حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ()

 

|

 حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته

يحيى بن موسى الزهراني


 المقدمة

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين له ملك السموات و الأرضين، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت له اختلاف الليل والنهار وهو يتولى الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له, شهادة بها نحيا وبها نموت وعليها نبعث يوم الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الناصح الأمين، وقائد الغر المحجلين، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة حتى أتاه اليقين.

فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

 أولا: نسبه - صلى الله عليه وسلم -:

ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد، فقال: «فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان»، وقال –رحمه الله-: «إلى ها هنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين ولا خلاف فيه ألبته، وما فوق عدنان مختلف فيه ولا خلاف بينهم أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام» انتهى.

 ثانياً: مولده - صلى الله عليه وسلم -:

ولد عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول عام الفيل.

 ثالثا: بشريته - صلى الله عليه وسلم -:

فهو - صلى الله عليه وسلم - بشر مثل بقية البشر، قال تعالى: }قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا{ .[الإسراء: 93]، وقال تعالى: }مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ [الفتح: 29]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ» [متفق عليه]، وهي دلالة على أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول الله إلى الناس كافة بل إلى الثقلين –الجن والإنس- وقال الله جل وعلا: }شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ{ [الشورى: 13] والمذكورون في هذه الآية هم أولو العزم من الرسل فهم بشر ولكن الله أكرمهم بالرسالة وغفر لهم جميعاً، وقال الله -جل وعلا-: }إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ [آل عمران: 59]، فهذه الآيات تدل دلالة قاطعة لاشك فيها أن الأنبياء بشر والله هو خالقهم، ولكنه اصطفاهم برسالاته عن بقية البشر، فلا يعبدون من دون الله, ويحرم الغلو فيهم أو التوسل بهم بعد موتهم، لأن ذلك من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد والمخرج من ملة الإسلام والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من أولئك الأنبياء الذي بعثهم الله -عز وجل- للعباد مبشرين ومنذرين، قال تعالى: }وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ{ [آل عمران: 144]، فلا يجوز الغلو فيه أو التوسل به بعد بموته أو طلب العون أو المدد منه، فإنه بشر مثل كل البشر، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» [البخاري ومسلم].

فمن ذلك علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر ولد وعاش ومات، قال تعالى: }وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ{ [آل عمران: 144].

وقال تعالى: } إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{ [الزمر: 30]، والخطاب للنبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

فالواجب على المؤمن أن يؤمن برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورسالة جميع الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم؛ لأن ذلك ركن من أركان الإيمان، الذي لو سقط لضعف إيمان المرء وقد يهوي إلى الهاوية والعياذ بالله.

 رابعاً: فضله على جميع الخلائق:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» [مسلم].

وقيل إن السيد: هو الذي يفوق قومه في الخير، وقيل: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم.

وهو - صلى الله عليه وسلم - أفضل البشر على الإطلاق، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين وخاتمهم قال - صلى الله عليه وسلم -: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» [مسلم]. فهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، ففي يوم القيام يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى منازع ولا معاند له، بخلاف الدنيا فقد نازعه في سيادته ملوك الكفار وزعماء المشركين، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد ولد آدم» لم يقله فخراً، بل إنه صرح بنفي الفخر، فقال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» [الترمذي]. وقوله أنا سيد ولد آدم، كما قلنا لم يقلها مفاخرة بها وإنما قال ذلك لسببين:

الأول: امتثالاً لأمر ربه سبحانه عندما قال جل من قائل عزيز سبحانه: } وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{ [الضحى: 11].

الثاني: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه لأمته ليعرفوه ويوقروه ويعتقدون ويعملوا بمقتضى ذلك الاعتقاد ويوقروه بما تقتضيه مرتبته.

فهو الذي يطلب من ربه ويسأله سبحانه يوم القيامة للفصل بين العباد وهو أول من يشفع يوم القيامة؛ فلهذا فهو أفضل الخلائق على الإطلاق، صلوات ربي وسلامه عليه.

 خامسا: خصائصه - صلى الله عليه وسلم -:

لقد اختص النبي - صلى الله عليه وسلم - بخصائص نذكر بعضاً منها:

1- خاتم النبيين:

لقوله تعالى: } مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{ [الأحزاب: 40].

2- سيد المرسلين، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد الناس يوم القيامة» [متفق عليه].

3- لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، لقوله تعالى:

} فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ{ [النساء: 65].

4- لا يقضى بين الناس يوم القيامة إلا بشفاعته.

5- أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي أول الأمم دخولاً إلى الجنة، لقوله عليه الصلاة والسلام «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» [البخاري ومسلم].

6- صاحب لواء الحمد يحمله يوم القيامة ويكون الحامدون تحته، لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» [الترمذي].

7- صاحب المقام المحمود، أي العمل الذي يحمده عليه الخلائق، لقوله تعالى: }عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا{ [الإسراء: 79].

8- صاحب الحوض المورود، أي الحوض الكبير الكثير واردوه.

9- إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم, لحديث أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» [الترمذي وهو حسن].

10- أمته - صلى الله عليه وسلم - خير الأمم، قال تعالى: } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ{ [آل عمران: 10].

11- أمته - صلى الله عليه وسلم - جعلت شهداء على الأمم قال تعالى: } وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ{ [البقرة: 143].

12- أصحابه خير القرون.

13- أمته معصومة من الاجتماع على الضلال وإجماعهم حجة.

14- نسخ شرعه جميع الشرائع السابقة قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي» [أحمد والترمذي وصححه].

15- كتابه الذي أنزل عليه معجزة ومحفوظاً من التبديل قال تعالى: } إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{ [الحجر: 9].

16- جُعل أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، قال تعالى: } النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ{ [الأحزاب: 6].

17- ويلزم كل فرد أن يحبه أكثر من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين، قال - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» [البخاري].

18- يحرم نكاح زوجاته من بعد موته وهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وجعلن أمهات المؤمنين، قال تعالى: } وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ{ [الأحزاب: 6]، وقال تعالى: } وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا{ [الأحزاب: 53].

19- أولاد بناته ينسبون إليه دون غيره.

20- النجس منا طاهر منه، وهو طاهر بعد موته بلا نزاع بين العلماء.

21- جعلت له ولأمته الأرض مسجداً وطهوراً، ونصر بالرعب مسيرة شهر، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» [مسلم والترمذي].

22- بعث إلى الناس كافة في الحديث السابق دليل هذه النقطة.

23- نبع الماء من بين أصابعه بركة من الله تعالى، وهذا في صحيح مسلم.

24- لا يحل لأحد أن يرفع صوته فوق صوت النبي لقوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ{ [الحجرات: 2].

25- أعطي جوامع الكلم.

26- لا ينادي باسمه فلا يقال (يا محمد) بل يقال يا رسول الله، يا نبي الله، ويخاطب في الصلاة بقوله: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته».

27- ومن رآه في المنام فقد رآه فإن الشيطان لا يتمثل به.

28- وكان لا يتثاءب.

29- وتنام عيناه ولا ينام قلبه.

30- يرى من خلفه كما يرى من أمامه.

31- حل له أن يتزوج بأي عدد شاء من النساء.

وغير ذلك مما اختص به - صلى الله عليه وسلم - عن بقية البشر.

 سادساً: معنى شهادة أن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

معناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع.

فطاعته - صلى الله عليه وسلم - من طاعة الله -عز وجل-، قال تعالى: } وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{ [آل عمران: 132].

وقال تعالى: } قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ{ [آل عمران: 32]، وقال تعالى: } مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ{ [النساء: 8]، وتصديقه - صلى الله عليه وسلم - في الأخبار الماضية والمستقبلية مما كان من أمور الغيب التي أطلعه الله عليها، وتصديقه في ذلك من أوجب الواجبات.

ومن مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله اجتناب ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فكل ما نهى عنه يجب اجتنابه وذلك مصداقاً لقوله تعالى: }مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا{ [الحشر: 7]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» [مسلم].

 سابعا: عبوديته - صلى الله عليه وسلم -:

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عبد من عباد الله وهو مملوك لله -عز وجل- ووصفه الله تعالى بالعبودية الخاصة كما قال تعالى: } أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{ [الزمر: 36]، فأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة فهو - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين قال تعالى: }تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ{ [الفرقان: 1]، فهو عبد لله تعالى، أما الربوبية والإلهية فهما حق لله تعالى وحده لا يشركه في شيء منهما أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل, فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما قلنا عبد الله ورسوله، كما قال هو عن نفسه «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» [ابن حبان].

فلا يرفع فوق منزلته -عليه الصلاة والسلام-، ولا يكون له خصيصة من خصائص الألوهية فهو -عليه الصلاة والسلام- لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله -عز وجل- عليه من الأمور الغيبية، قال تعالى: }قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ{ [النمل: 65]، وقال تعالى: }عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ { [الجن: 26-27]، فقد أطلع الله -عز وجل- نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - على بعض الأمور الغيبية؛ لذلك فهو لا يعلم الغيب من تلقاء نفسه، ودليل على ذلك أنه عندما سأله جبريل عليه السلام عن الساعة قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» وقد علم - صلى الله عليه وسلم - مما أطلعه الله عليه أن ذلك السائل هو جبريل- عليه السلام- قال تعالى: }تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا{ [هود: 49]، وقال تعالى: }ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ{ [يوسف: 102].

وكذلك فهو - صلى الله عليه وسلم - لا ينفع ولا يضر بنفسه، ولا يُعتقد فيه أي أمر من أمور الألوهية أو الربوبية، ولقد وصفه الله بالعبودية في أشرف المقامات فقال -جل من قائل- سبحانه: } سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ{ [الإسراء: 1].

فهو - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ورسوله فلا يعطى ولا يرفع فوق منزلته هذه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» [مسلم].

فهو عبد الله ورسوله، وصلوات ربي وسلامه عليه.

 ثامناً: النبي - صلى الله عليه وسلم - رحمة:

فهو - صلى الله عليه وسلم - رحمة على أمته رحيم رؤوف بهم مشفق عليهم، قال تعالى: } لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ [التوبة: 128]. وقال تعالى: }وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ{ [الأنبياء: 107] وقد حث أمته على التراحم فيما بينهم والتعاطف والشفقة من بعضهم على بعض وأن يكونوا كالجسد الواحد يساعد بعضهم بعضاً ويقف بعضهم مع بعض فهو كما وصفه ربه سبحانه رحيم بالمؤمنين قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى [البخاري وأبو داود والترمذي]، وقال تعالى: } فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ{ [الضحى: 9].

وكذلك من الرحمة التي أوصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - العناية بالأرملة والمسكين وذوي الحاجات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» [البخاري ومالك]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلاً شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه فقال: «امسح رأس يتيم وأطعم المسكين» [رواه أحمد ورجاله الصحيح].

ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - بالفقراء، قال فيهم: «بئس الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويترك الفقراء [في الصحيحين]، وقد أوصى - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان إلى البنات والنساء والضعفاء وما ذاك إلا من رحمته وشفقته على أمته فعن أنس -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» [رواه مسلم] وجاريتين أي بنتين، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة» [رواه النسائي بإسناد جيد] ومعنى أحرج أي انه يلحق الإثم بمن ضيع حق اليتيم والمرأة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» رواه البخاري مرسلاً وأبو داود بمعناه النسائي في صحيح سنن النسائي (2/699) برقم (2978) قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» [متفق عليه]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من لا يرحم لا يُرحم» [متفق عليه].

ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - أنه أوصى بالرحمة بالحيوان فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» [ابن حبان ومسلم والدرامي وغيرهم].

وصور رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأمته وشفقته عليها كثيرة جداً، فعليه الصلاة والسلام.

 تاسعاً: معجزاته - صلى الله عليه وسلم -:

معجزاته - صلى الله عليه وسلم - كثيرة جداً وقد قيل إنها تبلغ ألفين أو ثلاثة آلاف معجزة تقريباً وهو - صلى الله عليه وسلم - أكثر الأنبياء معجزات وسنذكر بعضاً من معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وكل معجزاته -عليه الصلاة والسلام- ثابتة في الصحيحين أو في كتب السنة الصحيحة والتي لا يكذبها إلا ضعيف العقل أو فاقده.

فمن هذه المعجزات:

1-  القرآن الكريم: وهو أعظم معجزة جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم -, فهو دستور الأمة وصراطها المستقيم وطريقها الأقوم الذي لا يزيغ عنه إلا هالك ولا يتمسك به بما فيه من أوامر ونواهي إلا نجا بإذن ربه، فيه أخبار السابقين واللاحقين فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا، كتاب الله» [ابن حبان، وابن خزيمة].

2-       انشقاق القمر له - صلى الله عليه وسلم - فقد طلب الوليد بن المغيرة وغيره من كفار قريش آية   -معجزة- منه - صلى الله عليه وسلم - تدل على صدقه في نبوته فانشق القمر له فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، قال تعالى: }اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ{ [القمر: 1].

3-       نطق الشجر له -عليه الصلاة والسلام- فقد دنا منه أعرابي فقال له: «أعرابي أين تريد؟» قال: إلى أهلي، قال: هل لك في خير؟ فقال: وما هو؟ قال «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» فقال الأعرابي: من يشهد لك على ما تقول: فقال له - صلى الله عليه وسلم - «هذه الشجرة»- يشير إلى شجرة بشاطئ الوادي -فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت كما قال عليه الصلاة والسلام.

4-       حنين جذع النخلة له - صلى الله عليه وسلم -، وبكاؤه بصوت سمعه من في مسجده قاطبة؛ وذلك لما فارقه - صلى الله عليه وسلم - بعدما كان يخطب عليه كمنبر له ولما صنع له المنبر, وترك الصعود عليه بكى حنيناً وشوقاً إليه - صلى الله عليه وسلم -، فقد سمع له صوت كصوت العشار- النوق التي مضى على حملها عشرة أشهر- ولم يسكت حتى جاءه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووضع يده الشريفة عليه فسكت، وقيل: ضمه واعتنقه فسكت.

5-       تكثير الطعام بدعائه - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد أكل من مدى شعير فقط أكثر من ثمانين رجلاً [في الصحيحين].

6-       تكثير الماء بدعائه - صلى الله عليه وسلم -، فعندما عطش الناس في إحدى الغزوات وكان بين يديه -عليه الصلاة والسلام- ركوة يتوضأ فيها فأقبل الناس نحوه، وقالوا: ليس عندنا إلا ما في ركوتك، فوضع - صلى الله عليه وسلم - يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشرب القوم وتوضؤوا وكانوا زهاء الثلاثمائة نفر [البخاري ومسلم]، ويقول النووي في شرح مسلم: «قوله في هذه الأحاديث في نبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - وتكثيره، وتكثير الطعام هذه كلها معجزات ظاهرات وجدت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواطن مختلفة وعلى أحوال متغايرة وبلغ مجموعها التواتر، وأما تكثير الماء فقد صح من رواية أنس وابن مسعود وجابر وعمران بن الحصين، وكذا تكثير الطعام وجد منه - صلى الله عليه وسلم - في مواطن مختلفة وعلى أحوال كثيرة وصفات متنوعة» انتهى.

وخلاصة ذلك أن اختلاف الروايات في عدد الصحابة الذين كانوا معه - صلى الله عليه وسلم - في روايات تكثير الماء أو الطعام كلها صحيحة، وإنما وردت من عدد من الرواة وفي مواطن مختلفة فكل تلك الروايات في الأعداد صحيحة إن شاء الله تعالى.

7-     الإسراء والمعراج من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السموات العلى ثم إلى سدرة المنتهى وعاد إلى فراشه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبرد فراشه.

8-    جاء - صلى الله عليه وسلم - مرة لقضاء الحاجة ولم يجد شيئاً يستتر به إلا نخلة صغيرة وأخرى بعيدة عنها، ثم أمر كلاً منهما فأتيا إليه فستراه حتى قضا حاجته ثم أمر كلا منهما أن تعود إلى مكانها [أحمد والطبراني والبيهقي].

9-             جاءه رجل وهو يخطب الجمعة، فشكا إليه قحوط المطر فرفع يديه - صلى الله عليه وسلم - ودعا ربه، وما في السماء قطعة من السحاب، فطلعت سحابة حتى توسطت السماء فاتسعت فأمطرت، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم حوالينا ولا علينا» فأقلت وانقطعت [متفق عليه].

10-       لما اجتمعت صناديد قريش في دار الندوة وأجمعوا على قتله - صلى الله عليه وسلم - وعندما جاؤوا إلى بابه ينتظرون خروجه فيضربونه بالسيوف ضربة رجل واحد، خرج عليهم ووضع التراب على رؤوسهم وخرج من بينهم ولم يروه.

11-       في غزوة حنين رمى الكفار بقبضة من التراب، وقال: «شاهت الوجوه»، فامتلأت أعينهم تراباً وانهزموا [مسلم وغيره].

12-       كلمته ذراع الشاة التي أكل منها - صلى الله عليه وسلم - وقالت له: «إني مسمومة» [البخاري].

13-       شهادة الذئب له بالنبوة.

14-       شكاية البعير له - صلى الله عليه وسلم - وأن صاحبه يتبعه ويجيعه ويشق عليه [أبو داود].

15-       أن عين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أصابها الرمد فتفل فيها - صلى الله عليه وسلم - فبرأت [متفق عليه].

16-       أصيبت عين قتادة -رضي الله عنه- يوم أحد حتى سقطت على وجنته فردها - صلى الله عليه وسلم - حتى عادت أحدُّ من العين الصحيحة [رواه الحاكم].

17-       أن عبد الله بن عتيك الأنصاري أصيبت رجله حين نزل من درج إلى رافع بن أبي الحقيق لما قتله فمسحها بيده الشريفة فبرأت [رواه البخاري].

18-       أنه دعا لابن عباس بالفقه في الدين وعلم التأويل فصار بحراً في العلم، وكان حبر هذه الأمة.

19-       أنه دعا لأنس بن مالك بكثرة المال والولد وبطول العمر فعاش نحو المائة سنة وكان ولده الذين من صلبه مئة وعشرين،وكان له نخل يحمل في سنة حملين.

20-       أنه دعا لثابت بن قيس بن شماس بأن يعيش سعيداً ويقتل شهيداً، فكان كما قال - صلى الله عليه وسلم -.

21-       أنه أخبر أمية بن خلف أنه يقتله يوم بدر، فقتله يوم بدر [رواه البخاري].

22-       أنه كان يشير أصحابه في بدر إلى مصارع الكفار، فكان يقول - صلى الله عليه وسلم -: «هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان..، ويضع يده على الأرض ليحدد أماكنهم» فكان كما قال وما تجاوز أحد منهم موضع يده - صلى الله عليه وسلم - [رواه أبو داود].

23-       كان رجل يقاتل مع المسلمين في إحدى غزواته - صلى الله عليه وسلم - وكان يضرب أعناق الأعداء ضرباً فأخذ الصحابة يطرونه ويذكرونه شجاعته وأنه من أهل الجنة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هو من أهل النار» فتبعه رجل من المسلمين يرى ماذا يصنع، فأصابته جراح فعمد إلى سيفه فقتل نفسه، وقاتل نفسه في النار فكان كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - [متفق عليه].

ولقد كان له - صلى الله عليه وسلم - الكثير من المعجزات وما ذكرته قليل من كثير، وما أوردته أيضاً إلا ليتعرف المسلم على بعض معجزات نبيه - صلى الله عليه وسلم -. ومعجزاته كثيرة بينة وظاهرة لا ينكرها إلا ناقص عقل أو فاقده.

 عاشراً: حاجة الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

لما عاش الناس قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - في جاهلية جهلاء وظلمة دهماء، خصوصاً بعدما حرفوا وبدلوا في الكتب المنزلة على أنبيائهم، لذلك كله أحوج الله الخلائق كلهم إلى من يزيل عنهم تلك الغمة، ويعيدهم إلى عبادة الله الخالق الواحد القهار، فأرسل الله نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم سبحانه وتعالى.

فأما حاجتهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا فهي أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس، لأنه مبشرهم بالجنان ومنذرهم من النيران، وأما حاجتهم إليه في الآخرة فإنهم يستشفعون بالرسل إلى الله ليفصل بين الخلائق، فكلهم يتأخر عن الشفاعة، فيشفع لهم النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي سيفتح لهم باب الجنة، فلهذا كانت حاجة الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حاجة ماسة وأكيدة في الدنيا والآخرة.

 حادي عشر: حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته:

إن حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته كثيرة وهي حقوق واجبة على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية وسنذكرها بشيء من التفصيل بإذن الله تعالى، ومن هذه الحقوق.

 الإيمان به - صلى الله عليه وسلم -:

فالإيمان به - صلى الله عليه وسلم - من أركان الإيمان التي يجب على المسلم الإيمان بها، ومن هذه الأركان الإيمان، وهو - صلى الله عليه وسلم - رسول من أولئك الرسل عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم؛ قال الله تعالى: }فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا{ [التغابن: 8]. وقال تعالى: }فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{ [الأعراف: 158]. وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - بوجوب الإيمان به، فقال - صلى الله عليه وسلم -:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» [رواه البخاري ومسلم].

