حكم زيارة آثار الصالحين

عبد الله بن عبد الرحمن السعد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد:

فإن الشارع الحكيم سَدَّ جميعَ طُرُق الشِّرك وحرَّم وسائلَه وأغلق أبوابَه؛ تحقيقًا للتوحيد وحمايةً لجنابه.

قال الله تعالى: }قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ{ [سبأ: 22، 23].

قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعيُّ تعليقًا على هذه الآية: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعًا قطعًا يَعْلَمُ من تأمَّله وعرفه أنَّ مَن اتَّخذ من دون الله وليًا فمثله كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت؛ فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من  النفع، والنفع لا يكون إلا ممَّن يكون فيه خصلة من هذه الأربع:

إما مالك لما يريد عابده منه.

فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك.

فإن لم يكن شريكًا له، كان معينًا له وظهيرًا.

فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.

فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا، منتقلاً من الأعلى إلى ما دونه؛ فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه.. اهـ.

كما بَيَّن ربُّنا - عز وجل - في هذه الآية الكريمة أنَّه لا يُدْعَى إلا هو - سبحانه وتعالى - في كشف الكربات، وإغاثة اللهفات، وإزالة الملمات، وإجابة الحاجات؛ من دخول الجنات، والإعاذة من النار وشفاء الأمراض، ورزق الأولاد.

كما قال تعالى: }وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ{ [يونس: 106-108].

وقال تعالى: }ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون{ [ القصص: 88].

وقال تعالى: }هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{ [غافر: 65، 66].

وقال علامة العراق علي السويدي الهاشمي البغدادي - رحمه الله تعالى - في كتابه «العقد الثمين»: (ومَنْ تأمَّل بعين الاستبصار في الشفاعة المنفية أولاً علم أن المقصود بنفي الشفاعة نفي الشرك؛ وهو أن لا يعبد إلا الله والدعاء عبادة كما ورد، وقال - سبحانه: }فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا{ [الجن: 18]، ولا يسأل غيره ولا يتوكَّل عليه لا في شفاعة ولا في غيرها؛ فكما أنه ليس للمؤمن أن يتوكَّل على أحد في أن يرزقه، وإن كان الله تعالى يأتيه برزقه بأسباب، كذلك ليس له أن يتوكَّل على غير الله تعالى في أن يغفر له ويرحمه في الآخرة بشفاعة وغيرها مما لم يأذن الله سبحانه به؛ إذ لا فرق بينهما؛ فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقًا كما قال تعالى: }لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{ [الأنعام: 51] - ما كان فيها شرك، وتلك منفيَّةٌ مطلقًا، والشفاعة المثبتة ما تكون بعد الإذن يوم القيامة، ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى؛ فهذه الشفاعة من التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد؛ فمن كان موحدًا مخلصًا قطع رجاءه عن غير الله تعالى، ولم يجعل وليًا ولا شفيعًا من دون الله سبحانه.

إذا تبيَّن هذا فالمشركون قد كانت عبادتهم لآلهتهم هذا الالتجاء والرجاء والدعاء لأجل الشفاعة؛ معتقدين أنها المقرِّبة لهم؛ فبسبب هذا الاعتقاد والالتجاء أريقت دماؤهم واستبيحت أموالهم، وقد أُرسل صلى الله عليه وسلم - بل جميع الرسل - بكلمة التوحيد ليعدلهم عمَّا هم عليه من الضلالات، وأوجب عليهم إفرادَ الحقِّ - سبحانه - بألوهيته التي من أعظم خواصها هذا الالتجاء والرجاء، وألَّا يجعلوا الألوهيةَ لغيره، وقد تعبَّدهم الله - تعالى - باعتقاد هذا التوحيد والعمل بمقتضى الشهادة المشتملة على التجريد والتفريد؛ واللذان هما حقيقة التوحيد؛ فهذا الالتجاء بطلب الشفاعة ورجائها عبادة لا تصلح إلا له - عز وجل؛ وإنها من صرف حقوقه تعالى ومن الشرك اهـ.

وقال ابنه الشيخ محمد الأمين السويديُّ - رحمه الله تعالى: ولا يجوز ذلك إلا من جهل آثار الرِّسالة، ولهذا عمَّت الاستغاثةَ بالأموات عند نزول الكربات، يسألونهم ويتضرَّعون إليهم؛ فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في ربِّ السموات. اهـ.

وقال العلامة محمود أفندي الألوسي صاحب "روح المعاني" في تفسير قوله تعالى: }وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ{ [الزمر: 45]: وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصِّفة التي وصف الله تعالى بها المشركين يمشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظِّمون مَنْ يَحْكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه - عز وجل - وسَرْد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي: يا فلان أغثني. فقلت له: قل: يا لله. فقد قال سبحانه: }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ{ [البقرة: 186]؛ فغضب، وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء.

وسمعت على بعضهم أنه قال: الوليُّ أسرع إجابةً من الله - عز وجل! وهذا من الكفر بمكان؛ نسأل الله – تعالى - أن يعصمنا من الزَّيْغ والطُّغيان.

وقال ابنه العلامة نعمان بن محمود الألوسي - رحمه الله تعالى - في "جلاء العينين" (ص 448): وقال المانعون ([1]):

وهل سمعتم أنَّ أحدًا في زمانه - صلى الله عليه وسلم - ممَّن بعده في القرون الثلاثة المشهود لأهلها بالنَّجاة والصِّدق - وهم أعلم منا بهذه المطالب، وأحرص على نيل مثل تيك الرغائب - استغاث بمن يُزيل كربتَه التي لا يقدر على إزالتها إلا الله - سبحانه، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه؛ لقد جرت عليهم أمور مهمة وشدائد مدلهمة في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، فهل سمعت عن أحد منهم أنه استغاث بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم! أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله! أم بلغك أنهم لاذوا بقبره الشريف، وهو سيد القبور، حين ضاقت منهم الصدور! كلا لا يمكن لهم ذلك، وإن الذي كان بعكس ما هناك؛ فلقد أثنى الله – تعالى - عليه ورضي عليهم ورضي عنهم، فقال - عز وجل من قائل: }إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ{ [الأنفال: 9]؛ مبيِّنًا لنا – سبحانه - أنَّ هذه الاستغاثة هي أخصُّ الدعاء وأجلى أحوال الالتجاء؛ ففي استغاثة المضطرِّ بغيره – تعالى - عند كربته تعطيلٌ لتوحيد معاملته الخاصة به. اهـ.

