درر من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى والمستدرك عليه ()

 

|

 درر من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى والمستدرك عليه

د. عبد الملك القاسم


المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فمن نعم الله وفضله على عباده أن جعل في هذه الأمة علماء جهابذة ورجال فحول يجري على يديهم فهم الكتاب والذب عنه ونشر السنة وإيضاحها.

ومن أعظم من له شأن في ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في مؤلفاته العظيمة التي نفع الله بها البلاد والعباد.

وقد يسر الله أن اطلعت على مجموعة من مؤلفات الشيخ -- رحمه الله -- خاصة مجموع الفتاوى والمستدرك عليه.

فوجدت درراً كنت أشرت إليها في أماكنها، ورغبت في نشرها إعانة لنفسي وللقراء،وذكرت رقم الصفحة والمجلد عند كل نقل.

أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم


* قال - رحمه الله -:

وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله، هو شهيد عليهم وهم شهداء على الناس في الدنيا والآخرة بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة وأكمل لهم دينهم وأتم عليهم نعمه ورضى لهم الإسلام دينا، وأظهره على الدين كله إظهار بالنصرة والتمكين وإظهار بالحجة والتبيين وجعل فيهم علماء هم ورثة الأنبياء يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب، وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى حين الحساب.

وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] فلا يقع في كتابهم من التحريم والتبديل كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل.

وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز بين الصدق والكذب والجهابذة النقاد، وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين لتدوم بهم النعمة على الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيي بهم دين الله الذي بعث به رسوله، وبين الله بهم للناس سبيله، فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].. [المجموع 1/ 2].


* قال - رحمه الله -:

وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعا من القرآن كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: 9]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 64، 65]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببا لمحبة الله عبده، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52] فما أوحاه الله إليه يهدى الله به من يشاء من عباده، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - بذلك هداه الله تعالى كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: 50]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].

فبحمد - صلى الله عليه وسلم - تبين الكفر من الإيمان، والربح من الخسران والهدى من الضلال، والنجاة من الوبال، والغي من الرشاد، والزيغ من السداد، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقون من الفجار وإيثار سبيل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، من سبيل المغضوب عليهم والضالين.

فالنفوس أحوج إلى معرفة مـا جاء به واتـباعه منـها إلى الطـعام


والشراب، فإن هذا إذا فات حصل الموت في الدنيان وذاك إذا فات حصل العذاب.

فحق على كل أحد بذل جهد واستطاعته في معرفة ما جاء به وطاعته، إذا هذا طريق النجاة من العذاب الأليم والسعادة في دار النعيم، والطريق إلى ذلك الرواية والنقل، إذ لا يكفي من ذلك مجرد العقل، بل كما أن نور العين لا يرى إلا من ظهور نور قدامه، فكذلك نور العقل لا يهتدي إلا إذا طلعت عليه شمس الرسالة، فلهذا كان تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام، وكان معرفة ما أمر الله به رسوله واجبا على جميع الأنام.. [المجموع: 1/ 5].


* قال - رحمه الله -:

ولما كان القرآن متميزا بنفسه لما خصه الله به من الإعجاز الذي باين به كلام الناس كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88] وكان منقولا بالتواتر لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه؛ ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل من معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل في الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد.

فأقام الله تعالى الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق من البهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان.

وقام كل من علماء الدين بما أنعم به عليه وعلى المسلمين، مقام أهل الفقه الذين فقهوا معاني القرآن والحديث بدفع ما وقع ذلك من الخطأ في القديم والحديث، وكان من ذلك الظاهر الجلي: الذي لا يسوغ عنه العدول؛ ومنه الخفي: الذي يسوغ فيه الاجتهاد للعلماء العدول.

وقام علماء النقل والنقاد: بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة والقصص المأثورة، ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب وتركهم لذيذ الطعام والشراب وترك معاشرة الأهل والأصحاب والتـصبر على مرارة الاغتراب،  ومقاساة  الأهوال الصعاب، أمر حببه الله


إليهم وحلاوة ليحفظ بذلك دين الله، كما جعل البيت مثابة للناس وأمنا يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أمورا مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال، الجهاد بالنفس والمال حكمة من الله يحفظ بها الدين ليهدى المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون.. [المجموع 1/ 7].

*  قال - رحمه الله -:

فمن كان مخلصًا في أعمال الدين يعملها لله كان من أولياء الله المتقين، أهل النعيم المقيم، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: 62-64].

وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - البشرى في الدنيا بنوعين:

أحدهما: ثناء المثنين عليه.

الثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح؛ أو ترى له، فقيل يا رسول الله الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن".

وقال البراء بن عازب: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال: "هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح؛ أو ترى له".. [المجموع: 1/ 7].


*  قال - رحمه الله -:

وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين من أمرهم على يقينن فظهر لهم الصدق من المين كما يظهر الصبح لذي عينين، عصمهم الله أن يجمعوا على خطأ في دين الله معقول أو منقول، وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

فإذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقا، وإذا اجتمع أهل الحديث على تصحيح حديث لم يكن إلا صدقا، ولكل من الطائفتين من الاستدلال، على مطلوبهم بالجلى والخفى ما يعرف به من هو بهذا الامر حفى، والله تعالى يلهمهم الصواب في هذه القضية، كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، وكما عرف ذلك بالتجربة الوجودية، فإن الله كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، لما صدقوا في موالاة الله ورسوله؛ ومعاداة من عدل عنه، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. [المجموع: 1/ 9]

* قال - رحمه الله -:

وأهل العلم المأثور عن الرسول: أعظم الناس قياما بهذه الأصول لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بـل يتكـلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه عملاً


بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].

ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، من السعى المشكور، والعمل المبرور: ما كان من أسباب حفظ الدين، وصيانته، عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات: منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه [المجموع: 1/ 10].

* قال - رحمه الله -:

نضر الله أمرءا سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه؛ ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.

وفي هذا دعاء منه لمن بلغ حديثه وإن لم يكن فقيها، ودعاء لمن بلغه وإن كان المستمع أفقه من المبلغ؛ لما أعطى المبلغون من النضرة، ولهذا قال سفيان بن عيينة: لا تجد أحدًا من أهل الحديث إلا في جهة نضرة؛ لدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -. [المجموع: 1/ 11].


* قال - رحمه الله -:

فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم التوجه إليه؛ إلا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22].

فإن قوامهما بان تأله الإله الحق فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلها حقا؛ إذ الله لا سمى له ولا مثل له؛ فكانت تفسد لانتفاء ما به صلاحها هذا من جهة الإلهية. [المجموع 1/ 24].

* قال - رحمه الله -: ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى نشخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك.. [المجموع: 1/ 24]


* قال - رحمه الله -:

الوجه الرابع: أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه؛ إذ أخذ منه القدر الزائد على حاجته في عبادة الله؛ فإنه أن نال من الطعام والشراب فوق حاجته؛ ضره وأهلكه؛ وكذلك من النكاح واللباس؛ وأن أحب شيئًّا حبًّا تامًّا بحيث يخاللـه فلا بد أن يسأمه؛ أو يفارقه، وفي الأثر المأثور: أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقية، وكن كما شئت فكما تدين تدان.

واعلم أن كل من أحب شيئًا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه؛ ويكون ذلك سببا لعذابه؛ ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله؛ يمثل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاع أقرع يأخذ بلهزمته، يقول: أنا كنزك أنا مالك [المجموع: 1/ 28].

* قال - رحمه الله -:

فكل من أحب شيئًا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه؛ وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، فمن أحب شيئًا لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد؛ أو فقد؛ فإن فقد عذب بالفراق وتألم؛ وإن وجد فإنه يحصل له


من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة؛ وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء؛ وكل من أحب شيئًا دون الله لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته؛ فصارت المخلوقات وبالا عليه إلا ما كان لله وفي الله؛ فإنه كمال وجمال للعبد؛ وهذا معنى ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه" [رواه الترمذي وغيره].. [المجموع: 1/ 29].

* قال - رحمه الله -:

العبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأعظم الخلق أعظمهم عبودية لله.

وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره.

فأعظم ما يكون العبد قدرا، وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم، ولو في شربه ماء، نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ولا يشرك به.

ولهذا قال حاتم الأصم: لما سئل: فيم السلامة من الناس؟ قال: أن يكون شيئك لهم مبذولا، وتكون من شيئهم آيسا.. [المجموع: 1/ 39].


* قال - رحمه الله -:

الرب سبحانه يريدك لك، ولمنفعتك بك، لا لينتفع بك، وذلك منفعة عليك بلا مضرة فتدبر هذا.. [المجموع: 1/ 30].

* قال - رحمه الله -:

والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله؛ وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافئتهم، وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم.

كما جاء في الأثر: أرج الله في الناس ولا ترج الناس في الله وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله، أي: لا تفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، ولا رجاء مدحهم ولا خوفا من ذمهم، بل أرج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتى وما تذر بل أفعل ما أمرت به وإن كرهوه، وفي الحديث: إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله أو تذمهم على ما لم يؤتك الله.

فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وماوعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنًا: لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحصل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم


بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف اليقين. [المجموع: 1/ 51].

* قال - رحمه الله -:

ومن توحيد الله وعبادته: التوكل عليه والرجاء له، والخوف منه، فهذا يخلص به العبد من الشرك، وإعطاء الناس حقوقهم وترك العدوان عليهم، يخلص به العبد من ظلمهم، ومن الشرك بهم، وبطاعة ربه واجتناب معصيته، يخلص العبد من ظلم نفسه. [المجموع: 1/ 53].

* قال - رحمه الله -:

الرب يحب أن يحب. [المجموع: 1/ 54].

* قال - رحمه الله -:

فمن عبد الله وأحسن إلى الناس فهذا قائم بحقوق الله وحق عباد الله في إخلاص الدين له [المجموع: 1/ 45].

* قال - رحمه الله -:

ومن طلب من العباد العوض ثناءً ودعاءً أو غير ذلك لم يكن محسنا إليهم لله. [المجموع: 1/ 55].


* قال - رحمه الله -:

ومن خاف الله فيهم ولم يخفهم في الله كان محسنًا إلى الخلق وإلى نفسه، فإن خوف الله تحمله على أن يعطيهم حقهم ويكف عن ظلمهم، ومن خافهم ولم يخف الله فهذا ظالم لنفسه ولهم، حيث خاف غير الله ورجاه، لأنه إذا خافهم دون الله احتاج أن يدفع شرهم عنه بكل وجه، إما بمداهنتهم ومراءتهم، وإما بمقابلتهم بشيء أعظم من شرها أو مثله، وإذا رجاهم لم يقم فيهم بحق الله، وهو إذا لم يخف الله فهو مختار للعدوان عليهم، فإن طبع النفس الظلم لمن لا يظلمها فكيف بمن يظلمها؟

فتجد هذا الضرب كثير الخوف من الخلق كثير الظلم إذا قدر مهين ذليل إذا قهر، فهو يخاف الناس بحسب ما عنده من ذلك، وهذا مما يوقع الفتن بين الناس.

وكذلك إذا رجاهم فهم لا يعطونه ما يرجوه منهم، فلا بد أن يبغضهم فيظلمهم إذا لم يكن خائفًا من الله عز وجل، وهذا موجود كثير في الناس، تجدهم يخاف بعضهم بعضا ويرجوا بعضهم بعضًا، وكل من هؤلاء يتظلم من الآخر، ويطلب ظلمه، فهم ظالمون بعضهم لبعض ظالمون في حق الله حيث خافوا غيره ورجو غيره، ظالمون لأنفسهم، فإن هذا من الذنوب التي تعذب النفس بها وعليها، وهو يجر إلى فعل المعاصي المختصة كالشرك والزنا، فإن الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه، ولا سيما إذا كان طالبا ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ماتستريح إليه وبه؛ فيستريح إلى المحرمات من فعل الفـاحش وشرب المحرمات وقول الزور، وذكر ما جريات النفس والهزل


واللعب ومخالطة قرناء السوء وغير ذلك، ولا يستغنى القلب إلا بعبادة الله تعالى. [المجموع 1/ 54].

*   *   *

* قال - رحمه الله -:

فبالتوحيد يقوى العبد ويستغنى، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، والاستغفار يغفر له ويدفع عنه عذابه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33] فلا يزول فقر العبد وفاقته إلا التوحيد؛ فإنه لا بد له منه، وإذا لم يحصل له لم يزل فقيرا محتاجا معذبا في طلب ما لم يحصل له، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار: حصل له غناه وسعادته، وزال عنه ما يعذبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. [المجموع: 1/ 55].

* قال - رحمه الله -:

والعبد مفتقر دائما إلى التوكل على الله والاستعانة بهن كما هو مفتقر إلى عبادته فلا بد أن يشهد دائما فقره إلى الله، وحاجته في أن يكون معبودا له، وأن يكون معينا له، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه.. [المجموع: 1/ 56].


* قال - رحمه الله -:

وبعض الناس يقول: يا رب إني أخافك وأخاف من لا يخافك، فهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدا، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل قد يؤذيني قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله؛ وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك فإنه قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. [المجموع: 1/ 57].

* قال - رحمه الله -:

وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله" وقال: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحا" وقال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة".

وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، من كانت هجرته إلى الله ورسوله: فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هجر إليه" فبين بهذا أن النية عمل القلب وهي:


أصل العمل. وإخلاص الدين لله، وعبادة الله وحده، ومتابعة الرسول فيما جاء به، هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. [المجموع: 1/ 70].

* قال - رحمه الله -:

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7، 8] قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" وفي الترمذي: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر" وفي الصحيح، أنه قال لعدى بن مالك والرهط الذين بايعهم معه: "لا تسألوا الناس شيئًا" فكان سوط أحدهم يسقط من يده: فلا يقول لأحد ناولني إياه، وفي الصحيح في حديث السبعين ألفا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون" والاسترقاء طلب الرقية، وهو نوع من السؤال.

وأحاديث النهى عن مسألة الناس الأموال كثيرة كقوله: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة" وقوله: "لأن يأخذ أحدكم حبله" الحديث وقوله: "لا تزال المسألة بأحدهم..." وقوله: "من سأل الناس وله ما يغنيه..." وأمثال ذلك، وقوله: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس: لم تسد فاقته" الحديث.

فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم: فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: "هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال" ولكن من المسائل ما ينهى عنه، كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾


[المائدة: 101] الآية، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك.

وأما سؤاله لغيره أن يدعو له فقد قال النبي صلى الله عليه لعمر: "لا تنسنا من دعائك" وقال: "إذا سمعتم المؤذن: فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة".

وقد يقال في هذا: هو طلب من الأمة الدعاء له؛ لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم، كما قال للذي قال: اجعل صلاتي كلها عليك؟ فقال: "إذا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك" فطلبه منه الدعاء له، لمصلحتهم كسائر أمره إياهم بما أمر به وذلك لما في ذلك من المصلحة لهم، فإنه قد صح عنه أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة: إلا وكل الله به ملكا كل ما دعا دعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك مثله" [المجموع: 1/ 78].

* قال - رحمه الله -:

العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فإن الإسلام مبني على أصلين:

أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.

والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: 18، 19]، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: 21].


فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله - صلى الله عليه وسلم - من واجب ومستحب، لا نعبده بالأمور المبتدعة، كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي مسلم أنه كان يقول في خطبته: "خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". [المجموع: 1/ 80].

* قال - رحمه الله -:

وهؤلاء المشركون قد تتمثل لهم الشياطين؛ وقد تخاطبهم بكلام، وقد تحمل أحدهم في الهواء، وقد تخبره ببعض الأمور الغائبة، وقد تأتيه بنفقة أو طعام ؛ أو كسوة؛ أو غير ذلك، كما جرى مثل ذلك لعباد الأصنام من العرب وغير العرب، وهذا كثير، موجود في هذا الزمان، وغير هذا الزمان، للضآلين المبتدعين المخالفين للكتاب والسنة، إما بعبادة غير الله، وإما بعبادة لم يشرعها الله.

وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئًا خارقا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالا شيطانيًّا أو محالاً بهتانيا خواصهم تقترن بهم الشياطين؛ كما يقع لبعض العقلاء منهم وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء؛ لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من البدعة، إما كفر، وإما فسق، فإن قدر على أن يجعلهم كفارا جعلهم كفارا وأن لم يقدر إلا على جعلهم فساقا، أو عصاة، وأن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم، ببدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التي بعث الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - فينتفع منهم بذلك.

ولهذا قال الأئمة: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء، فلا تغتر به حتى تنظروا وقوفه، عند الأمر والنهي، ولهذا يوجد كـثير من


الناس يطير في الهواء وتكون الشياطين هي التي تحمله، لا يكون من كرامات أولياء الله المتقين.

ومن هؤلاء: من يحمله الشيطان إلى عرفات فيقف مع الناس، ثم يحله فيرده إلى مدينته تلك الليلة، ويظن هذا الجاهل أن هذا من أولياء الله لا يعرف أن يجب عليه أن يتوب من هذا، وأن اعتقد أن هذا طاعة وقربة إليه، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لأن الحج الذي أمر الله به ورسوله لا بد فيه من الإحرام، والوقوف بعرفة، ولا بد فيه من أن يطوف بعد ذلك طواف الإفاضة، فإنه ركن لا يتم الحج إلا به، بل عليه أن يقف بمزدلفة، ويرمى الجمار ويطوف للوداع، وعليه اجتناب المحظورات، والإحرام من الميقات، إلى غير ذلك من واجبات الحج، وهؤلاء الضآلون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء، يحمل أحدهم بثيابه، فيقف بعرفة ويرجع من تلك الليلة، حتى يرى في اليوم الواحد ببلده ويرى بعرفة!

ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة، فيراه من يعرفه واقفا فيظن أن ذلك الرجل وقف بعرفة.

فإذا قال له ذلك الشيخ: أنا لم أذهب العام إلى عرفة؛ ظن أنه ملك خلق على صورة ذلك الشيخ، وإنما هو شيطان تمثل على صورته، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا، وهي أحوال شيطانية قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36].

وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا


فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 123-126] ونسيانها هو ترك الإيمان والعمل بها؛ وإن حفظ حروفها، قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذا الآية، فمن اتبع ما بعث الله به رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والحكمة هداه الله وأسعده، ومن أعرض عن ذلك ضل وشقى وأضله الشيطان وأشقاه.

فالأحوال الرحمانية وكرامات أوليائه المتقين يكون سببه الإيمان، فإن هذه حال أوليائه قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62، 63] وتكون نعمة الله على عبده المؤمن في دينه ودنياه، فتكون الحجة في الدين والحاجة في الدنيا للمؤمنين مثل ما كانت معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: كانت الحجة في الدين والحاجة للمسلمين، مثل البركة التي تحصل في الطعام والشراب؛ كنبع الماء من بين أصابعه، ومثل نزول المطر بالاستسقاء، ومثل قهر الكفار وشفاء المريض بالدعاء، ومثل الأخبار الصادقة، والنافعة بما غاب عن الحاضرين، وأخبار الأنبياء لا تكذب قط.

وأما أصحاب الأحوال الشيطانية، فهم من جنس الكهان، يكذبون تارة ويصدقون أخرى، ولا بد في أعمالهم من مخالفة للأمر، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221، 222].

ولهذا يوجد الواحد من هؤلاء ملابسا الخبائث من النجاسات والأقذار، التي تحبها الشياطين؛ ومرتكبا للفواحش، أو ظالما للناس في أنفسهم وأموالهم وغير ذلك والله تعالى قد حرم: ﴿الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ﴾ [الأعراف: 33].


وأولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، وهذه جملة لها بسط طويل لا يتسع له هذا المكان، والله أعلم.. [المجموع: 1/ 83].

* قال - رحمه الله -:

أولياء الله هم الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. [المجموع: 1/ 85].

* قال - رحمه الله -:

إن جماع الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم؛ وهذا أصل جامع عظيم. [المجموع: 1/ 86].

* قال - رحمه الله -:

ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى عمن أثنى عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] والدعاء جزاء كما في الحديث: "من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله.


وقال بعض السلف: إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل، وفيك بارك الله فمن عمل خيرا مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبيا أو رجلا صالحا أو ملكًا من الملوك أو غنيًّا من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصًا لله يبتغى به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي، ولا رجل صالح ولا من الملائكة، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين. [المجموع: 1/ 88].

* قال - رحمه الله -:

فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فذكر (الحمد) بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذا تفصيل لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته: من المحبة، والخوف، والرجاء، والأمر، والنهي، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إلى ما اقتضته الربوبية؛ من التوكل والتفويض والتسليم، لأن الرب سبحانه وتعالى هو المالك، وفيه أَيضًا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء.

فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1] فلا يرى نفعًا، ولا ضرًا، ولا حركةً، ولا سكونًا، ولا قبضًا، ولا بسطًا، ولا حفظًا، ولا رفعًا، إلا والله سبحانه وتعالى فاعله، وخالقه،


وقابضه، وباسطه، ورافعه وخافضه، فهذا الشهود هو سر الكلمات الكونية.. وهو علم صفة الربوبية، والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف سر الكلمات التكليفيات.

فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء؛ يكون عن كشف علم الإلهية [المجموع: 1/ 89].

* قال - رحمه الله -:

... وكذا الخوف والرجاء، وما أشبه ذلك؛ فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئًا سواه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا﴾ [الأحزاب: 39] وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي، الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه، إلا من عصمه الله تعالى وقد روى أن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.

وطريق التخلص من هذه الآفات كلها: الإخلاص لله عزوجل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى والتقوى متابعة الأمر والنهي. [المجموع: 1/ 94].

* قال - رحمه الله -:

ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عزوجل، فتعصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته.


فنقول اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة، والخوف والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62].

والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده؛ فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدا لله لا لغيره.

فإن قيل فالعبد في بعض الأحيان؛ قد لا يكون عنده محبه تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا يحركها شيئًان:

أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب، لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41، 42].

والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 69] قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل: 53] وقال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].

فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلا بد أن يثير ذلك عنده باعثا، كذلك الخوف؛ تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب ونحوه؛ وكذلك الرجاء، يحركه مطالعة الكرم؛ والحلم؛ والعفو؛ وما ورد في الرجـاء والكـلام في


التوحيد واسع.

وإنما الغرض مبلغ التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.. [المجموع: 1/ 95].

* قال - رحمه الله -:

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد طلب من أمته أن يدعوا له؛ ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - له مثل أجورهم في كل ما يعملونه، فإنه قد صح عنه أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر من أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا" وهو داعي الأمة إلى كل هدى، فله مثل أجورهم في كل ما اتبعونه فيه.

وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلي على أحدهم عشرا، له مثل أجورهم مع ما يستجيبه من دعائهم له، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه، وصار ما حصل له به من النفع نعمة من الله عليه، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا، كلما دعا لأخيه بدعوة قال: الملك الموكل به، آمين ولك مثل ذلك" وفي حديث آخر: "أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب".

فالدعاء للغير ينتفع به الداعي، والمدعو له وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له، فمن قال لغيره ادع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان: هو وأخوة متعاونين على البر


والتقوى فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، والمسئول فعل ما ينفعهما وبمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى فيثاب المأمور على فعله، والآمر أَيضًا يثاب مثل ثوابه: لكونه دعا إليه، لا سيما من الأدعية ما يؤمر بها العبد، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] فأمر بالاستغفار ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64].

فذكر سبحانه استغفارهم واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به الرسول حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله مخلوقا أن يسأل مخلوقا شيئًا لم يأمر الله المخلوق به، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب، أو استحباب ففعله هو عبادة وطاعة وقربة إلى الله وصلاح لفاعله وحسنه فيه، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه، وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعم الله بها على عباده أن هداهم للإيمان. [المجموع: 1/ 132].

* قال - رحمه الله -:

والمقصود هنا: أن الله لم يأمر مخلوقا أن يسأل مخلوقات إلا ما كان مصلحة لذلك المخلوق، إما واجب أو مستحب، فإنه سبحانه لا يطلب من العبد إلا ذلك، فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك؟ بل قد حرم على العبد أن يسأل العبد ماله إلا عنده الضرورة.

وإن كان قصده مصلحة المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور، فهذا يثاب على ذلك، وإن كان قصده حصول مطلوبة من غير قصد منه لانتفاع المأمور، فهذا من نفسه أتى، ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط،


بل قد نهى عنه، إذ هذا سؤال محض للمخلوق من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته، والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه، ويأمر أن نحسن إلى عباده، وهذا لم يقصد لا هذا ولا هذا، فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه، وهو الصلاة، ولا قصد الإحسان إلى المخلوق الذي هو الزكاة، وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا السؤال؛ لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه، ألا ترى أنه قال في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: أنهم لا يسترقون، وإن كان الاسترقاء جائزا، وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع.. [المجموع: 1/ 134].

* قال - رحمه الله -:

وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وهي ضلالة باتفاق المسلمين، ومن قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين أنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله.

ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع الشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبد الله بن مسعود: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: "هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]".. [المجموع: 1/ 162].


* قال - رحمه الله -:

ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانا هو أول الشرك، ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه وتصرف عجيب ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه، وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم، وإنما هو شيطان، فإن الشيطان يتصور بصور الإنسان ويدعى أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبا في ذلك.

وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضوع عن ذكره، وهي كثيرة جدا، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبي الصالح وغيرهما، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان. [المجموع: 1/ 168].

* قال - رحمه الله -:

وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل ولا مستحبًّا، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه، وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة وتركه توكلا على الله أفضل قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7، 8] أي: ارغب إلى الله لا إلى غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59] فجـعل الإيتاء لله والرسول لقـوله تعالى:


﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] فأمرهم بإرضاء الله ورسوله.. [المجموع: 1/ 181].

* وقال - رحمه الله -:

وقد يكون السؤال منهيا عنه نهى تحريم أو تنزيه، وإن كان المسئول مأمورا بإجابة سؤاله، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان من كماله أن يعطى السائل، وهذا في حقه من فضائله ومناقبه، وهو واجب أو مستحب، وإن كان نفس سؤال السائل منهيا عنه، ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئًا من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كان يطلبون منه أن يدعو للمسلمين، كما أشار عليه عمر في بعض مغازية لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر: يا رسول الله كيف بنا إذا لقينا العدو غدا رجالا جياعا ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك، وفي رواية: فإن الله سيغيثنا بدعائك، وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى، أن يدعو الله له ليرد عليه بصره، وكما سألته أم سليم أن يدعو الله لخادمه أنس، وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين، ونحو ذلك.

وأما الصديق فقد قال الله فيه وفيه مثله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 17-21].

وقد ثبت في الصحاح أنه - صلى الله عليه وسلم -: "إن آمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخـذت أبا بكـر خليلاً" فلم يكن في الصحابة أعظم منه من الصديق


في نفسه وماله.

وكان أبو بكر يعمل هذا ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يطلب جزاءا من مخلوق فقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ فلم يكن لأحد عند الصديق نعمة تجزى، فإنه كان مستغنيا بكسبه وماله عن كل أحد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان له على الصديق وغيره نعمة الإيمان والعلم، وتلك النعمة لا تجزى، فإن أجر الرسول فيها على الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 109] [المجموع: 1/ 186].