ومن الإيمان به - صلى الله عليه وسلم - التصديق الجازم الذي لا شك فيه بأن رسالته ونبوته هي حق من عند الله تعالى، والعمل بمقتضى ذلك، والتصديق بأن كل ما جاء به من الدين وما أخبر به عن الله تعالى حق صحيح، لابد من تصديق ذلك بالقلب واللسان، فلا يكفي الإيمان به باللسان، والقلب منكر لذلك، قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا{ [النساء: 136].

فالإيمان به - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته وبكل ما أخبر به من الأمور التي وقعت، والتي لم تقع مما أطلعه الله عليه، الإيمان بذلك كله واجب حتى يكمل إيمان المرء، ولقد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - من آمن به ولم يره بشره بطوبى, وهي شجرة في الجنة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن آمن بي ورآني مرة، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع (مرات)». [السلسلة الصحيحة 3/45]، فمن شك في نبوته أو رسالته فهو كافر، لأن الأدلة مستفيضة في ذلك.

 محبته - صلى الله عليه وسلم -:

وهذا حق من حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته، وواجب عليهم أيضاً، فينتفي الإيمان بعدم محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد أوجب الله محبة نبيه في كتابه العزيز، فقال تعالى: }قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ [التوبة: 24].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» [البخاري].

ولما سمع عمر -رضي الله عنه- هذا الحديث قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا نفسي، فقال: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إليّ من نفسي، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الآن يا عمر» أي الآن صدقت وحققت الإيمان الكامل بمحبتك لنبيك.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» [البخاري].

ومن محبته - صلى الله عليه وسلم - إيثار ما يحب - صلى الله عليه وسلم - على ما يحب العبد، ومحبة ما جاء به والدعوة إليه ومحبة أهل بيته وصحابته -رضوان الله عليهم-، ومن محبته كثرة ذكره -عليه الصلاة والسلام-، والشوق إلى لقائه.

قال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا أمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه» [أحمد وهو صحيح].

ومعنى ذلك أن من المؤمنين من يسكن قلبه ويميل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمودة والمحبة، وما ذاك إلا بإخلاص الاتباع له - صلى الله عليه وسلم - دون سواء من البشر.

فحب النبي - صلى الله عليه وسلم - موصل لحب الله تعالى.

قال الشاعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه **هذا لعمرك في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته** إن المحب لمن يحب مطيـع

فمن محبته - صلى الله عليه وسلم - طاعته وتصديق ما أخبر عنه وتوقيره وتعظيمه عند ذكره صلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.

 طاعته - صلى الله عليه وسلم - وامتثال أمره:

طاعته - صلى الله عليه وسلم - واجبة بكتاب الله عز وجل، قال تعالى:

} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{

[محمد: 33].

وقال تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ{ [الأنفال: 20].

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به والمعاندين له، وأن لا يتركوا طاعته - صلى الله عليه وسلم -، بل امتثلوا أمره، واتركوا زواجره بعدما علمتم ما دعاكم إليه من الحق».

ويقول ابن سعدي -رحمه الله-: «لما أخبر الله تعالى أنه مع المؤمنين أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي يدركون معيته، وذلك بامتثال أوامر الله -عز وجل- وأوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتنفيذ أوامره ووصاياه ونصائحه، ولا يكتفي بمجرد الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها، فإنها حالة لا يرضاها الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال».

قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلى من أبى، قيل: يا رسول الله ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» [البخاري].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، ويقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتهم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» [أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح].

وعن أبي داود وابن ماجة بسند صحيح، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه».

فالواجب على المؤمن طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أحل وما حرم فما أحله فهو حلال وما حرمه فهو حرام ويجب الابتعاد عنه، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرّم الله» [الحاكم والترمذي وابن ماجة بسند صحيح].

ومما يدل على عظم شأن طاعته - صلى الله عليه وسلم -، أن الله جلت قدرته قد قرن طاعته سبحانه بطاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال تعالى: }مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه{َ [النساء: 80].

قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله» [في الصحيحين].

ولابد من الحذر كل الحذر من مخالفة أمره - صلى الله عليه وسلم - وعدم معصيته لأن ذلك مما يحبط الأعمال ويوجب النيران، فقد قال تعالى: }وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا{ [الجن: 23].

فمن طاعته - صلى الله عليه وسلم - التمسك بسنته وما أمر به، واجتناب ما نهى عنه  والابتعاد عنه والاهتداء بهديه والالتزام بنظافة الثوب والبدن وتحري الصدق في الأقوال والأفعال وطلب الحلال في المأكل والمشرب والملبس والنكاح واجتناب الحرام في ذلك.

وغير ذلك من الأمور التي ينبغي على المسلم متابعتها والعمل بها مما أمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، واجتناب ما نهى عنه من أعمال وأفعال قال تعالى: } وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا{ [الحشر: 7]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» [مسلم].

 اتباعه - صلى الله عليه وسلم -:

ومما يجب على المؤمن اتباع نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واتباعه -عليه الصلاة والسلام- يكون في الاعتقاد والقول والعمل، وهي الدين كله، واتباعه -عليه الصلاة والسلام- من محبة الله تبارك وتعالى، قال تعالى: } قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ [آل عمران: 31]. فلابد للمسلم من اتباع هدي نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واقتفاء أثره والعمل بما جاء به من قول وفعل, فللوصول إلى محبة الله ورضوانه ومغفرة الذنوب اتباع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنشط والمكره ويكون اتباعه عن قناعة ورضى بما جاء به.

وذكر ابن رجب -رحمه الله- في (جامع العلوم والحكم): «وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» [الحاكم في المستدرك]، هذا إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - بما سيقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه, وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، فقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- أن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقة كلها في النار، إلا واحدة وهي الفرقة الناجية التي  اتبعت ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه، وما كان عليه أصحابه من بعده من تتبعهم لهديه عليه الصلاة والسلام.

وقد قال عمر بن عبد العزيز: «سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله, ليس الأخذ بتبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالقها، من اهتدى بها فهو المهتدي, ومن استنصر بها فهو المنصور, ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جنهم وساءت مصيرا».

وليحذر من يخالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففي مخالفته خروج من الدين وارتداد عنه عياذاً بالله من ذلك- قال تعالى: }وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{ [الأعراف: 158] فهو أمر من الله جل وعلا باتباع نبيه - صلى الله عليه وسلم - لمن أراد الهداية من الله تعالى ومن خالف أمره فليس له إلا الغواية والندامة.

ومن اتباعه - صلى الله عليه وسلم - عدم الابتداع في دين الله -عز وجل- بل يعمل على إزالة كل بدعة في الدين ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا.

ويجب على المسلم رد كل قول لقوله - صلى الله عليه وسلم -، وترك كل تشريع لشرعه، والإعراض عن كل ما خالف هديه - صلى الله عليه وسلم - في القول والعمل والاعتقاد.

والأخذ بكل ما صح عنه وثبت نسبته إليه فهو -عليه الصلاة والسلام- أعلم الناس بربه تعالى وأخشاهم وأتقاهم له، فيجب التمسك بما جاء به واتباع ذلك بلا تردد ولا شك؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا ينطق عن الهوى وإنما يعلمه ربه -عز وجل.

فالواجب على المؤمن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيدة والعبادة والسلوك فهذا هو طريق النجاة يوم القيامة بإذن الله -تبارك وتعالى، ومن خالف ذلك فسيلقى به إلى النار والعياذ بالله.

 الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم -:

قال تعالى: } أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ{ [الأنعام: 90]، فقد أمر الله -جل وعلا- نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل.

وأمرنا نحن باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به، فقال تعالى: } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{ [الأحزاب: 21]. أي إن لكم  فيه - صلى الله عليه وسلم - قدوة صالحة في أفعاله وأقواله فاقتدوا به، فمن اقتدى به - صلى الله عليه وسلم - وتأسى به سلك الطريق الموصل إلى كرامة الله وهو الصراط المستقيم فهو -عليه الصلاة والسلام- الأسوة الحسنة التي يوفق للاقتداء بها من كان يرجو الله واليوم الآخر لما معه من الإيجار والخوف من الجبار سبحانه، ولما يرجو من ثواب ربه، وما يخشاه من عقابه وعذابه.

كل ذلك حاث وحافز ودافع للاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله.

انظر لأولئك السلف الذين دفعهم الإيمان بالله ورسوله إلى الاقتداء به -عليه الصلاة والسلام، وهذه نماذج من ذلك:

1- عندما جاءت الجدة إلى الصديق -رضي الله عنه- تسأل عن ميراثها، فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى لك بشيء، وسأسأل الناس، ثم سأل -رضي الله عنه- الصحابة، فشهد عنده بعضهم بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى الجدة السدس فقضى لها بذلك.

2- ولما أشكل على عمر -رضي الله عنه- إسقاط المرأة جنيناً ميتاً بسبب تعدي أحد عليها، سأل الصحابة -رضي الله عنهم- عن ذلك فشهد عنده محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة -رضي الله عنهما، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في ذلك بغرة عبد أو أمة، فقضى بذلك -رضي الله عنه.

3- ولما أشكل على عثمان -رضي الله عنه- حكم احتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، أخبرته طريفة بنت مالك -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله فقضى لها بذلك -رضي الله عنه.

4- ولما بلغ عليّ -رضي الله عنه- أن عثمان -رضي الله عنه -نهى عن متعة الحج، أهلَّ -رضي الله عنه- بالحج والعمرة جميعاً، وقال: لا أدع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول أحد من الناس.

5- وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء!! أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه العقوبة فكيف بحال من خالف السنة لقول من هو دونهما في المكانة، أو ممن خالفهما لمجرد رأيه واجتهاده. فمن ترك الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - فهو معرض للضلال المؤدي إلى الهلاك، فعندما فهم ذلك سلف الأمة التزموا بطاعته - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به.

 توقيره -عليه الصلاة والسلام- وتعظيم شأنه:

توقيره من أوكد حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته قال تعالى: } إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا{ [الفتح: 8].

فيجب توقيره -عليه الصلاة والسلام- وإجلاله وتعظيمه كما ينبغي له ذلك على ألا يرفع إلى مقام العبودية، فإن ذلك محرم لا يجوز ولا ينبغي إلا لله -عز وجل. ومن توقيره -عليه الصلاة والسلام- تعظيم شأنه احتراماً وإكباراً لكل ما تعلق به من اسمه وحديثه وسنته وشريعته وآل بيته وصحابته -رضوان الله عليهم، وكل ما اتصل به -عليه الصلاة والسلام- من قريب أو بعيد.

فمن توقيره -عليه الصلاة والسلام- عدم التقدم بين يديه مصداقاً لقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ{ [الحجرات: 1].

فهذا نهي من الله -عز وجل- بعدم رفع الصوت عند مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يجهر المخاطب له بالقول, بل يخفض الصوت ويخاطبه بالأدب ولين الجانب ويخاطبه بالتعظيم والتكريم والإجلال والإعظام.