وقال العالم الجليلُ محمود شكري - رحمه الله تعالى - حفيد صاحب "روح المعاني" في "غاية الأماني" (1/256): فتبيَّن مما نقلناه أنَّ الاستغاثة بمخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله – تعالى - ممَّا لا يجوز؛ فإن الاستغاثة دعاء، والدعاء عبادة - بل مخ العبادة - وغيرُ الله – تعالى - لا يُعْبَد؛ بل هو المخصوص بالعبادة.

فإذا أصاب الناس جدب وقحط فلا يقال: يا رسول الله ارفع عنا القحط والجدب. وإذا نزل بالناس بلاء أو وباء فلا يقال: يا رسول الله – أو يا جبريل، أو يا ميكائيل – ارفع عنا البلاء والوباء.

وإذا مرض أحد فلا يقول: يا رسول الله شافني وعافني، ولا غيره.

وإذا احتاج أحد إلى رزق فلا يقول: يا رسول الله ارزقني. ولا غيره، وإذا لم يكن لأحد ولد فلا يجوز له أن يقول: يا رسول الله أعطني ولدًا، وإذا كان في شدَّة في بَرٍّ أو بحر فلا يجوز أن يقول: يا رسول الله أدركني. أو ألتجئ إليك. أو أستغيث بك. أو نحو ذلك.

بل كل ذلك شركٌ مخرجٌ عن الدِّين؛ لأنه عبادةٌ لغير الله؛ ونحن نوضِّح المسألة؛ فقد زَلَّت فيها أقدام؛ فنبيِّن أولاً معنى العبادة ثم نذكر ما هو من خصائص الألوهية، ومن الله نستمدُّ التوفيق.

وقال العلَّامة علي السُّوَيْديُّ - كما في غاية الأماني (2/318):

واعلم بأنك ما خلقت سبهللا

فاعبد إله العرش بالإقبال

واجعل سلاحك دعوة بإنابة

والجأ إلى مولاك غير مبال

واسأله لا تسأم فإنك عبده

فهو الكريم ورب كل نوال

يا رب فاقطع عن فؤادي كل ما

أرجوه إلا منك من آمال

واغسله من درن الظنون فإنه

مرض القلوب وموجب الإعلال

وأرحه من نظر العباد فإنه

أصل الفساد وأفسد الأشغال

وارزقه خشيتك التي تستوجب

الحسنى لدى المقبول من أعمال

يا رب وفقني لما فيه الرضى

فلقد وعدت إجابة التسآل

واختم لنا بالخير عاجله الذي

تبدو حلاوة ذوقه بمآل

قال المفتي محمد فيضي الزَّهاوي البغدادي - رحمه الله تعالى - كما في "المسك الأذفر" (ص249):

لا تدع في حاجة بازًا ولا أسدا([2])

الله ربك لا تشرك به أحدًا

 فصل في أمر الله تعالى لخَلْقه بدعائه

ومن الأدلَّة التي تَدُلُّ على ما قاله هؤلاء العلماء غير ما تقدم ما يلي:

1- قال تعالى: }وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{ [النساء 32].

2- وقال تعالى: }قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ{ [الأعراف 29].

3- وقال تعالى: }ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{ [الأعراف: 55، 56].

4- وقال تعالى: }وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [الأعراف: 180].

5- وقال تعالى: }قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى{ [الإسراء: 110].

6- وقال تعالى: }أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ{ [النمل: 62].

7- وقال تعالى: }فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ{ [غافر 14].

وَوَعَدَ اللهُ تعالى - وَوَعْدُه الحقُّ - مَنْ دعاه بأنَّه يَسْتجيب له، وأخبر – سبحانه - أنه قريبٌ من عباده؛ كما قال تعالى: }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ [البقرة: 186]، وقال – سبحانه : }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{ [غافر: 60].

 فصل في دعاء الأنبياء والرُّسُل لربِّهم دون ما سواه

وقد أخبر الله – تعالى - عن الأنبياء والرُّسُل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - أنَّهم يَدْعون الله – تعالى - ويلجؤون إليه في جميع أمورهم ومختلف حاجاتهم، والواجب علينا التَّأَسِّي بهم:

1- آدم عليه السلام:

قال تعالى عن آدم - عليه السلام - وزَوْجه: }قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ [الأعراف: 23] .

وقد استجاب اللهُ – تعالى - لهما، فقال - عزَّ وجلَّ: }ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى{ [طه: 122].

وقال أيضًا: }فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{ [البقرة: 37].

2- نوح عليه السلام:

وأخبر – سبحانه - عن نوح - عليه السلام - بأنَّه دعاه فقال: }رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا *{ [نوح: 28].

3- إبراهيم عليه السلام:

وقال تعالى عن إبراهيم - عليه السلام: }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ{ [إبراهيم: 35].

وقال - تعالى: }وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{[البقرة: 127، 128].

وقال أيضًا: }رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ{ [الشعراء: 83-87].

4- موسى عليه السلام:

وقال عن موسى - عليه السلام: }قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{ [الأعراف: 151].

وقال أيضًا: }قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى{ [طه: 25-36].

وقال أيضًا: }قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [القصص: 16].

5- أيوب عليه السلام:

وقال عن عبده أيوب - عليه السلام: }وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{ [الأنبياء: 83].

6- ذو النون عليه السلام:

وقال تعالى: }وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{ [الأنبياء: 87].

7- زكريا عليه السلام:

وقال عن زكريا - عليه السلام: }وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{ [الأنبياء: 89].

8- داود عليه السلام:

وقال عن داود - عليه السلام: }وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ{ [ص: 24، 25].

9- سليمان عليه السلام:

وقال - عز وجل - حاكيًا عن سليمان - عليه السلام: }فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ{ [النمل: 19].

10- يعقوب عليه السلام:

وقال تعالى عن يعقوب - عليه السلام: }فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ{ [يوسف: 18].

وأخبر الله - عز وجل - عنه بأنه استعان بربه عز وجل ولجأ إليه؛ كما قال: }قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ{ [يوسف: 86].

وقد قال الله – تعالى - قبل ذلك عنه - عليه السلام: }قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{ [يوسف: 83].

11- يوسف عليه السلام:

وقال - عز وجل - عن يوسف - عليه السلام: }قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ [يوسف: 33، 34].