* قال - رحمه الله -:

ومن الجزاء أن يطلب الدعاء قال تعالى عمن أثنى عليهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] والدعاء جزاء كما في الحديث: "من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعونه به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله.

وقال بعض السلف: إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل: وفيك بارك الله، فمن عمل خيرا مع المخلوقين سواء كان المخلوقين نبيا أو رجلا صالحا أو ملكا من الملوك أو غنيا من الأغنياء فهذا العامل للخير، مأمور بأن يفعل ذلك خالصا لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره، لا من نبي ولا رجل صالح ولا من الملائكة، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين. [المجموع: 1/ 188].

* قال - رحمه الله -:

فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة، كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال: هو مأمور بأن يفعله خالصا لله رب العالمين، ولا يطلب من مخلوق عليه جزاء، لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء، لا دعاء ولا غيره.

وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع ويكون المسئول مأمورا بالإعطاء قبل السؤال، وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك - صلى الله عليه وسلم - فإنه أجل قدرا وأغنى بالله عن غيره، فإن سؤاله المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:

مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك.

ومفسدة إيذاء المسئول وهي من نوع ظلم الخلق.

وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله.

وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذلك من باب أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات، وإن كان هو ينتفع بدعائهم له فهو أَيضًا ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة، فإنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء"، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - هو الداعي إلى ما تفعله.


أمته من الخيرات فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. [المجموع: 1/ 190].

* قال - رحمه الله -:

ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة".

وفي صحيح البخاري عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقاما محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له شفاعي يوم القيامة" فقد رغب المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة، وبين أن من سألها له حلت له شفاعته يوم القيامة؛ كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، فإن الجزاء من جنس العمل.

ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه أن عمر بن الخطاب استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العمرة فأذن له ثم قال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" فطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلى عليه، ويسلم عليه، وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه، وهو - صلى الله عليه وسلم - أَيضًا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أَيضًا بالخير الذي يفعلونه من الأعمال


الصالحة ومن دعائهم له.

ومن هذا الباب قول القائل: إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت" قال: الربع؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير لك" قال: الثلثين؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك" قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك" رواه أحمد في مسنده والترمذي وغيرهما.

وقد بسط الكلام عليه في (جواب المسائل البغدادية) فإن هذا كان له دعاء دعو به، فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته، فإنه كلما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا، وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: "آمين ولك بمثله" فدعاؤه للنبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بذلك.

ومن قال لغيره من الناس: أدع لي أو لنا وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أَيضًا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمر بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح.

وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع. [المجموع: 1/ 192].


* قال - رحمه الله -:

وقد جاء في حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: "وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك".

فإن كان هذا صحيحا فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم وهو حق أوجبه على نفسه لهم، كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سببا لإجابة الدعاء كما في قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: 26].. [المجموع: 1/ 209].

* قال - رحمه الله -:

فاليهود من حين ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 112] لم يكونوا بمجردهم ينتصرون لا على العرب ولا غيرهم، وإنما كانوا يقاتلون مع حلفائهم قبل الإسلام، والذلة ضربت عليهم من حين بعث المسيح عليه السلام فكذبوه. [المجموع: 1/ 301].


* قال - رحمه الله -:

ودين الإسلام مبنى على أصلين، وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأول ذلك لا تجعل مع الله إلها آخر، فلا تحب مخلوقا كما تحب الله، ولا ترجوه كما ترجو الله، ولا تخشاه كما تخشى الله. [المجموع: 1/ 310].

* قال - رحمه الله -:

وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: 7].

قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: أن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: 21] [المجموع: 1/ 333].


* قال - رحمه الله -:

إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص أن يكون الله، والصواب أن يكون على السنة وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. [المجموع: 1/333].

* قال - رحمه الله -:

ومن هذا الباب: الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الخارج إلى الصلاة: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، ابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" وهذا الحديث في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف، فإن كان كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو من هذا الباب لوجهين:

أحدهما: لأن فيه السؤال لله تعالى بحق السائلين، وبحق الماشين في طاعته، وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم، وهذا حق أوجبه الله تعالى، وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق تعالى شيئًا ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ [التوبة: 111].


وفي الصحيح في حديث معاذ: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم".

وفي الصحيح عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

وإذا كان حق السائلين والعابدين له هو الإجابة والإثابة، بذلك فذاك سؤال الله فأفعاله، كالاستعاذة بنحو ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله كالسؤال بإثابته التي هي فعله.

وروى الطبراني في (كتاب الدعاء) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله يقول: "يا عبدي إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي، فالتي لي أن تعبدني لا تشرك بي شيئًا، والتي هي لك أجزيك بها أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك الدعاء ومني الإجابة، والتي بينك وبين خلقي فأت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك".

وتقسيمه في الحديث إلى قوله: واحدة لي، وواحدة لك، هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة، حيث يقول الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" والعبد يعود عليه نفع النصفين، والله تعالى يحب النصفين، لكن هو سبحانه يحب أن يعبد؛ وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك محتاج إلى الإعانة على العبادة، والهداية إلى الصراط المستقيم؛ وبذلك يصل إلى العبادة، إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه، وإن كنا خرجنا عن المراد.

الوجه الثاني: أن الدعاء له سبحانه وتعالى والعمل له سبب لحصول مقصود العبد، فهو كالتوسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والصالحين من أمته، وقد تقدم أن الدعاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والصالح إما أن يكون إقساما به، أو سببا به، فإن كان قوله: بحق السائلين عليك، إقساما فلا يقسم على الله إلا به وإن كان سببا بما جعله هو سبحانه سببا، وهو دعاؤه وعبادته فهذا كله يشبه بعضه بعضا، وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق من غير دعاء منه، ولا عمل صالح منا.[المجموع: 1/ 339].

* قال - رحمه الله -:

وقد كره مالك وغيره أن يقول الرجل: زرت قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن هذا اللفظ لم يرد، والأحاديث المروية في زيارة قبره كلها ضعيفة بل كذب، وهذا اللفظ صار مشتركا في عرف المتأخرين يراد به (الزيارة البدعية) التي في معنى الشرك؛ كالذي يزور القبر ليسأله أو يسأل الله به، أو يسأل الله عنده.

والزيارة الشرعية، هي أن يزوره لله تعالى للدعاء له، والسلام عليه كما يصلى على جنازته [المجموع: 1/ 355].

* وقال - رحمه الله -:

في قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك وما في معناه؟

الجواب: أما قول القائل أسألك بحق السائلين عليك، فإنه قد روى في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رواه ابن ماجه، لكن لا يقوم بإسناده حجة، وإن صح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معناه، أن حق السائلين على الله أن يجيبهم،


وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه كما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186].

فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه كقول القائلين: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] وكدعاء الثلاثة: الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن يثيبهم عليها اهـ.. [المجموع: 1/ 369].

* قال - رحمه الله -:

عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم؟ وعمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك؟

فأجاب: أما تقبيل الأرض، ورفع الرأس، ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك، فلا يجوز بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا، كما قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل منا يلقى أخاء أينحني له؟ قال: "لا" ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما هذا يا معاذ؟" قال: يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، قال: "كذبوا عليهم لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها يا معاذ أنه لا ينبغي السجود إلا لله".

وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة، وتدينا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل.


وأما إذا أكره الرجل على ذلك، بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه، أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر، فإنه يجوز عند أكثر العلماء، فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه، وهو المشهور عن أحمد وغيره؛ ولكن عليه مع ذلك أن يكرهه بقلبه، ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان ومن علم الله منه الصدق أعانة الله تعالى وقد يعافي ببركة صدقه من الأمر بذلك، وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال، ويروى ذلك عن ابن عباس ونحوه، وقالوا إنما التقية باللسان، وهو الرواية الأخرى عن أحمد.

وأما فعل ذلك لأجل فضول الرياسة والمال فلا، وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكره كلمة الكفر وينوى معنى جائزا والله أعلم [المجموع: 1: 372].

* قال - رحمه الله -:

عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس، من الإكرام عند قدوم شخص معين معتبر، هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل، أو يتأذى باطنا وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت، وأيضا المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى وجهة الأرض والانخفاض، هو يجوز ذلك أم يحرم؟ فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعًا ليس فيه له قصد، هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء، وفيمن يرى مطمئنًا بذلك دائمًا هل يأثم على ذلك أم لا؟ وإذا قال: سجدت لله هل يصح أم لا؟


فأجاب: الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين: أن يعتادوا القيام كلما يرونه عليه السلام، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك، لم يكن شخص أحب إليهم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعملون من كراهته لذلك؛ ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبة تلقيا له، كما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قام لعكرمة وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: "قوموا إلى سيدكم" وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه.

والذي ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.

وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيا له فحسن.

وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لا اعتقد أن ذلك لترك حقه، أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له، لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء؛ وأما عن عرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار" فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه، إذا جاء؛ ولهذا فرقوا بين أن يقال قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام، بخلاف القائم للقاعد.

وقد ثبت في صحيح مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى بهم قاعدا في مرضه.


صلوا قيامًا أمرهم بالعقود وقال: "لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا"، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد، لئلا يشتبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.

وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم، والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة: فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما. [المجموع: 1/ 374].

* قال - رحمه الله -:

وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نورا وهدى [المجموع: 2/ 84].

* قال - رحمه الله -:

فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليًّا. [المجموع: 2/ 224].

* قال - رحمه الله -:

فالمتقربون إلى الله بالفرائض: هم الأبرار المقتصدون أصحاب اليمين، والمتقربون إليه بالنوافل التي يحبها بعد الفرائض، هم السابقون المقربون، وإنما تكون النوافل بعد الفرائض [المجموع: 2/ 225].


* قال - رحمه الله -:

والعبد مأمور أن يصبر على المقدور، ويطيع المأمور، وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55]. [المجموع: 2/ 326].

* قال - رحمه الله -:

والمؤمن أن قدر عدل وأحسن، وأن قهر وغلب صبر واحتسب. [المجموع: 2/ 327].

وَلَكِنَّ الشَّيْخَ - أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ - يَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ بَلْ الْمَقْصُودَ بِخَلْقِ الْخَلْقِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ: أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَهُوَ دَعْوَةُ الْخَلَائِقِ إلَى خَالِقِهِمْ بِمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: 52] [المجموع 2/ 664].

* قال - رحمه الله -:

إذْ قَدْ دَلَّ كِتَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْفِتْنَةِ لِكُلِّ مِنْ الدَّاعِي إلَى الْإِيمَانِ وَالْعُقُوبَةِ لِذَوِي السَّيِّئَاتِ وَالطُّغْيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ


أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: 1- 4] [المجموع 3/212].

* قال - رحمه الله -:

مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ ، وَلَا انْتَصَرْت لِذَلِكَ ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي ، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا . وَقَدْ قُلْت لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ : أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ . وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مِنْ نَقْلِ إجْمَاعِهِمْ مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ. [المجموع: 3/229].

* قال - رحمه الله -:

هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وأن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية: فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله، وأفعله وأزنه بميزان العدل، واجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكما فيما اختلفوا فيه قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [البقرة: 59]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ  وَالْمِـيزَانَ  لِيَقُـومَ النَّاسُ


بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] [المجموع: 3/ 245].

* قال - رحمه الله -:

فإن المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام أن العبد لا يجوز له أن يعبد، ولا يدعو ولا يستغيث، ولا يتوكل إلا على الله؛ وأن من عبد ملكا مقربا، أو نبيا مرسلا، أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك، فلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل يا جبرائيل، أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم، أو يا موسى، أو يا رسول الله اغفر لي، أو ارحمني، أو ارزقني أو انصرني، أو أغثني، أو أجرني من عدوي، أو نحو ذلك؛ بل هذا كله من خصائص الإلهية. [المجموع: 3/ 272].

* قال - رحمه الله -:

لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن وعقله، وفهمه، وعلم الكتاب، والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن


ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم [المجموع: 3/ 312].

* قال - رحمه الله -:

من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم، فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى، مثل المعقول، والقياس، والرأي والكلام والنظر، والاستدلال، والحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة، والوجد، والذوق، ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها، فهم أكمل الناس عقلا، وأعدلهم قياسا، وأصوبهم رأيا، وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا، وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهاما، وأحدهم بصرا ومكاشفة، وأصوبهم سمعا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا، وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائل الملل [المجموع: 4/ 9].

* قال - رحمه الله -:

فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوى الإدراك ويصححه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وقال: ﴿ولو أنهم فعلوا ما  يوعظُونَ بِهِ


لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 67] [المجموع: 4/ 10].

* قال - رحمه الله -:

وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك: هم أعلهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، هم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، فإنهم يشاركون سائل الأمة فيما عنهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول، مما يجهله غيرهم أو يكذب به.. [المجموع: 4/ 26].

* قال - رحمه الله -:

والمقصود أن ما عند عوام المؤمنين وعلمائهم أهل السنة والجماعة من المعرفة واليقين والطمأنينة، والجزم الحق والقول الثابت والقطع بما هم عليه أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل والدين [المجموع: 4/ 49].

* قال - رحمه الله -:

إنك تجد أهل الكلام أكثر انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين.. [المجموع: 4/ 50].


* قال - رحمه الله -:

لا ينال الهدى إلى بالعلم، ولا ينال الرشاد إلا بالصبر.. [المجموع: 4/ 40].

* قال - رحمه الله -:

حصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحس بالطعام والشراب وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامها وشرابها. [المجموع: 4/ 41].

* قال - رحمه الله -:

وفي صحيح أبي حاتم البستي عن أم مبشر رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في حائط وهو يقول: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" فقلت: يا رسول الله للقبر عذاب؟ فقال: "إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم".

قال بعضهم: ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت إلى قبور اليهود، والنصارى والمنافقين؛ كالإسماعيلية النصيرية، وسائر القرامطة من بني عبيد وغيرهم، الذين بأرض مصر والشام وغيرهما فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك، كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، والجهال تظن أنهم من ذرية فاطمة، وأنهم من أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل، فقد قيل: أن الخيل إذا سمعت عذاب القبر.


حصلت لها من الحرارة ما يذهب بالمغل، والحديث في هذا كثير لا يتسع له هذا السؤال [المجموع: 4/ 287].

* قال - رحمه الله -:

وأجمع المسلمون على: أن السجود لغير الله محرم، وأما الكعبة فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى بيت المقدس، ثم صلى إلى الكعبة، وكان يصلى إلى عنزة، ولا يقال لعنزة، وإلى عمود وشجرة، ولا يقال لعمود ولا لشجرة؛ والساجد للشيء يخضع له بقلبه، ويخشع له بفؤاده وأما الساجد إليه فإنما يولى وجهه وبدنه إليه ظاهرا، كما يولى وجهه إلى بعض النواحي إذا أمه كما قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] [المجموع: 4/ 359].

سئل شيخ الإسلام عن خديجة وعائشة: أمي المؤمنين أيهما أفضل:

* قال - رحمه الله -:

بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها، وقيامها في الدين لم تشركها فيها عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين.

وتأثير عائشة في آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة، وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجة، ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها. [المجموع: 4/ 393].

* قال - رحمه الله -:

... وبهذا وأمثاله يتبين أن الرافضة أمة ليـس لها عقـل صريح ؛ ولا


نقل صحيح ولا دين مقبول؛ ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبا وجهلا ودينهم يدخل على المسلمين، كل زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية [المجموع: 4/ 471].

* قال - رحمه الله -:

والشخص الواحد يجتمع فيه حسنات، وسيئات، وطاعات ومعاصي وبر وفجور وشر، فيثيبه الله على حسناته، ويعاقبه على سيئاته إن شاء أو يغفر له، ويحب ما فعله من الخير ويبغض ما فعله من الشر. [المجموع: 4/ 475].

* قال - رحمه الله -:

وليس الكذب في هذا المشهد وحده؛ بل المشاهد المضافة إلى الأنبياء وغيرهم كذب، مثل القبر الذي قال له: قبرح نوح" قريب من بعلبك في سفح جبل لبنان، ومثل القبر الذي في قبلي مسجد جامع دمشق الذي يقال له: "قبر هود" فإنما هو قبر معاوية بن أبي سفيان، ومثل القبر الذي في شرقي دمشق الذي يقال له: قبر "أبي بن كعب" فإن أبيا لم يقدم دمشق باتفاق العلماء.

وكذلك ما يذكر في دمشق من قبور: "أزواج النبي" - صلى الله عليه وسلم - وإنما توفين بالمدينة النبوية.

وكذلك ما يذكر في مصر من قبر "علي بن الحسين" أو "جعفر الصادق" أو نحو ذلك، هو كذب باتفاق أهل العلم، فإن علي بـن الحسين


وجعفر الصادق إنما توفيا بالمدينة، وقد قال عبد العزيز الكناني: الحديث المعروف ليس في قبور الأنبياء ما ثبت، إلا قبر "نبينا" قال غيره: وقبر "الخليل" أيضًا.

وسبب اضطراب أهل العلم بأمر القبور أن ضبط ذلك ليس من الدين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن تتخذ القبور مساجد، فلما لم يكن معرفة ذلك من الدين لم يجب ضبط [المجموع: 4/ 516].

* قال - رحمه الله -:

وكل حديث يروى في زيارة القبر فهو ضعيف، بل موضوع، بل قد كره مالك وغيره من أئمة المدينة أن يقول القائل: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما المسنون السلام عليه إذا أتى قبره - صلى الله عليه وسلم - وكما كان الصحابة والتابعون يفعلون إذا أتوا قبره؛ كما هو مذكور في غير هذا الموضوع. [المجموع: 4/ 521].

* قال - رحمه الله -:

ما أحسن ما قال بعضهم: إذ قال لك الجهمي كيف استوى أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال: لا يعلم إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفة الموصوف؛ فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك [المجموع: 5/ 115].


* قال - رحمه الله -:

وقد قيل لابن عباس: كيف يكلمهم يوم القيامة كلهم في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم كلهم في ساعة واحدة. [المجموع: 5/ 133].

* قال - رحمه الله -:

فمن أعطى الصبر واليقين: جعله الله إماما في الدين. [المجموع: 6/ 215].

* قال - رحمه الله -:

فإن الزيارة الشرعية عبادة لله، وطاعة لرسوله وتوحيد الله وإحسان إلى عباده، وعمل صالح من الزائر يثاب عليه، والزيارة البدعية شرك بالخلق، وظلم للمخلوق، وظلم للنفس. [المجموع: 6/ 263].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف عليه السلام وهم امرأة العزيز، كما قال الإمام أحمد الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار فيوسف عليه السلام هم هما تركه لله فأثيب عليه، وتلك همت هم أصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها، وإن لم يحصل لها المطلوب [المجموع: 6/ 574].


* قال - رحمه الله -:

وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22]، فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يواد المحادين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينافي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه؛ كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس في الإيمان الواجب [المجموع: 7/ 17].

* قال - رحمه الله -:

ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] والمعنى أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كل من خشى الله فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، والخشية أبدًا متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان أمنا، فأهل الخوف لله والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. [المجموع: 7/ 21].


* قال - رحمه الله -:

ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17].

قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب وكذلك قال سائر المفسرين: قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته، وقال الحسن وقتادة وعطا والسدى وغيرهم: إنما سموا جهالا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين، وقال الزجاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء وإنما يحتمل أمرين.

أحدهما: إنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.

والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالا لا يثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة فقد جعل الزجاج "الجهل" إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وأما فساد الإرادة، وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية.

والمقصود هنا أن كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلا لنقص خوفه من الله، إذ لو تم خوفه من الله لم يعص، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلاً، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دل على أنه لم يتصوره تصورا تاما، ولكن قد يتصـور الخبر عـنه،


وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوبا له ولا مكروها؛ فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره، ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هربا ولا طلبا، وكذلك إذا أخبر محبوب له ومكروه، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به؛ فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب. [المجموع: 7/ 22].

* قال - رحمه الله -:

فكلما أن الخوف من الله يستلزم العلم به؛ فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا، ويدل على ذلك أَيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: 9-14] [المجموع: 7/ 24].

* قال - رحمه الله -:

وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان، ولم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا؛ لم يكن معه إيمان أصلاً. [المجموع: 7/ 41].


* قال - رحمه الله -:

وفسرت الشفاعة الحسنة بشفاعة الإنسان للإنسان ليجتلب له نفعا أو يخلصه من بلاء، كما قال الحسن ومجاهد، وقتادة وابن زيد؛ فالشفاعة الحسنة إعانة على خير يحبه الله ورسوله؛ من نفع من يستحق النفع ودفع الضر عمن يستحق دفع الضرر عنه، والشفاعة السيئة إعانته على ما يكرهه الله ورسوله، كالشفاعة التي فيها ظلم الإنسان، أو منع الإحسان للذي يستحقه.

وفسرت الشفاعة الحسنة بالدعاء للمؤمنين، والسيئة بالدعاء عليهم، وفسرت الشفاعة الحسنة بالإصلاح بين اثنين، وكل هذا صحيح، فالشافع زوج المشفوع له إذ المشفوع عنده من الخلق إما أن يعينه على بر وتقوى وأما أن يعينه على إثم وعدوان، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه طالب حاجة قال لأصحابه: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسانه نبيه ما شاء".. [المجموع: 7/ 64].

* قال - رحمه الله -:

ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن؛ ويقال: إنها أول سورة: نزلت بالمدينة افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، فإنه من حين هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - صار الناس ثلاثة أصناف، أما مؤمن، وأما كافر مظهر الكفر، وأما منافق، بخلاف ما كانوا وهو بمكة، فإنه لم يكن هناك منافق؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، فإن مكة كانت للكفار مستولين عليها، فلا يؤمن ويهـاجر


إلا من هو مؤمن ليس هناك داع إلى النفاق؛ والمدينة آمن بها أهل الشوكة؛ فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار فمن لم يظهر الإيمان آذوه؛ فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان، مع أن قلوبهم لم تؤمن؛ والله تعالى افتتح البقرة ووسط البقرة وختم البقرة بالإيمان بجميع ما جاءت به الأنبياء؛ فقال في أولها ما تقدم، وقال في وسطها: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: 136، 137]. وقال في آخرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 285، 286]. [المجموع: 7/ 200].

* قال - رحمه الله -:

ويقال من الكبائر التي ختمت بنار كل موجبة من ركبها ومات عليها لم يتب منها [المجموع: 7/ 247].

* قال - رحمه الله -:

ثم أحوال القلوب وأعمالها مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله، والتوكل عليه، والصبر على حكمه، والشكر له والإنابة إليه، وإخلاص العمل له مما يتفاضل الناس فيها تفاضلا لا يعرف  قدره إلا الله عز


وجل ومن أنكر تفاضلهم في هذا فهو أما جاهل لم يتصوره، وأما معاند [المجموع: 7/ 409].

* قال - رحمه الله -:

إن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 81] وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجموع: 7/ 528].

* قال - رحمه الله -:

فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقا به ودينا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه، ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6، 7]. 0100183812.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته، والنصارى لهم عبادة وفي


قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهو ضلال.. [المجموع: 7/ 528].

* قال - رحمه الله -:

قد ذكرت فيما تقدم من القواعد: أن الإسلام الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه؛ وأرسل به رسله، وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين؛ فيستسلم لله وحده لا شريك له ويكون سالما له بحيث يكون متألها له غير متأله لما سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وله ضدان: الكبر والشرك ولهذا روى أن نوحا عليه السلام أمر بنيه بلا إله إلا الله، وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك، في حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع فإن المستكبر عن عباده الله لا يعبده فلا يكون مستسلمًا له والذي يعبده ويعبد غيره يكون مشركا به فلا يكون سالما له، بل يكون له فيه شرك.

ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والسلامة التي هي الإخلاص، وقد علم أن الرسل جميعهم بعثوا بالإسلام العام المتضمن لذلك كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] وقال موسى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84].. [المجموع: 7/ 623].

* قال - رحمه الله -:

وذلك أن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركا كما ذكر الله عن فرعون: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ


الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: 41، 42]. وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: 34] الآية قال يوسف الصديق لهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 39، 40]. وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: 127]. [المجموع: 7/ 629].

* قال - رحمه الله -:

فكل عمل يعمله العبد، ولا يكون طاعة لله وعبادة، وعملا صالحا فهو باطل، فإن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله وإن نال بذلك العمل رئاسة ومالا، وفغاية المترئس أن يكون كفرعون، وغاية المتمول أن يكون كقارون، وقد ذكر الله في القصص من قصة فرعون، وقارون ما فيه عبرة لأولي الألباب، وكل عمل لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون ولا ينفع فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم فلذلك أمر العبد أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [المجموع: 8/ 76].

* قال - رحمه الله -:

وما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينة، وإن كان يسوءه فهو نعمة؛ لأنه يكفر خطاياه ويثاب عليه بالصبر، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ  لَكُمْ وَعَـسَى أَنْ تُـحِبُّوا


شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر، أما الضراء فظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم تصبر، فلهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لكن لما كان في السراء اللذة، وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: 9، 10].

وأيضا صاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، فإن صبر هذا وشكر هذا واجب، وأما صبر السراء فقد يكون مستحبا، وصاحب الضراء قد يكون الشكر في حقه مستحبا، واجتماع الشكر والصبر يكون مع تألم النفس وتلذذها، وهذا حال يعسر على كثير وبسطه له موضع آخر. [المجموع: 8/ 209].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذا كان نوعا من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشك مقولا أمام كل خطاب مع التوحيد، ففي الفاتحة الشكر مع التوحيد، والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد، والباقيات الصالحات نوعان: فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير وقد قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14] ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهل الحمد على الأمور الاختيارية، كما قيل في


العزم أم عام؟ فيه نظر ليس هذا موضعه. [المجموع: 8/ 212].

* قال - رحمه الله -:

وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا، وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا، وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك، فلم يصلوا إلى مقصودهم؛ فإنه لم يقل: هموا بما لم يفعلوا لكن، ﴿بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: 74] فصدر منهم قول وفعل قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: 65] فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 66].

فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحب بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا انه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به، فأنهم لم يعتقدوا جوازه، وهكذا قال غير واحد من السلف [المجموع: 3/ 273].

* قال - رحمه الله -:

وفي قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79] من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه؛ فإن الشر لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس وذمهم، ولكن يرجع إلى الذنوب فيتوب منها، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عـمله، ويسـأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له الخير  ويدفع عنه


الشر؛ ولهذا كان انفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

فإنه إذا هداه الصراط إعانة على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة، والذنوب من لوازم النفس؛ وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة؛ وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب؛ ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن احصاؤه، ولهذا أمر به في كل صلاة لفرط الحاجة إليه، وإنما يعرف بعض قدره من اعتبر أحوال نفسه؛ ونفوس الإنس والجن المأمورين بهذا الدعاء؛ ورأى ما فيها من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها في الدنيا والآخرة؛ فيعلم أن الله تعالى بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر. [المجموع: 8/ 219].