فلا يكون الرسول كأحدهم, بل يميزونه في خطابهم كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة ووجوب الإيمان به والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به.

فإن في عدم القيام بذلك محذوراً خشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه من أسباب حصول الثواب وقبول الأعمال.

وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره - صلى الله عليه وسلم -، كما يكره في حياته لأنه محترم حياً وميتاً.

وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أي أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً.

وإنما كان النهي عن رفع الصوت عند خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله تعالى لغضبه - صلى الله عليه وسلم - فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري.

ثم امتدح الله -عز وجل- مَنْ غضَّ صوته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وندب إلى ذلك في قوله تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ{ [الحجرات: 3]. فأولئك اختبر الله قلوبهم وامتحنها وابتلاها للتقوى, فظهرت نتيجة ذلك بأن قلوبهم أذعنت لأمر الله وأخلصت وكانت أهلاً ومحلاً للتقوى فكانت العاقبة لهم بالبشرى من الله العلي القدير بأن بشرهم بالمغفرة لذنوبهم، وحصول الأجر العظيم الذي لا يعلمه إلا رب الأرباب ومسبب الأسباب، الذي بيده مفاتيح كل شيء وخزائن السموات والأرض، فكان ذلك جزاءهم جزاءً وفاقاً.

فمن لازم أمر الله -عز وجل- واتبع رضاه وسارع إلى ذلك وقدمه على هواه ومحص قلبه فصار قلبه صادقاً، ومن لم يكن كذلك علم أنه لا يصلح للتقوى.

ومن تعظيمه وتوقيره - صلى الله عليه وسلم - عدم ندائه باسمه مجرداً فلا يقال «يا محمد»، بل يقال: «يا نبي الله»، «يا رسول الله»، قال تعالى: }لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا{ [النور: 63].

فهذا نهي منه سبحانه بعدم نداء نبيه - صلى الله عليه وسلم - باسمه مجرداً؛ لأن ذلك من سوء الأدب معه - صلى الله عليه وسلم -، وهناك مظاهر لتعظيمه - صلى الله عليه وسلم - من حيث حديثه، وآثاره.

فمن تعظيمه - صلى الله عليه وسلم - تعظيم حديثه فيحترم كلامه -عليه الصلاة والسلام- فقد روي عن جعفر بن محمد الصادق وكان كثير الدعابة والتبسم أنه إذا ذكر عنده النبي - صلى الله عليه وسلم - أصفر وجهه وما يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على طهارة.

وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- إذا حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علاه كرب وتحدر العرق من جبينه -رضي الله عنه وأرضاه.

ومن تعظيم آثاره - صلى الله عليه وسلم - أنه كانت لأبي محذورة قصة في مقدم رأسه إذا جلس وأرسلها وصلت إلى الأرض، فقيل له: ألا تحلقها؟ قال: لم أكن بالذي يحلقها وقد مسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده.

ولقد كان هذا شيئاً يسيراً مما ذكر في توقيره -عليه الصلاة والسلام- وتعظيم شأنه وإلا فهو أجل من ذلك وأعظم، فصلوات ربي وسلامه عليه ما تلألأت النجوم وتلاحمت الغيوم، وعليه الصلاة والسلام ما سمعت أذن بخبر وما اتصلت عين بنظر.

 وجوب النصح له - صلى الله عليه وسلم -:

النصح أو النصيحة: هي بذل النصح للغير. والنصح معناه: أن الشخص يحب لأخيه الخير ويدعوه إليه ويبينه له ويرغبه فيه، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الدين النصيحة، وقد بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض صحابته على النصح لكل مسلم وهي من حقوق المسلمين فيما بينهم قال تعالى: } إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ{ [الحجرات: 10] وقال تعالى: } وَأَنْصَحُ لَكُمْ{ [الأعراف: 62] وقال تعالى: } وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ{ [الأعراف: 68].

فالأخوة في الدين أقوى من الأخوة في النسب، فالأخوة في النسب بدون دين ليست شيئاً، ولهذا لما قال نوح عليه السلام لربه -عز وجل-: } إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ{، قال تعالى: } إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ{ [هود: 46]، أما الأخوة في الدين، فهي أخوة فعلاً مصداقاً لقول الله تعالى: } إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ { [الحجرات: 10]، فالمؤمنون أخوة مهما تباعدت أقطارهم وتباينت لغاتهم.

قال ابن رجب: «وأما النصيحة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد موته، فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاق وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والغضب على من صنعها لأثرة دنيا وإن كان متديناً بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه. والإيمان به وبما جاء به، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه.. ونحو ذلك» انتهى.

فالنصيحة للرسول - صلى الله عليه وسلم - تتضمن عدة أمور:

1- الإيمان التام برسالته وأن الله تعالى أرسله إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم، إنسهم وجنهم، قال تعالى: } وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا{ [النساء: 79]، وقال تعالى: } وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ{ [الأنبياء: 107].

2- تصديق خبره - صلى الله عليه وسلم - وأنه صادق مصدوق، صادق فيما يخبر به، مصدوق فيما أخبر به من الوحي.

3- صدق الاتباع له - صلى الله عليه وسلم -، فلا تتجاوز شريعته ولا تزداد، ولا ينقص منها شيء, فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإمام في جميع العبادات؛ فهو إمام هذه الأمة ومتبوعها، ولا يحل لأحد أن يتبع سواه إلا من هو مبلغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث يكون واسطة بين المبلغ له والمبلغ عنه، ولا يكون له شريعة مستقلة.

4- الذب عن شريعته - صلى الله عليه وسلم - وحمايتها ألا يزيد فيها أحد ما ليس فيها، أو أن ينتقصها أحد، فيحارب أهل البدع القولية والفعلية والعقدية، كل حسب بدعته -لقوله عليه الصلاة والسلام-: «كل بدعة ضلالة» [مسلم].

5- احترام أصحابه وتعظيمهم ومحبتهم؛ لأنهم خير القرون فلا يجتمع حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنصح له، وبغض أصحابه أو أحد منهم, فمن سبَّ الصحابة فقد قدح في الدين، لأنهم هم الذين بلغوا دين الله -عز وجل- بعد وفاة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك قدح لله -عز وجل- وسب له، وتشكيك في حكمته تعالى، فالله -جل وعلا- قد اختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولحمل دينه من هم أهل لذلك؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظ دينه، وهيأ له من العلماء من يبلغوه إلى الناس، فالأمة لا تجتمع على ضلالة.

فمن النصح له - صلى الله عليه وسلم - محبة أصحابه لأنهم هم الذين بلغوا عنه هذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين.

فاللهم صل وسلم على نبينا محمد ما غرد طير وصاح، وصل على محمد ما أظلم ليل وأشرق صباح.

 محبة أهل بيته وصحابته - صلى الله عليه وسلم -:

إن محبة أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومحبة أصحابه -رضي الله عنهم-كل ذلك من محبته - صلى الله عليه وسلم - وهي محبة واجبة، فمن أبغض أحداً من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحداً من صحابته الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم- فقد أبغض النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن محبته مقرونة بمحبتهم. ولعلي لا أطيل على القارئ الكريم في هذه النقطة؛ لأنني قد شرحت جزءاً منها في الفقرة السابقة لها ولكن هناك بعض الآثار التي تدل على محبة أهل بيته - صلى الله عليه وسلم -، وصحابته -رضي الله عنهم-:

1-  قال - صلى الله عليه وسلم - «أنشدكم الله أهل بيتي».

2-  وقوله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: (وهو من أهل بيته): «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم الله ورسوله، ومن آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه» [الترمذي وغيره].

3-  قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تؤذينني في عائشة» [فتح الباري وسير أعلام النبلاء].

4-  قول عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن الحسن بن الحسين: «إذا كانت لك حاجة فأرسل إليَّ، أو اكتب، فإني أستحي من الله أن يراك الله على بابي».

هذا من تعظيمه -رضي الله عنه- لآل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

5-  وقوله - صلى الله عليه وسلم -في صحابته: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» [أبو داود وغيره].

6-  وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» [البخاري ومسلم].

7- قوله - صلى الله عليه وسلم - في الأنصار: «اعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم» [مسند أبي يعلى].

8- وقال مالك بن أنس: «من غاظه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو كافر لقوله تعالى: } لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ{ [الفتح: 29].

9- وقال عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» [الترمذي].

9- الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -:

ومن حقه على أمته أن يصلوا عليه كلما ذكر -عليه الصلاة والسلام- قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 56]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأن يثني عليه عند الملائكة المقربين, وأن الملائكة تصلي عليه, ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع عليه الثناء من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعاً» انتهى.

فالصلاة والسلام عليه واجبة على كل مؤمن ومؤمنة؛ ففي ذلك أجر عظيم من الله -جل وعلا- وطاعة لله تعالى عندما أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه. ولا يقتصر الإنسان على الصلاة أو التسليم بل يجمع بينهما، فلا يقول: صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط، هكذا قاله النووي -رحمه الله-وقال: إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فليجمع بين الصلاة والتسليم -أي ليقل عليه الصلاة والسلام؛ مصداقاً لقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{[الأحزاب: 56].

 حكم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: «أما حكمها - أي حكم الصلاة والسلام على النبي - فأصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب:

أولها: قول ابن جرير إنها مستحبة وادعى الإجماع على ذلك.

ثانيها: أنا تجب في الجملة بغير حصر, لكن أقل ما يحصل به الإجزاء مرة واحدة.

ثالثها: تجب في العمر في صلاة أو في غيرها وهي مثل كلمة التوحيد.

رابعها: تجب في القعود آخر الصلاة.

خامسها: تجب في التشهد.

سادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل.

سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقيد بعدد.

ثامنها: كلما ذكر عليه الصلاة والسلام.

تاسعها: في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مراراً.

عاشرها: في كل دعاء.

وذكر بعض العلماء -وهو الصحيح- أنها تجب مرة واحدة في العمر، وكذلك في المواطن التي يجب الصلاة والسلام عليه فيها.

ومن أدلة وجوبها ما يلي:

قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 56].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً» [رواه مسلم].

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أولى الناس بي يوم القيام أكثرهم عليَّ صلاة» [الترمذي وهو حسن صحيح].

وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه- قال: «سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم, فليبدأ بتمجيد الله -عز وجل- والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم, ثم ليدع بما شاء» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وهو صحيح].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليَّ» [الترمذي وهو صحيح].

وروي الإمام أحمد، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصل عليَّ» [الصحيح].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة -حسرة وندامة- يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» [الترمذي وهو صحيح].