وقال أيضًا: }رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ{ [يوسف: 101].

 فصل في ذكر دعاء الملائكة وأهل الإيمان والصلاح لله عز وجل دون ما سواه

الملائكة عليهم السلام:

قال - عز وجل - مخبرًا عن الملائكة في دعائهم لربهم تعالى: }الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [غافر: 7، 8].

أهل الإيمان والصَّلاح:

وكذلك أهلُ الإيمان والصلاح يلجؤون إلى الله ويدعونه في غفران ذنوبهم وتفريج كروبهم وقضاء حاجاتهم:

1- كما قال الله – تعالى – عنهم: }آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *{ [البقرة: 285، 286].

2- وقال - تعالى: }رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ{ [آل عمران: 9].

3- وقال تعالى: }فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ{ [آل عمران: 195].

4- وقال تعالى: }إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا{ [الكهف 10].

5- وقال تعالى }إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ{ [المؤمنون: 109].

6- وقال تعالى: }وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا{ [الفرقان: 65].

7- وقال تعالى: }وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا{ [الفرقان: 74].

8- وقال تعالى: }وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ [الأحقاف: 15].

9- وقال تعالى: }وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ [الحشر: 10].

10- وقال تعالى: }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [الممتحنة: 4، 5].

11- وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ [التحريم: 8].

12- بل هذا ما علَّمَناه إيَّاه ربُّنا - عز وجل ؛ أن ندعوه وحدَه لا شريك له، وبَيَّنَ لنا ذلك في كتابه فقال في أعظم سورة في القرآن الكريم وهي سورة الفاتحة: }إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ *{ [الفاتحة: 5-7].

13- وقال لنبيِّه - عليه الصَّلاة والسَّلام: }وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا{ [الإسراء: 80].

14-  وقال أيضًا: }فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا{ [طه: 114].

15- وقال له أيضاً: }وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *{ [المؤمنون: 97، 98].

16- وقال تعالى: }قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *{ [الفلق: 1-5].

17- وقال تعالى: }قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *{. [الناس: 1-6].

18- وقد أمرنا الله - عز وجل - بالدُّعاء للوالدين، وبَيَّنَ أنَّ هذا من البرِّ بهما والإحسان إليهما فقال: }وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{ [الإسراء: 24].

 فصل في عدم سماع الأموات والغائبين لدعاء مَنْ يدعوهم

ثم يقال لهؤلاء الذين يدعون المخلوقين من دون الله تعالى: إن الذين تدعونهم لا يسمعون دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم.

قال تعالى: }أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ{ [الأعراف: 191-198].

قال العلامة نعمان الألوسيُّ في كتابه "الآيات البيِّنات في عدم سماع الأموات" (ص49، 50):

 "الحمد لله محيي الأموات، ومعيد الرُّفات، و مجازيهم على المعاصي، ومثيبهم على الطاعات، والسامع من الداعين خفيَّ الأصوات، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرضين والسموات، والصَّلاة والسَّلام على مَنْ كان تكليم الجماد له إحدى المعجزات، وعلى آله وصحبه أصحاب الكرامات الباهرات.

أما بعد: فإني في شهر رمضان عام خمس وثلاث مائة وألف من هجرة من أنزل عليه القرآن تفصيلاً لكل شيء وتبيانًا ذكرتُ في مجلس درسي العام، ما قالته الأئمة الأحناف الأعلام في كتبهم الفقهية، وأحكامهم الشرعية؛ من عدم سماع الموتى كلامَ الأحياء، وأنَّ مَنْ حَلَف لا يكلِّم زيدًا فكلَّمه وهو ميت لا يحنث؛ وعليه فتوى العلماء.

فأشاع بعض مَن انتسب إلى العلم من غير إدراك لما حرَّروه ولا فهم أن هذا العزو غير صحيح، وأنه قول منكر مغايرٌ للشَّرع الرجيح، وأنه لم يعتقد ذلك أحد من أصحاب الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد!

فاتَّبعه كلُّ ناعق من أفراد الجهلة والعوام والمرجفون في مدينة السلام، فأحببت للنصيحة في الدين، ولتبيان ما أتى في الكتاب المبين، وتعليم إخواني المسلمين، أن أجمع في هذه الرسالة أقوال أصحابنا الأحناف، وما قاله غيرهم من الأئمة والفقهاء الأشراف، وأن أحرر ما قالوه وأنقل من كتبهم ما سطروه بعباراتهم المفصَّلة، ونصوصهم المطولة، وأدلتهم المحبرة، وأجوبتهم المحررة؛ ليتضح للعامَّة ما جهلوه، ويظهر للمعاندين صواب ما أخطؤوه، ورتبتها على ثلاثة فصول وخاتمة جامعة إن شاء الله تعالى للمعقول، والمنقول، وللنزاع حاسمة، وسميتُها: "الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السَّادات"، والله – سبحانه - المسؤول أن يوفِّقنا للصواب ويرزقنا استماع الحق واتباعه في المبدأ والمآب، آمين. اهـ.

ثم إن المدعوين من دون الله تعالى في يوم القيامة يتبرؤون ممن دعاهم: قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن التَّميمي في كتابه "تحفة الطالب" ([3]): (واعلم أن دعاء الأموات والغائبين ليس بسبب لما يقصده المشرك ويريده؛ بل هو سبب لنقيض قصده وحرمانه وهلاكه في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: }يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ{ [الحج: 12، 13].

لأنه في الحقيقة إنما عَبَدَ الشيطان ودعاه وأطاعه فيما أمر به، ولذلك تتبرأ الملائكةُ والصالحون ممن دعاهم وصرف لهم شيئًا من العبادة، وأيضًا فليس كل سبب يباح؛ بل من الأسباب ما هو محرَّمٌ وما هو كفر، كالسِّحر والتَّكَهُّن.


 فصل في حكم تتبُّع آثار الصَّالحين

ومن وسائل الشِّرك التي سَدَّها الشَّارع تتبُّع ([4]) آثار الصالحين وتقديسها بالصَّلاة فيها، والدعاء عندها، والتمسُّح بها؛ فقد حَذَّرَ الرسولُ الكريمُ صلى الله عليه وسلم من هذا الفعل غايةَ التحذير، وأنكر على من فعل هذا أشدَّ الإنكار؛ فقد أخرج البخاريُّ (427) ومسلم (528) كلاهما من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ أمَّ حبيبة وأمَّ سلمة ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات بنوا على قَبْره مسجدًا، وصَوَّروا فيه تلك الصُّوَر؛ فأولئك شرارُ الخلق عند الله يوم القيامة».

