في كتابه "مبادئ الجيولوجيا" Principles of Geology حيث قال: "إذا كانت أكبر الأنواع وأصغرها قد قتلت بعضها بالآلاف، لماذا لا نفعل مثلها ونحن سادة هذه المخلوقات؟" وقد أكد تلميذه تشارلز داروين في كتابه "أصل الإنسان"The Descent of Man (عام 1871م) أنه "في فترة ما في المستقبل غير البعيد والذي يقدر بقرون سوف تقضي الأجناس المتحضرة من الإنسان على الأجناس الوحشية وتحل محلها تماما."وعلق سفين يندكفيست في دراسته للفكر الأوربي حول الإبادة الجماعية فقال: "أصبح من المقبول بعد داروين أن لا تستنكر الإبادة الجماعية، وإذا كنت مستاءً فإن هذا يوضح أنك بحاجة إلى مزيد من التعليم."[190]

كما يصر ماكس ستاكهأوس على رأيه في أن حقوق الإنسان العلمانية لن تكون حقيقة ملموسة حيث يقول:

من بين هذا الكم الهائل من الأدبيات التي نُشرت حول هذا الموضوع أود أن ألفت الانتباه إلى قسم "الاتصالات الخاصة" الحالي من ​​مجلة الجمعية الطبية الأميركية، حيث يوضح هذا القسم في سلسلة من المقالات أن "المراكز الأكثر تقدما للأبحاث الطبية والقانونية (والتي تعمل جميعها على الأسس المناهضة للفكر اللاهوتي أو ما بعد الفكر اللاهوتي) كانت من بين أنشط الجهات المشرعة لهذه التناقضات الغريبة" حيث كانت هذه المراكز تقتبس من هيوم وروسو وداروين وبلويتس وهم جميعًا ممن وضع فكرة "الطهارة العرقية" وركزوا على مفهوم "تحسين النسل". وتشير الافتتاحية أيضًا إلى الدكتور ليو الكسندر الذي قدم شهادة في محكمة أطباء نورمبرج الابتدائية (the Nuremberg Doctors Trial) بأن مزيجًا من النظريات الهيغلية للتطور التاريخي وأفكار "المنفعة العقلانية" كان بمثابة المبادئ التوجيهية للديكتاتوريات الحديثة، وأن هذه الديكتاتوريات قد استبدلت جميع القيم المعنوية والأخلاقية والدينية. يعتقد كل المنظرين الذين يتسمون بالصراحة أن أي صورة من صور نظرية ما بعد فكرة اللاهوت يمكنها أن توفر أسسًا كافية للفكر والسياسة والقانون والأخلاق من دون الحاجة إلى أي شيء آخر غير "الطبيعة" و"التاريخ"و"الثقافة" و"الإبداع البشري" مثل "الله".[191]

ويقول غوستافسون وجوفيلار أيضا في مقدمة كتاب "الدين وحقوق الإنسان: دعأوى متعارضة":

يعلم كُتاب المقالات الموجودة في هذه المجموعة تماما أن تجربة جيراننا في القرن العشرين، ولا سيما فيما يتعلق بالسياسة، لم تفدنا بشيء إلا ثقة في الوضع الأخلاقي للإنسان، فأين كان "القانون الأخلاقي" عندما بدأت حرب الخنادق عام 1914م ؟ وعندما اخترع النازيون الذين تم تدريبهم في الجامعات معسكرات الاعتقال؟ وعندما أصبحت الإبادة الجماعية لمدن بأكملها إحدى الاستراتيجيات المعيارية لتحقيق النصر في الحروب بدءًا من عام 1939م وحتى عام 1945م؟ وعندما وصلنا في مجتمعنا الدولي إلى رقم قياسي في القتل المنظم لما يقرب من 150 مليون إنسان مع اقتراب نهاية القرن العشرين؟ لقد تحدث الفيلسوف الفرنسي الذي عاش قبل التنوير بليز باسكال عن "العظمة والبؤس" في الطبيعة البشرية، حيث نعرف العظمة فقط في نزهتنا في الليالي المقمرة وفي حواسبنا وإعلاناتنا الخاصة بحقوق الإنسان، أما في المستويات الأكثر عمقًا في حياتنا فالبؤس يرأودنا ولا يفارقنا.[192]

كما أن التطورات الأخيرة في أوساط بعض العلماء والمهندسين لا تبشر بالخير بالنسبة لفكرة قدسية الإنسان أو حرمته، حيث يذكر المؤلف في كتاب "لغز الوعي" The Mystery of Consciousness (ستيفن بينكر) عن العلماء الذين استطاعوا تحديد مركز الوعي في المخ، وقد كتب بينكر معلقًا على هذا التطور يقول: "لا يقتل هذا التطور فقط الأمل في أنه قد يمكننا أن ننجو من موت أجسامنا في هذه الحياة، بل يقوض أيضًا فكرة كوننا مخلوقات معفاة من مسؤولية الاختيارات التي نقوم بها ليس فقط في هذه الحياة وإنما في الحياة الأخرى كذلك."[193] وفي شهر يونيو عام 2008م أصدرت مجلة جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات ذائعة الصيت عالميًا(IEEE’s journal Spectrum) تقريرًا خاصًا عن "التفرد" وكان استنتاج العديد من –وليس جميع– المشاركين في التقرير أن البشر في جوهرهم ليسوا أكثر من ماكينات، وقد تنبأ البعض أن أجهزة الكمبيوتر قد تكون قريبًا قادرة على إنتاج "الوعي الإنساني" في حين تحدث آخرون عن إمكانية تحميل وعي المرء على جهاز كمبيوتر بحيث يمكن للمرء أن يعيش بعد موته الجسدي إذا لم يقم شخص آخر بحذفه من ذاكرة الحاسوب.[194]

وبالنظر إلى أن وجود مثل هذا النقاش والجدل حول ماهية "الإنسان"، فماذا يعني هذا لمفهوم حقوق الإنسان؟ عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، ليس هناك شك في أن بعض التعريفات "للإنسان" ستكون أكثر فائدة من غيرها، ومع ذلك فمن الشخص الذي يستطيع أن يجبر الجميع على قبول الفهم الذي يتبناه عن الإنسان بحيث يتوافق مع الفهم الذي ينتهي إليه دعاة حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن للمرء أن يتغلب على صور الاختلاف التي يصفها دونلي في الفقرة التالية:

ولكن إذا كانت طبيعة البشر قابلة للتغيير إلى ما لا نهاية أو إذا كانت كافة القيم الأخلاقية تحددها فقط الثقافة (كما تقول بذلك نظرية النسبية الثقافية الردكالية)، فليس هناك حقوق إنسان (بمفهوم الحقوق التي يتمتع بها الشخص "لمجرد أنه إنسان") وذلك لأن مفهوم "الكائن البشري" ليس له معنى محددًا أو أهمية أخلاقية. وكما نرى في نموذج الهند الهندوسية حيث لم تعترف بعض المجتمعات بـ"الكائن البشري" باعتباره فئة توصيفية، بل إن الأسماء الأصيلة للثقافات تنعت الشعوب صاحبة تلك الثقافات (مثل الهوبي والأراباهو) بينما تميزهم الأساطير التي توارثوها حول أصولهم عن غيرهم من الأفراد الخارجين عن ثقافتهم والذين لا يُعدون من البشر بصورة أو أخرى.[195]

يمكننا الآن الانتقال إلى مناقشة المسوغات المختلفة المستخدمة لتأييد النموذج المعاصر لحقوق الإنسان بعد تجاهل حقيقة أن حتى مجرد مفهوم "الإنسان" وما هو الطبيعة الخاصة "للإنسان" ليس محددًا أو متفقًا عليه بين دعاة حقوق الإنسان، وسوف نناقش أولا مفهوم "القانون الطبيعي" لارتباطه برؤية محددة للإنسانية.

 القانون الطبيعي

من بين الحُجج المناصرة لقضية حقوق الإنسان اللجوء إلى ما يسمى "القانون الطبيعي"، ولا شك أن تاريخ مفهوم "القانون الطبيعي"يعد من الظواهر الغربية، ويمكن تلخيص مفهوم "القانون الطبيعي" بأنه الإعتقاد بأن هناك بعض القوانين أو المبادئ المستنبطة من "الطبيعة" ويجب التمسك بها سواء ًكانت هذه القوانين تمثل جزءًا من قوانين المجتمع (القانون الوضعي) أم لا.[196]

ولا شك أن اللجوء إلى القانون الطبيعي باعتباره مسوغًا لمفهوم حقوق الإنسان - وهو ما لا يزال يفعله بعض المعاصرين مثل روبرت جورج[197]- أمرٌ لا يخلو من الشك واللبس في أقل تقدير. ذلك أنه حتى لو وجد قانون أخلاقي من خلال الطبيعة فإنه من المؤكد أن هذا القانون الأخلاقي لن يستطيع أن يقدم الحلول الشاملة التي تخص كافة الجوانب البشرية. ونؤكد مرة أخرى على أن نموذج حقوق الإنسان لا يقتصر على كونه مجموعة من المبادئ العامة التي تهدف إلى جعل الإنسان صالحًا مع غيره من أفراد جنسه، ثانيًا، قد يكون من الصعب للغاية أن نحدد ماهية "القانون الطبيعي"، وقد يقود هذا العلماء إلى الإقرار بقوانين هي في حقيقتها انتهاك لحقوق الإنسان أو لها آثار سلبية عليها. ومن أمثلة ذلك أنه عندما كانت اسبانيا في مرحلةاستكشافها للعالم الجديد سُئل فرانسيسكو فيكتوريا أحد العلماء الأوائل في مجال القانون الطبيعي هل يجوز للنصارى استخدام القوى العسكرية لإجبار الهنود على اعتناق النصرانية؟ أجاب فرانسيسكو بالنفي، ومع هذا فقد منح للإسبانيين الحق بموجب القانون الطبيعي أن يبشروا بالنصرانية كما لهم الحق في المرور عبر الأراضي الهندية، وإذا رفض الهنود هذين الأمرين الذين ينبغي عليهم معرفتهما بموجب القانون الطبيعي يحق للإسبانيين استخدام القوة العسكرية ضدهم. ولكن فكما يقول تيرنر جونسون معلقًا على هذا: "لقد رأى فيكتوريا تلك الحقوق التي تحدث عنها حقوقًا عالمية وطبيعية، بينما لم يعرف عنها الهنود شيئًا، وقد أُخذت هذه الحقوق تاريخيًا من الممارسات العرفية للمجتمعات الأوروبية، وهكذا فقد كان فيكتوريا يبرر الإمبريالية الثقافية تحت مسمى القانون الطبيعي."[198]

يوضح روبرت جورج - أحد كبار مناصري القانون الطبيعي- كيف أن هذا التبرير هو تبرير ضعيف للغاية لفكرة حقوق الإنسان، كما يبين أيضًا كيف أن كافة النظريات العقلانية نظريات قابلة للخطأ، وفي ذلك يكتب روبرت جورج ما يلي:

نحن البشر حيوانات عاقلة، ولكن لم نبلغ الكمال في العقلانية، ولذا فنحن معرضون لارتكاب الأخطاء الأخلاقية والفكرية ويمكننا التصرف بشكل عارٍ عن المنطق تماما، لا سيما عندما نتأثر بعواطفنا الجياشة التي تسير في اتجاه معاكس للنداءات العقلانية، بل حتى عندما نتبع نداء ضمائرنا كما يتحتم علينا أخلاقيًا فنحن معرضون للوقوع في الخطأ، حيث أن القرار المبني على الضمير ربما يكون غير صائب، وقد أخفق أناسٌ من أعظم المفكرين على وجه هذه الأرض في التوصل إلى حق الإنسان في الحرية الدينية، وأعتقد أن إخفاقهم هذا كان متأصلًا في جملة من الأخطاء الفكرية حول ما يفترضه هذا الحق وما يستلزمه، ومع هذا فلم يكن هؤلاء الناس من الحمقى أو من الذين تعوزهم الخبرة والمعرفة، حيث لم تكن هذه الأخطاء ظاهرة وإنما كان يتم تصحيح المسألة بعد قدر كبير من التأمل والجدل."[199]

 وفي الحقيقة إن أي شخص يناصر حقوق الإنسان من منظور علماني أو إنساني أو عقلاني بعيد عن الوحي المُنّزل من عند الله فهو حتما يسقط فريسة لنفس الأخطاء والسقطات التي يصفها روبرت جورج في الفقرة السابقة، ويمكننا القول في الحقيقة أن الجنس البشري لا يمكنه الفرار من مثل هذه الإخفاقات، لأنه من المعلوم جيدًا أن العلوم الاجتماعية مختلفة عن العلوم الفيزيائية. وقد اعترف أرسطو قبل سنوات عديدة بهذه السقطات والقصور في العقل البشري ولكن اقتصر الحل الذي حأول إيجاده على اختيار معيار أقل صرامة للأخلاق والسياسة حيث يقول: "لا تقدم الأخلاق ولا السياسة نفس المعايير البرهانية القوية التي تتطلبها الرياضيات والعلوم."[200] لا يمكن للمرء أن يدرس الإنسان بشكل منفصل، لأنه لا يجرؤ إنسان – بناءً على المنطق أو التجربة أو الدراسة البشرية– أن يزعم بأن حقًا من الحقوق هو حق إنساني بدون شك أو نزاع، وزعم كهذا هو في حقيقته زعم خارج عن نطاق المنطق البشري والاستنتاج العقلاني. نعم قد يقتنع المرء تماما بأن شيئًا ما لا بد أن يكون من حقوق الإنسان استنادًا إلى فهم المرء واستنتاجه المنطقي، ومع هذا فكما يقول روبرت جورج في الفقرة السابقة بأن مفكرين عظماء قد حكموا على العديد من مظاهر الحياة البشرية بنفس هذه الدرجة من التأكيد والجزم ومع ذلك ينظر البشر اليوم إلى هؤلاء.نظرة دونية ويدركون كم كانوا مخطئين ومضللين في أحكامهم.

وفي الواقع نجد أن روبرت جورج يزعم أن معظم منظري القانون الطبيعي كانوا من أتباع الفكر الربوبي [مدرسة فكرية فلسفية]، ويبدو أنهم يؤمنون بمفهوم الفطرة والذي يمكن القول بأنه مفهوم قريب من المفهوم الإسلامي.[201] ومع هذا يقول العديد من المسلمين بأن الربوبيين أخفقوا في إدراك عدم كفاية هذه الفطرة لتحقيق الهداية الكاملة للبشر، ومن ثم فقد أنزل الله ما هو أكثر من مجرد قوانين عامة في الطبيعة البشرية، فقد أنزل الله شريعة كاملة لهداية البشر من خلال إرسال الرسل، وهذا بلا ريب جزء من رحمة الله ورأفته بخلقه.

أدرك جان بيثك إليشتاين (Jean Bethke Elshtain) في حديثه عن عواقب الفكر الدارويني والقانون الطبيعي المشكلات المتعلقة بكلا المنهجين بوصفهما أساسًا لأي مشروع لحقوق الإنسان حيث يقول:

جاء رد النقاد بأن هناك أسسًا أخرى غير الأساس الإيماني، فربما يلجأ المرء إلى الطبيعة أو إلى القوانين الطبيعية على الرغم من أن فهم ما بعد الداروينية للطبيعة وفكرة البقاء للأقوى لا يبدو هو المادة الأساسية التي يمكن أن تستند عليها حقوق الإنسان. ويمكن اللجوء إلى الطبيعة من منظور ما قبل النظرية الداروينية بشكل أقوى ومع هذا فيبدو أن مفهوم الطبيعة فيما بعد الداروينية شيء مختلف يُرجح إشباعه لأهواء مؤلفى الكتب الكبرى الذين يقولون بأن رثاء الأضعف ومحأولة إنقاذه سلوك نابع من العاطفة الأنثوية (على الرغم أن هذه العاطفة الأنثوية من الممكن تجنبها في عصر تنتشر فيه الحساسية إزاء الجنس وليس الضعف). هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها إظهار نظرية البقاء للأقوى في أفضل شكل لها حتى تبدو أقل قسوة، ولذا فمن المرجح أن نقرأ أكثر حول "الاستراتيجيات التطورية" من قراءتنا للنظرية الداروينية الجديدة القاسية، ولكننا سنصل بطريقة أو أخرى إلى الاستنتاج بأنه لو كانت الطبيعة هي من تُكِون أي شيء فلا بد أنها الملاذ الوحيد للبقاء، وعلى الرغم أن المفكرين الجدد للقانون الطبيعي يبذلون أفضل ما يمكنهم لإحياء فكرة القانون الطبيعي التي لا تزال باقية بالفعل لا سيما في الفلسفة وعلم اللاهوت التوماني فإن هذا سيبقى هو صراعهم الوحيد.[202]

 الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان

غالبًا ما يُستشهد بمفهوم الكرامة كأحد التبريرات المطلقة لدعوى حقوق الإنسان، والأمر في حقيقته كما يقول لويس هينكن: "لقد ضرب خطاب حقوق الإنسان بجذوره العميقة في فكرة الكرامة الإنسانية ويجد تبريرًا كاملًا في هذه الفكرة، ويتم تعريف مضمون حقوق الإنسان وفق الكرامة الإنسانية لا أقل ولا أكثر."[203]

من المفكرين الآخرين الذين يؤيدون هذا المفهوم جي فلاستوس وجيم اريتان وجي فينيس[204]، يقول أوريند: "إن حقيقة قول الكثيرين بهذا الرأي هو دليل في صالح قدرته على إمكانية إقناع الآخرين به."[205]

ورغم هذا يبادر أوريند إلي نقد هذا الرأي مثل الكثيرين غيره، ويقول بأن المرء يجد نفسه أمام استنتاج مفرغ عند اللجوء إلى مفهوم الكرامة الإنسانية لتبرير دعوة حقوق الإنسان، يقول أوريند:

ولذلك لا يشير مفهوم الكرامة الإنسانية إلى شيء أكثر من مجرد دلالته اللفظية؛ وهنا يجب أن تنتهي السلسلة المنطقية التي تبرر دعوة حقوق الإنسان، وهذه السلسلة المنطقية تتكون من المقدمات التالية:

1.                      يجب معاملة كل الناس بما يتفق مع الكرامة الإنسانية.

2.                      تحمي حقوق الإنسان الكرامة الإنسانية وتصونها.

3.                      ولذلك يجب احترام الحقوق الإنسانية لكل الناس.[206]

ربما تتمثل الإشكاليات الكبرى في استخدام الكرامة الإنسانية مسوغًا لحقوق الإنسان في أن مفهوم الكرامة الإنسانية يغطي العديد من صور الحياة، كما أنه مفهوم مبهم ويصعب تعريفه على نحو قاطع، فعلى سبيل المثال، كون الطفل يُختار دائما أخيرا عند تكوين الفرق في المدرسة ربما يمثل خدشاً لكرامته، لكن من الصعب جدًا أن نعد هذا من انتهاكات حقوق الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك قد لا تتفق رؤية شخص ما حول الكرامة الإنسانية مع رؤية غيره، ويكفي لتوضيح هذه النقطة عرض قليل من الأمثلة في هذا الصدد، فزي المرأة المسلمة من الأمور التي ينتقدها دعاة حقوق الإنسان بشكل متكرر لا سيما متشددو أنصار الحركة النسائية، ومع هذا أليس من المنطقي أن نقول أن عرض صور المرأة وكشفها فيما يشبه العري التام في كل مكان في المنتزهات العامة وعلى لوحات الإعلانات وفي كافة وسائل الإعلام انتهاكًا لكرامة الإنسان؟[207] ألا يستطيع المرء أن يسوق هذه الحجة بصورة منطقية؟ فليس من شك أن العديد من المسلمين في شتى أنحاء العالم يرون أن هذه الحجة حجة مقبولة، بل ربما يتوقع المرء أو يأمل أن يتفق أيضًا عليها العديد من النصارى واليهود وأتباع العقائد الأخرى. فعلى الرغم من أن مناصري حقوق الإنسان يطالبون بتعزيز هذه الحريات ويدافعون عنها، يطالب العديد منهم ويدافع عن انتهاكات أكثر جرما في حق الكرامة الإنسانية مثل حرية تدأول المواد الإباحية، بل وأحيانا يتطرقون إلى حرية استغلال الأطفال في المواد الإباحية،[208] فكيف لدعاة حقوق الإنسان أن يثق الناس في ما يزعمونه من أن نظريتهم تقوم كلها على صون وحماية الكرامة الإنسانية بينما يؤيد ونمثل هذه الانتهاكات؟

لقد جعلت هذه الإشكاليات التي لا تنفك عن مفهوم الكرامة الإنسانية إيجناتيف يكتب ما يلي:

لا تزال لدي إشكالية فيما يتعلق بمفهوم الكرامة؛ هناك صور عديدة للتعبير عن مفهوم الكرامة الإنسانية وبعضها يمثل صدمة عميقة لي لما أراه من عدم إنسانيتها، فعلى سبيل المثال ترتبط بعض طقوس استهلال التكوين الجنسي مثل الختان بفكرة الحفاظ على كرامة المرأة وصونها، كما تفرض اليهودية الأرثوذكسية المتشددة دورًا على المرأة تنظر إليه النساء العلمانيات بأنه صورة من الصور القمعية ومع هذا تراه المتدينات شكلًا من أشكال الوفاء والحفاظ على كرامتهن. ولهذا نجد أن أفكار الكرامة الإنسانية التي يفترض أن توحد الثقافات برابطة مشتركة تتصل بحقوق الإنسان نجدها في الواقع تحدث الفرقة بينها، وليست هناك طريقة تقودنا إلى صفة نسبية ومحددة ثقافيًا لفكرة الكرامة."[209]

والسؤال العام الآن هو ما هي علاقة احترام الكرامة الإنسانية بجواز الإباحة الجنسية والشذوذ الجنسي وكافة أشكال حرية التعبير (بما فيها الكتابات التي تثير الكراهية ومهاجمة الدين وغيرها) وما شابه ذلك؟ هل يستطيع المرء حقًا أن يقيم هذه العلاقة؟ نقول مرة أخرى بأن على المرء أن يؤكد على أنه عندما نتحدث عن حقوق الإنسان اليوم فنحن نتحدث عن هذه الحقوق، وهذه هي القضايا التفصيلية التي لا يمكن أن يوجد لها مسوغ من خلال مبررات عامة مثل "الكرامة الإنسانية."

يقول إيجانتيف أيضًا في الفقرة التالية بأن أساسًا بهذه الطبيعة يفرق بين الناس ولا يوحد بينهم فيما يتعلق بتبرير حقوق الإنسان:

قد يكون من المحفز أن نربط بين فكرة حقوق الإنسان وبين الافتراضات التالية مثل القول بأن البشر لهم كرامة متأصلة فيهم وأن لهم قيمة ذاتية وقداسة طبيعية فيهم، وتكمن مشكلة هذه الافتراضات في عدم وضوحها وإثارتها للجدل، ويرجع عدم وضوحها إلى أنها تسبب اضطرابًا بين ما نأمل أن يكون الرجال والنساء عليه وبين ما نعلمه عنهم بحكم الطبيعة التجريبية. وفي بعض الأحيان نجد الرجال والنساء يتصرفون بكرامة ملهمة، ولكن هذا ليس نفس الشيء كالقول بأن كافة البشر لهم كرامة متأصلة فيهم أو لهم قدرة على إظهارها، ونظرًا لالتباس واقع هذه الأفكار حول الكرامة والقيمة الذاتية والقداسة وما ينبغي أن تكون عليه نجدها مثارًا للجدل، ونظرًا لكونها مثارًا للجدل فقد تقوض الالتزام بالمسؤوليات العملية التي تستلزمها حقوق الإنسان بدلًا من أن تقويها وتدعمها، وعلأوة على هذا، تثير هذه الأفكار الجدل والتنازع لأن كل صورة منها لابد وأن يكون لها مزاعم غيبية حول الطبيعة الإنسانية التي هي بطبيعتها محل جدل واختلاف، كما لا يرى بعض الناس صعوبة في النظر إلى البشر بأن لهم قدسية متأصلة فيهم لأنهم يؤمنون بأن هناك إله خلق البشر بالصفة التي يريدها، أما من لا يؤمنون بالله فإما أن يرفضوا قدسية البشر أو أن يعتقدوا في قدسيتهم على أساس الاستخدام العلماني للغة الدينية التي لا يقتنع بها الإنسان المتدين، وتعمل هذه المزاعم الأساسية على خلق الفرقة والنزاع بين الناس، وهذا النزاع لا يمكن حله بالطريقة التي عادة ما يستخدمها البشر في حل النزاعات والجدليات من خلال النقاش والمسأومة، وأرى أن الأفضل من ذلك كله أن نتخلى عن كافة هذه الجدليات وأن نسعى لإيجاد تأييد لحقوق الإنسان على أساس ما تقدمه هذه الحقوق في حقيقتها للإنسان.[210]

(لا يجد إيجناتيف بهذا الأسلوب تبريرًا مقبولًا لنموذج حقوق الإنسان، ويخلص إلى أنه من الأفضل أن نتجاهل هذه القضية مؤكدًا على ما يفترض أن تقدمه حقوق الإنسان للبشر.[211] ) ويؤكد إيجناتيف في الفقرة السابقة على إحدى النقاط المهمة وهي أنه إذا وُجد اختلاف أو جدل حول تبرير أو مسوغ ما لحقوق الإنسان فإن هذا التبرير سوف يؤدي حتما إلى الانقسام ومن ثم فيجب رفضه.[212]وبما أن هناك العديد من الناس يؤمنون بالله والذين يؤمنون بأن هناك معتقدات شاملة عن الحياة يجب أن يتم الربط بينها وبين الإيمان بالله فلن يستطيع مثل هؤلاء مطلقًا قبول مسوغٍ لحقوق الإنسان لا يشمل معتقداتهم عن الإله وعن الحياة بشكل عام، ويعني هذا أنه بدون أن يتخلى هؤلاء عن مثل هذه المعتقدات فإنه محال أن يكون هناك اتفاق موحد حول مسوغ لحقوق الإنسان، وإذا لم يكن هناك اتفاق حول مسوغ ما لحقوق الإنسان فإن هذا يعني عدم وجود فرص للاتفاق على الجوانب العديدة لحقوق الإنسان لا سيما فيما يتعلق بالقوانين واللوائح التفصيلية. وهذا من شأنه أن يقضي على نموذج حقوق الإنسان بأسره، فبدون الاتفاق على بعض المبادئ العامة فلن يُتوقع أن يكون هناك كثير من المنطق، وهذا بالضبط هو الصراع الجاري حاليًا في العالم بين المناصرين المتشددين لحقوق الإنسان وبين من يؤمنون بوجود مصادر أخرى لاستنباط القوانين والأسس الثقافية.

وفي الحقيقة يسلم هينكن بحقيقة اختلاف الفهم الديني الجذري للكرامة الإنسانية عن الفهم العلماني الذي يقترحه حيث يقول "من المؤكد أن الأديان تتقبل أيضًا فكرة الكرامة الإنسانية بوصفها أحد الأمور المهمة والحيوية، وهناك إشارات لذلك في الديانات الغربية، غير أن المنظور الأخلاقي الذي تكوّن حول هذا المفهوم لا يتفق مع الآثار المتربة على مفهوم كرامة الإنسان كما تُصور عادة في مجال حقوق الإنسان.[213]

ثم يتطرق هيكن لمناقشة العديد من أوجه الاختلاف بين المفهوم العلماني للكرامة الإنسانية والتصورات الدينية له، وهذه الفروق في حالات كثيرة منها فروق حقيقية حيث يقول هيكن: "أدركت منذ عدة سنوات أن الدين أيديولوجية بديلة وبالفعل فهو أيديولوجية منافسة ومصدر لمقأومة أفكار حقوق الإنسان."[214]

يُعد تقديم هيكن لهذه القضية حجة ضد أي زعم بأن أي برنامج عالمي لحقوق الإنسان يمكن أن يكون له مسوغ من خلال "الكرامة الإنسانية" ويوضح هذا مرة أخرى بأن أي مفهوم مبهم وغير واضح لمفهوم "الكرامة الإنسانية" لا يمكنه أن يكون مسوغًا أساسيًالمنطلق حقوق الإنسان.

قبول حقيقة أن حقوق الإنسان تمثل جزءًا من القانون الدولي اليوم– أو التهرب من السؤال مرة أخرى

لا يستطيع النعيم وهو الذي يدعو إلى إصلاح كامل لفهم الشريعة باسم حقوق الإنسان الدولية أن يقدم إلا القليل جدًا لإثبات حجية حقوق الإنسان باستثناء حقيقة أنها أصبحت اليوم تمثل جزءًا من القانون الدولي.[215] يستطرد النعيم فيقول أن حقوق الإنسان الدولية هي تلك الحقوق التي يستحقها الناس لمجرد أنهم بشر،[216] ومع ذلك، فهذا لا يثبت شيئًا. وفي الواقع يقول النعيم أن الحقوق الأساسية موجودة في ثقافات مختلفة في العالم بينما يقول في الوقت ذاته أن الشريعة التقليدية تمثل حجر عثرة في طريق حقوق الإنسان، ويعني هذا أنه يناقض نفسه؛ فكيف يمكن أن تتفق كل هذه الثقافات على تلك المبادئ بينما تنتهك الثقافات القائمة على الشريعة - والتي لا تمثل إلا عددًا صغيرًا- هذه المبادئ؟

يقول النعيم في حجته: "يمكنني من خلال تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل بين كافة البشر وليس فقط بين أعضاء جماعة خاصة أن أقول بأن حقوق الإنسان العالمية هي تلك الحقوق التي قد تطالب بها أحدالأعراف الثقافية لأفرادها والتي عليها بالمثل أن تقر بحقوق الأفراد الذين ينتمون إلى أعراف ثقافية أخرى إذا كانت تنتظر المعاملة بالمثل من الآخرين."[217] ومع هذا فلا بد أن يكون ذلك بصيغة مسألة "القاسم المشترك الأدنى." فإذا لم تمنح الثقافة الإسلامية –كما يقول النعيم– حقوق كذا وكذا من حقوق المرأة وحقوق غير المسلمين فإن الثقافة الإسلامية بذلك لا تعترف بهذه الحقوق لكافة أفراد مجتمعها، ومن ثم فإن أي حقوق لا تُمنح لهذين الفئتين في ظل الثقافة الإسلامية لا يمكن أن نعُدها من حقوق الإنسان الأساسية وهذا وفقًا للطريقة التي يصوغ بها النعيم جدليته، إلا إذا كان يقول أن حقوق الإنسان الأساسية هي تلك الحقوق التي تمنحها كل ثقافة للأفراد المميزين في مجتمعها، ومع هذا فليس هذا ما يقول به كما أنه يناقض الفكرة الأساسية لمزاعمه.

لا شك أن القول بأن هذه الحقوق أصبحت جزءًا من القانون الدولي والاتفاقيات الدولية هو الحجة الأقوى لإجبار المسلمين على الالتزام بمنصة حقوق الإنسان إذا وافقوا على توقيع تلك الاتفاقيات، ومع هذا فنحن بحاجة لتوضيح العديد من النقاط المهمة التي نوجزها فيما يلي:

1.                      على الرغم منأن الوضع الحالي لحقوق الإنسان الذي هو في ذاته مثار شك وجدل، يقول البعض مثل آن ماير وغيرها بأن ما تم اعتماده بشكل عام من قبل القانون الدولي يصبح ملزما للجميع حتى لو لم توافق بعض الدول على هذه المواثيق.

2.                      ليس هناك شك في أن هؤلاء الذين وقّعوا على اتفاقيات حقوق الإنسان في أربعينيات القرن العشرين لم يتوقعوا أن الحرية الجنسية – على سبيل المثال– قد تصبح جزءًا من أجندة هذه الاتفاقيات، فكيف يحاسبون عليها إذن؟

3.                      إذا اعتُبرت هذه الاتفاقيات مُلزمة فينبغي أن تكون التحفظات التي تقدمت بها الدول المسلمة ملزمة كذلك، وبعبارة أخرى إذا لم تكن هذه الدول قد وافقت حقيقة على هذه الاتفاقيات فكيف تحاسب عليها؟

4.                      هناك اختلاف كبير بين المنظور الإسلامي وبين ما توافق عليه الدول العلمانية المسلمة، وكان هذا هو سبب الاختلاف والانقسام فيالبلدان الإسلامية وأدى إلى ظهور "الأصولية". وينبغي أن يكون هناك فرق بين ما يوافق عليه رجال القانون وزعماء الحكومات وما ترغبه الشعوب في حياتها إذ يمثل هذا الفرق نقطة أساسية في هذه القضية من منظور حركة حقوق الإنسان، ومع هذا فبسبب تبني حركة حقوق الإنسان لهذه الرؤية التي تقول بأنه لمجرد كون هذه الحقوق قانونًا من القوانين فيجب الالتزام والتمسك بها وإن تم استبعاد العديد من حقوق ورغبات الأفراد.

5.                      وأخيرًا، ينبغي الإشارة إلى أنه حتى "القانون الدولي" قد لا يسلم من انتقادات مزاعم حقوق الإنسان، ولنلاحظ نقد بريكمونت "لليبراليين الآخرين ذوي الميول اليسارية " حيث يقول:

معظم الأفكار التي ينتقدها هذا الكتاب هي أفكار تثار بطريقة غير مباشرة، وإن كانت ذُكرت صراحة من قبل بعض المجموعات التي تسمي نفسها ليبرالية وديمقراطية وتقدمية. ومن الكتب التي تقدم توضيحًا رائعًا لهذه الأفكار كتاب صدر عام 2005م بعنوان "مسألة مبدأ: نقاشات إنسانية لحرب العراق" A Matter of Principle: Humanitarian Arguments for War in Iraq وهو عمل جماعي لعدد من الكُتَّاب الذين يسوغون الحرب على العراق على أساس دعوة حقوق الإنسان. ويرى مؤلفو الكتاب أنه ليس للولايات المتحدة الحق فحسب بل عليها واجب استخدام القوة العسكرية الكبرى للتدخل العسكري ولتحرير الشعب العراقي من ديكتاتورية صدام حسين، ولم يضيرهم غياب أسلحة الدمار الشامل في العراق ولا الحقيقة بأن تدخلاً عسكرياً كهذا ينتهك القانون الدولي، بل يرون أن حقوق الإنسان تمثل قيمة أعلى من قيمة احترام القانون الدولي.[218]

استنتاج موجز حول الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان

يتمثل المصدر المطلق والأساس الحقيقي لحقوق الإنسان من المنظور الإسلامي كماسوف نشير في الفصل التالي في الأوامر الإلهية، ومن الواضح أن الجماعات الإنسانية المختلفة لديها تصورات متباينة جدًا حول مفهوم الإله، ومن ثم اضطر مناصرو حقوق الإنسان تلبيةً لرغبتهم في تقديم مشروع عالمي لإيجاد بعض الأسس غير فكرة الوحي الإلهي تقوم عليها رؤيتهم الإنسانية/العلمانية لهذا العالم. ورغم ذلك، يبدو أنهم لم يحققوا أي نجاح يذكر، ولم يستطيعوا حتى- باستبعاد الأساس الديني- أن يقدموا أي أساس مقنع للجميع تقوم عليه حركة حقوق الإنسان.

تساهم الفقرة التالية لستاكهأوس بصورة جيدة في توضيح مدى الارتباك والحيرة اللذين يكتنفان الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان، يقول ستاكهأوس:

من المفارقات أن أحد المنظمات الرائدة في الدعوة الدولية لحقوق الإنسان وهي منظمة العفو الدولية قد قدمت بعض المحاضرات تحت رعايتها يلقيها كبار الفلاسفة السياسيين، تكشف هذه المحاضرات مدى هشاشة التفكير العلماني المعاصر حول المبادئ الكونية. ويقدم هؤلاء الفلاسفة في دفاعاتهم عن حقوق الإنسان أسسًا ضعيفة ومتناقضة، ومن هذه الأسس على وجه التحديد أفكار توماس هوبز وفريدر خنيتشه.[219] وبوجه عام يقول هؤلاء أن حقوق الإنسان تظهر في ظل الأوضاع الاجتماعية للحداثة تأكيدًا على إرادة الدول ذات السيادة ولكن لا يشرحون متى وأين تظهر هذه الأوضاع الاجتماعية وما سبب ظهورها أو متى وأين سيتم ممارستها ولماذا، ومن المؤكد أن بعضهم يعود لطبيعة التخيل الإنساني بما تحمله افتراضات لغوية ليرى ما يمكن أن تخبرنا به صفة اللغة والخطاب ذاته، وبينما يشير هؤلاء الفلاسفة إلى ما يحمله هذا الخطاب وهذه اللغة من قواعد لغوية، فليس من الواضح كيف يستطيع المرء أن يتوصل من خلال هذه القواعد اللغوية إلى فكرة حقوق الإنسان، إذ أن خصوم حركة حقوق الإنسان لديهم قواعدهم اللغوية أيضًا. تبدو حجج هؤلاء الفلاسفة أقل دقة وإقناعًا لأنهم جميعًا يشعرون بالاستخفاف وربما الاحتقار تجاه فكرة كون الدين أحد المصادر الممكنة لتفسير الحياة البشرية العامة أو هدايتها، ويدل الاعتماد على التحليل اللغوي أو التحليل الاجتماعي وحده (وأحيانًا مزيجًا منهما) كأساس للقيم التشريعية والأخلاقية بأن الفلسفة السياسية بالشكل الذي تُمارس به اليوم لا أساس لها وأنها أكثر تغيرًا من الناحية الثقافية والسياقية من الدين. لا تزال هذه الرؤية المثيرة للشك معلقة على الأسس العقلانية والتجريبية غير مدركة في حقيقتها للصلة بين أعراف "الدين بشكل عام" وبين حقوق الإنسان.[220]

لا يستطيع المؤلف هنا أن يؤكد بشكل كافٍ على أهمية مسألة أساس حقوق الإنسان في ضوء ما يطالب به مناصرو حقوق الإنسان المسلمين وفي ضوء التغييرات التي يُفترض أن يحدثوها في دينهم، ربما لا يستطيع الأشخاص ذوو العقليات العلمانية مثل العديد من نشطاء حقوق الإنسان أن يتصوروا ما الذي يمكن أن يحدث تحديدًا عندما يفرضون مطالبهم الثقيلة على المسلمين دون أن يقدموا شيئًا حقيقيًا لتبرير مزاعمهم، وتبقى الحقيقة بأنه ليس كل من في العالم يفكر بهذه العقلية العلمانية كما أنه لا يفكر بهذه العقلية العلمانية كل مسلم.

ما الذي ينبغي أن نعده حقًا من حقوق الإنسان؟

بمجرد أن ندرك أن الأسس التي تقوم عليها حقوق الإنسان ليست أسسًا صلبة يصبح السؤال حول ما ينبغي أن نعده حقًا من حقوق الإنسان سؤالًا غريبًا، فإذا لم يستطع المرء أن يعرف الأساس الذي يقوم عليه شيء ما – أي الأساس الذي يقوم عليه هذا الفكر– فكيف يستطيع أن يتوصل إلى الأجزاء المكونة لوحدة هذا الفكر؟ وما هي المعايير التي يمكن للمرء أن يستخدمها للحكم بأن "س" أو "ص" من حقوق الإنسان في الوقت الذي لم تُرسخ فيه هذه المعايير ذاتها؟

يقول أوريند:

تكمن الإشكالية الأكبر في تفاصيل هذه القضية، فحتى لو أقر الجميع بعض الفهم لحقوق الإنسان، يبقى من المهم أن نعلم ما إذا كنا جميعًا نتبنى نفس الفهم لما تشير إليه "حقوق الإنسان" أم لا. وبعبارة أخرى، قد تكون حجة مايكلوولزر Michael Walzer بأن الالتزام بحقوق الإنسان هو أمر عالمي أو شبه عالمي حجة ملزمة، إلا أن السؤال الذي لا يقل أهمية عن السؤال السابق هو هل هناك اتفاق عالمي أو شبه عالمي من الناحية العملية على هذا الالتزام بمعنى تقديم نفس المجموعة من الأهداف لكل إنسان في العالم.[221]

من يستطيع أن يحدد ما الذي ينبغي أن يكون حقًا من حقوق الإنسان؟ أو بعبارة أخرى ما هو الأساس الذي تُحدد وفقًا له حقوق الإنسان؟ وما هو الأساس الذي يمكن من خلاله الإجابة على هذه الأسئلة:

1.                       هل ينبغي أن يكون للشواذ نفس الحقوق الجنسية أو حقوق الزواج أو حقوق الأسرة التي يتمتع بها الأفراد الطبيعيون؟

2.                       هل ينبغي أن نعد المواد الإباحية من الأشياء المنافية للكرامة الإنسانية أو حرية التعبير للفن والتي يؤيدها مفهوم حقوق الإنسان؟

3.                       هل ينبغي ألا تكون هناك قوانين تميز الرجال والنساء بطريقة ما كما يزعم أنصار الحركة النسائية الذين ينادون بالمسأواة بين الجنسين؟

4.                      هل ينبغي أن يكون للمرء الحق في الإساءة إلى الأديان وإلى الإله باعتبار ذلك صورة من صور حرية التعبير؟

5.                      هل ينبغي أن يكون للمرأة الحامل أو لأي شخص حرية إجهاض الجنين في الثلث الأول أو الثاني أو الثالث من الحمل؟

6.                      هل تُعد عقوبة الإعدام انتهاكًا لحقوق الإنسان؟[222]

7.                      هل يعد ختان الذكور- وليس تشويه الأعضاء التناسلية للإناث- انتهاكًا لحقوق الإنسان؟[223]

هذه الأسئلة من التساؤلات الجوهرية التي تدور في النقاشات الحالية لحقوق الإنسان، وسوف تزداد هذه التساؤلات تعقيدًا ولبسًا مع مواصلة تقدم العلوم الطبية البيولوجية،[224] وترجع كافة هذه التساؤلات إلى السؤال الجوهري حول الأساس الذي تقوم عليه حقوق الإنسان، والذي من شأنه أن يقدم إجابة لأسئلة أخرى حول من له الحق في تحديد ما يمثل حقًا من حقوق الإنسان، ومن العجيب أنه ليست هناك إجابات شافية أو مقنعة لمثل هذه التساؤلات.

وعلى أية حال يدرك المرء بمجرد قراءة كتابات منظري حقوق الإنسان كم تفتقر قائمة حقوق الإنسان إلى الموضوعية والحيادية، ولنلاحظ على سبيل المثال، المناقشة الخاصة بالشذوذ الجنسي لجاك دونلي، حيث يعترف في أحد المواضع من كتابه بحقيقة مهمة حيث يقول: "تنظر قطاعات كبيرة من المجتمع في كافة الدول ومعظم الشعوب إلى الشذوذ الجنسي بوصفه ممارسات غير أخلاقية تماما، ووصف هذه الأمور بالانحراف والشذوذ هي اللغة السائدة.[225]"أول ما يلاحظه المرء أنه بعدما أقر جاك دونلي بأن معظم شعوب العالم ترفض قبول هذه الممارسات أنه لا يزال يقول بأن الشذوذ الجنسي حق من حقوق الإنسان لا يجوز للناس انتهاكه،[226] ثم يقول محأولًا الدفاع عن رؤيته أنه بغض النظر عن مدى الاشمئزاز الذي قد تثيره هذه الممارسات إلا أنها لا تزال أحد حقوق الإنسان.

وحتى لو أقروا جدلًا بأن العلاقات الجنسية الطوعية بين البالغين من نفس الجنس تمثل انتهاكًا أخلاقيًا صارخًا، فلا يمكن من منظور حقوق الإنسان تبرير التمييز ضد الحالات الجنسية النادرة، فـ "المنحرفون" و"المنحطون" و"المنتكسون فطريًا" يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيرهم من المستقيمين أخلاقيًا، كما يجب أن يضمن لهم القانون هذه الحقوق، ذلك أن المنتمين إلى الأقليات الجنسية لايزالون من أفراد المجتمع الإنساني بغض النظر عن بغض بقية هذا المجتمع وكراهيته لهم، ولهذا فلهم الحق في الحماية القانونية والتمتع بكافة حقوق الإنسان المعترف بها دوليًا.

تقوم دعوة حقوق الإنسان على فكرة أن للبشر حقوقًا أساسية معينة لمجرد أنهم من أفراد المجتمع الإنساني، أما بالنسبة لكيفية اختيار الشخص لنمط حياته -ما دام أنه ملتزم بالحد الأدنى لمتطلبات القانون والنظام العام- فهذا أمر خاص بالمرء ولا يهم في ذلك كيف يعيش المرء حياته علانية في المجتمع. ولا تحتاج حقوق الإنسان إلى تعلم، ولا يمكن أن يفتقدها المرء فقط لأن معتقداته في الحياة أو أسلوبه في الحياة يبغضه بقية المجتمع.[227]

هذا على الرغم مما يقوله جاك دونلي في موضع سابق من نفس الكتاب:

إنه من العبث أن نطلب معاملة واحدة لكافة الاختلافات الفردية والجماعية، ولنذكر على سبيل المثال من يتحرشون جنسيًا بالأطفال أو العنصريين المحبين للعنف ممن يتلذذون بخطف الغرباء وتعذيبهم والمبشرين الدينين الذين يقتلون من يرفض اعتناق ديانتهم.[228]

هناك بالطبع مجموعات ضغط قانونية تدعو بإلحاح إلى قبول مثل هذه الممارسات في الولايات المتحدة، ومؤخرًا وُجد قس كاثوليكي يُدعى شانلي يدعو إلى تأسيس منظمة تتبني مثل هذه الممارسات، فهل جاك دونلي لا يقبل المتحرشين جنسيًا بالأطفال لمجرد أن الثقافة الغربية لم تقبلهم بعد؟ فإذا أقر القانون في الولايات المتحدة بمنظماتهم بينما لا يزال أغلبية سكان العالم يرون هذه الممارسات ممارسات بغيضة ويشمئزون منها هل سيصبح التحرش الجنسي بالأطفال حقًا مكفولًا من حقوق الإنسان ويحبه الناس وفقًا لجدلية جاك دونلي؟ من الواضح من خلال كتابات دونلي وهو أحد المنظرين الكبار حول حقوق الإنسان أن السؤال حول ما يمثل حقًا من حقوق الإنسان أمر يفتقد الموضوعية والحيادية، وإن بقي دونلي ثابتًا على موقفه من رفض المتحرشين بالأطفال جنسيًا، فقد يأتي كُتاب الجيل التالي لدعوة حقوق الإنسان ويؤيدون التحرش الجنسي بالأطفال تلبية لمطالب حقوق الإنسان فى العالم. ربما لا يقبل جاك دونلي المتحرشين جنسيًا بالأطفال لأنه يؤمن بأنه يجب أن تكون هناك بعض القيود الأخلاقية، ولكن للأسف لا يقدم نموذج حقوق الإنسانأية قيود أخلاقية من هذا النوع.

 التناقض في نموذج حقوق الإنسان

من الواضح أن حركة حقوق الإنسان تهتم في المقام الأول "بالحقوق" أو "الحريات". فهل من الممكن أن تكون بعض الحقوق حقوقًا مطلقة أم هل ستدرك كل دولة أو مجتمع حقيقة وجوب فرض بعض القيود على ممارسة تلك الحقوق؟ وماذا عن حرية المعتقدات والممارسات الدينية؟ تنص المادة الثامنة عشر (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على مايلي: "لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حده."

وهذه آن ماير تعطي انطباعًا بأن بعض حقوق الإنسان حقوق مطلقة وغير قابلة للتفأوض حيث تقول:

يتعامل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع عدد من الحقوق بوصفها حقوقًا مطلقة وغير قابلة للتفأوض أو النقاش، وهذا يعني أنه لا مبرر لتقويض هذه الحقوق، ومن هذه الحقوق المسأواة والحرية في الكرامة والحقوق الإنسانية؛ ومن هذه الحقوق أيضًا الحق في المسأواة أمام القانون والحماية التي يوفرها القانون على حد سواء، والحق في المحاكمة العلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة، والحق في الزواج والمسأواة في حقوق الزواج والطلاق، وحرية الفكر والاعتقاد والدين بما في ذلك حرية تغيير الديانة وحرية العمل وحرية اختيار المهنة"، ولا يقبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أية معايير تنافي هذه القوانين.[229]

ثم تعلن آن ماير هذا البيان الجريء حيث تقول: "لا يسمح القانون الدولي لحقوق الإنسان بفرض أي قيود على معتقدات الشخص: فحرية الدين حرية غير مشروطة."[230] وهذا هو بيان آخر مذهل من آن ماير، فالفكرة الرئيسية في كتابها هي أن الإسلام التقليدي لا يتوافق مع حقوق الإنسان ولذا يلزم تغيره، وفي الحقيقة تنص المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه لأي إنسان الحرية في التمسك بدينه "وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حده،" فهل ما تنص عليه هذه المادة حقيقة أم أنها مجرد مظاهر خادعة؟

ولنفترض أن دينًا من الأديان لا يقر الزواج بين الديانات المختلفة، فهل تحمى المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذه العقيدة الدينية؟ وفقًا لما تقوله أيرين أوه لا يتوقف الأمر على مجرد اعتراض القانون الدولي لحقوق الإنسان على هذه العقيدة بل قد يصل الأمر إلى التدخل العسكري حيث تقول:

إذا اتفقت الحكومات في مجملها - حتى وإن كان هناك بعض المثبطين- على أن الزواج بين الديانات يمثل أحد حقوق الإنسان العالمية، أي أنه حق ضروري لصون كرامة الإنسان ويستطيع الآخرون حمايته بل ويجب عليهم ذلك، يصبح التدخل الذي لا يكون بالضرورة تدخلًا عسكريًا[231] له ما يبرره ولا يمكن وصمه بأنه تدخل امبريالي.[232]

كيف يمكن لنظام من الأنظمة السياسية يُفترض أنه يدعم حقوق الإنسان أن يكون في جوهره ضد حرية الاعتقاد الديني؟ لكن الحقيقة، وآن ماير تعرفها جيدًا، هي أن حرية الدين ليست حرية مطلقة أو غير مقيدة.[233] وعلأوة على هذا، تعرف آن ماير التي تنتقد رؤية الإسلام حول "حرية الدين" وغيرها أن هناك نصًا يقر صراحة بعدم وجود شيء يسمى حرية الدين المطلقة، ووفقًا لما تنص عليه المادة الثامنة عشر (البند الثالث) من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية أن الحق في حرية الدين والمعتقدات ليس حقًا مطلقًا، وهناك تقييد بما تتطلبه المادة بأن حرية المرء في إظهار دينه ومعتقداته قد تخضع لبعض القيود التي ينص عليها القانون والتي تُعد ضرورية للحفاظ على السلم والنظام والصحة أو الأخلاق العامة أو الحقوق الأساسية وحريات الآخرين.

يدل هذا بشكل واضح على وجود تناقض أو مفارقة واضحة، وهذا هو تناقض تعاليم حقوق الإنسان الذي يجب أن يكون واضحًا للجميع، حيث أن هناك دائما ضرورة لوجود بعض القيود على الحقوق والحريات، والأهم من ذلك بالنسبة لنموذج حقوق الإنسان أن أي شيء خارج عنه لابد وأن يتم رفضه وكل هذا تحت مسمى الحقوق والحريات.

حدد لاري ألكسندر هذا التناقض بشكل جيد في حديثه عن "الليبرالية"[234] في مناقشة شديدة الشبه بالتناقض الذي يحتوي عليه نموذج حقوق الإنسان، في الفقرة التالية يلخص ألكسندر فرضيته فيقول:

رأينا في الفصل الثامن [من كتابه] أن مصدر المشكلة هو الحيادية التقييمية التي تمثل السمة المميزة لحرية التعبير، ولكن لاتوجد نظرية أخلاقية يمكنها دعم الحيادية التقييمية دون إحداث تناقض، فإن أي نظرية أخلاقية سوف تظهر أن بعض المسائل مرغوب فيها وتطلب وتتطلب بعض التعزيز القانوني لها، كما ستظهر أن بعض المصالح في حاجة إلى الحماية القانونية من بعض الأفعال التي تهددها.ولكن وسائل التعبير والرسائل المنقولة ربما تؤدي إلى وجود حالة غير مرغوبة تهدد حماية المصالح المطلوب حمايتها (وفقًا للنظرية الأخلاقية المعنية)؛ وبصورة عكسية فإن قمع هذا التعبير إما من حيث محتواه (المسار الأول) أو الوسائل المستخدمة فيه (المسار الثاني) قد يؤدي إلى ترسيخ الأوضاع المرغوبة ويحمي المصالح المطلوب حمايتها (وفقًا لتلك النظرية الأخلاقية). وبالتالي لا يمكن للحكومة أن تسمح بالتعبير الضار المخالف للنظرية الأخلاقية، وهو ما يعني بدوره، أن النظرية الأخلاقية لا يمكنها المطالبة بحماية التعبير الضار دون إحداث تناقض بين. بل يجب عليها بدلًا من ذلك المطالبة بقمع التعبير الضار والسماح فقط بالتعبير الذي يتسق مع أهداف النظرية، وذلك على الرغم من أن عدم الحيادية التقييمية يناقض حرية التعبير.[235]

ثم يقول ألكسندر بأن الليبرالية والدين يحتلان نفس المستوى المعرفي وهذا هو نفس الموقف الذي يتبناه دعاة حقوق الإنسان الذين يرفضون الدين تحت مسمى حقوق الإنسان، وعلى الرغم أن الاقتباس التالي من كتاب ألكسندر اقتباس طويل إلا أنه لا بد من ذكره كاملًا وذلك لأن ألكسندر من المناظرين القلة الذين لديهم استعداد للإقرار باستنتاجاتهم التي توصلوا إليها فيما يتعلق بقضية الليبرالية والدين، يقول ألكسندر:

لقد وصلت إلى الاستنتاج بأن الليبرالية والدين يحوزان نفس المستوى المعرفي، وأن المعرفة التي يزعمها كل منهما معرفة حقيقةً لها نفس الصلة التاريخية بالتجربة والعقل، وليست هنا كطريقتان للمعرفة: طريقة دينية وأخرى علمانية أو ليبرالية؛ وليست هناك حقائق طائفية وعلمانية أو ليبرالية معًا. ونتيجة للوحدة المعرفية يجب أن ترسخ الليبرالية عقائدها برفض العقائد الدينية التي تعارضها، ليس من خلال وهم الحيادية بحيث تدفع هذه العقائد إلى النطاق الخاص فتظل هذه العقائد باقية ولكن بلا أثر، بل من خلال مقابلتها وجهًا لوجه وإثبات كذبها أو عدم استنادها إلى مبررات حقيقية. الليبرالية هي دين العلمانية كما يزعم العديد من النقاد، ولا يعني هذا أن الليبرالية هي فكرة زائفة أو أن الرؤى الدينية التي تأخذ موقفًا مضادًا لليبرالية هي آراء حقيقية، بل إن ما يعنيه هذا هو أن كلًا من الليبرالية والمعتقدات الدينية المناهضة لها تدور في نفس الفلك وتلقى بمزاعم متضاربة فيه، ولا تحتل الليبرالية مستوى مختلفًا بحيث تظل حيادية غير متحيزة فيما يتعلق بالجدل الديني الذي يحأول التوصل إلى الحقيقة في مجال محدود بعيد عن نطاق الليبرالية.

وبهذا يتضح أن الليبرالية والدين متنافسين معرفيين لهما دلالتين أساسيتين، الدلالة الأولى دلالة واضحة مبتذلة وهي أن حقيقة المعتقدات الأساسية المميزة لليبرالية تستلزم زيف كافة المعتقدات الدينية التي تعارضها، وتأتي هذه المعاني الضمنية الكثيرة نتيجة مباشرة لقانون عدم التناقض، والأهم من ذلك والذي يمثل الجزء الأكبر للحجة التي أصوغها أن الليبرالية لا يمكنها ترسيخ مبادئها الأساسية ورفض العقائد الدينية غير الليبرالية (وتغري بالدين عن وضع السياسات العامة) من خلال الزعم بأنها تستوطن عالما معرفيًا مختلفًا عن ذلك الذي يستوطنه الدين، عالم حقائقه لا تقوض الحقائق الدينية وحسب، وإنما من خلال عالم يُنظر لحقائقه على أنها حقائق منطقية حتى من قبل أولئك الذين قوضت حقائقهم الدينية. لايوجد منظور معرفي يستطيع المرء أن يتبنى من خلاله الآراء التي تقول بها آن ماير والقول بأن الدولة لا ينبغي أن تفرض هذه الآراء على رعاياها، من غير أن يؤمن بأن القيام بهذا يعد انتكاسة ذاتية. وعلأوة على ذلك، فكما أن الليبرالية تعرف نفسها من خلال طرح فكرة أن المعتقد الديني يمكن أن يكون "صحيحًا" ومهما بما يكفي لحمايته ولكن لايمكن أن يتم فرضه من خلال السياسة العامة، تلك السياسة العامة التي تصوغ حقائقها من خلال مستويات معرفية مختلفة، فكذلك بنفس القدر نجد أن وحدة المعرفة تقوض الليبرالية.

يمكن لليبرالية أن ترتكز على المذهب "اللاأدري" فيما يتعلق ببعض الحقائق، ولكن ليس فيما يتعلق بحقيقتها الخاصة بها. قد يرتكز تسامح الأديان غير الليبرالية على قيمة الاستقلالية (طالما أن هذه الأديان لا تهدد الاستقلالية)، أو قد يرتكز تسامح هذه الأديان على التنبؤ بأن التعصب الديني قد يحدث رد فعل عنيف من شأنه أن يعظم الليبرالية إلى حد أكبر من التسامح ذاته، ومع هذا فلا يمكن أن يرتكز تسامح الأديان غير الليبرالية على حقائقها المحتملة دون أن تواجه تناقضًا ذاتيًا.

وفي النهاية ندرك أن السبب الوحيد لاستبعاد الآراء الدينية من عالم السياسة العامة القسرية - لصالح الآراء الليبرالية أو آراء أخرى– هو تلك الآراء الخاطئة، لكن تكمن مشكلة الشخص الليبرالي الخاصة أنه يعتقد أنه من الخطأ استئصال الآراء الخاطئة بطريقة قسرية...

إن محأولة الليبرالية زعم الحيادية تجاه الآراء الدينية من خلال الامتناع المعرفي هي محأولة فاشلة، وينتج عن هذا الفشل تناقض واضح؛ إذ أن الليبرالية يمكنها أن تكون محايدة فقط تجاه تلك الأديان والآراء الدينية التي تتوافق مع مبادئ الليبرالية، وهو ما يعني أنه إذا تم تعريف الليبرالية بشكل جزئي بأنها الحيادية تجاه المعتقدات الدينية فسوف تكون الليبرالية أمرًا مستحيلًا.[236]

يمكن صياغة نفس الحجج التي صاغها ألكسندر بشأن الليبرالية حول حركة حقوق الإنسان المعاصرة،حيث يمكن للمرء حرفيًا أن يستبدل كلمة "الليبرالية" في الكلام السابق بكلمة "نموذج حقوق الإنسان" وما أن يزعم المرء أن نموذج حقوق الإنسان هو نموذج للبشرية جمعاء، فقد أعلن المرء بشكل أساسي أنه لا يسمح بوجود نموذج آخر إلا بالحد الذي يكون به متوافقًا مع نموذج حقوق الإنسان، فهي حرية ما دام المرء قد قبل مبادئ هذه الحرية، ويشبه هذا مقولة هنريفورد الشهيرة:"يمكنك امتلاك نموذج تي (Model-T) بأي لون تحبه ما دام لونه أسودًا."

ولا يمكن أن يبرز هذا التناقض بشكل أكبر منه عند مصادمته مع الدين، خاصة في ضوء حقيقة أن الصراع الآن مع شيء أساسي جدا في حياة الإنسان، وربما أكثر أهمية من إيمانه "بحقوق الإنسان".