 المواطن التي يجب فيها الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

1- وهو أهمها وأكبرها وقد أجمع المسلمون على مشروعيته وذلك في التشهد الأخير في الصلاة، وهي ركن من أركان الصلاة الأربعة عشر، من تركها متعمداً بطلت صلاته، فقد أخرج البيهقي بسند قوي عن الشعبي -وهو من كبار التابعين- قال: «من لم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد فليعد صلاته»، وفي ذلك أيضاً حديث فضالة السابق وهو صحيح فليراجع.

2- في صلاة الجنازة، بعد التكبيرة الثانية، ورد في السنة، أنه بعد التكبيرة الأولى: يقرأ الفاتحة، و بعد التكبيرة الثانية: يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد التكبيرة الثالثة: يدعو للميت، وبعد التكبيرة الرابعة: ينتظر قليلاً ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.

3- في الخطب: كخطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء وغيرها.

4- بعد إجابة المؤذن، لما روى الإمام أحمد -رحمه الله- عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى عليَّ صلى الله عليه بها عشراً..» [صحيح].

5- عند ذكره - صلى الله عليه وسلم - أو كتابته، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» [الترمذي وهو حسن صحيح]، وذكر ابن حجر في فتح الباري، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «من ذكرت عنده ولم يصل عليَّ فمات فدخل النار فأبعده الله» [الترمذي وصححه الحاكم وله شواهد].

6- يوم الجمعة وليلتها، فعن أوس بن أوس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم -عليه السلام- وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة، فإن صلاتكم معروضة عليَّ» قالوا: يا رسول الله: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت -أي بليت- قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء -عليهم السلام-» [النسائي وصححه الألباني].

      7- عند دخول المسجد والخروج منه، عن فاطمة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: «رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» وإذا خرج قال: «رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» [رواه الترمذي وصححه الألباني].

8- ذكره - صلى الله عليه وسلم - والصلاة عليه في كل وقت؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام» [رواه أحمد والنسائي وهو صحيح].

9- قبل الدعاء وبعده، فالداعي يبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، ثم يختم دعاءه بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما ورد: «الدعاء بين الصلاتين عليّ لا يرد» [الجزائري في هذا الحبيب]. ولقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً فليبدأ بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرت في حديث سابق أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يدعو لم يمجد الله ويثني عليه ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عجل هذا» قم دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله -عز وجل- والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد بما شاء» [حديث صحيح رواه الحاكم وغيره].

      10- عند كتابة أو قراءة اسمه - صلى الله عليه وسلم - : بما أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مشروعة في الصلوات في التشهد، وغير ذلك من المواضع، فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك، والمشروع أن تكتب كاملة تحقيقاً بما أمرنا الله به، وليتذكرها القارئ عند المرور عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كلمة (ص) أو (صلعم) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتاب والمؤلفين لما في ذلك من مخالفة أمر الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العزيز بقوله: } صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 56]، مع أنه لا يتم بهَا المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة (صلى الله عليه وسلم) كاملة، وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد، علماً بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه.

فقد ذكر ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح: "التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكراره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته ومن أغفل ذلك فقد حرم حظاً عظيماً".

وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء لا كلام يرويه.

وقال ابن الصلاح: ثم ليتجنب في إثباتها نقطتين:

أحدهما: أن يكتبها منقوصة معنى بألا يكتب (وسلم) وروي عن حمزة الكناني -رحمه الله تعالى- أنه كان يقول: كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أكتب (وسلم) فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال لي: مالك لا تتم الصلاة عليَّ؟: قال: فما كتبت بعد ذلك - صلى الله عليه وسلم - إلا كتبت (وسلم)، وقال ابن الصلاح: يكره كتابة (عليه السلام).

وقال العلامة السخاوي -رحمه الله- في كتابه (فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي): "واجتنب أيها الكاتب (الرمز لها) أي الصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة كما يفعله بعض الجهلة وعوام الطلبة فيكتبون بدلاً من - صلى الله عليه وسلم - (ص) أو (صم) أو (صلعم)".

وقال السيوطي -رحمه الله- في كتابه (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي): "ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره لقوله تعالى: } صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 56]، إلى أن قال: ويكره الرمز لها في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب (صلعم) بل يكتبها بكاملها".

فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يحافظ على الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل وقت وحين ويلتمس الأفضل وما فيه زيادة في الأجر والثواب، وأن يترك الشيطان وتسويله وتهوينه مثل هذه الأمور، التي هي من آكد حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته.

ومواطن الصلاة فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرة ذكرها أهل العلم في كتبهم، وسأجمل بعضها:

11- في آخر القنوت.

12- على الصفا والمروة، عند الاجتماع في المجالس.

13- عند الفراغ من التلبية.

14- عند استلام الحجر الأسود في الطواف.

15- عند إلقاء الدروس والمحاضرات والندوات.

16- عقب ختم القرآن.

17- عند القيام من المجلس.

18- عند المرور على المساجد ورؤيتها.

19- عند الهم والغم والشدائد.

20- عند طلب المغفرة والرحمة من الله -عز وجل.

21- في أول النهار وآخره.

22- عقب الذنب أو المعصية إذا أراد المذنب أو العاصي أن يكفر الله عنه.

23- عند خطبة الرجل المرأة.

24- عند دخول المنزل.

25- كلما ذكر الله -عز وجل.

26- إذا نسي الشيء وأراد ذكره.

27- عند النوم.

28- عقب الصلوات.

29- عند طنين الأذن.

كان هذا بعض ما ذكره أهل العلم من مواطن ذكره - صلى الله عليه وسلم -، وإلا فذكره في كل وقت وحين، فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً» فصلوات ربي وسلامه عليه ما دامت السموات والأرض قائمتين، وما دامت الشمس والقمر دائبين.

 فوائد وثمرات الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

1- امتثال أمر الله -عز وجل-حيث قال -جل من قال- سبحانه: }إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 56].

2- القرب منه - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة» [الترمذي وهو حسن صحيح].

3- حصول عشر صلوات من الله على المصلي عليه مرة، لقوله: «من صلى عليّ واحدة صلى عليه الله بها عشراً» [مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي].

4- يرفع له عشر درجات.

5- يكتب له عشر درجات.

6- يمحى عنه عشر سيئات: ودليل ذلك ما رواه أبو بردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى عليّ من أمتي صلاة مخلصاً من قلبه؛ صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات» [صححه ابن حبان ورواه النسائي] ذكره ابن حجر في الفتح (12/458) وذكر مثله في تيسير العلي القدير (3/514).

7- فيها كفاية من الله تعالى لم يصيب الإنسان من هم، لذلك لما قال الصحابي للنبي - صلى الله عليه وسلم - أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: «إذن يكفيك الله ما أهمك من دنياك وأخراك» [رواه أحمد وهو صحيح].

8- إنه يرجى إجابة الدعاء إذا قدمت قبله وبعده، وقد مر بنا دليل ذلك، في الرجل الذي بين له النبي - صلى الله عليه وسلم -. أنه بعد تمجيد الله والثناء عليه ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ليدع بما شاء وفي صحيح النسائي للألباني: «سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي، فمجد الله وحمده وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادع تجب، وسل تعطه».

9- إنها سبب لشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله -عز وجل- لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة» [أبو داود وغيره وهو صحيح].

10- إنها سبب لمغفرة الذنوب: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أفأجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن يغفر لك الله ذنبك كله» [صحيح].

11- إنها سبب لقضاء الحوائج: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً قال: يا رسول الله: إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه» [أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح].

12- إنها سبب لطيب المجلس وأنه لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة يوم القيامة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» [الترمذي وهو صحيح].

13- إنها تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، قال - صلى الله عليه وسلم -: «البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصل عليّ» [رواه الترمذي وهو حسن صحيح].

14- إنها نجاة له من الدعاء عليه برغم الأنف إذا تركتها عند ذكره - صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ» [الترمذي وهو صحيح].

15- إنها تدل صاحبها على طريق الجنة وتخطئ بتاركها عن طريقها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من نسي الصلاة على خطئ طريق الجنة» [رواه ابن ماجة وهو حسن صحيح].

16- خروج العبد من الشقاء عندما يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، قال - صلى الله عليه وسلم -: «شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليّ» [رواه الطبراني].

17- إنها يخرج بها العبد من الجفاء، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي عليّ» [مصنف عبد الرازق].

18- إنها سبب عرض اسم المصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكره عنده، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإن صلاتكم معروضة عليّ» [أبو داود].

19- إنها سبب لصلاة الملائكة على العبد. قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يصلي عليّ إلا صلت عليه الملائكة ما صلى عليّ، فليقل العبد من ذلك أو ليكثر» [صحيح ابن ماجة باختصار السند].

20- إنها تقوم مقام الصدقة لمن لا يستطيع التصدق لعسرته.

21- إنها سبب لتبشير العبد بالجنة قبل موته.

22- إنها زكاة للمصلي وطهارة له.

23- إنها سبب للنجاة من أهوال يوم القيامة.

24- إنها سبب لرد النبي - صلى الله عليه وسلم - على من صلى وسلم عليه.

25- إنها لتذكر العبد ما نسيه.

26- إنها سبب لنفي الفقر.

27- إنها تنجي من نتن المجلس الذي لا يذكر الله فيه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

28- إنها سبب لوفور نور العبد على الصراط.

29- إنها سبب للبركة للمصلي.

30- إنها سبب لنيل رحمة الله تعالى.

31- إنها سبب لمحبة المصلي للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

32- إنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه.

وفوائد وثمرات الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرة وجمة، ولعلي أسهبت في بعضها, واختصرت البعض, وفيما ذكرت منها وأشرت إليه كفاية بإذن الله تعالى؛ لمن أراد التدبر والتذكر وحصول الفائدة والأجر.

فاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 صيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

كثرت الأحاديث بصيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتب أهل الحديث، وتطبيقاً للسنة في ذلك فسأذكرها إن شاء الله تعالى معزوة إلى مصدرها؛ حتى تعم الفائدة ويحصل الخير بإذن الله -عز وجل-في تنوع الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

1- روى البخاري في صحيحه عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

2- وروى البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: «اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم, وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم».

3- وروى البخاري أيضاً عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد».

4- وعند أبي داود، وصححه الألباني، عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنين أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قولوا: «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد».

5- وعن الحكم، قال «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، الله بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد» [أبو داود وهو صحيح].

6- وعن عقبة بن عمرو، قال: قولوا: "اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد" [أبو داود وهو صحيح].

7- وعند ابن ماجة وهو صحيح، من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، أمرنا بالصلاة عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد».

8- وعند النسائي وصححه الألباني من حديث أبي مسعود، قال - صلى الله عليه وسلم -: قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم».

9- وعن طلحة بن عبيد الله، قال: قلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» [صحيح النسائي].