* وقال - رحمه الله -:

فالإنسان إذا أصابته المصائب بذنوبه وخطاياه كان هو الظالم لنفسه، فإذا تاب واستغفر جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، والذنوب مثل أكل السم، فهو إذا أكل السم مرض أو مات فهو الذي يمرض ويتألم ويتعذب ويموت، والله خالق ذلك كله، وإنما مرض بسبب أكله، وهو الذي ظلم نفسه بأكل السم، فإن شرب الترياق النافع عافاه الله فالذنوب كأكل السم، والترياق النافع كالتوبة النافعة، والعبد فقير إلى الله تعالى في كل حال، فهو بفضله ورحمته يلهمه التوبة، فإذا تاب تاب عليه، فإذا سأله العبد ودعا استجاب دعاءه كما قال: ﴿وَإِذَا  سَأَلَكَ عِبَادِي  عَنِّي فَإِنِّي قَـرِيبٌ أُجـِيبُ دَعْوَةَ


الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186].. [المجموع: 8/ 240].

* قال - رحمه الله -:

وأصل المهاجر من هجر ما نهى الله عنه كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكل من هجر السوء فظلمه الناس على ترك الكفر والفسوق والعصيان حتى أخرجوه، لا هجر بعض أمور في الدنيا فصبر على ظلمهم فإن الله يبوئه في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر، كيوسف الصديق فإنه هجر الفاحشة حتى ألجأه ذلك هجر منزله، واللبث في السجن بعد ما ظلم فمكنه الله حتى تبوأ من الأرض حيث يشاء. [المجموع: 8/ 327].

* قال - رحمه الله -:

والنفوس قد تدعي محبة الله وتكون في نفس الأمر محبة شرك تحب ما تهواه، وقد أشركته في الحب مع الله، وقد يخفى الهوى على النفس فإن حبك الشيء يعمي ويصم.

وهكذا الأعمال التي يظن الإنسان أن يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي عليه، وهو يعمله، إما الحب رياسة وإما الحب مال، وإما الحب صورة، ولهذا قالوا: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".


فلما صار كثير من الصوفية النساك المتأخرين يدعون المحبة، ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسنة، ودخل فيها نوع من الشرك واتباع الأهواء والله تعالى قد جعل محبه موجبة لاتباع رسوله فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: 31] وهذا لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبه الله، وليس شيء يحبه الله إلا والرسول يدعو إليه، وليس شيء يدعو إليه الرسول إلا والله يحبه، فصار محبوب الرب ومدعو الرسول متلازمين بل هذا هو هذا في ذاته، وإن تنوعت الصفات.

فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب؛ ليست محبته لله وحده، بل إن كان يحبه فهو محبة شرك، فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله، فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب، فكانوا يتبعون الرسول، فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين. [المجموع: 8/ 359].

* قال - رحمه الله -:

وأيضا فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في سبيله لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: 22] وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 80، 81]. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4].

فأمر المؤمنين أن يتأسوا بإبراهيم ومن معه ابدوا العداوة والبغضاء لمن اشرك حتى يؤمنوا بالله وحده، فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة؟ [المجموع: 8/ 361].

* قال - رحمه الله -:

فإن البدع التي ليست مشروعة وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلى كل ما يحبه الله، فأمر بكل معروف ونهى عنه كل منكر.

فمن تمام محبة الله ورسوله بغض من حاد الله ورسوله والجهاد في سبيله [المجموع: 8/ 361].

* وقال - رحمه الله -:

فمن لم يستحسن الحسن المأمور به، ولم يستقبح السيء المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" وكما قال في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته


حواريون وأصحاب؛ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون: ما لا يفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم.

فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب، فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر الذي يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء؛ ولهذا يوجد المبتدعون الذين يدعون المحبة المجملة المشتركة التي تضاهي محبة المشركين يكرهون من ينكر عليهم شيئًا من أحوالهم، ويقولون: فلان ينكر وفلان ينكر، وقد يبتلون كثيرًا بمن ينكر ما معهم من حق وباطل، فيصير هذا يشبه النصراني الذي يصدق بالحق والباطل، ويحب الحق والباطل، كالمشرك الذي يحب الله ويحب الأنداد، وكذا كاليهودي ا لذي يكذب بالحق والباطل، ويغبض الحق والباطل، فلا يحب الله ولا يحب الأنداد، بل يستكبر عن عبادة الله، كما استكبر فرعون وأمثاله. [المجموع: 8/ 367].

* وقال - رحمه الله -:

وإنما يصير الرجل مسلمًا حنيفًا موحدًا إذا شهد: أن لا إله إلا الله، فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحدا في تألهه، ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه، وإسلامه له، ودعائه له، والتوكل عليه، وموالاته فيه، ومعاداته فيه؛ ومحبته ما يحب؛ وبغضه ما يبغض ويفنى بحق التوحيد عن باطل الشرك؛ وهذا فناء يقارنه البقاء فيفنى عن تأله ما سوى الله بتأله الله تحقيقا لقوله: لا إله إلا الله، فيتقي ويفنى من قلبه تـأله ما سـواه


ويثبت ويبقى في قلبه تأله الله وحده؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي الحديث الآخر: "من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة" وقال في الصحيح "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنها حقيقة دين الإسلام فمن ما ت عليها مات مسلما".

والله تعالى قد أمرنا ألا نموت إلا على الإسلام في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] وقال الصديق ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101] والصحيح من القولين إنه لم يسأل الموت ولم يتمنه، وإنما سأل أنه إذا مات يموت على الإسلام، فسأل الصفة لا الموصوف كما أمر الله بذلك، وأمر به خليله إبراهيم وإسرائيل، وهكذا قال غير واحد من العلماء؛ منهم ابن عقيل وغيره، والله تعالى أعلم.. [المجموع: 8/ 370].

* قال - رحمه الله -:

فالبدع تكون في أولها شبرا ثم تكثر في الاتباع حتى تصير اذرعا وأميالا وفراسخ [المجموع: 8/ 425].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط، يقول: إن الله ضمن المتقين أن يجعل له مخرجا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون فيدفع عنهم ما يضرهم ويجلب لهم ما يحتاجون إليه، إذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا، فليستغفر الله وليتب إليه، ولهذا جاء في الحديث المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه الترمذي أنه قال: "من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" [المجموع: 8/ 526].

* قال - رحمه الله -:

وتلك هي الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام فإن الحنف هو إقبال القدم وميلها إلى أختها فالحنف الميل عن الشيء بالإقبال على آخر، فالدين الحنيف هو الإقبال على الله وحده والإعراض عما سواه، وهو الإخلاص الذي ترجمته كلمة الحق، والكلمة الطيبة، لا إله إلا الله. [المجموع: 9/ 319].

* قال - رحمه الله -:

وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [الزمر: 29] فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام أو الإسلام ضد الشرك والكبر [المجموع: 10/ 14].

* قال - رحمه الله -:

وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله، بل قد نهى عنه في مواضع وإن تعلق بأمر الدين كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ


كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127]، وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، وقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: 65]، وقوله: ﴿كَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23] وأمثال ذلك كثير.

وذلك لأنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم، كما يحزن على المصائب كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا على حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم وأشار بيده إلى لسانه".

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب" ومنه قول تعالى ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].

وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محمودًا من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير، وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهى عنه، وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن.

وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة، وإن كان محمودًا من جهة أخرى. [المجموع: 10/ 16].


* قال - رحمه الله -:

فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع: لأن هذين يجمعان الدين كله؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. [المجموع: 10/ 18].

* قال - رحمه الله -:

وأن الكرامة لزوم الاستقامة. [المجموع: 10/ 29].

* قال - رحمه الله -:

فإن الاستطاعة التي توجب الفعل تكون مقارنة له ولا تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: 20] وفي قوله: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: 101] وإما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، وقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب" [المجموع: 10/ 32].


* قال - رحمه الله -:

وقد ذكر الله هذه الكلمة "حسبي الله" في جلب المنفعة تارة، وفي دفع المضرة أخرى، فالأولى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 59] والثانية: في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 59] يتضمن الأمر بالرضا والتوكل.. [المجموع: 10/ 36].

* قال - رحمه الله -:

الرضا والتوكل يكتنفان المقدور، التوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام العبودية [المجموع: 10/ 37].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا كره للمرء أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه ما لا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك، أو يطلب ولاية، أو يقد على بلد فيه طاعون. [المجموع: 10/ 38].

* قال - رحمه الله -:

وقد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعا، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾


[البقرة: 45] ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الليْلِ﴾ [هود: 114] إلى قوله: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55] [المجموع: 10/ 39].

* وقال - رحمه الله -:

وجعل الأمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24] فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، والعمل به لا بد فيه من الصبر، بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر، كما قال معاذ بن جبل، رضي الله عنه: عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة؛ ومذاكرته تسبيح، به يعرف الله ويعبد، وبه يمجد الله ويوحد، يرفع الله بالعلم أقواما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم، وينتهون إلى رأيهم. [المجموع: 10/ 39].

* قال - رحمه الله -:

فالعلم النافع هو أصل الهدى، والعمل بالحق هو الرشاد، وضد الأول الضلال، وضد الثاني الغي، فالضلال العمل بغير علم، والغي اتباع الهوى، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 1، 2] فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر، ولهذا قال علي: إلا أن الصبر من الإيمـان بمنزلة الـرأس من الجسـد فإذا


انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له. [المجموع: 10/ 40].

* قال - رحمه الله -:

والذنوب تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه الله، وقد ترتفع درجته بالتوبة، قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير، إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فتكون نصب عينه فيتغفر الله ويتوب إليه منه.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الأعمال بالخواتيم" والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:

أن يتوب فيتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، أو يستغفر فيغفر له، أو يعمل حسنات تمحوه فإن الحسنات يذهبن السيئات، أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيا وميتا، أو يهدون له من


ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به، أو يشفع فيه نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أو يبتليه الله تعالى في الدنيا بمصائب تكفر عنه، أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه، أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه، أو يرحمه أرحم الراحمين.

فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه، كما قال تعالى فيما يروى عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم -. "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". [المجموع: 10/ 45].

* قال - رحمه الله -:

المحب التام لا يؤثر فيه لوم اللائم، وعذل العاذل بل ذلك يغربه بملازمة المحبة. [المجموع: 10/ 61].

* قال - رحمه الله -:

العبادة مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع.. [المجموع: 10/ 80].

* قال - رحمه الله -:

كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل. [المجموع: 10/85].


* قال - رحمه الله -:

فالعبد دائمًا بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنب منه يحتاج فيه إلى الاستغفار وكل من هذين من الأمور لازمة للعبد دائمًا فإنه لا يزال في نعم الله وآلائه ولا يزال محتاجًا إلى التوبة والاستغفار.. [المجموع: 10/ 88].

* قال - رحمه الله -:

والعمل له أثر في القلب من نفع وضرر وصلاح قبل أثره في الخارج، فصلاحها عدل لها وفسادها ظلم لها، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] قال بعض السلف: أن للحسنة لنورًا في القلب، وقوة في البدن وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسوادا في الوجه ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضا في قلوب الخلق [المجموع: 10/ 98].

* قال - رحمه الله -:

هذا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه نافس أبا بكر رضي الله عنه الإنفاق كما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر أن سبقته يوما، قال: فجئت بنصف مالي، قال: فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبقيت لأهلك" قلت: مثله،  وأتى أبـو بـكر، رضي الله عنه


بكل ما عنده، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبقيت لأهلك" قال: أبقيت لهم الله ورسوله فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة؛ لكن حال الصديق رضي الله عنه أفضل منه وهو أنه خال من المنافسة مطلقا لا ينظر إلى حال غيره. [المجموع: 10/ 117].

* قال - رحمه الله -:

والمقصود أن الحسد مرض من أمراض النفس، وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا قليل من الناس، ولهذا يقال: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، وقد قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ فقال: ما أنساك إخوة يوسف لا إبا لك ولكن عمه في صدرك، فإنه لا يضرك ما لم تعديه يدًا ولسانًا.

فمن وجد في نفسه حسدًا لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، وكثير من الناس الذين عندهم دين لا يعتدون على المحسود فلا يعينون من ظلمه، ولكنهم أَيضًا لا يقومون بما يجب من حقه، بل إذا ذمه أحد لم يوافقوه على ذمة ولا يذكرون محامده وكذلك لو مدحه أحد لسكتوا، وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقه مفرطون في ذلك؛ لا معتدون عليه، وجزاؤهم إنهم يبخسون حقوقهم فلا ينصفون أَيضًا في مواضع، ولا ينصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود، وأما من اعتدى بقول أو فعل فذلك يعاقب.

ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه، كما جرى


لزينب بنت جحش رضي الله عنها فأنها كانت هي التي تسامي عائشة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسد النساء بعضهم لبعض كثير غالب لا سيما المتزوجات بزوج واحد، فإن المرأة تغار على زوجها لحظها منه، فإنه بسبب المشاركة يفوت بعض حظها. [المجموع: 11/ 125].

* قال - رحمه الله -:

والشح مرض، والبخل مرض، والحسد شر من البخل كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" وذلك أن البخيل يمنع نفسه، والحسود يكره نعمة الله على عباده، وقد يكون في الرجل إعطاء لمن يعينه على أغراضه وحسد لنظرائه، وقد يكون فيه بخل بلا حسد لغيره والشح أصل ذلك.

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر 9] وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا"، وكان عبد الرحمن بن عوف يكثر من الدعاء في طوافه يقول: اللهم قني شح نفسي، فقال له رجل: ما أكثر ما تدعوا بهذا فقال: إذا وقيت شح نفسي وقيت الشح والظلم والقطيعة، والحسد يوجب الظلم. [المجموع: 10/ 128].


* قال - رحمه الله -:

والمقصود هنا مرض القلب فإنه أصل محبة النفس لما يضرها كالمريض البدن الذي يشتهي ما يضره، وإذا لم يطعم ذلك تألم، وإن أطعم ذلك قوى به المرض وزاد.

كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعا بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهي ذلك، فإن منع من مشتهاه تألم وتعذب، وإن أعطي مشتهاه قوي مرضه، وكان سببا لزيادة الألم.. [المجموع: 10/ 130].

* قال - رحمه الله -:

والجمهور لا يطلقون هذا اللفظ في حق الله؛ لأن العشق هو المحبة المفرطة الزائدة على الحد الذي ينبغي والله تعالى محبته لا نهاية لها فليست تنتهي إلى حد لا تنبغي مجاوزته.

قال هؤلاء: والعشق مذموم مطلقا لا يمدح لا في محبة الخلق ولا المخلوقة لأنه المحبة المفرطة الزائدة على الحد المحمود وأيضا فإن لفظ العشق إنما يستعمل في العرف في محبة الإنسان لامرأة أو صبي، لا يستعمل في محبة كمحبة الأهل والمال والوطن والجاه، ومحبة الأنبياء والصالحين، وهو مقرون كثيرًا بالفعل المحرم: إما بمحبة امرأة أجنبية أو صبي، يقترن به النظر المحرم، واللمس المحرم وغير ذلك من الأفعال المحرمة. [المجموع: 10/ 131].


* قال - رحمه الله -:

العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه: من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. [المجموع: 10/ 149].

* قال - رحمه الله -:

وقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119] فإن هذه الأمور هي أَيضًا من تمام تقوى الله وكذلك قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123] فإن التوكل والاستعانة هي من عبادة الله؛ لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصها، فإنها هي العون على سائل أنواع العبادة إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته.

وكلما ازداد تحقيقًا للعبودية، ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل فهو من أجهل الخلق وأضلهم. [المجموع: 10/ 176].

* قال - رحمه الله -:

والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل.

وقد قيل: إن الهجر الجميل، وهو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبه، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق، ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره انين المريض ويقول: إنه شكوى، فما أن أحمد حتى مات. [المجموع: 10/ 183].


* قال - رحمه الله -:

شهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر. [المجموع: 10/ 256].

* قال - رحمه الله -:

القلب لا يصلح، ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه الإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرج والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له، لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله، متوكلا عليه، مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له، فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه لا إله له غيره، وهو ربه لا رب له سواه. [المجموع: 10/ 194].

* قال - رحمه الله -:

القلب لا يصلح، ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه الإنابة إليه. [المجموع: 10/ 194].


* قال - رحمه الله -:

والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود.. [المجموع: 10/ 198].

* قال - رحمه الله -:

لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببًا للنجاة، والسعادة فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر.. [المجموع: 10/ 256].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والأعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7] فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23] فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه، ألا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31].

وكذلك المشرك يخاف المخلوقين، ويرجوهم، فيحصل له رعب كما


قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: 151] والخالص من الشرك يحصل له ألامن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82] وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الظلم هنا بالشرك، ففي الصحيح عن ابن مسعود: أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما هذا الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]".. [المجموع: 10/ 257].

* وقال - رحمه الله -:

وإذا كان العبد مخلصًا له اجتباه ربه فيحيي قلبه، واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله، فإنه في طلب وإرادة وحب مطلق فيهوى ما يسنح له ويتشبث ما يهواه، كالغصن أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيرا عبدا لمن لو اتخذه هو عبدا له لكان ذلك عيبا ونقصا وذما وتارة يجتذب الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة وتغضبه الكلمة ويستعبده من يثنى عليه ولو بالباطل، ويعادى من يذمه ولو بالحق، وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها فيتخذ إلهه هواه ويتبع هواه بغير هدى من الله.

ومن لم يكن خالصا لله عبدا له قد صار قلبه معبدا لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما  سواه، ويكون ذلـيلاً له


خاضعًا وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله.. [المجموع: 10/216].

* قال - رحمه الله -:

وما يظنه بعض الناس أنه من ولد على الإسلام فلم يكفر قط أفضل ممن كان كافرا فأسلم ليس بصواب؛ بل الاعتبار بالعاقبة وأيهما كان أتقى لله في عاقبته كان أفضل، فإنه من المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين آمنوا بالله ورسوله بعد كفرهم هم أفضل ممن ولد على الإسلام من أولادهم وغير أولادهم، بل من عرف الشر وذاقه ثم عرف الخير وذاقه فقد تكون معرفته بالخير ومحبته ومعرفته بالشر وبغضه له أكمل ممن لم يعرف الخير والشر ويذقهما كما ذاقهما؛ بل من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف أنه شر، فإما أن يقع فيه، وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي عرفه. [المجموع: 10/ 300].

* قال - رحمه الله -:

بل الاعتبار بالعاقبة وأيهما كان أتقى لله في عاقبته كان أفضل. [المجموع: 10/300].


* قال - رحمه الله -:

وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال، أو يستحضر تفصيله بال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه، ولهذا قال بعض السلف، يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرب باب سيدك: وقال بعض الشيوخ: أنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك؛ لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضى انصرفت، وفي بعض الإسرائيليات: يا بن آدم البلاء يجمع بني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك. [المجموع: 10/، 333].

* قال - رحمه الله -:

وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأ فإن ما فعله - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورين باتباعه فيه وإلا فلا، وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدين، وقد أقام صلوات الله عليه بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريبا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع، وأقام أربع ليال، وغار حراء قريب منه ولم يقصده. [المجموع: 10/ 393].


* قال - رحمه الله -:

التقوى أن يعمل الرجل بطاعة الله على نور من الله، يرجو رحمة الله، وأن يترك معصية الله على نور من الله، يخاف عذاب الله، ولا يتقرب إلى الله إلا بأداء فرائضه، ثم بأداء نوافله قال تعالى: "وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما اقترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" كما جاء في الحديث الصحيح الإلهي الذي رواه البخاري.. [المجموع: 10/ 433].

* قال - رحمه الله -:

وليس من السيئات ما يحبط الأعمال الصالحة إلا الردة، كما أنه ليس من الحسنات ما يحبط جميع السيئات إلا التوبة [المجموع: 10/ 440].

* قال - رحمه الله -:

والفرق ثابت بين الحب لله والحب مع الله، فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير الله لله، والمشركون يحبون غير الله مع الله، كحب المشركين لآلهتهم، وحب النصارى للمسيح، وحب أهل الأهواء رءوسهم.. [المجموع: 10/ 465].

* قال - رحمه الله -:

وذلك أن تخيير ولي الأمر بين القتل والاسترقاق، والمن والفداء ليس تخيير شهوة، بل تخيير رأي ومصلحة، فعليه أن يختار  الأصلـح فـإن


اختار ذلك فقد وافق حكم الله وإلا فلا. [المجموع: 10/ 470].

* قال - رحمه الله -:

فالكمال في كمال طاعة الله ورسوله باطنًا وظاهرًا.. [المجموع: 10/ 546].

* قال - رحمه الله -:

ومرض النفس: أما شبهة وأما شهوة أو غضب، والثلاثة توجب السخونة، ويقال لمن نال مطلوبه: برد قلبه، فإن الطالب فيه حرارة الطلب.. [المجموع: 10/ 635].

* قال - رحمه الله -:

لكن الله إذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه، وإذا تعرض العبد بنفسه إلى البلاء وكله الله إلى نفسه [المجموع: 10/ 577].

* قال - رحمه الله -:

وإن الزهد هو عما لا ينفع إما لانتفاء نفعه، أو لكونه مرجوحا؛ لأنه مفوت لما هو انفع منه، أو محصل لما يربو ضرره على نفعه، وأما المنافع الخالصة أو الراجحة: فالزهد فيها حمق.

وأما الورع فإنه الإمساك عما قد يضر، فتدخل فيه المحرمات.


والشبهات لأنها قد تضر، فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه.. [المجموع: 10/ 615].

* قال - رحمه الله -:

فالإيمان إذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب، بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه، والناس متفاوتون في ذوقه، والفرح والسرور الذي في القلب له من البشاشة ما هو بحسب وإذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: 36] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124] فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من القرآن، والاستبشار هو الفرح والسرور، وذلك لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة واللذة والبهجة بما أنزل الله.

واللذة أبدا تتبع المحبة فمن أحب شيئًا ونال ما أحبه وجد اللذة به، فالذوق هو إدراك المحبوب، واللذة الظاهرة كالآكل مثلا: حال الإنسان فيها أنه يشتهي الطعام ويحبه، ثم يذوقه ويتناوله فيجد حينئذ لذته وحلاوته، وكذلك النكاح وأمثال ذلك.

وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم محبة المؤمنين لربهم، ولـيس  في  الوجود  ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى،


وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يحب لأجل الله، ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله. [المجموع: 10/ 648].

* قال - رحمه الله -:

والمقصود هنا: إن أهل الإيمان يجدون بسبب محبهم لله ولرسوله من حلاوة الإيمان ما يناسب هذه المحبة. [المجموع: 10/ 650].

* قال - رحمه الله -:

فإذا وجد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا والله أعلم. [المجموع: 10/652].

* قال - رحمه الله -:

ينبوع الخير وأصله إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 123] وفي قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: 17] بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعا بهم، أو عملا لأجلهم، ويجعل همته ربه تعالى وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير العلم له بكل محبوب، ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك. [المجموع: 10/ 659].

* وقال - رحمه الله -:

قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "هلك المتنطعون" وقال: "لو مد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم" مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن يقوم قائما ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه" رواه البخاري وهذا باب واسع.

وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على أهل الإسلام الكلمتين، وهما أفضل الأعمال، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحانه الله العظيم" أخرجاه في الصحيحين.

ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته لكان صحيحًا اتصاف الأول، باعتبار تعلقه بالأمر، والثاني: باعتبار صفته في نفسه، والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط، وتارة من جهة صفته في نفسه، وتارة من كلا الأمرين، فبالاعتبار الأول ينقسم إلى طاعة  ومعصية، وبالثاني ينقسم إلى حسنة وسيئة، والطاعة والمعصية اسم له


من جهة الأمر، والحسنة والسيئة اسم له من جهة نفسه.. [المجموع: 10/ 621].

* قال - رحمه الله -:

فأنفع ما للخاصة والعامة: العلم ما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو اتباع السيئات الحسنات، والحسنات ما ندب الله إليه على لسان خاتم النبيين: من الأعمال، والأخلاق والصفات، ومما يزيل موجب الذنوب: المصائب المكفرة، وهي كل ما يؤلم من: هم، أو حزن، أو أذى في مال، أو عرض، أو جسد، أو غير ذلك، لكن ليس هذا من فعل العبد.. [المجموع: 10/ 657].

* قال - رحمه الله -:

وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من قطعك بالسلام، والإكرام، والدعاء له، والاستغفار والثناء عليه، والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم، والمنفعة، والمال وتعفو عمن ظلمك: في دم، أو مال، أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحب.

وأما الخلق العظيم الذي وصف به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقا، هكذا قال مجاهد وغيره، وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر.. [المجموع: 10/ 658].

* قال - رحمه الله -:

وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من قطعك بالسلام، والإكرام، والدعاء له، والاستغفار والثناء عليه، والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم، والمنفعة، والمال وتعفو عمن ظلمك: في دم، أو مال، أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحب. [المجموع: 10/ 658].

* وقال - رحمه الله -:

الحمد لله أما بعد: فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل: هجر بلا أذى، والصفح الجميل: صفح بلا عتاب، والصبر الجميل: صبر بلا شكوى، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: 86] مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18] فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل [المجموع: 10/ 666].

* قال - رحمه الله -:

ومن له في الأمة لسان صدق عام، بحيث يثنى عليه، ويحمد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل، فهم بعداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن، وما تهوى الأنفس. [المجموع: 11/ 43].


* قال - رحمه الله -:

فالكفار المشركون مقرون أن الله خالق السموات والأرض، وليس في جميع الكفار من جعل شريكا مساويا له في ذاته وصفاته وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط، لا من المجوس الثنوية، ولا من أهل التثليث، ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة، ولا من عباد الأنبياء والصالحين، ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم، فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفارا مشركين متنوعين من الشرك فهم مقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته، جميع أفعاله، ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته، بأن يعبدوا معه آلهة أخرى، يتخذونها شفعاء أو شركاء أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب، وخالق ذلك الخلق. [المجموع: 11/ 51].

* قال - رحمه الله -:

ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية أي قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8، 9] فإن في الحديث الذي في سنن أبي داود: "من اسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له، حتى تعلموا إنكم قد كافأتموه" ولهذا كانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للرسول، اسمع ما دعوا به لنا؛ حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا ويبقى أجرنا على الله.

وقال بعض السلف: إذا اعطيت المسكين فقال: بارك الله عليك فقل: بارك الله عليك، أراد أنه إذا أثابك بالدعاء فادع له بمثل ذلك الدعاء حتى لا تكون اعتضت منه شيئًا، هذا والعطاء لم يطلب منهم.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما نفعني مال كمال أبي بكر" انفقه يبتغي به وجه الله، كما أخبر الله عنه لا يطلب الجزاء من مخلوق لا نبي ولا غيره، لا بدعاء ولا شفاعة. [المجموع: 11/ 111].

عن الحمد والشكر ما حقيقتهما؟ هل هما معنى واحد، أو معنيان؟ وعلى أي شيء يكون الحمد؟ وعلى أي شيء يكون الشكر؟

فأجاب - رحمه الله -:

الحمد يتضمن المدح، والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد، أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر، لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإن الله تعالى يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: 1] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1].