يُعد مايكل فريمان واحداً من القلائل الذين لديهم استعداد لذكر ومناقشة هذا الموضوع في مناقشتهم لحقوق الإنسان، يقول فريمان إن حقوق الإنسان ليست "متوافقة" ويسلط الضوء بشكل خاص على تناقضها مع الدين، حيث يقول:

تنص المادة الثامنة عشر (18)على أن لكل شخص الحق في حرية الدين، فكيف نحدد حق حرية الدين لدى أولئك الذين تنفي دياناتهم القول بأن جميع البشر متسأوون في الحقوق؟وكيف يمكننا أن نشعر بأهمية حقوق الإنسان إذا كان تنفيذ بعض حقوق الإنسان يتطلب انتهاكًا لحقوق أخرى؟ هنا تكمن مشكلة تنفيذ المثل العليا لحقوق الإنسان، ليس بسبب الحاجة إلى وجود الإرادة السياسية أو بسبب تضارب المصالح السياسية، ولكن بسبب الحقيقة التي مفادها أن حقوق الإنسان ليست "متوافقة"، ويعني هذا أن تنفيذ حق من حقوق الإنسان قد يتطلب انتهاك حق آخر، أو أن حماية الحق الإنساني لشخص ما قد يتطلب انتهاكًا لنفس الحق الإنساني لشخص آخر. فإذا حَرَّمت جماعة دينية على سبيل المثال على أعضائها بسبب معتقداتها الدينية تغير الدين، فسوف تتناقض الحرية الدينية لهذه الجماعة مع رغبة أي فرد من أفرادها في تغيير دينه، وإذا كنا ندعم حقوق الإنسان التي ليست متوافقة، فإن تفكيرنا بلا شك سيصاب باللبس والحيرة.[237]

بمجرد الإقرار بهذه الحقيقة، يجب على المرء أن يدرك أنه سيتم تحديد الخيارات والأولويات لبعض الحقوق على حساب حقوق أخرى، وبعبارة أخرى ليست هناك حقوق مطلقة بأي حال من الأحوال، ولكن من الذي له أن يقرر ماهي هذه الحقوق التي يجب أن تكون لها الأولوية على غيرها وكيف سيتم اتخاذ هذا القرار؟ هل ينبغي لكل شعب أو كل أمة من الأمم أن تتخذ هذا القرار من تلقاء نفسها أو أن تتوصل إلى استنتاج يكون له الصفة العالمية؟ وهل يمكن لدين من الأديان يهيمن على المجتمع الذي يستوطنه أن يتخذ هذا القرار نيابة عن ذلك المجتمع؟

في الواقع، لا تتعلق المشكلة بالدين فقط، فهناك العديد من القيود المفروضة على حرية التعبير مما يجعل المرء لا يستطيع أن يعتبرها حقًا من حقوق الإنسان، ومع ذلك فهذا هو نفس المنطق الذي يقول به دعاة حقوق الإنسان في معرض الحديث عن ممارسة الدين، ومن ثم فلا يمكن للمرء القول بأن الحرية الدينية هي حق من حقوق الإنسان من المنظور الذي يتحدث به دعاة حقوق الإنسان أنفسهم.

 هل قطعية برامج حقوق الإنسان تعادل التطرف الديني؟

في أكثر التقارير شمولًا حتى الآن عن الحرية الدينية يستنتج المحرران المشأركان- كيفينبويل وجولييتشين-أن توجهات الأديان لإظهار أنفسها في صورة الوصي الوحيد للحقيقة قد تغريها بالإنجراف نحو عدم التسامح و"القتال ضد ما قد يطلق عليه كل منها وصف "الطرف المنحرف"، سواء كان ذلك داخل عقيدتها الخاصة بها أو خارجها."[238]

هل يشمل هذا التقاتل بين الأديان العقوبات الاقتصادية و"تحالف الشركاء"؟ وهل يرى نشطاء حقوق الإنسان والمحامون أنفسهم "الأوصياءعلى الحقيقة دون غيرهم" وهل هذا هو السبب في بنائهم أكبر الجيوش في العالم تحت مسمى حقوق الإنسان؟

يظهر أن حركة حقوق الإنسان تجيب على العديد من الأسئلة الأساسية حول الوجود الإنساني، ومع هذا فحتى الآن لم تزعم قط أنها دين من الأديان أوحتى أيديولوجية من الأيديولوجيات، وعلأوة على ذلك، فقد ثبت أنه لا يستطيع أحد أن يزعم أن دعوة حقوق الإنسان لديها بعض من البراهين المادية أو التي لا يمكن إنكارها للأسس التي تقوم عليها، بل إن الإيمان بنموذج حقوق الإنسان ليس مختلفًا عن الإيمان بأي دين أو أيديولوجية أخرى، بل هو أضعف. ولا يختلف مروجو نموذج حقوق الإنسان في الواقع عن أي مبشر أو داعية غيرهم يعتقد أن طريقته في الحياة أو فلسفته أو ديانته هي الأفضل للبشرية جمعاء.

يقرر جاك دونلي بما لا يدع مجالًا للشك في الفقرة التالية -ولكن دون أن يصرح بهذه الكلمة– أن الناشطين في مجال حقوق الإنسان يجب أن يكونوا على قدر من الجزم والحسم المتعصب وأن لا يسمحوا بوجود أي رأي آخر في القضايا التي عقدوا العزم على أن تكون غير قابلة للتفأوض، يقول جاكدونلي:

تأمل الرِق على سبيل المثال، تجد معظم الناس اليوم يتفقون على أنه مهما كانت هذه الممارسة قديمة وراسخة، فإن إغفاء الطرف حيال وجود حالة استعباد البشر باسم النسبية الثقافية من شأنه أن يعكس مدى البلادة وليس الحساسية الأخلاقية. وفي ذلك نجد أن التضحية البشرية والإعدام بغير محاكمة والمحاكمة بالتعذيب ووأد البنات هي ممارسات ثقافية أخرى ندد بها (في رأيي) تقريبًا جميع المراقبين الخارجيين اليوم.

إن التأكيد على مثل هذه القرارات يوضح سمة العالمية المتأصلة في التصورات الأخلاقية الأساسية بما يتفق مع فهمنا للنظرية الأخلاقية في الغرب،كما أننا لا نعتقد أن مبادئنا الأخلاقية هي مبادئ خاصة بنا دون غيرنا، وهذا واضح جدًا في نظرية الشمولية الأخلاقية لكانت، ويصدق هذا أيضًا على مبدأ النفعية وكذلك حقوق الإنسان التي لا تنفك عنها صفة الشمولية أو العالمية.

وفي كل الأحوال تمثل تصوراتنا الأخلاقية مبادئ تستلزم طاعتنا لها، أما أن نتخلى عن هذه المبادئ لمجرد أن الآخرين يرفضونها فهذا إخفاق منا في التقييم المناسب لمعتقداتنا الأخلاقية (التي على الأقل تشمل تصورات أخلاقية أساسية مثل مسأواة كافة أفراد المجتمع الإنساني وحماية الأبرياء).

وفي نهاية الأمر مهما اعتقد شخص آخر أو ثقافة بأكملها اعتقادًا يغاير اعتقادنا، يجب علينا في موقف معين – عندما تتبادر فكرة الرق ونبذ الأقليات إلى الأذهان– أن نقول بأن تلك المعتقدات المخالفة هي معتقدات خاطئة، وقد تصبح التقييمات الخارجية السلبية سببًا في إثارة المشكلات، ومع هذا ففي ببعض الأحوال لا تكون هذه المعتقدات جائزة فحسب بل ضرورية أيضًا.[239]

نلاحظ أنه على الرغم من إمكانية القول بإمكانية قبول الأمثلة التي ذكرها جاك دونلي في الفقرة السابقة إلا أن فرضيته الأساسية في دعواه ضد الآخرين غير مقبولة حتى في الحالات الواضحة، وهذه هي النقطة المهمة في هذا النقاش، ولا يمتلك جاك دونلي مثل غيره من أنصار حقوق الإنسان الأساس الذي يعتمد عليه للمطالبة بالحق في إزالة مثل هذه "الشرور"، فحتى لو كان هناك أشخاص لايزالون يمارسون مثل هذه "الشرور"، فليس هناك إجماع على عدم خيريتها، وهنا يتحتم على المرء أن يسأل السؤال المشهور: من الذي مات ونصّب نشطاءحقوق الإنسان والمحامين ملوكًا على هذا العالم؟

يقول جاك دونلي ومن يشاركه الرأي بأنهم يرون أن هذه الأفعال أفعال شريرة جدًا على نحو يحتم استئصالها حتى ولوتقبلها آخرون، وهنا نجد سؤالًا آخرًا يطرح نفسه مفاده: متى سينتهي هذا الادعاء بالصلاح الذاتي لحماية ما تبقى من الإنسانية؟متى سينتهي نشطاء حقوق الإنسان ويقولون: "الآن لم يعد بإمكاننا الحكم على هذه الممارسات، حتى ولو كنا نرى أن الممارسات "س"، "ص"،"ع" ممارسات سيئة؟ يدرك قليل من الكتَّاب الذين يكتبون عن حقوق الإنسان حجم هذه الأزمة، ومن هؤلاء أورنتليشر الذي يقول:

لا يستطيع هذا الوصف مع ما له من جاذبية أن يقدم بنفسه استجابة كاملة لتحدي النسبية، ويثير الوصف الذي قدمه إيجناتيف مثله في ذلك مثلأية صورة من صور التعليقات الموضوعية هذا التساؤل والذي عليه أن يقدم إجابة له إذا كان يسعى لإقناع غيره به: ما هي المعايير التي يستطيع المرء أن يحدد من خلالها الحقوق التي تبدو كما يقول جاك دونلي "من أول وهلة حقوقًا عالميةً"؟ وما هي التباينات المحلية المقبولة في تفسير هذه الحقوق؟ هل إذا رأى أتباع الإسلام ينتمون إلى ثقافة ما أن بتر أعضاء من البدن يحكم به القضاء لا يعد تعذيبًا سيقع في الإطار الذي وصفه جاك دونلي بأنه الحد الذي يُسمح فيه بالتباينات المحلية في تفسير المعايير العالمية (والمقصود بها هنا تحريم التعذيب)؟ أم هل يعد بتر بعض أجزاء من الجسد انتهاكًا لقاعدة لا تخضع للاستثناءات والتباينات الداخلية في التفسير؟ فمن يستطيع الفصل في هذا الأمر؟[240]

حقًا إن السؤال الحقيقي هو: من يستطيع الفصل في هذا الأمر.

ربما لو صاغ مناصرو حقوق الإنسان هذا السلوك القطعي من منظور آخر لاستطاعوا فهم القضية على نحو أفضل. في المنظور الإسلامي نجد أن أكبر الكبائر هي الإشراك بالله، بل إن هذا الفعل الشنيع هو ما يجعل الناس في الحقيقة يرتكبون العديد من الأفعال الأخرى السيئة في هذا العالم، ومن ثم فلا يجوز مطلقًا أن يركع الإنسان لصنم أو وثن، ولنفترض أن أحد العلماء المسلمين قال نفس الفقرة التي قالها جاك دونلي على النحو التالي: "وفي نهاية الأمر مهما اعتقد شخص آخر أو ثقافة بأكملها اعتقادًا يغاير اعتقادنا، يجب علينا في موقف معين – عندما تتبادر فكرة عبادة الأصنام إلى أذهاننا– أن نقول بأن تلك المعتقدات المخالفة هي معتقدات خاطئة"، هل سيكون هذا المنهج منهجًا قطعياً ومتطرفًا؟ هذا تماما ما يقوم به نشطاء ومحامو حقوق الإنسان بشكل يومي، بل هم لا يقولون هذا فيما يتعلق بالحالات القطعية التي اختار جاك دونلي أن يذكرها، بل تجدهم يقولون هذا فيما يتعلق بعدد كبير من القضايا بدءًا من حقوق الشواذ وحق التزوج من أي إنسان يرغب الشخص الزواج منه وحقوق الطفل في الأسرة، ولا يستندون في ذلك إلى شيء إلا الإيمان الأعمى والتعصب الفكري في نموذجهم وأيديولوجيتهم التي تقوم عليهما دعوة حقوق الإنسان.

بالطبع لهذه القطعية توابع خطيرة، فما أن يعلم نشطاء حقوق الإنسان بأن بعض الحقوق قد انتُهكت، يطالبون بالرد على هذا الانتهاك، ومن أمثلة ذلك ما يقوله هولاند في صدد حديثه عن بعض القوانين الخاصة بالزواج والمرأة: "يجب أن تستُخدم كافة آليات إنفاذ هذه القوانين لإكراه هذه الدول المنبوذة على وقف انتهاك المادتين 55 و 56. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي أن يطبق المعايير التي ينص عليها الميثاق الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان."[241]

ويظهر مثل هذا الشعور لدى أرين أوه أثناء حديثها عن الزواج بين أتباع الديانات المختلفة الذي تراه قد أصبح أحد حقوق الإنسان العالمية، تقول أرين أوه:

يجب على الحكومات أن لا ترفض بعض حقوق الإنسان خوفًا من أن تكون هذه الحقوق سببًا في التحقيق الدولي أو لاعتقادها بأن التدخلات التي تتم لحماية هذه الحقوق سوف يُنظر إليها على أنها تدخلات استعمارية. فمثلًا قد ترفض بعض الدول المسلمة حق الزواج بين أتباع الديانات المختلفة، بحجة أن مثل هذه الروابط لا تمثل حقًا إنسانيًا عالميًا وإنما صورة من صور الاستعمار الغربي. كما تخشى بعض الدول أن توصم بأنها دول استعمارية إذا تدخلت لحماية الحق في الزواج بين أتباع الديانات المختلفة بوصفه حقًا من حقوق الإنسان، وإذا اتفقت معظم الدول- حتى وإن انشقت عنها بعض الدول على أن الزواج بين أتباع الديانات المختلفة من حقوق الإنسان العالمية، بمعنى أنه يمثل شرطًا ضروريًا للحفاظ على كرامة الإنسان ويستطيع الآخرون الحفاظ عليه وحمايته، عند ذلك يصبح التدخل الذي قد لا يكون بالضرورة تدخلًا عسكريًا مسوغًا ولا يمكن وصفه بأنه تدخل امبريالي.[242]

من المثير للدهشة أن أرين أوه تعلق في الحاشية التي كتبتها عن هذا الفقرة بما يلي:

يثير هذا المثال التساؤل عما إذا كان اتفاق أغلبية الدول يعني أن هذا الحق من حقوق الإنسان حقًا عالميًا أم لا، وعلى الرغم أن حكم الأغلبية لا يضمن قط الجانب الأخلاقي لأية نظرية سياسية، إلا أن هذا هو أفضل خياراتنا المعيبة، وللأسف فإن هذه المشكلة الفلسفية العميقة لكيفية وصول البشر إلى الصورة المثلى للخير أو العدالة تمتد إلى نطاق أبعد مما يتنأوله هذا الكتاب.[243]

هذه فقرة مثيرة للدهشة حيث تقول فيها أرين أوه: " هذا هو أفضل خياراتنا المعيبة" وهو ما يكفي لشن التدخل العسكري المحتمل وتوجيه مطالب للمسلمين بتغير عقائدهم الدينية فيما يتعلق بالزواج بين أتباع الديانات المختلفة، وبعبارة أخرى، يبين هذا بما لا يدع مجالًا للشك أنه تعصب يقوم على حجج منطقية معيبة،[244] بالطبع تمتد هذه المشكلة الفلسفية العميقة إلى نطاق أبعد مما يتنأوله كتابها حول حقوق الإنسان لأن هذه المشكلة في الحقيقة خارج نطاق نموذج حقوق الإنسان.

كان روسو معروفًا بحديثه عن إجبار الناس على أن يكونوا أحرارًا، وهذا هو المبدأ الذي من خلاله تستطيع مجموعة من الناس أن تحدد مايعنيه أن يكون المرء حرًا، ثم بعد ذلك يفرضون على الآخرين فهمهم الرائع لما يعنيه كون الإنسان حرًا، بغض النظر عن ما إذا كان هؤلاء الآخرون يريدون هذه "الحرية" أم لا. وعلى الرغم من أن جاك دونليي زعم أنه يعتقد أن روسو قد نحى منحى بعيدًا بقوله هذا الكلام، إلا أنه يعترف بعد ذلك بأنه يتفق بصفة أساسية مع روسو، وهذه هي كلمات مناصرو حقوق الإنسان التي قالها بنفسه:

عندما يتحدث روسو عن إجبار الناس على أن يكونوا أحرارًا ،فهو وإن كان يبدو في نظري (ليبراليًا) ينحرف بعيدًا عن جادة الحوار، إلا أنه رغم هذا يشير إلى بعد هام في هذه القضية، ذلك أن بعض الصور السلوكية لا يمكن التهأون معها في مجتمع يحافظ على حقوق الإنسان ويصونها، حيث إن بعض المصالح لا بد أن يتم استبعادها من مفهوم المصلحة العامة مهما كان تعلق أصحاب هذه المصالح بها.[245]

يمثل المنهج الذي يسلكه أنصار حقوق الإنسان، وخاصة أولئك الذين كتبوا عن الإسلام ويطالبون بتغييرات في دين بهذه القاعدة العريضة، نفس القطعية التي قاد الناس للحديث عن "نهاية التاريخ"[246]وإلى التحدث بعبارة مثل "لم يعد هناك أي أساس فكري لأي نظام آخر سوى الديمقراطية."[247]فلم تعد تُوجد وجهة نظر عالمية أو وجهة نظر يمكن قبولها سوى نموذج حقوق الإنسان، وهذا على الرغم من التساؤلات الجوهرية التي تحيط بدعوة حقوق الإنسان، وحقيقة أن مناصري حقوق الإنسان أنفسهم مضطرون للاعتراف بأنه لاتوجد إجابات سليمة ومقنعة لهذه التساؤلات الأساسية، وهذا الموقف العدائي تجاه كافة السبل الأخرى ما هو إلا مزيد من الغطرسة والتعصب.[248]

 حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق

بالتأكيد لم يخل العالم من انتهاكات حقوق الإنسان منذ التوقيع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ما يتصل به من وثائق. وكما لاحظ دونلي، في المسح الذي أجري على عدد من البلدان (باستثناء تلك التي تخالف حقوق الإنسان مخالفة فجة) وتقييمه لسجل حقوق الإنسان بها، فإن العديد من الدول في عالم ما بعد الحرب الباردة اعترفت بحقوق الإنسان كجزء من تصورها للذات الوطنية وكهدف في سياساتها الخارجية، غير أن القليل من تلك الدول من يتخذ خطوات ملموسة تتعدى مجرد التضحيات المتواضعة العرضية لمصالحها في السياسة الخارجية تحت ادعاء المحافظة على حقوق الإنسان[249]. وعلى حد تعبير فريمان، فإن "إعلانات حقوق الإنسان، رخيصة الثمن، في حين أن تنفيذ حقوق الإنسان باهظ الثمن نوعا ما."[250]

الفجوة بين النظرية والممارسة معلومة لدى الجميع، وبالتأكيد لا تحتاج إلى أن تكون موثقة بالتفصيل هنا، فتفاصيل انتهاكات حقوق الإنسان تبثها العديد من المنظمات (مثل منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية) وغيرها من الناشطين الحقوقيين المستقلين. وتظهر الأحداث الأخيرة ومحنة أبو غريب وغوانتانامو وما يعرف بـ "التسليم الاستثنائي" (الذي قامت فيه الدول الأوروبية بدور نشط) أنه حتى أكثر المؤيدين لحقوق الإنسان على استعداد لانتهاك مفهوم حقوق الإنسان وإساءة استخدامه عند الحاجة. وفي واقع الأمر فإن تلك الممارسات التي أشرنا إليها ليست سوى غيض من فيض في تاريخ طويل وغير مشرف لانتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

وقد أسيء استخدام حقوق الإنسان من خلال الأساليب التالية:

1.                        كثيرًا ما يتم التغاضي عن انتهاكات لحقوق الإنسان– وبعضها انتهاكات جسيمة-عندما يكون مرتكبوها من الحلفاء أو الأصدقاء. ونكرر أنه لا حاجة لدينا لضرب العديد من الأمثلة على هذا الأمر، وربما كانت علاقة شاه إيران بالولايات المتحدة هي خير مثال على هذا.

2.                      تستخدم حقوق الإنسان بوصفها أداة سياسية ضد الأعداء. فغالبًا ما يتم تهديد الأعداء بالعقوبات الاقتصادية تحت مسمى انتهاك حقوق الإنسان، بل ربما شُنت الحروب باسم حقوق الإنسان.[251] وهذه النوعية من الحروب تكون مبررة إذا ما كانت هناك دوافع واضحة أخرى لشنها. ربما يكون "جيمس تيرنر جونسون" أبرز خبراء ومناصري المفهوم الغربي لـ"الحرب العادلة"، ومع ذلك فهو يبرر تماما شن الحروب باسم حقوق الإنسان حتى ولو كانت هناك دوافع أخرى  لهذه الحروب غير شرعية وكانت جزءًا لا يتجزأ منها. وفي الواقع هذا هو بيت القصيد من كلامه في كتاب "الحرب لإسقاط صدام حسين: حرب عادلة والوجه الجديد للصراع" (The War to Oust Saddam Hussein: Just War and the New Face of Conflict)، حيث يبرر غزو العراق على أساس أن جزءًا من دوافع هذا الغزو مبرر، وإن كانت بقية الدوافع غير ذلك. وقد أشرنا من قبل إلى ما ذكره بريكمونت عندما انتقد كتاب "مسألة مبدأ: دعأوى إنسانية لحرب العراق"(A Matter of Principle: Humanitarian Arguments for War in Iraq)، والذي كان يدافع عن الحرب على العراق على أساس حقوق الإنسان بغض النظر عن حقيقة أن الحرب مثلت انتهاكًا للقانون الدولي.

وعلى العموم فإن انتهاك مبدأٍ ما لا يعني بالضرورة خطأ هذا المبدأ، وهذا صحيح مالم تكن هناك أمور ذاتية في المبدأ نفسه تقود إلى هذا الانتهاك. وفي رأي الكاتب هذا هو الحال مع انتهاكات حقوق الإنسان. فالفشل الذاتي الذي يحيط بحقوق الإنسان – كما سنوضح في الفصل التالي – يرجع إلى أنها ليست مبنية على أي أساس "ثابت". ولذا ليس من العجيب أن نرى انتهاك هذا المبدأ، طالما أنه في الحقيقة يرتكز على أساس أخلاقي أو منطقي ضعيف للغاية. وفي مثل هذه الحالة لابد أن نتوقع أن الناس سيقدمون على هذا المبدأ أولويات أخرى وينتهكونه كلما لزم الأمر. ومن المؤسف أن تاريخ حقوق الإنسان سار على هذا الوضع في كثير من الحالات.

والأكثر من هذا أنه عند الحديث من الناحية النظرية فإن الانقسام بين النظرية والتطبيق بخصوص حقوق الإنسان يعد إشكالية وهذا بسبب أنه:

1.                      يظهر أن حقوق الإنسان في الجملة قضية مثالية بصورة أكثر مما يريد أنصارها أن يقنعونا، وكما تُعرض حقوق الإنسان الآن فهي ليست عملية ولا حتى ممكنة.

2.                      يوضح أنه ربما تكون هناك أهداف أكثر أهمية من حقوق الإنسان مثل أهداف الأمن القومي وخلافه. وفي الواقع تبدو هذه الحقيقة مقبولة إلى حد كبير على صعيد المجتمع الدولي. وقد كان السياسي الأمريكي جورج كينان هو أفضل من عبر عن هذه الحقيقة. فقد اشتهرت عنه مقولته عام 1948 في وثيقة سرية لوزارة الخارجية الأمريكية "نحن نملك نحو 50% من ثروات العالم، وإن كنا نمثل 6.3% من سكان العالم، ومهمتنا الأساسية في الفترة التالية هي أن نحافظ على هذا التباين ولسنا بحاجة لأن نخدع أنفسنا بأننا يمكن أن نتحمل اليوم ترف الإيثار وحب الغير-لابد أن نتوقف عن الحديث عن الأهداف الوهمية وغير الواقعية مثل حقوق الإنسان-فنحن سوف نتعامل بمفاهيم القوة المباشرة."[252]وإذا ما كانت أهدافًا مثل الأمن القومي والأمن الاقتصادي وغيرهما من الأهداف القومية يمكن أن تأتي على حقوق الإنسان فلابد لنا أن نتساءل هل الخضوع للرب (الأمن النفسي) يمكن أن يأتي على حقوق الإنسان؟.

3.                      وأخيرًا فإن التناقض بين القول والفعل يجعل المرء بحق يشك في موضوع حقوق الإنسان بالجملة. والمسلمون على وجه الخصوص لهم الحق في القلق من هذه الكلمات البراقة القادمة من "الغرب" حينما تكون الحقيقة وراء هذه الكلمات شيئًا مختلفًا تماما.وينقل بدرين عن أحد النقاد المصريين لحركة حقوق الإنسان الدولية وهو سيف الدولة الذي رفض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بناءً على هذا الأساس بالتحديد.[253]ومن العجيب أن السياسي صامويل هنتينجتون اعترف بهذه القضية الأساسية في أجندة حقوق الإنسان، حيث كتب يقول:

غير الغربيين... لا يترددون في الإشارة إلى الفجوات بين المبدأ الغربي والفعل الغربي. النفاق، والمعايير المزدوجة و"ولكن باستثناء" هي ثمن ادعاءات النظريات العالمية. الديموقراطية تحظى بالتأييدإلا إذا كانت ستأتي بالأصوليين الإسلاميين إلى مراكز القوى، ومنع انتشار الأسلحة النووية تُدعى إليه كل من إيران والعراق، ولكن ليست إسرائيل. حقوق الإنسان هي مثار قلق عند التعامل مع الصين ولكن ليست كذلك عند التعامل مع السعودية. إن المعايير المزدوجة في التعامل هي الثمن الذي لا يمكن إغفاله للمعايير العالمية لهذا المبدأ."[254]

في الواقع لقد أدركت الدول الإسلامية وجود هذه الازدواجية منذ بداية تاريخ حقوق الإنسان.

ويذكر بريكيمونت المثال التالي:

أو تأمل المادة رقم 13 من الإعلان والتي تضمن حق مغادرة المرء لبلده. خلال المراحل النهائية في الحرب الباردة، لم تتوقف الولايات المتحدة عن طلبها بالسماح لليهود السوفيت بمغادرة بلادهم أساسًا للهجرة إلى إسرائيل (وكانت هذه الهجرة قد لاقت اعتراضًا من الجانب السوفيتي نظرًا لما تكلفته الدولة من أجل تعليم هؤلاء المهاجربن). لكن هذه المادة رقم 13 تضمن أيضًا حق العودة للبلد المنشأ. وبعد المصادقة على الإعلان العالمي بيوم، أقرت الأمم المتحدة القرار رقم 194 والذي يعطي الفلسطينيين المهجرين من بلادهم حق العودة إليها (أو أخذ تعويض)، والجميع يعلم تمام العلم أن هذه العودة لن تتم بدون حدوث تغيير جذري في موازين القوى العالمية. وعلى الجانب الآخر، فإن المستوطنين اليهود الذين أُجبروا على ترك مستوطنات قطاع غزة التي احتلوها بدون وجه حق تلقوا تعويضًا بمتوسط قيمة ربع مليون دولار لكل أسرة.[255]

والأسوأ من كل هذا هو أن الانفصام بين النظرية والتطبيق بخصوص حقوق الإنسان لا يقف عند حد الحكومات القومية، لكن للأسف فإن منظمات حقوق الإنسان نفسها تتسم بالانتقائية إلى حد كبير فيما تأتي وتذر خاصة عند التعامل مع الدين الإسلامي،[256]بل حتى مع الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، وهذا الذي دعى بريكمونت للتعليق بقوله:

شهدت العقود الأخيرة انتشار المنظمات خاصة في الدول الغنية، والتي ترصد وتدين انتهاكات حقوق الإنسان في الدول الفقيرة. وكلما حأورت أحدًا من ممثلي هذه المنظمات عن سبب إغفالهم الانتهاكات العسكرية على سبيل المثال في العراق، كانت الإجابة تأتي بوضوح وهي أن ذلك ليس مجالهم وأنهم لا يمكنهم فعل أي شيء تجاهه، فهم مهتمون بحقوق الإنسان وفقط. وربما تكون هذه الإجابة مبررة إذا ما لم يكن خطاب هذه المنظمات خطابًا سلطويًا إلى درجة أنه نادرًا ما يسمع أي صوت مخالف، على سبيل المثال نغمة الدفاع عن سلطة الدولة. والأكثر من هذا أنهم يقدمون أولوياتهم إلى حد يجعلهم حياديين بشكل صارم تجاه الحروب الغاشمة، مع أنهم يدينون انتهاكات حقوق الإنسان التي تنجم عن هذه الحروب، فكأنهم يعملون على أنه ليست ثمة علاقة بين الأمرين. وفوق كل هذا فهذه المنظمات لا تكف عن إدانة هؤلاء المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان، فلما لا يضعون مع هؤلاء من يشنون هذه الحروب؟[257]

والأمر ببساطة هنا أن هذه الدول ذات الصوت العالي في تنفيذ حقوق الإنسان والإيمان بها أظهرت مراتٍ ومراتٍ أنها مستعدة لانتهاك هذا الإيمان كلما وأينما كان هذا متاحًا، وليس فقط مجرد كلما وأينما وجدت ضرورة. وهذه الدول تشمل الولايات المتحدة بالإضافة إلى كثير– إن لم يكن كافة– الدول الأوروبية (وإن كانت الدول الأوروبية لا تزال أكثر حياءً في هذا الصدد)، وليس معنى هذا أيضًا أن هذه الدول ليست لديها سجلًا أخلاقيًا عاما في احترام حقوق الإنسان.ولكن هذا يظهر أنه حتى هذه الدول التي خرجت منها حركة حقوق الإنسان تؤمن وتعتقد أن هناك أمورًا أخرى أهم من حقوق الإنسان. وفي حالاتهم الخاصة تشمل هذا الأمور الأخرى الأمن القومي، والرفاهية الاقتصادية لبلدانهم.

وعلى الرغم من أن الغرب استدبر– في غالب أمره– الدين، فكيف يمكن أن تكون إجابتهم على القول التالي: "إذا كنتم تعتبرون أن الأمن القومي والرفاهية الاقتصادية أهم من حقوق الإنسان، فأنا كذلك أرى أن ديني والاستسلام لله تعإلى أهم من حقوق الإنسان. وبالتالي فأنا ألتزم بمبدأ حقوق الإنسان مالم يتعارض مع ما أؤمن أنه جزء من إيماني بالخالق تعإلى." ومع التسليم أنهم يمكن أن يقولوا أنه لا يمكن مقارنة الدين بالأمن القومي، وربما لا يمكن قول هذا بخصوص الرفاهية الاقتصادية، إلا أن الشخص المسلم والمجتمع المسلم الذي يؤمن بالله تعإلى سيقولون أن عقيدتهم ودينهم أهم من الأمن القومي والرفاهية الاقتصادية.إن كثيرًا من المسلمين ربما يفضلون أن يعيشوا في فقر واضطهاد ولا ينقضوا أي مبدأ من مبادئ دينهم أو أن يميعوا هذا الدين، وبالتأكيد فإن الشخص الذي ينطلق من مبدأ حقوق الإنسان لابد أن يقبل تقديم الآخر لدينه على أي شيء في الحياة.

          الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في التطبيق

يجدر بنا أن نلقي نظرة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي صدر منذ ما يربو على الخمسين عاما لنرى كم عدد الدول- التي تؤيد حقوق الإنسان اليوم- تطبق المبادئ التي ابتكرتها بأنفسها ووافقت عليها وحثت الآخرين وخاصة الدول الإسلامية على الالتزام بها.

وهذا هو مثال لبعض الحقوق لهذا الميثاق الأصلي (وحتى لا نطيل سوف نترك الآن الإشارة إلى المواثيق الأخيرة التي تم الاتفاق عليها[258]).

المادة 5

لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الإحاطة بالكرامة.

في التاريخ البشري، هناك مجموعتان من الناس اشتهرتا بجمع البيانات والبحث عن موضوع التعذيب: أعضاء محاكم التفتيش، والمخابرات الأمريكية. وفي الوقت الحالي، ربما يكون الجميع مطلع على الجدل الحالي في الولايات المتحدة بشأن استخدام التعذيب مع المشتبه في تورطهم في عمليات الإرهاب.

وعلى الرغم من أنه مصدر مرجعي عام جدًا، إلا أنه من المثير أن نراجع ما ذكرته إنكارتا مايكروسوفت 2004 عن التعذيب:

يبدو أن التعذيب حتى القرن الثالث عشر لم يكن محرما في القانون الكنيسي النصراني. إلا أنه في ذلك الوقت بدأ اعتبار قانون الخيانة الروماني كجريمة إدانة في حق العظمة الإلهية". وبعد إقرار نظام التفتيش أصدر البابا إنوسنت الرابع- متأثرًا بعودة القانون الروماني- قرارًا في (1252) والذي كان يتطلب من القضاة أن يأتوا بالأشخاص المتهمين بالبدعة لتعذيبهم للحصول على الاعتراف منهم على أنفسهم أو على آخرين. وربماكانت هذه أول حالة من العقوبات الكنسية في هذا النوع من التحقيقات...وفي القرن العشرين عاد التعذيب على نطاق واسع من قبل الأنظمة الاشتراكية القومية والفاشية والشيوعية في أوروبا عامة باعتباره سلاحًا للاضطهاد السياسي. وبالإضافة إلى هذا فإن الحكومات الشيوعية استخدمت ما يسمى بآلية غسيل الدماغ، وهو نوع من التعذيب النفسي، يُدفع فيه الشخص إلى نوع من التوهان العقلي عن طريق أساليب مثل إجبار السجين على البقاء يقظًا. وقد استخدم أسلوب غسيل الدماغ بكثافة مع السجناء لدى الشيوعيين أثناء الحرب الكورية. وقد رفعت دعأوى ضد كثير من الأنظمة الأخرى في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا تتهمها باستخدام التعذيب النفسي والبدني.[259]

هذه هي هستيريا الفاشيين والشيوعيين! هستريا هذه الدول غير المتحضرة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا! لكن ليس هذا هو المكان المناسب لانتقاد استخدام التعذيب من قبل "أسرة الدول المتحضرة" والتي تعتبر أول وأهم من يتمسك بحقوق الإنسان. ويمكن للقارئ المهتم أن يراجع كتبًا مثل: قضية التعذيب (A Question of Torture) لألفريد ماك كوي؛ أو "الحقيقة والتعذيب والطريقة الأمريكية" (Truth, tortutre and the American way) لجنيفر هاربوري؛ وهناك كتابان أكثر تسليطًا للضوء على الأحداث الأخيرة وهما "أبو غريب: سياسات التعذيب" (AbuGhraib: The Politics of Torture) و"أوراق التعذيب: الطريق إلى أبو غريب" (The Torture Papers: The Road to Abu Gharib). والمظهر الجدير بالذكر هو أنه مع تنأول هذه الأمور في الإعلام لم يكن هناك أي ذكر أو بالكاد لمفهوم الحرية من التعذيب وفقًا لما وقعته حكومة الولايات المتحدة يعتبر حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان.

ولابد أن نلحظ أنه على مدار عقود تعرض النشطاء المسلمون عبر العالم للتعذيب في السجون، وذلك في الغالب بسبب غض الغرب طرفه عن هذه الأنشطة. بل إن أحد الكتاب الغربيين، ومن بينهم شخص يدعي أنه صوفي دافع عن مثل هذه الممارسات. فعلى سبيل المثال في كتاب "وجها الإسلام: آل سعود من التقليد إلى الإرهاب" (The Two Faces of Islam: The House of Sa’ud from Tradition to Terror) لـ"ستيفين شفارتز يذكر أن الاضطهاد الفج من نظام عبد الناصر للإخوان المسلمون كان ضروريًا ومبررًا"[260]، وبالطبع هو لم يدرك أن هذا التعذيب وهذه الوحشية في سجون عبد الناصر هي التي أدت بالفعل إلى ظهور التطرف في العالم.[261]

المادة 7

الناس جميعًا سواء أمام القانون، وهم يتسأوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتسأوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان، ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز.

المادة 9

لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا.

المادة 10

لكل إنسان، على قدم المسأواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرًا منصفًا وعلنيًا للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أية تهمة جزائية توجه إليه.

المادة 11

1.                      كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونًا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.

هذه "الحقوق الأساسية" تثير الدهشة بشكل بالغ إذا ما نظرنا إليها في ضوء الأسلوب الذي تتجأوب به كل من الولايات المتحدة وأوروبا في حربهم على الإرهاب. وقد أصبحت العديد من الدول في أوروبا متورطة في نفس أسلوب الولايات المتحدة في إصدار الأحكام غير العادية والتي يصعب تبريرها من منظور حقوق الإنسان.

ويظهر أن هذه النقطة مع ما سبقها من تعليقات تجلي بوضوح حقيقة أن هذه الحقوق الأساسية للإنسان، والتي تتحدث عنها هذه الدول بتقدير بالغ، ليست مطلقة. إن أسرة الدول المتحضرة على استعداد بالغ لإنكار هذه الحقوق لأجل الأمن القومي، أو بعبارة أخرى لأجل المصلحة الوطنية أو القومية،وهذا أمر واضح جدًا. وهذا يوضح أنه حتى من وجهة نظر هذه الدول، فإن المصلحة الوطنية هي العامل الأكثر تأثيرًا. والمرء لابد أن يفهم ببساطة ويدرك أن حقوقه الإنسانية يمكن أن يتم تجاهلها إذا لزم الأمر لصالح المصلحة الوطنية.

المادة 19

لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودون ما اعتبار للحدود.

من الواضح أن حرية الدين وحرية الرأي من الأمور التي يساندها الغرب ولكن هل فعل هذا صحيح؟ في مارس من عام 2006 حُكم على ديفيد إيفينج، المؤرخ البريطاني، بالسجن لمدة ثلاث سنوات في النمسا بتهمة إنكار وجود غرف الغاز في معسكر أوشفيتز خلال محرقة الهولوكوست النازية. ويجرم القانون النمسأوي أن إنكار المذابح النازية أو التقليل متعدد ضحاياها[262]. هذه الجريمة أودت بشخص إلى السجن، لكن أين صيحات الاحتجاج من الحكومات المؤيدة لحقوق الإنسان في الغرب؟ ولماذا لا يتساءل القادة الغربيون في المنتديات ذات الصلة "متى ستنضم النمسا إلى أسرة الدول المتحضرة؟" ويبدو أن الاتحاد الأوروبي، وهو أحد أهم الأصوات الداعمة لحقوق الإنسان، ليست لديه مشكلة مع قانون من مثل هذه النوعية يصدر من أحد أعضاءه.

المادة 23

1.                      لكل شخص حق العمل، وفى حرية اختيار عمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة.

2.                      لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متسأو على العمل المتسأوي.

3.                      لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية، وتستكمل عند الاقتضاء بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

4.                      لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.

أليست هذه الأمور هي ما يتظاهر من أجله الناس خارج اجتماعات منظمة التجارة العالمية؟ وإذا كانت الدول القوية (مع أصدقاءها في التحالفات القوية) تؤيد تماما هذه الحقوق المتفق عليها، أفلا يكون من الواجب عليهم أن يفتحوا أذرعهم لمن يطالب بهذه الحقوق؟ فهل هذا هو ما يحدث، أم أن هؤلاءالمحتجين يواجهون بأكبر كتائب مواجهة الشغب رآها العالم؟[263] هل يمكن أن تكون الحالة هي أنه، ووفقًا لأسرة الدول المتحضرة، إذا كانت الأرباح الباهظة معنية فيمكن التغاضي عن حقوق الإنسان؟

توجد اليوم حركة في الولايات المتحدة تطالب بوجود "حد أدنى للأجور يكفي للمعيشة" (living wage) كمقابل "للحد الأدنى للأجور" لكن هذه الحركة حتى الآن لم تلق النجاح أو القبول الكافي.

وبالمناسبة مع بداية عام 1923، قدم الكونغرس تعديل الحقوق المتسأوية، لإعطاء حقوق متسأوية للمرأة، بما في ذلك الحق في الحصول على أجر متسأو على العمل المتسأوي. وعلى الرغم من أنه تم مد الموعد النهائي للمصادقة على التعديل حتى عام 1982، إلا أنه لم يُطبق من قبل العدد الكافي من الولايات ولم يصبح جزءًا من دستور الولايات المتحدة.

المادة 22

لكل شخص، بوصفه عضوًا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن تُوفر له، من خلال المجهود القومي والتعأون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية.

المادة 25

1.                      لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد الماكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.

هذه المواد مدهشة في الحقيقة، لكن يمكن أن يقال أن أي شخص يؤمن بالسوق الحر أو يدعو إليه وإلى الرأسمالية المتحررة، فهو في الأساس يقرر أنه لا يؤمن بحقوق الإنسان. فرأسمالية السوق الحر، بسبب انتهاكها لأسس حقوق الإنسان، ليست معدة لإنتاج "الصورة الأفضل للعالم"، بل تنتج فقط ما يتطلبه السوق الموجه. لكن وجود خليط من الرأسمالية والاشتراكية –في أفضل صورهما– يمكن أن يقدم شيئًا وليس كل شيء،ولكن حتى هذا الخليط بين الرأسمالية والشيوعية أصبح هو محل الهجوم في السنوات الأخيرة. إن سياسات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية -وجميعها لا تعتبر سوى أدوات في أيدي الأسرة الدولية المتحضرة- لم تكن سوى اعتداء على أي من هذه الممارسات الاشتراكية من جانب الحكومات، خاصة حكومات الدول الأقل تقدما. أما سياسات التحررية فهي على النقيض تماما من "حقوق الإنسان الأساسية" لأفراد الدولة.

وربما ليست هناك ضرورة للخوض في الانقسام الكبير بين نظرية حقوق الإنسان والسجل الحقيقي لانتهاك حقوق الإنسان حتى من قبل الدول ذات الصوت العالي في مجال حقوق الإنسان. وكما ذكر فريمان "إن إعلانات حقوق الإنسان أمر غير مكلف، لكن المكلف حقيقة هو تطبيق حقوق الإنسان."[264] والأكثر من ذلك أن هناك كتابات لكل من: نعوم تشومسكي وويليام بلوم (قتل الأمل، وكتاب الدولة المارقة)KillingHope and Rogue State، وجون بيلجر "الأجندات الخفية" (Hidden Agendas) وغيرها وكلها متاحة للقراءة. حتى أن آن إليزابيث ماير اعترفت بهذه الإشكالية عند حديثها عن حقوق الإنسان مع المسلمين، فقالت:

باعتباري أمريكية، فأنا أدرك أن اهتمامي بانتهاكات حقوق الإنسان التي يمكن أن تنتج عن تطبيق القانون الجنائي الإسلامي في الحوادث الحالية هي مرتبطة لا محالة بالمواقف المخادعة للحكومة الأمريكية بخصوص حقوق الإنسان والمعايير المزدوجة العميقة التي تطبقها الولايات المتحدة في الحكم على قضايا حقوق الإنسان التي تشمل المسلمين والدول الإسلامية. ولابد أن نعترف أنه من المفزع أن نتحدث عن أوجه القصور في أنظمة العدل الجنائي في الدول الأخرى في الوقت الذي تم اتهام المسلمين بالإرهاب بسبب أو بدون سبب وتحت رعاية الولايات المتحدة، وأودعوا السجون في ظروف مروعة كان عليهم فيها تحمل المعاملات المهينة، وحرموا من القواعد الأساسية للمحاكمات العادلة، وتعرضوا لانتهاكات مروعة مثل تلك التي تعرضوا لها في سجن أبو غريب والتي رواها معتقلو غوانتنامو.[265]

عالمية حقوق الإنسان

نظرية العالمية تقضي بأن حقوق الإنسان واحدة (أو هكذا ينبغي أن تكون) في كل مكان، سواء من حيث المبدأ أو التطبيق. ويؤكد مؤيدو النظرية العالمية الصارمة أن حقوق الإنسان الدولية هي عالمية بشكل كامل. وهذه النظرية يؤيدها في الغالب الدول الغربية والعلماء الذين يقدمون العالمية في حقوق الإنسان من خلال منظور ليبرالي غربي صارم. وهم يرفضون أية دعوى للنسبية الثقافية ويعتبرونها نظرية غير مقبولة لتبرير انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الغالب يؤكد العلماء القائلين بأن حقوق الإنسان نشأت من الثقافة الغربية على أن الأعراف الغربية لابد أن تكون نموذجًا عالميًا لقانون حقوق الإنسان.

وأخيرًا نقول أن هذا التساؤل غير موجود في الواقع عندما نتحدث عن الموقف الإسلامي من حقوق الإنسان. فكما سنرى بالتفصيل في الفصل التالي، أن الموقف الإسلامي من حقوق الإنسان لا ينبغي أن ينبني على قضية التعددية الثقافية أو أي شيء من هذا القبيل. إن مبادئ حركة حقوق الإنسان لابد أن تكون مستقرة قبل الحديث عن أي عالمية أو عن النسبية الثقافية. لقد كان هدف هذا الفصل هو مناقشة المبادئ الأساسية للحركة، فإذا كانت المبادئ قائمة على أساس خاطئ، فإن قضية التطبيق العالمي والعالمية الصارمة تصبح واهية.[266]

بعض الاستنتاجات المهمة

كان هذا الفصل كشفًا صارخًا بلا شك لنظرية حقوق الإنسان. إن منظومة حقوق الإنسان باختصار من الأسس إلى التطبيق بعيدة كل البعد عن الكمال.

ولا يقدم منظرو حقوق الإنسان سوى النذر اليسير فيما يتعلق بتعليل وجوب أن يؤمن الفرد بحقوق الإنسان ويقبلها. وبمجرد الاعتراف بأن هذه القضية لا تقبل الحل، فإن قضية ما الذي يمثل أو لا يمثل حقوق الإنسان تصبح قضية معجزة حيث إن كل شيء بدءًا من الشذوذ الجنسي والزواج بين أتباع الديانات المختلفة وعدم الختان تقدم كلها على أنها من حقوق الإنسان. وفي الواقع وُجد أن منظومة حقوق الإنسان في جملتها تواجه تناقضًا ذاتيًا. فهي تدعي أنها تقدم حقوق الإنسان والحريات للآخرين فقط داخل إطارها الخاص، بمعنى أن حقوق الإنسان والحريات هي فقط تلك الحقوق والحريات التي تسمح بها هذه المنظومة. وبالتالي فليست هناكحريات حقيقية ولا حقوق حقيقية. وأخيرًا، تبين أن منظومة حقوق الإنسان تتحدث عن المثالية التي هي بعيدة جدًا عن التطبيق. حتى هؤلاء أصحاب اليد العليا والصوت المسموع في مجال تأييد حقوق الإنسان يظهرون أنه من وجهة نظرهم هناك أولويات أخرى يمكن أن تتقدم على حقوق الإنسان.

فلا يبقى أمام الإنسان سوى نتيجة واحدة صارخة. وفي النهاية لابد أن يضع المرء في مخيلته أن منظومة وحركة حقوق الإنسان ليست ببساطة تأكيد بعض الحقوق الإنسانية العامة التي يمكن أن تقبلها غالبية جماهير العالم، بل إن الحركة أكثر من هذا بكثير. فهي ترمي إلى تغيير دول ومجتمعات وديانات، ليس فقط من أجل الالتزام بالمبادئ العامة ولكن من أجل الالتزام بأنماط محددة من القوانين والنظم.

والآن يأتي سؤال: لماذا يجب أن يتخلى الناس عن ممارساتهم الثقافية، ويقبلوا بهذه المنظومة الجديدة؟ لماذا يجب عليهم أن يتخلوا عما يؤمنون بأنه حقائق مطلقة، كما هو الحال مع بعض ممن يتعلقون بدينهم من أجل أن يكونوا مواكبين لمتطلبات هذه الحركة؟

وإذا كان مناصرو حقوق الإنسان في إجابتهم على هذه النوعية من الأسئلة سيقولون بأن لديهم أساسًا ثابتًا لمعتقداتهم، وأنه باستطاعتهم إثبات أن حركتهم يمكنها تحقيق "الصورة المثلى لكل المجتمعات"،[267] وأن نظامهم منطقي، وأنه النظام المتسق الذي يمكنه أن يتيح الحرية للجميع إلى غير ذلك، فإن من حق المرء أن يقول بعقلانية أنه ينبغي على كل فرد أن ينظر إلى مطالب حقوق الإنسان بجدية؛ غير أن منظومة حقوق الإنسان نفسها لا تسمح بهذا.

والحقيقة أن هذه المبررات لمنظومة حقوق الإنسان ضعيفة فعليًا وغير محددة وجدلية على أفضل تقدير. لا أحد يمكنه التنبؤ بأي نوع من المجتمعات الذي سينتج إذا أُعطي كل فرد جميع الحريات التي ينادي بها دعاة حقوق الإنسان. فبدلًا من أن تقود كل فرد إلى حريته، أصبحت التناقضات الداخلية لحقوق الإنسان في حد ذاتها ببساطة تقود إلى الخلافات بشأن ما الذي يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان. وبالتالي فكما حدث في 18 سبتمبر 2008، كانت هناك حوالي 100.000 حالة عالقة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مع أن المحكمة في تاريخها لم تصدر سوى 10.000 حكما[268] وأن القضية لا تذهب لهذه المحكمة إلا بعد استنفاذ كافة السبل المحلية.

نكرر مرة أخرى أن هذه الوقائع -4بالإضافة إلى النقاط المذكورة في ثنايا هذا الفصل- تقودنا إلى تساؤل أكثر وضوحًا وتحديدًا: ما الذي يدعو أي مسلم، يوقن أن الإسلام هو الحقيقة المطلقة، إلى أن يتنازل أو يضحي بشيء من دينه وعلاقته بربه على أساس هذا النموذج؟ وهذا يقودنا مباشرة إلى الفصل التالي والذي يناقش قضية الإسلام وحقوق الإنسان.


 الفصل الرابع: الإسلام وحقوق الإنسان

لا يوجد في القرآن الكريم أو السنة أي ذكر لمصطلح حقوق الإنسان، وإن كانت كلمة "حق" تكررت فيهما كثيرًا. ويواجه الإسلام كما هو الحال مع ما يسمى بنظم "ما قبل الحداثة" نقدًا نمطيًا لتأكيده على "الواجبات" بدلًا من الحقوق.[269] ولكن القاعدة المعروفة بين العلماء المسلمين أنه "لا مشاحة في الاصطلاح". أما النقطة المهمة فهي: هل هناك جوانب أقامها الإسلام يمكن أن تعتبر مناظرة لكثير مما يسميه البعض اليوم "حقوق الإنسان"؟ يرى الكاتب أنه لا شك أن القرآن والسنة قررا مثل هذه الحقوق.

وفي ذات الوقت ليس كل حق يدعي الناس اليوم أنه من حقوق الإنسان أقره الإسلام. لكن ما سيجده المرء هو أن كثيرًا من هذه الحقوق قبلها الإسلام وأقرها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. ومع ذلك فهناك بعض الاختلافات الجوهرية بين حقوق الإنسان في الإسلام وبين المنظومة المعاصرة لحقوق الإنسان، وهذه الاختلافات لابد من إبرازها. (ومن المثير أن هذه الاختلافات يمكن النظر إليها على أنها الخصائص الفريدة المميزة للنظرة الإسلامية لحقوق الإنسان أو يمكن النظر إليها على أنها النواحي التي يخالف فيها الإسلام النظرية المعاصرة لحقوق الإنسان).

هناك الكثير من الكتب التي كتبها المسلمون لمناقشة الحقوق التي قررها الإسلام للبشر، وبعض هذه الكتب تنأولت الموضوع بتفصيل كبير.[270] وفي الواقع عُقدت المؤتمرات،[271]وخرجت الوثائق تحدد النسخة الإسلامية لحقوق الإنسان العالمية.[272] وهذا الكتاب في الواقع لا يهدف إلى نحو هذا،[273] ولكنه في الأساس مهتم بالقضايا الرئيسية، وبالتالي سوف يقتصر هذا الفصل على مناقشة بعض هذه القضايا الرئيسية المرتبطة بـ"حقوق الإنسان" في الإسلام، وبالأخص الإجابة على بعض الأسئلة التي أثارها الفصل السابق بخصوص منظومة حقوق الإنسان على النحو التالي:

تبرير حقوق الإنسان

ما الذي يجب اعتباره ضمن حقوق الإنسان

التناقض في حقوق الإنسان

حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق

ومن المهم قبل مناقشة هذه الأسئلة أن نفهم المقصد العام للتشريع الإسلامي. إن طبيعة التشريع في الإسلام مرتبطة بالفعل ارتباطًا مباشرًا بفهم "حقوق الإنسان" في الإسلام.

التصور الأساسي للشريعة

وفقًا للعقيدة الإسلامية، جاءت الشريعة[274] الإسلامية لتحقيق مصلحة البشرية، ولا تقصد الشريعة أن تكون مصدر مشقة للناس، ولا يوجد في الإسلام مفهوم التشديد على النفس أو العسر باعتبار هذا نوعًا من العبادة. فالمرء يضحي في سبيل الله، لكنه لا يؤذي نفسه عمدًا باعتبار أن ذلك وسيلة للتقرب لله تعإلى. فالله تعإلى يقول ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨)، ويقول ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: ٦).

من المهم للقارئ أن يكون على معرفة بالمفهوم الإسلامي "الشريعة". فهذا سوف يسلط بعض الضوء على الموقف الإسلامي نحو هذه الشريعة في مقابل نموذج حقوق الإنسان. وإذا لم يكن غير المسلم على علم ببعض هذه النواحي، فلن يكون بإمكانه أن يفهم تقدير المسلمين للشريعة، وبالتالي نظرة المسلمين نحو التنازل عنها والقبول بأي منهج آخر للحياة.

يمكن فهم النظرة الإسلامية للشريعة في ضوء العديد من الآيات القرآنية. على سبيل المثال قوله تعإلى ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: ١٢)، وقوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: ٥٤). فهاتان الآيتان مع غيرهما تثبتان بوضوح أن الله تعإلى رحيم. بل إن إرسال الله تعإلى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته هو جزء من رحمة الله كما قال تعإلى﴿وَما أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧).

وبالتالي فلا يعقل أن الشريعة لا توفر للناس الحقوق التي يستحقونها. فهذا لا يكون فقط انعدام للرحمة، لكنه ظلم من جانب الله تعإلى، ولذا يقول الله تعإلى عن القرآن الذي أوحاه لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩).

وفي وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه الخصوص يقول الله تعإلى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٧). فالواضح أن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي رسالة تنشر الحق وتحل الطيبات وتحرم الخبائث، وترفع الحرج عن الناس بإزالة الأحكام التي تجلب العسر وبالبعد عن الشر. مرة أخرى كل "الحقوق" النافعة لابد أن تكون متضمنة فيما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل "الحقوق" الضارة لابد أن تكون موجودة في كل ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وبالتالي نبدأ بالقاعدة التالية: أن الشريعة مظهر من مظاهر رحمة الله تعإلى، والله تعإلى هو الحكيم العليم الخالق لهذا الكون. ومَن غير الله تعإلى – وهو الخالق الرحيم- يعلم ما يحتاج إليه هذا الخلق؟ ولذا يذكر الله تعإلى كل البشر بهذه الحقيقة في قوله ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: ١٤)؛ إن أحدًا لا يمكنه أن يصدر حكما للبشر أفضل من الله. ولذا يخبر خلقه فيقول ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْما لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠).

ولابد من الإشارة إلى أن ماير انتقدت بشدة فكرة التمسك بأن الوحي يعلو فوق الفهم البشري. وفي الحقيقة يعتبر هذا واحدًا من أهم انتقاداتها لمن يضعون إعلانات حقوق الإنسان الإسلامية.[275]ويشير الطابع العام لكلامها إلى أنها تعتبر أن هذه النظرة إلى الوحي نقطة ضعف في التصورات الإسلامية. ومع ذلك فهي لم تظهر في نفس الوقت أبدًا أن العقل لابد أن يقدم على الوحي. فبدا هذا وكأنها تدعو ببساطة إلى ترديد ترنيمة جماعية معينة وتنتظر من القارئ أن يشاركها الرأي في إقرار أن العقل لابد أن يقدم على الوحي.

وعلى الصعيد الآخر، هناك أساس منطقي قوي لإدراك وجوب تقديم الوحي الإلهي على العقل البشري. يذكِّر الله تعإلى البشر بنقطة في غاية الأهمية، تلك النقطة التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقضية حقوق الإنسان وكيف أن حقوق الإنسان يجب أن تُحدد. يقول الله تعإلى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: ٢١٦). فهذه الآية تذكرة صارخة للبشر بضعفهم. فلا أحد ينكر أن معرفة البشر بحقيقة هذا العالم وأسراره محدودة. بل الأكثر من هذا أن التصور البشري كثيرًا ما يصيبه الغموض بسبب الأهواء والرغبات. وبالتالي فليس من المستبعد أن يقرر البشر شيئًا على أنه صواب وهو في الواقع في غاية الضرر أو العكس.

والأكثر من هذا أن إحدى الغايات الأساسية لإرسال الرسل والرسالات هي إقامة العدل في العالم بعيدًا عن الأهواء والانحرافات. والله تعإلى يقرر﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥). ولا يكون هذا إلا إذا كان الرسل والرسالات تقدم للبشر الحقوق التي يستحقونها، لا أكثر من هذا ولا أقل، لأن أي شيء سوى هذا سيكون هو عين الظلم.

ويقرر الله تعإلى في ثنايا القرآن أنه تعإلى أمر بالعدل فيقول ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠). ويأمر الله تعإلى المؤمنين في أكثر من موضع بوجوب الوقوف في صف العدل، حتى لو كان هذا ضد رغباتهم أو ضد مصالح أقرب الناس إليهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أولَى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥)، ويقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨).

وفوق هذا فإن من بين نواقض العدل "الفساد"وقد حرمه القرآن بكل وضوح في غير ما موضع منها ﴿فَأوفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ٨٥). بل إن المرء يجد في أكثر من موضع الأمر الآتي ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة٦٠؛ الأعراف: 74؛ هود: 85؛ الشعراء: 183؛ العنكبوت: 36).

فيتضح إذًا من نصوص القرآن نفسه أن الرسالة الإسلامية جاءت رحمة من عند الله، وأنها تسعى إلى إقامة العدل والحق في هذا العالم، وأنها ليست ببساطة رسالة تتحدث عن عالم آخر "مملكة السماء" كما يسميه النصارى. وخلاصة القول أن المنطق الإسلامي يقوم على أساس أنه لا يمكن أن يكون هناك أفضل من الله تعإلى ليقرر الحقوق والواجبات العادلة والتي تصلح للبشر.[276]

هذا المظهر من مظاهر الشريعة أدركه المسلمون على مر التاريخ. بل إنه حين سأل إمبراطور فارس اثنين من الصحابة عن سبب مجيئهم إلى بلاده كانت إجابتهما متشابهة "لقد ابتعثنا الله لإخراج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".[277]

فقد أدرك علماء الإسلام إذن أن الغاية العظمى للبشر هي عبادة الله والتزام هديه، ولكن هذا يعني في نفس الوقت اتباع الطريق الأفضل للبشر في هذه الدنيا وفي الآخرة. وبالتالي فليس هناك في الفكر الإسلامي أي انقسام بين ما هو خير في الآخرة وما هو خير في الدنيا، على خلاف الصراع القائم بين الجسد والروح في النصرانية.[278] وحيث إن الشريعة جاءت لمنفعة البشر، فلابد أن تكون أفعال البشر لصالحهم كذلك.

بل إن علماء الإسلام ذهبوا إلى أبعد من هذا، فقرروا أن كل حكم من أحكام الشريعة يرمي لمصلحة الإنسان، ولذا يقرر ابن القيم (ت 1350):

وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدم أهمها وأجلها وإن فاتت أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت عطل أعظمها فسادًا باحتمال أدناها، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالة عليه شاهدة له بكمال علمه وحكمته ولطفه بعباده وإحسانه إليهم، وهذه الجملة لا يستريب فيها من له ذوق من الشريعة وارتضاع من ثديها وورود من صفو حوضها وكلما كان تضلعه منها أعظم كان شهوده لمحاسنها ومصالحها أكمل...

وإذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدة بذلك ناطقة به ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة باديًا على صفحاتها مناديًا عليها يدعو العقول والألباب إليها...[279]

فابن القيم يشير إلى هذا المظهر من مظاهر الشريعة باعتباره من أعظم معجزاتها ويبرهن على ربانية مصدرها، ولذا يقول كذلك:

ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحكم والعلل الغائية والمصالح التي تضمنها هذه الشريعة الكاملة التي هي من أدل الدلائل على صدق من جاء بها وأنه رسول الله حقًا، ولو لم يأت بمعجزة سواها لكانت كافية شافية، فإن ما تضمنته من الحكم والمصالح والغايات الحميدة والعواقب السديدة شاهدة بأن الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وشهود ذلك في مضمونها و معانيها كشهود الحكم والمصالح والمنافع في المخلوقات العلوية والسفلية وما بينهما من الحيوان والنبات والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح المعاش.[280]

وقد استمرت هذه النظرة لدى فقهاء المسلمين حتى يومنا هذا. ففي القرن الماضي كتب العالم المصري المعروف محمد أبو زهرة "وإن هذا أصل مقرر مجمع عليه من فقهاء المسلمين، فما قال أحد منهم إن الشريعة الإسلامية جاءت بأمر ليس في مصلحة العباد، وما قال أحد منهم إن شيئًا ضارًا فيما شرع للمسلمين من شرائع وأحكام."[281]

وبناء على حقيقة أن الشريعة ترمي إلى تحقيق المصلحة، ومن خلال "الاستنباط الفقهي" قرر فقهاء الشريعة أن الشريعة لها غايات خاصة محددة. فمجموع الأحكام الأساسية تشير في جوهرها إلى تأسيس وحفظ ما عرف بالضروريات:[282] وهي الدين والنفس والعقل والمال والنسل.[283] وقد خلص الفقهاء إلى أن هذه الضروريات الحياتية محفوظة في الشريعة بهذا الترتيب المذكور، بمعنى أنه حتى هذه الضروريات لها مراتب بعضها فوق بعض.

وهذا الاستنتاج حول الشريعة الإسلامية يظهر أن تصور الإسلام للحياة الطيبة للبشر والتي تمتلئ بالحقوق السليمة والكرامة البشرية ربما تكون مختلفة تماما عن تلك الحياة التي يقترحها نموذج حقوق الإنسان المعاصرة. فالدين على سبيل المثال له أولوية ومقدم على حفظ النفس، وهذا يظهر أن الإسلام يرى أن الحياة بدون دين صحيح ليست حياة على الحقيقة.[284] وإن كان دعاة حقوق الإنسان المعاصرين يرون صراحة كما أسلفنا أن حقوق الإنسان لابد أن تكون مقدمة على أي دين.

وعلى الجانب الآخر، لابد أن يكون إدراك هذه الغايات الخمسة للشريعة مهما لدعاة حقوق الإنسان حيث إنها تعطي تصورًا واضحًا للحقوق في جانب الجنس البشري. إنه دور الدولة المسلمة والمجتمع المسلم والمسلمين أنفسهم أن يسعوا إلى تحقيق هذه الضروريات لكل فرد بنفس الطريقة التي تسعى الشريعة بها إلى تحقيق هذه الضروريات. والأكثر من هذا أن كثيرًا من هذه المقاصد متشابهة مع متطلبات منظومة حقوق الإنسان. وسوف نعرض فيما بعد نموذجًا لهذا التشابه بخصوص "الأسرة" والتي تعتبر واحدة من الضروريات الخمسة وهي أيضًا مذكورة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وهناك نقطة مهمة أخرى لم يجد دعاة حقوق الإنسان أبدًا حتى الآن حلًا لها وهي واضحة في مفهوم مقاصد الشريعة. هذه المقاصد للشريعة تتنأول جانب القيود وليس فقط مجرد الحقوق والحريات. وبعبارة أخرى فإن هذه المقاصد بحاجة إلى حفظها. ولا يمكن أبدًا حفظها إلا إذا كانت الأمور التي تأتي عليها محرمة أو مقيدة تقييدًا محكما. وفي هذا السياق يمكن فهم تحريم الشريعة للخمر وكافة أنواع المسكرات. فهذا التحريم الذي يمكن اعتباره تقييدًا لحق الشخص في تنأول ما يشاء، هو في الحقيقة مطلوب لحماية الحياة البشرية برمتها. ولذلك جاء في أول مراحل حديث الوحي عن الخمر – والذي انتهى بالتحريم التام– قوله تعإلى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ (البقرة: ٢١٩).[285] ونظرة واحدة للمجتمع الأمريكي تمكن المرء من فهم كيف أن هذا التحريم – أو التقييد للحرية– هو أمر ضروري لحماية حقوق الآخرين. ولا يحتاج المرء سوى التفكير بشأن العدد الذي لا يمكن حصره لحوادث السيارات الناتجة عن القيادة تحت تأثير الكحول،[286] والحالات العديدة للعنف الأسري الناتج عن تنأول الكحوليات، وحالات الوفاة المبكرة والأمراض المرتبطة بتنأول هذه الكحوليات، والأطفال المفقودين في الأسر التي تتنأول الكحوليات وغير ذلك وكله يثبت أن تحريم الشريعة للخمر هو رحمة عظيمة للمجتمع بأسره. وهذا جانب آخر مهم للقضية التي فشل دعاة حقوق الإنسان في التعامل معها بشكل جيد. فالمرء لا يمكنه أن يهتم ببساطة بالحقوق بدون أن يكون له اهتمام مطابق بقيود هذه الحقوق، ولا أن يهتم فقط بالقيود إذا كانت تنتهك مباشرة حقوق الآخرين كما هو الحال في فكر حقوق الإنسان.

إن الفرق بين المنهج الإسلامي ونموذج حقوق الإنسان هو أن الإسلام صريح وواضح في تحريماته، بينما نموذج حقوق الإنسان، وبسبب اهتمامه بالحقوق، يمكنه ذلك ثم يجد المرء هذه العبارات العريضة عن "الحريات المطلقة" بينما في الحقيقة لا يمكن أن تكون أيًا من هذه الحريات مطلقة. إن الإسلام وضع الأهداف الواضحة للبشرية وفي مقابل هذه الأهداف قيد كثيرًا مما يسمى الحقوق والحريات، مثل الحريات الجنسية وحرية الكلام والتعبير وغيرها.

شمولية التشريع الإسلامي عند مقارنته بنموذج حقوق الإنسان

ومع ذلك يختلف التشريع الإسلامي اختلافًا واضحًا عن وثائق حقوق الإنسان الدولية اليوم. فنجد المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقرر:

المادة 16

1.                      للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين. وهما متسأويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.

2.                      لا يعقد الزواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملا لا إكراه فيه.

3.                      الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

والمادة 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) هي نفس هذه المادة.

وتقول المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR):

تقر الدول الأطراف في هذا العهد بما يلي:

1.                      وجوب منح الأسرة، التي تشكل الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة، وخصوصًا لتكوين هذه الأسرة وطوال نهوضها بمسؤولية تعهد وتربية الأولاد الذين تعيلهم. ويجب أن ينعقد الزواج برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء لا إكراه فيه.

2.                      وجوب توفير حماية خاصة للأمهات خلال فترة معقولة قبل الوضع وبعده. وينبغي منح الأمهات العاملات، أثناء الفترة المذكورة، إجازة ماجورة أو إجازة مصحوبة باستحقاقات ضمان اجتماعي كافية.

3.                      وجوب اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين، دون أي تمييز بسبب النسب أو غيره من الظروف. ومن الواجب حماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي. كما يجب جعل القانون يعاقب على استخدامهم في أي عمل من شأنه إفساد أخلاقهم أو الأضرار بصحتهم أو تهديد حياتهم بالخطر أو إلحاق الأذى بنموهم الطبيعي. وعلى الدول أيضًا أن تفرض حدودًا دنيا للسن يحظر القانون استخدام الصغار الذين لم يبلغوها في عمل ماجور ويعاقب عليه.

مثل هذه القوانين الدولية مقصود منها أن تكون مبهمة مما تتكون الأسرة؟ هل يمكن أن تبدأ برجلين، أو امرأتين أو ربما أكثر؟ومواثيق حقوق الإنسان تصمت صمتًا تاما تجاه هذه القضايا. فهم يطلقون بعض العبارات المبهمة والعامة ببساطة عن المسأواة ثم يسمحون للمحاكم لتقرر بقية القضايا، وبالتالي يمكن أن يجد المرء في بعض الأماكن امرأتين وطفل (مولود لإحداهما من رجل ثالث) لتتكون بذلك أسرة. وفي بعض الحالات تكون الحيوانات المنوية ماخوذة من شخص معروف ومتضمن في الأسرة. وفي بعض الحالات ربما يندم بعض الأطراف على ما فعله ويطلب المزيد من الحقوق أكثر مما يريد الآخرون تقديمه. وعندما يحدث ذلك –وهو كثير– يكون الملاذ الوحيد هو المحاكم. من المتضرر جراء هذه العملية برمتها؟ إنها الأسرة نفسها وخاصة الأطفال.

إن الشريعة الإسلامية تتولى اهتماما كبيرًا لدور الأسرة، ولذلك تقدم قدرًا كبيرًا من التوجيه للأسرة. إنها تتحدث عن "آداب الزواج"، وما هي الصفات التي تُطلب في الزوج أو الزوجة، ومكونات الأسرة، وحقوق كل فرد من أفراد الأسرة وواجباتهم، وما يُنتظر منهم إلى غير ذلك. بالطبع مثل هذه الموضوعات لا تتوقع من كتب القانون العلمانية أو الوثائق الدولية المرتبطة بالموضوعات العامة مثل حقوق الإنسان. والمقصود هنا ببساطة هو إظهار أن الإسلام يدعم كثيرًا من المفاهيم الموجودة في مواثيق حقوق الإنسان. ولكن الإسلام بطبيعته المختلفة يذهب أبعد بكثير من هذه الوثائقي تقديم هيكل متكامل ونظام دعم يسمح بالفعل لهذه الحقوق أن تتطور وتزدهر. إن التشريع الإسلامي يتميز بأنه نظام شمولي يأخذ في اعتباره كافة جوانب الحياة بالتفصيل المناسب من أجل أن يقدم التوجيه المناسب وليوفر المرونة الكافية لتكون ملائمة لكل زمان ومكان.إن دعاة حقوق الإنسان الذين يحأولون محو أثر الشريعة الإسلامية إنما يدفعون المسلمين ليواجهوا فراغًا كبيرًا، ولا يمكنهم أن يقدموا للمسلمين أي نظام تكميلي ومتناسق يلبي غايات المجتمع من دون الإسراف في تقرير الحقوق أو الإسراف في تحريم الأمور التي لا تحتاج إلى تحريم.

 الإسلام والكرامة الإنسانية

كما ناقشنا في الفصل السابق، من بين الحجج التي تُطرح كثيرًا لتبرير مفهوم حقوق الإنسان نجد هدف تحقيق الكرامة الإنسانية للجميع. لكن هذا الموقف باعتباره مبررًا لنموذج حقوق الإنسان كما أسلفناها يعتبر تبريرًا ضعيفًا، والأكثر من هذا أن تحقيق الكرامة من خلال تقديم مجموعة من الحقوق الثابتة ببساطة هو أمر محل نظر. وبدون أساس ميتافيزيقي فإن تجريد البشر من كل شيء سوى الوجود المادي، يجعل المرء يتساءل كيف يمكن أن تتحقق الكرامة البشرية.

لكن الدين الإسلامي على الجانب الآخر كله يتنأول الكرامة الإنسانية. إنه يسعى إلى تفعيل كل طاقات البشر وهدايتهم إلى الطريق التي يستطيعون أن يكونوا فيها "على أفضل ما يمكنهم". ومن المنظور الإسلامي فإن أفضل البشر وأكرمهم هو من يكون عبدًا لله مطيعًا له. ومن الواضح أن كثيرًا من دعاة حقوق الإنسان سوف يقفون أمام هذه الفكرة بالذات، حيث إن الفكرة الأساسية هنا تنتقل من تعظيم الإنسان إلى تعظيم الإله الحق الواحد. لكن لابد من القبول بأنه إذا كانت هذه الفكرة هي المقصودة من البشر، فإن تحقيق هذا الأمر يكون هو المعنى الحقيقي للكرامة البشرية. وربما لا يتفق دعاة حقوق الإنسان مع هذا المبدأ، لكنهم في ذات الوقت لا يمكنهم أن يثبتوا خطأه أو عدم عقلانيته.

يخاطب الله تعإلى البشر في القرآن ليبين لهم كيف أنه كرمهم فيقول ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ (الإسراء: ٧٠).[287] وهذا يعني أن كل البشر في الأصل مكرمين من عند الله تعإلى. فلقد أكرم الله البشر بكثير مما لم يعطه لغيرهم من المخلوقات. بل وفوق هذا تقرر العقيدة الإسلامية أنه عندما خلق الله الإنسان الأول أمر الملائكة وهم من أكرم المخلوقات أن تسجد له.[288]وهذا من أفضل مظاهر إبراز المكانة المهمة لهذا المخلوق الجديد. وأخيرًا، فإن الروح التي نُفخت في الإنسان الأول وصفها الله تعإلى بأنها روح منه فقال ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (الحجر: ٢٩). إن البشر على وجه الخصوص أكرمهم الله بالعقل والإرادة التي تجعلهم فوق كل المخلوقات في هذا العالم.

وعليه فإن البشر من المنظور الإسلامي هم مخلوقات مكرمة ولديهم غاية كريمة بالفعل: وهي أن يكونوا عبادًا طائعين لله. ويبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وهوخير الخلق أجمعين-وفق العقيدة الإسلامية- أن أكرم البشر هو من يكون عبدًا لله. ولذلك يقول - صلى الله عليه وسلم - "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله".[289] بل إن العقيدة الإسلامية تقرر أن كون الإنسان عبدًا حقيقيًا لله هو الترجمة العظمى لمعنى الإنسانية. وفي الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك هدف آخر صحيح لأنالمسلم المؤمن يدرك أنه ليس ثمة هدف آخر يمكن أن يتسق مع طبيعة البشر وروحهم سوى هذا الهدف.

لكنه ليس كل أحد يختار أن يسلك طريق الكرامة البشرية. تقرر العقيدة الإسلامية أن البشر خُلقوا ولهم إرادة حرة مقيدة؛ هم أحرار في السمو بأنفسهم أو النزول بذواتهم إلى أسفل السافلين. يقول الله تعإلى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْهَا وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: ١٠٨). ويقارن الله تعإلى بين هذين الموقفين ربما بصورة أوضح في قوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(6)(التين:4-٦).

وخلاصة القول أن قيمة الإنسان وكرامته– وفق العقيدة الإسلامية– تأتيان من إدراك الإنسان لهدفه في الحياة والذي يتلخص في أن يكون الإنسان عابدًا لله تعإلى خالق هذا الكون. وهذا يعني الاستسلام بإخلاص وطواعية للوحي الذي جاء من عند الله تعإلى من غير تكبر أو رفض لأوامر الله. ومن المهم لنشطاء حقوق الإنسان أن يدركوا أنهم يطلبون من المسلمين ما يتعارض مع صميم تصور المسلم للكرامة البشرية. فالمسلمون مطلوب منهم أن يخالفوا أو يغيروا أوامر صريحة في القرآن أو السنة، على الرغم من أن القليلين هم من سيعترفون أن هذا الأمر مطلوب من المسلمين. وبالنسبة للمسلمين هذا ينقض صميم وأساس معنى أن تكون إنسانًا حقيقيًا.

 معنى "حقوق الإنسان الإسلامية"

الآن وبعد عرض بعض المفاهيم الإسلامية العامة، يمكن أن ننتقل إلى قضية هل الإسلام يقبل حقوق الإنسان؟ كما أسلفنا في الفصل السابق، فإن المفهوم الأساسي لحقوق الإنسان نفسه مختلف فيه.

بالطبع يعرف الإسلام مفهوم أن يكون للغير على المرء حق، سواء على المستوى الفردي أو على المستويات الأعم. فعلى سبيل المثال يصف الله تعإلى في القرآن المؤمنين، ومن بين هذه الصفات الاعتراف بحق الفقراء والمحتاجين في أموالهم.[290]

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد صحابته وكان قد اعتاد أن يقضي نهاره صائما وليله قائما بألا يفعل قائلًا "إن لبدنك عليك حق، ولعينك عليك حق، ولزوجك عليك حق، ولضيفك عليك حق."[291]

وفي حديث له - صلى الله عليه وسلم - يشدد على احترام حقوق الطريق، وعندما سُئل ما هي؟ أجاب "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".[292] وهذا يؤكد مرة أخرى على مفهوم أن الناس لهم حقوق بعضهم على بعض. وهذه الحقوق حقوق بالسلب والإيجاب:فلا ينبغي لأحد أن يجلب ضررًا لأحد، وعليه أن يعمل لصالح الآخرين (وهذا جزء من مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أنه بعد وفاته سيكون هناك حكام يفضلون بعضهم على بعض، ويأتون من الأمور ما ينكرون، فسأل الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف يفعلون إزاء هذا فقال - صلى الله عليه وسلم -: "تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم".[293] فهنا يتحدث النبي صراحة عن حقوق الحاكم والمحكومين. فهذا يعني أنه في الشريعة الإسلامية (بأمر من الله تعإلى وليس من خلال سنوات الاضطهاد والثورات) هناك حقوق واضحة وصريحة لكل من الحكام والمحكومين.[294] لكنه وكما تقرر من تاريخ البشرية أن هذه الحقوق قد تُنتهك أحيانًا وخاصة من قبل الحكام. وهذا لا يعني أن الناس لابد أن تثور مباشرة حيث إن هذا قد لا يؤدي إلى خير، ولا ينبغي للحاكم أن يسجن أو يقتل رعاياه بمجرد أنهم لم يؤدوا الذي عليهم.بل هناك سبل أخرى للتغيير. لكن المقصد الأساسي هنا هو الاعتراف بمفهوم حقوق كلا الطرفين.

والأكثر من هذا أنه من خلال فهم الشريعة الإسلامية ككل عرف علماء الإسلام وناقشوا بالتفصيل "حقوق الله" و"حقوق البشر". حقوق البشر هي حقوق فردية تخص أموالهم وكرامتهم وغير ذلك، وحيث إن المقصود منها حفظ المصالح الفردية للشخص، فإنه لابد فيها من الحكمة في العفو عنها وفي أدائها وغير ذلك. أما حقوق الله فهي ترتبط بكل من أفعال العبادة وبالأحكام المطلوبة لصالح المجتمع و"المصلحة العامة" ككل. هذه الأحكام لا يمكن التغاضي عنها أو تحريمها بناءً على رغبات الناس. لكنها حقوق لله لذلك لابد من تحقيقها.[295] (هناك في الحقيقة مجموعة ثالثة وهي تلك التي تحمل جانبًا من حقوق الله وجانبًا من حقوق البشر).

في تاريخ حقوق الإنسان في الغرب، كان الحديث عن الحقوق في الأساس ناتجًا عن الدفاع عن الأفراد من ظلم الدولة. هذه الحقيقة التاريخية هي في الواقع نظرة ضيقة الرؤية للحقوق. ولقد استخدم القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم - والفقهاء المسلمون كلمة "حق" في إطار أعم من ذلك. فلم تكن هناك حاجة للصراع بين الطبقات حتى يعترف الإسلام بحقوق معينة. لكن هذا كان في الواقع أمرًا جاء من خلال الوحي الذي قرر – من المنظور الإسلامي- هذه الحقوق للبشر قرارًا أبديًا.

وفي الوقت ذاته إذا كان تصور الفرد لحقوق الإنسان هو "حقيقة" أن البشر بصورة ما "مقدسين" في أنفسهم ولأجل أنفسهم، ولذلك هم مستحقون لبعض الحقوق العامة المحددة لأنهم ببساطة وُلدوا "بشرًا"، إذن يمكن للمرء أن يجادل بأنه لا يوجد مثل هذه الحقوق في الإسلام. بل إنه في الواقع يمكن للمرء أن يجادل بأن مثل هذه الحقوق لا وجود لها إلا في عقول بعض المنظرين. غير أن الحقوق لابد أن يعترف بها ويقبلها شخص ما لأنها لا يمكن أن توجد في فراغ. (وكما سنذكر لاحقًا، أن البشر من المنظور الإسلامي يتمتعون بحقوق أعطاهم الله إياها).

وكذلك إذا كان المقصود بحقوق الإنسان فكرة أن البشر لهم الحق في فعل ما يشاؤون لأنهم ببساطة بشرًا، فلا يوجد مجتمع يقبل مفهوما بهذا الشكل أبدًا. ربما فقط غلاة حقوق الإنسان يقدمون طرحًا أو ادعاءً بهذه الصورة. وإلا فكل مجتمع يدرك أنه لابد من وجود قيود على تصرف الأفراد. وحتى الآن لم يوجد مجتمع قبِل حقيقة أن البشر على سبيل المثال لهم الحق في أن يتزوجوا أو يتناسلوا بأية طريقة يشاؤونها، على الرغم من أنه لا شك أن بعض دعاة حقوق الإنسان ينادون بأشياء من هذا القبيل.

ولكن إذا كان المقصود بحقوق الإنسان هو الاعتراف بأنه بسبب ما يتمتع به البشر من بعض السلطة فإن لهم حقوقًا لبعضهم على بعض لا يمكن إنكارها، فإن الإسلام بالضبط يدعم هذا الفهم ويعززه. إنها هذه الفكرة –أن الإسلام أعطى البشر حقوقًا عديدة– هي التي أشار إليها علماء الإسلام والتي سيواصلون الإشارة إليها وأنها لا يمكن إنكارها. وهذا الفكر لا يعني أن كل الناس يتمتعون بنفس الحقوق فقط لأنهم بشر. فهذا المفهوم غريب عن الإسلام. بل إنه غريب كذلك عن معظم المجتمعات المعاصرة. فمعظم المجتمعات تفرق على سبيل المثال بين المواطنين وغير المواطنين، فلا يعطون الجميع نفس الحقوق. وفي داخل المجتمع الواحد توجد قطاعات تحظى بحقوق أقل من غيرها (مثل الأفراد الذين لم يبلغوا سنًا معينًا) وهناك قطاعات تُحرم من حقوقها بسبب اختياراتهم الخاصة (مثل السجناء الذين يفقدون حقهم في التصويت).

فالخلاصة أن حقوق الإنسان داخل الإطار الإسلامي هي حقوق يمنحها الله للبشر، وحيث إنه في العقيدة الإسلامية السلطة كلها لله تعإلى، فالله تعإلى وحده هو من يملك حق منح الحقوق للبشر أو تقييد تلك الحقوق أو توسيعها أو حرمان الأفراد منها.

وبهذا المعني وليس المعنى المتطرف العلماني للحركة المعاصرة لحقوق الإنسان، فإن الإسلام قدم بالفعل شيئًا يمكن أن يسمى "حقوق الإنسان"، غير أنه يمكن القول أن كل المجتمعات قدمت شيئاً من هذا القبيل. لكن القضية ببساطة هي أنه إلى أي مدى يريد أن يصل المرء في ادعاء أحقية البشر لهذه الحقوق؟

 تبرير حقوق الإنسان في الإطار الإسلامي

المقصود هنا بـ"تبرير حقوق الإنسان" هو تبرير حقوق الإنسان التي كفلها الإسلام كما وُصفت آنفًا، وليس المقصود عرض مبرر إسلامي لحقوق الإنسان الموجودة في منظومة حقوق الإنسان المعاصرة.

إن قضية تبرير هذه الحقوق واضحة وغير معقدة. فإن مصدر هذه الحقوق هو ما أوحاه الله تعإلى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم -. ومن المسلم أن غير المسلمين قد لا يرون هذا المبرر مقنعًا، غير أن هذا المفهوم كان هو لب الحوار السابق: لم يكن هناك أحد قادرا على ادعاء أو عرض أي تبرير لحقوق الإنسان يلقى قبولًا لدى الجميع، وبالتالي فإذا كان الإسلام متهما بأنه يدعم حقوقًا على أساس لا يقبله كل الناس، فلابد أن تكون حركة حقوق الإنسان متهمة بنفس الضعف. بل إن نموذج حقوق الإنسان في موقف أشد ضعفًا. وعلى الأقل بين المسلمين هناك أساس واضح ومحدد في الإسلام لحقوق الإنسان. أما في النموذج العلماني لحقوق الإنسان لا يوجد حتى الآن أساس واضح ومحدد لهذه الحقوق. فحركة حقوق الإنسان ببساطة حتى الآن لم تصل إلى مصطلحات بشأن هذه الحقيقة، ولا تزال تحأول أن تفرض إرادتها على الآخرين، حتى ولو كان الآخرون لا يؤمنون ببساطة بأسسها التي هي ضعيفة في الأساس.

كل ما يقال هنا هو أنه توجد في الإسلام حقوق للإنسان، وأن هذه الحقوق يعطيها ويقرها الله تعإلى. وهذا لابد أن يكون كافيًا للمسلمين لقبول هذه الحقوق واحترامها وتطبيقها في حياتهم. وهذه الحقوق ستكون متاحة لأي فرد، وكل فرد يوصف في الشريعة بأنه أهل لهذه الحقوق. وكما هو الحال في كل الأنظمة – وسواء قبل المراقبون المثاليون لحقوق الإنسان بهذا أم رفضوه– فإن بعض الحقوق تكون مقصورة على مجموعات معينة (مثل المواطنين) وفي ظل ظروف معينة. وهذه حقيقة أخرى عند تطبيق هذه الحقوق.

إن التبرير الخاص بحقوق الإنسان في الإسلام – وهو حقيقة أنها مقررة من قبل الله تعإلى– له استتباعات أخرى مرتبطة بالصفات الخاصة بحقوق الإنسان في النموذج الإسلامي.

 الصفات التي تميز بها النموذج الإسلامي بخصوص حقوق الإنسان

والآن بما أنه تقرر أنه يوجد في الإسلام ما يمكن أن نطلق عليه "حقوق الإنسان"، فمن المهم أن ندرك كيف تختلف حقوق الإنسان في الإسلام عنها في النموذج المعاصر لحقوق الإنسان.

وبسبب وجود أسس وقواعد خاصة لحقوق الإنسان في الإسلام، فإن هذه الحقوق لها صفات خاصة تميزها عن حقوق الإنسان في النموذج المعاصر، وهذه الصفات تشمل ما يلي:

1.       حقوق الإنسان في الإسلام يقررها الله تعإلى، فهي ليست حقوقًايمنحها إنسان أو منظمة بشرية أو حتى المجتمع البشري بأسره لأحد. وعندما يعطي البشر شيئًا لأحد يكون لهم الحق في استرجاعه، أو استخدامه ذريعة لشيء ما إلى غير ذلك. لكن حقوق الإنسان هنا يهبها الله تعإلى، وليس للبشر دور فيها.

2.       حقوق الإنسان كما يحددها الإسلام هي حقوق ذاتية وأبدية، ولذلك لا يمكن إلغاؤها أو تعديلها أو نسخها أو تعطيلها، فهي حقوق واجبة لأنها من أمر الله الخالق تعإلى. ولذلك فليس من حق أي بشر كائنًا من كان أن يعطل هذه الحقوق أو يتعدى عليها، ولذا فهي لا تفقد حرمتها، لا من خلال إيقاف متعمد من قبل أحد، ولا من خلال إرادة المجتمع المتمثلة في مؤسساته بغض النظر عن طبيعة هذه المؤسسات أو السلطات التي تحوزها.

3.       بما أن هذه الحقوق هي من عند الله، فعلى المسلم أن يؤمن إيمانًا مطلقًا بأن عليه تحقيق هذه الحقوق، وبعبارة أخرى، لابد أن يكون هناك تفان مخلص وكامل لهذه الحقوق من جانب المسلم. ومن الناحية النظرية لا يمكن أن يتم تمييع هذه الحقوق باسم "المصلحة الشخصية" لأن المسلم لابد له أن يؤمن أن قمة مصلحته تتمثل في خضوعه لله تعإلى. وهذه ليست شعارات سياسية تُطلق لتحظى بالتصفيق والقبول من دول العالم الأخرى: إنها أوامر الله؛ فكل مسلم يأخذها على محمل الجدية الصارمة. فلا يمكن التلاعب بها أو تغييرها أو قبولها لفترة مؤقتة، مهما كانت المنفعة الحاصلة لمن معهم القوة. والأكثر من هذا، أن الإسلام هو الوحيد الذي يزود هذه الحقوق بالدعامة والسند الأخلاقي الذي يدفع الناس للتضحية الحقيقية في سبيل هذه الحقوق. فالمسلم سوف يخاطر بحياته في سبيل هذه الحقوق حتى ولو كان من أجل شخص غير مسلم يعيش في دولة مسلمة، ذلك أنه يفعل هذا في سبيل الله وينتظر منه سبحانه وحده الجزاء.

4.       "حقوق الإنسان" في الإسلام تشمل الحقوق كما تشمل المحرمات. وبعبارة أخرى هناك أكثر من مجرد "الحق لتفعل شيئًا ما"، بل هناك تأكيد على وجوب فعل هذا الشيء. فهو ليس مجرد نظام حيادي ببساطة، بل هو نظام إيجابي، الناس فيه مامورون بفعل الصواب والخير للآخرين، والمساعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه الحقوق والواجبات المجتمعية تعتمد على بعضها البعض لتكوين أساس لمجتمع متآخ حقيقي. ولذلك عندما يتحدث الله تعإلى عن العلاقة بين المؤمنين على وجه الخصوص يؤكد سبحانه على هذه الخاصية المتبادلة قبل ذكر أية خصيصة أخرى من العبادات الفردية، فيقول تعإلى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١)

5.       حقوق الإنسان في الإسلام ليست حقوقًا مطلقة، وهذه الحقيقة يمكن التعرف عليها وقبولها بسهولة على عكس بعض دعأوى ماير وغيرها بشأن الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان، بينما في الواقع حتى في هذا الإطار كما ذكرنا سابقًا، فإن دعوى الإطلاق دعوى خاطئة. وبالتالي فإن الأفراد والمجتمع كله يكون في حماية بسبب تقييد هذه الحقوق التي منحها الإسلام لهم. ولذلك فهناك بلا شك ولمصلحة قوية قيود على حرية التعبير في الإسلام، وحرية الملكية الخاصة وغير ذلك. هذا المظهر للحقوق في الإسلام هو ميزة خاصة بحقوق الإنسان في الإسلام، ولابد من التعرف عليها من البداية.[296]

6.       حقوق الإنسان في الإسلام ثابتة وليست متغيرة.[297]

إن النظرة الإسلامية للوحي الذي جاء إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هي أنه متصف بالشمولية والمرونة،[298] وأنه جاء للبشر جميعًا إلى يوم الدين. وبالتالي فهو شامل لكافة الحقوق التي سوف يحتاجها البشر أبدًا. ومن بين أكثر الحجج التي تثار ضد حقوق الإنسان المعاصرة أن البشر يتطلبون دوما حقوقًا جديدة لا تتصورها الدول التي توقع الوثائق الأصلية. وقد كان هذا مثار كل الجدل في مؤتمرات القاهرة وبكين. إن طبيعة البشر من المنظور الإسلامي لم تتغير على مر الزمن، وبالتالي فما يحتاجه البشر من حقوق هو في الأساس ثابت ومحدد، وبالتالي فقد جاء الدين الإسلامي بما يحتاجه البشر، وليست هناك حاجة إلى مزيد من الجدل أو الادعاءات لأنماط أخرى من حقوق الإنسان. وحيث إن الوحي مصدره الله تعإلى، فليست هناك حاجة إلى الجدل أو اختبار أي هذه الحقوق هي حقوق إنسان صالحة وأي منها مضرة أو ليس لها معنى. وهذا بالضبط هو المسار الدائر في حركة حقوق الإنسان المعاصرة، حيث إنهم لا يزالون يتناقشون بشأن مزايا أو عيوب حقوق اقترحت حديثا.

7.       حقوق الإنسان في الإسلام شمولية في طبيعتها. فهي تشمل كافة أنواع الحقوق، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، وهي تغطي الحقوق المرتبطة بالزوج والزوجة والأطفال، وكذلك حقوق الجيران وعابري السبيل وكبار السن وغير ذلك. بل إنها تتخطى حدود حقوق الأحياء لتشمل حقوق الأموات. والأكثر من هذا أنها تغطي العلاقات الشخصية والأخلاقيات كذلك مثل الحقوق المرتبطة بكرامة الإنسان والتي تشمل جوانب إيجابية بالإضافة إلى تحريم أفعال معينة مثل الحسد والغيبة وغيرها. (تنتقد ماير على وجه الخصوص مثل هذه الحقوق، واصفة إياها بأنها عبثية وتافهة وعديمة المعنى، وتقرر أنها لا يمكن أن تكون جزءًا من القانون الدولي،[299] حيث إن كل مجتمع يمكنه أن يميز أهمية المعايير من هذه النوعية).

8.       حقوق الإنسان في الإسلام عملية وليست ببساطة نظرية. فقد كانت هي العمود الفقري الذي استندت سلوكيات مجتمعات إسلامية عديدة على مر التاريخ، بالطبع بدءًا من مجتمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن بعدهم. ولا يمكن لأحد أن يدعي أن مجتمعًا بلغ درجة الكمال أو أنه كان مجتمعًا ملائكيًا، لكن وفي الجانب الأكبر كانت هذه الحقوق موجودة ومحفوظة من أعلاها إلى أدناها.

9.       كما أن نظرة الإسلام إلى حقوق الإنسان نظرة ديناميكية، بمعنى أنها تشتمل على الأخلاقيات والتربية والإصلاح. ونكرر أنه بما أن الإسلام يعتبر "منهجًا متكاملًا" للحياة و"نظاما مغلقًا" يحقق للبشر ليس فقط الحقوق التي يستحقونها، ولكن يحقق أيضًا الدوافع لفرض وحماية هذه الحقوق للآخرين وللنفس كذلك. إن الإسلام يغرس في نفوس الأفراد الإيمان بالله والتصديق بالإسلام، ثم يدرب الفرد على أن يكون مسلما حقيقيًا من خلال تقديمه للآخرين كافة الحقوق المستحقة لهم. فعلى سبيل المثال، بالنسبة للخمر، فالإسلام لا يقرر ببساطة مجرد تحريم الخمر، ثم يتوقع من الناس أن يستجيبوا. وقد أثبتت التجربة الأمريكية في هذا التحريم أن هذامنهج عديم الجدوى. لكن عندما يكون لدى المرء إيمان راسخ وثقة في رسالته، تتولد لدى الفرد قوة داخلية وإرادة لتحقيق مقتضى هذه الرسالة، حتى ولو تطلب الأمر منه جهدًا وتضحية من جانبه. وبدون هذا النمو الروحي، فالبشر لديهم قوى أخرى فاعلة تقودهم إلى عدم احترام حقوق الآخرين وعدم الوفاء بواجباتهم تجاه الآخرين. ولذلك فالله تعإلى يقول ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ (المعارج: 19-٢٢). وهذه مساحة لا تتطرق إليها منظومة حقوق الإنسان المعاصرة تطرقًا مباشرًا، بالرغم من أن كثيرًا من الكتاب عن حقوق الإنسان يؤكدون على أن الخطوة الأولى للتطبيق الحقيقي لحقوق الإنسان هي التربية الصحيحة واحترام حقوق الآخرين. لكن نكرر أن نموذج حقوق الإنسان بسبب أنه لا يستند إلى أساس حقيقي، فإن هذه العملية التربوية والتنموية ستكون غائبة، حيث إن المحتوى لا يمكن أن يكون أكثر من مجرد كيان فارغ. فالحل الممكن لنموذج حقوق الإنسان أن يعتمد على دين أو مصادر أخرى لسد هذا الفراغ. لكن من منظور نموذج حقوق الإنسان هذا الأمر ربما يخلق المزيد من المشكلات بدلًا من حلها.

10.   حقوق الإنسان في الإسلام تهتم بالحقوق المجتمعية وبحقوق الأفراد. هناك جدل كبير حول قضية المجتمع في مقابل الفرد في الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان. معظم مؤيدي حقوق الإنسان في الغرب مصممون على أن تكون حقوق الأفراد في القمة. أما الكتاب ذوو التوجهات الاجتماعية وبعض الكتاب المسلمين يعلنون تقديم حقوق المجتمع على حقوق الأفراد.[300]والحقيقة كما يعرضها القيسي هي أنه في الإسلام هناك توازن بين حقوق المجتمع وحقوق الفرد.[301] فالإسلام يقترح وجود أرضية وسط، بالرغم من أن مؤيدي الطرفين – مثل الاجتماعيين في مقابل كتاب مثل ماير– لا يستطيعون تصور هذه الأرضية الوسط. هناك أوقات لابد أن تُقدم فيها حقوق الفرد، وهناك أوقات لابد أن تُقدم فيها حقوق المجتمع. وبما أن القيود المحددة لمثل هذه الحالات صعبة، فالله تعإلى وحده هو القادر على وضع هذه القيود.

من بين المظاهر المهمة في الإسلام – وربما يجب أن يقال "من بين المظاهر المهمة فيمن يكتب عن الإسلام" – أنه أمين في تعامله مع القضايا، فبدلًا من وضع العبارات العريضة عن حرية التعبير وحرية الاعتقاد ثم بعد ذلك يضع قيودًا عديدة على هذه الحريات، وهو ما يفعله كل مجتمع وكل دولة، بغض النظر عن مدى شغفهم بمنظومة حقوق الإنسان، وربما يطمح المرء أن يكون دعاة حقوق الإنسان على هذا المنهج، فالإسلام يقرر بوضوح أن الحقوق التي يستحقها البشر فقط هي تلك التي منحها الله لهم، فلا ثم تعارض ولا خداع في هذه الحالة.

"حقوق إنسانية" معينة في الإسلام

في هذا الجزء سوف نعرض لبعض الحقوق المهمة التي يمنحها الإسلام، والتي تسمى اليوم "حقوق الإنسان". من الواضح كما سنرى من خلال الوثائق الموجودة في الملحقات أن الإسلام يمنح عددًا من الحقوق المهمة التي تغطي كامل نطاق النشاط البشري. لكننا سوف نقدم هنا فقط مجموعة منها. ولم يأت اختيار هذه المجموعة خبط عشواء، وإنما كان هناك سبب خاص لإدراج كل حق من الحقوق في الموضوعات المذكورة أدناه. وعليه فأول مجموعة من الأمثلة تلقي الضوء على بعض المظاهر التي يرى الكثيرون أنها "اختراعات حديثة" وأنها جزء من الموجة الأوروبية الكاملة التي جاءت بحقوق الإنسان. والحقيقة أن الإسلام قد قررها قبل عدة قرون من اكتشاف الفكر الأوربي الحديث لها. ويظهر المثال الرابع مدى اختلاف ترتيب الأولويات عند التعامل مع الحقوق، وهو يظهر على وجه الخصوص واحدًا من أبرز نقاط الضعف في الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان والأنظمة الأخرى المرتبطة بحركة حقوق الإنسان. وفي النهاية ستكون هناك مناقشة للمسأواة في مقابل العدالة، حيث سيتم تقرير أن الإسلام منح كثيرًا من الحقوق، لكن هذه الحقوق ليست مبنية ببساطة على المسأواة ولكن على العدالة، لتؤسس للإطار الإسلامي الاجتماعي العام.

بعض حقوق الإنسان:

الناس جميعا سواء أمام القانون: تقول المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "الناس جميعًا سواء أمام القانون، وهم يتسأوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتسأوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز".[302] من بين النصوص الإسلامية الكثيرة التي تتعلق بهذه القضية هو قوله - صلى الله عليه وسلم - "أيها الناس: إن ربكم واحد، وأباكم واحد؛ لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى."[303] وفيما يتعلق بالقانون على وجه الخصوص يأتي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أراد بعض الصحابة من أشد المقربين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستشفع في حد من الحدود، فرفض النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلًا "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها."[304] هذه المسأواة أمام القانون كانت تطبق على غير المسلمين وعلى النساء والعبيد.[305] فهذا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الخليفة الثاني والصحابي المقرب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والذي كان قدوة للمسلمين وعرف عنه العدل والمسأواة بين الجميع. فقد أمر ذات مرة رجلًا غير مسلم من أهل مصر أن يضرب ابن أمير مصر عندما ضرب ابن الأمير هذا الرجل.[306] وعندما كان علي[307] خليفة للمسلمين وجد درعه التي كانت قد سُرقت عند نصراني، فأخذ هذا النصراني إلى القاضي شريح. فسأل القاضي شريح عليًا عما يثبت امتلاكه للدرع، ولما لم يستطع علي أن يثبت أن الدرع درعه، حكم القاضي لصالح النصراني الذي أقر بعدها بكذبه.[308] وأما بخصوص النساء ورفعهن شكأوى إلى القضاء، فهناك حادثة المرأة التي ذهبت مباشرة إلى أعلى سلطة قضائية، إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -لتشكي زوجها، وقد سجل القرآن هذه القصة في قوله تعإلى﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ (المجادلة: ١).

المتهم بريء حتى تثبت إدانته: تقول المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونًا..." هذه قاعدة ثابتة في التشريع الإسلامي. بل إن الإسلام يعترف أن بعض الناس ربما سيتهمون غيرهم بالباطل، لذلك جعل الإسلام مهمة إثبات الدعوى على المدعي، والمتهم بريء ما لم يثبت غير ذلك. ويقرر النبي - صلى الله عليه وسلم - "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر."[309] ويذكر ابن القيم (المتوفى في القرن الرابع عشر الميلادي) أن المتهمين ينقسمون إلى ثلاثة أنواع: فإن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، فهذا يطلق سراحه على ضمانه حتى يُحكم في القضية. والثاني أن يكون معروفًا بالفجور أو ظهر ارتكابه للجريمة، فهذا يحبس حتى انتهاء القضية. والثالث أن يكون المتهم مجهول الحال لا يعرف ببر ولا فجور فهذا يحبس حتى ينكشف حاله.[310] فهذا يحمي البريء لأن أحكام الشهادة صارمة إلى حد ما في الإسلام.[311] والأكثر من هذا، أن هناك مبدأ ثابت أيضًا وهو أنه إذا لم تثبت الجريمة ثبوتًا قطعيًا فلا يمكن تطبيق العقوبة المقررة له. ولذا قال عمر بن الخطاب "لأن أُعَطِّل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أُقيمها بالشبهات."[312]

حقوق الفقراء والمحتاجين: من الغريب جدًا أن حقوق الإنسان في الوقت المعاصر ارتبطت بالرأسمالية (الليبرالية) والديموقراطية. وكل منهج من هذه المناهج له نقاط ضعفه الكبيرة. ففي الأولى يقول الكثيرون أن الغني يزداد غنىً والفقير يزداد فقرًا.[313] وفي الثانية أصبح الحال أنه بدلًا من أن كل فرد يعني صوتًا، أصبح كل دولار يعني صوتًا. فهذه القضايا الهيكلية يمكن أن يقال أنها تضر بحقوق الإنسان أكثر من ضررها لأي قانون مرتبط بالحرية، وهي نادرًا ما يناقشها نشطاء حقوق الإنسان. لكن على حد قول فريمان فإن "خطاب حقوق الإنسان لم يأخذ على سبيل المثال الرأسمالية بشكل جاد."[314] ثم يعلق على هذا فيما بعد فيقول:

منذ نهاية الحرب الباردة، قدم صناع السياسة في الغرب حقوق الإنسان والديموقراطية واقتصاد السوق بوصفها مجموعة واحدة. مع أن العلاقة بين الأسواق علاقة معقدة، وإشكالية غير مفهومة...وفي كثير من الحالات، هذا [التردي في حقوق الإنسان] وصل إلى هذا الحد بسبب أن الحكومات المنتخبة شجعت سياسات الاقتصاد القائم على السوق، والتي لم تفاقم فقط حماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لمعظم طوائف المجتمع المعرضة لأن تسلب منها هذه الحقوق (خاصة النساء)، ولكنها أيضًا شجعت زيادة معدلات الجريمة، الأمر الذي أدى إلى زيادة القيود على الحقوق السياسية والمدنية... والأسوأ أن النمط الحديث لسياسات الاقتصاد الليبرالي الحديث قلل حماية هذه الحقوق لملايين من البشر حول العالم الذين كانوا يتمتعون بها.[315]

وعليه يمكن القول بأنه عندما يأتي الأمر إلى الحديث عن حقوق الفقراء، فإن الإسلام يأخذ هذه الحقوق بجدية أكثر مما تفعل حركة حقوق الإنسان المعاصرة، على الأقل في شكلها الحالي. بل إن التركيز الذي أصبح منصبًا على الحقوق السياسية والحريات (ومؤخرًا الحقوق الجنسية) التي ترفع معدلات الفقر لا يعتبر مظهرًا من مظاهر حقوق الإنسان. ويعبر جريفين عن رأي شائع فيقول "وهذا يتضمن أن حقوق الحياة الكريمة في الغالب هي حقوق أخلاقية يحصل عليها المرء لكونه مواطنًا، فهي حقوق مدنية وليست "حقوق الإنسان".[316] وربما لا يكون هذا مدهشًا إذا أدركنا أن الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان انبثقت عن حركة التنوير الأوروبية. وفي الحقيقة فإن كثيرًا من الآراء الغربية عن الفقر لا تمثل اتجاهًا متعاطفًا مع من يواجهون ظروف حياة صعبة.[317]

لكن الموقف في الإسلام مختلف تماما بسبب أن الإسلام ليس مجرد مجموعة من القوانين، لكنه نظام اجتماعي متكامل يسعى إلى تحقيق الخير للناس. ومن بين الأحكام التأسيسية في الإسلام على سبيل المثال والتي لا تلقى الاعتبار المطلوب لها في منع الاستغلال الاقتصادي هو تحريم الفائدة. وعلى الرغم من أنه بينما يكتب الكاتب هذه الكلمات وأن النظم البنكية القائمة على الفائدة والموجهة للربح قد سببت أضرارًا للكثيرين في الولايات المتحدة وخارجها، فإن خبراء الاقتصاد الرأسماليين ربما يعتبرون أن مجرد الحديث عن منع الفائدة جريمة نكراء. لكن أضرار الفائدة موثقة جدًا وخاصة على الفقراء.[318]بل إنه يمكن القول بأنها أدت إلى موت الكثير من المعدمين. إن خدمات الإقراض اليوم للدول الأقل نماءً هو أمر خطير جدًا بحيث أنها يمكن أن تضحي بالاحتياجات الغذائية والصحية الضرورية. بل إنه من المذهل أن نعلم أن عددًا لا يستهان به من الأطفال يموتون كل يوم في الدول الفقيرة بسبب أداة الرأسمالية الحديثة: الفائدة. وهناك بعض الدول الأفريقية مضطرة للإنفاق على خدمات القروض أكثر من الإنفاق على التعليم والصحة.[319]

وفي هذا السياق، تنبأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP(1998) أنه إذا أُسقطت الديون الخارجية لعشرين من الدول الفقيرة فإنه يمكن أن تنقذ حياة 20 مليون شخص قبل عام 2000. وبعبارة أخرى، فهذا يعني أن الديون غير الملغاة كانت مسؤولة عن وفاة 130.000 طفل كل أسبوع حتى عام 2000.[320]

وقد ذكر كين ليفبينجستون، عمدة لندن، أن الرأسمالية العالمية تقتل كل عام أناسًا أكثر ممن قتلوا على يد أدولف هتلر. وقد اتهم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالمسؤولية عن وفاة الملايين بسبب رفضهم تخفيف أعباء الديون. وقد أكدت سوزان جورج أنه منذ عام 1981 يموت كل عام ما بين 15 إلى 20 مليون بدون داع بسبب أعباء الديون، لأن دول العالم الثالث مضطرة إلى تقليل الإنفاق على المياه النقية والبرامج الصحية لتلبية متطلبات دفع الديون."[321]

يمكن أن تكون للفقر آثار جسيمة على الأفراد والأسر. والأسوأ على الإطلاق أنه لا شك أن اليوم هناك دائرة للفقر تولد بالفعل فقرًا آخرًا. بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالتعوذ من الفقر بسبب آثاره المرهقة.[322]

وفي الوقت نفسه لا يعتبر الفقر لعنة ولا أنه بالضرورة خطأ الفرد، بل إن التفكر الأمين في حياة المرء يقودنا إلى أن معظم قدرات الفرد في جلب الأموال هي خارجة عن نطاق تحكمه: مثل الأسرة التي ولد فيها، والمجتمع الذي نشأ فيه، وقدراته البدنية والعقلية، وغبر ذلك. بل إن الفقر يعتبر اختبارًا من الله كما هو الحال مع الغنى (بل إن الابتلاء بالمال أشد، لأن الغني تكون لديه الفرص والوسائل أكثر لإساءة استخدام هذا المال الذي هو من عند الله). ففي الإسلام قيمة المرء وقدره لا يتحددان بما يملكه من مال، بل بتقواه بغض النظر عن فقره أو غناه. ولذا يقول الله تعإلى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣). وبالتالي فالفقراء هم أعضاء كاملون في المجتمع لهم الحق في الاحترام والمعاملة الحسنة. بل يؤكد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الفقراء هم أكثر أهل الجنة، وأنهم يدخلون الجنة قبل غيرهم بأربعين عاما.[323]ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفقراء والضعفاء في المجتمع "أبغوني الضعفاء، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم."

والمؤمن المسلم يدرك أنه مسؤول عن مساعدة من هم أقل حظًا منه. ويصف الله المؤمنين بقوله ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٥). وهناك قصة في القرآن[324] تحكي كيف أن سعي الناس إلى منع مساعدة الفقراء من أموالهم يمكن أن تؤدي إلى هلاكهم. ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه‏".[325] بل ويقول "الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل والصائم النهار."[326]

ومن ثم يضع الإسلام هيكلًا تأسيسيًا لمساعدة الفقراء (مثل الزكاة والتي هي ركن من أركان الإسلام، والوقف، وغيرهما من وسائل مساعدة الفقراء من خلال الخزانة العامة، والضرائب على الأغنياء لسد حاجة الفقراء، وغير ذلك). والأكثر من هذا أن نصوص القرآن والسنة تحث كثيرًا على الصدقات التطوعية للفقراء والمساكين. والفقير عند رأي جمهور الفقهاء على مر التاريخ الإسلامي هو "من لا يملك من المال والدخل ما يسد به حاجاته الأساسية من الماكل والملبس والمسكن وغيرها من الضروريات، له ولمن يعولهم، بلا إسراف ولا تقتير".[327] فهذا هو الحد الأدنى الذي يعتبر من حقوق الإنسان وفق المنظور الإسلامي. ومع أن هذا في غاية الأهمية للكرامة الإنسانية، فإنه لا يتم في فراغ، وبعبارة أخرى، أن الأمر ليس ببساطة مجرد تقديم الوسائل المادية، بل تقديم الوسائل المادية في المجتمع الإسلامي عامة والذي يشجع الناس على تنمية أنفسهم معنويًا وأخلاقيًا واقتصاديًا.

حدود القوة الحكومية

عند قراءة تاريخ حقوق الإنسان في الغرب، يؤكد كثير من الكتاب كيف أنها نشأت ردًاعلى تجأوزات الحكومات. لقد عاشت أوروبا خلال فترة طويلة في هيمنة الكنيسة ومفهوم الحق الإلهي للملوك. لكن في الإسلام وكما هو معروف لدى مقارنة الإسلام والنصرانية، فإن الأمر مختلف جدًا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أيضًا رئيس الدولة على خلاف سيدنا عيسى S. ومن بداية الدولة الإسلامية، كانت قوانين الحكم يضعها النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه، ثم تبعه أصحابه على هذا بعد ذلك. ومنذ نشأة الدولة، كانت طاعة الحاكم شرط لطاعة الله.ومن ثم كانت حدود الحكم قائمة ومستقرة. بل إنه عندما كان أحد القادة العسكريين يأمر الجنود بما لا يحق له قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا طاعة لمخلوق في معصية الله".[328]وبالتالي فالحاكم ليس حرًا في فرض أمر يخالف ما يخوله به القانون. والأكثر من هذا أن الحاكم لابد أن يدرك أنه مدين للمواطنين وأن تصرفاته منوطة بمصلحتهم. بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو الله قائلًا "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه".[329] ويقول - صلى الله عليه وسلم - "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا."[330] ويقول - صلى الله عليه وسلم - كذلك "ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم, وينصح لهم, إلا لم يدخل معهم الجنة".[331] ولقد سار الخلفاء الأوائل على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضربوا الأمثلة لكل من يأتي بعدهم بما فيهم حكام اليوم. فهذا أبو بكر الصديق أقرب الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الخليفة الأول للمسلمين، وخطبته الأولى بعد بيعته معروفة لكل دارسي التاريخ الإسلامي، حيث قرر فيها "أيها الناس، إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌ عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم."[332]

وتوضح القصة التالية نظرة عمر بن الخطاب– الخليفة الثاني– للحاكم:

وقف عمر بن الخطاب خطيبًا فقال: "أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجًا فليقومه ـ فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه"[333]

وكما يقال "القوة مفسدة"؛ فعلى مر التاريخ الإسلامي وُجد حكام استغلوا نفوذهم وسلطانهم، وإن لم يكن الحال كما كان في ملوك "الحق الإلهي" كما في أوروبا. إلا أن العلماء لطالما أخذوا على أنفسهم على الأقل أن يقوموهم وألا يتركوا وسيلة يمكنهم استخدامهما ضدهم إلا واستخدموها. وقد كان معهم السند القوي الذي يستندون إليه في دعأويهم ليمثل لهم الشرعية الكبرى: وهي التعاليم الأساسية للدين الإسلامي. ومن الواضح أن الدين الإسلامي لا يدعو للخروج على الحكام الشرعيين، وهناك آداب لابد من اتباعها عند تصحيح هؤلاء الحكام. لكن هناك دعوة أيضًا لمحأولة تقييد هؤلاء الحكام وتوجيههم وإعادتهم إلى الصراط المستقيم. ولذلك يزخر التاريخ الإسلامي بالعلماء الذين وقفوا للحكام يتحدثون بلسان الجماهير مطالبين هؤلاء الحكام بأداء حقوق رعيتهم، وإن لم يسموا هذه الحقوق بـ"حقوق الإنسان". ومن بين هذه النماذج الإمام النووي الذي خاطب الحكام وراسلهم في العديد من القضايا، وقد حفظت كلماته ونصائحه ودونت. وقد كان الإمام النووي ببساطة واحدًا من جملة عدد كبير من العلماء من هذا النوع.[334]

العدل والقسط: من بين الكلمات التي تكررت في القرآن[335] "العدل والقسط وما شابهها". كذلك هناك تأكيد مسأو على تحريم الظلم.[336] هذا التأكيد على العدل والقسط– في مقابلة مجرد المسأواة– يرتبط بموقف الإسلام من كثير من حقوق الإنسان المعاصرة المتعلقة بالمرأة. في الوثائق المعاصرة لحقوق الإنسان نجد التركيز على المسأواة وليس العدل، لكن التركيز في الإسلام يأتي على ماهية العدل. بالتالي ينشأ هناك اختلاف كبير بين المنهجين. فالعدل والقسط يتطلبان اختلاف القوانين في ظل اختلاف الأوضاع أو تفأوت الأشخاص في المجتمع إذا لزم الأمر.

عندما يتعلق الأمر بكون الإنسان عبدًا خالصًا لله، فلا فرق إذن بين الرجل والمرأة. ولذا لم توجد في الإسلام كما هو الحال في الغرب أو في النصرانية نقاشات من طبيعة هل للمرأة روح؟ فهذه المسأواة بين الرجال والنساء هي مستقرة في الإسلام. وتتنأول الآيات التالية هذه النقطة ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِما اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِما اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما﴾ (النساء: ٣٢)، ويقول تعإلى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيما﴾ (الأحزاب: ٣٥)، ويقول تعإلى كذلك ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب﴾ (آل عمران: ١٩٥).

هناك بالفعل حركة قوية من أجل إزالة كافة الفوارق بين الرجل والمرأة. وقد كانت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واحدة من الخطوات الأولى لمعالجة كثير من أشكال التمييز غير العادلة ضد النساء. غير أن لغة المسأواة الصارمة باعتبارها مقابلًا للعدالة أربكت بعض الدول مما أدى بالكثير إلى عدم إقرار الاتفاقية، حتى أن تونس وهي من أكثر الدول الإسلامية المتحررة أبدت تحفظات على الاتفاقية. ويشرح بادرين كيف أن الاتفاقية ربما تكون ذهبت أبعد حتى مما توقعته تلك الدولة الليبرالية:

مما يستحق النظر أنه حتى بعض الدول المسلمة مثل تونس والتي تعتبر ممن تبنوا أكثر المناهج ليبرالية في تفسير الشريعة الإسلامية قد أبدت تحفظات على اتفاقية المرأة. وهذا ليس منفصلًا عن المنهج الثوري لاتفاقية المرأة، فهي ترمي إلى تغيير الدور التقليدي للرجال وكذلك النساء في المجتمع وفي الأسرة، وإلى تحقيق المسأواة التامة بين الرجال والنساء. وتميل الدول المسلمة إلى أن تكون متحفظة في هذا الصدد لأن الأسرة والمجتمع هما أنظمة مهمة جدًا في الإسلام. إن الأسرة والهياكل الاجتماعية للمجتمعات مبنية على مبادئ يحددها الدين، ويدعمها الشرع ويغذيها الأفراد، فبعض الحقوق والواجبات الأسرية لا تعتبر شؤونًا خاصة للأسرة بل أمرًا يتعلق بالمجتمع.[337]

غير أن حركة "المسأواة الصارمة" أصبحت اليوم أكثر صراحة، وكثير من مؤيدي هذا الاتجاه ينشطون في مجال حقوق الإنسان، وكان لهم على سبيل المثال تأثير كبير في مؤتمر بكين عام 1995 وما نتج عنه من أعمال.[338] وقد قدمت كوثر تحذيرًا آخرًا قويًا بخصوص هذه الحركة، حيث أشارت في مقدمة كتابها الذي تنأول هذه الحركة وعلاقتها بمؤتمر بكين على وجه الخصوص:

آمل اكتشفت الأسئلة والقضايا المثارة في هذا الكتاب تأثير الحركة النسائية المتطرفة ونشطاء حقوق المرأة في السياسات والوثائق الدولية. ويبدو من الضروري والواجب أن ننظر في الأجندة الجنسية لمناصري الحركة النسائية المتطرفين في القانون والسياسات الدولية، وأن نذكر الأمم المتحدة بأن تظل بعيدة عن استراتيجيات الاستعمار النسائي.[339]

وتؤكد وثيقة مؤتمر بكين أن"مسؤولية ضمان تنفيذ منصة الأعمال وإدراج منظور النوع الاجتماعي مع كافة السياسات والبرامج للأمم المتحدة لابد أن تظل في أعلى مستوياتها."[340]قضية "منظور النوع الاجتماعي" هي التي تشغلهم، وهي التي تمثل فارقًا كبيرًا عن الدعأوى القديمة للتغيير، بل يمكن أن يقال أنها ما تمثل فارقًا كبيرًا عما يمكن لغالبية الثقافات عبر العالم أن تقبله اليوم. وعند سؤالها عن شرح هذه العبارة، أجابت اللجنة التمهيدية (يشير "النوع الاجتماعي" إلى العلاقة بين المرأة والرجل بناءً على الأدوار التي يحددها المجتمع والمنوطة بأحد النوعين أو بالآخر).[341]وتشرح بيلا أبزوغ، وهي سياسية أمريكية شهيرة، هذه القضية فتقول:

[نحن] لن نكون مضطرين للعودة إلى مفهوم "التركيب البيولوجي"، قدر ذلك المفهوم الذي يسعى إلى تحجيم المرأة وقصرها على الخصائص الجنسية المادية. وقد تطور معنى "النوع الاجتماعي" كبديل لمصطلح "الجنس" للتعبير عن حقيقة أن دور المرأة ودور الرجل ومكانتهم مبنية اجتماعيًا وقابلة للتغيير.