10- وعند النسائي أيضاً وصححه الألباني من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قولوا: «اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم».

11- أورد ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره قال: روى ابن أبي حاتم عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت الآية }إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ [الأحزاب: 56]. قال: قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» [حديث صحيح].

وقد أورد أهل العلم في كتبهم الكثير من صيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وفيما ذكرت كفاية بإذن الله تعالى.


 أمور يجب الحذر منها تتعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم -

 أولاً: إثم من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

الكذب صفة مذمومة، ممقوتة، يبغضها الله ورسوله، ولا يرضى بها مؤمن، قال الله -جل وعلا-: } ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ{ [آل عمران: 61].

وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن صفة الكذب تهدي بصاحبها إلى الفجور، ولا شك أن الفجور من الأسباب التي تودي بصاحبها إلى نار جهنم -والعياذ بالله- فقال - صلى الله عليه وسلم -: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» [متفق عليه]. وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكذب فقال: «ويل لم كذب ليضحك به الناس ويل له، ويل له» فمن كذب مازحاً ليضحك الناس عده النبي - صلى الله عليه وسلم - محرماً وصاحبه موعود بويل، وويل هذا واد في جهنم.

فإذا كان هذا عاقبة الكذب على الناس وللناس، فما بالك أخي الكريم بمن كذب على النبي متعمداً، فلا شك أن مقره قعر جهنم -أعاذنا الله منها- لأن الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليس ككذب على أحد من الناس؛ لأنه لا ينطق عن الهوى وإنما يعلمه ربه بما يوحيه إليه عن طريق جبريل -عليه السلام- أو ما يلقيه في روحه فكل ما يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - مما أنزله الله من كلامه سبحانه، أو أحاديثه - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك مما يوحيه الله إليه، فالكذب عليه في ذلك موجب لدخول النار، وقد صرح بذلك نبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» [صحيح ابن ماجة]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تكذبوا عليَّ فإن الكذب عليَّ يولج النار» [صحيح ابن ماجة]. فكل من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو واقع في هذا الوعيد الشديد، وكذلك من دل على ذلك أو رضي به أو روى به.

وفي الحديث الحسن الذي رواه أبو قتادة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال عليَّ فليقل حقاً أو صدقاً، ومن تقول عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» [ابن ماجة].

ولهذا كان أنس بن مالك إذا حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تنبيهاً على أن ما ذكره نقل بالمعنى، وأما اللفظ فيحتمل أن يكون لفظاً آخر، وذلك أيضاً خوفاً من الزيادة أو النقص عما قاله - صلى الله عليه وسلم -، فهنيئاً لهم ذلك الحرص في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن حرص السلف على الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كبرنا ونسينا والحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد.

وقال الشعبي: جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً. وما ذاك إلا خوفاً من الإفراط والتفريط في النقل عنه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا في المجالس المعتادة مع الناس، أما مجالس العلم فلا بد من التبليغ عنه - صلى الله عليه وسلم - ما علمه العلماء من أحاديثه، لأنه أمر بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية» [البخاري] العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

وفي صحيح البخاري عن علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني منصور، قال: سمعت ربعي بن حراش، يقول: سمعت علياً يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تكذبوا عليّ فإنه من كذب عليّ فليلج النار».

وعند مسلم: «من يكذب عليّ يلج النار» والكذب هنا هو الإخبار بالشيء بخلاف ما هو عليه سواءً كان عمداً أم خطأ، والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع، ولكن الإكثار من الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يوقع صاحبه في الخطأ، وهو لا يشعر، فإنه إن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار إذ الإكثار مظنة الخطأ، وإذا حدث الثقة بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ فإنه يعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سبباً للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ، لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن أجل هذا، عندما سئل الزبير: إني لا أسمعك تحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه، لكن سمعته يقول: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» [البخاري].

قال أبو عيسى (الترمذي): سألت عبد الله بن عبد الرحمن، أبا محمد (الدارمي الإمام الحافظ) عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين» قلت له: من روى حديثاً وهو يعلم أن إسناده خطأ أيخاف أن يكون قد دخل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو إذا روى الناس حديثاً مرسلاً أسنده بعضهم أو قلب إسناده يكون قد دخل في الحديث؟ فقال: لا، إنما معنى هذا الحديث إذا روى الرجل حديثاً ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصل فحدث، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث.

 ثانياً: سبُّه - صلى الله عليه وسلم - أو الاستهزاء به:

لا يشك مسلم أن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر بواح وإلحاد مسافر، وإنها والله لجرأة عليه - صلى الله عليه وسلم - يحزن لها كل مسلم، ويدمى لها قلب كل مؤمن.

فسبه - صلى الله عليه وسلم - أو الاستهزاء به كفر صريح لا شك فيه، ومما يوجب اللعنة والعار، والخلود في النار، وغضب الجبار، والخروج من دائرة الإسلام والإيمان إلى حيز الشرك والنفاق والكفران.

كيف لا؟ وقد صرح بها كتاب الله -عز وجل- في قوله تعالى: } قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ{ [التوبة: 65-66].

ونزلت هذه الآية في قوم من المنافقين في غزوة تبوك، وكانوا يقولون في النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء»، وذلك استهزاء وسخرية وتثبيطاً للمؤمنين في تلك الغزوة، فأنزل الله تعالى فيهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة حاكماً بكفرهم وكفر أمثالهم ممن يستهزئون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو بما جاء به، أو سبه عليه الصلاة والسلام؛ فقد ثبت في سنن النسائي بسند صححه الألباني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أهدر دم امرأة كانت تقع فيه -عليه الصلاة والسلام- بالسب والشتم وما ذلك إلا لعظم هذا الأمر عند الله تعالى وعند رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعند كل مؤمن مؤمنة. فالله -جل وعلا- له صفة الكمال سبحانه، وكتابه من كلامه سبحانه وهو من صفات كماله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق وسيدهم وخاتم المرسلين وخليل رب العالمين، فاصطفاء الله جل شأنه لتبليغ كلامه وما ذاك إلا لمنزلته عند ربه سبحانه.

فمن استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بشيء من دينه فهو كافر كفراً ظاهراً ونفاقاً سافراً، وهو عدو لرب العالمين وكفر برسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم -.

وقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء على كفر من سب الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أو تنقصه، وعلى وجوب قتله.

قال الإمام أبو بكر بن المنذر -رحمه الله- "أجمع جماعة العلماء على أن حد من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - القتل، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي" انتهى.

فلا شك أن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الاستهزاء به أو تنقصه أو احتقاره فلا شك أن ذلك كفر وصاحبه حلال الدم والمال.

وقال القاضي عياض: "جمعت الأمة على قتل متنقصه - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين وسابه" انتهى.

وقال محمد بن سحنون، من أئمة المالكية: "أجمع العلماء على أن شاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - والمتنقص له كافر والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر" انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- "إن الساب - أي من سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - - إن كان مسلماً أنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم" انتهى.

وعلى ما ذكرنا آنفاً فإن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو استهزأ به أو بشيء مما جاء به أو تنقصه أو احتقره فهو كافر محكوم بكفره ويقتل ردة، حتى قال بعض أهل العلم إنه لا يستتاب، بل يقتل فوراً، وسواءً كان ذلك السب فعلاً أو قولاً، كمن يرسم صورة له - صلى الله عليه وسلم - في شكل مخز أو مضحك.

وعلى كل مسلم أن يذب ويرد عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يقف حيال ذلك الأمر مكتوف اليدين، فالأمر في ذلك خطير وعظيم.

 ثالثاً: الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -:

مما سرى في المسلمين في هذا العصر وما سبقه من العصور من التشبه بالكفار، والتشبه بالنصارى في عمل ما يسمى بالاحتفال بالمولد النبوي، يحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلين في ربيع الأول من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت أو الأمكنة المعدة لذلك ويحضره جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم، ويعملون ذلك تشبهاً بالنصارى في ابتداعهم في الاحتفال بمولد المسيح -عليه السلام. ولا ريب أن الله -سبحانه وتعالى- بعث نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح، ولم يقبضه إليه حتى اكتمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة كما قال سبحانه وتعالى: }الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ{ [المائدة: 3].

فبين الله -سبحانه وتعالى- بهذه الآية الكريمة أن الدين قد كمل والنعمة قد أتمت، فمن زعم أن يحدث حدثاً يزعم أنه مشروع وأنه ينبغي للناس أن يهتموا به ويعلموا به، فلازم قوله إن الدين ليس بكامل بل هو محتاج إلى مزيد وتكميل، ولا شك أن ذلك باطل، بل من أعظم الفرية على الله سبحانه والمصادمة لهذه الآية الكريمة، ولو كان الاحتفال بيوم المولد النبوي مشروعاً لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته لأنه أنصح الناس لهم، وليس بعده نبي يبين ما سكت عنه من حقه، لأنه - صلى الله عليه وسلم -، خاتم النبيين، وقد أبان للناس ما يجب له من الحق كمحبته واتباع شريعته والصلاة والسلام عليه، وغير ذلك من حقوقه الموضحة في الكتاب و السنة ولم يذكر لأمته أن الاحتفال بيوم مولده أمر مشروع حتى يعملوا بذلك ولم يفعله - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته، ثم الصحابة -رضي الله عنهم- أحب الناس له وأعلمهم بحقوقه لم يحتفلوا بهذا اليوم لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ثم التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة لم يحتفلوا بهذا اليوم.

أفتظن أن هؤلاء كلهم جهلوا حقه أو قصروا فيه حتى جاء المتأخرون فأبانوا هذا النقص وكملوا هذا الحق؟ لا والله، ولن يقول هذا عاقل يعرف حال الصحابة وأتباعهم بإحسان.

وإذا علم أن الاحتفال بيوم المولد النبوي لم يكن موجوداً في عهده - صلى الله عليه وسلم - ، ولا في عهد الصحابة الكرام، ولا في عهد أتباعهم في الصدر الأول، ولا كان معروفاً عندهم، عُلم أن ذلك بدعة محدثة في دين الله لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا الدعوة إليها، بل يجب إنكارها والتحذير منها عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الجمعة: «خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة».

وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

فكل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو رد مردود على صاحبه وعليه النكال وله الويل من الخالق سبحانه، فمن كان عمله خارجاً عن الشرع المطهر وليس متقيداً به فهو مردود ولا يزيد صاحبه إلا بعداً عن الله تعالى، ولا يزيده إلا مقتاً وخساراً، ويذهب ذلك العمل هباء منثوراً لمخالفته الواضحة لدين الله تعالى، والله -جل وعلا- قد تكفل بدينه وحفظه: }إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{ [الحجر: 9].