وأخرج البخاريُّ (437) ومسلم (530) كلاهما من طريق ابن شهاب  عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة أنَّ رسول اللهَ صلى الله عليه وسلم قال : «قاتل اللهُ اليهودَ والنَّصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد».

واتِّخاذُها مساجد يكون بالصَّلاة عندها أو بناء المساجد عليها؛ فهذا فيمن فعل هذا بقبور الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يكون من شرار الخلق ويكون ممن قال عنه الله والعياذ بالله؛ فقبور غيرهم من باب أولى.

وأخرج مسلم (532) من طريق عمرو بن مرَّة عن عبد الله بن الحارث النجرانيّ قال: حدَّثَني جندب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إنني أَبْرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ فإنَّ الله – تعالى - قد اتَّخَذَني خليلاً كما اتَّخَذ إبراهيم خليلاً، ولو كنتُ متَّخذًا من أمتي خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلا، ألا وإنَّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تَتَّخذوا القبورَ مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».

في هذا الحديث حذَّر - عليه الصلاة والسلام - من هذا الفعل قبل موته بخمس أيام؛ بل وحَذَّر منه - عليه الصلاة والسلام - وهو في سياق الموت؛ كما أخرج البخاريُّ (435) (436) ومسلم (531) كلاهما من حديث الزُّهْريِّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنَّ عائشةَ وعبدَ الله بن عبَّاس قالا: لمَّا نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يَطْرح خميصةً له على وَجْهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يَحْذَر ما صنعوا.

وقد سار على هذا النَّهْج القويم والمسلك المستقيم خلفاؤه من بعده - رضي الله عنهم ؛ فقد أخرج ابنُ وضَّاح في "البدع" (ص 41) من حديث الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا حُجَّاجًا مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجدٌ فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: أيُّها الناس إنَّما هلك من كان قبلكم باتِّباعهم مثل هذا حتى أَحْدثوا بيعًا؛ فمن عرضت له فيه صلاةٌ فليصلِّ، ومن لم تعرض له فيه صلاةٌ فَلْيَمْض ([5]) .

وفي رواية أخرى أخرجها ابنُ وضَّاح (ص 41) أنَّه - رضي الله عنه - عندما صلَّى الغداةَ رأى الناس يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم يأتون يصلون فيه. فقال: «إنَّما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتَّبعون آثارَ أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعًا؛ من أدركته الصلاة في هذا المسجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها».

فقد أنكر أميرُ المؤمنين عمر - رضي الله عنه - هذا الفعلَ؛ وهو التَّبَرُّكُ بالأماكن التي صَلَّى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبَيَّنَ أنَّه بسبب هذا الفعل هَلَكَت الأمم السابقة.

وقد أمر عمر - رضي الله عنه - بقطع الشَّجرة التي زُعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع تحتها الناس ([6]) مع أنَّ اللهَ تعالى أنسى صحابةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانَ هذه الشَّجرة التي بايعوا عندها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رحمةً بهم وبمن أتى من بعدهم؛ فقد أخرج البخاريُّ (2958) في "صحيحه" من حديث نافع عن ابن عمر قال: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منَّا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها؛ كانت رحمةً من الله.

وأخرج البخاريُّ (4163) ومسلم (1859) من حديث سعيد بن المسيَّب قال: حدَّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشَّجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إنَّ أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم!! فأنتم أعلم!!

قال أبو الفضل ابن حجر في "الفتح" (6/118) تعليقًا على هذا الحديث: "وبيانُ الحكمة في ذلك؛ وهو أن لا يحصل بها افتتانٌ لما وقع تحتها من الخير؛ فلو بقيت لَمَا أمن تعظيم بعض الجهَّال لها، حتى ربَّما أفضى بهم إلى اعتقاد أنَّ لها قوةَ نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: «كانت رحمةً من الله». أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمةً من الله تعالى.اهـ.

قلت: ومع ما تقدَّم من كَوْن الصَّحابة أنسوا مكانها ولم يعرفوه، حتى جاء من بعدهم مَنْ زَعَمَ أنَّه يَعْرف مكانَها؛ كما وقع ذلك في عهد عمر - رضي الله عنه ؛ فعندئذ أَمَرَ عمر - رضي الله عنه - بقطع هذه الشجرة التي يزعم أنها بويع تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بَعْدَ عَهْد عمر جاء مَنْ يَزْعم معرفتَه بهذه الشَّجرة؛ فقد أخرج البخاريُّ (4163) في صحيحه من حديث طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يُصَلُّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعةَ الرُّضوان.

قلت: وهذا بعد عهد عمر؛ لأن طارق بن عبد الرحمن من صغار التابعين، ومن كان مثله لم يدرك عهد عمر - رضي الله عنه، وإما ولد بعد عهد عمر - رضي الله عنه.

وقد سار السَّلَفُ الصَّالح على هذا النَّهْج؛ فقد كانوا لا يأتون إلى مثل هذه الأماكن؛ بل وينكرون على مَنْ فَعَلَه.

قال أبو عبد الله ابن وضَّاح القرطبيُّ في كتابه" البدع" (ص43): وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قباء وأحدًا.

قال ابن وضَّاح: وسمعتُهم يذكرون أنَّ سفيانَ الثَّوريَّ دخل مسجدَ بيت المقدس فصلَّى ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيرُه أيضًا ممن يُقْتَدَى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان.

قال ابن وضاح: فعليكم بالاتِّباع لأئمة الهدى المعروفين؛ فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى؟! ومتحبب إليه بما يبغضه عليه؟! ومتقرب إليه بما يبعده منه؟! وكل بدعة عليها زينة وبهجة. اهـ.

وهذا الذي ذكره ابنُ وضَّاح أمرٌ معلومٌ وظاهرٌ، ولذلك قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم: (وهذا ممَّا علم بالتَّواتُر والضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه أمر بعمارة المساجد والصَّلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد؛ لا على قبر نبيٍّ، ولا غير قبر نبيٍّ، ولا على مقام نبيٍّ، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام؛ لا الحجاز، ولا الشَّام، ولا اليمن، ولا العراق، ولا خراسان، ولا مصر، ولا المغرب - مسجدٌ مبنيٌّ على قبر، ولا مشهد يُقْصد للزيارة أصلا، ولم يكن أحدٌ من السَّلَف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصَّحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من الأنبياء؛ وإنما كانوا يُصَلُّون ويسلِّمون على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه. اهـ من "اقتضاء الصراط (ص 753).