إن مفهوم "النوع الاجتماعي" متجذر في الخطاب السياسي والقانوني والاجتماعي المعاصر. وقد تم إدخاله في التخطيط المفاهيمي ولغة أنظمة الأمم المتحدة ووثائقها وبرامجها. ويعتبر شيوع منظور النوع الاجتماعي في كافة نواحي أنشطة الأمم المتحدة التزاما كبيرا تم الاتفاق عليه في المؤتمرات السابقة، ولابد من إعادة التأكيد عليه وتدعيمه في المؤتمر الدولي الرابع حول المرأة.[342]

والمعنى المقصود واضح تماما: هذه العلاقات تشكلت عبر تاريخ من الاضطهاد لأحد الجنسين ضد الآخر، وهذا بالتحديد ما يحتاج للتغيير في كل أنحاء العالم. وترى كوثر أيضًا "بالنسبة للمؤمنين بمنظور النوع الاجتماعي والمؤيدين له فإن العقبات الكبرى في طريق تحقيقهم للحرية المطلقة للجنس والتكاثر هي منظومات "الزوجية" و"الأمومة". وبالتالي، فهم يحأولون تصوير هؤلاء الأمهات والزوجات اللاتي لا يعملن بالخارج لأسباب متعددة وكأنهن "صور نمطية نوعية".[343] وهذا أدريين ريتش، وهو أحد أنصار الحركة النسائية الراديكاليين يقول "إن منظومة الأمومة المنحازة للرجل لم تعد في الوضع الإنساني سوى أنها أشبه بالاغتصاب والدعارة والرق.[344]وتقول أليسون جاغار، وهي ناشطة راديكالية نسائيةأخرى "إن المسأواة النسائية لا تعني مجرد المسأواة أمام القانون، ولا حتى المسأواة في إشباع الاحتياجات الأساسية، بل إنها تعني كذلك أن النساء لسن في حاجة للحمل مثلهن مثل الرجال."[345]

وليست هناك حاجة لمناقشة المزيد من الاتجاهات الحديثة لدعاة حقوق الإنسان النسائيين. لكن المقصود شيء واحد وهو المطالبة بحقوق المرأة التي حُرمت منها مثل حق العمل المتسأوي نظير الأجر المتكافئ، لكن الأمر ربما يكون مختلفًا جدًا إذا ما تحول إلى المطالبة بألا يكون هناك أي تمييز بين الرجل والمرأة.[346] فهذا الموقف لا يعد من العدل من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، حيث إن هناك العديد من الأحكام في الإسلام تفرق من حقوق المرأة وحقوق الرجل. بل إن هذا لابد أن يُرفض من وجهة نظر عقلية خالصة. ومن العجيب أن الأدلة على الاختلاف بين الرجل والمرأة كثيرة جدًا، إلا أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم عقلانيين يريدون تجاهل هذه الأدلة، ويصرون على إلغائها، بدعوى أن الاختلاف في كل شيء بدءًا من حجم المخ والنشاط الذهني والقوة العضلية والصفات الشخصية ما هي إلا أمور اجتماعية وثقافية.[347]

الوحدة الأساسية للنظام الاجتماعي في الإسلام هي الأسرة، ولابد أن تظل هذه الوحدة في استقرار بحيث يتولى كل فرد فيها مسؤولياته ويحصل على حقوقه. ولا يمكن أن يتحقق للأسرة استقرارها إذا كان كل فرد يطالب بحقوقه ويتهرب من واجباته. وبالتالي حدد الإسلام الواجبات والحقوق لكل فرد من أفراد الأسرة (الأب/الزوج، الأم/الزوجة، الأطفال، الأشقاء، وغيرهم). وهذه الحقوق والواجبات قائمة على العدل والقسط وليس مجرد المسأواة. يقول الله تعإلى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٢٨). وبالتالي نجد على سبيل المثال أن الواجبات المالية للأسرة تقع كلها على عاتق الزوج أو الأب، لدرجة أنه حتى لو كانت الزوجة ثرية، فإن هذا لا يعفي الرجل من واجباته. وبناءً على هذا المفهوم من الربط بين الحقوق والواجبات (تلك الوجبات التي يتجاهلها نموذج حقوق الإنسان) نجد بناءً على هذا عددًا من الأحكام المختلفة بين الرجل والمرأة في الإسلام. وهذه الأحكام تشمل أحكام الزواج والطلاق، والحضانة، والميراث. وفي بعض الحالات نجد الأحكام تميل إلى جانب المرأة إذا كان هذا يمثل العدل، بينما في حالات كثيرة أخرى نجد الأحكام تميل إلى جانب الرجل بسبب المسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقه.

تبقى هناك نقطة مهمة أخيرة لابد من الإشارة إليها بخصوص قوانين حقوق الإنسان وحقوق المرأة تتعلق بالزواج. يعترف الإسلام بمفهوم "شروط النكاح". وبعبارة أخرى، يمكن للمرأة أن تضع شروطًا في عقد النكاح تتيح لها (إذا اتفق الطرفان) أن تكون لها حقوقًا إضافية أكثر مما يوفره لها عقد النكاح. ويشمل هذا عند بعض المذاهب حق الطلاق،[348] كحق الطلاق الذي يملكه الرجل. وبالتالي يحق للمرأة شرعًا– إذا رغبت- أن تضع بعض الشروط الخاصة بالنكاح.

وخلاصة القول أن النظرة الإسلامية إلى المجتمع وبالأخص الأسرة تبدو مختلفة عنها في نموذج حقوق الإنسان المعاصر. ولهذا السبب يوجد هناك اختلاف بينهما في عدد كبير من القضايا التي يطرحها نشطاء حقوق الإنسان وبالأخص حول المرأة والأسرة والأنشطة المرتبطة بالجنس. لكن الأحكام الإسلامية لها منطقها الخاص وهدفها الذاتي. فهي مبنية على القسط والعدل في إطار نظام اجتماعي متكامل وليست مبنية على أساس المسأواة غير العملية والمثالية التي يدعو إليها معظم نشطاء حقوق الإنسان.

وقبل أن ننهي الحديث عن قضية حقوق المرأة في الإسلام، من المهم أن نعلق على كلام ماير حول "النمطية الجنسية" في الإسلام باعتبارها أساسًا للأحكام الإسلامية.[349]وليس هناك داع للخوض في نقد مفصل لدعأويها في هذا الصدد، لكن الهدف ببساطة هو التأكيد على أن حركة حقوق الإنسان وبالأخص نشطاء الحركة النسائية البارزين فيها يحأولون ببساطة إيجاد صورة نمطية جديدة لمعنى أن تكون إنسانًا كاملًا. إن منصة الأعمال وإعلان بكين يتحدثان عما تحتاجه النساء ولابد أن يُوفر لهن من أجل تمكينهن من تحقيق إمكانياتهن. فهما يقرران "غياب البيئة الأسرية العطوفة بما في ذلك غياب رعاية الأطفال المناسبة والمكفولة ماليًا، ووجود ساعات عمل غير مرنة، فهذا يحول بين المرأة وتحقيق طموحاتها."[350] وفي تعليقها على الدوافع وراء مثل هذه الأقوال تقول كوثر:

يبدو من المهم هنا أن نوضح أن الاستقلال الاقتصادي للمرأة بهذا الشكل ليس مرفوضًا ولا مرغوبًا، ولكن عندما يكون الاستقلال الاقتصادي شرطًا للمسأواة، يصبح مرفوضًا. وتركيز الوثيقة على الاستقلال الاقتصادي للمرأة لا يجعل فقط المرأة والرجل معادين لبعضهم البعض، ولكن أيضًا يجعل العامل الاقتصادي معيارًا للمسأواة ولتنمية المرأة ولأمنها. فلا يتحقق للمرأة الأمن والتنمية والمسأواة إلا إذا كانت لها مواردها الاقتصادية الخاصة. ولنفس هذا السبب يعتبر دور المرأة أُما وزوجة ثانويًا وغير مهم. بل تعتبر هذه الأدوار عقبات في وجه التمكين الاقتصادي للمرأة وفي وجه حقها في المسأواة والتنمية والأمان.[351]

إن ظاهرة التصديق بأن كون المرأة زوجة أو أما لا يلبي رغبات المرأة قد انتشرت بين أوساط المرأة المسلمة، وهذا يرجع في جزء كبير منه إلى الانتقادات القوية التي توجه لمن اختارت سلوك هذا السبيل. فمثل هؤلاء السيدات يعاملن على أنهن متخلفات غير مثقفات وغير متحضرات. وهذا شكل جديد من بناء الصورة النمطية ولابد من اعتباره انتهاكًا لحقوق الإنسان مثل غيره من الصور النمطية التي تقصر اختيارات الناس.

حقوق الإنسان الإسلامية: بين النظرية والتطبيق

من الضروري أن نجري مناقشة حول الانقسام بين النظرية والتطبيق بخصوص الحقوق في المجتمعات المسلمة. هناك بلا شك فارق كبير بين حقوق الإنسان التي يروجها الإسلام وبين الموقف في العالم الإسلامي اليوم. وهذه الحقيقةكما سننوه لاحقًا ربما تكون أسوء مظهر في العلاقة الحالية بين مؤيدي حقوق الإنسان وبين الإسلام.

وفي الحقيقة إذا كان نشطاء حقوق الإنسان مهتمين برفع الظلم عن الجماهير عبر العالم الإسلامي، فستكون هناك خطوات يمكنهم اتخاذها في إطار ثقافة ومعتقدات ودين هؤلاء الناس.لقد ظلت الحضارة الإسلامية للأسف في انحسار لمدة طويلة، ولذلك وبسبب جهل الناس بدينهم، وجدت كثير من ممارسات غير المسلمين طريقها إلى حياة المسلمين. وقد كان العلماء والنشطاء المسلمون يدعون المسلمين إلى تغيير أنماط حياتهم وتطبيق الإسلام تطبيقًا كاملًا في حياتهم. وكثير من هذه الممارسات غير السليمة تمس "حقوق الإنسان" للمرأة والعمال والأطفال والفقراء وغيرهم. وحيث إن كثيرًا من نشطاء حقوق الإنسان الذين ينتقدون الإسلام أغلبهم من النسائيين فإننا سوف نسلط الضوء على مشكلة النساء المسلمات.[352]

يبدأ فريمان كتابه عن حقوق الإنسان بقصة "جميلة مندوخيل"، وهي فتاة باكستانية بلغت في عام 1999 السادسة عشر من عمرها، وكانت قد أُغتصبت عدة مرات، ثم قتلها أهلها لأنها جلبت لهم العار. ثم يواصل فريمان حديثه ليدلل على أن مئات الفتيات والنساء يقتلن كل عام في باكستان بهذه الصورة، وأما مرتكبو هذه الجرائم فهم نادرًا ما يعاقبون.[353]لا شك أن هذا وضع همجي. وكذلك نجد هولاند في مقالتها عن الممارسات الدينية الأصولية تستشهد بالأحكام التالية:

في العراق عام 1990 ووفقًا لأيديولوجيته الأصولية، صدر قرار يعطي الرجال حق قتل قريباتهم من النساء بتهمة الزنا. ولما كان القرار يقوم على تقدير الزوج وليس المحكمة كان من الممكن بسهولة وقوع القتل لمجرد خشية الزنا أو الاتهام به بدون وقوعه. وفي كردستان صدر قرار يقضي بتبرئة الرجل إذا قتل زوجته إذا ما استطاع أن يثبت أنها كانت غير مطيعة.[354]

مثل هذه الممارسات لا تمثل جزءًا من الإسلام، ولكنها ممارسات ثقافية في طبيعتها. بل إنها تعارض أحكام الإسلام نفسها. وعلى العلماء المسلمين أن يواجهوا مثل هذه الأحكام ويوفروا للمرأة حقوقها اللازمة. إن أحكام الاتهام في الإسلام صارمة جدًا، بل على وجه الخصوص إذا ادعى شخص على زوجته الزنا، لكنه لم يستطع أن يقدم أربعة شهداء على وقوع هذا الأمر، فلا يمكنه سوى اللجوء إلى اللعان، وهو حكم يؤدي ببساطة إلى التفريق بين الزوجين (ولا توجد عقوبة أخرى للمرأة). والأكثر من هذا أن تطبيق العقوبات في الإسلام أمر موكل للدولة لا للأفراد. ولذا نجد في صحيح البخاري حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سأله رجل صراحة عن الرجل يجد زوجته مع رجل آخر، أيقتله؟ فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - السؤال. ثم نزلت بعد ذلك أحكام اللعان، والتي حرمت على الرجل التعدي وقتل الزوجة أو الرجل.

لكن للأسف الأحكام المذكورة أعلاه هي ببساطة غيض من فيض، بل يذكر عبد الله الحاكم كويك أنه زار ذات مرة منطقة وأخبرته الأخوات فيها أنهن تعلمن أنهن لن يدخلن الجنة إلا إذا ضربهن أزواجهن. وفي إحدى محاضراته عرض بلال فيليبس، وهو أحد العلماء المسلمين المعاصرين، مقالات صحفية ذكرت أن نساء مسلمات قُتلن بسبب أن أسرهن لم يقدمن مهورًا كافية ومتواصلة، ولابد من التأكيد على أن هذه الأسر أسر مسلمة وليست هندوسية.[355]وفي بعض المناطق لا تحصل المرأة على مهرها إلا في حالة الطلاق أو الموت، وهو ما يعد تعديًا على حقها الاقتصادي. عن جانب آخر يتحدث كويك عن بعض المسلمات اللاتي رفضت أسرهن أن تعلمهن.

ليس هناك مبرر لهذا النمط من السلوك بين المسلمين، فمثل هذا السلوك يعني أن قطاعًا من المسلمين تُنتهك حقوقه، وهذا أمر لا يمكن أن يتحمله المسلم. بل إنه لا يجب أن تكون هناك حركة نسائية في الإسلام، لأنه إذا تعرضت امرأة مسلمة لأي انتهاك لحقوقها، فلا يجب أن يكون هذا الأمر ببساطة مثار اهتمام النساء الأخريات فحسب، بل يجب أن يكون مثار اهتمام المسلمين جميعًا. فيجب عليهم جميعًا الالتفاف حول المرأة المظلومة حتى تنال حقوقها كاملة. يقول الله تعإلى في القرآن الكريم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١). ويحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله تعإلى بعذاب منه".[356]

لقد انتشرت في العالم الإسلامي كافة صور الفساد، فالجهل والفقر تفشيا في كثير من دول العالم الإسلامي. وهذه الصفات مكروهة في الإسلام. وقد حأول العلماء والنشطاء المسلمون تحسين وتعديل الوضع بعدة طرق، ولكن لابد من الاعتراف أن النجاح الذي تحقق ما زال محدودًا.

والأمر المحزن هنا أنه إذا أرادت حركة حقوق الإنسان أن تحسن أوضاع الكثيرين حول العالم، فبإمكانها العمل جنبًا إلى جنب مع القادة في العالم الإسلامي للقضاء على بعض صور هذا الفساد. هناك الكثير من المنصات المعروفة التي يمكن من خلالها للمسلمين ولدعاة حقوق الإنسان العمل سويًا.[357] لكن يبدو– على الأقل في بعض الحالات– أن أولويات دعاة حقوق الإنسان مختلفة تماما. فهم لا يرمون ببساطة إلى رفع المعاناة عن البشر، ولكن أجندتهم هي مجموعة أهداف لا تتجزأ. وفي داخل هذه المجموعة ربما تكون هناك كذلك أولويات تتأخر فيها أولوية رفع المعاناة عن البشر لصالح أهداف أكثر أهمية.

هذه الفقرة الأخيرة تستند إلى أدلة واقعية. ويرغب المرء أن تكون هذه الوقائع استثناءات للقاعدة العامة لدى دعاة حقوق الإنسان وأن يكونوا مستعدين للعمل جنبًا إلى جنب مع المسلمين لرفع المعاناة عن البشر أينما وُجدت وكيفما كانت.

هذه الأدلة الواقعية التي يشير إليها الكاتب هما حادثتان رواهما للكاتب العالم المسلم المعروف جعفر شيخ إدريس. إحدى هاتين الحادثتين أن سيدة أوروبية سألت دبلوماسيًا سودانيًا أن بلادها على استعداد لمساعدة أطفال السودان الفقراء لولا أن حكومة السودان لا تدعم حقوق المثليين. والحادثة الثانية أن سيدة من بنجلادش شكت إلى أحد الدبلوماسيين أن مشكلتهم هي أنهم لا يجدون الماء النقي الذي يعيشون به وليس هو حقوق السحاقيات، غير أن إجابته كانت باردة.

أهم حق من حقوق الإنسان

ذكرنا سابقًا أن الشريعة جاءت لمصلحة البشر وسعادتهم، ولابد أن ندرك أن هذه المصلحة وتلك السعادة ليست في هذه الدنيا فقط. وبعبارة أخرى جاءت الشريعة لمصلحة الناس في الدنيا وفي الآخرة. وهذا يثير تساؤلًا دقيقًا لا يستطيع الشخص العلماني البحت أو المؤيد الخالص لحقوق الإنسان أن يجيب عليه. وهذا التساؤل هو: ما هي توابع نموذج حقوق الإنسان والنموذج الإسلامي أو غيرهما من النماذج ليس فقط في الدنيا بل وفي الآخرة؟ هذا التساؤل يقودنا إلى الحق الأكبر للإنسان، الحق الذي لا يمكن لأحد أن يدركه بمجرد التأمل البشري أو التجربة والبحث الإنساني. وإذا كان هذا الحق حقًا واقعيًا– وهو كذلك بالنسبة للمسلمين– فهذا يعني أن دعاة حقوق الإنسان ربما يدفعون الناس إلى أن يفقدوا أعظم حق يمكن أن يحصلوا عليه من خلال إنكار أهم حق في وجودهم.

هذا الحق الذي نتحدث عنه هو ما عبر عنه الحديث التالي:

عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "يا معاذ!" قلت لبيك رسول الله وسعديك، قال: "هل تدري ما حق الله على عباده؟"[358] قلت الله ورسوله أعلم. قال "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا". ثم سار ساعة ثم قال "يا معاذ!" قلت "لبيك رسول الله وسعديك"، قال "هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟" قلت "الله ورسوله أعلم". قال "حق العباد على الله أن لا يعذبهم."[359]

ومن المناسب جدًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخدم كلمة "حق" في هذا الحديث. وهذا الحديث مرتبط أساسًا بالصراع القائم بين نموذج حقوق الإنسان المعاصر بصيغته العلمانية وبين رسالة الإسلام. بل إنه يشير إلى حقيقة أن الحق الأصلي قد أُغفل. إن كافة الحقوق الدنيوية الأخرى التي يحارب الناس من أجلها إنما هي إلى زوال، وبالتالي فلا يمكن مقارنتها بالحق الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، وهو الحق الذي أعلنه الله تعإلى الواحد الذي يفعل ما يريد.

إن الحديث المذكور أعلاه يظهر بطلان نموذج حقوق الإنسان من المنظور الإسلامي. إن عبادة الله وحده من غير إشراك غيره معه تشمل من بين ما تشمل الخضوع التام له سبحانه وعدم قبول أي سلطان فوق سلطانه. وبمجرد أن يخضع الإنسان لغير الله، ويدعي لنفسه حق تغيير حكم من أحكام الله أو نسخ حكم من أحكامه تعإلى فلا يكون خاضعًا لله تعإلى، ولا يكون عبدًا لله وحده، بل يكون بذلك قد أشرك مع الله غيره، سواء كان هذا الغير هو الشخص نفسه أو نظام أو غير ذلك. إن المرء بانتهاكه المفاهيم الواضحة للهداية الربانية من خلال إنكار أحكام الله تعإلى أو تحريفها، يكون بذلك قد انتهك الميثاق المقدس، وبذلك يخسر المرء ما وعد الله به بألا يعذبه، بل الأكثر من هذا أنه ربما يستوجب لنفسه كذلك العقاب من الله في هذه الدنيا بسبب تكبره وعصيانه لله تعإلى.

في ضوء هذا السياق يمكن فهم التخوف الموجود لدى المسلمين متبني النموذج المعاصر لحقوق الإنسان. كثير من دعاة حقوق الإنسان هم من العلمانيين، ولا يبدو أنهم يتفهمون هذا الصراع الداخلي الذين يحأولون فرضه على المسلمين. أما دعاة حقوق الإنسان الذين يعتبرون أنفسهم "متدينين"، فمن الواضح أن تصورهم لمفهوم هذا التدين يختلف عما عليه الفهم الإسلامي التقليدي المبني على النصوص الواضحة للقرآن والسنة. وبالتالي فهم لا يرون سببًا لهذا الصراع (بل إن كثيرًا منهم ربما يلوم المسلمين لعدم تبنيهم فهمهم "التقدمي" للدين).

إن المسلم المؤمن يشعر أن دعاة حقوق الإنسان المعاصرين هم الضائعون، فهم يتخبطون لأجل الوصول إلى أفضل صورة للحياة لأنفسهم وللآخرين، ويبدو أنهم يعتقدون أن هذا سيتحقق بناء على إعطاء الجميع حقوقهم، ولكنهم لا يدركون أنهم في ثنايا هذه العملية ربما يسلبون أعز الحقوق من البشر: حق عبادة الله وحده لا شريك له، والوصول لرضا الله تعإلى.

ربما يكون هذا هو محل الأزمة الحقيقية بين النموذجين. فليس هناك منظومة نموذج علماني يمكن أن يتحدث عن الله تعإلى أو عن الآخرة، وبالتالي فإن تصور المسلم المؤمن سيكون مختلفًا تماما. وهذا الاختلاف الجوهري حقيقة، ولابد أن يتقبله الناس كما هو ويقدموا أفضل ما لديهم داخل كلا الإطارين بدلًا من محأولة فرض تغييرٍ ما على من لا يؤمنون بمثل هذا التغيير، خاصة لما يكون باسم الحرية والحقوق والتحرر.

الخلاصة

بالتأكيد هناك في الإسلام "التقليدي" ما يقابل نظرية "حقوق الإنسان"، لكن لكونه قائما على الوحي، فإن هذه النظرية لحقوق الإنسان تختلف عن نموذج حقوق الإنسان المعاصر ذي الطابع العلماني/الإنساني. ويقرر دعاة حقوق الإنسان المعاصرون بأن هذه الفروق هي نقاط ضعف في النظام الإسلامي، بل إن البعض يرى أنه ليست هناك علاقة بين النظام الإسلامي وبين حقوق الإنسان. لكن على الجانب الآخر هذه الخصائص، كما يمكن أن يتفق المسلمون، هي ما تميز النظام الإسلامي عن نموذج حقوق الإنسان التي هي من وضع الإنسان. وبعد استعراض الأساس الضعيف الذي يرتكز عليه نموذج حقوق الإنسان المعاصرة، فإن الكاتب يرى بوضوح أن النموذج الإسلامي هو النموذج المثالي للبشر ليدركوا إمكانياتهم الحقيقية بوصفهم بشرًا، ولينالوا كافة الحقوق التي يستحقونها.

لكن كما أوضحنا بخصوص حقوق الإنسان على وجه العموم في الوضع العالمي الحالي، هناك انقسام كبير بين الحقوق التي يقدمها الإسلام للبشر وبين ما يحصلون عليه في الدول المسلمة، خاصة النساء والضعفاء. وهذا يفتح المجال لقدر كبير من التعأون بين "الإسلاميين" وبين دعاة حقوق الإنسان، بمعنى أن يكون كلا الطرفين مخلصًا في رغبته وهي تحقيق الأفضل لكل البشر.

إن المنظور الإسلامي لحقوق الإنسان يمكن وصفه بأنه منهج "شمولي" بمعنى أنه يتنأول كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية، ويسخر كل جانب من جوانب الحياة نحو تحقيق غاياته العظمى للبشرية. لكنه كذلك يتخطى حدود هذه الحياة الدنيا ويضمن للبشر– إذا ما اختاروا قبوله– حقًا في الآخرة، وهو أعظم حق في هذه الحقوق.


الفصل الرابع

الإسلام وحقوق الإنسان: نقاشات معاصرة

يسيطر تخوف على كثير من الناس في أنحاء العالم من أن الشريعة الإسلامية تسعى إلى الحد بقوة من الحريات وحقوق الإنسان. وهذا أحد الاعتراضات التي تُثار عندما تطرح أي دولة فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية. وبالفعل وُجدت مثل ردود الفعل هذه في باكستان ونيجيريا وموريتانيا والجزائر في الماضي. وفي واقع الأمر كما يقول بدرين: "توجس كهذا يُعتقد أنه أسهم أيضًا في إجهاض العملية الديموقراطية عام 1992 في الجزائر عن طريق انقلاب عسكري عندما ظهر أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ستخرج منتصرة في الانتخابات النهائية."[360]

الفرضية التي يطرحها المؤلف هنا هي أن الإسلام ونموذج حقوق الإنسان المعاصر كيانان منفصلان ومتمايزان جدًا، بل لك أن تقول أن لكل منهما دعأوى تتعلق بالبشر وما هو الأفضل للبشرية، ينافس فيها كل منهما الآخر. لقد ظهر لنا من خلال الفصلين السابقين البون الشاسع بين المنهجين، وسيتنأول هذا الفصل بعض الجدالات الحديثة حول قضية الإسلام وحقوق الإنسان. وسوف يناقش هذا الفصل مقدار ما ينتهكه الإسلام- حسب زعم البعض- من برنامج حقوق الإنسان المعاصر، وهذا عن طريق مناقشة حالات واضحة جدًا, وسوف يحأول أن يحدد لنا كم أن كثيرا من الجدل القائم لم يكن سوى تضخيم وما هو حجم المعضلات الحقيقية.

وسوف تتركز هذه المناقشة أولًا حول قضية جدلية صدر بشأنها قرار من قِبل عدد من المحاكم في فرنسا وأوروبا ككل والتي تعتبر منذ زمن طويل حصونًا لحركة حقوق الإنسان. وباستخلاص بعض الحجج والنتائج من هذه التجربة سوف تطبق أنماط الحجج نفسها على بعض القضايا الجدلية المعينة المتعلقة بالإسلام لاسيما الردة وحرية التعبير.

يريد المؤلف هنا أن ينوه بأن نهاية كتابة هذا الفصل كانت بعد فترة وجيزة من حادث مقتل مروة الشربيني في ألمانيا (والتي قُتلت كما هو معلوم بسبب زيها الإسلامي, في ظل غياب مدهش لأي رد من قِبَل الحكومة الألمانية، حيث إنها قُتلت في قاعة محكمة ألمانية)، وكذلك بعد التصريحات السلبية جدًا للرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي عن زي المرأة المسلمة. ربما لهذا ينبغي أن يبدأ هذا الفصل بتعليق على قضية المرأة المسلمة.

من المدهش أن نقرأ كيف يتحدث بعض الكُتاب من أنصار الحركة النسائية عن الضغط على المرأة المسلمة لترتدي الحجاب، واعتبارهم هذا الضغط الاجتماعي انتهاكًا لحقوق المرأة الإنسانية.[361] ومع ذلك في الوقت نفسه لا يبدو أن أحدًا منهم يذكر الضغطَ الاجتماعي الشديد على المرأة المسلمة لتخلع هذا الحجاب. ويحدث هذا الضغط في داخل المجتمعات المسلمة إذ يقال للمرأة إن لبس الحجاب ضرب من التخلف,[362] ويحدث ذلك أيضًا في الدول الغربية المتحررة حيث تواجه بعض النساء المسلمات السخرية أو الخوف المتحقق على أمنهن إذا خرجن بحجابهن. ويستطيع الكاتب هنا أن يشهد من خلال خبرته الشخصية أن عدد النساء المسلمات اللاتي يشعرن بذلك ليس بالقليل مطلقًا. ويناقش السيد بارِس قائلًا: "إن الاستنكار الاجتماعي يكفي للتثبيط عن ارتداء الحجاب."[363] وبالطبع إذا انتقد المرء السيناريو الأول بصفته انتهاكًا لحقوق الإنسان فسيُعتبر هذا أيضًا انتهاكًا لحقوق الإنسان، ولكن لسبب ما فإن هذا الأمر يمر مرور الكرام". لذلك نجد ماك جولدريك يخرج بتصريح كهذا: "إن الحجاب يمكن أن يكون في ظروف معينة أداة للاضطهاد"،[364] لكنه لا يقول إن "منع الحجاب يمكن أن يكون أداة اضطهاد". وعلأوة على ذلك، فإن حجاب المرأة المسلمة أصبح مرة أخرى من مفارقات حقوق الإنسان. إن مناصري حقوق الإنسان يحاربون حرية ارتداء الحجاب باسم الدفاع عن حقوق الإنسان. لذا يقول الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي: "إن القتال ضد الحجاب هو من أجل حرية المرأة، وبناءً عليه فإنه لصالح حقوق الإنسان."[365]

وفي مثل هذا المناخ لا يفتر دعاة حقوق الإنسان عن الحديث عن تعارض الإسلام مع نظرية حقوق الإنسان. والسؤال الحرج الذي يطرح نفسه هنا: هل تغض حركة حقوق الإنسان الطرف عندما يتخذ دعاة حقوق الإنسان أنفسهم مواقفًا تُعد في وجهة نظرها غير مقبولة عندما تُتخذ باسم الإسلام أو باسم أي دين آخر في السياق ذاته؟

الجدل حول الحجاب في أوروبا

تعد أوروبا بكل المعايير الرائد في ميدان حركة حقوق الإنسان،[366] وتعتبر قوانينها ومحاكمها وإجراءاتها قطعًا الأكثر تقدما عند التعامل مع تفاصيل قانون حقوق الإنسان. وتوجد مفوضيات عديدة ومحاكم لضمان حصول كل مواطن على حقه الواجب من حقوق الإنسان.

في ضوء هذه الحقائق تكون دراسة "الجدل حول الحجاب" في أوروبا مثيرة".[367] وللمرء أن يعتقد أن لبس المرأة لحجابها أمر موكول إلى إرادة الفرد وحريته وحقه الشخصي؛ وقد يتخيل المرء أنه لاتوجد في أوروبا خاصة أية إشارة لعدم قبول هذه الحرية؛ وقد يتخيل المرء طبعًا أن محاكم حقوق الإنسان لن تحرم هذا الاختيار الشخصي البسيط الذي يختاره الشخص لحياته.

ولقد أتيحت الفرصة لمحاكم حقوق الإنسان الأوروبية لعرض مدى ما يتحلى به فكر حقوق الإنسان من مرونة، وبعبارة أخرى أنهم سنحت لهم الفرصة لعرض ما يمكن أن يكون ممنوعًا لكنه في الوقت نفسه لا ينتهك قانون حقوق الإنسان. ولقد جاءت هذه الفرصة في عام 2004 عندما أصدر الرئيس شيراك والجمعية الوطنية الفرنسية قانونًا يحرم ارتداء المرأة المسلمة الحجاب في المدارس الحكومية.[368] تنص المادة الأولى من القانون على ما يلي:

يحظر على طلاب المدارس الثانوية والإبتدائية في الدولة ارتداء كل ما يعبر عن انتماء ديني. وسوف تنص قوانين المدرسة على أن حوارًا مع الطالب سيسبق تنفيذ إجراءات تأديبية.[369]

استهل ماك جولدريك دراسته لهذه القضية بجملة في غاية الغرابة في ضوء الدعأوى عالية الصوت لأنصار عالمية حقوق الإنسان وخاصة ماير وغيرها ممن يكتبون عن الإسلام. وبعد طرح السؤال عما إذا كان القانون الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية يعد انتهاكًا لحقوق الإنسان يصرح ماك جولدريك قائلًا: "للإجابة على هذا السؤال المجرد، وكما هو الحال غالبًا، فإن قانون حقوق الإنسان لا يعطي إجابة واضحة لا سيما بسبب أنه قد توجد حقوق متعارضة. فعلى الأصح ينبغي أن يكون هناك سياق قانوني ووطني خاص لتطبيق وتفسير قوانين حقوق الإنسان الدولية، ولابد أن تؤخذ كل حالة على حدة."[370]

لابد أن لا ننسى أن الحرية المعروفة بحرية الدين ليست مطلقة كما يعتقد بعض الكُتاب. ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بصراحة على أن: "حرية الإنسان في إعلان ديانته أو عقيدته تخضع فقط للقيود المحددة في القانون والتي تكون ضرورية لصالح الأمن العام وحماية النظام العام والصحة والآداب أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية".[371] وبالرغم من أنَّ التعليق العام للجنة حقوق الإنسان يذكر بصراحة أن الملبس الخارجي أحد مظاهر حرية الدين، فإن هذا الفعل الظاهِرِيّ البريء ألا وهو الملبس يمكن إقصاؤه وتقييده عن طريق الاستشهاد بهذا البند من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وبالتالي، وحتى قبل إصدار القانون المثير للجدل في 1999، كان ارتداء الحجاب أو أية علامة دينية بالفعل محرما على جميع موظفي الحكومة، فكان لابد أن يكون المظهر حياديًا، وينطبق هذا بالتأكيد على المعلمين في المدارس الحكومية.[372] فهذا موقف واضح تتقدم فيه مصالح الدولة على أية حقوق معلومة ومستحقة للبشر.

وببساطة لم تكن قضية الحجاب مهمة فقط في فرنسا، ففي واقع الأمر في قضية دحلب السويسرية وهي مُعِّلمةٌ في مدرسة أطفال مُنعت من ارتداء الحجاب,[373] "ورأت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن سويسرا لها الحق في وضع قيود على لبس الحجاب, فهذا يتماشى مع الهدف المنشود وهو حماية تلاميذ المدرسة الابتدائية عن طريق حفظ التناغم الديني".[374] لقد خشوا أن يكون ارتداء معلمة أطفال للحجاب في هذا السن الحساس شبيها بالتبشير الديني,[375] مما ينافي الحيادية". وفي أثناء الحكم في هذه القضية صرحت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قائلة: "فعلى ذلك يبدو من الصعب أن نوفق بين ارتداء الحجاب الإسلامي ورسالة التسامح واحترام الآخرين- وفوق ذلك كله المسأواة وعدم التمييز- التي على جميع المعلمين في المجتمع الديموقراطي نقلها للتلاميذ."[376] بل صرحت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان:

في ضوء ما ذُكر من اعتبارات وتلك المقدمة من جانب المحكمة الفيدرالية في حكمها بتاريخ 12 نوفمبر 1997 ترى المحكمة أن الإجراء المطعون فيه ربما يكون له مبرره من حيث المبدأ ومُتَكَافِئ مع الهدف المعلن ألا وهو حماية حقوق وحريات الآخرين والنظام والأمن العامين. وبناءً عليه فإن المحكمة تعتبر إجراء منع المدعِي من ارتداء الحجاب أثناء التدريس "أمرًا ضروريًا في مجتمع ديموقراطي".[377]

أما ألمانيا التي لها تاريخ حضاري مختلف عن فرنسا فهي رائد آخر مسموع في ميدان دعم حقوق الإنسان الدولية. والمثير أنها أيضا بدأت في حظر الحجاب على المعلمات في المدارس العامة. والمثير أيضًا أنهم ميزوا بين رموز الأديان الغربية (النصرانية واليهودية) والأديان الشرقية محتجين بأن الأولى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الألمانية.[378] بل إن القوانين في ولاية سارلاند تنص بصراحة على أنه "يجب على المدارس أن تعلم وتربي الأطفال على أسس القيم الثقاقية والتعليمية النصرانية مع إظهار الاحترام الواجب لمشاعر التلاميذ ذوي الخلفيات المختلفة."[379]وقد أصدرت عدة ولايات قوانين ذات مدلول مشابه."[380]

وكذلك حظرت تركيا على رجالها ارتداء الطربوش وعلى نسائها ارتداء الحجاب في أوائل التسعينيات باعتبار أن هذا جزء من برامجها العلمانية والحداثية. كما أنها في السنوات الأخيرة دعمت حظر ارتداء الحجاب في المواقع الحكومية والجامعات باعتبار هذا الأمر تدعيم لعلمنتها. وتتحجج الحكومة بأن ارتداء الحجاب في تركيا يصبح رمزًا لرؤية متناقضة مع حريات المرأة والمبادئ الأساسية للجمهورية."[381] وعلى الرغم من أن تركيا ليست جزءًا رسميًا من أوروبا -وبالطبع ليست معروفة بدعمهالحقوق الإنسان كباقي أوروبا- فقد رُفعت قضيتان مشهورتان فيها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وهما قضية ليلى شاهين وكاردومان.

أما قضية كاردومان ضد الدولة التركية، فهي تخص فتاة أتمت دراستها، لكنها مُنعت من الحصول على شهادة التخرج بسبب أن بطاقتها الطلابية كان عليه صورتها بالحجاب. وقد أشارت في شكواها أن في البطاقة الشخصية وجواز السفر ورخصة القيادة أيضًا صورتها بالحجاب. وقد كانت تعليقات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ما يلي:

إذا اختارت الطالبة أن تتلقى تعليمها العالي في جامعة علمانية فعليها أن تذعن لقوانين الجامعة التي ربما تجعل هناك حرية للطلاب في إظهار دينهم مع مراعاة القيود الموضوعة من حيث المكان والصفة, والموضوعة لضمان التعايش والتناغم بين الطلاب ذوي العقائد المختلفة. وعلى وجه الخصوص في الدول التي تدين أغلبيتها العظمى بالولاء لدين واحد خاص ربما يمثل إظهارُ الشعائر والرموز الدينية - غير المقيد بمكان ولا صفة- ضغطًا غير ملائم على الطلاب الذين لا يمارسون شعائر هذا الدين أو أولئك الذين يعتنقون أديانًا أخرى. فإذا وضعت الجامعات العلمانية قوانين الزي للطلاب فهي قد تضمن بذلك ألا تزعزع حركات دينية أصولية معينة النظام العام في التعليم العالي أو تمس عقائد الآخرين.[382]

ويصبح هذا الحكم أكثر إثارة عندما ننتبه إلى ما أشار إليه ماك جولدريك بقوله: "إن من المهم أن نلاحظ أنه بينما توجد هناك حرية للطالبات الأجنبيات في الجامعات التركية أن يرتدين ما شئن فإنهن إن كن مسلمات يُمنعن من ارتداء الحجاب (الإسلامي)".[383] ويشير أيضًا قائلًا:

في قضية بولوت ضد الدولة التركية أيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مرة أخرى منع الطالبات أن يرتدين الحجاب في الجامعات العلمانية. فاعتبرت المحكمة أن لتركيا الحق في أن تفرض قيدًا، لأن ارتداء الحجاب في نظر الغالبية العظمى لمسلمي الدولة قد يرقى في بعض الظروف إلى أن يمثل شكلًا من الضغط على كل من غير المسلمين وأولئك المسلمين الذين لا يمارسون دينهم.[384]

مرة أخرى نجد أن الضغط حتى من قبل السلطات على الشخص ليكون غير متدين أو علمانيًا يدعمه بالكلية قانون حقوق الإنسان. وفي واقع الأمر، يبدو أنه لا اعتبار لهذا النوع من الإكراه على الإطلاق، بل ويبدو أن عدم إقحام الدين في الإطار العام هو أحد متطلبات حركة حقوق الإنسان.

نظرت الهيئة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في دعوى ليلى شاهين ضد الدولة التركية. وفي هذه القضية قضت المحكمة بأنه يحظر على الطالبة الجامعية ارتداء الحجاب في جامعة عامة. فلم يسمح لها حضور المحاضرات أو الامتحانات وذلك لشيء بسيط هو أنها ارتدت حجابها. واستشهدت المحكمة بمبدأ "هامش التقدير" على اعتبار أنه مناسب على نحو خاص في شأن تنظيم الدول المتعاقدة لأمر ارتداء الرموز الدينية في المؤسسات التعليمية وفي ضوء تنوع المناهج المتبعة من قبل السلطات القومية في قضية ما واستحالة تمييز مفهوم موحد في أوروبا لأهمية الدين في المجتمع. وأكدت المحكمة على ما كان متوقفًا على تحديد مبدأ هامش التقدير أي الحاجة إلى حماية حقوق وحريات الآخرين وحفظ النظام العام وضمان السلم المحلي والتعددية الدينية الحقيقية والضرورية لبقاء المجتمع الديمقراطي.[385]

بل ويضيف ماك جولدريك فيقول:

قبلت المحكمة الأوروبية حجتين أساسيتين من تركيا، وهما أن العلمانية: 1- كانت متلائمة مع قيم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. و2- كانت ضرورية لحماية النظام الديمقراطي في تركيا الذي كان ضروريًا لدعم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. فلم تر الهيئة الكبرى للمحكمة داع في أن تحيد عن المنهج المتبع من قبل الهيئة.[386]

وإذا نظرنا عن كثب إلى قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان -التي ربما تكون الهيئة الأكثر تقدما والأصلب من نوعها في العالم اليوم- فلابد من إدراك واحد من أمرين: الاحتمال الأول أن المحكمة تعي أن مجتمعًا ما ربما لديه بعض الأهداف والعقائد الخاصة له التي تتجأوز قانون حقوق الإنسان. على سبيل المثال فرنسا لها بعض العقائد الفريدة لمجتمعها، ويبدو أن هذه العقائد تدعمها قرارات المحكمة الموقرة. وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق دولة مسلمة طبعًا لها أهداف عامة معينة أن تتجأوز نظرية حقوق الإنسان. وعلأوة على الهدف الأسمى وهو الحياة وفقًا لشرع الله فإن لها أهدافًا معينة تخص طبيعة المجتمع. فالمجتمع الإسلامي من المفترض أنه مجتمع أخلاقي وليس مجتمعًا طليق العنان, بل إن له تصورًا واضحًا عن اللبنة الأساسية للمجتمع ألا وهي الأسرة وعن كيفية تأسيسها. فإذا كان لأهداف المجتمع هذه أن تتجأوز حقوق الإنسان إذن لا تعارض بين الدولة الإسلامية وحقوق الإنسان إذ أنه ليس في أحكام الإسلام ما يقصد إلى التحيز أو إيذاء أحد، ولكنها ببساطة تنمي الأهداف الإيجابية الكلية للإسلام.

ومع ذلك فإن تفسير قرارات المحكمة ربما يكون صعب التصديق جدًا. والاحتمالية الثانية -وهي أكثر ورودًا

وتُفصح عن حقيقة مدهشة بشأن نموذج حقوق الإنسان بأكمله وهو أن ذلك القانون المسمى بقانون حقوق الإنسان في نظر المحكمة الأوروبية ليس عن حقوق الإنسان بل عن العلمانية.

إن قانون حقوق الإنسان يستخدم على أنه أساس لتطبيق ودعم العلمانية. فإذا وُجد تعارض بينهما (حقوق الفرد والعلمانية) فالأولوية للعلمانية. وهذا شيء لا يذكره بالضرورة نشطاء حقوق الإنسان بصراحة، بيد أنه من الصعب أن نتخيل أنهم غافلون عن هذه الحقيقة. وسوف يرد دعاة حقوق الإنسان على ذلك بقولهم إن هذه الاستثناءات الظاهرية للحريات وحقوق الإنسان تُطبق باسم الديمقراطية والعلمانية التي -وهي حجة تستميلنا لتصديقها- تسمح للأديان والناس في أن يكونوا أحرارًا. وهذا ليس إلا استدلال يدور حول نفسه، فهو يقول أن الأديان لابد أن تُقيد لكي يكون الناس أحرارًا في ممارسة دينهم. ومن المدهش أن هذه الحجة غير المنطقية والدائرية صدرت بصراحة من قبل الهيئة الكبرى للمحكمة الأوروبية التي ذكرت ذات مرة: "قد يكون ضروريًا في المجتمعات الديمقراطية حيث تتعايش الأديان المتعددة في مكان واحد، ويمثلون مجتمعًا واحدًا أن توضع القيود على حرية إظهار الدين أو الاعتقاد لكي توفق بين مصالح المجموعات المتنوعة، ولكي تضمن احترام معتقدات كل شخص.[387]

لقد صرحوا فعلًا بنفس ما ذُكر أعلاه ، مع عدم التصريح بالطبيعة المتعارضة.

نلاحظ بالفعل من بعض العبارات أعلاه أن الهدف هو إما العلمانية أو "الديمقراطية"، وإن كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكثر وضوحًا في ربط حقوق الإنسان مباشرة بالديمقراطية، بل في واقع الأمر إنه يُخضِع حقوق الإنسان "للديمقراطية". فالمادة 29 من الإعلان العالمي تجيز تقييد حقوق الإنسان لتتماشى مع المتطلبات الدقيقة للأخلاق والنظام العام والرفاهية العامة في مجتمع ديموقراطي. والنقطة التي نشير إليها هنا أنهم لا يكتفون بمجرد التلميح أن على الشخص أن يكون "ديموقراطيًا" و"علمانيًا"، ولكن يلمحون أيضًا أن القوانين الديموقراطية والعلمانية فقط هي التي لها الحق في أن تقيد الحريات وتطبق القوانين التي تعارض ظاهريًا ما ينبغي أن يكون من الحقوق الإنسانية للفرد. وهكذا فنموذج حقوق الإنسان مرة أخرى يملي على الدول نوع حكومتهم وقوميتهم التي تجوز لهم.

إن الديموقراطية والعلمانية تعجان بالمشاكل والقضايا لاسيما مرة أخرى عندما يكون الأمر خاصًا بعلاقتهما بالدين، وهذا يبدو جوهريًا لموضوع علاقة الإسلام بحقوق الإنسان. وحول العلاقة بين حقوق الإنسان والديموقراطية كتب فريمان:

من المعتقدات الشائعة أن حقوق الإنسان والديموقراطية مرتبطتان ويدعمان بعضهما البعض بسبب خصائص كل منهما. على سبيل المثال أكد إعلان فيينا في عام 1993 أن الديموقراطية وحقوق الإنسان "يعززان ويعتمدان على بعضهما البعض". ومع ذلك فالعلاقة بين الإثنين إلى حد ما معقدة, وربما تُشكل القيمُ المتشابهة كاحترام كرامة الفرد أساس كل منهما. وربما تشكل الديموقراطية أيضًا على نحو متشابه الشكل الأفضل لحماية حقوق الإنسان بالرغم من أن بعض الديموقراطيات الانتخابية تفشل في حماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بينما تفعل ذلك بعض الأنظمة المستبدة إلى حد ما بطريقة حسنة (شُن 2001). لكن الديموقراطية وحقوق الإنسان لهما أسس نظرية مختلفة وربما متنافسة. تطرح نظرية الديموقراطية تساؤلًا بخصوص من ينبغي أن يحكم وتجيب بأنه الشعب. أما حقوق الإنسان فتسأل كيف ينبغي على الحكام أن يتصرفوا وتجيب بأن عليهم أن يحترموا حقوق الإنسان لكل فرد. الديموقراطية مفهوم جماعي، والحكومات الديموقراطية يمكنها أن تنتهك الحقوق الإنسانية للأفراد. إن مفهوم حقوق الإنسان موضوع للحد من قوة الحكومات، ولأنه -في سبيل ذلك- يُخضع الحكومات للسيطرة الشعبية، فله سمة ديموقراطية. ولكن حقوق الإنسان تُقيد القوة الشرعية للحكومات بما فيها الحكومات الديموقراطية. ونتيجة لذلك فإن حقوق الإنسان غالبًا محمية عن طريق تحصينها في الدستور. وذلك ينقل القوة من صانعي القرار السياسيين المنتخبين ديموقراطيًا إلى القضاة الذين عادَة ما يكونون غير منتخبين ديموقراطيًا.[388]

إذن مرة أخرى على المرء أن يتساءل إذ ما كانت اللجان الأوروبية حقًا تحكم في صالح الديموقراطية أم لا. كتب ماك جولدريك:

"في مثل قضية ليلى شاهين ضد الدولة التركية قررت المحكمة فعليًا أنه لابد أن يدفع أفراد معينون أو حتى الأغلبية منهم ثمن الحفاظ على المبدأ العام للعلمانية لأنه يصب في مصالحهم بعيدة المدى, بمعنى أنه جرى مجرى حكم دستوري قومي يسمح بالقيود على الحقوق للدفاع عن النظام الدستوري القومي الديموقراطي من إساءة الاستعمال".[389]

فهذا يُبرز كلا من تخبط نموذج حقوق الإنسان والتناقضات الداخلية للنموذج الديموقراطي. يقول التصريح: "قد يكون على الأغلبية أن تعاني وذلك من أجل فرض العلمانية وضمان أن الديموقراطية لا يساء استخدامها. وهذا جدل مشهور في نظرية الديموقراطية وهو: كيف يمكن حفظ إرادة الأغلبية من إساءة استخدامها من قبل الأغلبية؟

يبدو أن الجمعيات الأوروبية متخبطة فيما يخص حقوق الإنسان مثلها مثل أي أحد، لدرجة أنها في بعض الأحيان تضحي بها من أجل الأهداف القومية، وفي بعض الأحيان تدرك أنها ليست الغاية المطلقة وأن العلمانية والديموقراطية هما الغاية الحقيقية المطلقة. وعلى أي حال فمن المهم أن تكون هذه التخبطات والأهداف لقانون حقوق الإنسان واضحة لأي أحد كي يفهم القضية ويعيها.

بالطبع قد يقول أي مسلم أو أي دولة إسلامية استنادًا إلى الثقافة أو غيرها أنه لا ينبغي للنساء الخروج بملابس مغرية، وينبغي أيضًا ألا يسمح للرموز الدينية لغير المسلمين بالظهور العلني. نعم قد يكون ذلك بعيد المنال أكثرمن أي قوانين نوقشت أعلاه، ولكنه ربما يبدو منطقيًا،أعني أن القوانين الصادرة الجديدة في أوروبا فيما يخص الحجاب على سبيل المثال تحرم على النساء لبس الحجاب في مكان العمل أو المدرسة بينما لهن الحرية في أن يلبسنه في المنزل (حيث لا يرتدينه أكثر الوقت) أو في المساجد.

ومن المثير أن نشير إلى أن بعض المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومجموعة حقوق الأقلية واتحاد هلسنكي الدولي لحقوق الإنسان اعتبرت القانون الفرنسي الذي يحظر الحجاب انتهاكاً لحقوق الإنسان.[390] ومع ذلك فهي بالتأكيد رؤية لا تحظى بالأغلبية.

وقبل ختام هذه المناقشة عن جدل الحجاب في أوروبا من المثير أن نذكر عدة قضايا أخرى وُجدت في أوروبا، وهي تُبرز تناقضات قانون حقوق الإنسان وتجعل المرء يتساءل عما هو بالضبط الهدف وما هي الغاية من وراء تلك القوانين. ذكر ماك جولدريك عددًا من القضايا الأخرى في هذا النص التالي:

وعلى نحو غير مدهش نجد أن نتائج القضايا الفردية تتنوع حتى عندما تكون الحالات والوقائع متشابهة. ففي إحدى القضايا رأى صاحب متجر للملابس النسائية الداخلية أن موظفة تعمل لديه ترتدي ملابس محتشمة جدًا وأنها بذلك لا تجذب الزبائن فقرر فصلها. وفي عام 2003 أذنت محكمة الاستئناف الفرنسية لامرأة شابة مسلمة أن تلبس حجابها الإسلامي في محل عملها. وكانت هذه المرأة التي تُدعى داليا طاهري قد فُصلت في يوليو 2002 من قِبل شركة تسويق عبر الهاتف، لإصرارها على لبس الحجاب وذلك ضد رغبة أصحاب العمل الذين يريدونها أن تلبس حجابا قصيرًا لا يغطي رقبتها وأذنيها. وصادق قرار محكمة الاستئناف على حكم محكمة توظيف فرنسية في 17 ديسمبر 2002 الذي يقضي بأن فصلها من قِبل الشركة "باطل بطلانا واضحًا". وهناك أمثلة لنساء محجبات مُنعن من دخول الحضَانات والبنوك ومنظمات حقوق الإنسان[391] لرفضهن خلع حجابهن. وفي تلك القضايا ونظائرها تُنقل أيديولوجية مبادئ القطاع العام التي تطبق في قطاع عريض معروف أيضًا إلى القطاع الخاص. بالإضافة إلى أن هناك صعوبات واضحة إذا خُصصت وظائف معينة في الدولة أو خصصت جزئيًا ولكنها ما زالت خاضعة للتنظيم الحكومي.[392]

إن التجارب الأوروبية في التعامل مع القوانين الخاصة بالحجاب تثير سؤالًا ربما يفكر فيه القليل وهو: هل ممارسة الأديان تحظى بحرية أكثر في ظل الحكم الإسلامي منها في ظل الحكم الديموقراطي أو العلماني؟ إذا ما نظرنا في كافة صور الدعاية عن الإسلام وحرية الدين نجد أن هذا السؤال قد يبدو غريبًا. يحترم الإسلام على وجه العموم ممارسة كل فرد لدينه في ظل منظومة عامة معينة. أما في الإطار الخاص فالحرية مطلقة لأي دين أن يمارسه الفرد بمفرده ومنها اختيار قادته المعنيين، وله شريعته الخاصة والالتزام بقوانينه الشخصية. وهذا شيء غير متاح عموما لأتباع الأديان في المجتمعات العلمانية. ففي المجتمعات العلمانية على الكل أن يلتزم بالقانون العام بدون استثناء لممارسات دينية خاصة. ولهذا السبب على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن للمسلمين أن يطبقوا شريعتهم الإسلامية في أمور حضانة الطفل والطلاق والنفقة وأمور الزواج وغيرها إلا إذا كانت هذه الأشياء مطابقة تماما للقانون العلماني، الأمر الذي يجعل هذه الممارسة غير واردة. وفي كل هذه الأمور يجب على المسلمين أن يضحوا بشريعتهم حتى يمتثلوا للقانون العلماني. وحتى في أمور المعاملات المالية وقوانين البنوك والعقارات والاستثمار، من الصعب في الولايات المتحدة على سبيل المثال، للمسلمين أن يتعاملوا وفق الشريعة بالكامل بدون أن يكون هناك صدام مع بعض القوانين العلمانية. يرى المؤلف من خبرته أن واقعية الحرية في ظل العلمانية خلقت صعوبات كثيرة للمسلمين الذين يحأولون ممارسة عقيدتهم في بلاد علمانية. وبالتالي بالرغم من أن مناصري حقوق الإنسان والعلمانيين يدعون أن رؤيتهم توفر الحرية الدينية للجميع، فبدقة نقول أن أفعالهم هي التي تحد من الحريات الدينية.

إذن من الواضح أنه بالفعل توجد في بعض المجالات للأديان الحرية في ممارسة عقائدها في ظل الحكم الإسلامي أكثر من القانون العلماني.

إذا ما اعتبرنا هذه الحقيقة عن العلمانية بالإضافة إلى الجدل الأوروبي عن الحجاب فليس من المدهش أن نجد الأشخاص ذوي التوجهات الدينية –خاصة المسلمين منهم- يعارضون بعض الاتجاهات الموجودة. وكما لمحنا في هذا الكتاب أن تطبيق "الحرية" "والحقوق" يبدو أنه يسير على أي شيء غير الدين. وألمحت إيرين أوه إلى هذه الحقيقة عندما كتبت: "أن تعطي للناس حرية الإيمان ثم تحرمهم من الحق في ممارسة هذا الإيمان يبطل أهمية تلك الحريات."[393] وحول هذه النقطة نستشهد بما ذكره لاري أليكسندر:

يجب أن تعني حريةُ الدين الحرية في ممارسة الأديان الخاطئة والمغايرة للحقائق الدينية؛ وحرية تكوين الجمعيات يجب أن تعني حرية مرافقة الخاطئين ولأغراض خاطئة. لكن هنا تكمن المشكلة, وهي أن أي تفسير فلسفي للأخلاقية السياسية سوف يأخذ بالضرورة موقفًا بشأن ما هو حق وقيم وما ليس ذلك.[394]

وفي قضية الحجاب فإن أنظمة أوروبا التي تشمل أجهزة حقوق الإنسان، أخذت دور الدولة في تقرير ما هو حق وما هو خطأ في تعبير الشخص عن دينه.

وأخيرا جاء رأي بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر أيضًا مشابهًا حول هذه القضية عندما قال: "إن التسامح الذي يجعل الرب قضية رأي خاص، ولكن يستثنيه من الحياة العامة ومن واقع حياتنا ما هو إلا نفاق وليس تسامحًا... وعندما يجعل الإنسان نفسه السيد الوحيد لهذا العالم وسيد نفسه فلا مكان للعدل.[395]

حرية التعبير بين حديث من الأحاديث النبوية إلى الرسوم الكارتونية

إن الأحداث التي جرت في السنوات الماضية بدءًا من حادثة سلمان رشدي وحتى الأحداث الأخيرة تعطي بالتأكيد انطباعًا أن الشريعة الإسلامية تنتهك مبادئ حرية التعبير والكلام. سوف يُناقَش هذا الموضوع في هذا القسم من وجهة نظر علمانية نظرية، يتبعها بعد ذلك تنأول القضية الحديثة الأكثر إثارة وأخيرًا الحديث من خلال منظور قانوني لحقوق الإنسان على هذه القضية.

هل حرية التعبير حق من حقوق الإنسان؟

كتب الفيلسوف والمؤلف البارز ستانلي فيش كتابًا بعنوان: "لا يوجد ما يسمى بحرية التعبير...وهذا أمر لا بأس به كذلك"There's no such thing as free speech... and it's a  good thing too.  وفي مقابلة معه شرح رأيه قائلًا:

تصور ميلتون له وضع عام, فالكلام الحر عنده هو: كل ما يبقى بعد تقرير أشكال الكلام التي لا يسمح بالخوض فيها. "فمنطقة الكلام الحر" تبرز على خلفية ما تم استبعاده؛ يبدأ كل فرد بتحديد ما لا يجب أن يقال، وبخلاف ذلك فلا فائدة في التحدث في كل شيء.

مثال آخر: من بين أبرز مناصري حرية التعبير في هذه الدولة وهو نات هينتوف. نات هينتوف صحفي معروف كناقد موسيقي مختص في الجاز وهو ممن يدعمون حرية التعبير مهما كان الكلام المعنيُّ عدوانيًا أو حقيرًا. ولكن منذ سنتين تراجع هينتوف عن ذلك عندما قام بوضع حدود لبعض الجامعات التي تسمح بتدأول أشكال معينة من الكلام المُعَادي لِلسَّامِيَّة. ثم حدث أن أتت بعض المجموعات المسلمة إلى حرم الجامعات وبدؤوا يتحدثون عن "هوام آكلة للباجل (نوع من الخبز مرشوش بالسكر) خرجت من الكهوف في العصور الوسطى، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن وهي تصيب العالم بعدواها." فقال هنتوف: إن ذلك إفراط، فما أقصده هو أن لكل أحد قضيةحساسة يعترف بها منذ البداية أو تظهر في لحظة الأزمة؟[396]

من الواضح أنه في الإطار الاجتماعي الإسلامي هناك بعض القيود على حرية التعبير، كما هو الحال في أي مجتمع آخر. والغرض والهدف من وراء هذه التقييدات واضح جدًا. فليس للمرء حرية على سبيل المثال في أن يهاجم دين الآخرين أو أن يخوض في أعراضهم. وبالمثل فليس للمرء حرية في إظهار المواد الإباحية من أي نوع وذلك لصالح المكون الأخلاقي للمجتمع.[397]

من المثير هنا أن نقارن ونوازن بين حدثين متمايزين جدًا ونحللهما: الموقف الأول بخصوص منع حديث من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - والثاني بخصوص الإساءة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصور الكاريكاتورية التي نُشرت في الجرائد. إن ردود الأفعال على هذين الحدثين أو غياب رد الفعل يظهر مرةأخرى أن حقوق الإنسان في وضع خطير فهي تبدو في بعض الأحيان متعسفة وبعض الأحيان تبدومعادية للدين.

حظر حديث من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -

في أواخر عام 2008 أرغمت بعض منظمات الجناح اليميني في الولايات المتحدة جمعية الطلاب المسلمين في جامعة جنوب كاليفورنيا على إزالة بعض الأحاديث "المعادية" من موقع المنظمة الذي هو تحت رعاية الجامعة. هذه الجامعة هي منظمة خاصة وتتمتع بحرية أكثر في مثل هذه القضايا، ولكن يبدو أن الفشل التام يلقي بالفعل بعض الضوء على وقائع "حقوق الإنسان" اليوم.