وأما "الشكر" فإنه لا يكون إلا على الأنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه؛ لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي، ولساني، الضمير المحجبا.

ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13].

و"الحمد" إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه، ومن هذا الحديث: "الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره" وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" والله أعلم [المجموع: 11/ 133].

* قال - رحمه الله -:

وليس لأولياء الله تعالى شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحرق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحا كما قيل، كم من صديق في قباء: وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزراع... [المجموع: 11/ 194].

* قال - رحمه الله -:

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المرء مع أحب" فهو من أصح الأحاديث وقال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث، فأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أحشر معهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم. [المجموع: 11/ 517].


* قال - رحمه الله -:

والله سبحانه أرسل الرسل بإنه لا إله إلا هو فتخلوا القلوب عن محبة ما سواه بمحبته وعن رجاء ما سواه، برجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن العمل لما سواه بالعمل له وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به، ولهذا كان وسط الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، نصفين فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل" [المجموع: 11/ 524].

* قال - رحمه الله -:

ومما يبين الحب لله والحب لغير الله: أن أبا بكر كان يحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مخلصا لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 17-21]، وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله؛ بل أدخل النار، لأنه كان مشركا عاملا لغير الله، وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق، لا من النبي ولا من غيره، بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى الله وطالبا الأجر من الله ورسوله يبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40].. [المجموع: 11/ 525].

* قال - رحمه الله -:

وكذلك إذا وجد العبد تقصيرا في حقوق القرابة والأهل والأولاد والجيران والإخوان فعليه بالدعاء لهم والاستغفار، قال حذيفة بن اليمان للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن لي لسانا ذربا على أهلي، فقال له: "أين أنت من الاستغفار؟ إني لاستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة". [المجموع: 11/ 698].

* قال - رحمه الله -:

الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين.. [المجموع: 10/ 39].


* قال - رحمه الله -:

والمقصود هنا: أن من خالف الرسول فلا بد أن يتبع الظن وما تهوى الأنفس كما قال تعالى في المشركين الذين يعبدون اللات والعزى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23]. [المجموع: 13/ 67].

* قال - رحمه الله -:

وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة: تارة يكون الجني يحب المصروع فيصرعه ليتمتع به، وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل، وتارة يكون الإنسي آذاهم إذا بال عليهم، أو صب عليهم ماء حارا، أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى وهذا أشد الصرع، وكثيرًا ما يقتلون المصروع، وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس، بابناء السبيل.. [المجموع: 13/ 82].

* قال - رحمه الله -:

العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق. [المجموع: 13/ 344].


* قال - رحمه الله -:

العلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما زيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود.. [المجموع: 13/ 329].

* قال - رحمه الله -:

وقد جاء مأثورًا عن الحسن البصري رواه ابن ماجه وغيره أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الأربعة، وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع القرآن في المفصل، وجمع المفصل في أم القرآن، وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين الجامعتين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإن علم الكتب المنزلة من السماء اجتمع في هاتين الكلمتين الجامتين.. [المجموع: 14/ 7].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30] فذكر هنا الأسماء الثلاثة: (الرحمن) و(ربي) و (الإله) وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ كما ذكر الأسماء الثلاثة. [المجموع: 14/ 13].


* قال - رحمه الله -:

فإن العبد إنما خلق لعبادة ربه فصلاحه وكماله ولذته وفرحه وسروره في أن يعبد ربه وينيب إليه، وذلك قدر زائد على مسألته والافتقار إليه؛ فإن جميع الكائنات حادثة بمشيئته قائمة بقدرته وكلمته، محتاجة إليه، فقيرة إليه، مسلم له طوعا وكرها، فإذا شهد العبد ذلك وأسلم له وخضع فقد آمن بربوبيته ورأى حاجته وفقره إليه صار سائلا له متوكلا عليه مستعينا به إما بحالة أو بقاله، بخلاف المستكبر عنه المعرض عن مسألته.. [المجموع: 14/ 32].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا قيل: إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد، وعن كمال الطاعة لأنه عقب آية الدعاء بقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: 186] والطاعة والعبادة هي مصلحة العبد التي فيها سعادته ونجاته، وأما إجابة دعائه وإعطاء سؤاله فقد يكون منفعة وقد يكون مضرة، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11] وقال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 19] وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55] وقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاه﴾ [الأعراف: 175] وقال: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل على أهل جابر فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون".. [المجموع: 14/ 33].

* قال - رحمه الله -:

والإنسان خلق ظلوما جهولا، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائما إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه ورضاه وغضبه وفعله وتركه وإعطائه ومنعه وأكله وشربه ونومه ويقظته، فكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى لم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم وقد قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1] فإذا كان هذه حاله في آخر حياته أو قريبا منها فكيف حال غيره. [المجموع: 14/ 38].

* قال - رحمه الله -:

حصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحس بالطعام والشراب، وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامه وشرابها. [المجموع: 4/ 41].


* قال - رحمه الله -:

والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع كقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: 155] وقال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 109، 110] وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10] وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].. [المجموع: 14/ 152].

* قال - رحمه الله -:

لا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات، واللذة التي تبغي بعد الموت، وتنفع في الآخرة هي لذة العلم بالله والعمل له، وهو الإيمان بالله.. [المجموع: 14/ 162].

* قال - رحمه الله -:

وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه، فإذا ابتلى المسلم بعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه في طاعة الله تعالى وهو مأمور


بهذا الجهاد، وليس هو أمرا حرمه على نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه؛ بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه، فتكون المجاهدة للنفس في طاعة الله ورسوله: [المجموع: 14/ 207].

* قال - رحمه الله -:

وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - البغض في الله من أوثق عرى الإيمان وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك، وكذلك براءة الخليل من قومه المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا، بل صادرا عن بغض وعداوة، وأما السيئات فمنشأها من الظلم والجهل، وفي الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعلها؛ فإن هذه خاصة العقل، وقد يعقل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة، والغفلة والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: 28] [المجموع: 14/ 224].

* قال - رحمه الله -:

تحقيق قول: لا إله إلا الله، هو إثبات تأليه القلب لله حبًّا خالصًا، وذلاً صادقًا، ومنع تأليهه لغير الله، وبغض ذلك وكراهته، فلا يعبد إلا الله، ويحب أن يعبده، ويبغض عبادة غيره، ويحب التوكل عليه وخشيته ودعاءه، ويبغض التوكل على غيره، وخشيته ودعاءه. [المجموع: 14/ 280].


* وقال - رحمه الله -:

وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى الصبر.

أما نعمة الضراء: فاحتياجها إلى الصبر ظاهر، وأما نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء، كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر، وفي الحديث: "أعوذ بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى".

والفقر: يصلح عليه خلق كثير، والغنى: لا يصلح عليه إلا أقل منهم.

ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء، اللذة وفي الضراء، الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ [هود: 9، 10]. [المجموع: 14/ 305].

* قال - رحمه الله -:

المقصود بالزهد: ترك ما يضر العبد في الآخرة، وبالعبادة: فعل ما ينفع في الآخرة، فإذا ترك الإنسان ما ينفعه في دينه، وينفعه في آخرته، فعل من العبادة ما يضر فقد اعتدى وأسرف، وإن ظن ذلك زهدا نافعا، وعبادة نافعة.. [14/ 458].


* قال - رحمه الله -:

فما حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه.. [المجموع: 15/ 21].

* قال - رحمه الله -:

والداعي إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله أياها يبعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله مفسد فإن عباده غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم الفساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك بالله، ومخهالفة أمره، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41] قال عطية في الآية: ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم، وقال غير واحد من السلف، إذا قحط المطر فالدواب تلعن عصاه بني آدم، فتقول: اللهم العنهم فبسبهم أجدبت الأرض، وقحط المطر.. [المجموع: 15/ 24].

* قال - رحمه الله -:

وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، أو مطاع متبع غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -، هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صـلاح لها ولأهلها إلا أن يكون الله وحده  هو المعبود والدعوة لا لغيره،


والطاعة والاتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة: فإن الله أصلح الأرض برسوله - صلى الله عليه وسلم - ودينه، وبالأمر بالتوحيد، ونهى عن فسادها بالشرك به، ومخالفة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.. [المجموع: 15/ 24].

* قال - رحمه الله -:

ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدعوة إلى غير الله، ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه، وفي غيره عموما وخصوصا ولا حول ولا قوة إلا بالله.. [المجموع: 15/ 25].


* قال - رحمه الله -:

وإذا قال القائل: فالتوبة لا تكون إلا عن ذنب، والاستغفار كذلك، قيل له: الذنب الذي يضر صاحبه هو ما لم يحصل منه توبة، فأما ما حصل منه توبة فقد يكون صاحبه بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة، كما قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة أحسن منه حالا قبل الخطيئة، ولو كانت التوبة من الكفر والكبائر؛ فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم خيار الخليفة بعد الأنبياء، وإنما صاروا كذلك بتوبتهم مما كانوا عليه من الكفر والذنوب، ولم يكن ما تقدم قبل التوبة نقصا ولا عيبا، بل لما تابوا من ذلك وعملوا الصالحات كانوا أعظم إيمانا، وأقوى عبادة وطاعة ممن جاء بعدهم؛ فلم يعرف الجاهلية كما عرفوها. [المجموع: 15/ 55].

* قال - رحمه الله -:

فالعبد المؤمن إذا تاب وبدل الله سيئاته حسنات انقلب ما كان بضره من السيئات بسبب توبته حسنات بنفعه الله بها، فلم تبق الذنوب بعد التوبة مضرة له؛ بل كانت توبته منها من أنفع الأمور له، والاعتبار بكمال النهاية لا ينقص البداية، فمن نسي القرآن ثم حفظه خير من حفظه الأول لم يضره النسيان، ومن مرض ثم صح وقوي لم يضره المرض العارض.

والله تعالى يبتلي عبده المؤمن بما يتوب منه؛ ليحصل له بذلك من تكميل العبودية والتضرع، والخشوع لله والإنابة إليه، وكمال الحذر في المستقبل والاجتهاد في العبادة ما لم يحصل بدون التوبة كمن ذاق الجـوع والعطش، والمرض والفقر والخوف، ثم ذاق الشبع والري والعافية


والغنى والأمن، فإنه يحصل له من المحبة لذلك وحلاوته ولذته، والرغبة فيه وشكر نعمة الله عليه، والحذر أن يقع فيما حصل أولا ما لم يحصل بدون ذلك، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

وينبغي أن يعرف أن التوبة لا بد منها لكل مؤمن، ولا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله، ويزول عنه كل ما يكره إلا بها.. [المجموع: 15/ 55].

* قال - رحمه الله -:

والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله فمقصوده إقامة دين الله لا استيفاء الرجل حظه؛ ولهذا كان ما يصاب به المجاهد في نفسه وماله أجره فيه على الله؛ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، بأن لهم الجنة، حتى إن الكفار إذا أسلموا أو عادوا لم يضمنوا ما اتلفوه للمسلمين من الدماء والأموال؛ بل لو أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما اتلفوه للمسلمين من الدماء والأموال؛ بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين كان ملكًا لهم عند جمهور العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو الذي مضت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين. [المجموع: 15/ 170].

* قال - رحمه الله -:

ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب، فإن الشهوة توجب السكر كما قال تعالى عن قوط لوط ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾


[الحجر: 72].

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "العينان تزنيان وزناهما النظر" الحديث إلى آخره، فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع المذكورة في هذه الحديث: كالنظر، والاستمتاع والمخاطبة، ومنهم من يرتقى إلى اللمس والمباشرة ومنهم من يقبل وينظر، وكل ذلك حرام، وقد نهانا الله عز وجل أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد فكيف بما هو دون ذلك من هجر وأدب باطن ونهى وتوبيخ وغير ذلك؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في هذا الحديث المتقدم وغيره.[المجموع: 15/ 288].

* قال - رحمه الله -:

فليس الرأفة به والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات، ولا يعان على ذلك، ولا أن يمكن من ترك ما ينفعه من الطاعات التي تزيل مرضه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] أي: فيها الشفاء وأكبر من ذلك. [المجموع: 15/ 289].

* قال - رحمه الله -:

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 21].

فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع، والينابيع جمع ينبوع وهو منبع الماء، كالعين والبئر، فدل القرآن على أن ماء


السماء تنبع منه الأرض، والاعتبار يدل على ذلك، فإنه إذا كثر ماء السماء كثرت الينابيع وإذا قل قلت.

وماء السماء ينـزل من السحاب، والله ينشئه من الهواء الذي في الجو، وما يتصاعد من الأبخرة.

وليس في القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء، ولا هذا أَيضًا معلوما بالاعتبار، فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال، ويكون فيها أنجرة يخلق منها الله، والأنجرة وغيرها من الأهوية قد تستحيل، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج، فإنه يبقى ما أحاط به ماء وهو هواء استحال ماء، وليس ذلك من ماء السماء، فعلم أنه ممكن أن يكون في الأرض ماء ليس من السماء، فلا يجزم بأن جميع المياه من ماء السماء، وإن كان غالبها من ماء السماء والله أعلم. [المجموع: 16/ 16].

* وقال - رحمه الله -:

وأما قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 3] فقد بين فيها أن المتقى بدفع الله عنه المضرة بما يجعله له من المخرج، ويجلب له من المنفعة بما ييسره له من الرزق، والرزق اسم لكل ما يتغتذى به الإنسان، وذلك يعم رزق الدنيا ورزق الآخرة، وقد قال بعضهم: ما افتقر تقى قط، قالوا: ولم؟ قال: لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

وقول القائل: قد نرى من يتقي وهو محروم، ومن هو بخلاف ذلك، وهو مرزوق.

فجوابه: أن الآية اقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب، ولم  تدل على أن غير المتقي لا يرزق؛ بل لا بد لكل مخلوق من الرزق، قال


الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6] حتى أن ما يتناوله العبد من الحرم هو داخل في هذا الرزق، فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة، ويرزقون رزقا حسنا، وقد لا يرزقون إلا بتكلف، وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة، ولا يكون خبيثا، والتقى لا يحرم ما يحتاج إليه من الرزق، وإنما يحصى من فضول الدنيا رحمة به وإحسانا إليه، فإن توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه، وتقديره يكون رحمة لصاحبه. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي * كَلَّا﴾ [الفجر: 15، 16] أي: ليس الأمر كذلك، فليس كل من وسع عليه رزقه يكون مكرما، ولا كل من قدر عليه رزقه يكون مهانا، بل قد يوسع عليه رزقه إملاء واستدراجا، وقد يقدر عليه رزقه حماية وصيانة له، وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون لما له من ذنوب وخطايا، كما قال بعض السلف، أن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب".

وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات يذهبن السيئات، والاستغفار سبب للرزق والنعمة، وأن المعاصي سبب للمصائب والشدة فقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1] إلى قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: 15، 16]. وقال تعـالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْـهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ


وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: 96] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9] وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 42، 43].

وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يبتلى عباده بالحسنات والسيئات؛ فالحسنات هي النعم، والسيئات هي المصائب، ليكون العبد صبارا شكورا، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، أن أصابته سراء شكر فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له". [المجموع: 16/ 54].

* قال - رحمه الله -:

قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] دلت على علمه بالأشياء من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي:

أحدها: أنه خالق لها، والخلق هو الإبداع بتقدير، فتضمن تقديرها في العلم قبل تكوينها.

الثاني: أنه مستلزم للإرادة والمشيئة؛ فيلزم تصور المراد، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام.

الثالث: أنها صادرة عنه، وهو سببها التام، والعلم بالأصل يوجب العلم بالفرع، فعلمه بنفسه يستلزم علم كل ما يصدر عنه.

الرابع: إنه لطيف يدرك الدقيق، خبير يدرك الخفي، وهذا هو المقتضى للعلم بالأشياء، فيجب وجود المقتضى لوجود السبب التام.. [المجموع: 16/ 60].

* قال - رحمه الله -:

ثم قال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: 10] إلخ، ذكر أربع آيات كل أيتين جمعت نوعا من الأخلاق الفاسدة المذمومة، وجمع في كل آية بين النوع المتشابه خبرا وطلبا، فالحلاف مقرون بالمهين، لأن الحلاف هو كثير الحلف، وإنما يكون على الخبر أو الطلب، فهو إما تصديق أو تكذيب، أو حض أو منع؛ وإنما يكثر الرجل ذلك في خبره إذا احتاج أن يصدق ويوثق بخبره، ومن كان كثير الحلف كان كثير الكذب في العهد محتاجا إلى الناس فهو من أذل الناس ﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ حلاف في أقواله مهين في أفعاله.

وأما الهماز المشاء بنميم، فالهمز أقوى من اللمز وأشد سواء كان همز الصوت أو همز حركة ومنه الهمزة، وهي نبرة من الحلق مثل التهوع، ومنه الهمز بالعقب، كما في حديث زمزم: أنه همز جبريل بعقبه، والفعال: مبالغة في الفاعل، فالهماز المبالغ في العيب نوعًا وقدرًا، القدرة من صورة اللفظ، وهو الفعال، والنوع من مادة اللفظ، هو الهمزة والمشاء بنميم هو من العيب، ولكنه عيب في القفا، فهو عيب الضعيـف العاجز،  فذكر  العياب بالقوة، والعياب بالضعف، والعياب في مشهد والعياب في مغيب.

وأما ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق: 25] فإن الظلم نوعان: ترك الواجب وهو منع الخير، وتعد على الغير وهو المعتدي، وأما الأثيم مع المعتدي فكقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 25].

وأما العتل الزنيم: فهو الجبار الفظ الغليظ الذي قد صار من شدة تجبره وغلظه معروفا بالشر، مشهورا به، له زنمة كزنمة الشاة.

ويشبه والله أعلم، أن يكون الحلاف المهين الهماز المشاء بنميم من جنس واحد، وهو في الأقوال وما يتبعها من الأفعال، والمناع المعتدي الأثيم العتل الزنيم من جنس وهو في الأفعال وما يتبعها من الأقوال، فالأول الغالب على جانب الأعراض، والثاني الغالب على جانب الحقوق في الأحوال والمنافع ونحو ذلك، ووصفه بالظلم والبخل والكبر كما في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36] [المجموع: 16/ 66].

* قال - رحمه الله -:

وقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ إلخ، فيه بيان حال البخلاء، وما يعاقبون به في الدنيا قبل الآخرة من تلف الأموال، إما إغراقا وإما إحراقا، وأما نهبا وإما مصادرة وإما في شهوات الغي وإما في غير ذلك مما يعاقب به البخلاء، الذين يمنعون الحق، وليس أقدام في صنايع الحروف، وهو قوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ وهو أحد نوعي الظلم، كما أخبروا عن نفوسهم في وقولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [القلم: 31] وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: "مطل الغني ظلم". [المجموع: 16/ 69].


* قال - رحمه الله -:

والمقصود أن الصلاة والنسك هما أجل ما يتقرب به إلى الله فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك وهو الصلاة والنحر سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله إياه من الكوثر، والخير الكثير، فشكر المنعم عليه وعبادته أعظمها هاتان العبادتان، بل الصلاة نهاية العبادات، وغاية الغايات، كأنه يقول: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الخير الكثير، وأنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا بهاتين العبادتين، شكرا لأنعامنا عليك، وما السبب لأنعامنا عليك بذلك، فقم لنا بهما.

فإن الصلاة والنحر محفوفان بأنعام قبلها، وأنعام بعدهما، وأجل العبادات المالية النحر، وأجل العبادات البدنية الصلاة، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا يجتمع له في غيرها من سائر العبادات، كما عرفه أرباب القلوب الحية، وأصحاب الهمم العالية، وما يجتمع له في نحره من إيثار الله، وحسن الظن به وقوة اليقين، والوثاق بما في يد الله أمر عجيب، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص، وقد امتثل النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ربه فكان كثير الصلاة لربه كثير النحر، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة، وكان ينحر في الأعياد وغيرها. [المجموع: 16/ 532].

* قال - رحمه الله -:

فإنه سبحانه إذا أنعم على عبد بباب من الخير وأمره بالأنفاق فيه فبخل عاقبه بباب من الشر، يذهب فيه أضعاف ما بخل به، وعقوبته في الآخرة مدخرة ثم اتبع ذلك بعقوبة المتكبر الذي هو من نوع العتل الزنيم، الذي يدعي إلى السجود والطاعة فيأبى ففيها عقوبة تارك الصلاة وتارك الزكاة فتارك الصلاة هو المعتدي الأثيم، والعتل الزنيم، وتارك الزكاة الظالم البخيل.. [المجموع: 17/ 69].

* قال - رحمه الله -:

ولجماعة من الفضلاء كلام في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 32] ولم ابتدأ بالأخ ومن عادة العرب أن يبدأ بالأهم؟ فلما سئلت عن هذا قلت: أن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه، فتارة يقتضي الابتداء بالأعلى وتارة بالأدنى، وهنا المناسبة تقتضي الابتداء بالأدنى لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه مفصلا شيئًا بعد شيء فلو ذكر الأقرب أولا لم يكن في ذكر الأبعد فائدة طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فر من الأقرب فر من الأبعد، ولما حصل للمستمع استشعار الشدة مفصلة، فابتدئ بنفي الأبعد منتقلا منه إلى الأقرب، فقيل أولا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ فعلم أن ثم شدة توجب ذلك، وقد يجوز أن يفر من غيره ويجوز أن لا يفر فقيل: ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ فعلم أن الشدة أكبر من ذلك بحيث توجب الفرار من الأبوين.

ثم قيل: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ فعلم أنها طامة بحيث توجب الفرار مما لا يفر منهم إلا في غاية الشدة وهي الزوجة والبنون، ولفظ صاحبته أحسن من زوجته. [المجموع: 16/ 74].

* قال - رحمه الله -:

والمقصود أن الكوثر نهر في الجنة، وهو من الخير الكثير الذي أعطاه الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - في الـدنيا والآخرة، وهذا غير ما يعطيه الله من الأجر الذي


هو مثل أجور أمته إلى يوم القيامة، فكل من قرأ أو علم أو عمل صالحا أو علم غيره أو تصدق أو حج أو جاهد أو رابط أو تاب أو صبر أو توكل أو نال مقامات من المقامات القلبية من خشية وخوف ومعرفة وغير ذلك، فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر ذلك العامل، والله أعلم.. [المجموع: 16/ 531].

* قال - رحمه الله -:

ثم ذكروا: لم سميت أحسن القصص؟ فقيل: لأنه ليس في القرآن قصة تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة.

وقيل: لامتداد الأوقات بين مبتدأها ومنتهاها، وقيل لحسن محاورة يوسف وإخوانه، وصبره على أذاهم، وإغضائه عن ذكر ما تعاطوه عند اللقاء، وكرمه في العفو، وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن والأنعام والطير وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال والنساء ومكرهن وحيلهن، وفيها أَيضًا ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، فصارت أحسن القصص لما فيها من المعاني والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وقيل فيها ذكر الحبيب والمحبوب، وقيل أحسن بمعنى أعجب.

والذين يجعلون قصة يوسف أحسن القصص منهم من يعلم أن القص بالفتح هو النبأ والخبر، ويقولون: هي أحسن الأخبار والأنباء، وكثير منهم يظن أن المراد أحسن القصص بالكسر، وهؤلاء جهال بالعربية وكلا القولين خطأ وليس المراد بقوله: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسـف: 3] قصة يوسف  وحدها  بل هي مما قصة الله، ومما يدخل في


أحسن القصص، ولهذا قال تعالى في آخر السورة ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 109-111] فبين أن العبرة في قصص المرسلين، وأمر بالنظر في عاقبة من كذبهم، وعاقبتهم بالنصر.

ومن المعلوم أن قصة موسى وما جرى له مع فرعون وغيره أعظم وأشرف من قصة يوسف بكثير كثير، ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن، ثناها الله أكثر من غيرها، وبسطها وطولها أكثر من غيرها؛ بل قصص سائر الأنبياء كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم من المرسلين، أعظم من قصة يوسف.

لهذا ثنى الله تلك القصص في القرآن ولم يثن قصة يوسف وذلك لأن الذين عادوا يوسف لم يعادوه على الدين بل عادوه عداوة دنيوية، وحسدوه على محبة أبيه، له وظلموه فصبر واتقى الله، وابتلى صلوات الله عليه بمن ظلمه وبمن دعاه إلى الفاحشة فصبر واتقى الله في هذا وفي هذا، وابتلى أَيضًا بالملك فابتلى بالسراء والضراء فصبر واتقى الله في هذا وهذا، فكانت قصته من أحسن القصص، وهي أعظم من إيمانه، ودرجته عند الله وأجره من صبر على ظلم إخوانه له، ولهذا يعظم يوسف بهذا أعظم مما يعظم بذلك، ولهذا قال تعالى فيه: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. [المجموع: 17/20].


* وقال - رحمه الله -:

وهذا كالصبر عن المعاصي مع الصبر على المصائب، فالأول أعظم وهو صبر المتقين أولياء الله، قال سهل بن عبد الله التستري: أفعال البر يفعلها والفاجر، ولن يصبر عن المعاصي إلا صديق، ويوسف صلوات الله عليه كان صديقا نبيا، وأما من يظلم بغير اختياره ويصبر فهذا كثير، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، وكذلك إذا مكن المظلوم وقهر ظالمه فتاب الظالم وخضع له فعفوه عنه من المحاسن والفضائل، لكن هذا يفعله خلق كثير من أهل الدين، وعقلاء الدنيا، فإن حلم الملوك والولاة أجمع لأمرهم وطاعة الناس لهم، وتأليفهم لقلوب الناس، وكان معاوية من أحلم الناس، وكان المأمون حليمًا حتى كان يقول: لو علم الناس محبتي في العفو تقربوا إلي بالذنوب، ولهذا لما قدر على من نازعه في الملك وهو عمه إبراهيم بن المهدي عفا عنه.

وأما الصبر عن الشهوات والهوى الغالب لله، لا رجاء لمخلوق ولا خوفا منه، مع كثرة الدواعي إلى فعل الفاحشة واختياره الحبس الطويل على ذلك كما قال يوسف: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33] لا يوجد نظيره إلا في خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24] فهذا من عباد الله المخلصين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: 65] ولهذا لم يصدر من يوسف الصديق ذنبا أصلا، بل الهم الذي هم به لما تركه لله كتب له به حسنة ولهذا لم يذكر عنه سبحانه توبة واستغفارا كما ذكر توبة الأنبياء كآدم وداود ونوح وغيرهم، وإن لم يذكر عن أولئك الأنبياء فاحشة والله الحمد، وإنما كانت توباتهم من أمور أخر هي حسنات بالنسبة إلى غيرهم.


ولهذا لا يعرف ليوسف نظير فيما ابتلى به من دواعي الفاحشة وتقواه وصبره في ذلك وإنما يعرف لغيره ما هو دون ذلك كما في الصحيحين عن النبي صلى الله وسلم أنه قال: "سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فاخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفع يمينه".

وإذا كان الصبر على الأذى لئلا يفعل الفاحشة أعظم من صبره على ظلم إخوانه فكيف بصبر الرسل على أذى المكذبين لئلا يتركوا ما أمروا به من دعوتهم إلى عبادة الله وحده وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.. [المجموع: 17/ 24].