فتبيَّن مما تقدَّم أنَّ تتبُّعَ آثار الأولياء والصَّالحين المكانيَّة من البدع الشَّيْطانيَّة، ومن طريق اليهود والنَّصارى وغيرهم من أهل الجاهلية.

وقد أخرج معمر في جامعه المطبوع مع مصنف عبد الرزاق (20763) عن الزُّهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد اللَّيْثيِّ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلنا: أي رسول الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط. وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، هذه كما قالت بنو إسرائيل لموسى». }اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ{؛ إنَّكم تركبون سنن الذين من قبلكم.

وأخرجه ابن إسحاق في "السيرة" كما في "سيرة ابن هشام" (4/70) وأبو داود الطَّيالسيُّ (1346) والحميدي (848) وأحمد (5/218) والترمذي (2180) وغيرهم من طريق الزهري به، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.

وأخرج البخاريُّ في صحيحه (4859) من طريق أبي الأشهب عن أبي الجوزاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: }اللَّاتَ وَالْعُزَّى{، قال: كان اللَّاتُ رجلاً يلتُّ سويق الحاج.

وأخرجه ابن أبي حاتم كما في "الفتح" (8/612) من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء به، ولفظه: "كان يلتُّ السَّويق على الحجر، فما يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه".

فهذا الفعل - وهو العكوف عند قبور الأولياء والصالحين، والتبرك بالأحجار والأشجار - طريقة أهل الجاهلية، ومن تَشَبَّهَ بقوم فهو منهم.

قال أبو بكر الطرطوشي في كتابه "الحوادث والبدع" (38) بعد أن ذكر حديث أبي واقد اللَّيثيِّ السابق: "فانظروا - رحمكم الله - أيضا أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظِّمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذاتُ أنواط فاقطعوها. اهـ.

وقال عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (24): "ولقد أعجبني ما صنعه الشيخُ أبو إسحاق الجبيناني - رحمه الله تعالى - أحد الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة؛ حكى عنه صاحبُه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدّب أنَّه كان إلى جانبه عينٌ تسمَّى (عين العافية)، كانت العامَّةُ قد افتُتنوا بها، يأتونها من الآفاق؛ مَنْ تَعَذَّر عليها نكاح أو ولد قالت: امضوا بي إلى العافية. فتعرف بها الفتنة.

قال أبو عبد الله: فإنَّا في السحر ذات ليلة إذ سمعتُ أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدتُه قد هدمها وأذن الصبح فيها، ثم قال: اللهم إني هدمتُها لك فلا ترفع لها رأسًا. قال: فما رفع لها رأسًا إلى الآن. اهـ.

وقال السُّويديُّ - كما في غاية الأماني (1/368-370): ومن أعظم البدع الغُلُوُّ في تعظيم القبور، فلقد اتَّخذوها في هذا الزمان معابد يعتقدون أنَّ الصلاةَ عندها أفضلُ من الصَّلاة في جميع بيوت الله، وهم وإن لم يصرِّحوا ولكن طبعت قلوبهم على ذلك فتراهم يقصدونها من الأماكن البعيدة، وربما أن تكون بحذائهم مساجد مهجورة فيعطِّلونها، وإذا لحقوا على الصلاة فيها - ولو في أوقات الكراهة - كانت أفضلَ عندهم من الصَّلاة في الأوقات الفضيلة في المساجد، وتلك المساجد التي بحذاء القبور ليست مقصودة لكونها بيوتًا لله؛ بل لكونها حضرات لمن انتسبت إليه من أهل تلك القبور؛ يدلُّك على ذلك كلِّه أنَّهم لا يُسَمُّونها إلا حضرات؛ فإذا قلت لأحدهم: أين صَلَّيْتَ؟ قال لك: صَلَّيْتُ في حضرة الشيخ فلان. وليس مقصودُهم به إلَّا التَّقَرُّب به وبحضرته.

وكلما أكثر الرجلُ التّرداد إلى القبور - ولو كانت مشتملة على أنواع المنكرات من ستور الحرير والديباج والترصيع بالفضة والعقيان فضلاً عن غيرها - كان مشهورًا بين النَّاس بالدِّيانات مغفورَ الزَّلَّات، مقرَّبًا عند أصحاب تلك الحضرات.

ولقد امتلأت قلوبُ العوامِّ من رجائهم ومخافتهم؛ فتراهم إذا عضلت عليهم الأمور أوصى بعضهم بعضًا بقصد أصحاب القبور، وكذلك إذا وقع على أحد يمين بالله حلف به من غير أدنى وَجَل أو حَذَر، وإذا قيل له: احلف بفلان عند قبره. خصوصًا إذا أمره بالغسل لهذا اليمين؛ ليكون ذلك من أَقْوَى العبادات - خاف خوفًا يظهر على جميع جوارحه.

فلو سَلَّمْنا أنَّه أدخل إلى قبره ارتعدت فرائصه وانحلَّت قواه، وربما أن أحدهم لكثرة أوهامه وشدَّة خوفه تَبْطُلُ حواسُّه فيزدادون كفرًا، وتضحك عليهم الشياطين جهرًا، وترى كثيرًا منهم يُعَلِّقون مرضاهم عليهم؛ فيأخذون المريض وهو في غاية شدَّته فيدخلونه على قبره، والسَّعيد عندهم مَنْ يُدْخلونه داخل شباكه، ويتعلق بستر قبره، والرَّزيَّةُ العظمى أنَّهم في حالتي السَّرَّاء والضَّرَّاء يتلاعب إبليس بهم؛ فإن مات مريضُهم قالوا: ما قَبلنا الشيخ فلان - يعنون به صاحب القبر - وإن صادف القدر فعوفي - سيما إذا وافق مطلوبهم ذلك الوقت - فرحوا بما عندهم من الكفر، فأرسلوا القرابين، ومعها شموع العسل موقدة من بيوتهم؛ إظهارًا لقدر صاحب القبر وتنبيهًا على فضيلته.