والأحاديث المعنية هنا تتحدث عن أحداث آخر الزمان حيث ستكون هناك حرب بين المسلمين واليهود. ونص أحد هذه الأحاديث أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى - صلى الله عليه وسلم - كما روى عبد الله بن عمر- قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أو الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ". يصف النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا القول واقع حدث في المستقبل، مثله مثل قصة البعث النهائي The Rapture التي يؤمن بها بعض النصارى أن جميع الناس سيهلكون ويدمرون. فلا يوجد أمر بقتل هؤلاء الناس اليوم ولا أمر باستعجال ذلك القتال. ومع ذلك فقد حرف البعض كلمات النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه بقوة لتبرير الهجوم على المسلمين وإرغامهم على إزالتها. وقد أشار ديفيد هورويتز إلى أن هذه الأحاديث تدعو المسلمين لقتل اليهود على اعتبار أن هذا شرطًا للخلاص."[398] وقد تعأون "مركز ديفيد هورويتز للحرية" مع مركز سيمون ويسينثال لكتابة مسودة لأنهما "يخشيان وجود دعوة للإبادة الجماعية على سيرفر جامعة جنوب كاليفورنيا".[399]

وقد حُذف الحديث بالفعل من الموقع، ولكن هذا الحدث برمته مع التحريف الهائل للمعناه أثار بالكاد حديثًا في الساحات الإعلامية؛ وربما توقع البعض أن يثير ذلك جدلًا على الأقل أو حركة إعلامية من قبَل المنظمات الطلابية الأخرى عن الشكل القادم من أشكال حرية التعبير الذي ستمنعه الجامعة.

هكذا بلغ بهم الأمر أن إزالة هذا الحديث من موقع تعليمي في مجتمع يؤمن بـ "حرية التعبير"، فما ظنك بردهم على كرتون يصور النبي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بطريقة عدائية، وقد عرف مسبقًا أن ذلك سيؤدي إلى غضب عارم وقد يقود إلى عنف!؟ سيكون هذا الحدث موضوع المناقشة الآتية.

الإساءة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الرسوم الكارتونية على صفحات الجرائد

في مقابل الحدث الأول الذي تكلمنا عنه آنفا، اهتم الإعلام بتغطية نشر الرسوم الكارتونية في المجلات الدنماركية التي أساءوا فيها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وصوروه على أنه إرهابي، وذلك لأسباب عدة.

في سبتمبر عام 2005 نشرت جريدة "يولاندس بوستن" اثني عشر رسما كارتونيًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجة أنهم كانوا يعانون من الرقابة على المطبوعات فيما يخص الحديث عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -. أو بعبارة أخرى يبدو أن الغرض التام هو إظهار حرية التعبير كحق من حقوق الإنسان.[400]

وهذا يقودنا إلى السؤال التالي المهم، الذي يمثل بالفعل نقداً لنظرية حقوق الإنسان ككل وهو: ما الفائدة المرجوة من تقديم "حقوق الإنسان" والدفاع عنها مع أنه في الواقع تبدو أنها لم تسهم في كرامة الإنسان ورفاهيته، باستثناء تلك الفكرة الغامضة بأن المرء له حق؟

الإطار القانوني

يزعم كل من يطعن في الإسلام أو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه يمارس حقه في حرية التعبير والرأي والاعتقاد. وربما يكون ذلك مقنعًا إذا ما نظرنا إلى الموضوع في الإطار الغربي. في نهاية يناير 2006 فشلت حكومة بلير في محأولة إصدار قانون يجعل ازدراء العقائد وقادة الأديان جريمة بدافع الكراهية. ففي مقابلة مع إذاعة بي بي سي في 1 فبراير 2006 عارض أحد أعضاء البرلمان مشروع القانون قائلًا بأن القانون عليه أن يحمي حياة الأفراد وأموالهم ولكن لا حاجة في حفظ "مشاعرهم"؛ هكذا طالما أنه لا انتهاك جسدي أو مالي للفرد فلأي أحد الحرية في أن يعبر عما يريد. ويعكس هذا الاتجاه التأكيد الغربي المقبول الحالي على حقوق الأفراد في مقابل الرفاهية الاجتماعية. بل إنه عقب النزاع حول الرسوم الكارتونية التي تسخر من النبي - صلى الله عليه وسلم - صرح البعض بفخر بل وبعجرفة أن لهم الحق في السخرية من الرب إذا أرادوا.

وأيًا ما كانت الحقوق القانونية الوضعية، ومع تجاهل خطورة الأسلوب الذي تتم به هذه الإهانات, فما الذي يحدث إذا أدت هذه التصريحات بالفعل إلى ضرر وهجوم على الحياة والأموال؟ ما الحكمة من وراء السماح بـ "أسباب" تؤدي إلى "أذى" مع تحريم الأذى نفسه؟ على سبيل المثال هل قيادة السيارة في حالة سكر أمر مستهجن في نفسه أم أنه محرم بالقانون فقط لأنه قد يؤدي إلى ضرر، وفقدان النفس أو المال؟

وبالطبع على أية حال فإن إجازة القانون لأمر ما لا يعني بالضرورة أنه أخلاقي أو حتى أنه حكيم. وفي البيئة التي نعيشها حاليًا تعتبر هذه قضية ذات أهمية عظمى. لا ينبغي على المرء أن يستدعي حقوقه دفاعًا عن أفعال بغيضة أو مؤذية قد تؤدي حتما إلى سفك للدماء. فليست القضية قضية إصدار قوانين جديدة،كما حدث في إنجلترا، إنما القضية قضية اختيار المنهج القويم أخلاقيًا لاتباعه، والأسلوب المتعقل للسلوك فيه.

وبالرغم من ذلك، ففي الوقت نفسه, وطبقًا لقانون حقوق الإنسان الأوروبي، فإن منع أمثال تلك الرسوم الكاريكاتورية كان ينبغي أن لا يعد انتهاكًا لحقوق الإنسان على الأقل مع وجود قضايا أخرى سابقة. ففي قضية هيرتزبيرج وغيرها في فنلندا أُقيمت دعوى ضد الدولة المعنية لأنها أدانت برنامجًا تلفزيونيًا يبحث في قضية الشذوذ. وكان دفاعهم أن هذا الفعل كان لحماية الأخلاق العامة. وأقرت لجنة حقوق الإنسان أن الدولة المعنية لم تنتهك المادة التاسعة عشر من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بل صرحت أكثر من ذلك بقولها:

ينبغي أن يلاحظ أولًا أن الأخلاق العامة تختلف اختلافًا واسعًا، ولا يوجد معيار قابل للتطبيق بوجه العموم. لذا فيما يخص ذلك ينبغي أن يمنح هامش من الاجتهاد للسلطات القومية المعنية.[401]

علأوة على ذلك في قضية مورفي ضدالدولة الأيرلندية أيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارًا يحظر برنامجًا دينيًا تجاريًا في أيرلندا على أساس أن ذلك قد يؤدي إلى التفرقة، وفيه مراعاة للتاريخ المضطرب لأيرلندا فيما يخص الصراع الديني.[402]

خطر التشويه والسخرية في الإعلام: لماذا يجب تقييد حرية التعبير؟

لا شك أن الصور والآراء الشائعة التي تعرض في الإعلام لها قوَّتها. وفي قضايا عديدة تشكل هذه الأمور وعي الفرد للواقع, لاسيما أن كثيرًا من الغربيين -وفي الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من أوروبا- لم يسبق لهم التعامل مباشرة مع المسلمين، ولذا فإنهم يجدون أنفسهم ملزمين بأن يعتمدوا على الإعلام لتنمية إدراكهم عن الإسلام والمسلمين. يقول ناكوس وتوريس-رينا: "لاحظ والتر ليبمان منذ 55 سنة تقريبًا وقبل ظهور التلفزيون أن معرفة الناس لما يجري حولهم في العالم يتشكل أغلبه بطريقة غير مباشرة عن طريق الصحافة، وأن الصور التي في مخيلاتنا هي نتيجة واقع وَهمِيّ منعكس في الأخبار."[403]

فالصحافة تحمل على عاتقها مسؤولية عظيمة، وما تعرضه وطريقة عرضه قد يقود في نهاية المطاف إلى قرارات حياة أو موت أو حرب أو سلم. إن الرسوم الكاريكاتورية السياسية والصحافة الصفراء قد تكون كافية في أن تقود الدولة إلى جنون الحرب إذ أنهم يستميلون مشاعر العوام. ويعي ذلك أي أحد له معرفة بالحرب الأمريكية الأسبانية. فقد كانت في الولايات المتحدة الأمريكية قُوى قوية مصممة على خوض الحرب ضد أسبانيا خشية التهديد الأسباني على الأمريكيين. وقد استخدمت كل من صحيفة The New York Morning Journal (التي كان يرأسها وليام راندولف هارست) وصحيفة The New York World الصحافة الصفراء لتصوير اضطهاد أسباني في كوبا، على الرغم من أن الرئيس ماكينلي أراد أن يقف على الحياد، لكن تأثير الإعلام كان شديدًا مما أدى إلى ظهور تأييد شعبي عظيم لمساعدة الكوبيين. وهذا الضغط العظيم على الرئيس ماكينلي قاده إلى أن أرسل البارجة الحربية ماين إلى هافانا في عام 1898 وانفجرت هذه البارجة ولم تستطع الملاحة في ذلك الوقت أن تحدد سبب الانفجار على الرغم من أن الكثيرين قالوا أن ذلك كان بسب مشكلات ميكانيكية. وفي الوقت نفسه عرض الأسبان أن تُحال قضية المسؤولية إلى التحكيم، ولكن وسائل الإعلام على الرغم من أنهم لم يحددوا السبب الدقيق للانفجار استغلت الفرصة ونشرت شعار "تذكروا البارجة، فلتذهب أسبانيا إلى الجحيم" واستمرت في تصوير الأسبان الأشرار في الرسوم الكاريكاتورية, وأصبحت الولايات المتحدة في طريقها إلى الحرب. فلا يجب أن نضيع اليوم الاستفادة من دروس هذه الأحداث.

ومثال آخر على تأثير الصحافة هو الفقرة التالية: "إن العنصرية التي أدت إلى اعتقال الأمريكيين اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية وُلدت جزئيًا بسبب صناعة الأفلام السينمائية التي صورت الشرقيين على مدار عدة سنوات على أنهم أوغاد، ومن ناحية أخرى بسبب الصحافة لا سيما جرائد وليام راندولف."[404] واليوم بالطبع يتذكر الأمريكيون أمر اعتقال اليابانيين بخجل. وفي الوقت نفسه فإن وسائل الإعلام ماضية في لعب دورها، كما يمكن رؤية هذه الحقيقة حتى بعد سنوات من غزو العراق، حيث إن الكثير ما زال يصدق أن صدام حسين كان متورطًا مباشرة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر...

والنتيجة، إن لم يكن الهدف من التشويه الصارخ والسخرية هو تجريد العدو من الصفات الإنسانية. وعندما يُجرد العدو من الصفات الإنسانية لا يعبأ أحد بمدى معاناته، وبعدها يستسيغ المرء أن يفعل معه ما لا يمكن أن يأتيه الإنسان في الظروف الطبيعية مثل أشكال التعذيب المروع والإذلال.

التشويه مقابل النقد

معظم سكان الغرب ليسوا مسلمين، وكثير منهم ليسوا مسلمين لأنهم يشعرون بشيء غير مقبول في الإسلام. لذا فمن المتوقع أن تكون لديهم فكرة عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يشاركهم فيها المسلمون. وقد تحأور الرسول نفسه - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود والنصارى والمشركين الذين لا يؤمنون به، وبعد نقاشهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه ظلوا على ما يعتقدونه، فلا يندهشن مسلم أو غيره عندما يعلم أن أحدا من غير المسلمين له رأي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دون ما يؤمن المسلم به.

إن القرآن يرحب بأي حوار ونقاش مع غير المسلمين: يقول الله تعإلى: ﴿ ٱدۡعُ إلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥ ﴾ [النحل: ١٢٥]

بل إن القرآن يدعو مرارًا غير المسلمين ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111؛ النمل: 64؛ القصص: 75).

 فالاعتراض ليس على غير المسلمين- لا سيما في بلدانهم- في التعبير عن آرائهم عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا كان ما صرحوا به نابع من إخلاص ويتسم بالعقلانية أيضًا، بحيث يمكن مناقشتهم على أساس عقلاني وبإخلاص. إن المسلمين يرحبون بتلك المناقشة بل في الواقع إن هذه المناقشات أفضل للإسلام، لأن معظم الناس في الغرب لديهم آراء مشوهة عن الإسلام. وإذا ما أرادوا أن يعبروا عن آرائهم بأمانة ومناقشتها بأمانة فلنا أن نعرض لهم حقيقة الإسلام. وهذا الفعل من شأنه أن يقلل حدة التوتر والنزاع الموجود بين المسلمين وغير المسلمين. في واقع الأمر إن كثيرًا من الأمريكيين اجتهدوا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر في التعرف أكثر على الإسلام وأصبح هناك عرض أكثر للإسلام والمسلمين. فمقارنة باستطلاعات قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر يذكر ناكوس وتوري رينا أن الجمهور الأمريكي عموما نظر إلى الأمريكيين المسلمين نظرة أكثر تقبلًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.[405]

فالمرء يمكنه أن يستجيب للجدال العقلاني بمناقشة جادة وعقلانية, لكن لا يمكن أن تكون هناك إجابة لشيء هدفه هو السخرية والإهانة والأذى.

وخلاصة القول أنه إذا أراد غير المسلمين أن يجادلوا وأن يناقشوا قضايا الدين الحقيقية والاعتقاد فالمسلمون أكثر استعدادا لذلك. أما إذا لجأوا إلى التشويه والاستهزاء فلا يندهشوا إذا رأوا من المسلمين استجابة فيها كراهية وازدراء. وليس لهم بعد ذلك أن يسألوا: "لم يكرهنا هؤلاء؟" لأن الإجابة واضحة.

وفي الحقيقة هناك مؤلف تطرق لهذه النقطة وذكر أن هؤلاء الذين طعنوا في النبي - صلى الله عليه وسلم - في الماضي فعلوا ذلك في محأولة لتجنب الحديث عن القضايا الحقيقية. يقول مينو رييفز في كتابه "محمد في أوروبا: ألف سنة من صناعة الأساطير في الغرب" Muhammad in Europe: A Thousand Years of Western Myth-Making:

لقد بدأت المشاكل مع أوائل المنظرين النصارى في القرون الوسطى، فقد اختاروا ألا يهاجموا العقيدة الإسلامية، تلك العقيدة الساحرة في بساطتها ووضوحها، والتي أثارت العديد من الأسئلة المربكة بشأن العقيدة النصرانية، كما أنهم لم يتمكنوا من التشكيك في السلوك المتدين الذي يتمتع به عوام المسلمين، ولكن بدلًا من ذلك، سبقوا أسوأ أنواع الصحف الصفراء، وتنأولوا القضية بصورة شخصية، وهاجموا نبي الإسلام، تاركين كل شيء سوى معلومات سطحية حول أي حقيقة، أو اختلقوا الأكاذيب. لكن المسلمين على الجانب الآخر لم يستطيعوا أن يواجهوا مثل هذا الهجوم بنظيره، إذ أن القرآن يأمرهم بأن ينظروا لعيسى على أنه نبي من عند الله.[406]

ويبدو أنه شيء لم يتغير كثيرًا عبر القرون.

الخلاصة

يضع الإسلام بعض القيود على الممارسات والعادات لتتفق مع الأخلاق العامة والمصلحة العامة. ومن وجهة نظر الإسلام، يُعتبر أي منشور معادٍ للدين من الخطورة والتهديد بمكان. إن قضية تقييد تلك الحريات معروفة ومطبقة في كل مجتمع. ومع تقييد تلك الحريات لا يزال على المرء احترام الحرية نفسها. وقد فصَّل دونلي في تلك القضية تفصيلًا جيدًا فقال:

هذا الأمر له أهمية خاصة إذ أن معظم القضايا الحساسة في المناقشات الحديثة تبرز عند مستوى التنفيذ. فعلى سبيل المثال الجدالات الدائرة حول الإباحية هي حول قيود- تفسير وتطبيق- حرية التعبير. فغالبية الدول الغربية تجيز أي تصوير لأي فعل جنسي (طالما أنه لا يشتمل على وجود أطفال أو لا يعرض أمامهم). وتعاقب عديد من دول أخرى من ينتج هذه المواد وأشباهها أو يوزعها أو يستهلكها). ومع ذلك لا يعني هذا النزاع رفض حقوق الإنسان أو الاستقلال الشخصي أو حتى حق حرية التعبير. وعلينا أن ننتبه أيضًا أن الجدل حول الإباحية يحتدم داخلالعديد من الدول, وتحرم كل دولة بعض أشكال الإباحية، وتسمح معظم الدول -إلا أفغانستان لتكون بذلك الاستثناء الذي يثبت القاعدة- ببعض التصأوير الجنسية أو عرض الصور المثيرة جنسيًا التي تحظرها دولة أخرى باعتبارها شيئًا إباحيًا. وكلما حأول المرء تنظير هذه القضية فإنه يبقي على أمرين كما هما: حق الإنسان الأساسي المعتبر في حرية التعبير والمعترف به دوليًا والقيمة الأساسية للاستقلال الذاتي.[407]

 حرية الدين: الجدل حول الردة

ثار نقاش مطول في السنوات الأخيرة حول حكم الردة في الإسلام. وتنص المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي وقَّعت عليها الغالبية العظمى من الدول الحالية على أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرًا أو علانية".

ومن ناحية أخرى، يؤمن المسلمون بقول النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإحدى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَماعَةَ " (رواه البخاري ومسلم). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"[408] (رواه البخاري وغيره).

استدل جمهور العلماء بهذه الأحاديث على أن حد الردة في الشريعة الإسلامية هو القتل. وهناك بعض من يرى -لا سيما بعض الكتاب المعاصرين- خلاف ذلك, ويرون أن القول هنا أن "العقوبة هي القتل" فيها لبس في فهم الشريعة الإسلامية. وليس المحل هنا محل ذكر للخلاف, وإنما سيفترض المؤلف هنا أن رأي الجمهور هو الرأي الراجح، وستسير المناقشةُ بأكملها على ضوء هذه الخلاصة. وإذا أمكن الدفاع عن العقوبة الأغلظ في الهجوم الجاري فأي عقوبات أقل سيكون الدفاع عنها أسهل.

هل يمكن أن يشرع الله الموت عقوبة على الردة؟

يظهر على كثير من النصارى الاشمئزاز عندما يعلمون أن المسلمين يؤمنون بأن الله يقرر القتل حدًا للردة. بل لقد سمع المؤلف نفسه النصارى يدعون أن الإسلام حقًا دين همجي إذ يؤمن بهذه العقوبة. وهذا الاتجاه محير بالنسبة للمؤلف؛ فمن قائل: "لم نعد نؤمن بهذا الحكم" وآخر يقول: "لن نؤمن برب يشرع مثل هذه العقوبة". أما الحالة الأولى فبها يُعرِض المرء عما قد يكون جزءًا من دينه, وهذا الاتجاه شائع وسط الحداثيين من اليهود والنصارى والمسلمين. أما القول الثاني فصاحبه ينكر بوضوح ما هو منصوص عليه في كتبه المقدسة. (وللأسف هذا ليس نادرًا بالنسبة للحداثيين. ومع ذلك لا يصل العديد من المسلمين والنصارى واليهود الأقل تطرفًا إلى هذا الحد).

ليست هناك حاجة هنا لإجراء دراسة متعمقة للنصوص الإنجيلية ذات الصلة، فهي خارج نطاق ما نحتاجه, ولكن حسبنا آية أو آيتين لنعلق عليهما.[409]

نقرأ في سفر الخروج (22: 20): " مَنْ ذَبَحَ لآلِهَةٍ غَيْرِ الرَّبِّ وَحْدَهُ، يُهْلَكُ." يقول المفسر المشهور متى هنري عن هذه الآية:

الوثنية عقوبتها الإعدام (الآية20)، فإذا أعلن الرب أنه يغار على هذه الأمور لابد أن تغار القوى البشرية أيضًا، وبالضرورة يجب عليهم أن يدمروا هؤلاء الأشخاص والأُسَر وأمكنة إسرائيل التي عبدت فيها آلهة غير الرب، وكان من الممكن حيلولة هذا الحكم دون الردة الفاجعة للأمة اليهودية فيما بعد، لولم يكن هؤلاء المخولون بتنفيذ العقوبة رؤوسًا في انتهاكه.[410]

ونقرأ في سفر العدد (25: 1-5):

1وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي شِطِّيمَ، وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآبَ. 2فَدَعَوْنَ الشَّعْبَ إلى ذَبَائِحِ آلِهَتِهِنَّ، فَأَكَلَ الشَّعْبُ وَسَجَدُوا لآلِهَتِهِنَّ. 3وَتَعَلَّقَ إِسْرَائِيلُ بِبَعْلِ فَغُورَ. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ. 4فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ جَمِيعَ رُؤُوسِ الشَّعْبِ وَعَلِّقْهُمْ لِلرَّبِّ مُقَابِلَ الشَّمْسِ، فَيَرْتَدَّ حُمُوُّ غَضَبِ الرَّبِّ عَنْ إِسْرَائِيلَ». 5فَقَالَ مُوسَى لِقُضَاةِ إِسْرَائِيلَ: «اقْتُلُوا كُلُّ وَاحِدٍ قَوْمَهُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِبَعْلِ فَغُورَ».

وهنا نص آخر معبِّر وهو من سفر التثنية: 13: 6-11 :

"6وَإِذَا أَغْوَاكَ سِرًّا أَخُوكَ ابْنُ أُمِّكَ، أو ابْنُكَ أو ابْنَتُكَ أو امْرَأَةُ حِضْنِكَ، أو صَاحِبُكَ الَّذِي مِثْلُ نَفْسِكَ قَائِلًا: نَذْهَبُ وَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلاَ آبَاؤُكَ 7مِنْ آلِهَةِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ حَوْلَكَ، الْقَرِيبِينَ مِنْكَ أو الْبَعِيدِينَ عَنْكَ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إلى أَقْصَائِهَا، 8فَلاَ تَرْضَ مِنْهُ وَلاَ تَسْمَعْ لَهُ وَلاَ تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ، وَلاَ تَرِقَّ لَهُ وَلاَ تَسْتُرْهُ، 9بَلْ قَتْلًا تَقْتُلُهُ. يَدُكَ تَكُونُ عَلَيْهِ أولًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا. 10تَرْجُمُهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ، لأَنَّهُ الْتَمَسَ أَنْ يُطَوِّحَكَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. 11فَيَسْمَعُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ وَيَخَافُونَ، وَلاَ يَعُودُونَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ الشِّرِّيرِ فِي وَسَطِكَ".

وفي "أخبار الأيام الثاني" (15: 8-19) أن الحد يطبق حتى على الصغار من المرتدين. والآيات التي لها علاقة بذلك هي 12-13 وفيها: "12وَدَخَلُوا فِي عَهْدٍ أَنْ يَطْلُبُوا الرَّبَّ إِلهَ آبَائِهِمْ بِكُلِّ قُلُوبِهِمْ وَكُلِّ أَنْفُسِهِمْ. 13حَتَّى إِنَّ كُلَّ مَنْ لاَ يَطْلُبُ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ يُقْتَلُ مِنَ الصَّغِيرِ إلى الْكَبِيرِ، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ".

ونرى في "العهد الجديد" في "رِسَالَةِ بُولُسَ الرَّسُولِ إلى أَهْلِ رُومِيَةَ" 1: 20-32 أن بولس يقر بقتل عباد الأوثان وفاعلي اللواط وآخرين مذنبين. يقول النص:

"19إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، 20لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. 21لأَنَّهُمْ لَما عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أو يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. 22وَبَيْنَما هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَماءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، 23وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. 24لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إلى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. 25الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إلى الأَبَدِ. آمِينَ. 26لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إلى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، 27وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ. 28وَكَما لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إلى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا ما لاَ يَلِيقُ. 29مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلًا وَخِصَاما وَمَكْرًا وَسُوءًا، 30نَمامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ ِللهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، 31بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ. 32الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ".

ما ذكرناه من أمثلة كافٍ، ومن أراد المزيد فليراجع سفر التثنية ( 13: 12-18) و (17: 1-7).

إن تاريخ الكنسية النصرانية الرسمية وعديد من رؤسائها حول هذه القضايا وأشباهها كما هو معروف مظلم جدًا. ففي تاريخ النصرانية لا يلزم أن يكون المرء مرتدًا حتى يُقتل. هناك فارق بين الردة والبدعة كما هو واضح في الفقرة الآتية من الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica:

[الردة هي] الرفض التام للنصرانية من قبَل شخص معمد اعتنق الإيمان مرة ثم رفضه علانية. وبينها وبين البدعة فرق، فالبدعة هي رفض لشيء واحد أو أكثر من تعاليم النصرانية من قبَل شخص يحافظ على الالتزام الإجمالي بالمسيح عيسى.

ونأخذ مثالين كافيين من تاريخ النصرانية في تعاملها مع المبتدعة وليس المرتدين: الأول هو طائفة الكاثار وهي طائفة مبتدعة مسالمة ظهرت في جنوب فرنسا وقد قُضي عليها. وقد أعلن البابا إنوسينت الثالث حملة صليبية ضدها، وإليك وصف مؤلفين نصارى لجزء من هذه الحملة:

في عام 1209 دعا أرنولد أموأوري رئيس دير سيتوكس لمذبحة جماعية للكاثار في مدينة بيزييه. وكان شعاره "اقتلوهم فالرب يعلم من أتباعه". كانت الكاثار تشكل أقلية صغيرة في المدينة ربما خمسمائة شخص لكن المدينة بأكملها دفعت ثمن الذنب مشتركا، فقُتل عشرون ألفًا, وهكذا بدأت المذبحة الجماعية لآلاف الكاثار في القرن الثالث عشر.[411]

وبالطبع قد يلقي غير الكاثوليكيين مسؤولية هذه الدماء على الكاثوليك الأشرار, ومع ذلك علينا أن لا ننسى ما فعل مارتن لوثر فيما يخص حركة الأنابابتست (the Anabaptists) وهي حركة أخرى مبتدعة سلمية بلغ بأصحابها أن جددوا معمودية البالغين في سن الرشد (أي تعميدهم مرة أخرى في حال كونهم معمدين في طفولتهم).[412] صرح مارتن لوثر بأنه لا هوادة مع هؤلاء المبتدعة، وكانت عقوبتهم الشنق.[413]

هذا الاتجاه يخالف بشدة التراث الإسلامي. فبعد فترة ليست طويلة من موت النبي - صلى الله عليه وسلم - واجه الخليفة أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب أزمةً مع طائفة مبتدعة وهي الخوارج. وبالرغم أنه أرسل إليهم من يدعوهم ويصحح لهم ما وقعوا فيه، لكنه رأى أن لا يُقاتلوا حتى يُقاتِلوا أو يرتكبوا بغيًا. ولكن الخوارج بغوا فاضُطر عليٌّ إلى قتالهم، وهزَمهم. بعد ذلك سُئل أمشركون هم؟ فقال: "من الشرك فروا، فقالوا: أمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً- أي هؤلاء يذكرون الله كثيراً- قيل: فما هم يا أمير ألمؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا."[414]

في واقع الأمر إن أحد الأشياء المثيرة في المقارنة بين السُّنيين والطوائف المبتدعة هي أن غالبية الطوائف المبتدعة يقولون بـ"التكفير" (تكفير المخالف) و"السيف" (إرغام الآخرين على اعتناق تعاليمهم والخروج على الحكام)، ومن هؤلاء المعتزلة والخوارج الفرقتان اللتان تمدحهما ماير كما وصفنا سابقًا، وربما كانت غافلة عن هذا الوجه من التاريخ الإسلامي. أما أهل السنة فلا يلجأون إلى التكفير إلا في حالات نادرة ولا يخرجون على الحكام. وقد وُجدت كتابات عدة وُصفت بأنها كفرية، لكن عاش كُتابها في المجتمع الإسلامي وظلت كتاباتهم تنقل إلى اليوم ككتابات أغلب الفلاسفة الإسلاميين الممدوحين جدًا في الغرب.

القتل من أجل الرب أم الدولة؟

الأحداث التاريخية التي أشرنا إليها لها صلة وثيقة بالمناقشة التالية. لقد كان هذا التاريخ هو الذي أثار الاشمئزاز في أوساط المفكرين الغربيين من فكرة القتل من أجل الرب، ولقد استحر القتل بين النصارى يقتل بعضهم بعضًا في أوروبا، لدرجة أن مفكري أوروبا العظماء وصلوا إلى استنتاج مفاده أن ليس هناك معنى لأن تقتل "باسم الرب".

ونظرًا للوقائع الخاصة التي حدثت في أوروبا، لم يأخذ المفكرون الأوروبيون وقتًا طويلًا ليؤمنوا أن مثل تلك الاعتقادات هي مبادئ عامة. ولا شيء يبرز ذلك أكثر من هذا البحث الوجيز الذي أعده معهد "القِيم الأمريكية" عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر, وكان عنوانه "ما الذي نقاتل من أجله" ووقع عليه كثير من المفكرين البارزين في الولايات المتحدة الأمريكية مثل فرنسيس فوكوياما وصمويل هنجتون ودانيال باتريك موينيهان وغيرهم. وشمل أيضا بعض أبرز منظري فكرة الحرب العادلة اليوم مثل جيمس تورنر جونسون وجون كيلسي وجيان بيثكي إيلشتاين.

وقد ذكروا في الفقرات الافتتاحية لهذا البحث ما يلي:

نؤكد على خمس حقائق رئيسة تخص كل الناس بلا تمييز:

1.                      يولد جميع الناس أحرارًا متسأوين في الكرامة والحقوق.

2.                      الإنسان هو العنصر الأساسي للمجتمع, ودور الحكومة الشرعي هو حمايته, والعمل على تطوير الازدهار الفكري.

3.                      من طبيعة البشر الرغبة في البحث عن الحقيقة, ومعرفة الهدف من الحياة ومصيرها.

4.                      حرية الاعتقاد والحرية الدينية من الحقوق غير القابلة للانتقاص لجميع البشر.

5.                      القتل باسم الله مخالف للإيمان بالله، وهو أكبر خيانة لعالمية الاعتقاد الديني.

نحن نقاتل للدفاع عن أنفسنا وعن هذه المباديء العالمية.

ما يهمنا هنا هما النقطتان الرابعة والخامسة. وعلى المؤلف هنا أن يقر أنه لا يمكنه إدراك الفكرة المنطقية لهذه المقدمة. على سبيل المثال كيف تكون النقطة الخامسة مبدأ عالميًا؟[415] إن ذلك مخالفة لما كان الغرب يؤمن به عبر قرون. ففي واقع الأمر إنها ليست "مبدأ عالميًا" في الغرب إلى اليوم، كما يتضح ذلك إذا ما نظرنا في واقع النصارى الذين قاتل بعضهم بعضًا في أيرلندا الشمالية وأولئك الذين ارتكبوا جرائم القتل في عيادات الإجهاض باسم الرب. فمن المدهش قولهم بعد ذكر المبادئ الأساسية إنهم يقاتلون "دفاعا عن المبادئ العامة".

كان لهم على أقَلّ تَقدِير أن يقولوا إنهم يؤمنون أن هذه المبادئ طيبة لجميع البشر وتستحق أكبر صور الدعم، لكن الصورة التي عرضوا بها قضيتهم، -التي وقَّع عليها عدد كبير من الشخصيات رفيعة المستوى- بها خلل منطقي رئيسي؛ كيف لهم أن يدافعوا عن المبدأ العام وهو أن "القتل باسم الرب مناقض للإيمان" ويقاتلون أيضا دفاعًا عن مبدأ "الحرية الدينية" باعتباره حقًا من "الحقوق غير القابلة للانتقاص" لجميع البشر؟ ومن خلال ما ذكروا يمكن أن يحاجوا بأنه من المقبول أن تقاتل باسم الرب أولئك الذين يقتلون باسم الرب لأن القتل باسم الرب مخالف للإيمان بالرب كما قالوا!

ولكن ما الذي فعلوه في الواقع؟ كل ما فعلوه هو دين مبدل (لا يُسمَح فيه بالقتال في سبيله) مقابل مبادئ توصلوا إليها (يُسمح فيها للمرء بالقتال من أجلها)! لماذا يعطى وزن أكثر لمبادئهم المخترعة أكثر من المبادئ التي يؤمن المرء بأنها وحي من الله؟ أليس القتال من أجل مبادئ صنعها البشر إلا "حربا مقدسة علمانية". لقد علق جيمس تورنر في أحد كتاباته الكثيرة تعليقًا قيما يبرز التناقض الذاتي للموقف الذي اتخذه أولئك الموقعون, فكتب يقول:

ومع ذلك عندما تطور الدولةُ أيديولوجيةً لنفسها, فلابد أن يظهر شيء شديد الشبه بالحرب المقدسة لكن في زي علماني. ومثال تلك الأيديولوجيات: القومية والنازية والشيوعية والعرقية وحتى الديمقراطية. فالغرب بالتالي لم يرفض الحرب للدين بالكلية، لأن شيئًا شبيها به جدًا موجود، ويأخذ شكل حروب من أجل أيديولوجيات مبررة عديدة.[416]

والآن يبرز سؤال محير جدًا لكل من يؤمن بالله، وهو الأمر الذي يبدو أنه مازال يمثل رأي غالبية البشر اليوم: كيف لا يُسمح للمرء أن يقاتل من أجل دين الله، الذي هو خالق جميع البشر ورازقهم، ومع ذلك يعد مقبولًا اليوم أن يقاتل باسم أيديولوجيات هي من صنع البشر مثل "الديمقراطية" أو "الحرية". لقد أصبح مقبولًا اليوم أن تقاتل باسم دولة مخترعة؛ يجتمع أناس ويشكلون دولة, في بعض الأحيان نتيجة أحداث تاريخية استبدادية ويصبح مقبولًا ومنطقيًا لأهل هذه الدولة أن يقتلوا الآخرين في حروب تُخاض باسم الدولة. وسوف يدين هؤلاء الأشخاص أنفسُهم والذين يدافعون عن هذه الأنواع من الحروب -ومنهم الموقعون على البحث المذكور آنفًا- القتلَ أو القتال باسم الدين أو لأجل الله. أي الأمرين أكثر منطقية بالنسبة لمن يؤمن بالله بغض النظر أهو يهودي أم نصراني أم مسلم أم غير ذلك؟

والقضية الأكثر إرباكًا بالنسبة لمن يؤمنون بالله هي أنه: من الممكن أن يسجن الفرد مدى الحياة أو يُعدم بسبب الخيانة وكل ذلك باسم الدولة, وفي الوقت نفسه يمكن لأي أحد أن يقول ما شاء عن الله والدين أو عن أي موضوع آخر باسم حرية التعبير. إن الكيان البشري المسمى بالدولة، التي حتى ربما لا تكون موجودة في الغد كيوغسلافيا أو ربما تتخلى عن أيديولوجيتها الجوهرية كالاتحاد السوفيتي، لها الحق في أن تعدم شخصًا ولكن ليس لله أن يدعو إلى إعدام أي شخص.

ومحصل ذلك هو موقف مزدوج المعايير؛ فإذا كانت تلك الحقوق ثابتة للدول فلابد أن تكون ثابتة لله, لا سيما عندما تكون رؤية المرء عن الله تعلو فوق الدولة والمجتمع والاهتمام الشخصي كما هو الحال في الإسلام.

الخيانة والردة

بإيجاز، لا شك أن حد الردة في الشريعة الإسلامية شديد، والقضية الأكثر مشابهة بها الآن ربما تكون الخيانة. وتترأوح عقوبة الخيانة في أي مكان من السجن مدى الحياة (في كثير من الدول الأوروبية التي ألغت عقوبة الإعدام) إلى عقوبة الإعدام (مثل الولايات المتحدة حاليًا). فالقضيتان متشابهتان لأن نوع الردة الذي ربما تكون عقوبته القتل مشابهٌ للخروج المعلن على الدولة الإسلامية وكل ما تدعمه. شرح عبد الرحمن الشيحة هذه النقطة فيما يلي:

عبد الرحمن الشيحة. صـ153-154:

قتل المرتد في الإسلام يعني أن هذا المرتد قد انتهك قاعدة الإسلام وهاجم الإسلام عيانًا جهارًا بخيانته والطعن في الدين. وذلك يمثل تهديدًا لأصول النظام الاجتماعي والأخلاقي. وربما تُحدث هذه الخيانة بداية خروج داخلي [تمرد] وتمرد خطير داخل المجتمع الإسلامي. وهذا النوع من الجريمة هو أخطرها في أي مجتمع ولذا يُسمى بـ "الخيانة العظمى"...وتطبيق حد القتل على هذا المرتد في الواقع فيه حياة لباقي المجتمع من العنف والمكر الذي يريد أن يبثه إذا تُرك ليروج كفره وطعنه في الدين في المجتمع. أما إذا قصر الأمر على نفسه ولم يستعلن ويروج ذلك فحسابه على الله في الآخرة, والله يعلم المؤمن من الكافر والمخلص من المنافق. فالقائمون على الأمر لهم الأخذ بالظاهر في الأحكام والله يتولى السرائر.[417]

ويبدي بلال فيليبس ملاحظاته حول حد الردة في الإسلام فيما يلي فيقول: "إن الشخص الذي يترك الدين بمفرده ويغادر الدولة لن يُطارد ويغتال, وهل يُتعقب ويُقتل الشخص الذي يرتد سرًا, مع بقائه في الدولة الإسلامية وامتثاله ظاهريًا أحكام الدولة؟ ينبغي أن يُعلم أنه ليس في نصوص الشريعة الإسلامية ما يسمى بمحاكم التفتيش (للبحث عن إيمان الناس).[418]

وعند الحديث من الناحية التاريخية نجد أن علماء أهل السنة كانوا يحذرون من التسرع في تكفير الأشخاص. ويشير ناصر العقل أن كثيرًا من العلماء المشهورين عرف عنهم أنهم كانوا يتورعون عن ذلك مع أن أفعالًا تعد من الردة كانت تجري حولهم.[419]ومن الناحية التاريخية نجد أن من تسميهم ماير "مناصرو حقوق الإنسان" من الخوراج والمعتزلة هم من كانوا معروفين بتكفير المخالفين لهم في المنهج. فلقد اشتهرت هاتان الطائفتان بعقيدتين: التكفير (لغير متبعي مذهبهم) والسيف (وهنا يعني مشروعية الخروج على الأئمة). وبالطبع كلاهما يقود إلى الآخر، وكلما سهل تكفير الناس كالحكام سهل قبول مفهوم وجوب الخروج عليهم.

وليس المحل هنا محل بسط لكل النقاط المتعلقة بموضوع حد الردة في الإسلام[420] في ضوء الاتجاهات والفكر المعاصر. ويكفي أن نشير هنا في النهاية إلى أنه إذا كانت القوانين الحالية للخيانة وقوانينُ الحرب لا تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان فحكم الردة في الشريعة الإسلامية لا يعد انتهاكًا. إن مجرد كون إحدى العقوبتين تكون باسم "الدولة" أو "النزعة القومية" والأخرى باسم الله أو "الدين" لا يعني وجود اختلاف منطقي جوهري بين القضيتين.

وأخيرًا وبغض النظر عن عدد المرات التي تحأول فيها ماير أن تدعي أن حرية الدين "مطلقة" كما أسلفنا فيلزم الإقرار بأن كل المجتمعات عليها أن تتعامل داخليًا مع قضية الحرية الدينية. وربما لا تكون العقوبة المقررة لممارسات دينية معينة هي القتل ولكن ربما السجن وذلك لا يزال تقييدًا للحرية. يناقش دونلي هذه المسألة وهي "حرية الدين" مناقشة صريحة فيقول:

في ظل القمع المستمر للبهائيين الإيرانيين، والتي تنتهي –على الأقل في الوقت الحالي– بالإعدام، فهذه قضية في بالغ الحساسية. وحتى هنا, لا يكمن التحدي لمبدأ أو حتى حق حرية الدين (التي يؤيدها تقريبًا أغلب المسلمين)، ولكن التحدي هو في حدود المفاهيم المسلمة والغربية المتنافسة. وعلينا أن نتذكر أن لكل مجتمع قيودًا يضعها على الحرية الدينية, على سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية شملت قضايا المحاكم مؤخرًا حالات العلاج الطبي الإجباري لأطفال علماء النصارى، وذبح (القرابين) عند ممارسي طائفة سانتاريا، وحق طائفة "شهود يهوه" في التبشير في الإقامات الخاصة.[421]

حرية الدين: هل يتمتع المسلمون بالحرية في ممارسة دينهم في ظل منظومة حقوق الإنسان المعاصرة؟

قبل أن نختم هذا الموضوع من المهم أن نؤكد مرة أخرى على أن المسلمين فعليًا لا يتمتعون بالحرية في ممارسة دينهم في ظل برنامج حقوق الإنسان المعاصر، وذلك وفقًا لما يذكره نشطاء حقوق الإنسان من أمثال ماير وهولاند حيث يعتقدون بأن كثيرًا من العقائد والممارسات تنتهك قانون حقوق الإنسان ولا يمكن السماح بها, بل إذا أصر المسلمون على انتهاك تلك الحقوق للإنسان فالنتيجة في أغلب الظن هي العقوبات، بل قد تكون التدخل العسكري. وبمعنى آخر فإن المسلمين الذين يسعون في تطبيق فهمهم للإسلام التقليدي ربما تكون عاقبتهم ببساطة هي القتل والهلاك لأنهم رفضوا الالتزام ببرنامج حقوق الإنسان, وبمعنى آخر فهم في نظر مناصري حقوق الإنسان ليسوا أفضل من المرتدين أو الكفار. وبـ"ردتهم" و"كفرهم" يجوز سفك دمائهم باسم حقوق الإنسان, وفي الوقت نفسه لا يزال مناصرو حقوق الإنسان يبدو عليهم الهلع من الحد الإسلامي ا"لردة", وبذلك تزداد التناقضات الساطعة لبرنامج حقوق الإنسان المعاصر.

النتائج

من المدهش أن نرى كيف أن الإسلام يُنتقد في جهات عدة عندما يأتي الحديث عن حقوق الإنسان. ومع ذلك إذا ما دققنا النظر نجد أن قانون حقوق الإنسان هو الذي يتصف بالتناقض. ويبدو الهجوم على الإسلام ورؤيته لحقوق الإنسان قائما أكثر على التحيز ضد الدين عموما والإسلام خصوصًا.

وينتقد كثير من الناس الإسلام على اعتبار أنه يضع قيودًا على المرأة، وأنه لا يمنحها نفس حقوق الرجل. وفي الوقت نفسه حظرت الدول الأوروبية مرة بعد مرة على النساء المسلمات ارتداء الحجاب. وهذا تقييد واضح لحريتهن بنفس الطريقة التي يقيد الإسلام فيها حرية المرأة حين يحظر عليها الخروج بملابس مثيرة. وليس لدى محاكم حقوق الإنسان المذكورة سابقًا مشكلة في الموافقة على هذا الحظر؛ فهم يفعلون ذلك باسم العلمانية وحماية الآداب العامة والمسأواة والوحدة القومية.

ومع ذلك فإن هذه الدول الأوروبية نفسها ليست لديها مشكلة في طبع رسوم كاريكاتورية تسيئ للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -, ويظهر أن لا أهمية هنا لقضايا حماية الآداب العامة والوحدة القومية, وقد عُلم من قبل أن هذه الرسوم ستؤدي للتفرقة وربما تؤدي إلى العنف داخل الدول الأوروبية. وفجأة وبطريقة منحرفة, كانت حرية التصرف هي التي لها اليد العليا في هذا الموقف. وأيد نشطاء حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم حق الصحف في طبع هذه الرسوم عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وأخيرا, عندما يأتي الحديث إلىحكم الردة وأمثاله تجد نشطاء حقوق الإنسان يصرحون أنه ينبغي أن لا يُقتل أحد باسم الله أو لأجل الدين، وفي الوقت نفسه يمكن أن يُقتل أشخاص لأسباب أخرى عديدة تتعلق بمبررات تضعها الدولة.

وبخلاف التناقضات المذكورة أعلاه، عرض هذا الفصل بعض الحقائق المهمة جدًا عن نموذج حقوق الإنسان.

وتطرق هذا الفصل إلى عدد من الموضوعات الجدلية المتعلقة بالإسلام وحقوق الإنسان. تعتبر أوروبا هي الأكثر تقدما في مجال حقوق الإنسان، لذا بدأ هذا الفصل بدراسة عن كيفية تعامل محاكم حقوق الإنسان الأوروبية مع قضية حقوق الإنسان. وقد أظهرت هذه المحاكم وهذه القرارات الحقيقة بوضوح وهي أن حقوق الإنسان يمكن الهيمنة عليها واحتكارها لصالح مفهومين غامضين آخرين هما الديموقراطية والعلمانية. وهذا يعني في حقيقة الأمر أنه لا يوجد نموذج أو حركة لحقوق الإنسان اليوم. وإذا كانت الديموقراطية والعلمانية -طبقًا لرواد منظومة حقوق الإنسان في أوروبا التقدمية- تطغيان على حقوق الإنسان فإن هذا يعني أن الحركة ليست عن حقوق الإنسان وإنما حقوق الإنسان ببساطة هي هدف ثانوي أو أداة مستخدمة لتعزز الديموقراطية والعلمانية.

وإذا كانت الأيديولوجية أو نظام الديموقراطية/العلمانية قادرة على أن تعلو فوق حقوق الإنسان فهل يُسمح لأيديولوجيةِ أو نظام الإسلام أن يعلو فوقها؟ طبعًا إن التمسك بالإسلام بالنسبة للمؤمنين في الدولة الإسلامية أكثر قيمة وأهمية من حقوق الإنسان الفردية. وكما أن العلمانية الفرنسية (laicite) لها أولوية على حقوق الفرد طبقًا لما أقرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فإنه ينبغي أن تعطى الشريعة الإسلامية نفس هذه الأولوية في الدولة الإسلامية. وطبعا الرد الطبيعي هو: "لكن الديموقراطية والعلمانية تسمحان بالحرية للجميع..." وهذه حجة داحضة قد أُبطلت في هذا الفصل والفصل الذي قبله.

والحقيقة أن الدول والأنظمة القانونية لها الحق في تقييد الحريات وكما أشار بدرين قائلًا:

تفرض السلطة السياسية والسلطة القانونية بطبيعتهما بعض القيد على حريات الأفراد والحرية بوجه عام. ولعل ما قرره لوك يمثل التصور الصحيح للقضية حيث يقول: "الحرية أن تكون حرًا من قيد الآخرين وعنفهم، ولا يمكن ذلك بدون قانون...ليست الحرية كما أخبرونا أن يفعل المرء ما يريد". وفي ظل ما وُصف بـ "المبدأ التحرري الأساسي" يوجد فقط افتراض لصالح الحرية يطلب ممن يعارض فكرة وضع قيود على الحرية بأن يأتي بالدليل على ذلك. وبالتالي فلا يمكن استبعاد قوة الدولة في أن تتدخل في أفعال الأفراد في ظل النظرية التحررية أو في ضوء حقوق الإنسان ولكنها تكون فقط مقيدة بالضرورة الصحيحة. وضرورة السيطرة من قِبل السلطة السياسية من خلال القانون معتبرة, ولكن لابد أن يكون تبرير القيود على حريات الأفراد والحريات تبريرًا موافقًا للقانون وليس استبداديًا. فالمبدأ التَبْرِيرِيّ يرسخ أن تكون القيود على حقوق الأفراد واضحة في ظل القانون لكي لا تُنتهك حرياتهم وامتيازاتهم وحقوق الإنسان الأساسية.[422]

وتدل هذه الفقرة من بدرين ضمنًا على أنه يمكن للدولة الإسلامية أن تبرر وضع قيود عديدة على الحرية في ضوء أهدافها الشاملة للمجتمع. ولكن سقط من بدرين هنا توضيح أمر مهم وهو يشكل جزءًا من نموذج حقوق الإنسان؛ من المعروف أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون مطلقة بل لابد من إخضاعها لسلطة أعظم. وهذه السلطة الأعظم في كتابات مناصري حقوق الإنسان المعاصرين وفي قانون حقوق الإنسان المعاصر يمكن أن تكون أو يجب أن تكون الديموقراطية العلمانية ولا يمكن أن تكون سلطة دينية، ومع ذلك تجدهم يفشلون في الإتيان ببرهان واضح يبرر قبول أحد الأمرين ورفض الآخر.

على سبيل المثال, كتب أندرو كلافام أن الحريات والحقوق ربما تتعرض للتدخل فيها ولكن فقط على أساس الأسئلة الآتية:

1.                      هل هناك هدف شرعي للتدخل؟

2.                      هل قضى بالتدخل قانون متقبل وواضح؟

3.                      هل التدخل متناسب مع الهدف الشرعي المحدد وضروري في مجتمع ديموقراطي؟[423]

بل حتى إليزابيث ماير تقر بأن "الحريات المطلقة" قد تُقيد ولكن ليس على أساس الدين, فقد كتبت:

يعترف القانون الدولي أن كثيرًا من أوجه حماية الحقوق غيرُ مطلقة، وقد تُعلق أوتُعدل في ظروف استثنائية كالحروب والطواريء العامة، بل وحتى في الظروف العادية لصالح اعتبارات معينة أكثر أهمية. ويتوقع المرء أن تقع هذه الاعتبارات الأهم في القانون الدولي في واحد من عناصر عديدة راسخة. وربما توضع القيود على حقوق الإنسان للصالح العام الإجمالي ولخدمة سياسات محددة وخاصة. وقد تشمل الأخيرة حفظ الأمن القومي والأمن العام والنظام العام والآداب وحقوق الآخرين وحرياتهم ومصالح العدل والمصلحة العامة في مجتمع ديموقراطي. ولضمان أن تتم هذه التكييفات والانتقاصات في حدود إطار السلطة ولمنع الاستبداد في القرارات يجب أن تتُخذ الإجراءات التي تفرض هذه القيود وفقًا للقانون...ولا يقبل القانون الدولي أن تُقيد حقوق الإنسان الأساسية، فضلًا عن وقفها باستمرار، وفقًا لمتطلبات أي دين خاص. ولا يوفر القانون الدولي ضمانًا لعدم حرمان المسلمين من حقوق الإنسان عن طريق منح السيادة للمعايير الإسلامية. إذن تقييد حقوق الإنسان أو الحد منها احتراما لمقتضيات الشريعة هو تقييد لحقوق الإنسان القائمة على قانون بمعايير لا يُعترف بأنها قواعد شرعية للحد من حقوق الإنسان.[424]

وكذلك يصرح هولاند أن الحقوق قد تُقيَّد على أساس المنظومة الأخلاقية والنظام العام ولكن:

مصطلحا "المنظومة الأخلاقية والنظام العام" خاضعان للتقييد ليكون معناهما المنظومة الأخلاقية والنظام العام في سياق المبادئ الديموقراطية, وبالتالي قد لا يكون القانون المحلي أو القانون الديني مصدرًا لأي من هذه المعايير. وعلأوة على ذلك فإن المادة 29 تنص على المعاملة المتماثلة لكافة الحقوق، وعلى هذا فتُعامل المواقف المتماثلة بنفس الأسلوب. وعلى سبيل المثال إذا سنت الدولة قانونًا يحمي الدين، وفيه ضرر للنساء،فلابد من تحديد ما إذا كانت تلك القيود على حقوق المرأة ضرورية من أجل الاعتراف بالدين ومن أجل المتطلبات العادلة لمجتمع ديموقراطي. وذلك لابد أن يكون موازياً لحال الدولة التي تسن قانونًا يحمي المرأة من الضغوط الدينية ولابد من تحديد ما إذا كان التقييد على الدين ضروريًا للاعتراف المناسب بحقوق المرأة والمتطلبات العادلة لمجتمع ديموقراطي.[425]

(الظاهر من كلام هولاند أن "الأخلاق" لا يمكن حتى أن تؤسس على الدين الذي تدين به الدولة).

إذن فليست القضية قضية الحد من حقوق الإنسان وإنما القضية قائمة على ما هي الحقوق التي تقيَّد.


 أفكار ختامية

تطرق هذا العمل إلى المواقف المختلفة للكتابات عن الإسلام وحقوق الإنسان وقدم نقدًا لها. ثم بعد ذلك تمت مناقشة بعض الأسئلة الجوهرية حول حركة حقوق الإنسان المعاصرة. وهذا أدى مباشرة إلى السؤال: أين يقف الإسلام من حقوق الإنسان؟ وأخيرًا كانت مناقشة لبعض القضايا الجدلية الحديثة المتعلقة بالإسلام وحقوق الإنسان. وبالطبع هناك بعض النقاط الأخيرة العالقة التي لا تزال تحتاج إلى مناقشة قبل وضع بعض النتائج العامة.

حماية البشر

"إن حماية الأفراد (وربما المجموعات) من إساءة استخدام السلطة تقف في صميم مفهومنا لحقوق الإنسان"[426]

والسؤال اليوم: من الذي سيحمي الأفراد من إساءة استخدام السلطة التي يمارسها محامو حقوق الإنسان ونشطاؤها والسياسيون؟ هؤلاء الناس يتمتعون بقدر عظيم من السلطة ولا حرج عندهم في استخدامها في طرق عديدة مختلفة. إنهم يستخدمون قوتهم العسكرية والاقتصادية لتهديد الأمم والمجتمعات والناس في العالم، ويطلبون من الناس تغيير ثقافتهم ومجتمعهم بل حتى دينهم ليتماثلوا مع مطالب الحركة الجديدة.

لقد أتت "حقوق الإنسان" عبر سلسلة طويلة من المبادئ الجوهرية الأساسية التي يمكن أن تتفق عليها كل الأمم داخل سياقات ثقافاتها الخاصة. والآن تغلغلت حقوق الإنسان في الشؤون الأكثر خصوصية للأفراد سواء كانت العلاقة بين الزوجين أو موقف المرء تجاه التوجه الجنسي. ولا شك أن هذا يُعد إساءة لاستخدام السلطة.

بل في واقع الأمر إن إساءة استخدام السلطة لا تتوقف عند ذلك؛ إنها تمس أشرف شي في حياة الإنسان وهو علاقة الفرد بخالقه. ولقد هيمنت على هذه العلاقة القوانين التي وضعها البيروقراطيون المهنيون والسياسيون والمحامون. ولا يُسمح للفرد أن يتعبد لخالقه بطريقة يأباها هؤلاء الذين يصورون على أنهم حراس الأخلاق.

بل حتى الأفراد ذوو النية الحسنة قد يصيبهم الزلل ويسيئون استخدام سلطاتهم. قد نحتاج هنا إلى أن ننظر فيما حدث أعقاب الثورة الفرنسية لنرى كيف أن السلطة يمكن استخدامها استخداما سيئا حتى على أيدي أولئك الذين يدعون أنهم يحملون الحرية للناس. ربما يحتاج دعاة حقوق الإنسان أن يعيدوا تقييم من أين بدأوا وأين هم الآن؟ وعلى الرغم من أن كل شيء يُعرض بلغة حقوق الإنسان, لكن المرء يشعر بالاستبدادية في كتابات دعاة حقوق الإنسان لا سيما عند الحديث عن وضع الدين ودوره في المجتمع البشري.

الخيار الأخلاقي

"لابد من الموازنة بين الحقوق والقيَم الأخرى، ومن التصلب في الرأي أن نفترض أن الحقوق دائما جوهرية أكثر من القيَم الأخرى... ينبغي أن أعتبر وأقيِّم الوزن الأخلاقي للقيَم الأخرى المعرضة للخطر؛ الحقوق مهمة لكنها ليست كل الأخلاق."[427]

هناك أسئلة صعبة تتعلق بقضية حقوق الإنسان والأخلاق. قد يجادل نشطاء حقوق الإنسان بأن الأخلاق هي أن تعطي لكل من الدول والأفراد الحق الذي يستحقه كل منهم، وأن تحترم هذه الحقوق احتراما كاملًا. يبدو ذلك رائعًا ومقنعًا, ولكنه يقود إلى سؤال يتبع ذلك وهو: ما هي هذه الحقوق التي يستحقها كل واحد؟ وكما ناقشنا سابقًا فإن هذا السؤال لا إجابة له في نموذج حقوق الإنسان. وقد يجيب المرء بأنها الحقوق التي اتُفق عليها أنها كذلك. وهذه ليست إجابة على السؤال لاسيما إذا اعتبرنا أن "المتفق عليه" هنا يعني ببساطة الذي اتفق عليه محامو حقوق الإنسان وممثلو الدولة الذين يرون أنه لا حاجة للأخلاق في أن تكون مبدأ مرشدًا. وقد تكون الإجابة أنها الحقوق التي هي متفقة مع مجتمع حر ديموقراطي علماني, ويتم تجاهل الأخلاق مرة ثانية. ذلك أن مصادر الحقوق ينبغى أن تكون "محايدة أخلاقيًا"، ولا توجد أخلاق ديمواقراطية أو علمانية حقيقية. والنتيجة أنه سيُترك المرء مع نظام خال من الأخلاق. وهذا الأمر مقصود لأن القضايا الأخلاقية المتحيزة تعني أن المرء مرغم أن "يحكم" بطريقة معينة في الحياة والسلوك، وهذا هو المفترض نظريًا أن يتجنبه نموذج حقوق الإنسان. ولكن أخذ الأخلاق خارج المعادلة يفتح الباب لعدم الأخلاق. ويتمنى المرء أن يكون اهتمامه بأخلاقه حقًا من حقوق الإنسان. وبالتأكيد لا ينبغي على المرء أن يضحي باهتمامه بالأخلاق باسم مفهوم غامض وهو"حقوق الإنسان".

وإذا سمح المرء بإدخال موضوع الخيار الأخلاقي إلى المعادلة مرة ثانية فبالنسبة لنموذج حقوق الإنسان المعاصر سيواجه المسلم خيارا أخلاقيا ضخما. فهل عند المسلم قضية أخلاقية أعظم أو ورطة أخلاقية أعظم من عصيان الله أو الإيمان بنظام يعلم أنه ينتهك عقائده الجوهرية؟ تطرق النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك بإيجاز عندما قال: "لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".[428]

وإذا سُمح بطرح فكرة تقول أن شيئًا ما مقدم على حقوق الإنسان فبالطبع سنجد في النقاشات بين المسلمين أن طاعة الله لابد أن تكون فوق حقوق الإنسان.

العلمانية وحقوق الإنسان: هل يكفيان في الحياة؟

حقوق الإنسان ليست قائمة على عقيدة دينية ولا يمكن أن تكون كذلك، فهذا التصور خطأ فعليًا وتاريخيًا, وهو من ناحية المفهوم تصور إمبريالي. إن أيديولوجية حقوق الإنسان أيديولوجية عقلانية علمانية بالكامل، ونجاحها الموعود بوصفها أيديولوجية عالمية متوقف على علمانيتها وعقلانيتها. ولا يتوقع المرء تعأونًا مريحًا أو اندماجًا كاملًا بين منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الدينية.[429]

يمثل لويس هنكين هنا الاتجاه العلماني، وإذا كان كل العلمانيين على استعداد بتصريحات واضحة كهذه لا لبس فيها، فإن هذا هو الوقت المناسب أن يعي المسلمون أن هذه هي القضية الحقيقية. وقد يقول قائل أنه عند الحديث عن مقارنة حقوق الإنسان المعاصرة والإسلام، فإننا نتحدث عن دينين متمايزين أو أيديولوجيتين مختلفتين، ولن يجدي أن تحأول تطويع الإسلام ليناسب منظومة حقوق الإنسان المعاصرة لاسيما صورته الأكثر صرامة, ولن يجدي أيضًا أن تطوع وتهيمن على برنامج حقوق الإنسان ليتناسب مع الإسلام. بل ستؤدي التناقضات والحجج غير المنطقية إلى إضعاف عزيمة ذوي الاهتمام.