* وقال - رحمه الله -:

ومما ينبغي أن يعلم أن فضل القراءة والذكر والدعاء والصلاة وغير ذلك قد يختلف باختلاف حال الرجل، فالقراءة بتدبر أفضل من القراءة بلا تدبر، والصلاة بخشوع وحضور القلب أفضل من الصلاة بدون ذلك وفي الآثر: "إن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحد وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض" وكان بعض الشيوخ يرقى بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وكان لها بركة عظيمة، فيرقى بها غيره فلا يحصل ذلك فيقول: ليس ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ من كل أحد تنفع كل أحد.

وإذا عرفت ذلك فقد يكون تسبيح بعض الناس أفضل من قراءة غيره، يكون قراءة بعض السور من بعض الناس أفضل من قراءة غيره لـ ﴿قُلْ هُوَ


اللهُ أَحَدٌ﴾ وغيرها، والإنسان الواحد يختلف أَيضًا حاله، فقد يفعل العمل المفضول على وجه كامل فيكون به أفضل من سائر أعماله الفاضلة، وقد غافر الله لبغي لسقيها الكلب، كما ثبت ذلك في الصحيحين، وهذا لما حصل لها في ذلك العمل من الأعمال القلبية وغيرها.

وقد ينفق الرجل أضعاف ذلك فلا يغفر له، لعدم الأسباب المزكية للعمل، فإن الله إنما يتقبل من المتقين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" يقوله عن أصحابه السابقين الأولين رضي الله عنهم.. [المجموع: 17/ 139].

* قال - رحمه الله -:

وهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك المنتسبين إلى هذه الأمة، فإن أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه هو ميت، أو يستغيث به عند قبره ويسأله، وقد ينذر له نذرا ونحو ذلك، ويرى ذلك الشخص قد أتاه في الهواء ودفع عنه بعض ما يكره، أو كلمة ببعض ما سأله عنه، ونحو ذلك فيظنه الشيخ أتى أن كان حيا، حتى أني أعرف من هؤلاء جماعات يأتون إلى الشيخ نفسه الذي الشيخ، وهؤلاء يأتون إلى هذا الشيخ، فتارة يكون الشيخ نفسه لم يكن يعلم بتلك القضية، فإن كان يحب الرياسة سكت وأوهم أن نفسه أتاهم وأغاثهم، وإن كان فيه صدق مع جهل وضلال قال: هذا ملك صوره الله على صورتي، وجعل هذا من كرامات الصالحين، وجعله عمدة لمن يستغيث بالصالحين، ويتخذهم أربابا، وأنهم إذا استغاثوا بهم بعث الله ملائكة على صورهم تغيث المستغيث بهم.


ولهذا أعرف غير واحد من الشيوخ الأكابر الذين فيهم صدق وزهد وعبادة لما ظنوا هذا من كرامات الصالحين صار أحدهم يوصى مريديه يقول: إذا كانت لأحدكم حاجة فليستغث بي، وليستنجدني وليستوصني، ويقول: أنا أفعل بعد موتى ما كنت أفعل في حياتي، وهو لا يعرف إن تلك شياطين تصورت على صورته لتضله، وتضل أتباعه، فتحسن لهم الإشراك بالله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، وأنها قد تلقي في قلبه إنا نفعل بعد موتك بأصحابك ما كنا نفعل بهم في حياتك، فيظن هذا من خطاب إلهي ألقي في قلبه، فيأمر أصحابه بذلك.

وأعرف من هؤلاء من كان له شياطين تخدمه في حياته بأنواع الخدم مثل خطاب أصحابه المستغيثين بهن وإعاتهم، وغير ذلك، فلما مات صاروا يأتون أحدهم في صورة الشيخ، ويشعرونه إنه لم يمت، ويرسلون إلى أصحابه رسائل بخطاب، وقد كان يجتمع بي بعض أتباع هذا الشيخ، وكان فيه زهد وعبادة، وكان يحبني ويحب هذا الشيخ، ويظن أن هذا من الكرامات، وإن الشيخ لم يمت، وذكر لي الكلام الذي أرسله إليه بعد موته فقرأه فإذا هو كلام الشياطين بعينه، وقد ذكر لي غير واحد ممن أعرفهم أنهنم استغاثوا بي فرأوني في الهواء وقد أتيتهم وخلصتهم من تلك الشدائد، مثل من أحاط به النصارى الأرمن ليأخذوه، وآخر قد أحاط به العدو ومعه كتب ملطفات من مناصحين، لو اطلعوا على ما معه لقتلوه، ونحو ذلك، فذكرت لهم إني ما دربت بما جرى أصلا، وحلفت لهم على ذلك حتى لا يظنوا أني كتمت ذلك كما تكتم الكرامات، وأنا قد علمت أن الذي فعلوه ليس بمشروع، بل هو شرك وبدعة، ثم تبين لي فيما بعد، وبينت لهم أن هذه الشياطين تتصور على صورة المستغاث به. [المجموع: 17/ 457].

* قال - رحمه الله -:

وكلما كان الرجل أتبع لمحمد - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم توحيدا لله وإخلاصا له في الدين، وإذا بعد عن متابعته نقص من دينه بحسب ذلك، فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول. [المجموع: 17/ 498].

* قال - رحمه الله -:

القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة؛ ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، فهذان القسمان كما قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ، ومن قال في القرآن برأيه فاخطأ فليتبوأ مقعده من النار".

وكل من حكم بين اثنتين فهو قاض، سواء كان صاحب حرب أو متولى ديوان أو منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام، ولما كان الحكام مأمورين بالعدل والعلم وكان المفروض إنما هو يبلغه جهد الرجل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر". [المجموع: 18/ 170].

* قال - رحمه الله -:

فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلمًا، وتارة كافرًا، وتارة مؤمنًا، وتارة منافقا وتارة برا تقيا، وتارة فاسقا، وتارة فاجرًا


شقيًا.

وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة، والله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: 75]. [المجموع: 18/ 284].

* قال - رحمه الله -:

كثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغير كثير من أحوال المسلمين، جزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا. [المجموع: 18/ 295].

* قال - رحمه الله -:

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ثم يعود غريبا كما بدأ" أعظم ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة 54] فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه أولئك.. [المجموع: 18/ 296].


* قال - رحمه الله -:

ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئًا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى، كما نص على ذلك أحمد وغيره، قال عبد الله بن أحمد: قرأت على أبي ثنا يعلى بن عبيد: ثنا سفيان، عن محمد بن أبي ليلى، عن الحكم؛ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب: بسم الله لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعاتك 46] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: 35].

قال أبي: ثنا أسود بن عامر بإسناده بمعناه، وقال: يكتب في إناء نظيف فيسقى قال أبي: وزاد فيه وكيع فتسقى وينضح ما دون سرتها، قال عبد الله: رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء نظيف.

وقال أبو عمرو بن أحمد بن حمدان الحير: أنا الحسن بن سفيان النسوي؛ حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوبه؛ ثنا علي بن الحسن بن شقيقك؛ ثنا عبد الله بن المبارك؛ عن سفيان؛ عن ابن أبي ليلى؛ عن الحكم؛ عن سعيد بن جبير؛ عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولادها فليكتب: بسم الله لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله إلا الله الحليم الكريم؛ سبحان الله وتعالى رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين؛ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال علي: يكتب في كأغدة فيعلق على عضد المرأة، قال علي: وقد جربناه فلم نر شيئًا أعجب منه، فإذا وضعت تحله سريعا ثم تجعله في خرقة أو تحرقه.

آخر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه.. [المجموع: 19/ 65].

* قال - رحمه الله -:

والرسالة ضرورية للعباد رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا بد لهم منها، حاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه الشمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة؛ وهو من الأموات.. [المجموع: 19/ 93].

* قال - رحمه الله -:

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الصحيح في خطبة الجمعة: "خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ولم يقل: وكل ضلالة في النار، بل يضل عن الحق من قصد الحق وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب، وقد يفعل بعض ما أمر به فيكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له.

وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما الآيـات فهموا منها لم يرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي  المسألة نصوص لم


تبلغهم. [المجموع: 19/ 191].

* قال - رحمه الله -:

فالدعوة والعبادة اسم جامع لغاية الحب لله وغاية الذل له، فمن ذل له من غير حب لم يكن عابدا، بل يكون هو المحبوب المطلق، فلا يحب شيئًا إلا له، ومن أشرك غيره في هذه لم يجعل له حقيقة الحب، فهو مشرك؛ وإشراكه يوجب نقص الحقيقة كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: 165]

والحب يوجب الذل والطاعة، والإسلام: أن يستسلم لله لا لغيره فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم له فهو متكبر، وكلاهما ضد الإسلام.

والقلب لا يصلح إلا بعبادة الله وحده، وتحقيق هذا تحقيق الدعوة النبوية.

ومن المحبة الدعوة إلى الله، وهي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم بما أمروا به فالدعوة إليه من الدعوة إلى الله تعالى وما أبغضه الله ورسوله، فمن الدعوة إلى الله النهي عنه، ومن الدعوة إلى الله أن يفعل العبد ما أحبه الله ورسوله، ويترك ما أبغضه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة بما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أسماء الله وصفاته ومن سائر المخلوقات، كالعرش والكرسي، والملائكة والأنبياء، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم أمته، وقد وصفهم الله بذلك كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ إلى


قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 157] فهذه في حقه - صلى الله عليه وسلم - وفي حقهم قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71].

وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة، وهو فرض كفاية بسقط عن البعض بالبعض كقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: 104] فجميع الأمة تقوم مقامه في الدعوة: فبهذا إجماعهم حجة، وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، فإذا تقرر هذا فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله: وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل عليه في كتابه، فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لقول إلا لكتاب الله عز وجل.

ومن نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادي على موافقته في القول والفعل فهو ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] وإذا تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم المؤمنين مثل: اتباع الأئمة والمشايخ، فليس له أن يجعل قدوته وأصحاب هم العيار، فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم، فينبغي للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به، فهذا زاجر، وكمائن القلوب تظهر عند المحن.

وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه، ولا يناجز عليها بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله؛ أو أخبر الله به ورسوله؛ لكون ذلك طاعة لله ورسوله.

وينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن فإنه نور وهدى، ثم يجعل إمام الأئمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كلام الأئمة.. [المجموع: 20/ 6].


* قال - رحمه الله -:

فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما لم يكن الآخر في هذا المجال واجبا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمعا محرمان لا يكون ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذا الحال محرما على الحقيقة وإن سمي ذلك ترك واجب، وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو الضرورة أو لدفع ما هو أحرم.. [المجموع: 20/ 57].

* قال - رحمه الله -:

فإن الإيمان بالله ورسوله هو جماع السعادة وأصلها.. [المجموع: 20/ 193].

* قال - رحمه الله -:

وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهدن فأخطأ فله أجر" فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر، وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له، لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام أما متعذر أو متعسر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. [المجموع: 20/ 252].


* قال - رحمه الله -:

وقد سئل مالك عن رجل أحرم قبل الميقات؟ فقال: أخاف عليه من الفتنة فقال: قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: 63] فقال السائل: وأي فتنة في ذلك؟ وإنما هي زيادة امتثال في طاعة الله تعالى قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك خصصت بفعل لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أو كما قال وكان يقول: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد يجدل هذا".. [المجموع: 20/ 375].

* قال - رحمه الله -:

إذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعا لذلك، كان أمر الإسلام قائما. [المجموع: 20/ 393].

* وقال - رحمه الله -:

وقد ذكر الله في آخر البقرة أحكام الأموال، وهي ثلاثة أصناف عدل، وفضل؛ وظلم؛ فالعدل: البيع، والظلم: الربا؛ والفضل: الصدقة، فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، وذم المربين وبين عقابهم وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى، فالعقل من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض الناس على بعض، كحق المسلم، وحق ذي الرحم، وحق الجار، وحق المملوك والزوجة.. [المجموع: 20/ 554].


* وقال - رحمه الله -:

وبالجملة فما عرفت حديثا صحيحا إلا ويمكن تخرجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح؛ بل متى رأيت قياسا يخالف أثر فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفي كثير منه على أفاضل العلماء فضلا عمن هو دونهم؛ فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها.

ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم؛ فلهذا صار قياس من العلماء يرد مخالفا للنصوص؛ لخفاء القياس الصحيح عليهم كما يخفي على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام. [المجموع: 20/ 568].

* قال - رحمه الله -:

ومن كان عنده صغير مملوك أو يتيم أو ولد فلم يأمره بالصلاة فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزز الكبير على ذلك تعزيزًا بليغًا، لأن عصى الله ورسوله، وكذلك من عنده مماليك كبار، أو غلمان الخيل والجمال البزاة، أو فراشون أو بابية يغسلون الأبدان والثياب، أو خدم، أو زوجة أو سرية، أو إماء فعليه أن يأمر جميع هؤلاء بالصلاة، إن لم يفعل كان عاصيا لله ورسوله، ولم يستحق هذا أن يكون  من جـند


المسلمين بل من جند التتار، فإن التتار يتكلمون بالشهادتين، ومع ذلك فقتالهم واجب بإجماع المسلمين.. [المجموع: 22/ 51].

* قال - رحمه الله -:

وقد سأل رجل مالك بن أنس عن الإحرام قبل الميقات، فقال: أخاف عليك الفتنة، فقال له السائل: أي فتنة في ذلك؟ وإنما زيادة أميال في طاعة الله عز وجل، قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن في نفسك أنك خصصت بفضل لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [المجموع: 22/ 223].

* قال - رحمه الله -:

وفي الجملة: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أكمل الله له ولأمته الدين، وأتم به - صلى الله عليه وسلم - النعمة فمن جعل عملا واجبا ما لم يوجبه الله ورسوله، أو لم يكرهه الله ورسوله فهو غالط.

فجماع أئمة الدين أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ومن خرج عن هذا وهذا فقد دخل في حرب من الله، فمن شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وحرم ما لم يحرم الله ورسوله، فهو من دين أهل الجاهلية، المخالفين لرسوله، الذين ذمهم الله في سورة الأنعام، والأعراف وغيرهما من السور، حيث شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، فحرموا ما لم يحرمه الله، وأحلوا ما حرمه الله، فذمهم الله وعابهم على ذلك.. [المجموع: 22/ 226].


* قال - رحمه الله -:

أن النية المجردة من العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه. [المجموع: 22/ 243].

وقال - رحمه الله -

إن من نوى الخير، وعمل منه مقدوره، وعجز عن أكماله كان له أجر عامل كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.. [المجموع: 22/ 243].

* قال - رحمه الله -:

فهؤلاء هم المذبذبون الذين ذمهم الله ورسوله، وأوجب على عباده أن يكونوا مؤمنين، لا كفار، ولا منافقين، بل يحبون لله ويبغضون لله، ويعطون لله ويمنعون لله. [المجموع: 22/ 250].

* قال - رحمه الله -:

وحقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة من شاد فعله، ومن شاد تركه، كما يخير الرجل أن يوتر بثلاث، أو خمس، أو سبع وكما يخير إذا أوتر بثلاث إن شاء فصل، وإن شاء وصل.

وكذلك يخير في دعاء القنوت إن شاء فعله، وإن شاء تركه، وإذا صلى بهم قيام رمضان فإن قنت في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير فقد أحسن، وإن لم يقنت بحال فقد أحسن.[المجموع: 22/ 271].

* قال - رحمه الله -:

وقد تنازع العلماء، هل الأفضل طول القيام؟ أم كثرة الركوع والسجود؟ أو كلاهما سواء؟ على ثلاثة أقول:

أصحها أن كليهما سواء، فإن القيام اختص بالقراءة، وهي أفضل من الذكر والدعاء، والسجود نفسه أفضل من القيام، فينبغي أنه إذا طول القيام أن يطيل الركوع والسجود، وهذا هو طول القنوت الذي أجاب به النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قيل له: أي الصلاة أفضل؟ فقال: "طول القنوت" فإن القنوت هو إدامة العبادة سواء كان في حال القيام، أو الركوع أو السجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: 9] فسماه قانتا في حال سجوده، كما سماه قاتنا في حال قيامه.. [المجموع: 22/ 273].

* قال - رحمه الله -:

وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب، وأنفع للعبد، فإذا كان يضره ويمنعه مما هو أنفع منه، لم يكن ذلك صالحا.. [المجموع: 22/ 300].

* قال - رحمه الله -:

والأحوال التي تحصل عن أعمال فيها مخالفة السنة أحوال غير محمودة وإن كان فيها مكاشفات، وفيها تأثيرات، فمن كان خبيرًا بهذا الباب علم أن الأحوال الحاصلة عن عبادات غير مشروعة كالأموال المكسوبة بطريق غير شرعي، والملك الحاصل بطريق غير شـرعي، فـإن لم


يتدارك الله عبده بتوبة، يتبع بها الطريق الشرعية، وإلا كانت تلك الأمور سببا لضرر يحصل له، ثم قد يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مذنبًا ذنبًا مغفورًا لحسنات ماحية، قد يكون مبتلى بمصائب تكفر عنهن وقد يعاقب بسلب تلك الأحوال وإذا أصر على ترك ما أمر به من السنة وفعل ما نهى عنه، فقد يعاقب بسلب فعل الواجبات، حتى قد يصير فاسقا أو داعيا إلى بدعة وإن أصر على الكبائر.

فقد يخاف عليه أن يسلب الإيمان فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير، حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة، كما وقع هذا لغير واحد ممن كان لهم أحوال من المكاشفات والتأثيرات، وقد عرفنا من هذا ما ليس هذا موضع ذكره.

فالسنة مثال سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، قال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وعامة من تجد له حالا من مكاشفة أو تأثير أعان به الكفار أو الفجار أو استعمله في غير ذلك من معصية، فإنما ذاك نتيجة عبادات غير شرعية، كما اكتسب أموالا محرمة فلا يكاد ينفقها إلا في معصية الله. [المجموع: 22/ 306].

* قال - رحمه الله -:

وأما الأكل واللباس: فخير الهدى هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان خلقه في الأكل أن يأكل ما تيسر إذا اشتهاه ولا يرد موجودا، ولا يتكلف مفقودًا فكان أن حضر خبز ولحم أكله، وأن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله، وأن حضـر تمر وحده أو خبز وحده أكله، وأن حضر حلو أو عسل


طعمه أيضًا، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان يأكل القثاء بالرطب، فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة [المجموع: 22/ 310].

* قال - رحمه الله -:

فأمر بأكل الطيبات، والشكر لله، فمن حرم الطيبات كان معتديا، ومن لم يشكر كان مفرطا مضيعا لحق الله، وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكله فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" وفي الترمذي وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر".

فهذه الطريق التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أعدل الطرق وأقومها، والانحراف عنها إلى وجهين. [المجموع: 22/ 312].

* قال - رحمه الله -:

والشخص الواحد يتنوع حاله، ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع وقد يكون ذلك أيسر العملين، وقد يكون أشدهما، فليس كل شديد فاضلا، ولا كل يسير مفضولا، بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة، لا لمجرد تعذيب النفس، كالجهاد الذي قال فيه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].

والحج هو الجهاد الصغير: ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشـة رضي الله عنها


في العمرة "أجرك على قدر نصبك"، وقال تعالى في الجهاد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 125].

وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة، فليس هذا مشروعا لنا؛ بل أمرنا الله بما ينفعنا، ونهانا عما يضرنا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" وقال: "هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فاستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا"، وروى عنه أنه قال: "أحب الدين إلى الله الحنيفة السمحة" [المجموع: 22/ 314].

* قال - رحمه الله -:

والذكر ثلاثة أنواع: أفضله ما كان ثناء على الله، ثم ما كان إنشاء من العبد أو اعترافا بما يجب لله عليه، ثم ما كان دعاء من العبد.. [المجموع: 22/ 342].

* قال - رحمه الله -:

باب الفساد الذي وقع في هذه الأمة؛ بل وفي غيرها: هو التفرق والاختلاف، فإنه وقع بين امرائها وعلمائها، من ملوكها ومشايخها، وغيرهم من ذلك ما الله به عليم، وإن كان بعض ذلك مغفورا لصاحبه لاجتهاده الذي يغفر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحية، أو تـوبته، أو لـغير


ذلك لكن يعلم أن رعايته من أعظم أصول الإسلام ولهذا كان امتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة والجماعة ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره، وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو الإجماع، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة. [المجموع: 22/ 360].

* قال - رحمه الله -:

كما قال بعض السلف: يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة كثرت فيها قرع باب سيدك، وقال بعضهم: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فادعوه، فيفتح لي من باب معرفته ما أحب معه أن لا يجعل لي قضاءها، لئلا ينصرف قلبي عن الدعاء. [المجموع: 22/ 385].

* قال - رحمه الله -:

وأما المرائي بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن: فلا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله فقط، بحيث يكون لا له ولا عليه، بل هو مستحق للذم والعقاب، على قصده شهرة عبادة غير الله، إذ هي عبادات مختصة، ولا تصح إلا من مسلم، ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب، بخلاف ما فيه نفع العبد، كالتعليم والأمامة، فهذا في الاستئجار نزاع بين العلماء والله أعلم. [المجموع: 22/ 507].


* قال - رحمه الله -:

فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلا عظيما، ويقوى ذلك كلما ازداد إليه في عبادته واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب، فإنه لا صلاح له إلا بإن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه ويأنس به ويلتذ بذكره، ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكًا لا صلاح معه، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. [المجموع: 22/ 607].

أيهما طلب القرآن أو العلم أفضل؟

* وقال - رحمه الله -:

فأجاب: أما العلم الذي يجب على الإنسان عينا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب.

وأما طلب حفظ القرآن، فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علما: وهو إما باطل، أو قليل النفع، وهو أَيضًا مقدم في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتـغل أحدهم


بشيء من فضول العلم من الكلام، أو الجدال. والخلاف أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت، ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلا بد في مثل هذه المسألة من التفصيل.

والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظة لم يكن من أهل العلم، والدين، والله سبحانه أعلم.. [المجموع: 23/ 54].

وسئل عن تكرار القرآن والفقه: أيهما أفضل وأكثر أجرا؟

فأجاب - رحمه الله -:

الحمد خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكلام الله يا بقاس به كلام الخلق، فإن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.

وأما الأفضل في حق الشخص: فهو بحسب حاجته ومنفعته فإن كان يحفظ القرآن وهو محتاج إلى تعلم غيره، فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التي لا يحتاج إلى تكرارها، وكذلك أن كان حفظ من القرآن وما يكفيه، وهو محتاج إلى علم آخر.

وكذلك إن كان قد حفظ القرآن: أو بعضه، وهو لا يفهم فتعلمه لما يفهمه من معاني القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه.

وأما من تعبد بتلاوة الفقه فتعبده بتلاوة القرآن أفضل، وتدبره لمعاني


القرآن أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج لتدبره والله أعلم.. [المجموع: 23/ 56].

وسئل عن رجل أراد تحصيل الثواب: هل الأفضل له قراءة القرآن أو الذكر والتسبيح؟

* قال - رحمه الله -:

قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء من حيث الجملة؛ لكن قد يكون المفضول أفضل من الفاضل في بعض الأحوال، كما أن الصلاة أفضل من ذلك كله.

ومع هذا فالقراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي عن الصلاة كالأوقات الخمسة ووقت الخطبة هي أفضل من الصلاة، والتسبيح في الركوع والسجود أفضل من القراءة، والتشهد الأخير أفضل من الذكر.

وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالمفضول أكثر بحسب حاله، إما لاجتماع قلبه عليه، وانشرح صدره له، ووجود قوته له، مثل من يجد ذلك في الذكر أحيانا، دون القراءة فيكون العمل الذي أتى به على الوجه الكامل أفضل في حقه من العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص، وإن كان جنس هذا، وقد يكون الرجل عاجزا عن الأفضل فيكون ما يقدر عليه في حقه أفضل له، والله أعلم. [المجموع: 23/ 63].


* قال - رحمه الله -:

ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة. [المجموع: 24/ 173].

* قال - رحمه الله -:

إذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديد الباقية في الأفق.

وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" [المجموع: 25/ 215].

* قال - رحمه الله -:

أيام عشر ذي الحجة من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة.

قال ابن القيم: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب، وجده شافيا كافيا، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة وفيها: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية.

وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء، التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.. [المجموع: 25/ 278].


* قال - رحمه الله -:

جمع الناس للطعام في العيدين، وأيام التشريق سنة، وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين، وإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان، وهو من سنن الإسلام، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من فطر صائما فله مثل أجره" وإعطاء فقراء القراء ما يستعينون به على القرآن عمل صالح في كل وقت، ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر. [المجموع: 25/ 298].

* قال - رحمه الله -:

والصحيح أنه يستحب لمن صامه أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: "لئن عشت إلى قابل، لأصومن التاسع مع العاشر" كما جاء ذلك مفسرا في بعض طرق الحديث فهذا الذي سنة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -.

وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة، إما حبوب وإما غير حبوب، أو تجديد لباس أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائح العلم ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به، أو قصد الذبح، أو أدخار لحوم الإضاحي ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال، أو الاختضاب أو الاغتسال أو التصافح، أو التزاور، أو زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك، فهذا من البدع المنكرة، التي لم يسنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين لا مالك ولا الثوري، ولا الليث بن سعد، ولا أبو حنيفة، ولا الأوزاعي، ولا الشـافعي، ولا أحمـد بن حنبل، ولا إسحـاق بن راهوية، ولا أمثال


هؤلاء من أئمة المسلمين.

وعلماء المسلمين وأن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك، ويروون في ذلك أحاديث وأثارا ويقولون: ﴿أن بعض ذلك صحيح فهم مخطئون غالطون بلا ريب عند أهل المعرفة﴾. [المجموع: 25/ 312].

* قال - رحمه الله -:

وقد اتفق أهل المعرفة والتحقيق إن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يتبع إلا أن يكون موافقا لأمر الله ورسوله، ومن رأى من رجل مكاشفة أو تأثيرا فاتبعه في خلاف الكتاب والسنة كان من جنس أتباع الدجال. [المجموع: 25/ 314].

* قال - رحمه الله -:

ولذلك امتن الله سبحانه على زكريا حيث قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قال بعض العلماء ينبغي للرجل أن يجتهد إلى الله في إصلاح زوجته. [المجموع: 25/ 324].

* قال - رحمه الله -:

وقد علموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - له مثل أجر كل عمل صالح تعمله أمته، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا" وهو الذي دعا أمته إلى كل خير، فكل خير يعمله أحد من الأمة فله مثل أجره، فلم يكن - صلى الله عليه وسلم - يحتاج إلى أن يهدي إليه ثواب


صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد فإن له مثل أجر ما يعملونه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا.

وكل من كان له أطوع وأتبع كان أولى الناس به في الدنيا والآخرة.. [المجموع: 26/ 156].