 وكثيرًا ما يَنْشرون الرَّايات له على طريقة أهل الجهل من الأعراب؛ أن من فعل شيئًا عظيمًا نشرت له راية بيضاء، وقد رأيت من لم يفعل ذلك، ولكنه ينصب راية بيضاء على سطح داره ثلاثة أيام يصيح كل يوم وقت المغرب بأعلى صوته: الراية البيضاء المبنية لفلان - بيَّضَ الله وجهه.

قال: (وبالجملة فَأَكْثَرُ البدع الخبيثة نشأت من هنالك، حتى أنِّي رأيت بدمشق الشام أناسًا ينذرون للشيخ عبد القادر الجيليِّ قنديلاً يُعَلِّقونه في رؤوس المنابر، ويَسْتَقْبلون به جهةَ بغداد، ويبقى موقدًا إلى الصباح؛ وهم يعتقدون أنَّ ذلك من أَتَمِّ القُرُبات إليه؛ كأنهم يقولون بلسان حالهم: أينما توقدوا فَثَمَّ عبد القادر.

فيا لله العجب! ما هذه الخرافات؟! وأين دين الله الذي قد مات بالُ الشَّيْطان في عقولهم وأضلَّهم عن سبيلهم، ولا ترى أحدًا ينهى وينكر أمثال ذلك.

وأعظم ما هنالك ومن أقبح المنكرات: ما يستعملها جميع الناس عند وضع الإناث؛ ولا سيَّما في شدَّة الطَّلْق؛ فإنَّهنَّ يستغثن بعليِّ بن أبي طالب، وكلما اشتدَّ الطَّلقُ صاحت النِّساء بأعلى أصواتهن داعيات ومستغيثات به ليفرِّجَ عنهنَّ ما قد كربهنَّ؛ من يسمعهنَّ يتيقَّنُ إشراكَهنَّ، وقَلَّما تَسْلَمُ امرأةٌ منهن في هذا الحال العظيم والخطب الجسيم، وكثيرٌ منهنَّ يزعمنَ أنَّه الموكَّلُ بالأرحام، والموكَّل إليه في هذه الأحوال العظام.

ومن البدع المنكرة أن كثيرًا من أهل الهند وأهل الأماكن القاصية يرسلون الهدايا العظيمةَ والأموالَ الكثيرةَ؛ إما لإجراء القنوات لأجل المجاورين عند قبورهم؛ فإنهم عندهم أفضل خلق الله، ومن جاور عندهم فكأنَّما ابتاع منهم قطعةً من الجنان، وإما لعمل قبابهم بصفائح الذَّهب والعقيان، وبعضُهم يرسلُ هدايا عظيمةً ليرسَل له السَّدَنةُ أعلامًا ينشرونها على فلكهم إذا وقعوا في شدَّتهم، فيكون اسمُه المكتوبُ في تلك الأعلام المرسلة إليهم كشَّافًا لكربتهم نفَّاعًا لهم بإنجاح بُغْيَتهم.

قال: (وأكثرُ نساء بغداد إذا قُمْنَ صحيحات من وَضْعهنَّ يَخْبزنَ خُبْزًا يسمينه "عبَّاس المستعجل" يزعمن أنَّ العباسَ بنَ عليّ بن أبي طالب هو المتكفِّل بهذه الأمور العظام.

ومن ذلك عند الناس شيء كثير من أحجار وآبار وصخور وأشجار يزعمون منها شفاء الأمراض وقضاء الحاجات وتفريج الكُرُبات، ولو بسطتَ الكلام في ذلك مما يَسْتعمله الرجال والنِّساء أو يختصُّ بالنِّساء من أشياء يُعَلِّقْنَها عليهنَّ، ويبيّن خواصَّها وتأثيراتها في أزواجهنَّ، ويسمِّينها بأسماء لو رجعت الجاهلية الأولى لعجزت عن أقلِّ القليل من هذه الجهالات وسوء الاعتقادات - لاحتمل مجلدات، والويل كل الويل لمن أنكر ذلك، أو كلَّم بأدنى شيء ينجي من  تلكم المهالك. (اهـ).

قلتُ: ويؤيِّد ما قاله العلامةُ السُّويديُّ - رحمه الله تعالى - ما قاله الأديب مصطفى المنفلوطيُّ في كتابه "النَّظَرات" (2/65) بعنوان:

 دمعة على الإسلام

كتب إليَّ أحدُ علماء الهند كتابًا يقول فيه أنَّه اطَّلَعَ على مؤلَّف ظهر حديثًا بلغة "التاميل" وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدارس، موضوعه "تاريخ حياة السَّيِّد عبد القادر الجيلاني" وذكر مناقبَه وكراماته، فرأى فيه من الصِّفات والألقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقَّبه بها صفات وألقابًا هي بمقام الألوهية أليق منها بمقام النُّبوَّة؛ فضلاً عن مقام الولاية؛ كقوله "سيِّد السموات والأرض" و" النَّفَّاع الضَّرَّار" و" المتصرِّف في الأكوان" و"المطَّلع  على أسرار الخليقة" و" محيي الموتى" و"مبرئ الأعمى والأبرص و الأكمه" و"أمره من أمر الله" و"ماحي الذنوب" و"دافع البلاء" و"الرافع الواضع" و"صاحب الشريعة" و "صاحب الوجود التَّام"، إلى كثير من أمثال هذه النُّعوت والألقاب!

ويقول الكاتب أنَّه رأى في ذلك الكتاب فصلاً يشرح فيه المؤلِّفُ الكيفيةَ التي يجب أن يتكيفَ بها الزائرُ لقبر السَّيِّد عبد القادر الجيلاني يقول فيه: «أَوَّلُ ما يجب على الزَّائر: يتوضأ وضوءًا سابغًا، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجَّه إلى تلك الكعبة المشرَّفة، وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول:

«يا صاحب الثَّقَلَيْن.. أغثني وأمدني بقضاء حاجتي.. وتفريج كربتي.. أغثني يا محيي الدين عبد القادر.. أغثني يا ولي عبد القادر.. أغثني يا سلطان عبد القادر.. أغثني يا باد شاه عبد القادر.. أغثني يا خوجة عبد القادر».

«يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدُك ومريدُك مظلومٌ عاجزٌ محتاجٌ إليك في جميع الأمور في الدِّين والدُّنيا والآخرة».