ثم بعد ذلك يناقض هينكن نفسه تناقضًا كاملًا ربما لأن مفهومه عن الدين أو الأيديولوجية محدود جدًا. ففي الوقت نفسه يشير إلى حقيقة مهمة وهي أن برامج حقوق الإنسان المعاصرة لا تستطيع أن تمد البشر بكل ما يريدون, كتب هينكن:

في الحقيقة إن فكرة الحقوق ليست أيديولوجية كاملة شاملة ولا تدعي ذلك، وليست في منافسة مع الأيديولوجيات الأخرى. أما الدين فإنه يشرح ويكيف، والعرف يدعم، والتطور يبني، أما فكرة حقوق الإنسان فلا تؤدي شيئًا من ذلك كله. وفي عالم اليوم –وربما في المستقبل– قد لا تتضاءل الحاجة إلى ما تعد به الأديان والتقاليد وتوفره. ولقد كان ممثلو الأديان محقين في رفض أي ادعاء بأن أيديولوجية حقوق الإنسان كاملة. إن منظومة حقوق الإنسان -الحقوق الباردة- لا توفر الشعور بالدفء والانتماء والتناسب والأهمية، ولا تلغي الحاجة إلى الحب والصداقة والعائلة والعطف والإخلاص والقدسية وتكفير الذنب والمغفرة. ولكن ربما إذا كانت حقوق الإنسان ليست كافية فهي على الأقل ضرورية، وإذا كانت لا تحقق التعاطف مع من نعرفه, فهي تجلب -كما فشلت الأديان كثيرًا- الاحترام لمن لا نعرفه. وحقوق الإنسان ليست أيديولولجية بديلة كاملة ولكنها أرضية ضرورية للسماح بالقيم الأخرى ومنها الدين لتزدهر. ولا تحمي حقوق الإنسان الأديان نفسها فحسب، ولكنها أتت لتخدم القيم الدينية في الأوجه والإطارات التي أظهر فيها الدين أحيانا أنه غير كاف. فحقوق الإنسان على الأقل لاهوت تكميلي للمجتمعات العلمانية الحضرية المتعددة. وهنا يمكن للأديان أن تقبل, إن لم تتبنى, فكرة حقوق الإنسان على أنها تأكيد على قيمها الخاصة ويمكن أن تكرس نفسها لمجالات أعمق وأضخم أبعد من القاسِم المُشتَرَك لحقوق الإنسان. وقد تحقق الأديان التوازن الذي يقضي على النزاع بين الحقوق والمسؤوليات، وبين الفرد والمجتمع وبين المادة والروح وهذا ما لا تفعله فكرة حقوق الإنسان على نحو ملائم.[430]

يعي هينكين الفراغ الموجود في برنامج حقوق الإنسان، ولكنه في الوقت نفسه فشل في أن يعي أنه إذا قُوضت سلطة الدين فلن يمكن للدين أن ينجز الأدوار الأخرى التي وصفها في الفقرة. وإذاأُخذت مبادئ حقوق الإنسان على أنها أسمى من العقيدة الدينية فماذا تعني العبادة والخضوع للرب؟ لا يمكن للفرد أن يكون في قلبه ربان أو سلطتان أساسيتان. كما قال النعيم مرة: "إن الاعتراض الأكثر جدية للعلمانية باعتبارها أساسًا لعالمية حقوق الإنسان هو عدم قدرتها على أن تحث وتلهم المؤمنين الذين هم الغالبية العظمى لأهل الأرض".[431] أيضًا لن يرضى أولئك المؤمنون أن يضعوا عقيدتهم فى مرتبة ثانوية تأتي بعد مطالب نموذج حقوق الإنسان.

طبعًا لا يمكن هذا إلا إذا كان شخص علماني مثل هنكين ينظر إلى الدين من منظور علماني, أي أن الدين يقدم هذه الأوجه الأخرى كالراحة لكنه لا يوفر طريقة كاملة للحياة، وبهذه الطريقة يفرض مناصر حقوق الإنسان رؤيته عن الدين على الآخرين باسم حقوق الإنسان العالمية، وهذا لن يجدي وفرضيته غير منطقية.

وأخيرًا، على المرء أن يجعل في المنزلة الأسمى إما العقيدة العلمانية لحركة حقوق الإنسان أو عقيدة الدين. وبالطبع هناك "عقيدة" وراء حركة حقوق الإنسان:

اقترح ماكس هوركهايمر -وهو ملحد وُجودي وأحد المناصرين الأوائل للنظرية النقدية بمعهد الدراسات الاجتماعية بفرانكفورت- أن "وراء كل محأولة بشرية حقيقية توجد هناك عقيدة." وهو يقول أن النموذج الأخلاقي والسياسي الذي "لا يحتفظ بالقيمة العقدية في نفسها فهو -مهما بلغت مهارته-ليس في آخر المطاف إلا متاجرة."[432]

وهذه العقيدة وراء حركة حقوق الإنسان لا يمكن أن تحتل المكانة الأخيرة بعد أي نوع آخر من العقيدة. وعلى حد تعبير جاك دونللي:

إذا كانت حقوق الإنسان حقوقًا يمتلكها الإنسان ببساطة لأنه بشر كما يُعتقد ذلك غالبًا فهي إذن حقوق عالمية مستحقة لكل إنسان، وضد كل إنسان أو مؤسسة. وباعتبار حقوق الإنسان هي أعلى حقوق أخلاقية, فهي تنظم البناءات الأساسية وممارسات الحياة السياسية، وتأخذ في الظروف العادية أولوية على المطالب السياسية والقانونية والأخلاقية الأخرى. هذه الأوجه تشمل ما أسميه العالمية الخُلقية لحقوق الإنسان.[433]

ويمكن أن تجد هذه الاعترافات خِلال الأعمال النظرية عن حقوق الإنسان، ولكن على الباحث أن يكون مخلصًا ليجدها. فهي ليست جزءًا من الرسالة التي يصرح بها دعاة حقوق الإنسان للعوام عندما يتحدثون عن برنامجهم الرائع لحقوق الإنسان.

لقد أصبح هذا "الدين العلماني" لحقوق الإنسان هو دين الوقت المعاصر، وعلى حد تعبير إجناتيف:

بعد خمسين سنة من إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أصبح هذا الإعلان هو النص المقدس لما أسماه إيلي فيزيل "دين علماني عالمي"، وسمى كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة الإعلان "المقياس الذي نقيس به تقدم البشر". ووصفته نادين غورديمر الحاصلة على جائزة نوبل بأنه "الوثيقة الجوهرية والمعيار وعقيدة البشر التي تجمع كل العقائد الأخرى التي توجه السلوك البشري". لقد أصبحت حقوق الإنسان العقيدة العظيمة لثقافة علمانية تخشى أن تؤمن بشيء آخر، بل لقد أصبحت اللغة المشتركة للفكر الأخلاقي العالمي كما أصبحت الإنجليزية اللغة المشتركة للاقتصاد العالمي.[434]

شهد العالم في العقود الأخيرة انبعاثا للدين "الأصولي" بل حتى "المتطرف". ولا يشك أحد أن ذلك الانبعاث هو رد فعل على الدين العلماني لحقوق لإنسان الذي أصبح مهيمنًا، بل ضرب في أعماق ما يؤمن به الكثيرون من عقائدهم عن العالم والرب. ومما يؤسف له أنه كلما أصبح مناصرو حقوق الإنسان أكثر جرأة في مطالبهم ستزيد حدة الصدام بين أتباع الدين العلمانيين -خاصة المتطرفين منهم- وأبناء الدين التقليديين لاسيما المتطرفين منهم، ويصبح الأمر أكثر مرارة وحزنًا بل عنفًا. ولابد أن يقع جانب من اللوم في ذلك على عاتق مناصري حقوق الإنسان الذين لا يستعدون للتصريح بأنهم يُحلون محل أديان الناس دينًا علمانيًا من عند أنفسهم. هذه الحقيقة يدركها كثير من الناس فقط بعد فوات الأوان، وبعدما يكون برنامج حقوق الإنسان قد ترسخ. وإذا ترسخ برنامج حقوق الإنسان فلا تسمح رؤيتُه للحرية بأي صوت حقيقي يدعو لأي برنامج منافس، ولذا يبتدئ التصادم.

ضياع الحرية

اعتمد القانون الدولي للحقوق السياسية والمدنية في القرن العشرين على هذه الأعراف الغربية من الحركة الفردية والحركة الإنسانية والعقلانية والمبادئ القانونية التي تحمي حقوق الفرد. إن رفض الحركة الفردية والحركة الإنسانية والعقلانية يعتبر بمثابة رفض المقدمات المنطقية لحقوق الإنسان الحديثة.[435]

ووفقًا لماير فإن الحركة الفردية والحركة الإنسانية والعقلانية هي قوام حركة حقوق الإنسان، وبالطبع تحل الحركة الإنسانية محل الإله باعتباره مركز حياة الفرد. وتتضمن العقلانية (كما أطلق عليها بالرغم من أنه قد يقول المرء بأنها ليست عقلانية في الحقيقة) إعطاء أفضلية للفكر البشري على ما أوحى به الخالق.

وهذه الفقرة من ماير هي أوضح وأصدق ما صرح به أحد مناصري حقوق الإنسان. ويستطيع المؤلف هنا أن يتكلم من خبرته الشخصية وباعتباره ممن اعتنقوا الإسلام ومن خبرات آخرين عرفهم، أن كثيرًا من الناس بل حتى من الغربيين يرفضون مفاهيم الحركة الفردية والحركة الإنسانية والعقلانية بوصفها أساسًاللحياة. وبهذه الفقرة تكون ماير قد وصفت بوضوح لما لا يجب من الناحية الأخلاقية أن تُفرض "حقوق الإنسان المعاصرة" على أي بشر في هذا العالم ناهيك عن أولئك الذين يؤمنون بدين كالإسلام.

بعيدًا عن القطعية والإيمان الأعمى

الإسلام في جوهره ليس إيمانًا أعمى أو قطعية. ينبغي على المسلمين أن يؤمنوا بأن الإسلام هو الدين الحق، والمسلم يستطيع أن يدرك حقيقة الإسلام، وهذا ما يعنيه مفهوم الإيمان الحق في الإسلام، وأحد مبادئه الأساسية العلم.

إن القرآن يُخبر المسلم أنه إذا وجد من يدّعى شيئًا لاسيما شيئًا عظيما يتعلق بهذه الحياة أو بالعقيدة فلابد أن يُطالب صاحب هذا الزعم بالدليل إن كان صادقًا.[436] بل على المسلمين أن يتبعوهم إذا استطاعوا أن يأتوا بشيء أفضل من القرآن يقول الله تعإلى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)(القصص: 49-50).

والحقيقة -كما عرضنا في فصل سابق- أن منظِّري حقوق الإنسان لا يقدمون نظرية جديدة تهز الأرض وتبدد عقائد المسلم وتقنعه بأن يضع نموذج حقوق الإنسان فوق النموذج الإسلامي، حتى لو جعل النموذج الإسلامي مصدرًا ثانويًا. وذلك لأنه لا توجد أدلة. وقد تكون محأولة مخلصة جدًا أن تؤسس شيئًا يبدو نبيلًا ومحمودًا, ولكنه كغيره من كافة الأنظمة التي جاءت قبله ويسخر منها هؤلاء المنظرون لحقوق الإنسان أنفسُهم، فهي منظومة قاصرة، بل لا أساس لها. وعلى المدى الطويل ستنتج ضررًا أكثر من الخير إذ أنها تناقض الحق الذي أوحاه الله. وتعني مناقضة هذا الحق أنه يأتي مصادما للفطرة التي خُلق بها هذا الكون. وكما قال الله في القرآن: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 71).

هذا العمل الذي بين أيدينا كان محأولة لبيان كيف أن برامج حقوق الإنسان المعاصرة لاسيما الجزء الأكثر تطرفًا والأكثر شيوعًا وصِيْتاً لم تقدم شيئًا يقنع المسلم بالتخلي عن معتقداته أو تطويعها لتتماشى مع متطلباتها، بل العكس صحيح. وعندما يدرك المسلمُ أن ادعاءاتهم لا تقوم على أساس، لا يزيده ذلك إلا يقينًا بصدق الإسلام الحق. أنصار هذه الدعأوى لديهم هدف نبيل وهو إعطاء الناس ما يستحقونه من حقوق, لكنهم تائهون حائرون. فلا سبيل لهم لمعرفة الحقوق التي يجب دعمها, بل لا يعرفون أساسًا يبنون عليه ادعاءاتهم. وبعد الاطلاع على برنامج حقوق الإنسان اطلاعًا تفصيليًا لا يجد المسلم سوى أن يفر إلى الله وليعلم أنه لا أمل للبشرية بدون هدى من الله.

علأوة على ذلك فإن السؤال الجوهري ليس حول مدى مطابقة الإسلام مع حقوق الإنسان من عدمها، بل السؤال ما هي الحقيقة المُطلَقة والحياة التي ينبغي أن يعيشها الإنسان؟ من الواضح أن حقوق الإنسان تدعو إلى طريق بالتأكيد هو "ديني" بعمق في جوهره (بمعنى أنه فلسفي عميق يمس القضايا الجوهرية لمعنى كونك بشرًا). ومع ذلك يجد المرء فقط أنها في الغالب تأخذ افتراضياتها على أنها حق لا نقاش فيه (وتلك حجة سلطوية غير منطقية ومتعصبة) ولا تُفرض إلا من خلال القانون. لكن في وسط ذلك تغيب الحقيقة من المشهد.

بل قد يأخذ المرء خطوة إلى الأمام فيقول: إذا كان أحد مهتما بأن يوفر للبشر الحقوق التي يستحقونها ويحتاجونها للحياة فإنه، طبقًا للعقيدة الإسلامية، الإسلام هو الذي يعطيهم كل تلك الحقوق ويُعِدُّ مجتمعًا كاملًا من حولهم يسمح لهم بالاستفادة من تلك الحقوق بطريقة أكثر نفعًا. إن الإسلام لا يعطي البشر حقوقًا تكون في نهاية المطاف ضررًا عليهم ولكنه يمدهم بكل ما يحتاجون من أجل حياة سليمة، كما سيتنأول ذلك الجزء القادم.

الحياة الطيبة

إن فرض حقوق الإنسان في الساحة الدولية لا يضمن لذلك الشخص الذي حُفظت حقوقه أن يعيش حياة رائعة أو حتى حياة طيبة (أخلاقيًا أو غير أخلاقِيٍّ).[437]

يقول الله تعإلى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(النحل: 97).

ويقول أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24).

إن نموذج حقوق الإنسان -وربما يقر بهذا أشد أنصاره- هو حفرة فارغة، فهو لا يقدم شيئًا لأحد باستثناء، وعلى أكثر تقدير، أن يقول: "افعل هنا ما تشاء لكن لا تتعدى على حقوق الآخرين".

ومن ناحية أخرى نجد أن الإسلام يقدم دعوى أكثر وضوحًا؛ إنه يدعي أنه يقدم الحياة الطيبة للبشر في الدنيا والآخرة. وبغض النظر عن تصديق القاري لذلك الادعاء من عدمه، لكن عليه أن يفهم ما يدعيه الإسلام لنفسه وما الذي يؤمن به المسلمون عن الإسلام. إن الإسلام يَعِدُ بالحياة الطيبة وهي الحياة التي تتماشى مع فطرة الإنسان وتقود إلى حياة يرضى فيها الله عن الفرد ويسعد فيها الفرد.

ولكن هذه الحياة الطيبة مشروطة؛ مشروطة بأن يتبع الفرد مبادئ تلك الحياة بإخلاص وجهد صادقين. فلا تتأتى لشخص فاتر الإيمان، ولا تتأتى أيضا بالتضحية بعقائد الإسلام، ولا تتأتى بأن تخضع للإسلام بنسبة ما من حياتك ثم الخضوع لنموذج أو أيديولوجية أو إله آخر بنسبة أخرى من حياتك. وهذه التوفيقات ليست إلا وصفات لنكبة وهدم لأساس عبادة الله. يقول الله تعإلى في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (البقرة: 208). ويقول أيضًا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

وقد تُرك هذا الاختيار الأخير لحرية تصرف الإنسان، فقد أعطى الله البشر حرية إرادة مقيدة. ولكن عندما تُعرض الخيارات أمام الفرد بين الخواء الفارغ لنموذج حقوق الإنسان التي هي من صنع البشر وبين الطريق الإلهي لدين الإسلام الذي يجلب السعادة الحقيقية في الحياة الدنيا وفي الآخرة فمن الصعب أن تجد مسلما يؤثر الخيار الأول على الثاني. ومع ذلك فالورطة العظمى والفاجعة الكبرى هي أنهم لم يُعطوا هذا الاختيار ويُفرض عليهم ببساطة نموذج حقوق الإنسان- باسم الحرية.

مشاركة المسلمين في حقوق الإنسان: مفهوم المعروف

ليس هناك داع لختم هذا العمل بملاحظة سلبية، حيث يبدو أن المنظِّرين والمؤيدين لحقوق الإنسان أناس مخلصون يريدون جلب الخير للبشر. ويستحقون الثناء على ذلك حتى إذا كان المسلم يختلف مع نظرياتهم وطرقهم.

إن من الواجب على المسلمين أن يكونوا قوامين للحق والخير، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حيثما كانوا. قال الله تعإلى: ﴿وَتَعَأونُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَأونُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2). وقد جاء في عديد من كتب السيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه شارك في حلف يسمى "حلف الفضول" وكان حلفا لنصرة المظلوم في مكة. حتى بعد مبعثه قال - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الحلف: "ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".[438]

ولابد أن يكون واضحًا هنا في النهاية أن التعارض بين الإسلام وحركة حقوق الإنسان المعاصرة لا دخل له في تأييد حقوق بشرية عديدة. فإن كثيرًا -إن لم يكن الأغلب- من هذه الحقوق يقرها الإسلام، وهذا يعني أن واجب المسلمين أن يؤيدوا تلك الحقوق باعتبارها جانبًا من المفهوم الشامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكما أُشير سابقًا فإنه في نظام الإسلام نفسه هناك سبل كثيرة يمكن عن طريقها تقديم دعم مشترك لضمان حصول النساء والأطفال والفقراء على حقهم الواجب.

وختاما، علينا أن نعي أن أيديولوجيات وأنظمة نموذج حقوق الإنسان في خلاف فعلي مع الإسلام، وهذا الطريق المسدود لا يمكن فتحه بنجاح بدون ضرر لأحد الجانبين يُتعذر إصلاحه. ولكن إذا كان الإسلاميون ومؤيدو حقوق الإنسان راغبين بإخلاص في تحقيق الخير للناس فهناك سبل كثيرة يمكن من خلالها التعأون لجعل هذا العالم مكاناً أفضل لأهله.


الملحق رقم 1

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

[1948] الديباجة

لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متسأوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم؛

ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير الإنساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم؛

ولما كان من الأساس أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد؛

ولما كان من الجوهري العمل على تنمية علاقات ودية بين الأمم؛

ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أعادت في الميثاق تأكيد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية، وبكرامة الإنسان وقدره، وبتسأوي الرجال والنساء في الحقوق، وحزمت أمرها على النهوض بالتقدم الاجتماعي وبتحسين مستويات الحياة في جو من الحرية أفسح؛

ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالعمل، بالتعأون مع الأمم المتحدة على ضمان تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية؛

ولما كان التقاء الجميع على فهم مشترك لهذه الحقوق والحريات أمرًا بالغ الضرورة لتمام الوفاء بهذا التعهد؛

فإن الجمعية العامة

تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كيما يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته، واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، وكيما يكفلوا، بالتدابير المطردة الوطنية والدولية، الاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية، فيما بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء.

المادة 1

يولد جميع الناس أحرارًا ومتسأوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء.

المادة 2

لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي - سياسيًا وغير سياسي- أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.

وفضلًا عن ذلك لا يجوز التمييز علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلًا أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأي قيد آخر علي سيادته.

المادة 3

لكل فرد حق في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه.

المادة 4

لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما.

المادة 5

لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الإحاطة بالكرامة.

المادة 6

لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية.

المادة 7

الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتسأوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتسأوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز.

المادة 8

لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون.

المادة 9

لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا.

المادة 10

لكل إنسان، على قدم المسأواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرًا منصفًا وعلنيًا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أية تهمة جزائية توجه إليه.

المادة 11

1.                      كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.

2.                      لا يدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يشكل جرما بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا توقع عليه أية عقوبة أشد من تلك التي كانت سارية في الوقت الذي ارتكب فيه الفعل الجرمي.

المادة 12

لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته. ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات.

المادة 13

1.                      لكل فرد حق في حرية التنقل وفى اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة.

2.                      لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفى العودة إلى بلده.

المادة 14

1.                      لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصًا من الاضطهاد.

2.                      لا يمكن التذرع بهذا الحق إذا كانت هناك ملاحقة ناشئة بالفعل عن جريمة غير سياسية أو عن أعمال تناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.

المادة 15

1.                      لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.

2.                      لا يجوز، تعسفًا، حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير جنسيته.

المادة 16

1.                      للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين. وهما متسأويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.

2.                      لا يعقد الزواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملًا لا إكراه فيه.

3.                      الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

المادة 17

1.                      لكل فرد حق في التملك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.

2.                      لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفًا.

المادة 18

لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حده.

المادة 19

لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

المادة 20

1.                      لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية.

2.                      لا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما.

المادة 21

1.                      لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية.

2.                      لكل شخص، بالتسأوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده.

3.                      إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريًا بالاقتراع العام وعلى قدم المسأواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت.

المادة 22

لكل شخص، بوصفه عضوًا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من خلال المجهود القومي والتعأون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية.

المادة 23

1.                      لكل شخص حق العمل، وفى حرية اختيار عمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة.

2.                      لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متسأو على العمل المتسأوي.

3.                      لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية، وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

4.                      لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.

المادة 24

لكل شخص حق في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصًا في تحديد معقول لساعات العمل وفى إجازات دورية ماجورة.

المادة 25

1.                      لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد الماكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.

2.                      للأمومة والطفولة حق في رعاية ومساعدة خاصتين. ولجميع الأطفال حق التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار.

المادة 26

1.                      لكل شخص حق في التعليم. ويجب أن يوفر التعليم مجانًا، على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميًا. ويكون التعليم الفني والمهني متاحًا للعموم. ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم.

2.                      يجب أن يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام.

3.                      للآباء، على سبيل الأولوية، حق اختيار نوع التعليم الذي يعطى لأولادهم.

المادة 27

1.                      لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفى الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفى الفوائد التي تنجم عنه.

2.                      لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه.

المادة 28

لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققًا تاما.

المادة 29

1.                      على كل فرد واجبات إزاء الجماعة، التي فيها وحدَها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر الكامل.

2.                      يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي.

3.                      لا يجوز في أي حال أن تمارس هذه الحقوق على نحو يناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.

المادة 30

ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه.


الملحق رقم 2

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

اعتُمد وعُرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون الأول/ديسمبر 1966

تاريخ بدء النفاذ: 3 كانون الثاني/يناير 1976، وفقًا للمادة 27

الديباجة

إن الدول الأطراف في هذا العهد، إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متسأوية وثابتة، يشكل وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلام في العالم،

وإذ تقر بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة فيه،

وإذ تدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل، وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في أن يكون البشر أحرارًا ومتحررين من الخوف والفاقة، هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية،وإذ تضع في اعتبارها ما على الدول، بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة، من التزام بتعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته،

وإذ تدرك أن على الفرد، الذي تترتب عليه واجبات إزاء الأفراد الآخرين وإزاء الجماعة التي ينتمي إليها، مسؤولية السعي إلى تعزيز ومراعاة الحقوق المعترف بها في هذا العهد،

قد اتفقت على المواد التالية:

الجزء الأول

المادة 1

1.                      لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

2.                      لجميع الشعوب، سعيًا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعأون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.

3.                      على الدول الأطراف في هذا العهد، بما فيها الدول التي تقع على عاتقها مسؤولية إدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق، وفقًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.

الجزء الثاني

المادة 2

1.                      تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد بأن تتخذ، بمفردها وعن طريق المساعدة والتعأون الدوليين، ولاسيما على الصعيدين الاقتصادي والتقني، وبأقصى ما تسمح به مواردها المتاحة، ما يلزم من خطوات لضمان التمتع الفعلي التدريجي بالحقوق المعترف بها في هذا العهد، سالكة إلى ذلك جميع السبل المناسبة، وخصوصًا سبيل اعتماد تدابير تشريعية.

2.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بأن تضمن جعل ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا العهد بريئة من أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيًا أو غير سياسي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.

3.                      للبلدان النامية أن تقرر، مع إيلاء المراعاة الواجبة لحقوق الإنسان ولاقتصادها القومي، إلى أي مدى ستضمن الحقوق الاقتصادية المعترف بها في هذا العهد لغير المواطنين.

المادة 3

تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بضمان مسأواة الذكور والإناث في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في هذا العهد.

المادة 4

تقر الدول الأطراف في هذا العهد بأنه ليس للدولة أن تخضع التمتع بالحقوق التي تضمنها طبقًا لهذا العهد إلا للحدود المقررة في القانون، و بمقدار توافق ذلك مع طبيعة هذه الحقوق، وشريطة أن يكون هدفها الوحيد تعزيز الرخاء العام في مجتمع ديمقراطي.

المادة 5

1.                      ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على أي حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي فعل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو إلي فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه.

2.                      لا يقبل فرض أي قيد أو أي تضييق على أي من حقوق الإنسان الأساسية المعترف بها أو النافذة في أي بلد تطبيقًا لقوانين أو اتفاقيات أو أنظمة أو أعراف، بذريعة كون هذا العهد لا يعترف بها أو كون اعترافه بها أضيق مدي.

الجزء الثالث

المادة 6

1.                      تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق.

2.                      يجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين، والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة وعمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية.

المادة 7

تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بما لكل شخص من حق في التمتع بشروط عمل عادلة ومرضية تكفل على الخصوص:

1.                      مكافأة توفر لجميع العمال، كحد أدنى:

1.                       أجر منصف، ومكافأة متسأوية لدى تسأوى قيمة العمل دون أي تمييز، على أن يضمن للمرأة خصوصًا تمتعها بشروط عمل لا تكون أدنى من تلك التي يتمتع بها الرجل، وتقاضيها أجرًا يسأوى أجر الرجل لدى تسأوى العمل.

2.                      عيشًا كريما لهم ولأسرهم طبقًا لأحكام هذا العهد.

3.                      ظروف عمل تكفل السلامة والصحة.

4.                      تسأوى الجميع في فرص الترقية، داخل عملهم، إلى مرتبة أعلى ملائمة، دون إخضاع ذلك إلا لاعتباري الأقدمية والكفاءة.

5.                      الاستراحة وأوقات الفراغ، والتحديد المعقول لساعات العمل والإجازات الدورية مدفوعة الأجر، وكذلك المكافأة عن أيام العطل الرسمية.

المادة 8

1.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي:

1.                       حق كل شخص في تكوين النقابات بالاشتراك مع آخرين وفى الانضمام إلى النقابة التي يختارها، دونما قيد سوى قواعد المنظمة المعنية، على قصد تعزيز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها، ولا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

2.                      حق النقابات في إنشاء اتحادات أو اتحادات تحالفية قومية، وحق هذه الاتحادات في تكوين منظمات نقابية دولية أو الانضمام إليها.

3.                      حق النقابات في ممارسة نشاطها بحرية دونما قيود، سوى تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

4.                      حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقًا لقوانين البلد المعني.

5.                      لا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة أو رجال الشرطة أو موظفي الإدارات الحكومية لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق.

6.                      ليس في هذه المادة أي حكم يجيز للدول الأطراف في اتفاقية منظمة العمل الدولية المعقودة 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي اتخاذ تدابير تشريعية من شأنها، أو تطبيق القانون بطريقة من شأنها، أن تخل بالضمانات المنصوص عليها في تلك الاتفاقية.

المادة 9

تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في الضمان الاجتماعي، بما في ذلك التأمينات الاجتماعية.

المادة 10

تقر الدول الأطراف في هذا العهد بما يلي:

1.                      وجوب منح الأسرة، التي تشكل الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، أكبر قدر ممكن من الحماية والمساعدة، وخصوصًا لتكوين هذه الأسرة وطوال نهوضها بمسؤولية تعهد وتربية الأولاد الذين تعيلهم. ويجب أن ينعقد الزواج برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً لا إكراه فيه.

2.                      وجوب توفير حماية خاصة للأمهات خلال فترة معقولة قبل الوضع وبعده. وينبغي منح الأمهات العاملات، أثناء الفترة المذكورة، أجازة ماجورة أو أجازة مصحوبة باستحقاقات ضمان اجتماعي كافية.

3.                      وجوب اتخاذ تدابير حماية ومساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال والمراهقين، دون أي تمييز بسبب النسب أو غيره من الظروف. ومن الواجب حماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي، كما يجب جعل القانون يعاقب على استخدامهم في أي عمل من شأنه إفساد أخلاقهم أو الأضرار بصحتهم أو تهديد حياتهم بالخطر أو إلحاق الأذى بنموهم الطبيعي. وعلى الدول أيضا أن تفرض حدودًا دنيا للسن يحظر القانون استخدام الصغار الذين لم يبلغوها في عمل ماجور ويعاقب عليه.

المادة 11

1.                      تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والماوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعأون الدولي القائم على الارتضاء الحر.

2.                      واعترافًا بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعأون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة لما يلي:

1.                      تحسين طرق إنتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية، عن طريق الاستفادة الكلية من المعارف التقنية والعلمية، ونشر المعرفة بمبادئ التغذية، واستحداث أو إصلاح نظم توزيع الأراضي الزراعية بطريقة تكفل أفضل إنماء للموارد الطبيعية والانتفاع بها.

2.                      تأمين توزيع الموارد الغذائية العالمية توزيعًا عادلًا في ضوء الاحتياجات، يضع في اعتباره المشاكل التي تواجهها البلدان المستوردة للأغذية والمصدرة لها على السواء.

المادة 12

1.                      تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه.

2.                      تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تلك التدابير اللازمة هي من أجل:

1.                      العمل على خفض معدل أموات المواليد ومعدل وفيات الرضع وتأمين نمو الطفل نموًا صحيًا.

2.                      تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية.

3.                      الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها.

4.                      تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض.

المادة 13

1.                      تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل فرد في التربية والتعليم. وهى متفقة على وجوب توجيه التربية والتعليم إلى الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية والإحساس بكرامتها، وإلى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهى متفقة كذلك على وجوب استهداف التربية والتعليم تمكين كل شخص من الإسهام بدور نافع في مجتمع حر، وتوثيق أواصر التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم ومختلف الفئات السلالية أو العرقية أو الدينية، ودعم الأنشطة التي تقوم بها الأمم المتحدة من أجل صيانة السلم.

2.                      وتقر الدول الأطراف في هذا العهد بأن ضمان الممارسة التامة لهذا الحق يتطلب:

1.                      جعل التعليم الابتدائي إلزاميًا وإتاحته مجانًا للجميع.

2.                      تعميم التعليم الثانوي بمختلف أنواعه، بما في ذلك التعليم الثانوي التقني والمهني، وجعله متاحًا للجميع بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما بالأخذ تدريجيًا بمجانية التعليم.

3.                      جعل التعليم العالي متاحًا للجميع على قدم المسأواة، تبعا للكفاءة، بكافة الوسائل المناسبة ولاسيما بالأخذ تدريجيًا بمجانية التعليم.

4.                      تشجيع التربية الأساسية أو تكثيفها، إلى أبعد مدى ممكن، من أجل الأشخاص الذين لم يتلقوا أو لم يستكملوا الدراسة الابتدائية.

5.                      العمل بنشاط على إنماء شبكة مدرسية على جميع المستويات، وإنشاء نظام منح واف بالغرض، ومواصلة تحسين الأوضاع المادية للعاملين في التدريس.

6.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في اختيار مدارس لأولادهم غير المدارس الحكومية، شريطة تقيد المدارس المختارة بمعايير التعليم الدنيا التي قد تفرضها أو تقرها الدولة، وبتأمين تربية أولئك الأولاد دينيًا وخلقيًا وفقًا لقناعاتهم الخاصة.

7.                      ليس في أي من أحكام هذه المادة ما يجوز تأويله على نحو يفيد مساسه بحرية الأفراد والهيئات في إنشاء وإدارة مؤسسات تعليمية، شريطة التقيد دائما بالمبادئ المنصوص عليها في الفقرة 1 من هذه المادة ورهنًا بخضوع التعليم الذي توفره هذه المؤسسات لما قد تفرضه الدولة من معايير دنيا.

المادة 14

تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، لم تكن بعد وهى تصبح طرفًا فيه قد تمكنت من كفالة إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي في بلدها ذاته أو في أقاليم أخرى تحت ولايتها، بالقيام، في غضون سنتين، بوضع واعتماد خطة عمل مفصلة للتنفيذ الفعلي والتدريجي لمبدأ إلزامية التعليم ومجانيته للجميع، خلال عدد معقول من السنين يحدد في الخطة.

المادة 15

1.                      تقر الدول الأطراف في هذا العهد بأن من حق كل فرد:

1.                      أن يشارك في الحياة الثقافية.

2.                      أن يتمتع بفوائد التقدم العلمي وبتطبيقاته.

3.                      أن يفيد من حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي أثر علمي أو فني أو أدبي من صنعه.

4.                      تراعى الدول الأطراف في هذا العهد، في التدابير التي ستتخذها بغية ضمان الممارسة الكاملة لهذا الحق، أن تشمل تلك التدابير التي تتطلبها صيانة العلم والثقافة وإنماؤهما وإشاعتهما.

5.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام الحرية التي لا غنى عنها للبحث العلمي والنشاط الإبداعي.

6.                      تقر الدول الأطراف في هذا العهد بالفوائد التي تجنى من تشجيع وإنماء الاتصال والتعأون الدوليين في ميداني العلم والثقافة.

الجزء الرابع

المادة 16

1.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بأن تقدم، طبقًا لأحكام هذا الجزء من العهد، تقارير عن التدابير التي تكون قد اتخذتها وعن التقدم المحرز على طريق ضمان احترام الحقوق المعترف بها في هذا العهد.

2.                       

1.                      توجه جميع التقارير إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يحيل نسخًا منها إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للنظر فيها طبقًا لأحكام هذا العهد.

2.                      على الأمين العام للأمم المتحدة أيضًا، حين يكون التقرير الوارد من دولة طرف في هذا العهد، أو جزء أو أكثر منه، متصلًا بأية مسألة تدخل في اختصاص إحدى الوكالات المتخصصة وفقًا لصكها التأسيسي وتكون الدولة الطرف المذكورة عضوًا في هذه الوكالة، أن يحيل إلى تلك الوكالة نسخة من هذا التقرير أو من جزئه المتصل بتلك المسألة، حسب الحالة.

المادة 17

1.                      تقدم الدول الأطراف في هذا العهد تقاريرها على مراحل، طبقًا لبرنامج يضعه المجلس الاقتصادي والاجتماعي في غضون سنة من بدء نفاذ هذا العهد، بعد التشأور مع الدول الأطراف والوكالات المتخصصة المعنية.

2.                      للدولة أن تشير في تقريرها إلى العوامل والمصاعب التي تمنعها من الإيفاء الكامل بالالتزامات المنصوص عليها في هذا العهد.

3.                      حين يكون قد سبق للدولة الطرف في هذا العهد أن أرسلت المعلومات المناسبة إلى الأمم المتحدة أو إلي إحدى الوكالات المتخصصة، ينتفي لزوم تكرار إيراد هذه المعلومات ويكتفي بإحالة دقيقة إلى المعلومات المذكورة.

المادة 18

للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، بمقتضى المسؤوليات التي عهد بها إليه ميثاق الأمم المتحدة في ميدان حقوق الإنسان والحريات الأساسية، أن يعقد مع الوكالات المتخصصة ما يلزم من ترتيبات كيما توافيه بتقارير عن التقدم المحرز في تأمين الامتثال لما يدخل في نطاق أنشطتها من أحكام هذا العهد، ويمكن تضمين هذه التقارير تفاصيل عن المقررات والتوصيات التي اعتمدتها الأجهزة المختصة في هذه الوكالات بشأن هذا الامتثال.

المادة 19

للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يحيل إلى لجنة حقوق الإنسان التقارير المتعلقة بحقوق الإنسان والمقدمة من الدول عملًا بالمادتين 16 و 17 ومن الوكالات المتخصصة عملًا بالمادة 18، لدراستها ووضع توصية عامة بشأنها أو لإطلاعها عليها عند الاقتضاء.

المادة 20

للدول الأطراف في هذا العهد وللوكالات المتخصصة المعنية أن تقدم إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ملاحظات على أية توصية عامة تبديها لجنة حقوق الإنسان بمقتضى المادة 19 أو على أي إيماء إلى توصية عامة يرد في أي تقرير للجنة حقوق الإنسان أو في أية وثيقة تتضمن إحالة إليها.

المادة 21

للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يقدم إلى الجمعية العامة بين الحين والحين تقارير تشتمل على توصيات ذات طبيعة عامة وموجز للمعلومات الواردة من الدول الأطراف في هذا العهد ومن الوكالات المتخصصة حول التدابير المتخذة والتقدم المحرز على طريق كفالة تعميم مراعاة الحقوق المعترف بها في هذا العهد.

المادة 22

للمجلس الاقتصادي والاجتماعي استرعاء نظر هيئات الأمم المتحدة الأخرى وهيئاتها الفرعية، والوكالات المتخصصة المعنية بتوفير المساعدة التقنية، إلى أية مسائل تنشأ عن التقارير المشار إليها في هذا الجزء من هذا العهد ويمكن أن تساعد تلك الأجهزة كلا في مجال اختصاصه، على تكوين رأى حول ملائمة اتخاذ تدابير دولية من شأنها أن تساعد على فعالية التنفيذ التدريجي لهذا العهد.

المادة 23

توافق الدول الأطراف في هذا العهد على أن التدابير الدولية الرامية إلى كفالة إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد تشمل عقد اتفاقيات واعتماد توصيات وتوفير مساعدة تقنية، وعقد اجتماعات إقليمية واجتماعات تقنية بغية التشأور والدراسة تنظم بالاشتراك مع الحكومات المعنية.

المادة 24

ليس في أي حكم من أحكام هذا العهد ما يجوز تأويله على نحو يفيد مساسه بأحكام ميثاق الأمم المتحدة وأحكام دساتير الوكالات المتخصصة التي تحدد مسؤوليات مختلف هيئات الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة بصدد المسائل التي يتنأولها هذا العهد.

المادة 25

ليس في أي حكم من أحكام هذا العهد ما يجوز تأويله علي نحو يفيد مساسه بما لجميع الشعوب من حق أصيل في حرية التمتع والانتفاع كليا بثرواتها ومواردها الطبيعية.

الجزء الخامس

المادة 26

1.                      هذا العهد متاح لتوقيع أية دولة عضو في الأمم المتحدة أو عضو في أية وكالة من وكالاتها المتخصصة وأية دولة طرف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وأية دولة أخرى دعتها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن تصبح طرفًا في هذا العهد.

2.                      يخضع هذا العهد للتصديق، وتودع صكوك التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

3.                      يتاح الانضمام إلى هذا العهد لأية دولة من الدول المشار إليها في الفقرة 1 من هذه المادة.

4.                      يقع الانضمام بإيداع صك انضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

5.                      يخطر الأمين العام للأمم المتحدة جميع الدول التي تكون قد وقعت هذا العهد أو انضمت إليه بإيداع كل صك من صكوك التصديق أو الانضمام.

المادة 27

1.                      يبدأ نفاذ هذا العهد بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع صك الانضمام أو التصديق الخامس والثلاثين لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

2.                      أما الدول التي تصدق هذا العهد أو تنضم إليه بعد أن يكون قد تم إيداع صك التصديق أو الانضمام الخامس والثلاثين فيبدأ نفاذ هذا العهد إزاء كل منها بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداعها صك تصديقها أو صك انضمامها.

المادة 28

تنطبق أحكام هذا العهد دون أي قيد أو استثناء، على جميع الوحدات التي تتشكل منها الدول الاتحادية.

المادة 29

1.                      لأية دولة طرف في هذا العهد أن تقترح تعديلًا عليه، تودع نصه لدى الأمين العام للأمم المتحدة. وعلى إثر ذلك يقوم الأمين العام بإبلاغ الدول الأطراف في هذا العهد بأية تعديلات مقترحة، طالبًا إليها إعلامه عما إذا كانت تحبذ عقد مؤتمر للدول الأطراف للنظر في تلك المقترحات والتصويت عليها. فإذا حبذ عقد المؤتمر ثلث الدول الأطراف على الأقل عقده الأمين العام برعاية الأمم المتحدة. وأي تعديل تعتمده أغلبية الدول الأطراف الحاضرة والمقترعة في المؤتمر يعرض على الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقراره.

2.                      يبدأ نفاذ التعديلات متى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وقبلتها أغلبية ثلثي الدول الأطراف في هذا العهد، وفقًا للإجراءات الدستورية لدى كل منها.

3.                      متى بدأ نفاذ هذه التعديلات تصبح ملزمة للدول الأطراف التي قبلتها، بينما تظل الدول الأطراف الأخرى ملزمة بأحكام هذا العهد وبأي تعديل سابق تكون قد قبلته.

المادة 30

بصرف النظر عن الإخطارات التي تتم بمقتضى الفقرة 5 من المادة 26، يخطر الأمين العام للأمم المتحدة جميع الدول المشار إليها في الفقرة 1 من المادة المذكورة بما يلي:

1.                       التوقيعات والتصديقات والإنضمامات التي تتم طبقًا للمادة 26.

2.                      تاريخ بدء نفاذ هذا العهد يتم بمقتضى المادة 27، وتاريخ بدء نفاذ أية تعديلات تتم في إطار المادة 29.

المادة 31

1.                      يودع هذا العهد، الذي تتسأوى في الحجية نصوصه بالأسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والفرنسية، في محفوظات الأمم المتحدة.

2.                      يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بإرسال صور مصدقة من هذا العهد إلى جميع الدول المشار إليها في المادة 26.


الملحق رقم 3

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

الديباجة إن الدول الأطراف في هذا العهد،

إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متسأوية وثابتة، يشكل وفقًا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلام في العالم،

وإذ تقر بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة فيه، وإذ تدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل، وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في أن يكون البشر أحرارًا، ومتمتعين بالحرية المدنية والسياسية ومتحررين من الخوف والفاقة، هو سبيل تهيئة الظروف لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وكذلك بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،

وإذ تضع في اعتبارها ما على الدول، بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة، من الالتزام بتعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته،

وإذ تدرك أن على الفرد، الذي تترتب عليه واجبات إزاء الأفراد الآخرين وإزاء الجماعة التي ينتمي إليها، مسؤولية السعي إلى تعزيز ومراعاة الحقوق المعترف بها في هذا العهد،

قد اتفقت على المواد التالية:

الجزء الأول

المادة 1

1.                      لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

2.                      لجميع الشعوب، سعيًا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعأون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.

3.                      على الدول الأطراف في هذا العهد، بما فيها الدول التي تقع على عاتقها مسؤولية إدارة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والأقاليم المشمولة بالوصاية، أن تعمل على تحقيق حق تقرير المصير وأن تحترم هذا الحق، وفقًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة.

الجزء الثاني

المادة 2

1.                      تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي - سياسيًا أو غير سياسي- أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب.

2.                      تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلًا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقًا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريًا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية.

3.                      تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد:

1.                      بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية.

2.                      بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو في الحقوق التي يدعى انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمى إمكانيات التظلم القضائي.

3.                      بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.

المادة 3

تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تسأوى الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد.

المادة 4

1.                      في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميًا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.

2.                      لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8 (الفقرتين 1 و 2) و 11 و 15 و 16 و 18.

3.                      على أية دولة طرف في هذا العهد استخدمت حق عدم التقيد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى فورًا، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها، في التاريخ الذي تنهى فيه عدم التقيد، أن تعلمها بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته.

المادة 5

1.                      ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي عمل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو إلى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه.

2.                      لا يقبل فرض أي قيد أو أي تضييق على أي من حقوق الإنسان الأساسية المعترف بها أو النافذة في أي بلد تطبيقًا لقوانين أو اتفاقيات أو أنظمة أو أعراف، بذريعة كون هذا العهد لا يعترف بها أو كون اعترافه بها في أضيق مدى.

الجزء الثالث

المادة 6

1.                      الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمى هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا.

2.                      لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورة وفقًا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة.

3.                      حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفى نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتبًا عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

4.                      لأي شخص حكم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة. ويجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات.

5.                      لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفيذ لهذه العقوبة على الحوامل.

6.                      ليس في هذه المادة أي حكم يجوز التذرع به لتأخير أو منع إلغاء عقوبة الإعدام من قبل أية دولة طرف في هذا العهد.

المادة 7

لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الإحاطة بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر.

المادة 8

1.                      لا يجوز استرقاق أحد، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما.

2.                      لا يجوز إخضاع أحد للعبودية.

3.                       

1.                      لا يجوز إكراه أحد على السخرة أو العمل الإلزامي.

2.                      لا يجوز تأويل الفقرة 3 (أ) على نحو يجعلها، في البلدان التي تجيز المعاقبة على بعض الجرائم بالسجن مع الأشغال الشاقة، تمنع تنفيذ عقوبة الأشغال الشاقة المحكوم بها من قبل محكمة مختصة.

3.                      لأغراض هذه الفقرة، لا يشمل تعبير "السخرة أو العمل الإلزامي":

"1" الأعمال والخدمات غير المقصودة بالفقرة الفرعية (ب) والتي تفرض عادة على الشخص المعتقل نتيجة قرار قضائي أو قانوني أو الذي صدر بحقه مثل هذا القرار ثم أفرج عنه بصورة مشروطة.

"2" أية خدمة ذات طابع عسكري، وكذلك، في البلدان التي تعترف بحق الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية، أية خدمة قومية يفرضها القانون على المستنكفين ضميريًا.

"3" أية خدمة تفرض في حالات الطوارئ أو النكبات التي تهدد حياة الجماعة أو رفاهيتها. "4" أية أعمال أو خدمات تشكل جزءًا من الالتزامات المدنية العادية.

المادة 9

1.                      لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقًا للإجراء المقرر فيه.

2.                      يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعًا بأية تهمة توجه إليه.

3.                      يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعًا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونًا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.

4.                      لكل شخص حُرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.

5.                      لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.

المادة 10

1.                      يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية، تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني.

2.                       

1.                      يُفصل الأشخاص المتهمون عن الأشخاص المدانين، إلا في ظروف استثنائية، ويكونون محل معاملة على حدة تتفق مع كونهم أشخاصًا غير مدانين،

2.                      يُفصل المتهمون الأحداث عن البالغين، ويحالون بالسرعة الممكنة إلى القضاء للفصل في قضاياهم.

3.                      يجب أن يراعى نظام السجون معاملة المسجونين معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم الاجتماعي. ويفصل المذنبون الأحداث عن البالغين ويعاملون معاملة تتفق مع سنهم ومركزهم القانوني.

المادة 11

لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.

المادة 12

1.                      لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته.

2.                      لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.

3.                       لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متماشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد.

4.                      لا يجوز حرمان أحد، تعسفًا، من حق الدخول إلى بلده.

المادة 13

لا يجوز إبعاد الأجنبي المقيم بصفة قانونية في إقليم دولة طرف في هذا العهد إلا تنفيذًا لقرار اتخذ وفقًا للقانون، وبعد تمكينه، ما لم تحتم دواعي الأمن القومي خلاف ذلك، من عرض الأسباب المؤيدة لعدم إبعاده ومن عرض قضيته على السلطة المختصة أو على من تعينه أو تعينهم خصيصًا لذلك، ومن توكيل من يمثله أمامها أو أمامهم.

المادة 14

1.                      الناس جميعا سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون. ويجوز منع الصحافة والجمهور من حضور المحاكمة كلها أو بعضها لدواعي الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي في مجتمع ديمقراطي، أو لمقتضيات حرمة الحياة الخاصة لأطراف الدعوى، أو في أدنى الحدود التي تراها المحكمة ضرورية حين يكون من شأن العلنية في بعض الظروف الاستثنائية أن تخل بمصلحة العدالة، إلا أن أي حكم في قضية جزائية أو دعوى مدنية يجب أن يصدر بصورة علنية، إلا إذا كان الأمر يتصل بأحداث تقتضي مصلحتهم خلاف ذلك أو كانت الدعوى تتنأول خلافات بين زوجين أو تتعلق بالوصاية على أطفال.

2.                      من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئًا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونًا.

3.                      لكل متهم بجريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته، وعلى قدم المسأواة التامة، بالضمانات الدنيا التالية:

1.                      أن يتم إعلامه سريعًا وبالتفصيل، وفى لغة يفهمها، بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها.

2.                      أن يعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه.

3.                      أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له.

4.                      أن يحاكم حضوريًا، وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره، وأن يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه إذا لم يكن له من يدافع عنه، وأن تزوده المحكمة حكما، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله أجرًا على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر.

5.                       أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره، وأن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام.

6.                       أن يزود مجانًا بمترجم إذا كان لا يفهم أو لا يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة.

7.                       ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب.

8.                      في حالة الأحداث، يراعى جعل الإجراءات مناسبة لسنهم ومواتية لضرورة العمل على إعادة تأهيلهم.

9.                      لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء، وفقًا للقانون، إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفى العقاب الذي حكم به عليه.

10.                  حين يكون قد صدر على شخص ما حكم نهائي يدينه بجريمة، ثم أُبطل هذا الحكم أو صدر عفو خاص عنه على أساس واقعة جديدة أو واقعة حديثة الاكتشاف تحمل الدليل القاطع على وقوع خطأ قضائي، يتوجب تعويض الشخص الذي أنزل به العقاب نتيجة تلك الإدانة، وفقا للقانون، ما لم يثبت أنه يتحمل، كليا أو جزئيا، المسئولية عن عدم إفشاء الواقعة المجهولة في الوقت المناسب.

11.                  لا يجوز تعريض أحد مجددًا للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقًا للقانون وللإجراءات الجنائية في كل بلد.

المادة 15

1.                      لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني أو الدولي. كما لا يجوز فرض أية عقوبة تكون أشد من تلك التي كانت سارية المفعول في الوقت الذي ارتكبت فيه الجريمة. وإذا حدث، بعد ارتكاب الجريمة أن صدر قانون ينص على عقوبة أخف، وجب أن يستفيد مرتكب الجريمة من هذا التخفيف.

2.                      ليس في هذه المادة من شئ يخل بمحاكمة ومعاقبة أي شخص على أي فعل أو امتناع عن فعل كان حين ارتكابه يشكل جرما وفقا لمبادئ القانون العامة التي تعترف بها جماعة الأمم.

المادة 16

لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية.

  المادة 17

1.                      لا يحوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.

2.                      من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس.

المادة 18

1.                       لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.

2.                      لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.

3.                      لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.

4.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيًا وخلقيًا وفقًا لقناعاتهم الخاصة.

المادة 19

1.                      لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2.                      لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3.                      تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

1.                      لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.

2.                      لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

المادة 20

1.                      تحظر بالقانون أية دعاية للحرب.

2.                      تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العدأوة أو العنف.

المادة 21

يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به. ولا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي تفرض طبقًا للقانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

المادة 22

1.                      لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.

2.                      لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق.

3.                      ليس في هذه المادة أي حكم يجيز للدول الأطراف في اتفاقية منظمة العمل الدولية المعقودة عام 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي اتخاذ تدابير تشريعية من شأنها، أو تطبيق القانون بطريقة من شأنها أن تخل بالضمانات المنصوص عليها في تلك الاتفاقية.

المادة 23

1.                      الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة.

2.                      يكون للرجل والمرأة، ابتداء من بلوغ سن الزواج، حق معترف به في التزوج وتأسيس أسرة.

3.                      لا ينعقد أي زواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملًا لا إكراه فيه.

4.                      تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة لكفالة تسأوى حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله. وفى حالة الانحلال يتوجب اتخاذ تدابير لكفالة الحماية الضرورية للأولاد في حالة وجودهم.

المادة 24

1.                      يكون لكل طفل، دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب، حق على أسرته وعلى المجتمع وعلى الدولة في اتخاذ تدابير الحماية التي يقتضيها كونه قاصرًا.

2.                      يتوجب تسجيل كل طفل فور ولادته ويعطى اسما يعرف به.

3.                      لكل طفل حق في اكتساب جنسية.

المادة 25

يكون لكل مواطن، دون أي وجه من وجوه التمييز المذكور في المادة 2، الحقوق التالية، التي يجب أن تتاح له فرصة التمتع بها دون قيود غير معقولة:

1.                      أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية،

2.                      أن ينتخب وينتخب، في انتخابات نزيهة تجرى دوريًا بالاقتراع العام وعلى قدم المسأواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين.

3.                      أن تتاح له، على قدم المسأواة عموما مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده.

المادة 26

الناس جميعًا سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متسأو في التمتع بحمايته. وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب، كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي - سياسيًا أو غير سياسي- أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.

المادة 27

لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات عرقية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.

الجزء الرابع

المادة 28

1.                      تنشأ لجنة تسمى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان (يشار إليها في ما يلي من هذا العهد باسم "اللجنة")، وتتألف هذه اللجنة من ثمانية عشر عضوًا وتتولى الوظائف المنصوص عليها في ما يلي.

2.                      تؤلف اللجنة من مواطنين في الدول الأطراف في هذا العهد، من ذوى المناقب الخلقية الرفيعة المشهود لهم بالاختصاص في ميدان حقوق الإنسان، مع مراعاة أن من المفيد أن يشرك فيها بعض الأشخاص ذوى الخبرة القانونية.

3.                      يتم تعيين أعضاء اللجنة بالانتخاب، وهم يعملون فيها بصفتهم الشخصية.

المادة 29

1.                      يتم انتخاب أعضاء اللجنة بالاقتراع السري من قائمة أشخاص تتوفر لهم المؤهلات المنصوص عليها في المادة 28، تكون قد رشحتهم لهذا الغرض الدول الأطراف في هذا العهد.

2.                      لكل دولة طرف في هذا العهد أن ترشح، من بين مواطنيها حصرًا، شخصين على الأكثر.

3.                      يحوز ترشيح الشخص ذاته أكثر من مرة.

المادة 30

1.                      يجرى الانتخاب الأول في موعد لا يتجأوز ستة أشهر من بدء نفاذ هذا العهد.

2.                      قبل أربعة أشهر على الأقل من موعد أي انتخاب لعضوية اللجنة، في غير حالة الانتخاب لملء مقعد يعلن شغوره وفقًا للمادة 34، يوجه الأمين العام للأمم المتحدة إلى الدول الأطراف في هذا العهد رسالة خطية يدعوها فيها إلى تقديم أسماء مرشحيها لعضوية اللجنة في غضون ثلاثة أشهر.

3.                      يضع الأمين العام للأمم المتحدة قائمة أسماء جميع المرشحين على هذا النحو، بالترتيب الألفبائي ومع ذكر الدولة الطرف التي رشحت كلا منهم، ويبلغ هذه القائمة إلى الدول الأطراف في هذا العهد قبل شهر على الأقل من موعد كل انتخاب.

4. ينتخب أعضاء اللجنة في اجتماع تعقده الدول الأطراف في هذا العهد، بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة، في مقر الأمم المتحدة. وفى هذا الاجتماع، الذي يكتمل النصاب فيه بحضور ممثلي ثلثي الدول الأطراف في هذا العهد، يفوز في الانتخاب لعضوية اللجنة أولئك المرشحون الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات وعلى الأغلبية المطلقة لأصوات ممثلي الدول الأطراف الحاضرين والمقترعين.

المادة 31

1.                      لا يجوز أن تضم اللجنة أكثر من واحد من مواطني أية دولة.

2.                      يراعى، في الانتخاب لعضوية اللجنة، عدالة التوزيع الجغرافي وتمثيل مختلف الحضارات والنظم القانونية الرئيسية.

المادة 32

1.                      يكون انتخاب أعضاء اللجنة لولاية مدتها أربع سنوات. ويجوز أن يعاد انتخابهم إذا أعيد ترشيحهم. إلا أن ولاية تسعة من الأعضاء المنتخبين في الانتخاب الأول تنقضي بانتهاء سنتين، ويتم تحديد هؤلاء الأعضاء التسعة فور انتهاء الانتخاب الأول، بأن يقوم رئيس الاجتماع المنصوص عليه في الفقرة 4 من المادة 30 باختيار أسمائهم بالقرعة.

2.                      تتم الانتخابات اللازمة عند انقضاء الولاية وفقًا للمواد السالفة من هذا الجزء من هذا العهد.

المادة 33

1.                      إذا انقطع عضو في اللجنة، بإجماع رأى أعضائها الآخرين، عن الاضطلاع بوظائفه لأي سبب غير الغياب ذي الطابع المؤقت، يقوم رئيس اللجنة بإبلاغ ذلك إلى الأمين العام للأمم المتحدة، فيعلن الأمين العام حينئذ شغور مقعد ذلك العضو.

2.                      في حالة وفاة أو استقالة عضو في اللجنة، يقوم رئيس اللجنة فورًا بإبلاغ ذلك إلى الأمين العام للأمم المتحدة، فيعلن الأمين العام حينئذ شغور مقعد ذلك العضو ابتداءً من تاريخ وفاته أو من تاريخ نفاذ استقالته.

المادة 34

1.                      إذا أعلن شغور مقعد ما طبقًا للمادة 33، وكانت ولاية العضو الذي يجب استبداله لا تنقضي خلال الأشهر الستة التي تلي إعلان شغور مقعده، يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بإبلاغ ذلك إلى الدول الأطراف في هذا العهد، التي يجوز لها، خلال مهلة شهرين، تقديم مرشحين وفقاً للمادة 29 من أجل ملء المقعد الشاغر.

2.                      يضع الأمين العام للأمم المتحدة قائمة بأسماء جميع المرشحين على هذا النحو، بالترتيب الألفبائي، ويبلغ هذه القائمة إلى الدول الأطراف في هذا العهد. وبعد ذلك يجرى الانتخاب اللازم لملء المقعد الشاغر طبقا للأحكام الخاصة بذلك من هذا الجزء من هذا العهد.

3.                      كل عضو في اللجنة انتخب لملء مقعد أعلن شغوره طبقًا للمادة 33 يتولى مهام العضوية فيها حتى انقضاء ما تبقى من مدة ولاية العضو الذي شغر مقعده في اللجنة بمقتضى أحكام تلك المادة.

المادة 35

يتقاضى أعضاء اللجنة، بموافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مكافآت تقتطع من موارد الأمم المتحدة بالشروط التي تقررها الجمعية العامة، مع أخذ أهمية مسؤوليات اللجنة بعين الاعتبار.

المادة 36

يوفر الأمين العام للأمم المتحدة ما يلزم من موظفين وتسهيلات لتمكين اللجنة من الاضطلاع الفعال بالوظائف المنوطة بها بمقتضى هذا العهد.

المادة 37

1.                      يتولى الأمين العام للأمم المتحدة دعوة اللجنة إلى عقد اجتماعها الأول في مقر الأمم المتحدة.

2.                      بعد اجتماعها الأول، تجتمع اللجنة في الأوقات التي ينص عليها نظامها الداخلي.

3.                      تعقد اللجنة اجتماعاتها عادة في مقر الأمم المتحدة أو في مكتب الأمم المتحدة بجنيف.