* قال - رحمه الله -:

وأما (زيارته) فليست واجبة باتفاق المسلمين؛ بل ليس فيها أمر في الكتاب ولا في السنة، وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة بالصلاة عليه والتسليم فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، وأكثر ما اعتمده العلماء في (الزيارة) قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام" وقد كره مالك وغيره أن يقال: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد كان الصحابة كابن عمر وأنس وغيرهما يسلمون عليه - صلى الله عليه وسلم - وعلى صاحبيه، كما في الموطأ أن ابن عمر كان إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت.. [المجموع: 27/ 26].

* قال - رحمه الله -:

والمقصود هنا: أن الصحابة لم يكونوا يستحبون السفر لشيء من زيارات البقاع: لا آثار الأنبياء، ولا قبورهم، ولا مساجدهم؛ إلا المسـاجد الثلاثة، بل إذا فعل بعض الناس شيئًا من ذلك أنكر عليه غيره،


كما أنكروا على من زار الطور الذي كلم الله عليه موسى، حتى إن (غار حراء) الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعبد فيه قبل المبعث لم يزره بعد المبعث ولا أحد من أصحابه وكذا الدعاء المأثور في القرآن. [المجموع: 27/ 33].

* قال - رحمه الله -:

و(التقوى) هي: ما فسرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 171] وجماعها فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وإذا كان هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان، فقد يكون مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل: إذا كان مجاهدا في سيل الله بيده أو لسانه، أمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته، ولم يكن فيها مجاهدا، وإن كان أروح قلبا، وكذلك إذا عدم الخير الذي كان يفعله في أماكن الفجور والبدع.

ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء، فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: 18، 19] وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله" قال: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". [المجموع: 27/ 40].

* قال - رحمه الله -:

وقد دل القرآن العظيم على بركة الشام في خمس آيات: قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا﴾ [الأعراف: 137] والله تعالى إنما أورث بني إسرائيل أرض الشام، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: 71]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 11] الآية، فهذه خمس أيات نصوص.

و(البركة) تتناول البركة في الدين، والبركة في الدنيا، وكلاهما معلوم لا ريب فيه، فهذا من حيث الجملة والغالب. [المجموع: 27/ 44].

* قال - رحمه الله -:

فإن كون الأرض "دار كفر" أو "دار السلام" أو إيمان أو "دار سلم" أو "حرب" أو "دار طاعة" أو "معصية" أو "دار المؤمنين" أو "الفاسقين" أوصاف عارضة؛ لا لازمة، فقد تنتقل من وصف إلى وصف كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس. [المجموع: 27/ 45].

* قال - رحمه الله -:

وفي السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قتله أهل الكتاب فله أجر شهيدين" وذلك لأن هؤلاء يقاتلون على دين، وأما الكفار الترك ونحوهم فلا يقاتلون على دين، فإذا غلبوا أولئك أفسدوا الدين والملك، وأما الترك


فيفسدون الملك وما يتبع ذلك من الدين؛ ولا يقاتلون على الدين. [المجموع: 27/ 53].

* قال - رحمه الله -:

فلما كان في أثناء المائة الرابعة اضطرب أمر الخلافة، وصار للرافضة والمنافقين وغيرهم دولة وملك بالبلاد المصرية والمغرب، وبالبلاد الشرقية وبأرض الشام، وغلب هؤلاء على ما غلبوا عليه من الشام: سواحله وغير سواحله، وهم أمة مخذولة ليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة. [المجموع: 27/ 54].

* قال - رحمه الله -:

ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء ممن هو فوقه وممن هو دونه، فقد روي طلب الدعاء من الأعلى والأدنى، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع عمر إلى العمرة وقال: "لا تنسنا من دعائك يا أخي" لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمرنا بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ذكر أن من صلى عليه مرة صلى الله بها عليه عشرا، وأن من سأل له الوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، فكان طلبه منا لمنفعتنا في ذلك، وفرق بين من طلب من غيره شيئًا لمنفعة المطلوب منه، ومن يسأل غيره لحاجته إليه فقط، وثبت في الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر أويسًا القرني وقال لعمر: "إن استطعت أن يستغفر لك فافعل".

وفي الصحيحين أنه كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما شيء، فقال أبو بكر لعمر استغفر لي، لكن في الحديث أن أبا بكر ذكر أنـه حنق


على عمر وثبت أن أقوامًا كان يسترقون، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرقيهم. [المجموع: 27/ 70].

* قال - رحمه الله -:

أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب. [المجموع: 27/ 96].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا قال العلماء: إن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين؛ لأن المرابطة من جنس الجهاد، والمجاورة من جنس الحج، وجنس الجهاد أفضل باتفاق المسلمين من جنس الحج.. [المجموع: 27/ 142].

* قال - رحمه الله -:

وفي المؤمنين من يستجيب للمنافقين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]. [المجموع: 27/ 191].

* قال - رحمه الله -:

الرافضة أكذب طوائف الأمة على الإطلاق، وهم أعظم الطوائف المدعية للإسلام غلوًا وشركًا. [المجموع: 27/ 175].


* قال - رحمه الله -:

والرسول دفن في بيته في حجرته، ومنع الناس من الدخول إلى هناك، والوصول إلى قبره، فلا يقدر أحد أن يزور قبره كما يزور قبره غيره؛ لا زيارة شرعية ولا بدعية. [المجموع: 27/، 246].

* قال - رحمه الله -:

وإذا كان غار حراء الذي كان أهل مكة يصعدون إليه للتعبد فيه، ويقال: إن عبد المطلب سن لهم ذلك، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة يتحنث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أولا، لكن من حين نزل الوحي عليه ما صعد إليه بعد ذلك، ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة، وبعد الهجرة أتى مكة مرارا في عمرة الحدبيبة، وعام الفتح، وأقام بها قريبا من عشرين يوما، وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء، ولا زاره، فإذا كان هذا الغار لا يسافر إليه ولا يزار فغير من المغارات كمغارة الدم ونحوها أولى أن لا تزار، فإن العبادات بعد مبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - كالصلاة الذكر والدعاء مشروعة، في كل مكان جعلت الأرض كلها له ولأمته مسجدا وطهورا. [المجموع: 27/ 251].

* قال - رحمه الله -:

وقد ذكر الله: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 53] في كتابه، وأضافها تارة إلى الرسول، وتارة إلى أزواجه، وليس لتلك اليوت حرمـة المسجـد


وفضيلته وفضيلة الصلاة فيه، ولا تشد الرحال إليها، ولا الصلاة في شيء منها بألف صلاة. [المجموع: 27/ 269].

* قال - رحمه الله -:

ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى حفظ عامة قبور الأنبياء ببركة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم يتمكن الناس مع ظهور دينه أن يتخذوا قبور الأنبياء مساجد، كما أظهر من الإيمان بنبوة الأنبياء وما جاءوا به: من إعلان ذكرهم، ومحبتهم، وموالاتهم، والتصديق لأقوالهم، والاتباع لأعمالهم: ما لم يكن هذه لأمة أخرى، وهذا هو الذي ينتفع به من جهة الأنبياء، وهو تصديقهم فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، والاقتداء بهم فيما فعلوا، وحب ما كانوا يحبونه، وبغض ما كانوا يبغضونه، وموالاة من يوالونه، ومعاداة من يعادونه ونحو ذلك مما لا يحصل إلا بمعرفة أخبارهم.

والقرآن والسنة مملوء من ذكر الأنبياء وهذا أمر ثابت في القلوب مذكور بالألسنة وأما نفس القبر فليس في رؤيته شيء من ذلك؛ بل أهل الضلال يتخذونها أوثانا، كما كانت اليهود والنصارى يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد. فببركة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - أظهر الله من ذكرهم ومعرفة أحوالهم ما يجب الإيمان به، وتنتف به العباد، وأبطل ما يضر الخلق من الشرك بهم واتخاذ قبورهم مساجد، كما كانوا يتخذونها في زمن من قبلنا. [المجموع: 27/ 270].


* قال - رحمه الله -:

فالذي أظهره الله بمحمد وأمته من ذكر الأنبياء بأفضل الذكر، وإخبارهم ومدحهم، والثناء عليهم، ووجوب الإيمان بما جاءوا به، والحكم بالكفر على من كفر بواحد منهم، وقتله وقتل من سب أحدا، منهم نحو ذلك من تعظيم أقدارهم: ما لم يوجد مثله في ملة من الملل.. [المجموع: 27/ 274].

* قال - رحمه الله -:

والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالما مجتهدا عالما مجتهدا، ولو كان كلام في العلم والدين بالولاية والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدعى ذلك لنفسه، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله: فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره. [المجموع: 27/ 296].

* قال - رحمه الله -:

أنه لو قدر أن العالم الكثير الفتاوى أخطأ في مائة مسألة لم يكن ذلك عيبا، وكل من سوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصيب ويخطئ، ومن منع عالمًا من الإفتاء مطلقا، وحكم بحبسه لكونه أخطأ في مسائل، كان  ذلك  باطلاً


بالإجماع، فالحكم بالمنع والحبس حكم باطل بالإجماع، فكيف إذا كان المفتى قد أجاب بما هو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول علماء أمته؟؟ [المجموع: 27/ 301].

* قال - رحمه الله -:

أنه قد قدر أن العالم الكثير الفتاوى أفتى في عدة مسائل بخلاف سنة رسول - صلى الله عليه وسلم - الثابتة عنه، وخلاف ما عليه الخلفاء الراشدون: لم يجز منعه من الفتيا مطلقا، بل يبين له خطؤه فيما خالف فيه، فما زال في كل عصر من أعصار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين من هو كذلك، فابن عباس رضي الله عنهما كان يقول في "المتعة والصرف" بخلاف السنة الصحيحة، وقد أنكر عليه الصحابة ذلك، ولم يمنعوه من الفتيا مطلقا بل بينوا له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المخالفة لقوله، فعلي رضي الله عنه روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حرم المتعة، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره رووا له تحريمه لربا الفضل، ولم يردوا فتياه لمجرد قولهم وحكمهم ويمنعوه من الفتيا مطلقا ومثل هذا كثير فالمنع العام حكم بغير ما أنزل الله، وهو باطل باتفاق المسلمين، لو كان ما نازعوه فيه مخالفا للسنة، فكيف إذا كانت معه، بل ومعه أجمع علماء المسلمين فيما أنكروه من مسائل الزيارة، وهذا مما يبين أن هذه الحكم من أبطل حكم في الإسلام ومن أعظم التغيير لدين الإسلام بإجماع المسلمين. [المجموع: 27/ 311].


* قال - رحمه الله -:

فمن سوى بين الخلق والمخلوق في الحب له أو الخوف منه والرجاء فهو مشرك. [المجموع: 27/ 339].

* قال - رحمه الله -:

والناس تغيب عنهم معاني القرآن عند الحوادث، فإذا ذكروا بها عرفوها، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. [المجموع: 27/ 363].

* قال - رحمه الله -:

والدين كله مأخوذ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ليس لأحد بعده أن يغير من دينه شيئًا، هذا دين المسلمين؛ بخلاف النصارى فإنهم يجوزون لعلمائهم وعبادهم أن يشرعوا شرعًا يخالف شرع الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] قال النبي صلى الله عليه: "إنهم احلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت لك عبادتهم إياهم".

ولهذا كان أئمة المسلمين لا يتكلمون في شيء إنه عبادة وطاعة وقربة إلا بدليل شرعي واتباع لمن قبلهم، لا يتكلمون في الدين بلا علم، فإن الله حرم ذلك بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].. [المجموع: 27/ 374].

* قال - رحمه الله -:

فلهذا كان العمل الشائع في الصحابة، الخلفاء الراشدين والسابقين الأول من المهاجرين والأنصار أنهم يدخلون مسجده ويصلون عليه في الصلاة، ويسلمون عليه كما أمرهم الله ورسوله، ويدعون لأنفسهم في الصلاة مما اختاروا من الدعاء المشروع كما في الصحيح من حديث ابن مسعود لما علمه التشهد قال: "ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء أعجبه إليه" ولم يكونوا يذهبون إلى القبر لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، لا لدعاء ولا صلاة ولا سلام ولا غير ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان، فضلا عن أن يقصدوها، لحوائجهم، كما يفعله أهل الشرع والبدع، فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة، لا عند قبره ولا قبر غيره، لا في زمن الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم. [المجموع: 27/ 414].

* قال - رحمه الله -:

والأعمال تفضل بنيات أصحابها، وطاعتهم لله تعالى وما في قلوبهم من الإيمان بطاعتهم لله. [المجموع: 27/ 424].

* قال - رحمه الله -:

فالمساجد والمشاعر إنما ينفع فضلها لمن عمل فيها بطاعة الله عز وجل، وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهي عنها. [المجموع: 27/ 438].

* قال - رحمه الله -:

والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء.. [المجموع: 27/ 438].

* قال - رحمه الله -:

فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول، وغيرها لا يحصل بغيره من الأعمال، وإن كان صالحا كسؤاله الوسيلة للرسول فكيف بما لم يأمر به من الأعمال بل نهى عنه؟ فذاك لا ينال به خيرا لا في الدنيا ولا في الآخرة، مثل غلو النصارى في المسيح عليه السلام فإنه بضرهم ولا ينفعهم، ونظير هذا ما في الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا" وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد، فحسب توحيد العبد لله وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الشفاعة وغيرها. [المجموع: 27/ 441].

* قال - رحمه الله -:

ومن ظن أن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا لخصوصها أو لكونها فيها قبور الأنبياء والصالحين فهو غالط، فأفضل البقاع مكة وقد عذب الله أهلها عذابا عظيما فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: 112، 113]. [المجموع: 27/ 442].

* قال - رحمه الله -:

وولاة الأمر أحق الناس بنصر دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من الهدى ودين الحق، وبإنكار ما نهى عنه وما نسب إليه بالباطل من الكذب والبدع، إما جهلاً من ناقله، وإما عمدا فإن أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأس المعروف هو التوحيد.. [المجموع: 27/ 442].

* قال - رحمه الله -:

ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين، ولو كان من الدين لحفظه الله كما حفظ سائر الدين، وذلك أن عامة من يسأل عن ذلك إنما قصده الصلاة عندها، والدعاء بها، ونحو ذلك من البدع المنهي عنها. [المجموع: 27/ 444].

* قال - رحمه الله -:

وإنما دين الله تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له، وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية: من القراءة والذكر والدعاء لله، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18] وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: 36-38] فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين.

وأما اتخاذ القبور أوثانا فهو دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين، والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد. [المجموع: 27/ 450].

* قال - رحمه الله -:

والكلام في أحوال الملوك على سبيل التفصيل متعسر أو متعذر، لكن ينبغي أن نعلم من حيث الجملة: أنهم هم وغيرهم من الناس ممن له حسنات وسيئات يدخلون بها في نصوص الوعد أو نصوص الوعيد.. [المجموع: 27/ 474].

* قال - رحمه الله -:

فإن أولياء الله هم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فمن أكل الخبائث كانت أحواله شيطانية، فإن الأحوال نتائج الأعمال فالأكل من الطيبات والعمل الصالح يورث الأحوال الرحمانية، من المكاشفات، والتأثيرات التي يحبها الله ورسوله، وأكل الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التي يبغضها الله ورسوله: [المجموع: 27/ 499].


* قال - رحمه الله -:

وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقى بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

ليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدًا بموافقته على كل ما يريده؛ وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكز خان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا والي، ومن خالفهم عدوا باغي بل عليهم وعلى اتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله، ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ويحروا ما حرم الله ورسوله، ويراعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله، فإن كان أستاذ أحد مظلوما نصره، وإن كان ظالما يعاونه على الظلم بل يمنعه منه، كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قال: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قيل: يا رسول الله! أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه".

وإذا وقع بين معلم ومعلم أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق، فلا يعاونه بجهل ولا بهوى، بل ينظر في الأمر فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل، سواء كان المحقق من أصحابه وأصحاب غيره، وسواء كان البطل من أصحابه أو أصحاب غيره، فيكون المقصود عبادة الله وحده وطاعة رسوله واتباع الحق والقيام بالقسط قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135] يقال لـوى يلوي لسانه: فيخبر،


بالكذب والأعراض: أن يكتم الحق؛ فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس. [المجموع: 28/ 15].

* قال - رحمه الله -:

ومن مال مع صاحبه سواء كان الحق له أو عليه فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يدا واحدة مع الحقي على المبطل، فيكون المعظم عندهم من عظمه الله ورسوله، والمقدم عندهم من قدمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله بحسب ما يرضى الله ورسوله، لا بحسب الأهواء، فإنه من يطع الله ورسوله فقد رشد؛ ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه. [المجموع: 28/ 17].

* قال - رحمه الله -:

وهذا هو دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو الاستسلام لله وحده، فمن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] ومن استسلم لله ولغيره كان مشركًا، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] ولهذا كان لله حق لا يشركه فيه أحد من المخلوقين فلا يعبد إلا الله ولا يخاف إلا الله، ولا يتقي إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعى إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7، 8] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ


أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52] فالطاعة لله والرسول، والخشية والتقوى لله وحده.. [المجموع: 28/ 23].

* قال - رحمه الله -:

من شرط الجندي أن يكون دينا شجاعا ثم قال: الناس على أربعة أقسام: أعلاهم الدين الشجاع، ثم الدين بلا شجاعة، ثم عكسه، ثم العرى عنهما. [المجموع: 28/ 26].

* قال - رحمه الله -:

أما سفر صاحب العيال فإن كان السفر يضر بعياله لم يسافر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كفى المرء إثما أن يضيع من يقوت" وسواء كان تضررهم لقلة النفقة أو لضعفهم، وسفر مثل هذا حرام، وإن كانوا لا يتضرون بل يتألمون وتنقص أحوالهم فإن لم يكن في السفر فائدة جسمية تربو على ثواب مقامه عندهم كعلم يخاف فوته، وشيخ يتعين الاجتماع به، وإلا فمقامه عندهم أفضل، وهذا لعمري إذا صحت نيته في السفر كان مشروعا.

وأما أن كان كسفر كثير من الناس إنما يسافر قلقا وتزجية للوقت فهذا مقامه يعبد الله في بيته خير له بكل حال، ويحتاج صاحب هذه الحال أن يستشير في خاصة نفسه رجلا عالما بحاله، وبما يصلحه، مأمونا على ذلك، فإن أحوال الناس تختلف في مثل هذا اختلافا متباينا، والله سبحانه وتعالى أعلم.. [المجموع: 28/ 28].

رسالة من شيخ الإسلام قدس الله روحه، إلى أصحابه وهو في حبس الإسكندرية:

* قال - رحمه الله -:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11] والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا وفي الآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة فإني والله العظيم الذي لا إله إلا هو في نعم من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، وقد فتح الله سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال، ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف إليها يسرها الله تعالى حتى صارت مقاعد، وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة الله وتوحيده وحقائق الإيمان وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان.

فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده والإيمان به: وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية، كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في هذه الحال أنه لفي عيش طيب، وقال آخر: لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربًا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة. [المجموع: 28/ 31].


* قال - رحمه الله -:

والقلوب فيها وسواس النفس، والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه طيب عيشها، فمن كان محبا لغير الله فهو معذب في الدنيا، والآخرة، إن نال مراده عذب به؛ وإن لم ينله فهو في العذاب والحسرة والحزن.

وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه ولا تمكن محبته إلا بالإعراض، عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لأصحابه: "قولوا: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين" [المجموع: 28/ 32].


* قال - رحمه الله -:

ولهذا قال أبو بكر بن عياش لما قيل له: أن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس الناس إليهم فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، لكن أهل السنة يبقون ويبقى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم، وذلك أن أهل البدعة شنأوا بعض ما جاد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فصار لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] فإن ما أكرم الله به نبيه من سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب قدر إيمانهم فما كان من خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته، وما كان من ثواب الإيمان والأعمال الصالحة فلكل مؤمن نصيب بقدر ذلك.. [المجموع: 28/ 38].


* قال - رحمه الله -:

فكل من دعا غير الله فهو مشرك، والعيان يصدق هذا؛ فإن المخلوقين إذا اشتكى إليهم الإنسان فضررهم أقرب من نفعهم، والخالق جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره، إذا اشتكى إليه مخلوق وأنزل حاجته به واستغفره من ذنوبه: أيده وقواه وهداه، وسد فاقته وأغناه وقربه وأقناه، وحبه وأصطفاه، والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته، استرذله وازدراه ثم أعرض عنه، وخسر الدنيا والآخرة، وإن قضى له ببعض مطلبه؛ لأن عنده من بعض رعاياه يستعيده بما يهواه، قال الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [عمران: 160] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].. [المجموع: 28/40].

* قال - رحمه الله -:

فإن المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحدهما الأخرى وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة؛ لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة، ما نحمد معه ذلك التخشين. [المجموع: 28/ 53].

* قال - رحمه الله -:

وتعلمون أن من القواعد العظيمة، التي هي من جماع الدين، تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: 1] ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 150].

وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة، والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذه الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة، وجماع السنة طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. [المجموع: 28/ 51].

* قال - رحمه الله -:

وأول ما أبدأ به من هذا الأصل، ما يتعلق بي، فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلا عن أصحابنا بشيء أصلا، لا باطنا ولا ظاهرا، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلا، بل لهم عندي من الكرامة، والإجلال والمحبة، والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه ويخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبا، فالأول: مأجور مشكور والثاني مع أجره على الاجتهاد، فمعفو عنه، مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله، ولسائر المؤمنين، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل.

كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان ونحو هذه الكلمات، التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بل مثل هذا يعود على قائله بالملام، إلا أن يكون له من حسنة وممن، يغفر الله له إن شاء، وقد عفا الله عما سلف، [المجموع: 28/ 52، 53].

* قال - رحمه الله -:

وتعلمون رضي الله عنكم: أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع فيها اجتهاد الآراء، واختلاف الأهواء، وتنوع أحوال أهل الإيمان، وما لا بد منه من نزعات الشيطان ما لا يتصور أن يعرى عنه نوع الإنسان وقد قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 72، 73].

فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي، أو ظلمه وعدواته، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي.. [المجموع: 28/ 54، 55].

* قال - رحمه الله -:

أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله؛ وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك وبه أنزل الكتب وبه أرسل الرسل وعليه جاهد الرسول والمؤمنون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].. [المجموع: 28/ 61].


* قال - رحمه الله -:

وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي؛ فالأمر الذي بعث الله به ورسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي والمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71] وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هو السلطة والولاية، فذووا السلطان أقدر من غيرهم وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل نيابة السلطنة والصغرى مثل ولاية الشرطة؛ وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية، وولاية الحسبة.

لكن من المتولين من يكون بمنزلة الشاهد المؤتمن، والمطلوب منه الصدق؛ مثل الشهود عند الحاكم؛ ومثل صاحب الديوان الذي وظيفته أن يكتب المستخرج والمصروف؛ والنقيب والعريف الذي وظيفته أخبار ذي الأمر بالإحوال.

ومنهم من يكون بمنزلة الأمين المطاع؛ والمطلوب منه العدل، مثل الأمير والحاكم والمحتسب، وبالصدق في كل الأخبار، والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال: تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنـعام: 115] وقـال النبي


- صلى الله عليه وسلم - لما ذكر الظلمة: "من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه؛ ولا يرد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه: وسيرد علي الحوض".

وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وأن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل بصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وأن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا"، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221، 222] وقال: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: 15، 16].. [المجموع: 28/ 67].

* قال - رحمه الله -:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. [المجموع: 28/ 107].

* قال - رحمه الله -:

ومجرد الحب والبغض هوى؛ لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله، ولهذا قال: ﴿ونَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [ص: 26] فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هداه الذي بعث به رسوله، وهو السبيل إليه. [المجموع: 28/ 134].

* قال - رحمه الله -:

ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "أصدق الأسماء حارث وهمام" فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية، لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله، ويثيب عليها، أن يراد الله بذلك العمل، والعمل المحمود: الصالح، وهو المأمور به.. [المجموع: 28/ 135].

قال - رحمه الله - عن صفات الآمر بالمعروف:

ولا بد أَيضًا أن يكون حليما صبورا على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح.. [المجموع: 28/ 136].

* قال - رحمه الله -:

فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر: العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا؛ ذكر القاضي أبو يعلي في المعتمد: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به ففيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به؛ رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه.. [المجموع: 28/ 130].


* قال - رحمه الله -:

فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر والنهي والرفق معه، والصبر بعده... وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا في جميع الأحوال. [المجموع: 28/ 137].

* قال - رحمه الله -:

من المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه: أن المعاصي سبب المصائب، فسيئات المصائب والجزاء من سيئات الأعمال، وأن الطاعة سبب النعمة، فإحسان العمل سبب لإحسان الله.. [المجموع: 28/ 138].

* قال - رحمه الله -:

فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه؛ والظلم بأخذ مال الغير، ويوجب قطيعة الرحم، ويوجب الحسد؛ وهو: كراهة ما اختص به الغير، والحسد فيه بخل وظلم، فإنه بخل بما أعطيه غيره؛ وظلمه بطلب زوال ذلك عنه.

فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة؛ فكيف بالمحرمة كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك؟ وإذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان.. [المجموع: 28/ 144].


* قال - رحمه الله -:

فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به. [المجموع: 28/ 154].

* قال - رحمه الله -:

وما في القرآن من الأمر بالإيتاء والإعطاء وذم من ترك ذلك: كله ذم للبخل وكذلك ذمه للجبن كثير. [المجموع: 28/ 156].

* قال - رحمه الله -:

وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له: كله ذم للجبن ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم: بين سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك. [المجموع: 28/ 157].

* قال - رحمه الله -:

وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10].. [المجموع: 28/ 158].


* قال - رحمه الله -:

والشجاعة ليست هي قوة البدن، وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب؛ وإنما هي قوة القلب وثباته، فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال؛ وعلى قوة القلب وخبرته به، والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة؛ دون التهور الذي لا يفكر صاحبه، ولا يميز بين المحمود والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، حتى يفعل ما يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد [المجموع: 28/158].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وسماحة: فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة، ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة؛ فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس في الآخرة من خلاق، ومن يعمل لله لكن لا بشجاعة ولا سماحة؛ فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك، ومن لا يعمل لله وليس فيه شجاعة ولا سماحة؛ فهذا ليس له دنيا ولا آخرة.. [المجموع: 28/ 164].

* قال - رحمه الله -:

وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتنان بالصور الجميلة فإنها سبـب نزول الآية وهذه حال كثير من المتدينين؛ يتركون ما يجب عليهم


من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنون بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور، وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا. [المجموع: 28/ 167].

* قال - رحمه الله -:

وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله؛ وإن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال، في الكلم الطيب؛ والعمل الصالح، في الأمور العلمية والأمور العبادية، ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول ثلاثة تسجر بهم جهنم، رجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن وأقرأه ليقول الناس: هو عالم وقارئ، ورجل قاتل وجاهد ليقول الناس: هو شجاع وجريء، ورجل تصدق وأعطى ليقول الناس: جواد سخي" فإن هؤلاء الثلاثة اللذين يريدون الرياء والسمعة هم بإزاء الثلاثة الذين بعد النبيين من الصديقين والشهداء والصالحين، فإن من تعلم العلم الذي بعث الله به رسله وعلمه لوجه الله كان صديقا، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وقتل كان شهيدا.