ويقول الكاتب أيضًا: إنَّ في بلدة "ناقور" في الهند قبرًا يُسمَّى "شاه الحميد" وهو أحد أولاد السَّيِّد عبد القادر كما يزعمون، وأنَّ الهنودَ يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودَهم بين يدي الله.. وأنَّ في كلِّ بلدة من بلدان الهنود وقُراها مزارًا يُمَثِّلُ مزارَ السَّيِّد عبد القادر.. فيكون القبلة التي يتوجَّهُ إليها المسلمون في تلك البلاد والملجأ الذي يلجؤون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خدمته وسدنته.. وفي موالده وحضراته ما لو أنفق  على فقراء الأرض جميعًا لصاروا أغنياء.

هذا ما كتبه إليَّ ذلك الكاتبُ.. ويعلم اللهُ أنِّي ما أَتْمَمْتُ قراءةَ رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عينين.. فما أُبْصر ممَّا حولي شيئًا؛ حزنًا وأسفًا على ما آلت إليه حالةُ الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها.

أيُّ عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرةً واحدةً من الدَّمْع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثِّر المحزن؛ منظر أولئك المسلمين وهم رُكَّعٌ سُجَّدٌ على أعتاب قبر ربَّما كان بينهم مَنْ هو خيرٌ من ساكنه في حياته؛ فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته!

أيُّ قلب يستطيع أن يَسْتقرَّ بين جنبي صاحبه ساعةً واحدةً فلا يطير جزعًا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين  إشراكًا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدُّد الآلهة وكثرة المعبودات!

ولمَ ينقم المسلمون التَّثليثَ من المسيحيين؟! لمَ يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟! وعلام يحاربونهم؟! وفيم يقاتلونهم وهم لم يَبْلغوا من الشِّرك مَبْلَغَهم؟! ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!

يدين المسيحيُّون بآلهة ثلاثة ولكنَّهم يشعرون بغرابة هذا التَّعَدُّد وبُعْده عن العقل؛ فيتأوَّلون فيه؛ يقولون أنَّ الثلاثةَ في حكم الواحد، أمَّا المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون!

كثيرًا ما يُضْمر الإنسانُ في نفسه أمرًا وهو لا يشعر به، وكثيرًا ما تَشْتَمل نفسُه على عقيدة خفيَّة لا يحسُّ باشتمال نفسه عليها؛ ولا أرى مثلًا لذلك أقربُ من المسلمين الذين يلتجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سُكَّان القبور، ويتضرَّعون إليهم تضرُّعَهم للإله المعبود، فإذا عَتَبَ عليهم في ذلك عاتبٌ قالوا: إنَّا لا نعبدُهم؛ وإنَّما نتوسَّل بهم إلى الله. كأنَّهم يشعرون أنَّ العبادةَ ما هم فيه، وأنَّ أكبرَ مَظْهَر لألوهية الإله المعبود أن يقف عبادُه بين يديه ضارعين خاشعين يلتمسون إمداده ومعونته؛ فهم في الحقيقة عبَّادون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.

جاء الإسلامُ بعقيدة التَّوْحيد ليرفعَ نفوسَ المسلمين ويغرس في قلوبهم الشَّرَفَ والعزَّةَ والأَنَفَةَ والحَميَّةَ، وليعتق رقابَهم من رقِّ العبودية؛ فلا يذل صغيرُهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفُهم قويَّهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطانٌ إلا بالحقِّ والعدل، وقد ترك الإسلام بفضل عقيدة التَّوحيد ذلك الأثرَ الصالحَ في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أَنَفَة وعزَّة وإباء وغيرة؛ يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حَدَّه: قف مكانك، ولا تغل في تقدير مقدار نفسك؛ فإنما أنت عبدٌ مخلوق لا ربٌّ معبودٌ، واعلم أن لا إله إلا الله.

هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التَّوحيد؛ أما اليومَ وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشِّرك الباطن تارةً والظاهر أخرى، فقد ذَلَّت رقابُهم، وخفقت رؤوسُهم وضرعت نفوسهم، وفترت حميَّتُهم؛ فرضوا بخطَّة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا؛ فَوَجَدَ أعداؤهم السبيلَ إليهم فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم، فأصبحوا من الخاسرين.

والله؛ لن يسترجع المسلمون سالفَ مَجْدهم ولن يَبْلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها إلا إذا استرجعوا ما أضاعوه قبل ذلك من عقيدة التَّوحيد، وإنَّ طلوعَ الشمس من مغربها وانصبابَ ماء النَّهْر في منبعه أقربُ إلى رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأَوَّل كما يقولون للثَّاني: «أنت المتصرفُ في الكائنات، وأنت سيِّدُ الأرضين والسماوات».

إن اللهَ أغيرُ على نفسه من أن يُسْعدَ أقوامًا يَزْدرونه ويحتقرونه ويتَّخذونه وراءهم ظهريًا؛ فإذا زَلَّتْ بهم جائحة، أو أَلَمَّتْ بهم مُلمَّةٌ ذَكَرُوا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه..

يا قادةَ الأمة ورؤساءها، عَذَرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا أن العامِّيَّ أقصرُ نظرًا وأضعفُ بصيرةً من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النُّصُب والتماثيل والأضرحة والقبور؛ فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرؤون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: }قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ{، وقوله مخاطبًا نبيًّا: }قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا{، وقوله: }وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى{؟!

إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغُدُوِّكم ورَوَاحكم: «كُلُّ خير في اتِّباع من سلف، وكل شرٍّ في ابتداع من خلف»، فهل تعلمون أنَّ السَّلَفَ الصالحَ كانوا يُجَصِّصون قبرًا، أو يتوسلون بضريح؟! وهل تعلمون أنَّ واحدًا منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج هَمٍّ؟! وهل تعملون أنَّ الرِّفاعيَّ والدُّسوقيَّ والجيلاني والبدويَّ أكرمُ عند الله وسيلةً إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟! وهل تعلمون أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حينما نهى عن إقامة الصُّوَر والتَّماثيل نهى عنها عَبَثًا ولعبًا؟! أم مخافةَ أن تعيد للمسلمين جاهليَّتَهم الأولى؟! وأيُّ فرق بين الصُّور والتَّماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كلٌّ منها يَجُرُّ إلى الشِّرك ويُفسد عقيدةَ التوحيد؟

والله ما جهلتم شيئًا من هذا؛ ولكنَّكم آثرتُم الحياةَ الدُّنيا على الآخرة فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم وانتقاض أمركم، وسَلَّطَ عليكم  أعداءَكم يَسْلبون أوطانَكم ويَسْتعبدون رقابَكم ويُخَرِّبون ديارَكم، والله شديد العقاب. اهـ.