فمن شرع لأولئك الفئام من الناس هذا الدين الذي ابتدعوه؟ أهو الهوى؟! أم الشيطان؟! أم لهم شركاء وآلهة أخرى غير الله تشرع لهم ديناً غير دين الله تعالى فتحلل وتحرم لهم؟!

قال تعالى: } أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ{ [الشورى: 21]، وقد ختم الله -جل وعلا- هذه الآية بقوله: } وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ فهؤلاء ظلمة، ظلمة لأنفسهم، ظلمة لدينهم، ظلمة لإخوانهم المسلمين الذين يأتون من بعدهم، ويجدون البدع والخرافات، والأهواء والمنكرات, فإن الله جلت قدرته قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً.

فمن أشد الظلم وأقبحه وأشنعه أن يتعدى الإنسان على ربه، بأن يشرع للناس عبادة لم يأذن بها الله -عز وجل- ليحذر أولئك من شديد عقابه، وأليم عذابه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ترك هذه الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد أوضح - صلى الله عليه وسلم - لهذه الأمة قبل موته -عليه الصلاة والسلام- أنه ترك فيها ما إن تمسكت به فلن تضل أبداً، كتاب الله -عز وجل- وسنته - صلى الله عليه وسلم -، فمن أراد أن يزيد في الدين ما ليس منه، فالدين بريء منه وزيادته مردودة عليه، وهو مأزور غير مأجور آثم ببدعته تلك.

قال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عها إلا هالك» [الترمذي وأبو داود والحاكم].

وقال أبو ذر -رضي الله عنه-: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علماً.

وقال العباس -رضي الله عنه-: والله ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً وأحل الحلال وحرم الحرام، ونكح وطلق وحارب وسالم.

ولو تصفحنا كتاب الله -عز وجل- صفحة صفحة وسطراً سطراً، لما وجدنا فيه آية تدل على أنه يُحتفل بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك في السنة لا يوجد حديث ولا أثر صحيح يعتمد عليه يدل على ذلك. فمن أين جاء أولئك الناس بهذا الاحتفال المبتدع في دين الله؟.

فكثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، إنما هو من ترك الاشتغال بأوامر الله وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك ترك اجتناب النواهي، فلو أن من أراد أن يعمل عملاً في الدين سأل العلماء الربانيين، علماء أهل السنة والجماعة، عما شرعه الله في ذلك فامتثله وأطاعه ورضي به وانتهى عما فيه نهي، لوقعت كل الأعمال مقيدة بالكتاب والسنة.

ولكن المصيبة والطامة الكبرى أن العامل يعمل بمقتضى رأيه وهواه، فتقع الحوادث مخالفة لما شرع الله.

فمن امتثل أمر الله تعالى وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واشتغل بذلك عما سواه حصلت له النجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وهواه وانقاد وراء المخططات الصهيونية والنصرانية وغيرها من مخططات أعداء الدين وقع فيما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - من حال أهل الكتاب -اليهود والنصارى- الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم، وابتداعهم في دينهم، فكانوا فريسة وصيداً سهلاً في أيدي المسلمين آنذاك.

فهل نحذو حذوهم؟ نقتفي أثرهم, وهم على الباطل والضلال, والزيغ والانحلال؟ لا,  والله؟ لاينبغي هذا. بل الواجب التمسك بالدين الإسلامي الحنيف, الذي لا نصرة للمسلمين إلا بتمسكهم به, ولا رفعة لهم إلا بتقيدهم به, وأن نترك الابتداع في دين الله –عز وجل-

فأمور الأعياد المخالفة للشرع والاحتفالات المصادمة للدين ليست من شعار المسلمين، بل إن: «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه» [الترمذي وهو حسن] ويبتعد عن الشبهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

فأمر ليس في كتاب الله وليس في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - لا يعنينا الاهتمام به، ولا حتى النظر إليه، ولا التفكير فيه، فمن أراد عمله عليه قبل ذلك أن يسأل أهل العلم عن ذلك، حتى يكون على بصيرة من دينه، قال تعالى: } فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{ [النحل: 43].

والسؤال هنا:

ماذا يحدث في هذا المولد؟

إن غالب هذه الاحتفالات مع كونها بدعة مخالفة للدين فهي لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى، مثل:

1- اختلاط الرجال بالنساء، مما قد يفضي إلى أمور محرمة بين الجنسين، بل إن ذلك يحصل غالباً في هذه الأعياد المبتدعة المنكرة، وكيف يدعي أولئك حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم يخالفون أمره، فيحصل الاختلاط بين الرجال والنساء؟! وقد حذر عليه الصلاة والسلام من الدخول على النساء غير المحارم حتى إنه قال في الحمو: «الحمو الموت».

فكيف يدعون حبهم واحتفالهم بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم يقدمون في هذه الاحتفال كل ما فيه معصية له - صلى الله عليه وسلم -؟!

فليتب أولئك من هذه الخرافات والخزعبلات قبل أن يحل بهم هادم اللذات، وهم غرقى في الذنوب والشهوات، ثم بعد ذلك لا تنفع الآهات والويلات.

2- ذبح ذبائح في مثل هذا الموالد والأعياد المزيفة، ولا شك ولا ريب أن الذبح لغير الله شرك قال - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله من ذبح لغير الله» [مسلم]، واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله -عز وجل-, وإن الله -عز وجل- قد أمر بأن يكون الذبح له سبحانه، في قوله تعالى: } قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ{ [الأنعام: 162-163].

وقال تعالى: } فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{ [الكوثر: 2] فالذبح لغير الله في الأضرحة والقبور وغيره شرك أكبر من فعل ذلك فهو ملعون لما جاء في الحديث السابق، وحكم هذه الذبائح حكم الميتة ولو ذكر اسم الله عليها، لأنها لم تكن لله -عز وجل.

3- ضرب الدفوف والطبول واستعمال الأغاني والمعازف والله -جل وعلا- قد حرم المعازف والغناء المصحوب معها سواء كان ماجناً أم لا، قال تعالى: }وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ{ [لقمان: 6].

وقد أقسم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- الصحابي المعروف عن المقصود بلهو الحديث، فقال: "والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء". وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» [البخاري].

إنه والله لأمر تأسف له النفوس، وتضيق له القلوب ممن لا ينطبق عملهم على قولهم، بل عملهم يكذب قولهم ولا يصدقه يقولون نحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحتفل بمولده، ثم في ذات الوقت يعصونه ولا يطيعونه ويرتكبون ما نهى عنه. ويتجنبون ما أمر به,  فأي حب هذا؟! وأي اتباع له - صلى الله عليه وسلم - الذي يدعيه أولئك المبتدعة؟!

4- شرب الخمور والمسكرات والدخان والقات، وغير ذلك من المشروبات المحرمة

والله تعالى حذرهم ونهاهم عنها، فقال -جل وعلا-: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ{ [المائدة: 90-91].

      ختم الله -عز وجل- هذه الآيات بالآية الدالة على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن في طاعتهما الفلاح والنجاح، وفي معصيتهما الخسران والحرمان، فقال تعالى: } وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ{ [المائدة: 92].

5- يعتقد من يحتفل بالمولد النبوي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحضر المولد، ولهذا يقومون له محبين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره ولا يخرج إلى يوم القيامة وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال تعالى: } ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ{ [المؤمنون: 15-16].

وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع» [مسلم].

فهذا قول الله تعالى يقول عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -: } إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{ [الزمر: 30].

فلا إله إلا الله -أين عقول أولئك الناس عن قول الله -عز وجل- وقول نبيه - صلى الله عليه وسلم -؟!!

6- ما يحدث في هذه الموالد من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو الغلو فيه والتوسل به أو الغلو في الأولياء، وهذا هو الشرك الأكبر المحبط للأعمال والمدخل للنيران- أعاذنا الله من ذلك -فيحصل فيها دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستعانة والاستغاثة به، أو طلب المدد منه -عليه الصلاة والسلام-واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يفعلها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره ممن يسمونها بالأولياء.

وإن الله تعالى قد حرم الدعاء لغيره سبحانه، فالدعاء حق من حقوقه تعالى فلا يصرف إلا الله، قال تعالى: } وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا{ [ الجن : 18 ] وقال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{ [الأعراف: 194].

إلى أصحاب العقول والأفهام هذه الآية التي تبطل كل المزاعم من أن الأموات يسمعون دعاء الغير، هذه الآية قاطعة وجازمة بأن الميت لا يسمع ولا ينفع ولا يضر. قال تعالى: }وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ{ [فاطر: 13-14].

فمن دعا غير الله -عز وجل- بجلب نفع أو دفع ضر أو غير ذلك فقد أشرك بالله شركاً أكبر مخرجاً من الملة، فلا يدعى إلا الله -عز وجل- لأنه سبحانه بيده دفع الضرر وكشفه، وإسباغ النعمة وإفاضة الخير على عباده, وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله.

وقال جل وعلا: }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ{ [الأحقاف: 5-6].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس -رضي الله عنهما-: «إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» [الترمذي].

فلا يسأل الإنسان إلا ربه، ولا يستعين إلا به، فهو سبحانه الذي يستطيع النفع والضرر بيده خزائن كل شيء، لذلك قال تعالى: } وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{ [غافر: 60]، وقال تعالى: }قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا{ [الإسراء: 56].

ولو كان أولئك الأموات يملكون نفعاً أو ضراً لنفعوا أنفسهم لما ماتوا، ولدفعوا عن أنفسهم الموت وما يحصل بهم من ضر، فكيف ينفعون غيرهم أو يضروهم؟!! فعجباً لأولئك الناس الذين تركوا عقولهم سلعًا رخيصة يلعب بها شياطين الإنس والجن، حتى ضلوا عن جادة الصواب، فعبدوا العباد بدلاً من أن يعبدوا رب العباد، واتجهوا إلى عبادة القبور والأضرحة التي لا تنفع ولا تضر، فما هي إلا كومة من تراب ولو قدر الله -عز وجل- وبعث أحد أولئك الأموات، ووجد الناس رجالاً ونساءً جماعات وفرادى يطوفون حول قبره ويتبركون به ويطلبون المدد منه ويذبحون تقرباً إليه، والله لما وسعه إلا أن يدعوهم إلى عبادة الله ولبين لهم أنه إنسان مثلهم لا ينفع ولا يضر وإلا لنفع نفسه قبل ذلك، ولو وجدهم على حالهم هذه لسخر منهم واستهزأ بهم ولتبرأ إلى الله مما يفعلون.

فالله -عز وجل- أنعم عليهم بنعم شتى، فوهبهم العقل والسمع والبصر، ومع ذلك فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، يعرفون الباطل فلا يجتنبونه، ويعرفون الحق فلا يتبعونه، وقد قال لهم ربهم: } وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{ [الذاريات: 56]. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار» [أحمد والبخاري]، وفي رواية مسلم: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار».

وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن تعظيمه، فقال: «لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً» [مسلم وأبو داود وابن ماجة].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [في الصحيحين]. قالت عائشة -رضي الله عنها-: "يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن أن يتخذ مسجداً" وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» [مسلم].

وفي صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».

وروى أهل السنن عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، وذكرت أم سلمة -رضي الله عنها- لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» [البخاري ومسلم].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» [البخاري].

فيحرم الغلو في النبي - صلى الله عليه وسلم - أو التوسل به أو دعاؤه أو طلب المدد منه - صلى الله عليه وسلم - فهو ميت، وقد قال تعالى: }إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ{ [الزمر: 30]. قال تعالى: }وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ{ [الأنبياء :34] فإذا كان هذا يحرم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغيره من باب أولى، لأنهم لا ينفعون ولا يضرون فيحرم الطواف حول قبور أولئك الأموات ويحرم الذبح عندها أو التقرب لها، أو طلب المدد منها أو التبرك بها والتمسح بها أو غير ذلك من الأمور المحرمة، فكل من فعل ذلك فهو داخل في قوله تعالى: } إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ [النساء: 116]. وقوله تعالى: } وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا{ [الفرقان: 23]، وقوله تعالى: }الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا{ [الكهف: 104]؛ لأنهم خالفوا ما خلقوا من أجله وهو عبادة الله وحده لا شريك له.

فاجتماع الناس لإحياء ليلة المولد وقراءة قصته - صلى الله عليه وسلم - بدعة محدثة منكرة في دين الله عز وجل، ومن أباطيلهم وكذبهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضر هذه المجالس، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد توفي وغسل وكفن وصلى عليه صلاة الجنازة ودفن كغيره، وهو أول من يبعث يوم القيامة من قبره.

ومن البدع المنكرة التي يجب إنكارها، الاحتفال بالنصف من شعبان، وعيد الميلاد، وبلوغ الشخص (21) سنة، وعيد الأم؛ وغير ذلك من البدع التي أحدثها أعداء الله ليشوشوا على المسلمين عقيدتهم ويبعدوهم عن دينهم؛ فيقعوا فريسة لأهواء الأعداء، فأين أفئدتهم وأبصارهم.

 رابعا: ليلة الإسراء والمعراج:

الإسراء والمعراج من معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - التي أعجزت أعداء الله في كل وقت وكل حين، وقد اختلف العلماء – رحمهم الله تعالى – متى كانت، فقيل: إنها ليلة الاثنين الثاني من عشر من ربيع الأول ولم تعين السنة، وقيل: إنها قبل الهجرة بسنة، فتكون في ربيع الأول، ولم تعين الليلة، وقيل: قبل الهجرة بستة عشر شهرا، فتكون في ذي القعدة، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقيل: بست.

والذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة، واختلفوا هل كان الإسراء ببدنه عليه الصلاة والسلام وروحه؟ أم بروحه فقط؟ والذي عليه أكثر العلماء أنه أسرى ببدنه وروحه يقظة لاضاحاً لأن قريش أكبرته وأنكرته، ولو كان مناماً لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات. قال تعالى: } سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ{ [الإسراء: 1].

وماذا حدث في الإسراء والمعراج؟

ذكر ابن كثير في تفسيره لسورة الإسراء، عند قوله تعالى: }سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{ [الإسراء: 1]، يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره ولا رب سواه }الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ{ يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - }لَيْلًا{ أي من الليل }مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ{ وهو مسجد مكة }إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى{ وهو بيت المقدس الذي بالقدس مسرى الأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام، ولهذا جمعوا له هناك فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: }الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ{ أي الزروع والثمار }لِنُرِيَهُ{ أي محمدا }مِنْ آَيَاتِنَا{ أي العظام، كما قال تعالى : }لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى{ [النجم: 18].

وذكر البخاري -رحمه الله- في صحيحه حديث المعراج، قال: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثهم ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم- وربما قال في الحجر- مضطجعاً، إذ أتاني آت فقد- قال: وسمعته يقول: فشق- ما بين هذه إلى هذه» فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما بعيني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته- وسمعته يقول من قصته إلى شعرته- «فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إياناً، ففُل قلبي، ثم حُشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحلمت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به. فنعم المجيء جاء، ففتح: فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح: ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال جبريل:، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل مرحباً به، فنعم المجيء جاء . ففتح. فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت، فردا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد إلى السماء الثالثة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد إلى السماء الرابعة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء،ففتح. فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فالتفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء ففتح. فلما خلصت فإذا موسى. قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى، قيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء. ففتح. فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحباً بالابن الصالح، والنبي الصالح. ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أتيت عليها وأمتك. ثم فرضت عليَّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم. فرجعت فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قالت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت، فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله. فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال مثله. فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات، فرجعت فقال مثله. فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قلت: سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي». كان ذلك هو حديث الإسراء والمعراج، وكان قبل الهجرة وبعد البعثة النبوية للنبي ، ومن قبل الهجرة إلى وفاته- صلى الله عليه وسلم -لم يحتفل مطلقًا بليلة الإسراء والمعراج, ولم يأمر به من بعده من الخلفاء ولم يحتفل الخلفاء الراشدون وممن بعدهم بتلك الليلة، وهم خير القرون على الإطلاق – فلا إله إلاَّ الله – كيف ابتدع الناس اليوم بدعةً عجيبةً في دين الله؟ كيف سمح أناسٌ لأنفسهم بأن يُشرِّعوا في دين الله ما لم يأذن به الله؟!.. فتحوا على المسلمين أبوابًا للشرِّ كانت مغلقةً؛ فهم به كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشَّر، وإنَّ من الناس مفاتيح للشَّر، مغاليق للخير؛ فطوبى لمن جعل الله مفاتيح للخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشَّر على يديه». (السلسلة الصحيحة).

  فمن شرع للناس زيادة في الدين، أو سنَّ لهم سنة سيئة أو دعاهم إلى ضلالة فهو آثم وله الويل بإذن الله تعالى، وعليه وزر هذه الضلالة والبدعة إلى يوم القيامة ويحمل من خطايا أولئك الناس الذين دعاهم وأضلهم إلى تلك الضلالات والخرافات والاحتفالات الوهمية التي لا يقرها دين ولا عقل.

والليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها في شهر معين، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، وكل ما ورد في تعيينها غير ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولله الحكمة البالغة في أن ينسى الناس هذه الليلة.

ثم لو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم- لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأمة، إما بالقول أو بالفعل أو بالإقرار، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة -رضي الله عنهم- إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير, فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أنصح الناس، وقد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة، ويباعد عن النار إلا بينه للأمة. كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» [مسلم]. وقال تعالى: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا{ [الأحزاب: 21].

وقال تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [التوبة: 100].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها  من دين الله لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك، علم أن الاحتفال بهذه الليلة -ليلة الإسراء والمعراج- وتعظيمها ليس من الإسلام في شيء، فهي بدعة منكرة في دين الله -عز وجل-، ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يأذن بها الله تعالى، فقد أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة على عباده } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ{ [المائدة: 3].

وقال تعالى: } أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [الشورى: 21].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [متفق عليه]، وقال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [مسلم].

وفي صحيح مسلم، قال - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الجمعة: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وزاد النسائي بسند جيد: "وكل ضلالة في النار".

وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أنه قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» [أحمد وغيره].

فلقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والسلف الصالح التحذير من البدع، والترهيب منها، وذلك لأنها زيادةٌ في دين الله عزَّ وجلّ، وفي البدع تشبُّهٌ بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم وابتداعهم في دينهم وزيادةً لم يأذن بها الله، ففي ذلك من الفساد العظيم والمنكر الشنيع ما لا يعلم به إلاَّ الله، وفي تلك البدع والاحتفالات مصادمةٌ لكتاب الله وسُنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

* * *


 الخاتمــة

وعمومًا فحقوقه عليه الصلاة والسلام كثيرة، وهي من حقِّه صلَّى الله عليه وسلَّم على أمَّته لأنه سببٌ في إخراج هذه الأمَّة من الظلمات إلى النور بإذن ربِّه سبحانه، فكان أدنى ما أن يكافئ به هو كثرة الصلاة عليه، فعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

فنبينا - صلى الله عليه وسلم - أولى بنا من أنفسنا ووالدينا، وأرحم بنا وأشفق من جميع الخلق، ولم يصل إلينا من الهدى والعلم والخير شيء إلا على يديه.

هو الذي وجدنا ضالين فهدانا الله به، وأشقياء فاستنقذنا الله به، ووجدنا موجهين وجوهنا إلى كل كفر وفسق وضلال وعصيان فوجهنا الله به إلى كل خير وطاعة وإيمان، ما علم من خير إلا دلنا عليه ولا شر إلا حذرنا منه، فله علينا أن نعلم أنه رسول الله حقاً، وأنه خاتم النبيين، لا نبي بعده.

وأنه أرسل رسالة عامة إلى الإنس والجن على اختلاف مللهم ونحلهم، وأرسل إلينا ليبين لنا أصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه، لإصلاح العقائد والأخلاق والأعمال لما في ذلك من صلاح الدين والدنيا بإذن الله تعالى:

ومن حقه أن نعلم أنه أعلم الخلق وأصدقهم وأنصحهم وأعظمهم بياناً وأعرفهم بما يصلح الخلق على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم، فعلينا أن نؤمن به كما نؤمن بالله -عز وجل-ونطيعه كما نطيع الله تعالى ونقدم محبته على أنفسنا ووالدينا والناس أجمعين.

وعلينا أن نتبعه في كل شيء ولا نقدم على هديه وقوله قول أحد ولا هديه كائناً من كان، وعلينا أن نوقره ونعظمه وننصره وننصر دينه بأنفسنا وأموالنا وألسنتنا وبكل ما نقدر عليه وذلك كله من أعظم منن الله علينا.

ونؤمن بأن الله جمع له من الفضائل والخصائص والكمالات ما لم يجمعه لأحد غيره من الأولين والآخرين فهو أعلى الخلق مقاماً وأعظمهم جاهاً وأقربهم وسيلة، وأجلهم وأكملهم في كل فضيلة.

ما علم - صلى الله عليه وسلم - من خير إلا ودل أمته عليه، وما علم من شر إلا وحذرها منه، فصلى الله عليه وسلم تسليماً مديداً إلى يوم الدين وعلى آله وصحابته الغر الميامين.

أسأل الله أن يوفق جميع المسلمين لما فيه خير هذا الدين، وأن يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وأن يقينا جميعا البدع الظاهرة والباطنة وسوء الفتن، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصيهم للبر والتقوى وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين إنه سميع مجيب.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

بقلم

يحيى بن موسى الزهراني

إمام الجامع الكبير بتبوك