ومن تصدق يبتغي بذلك وجه الله كان صالحا؛ ولهذا يسأل المفرط في ماله الرجعة وقت الموت؛ قال ابن عباس: من أعطي مالا فلم يحج منه ولم يزل سأل الرجعة وقت الموت، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: 10].. [المجموع: 28/ 171].

* قال - رحمه الله -:

ولهذا مضت السنة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم، كالشروع في الحج يعني أن ما حفظه من علم الدين، وعلم الجهاد ليس له إضاعته لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم" رواه أبو داود وقال: "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فرأيت في مساوئ أعمالها الرجل يؤتيه الله آية من القرآن ثم ينام عنها، حتى ينساها" وقال: "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا" رواه مسلم.. [المجموع: 28/ 186].

* قال - رحمه الله -:

كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعا للمنافقين كما قال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47] [المجموع: 28/ 194].

* قال - رحمه الله -:

فإن كون الرجل مسلمًا في الظاهر لا يمنع أن يكون منافقا في الباطن فإن المنافقين كلهم مسلمون في الظاهر، والقرآن قد بين صفاتهم وأحكامهم.. [المجموع: 28/ 202].

* قال - رحمه الله -:

النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهـجر حتى يتوب منها، كما هـجر الـنبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون:


الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقا، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير.

والتعزيز يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.. [المجموع: 28/ 204].

* قال - رحمه الله -:

والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف قوما ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. [المجموع: 28/ 206].

* قال - رحمه الله -:

وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة الله.. [المجموع: 28/ 207].


* قال - رحمه الله -:

فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق نفسه.

فـ الأول مأمور به.

و(الثاني) منهي عنه، لأن المؤمنين إخوة وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم" وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي في السنن: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟" قالوا بلى يا رسول الله قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" وقال في الحديث الصحيح: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر".

وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا لا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، المؤمن عليه أن يعادي في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وان ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 9، 10]. فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.

فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام


لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.. [المجموع: 28/ 207].

* وقال - رحمه الله -:

وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطي من بيت المال ما يكفيه لحاجته [المجموع: 28/ 209].

* قال - رحمه الله -:

ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة، كما في الحديث أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر" ورفع لعمر بن عبد العزيز قوم يشربون لخمر فأمر بجلدهم فقيل له: إن فيهم صائما فقال: ابدءوا به، إما سمعتم الله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]. [المجموع: 28/ 221].


* وقال - رحمه الله -:

فالكذب على الشخص حرام كله، سواء كان الرجل مسلما أو كافرا، برا أو فاجرا، لكن الافتراء على المؤمن أشد؛ بل الكذب كله حرام.. [المجموع: 28/ 223].

* قال - رحمه الله -:

ومن جنس الغيبة الهمز واللمز؛ فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم، كما في الغيبة، لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف؛ بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة والعنف، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 58] أي يعيبك ويطعن عليك، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11] أي: لا يلمز بعضكم بعضا، وقال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11] وقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. [المجموع: 28/ 225].

* قال - رحمه الله -:

فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائر، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم.

ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا


الكذب وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين أو رجل جيد؛ ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله؛ وإنما قصده اتنقاصه وهما لجنابه، ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، ويخادعون الله بذلك، كم يخادعون مخلوقا، قد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه.

ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه، فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عن كيت كيت، ليرفع نفسه وبضعه عند من يعتقده أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم؛ وقصده مدح نفسه، وإثبات معرفته، وأنه أفضل منه.

ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة، والحسد، وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط ذلك عنه.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب، ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.

ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت؟ ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت، وكيف فعل كيت وكيت، فيخرج اسمه في معرض تعجبه.

ومنهم من يخرج الاغتمام، فيقول مسكين فلان، غمني ما جرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغنم له، ويتأسف وقلبه منطو على التشفي به، ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه.

ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيـظهر في هذا


الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر والله المستعان.. [المجموع: 28/ 236].

* قال - رحمه الله -:

ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار؛ إلا لموجب شرعي، مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرها، فأما حضوره لمجرد الفرجة، وإحضار امرأته تشاهد ذلك، فهذا مما يقدح في عدالته ومرؤته إذا أصر عليه والله أعلم. [المجموع: 28/ 239].

* قال - رحمه الله -:

فإن الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثر في بعض الولايات، أو يعطيه مالا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه، يأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله، وخان أمانته. [المجموع: 28/ 248].

* قال - رحمه الله -:

اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قد أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وأن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" وروي "بأقوام لا خلاق لهم" وإن لم يكن فاجر، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده.

ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: "إن خالدا سيف الله على المشركين" مع أنه أحيانا قد كان يعمل ما ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إنه مرة قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم إني أبرا إليك مما فعل خالد" لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، حتى وداهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضمن أموالهم؛ ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب، لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل.. [المجموع: 28/ 254].

* قال - رحمه الله -:

وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات، وترك المحرمات، فقد شرع أَيضًا كل ما يعين على ذلك، فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة، والإعانة عليه، والترغيب فيه بكل ممـكن، مـثل أن يبذل


لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح، من مال أو ثناء أو غيره، ولهذا شرعت المسابقة بالخيل، والإبل والمناضلة بالسهام، وأخذ الجعل عليها، لما فيه من الترغيب في إعداد القوة ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله.. [المجموع: 28/ 369].

* قال - رحمه الله -:

فالمؤمن إذا كانت له نية، أتت على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته. [المجموع: 28/ 369].

* قال - رحمه الله -:

لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل: أن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدى به من بعده وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي: من أمر الحروب، والأمور الجزئية، وغير ذلك، فغيره - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمشورة" [المجموع: 28/ 386].


* قال - رحمه الله -:

فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسول من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها. [المجموع: 28/ 391].

* قال - رحمه الله -:

ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد؛ فإن الله عز وجل يغفر ذنوبه كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 12] [المجموع: 28/ 421].

* قال - رحمه الله -:

ومن أراد التخلص من الحرام والتوبة ولا يمكن رده إلى أصحابه فلينفقه في سبيل الله عن أصحابه، فإن ذلك طريق حسنة. [المجموع: 28/ 421].

* وقال - رحمه الله -:

وقد اتفق أهل العلم بالأحوال، إن أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة ممن ينتسب إليها، وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة: إنما هو من الطوائف المنتسبة إليه. [المجموع: 28/ 479].


قال - رحمه الله - عن الرافضة:

ويشبهون النصارى في الغلو في البشر والعبادات المبتدعة، وفي الشرك وغير ذلك.

وهم يوالون اليهود والنصارى والمشركين على المسلمين، وهذه شيم المنافقين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51] وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 80، 81]. وليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة، وهم لا يصلون جمعة ولا جماعة والخوارج كانوا يصلون جمعة وجماعة وهم لا يرون جهاد الكفار مع أئمة المسلمين، ولا الصلاة خلفهم، ولا طاعته في طاعة الله، ولا تنفيذ شيء من أحكامهم، لاعتقادهم (إن ذلك) لا يسوغ إلا خلف إمام معصوم، ويرون أن المعصوم قد دخل في السرداب من أكثر من أربع مائة وأربعين سنة، وهو إلى الأن لم يخرج، ولا رآه أحد، ولا علم أحدا دينا، ولا حصل به فائدة، بل مضرة، ومع هذا فالإيمان عندهم لا يصح إلا به، ولا يكون مؤمنا إلا من آمن به، ولا يدخل الجنة إلا اتباعه: مثل هؤلاء الجهال الضلال من سكان الجبال والبوادي أو من استحوذ عليهم الباطل: مثل العود ونحوه، ممن قد كتب خطه مما ذكرناه من المخازي عنهم، ومصرح بما ذكرناه عنهم وبأكثر منه.

وهم مع هذا الأمر يكفرون كل من آمن بأسماء الله وصفاته التي في الكتاب والسنة، وكل من آمن بقدر الله وقضائه: فآمن بقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، وإنه خالف كل شيء. [المجموع: 28/ 480].

* قال - رحمه الله -:

وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلوشاء وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين، قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يطلقون فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى، الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا ولا من أهله الملة، ولا من أهل الذمة، وأطلقنا من النصارى من شاء الله، فهذا عملنا وإحساننا، والجزاء على الله.

وكذلك السبى الذي بأيدينا من النصارى، يعلم كل أحد أحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم؛ كما أوصانا خاتم المرسلين حيث قال في آخر حياته: "الصلاة، وما ملكت إيمانكم" قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] [المجموع: 28/ 617].

* قال - رحمه الله -:

و"الورع" من قواعد الدين، ففي الصحيح عن عثمان بن بشير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن ترك الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" [المجموع: 29/ 315].

* قال - رحمه الله -:

وفي فطر الناس جميعهم أن من لم يقابل الإحسان بالإحسان فهو ظالم معتد، وما عده المسلمون ظلما فهو ظلم. [المجموع: 30/ 352].

* قال - رحمه الله -:

وأما الصبر على المصائب ففيها أجر عظيم، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157] فالرجل إذا ظلم بجرح ونحوه فتصدق به، كان الجرح مصيبة يكفر بها عنه، ويؤجر على صبره، وعلى إحسانه إلى الظلم بالعفو عنه، فإن الإحسان يكون يجلب منفعة، ويدفع مضرة؛ ولهذا سماه الله صدقة. [المجموع: 30/ 364].

* قال - رحمه الله -:

فالعادل من انتصر بعد ظلمة وهذا جزاؤه أنه ما عليه من سبيل، فلم يكن بذلك ممدوحا، ولكن لم يكن بذلك مذموما، وذكر الظالم بقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42] فهؤلاء عليهم السبيل للعقوبة، والاقتصاص، وذكر المحسنين فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] والقرآن فيه جوامع الكلم.

وهذا كما ذكر في آخر البقرة أصناف الناس في المعاملات، التي تكـون باختيار المتعاملين، وهم ثلاثة: محسن، وظالم وعادل، فالمحسن: هو


المتصدق، والظالم: وهو المربي، والعادل، هو البائع، فذكر هنا حكم الصدقات وحكم الربا، وحكم المبايعات والمداينات.

وكما أن من توهم أنه بالعفو يسقط حقه أو ينقصك غالط، جاهل ضال، بل بالعفو يكون أجره أعظم، فكذلك من توهم أنه بالعفو يحصل له ذل، ويحصل للظالم عز واستطالة عليه، فهو غالط في ذلك، كما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاث إن كنت لحالفا عليهن: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما نقصت صدقة من مال، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" فبين الصادق المصدوق: إن الله لا يزيد العبد بالعفو إلا عزا، وإنه لا تنقص صدقة من مال، وأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا رد لما يظنه من يتبع الظن، وما تهوى الأنفس، من أن العفو يذلله، والصدقة تنقص ماله، والتواضع يخفضه. [المجموع: 30/ 367].

سئل عن الصدقة والهدية أيهما أفضل؟

* قال - رحمه الله -:

فأجاب: الحمد لله "الصدقة" ما يعطى لوجه لله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين ولا طلب غرض من جهته؛ لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات، وأما "الهدية" فيقصد بها إكرام شخص معين؛ إما لمحبة وإما لصداقة؛ وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية، ويثيب عليها فلا يكون لأحد عليه منة، ولا يأكل أوساخ الناس التي تطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات، ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره.

وإذا تبين ذلك فالصدقة أفضل؛ إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة: مثل الإهداء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه، وأخ له في الله: فهذا قد يكون أفضل من الصدقة. [المجموع: 31/ 269].

* قال - رحمه الله -:

وما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء من تكثير المهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو لا ينوي أن يعطيهم إياه. فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة خارج عن الشريعة؛ وإن قصد الزوج أن يؤديه وهو في الغالب لا يطيقه فقد حمل نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه.. [المجموع: 32/ 194].

* قال - رحمه الله -:

وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطؤا كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قال الله: قد فعلت، وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا تتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقا في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذي سبقونا بالإيمان فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] الآية، وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظم أمر تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق


المسلمين؛ لا سيما أهل العلم منه، كما أمر الله ورسوله.

ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا: فهو من الظالمين، ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله المتقين؛ والله سبحانه أعلم. [المجموع: 32/ 239].

* قال - رحمه الله -:

وبلغ عمر أن شابًا يقال له: نصر بن حجاج تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه إلى البصرة، وقال: لا يكون عندي من تغنى به النساء، فكيف لو رأى عمر من يغني بمثل هذه الأقوال الموزونة في المردان، مع كثرة الفجور؛ وظهور الفواحش، وقلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله ولدينه، ويدعون إلى ما نهى الله عنه؛ ويصدون عما أمر الله به، ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا.. [المجموع: 32/ 251].

* قال - رحمه الله -:

التشبه بالبهائم في الأمور المذمومة في الشرع مذموم، ومنهي عنه: في أصواتها وأفعالها، ونحو ذلك مثلك أن ينبح نبيح الكلاب، أو ينهق نهيق الحمير، ونحو ذلك، وذلك لوجوه:

أحدها: أنا قررنا في اقتضاء الصراط المستقيم، نهي الشارع عن التشبه بالآدميين الذي جنسهم ناقص كالتشبه، بالأعراب، وبالأعاجم وبأهل الكتاب ونحو ذلك، في أمور من خصائهم وبيننا أن من أسباب ذلـك أن


المشابهة تورث مشابهة الأخلاق؛ وذكرنا أن من أكثر عشرة بعض الدواب اكتسب من أخلاقها: كالكلابين، والجمالين، وذكرنا ما في النصوص من ذم أهل الجفاء وقسوة القلوب: أهل الإبل، ومن مدح أهل الغنم؛ فكيف يكون التشبه بنفس البهائم فيما هي مذمومة؟ بل هذه القاعدة تقتضي بطريق التنبيه النهي عن التشبه بالبهائم مطلقا فيما هو من خصائصها.

وإن لم يكن مذموما بعينه لأن ذلك يدعو إلى فعل ما هو مذموم بعينه؛ إذا من المعلوم أن كون الشخص أعرابيًّا أو أعجميًّا خير من كونه كلبا أو حمارا أو خنزيرا، فإذا وقع النهي عن التشبه بهذا الصنف من الآدميين في خصائصه لكونه ذلك تشبها فيما يستلزم النقص، ويدعو إليه: فالتشبه بالبهائم فيما هو من خصائصها أولى أن يكون مذمومًا ومنهيًّا عنه.

الوجه الثاني: أن كون الإنسان مثل البهائم مذموم؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179].

الوجه الثالث: أن الله سبحانه إنما شبه الإنسان بالكلب والحمار ونحوهما في معرض الذم كقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].. [المجموع: 32/ 256].

* قال - رحمه الله -:

ولا يجوز أن يعبد الله إلا بما شرع، فمن نذر لغير الله فهو مشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله، وهو كالسجود لغير الله. [المجموع: 33/ 123].

* قال - رحمه الله -:

"اليتيم" في الآدميين من فقد أباه؛ لأن أباه هو الذي يهذبه، ويرزقه؛ وينصره: بموجب الطبع المخلوق؛ ولهذا كان تابعا في الدين لوالده؛ وكان نفقته عليه وحضانته عليه، والإنفاق هو الرزق، و"الحضانة" هي النصر لأنها الأيواء، ودفع الأذى فإذا عدم أبوه طمعت النفوس فيه، لأن الإنسان ظلوم جهول، والمظلوم عاجز ضعيف، فتقوى جهة الفساد من جهة قوة المقتضى ومن جهة ضعف المانع، ويتولد عنه فسادان: ضرر اليتيم؛ الذي لا دافع عنه ولا يحسن إليه، وفجور الآدمي الذي لا وازع له. [المجموع: 34/ 108].

* قال - رحمه الله -:

فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد؛ وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله. ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعه عصاهم: فماله في الآخرة من خلاق، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعه بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفا؛ وإن لم يعطه منها لم يف" [المجموع: 35/ 16].


* قال - رحمه الله -:

ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحد بنسبه، ولا يذم أحدا بنسبه؛ وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان.. [المجموع: 35/ 230].

* قال - رحمه الله -:

ويكون منها المودة والرحمة ما امتن الله تعالى بها في كتابه، فيكون ألم الفراق أشد عليها من الموت أحيانا، وأشد من ذهاب المال، وأشد من فراق الأوطان، خصوصا إن كان بأحدهما علاقة من صاحبه، أو كان بينهما أطفال يضيعون بالفراق ويفسد حالهم، ثم يفضى ذلك إلى القطيعة بين أقاربها، ووقوع الشر لما زالت نعمة المصاهرة التي امتن الله تعالى بها في وقوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54] ومعلوم أن هذا من الحرج الداخل في عموم قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ومن العسر المنفي بقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. [المجموع: 35/ 299].

* قال - رحمه الله -:

ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنه رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا.. [المجموع: 35/ 372].


* ثم قال - رحمه الله -:

ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم..... [المجموع: 35/ 372].

* قال - رحمه الله -:

وتعلمون أيضًا: أن ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان، ما كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر، فليس ذلك غضاضة ولا نقصا في حق صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغير منا، ولا بغض، بل هو بعدما عومل به من التغليظ والتخشين، أرفع قدرا، وأنبه ذكرا، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين، التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين.

وتعلمون أنا جميعا متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا بعضا، أعظم ما كان، وأشد فمن رام أن يؤذي بعض الأصحاب، أو الإخوان لما قد يظنه من نوع تخشين، عومل به بدمشق أو بمصر الساعة، أو غير ذلك فهو الغالط وكذلك من ظن أن المؤمنين يبخلون عما أمروا به من التعاون والتناصر، فقد ظن سوء وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا.

فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي، أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلوا فهم في حل من جهتي، وأما ما يتعلق بحقوق الله، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإلا فحكم الله نافذ فيهم، فلو كان الرجل مشكورا على سوء عمله، لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وآلائه، وأياديه التي لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له.. [المجموع: 38/ 54-56].

* قال - رحمه الله -:

لا ريب أن الذين أتوا العلم والإيمان أرفع من الذين أوتوا الإيمان فقط، كما دل عليه الكتاب والسنة. [المستدرك: 1/ 11].

* قال - رحمه الله -:

قال الشيخ تقي الدين: من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضر ما يلجؤهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدا سواه، فتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم: من التوكل عليه، والإنابة إليه وحلاوة الإيمان، وذوق طعمه والبراءة من الشرك، ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف أو الجدب والضر؛ وما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم أن يعبر عنه مقال؛ ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه؛ ولهذا قيل: يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع


باب سيدك.

وقال بعض الشيوخ إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي أن ينصرف عني ذلك، لأن النفس لا تريد إلا حظها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبينا".

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: التكبر شر من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله، تعالى المشرك يعبد الله وغيره.. [المستدرك: 1/ 15].

* قال - رحمه الله -:

وقال له رجل: جمعنا الله وإياك في مستقر رحمته: فقال: لا تقل هذا، و كان أبو العباس يميل إلى أنه لا يكره الدعاء بذلك، ويقول: إن الرحمة ههنا المراد بها الرحمة المخلوقة، ومستقرها الجنة، وهو قول طائفة من السلف.. [المستدرك: 1/ 64].

* قال - رحمه الله -:

قد استفاضت الأخبار بمعرفة الميت بحال أهله وأصحابه في الدنيا وأن ذلك يعرض عليه، وأنه يرى ويدري بما يفعل عنده، ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا، وروي عن عائشة رضي الله عنها بعد أن دفن عمر رضي الله عنه: كانت تستتر وتقول: كان أبي وزوجي فأما عمر فأجنبني تعني أنه يراها.

وروي أن الموتى يسألون الميت عن حـال أهليهم فيعرفون أحوالهم،


وأنه ولد لفلان ولد، وتزوجت فلانة ومات فلان فما جاء؟ فيقولون راح إلى أمه الهاوية. [المستدرك: 1/ 95].

* قال - رحمه الله -:

الدنيا دار تكليف بلا خلاف، وكذلك البرزخ وعرصة القيامة، وإنما ينقطع التكليف بدخول دار الجزاء وهي الجنة أو النار، كما صرح بذلك أصحابنا وغيرهم، والامتحان في البرزخ لمن لم يكن مكلفا ففيه القولان لأصحابنا وغيرهم، وعلى هذا لا خلاف في امتحانهم في العرصة، وغير المكلف قد يرحم؛ فإن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة.. [المستدرك: 1/ 105].

* وقال - رحمه الله -:

الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا.

فالمؤمن أفضل من المسلم، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14].

ومن كان عالما بما أمر الله تعالى به وما نهى عنه فهو عالم بالشريعة، ومن لم يكن عالما بذلك فهو جاهل من أجهل الناس.[المستدرك: 1/ 128].


قال ابن القيم - رحمه الله -:

... سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: انظر إلى "موسى" صلوات الله وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بحلية نبي مثله وهو هارون، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد - صلى الله عليه وسلم - ورفعه عليه، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه، ويدلله، لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر.

وانظر إلى يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاصب ربه مرة فأخذه وسبحنه في بطن الحوت، ولم يتحتمل له ما احتمل لموسى.

وقال ابن القيم أيضًا: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وكذلك لطم موسى عين ملك الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه؛ وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ رفعه فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يعتبه الله على ذلك.

قال: لأن موسى عليه السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال، فإنه قاوم فرعون أكبر أعداء الله تعالى وتصدى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد، وكان شديد الغضب لربه، فاحتمل له ما لم يحتمله لغيره.

وذو النون لما لم يكن في هذا المقام سجنه في بطن الحوت من غضبه،


وقد جعل الله لكل شيء قدرًا. [المستدرك: 1/ 131].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لا بد للسالك إلى الله من همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره ويهديه.

وقال العارف: يسير إلى الله عز وجل بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس.

قال ابن القيم - رحمه الله -: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: العارف لا يرى له على أحد حقا، ولا يشهد له على غيره فضلا؛ ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب ولا يضارب.

ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك، أمرا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: مالي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:

وهكذا كان أبي وجدي

إنا المكدي وابن المكدي

وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا. [المستدرك: 1/ 143].


قال ابن القيم - رحمه الله -:

وسمعت شيخ الإسلام قدس الله روحه يقول: كان صبر يوسف عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة، فإنه كان شابا، وداعية الشباب إليها قوية، وعزبا، ليس له ما يعوصه ويرد شهوته، وغريبا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله ومملوكا، والمملوك أَيضًا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة الجميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه. [المستدرك: 1/ 144].

* قال - رحمه الله -:

الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل؛ فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية.. [المستدرك: 1/ 145].


قال لي شيخ الإسلام - رحمه الله - مرة: العوارض والمحن هي كالحر والبرد؛ فإذا علم العبد أنه لا بد منهما لم يغضب لورودهما، لم يغتم لذلك ولم يحزن.

قال الشيخ تقي الدين: فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها؛ إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص، مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن، وتصح من بعض ذنوبه في الأصح.. [المستدرك: 1/ 146].

* قال - رحمه الله -:

قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد ذكر في مناقب الفضيل بن عياض، أنه ضحك يوم مات ابنه علي، فسئل عن ذلك فقال: إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكمل وأفضل فإنه جمع بين الرضا بقضاء الله تعالى وبين رحمة الطفل، فإنه لما قال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".

والفضيل ضاق عن الجمع بين الأمرين فلم يتسع للرضا بقضاء الرب وبقاء الرحمة للولد، وهذا جواب شيخنا سمعته منه.

ويستحب البكاء على الميت رحمة له، وهو أكمل من الفرج لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" متفق عليه.

وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غـلب هلك


صاحبه ونص عليه الإمام أحمد ؛ لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس، ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله.. [المستدرك: 1/ 147].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

بعد ذكره آيات الاستقامة، وتفسير السلف لها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفوا عنه يمنة ولا يسرة.

يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة. [المستدرك: 1/ 152].

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور([1]).. [المستدرك: 1/ 153].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

ورأيت شيخ الإسلام قدس الله روحه في المنام وكأني ذكرت له شيئًا من أعمال القلب، وأخذت في تعظيمه ومنفعته، لا أذكره الآن فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة.


وهكذا كان حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله. [المستدرك: 1/ 152].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.

وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي، لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. [المستدرك: 1/ 153].

وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملئ هذه القلعة ذهبا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا.

وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله.

وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه.

ولما أدخل إلى القلعة وصار داخل السور نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: 13]. [المستدرك: 1/ 154].


قال ابن القيم - رحمه الله -:

وذكر شيخنا: أن عليه أن يستعمل مع التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه، ويستعمل مع التقوى والصبر، وذكر قول الحسن، لا يضرك ما لم تمد به يدا أو لسانا، قال: وكثير ممن عنده دين لا يعين من ظلمه ولا يقوم بما يجب من حقه؛ بل إذا ذمه أحد لم يوافقه ولا يذكر محامده، وكذا لو مدحه أحد لسكت، وهذا مذنب في ترك المأمور لا معتد، وأما من اعتدى بقول أو فعل فذاك يعاقب.

ومن اتقى وصبر نفعه الله بتقواه كما جرى لزينب بنت جحش، رضي الله عنها وفي الحديث: "ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الحسد، والظن، الطيرة وسأحدكم بالمخرج من ذلك: إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظنت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض". [المستدرك: 1/ 155].

* قال - رحمه الله -:

حديث علي ووصية النبي - صلى الله عليه وسلم - له ولفاطمة رضي الله تعالى عنهما أن يسبحا إذا أخذ مضاجعهما للنوم ثلاثا وثلاثين ويحمدا ثلاثا وثلاثين ويكبرا أربعا وثلاثين، وقال: "هو خير لكما من خادم".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: بلغنا أنه من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل غيره.

قال يونس بن عبيد: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83] إلا وقفت بإذن الله قال شيخنا قدس الله روحه وقد فعلنا ذلك فكان كذلك.

قال ابن القيم - رحمه الله -: الحادية والستون الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.. [المستدرك: 1/ 157].

* قال - رحمه الله -:

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر أثرا في هذا الباب، ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوها حملوه.

وحضر شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي، أو كلاهما قريبا من هذا.. [المستدرك: 1/ 158].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرض، وذكر في ذلك حديثا مرفوعا عن علي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو يدعو فقال: "يا علي عم، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض".. [المستدرك: 1/ 159].


* قال - رحمه الله -:

وحقيقة المشروع منه (أي: الزهد) أن يكون بغضه وحبه وزهده فيه أو عنه تابعا لحب الله وكراهته، فيحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله، ويرضى ما يرضاه، ويسخط ما يسخطه، بحيث لا يكون تابعا لهواه؛ بل لأمر مولاه؛ فإن كثيرًا من الزهاد في الدنيا أعرضوا عن فضولها ولم يقبلوا على ما يحبه الله ورسوله؛ وليس هذا الزهد هو الذي أمر الله به؛ ولهذا كان في المشركين زهاد، وفي أهل الكتاب زهاد، وفي أهل البدع زهاد.