المادة 38

يقوم كل عضو من أعضاء اللجنة، قبل توليه منصبه، بالتعهد رسميًا، في جلسة علنية، بالقيام بمهامه بكل تجرد ونزاهة.

المادة 39

1.                      تنتخب اللجنة أعضاء مكتبها لمدة سنتين، ويجوز أن يعاد انتخابهم.

2.                      تتولى اللجنة بنفسها وضع نظامها الداخلي، ولكن مع تضمينه الحكمين التاليين:

1.                      يكتمل النصاب بحضور اثني عشر عضوًا.

2.                      تتخذ قرارات اللجنة بأغلبية أصوات أعضائها الحاضرين.

المادة 40

1.                      تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بتقديم تقارير عن التدابير التي اتخذتها والتي تمثل إعمالًا للحقوق المعترف بها فيه، وعن التقدم المحرز في التمتع بهذه الحقوق، وذلك:

1.                      خلال سنة من بدء نفاذ هذا العهد إزاء الدول الأطراف المعنية. (ب) ثم كلما طلبت اللجنة إليها ذلك.

2.                      تقدم جميع التقارير إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يحيلها إلى اللجنة للنظر فيها، ويشار وجوبا في التقارير المقدمة إلى ما قد يقوم من عوامل ومصاعب تؤثر في تنفيذ أحكام هذا العهد.

3.                      للأمين العام للأمم المتحدة، بعد التشأور مع اللجنة، أن يحيل إلى الوكالات المتخصصة المعنية نسخًا من أية أجزاء من تلك التقارير قد تدخل في ميدان اختصاصها.

4.                      تقوم اللجنة بدراسة التقارير المقدمة من الدول الأطراف في هذا العهد، وعليها أن توافي هذه الدول بما تضعه هي من تقارير، وبأية ملاحظات عامة تستنسبها. وللجنة أيضًا أن توافي المجلس الاقتصادي والاجتماعي بتلك الملاحظات مشفوعة بنسخ من التقارير التي تلقتها من الدول الأطراف في هذا العهد.

5.                      للدول الأطراف في هذا العهد أن تقدم إلى اللجنة تعليقات على أية ملاحظات تكون قد أبديت وفقا للفقرة 4 من هذه المادة.

المادة 41

1.                      لكل دولة طرف في هذا العهد أن تعلن في أي حين، بمقتضى أحكام هذه المادة، أنها تعترف باختصاص اللجنة في استلام ودراسة بلاغات تنطوي على ادعاء دولة طرف بأن دولة طرفًا أخرى لا تفي بالالتزامات التي يرتبها عليها هذا العهد. ولا يجوز استلام ودراسة البلاغات المقدمة بموجب هذه المادة إلا إذا صدرت عن دولة طرف أصدرت إعلانًا تعترف فيه، في ما يخصها، باختصاص اللجنة. ولا يجوز أن تستلم اللجنة أي بلاغ يهم دولة طرفًا لم تصدر الإعلان المذكور. ويطبق الإجراء التالي على البلاغات التي يتم استلامها وفق لأحكام هذه المادة: (أ) إذا رأت دولة طرف في هذا العهد أن دولة طرفًا أخرى تتخلف عن تطبيق أحكام هذا العهد كان لها أن تسترعى نظر هذه الدولة الطرف، في بلاغ خطى، إلى هذا التخلف. وعلى الدولة المستلمة أن تقوم، خلال ثلاثة أشهر من استلامها البلاغ، بإيداع الدولة المرسلة، خطيًا، تفسيرًا أو بيانًا من أي نوع آخر يوضح المسألة، وينبغي أن ينطوي، بقدر ما يكون ذلك ممكنًا ومفيدًا، على إشارة إلى القواعد الإجرائية وطرق التظلم المحلية التي استخدمت أو الجاري استخدامها أو التي لا تزال متاحة.

2.                      فإذا لم تنته المسألة إلى تسوية ترضى كلتا الدولتين الطرفين المعنيتين خلال ستة أشهر من تاريخ تلقى الدولة المستلمة للبلاغ الأول، كان لكل منهما أن تحيل المسألة إلى اللجنة بإشعار توجهه إليها وإلى الدولة الأخرى.

3.                      لا يجوز أن تنظر اللجنة في المسألة المحالة إليها إلا بعد الاستيثاق من أن جميع طرق التظلم المحلية المتاحة قد لجئ إليها واستنفدت، طبقًا لمبادئ القانون الدولي المعترف بها عموما. ولا تنطبق هذه القاعدة في الحالات التي تستغرق فيها إجراءات التظلم مددًا تتجأوز الحدود المعقولة.

4.                      تعقد اللجنة جلسات سرية لدى بحثها الرسائل في إطار هذه المادة.

5.                       على اللجنة، مع مراعاة أحكام الفقرة الفرعية (ت)، أن تعرض مساعيها الحميدة على الدولتين الطرفين المعنيتين، بغية الوصول إلى حل ودي للمسألة على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها في هذا العهد.

6.                       للجنة، في أية مسألة محالة إليها، أن تدعو الدولتين الطرفين المعنيتين المشار إليهما في الفقرة الفرعية (ب) إلى تزويدها بأية معلومات ذات شأن.

7.                       للدولتين الطرفين المعنيتين المشار إليهما في الفقرة الفرعية (ب) حق إيفاد من يمثلها لدى اللجنة أثناء نظرها في المسألة، وحق تقديم الملاحظات شفويًا و/أو خطيًا.

8.                      على اللجنة أن تقدم تقريرًا في غضون اثني عشر شهرًا من تاريخ تلقيها الإشعار المنصوص عليه في الفقرة الفرعية (ب):

"1" فإذا تم التوصل إلى حل يتفق مع شروط الفقرة الفرعية (ج)، قصرت اللجنة تقريرها على عرض موجز للوقائع وللحل الذي تم التوصل إليه،

"2" وإذا لم يتم التوصل إلى حل يتفق مع شروط الفقرة الفرعية (ج)، قصرت اللجنة تقريرها على عرض موجز للوقائع، وضمت إلى التقرير المذكرات الخطية ومحضر البيانات الشفوية المقدمة من الدولتين الطرفين المعنيتين. ويجب، في كل مسألة إبلاغ التقرير إلى الدولتين الطرفين المعنيتين.

9.                      يبدأ نفاذ أحكام هذه المادة متى قامت عشر من الدول الأطراف في هذا العهد بإصدار إعلانات في إطار الفقرة (1) من هذه المادة. وتقوم الدول الأطراف بإيداع هذه الإعلانات لدى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يرسل صورًا منها إلى الدول الأطراف الأخرى. وللدولة الطرف أن تسحب إعلانها في أي وقت بإخطار ترسله إلى الأمين العام. ولا يخل هذا السحب بالنظر في أية مسألة تكون موضوع بلاغ سبق إرساله في إطار هذه المادة، ولا يجوز استلام أي بلاغ جديد من أية دولة طرف بعد تلقى الأمين العام الإخطار بسحب الإعلان، ما لم تكن الدولة الطرف المعنية قد أصدرت إعلانًا جديدًا.

المادة 42

1.

(أ) إذا تعذر على اللجنة حل مسألة أحيلت إليها وفقًا للمادة 41 حلًا مرضيًا للدولتين الطرفين المعنيتين جاز لها، بعد الحصول مسبقًا على موافقة الدولتين الطرفين المعنيتين، تعيين هيئة توفيق خاصة (يشار إليها في ما يلي باسم "الهيئة") تضع مساعيها الحميدة تحت تصرف الدولتين الطرفين المعنيتين بغية التوصل إلى حل ودي للمسألة على أساس احترام أحكام هذا العهد.

(ب) تتألف الهيئة من خمسة أشخاص تقبلهم الدولتان الطرفان المعنيتان. فإذا تعذر وصول الدولتين الطرفين المعنيتين خلال ثلاثة أشهر إلى اتفاق على تكوين الهيئة كلها أو بعضها، تنتخب اللجنة من بين أعضائها بالاقتراع السري وبأكثرية الثلثين، أعضاء الهيئة الذين لم يتفق عليهم.

2. يعمل أعضاء الهيئة بصفتهم الشخصية، ويجب ألا يكونوا من مواطني الدولتين الطرفين المعنيتين أو من مواطني أية دولة لا تكون طرفا في هذا العهد أو تكون طرفًا فيه ولكنها لم تصدر الإعلان المنصوص عليه في المادة 41.

3. تنتخب الهيئة رئيسها وتضع النظام الداخلي الخاص بها.

4. تعقد اجتماعات الهيئة عادة في مقر الأمم المتحدة أو في مكتب الأمم المتحدة بجنيف. ولكن من الجائز عقدها في أي مكان مناسب آخر قد تعينه الهيئة بالتشأور مع الأمين العام للأمم المتحدة ومع الدولتين الطرفين المعنيتين.

5. تقوم الأمانة المنصوص عليها في المادة 36 بتوفير خدماتها، أيضًا، للهيئات المعينة بمقتضى هذه المادة.

6. توضع المعلومات التي تلقتها اللجنة وجمعتها تحت تصرف الهيئة، التي يجوز لها أن تطلب إلى الدولتين الطرفين المعنيتين تزويدها بأية معلومات أخرى ذات صلة بالموضوع.

7. تقوم الهيئة، بعد استنفادها نظر المسألة من مختلف جوانبها، ولكن على أي حال خلال مهلة لا تتجأوز اثني عشر شهرًا بعد عرض المسألة عليها، بتقديم تقرير إلى رئيس اللجنة لإنهائه إلى الدولتين الطرفين المعنيتين:

(أ) فإذا تعذر على الهيئة إنجاز النظر في المسألة خلال اثني عشر شهرًا، قصرت تقريرها على إشارة موجزة إلى المرحلة التي بلغتها من هذا النظر.

(ب) وإذا تم التوصل إلى حل ودي للمسألة على أساس احترام حقوق الإنسان المعترف بها في هذا العهد، قصرت الهيئة تقريرها على عرض موجز للوقائع وللحل الذي تم التوصل إليه.

(ت) وإذا لم يتم التوصل إلى حل تتوفر له شروط الفقرة الفرعية (ب)، ضمنت الهيئة تقريرها النتائج التي وصلت إليها بشأن جميع المسائل الوقائعية المتصلة بالقضية المختلف عليها بين الدولتين الطرفين المعنيتين، وآراءها بشأن إمكانيات حل المسألة حلًا وديًا، وكذلك المذكرات الخطية ومحضر الملاحظات الشفوية المقدمة من الدولتين الطرفين المعنيتين. (ث) إذا قدمت الهيئة تقريرها في إطار الفقرة (ت) تقوم الدولتان الطرفان المعنيتان، في غضون ثلاثة أشهر من استلامهما هذا التقرير، بإبلاغ رئيس اللجنة هل تقبلان أم لا تقبلان مضامين تقرير الهيئة.

8. لا تخل أحكام هذه المادة بالمسؤوليات المنوطة باللجنة في المادة 41.

9. تتقاسم الدولتان الطرفان المعنيتان بالتسأوي سداد جميع نفقات أعضاء اللجنة على أساس تقديرات يضعها الأمين العام للأمم المتحدة.

10. للأمين العام للأمم المتحدة سلطة القيام، عند اللزوم، بدفع نفقات أعضاء الهيئة قبل سداد الدولتين الطرفين المعنيتين لها وفقًا للفقرة 9 من هذه المادة.

المادة 43

يكون لأعضاء اللجنة ولأعضاء هيئات التوفيق الخاصة الذين قد يعينون وفقًا للمادة 42، حق التمتع بالتسهيلات والامتيازات والحصانات المقررة للخبراء المكلفين بمهمة للأمم المتحدة المنصوص عليها في الفروع التي تتنأول ذلك من اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها.

المادة 44

تنطبق الأحكام المتعلقة بتنفيذ هذا العهد دون إخلال بالإجراءات المقررة في ميدان حقوق الإنسان في أو بمقتضى الصكوك التأسيسية والاتفاقيات الخاصة بالأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، ولا تمنع الدول الأطراف في هذا العهد من اللجوء إلى إجراءات أخرى لتسوية نزاع ما طبقًا للاتفاقات الدولية العمومية أو الخاصة النافذة فيما بينها.

المادة 45

تقدم اللجنة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن طريق المجلس الاقتصادي والاجتماعي تقريرا سنويًا عن أعمالها.

الجزء الخامس

المادة 46

ليس في أحكام هذا العهد ما يجوز تأويله على نحو يفيد إخلاله بما في ميثاق الأمم المتحدة ودساتير الوكالات المتخصصة من أحكام تحدد المسؤوليات الخاصة بكل من هيئات الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة بصدد المسائل التي يتنأولها هذا العهد.

المادة 47

ليس في أي من أحكام هذا العهد ما يجوز تأويله على نحو يفيد إخلاله بما لجميع الشعوب من حق أصيل في التمتع والانتفاع الكاملين، بملء الحرية، بثرواتها ومواردها الطبيعية.

الجزء السادس

المادة 48

1.                      هذا العهد متاح لتوقيع أية دولة عضو في الأمم المتحدة أو عضو في أية وكالة من وكالاتها المتخصصة، وأية دولة طرف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وأية دولة أخرى دعتها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن تصبح طرفًا في هذا العهد.

2.                      يخضع هذا العهد للتصديق، وتودع صكوك التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

3.                      يتاح الانضمام إلى هذا العهد لأية دولة من الدول المشار إليها في الفقرة 1 من هذه المادة.

4.                      يقع الانضمام بإيداع صك انضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

5.                      يخطر الأمين العام للأمم المتحدة جميع الدول التي وقعت هذا العهد أو انضمت إليه بإيداع كل صك من صكوك التصديق أو الانضمام.

المادة 49

1.                      يبدأ نفاذ هذا العهد بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداع صك الانضمام أو التصديق الخامس والثلاثين لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

2.                      أما الدول التي تصدق هذا العهد أو تنضم إليه بعد أن يكون قد تم إيداع صك التصديق أو الانضمام الخامس والثلاثين فيبدأ نفاذ هذا العهد إزاء كل منها بعد ثلاثة أشهر من تاريخ إيداعها صك تصديقها أو صك انضمامها.

المادة 50

تنطبق أحكام هذا العهد، دون أي قيد أو استثناء على جميع الوحدات التي تتشكل منها الدول الاتحادية.

المادة 51

1.                      لأية دولة طرف في هذا العهد أن تقترح تعديلًا عليه تودع نصه لدى الأمين العام للأمم المتحدة. وعلى أثر ذلك يقوم الأمين العام بإبلاغ الدول الأطراف في هذا العهد بأية تعديلات مقترحة، طالبًا إليها إعلامه عما إذا كانت تحبذ عقد مؤتمر للدول الأطراف للنظر في تلك المقترحات والتصويت عليها. فإذا حبذ عقد المؤتمر ثلث الدول الأطراف على الأقل عقده الأمين العام برعاية الأمم المتحدة. وأي تعديل تعتمده أغلبية الدول الأطراف الحاضرة والمقترعة في المؤتمر يعرض على الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقراره.

2.                      يبدأ نفاذ التعديلات متى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وقبلتها أغلبية ثلثي الدول الأطراف في هذا العهد، وفقًا للإجراءات الدستورية لدى كل منها.

3.                      متى بدأ نفاذ التعديلات تصبح ملزمة للدول الأطراف التي قبلتها، بينما تظل الدول الأطراف الأخرى ملزمة بأحكام هذا العهد وبأي تعديل سابق تكون قد قبلته.

المادة 52

بصرف النظر عن الإخطارات التي تتم بمقتضى الفقرة 5 من المادة 48، يخطر الأمين العام للأمم المتحدة جميع الدول المشار إليها في الفقرة 1 من المادة المذكورة بما يلي:

1.                      التوقيعات والتصديقات والإنضمامات المودعة طبقا للمادة 48.

2.                      تاريخ بدء نفاذ هذا العهد بمقتضى المادة 49، وتاريخ بدء نفاذ أية تعديلات تتم في إطار المادة 51.

المادة 53

1.                      يودع هذا العهد، الذي تتسأوى في الحجية نصوصه بالأسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والفرنسية، في محفوظات الأمم المتحدة.

2.                      يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بإرسال صور مصدقة من هذا العهد إلى جميع الدول المشار إليها في المادة 48.


الملحق رقم 4

الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان

21 ذو القعدة، 1401 – 19 سبتمبر، 1981

المحتويات

             التمهيد

             الديباجة

1.                 حق العيش.

2.                 حق الحرية.

3.                 حق المسأوة ومنع كل تمييز غير مسموح به

4.                 حق العدالة.

5.                 حق المحاكمة العادلة.

6.                 حق الحماية ضد افراط القوة

7.                 حق الحماية ضد التعذيب

8.                 حق حماية الكرامة و السمعة

9.                 حق اللجوء السياسي

10.             حق الأقلية

11.             حق والالتزام في المشاركة لإدارة و إجراء العلاقات العامة

12.             حق حرية الاعتقاد، في الفكر و الخطاب.

13.             حق حرية الأديان.

14.             حق الجمعيات الخيرية.

15.             النظام الاقتصادي، وحقوق تطويرها.

16.             حق حماية الممتلكات الخاصة.

17.             حالة وكرامة العاملين.

18.             حق الأمن الاجتماعي.

19.             حق إجاد الأهل والأمور المتعلقة بها.

20.             حق المرأة المتزوجة.

21.             حق التعليم.

22.             حق الخصوصية.

23.             حق حرية الانتقال ومذكرات التفسير السكنية.

المصطلحات والعبارات العربية.

المراجع

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدَىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القرآن الكريم، آل عمران 3: 138).

المقدمة

 منح الإسلام البشرية قانونًا مثاليًا لحقوق الإنسان منذ أربعة عشر قرنًا، وتتطلع هذه الحقوق إلى منح الجنس البشري الشرف والكرامة وإلى إلغاء الاستغلال والقمع والظلم.

تقوم حقوق الإنسان في الإسلام، على الإيمان الراسخ بأن الله -والله وحده- هو مشرع القوانين ومصدر حقوق الإنسان كلها. ونظرًا إلى طبيعة حقوق الإنسان الإلهية، لا يملك أي حاكم أو حكومة أو جمعية أو سلطة الحق في التقليل من شأنها أو الإخلال بها أو التخلي عنها إذ إنها ممنوحة من الله.

حقوق الإنسان في الإسلام هي جزء من النظام الإسلامي العام وهي فريضة يتعين على الحكومات الإسلامية وهيئات المجتمع الالتزام بها، حرفًا وجوهرًا، ضمن إطار هذا النظام.

لسوء الحظ يتم انتهاك حقوق الإنسان بأبشع الطرق وأفظعها في العديد من بلدان العالم، بما فيها بلدان إسلامية. هذه الانتهاكات مثيرة للقلق وهي تصحي ضمائر العالم مع تقدم الوقت.

أنا أتمنى صدقًا أن يكون إعلان حقوق الإنسان هذا محفزًا قويًا للشعوب الإسلامية للوقوف والدفاع بشراسة وشجاعة عن الحقوق التي منحهم إياها الله.

وإعلان حقوق الإنسان الراهن، هو الوثيقة الأساسية الثانية التي تبناها المجلس الإسلامي إشارة إلى بدء القرن الخامس عشر الهجري، بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام الذي أعلن عنه في المؤتمر الدولي حول النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته، الذي انعقد في لندن بين 12 و15 نيسان من العام 1980.

يعتمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام على القرآن والسنة وقد وضعه أشهر العلماء والمشرعين المسلمين وممثلي الحركات والفكر الإسلامي، عسى أن يجزيهم الله كل خير على جهودهم الرامية إلى هدايتنا إلى الدرب المستقيم.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (القرآن الكريم، الحجرات 49: 13).

الديباجة

حيث إن طموح الناس الأزلي بنظام عالمي عادل يعيشون فيه وينمون ويزدهرون في بيئة خالية من الخوف والقمع والاستغلال والحرمان لم يتحقق؛

وحيث إنّ الرحمة الإلهية للجنس البشري التي تنعكس في منحه وسائل عيش اقتصادية وافرة تُهدر بغير مسؤولية، أو يُحرم منها سكان الأرض بغير وجه حق؛

وحيث إنّ الله منح الجنس البشري من خلال آياته في القرآن الكريم وفي سنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، إطارًا قانونينًا وأخلاقيًا ملزما يقيم ضمنه المؤسسات والعلاقات البشرية وينظمها؛

وحيث إن حقوق الإنسان التي ينص عليها القانون الإلهي تهدف إلى إسباغ الكرامة والشرف على الجنس البشري وإلى القضاء على القمع والظلم؛

وحيث إن هذه الحقوق الإلهية المصدر، غير قابلة للانتهاك أو الإبطال أو الإهمال من السلطات والجمعيات والمؤسسات الأخرى وغير قابلة للتنازل والتصرف؛

لذلك، نحن المسلمون المؤمنون:

1.                      بالله، الرحمن الرحيم، الخالق والرزاق والسيد، هادي البشر ومصدر القوانين؛

2.                      بخلافة الإنسان الذي خُلق لتحقيق إرادة الله على الأرض؛

3.                      بحكمة الهداية الإلهية التي يبعث بها الأنبياء الذين بلغت مهمتهم أوجها بالرسالة الإلهية الأخيرة التي نقلها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الجنس البشري أجمع؛

4.                      بأن الرشد وحده بدون نور الرؤية من الله، قاصر عن الهداية الصحيحة في مسائل الجنس البشري وعن توفير الغذاء الروحي لنفس الإنسان، وبأن تعاليم الإسلام تمثل جوهر الهداية الإلهية في هيأتها النهائية المثالية، وبواجب تذكير الإنسان بالمرتبة العليا والكرامة التي أسبغها عليه الله؛

5.                       بدعوة البشر جميعًا إلى رسالة الإسلام؛

6.                       وبأنه، وبموجب عهدنا الابتدائي مع الله، تتفوق واجباتنا وموجباتنا على حقوقنا وبأن موجبًا ملزما يقع على عاتق كل منّا بنشر تعاليم الإسلام، بالكلمة والعمل وبطرق مناسبة، وبجعلها فاعلة لا في حياتنا كأفراد فحسب، بل في المجتمع من حولنا ككل؛

7.                       بواجبنا بتأسيس نظام إسلامي:

1) يكون فيه البشر جميعًا متسأوين ولا يتمتع أي منهم بامتيازات تفرقه عن غيره أو يعاني التمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الأصل أو اللغة؛

2) يولد فيه البشر جميعهم أحرارًا،

3) تمقت فيه العبودية والأعمال الشاقة؛

4) تسود فيه شروط تحفظ تأسيس العائلات وتحميها وتكرمها بما هي أساس الحياة الاجتماعية؛

5) يخضع فيه الحكام والمحكومون على حد سواء للشرع ويتسأوون أمامه؛

6) تبدى فيه الطاعة للوصايا التي تتماشى مع الشرع دون سواها؛

7) تعتبر فيه السلطات الزمنية أمانة مقدسة تمارس ضمن حدود الشرع، ووفقًا لما ينص عليه، مع العناية الواجبة للأولويات التي يحددها؛

8) تعتبر فيه الموارد الاقتصادية كلها بركات إلهية أُسبغت على البشرية، ليستفيد منها البشر جميعًا وفقًا لقواعد القرآن والسنة وقيمهما؛

9) يتم فيه تحديد المسائل العامة وقيادتها وتمارس السلطة التي تدير هذه الأخيرة بعد المشورة بين المؤمنين المخولين الإسهام في اتخاذ قرارات تتماشى كليًا مع الشريعة والمصلحة العامة؛

10) يلتزم فيه الجميع موجبات تتوافق وقدراتهم ويتحملون المسؤولية بما يتوافق مع أعمالهم؛

11) يتأكد فيه الجميع من وجود تدابير ناجعة مناسبة في الشرع في حال انتهكت حقوقهم؛

12) لا يحرم فيه أي أحد من حقوقه التي يضمنها له الشرع، إلا بما يسمح به هذا الأخير وفي النطاق الذي يسمح به؛

13) يحق فيه لكل فرد بإقامة الدعأوى القانونية ضد كل من يرتكب جرائم تستهدف المجتمع ككل، أو أي فرد من أفراده؛

14) لا يؤلى فيه جهد من أجل:

(أ) ضمان تحرير الجنس البشري من كل نوع من الاستغلال والظلم والقمع،

(ب) ضمان الأمن والكرامة والحرية للجميع، وفقًا للأحكام والطرق المقبولة والتي تندرج ضمن الحدود التي ينص عليها الشرع؛

 نؤكد بموجبه، كخدام لله وكأعضاء في الأخوة الإسلامية العالمية، في بداية القرن الخامس عشر الهجري، على التزامنا بدعم الحقوق التالية غير القابلة للانتهاك والتصرف والتي نعتبرها من صميم الإسلام.

أولًا: الحق في الحياة

أ) الحياة مقدسة وهي مكفولة لكل إنسان ويتعين الحرص على حمايتها كما لا يجوز إزهاق الأرواح من دون مسوغ شرعي.

ب) لكل إنسان حرمته في حياته وبعد موته، وسلامة جسد الإنسان مصونة ولا يجوز الاعتداء عليها.

ثانيًا: الحق في الحرية

1.                      يولد الإنسان حرًا وليس لأحد أن يقمع حريته إلا بما يقتضيه الشرع.

2.                      يتمتع كل فرد وكل شعب بحق غير قابل للتصرف بالحرية الجسدية والثقافية والاقتصادية والسياسية، كما يحق له التصدي بشتى الوسائل لأي انتهاك لهذا الحق؛ ويضمن الشرع حق كل فرد أو شعب يعاني القمع بطلب دعم أفراد آخرين أو شعوب أخرى في صراعه.

ثالثًا: الحق في المسأواة ومنع التمييز غير المقبول

1.                      الناس سواسية أمام الشرع ويتمتعون بفرص متسأوية وبالحماية في ظله.

2.                      لكل إنسان أن يتقاضى أجرًا عادلًا مقابل عمله.

3.                      لا يحرم أي إنسان من فرصة العمل ولا يتعرض للتمييز أو التعدي الجسدي، بسبب المعتقد الديني أو اللون أو الأصل أو الجنس أو اللغة.

رابعًا: الحق في العدالة

1.                      يحق لكل شخص أن يحظى بمعاملة تتوافق مع الشرع، ومع الشرع فقط.

2.                      يحق لكل إنسان بل يجب عليه الاعتراض على الظلم؛ واللجوء إلى الوسائل التي يسمح بها الشرع في كل ما يصيبه من أذى وخسارة غير شرعية؛ والدفاع عن نفسه في وجه أي اتهامات توجه إليه والحصول على محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة في أي نزاع مع السلطات العامة أو أي سلطات أخرى.

3.                      لكل إنسان الحق كما يقع عليه واجب الدفاع عن حقوق شخص آخر وعن المجتمع ككل (الحسبة).

4.                      لا يتعرض أي إنسان للتمييز إذ يدافع عن الحقوق الخاصة أو العامة.

5.                       لكل مسلم الحق كما يقع عليه واجب رفض الانصياع لأي أمر منافٍ للشرع، أيًا كان من أصدره.

خامسًا: الحق في المحاكمة العادلة

1.                      كل متهم بريء حتى تثبت إدانته أمام محكمة مستقلة عادلة.

2.                      كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تؤمن له فيها كل الضمانات الكفيلة بالدفاع عنه.

3.                      لا تفرض عقوبة إلا بموجب أحكام الشريعة وذلك بما يتوافق مع فداحة الجرم، ومع أخذ الظروف التي ارتكب في ظلها في الاعتبار.

4.                      لا تُعتبر جرائم إلا الأعمال التي نصت عليها الشريعة بوضوح.

5.                       يتحمل كل شخص المسؤولية عن أعماله ولا يتحمل أفراد عائلته أو جماعته المسؤولية الجنائية كتابعين ما لم يتدخلوا بشكل مباشر أو غير مباشر في ارتكاب الجريمة نفسها.

سادسًا: الحق في الحماية من استغلال السلطة

يتمتع كل إنسان بحق الحماية ضد تعديات الوكالات الحكومية. ولا يتعين عليه تبرير نفسه إلا دفاعًا في اتهامات توجه إليه أو في الحالات التي يُشك فيها منطقيًا في تورطه بجريمة.

سابعًا: الحق في الحماية من التعذيب

لا يجوز تعريض أي إنسان للتعذيب البدني أو النفسي أو لأي نوع من المعاملات المذلة أو للتهديد بالأذى له أو لأي من أقاربه والمقربين منه، أو إجباره على الاعتراف بارتكاب جريمة أو إرغامه على الموافقة على عمل يضر بمصالحه.

ثامنًا: الحق في حماية الكرامة والسمعة

لكل إنسان الحق في الدفاع عن كرامته وسمعته في وجه الافتراءات والاتهامات غير المبررة أو محأولات التشهير والابتزاز.

تاسعًا: حق اللجوء

1.                       لكل إنسان الحق في اللجوء إلى بلد آخر إذا تعرض للاضطهاد وهو حق مكفول لكل إنسان بغض النظر عن عرقه ودينه ولونه وجنسه.

2.                      المسجد الحرام (بيت الله المقدس) في مكة هو ملجأ كل مسلم.

عاشرًا: حقوق الأقليات

1.                      يحكم المبدأ القرآني القائل بـ"لا إكراه في الدين" الحقوق الدينية للأقليات غير المسلمة.

2.                      للأقليات الدينية في البلدان الإسلامية أن تقرر ما إذا كانت ترغب في أن تحكم وفقًا للشريعة الإسلامية في شؤونها المدنية والشخصية أو وفقًا لقوانينها الخاصة.

أحد عشر: الحق وواجب المشاركة في إدارة الشؤون العامة

1.                      وفقًا لأحكام الشريعة، لكل فرد في المجتمع (الأمة) الحق  في تقلد الوظائف العامة.

2.                      الشورى أساس العلاقة الإدارية بين الحكومة والشعب. وللشعب أيضًا الحق في اختيار حكامه أو إقالتهم وفقًا لهذا المبدأ.

ثاني عشر: الحق في حرية المعتقد والفكر والكلام

1.                      لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بما لا يتعارض مع المبادئ الشرعية. ولا يحق لأي كان نشر المنكر أو نشر ما يتعرض للآداب العامة أو ما يحض على الافتراء أو الإساءة أو بث الأكاذيب ضد الآخرين.

2.                      السعي للمعرفة والبحث عن الحقيقة حق وفريضة على كل مسلم.

3.                      لكل مسلم الحق كما يقع عليه واجب الاعتراض ومقأومة القمع (ضمن أحكام الشريعة) حتى لو عنى الأمر السلطة العليا في البلاد.

4.                      لا يجوز فرض القيود على نشر المعلومات بشرط ألا يتعرض أمن المجتمع للخطر وأن تنضوي ضمن إطار الأحكام التي تفرضها الشريعة.

5.                       ليس لأحد أن يقلل من شأن معتقدات الآخرين الدينية أو يسخر منها أو يحرض ضدها؛ فاحترام مشاعر الآخرين فريضة على كل مسلم.

ثالث عشر: الحق في حرية الدين

لكل إنسان الحق في حرية المعتقد والعبادة بما تقتضيه معتقداته الدينية.

 رابع عشر: الحق في المشاركة في الجمعيات

1.                      يحق لكل إنسان المشاركة فرديًا وجماعيًا في حياة مجتمعه الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية وفي تأسيس المؤسسات والوكالات التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

2.                      لكل إنسان الحق في السعي إلى تأسيس المؤسسات التي يمكن في ظلها التمتع بهذه الحقوق. ويتعين على المجتمع والدولة عامةً، أن يوجدا الشروط التي تتيح للناس كلهم بناء ذاتهم المعنوية.

خامس عشر: النظام الاقتصادي والحقوق الناشئة عنه

1.                      من الناحية الاقتصادية، يتمتع البشر جميعًا بالحق في الاستفادة من فوائد الطبيعة ومواردها؛ فهي بركات أسبغها الله لمصلحة الجنس البشري ككل.

2.                      يحق للبشر جميعًا أن يكسبوا رزقهم وفقًا لأحكام الشريعة.

3.                      لكل إنسان الحق في التملك والاشتراك في الملكية، وتعتبر ملكية الدولة لبعض الموارد الاقتصادية بما يصب في الخير العام شرعية.

4.                      للفقراء حق في جزء من ثروات الأغنياء المتبرعين بما يحدده قانون الزكاة التي تفرض وتجبى وفقًا للشريعة.

5.                       تستعمل وسائل الإنتاج كلها في ما يصب في مصلحة المجتمع (الأمة) ككل، ولا تهمل أو يُساء استعمالها.

6.                      تحظر الشريعة، وبهدف تعزيز التوازن الاقتصادي وحماية المجتمع من الاستغلال، الاحتكار والممارسات غير المنطقية والمقيدة للتجارة والربا والإكراه على إبرام العقود ونشر الدعايات المضللة. الأنشطة الاقتصادية متاحة شرط ألا تضر بمصالح المجتمع (الأمة) أو تخل بالشريعة والقيم الإسلامية.

سادس عشر: الحق في حماية الملكية

لا يجوز نزع الملكية إلا لضرورات المنفعة العامة ومقابل تعويض عادل.

سابع عشر: أوضاع العمال وكرامتهم

يحترم الإسلام العمل والعامل وهو لا يحض المسلمين على معاملة العمال بعدل فحسب بل بكرم أيضًا. فالعامل لا يتمتع بحق الحصول على راتبه المكتسب فورًا فحسب بل يحق له أيضًا الراحة والترفيه.

ثامن عشر: الحق في الضمان الاجتماعي

لكل إنسان الحق في الحصول على الماكل والمسكن والملبس والتعليم والرعاية الصحية في حدود الإمكانات المتاحة. ويتعين على المجتمع والدولة أن يعتبرا ذلك موجبًا خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأفراد العاجزين عن إعالة أنفسهم بسبب عطل مؤقت أو دائم.

تاسع عشر: الحق في تأسيس عائلة

1.                      لكل إنسان الحق في الزواج وتأسيس أسرة وتربية أطفاله وفقًا لدينه وتقاليده وثقافته. يتمتع كل من الزوجين بهذه الحقوق والامتيازات كما تقع عليه الموجبات التي تنص عليها أحكام الشريعة.

2.                      يحق لكل من الزوجين التمتع باحترام الآخر وتقديره.

3.                      على الرجل عبء الإنفاق على زوجته وأولاده ضمن إمكانياته.

4.                      لكل طفل الحق في أن يترعرع في كنف والديه، ويحظر دفع الأولاد إلى العمل في سن مبكرة أو تحميلهم أعباء قد تحول دون نموهم الصحيح أو تلحق بهم الضرر.

5.                       في حال تخلي الأبوين، لسبب ما، عن واجباتهم تجاه أطفالهم، تقع على الدولة مسؤولية القيام بها، وعلى نفقتها الخاصة.

6.                       يحق لكل إنسان الحصول على الدعم المادي وعلى العناية والحماية من عائلته في طفولته، وهرمه وعجزه، وللأبوين حقوقهما على أبنائهما بالدعم المادي والعناية والحماية.

7.                       للأم الحق في الحصول على الاحترام والعناية والمساعدة من قبل العائلة والهيئات العامة في المجتمع (الأمة).

8.                      ضمن الأسرة، يتقاسم الرجال والنساء واجباتهم ومسؤولياتهم وفقًا للجنس والمواهب والميول الطبيعية حريصين على الدوام على مسؤولياتهم تجاه أولادهم وأقاربهم.

9.                      لايتم إكراه أي إنسان على الزواج ولا يُسلب أي إنسان شخصيته القانونية بسبب الزواج أو تتعرض للانتقاص.

عشرون: حقوق المرأة المتزوجة

يحق لكل امرأة متزوجة:

1.                      العيش في البيت الذي يقطنه زوجها؛

2.                      الحصول على كل ما هو ضروري لتعيش حياة كريمة لا تقل شأنًا عن حياة زوجها والحصول، في حال الطلاق، وطوال فترة العدة وضمن إمكانيات زوجها، على النفقة لها وللأولاد الذين ترعاهم، بغض النظر عن وضعها المالي ومكاسبها وأملاكها؛

3.                      طلب الخلع والحصول عليه ضمن أحكام الشريعة وهو حق يضاف إلى حقها في طلب الطلاق في المحاكم؛

4.                      الحصول على إرث زوجها وأهلها وأولادها وأقربائها الآخرين وفقًا للشرع؛

ه) حفاظ زوجها أو زوجها السابق، بعد الطلاق، على سرية أي معلومات قد يكون اكتشفها عنها، ومن شأن كشفها أن يلحق بها الضرر. وتقع عليها مسؤولية مماثلة في ما يتعلق بزوجها أو زوجها السابق.

حادي وعشرون: الحق في التعليم

1.                      لكل شخص الحق في التعليم وفقًا لقدراته الطبيعية؛

2.                      يحق لكل إنسان أن يختار بحرية مهنته ويطور مواهبه الطبيعية.

ثاني وعشرون: الحق في السرية

لكل إنسان الحق في الحفاظ على خصوصيته.

ثالث وعشرون: الحق في حرية التنقل والسكن

1.                      نظرًا إلى أن العالم الإسلامي هو أمة إسلامية بكل ما للكلمة من معنى، يحق لكل مسلم التنقل بحرية في البلدان الإسلامية وفي ما بينها؛

2.                      لا يكره أي إنسان أو يجبر على مغادرة بلده أو يهجر منه تعسفيًا ومن دون أي مسوغ شرعي.

 ملاحظات تفسيرية

1) في النص المكتوب أعلاه حول حقوق الإنسان، وباستثناء ما إذا أوجب السياق غير ذلك،

أ) يشير مصطلحا "الإنسان" و"الفرد" إلى الرجل والمرأة على حد سواء.

ب) "الشريعة" هي المبادئ كلها مقتطفة من القرآن والسنة وأي شرائع أخرى بوسائل صالحة وفقًا للفقه الإسلامي.

2) يقابل كلًا من حقوق الإنسان المدرجة في هذا الإعلان موجبات مناسبة.

3) في إطار ممارسة الحقوق المشار إليها أعلاه والتمتع بها، يتقيد الشخص بالحدود التي تفرضها الشريعة بهدف حماية الاعتراف الواجب بحقوق الآخرين وحرياتهم واحترامها والالتزام بالأخلاق والنظام العام وسلامة المجتمع (الأمة) ككل.

قائمة المصطلحات العربية

السنة – ماورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

الخليفة- هو الذي يحكم البشرية أو من يخلف النبي.

الحسبة-  مراقبة السلوك العام  وهي جهة تابعة للدولة الإسلامية  ماموره بمراقبة وتسهيل تطبيق المعايير الصحيحة للسلوك العام. والحسبة تشمل المراقبة العامة بالاضافة إلى كونها إحدى الفرص للاشخاص الأفراد الذين يسعون للصلاح من خلالها.

المعروف – العمل الحسن.

المنكر- العمل القبيح.

الزكاة – جزء من المال يفرض بغية تطيهره وهو إحدى أركان الإسلام الخمس المفروضة على المسلمين.

العدة- هي الفترة التي تقضيها المرأة المتوفى عنها زوجها أو المطلقة قبل أن يحق لها الزواج مرة اخرى.

الخلع- هو قيام المرأة بطلب الطلاق من زوجها.

الأمة الإسلامية- المجتمع الإسلامي في أنحاء العالم.

الشريعة- القانون الإسلامي.


المَرَاجِع

(ملحوظة: تشير الحروف لموضوعات الكتاب)

1.                  ١- قرآن كريم، سورة المائدة، آية ۳٢ 

٢-  رواه مسلم، وأبودأود، والترمذي، والنَّسائي

۳-  حديث شريف رواه البخاري

2.                  ٤- حديث شريف رواه البخاري ومسلم

 ٥- مما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

 ٦- قرآن كريم، سورة الشورى، آية ٤١

۷- قرآن كريم، سورة الحج، آية ٤١   

3.                  ۸- من خطبة الوداع لرسول الله ﷺ

۹- حديث شريف رواه البخاري، ومسلم، وأبو دأود، والترمذي، والنسائي

١۰- من خطبة أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ

١١- من خطبة الوداع لرسول الله ﷺ

١٢- قرآن كريم، سورة الأحقاف، آية ١۹

١۳- حديث شريف، رواه أحمد

١٤- قرآن كريم، سورة الملك، آية ١٥

١٥- قرآن كريم، سورة الزلزلة، آيتين ٧-٨

4.                  ١٦- قرآن كريم، سورة النساء، آية ٥٩

١٧- قرآن كريم، سورة المائدة، آية ٤٩

١٨- قرآن كريم، سورة النساء، آية ١٤٨

١٩- حديث شريف، رواه البخاري، ومسلم، والترمذي

٢٠- حديث شريف، رواه البخاري، ومسلم

٢١- حديث شريف، رواه مسلم، وأبو دأود، والترمذي، والنسائي

٢٢- حديث شريف، رواه البخاري، ومسلم، وأبو دأود، والترمذي، والنسائي

٢٣- حديث شريف، رواه أبو دأود، والترمذي

٢٤- حديث شريف، رواه البخاري، ومسلم، وأبو دأود، والترمذي، والنسائي

٢٥- حديث شريف، رواه البخاري

5.                  ٢٦- حديث شريف، رواه البخاري، ومسلم

٢٧-  قرآن كريم، سورة الإسراء، آية ١٥

٢٨- قرآن كريم، سورة الأحزاب، آية ٥

٢٩- قرآن كريم، سورة الحجرات، آية ٦

٣٠- قرآن كريم، سورة النجم، آية ٢٨

٣١- قرآن كريم، سورة البقرة، آية ٢٢٩

٣٢- حديث شريف، رواه البيهقي، والحاكم

٣٣- قرآن كريم، سورة الإسراء، آية ١٥

٣٤- قرآن كريم، سورة الطور، آية ٢١

٣٥- قرآن كريم، سورة يوسف، آية ٧٩

6.                  ٣٦- قرآن كريم، سورة الأحزاب، آية ٥٨

7.                  ٣٧- حديث شريف، رواه البخاري، ومسلم، وأبو دأود، والترمذي، والنسائي

٣٨- حديث شريف، رواه بن ماجه

8.                 ٣۹- من خطبة الوداع لرسول الله ﷺ

٤٠- قرآن كريم، سورة الحجرات، آية ١٢

٤١- قرآن كريم، سورة الحجرات ، آية ١١

9.                 ٤٢- قرآن كريم، سورة التوبة، آية ٦

٤٣- قرآن كريم، سورة آل عمران، آية ۹٧

٤٤- قرآن كريم، سورة البقرة، آية ١٢٥

٤٥- قرآن كريم، سورة الحج، آية ٢٥

10.             ٤٦-  قرآن كريم، سورة البقرة، آية

٤٧- قرآن كريم، سورة المائدة، آية ٤٢

٤٨- قرآن كريم، سورة المائدة ، آية ٤٣

٤۹- قرآن كريم، سورة المائدة ، آية ٤٧

11.              ٥٠-  قرآن كريم، سورة الشورى، آية ٣٨

٥١- حديث شريف، رواه أحمد

٥٢- من خطبة أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ

12.             ٥٣- قرآن كريم، سورة الأحزاب، آيتين ٦٠-٦١

٥٤- قرآن كريم، سورة سبأ، آيات ٣٤-٤٦

٥٥- حديث شريف، رواه الترمذي والنسائي

56 القرآن - سورة النساء - آية 83

57 القرآن - سورة الأنعام - آية 108

ش. 58 القرآن - سورة الكافرون - آية 6

ص. 59 القرآن - سورة يوسف - آية 108

60 القرآن - سورة آل عمران - آية 104

61 القرآن - سورة المائدة - آية 2

62 أحاديث رواها أبو دأود والترمذي والنسائي وابن ماجة

ض. 63 القرآن - سورة المائدة - آية 120

64 القرآن - سورة الجاثية - آية 13

65 القرآن - سورة الشعراء - آية 183

66 القرآن - سورة الإسراء - آية 20

67 القرآن - سورة هود - آية 6

68 القرآن - سورة الملك - آية 15

69 القرآن - سورة النجم - آية 48

70 القرآن - سورة الحشر - آية 9

71 القرآن - سورة المعارج - آيات 24-25

72 أقوال من الخليفة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -

73 أحاديث رواها البخاري ومسلم

74 أحاديث رواها مسلم

75 أحاديث رواها مسلم وأبو دأود والترمذي والنسائي

76 أحاديث رواها البخاري ومسلم وأبو دأود والترمذي والنسائي

77 القرآن - سورة المطففين - آيات 1-3

78 أحاديث رواها مسلم

79 القرآن - سورة البقرة - آية 275

80 أحاديث رواها البخاري ومسلم وأبو دأود والترمذي والنسائي

ط. 81 القرآن - سورة البقرة - آية 188

82 أحاديث رواها البخاري

83 أحاديث رواها مسلم

84 أحاديث رواها مسلم والترمذي

ظ. 85 القرآن - سورة التوبة - آية 105

86 أحاديث رواها أبو يعلى الموصلي - مجمع الزوائد

87 أحاديث رواها ابن ماجة

88 القرآن - سورة الأحقاف - آية 19

89 القرآن - سورة التوبة - آية 105

90 أحاديث رواها الطبراني – مجمع الزوائد

91 أحاديث رواها البخاري

ع. 92 القرآن - سورة الأحزاب - آية 6

غ. 93 القرآن - سورة النساء - آية 1

94 القرآن - سورة البقرة - آية 228

95 أحاديث رواها البخاري ومسلم وأبو دأود والترمذي والنسائي

96 القرآن - سورة الروم - آية 21

97 القرآن - سورة الطلاق - آية 7

98 القرآن - سورة الإسراء - آية 24

99 أحاديث رواها البخاري ومسلم وأبو دأود والترمذي

100 أحاديث رواها أبو دأود

101 أحاديث رواها البخاري ومسلم

102 أحاديث رواها أبو دأود والترمذي

103 أحاديث رواها أحمد وأبو دأود

ف. 104 القرآن - سورة الطلاق - آية 6

105 القرآن - سورة النساء - آية 34

106 القرآن - سورة الطلاق - آية 6

107 القرآن - سورة الطلاق - آية 6

108 القرآن - سورة البقرة - آية 229

109 القرآن - سورة النساء - آية 12

110 القرآن - سورة البقرة - آية 237

ق. 111 القرآن - سورة الإسراء - آيات 23-24

112 أحاديث رواها ابن ماجة

113 القرآن - سورة آل عمران - آية 187

114 من خطبة الوداع للرسول - صلى الله عليه وسلم -

115 أحاديث رواها البخاري ومسلم

116 أحاديث رواها البخاري ومسلم وأبو دأود والترمذي

ك. 117 حديث شريف رواه مسلم

118 قرآن كريم سورة الجمعة آية 12

119 حديث شريف رواه ابو دأوود والترميذي.

ل. 120 قرآن كريم سورة الملك آية 15

121 قرآن كريم سورة الانعام آية 11

122 قرآن كريم سورة النساء آية 97

123 قرآن كريم سورة البقرة آية 217

124 قرآن كريم سورة الحشر آية

الملحق رقم 5

إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام

إن المؤتمر الإسلامي التاسع عشر لوزراء الخارجية (دورة السلام والتكافل والتنمية) المنعقد في القاهرة بجمهورية مصر العربية، في الفترة من 9- 14 محرم 1411 هـ الموافق (31 يوليو- 5 أغسطس 1990م)

إذ يدرك مكانة الإنسان في الإسلام باعتباره خليفة الله في الأرض؛

وإذ يقر بأهمية إصدار وثيقة حول حقوق الإنسان في الإسلام، لكي تسترشد بها الدول الأعضاء في مختلف مجالات الحياة؛

وبعد أن اطلع على مراحل إعداد مشروع هذه الوثيقة وعلى مذكرة الأمانة العامة في هذا الشأن؛

وبعد أن اطلع على تقرير اجتماع لجنة الخبراء القانونيين الذي انعقد فى طهران في الفترة من 26 إلي 28 ديسمبر 1989م؛

يوافق على إصدار إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام الذي يشكل إرشادات عامة للدول الأعضاء في مجال حقوق الإنسان.

الديباجة

تأكيدًا للدور الحضاري والتاريخي للأمة الإسلامية التي جعلها الله خير أمة أورثت البشرية حضارة عالمية متوازنة ربطت الدنيا بالآخرة وجمعت بين العلم والإيمان، وما يرجى أن تقوم به هذه الأمة اليوم لهداية البشرية الحائرة بين التيارات والمذاهب المتناقضة وتقديم الحلول لمشكلات الحضارة المادية المزمنة.

ومساهمة في الجهود البشرية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تهدف إلي حمايته من الاستغلال والاضطهاد، وتهدف إلي تأكيد حريته وحقوقه في الحياة الكريمة التي تتفق مع الشريعة الإسلامية.

وثقة منها بأن البشرية التي بلغت في مدارج العلم المادي شأنًا بعيدًا، لا تزال، وستبقي في حاجة ماسة إلي سند إيماني لحضارتها، وإلي وازع ذاتي يحرس حقوقها.

وإيمانًا بأن الحقوق الأساسية والحريات العامة في الإسلام جزء من دين المسلمين لا يملك أحد بشكل مبدئي تعطيلها كليًا أو جزئيًا، أو خرقها أو تجاهلها في أحكام إلهية تكليفية أنزل الله بها كتبه، وبعث بها خاتم رسله وتمم بها ما جاءت به الرسالات السماوية وأصبحت رعايتها عبادة، وإهمالها أو العدوان عليها منكرًا في الدين وكل إنسان مسؤول عنها بمفرده، والأمة مسؤولة عنها بالتضامن، وأن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي تأسيسا علي ذلك تعلن ما يلي:

المادة 1

أ- البشر جميعا أسرة واحدة جمعت بينهم العبودية لله والنبوة لآدم وجميع الناس متسأوون في أصل الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسؤولية دون تمييز بينهم بسبب العرق أو اللون أو اللغة أو الجنس أو المعتقد الديني أو الانتماء السياسي أو الوضع الاجتماعي أو غير ذلك من الاعتبارات. وأن العقيدة الصحيحة هي الضمان لنمو هذه الكرامة علي طريق تكامل الإنسان.

ب- أن الخلق كلهم عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله وأنه لا فضل لأحد منهم علي الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح.

المادة 2

1.                      الحياة هبة الله وهي مكفولة لكل إنسان، وعلي الأفراد والمجتمعات والدول حماية هذا الحق من كل اعتداء عليه، ولا يجوز إزهاق روح دون مقتض شرعي.

2.                      يحرم اللجوء إلي وسائل تفضي إلي إفناء الينبوع البشري.

3.                      المحافظة علي استمرار الحياة البشرية إلى ما شاء الله واجب شرعي.

4.                      سلامة جسد الإنسان مصونة، ولا يجوز الاعتداء عليها، كما لا يجوز المساس بها بغير مسوغ شرعي، وتكفل الدولة حماية ذلك.

المادة 3

1.                      في حالة استخدام القوة أو المنازعات المسلحة، لا يجوز قتل من لا مشاركة لهم في القتال كالشيخ والمرأة والطفل، وللجريح والمريض الحق في أن يدأوى وللأسير أن يطعم ويؤوى ويكسى، ويحرم التمثيل بالقتلى، ويجب تبادل الأسرى وتلاقي اجتماع الأسر التي فرقتها ظروف القتال.

2.                      لا يجوز قطع الشجر أو إتلاف الزرع والضرع أو تخريب المباني والمنشآت المدنية للعدو بقصف أو نسف أو غير ذلك.

المادة 4

لكل إنسان حرمته والحفاظ علي سمعته في حياته وبعد موته وعلي الدول والمجتمع حماية جثمانه ومدفنه.

المادة 5

1.                      الأسرة هي الأساس في بناء المجتمع، والزواج أساس تكوينها وللرجال والنساء الحق في الزواج ولا تحول دون تمتعهم بهذا الحق قيود منشؤها العرق أو اللون أو الجنسية.

2.                      علي المجتمع والدولة إزالة العوائق أمام الزواج وتيسير سبله وحماية الأسرة ورعايتها.

المادة 6

1.                      المرأة مسأوية للرجل في الكرامة الإنسانية، ولها من الحق مثل ما عليها من الواجبات ولها شخصيتها المدنية وذمتها المالية المستقلة وحق الاحتفاظ باسمها ونسبها.

2.                      على الرجل عبء الإنفاق على الأسرة ومسؤولية رعايتها.

المادة 7

1.                      لكل طفل عند ولادته حق علي الأبوين والمجتمع والدولة في الحضانة والتربية والرعاية المادية والصحية والأدبية كما تجب حماية الجنين والأم وإعطاؤهما عناية خاصة.

2.                      للآباء ومن يحكمهم، الحق في اختيار نوع التربية التي يريدون لأولادهم مع وجوب مراعاة مصلحتهم ومستقبلهم في ضوء القيم الأخلاقية والأحكام الشرعية.

3.                      للأبوين علي الأبناء حقوقهما وللأقارب حق على ذويهم وفقاً لأحكام الشريعة.

المادة 8

لكل إنسان التمتع بأهليته الشرعية من حيث الإلزام والالتزام، وإذا فقدت أهليته أو انتقصت قام وليه مقامه.

المادة 9

1.                      طلب العلم فريضة، والتعليم واجب علي المجتمع والدولة وعليها تأمين سبله ووسائله وضمان تنوعه بما يحقق مصلحة المجتمع، ويتيح للإنسان معرفة دين الإسلام وحقائق الكون وتسخيرها لخير البشرية.

2.                      من حق كل إنسان علي مؤسسات التربية والتوجيه المختلفة من الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام وغيرها أن تعمل على تربية الإنسان دينيًا ودنيويًا تربية متكاملة متوازنة تنمي شخصيته وتعزز إيمانه بالله واحترامه للحقوق والواجبات وحمايتها.

المادة 10

الإسلام هو دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لون من الإكراه على الإنسان أو استغلال فقره أو جهله علي تغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد.

المادة 11

1.                      يولد الإنسان حرًا، وليس لأحد أن يستعبده أو يذله أو يقهره أو يستغله، ولا عبودية لغير الله تعإلى.

2.                      الاستعمار بشتى أنواعه وباعتباره من أسوأ أنواع الاستعباد محرم تحريما مؤكدا، وللشعوب التي تعانيه الحق الكامل للتحرر منه وفي تقرير المصير، وعلى جميع الدول والشعوب واجب النصرة لها في كفاحها لتصفية كل أشكال الاستعمار أو الاحتلال، ولجميع الشعوب الحق في الاحتفاظ بشخصيتها المستقلة والسيطرة على ثرواتها ومواردها الطبيعية.

3.                      للأبوين على الأبناء حقوقهما، وللأقارب حق علي ذويهم وفقًا لأحكام الشريعة.

المادة 12

لكل إنسان الحق في إطار الشريعة في حرية التنقل، واختيار محل إقامته داخل بلاده أو خارجها، وله إذا اضطهد حق اللجوء إلى بلد آخر، وعلى البلد الذي لجأ إليه أن يجيره حتى يبلغه مامنه ما لم يكن سبب اللجوء اقتراف جريمة في نظر الشرع.

المادة 13

العمل حق تكفله الدولة والمجتمع لكل قادر عليه، وللإنسان حرية اختيار العمل اللائق به مما تتحقق به مصلحته ومصلحة المجتمع، وللعامل حقه في الأمن والسلامة وفي كافة الضمانات الاجتماعية الأخرى. ولا يجوز تكليفه بما لا يطيقه أو إكراهه أو استغلاله أو الإضرار به، وله -دون تمييز بين الذكر والأنثى- أن يتقاضى أجرًا عادلًا مقابل عمله دون تأخير وله الاجازات والعلأوات والفروقات التي يستحقها، وهو مطالب بالإخلاص والإتقان، وإذا اختلف العمال وأصحاب العمل فعلى الدولة أن تتدخل لفض النزاع ورفع الظلم وإقرار الحق والإلزام بالعدل دون تحيز.

المادة 14

للإنسان الحق في الكسب المشروع، دون احتكار أو غش أو إضرار بالنفس أو بالغير، والربا ممنوع مؤكدًا.

المادة 15

1.                      لكل إنسان الحق في التملك بالطرق الشرعية، والتمتع بحقوق الملكية بما لا يضر به أو بغيره من الأفراد أو المجتمع، ولا يجوز نزع الملكية إلا لضرورات المنفعة العامة ومقابل تعويض فوري وعادل.

2.                      تحرم مصادرة الأموال وحجزها إلا بمقتضى شرعي.

المادة 16

لكل إنسان الحق في الانتفاع بثمرات إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني أو التقني. وله الحق في حماية مصالحه الأدبية والمالية العائدة له على أن يكون هذا الإنتاج غير مناف لأحكام الشريعة.

المادة 17

1.                      لكل إنسان الحق في أن يعيش بيئة نظيفة من المفاسد والأوبئة الأخلاقية تمكنه من بناء ذاته معنويًا، وعلى المجتمع والدولة أن يوفرا له هذا الحق.

2.                      لكل إنسان على مجتمعه ودولته حق الرعاية الصحية والاجتماعية بتهيئة جميع المرافق العامة التي تحتاج إليها في حدود الإمكانات المتاحة.

3.                      تكفل الدولة لكل إنسان حقه في عيش كريم يحقق له تمام كفايته وكفاية من يعوله، ويشمل ذلك الماكل والملبس والمسكن والتعليم والعلاج وسائر الحاجات الأساسية.

المادة 18

1.                      لكل إنسان الحق في أن يعيش آمنًا على نفسه ودينه وأهله وعرضه وماله.

2.                      للإنسان الحق في الاستقلال بشؤون حياته الخاصة في مسكنه وأسرته وماله واتصالاته، ولا يجوز التجسس أو الرقابة عليه أو الإساءة إلى سمعته، وتجب حمايته من كل تدخل تعسفي.

3.                      للمسكن حرمته في كل الأحوال، ولا يجوز دخوله بغير إذن أهله أو بصورة غير مشروعة، ولا يجوز هدمه أو مصادرته أو تشريد أهله منه.

المادة 19

1.                      الناس سواسية أمام الشرع، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.

2.                      حق اللجوء إلي القضاء مكفول للجميع.

3.                      المسؤولية في أساسها شخصية.

4.                      لا جريمة ولا عقوبة إلا بموجب أحكام الشريعة.

5.                      المتهم برئ حتى تثبت إدانته بمحاكمة عادلة تؤمن له فيها كل الضمانات الكفيلة بالدفاع عنه.

المادة 20

لا يجوز القبض على إنسان أو تقييد حريته أو نفيه أو عقابه بغير موجب شرعي. ولا يجوز تعريضه للتعذيب البدني أو النفسي أو لأي من أنواع المعاملات المذلة أو القاسية أو المنافية للكرامة الإنسانية. كما لا يجوز إخضاع أي فرد للتجارب الطبية أو العلمية إلا برضاه وبشرط عدم تعرض صحته وحياته للخطر، كما لا يجوز سن القوانين الاستثنائية التي تخول ذلك للسلطات التنفيذية.

المادة 21

أخذ الإنسان رهينة محرم بأي شكل من الأشكال ولأي هدف من الأهداف.

المادة 22

1.                      لكل إنسان الحق في التعبير بحرية عن رأيه بشكل لا يتعارض مع المبادئ الشرعية.

2.                      لكل إنسان الحق في الدعوة إلي الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقًا لضوابط الشريعة الإسلامية.

3.                      الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة المجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد.

4.                      لا يجوز إثارة الكراهية القومية والمذهبية وكل ما يؤدي إلي التحريض على التمييز العنصري بكافة أشكاله.

المادة 23

1.                      الولاية أمانة يحرم الاستبداد فيها وسوء استغلالها تحريما مؤكدًا ضمانًا للحقوق الأساسية للإنسان.

2.                      لكل إنسان حق الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما أن له الحق في تقلد الوظائف العامة وفقا لأحكام الشريعة.

المادة 24

كل الحقوق والحريات المقررة في هذا الإعلان مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية.

المادة 25

الشريعة الإسلامية هي المرجع الوحيد لتفسير أو توضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة.



 [1]نقلًا عن أنتوني سي يو "التغيير المستمر: الكونفشيوسية ومنظور حقوق الإنسان"، في كتاب "هل حقوق الإنسان تحتاج للرب"Does Human Rights Need God?، تحقيق. إم بوكار وباربرا برانيت، (جراند رابيدز، متشيجان، شركة ويليام بي إيردمانز للنشر، (2005)، ص 107.

[2] راجع جاك دونلي، حقوق الإنسان العالمية في النظرية والتطبيق Universal Human Rights in Theory & Practice (إيثاكا/ مطابع جامعة كورنيل، 2003)، ص 1.

[3] خالد أبو الفضل "التزام حقوق الإنسان في الإسلام المعاصر"، تحقيق: جوزيف رونزو، نانسي إم مارتن، وآرفيند شارما، حقوق الإنسان والواجبات في ديانات العالم Human Rights and Responsibilities in the World Religions (أكسفورد، إنجلترا، وان وورلد، 2003)، ص 301.

[4] في الفترة التي بلغت فيها الاشتراكية/الشيوعية أوجها كتب كثير من الكتاب المسلمين عن مدى التوافق بين الإسلام والاشتراكية، مدعين أن النبي H أو بعض أصحابه كانوا أول اشتراكيين حقيقيين. واليوم يتحدث الكثيرون عن أن الإسلام كان أول من أتى بحقوق الإنسان، وأن كافة دعأوى حقوق الإنسان موجودة بالفعل في الإسلام.

 [5]تذكر آن ماير على سبيل المثال أن "الفكرة الرئيسية في هذا الكتاب هي أن المرء لا يجب أن يتحدث عن الإسلام وحقوق الإسلام باعتبار أن الإسلام كتلة واحدة، أو أن هناك تصور إسلامي واحد لحقوق الإنسان، والذي يدعو المسلمين للنظر للحقوق بطريقة معينة. إن تعاليم الإسلام، مثله مثل النصرانية والهندوسية واليهودية وغيرها من الديانات الكبرى التي تشكلت عبر تقاليد قديمة ومعقدة، قابلة للتأويل الذي يمكنه أن يخلق أو بالفعل أوجد صراعات بين العقيدة الدينية وحقوق الإنسان أو يسعى للتوفيق بينهما"، آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان: التراث والسياسة Islam and Human Rights: Tradition and Politics (بولدر، ويست فيو للنشر، الطبعة الرابعة، 2007)، ص11؛ انظر كذلك إيرين أوه "حقوق الرب: الإسلام وحقوق الإنسان والأخلاق المقارنةGod: Islam, Human Rights, and Comparative Ethics(واشنطن العاصمة: مطابع جامعة جورج تأون، 2007)، ص 7؛ فارتان جريجوريان "الإسلام متناغم وليس موحد" في الصفحةwww.drsoroush/E-CMO-20021100-Islam-A_Mosaic-Not_a_Monolith html.

[6]مهناز أفخمي، "التمييز الجنسي وخطاب النسبية للحقوق في المجتمعات المسلمة" في كتاب "الأصوليات الدينية وحقوق الإنسان للمرأة" Religious Fundamentalisms and the Human Rights of Women، كورتيني دبليو هولاند (نيويورك، بلجراف، 2001)، ص 72.

[7] هناك جانب مهم سوف نرجئ الحديث عنه وهو أن مهناز أفخمي تحأول أن تقدم صورة الفهم "التقليدي" للإسلام لدى الرجال باعتباره مقابلا لفهم الإسلام لدى النساء. والحقيقة أن هناك العديد من النساء المسلمات العالمات اللاتي يختلفن مع أفخمي ويجدن أنفسهن متفقات مع "هذا" [آراء الرجل] الذي تشير هي إليه ما دام أن أراء(ه) متفقة مع القرآن والسنة.

[8] على سبيل المثال، في كتاب"الدين وحقوق الإنسان: دعأوى متعارضة" Religion and Human Rights: Competing Claims، نجد الجزء الخاص بالإسلام كتبته إليزابيث آن ماير وهي غير مسلمة. ومن الواضح أن المسلم الوحيد الذي استطاعوا العثور عليه والذي كان من المفترض أنه يكتب ردًا أو تعليقًا على ماير، لم يكن قادرًا على فعل هذا. انظر: كاري جاستافسون وبيتر جوفيلر (محققون) "الدين وحقوق الإنسان: دعأوى متعارضة" (أرمونك: نيويورك، إم إي شارك، 1999) مواضع متفرقة من الكتاب.

[9] سوف نعطي أمثلة على ذلك قريبًا.

[10] على الرغم من أن الديانات الأخرى تقدم في صور متعددة، ومن خلال مجموعة متنوعة من الكتاب في العديد من الندوات أو الكتابات العلمية، فإن آن ماير– الكاتبة غير المسلمة– ناقشت الأمر أكثر من مرة فقط فيما يخص الإسلام. باستثناء خالد أبي الفضل وعبد الله النعيم (وسوف ننافش آراء هذه للكاتبين بالتفصيل فيما بعد) فهناك قليل جدًا من الأصوات المسلمة تجد طريقها للاعتراف بها وإن وجدت طريقها فهي أصوات تقدمية أو حداثية. انظر هذه الأعمال على سبيل المثال: إليزابيث إم بوكار وباربرا بارنيت (محققون)، هل حقوق الإنسان بحاجة للرب؟ Does Human Rights Need God? (جراند رابيدز، ميتشجان: شركة ويليام بي فيردمانز للنشر، 2005) حيث لا يوجد مشارك مسلم سوى خالد أبي الفضل؛ هانز كونغ وجورغين مولمان، أخلاق ديانات العالم وحقوق الإنسان The Ethics of World Religions and Human Rights (لندن، إنجلترا: مطابع إ مسي إس، 1990) حيث يمثل عبد الله النعيم جانب الإسلام. جوزيف رونزا نانسي إم مارتن وأرفيند شارما (محققون)، حقوق الإنسان والواجبات في ديانات العالم Human Rights and Responsibilities in the World Religions (أكسفورد، إنجلترا: وان وورلد للنشر، 2003) حيث احتوى الكتاب على مقالات لكل من خالد أبي الفضل وعبد الله النعيم، مع مقال آخر لأمير حسين؛ جون ويتت جي آر، وجوهان دي فان (محققون)، حقوق الإنسان الدينية في المنظور العالمي Religoius Human Rights in Global Perspective (لاهاي، هولندا، ماتينوس نيجهوف ناشرون، 1996) حيث يحتوى على مقال واحد لعبد الله النعيم وآخر لرفعت حسن.

[11] من المصطلحات المستخدمة للتعبير عن هذا المفهوم مصطلح "الإسلام التقليدي". لكن إذا كان المقصود بهذا التعبير ببساطة ما يؤمن المسلمون عرفًا أنه الإسلام، فليس هذا هو المقصود، لأن بعض هذه الأعراف والتقاليد قد تخالف القرآن والسنة. ومن المصطلحات الشائعة كذلك "الإسلام الأصولي"، غير أن تاريخ هذا المصطلح في الغرب لا ينطبق على الإسلام، فضلًا عن أن المصطلح له مضمون سلبي للغاية.

[12] على سبيل المثال يقول الله تعإلى﴿قَدْجَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١٥)؛ ويقول ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر:١)، ويقرر الله تعإلى في القرآن أن لغة القرآن عربية واضحة (النحل: 103؛ الشعراء: 195).

 [13]يقرر القرآن نزوله باللغة العربية كما في سورة يوسف: الآية الثانية، والرعد 37، والنحل 103، وطه 113، والشعراء 195، ومواضع أخرى.

 [14]المقصود بها أقوال النبي H وأفعاله وتقريره.

 [15]انظر الملحق في "جمال الدين زرابوزو"، حجية السنة وأهميتها" The Authority and Importance of the Sunnah (دينفر: شركة البشير، 2000)، صفحات 257-272.

[16] هذا أحد الانتقادات المهمة التي توجه لـ"الأصوليين" في مختلف الديانات. انظر على سبيل المثال 1: جون ستراتون هأولي "الأصولية" في كتاب "الأصوليات الدينية وحقوق الإنسان للمرأة"Religious Fundamentalisms and the Human Rights of Womenلـ "كورتني دبليو هولاند" (نيويورك: بلجراف، 2001)، ص 3.

 [17]للتعرف على أدلة حجية الإجماع يرجع لأي من الكتب الأساسية في أصول الفقه.

[18]لا يزعم المؤلف بأنه ليس هناك كُتاب خارج نطاق هذه الاتجاهات الثلاث، لكن هذه هي الاتجاهات الرئيسية التي تضم الغالبية العظمى للمؤلفات ذات الصلة حول هذا الموضوع، وهكذا، كتب مشهود بدرين: "حدد هاليداي أربعة اتجاهات على الأقل للردود الإسلامية للجدلية العالمية حول حقوق الإنسان؛ يرى الاتجاه الأول أن الإسلام يتوافق مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بينما يرى الاتجاه الثاني أن حقوق الإنسان الحقيقية هي ما يمكن فقط إقراره في ظل الشريعة الإسلامية، أما الاتجاه الثالث فيرى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان ما هو إلى مخطط استعماري يجب رفضه، بينما يرى الاتجاه الرابع أن الإسلام لا يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. وهناك استجابة خامسة جديرة بالذكر وقد تغافلها هاليداي وهي أن حقوق الإنسان الدولية تنطوي على مخطط خفي مناهض للدين، وبالنظر إلى هذه الاستجابات بمنظور نقدي نجد أنها عبارة عن ردود فعل من المسلمين لما يُوصف في الغالب على أنه المعايير ذات الوجهين للدول التي تساعد على ترويج القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتعكس هذه الردود أن حقوق الإنسان تقع بين مفهوم النزعة الإنسانية وحب الخير وبين السياسة الدولية وليس الخلافات حول مفهوم حقوق الإنسان في ظل الشريعة الإسلامية، وسوف نقيم الآن هذه الردود في ظل إطار الشريعة الإسلامية..." مشهود بدرين "حقوق الإنسان الدولية والشريعة الإسلامية" (International Human Rights and Islamic Law) (أكسفورد، إنجلترا: مطابع جامعة أكسفورد، 2003م) صـ 13.

[19]كتبت أيرين أوه (ص 10) "تستبعد بعض النظريات المشهورة لحقوق الإنسان في الغرب حاليًا الإسلام كلية بدعوى أن الدين على وجه العموم يضع عقبات في طريق تقدم حقوق الإنسان"، وهي تقتبس على وجه الخصوص كتابات كل من إيجناتيف ودونلي.

 [20]سوف نعرض في هذا الكتاب نماذج لكتابات عبد الله النعيم وخالد أبي الفضل، أما آراء عبد الكريم سروش فقد تنأولتها أرين أوه في عدة مواضع في كتابها.

[21] على الرغم أن منهج المؤلف يختلف كثيرًا مع فهم النعيم، إلا أن النعيم في الحقيقة له تعليقات ثاقبة بشأن حقوق الإنسان في منشوراته العديدة والمختلفة.

[22] تتلقبه موسوعة الإسلام والعالم الإسلامي (The Encyclopedia of Islam and the Muslim World) بـ"الممثل البارز" لفكر محمود طه . المصدر: "موسوعة الإسلام والعالم الإسلامي"، رئيس التحرير ريتشارد سي مارتن (نيو يورك: مراجع ماكملان، الولايات المتحدة الأمريكية، 2004م)، ص. 590.

[23] من الجدير بالذكر أن عقوبة الردة عن الإسلام- وهي الموت- نادرًا ما نُفذت في تاريخ الإسلام، ومع ذلك، تم توقيع هذه العقوبة على محمود محمد طه، وبغض النظر عن أي شيء آخر، يعكس هذا مدى التطرف الذي ذهب إليه الرجل في آرائه.

[24]ربما نظرًا لغياب الأصوات الأخرى في الغرب يعتمد الكثير من الكُتاب غير المسلمين على مثل هؤلاء الكتاب المسلمين فيما يتعلق بالإسلام وحقوق الإنسان، وهكذا نجد أن بيل على سبيل المثال يعتمد اعتمادًا كليًا على النعيم في كتاباته عن الإسلام، ومن هذا التصريح التالي الذي ينسبه إلى النعيم: "في الحقيقة، هذه مسألة خلافية بين الدوائر الإسلامية، فبعض المفسرين الحداثيين يقولون بأن الحكم بحرمة شرب الخمر ينطبق على أنواع معينة من الخمر المسكر، وأن العبرة بعدم السكر وقت الصلاة، وليس التحريم شاملًا لشرب الكحول (محادثة مع النعيم)." دانيال أي بيل "الشرق يقابل الغرب: حقوق الإنسان والديمقراطية في شرق آسيا" (East Meets West: Human Rights and Democracy in East Asia) (برينستون، نيو جيرسي: مطابع جامعة نيو جيرسي، 2000م)، ص. 72. ومن المدهش أيضًا أن عبد الله النعيم أثر في بعض الكُتاب المسلمين، فالكاتبة شاهين علي، على سبيل المثال، قد تأثرت بكتاباته إلى حد بعيد حيث راحت تقتبس آراءه في طيات كتابها الذي يحمل عنوان: "النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان في الإسلام والقانون الدولي: متسأوون عند الله وغير متسأوين عند الإنسان؟" (Gender and Human Rights in Islam and International Law: Equal Before Allah, Unequal Before Man?) (لاهاي، هولندا: ﻜﻠﻭﻴﺭ ﻟﻠﻘا نون ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ، 2000م).ويلقبه جوكال بـ "واحد من علماء الشريعة الأوائل"]أليسون سويكر جوكال، "حقوق الإنسان والشريعة: حول تطور واستخدام الشريعة في الدول الإسلامية وأهميتها للمرأة في إيران، الدولة ذات التاريخ الطويل من الانتقاد من قبل جماعات حقوق الإنسان والأمم المتحدة"، (مجلة هيرتفوردشاير للقانون5 (1)، 86-106)، ص 105[. وهذا أمير حسين يشير إلى النعيم بقوله: "أما بالنسبة للأستاذ عبد الله أحمد النعيم فقد ألهم جيلنا بكتابه "نحو إصلاح إسلامي" (Towards an Islamic Reformation) ]أمير حسين، "ارتجاف الحكمة الغربية: استجابة إسلامية لحقوق الإنسان والإعلان العالمي،" منقولاً في كتاب" حقوق الإنسان وواجباته في أديان العالم" (Human Rights and Responsibilities in the World Religions)، جوزيف رونزو ونانسي مارتن وآرفيند شارما (محررون) (أكسفورد، إنجلترا، الناشر: وان ورلد، 2003)، ص. 176[، ومع هذا فلا أجد إشارة إلى كتاباته في الكتابات الكبرى عن حقوق الإنسان المكتوبة باللغة العربية بأقلام العلماء المسلمين.

[25] عبد الله أحمد النعيم، "نحو إصلاح إسلامي" (سيراكيوز، نيويورك: مطابع جامعة سيراكيوز، عام 1990م)، ص. 184.

 [26]عبد الله أحمد النعيم، "نحو إصلاح إسلامي"، ص 185. بالطبع لا يستطيع أن يقدم دليلًا على هذا القول.

 [27]عبد الله أحمد النعيم، "نحو إصلاح إسلامي"، صفحات 185-186.

[28] لاحظ أن النعيم يسيء استخدام كلمة "الشريعة" التي تستخدم في الشائع لتشير تحديدًا   إلى نصوص القرآن والسنة ومن ثم فهي ليست من وضع البشر.

 [29]عبد الله أحمد النعيم، "نحو إصلاح إسلامي"، ص 163.

 [30]ربما يتساءل شخص فيقول: كيف تم طباعة مثل هذه الأعمال وهي تحتوى على تلك الأفكار المغلوطة؟ والجواب أنه لا بد أن ندرك أن العالم الأكاديمي العِلماني في الغرب عامة يرى أن الدين من صنع العقل البشري، أو أنه أمر خيالي. وبعبارة أخرى، عندما لا يؤمن المرء بأن الدين وحي من الله وأن مصدره فوق قدرة العقل البشري، فلا حرج لديه إذنفي القول بأنه لا بد وأن تتوافق مبادئ هذا الدين ونصوصه مع أي وجهة ينحاز إليها البشر ويتبنونها.

 [31]عبد الله أحمد النعيم، " تكامل وترابط حقوق الإنسان والدين والعِلمانية،" نقلًا عن جوزيف رونزو وآخرين، ص 41.

[32] عبد الله أحمد النعيم، "نحو إصلاح إسلامي: الحريات المدنية وحقوق الإسلام والقانون الدولي"، ص 163.

[33] كتب جون فول يقول: "يُعد عبد الله النعيم الممثل البارز لهذا االفكر – وهو أحد طلاب ]محمد محمود[ طه – والذي استطاع في حياته بالمهجر أن يطور فكر أستاذه، وأن يصبح من العلماء المسلمين البارزين في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي." جون فول، " إخوة جمهوريون،" موسوعة الإسلام والعالم الإسلامي"، رئيس التحرير ريتشارد سي مارتن (نيو يورك: مراجع ماكملان، الولايات المتحدة الأمريكية، 2004م)، المجلد الثاني، ص. 590.        

[34] خالد أبو الفضل، "الإنسان وتحدي التزام الديمقراطية،"، إليزابيث بوكر وباربارا بارنيت، (محررون) "هل حقوق الإنسان بحاجة إلى الرب؟ (Does Human Rights Need God?) (جراند رابيدز، ميتشجان: شركة ويليام إيردمانز للطباعة والنشر، عام 2005م)، ص 102-103. (التأكيد من الكاتب). جدير بالذكر أن أبا الفضل اقتبس هذه الفقرة بأكملها من العمل السابق له (السابق باعتبار تاريخ النشر)، من تأليف أبي الفضل وآخرين بعنوان: "الإسلام وتحدي الديمقراطية،" (Islam and the Challenge of Democracy) (برينستون: مطابع جامعة برينستون، عام 2004م)، ص 35.

[35] ليس من المدهش أن تجد أبا الفضل أو آخرين لا يعتبرون تطبيق النبي أو فهمه لنصوص القرآن ملزمًا أو أنه وحي من الله، وليس هذا بمقام لمناقشة هذه القضية الآن، ولكن على من يرغب الإطلاع على مزيد من التفصيل أن يقرأ كتاب المؤلف جمال الدين زرابوزو تحت عنوان " حجية السنة وأهميتها" (The Authority and Importance of the Sunnah) صفحات 103 – 127.

[36]على الرغم من أنه لا يمكن بالضرورة الربط بين لغة وأخرى ولكن يستطيع المرء الإتيان بمقابلات قريبة من المثال المذكور أعلى الصفحة. لو قال شخص: "قطعه" فمن الممكن أن يعني هذا أنه منعه من دخول بناية ما وإن كان من المحتمل أن يعني ذلك أنه قاطعه أثناء حديثه أو أثناء قيادته السيارة أو أثناء مروره. ولكن عندما نقول: " قطع يديه" فإن ذلك يرفع جميع الأوجه الأخرى المحتملة في المعنى [ترجمة لمثال توضيحي أورده المؤلف باللغة الإنجليزية].

[37]خالد أبو الفضل، " التزام حقوق الإنسان في الإسلام الحداثي،"، جوزيف رونزو وآخرون (محررون)، ص. 321.

[38] يعتبر المؤلف أن آراء عبد الكريم سروش أقل تأثيرًا في الغرب وبين أهل السنة على حدٍ سواء ولذا فلن يسهب في الحديث عن آرائه.

[39] آرين أوه، ص 112.

[40] آن إليزابيث ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص. 53.

[41]انظر أرين أوه، صفحات 86-87. يطرح أبو الفضل الحجة ذاتها في الكتاب الذي حرره رونزو وآخرون، ص. 330، حيث يقول: "إن العدالة وكل ما هو ضروري لتحقيقها في وجهة نظري تمثل القانون الإلهي وسلطان الإله وذاته العلية." ومن الجدير بالذكر أيضًا أن إحدى الحجج التي صاغها أبو الفضل تقضي أن "الاجتهاد" الذي يكون في النصوص القرآنية هو اجتهاد ظني، ومع هذا فيبدو أنه يرى أن مفهوم العدالة التي يقترحها الآن (والذي لا يستند إلى أية نصوص) أسهل في الوصول إلى قطعيته.

 [42]انظر على سبيل المثال ثناء آن إليزابيث ماير على النعيم وأبو الفضل في كتابها "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص. 58.

[43] أرين أوه، ص 7، "يدرك عبد الله النعيم هذه الحقيقة، لكنه يبقى متفائلًا حول إمكانية تأثيره" حيث يقول (186 - 187) " ربما يبدو من المكابرة أن تتوقع أن تجد كتابًا مكتوبًا باللغة الإنجليزية ومحظورًا في بعض الدول المسلمة وأن يكون له تأثير كبير في العالم الإسلامي، وعلى الرغم من الطبيعةالاستبدادية لمعظم الأنظمة السياسية والاتجاه المحافظ للعديد من المجتمعات في العالم الإسلامي إلا أنني أعتقد أن الأفكار المطروحة هنا سوف تجد قبولًا في عقول وقلوب العديد من المسلمين، وذلك لشيء واحد وهو أن معظم هذه الأفكار موجودة بالفعل– ربما في صورتها الفطرية الأولى– في قلوب وعقول العديد من المسلمين لاسيما الأجيال الناشئة، التي تضم الأفراد الأكثر نشاطًا في التغيير الاجتماعي، لذا فإني آمل وأتطلع أن يكون هذا الكتاب بمثابة العامل المسبب لهذا التغيير المرجو في العالم الإسلامي من خلال تقديم هذه الأفكار في أسلوب شامل منّظم يمدها بالمنطق الإسلامي، كما أن ما يتميز به العالم الحداثي من ترابط ثقافي يجعل من الصعب إقصاء بعض الأفكار والتقليل من أثرها."

[44] نوح فيلدمان، "الأمل الأفضل"، نقلًا عن كتاب خالد أبي الفضل وآخرين بعنوان "الإسلام وتحدي الديمقراطية" (برينستون: مطابع جامعة برينستون، عام 2004م)، ص 61. يمثل ابن رشد والمعروف بأنه أحد كبار الفلاسفة المسلمين في الغرب أحد النماذج التاريخية حيث يقول سيد مقبول أحمد في "موسوعة الإسلام" المعروفة على نطاق واسع: "كان أتباع ابن رشد قليلين في الإسلام." (سيد مقبول أحمد، "ابن رشد"، موسوعة الإسلام، تحرير بي لويس وآخرون (مدينة ليدن، الناشر أ.جى. بريل، عام 1986م)، المجلد الثالث، ص 919).

[45] لعل الكاتب يقصد جمال الدين الأفغاني. [المترجم]

[46]آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 15.

[47]آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 15.

[48]على سبيل المثال كتبت آن ماير (ص 3) تقول: " وعلى العكس من ذلك، فإن برامج حقوق الإنسان الإسلامية التي روجت لها منظمة المؤتمر الإسلامي لا تزال تستخدم معايير إسلامية مختلفة لتقوض الحقوق والحريات التي يكفلها القانون الدولي وكأن الأخير كان مفرطًا."

[49]آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان" (بولدر، مطابع ويست فيو، 1999)، ص xv. (التأكيد بالكلمات المائلة من الكاتب). غيرت آن ماير في الطبعة الجديدة من كتابها هذه الفقرة شيئًا قليلًا حيث كتبت التالي (ص xiv): " رغم هذا فأنا أفهم أن للمسلمين الحرية في أن يقرروا قبول مرجعية تفسيرات المصادر الإسلامية التي قد تجعل الشريعة الإسلامية لا تتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وينبغي احترام حق المسلمين في مثل هذه المعتقدات الخاصة، إلا أن الوضع يختلف عندما يتم صياغة الإدعاءات بأن الأحكام الإسلامية ينبغي أن تعلو فوق حقوق الإسلام في سياق يجعلها تجرد الناس من حقوق الإنسان التي يطمحون للتمتع بها والتي يستحقونها في ظل القانون الدولي، ولا نتحدث في هذا السياق عن معتقدات دينية خاصة وإنما عن برامج تضر بمجالات السياسة والقانون."

[50] آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 53.

[51] ربما تكون السيدة آن ماير محقة في جانب آخر يوضح كيف كان الخوارج عصريين، فكانوا مثل مناصري الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان المعاصرين اليوم لا يجدون غضاضة في اللجوء لاستخدام القوة لفرض هذه الحريات.

[52] هذا أحد الأمثلة العديدة التي يتم توجيه الدعوة فيها إلى آن ماير بوصفها أحد الخبراء في قضية الإسلام وحقوق الإنسان.

[53] آن ماير، " الخصوصية الثقافية عائقًا لحقوق المرأة: تأملات في التجربة الشرق أوسطية،" نقلًا من جولي بيترز وأندريا ولبر (محررون) تحت عنوان "حقوق المرأة وحقوق الإنسان: وجهات نظر نسائية دولية" (نيو يورك: روتليدج، عام 1995م)، ص 177.

[54] آن ماير، " الخصوصية الثقافية عائقًا لحقوق المرأة: تأملات في تجربة الشرق أوسطية"، ص 178. لم تقدم آن ماير هنا سوى احتمالية واحدة لما يجب فعله عندما يتعارض تحفظ ما مع هدف وثيقة من وثائق هذه المعاهدة، وليس الحل من وجهة نظر القانون الدولي أو العلاقات الدولية بهذه السهولة التي تقدمها آن ماير، وليس ما تدعو إليه هو الاحتمالية الوحيدة لحل هذا التعارض، راجع على سبيل المثال دراسة لتحفظات المملكة العربية السعودية ضد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وما هي الحلول المحتملة لهذا المأزق، والدراسة (عبارة أطروحة للحصول على درجة الماجستير من كلية الحقوق، جامعة لوند، عام 2004م) قامت بها الباحثة سارة هلأوي (Sarah Helaoui) تحت عنوان: "الخصوصية الثقافية والتحفظات على اتفاقيات حقوق الإنسان: الآثار القانونية لتحفظ المملكة العربية السعودية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة." فيما يلي جزء من خاتمة الرسالة (ص 65): "لم تكن هذه الخاتمة ذات آثار جيدة، العالمية مقابل النزاهة وجهي المعضلة: هل من الأفضل أن نبقى الدولة المتحفظة على حساب نزاهة الاتفاقية بدلًا من أن نضر بإقرار المعاهدة على حساب العالمية؟ أجيب هذا السؤال بالإثبات ولكن بدون رضا، ذلك أن استخدام بند الفصل الملائم بل والتلقائي تجاه التحفظات التي لا تتوافق مع الاتفاقية هو الحل المفضل بلا شك لأنه يعد انتصارًا لعالمية ونزاهة الاتفاقيات، ولكن في الوقت ذاته قد يصبح الفصل انتكاسة لسيادة الدولة ومكانتها."

 [55]آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان،" ص 49.

[56] قارن أنتوني داماتو "هل القانوني الدولي حقًا قانون؟" (Northwestern ﷻ‬.L. Rev. 1293 (1985))؛ جوناثان تشارني "القانون الدولي العالمي،" (87 American J. International L. 529 (1993)).

[57] ريبيكا جى كوك " قانون حقوق الإنسان الدولي للمرأة: الطريق المستقبلي" نقلًا عن "حقوق الإنسان الخاصة بالمرأة: وجهات النظر المحلية والدولية (Human Rights of Women: National and International Perspectives)، 3، 6-7، ( ريبيكا جى كوك محررًا، عام 1994م)، ونقلًا عن مايكل بيري "فكرة حقوق الإنسان: أربعة تساؤلات" (The Idea of Human Rights: Four Inquiries) (نيو يورك: مطابع جامعة أكسفورد، عام 1998م)، ص 44.

[58] هنيري ستينر وفيليب ألستون "القانون الدولي لحقوق الإنسان في سياق القانون والسياسة والأخلاق" (International Human Rights in Context: Law, Politics, Morals) (أكسفورد، إنجلترا: مطابع جامعة أكسفورد، عام 1996م).

[59] آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 12.

[60] آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 123.

[61] في الحقيقة، عندما طًرح مشروع القانون رقم (8) في الانتخابات الداخلية عام 2008م بولاية كاليفورنيا ظهرت أصوات قليلة للغاية خلال جلسات مناقشات القانون تنادي بأن تقييد الزواج المثلي يمثل انتهاكًا لقوانين حقوق الإنسان الدولية. (ومع هذا فكان من المشاهد المثيرة للغاية أن ترى تلك المظاهرات التي جابت شوارع الولاية اعتراضًا على رفض مشروع قانون يحظر الزواج المثلي؛ كما أن العديد من أنصار فكرة الزواج المثلي هم أيضًا مناصرين أقوياء لفكرة الديمقراطية، ومع هذا فالحقيقة التي يدركها الجميع أن الديمقراطية نفسها يُضحى بها عندما تكون هناك ثمة أمور أهم).

[62] آن إليزبيث ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، صفحات 168-169. ومن الجدير بالذكر أن المادة التاسعة (9) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان (1950م) تنص على نفس هذا المضمون.

[63] آن إليزابيث ماير، "دعوى متعارضة" (Competing Claims)، ص 192.

[64] كورتني هولاند، ص 187. لاحظ أن هولاند لم تكن تكتب عن الإسلام وحده بل كانت تكتب أيضًا عن اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية، وكانت حججها تستهدف من تصفهم "الأصوليون" في مختلف الديانات.

[65]كورتني هولاند، ص 198.

[66]كورتني هولاند، ص 201.

[67] آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 12.

 [68]نقلًا من بدرين، ص 221.

[69]ناندا في بي، "الإسلام والقانون الدولي لحقوق الإنسان: جوانب مختارة." الجمعية الأمريكية لوقائع القانون الدولي (American Society of International Law Proceedings) (1993م) ص331، نقلًا من بدرين، ص 222.

[70]نقلًا من كريستيانا هوف سومرز، "من الذي سرق الحركة النسائية؟" (Who Stole Feminism?) (نيو يورك، سيمون وشوستر، 1994م)، صفحات 256-257.

[71] وبما أن العديد من أنصار هذا المنهج من الغرب، فإنهم ربما يرون الدين مجرد إيمان أعمى، كما يؤكد العديد من النصارى أن الإيمان ما هو إلا هذه الصورة، ومع ذلك، فليست هذه هي رؤية العقيدة الدينية في الإسلام، حيث ينبغي أن تبنى عقيدة المسلم على المنطق والفكر، والقرآن الكريم خير شاهد على هذا بما فيه من آيات كثيرة تحض الناس على التأمل والتفكر في حقائق هذا الوجود.

 [72]للإطلاع على المزيد من تقديم مثل هذه المزاعم انظر جاك دونلي، ص 72؛ آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان" ص. 58 وما بعدها.

[73] على سبيل المثال لقراءة أحد الانتقادات للردود الاعتذارية فيما يتعلق بالمرأة "والإسلام الأصولي"يمكنك الإطلاع على ما كتبته كروتني هولاند منقولًا في كتاب بوكر وبرنيت، صفحات 169-172.

[74] لاسيما الأعمال التي يؤلفها أمثال آن ماير وكورتني هولاند وآخرين.

 [75]على سبيل المثال تنأول أحد الكتب النموذجية من هذا النوع بعنوان "سعيًا نحو تحقيق العدل: فقه حقوق الإنسان في الإسلام" (In Pursuit of Justice: The Jurisprudence of Human Rights in Islam) المواضيع التالية: قدسية الحياة وحرية التعبير وحرية الدين ووضع المرأة وحقوق غير المسلمين وحقوق الملكية والمواطنة وحرية تكوين الجمعيات وحرية التنقل وحقوق الأطفال وأمان الفرد والرق والخدمات الاجتماعية. انظر حتحوت وماهر مع عظمى جميل وجاسر حتحوت وناير علي "سعيًا نحو تحقيق العدل: فقه حقوق الإنسان في الإسلام" (لوس أنجلوس، كاليفورنيا: مجلس الشؤون العامة للمسلمين، عام 2006م). كما يتنأول كتاب مروان القيسي بعنوان " موسوعة حقوق الإنسان في الإسلام" كافة القضايا بدءًا من حق أحد الزوجين مرورًا بحقوق الخصوصية الزوجين وحتى حق المُتوفى.

[76] عبد الله بن بيه، " حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام" (الرياض: مكتبة العبيكان، عام 2007م)، ص 15 وما بعدها. يؤكد كثير من المسلمين الذين يكتبون عن "الإسلام وحقوق الإنسان" على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقًا أكثر بكثير مما كانت تنال عليه في العصر الجاهلي. [انظر على سبيل المثال ما يقرب من فصل كامل مكرس لهذه المناقشة في "المؤتمرات التي أقيمت في الرياض وباريس ومدينة الفاتيكان وجنيف وسترابورغ لعقيدة المسلمين وحقوق الإنسان في الإسلام بين كبار رجال الشريعة السعوديين والحقوقيين والمثقفين الأوروبيين البارزين" (الرياض، المملكة العربية السعودية: وزارة العدل، بدون تاريخ)، صفحات 155-190]. وعلى الرغم من أنه لا يشك شخص محايد فيما قدمه الإسلام للمرأة في ذلك الوقت إلا أنه يبدو أن هؤلاء الكتاب لم ينتبهوا إلى عدم صلة كل هذا بالقضية الراهنة، فالمناصرون لحقوق المرأة، على سبيل المثال، يقولون أن المرأة كانت مضطهدة في جميع المجتمعات في العصور السابقة، بما في ذلك المجتمعات المسلمة، وما حققوه وما يواصلون تحقيقه هو المعيار المعاصر التي يجب على المرء أن يتحدث عنه ويتنأوله.

[77] ابن بيه، صفحات 49-59.

[78] ابن بيه، ص 51.

[79] ابن بيه، ص 52.

[80] ابن بيه، ص 53.

[81] ابن بيه، ص 57.

 [82]ابن بيه، ص 58.

[83]جاك دونلي، ص 1.

[84] آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 68.

[85] آن ماير، "دعأوى متعارضة"، ص 182. انظر أيضا آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص xii (على الرغم أن هذه الفقرة بها الكثير من التعميمات إلا أن كثيرًا مما فيها من نقد جدير بالملاحظة). كما أن العديد من كتابات آن ماير عن الكتابات الإسلامية محل للنقد وإعادة النظر فيها.

 [86]استنتاج لآن ماير " الإسلام وحقوق الإنسان"، صفحات 69-70.

[87] انظر تحديدًا آن ماير" الإسلام وحقوق الإنسان"، صفحات 193-196.

[88]بدرين، صفحات 4-5.

[89]بدرين، ص 6. يوضح الكاتب هذا في خاتمة كتابه، انظر ص 220 والصفحات التالية لها. وقد كتب بدرين معلقًا على قاعدة "هامش التقدير" ما يلي: " يوجد مبدأ "هامش التقدير" داخل النظام الأوربي لحقوق الإنسان، ويعرف بأنه الحد الذي ينبغي عنده أن تفسح المراقبة الدولية الطريق لإرادة الدولة في سن القوانين أو تنفيذها." بدرين، ص 231.

[90] بدرين، ص 219.

[91]بدرين، ص 13.

[92]بدرين، ص14.

[93]بدرين، صفحات 219-220.

[94]بدرين، صفحات 63-66.

[95]بدرين، ص 59.

 [96]بدرين، ص 39-40.

 [97]بدرين، ص 120.

[98] بدرين، 121 وما بعدها؛ يشير بدرين أيضًا إلى رأي ابن حزم المفرط ربما من أجل إكمال الكلام في هذه المسألة.

[99] بدرين، ص 151.

 [100]بدرين، ص 151.

 [101]انظر بدرين، ص 74.

[102] بدرين، ص 218.

 [103]بدرين، ص 231. كانت هذه قضية وثيقة الصلة بهذا الموضوع لتعلقها بإدانة عرض مقطع للشواذ في وسائل الإعلام، وسوف نشير إلى هذه القضية فيما بعد، كما تجدر الإشارة إلى أنه حتى في ظل تلك القضية كان قبول مفهوم هامش التقدير بعيداً كل البعد عن إعلانه صراحة.

[104] بدرين، ص 232.

[105] بدرين، ص 31.

[106] انظر بدرين، ص 40 وما بعدها. يعرف المؤلف مقاصد الشريعة بأنها "أهداف الشريعة وغاياتها" وبعرف المصلحة العامة بأنها "جلب النفع العام للناس ودفع الأذى عنهم."

[107] بدرين، صفحات 43-44.

[108] بدرين، ص 46.

[109] بدرين، ص 44.

[110] هناك بعض الكتاب ربما لا يندرجون تحت هذه الفئات التي تنأولناها في هذا الفصل، فعلى سبيل المثال يتميز كتاب أبو الأعلى المودودي تحت عنوان "حقوق الإنسان في الإسلام" (ليستر، المؤسسة الإسلامية، عام 1976م) من عدة أوجه عن الأعمال التي يناقشها هذا الكتاب، ومع ذلك فكما تشير آن ماير أنه على الرغم من أن المودودي يرى صراعًا أساسيًا بين حقوق الإنسان والإسلام، يرى المودودي أن الإسلام في جوهره قد كفل حقوق الإنسان. قارن آن ماير " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 73 وما بعدها.

 [111]مايكل إجناتيف، "حقوق الإنسان سياسةً ودينًا" Human Rights as Politics and Religion (بتعليقK. AnthonyAppiah, David A. Hollinger, Thomas W. Laqueur, Diane F. Orentlicher) (برينستون: مطابع جامعة برينستون، عام 2001م)، ص 59.

 [112]تقول أيرين أوه (ص. 3) أن على مناصري حقوق الإنسان أن يقدروا البيئة الاستعمارية السابقة التي عانت منها العديد من الدول المسلمة أو لا تزال تمر بها مما جعلها كثيرة التشكك في أي مذهب فكري تخرج دعوته من الغرب. وتقول (ص 10): "عندما وصل الأوربيون الأوائل تلك البلاد البعيدة اكتشفوا أن هناك "عادات بربرية" تتمثل في التضحيات البشرية والعقوبات القاسية وتقييد لحرية النساء وحبسهن وغير ذلك كثير. واليوم تعد انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية ومصير النساء في الدول المسلمة صورة معاصرة لهذه "العادات البربرية." ويناقش أيضًا بريكمون (ص. 20) كيف أن خطاب حقوق الإنسان يُستخدم لتبرير التدخل العسكري في أجزاء أخرى من العالم، بينما كانت الأعذار في الماضي محصورة في "أعباء الرجل الأبيض" ونشر النصرانية وغير ذلك. يقول بريكمون (ص. 29): "عندما يمارس الديكتاتوريون أو الملوك أو الرؤساء أو الأرستقراطيون أو الاستعماريون سلطتهم على الآخرين يحتاجون إلى أيديولوجية تبرر لهم أفعالهم، وتكون صيغة التبرير في معظم الحالات على هذا النحو: "إذا مارس طرف من الأطراف سلطته على طرف آخر فإن الطرف الأول يفعل ذلك من أجل مصلحة الطرف الآخر." ثم يضرب بريكمون العديد من الأمثلة التي تبرر هذا الزعم. انظر جين بريكمون "الليبرالية الإنسانية: استخدام حقوق الإنسان لترويج الحروب"Humanitarian Imperialism: Using Human Rights to Sell War                (نيوويرك: مطابع Monthly Review، 2006).

[113] آنماير، " الإسلام وحقوق الإنسان" (بولدر، مطابع ويست فيو، 1999)، ص 9.

[114] جاك دونلي، "حقوق الإنسان والكرامة: نقد تحليلي لمفاهيم حقوق الإنسان غير الغربية"، مجلة العلوم السياسية الأمريكية (السنة: 1982م، العدد: 76)، ص 303 منقول في كتاب علي، ص 17.

[115] جاك دونلي، "حقوق الإنسان العالمية: النظرية والممارسة"Universal Human Rights in Theory & Practice (إيثاكا: مطابع جامعة كورنيل، عام 2003م)، ص 71. يقول جاك دونلي فيما يتعلق بالغرب قبل الحداثة (ص 76) "أود أن أنتقل على الفور إلى الغرب في فترة ما قبل الحداثة حيث كانت ممارسة حقوق الإنسان فكرة غريبة تمامًا."

 [116]نقلًا عن جاك دونلي (حقوق الإنسان العالمية)، ص 71، حيث يصف جاك دونلي هذا الإدعاء بأنه "إدعاء غير منطقي بكل وضوح."

 [117]"حقوق الإنسان" موسوعة بريتانيكا: Ultimate Reference Suite (شياغو: موسوعة بريتانيكا، عام 2009م). يقدم كتاب ريتشارد بومان مناقشة رائعة ومفصلة لمفهوم حقوق الإنسان أو المفهوم القريب منه في العصور الرومانية، "حقوق الإنسان في روما القديمة"Human Rights in Ancient Rome (روتيدلج: لندن، عام 2000م)، يستنتج المرء من هذا الكتاب كما فعل بوما (ص 130) أن النظام الحالي لحقوق الإنسان يدين بالكثير للعصور الرومانية.

[118] جاك دونلي، ص 72.

[119] جاك دونلي، ص 72.

 [120]ميتشلين آر إيشاي، " تاريخ حقوق الإنسان: منذ العصور القديمة وحتى عصر العولمة" The History of Human Rights: From Ancient Times to the Globalization Era، (باركلي، مطابع جامعة كاليفورنيا، عام 2004م)، ص 6.

[121] كانت العديد من هذه الحقوق مقصورة على طبقات معينة من المجتمع أو لم تكن متاحة بشكل كامل لغير المواطنين. وفي الحقيقة لا يزال هذا الوضع مستمرًا في عالم الدول والحكومات، ففي أحيان كثيرة يُعامل الناس معاملة مختلفة تمامًا لمجرد أنهم ليسوا من مواطني الدولة، وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال لا يحق لمواطن أمريكي وُلد خارج أراضي الولايات المتحدة أن يُصبح رئيسًا لأمريكا.

[122] يقول الله تعالي في القرآن الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام: 119). باستثناء الأمور الضارة الأساسية التي حرمها الشارع فلا حرج على الإنسان في التمتع بأي شيء. لمزيد عن مناقشة هذا المبدأ الإسلامي انظر كتاب "تيسير علم أصول الفقه"لعبد الله الجديع (بيروت: موسوعة الريان، عام 1997م)، ص 48 وما بعدها.

 [123]جاك دونلي، ص 71.

[124] يزعم جاك دونلي أنالحقوق عبارة عن "أدوات تمنح للمضطهدين" بينما الواجبات ليست سوى "التزامات يفرضها اأصحاب الامتيازات". ومع هذا "فمن خلال تأمل هذا التمييز بين المفهومين لن يكون للحقوق أهمية إذا لم يقبل المرء القيام بواجبه لمساعدة الذين انتُهكت حقوقهم، وقد قلنا أن حقوق المظلومين–وإن كانت المطالبة بها دائمة – لا يمكن استرجاعها أو تحقيقها إلا إذا أيقن من يستطيعون المساعدة أن من واجبهم القيام بهذا." (أرين أو، ص. 25). من الممكن المبالغة في التفريق أو التمييز بين الحقوق والواجبات بطرق كثيرة. فإذا كانت الحقوق لا يقابلها بعض الواجبات تجاه الآخرين –حتى وإن كانت في شكل الالتزام بالسماح بوجود الآخرين– فهذه حقوق لا يمكن أبدا تحقيقها. وعلأوة على هذا، إذا لم يتقبل الناس الواجبات التي تفرض عليهم، فسوف يظل الحصول على الحقوق صراعاً ونزاعاً وهو الأمر الذي تعكسه الحركة المعاصرة لحقوق الإنسان بشكل واضح، وقد ذكر أبو الفضل تفنيدًا مطولًا منقولًا في بوكر وبرنيت، صفحات 88-91 لهؤلاء الذين يشيرون ضمنيًا إلى أن فكرة الحقوق لم يكن لها وجود في الثقافات السابقة لاسيما الثقافة الإسلامية، حيث بدأ نقاشه لهذه المسألة بقوله: "إن القول بأن التراث الفقهي لم يضع فكرة الحقوق الأساسية أو الحقوق الفردية فهذا لا يعني أنه لم يكن يعي هذه الفكرة أو كان غافلًا عنها. والحق أن التراث الفقهي مال للتعاطف مع الأفراد الذين كانوا يقتلون بسبب معتقداتهم أو الذين ماتوا وهم يحاربون الظلم والطغيان..." انظر أيضًا أرين أوه، صفحات 26-27.

 [125]"حقوق الإنسان"، الموسوعة البريطانية (Encyclopædia Britannica: Ultimate Reference Suite) (شيكاغو: موسوعة بريتانيكا، عام 2009م).

 [126]يبدو أن جاك دونلي يدرك هذه الحقيقة غير أنه لا يريد أن يذكرها صراحة حيث يقول (ص 62): "بالطبع لا تعكس هذه الأولية التاريخية أي فضيلة أو ميزة غربية، ذلك أن أول صور الخزي الإنساني والانتهاكات الحقوقية للأسواق والدول الحديثة وقعت أولا في الغرب."

[127] "حقوق الإنسان"، الموسوعة البريطانية(شياغو: موسوعة بريتانيكا، عام 2009م). انظر أيضًا ميتشلين إيشاي، ص 64.

 [128]ايجناتيف، ص 65. وقد كتب في نفس الكتاب أيضًا (ص 4) "إن تسمية الانتشار العالمي للمفهوم الغربي لحقوق الإنسان بأنه "علامة على التقدم الأخلاقي" يبدو منهجًايجعل من أوروبا مركز الكون. ومع ذلك، فإن اتفاقيات حقوق الإنسان الذي أُبرمت بعد عام 1945م لم تكن تعبيرًا عن انتصار الإمبريالية الأوروبية الواثقة بنفسها بل كانت انعكاسًا لجيل أنهكته الحرب على العدمية الأوروبية وعواقبها. "

[129] ميتشلين إيشاي، ص 77.

[130] ميتشلين إيشاي، ص 71.

[131]دومينيك ماكغولدريك، "حقوق الإنسان والدين: الجدل حول الحجاب الإسلامي في أوروبا" Human Rights and Religion: The Islamic Headscarf Debate in Europe، (بورتلاند، OR: هارت للنشر، عام 2006م)، ص. 34. يواصل الكاتب مناقشة المزيد من المشاعر المعادية لرجال الدين في التاريخ الفرنسي، انظر ص 34 وما بعدها.

[132] ومع هذا فقد ذكر النقاد المسلمون أن "العقل البشري" لا يختلف في حالات عديدة عن "الرغبات والأهواء البشرية" لاسيما إذا كان متحررًا من قيود الدين والأخلاق.

[133] لاري راسموس، "حقوق الإنسان البيئية و/أو الحقوق الحيوية" Human Environmental Rights and/or Biotic Rights، نقلًا عن غوستافسون وغوفيلار، صفحات 37-38.

 [134]آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص. 47-48، [التأكيد- بالكتابة المائلة- من الكاتب هنا].

 [135]ماكس ستاكهأوس، " لماذا تحتاج حقوق الإنسان إلى الله: وجهة نظر مسيحية" Why Human Rights Needs God: A Christian Perspective، نقلًا عن بوكار وبارنيت، ص 13.

[136] انظر بدرين، صفحات 17-18.

 [137]مرفق نسخة من هذه الوثيقة في ملحقات هذا الكتاب.

[138] ميتشيلين إيشاي، " تاريخ حقوق الإنسان: منذ العصور القديمة وحتى عصر العولمة" (بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، عام 2004م)، ص 221.

 [139]ميتشيلين إيشاي، ص 223.

[140] تضم ملحقات هذا الكتاب نصوص كلا العهدين.

 [141]أيضًا تعرف الحقوق السياسية والمدنية بالجيل الأول من حقوق الإنسان بينما تعرف الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بالجيل الثاني من حقوق الإنسان.

 [142]انظر بدرين، ص 21.

[143] آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 15.

[144] راجع آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان "، ص 12 وما بعدها. تبدأ ماير مناقشتها بقولها: "في الواقع، وفي تطور مرحب به رفع عدد الدراسات التي أجريت مؤخرًا عن نشأة النظام الدولي لحقوق الإنسان من تقديرنا لأهمية المشاركات التي قام بها ممثلون من البلدان المسلمة، حيث أثرت هذه المشاركات في الوسائل الأساسية التي استخدمتها الأمم المتحدة في صياغة قوانين حقوق الإنسان. وتوثق هذه الدراسات الدور الثانوي نسبيًا الذي تلعبه قوى غربية مثل الولايات المتحدة في هذه العملية، وتسلط هذه الدراسات الضوء على المساهمات الكبيرة التي قدمها ممثلو البلدان الواقعة خارج منطقة شمال الأطلسي بما فيها العديد من البلدان المسلمة." (آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 12، [التأكيد بالكلمات المائلة من الكاتب هنا]). نُشرت مقالة والتزفي مجلة حقوق الإنسان الفصلية Human Rights Quarterly(المجلد 26، عام 2004م، صفحات 799-844).

[145]أيربن أوه، صفحات 21-22.

[146]بدرين، ص 25.

[147] آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 13.

[148] تدرك آن ماير جيدًا التغيرات التي حدثت بين المسلمين، حيث كتبت بنفسها (ص14) " إن ما يميز الاتجاهات المسلمة الحالية تجاه حقوق الإنسان هو رجوعهم المتكرر إلى المصادر الدينية لإيجاد آراء تدعم حقوق الإنسان أو تدينها."

[149] آن ماير، "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 13. من المثير للدهشة أن آن ماير تبدو وكأنها لا ترى هذا ساخرًا أو علامة لعدم الاستعداد الكافي من جانب العلماء المسلمين في ذلك الوقت. وقد ذكرت آن ماير أيضًا في كتابها "الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 11 ما يلي: "ألف المسلمون منذ الثمانينيات كتابات كثيرة في محأولة منهم لتحديد موقف الإسلام من حقوق الإنسان ولمقارنة الحقوق الإسلامية بالحقوق التي يقرها القانون الدولي لحقوق الإنسان."

[150]آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 49.

[151]آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 14.

[152]آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 14. ذكرت ماير أيضًا" أنه ليست الدول المسلمة وحدها هي التي اعترضت وجادلت في هذه البنود؛ فقد عارضت الولايات المتحدة – حيث كان في بعض ولاياتها قوانين تحرم الزواج بين من ينتميان لعرقين مختلفين– مشروع قانون يحظر فرض قيود على الزواج بسبب العرق أو الجنسية أو الدين. وجدير بالذكر أن اعتراضاً كهذا يوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن مستعدة لتبنى واحدًا من أهم مبادئ حقوق الإنسان لم يرد ذكره إلا نادرًا في تقارير الأعمال التي ساهمت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان."

[153] آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 16.

[154] آن ماير، " الإسلام وحقوق الإنسان"، ص 16.

[155] بدرين، ص 221. نقلًا من جوزيف وشولتز وكاستان، "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية:الحالات والمواد والتعليقات"The International Covenant on Civil and Political Rights, Cases, Materials, and Commentary، (2000م)، ص 10.

[156]نقلًا عن كوثرص 7.

[157]مانيشا ديساي، "حقوق المرأة"، جيمس لويس وكارل سكاتش، " موسوعة حقوق الإنسان" (أرمونك، نيويورك: شارب ريفرنس، 2001)، مجلد 3، ص 949.

 [158]للاطلاع على مناقشة كاملة لمختلف المناقشات والخلافات الدائرة حول مؤتمر بكين، انظر زينات كوثر، "تمكين المرأة والإسلام: وثيقة الأمم المتحدة في مؤتمر بكين" Womans Empowerment and Islam: The UN Beijing Document Platform for Action (سيلانجور، ماليزيا: العلمية ناشرون، 2002) في مواضع متفرقة في الكتاب.

 [159]ديساي، ص 948.

 [160]بدرين، ص 21.

[161] بدرين، صفحات 21-22. يقول بعض المؤلفين مثل هنري شو أن على الأغنياء مسؤولية كبيرةمن منظور حقوق الإنسان تجاه الذين يعانون الفقر في جميع أنحاء العالم.انظر هنري شو، "الحقوق الأساسية: الكفاف والثراء والسياسة الخارجية للولايات المتحدة Basic Rights: Subsistence, Affluence and ﷻ‬.S. Foreign Policy ( جامعة برنستون أكسفورد، 1980م). ومع ذلك، فللأسف مثل هذه الأصوات قليلة جدًا ومتناثرة في الأدبيات المعاصرة حول حقوق الإنسان.

 [162]نقلًا عن بريك مونت، ص 83.

[163] بريك مونت، صفحات 83-84. من الواضح أن بريك مونت منحاز جدًا للجناح اليساري، ولكنه يثير نقطة جديرة بالاهتمام حول كوبا، يقول بريك مونت ص 84: "قاد اليسار الأوروبي منذ فترة وبشكل كبير الدعوى لتطبيق الديمقراطية في كوبا، ولكن دعونا نفترض جدلًا بأن النظام الكوبي "هو نظام استبدادي" كما تدعي وسائل إعلامنا. ومع ذلك، فمن الواضح تمامًا أنه في بقية أمريكا اللاتينية- حيث يوجد بالفعل هذا النوع من الديمقراطية التي تُنصح كوبا بترسيخها- نجد أن من أهم سماتها تدني جودة الصحة والتعليم على حد سواء وعدم إتاحتهما للأغلبية الفقيرة من السكان. ولو تم اعتماد سياسة الصحة العامة الكوبية في أماكن أخرى في أمريكا اللاتينية لأدى ذلك إلى إنقاذ الآلاف من الأرواح البشرية. ومن الجدير بالذكر أن الجهود الكوبية لتوفير الرعاية الصحية العامة والتعليم استمرت لفترة طويلة بعد وقف دعم الجزيرة من قبل الاتحاد السوفييتي وعلى الرغم من تعرضها لحظر شديد وأعمال لا حصر لها من التخريب على يد القوى العظمى المتمثلة في أمريكا الشمالية، الأمر الذي أرغم الحكومة الكوبية على تخصيص موارد إضافية للدفاع ومكافحة التجسس وغير ذلك." ولا يزال جاك دونلي مصرًا على رفضه لهذا التصور عن العالم الغربي فيما يتعلق بهذه الأنواع من الحقوق، ويقول إن الدول الأوروبية الغنية والولايات المتحدة أثبتت أن الغرب كان دائمًا يراعي هذه الحقوق على نحو جاد. انظر مناقشته الكاملة لهذه الجزئية في كتاب جاك دونلي، ص 49 والصفحات التالية لها.

[164] في عام 1984، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة "إعلان بشأن حق الشعوب في السلام."

[165]هناك بعض الذين يحأولون تسليط الضوء على هذا التناقض والدعوة للتغيير في وجهات النظر بشأن حقوق الإنسان ومن أمثال هؤلاء: المؤلفون المساهمون في كتاب أنورادا ميتال وبيتر روسيه تحت عنوان "أمريكا بحاجة إلى حقوق إنسان" America Needs Human Rights (أوكلاند، كاليفورنيا: Food First Books، 1999) في مواضع مختلفة من الكتاب. ومن المقالات الواردة في هذا العمل "الجوع في أرض الثروة الغذائية"و"كيف يخلق الاقتصاد الأميركي الفقر وعدم المسأواة" و"الحرب على الفقراء" و"إصلاح الرفاهية ينتهك حقوق الإنسان" ويمكن للمرء أن يعتبر أن النقاش الحالي والمقأومة الشديدة لإصلاح نظام الرعاية الصحية التي تقوم به إدارة أوباما هو انعكاس للرفض الكلي لفكرة "حقوق الإنسان" الاجتماعية في المجتمع الأمريكي. بل إن جاك دونلي يقول (ص 33) "باعتباري مواطنًا أميركيًا، أريد أن أشير بشكل صريح إلى أن هذا يتضمن أيضًا الولايات المتحدة، حيث يتم انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بصورة كبيرة لأن هذه الحقوق لا يزال لا ينظر إليها كحقوق مستحقة وإنما بوصفها اعتبارات لقيم العدالة والإحسان والنفع العام."

[166] عبدالله النعيم، "تكامل وترابط حقوق الإنسان والدين والعِلمانية"، في رونزو وآخرون، ص 28.

 [167]آن ماير وبوكار وباربرا بارنيت، "مقدمة: لماذا حقوق الإنسان" في كتاب آن إليزابيث ماير وبوكار وباربرا بارنيت "هل حقوق الإنسان بحاجة إلى الله؟" (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, 2005)، صفحات 1-2.

 [168]بوكار وباربرا بارنيت، "مقدمة: لماذا حقوق الإنسان"، بوكار وبارنيت، ص 2.

[169]نقلًا عن بدرين، صفحات 1-2.

[170]غوتمان، ص 17.

[171]نقلًا عن جاك دونلي، ص 20.

[172] براين أوريند، "حقوق الإنسان: المفهوم والسياق" Human Rights: Concept and Context (مطابع Broadview، 2002).

[173] قارن أوريند، صفحات 69-70.

 [174]أوريند، ص 70.

 [175]لاحظ ما كتبه أوريند (ص 71)، "وهذا هو السبب في أن استخدام القوة والتهديد بالعقاب الإجباري والتقويم هو الحل النهائي الذي يمثل الضمان الأكثر فعالية ومصداقية فيعدم انتهاك حقوق الإنسان. فعندما يرفض منتهكو حقوق الإنسان الاستجابة للنداءات الأخرى، فإننا نرد على هذا بالقوة وهذا أمر صواب ولا بأس به، فلكي تكون الحقوق حقيقية لابد من تنفيذها بقوة القانون." فهل هناك طريقة أوضح من هذه للقول بأنه "إذا لم يقتنع الناس بالإيمان بشرعية منصة حقوق الإنسان واحترام ما لا يؤمنون به، فسوف نستخدم القوة ضدهم."

 [176]أوريند، ص 69.

 [177]ميتشيلين إيشاي، " تاريخ حقوق الإنسان: منذ العصور القديمة وحتى عصر العولمة" (بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، عام 2004م)، ص 221.

[178] سوف نتنأول فيما بعد المنظور الإسلامي لهذه القضية.

[179] في الحقيقة إذا كان "الجسد" هو منبع الشر كما يقول بذلك العديد من النصارى فإنه من الصعب بمكان أن نتخيل أن يستحق هذا "الجسد" الشرير هذا الكم الكبير من حقوق الإنسان.

[180] فايجن جوريان، " حقوق الإنسان والإيمان الغربي الحديث: تقييم مسيحي أورثوذكسي"، بوكار وبيرنت، ص 42.

[181]نقلًا عن جوريان، ص 45.

[182]هذه هي الفكرة الرئيسية التي يتنأولها جوزيف رونزو ونانسي مارتن وأرفيند شارما في كتابهم "حقوق وواجبات الإنسان في أديان العالم" (Oxford, England: One World, 2003).

[183] مايكل بيري، "فكرة حقوق الإنسان: أربعة مباحث" (نيو يورك: مطابع جامعة أكسفورد، عام 1998م)، ص5.

[184] بيري، ص 11.

[185] ايجناتييف، صفحات 81-82. من الملفت أن ترى إيجناتيف لا يذكر في هذه الفقرة العلماء المسلمين الذين يسوقون هذه الحجة ذاتها على الرغم أنه يعلق على المسلمين وعلى الإسلام في الكتاب بأكمله.

 [186]إيجناتيف، ص 83.

 [187]إيجناتيف، ص 83.

 [188]أوريند، ص 73.

[189] بالطبع تمثل العلمانية أحد النماذج السائدة في العالم اليوم، وهي أيديولوجية أخرى يلقى المسلمون ضغوطا كثيرة لتقبلها.

[190] محمود ممداني، "المسلم الجيد والمسلم السيء: أمريكا والحرب الباردة وجذور الإرهاب" Good Muslim, Bad Muslim: America, the Cold War, and the Roots of Terror (نيويورك: Pantheon Books، 2004)، ص 262.

[191] ستاكهأوس، ص 21.

 [192]كاري غوستافسون وبيتر جوفيلار "مقدمة" كتاب كاري غوستافسون وبيتر جوفيلار بعنوان "الدين وحقوق الإنسان: دعأوى متعارضة" (Armonk, New York: M. E. Sharpe, 1999)، ص 9.