 ومع الأسف وقع كثيرٌ ممَّن يَنْتسب إلى دين الإسلام فيما حَذَّرَ منه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فتراهم يَقْصدون هذه الآثارَ - كالذّهاب إلى  غار حراء - مع أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم إنَّما كان يتعبَّد فيه قبل البعثة؛ وأمَّا بعدها فلم يأت إليه ولا دعى أمَّتَه إلى الذّهاب إليه، ومع ذلك تجد كثيرًا من الجهال يذهبون إليه.

ومن ذلك المكان الذي يُزعم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وُلد فيه؛ مع أنَّ هذا لم يَثْبت؛ فهل الرسول صلى الله عليه وسلم أَرْشَدَ أمَّتَه إلى الإتيان إلى هذا المكان أو فعل ذلك أحدٌ من الصَّحابة - رضي الله عنهم - أو السَّلَف الصَّالح؟! وإنما أحدث هذا مَنْ ضَلَّ سواءَ السَّبيل وخالف الحقَّ المبين.

بل وصل الأمر إلى الإتيان إلى مكان يُزعم أن آمنة بنت وهب أم الرسول صلى الله عليه وسلم دفنت فيه، فيفعل في هذا المكان من الشِّرْكيات والقبائح ما الله به عليم؛ من دعاء آمنة بنت وهب من دون الله تعالى، والاستغاثة بها، وصبِّ الطِّيب في هذا المكان المزعوم أنه قبر آمنة بنت وهب؛ مع أنَّها ماتت على الشِّرك؛ لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم عندما استأذن ربَّه بأن يستغفر لها لم يأذن له، كما أخرجه مسلمٌ في صحيحه (976) من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فذكره، وقد قال الله تعالى: }مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ{ [التوبة: 113]. قال النوويُّ في شرح مسلم (7/45) على الحديث السابق: (وفيه النَّهْيُ عن الاستغفار للكفَّار).اهـ.

وقال أيضًا على الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق حَمَّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار». فلما قفَّى دعاه فقال: «إنَّ أبي وأباك في النار».

قال النَّوَويُّ على هذا الحديث (3/79): (إنَّ مَنْ مات على الكفر هو في النَّار ولا تنفعه قرابةُ المقرَّبين، وفيه أنَّ مَنْ مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل الدعوة؛ فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوةُ إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. اهـ. وقد حكى القرافيُّ في "شرح التنقيح" الإجماعَ على تعذيب موتى الجاهليَّة في النَّار على كفرهم.

ومن أجل انتشار هذا الأمر بين الناس وشيوع هذه القضية بين مَنْ يَنْتَسب إلى الإسلام جرى تحريرُ هذه الرِّسالة، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه والتَّابعين.



([1]) أي من يمنع من الاستغاثة بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله.

([2]) يعني بالباز الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى، والأسد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

([3]) وقد قرظ هذا الكتاب جملة من الأفاضل الأدباء منهم عبد القادر أفندي البغدادي القادري وذلك بقوله:

عبد اللطيف جزاه الله خالقنا هو الهمام الذي شاعت فضائله بحر من العلم يبدي من معارفه حمى طريق رسول الله عن شبه وسـاوس  وأقــاويل ملفقــة

يوم الجزاء بأجر غير ممنون في الشرق والغرب من نجد إلى الصين بديع در عزيز القدر مكنون منسوبة لجهول غير مأمون كأنهـا بعض  أقــوال  المجـانين

وقال علي أفندي المدرس بمدينة البصرة:

لاح نور الهدى وزال الضلال وتجلت الشمس الكمال عيانًا ورياض التوحيد جاد رباها ويد الجهبذ المحقق للحق ذاك عبـد اللطيـف كنـز  المعالي

ودهى الشرك والعتاد زوال بعدما كان دونها أظلال من سما الحق عارض هطال الإمام المهذب المفضال هــو بحـر للعـلم بحـر  زلال

وقال مصطفى أفندي مفتي الحنفية في مدينة الحلة الشهير بواعظ زاده: أدين الله تعالى بجميع ما في هذا الكتاب، الحاوي لكل معنى منيف، وأبرأ إليه تعالى من الاعتقادات الفاسدة، والأقاويل الزَّائفة عن الحق، العارية عن كل فائدة، وأنزهه - سبحانه وتعالى - عمَّا تقولُه أهل الأباطيل، وعلَّلوا بتعليل عليل، وأشكر فضل من أنشأ هذه الفوائد الدينية، والقواعد الإسلامية، فجزى الله العلماء العاملين عن الإسلام والمسلمين خيرًا ورزقهم الأمن والأمان والبشرى في الحياة الدنيا والآخرة، والحمد لله أولاً وآخرًا وباطنا وظاهرًا. اهـ.

([4]) وأما الأماكن التي قصدها - عليه الصلاة والسلام - بالعبادة ودعا أمتَه إلى قصدها والصلاة فيها فلا شك أن قصدَها بالعبادة أمرٌ مطلوب، والإتيان إليها أمر مشروع؛ وهو إما واجب أو مستحب مع شدِّ الرحل كما هو بالنسبة إلى المساجد الثلاثة دون غيرها؛ وهي المسجدُ الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد بيت المقدس، أو بدون شد رحل؛ كالإتيان إلى مسجد قباء؛ فليس حديثي عن هذا؛ وإنما حديثي عن الإتيان إلى الأماكن التي لم يقصدها - عليه الصلاة والسلام - ولم يَدْعُ أمتَه إلى الذهاب إليها؛ كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانُ ذلك؛ وبالله تعالى التَّوفيق.

([5]) وأخرجه عبد الرزاق (2734) وابن أبي شيبة (2/376) وسعيد بن منصور في "سننه" كما في "اقتضاء الصراط المستقيم" (2/744) كلهم من طريق الأعمش به، وهو صحيح، وحكم أبو الفضل ابن حجر بثبوت هذا الأثر كما في الفتح (1/569).

([6]) أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/100) وابن وضاح في البدع (42) وابن أبي شيبة في المصنف (2/375).