ومن الناس من يزهد طلبا للراحة من تعب الدنيا، أو من مسألة أهلها والسلامة من أذانهم، أو لطلب الرياسة، إلى أمثال هذه الأنواع التي لم يأمر بها ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وما ما أمر الله به ورسوله: فهو أن يزهد فيما لا يحبه الله ورسوله ويرغب فيما يحبه الله ورسوله؛ فيكون زهده عما لم يأمر الله به أمر إيجاب أو استحباب، سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا، ويكون ذلك مقبلا على ما أمر الله به، ولا يترك المكروه بدون فعل المحبوب فإن المقصود بالقصد الأول فهو فعل المحبوب، وترك المكروه معين على ذلك، فتزكو النفس بذلك، كما يزكوا الزرع إذا نقي من الدغل.. [المستدرك: 1/ 161].


قال ابن القيم - رحمه الله -:

وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة أو نحو هذا الكلام. [المستدرك: 1/ 162].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [المستدرك: 1/ 175].

* قال - رحمه الله -:

قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد ذكر الله سبحانه السكينة في كتابه في ستة مواضع:

الأول: قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248].

الثاني: قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 26].

الثالث: قوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].

الرابع: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4].

الخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ


فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

السادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26].

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إذا اشتدت عليه الأمور قرأ أيات السكينة، وسمعته يقول في وقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها، من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة قال: فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي ومن حولي: إقرؤوا آيات السكينة، قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قلبة.. [المستدرك: 1/ 182].

* قال - رحمه الله -:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: 75].

قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد شا هدت من فراسة شيخ الإسلام - رحمه الله - أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما.

أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وست مائة، وأن جيوش السلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام، ولا سبي عام، وأن كلب الجيش وحدته تكون في الأموال، وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة.

ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبع مائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا، فـيقال له:  قل إن  شاء الله،  فيقول: إن


شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وسمعته يقول ذلك، قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذا الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام، قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو، وكانت فراسته الجرئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر.

ولما طلب إلى الديار المصرية، وأريد قتله بعدما أنضجت له القدور، وقلبت له الأمور، اجتمع أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك، فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رءوس الناس، وسمعته يقول ذلك.

ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مراده منك؛ فسجد لله شكرا، وأطال فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟ قال بداية ذلة ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره فقيل: متى هذا؟ فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته فوقع الأمر مثل ما أخبر به، سمعت ذلك منه.

وقال مرة: يدخل علي أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم، فقلت له، أو غيري، لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاة؟

وقلت له يومًا: لو عاملتنا بذلك لكان ادعى إلى الاستقامة والصلاح، فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال: شهرا وأخبرني غيره مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني، وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعـين أوقـاتها وقـد رأيت


بعضها وأنا انتظر بقيتها.

وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته، والله أعلم. [المستدرك: 1/ 186].

* قال - رحمه الله -:

فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم: آمنا وإما أن لا يقول: آمنا؛ بل يستمر على عمل السيئات، فمن قال: (آمنا) امتحنه الرب عز وجل وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب.

ومن لم يقل: (آمنا) فلا يحسب أن يسبق الرب لتجربته، فإن أحدا لن يعجز الله تعالى هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذونهم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: 112] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: 52] وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: 43].

ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أو كفرت؛ لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والكافر حصل له النعمة ابتداء ثم يصير في الألم.

سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى فإن الله ابتلى نوحا وإبـراهيم


وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة، وهذا أصل عظيم فينبغي للعقال أن يعرفه، وهذا يحصل لكل واحد.

فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إردات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم، وتارة: من غيرهم، ومن اختبر حاله وأحوال الناس وجد من هذا شيئًا كثيرًا؛ كقول يريدون الفواحش والظلم، أو لهم أقوال باطلة في الدين أو شرك، فهم مرتكبون بعض ما ذكره الله من المحرمات في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] وهم في مكان مشترك كدار جامعة أو خان أو قيسرية أو مدرسة أو رباط أو قرية أو درب أو مدينة فيها غيرهم، وهم لا يتمكنون مما يديدون إلا بموافقته أولئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم، فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت، فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يخافونه ابتداء؛ كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل إما في الخبر وإما في الأمر أو المعاونة على الفاحشة والظلم، فإن لم يجبهم آذوه وعادوه، وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه، وإلا عذب بغيرهم.

فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ويروى موقوفًا ومرفوعًا: "من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس" في لفظ: "رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا" وفي لفظ: "وعاد حامده من الناس ذاما".

وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم، فمن هداه الله وأرشده امتنع عن فعل المحرم وصبر على أذاهم وعداوتهم ثم تكون له العافية في الدنيا والآخرة، كما جرى للرسل وأتباعهم مع من آذاهم وعاداهم مثل المهاجرين في هذه الأمة ومن ابتلي من علمائها وعبادها وتجارها وولاتها.

وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة، كالمكره على الكفر كما هو مبسوط في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا أنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس؛ فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة؛ ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع انه لا بد أن يبتلي الناس، والابتلاء يكون بالسراء والضراء، ولا بد أن يبتلي الإنسان بما يسره وما يسؤوه، فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7] وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168] وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123، 124] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142] وهذا في آل عمران. وقد قال قبل ذلك في البقرة؛ فإن البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 241].

وذلك أن النفس لا تزكوا وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتتن في كير الامتحان، إذا كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصـل له شـر


إلا منها قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53]. ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: 11].

وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت، وفي كل ذلك يقول: (إنهم ظلموا أنفسهم) فهم الظالمون لا المظلومون، وأول من اعترف بذلك أبواهم: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] وقال لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] [المستدرك: 1/ 192].

* قال - رحمه الله -:

وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين في الحرمة، لا في المحرمية ولهن من الاحترام ما ليس للأم الوالدة. [المستدرك: 1/ 199].

* قال - رحمه الله -:

وليعلم أن الدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلمه لنفسه ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم بل هو الأدعية التي يدعو بها الأنبياء وهم أفضل الخلق، قال الله تعالى عن آدم وحواء، ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] وقال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: 16] والخليل عليه السلام: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: 41].

﴿الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: 82] وقال هو وإسماعيل عليه السلام: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 123] إلى قوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ يونس عليه السلام: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. وثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه: "ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي" وثبت عنه: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وعلانيته وسره وأوله وآخره، اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، واللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطأي وعمدي، وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت، ما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم، وأنت المؤخر لا إله إلا أنت".

وفي الركوع والسجود كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن" وقال له ربه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55] وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19] وسورة النصر آخر ما نزل بعد قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] فقال له الناس: "هذا لك فما لنا؟" قال: فأنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4]. [المستدرك: 1/ 204].

* قال - رحمه الله -:

واعلم أن كثير من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب الزنا والسرقة نحو ذلك فيستعظم أن كريما يفعل ذلك، ولا يعلم هذا المسكين أن أكثر عقلاء بني آدم لا يسرقون؛ بل ولا يزنون حتى في جاهليتهم وكفرهم؛ فإن أبا بكر وغيره قبل الإسلام ما كانوا يرضون أن يفعلوا مثل هـذه  الأعمال، ولما بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة


النساء على أن لا يسرقن ولا يزنين قالت: "أو تزني الحرة؟" فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلا للإماء، وكذلك اللواط، فأكثر الأمم لم تعرفه ولم يكن يعرف في العرب قط. [المستدرك: 1/ 209].

* قال - رحمه الله -:

فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب القلوب، وبما عليها من الحقوق لله والعبادة، وبما حد لهم من الحدود، علم أنه لا يخلو أحد من ترك بعض الحقوق، وتعدى بعض الحدود؛ ولهذا أمر الله عبادة أن يسألوه أن يهديهم الصراط المستقيم في اليوم والليلة في المكتوية وحدها سبع عشرة مرة، وهو صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن يطع الله ورسوله فهو مع هؤلاء.. [المستدرك: 1/ 211].

* قال - رحمه الله -:

والتوبة والاستغفار، قد يكونان من ترك الأفضل، والذم والوعيد لا يكونان إلا على ذنب. [المستدرك: 1/ 217].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: "والماء البارد" والحار  أبلغ في


الإنقاء.

فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه، فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث، ويطفى النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معن ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا، وهذا معنى كلامه.. [المستدرك: 1/ 218].

* قال - رحمه الله -:

ومن ذلك حديث البغي التي سقت كلبا فغفر لها، فلا يقال كل بغي سقت كلبا غفر لها، لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة، والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته.. [المستدرك: 1/ 225]

* قال - رحمه الله -:

وليس للمسلم أن يستفتي إلا من يعلم أنه من أهل العلم والدين، وأن لا يقتدي إلا بمن يصلح الاقتداء به.

وقال شيخنا: لا يجوز استفتاء إلا من يفتي بعلم وعدل.

ولا يجوز أن يقدم العامي على فعل لا يعلم جوازه، ويفسق إن كان مما


يفسق به، ذكر القاضي.

والد شيخنا: مسألة: قال ابن عقيل: ولا يجوز للعامي أن يستفتى في الأحكام الشرعية من شاء، بل يجب أن يبحث عن حال من يريد سؤاله وتقليده، فإذا أخبره أهل الثقة والخبرة أنه أهل لذلك علما وديانة حينئذ استفتاه وإلا فلا، وقال قوم: لا يجب عليه ذلك؛ بل يسأل إن يشاء.

قال شيخنا: وقال أبو الخطاب: لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان العلماء، وأخذ الناس عنه وإجماعهم على سؤاله، وما يبدو منه من سمات الدين والخير، فأما من لا يراه مشتغلا بالعلم ويرى عليه سيما الدين فلا يجوز لا استفتاؤه بمجرد ذلك، وقال أبو المعالي: إذا تقرر عنده يقول الإثبات: إن هذا الرجل بالغ مبلغ الاجتهاد فحينئذ يستفتيه ثم قال القاضي: له أن يعول على قول عدلين، وقال: لا يستفتي إلا من استفاضت الأخبار ببلوغه منصب الاجتهاد والأمر هنا مظنون.. [المستدرك: 2/ 280].

* قال - رحمه الله -:

قال سعيد بن يعقوب: كتب إلي أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب، أما بعد: فإن الدنيا داء، والسلطان دواء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره، والسلام عليك. [المستدرك: 2/ 281].


* قال - رحمه الله -:

ويل للعالم إذا سكت عن تعليم الجاهل، وويل للجاهل إذا لم يقبل.. [المستدرك: 2/ 281].

* قال - رحمه الله -:

يستحب للذي يتشهد بعد الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء.. [المستدرك: 3/ 32].

* قال - رحمه الله -:

والحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفر الكبائر، كالحديث الذي في صاحب البطاقة، الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفه فثقلت البطاقة، وطاشت السجلات، وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين، بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن، وكذلك حديث البغي، وإلا فليس كل من سقى كلبا عطشانا يغفر له، كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف، والإصرار ما يعظمها، فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إلا ببيان من الله؛ لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء.. [المستدرك: 3/ 96].


* قال - رحمه الله -:

وأكمل الذكر بالقلب واللسان، ثم بالقلب، ثم باللسان، والمأمور به في الصلاة القلب واللسان جميعا، لكن ذكر اللسان مقدور، والقلب قد لا يقدر عليه للواسواس، فلو قدر رجلان أحدهما ذكر الذكر الواجب بالقلب فقط، والثاني بلسانه فقط، فإن الأول لا يجزئه في صلاته بلا نزاع، وإن قدر ذكر القلب أفضل؛ لأنه ترك الواجب المقدور عليه، كما أن الخشوع لله بالقلب والبدن أكمل منه بالقلب وحده، وهو بالقلب وحده أكمل منه بالبدن وحده. [المستدرك: 3/ 99].

* قال - رحمه الله -:

أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فذنبه من جنس ذنب اليهود والله أعلم. [المستدرك: 3/ 104].

* قال - رحمه الله -:

من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه منه كان له مثل أجر الفاعل، ثم احتج بحديث أبي كبشة، وحديث: "إن بالمدينة رجالا" وحديث: "إذا مرض العبد" وحديث: "من دعاء إلى هدى" قال: وله نظائر، واحتج بها في مكان آخر، ويقول تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: 95].

وقال أَيضًا عن حديث: "إذا مرض العبد" هذا يقتضي أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر الجماعة وإن لم يكن يعتادها لم يكتب له، وإن كان في الحالين، إنما له بنفس الفعل صلاة منفرد، وكـذلك


المريض إذا صلى قاعدًا أو مضطجعًا قال: ومن قصد الجماعة فلم يدركها كان له أجر من صلى في جماعة. [المستدرك: 3/ 124].

قال ابن القيم - رحمه الله -:

وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرا وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالصدقة بين يدي مناجاته أفضل وأولى بالفضيلة.. [المستدرك: 3/ 125].

* قال - رحمه الله -:

كان يشكل علي أحيانا حال من أصلي عليه الجنائز: هل هو مؤمن، أو منافق؟ فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة فقال: "يا أحمد: الشرط، الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط" [المستدرك: 3/ 143].

* قال - رحمه الله -:

الصواب أن الغائب إذا مات ببلد لم يصل عليه فيه صلى عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلى عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغـائب؛ لأن


الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الغائب، وتركه وفعله سنة، وهذا له موضع، وهذا له موضع، والله أعلم. [المستدرك: 3/ 144].

* قال - رحمه الله -:

ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك لا هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح.. [المستدرك: 3/ 146].

* قال - رحمه الله -:

ولا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين تمييزا ظاهرا بحيث لا يختلطون بهم، ولا تشتبه على المسلمين بقبورهم، وهذا آكد من التمييز بينهم حال الحياة بلبس الغبار ونحوه؛ فإن مقابر المسلمين فيها الرحمة ومقابر الكفار فيها العذاب، بل ينبغي مباعدة مقابرهم عن مقابر المسلمين، كلما بعدت كان أصلح.. [المستدرك: 3/ 147].

* قال - رحمه الله -:

ومن دعا لأخيه وكل الله بها ملكا يقول: "ولك بمثله" فإذا صلى عليه بدل دعائه كفاه الله همه وحصل له مقصود ذلك الدعاء من كفاية همه وغفران ذنبه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فـكيف بمن


يدعو للنبي - صلى الله عليه وسلم - بدل نفسه؟ إن لحقيق أن يحصل له أكثر مما يطلبه لنفسه.

وقد يتوهم متوهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا" إنه يحصل للمصلى أكثر مما يحصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس الأمر كذلك؛ بل له مثل أجر المصلي الذي حصل له؛ فإنه هو الذي علمه وسن له ذلك فله على ذلك مثل أجره.

ثم: "له مثل أجرة" لخبر عمرو بن شعيب، وعن أبيه، عن جده مرفوعا رواه حرب، وقال شيخنا أو أكثر.

ولا يستحب إهداء القرب للنبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو بدعة، هذا هو الصواب المقطوع به، قال أبو العباس: وأقدم من بلغنا أنه فعل ذلك علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين كان أقدم من الجنيد، وأدرك أحمد طبقته، وعاصره وعاش بعده.

واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وبأحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا، وبأنه يدري بما يفعل عنده فيسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا، وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى، لا العكس، ولا يمنع الكافر من زيارة قبرة أبيه المسلم.. [المستدرك: 3/ 149].

* قال - رحمه الله -:

لا ينبغي أن تعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين ولمن يعاونون المؤمنين فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطي شيئًا حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة في أوقاتها. [المستدرك: 3/ 162].

* قال - رحمه الله -:

ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.

ومن ليس معه ما يشتري به كتبا يشتغل بها بعلم الدين يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لا بد لتعلم دينه أو دنياه منها.

ويجوز الأخذ من الزكاة لما يحتاج إليه في إقامة مؤنته وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة.

وقيل لأحمد - رحمه الله - الرجل يكون له الزرع القائم وليس عنده ما يحصده أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم يأخذ. [المستدرك: 3/ 163].

* قال - رحمه الله -:

ومن سأل غيره الدعاء لنفع ذلك الغير أو نفعهما أثيب وإن قصد نفع نفسه فقط نهى عنه، كسؤال المال، وإن كان لا يأثم.

وقال أبو العباس في الفتاوى المصرية: لا بأس بطلب الناس الدعاء بعضهم من بعض؛ لكن أهل الفضل يفوزون بذلك، إذ الذي يطلبون منه الدعاء دعا لهم كان له من الأجر على دعائه أعظم من أجره لو دعا لنفسه واحد. [المستدرك: 3/ 166].


* قال - رحمه الله -:

وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه: مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق، ويجلد الشارب، ويقيم الحدود، لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه.

وكذلك دقيق العلم لا يفهمه إلا خواض الناس.

وجماع الأمر في ذلك بحسب قدرته.

وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه هل يجب عليه حينئذ؟ على قولين، أصحهما أنه يجب وإن لم يقبل منه إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على مفسدة الترك، كما بقي نوح عليه السلام، ألف سنة إلا خمسين عاما ينذر قومه.. [المستدرك: 3/ 203].

* قال - رحمه الله -:

ومن لم يحب ما أحب الله وهو المعروف ويبغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر لم يكن مؤمنا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان، ولا يمكن أن يحب جميع المنكرات بالقلب إلا إن كان كافرا، وهو الذي مات قلبه، كما سئل بعض السلف عن ميت الأحياء في قولهم:

إنما الميت ميت الأحياء

 ليس من مات فاستراح بميت

[المستدرك: 3/ 204].

* قال - رحمه الله -:

وينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون فقيها قبل الأمر، رفيقا عند الأمر، وليسلك أقرب الطرق في تحصيله، حليما بعد الأمر، لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: 17] [المستدرك: 3/ 204].

* قال - رحمه الله -:

مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم [المستدرك: 3/ 207].

* قال - رحمه الله -:

جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين؛ فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهوا ه أولا حتى يخرج إليهم.

والجهاد منه: ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة والحجة، واللسان، والرأي، والتدبير، والصناعة فيجب بغاية ما يمكنه.. [المستدرك: 3/ 213].

* قال - رحمه الله -:

فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط؛ بل يدفع بحسب الإمكان،  وقد نص


على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده [المستدرك: 3/ 215].

* قال - رحمه الله -:

وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة لهذا وهو خير مما في المختصرات؛ لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف.

وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرًا لا طاقة للمسلمين به؛ لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا.

ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف عنه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب.

وتجوز النيابة في الجهاد إذا كان النائب ممن لا يتعين عليه.

وقال شيخنا: جهاد الدافع للكفار يتعين على كل أحد، ويحرم فيه الفرار من مثليهم ؛ لأنه جهاد ضرورة لا اختيار، وثبتوا يوم أحد والأحزاب وجوبله وكذا لما قدم التتار دمشق.

ويجوز أن يغمس المسلم نفسه في صف الكفار لمصلحة ولو غلب على


ظنه أنهم يقتلونه. [المستدرك: 3/ 219].

* قال - رحمه الله -:

ويجب جهاد الكفار واستنفاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأسراهم، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ويدعو المسلمين إلى ما كان عليه السلف من الصدق وحسن الأخلاق، فإن هذا من أعظم أصول الإسلام وقواعد الإيمان التي بعث الله بها رسله وأنزل.... [المستدرك: 3/ 221].

* قال - رحمه الله -:

ويجب أن يحال بين الرافضي وبين أولاده في حال حياتهم، لأنه لا بد أن يفسد دينهم. [المستدرك: 3/ 233].

* قال - رحمه الله -:

لا يشمت الرجل الشابة ولا تشمته، وقال حرب، قلت لأحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست؟ فقال: إن أراد أن يستنطقها يسمع كلامها فلا؛ لأن الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتها، قال الشيخ تقي الدين: فيه عموم في الشابة.

فإن عطس رابعة لم يشمته ذكره السامري وقدمه في الرعاية، وهو الذي ذكره الشيخ عبد القادر، ومذهب مالك وغيره، وقال الشيخ تقي


الدين: وهو المنصوص عن أحمد وذكر رواية صالح ومهنا.. [المستدرك: 3/ 239].

* قال - رحمه الله -:

وقال الشيخ تقي الدين: إذا سلم الذمي على المسلم فإن يرد عليه مثل تحيته، وإن قال: أهلا وسهلا فلا بأس، كذا قال، وجزم في مواضع أخر بمثل قول الأصحاب.

وتحرم البداءة بالسلام، وفي الحاجة احتمال، نقل أبو داود فيمن له حاجة إليه، لا يعجبني ومثله: كيف أنت، أو أصبحت أو حالك نص عليه وجوزه شيخنا.

وقال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنسه له فلا بأس بذلك.

واختلف كلام أبي العباس في تحية الذمي: هل ترد بمثلها أو: وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقول: أهلا وسهلا.

وتجوز عيادة أهل المذمة وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام.

وقال العلماء: يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام.. [المستدرك: 3/ 241].


* قال - رحمه الله -:

قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغسل الميت بكراء؟

قال: بكراء؟ واستعظم ذلك، قلت: يقول: أنا فقير، قال: هذا كسب سوء ووجه هذا أن تغسيل الموتى من أعمال البر، والتكسب بذلك يورث مني موت المسلمين فيشبه الاحتكار. [المستدرك: 4/ 52].

* قال - رحمه الله -:

وقد نص الإمام أحمد أن الرجل إذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرا يقدر على إزالته أنه لا يرجع ونص على أنه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرا لا يقدر على إزالته أنه يرجع.

فسألت شيخنا عن الفرق فقال: لأن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة. [المستدرك: 4/ 209].

* قال - رحمه الله -:

وأيضا فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الإحسان والصيانة فلا يبقى الأب تام الرغبة في حفظها ولا الأم تامة الرغبة في حفظها وليس الذكر كالأنثى، كما قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْـبَتَهَا نَبَاتًا  حَسَنًا  وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا﴾ إلى قوله


﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى اقترعوا على كفالتها، فكيف بمن سواها من النساء.

وهذا أمر يعرف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة إلى ما لا يحتاج إلى الصبي، وكلما كان أستر لها وأصون كان أصلح لها، ولهذا كان لباسها المشروع لباسا لها يسترها ولعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من يلبس منهن لباس الرجال، وقال لأم سلمة في عصابتها: "لية لا ليتين" رواه أبو داود وغيره، وقال في الحديث الصحيح: "صنفان من أمتي لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله" [المستدرك: 5/ 82].

* قال - رحمه الله -:

العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله بالخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض. [المستدرك: 5/ 93].


* قال - رحمه الله -:

واختار الشيخ تقي الدين: أن العفو لا يصح في قتل الغيلة لتعذر الاحتراز، كالقتل مكابرة.

وقال الشيخ تقي الدين: استيفاء الإنسان حقه من الدم عدل، والعفو إحسان، والإحسان هنا أفضل؛ لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا إلا بعد العدل، وهو لا يحصل بالعفو ضرر، فإذا حصل به ضرر كان ظلما من العافي إما لنفسه وإما لغيره فلا يشرع. [المستدرك: 5/ 97].

* قال - رحمه الله -:

قال شيخنا: عامة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلة الصبر؛ إذ الفتنة لها سببان: إما ضعف العلم، وإما ضعف الصبر؛ فإن الجهل والظلم أصل الشر، وفاعل الشر إنما يفعله لجهله بأنه شر، وتكون نفسه تريده فبالعلم يزول الجهل، وبالصبر يحبس الهوى والشهوة فتزول تلك الفتنة.. [المستدرك: 5/ 127].

* قال - رحمه الله -:

... وذكر ابن عبد البر في كتابه (بهجة المجالس) قال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك فاجعلني في حل، قال: لا أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك، وقال شيخنا إن في الآية المذكورة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39] فائدة عظيمة، وهو أنه حمدهم على أنهم ينتصرون عند البغي عليهم، كما أنهم هم يعفون عند الغضب، ليسوا مثل الذي ليس له قوة الانتصار وفعله لعجزهم أو كسلهم أو وهنـهم أو


ذلهم أو حزنهم، فإن أكثر من يترك الانتصار بالحق إنما يتركه لهذه الأمور وأشباها.

وليسوا مثل الذي إذا غضب لا يغفر ولا يعفو بل يتعدى أو ينتقم حتى يكف من خارج كما عليه أكثر الناس إذا غضبوا أو قدروا لا يقفون عند العدل، فضلا عن الإحسان فحمدهم على أنهم هم ينتصرون وهم يعفون ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، إلى أن ذكر الروايتين في دفع الإسنان عن نفسه، ثم قال: ويشبه أن لا يجب مفسدة تقاوم مفسدة الترك أو تفضي إلى فساد أكثر، وعلى هذا تخرج قصة ابن آدم وعثمان رضي الله عنه؛ بخلاف من لم يكن في دفعه إلا إتلاف مال الغير الظالم أو حبسه أو... [المستدرك: 5/ 128].

* قال - رحمه الله -:

والأصل فيها الحل لمسلم يعمل صالحا، لأن الله تعالى إنما يبيح الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا على معصيته قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] ولهذا لا يجوز أن يعان بالمباح على معصية، كمن يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر ويسعين به على الفواحش، ومن أكل من الطيبات، ولم يشكر فهو مذموم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8] أي عن الشكر عليه.. [المستدرك: 5/ 132].


* قال - رحمه الله -:

وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسا فيه القضاء وغيرهم فجرت حكومة حكم أحدهم بقول زفر: فقلت له: ما هذه الحكومة؟ قال: هذا حكم الله، فقلت له: صار قول زفر وهو حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة؟ قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم الله، أو نحو هذا من الكلام.

قال ابن القيم - رحمه الله -: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا، وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب.

وقال ابن القيم - رحمه الله -: وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى، وهو مقدم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى فيكتب: يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه، فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبين شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك. [المستدرك: 5/ 152].

* قال - رحمه الله -:

والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا وقرية، فإنها من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه.

والولاية لها ركنان: القوة، والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى.

وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى ويقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعا.

وأما سؤال الولاية فقد ذمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما سؤال يوسف قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: 55] فلأنه كان طريقا إلى أن يدعوهم إلى الله، ويعدل بين الناس، ويرفع عنهم الظلم، ويفعل من الخير ما لم يكونوا يفعلوه مع أنهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتأويل الرؤيا ما يئول إليه حال الناس، ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه.

وأيضا فليست هذه إمارة محضة إنما هي أمانة، وقد يقال: هذا شرع من قبلنا. [المستدرك: 5/ 155].

* قال - رحمه الله -:

قال ابن القيم - رحمه الله - في أقسام النفوس وطبائعها، وانقسام الناس بالنسبة إليها، وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هذه المسألة وقطع الآفات والأشغال بتنقية الطريق وبتنظيفها؟

فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس وهو جب القذر كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيره.

فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال ليك ثل آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السير قط، ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك.

فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًا، واثنى على قائله.

قال ابن القيم - رحمه الله - بعد أن ذكر الخلاف في السمع والبصر: أيهما أشرف؟

قال شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه ونور ضريحه وفصل الخطاب إن إدراك السمع أعم وأشمل، وإدراك البصر أتم وأكمل، فهذا له التمام والكمال، وذاك له العموم والشمول، فقد رجح كل منهما بما اختص به تم كلامه.

وقال المعتصم يوما لبعض أصحابه، يا فلان، إذا نصر الهوى ذهب الرأي.

وسمعت رجلا يقول لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد أو قال: نسيه فقال الشيخ: هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم. [المستدرك: 5/ 299].



([1]) قال ابن القيم: يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة وانشراحا وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول.