دعوها فإنها منتنة ()

 

|

 دعوها فإنها منتنة

سليمان بن عبد الكريم المفرج


 مقدمة

الحمد لله الذي نصب من كل كائن على وحدانيته برهانًا، وتصرف في خليقته كما شاء عزًا وسلطانًا، واختار المتقين فوهب لهم أمنًا وإيمانًا، وعم المذنبين بحلمه عفوًا وغفرانًا.

الحمد لله الذي أحكم الأشياء كلها صنعًا، وتصرف كما أراد إعطاًء ومنعًا، أنشأ الآدمي من قطرة فإذا هو يسعى، وخلق له عينين ليبصر المسعى، ووالى لديه النعم وترًا وشفعا.

أحمده حمد عابد لربه معتذر إليه من تقصيره وذنبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مخلص من قلبه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى من حزبه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

أكتب هذه السطور عن مشكلة اجتماعية لها جذور، ألا وهي التعصب القبلي للأنساب، والتي تشكل في واقع الأمة جرحًا عميقًا يتقيح كل يوم، ليسكب دماء العداوة والحقد، ويفتح باب الفتنة أمام الناس، ولما كانت هذه المشكلة تتطور وتسابق الزمن كان لا بد من التصدي لها، لذلك أدليت بدلوي مجتهدًا في قمعها وتحذير الناس من شرها وعرض سُبُل علاجها، وأحيطك أيها القارئ علمًا قبل أن أبدأ الحديث في صلب الموضوع.

إني لا أحارب معرفة الأنساب والأمجاد؛ لأنه لا حرج على الإنسان أن يعرف نسبه ومن أي قبيلة هو ومَن هم أجداده، وما هي أمجادهم وبطولاتهم، ولكن أحارب التعصب للأنساب والأمجاد وأن تُجعل هي الميزان عند الناس ومقياس الشرف والرجولة.

وأرجو أن يفهم كلامي جيدًا، ولا يحمل على غير محمله، وفرق بين معرفة النسب وبين التعصب له.

كما أتمنى ألا يظن ظان أني أقدح بقبيلة معينة أو أتنقص طائفة محددة، فأنا بريء من ذلك، والله مطلع على نيتي وهو من وراء قصدي.

أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص، وأن يعصمنا من فتنة القول والعمل، إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

وكتبه

سليمان بن عبد الكريم المفرَّج

إمام وخطيب جامع الإمام

محمد بن عبد الوهاب

الجوف – دومة الجندل

تحريرًا في 10/1/1422ﻫ

055389153


 العصبية القبليَّة

إن من صور الظلم والرجعية العصبية القبيلة، والنعرات الجاهلية التي كانت ولا تزال رمزًا من رموز التكبر والخيلاء العجب بالنفس، وللأسف أصبحت هي المقياس عند كثير من الناس فجنَّدوا أنفسهم للدفاع عنها ونشَّؤوا أولادهم عليها وألفوا فيها وتكلموا وارتكبوا المخالفات لأجلها وضربوا بعرض الحائط كل نص يحاول تقبيحها ومحاربتها، ومن أهم هذه النصوص قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [رواه مسلم].

ولو لم تنطلق ألسنتهم بذلك صراحة إلا أن أفعالهم تحكيه، وصار الناس يتفاخرون بأصولهم وأمجادهم، ويطعنون في أصول غيرهم، بل ويرضَّعون أبنائهم ذلك، ولم يقف الحد عند هذا، بل أصبحت في القلوب الضغائن والأحقاد والثأر، والولاء والبراء كله لأجل هذه العصبية، ناهيك عن الحرب الضروس التي تُشَنُّ في بعض المجتمعات بين القبائل بين حين وآخر، والتي يروح ضحيتها أناس أبرياء في سبيل العنصرية والتميز الطبقي.

إن الإسلام يرفض مثل هذه الأفكار الدنيئة التي تجعل تفرقة بين المسلم وأخيه المسلم، لذلك يتجلى في شرائع الإسلام إعلان لمبدأ المساواة بين الناس، فلا فرق بين كبير وصغير، ولا أبيض ولا أسود، ولا عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.

وتتجسد صورة حيَّة لهذا المبدأ في مناسك الحج، فكل الحجاج بزي واحد ينتقلون من مكان إلى مكان، فيتحقق المنهج السامي، قال تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]، فتزول الأحساب والأنساب والشعارات الزائفة التي ينادي بها الكثير من الناس.

قال صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب» [رواه أحمد].

وقال أيضًا: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا» [رواه البخاري].

ويوم القيامة ينادي الله كل واحد باسمه؛ حيث تزول الأحساب وتلتغي الأنساب فيقال: «يا فلان ابن فلان تهيأ للعرض الأكبر على الله»، فتقوم وحدك ولا ينفعك حسب ولا نسب، بل كل واحد يتمنى أن يفديه أحب أحبابه ويريدهم يدخلون النار وهو يخرج منها، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37].

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: 11-14].

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 2].

ولقد كنا نتوقع أن طلبة العلم والصالحين هم أبعد الناس عن هذا التعصب الأعمى، ولكن يزننا والله أن نرى بعضهم يتزعمون هذه الفكرة الدنيئة ففيهم خصلة من خصال إبليس الذي رفض السجود لآدم وعصى أمر الله، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]، فأبعدهُ الله بعد قرب، وكرهه بعد حبّ، وطرده من الجنة.

والأمر يشتد قبحًا إذا وقع التعصب بين أهل الدين ومن يدعون الثقافة وعقولهم خاوية.

ومنظَّرهم هو ابن سلول الذي فتن بين أنصاري ومهاجر بعد أن آخا بينهما النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الأول يا للأنصار، وقال الثاني: يا للمهاجرين، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية، دعوها فإنها منتنة» [رواه البخاري]. وهذا هو وجه هذه الرسالة.

وانظر إلى موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عَيَّر أبو ذر بلالَ بن رباح، بقوله: يا ابن السوداء، فيتأثر بلال يوم أكرمه الله بالإسلام ثم يعير بالعصبيات والعنصريات والألوان. فيبلغ ذلك رسول الله، فيقول لأبي ذر: «أعيَّرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية» فيتأثر أبو ذر، ويتحسر ويندم، ويقول: وددت والله لو ضرب عنقي بالسيف وما سمعت ذلك من رسول الله، ويضع أبو ذر خده على التراب ويقول: لن أرفع خدي حتى تضع قدمك عليه يا بلال، فتذرف عينا بلال ويقول: يغفر الله لك يا أبا ذر، والله ما كنت لأضع قدمي على جبهة سجدت لله تعالى، ويعتنقان ويبكيان، وذهب ما في قلوبهما. [رواه البخاري].

فانظر أخي، إن الإسلام لا يقر العصبية مطلقًا، فيما أقرها بعض الناس هداهم الله وجعلوها من سنن الحياة وأصولها.

ويا ليت الذين يفتخرون بآبائهم قدّموا ولو شيئًا يسيرًا مما قدم آباؤهم وأجدادهم من فتوحات وبطولات، فالذي يفتخر بالمجد لا بد أن يسير على هذا المجد بالأفعال وليس بالأقوال فقط.

لئن فخرت بآباء كلهم شرف

لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا

وكم نرى بأعيننا إحياء الجاهلية في هذا الزمن يتجدد، وكم نشاهد من هو منتن في قلبه وعقله وفمه يتبجح بالكلام وهو لا يساوي عند الله جناح بعوضة.

وما يعدل هذا جناح بعوضة

لدى الله أو مقدار زغبة طائر

ما ضرَّ سلمان أنه فارسي ما دام تقي، وهو الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق.

وما ضرَّ بلال أنه حبشي ما دام تقي، بل لقد تزوج أخت الصحابي عبد الرحمن بن عوف، وكان مؤذن رسول الله ومن أقربهم مجلسًا عند رسول الله.

وما ضرَّ عكرمة بن أبي جهل أن أباه رأس الجهالة، فقد كان من فضلاء الصحابة وممن أبلوا بلاءً حسنًا.

وما ضرَّ عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول أن أباه من أكبر المنافقين ومشعل الفتن بين المسلمين.

وما ضرَّ خالد بن الوليد أن أباه أحد رؤوس الضلالة ومن كبار المنافقين والمستهزئين بكتاب رب العالمين، فلقد كان خالد، الذراع الأيمن لرسول الله حتى أنه لقب سيف الله المسلول.

وما ضرَّ أبا عبيدة عامر بن الجراح أن أباه أحد المشركين المعادين لرسول الله، ولن يضره أبدًا فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.

فكلهم من خيرة خلق الله، وممن باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، أفيحق أن يقال لهم: ما هو أصلكم وفصلكم؟! حتى نلبسهم وسام الشرف وتاج السيادة؟!

وفي المقابل أيضًا ما انتفع أبو لهب من كونه عم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما انتفع أبو طالب من كونه عم لرسول الله أيضًا، وممن كانوا يدافعون عنه بكل ما أوتوا من قوة، اللهم إلا أنه خفف عنه العذاب فصار أهون رجل يُعًذًَّب في النار حيث توضع جمرتان تحت قدميه يغلي منهما دماغه. [رواه البخاري].

وهل انتفع كنعان من كون أبيه نوح عليه السلام أحد أنبياء الله ومن أولي العزم والرُّسل؟

وهل يصلح أن نتنقَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحدًا من صحابته لأن آبائهم أو أعمامهم كانوا كفارًا موعودين بنار تلظي، إذن صدق الله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101].

لعمر الله ما الإنسان إلا بدينه لعم

فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب

لقد رفع الإسلام سلمانَ فارس

وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب

فالإنسان يوزن ويقيم بدينه وإيمانه لا بنسبه، ووالله إنك يا عبد الله لست مسؤولاً عن نسبك يوم القيامة، وإنما ستُسأل: مَن ربك؟ ومَن نبيك؟ وما دينك؟ وفي الحديث: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأَل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن عمله ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟» [رواه الترمذي].

وواقع بعض الناس اليوم أنه أفنى وأبلا شبابه في البحث عن نسبه والطعن في نسب غيره، وبعضهم أمضاه في التفتيش في كتب النسب التي بعضها تثير الفتنة بين الناس لما تحويه من همز ولمز وتنقص، وربما فخر وكذب ومدح ليس من ورائه جدوى.

ويتبع ذلك العلم والمال المشوبان بالعصبية السيئة، التي هي من مآثر الجاهلية كما قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن. ذكر منهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب» [رواه مسلم].

لعمر الله ما الإنسان إلا ابن يومه ن

على ما تجلي يومه لا ابن أمسه

وما الفخر بالعظم الرميم وإنما

فخار الذي يبني الفخار بنفسه

أما علم المتعصبون للنسب أن الله خلقنا ليختبرنا على حسن أعمالنا كما قال عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

أما علموا أن الله جعل مقياس القبول هو التقوى لا الشعارات التي يطبلون حولها حيث قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].

أما علموا أن من يحتقرونهم قد يكونون أحسن منهم عند الله، يقول عليه الصلاة والسلام: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» [رواه مسلم].

يقول الزبير: حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال:

جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها لمعاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم. فقال عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش؟ فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي، إني اشتريت بها دارًا في الجنة.

فالله أكبر، فرق بين الطموحات كما بين السماء والأرض، فأين أبناء قومنا عن هذه الآمال؟!

لقد فرطوا في التاج الذي يتحفون به رؤوسهم ويكون فيه عزهم وكرامتهم من طاعة الله وتقواه وحفظ كتابه والإخلاص له وتطبيق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والأعمال الصالحة التي فيها يتنافس المتنافسون ولمثلها يعمل العاملون، واستبدلوه بما يذلهم ويجلب العداوة بينهم والذي فيه الرجعة إلى حطام الجاهلية العمياء والتعصب للجنس واللون.

هيا بنا إلى جولة مع سلف الأمة رضوان الله عليهم لنرى كيف أنهم لم يعيروا لهذا التعصب اهتمامًا، ولم يكن تنافسهم عليه ولا تسابقهم له فيما جهل بعض الناس في زماننا ميدان السباق فتسابقوا إلى هذه العصبية فأخطؤوا الهدف ولم يعيروا خطاب الله بالاً حيث يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحديد: 21].

* رأى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أناسًا يتسابقون بخيلهم يوم العيد فقال: ليس السابق اليوم من سبق جواده، إنما من غفر ذنبه.

* وهذا وهب بن منبه يرى أقوامًا يلهون ويلعبون يوم العيد فيقول لهم: إن كان الله غفر لكم فما هذه حال الشاكرين، وإن لم يكن غفر لكم فما هذه حال الخائفين، فأين أبناء قومنا ليسمعوا هذا الكلام الذي يسطر بالذهب؟

* هذا أنس بن النضر يتلهف على الشهادة في سبيل الله ولم يشهد بدرًا مع رسول الله، فاغتم وحزن وقالِ: لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين ما أصنع، وفعلاً حضر أحدًا فأبلى بلاًء حسنًا وكان يقول: والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى واستشهد في سبيل الله، فوجدوا به بضعًا وثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، ومثل به المشركون، ولم يعرفه أحد إلا أخته عرفته ببنانه فرحمه الله.

يقول أنس بن مالك: كنا نظن أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ....﴾ [الأحزاب: 23] [متفق عليه].

*وهذا حنظلة بن أبي عامر في ليلة زفافه ينادي المنادي للجهاد فيهب مسرعًا فيقتل في سبيل الله، فيقول رسول الله: «حنظلة غسيل الملائكة»، فأتوا زوجته فقالت: والله لقد خرج من عندي وهو جنب.

*وهذا عمير بن الحمام كان مع الصحابة في بدر، فلما قدم المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض!» قال عمير: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: «نعم»، فقال عمير: بخ بخ يا رسول الله، ثم أخرج تمرات كان يأكلهن ورماهن وقال: إن أنا حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، فقاتل حتى قتل. فلله درك من إنسان عرف معنى هذه الحياة، وأنها لا تستحق أن يطيل المرء فيها الجلوس فاختار الجنة.

*وهذا رجل يطعن في بطنه في إحدى الغزوات، فيتنضّح الدم من جوفه فيغرفه بيديه ويقول: فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة. فيقول خصمه: كيف فزت وأنت ستموت؟ قال: فزت بالجنة! فقال خصمه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

فيا ليت المتعصبين للنسب يعرفون مضمار السباق الحقيقي لا المزيف الذي يعيشونه.

لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم

ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

* وهذا عمرو بن الجموح الرجل الكبير في السن، ينافس على السباق لأجل الجنة لا لأجل الدنيا، يخرج إلى أحد فيمنعه أبناؤه لأنه كان أعرجًا لا يقوى على القتال فشكاهم إلى رسول الله وقال: إنهم يمنعونني من الخروج معك، وإني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه: «خلو سبيله» فقاتل واستشهد في سبيل الله، قيل إنه دفن هو وعبد الله بن عمر وأبو جابر في قبر واحد، فخرب السيل قبورهم فحفر عنهم بعد ست وأربعين سنة فوجدوهم لم يتغيروا كأنهم ماتوا بالأمس. فسبحان الله.

إن للسلف هموم وآمال عالية يعجز عن إدراكها كثير من رجال هذا الزمان.

* قال إبراهيم بن أدهم: مرض بعض العباد، فدخلنا عليه نعوده، فجعل يتنفس ويتأسف، فقلت له: على ماذا تتأسف؟ قال: على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها ذكر الله.

* وبكى أحد العباد عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويذكر الذاكرون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم.

* وعن محمد بن سعد، أن حكيم بن حزام بكى يومًا فقال له ابنه: ما يبكيك؟ قال: خصال كلها أبكتني: أما أولها: فبطأ إسلامي حتى سبقت في مواطن كلها صالحة، ونجوت يوم بدر وأحد فقلت: لا أخرج أبدًا من مكة ولا أوضع مع قريش ما بقيت.

فأقمت بمكة ويأبى الله أن يشرح صدري للإسلام، وذلك أني أنظر إلى بقايا قريش لهم أسنان متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية فأقتدي بهم، ويا ليت أني لم أقتد بهم، فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا وكبرائنا.

صدق الله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67].

فيا ليت الناس يقرؤون هذه الآمال؛ ليروا أنهم ليسوا على شيء، وأن آمالهم دنيوية وبعضها جاهلية!

وأسوق هذه القصص لبعض أطفال الصحابة؛ لنرى كيف كان تفكيرهم وكيف كان آباؤهم ينشئونهم على حب الشهادة والموت في سبيل شرف إعلاء كلمة هذا الدين، لا البقاء في ذل العصبية القبلية.

* لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى بدر ليقاتل المشركين خرج غلام اسمه عمير بن أبي وقاص، وعمره ست عشرة سنة. وكان عمير يخاف ألا يقبله النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه صغير، فكان يجتهد ألا يراه أحد، وكان يتوارى ولكن رآه أخوه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقال: مالك يا أخي؟ لأي شيء تتوارى؟ قال عمير: أخاف أن يردني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني صغير وأنا أحب الخروج، لعل الله يرزقني الشهادة.

وكان كما خاف عمير، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أنه صغير والحرب لا يقوى عليها الأطفال والغلمان، وما يصنعون في الحرب؟ إنها لكبيرة على الرجال!

ولكن عميرًا ما أحب أن ينصرف ويقعد في البيت أو يلعب مع أترابه وأصدقائه في المدينة، إنه ليريد الشهادة في سبيل الله! بيد أنه لا يعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه لا يريد إلا رضا الله، ولن ينال رضا الله إذا عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان عمير في حيرة وحزن شديد، فهو لم يبلغ سن القتال، ولكنه يحن إلى الشهادة وإلى الموت في سبيل الله، ويحن إلى الجنة ويراها غير بعيدة، ولكن كيف يصل إليها وهو لم يبلغ سن القتال؟!

كل ذلك ثقل على عمير، وكان قلبه صغيرًا، فبكى، ولما بكى رق له قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله رقيقًا رفيقًا فأجازه.

وخرج عمير مع أخيه ومع المسلمين والفرحة تغمره، وكان كما أراد فقد قتل شهيدًا في الغزوة، وسبق كثيرًا من شبان زماننا بالشهادة لا بالحسب والنسب.

* ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد لقتال قريش خرج معه غلمان يحبون الجهاد في سبيل الله، فردهم الرسول لأنهم صغار لم يبلغوا سن القتال، فيكونوا كالمتاع ويشغلون الكبار أيضًا، يراقبونهم ويحرسونهم، وكان في هؤلاء الغلمان ولد اسمه رافع بن خديج وهو دون الخامسة عشرة من العمر وكان يتطاول من شدة الشوق ليظن الناس أنه كبير قد بلغ سن القتال فلا يفطن لصغر سنه وضعفه. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم رده لأنه عرف أنه صغير، وأنه يتطاول فشفع له أبوه، وقال: يا رسول الله، إن ابني رافعًا رام، فأذن له رسول الله، ففرح رافع لما أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج مع المجاهدين وهو أكثر سرورًا من غلمان يخرجون إلى مصلى العيد يوم العيد في لباس جديد.

* [لم تنته القصة] فلقد كان ولد آخر اسمه سمرة بن جندب في سن رافع، فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده الرسول صلى الله عليه وسلم لصغر سنة أيضًا، فقال سمرة: لقد أجزأت رافعًا ورددتني ولو صارعته لصرعته، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سمرة ورافعًا بالمصارعة، فصرع سمرة رافعًا كما قال واستحق أن يسمح له بالدخول في صف المجاهدين، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم سمرة للخروج، فخرج سمرة وقاتل يوم أحد في سبيل الله.

* وهذه قصة شبلين صغيرين لا يقوى الواحد منهما على حمل السيف، يأتيان من مكان بعيد ويقدمان إلى بدر ليشاركا في الغزوة فيخترقا الصفوف فيراهما عبد الرحمن بن عوف فيقول لهما: ما الذي جاء بكما إلى هنا؟ قالا: سمعنا أن رجلاً يدعى أبا جهل يسب محمدًا صلى الله عليه وسلم، فأردنا أن نردعه ونخرس لسانه، فضحك لقولهما، ثم قال: انظر إليه إنه هناك، فتسابقا كالبرق وانقضا عليه انقضاض الأسد فأحدهما ضربه والآخر أجهز عليه، فاحتزا رأسه وركضا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكادان يطيران من الفرحة كل يقول: أنا الذي قتله، فأعجب رسول الله من صنيعهما وقال: كلاكما قتله. إنهم أطفال لكنهم عند الله أبطال، إن طموحهم أفضل بكثير من طموح بعض كبارنا اليوم ممن يفتخرون بأحسابهم ويطعنون في أحساب غيرهم.

الشبلان هما معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء عليهما رضوان الله تعالى.

بغض الحياة وخوف الله أخرجني

وبيع نفسي بما ليست له ثمنًا

إني وزنت الذي يبقى ليعيد له

ما ليس يبقى فلا والله ما وزنا

إن هؤلاء آباؤنا الذين نعتمد عليهم أمام المحن والبلايا.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

والله إننا لنتمنى أن الحديث يطول إذا كان عن هؤلاء الذين سطروا تاريخ الاستعلاء طلباً للفوز بالشهادة لا تاريخ الدعوة الجاهلية التي لا تعرف إلا رفع الأنوف والافتخار بالنفس مع احتقار الغير.

إننا لا ندعو إلى أن يعيش الإنسان دون أن يعرف اسم جده وتاريخ آبائه وأعرقهم كما قلت سابقاً ولكن في المقابل نرفض أن يتعصب الإنسان لذلك فيعتقد أنه أفضل الناس وغيره عبيد له وخدم!!

ما أجمل أن نقتدي بمن ذكرت قصصهم ونحذوا حذوها وننشئ أطفالنا عليها.

كرر علي حديثهم يا حادي

فحديثهم يجلوا الفؤاد الصادي

مهلا يا دعاه الحزبية والعنصرية رويدكم إن الدين هو مجال السباق واقتفاء آثار الصحابة هو بيت القصيد ومحط الركب.

إذا ما في الحجاز بكى حزين

بكى من حزنه من في العراق

فيا من تعصب للأنساب مهلاً

فإن الدين ميدان السباق

فعودًا إخوتي للدين حتى

نكون مع الصحابة باتفاق

ومن جراء هذه العصبية ظلم كثير من أفراد المجتمع ظلمًا ظاهرًا، ومنهم النساء اللاتي أصبحن ضحايا هذه الحروب القبلية في كثير من البقاع، فمحرم عليها أن تتزوج إلا من ابن عمها حتى لو كان أفجر الفاجرين، ويرد من أتى لخطبتها؛ لأنه ليس من فصيلتنا حتى لو كان أتقى العابدين وأفضل الزاهدين، فهو حقير ذليل ليس له أصل أو أن أصلنا يفوق أصله، متغافلين قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» [رواه ابن ماجه].

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ها هي الفتنة تتجسد أمام أعيننا واقعًا حيًا مريرًا يتفطر له القلب ويندى له الجبين لا سيما إذا سمعت طفلين لم يتجاوزا العاشرة من عمرهما يتشاجران في قاعة دراسية أو في شارع وهما يسبان ويسخطان وتعلو الصيحات: أنت أصلك كذا، ويرد الآخر أنت فصلك كذا. فليفرح الآباء عند ذلك، فالابن تعلم هذه الشجاعة ونفع التعليم فصار شبلاً من ذاك الأسد، فيالها من حسرة يعيشها كثير من أفراد المجتمع، وحق لنا أن نعزي أنفسنا بهذا الجيل الصاعد الذي رضع الشجاعة وسيحرر لنا الأقصى!!!

أعود إلى النساء الجريحات اللاتي تتجاوز الواحدة منهن الأربعين ولم يطلق سراحها بعد لتعيش الأمومة التي تتعطش لها ليل نهار وتتنفس بعد الكبت ومصارعة الألم.

والله، إن كثيرًا من النساء الشابات يعشن إهانة في هذه الأيام رغم أن الإسلام أعز المرأة، وتزهق روح الغريزة لديها بمنعها من أخذ حقها الذي تكفل لها الإسلام به وهو الزواج، فما ذنبها عندما يتقدم لها رجل ذا دين وخلق فتمنع منه لأجل هذه العنصرية والطبقية، وما ذنبها أن تجبر علي الزواج من شاب سفيه أو طائش؛ لأن نسبه شريف أو شكله ظريف أو مرتبه عال، فسبحان الله! يفكرون في كل شيء إلا الدين، فظلموا المرأة وأعادوا شيئًا من الجاهلية حولها، وكثير من الشابات يشكين إلى الله ويرفعن أكف الضراعة ويدعين على آبائهن ورسائلهن عبر الهاتف والورق لا تعد ولا تحصى.

* هذه امرأة منعها أبوها من الزواج، وكلما تقدم لها كفؤ رفضه ورده لأجل هذه (المنتنة!!) التي نحن بصدد الحديث عنها، ثم لما حانت ساعت رحيلها على إثر مرض خطير ألم بها والذي أخذت تلفظ معه أنفاسها الأخيرة قالت لوالدها: قل آمين. فقال آمين. قالت: عليك لعنة الله وملائكته والناس أجمعين. إني لا أحلك إلى يوم الدين، فلقد ظلمتني. ثم ماتت، وإذا أردت أن تعرف التفاصيل مجسدة أمامك فاسأل تيك الفتاة عما يجري على خدها من دموع الأحزان التي تموج بها في بحر اليأس لتصل إلى ساحل الحرمان.

* وهذه قصة من آلاف القصص المحزنة تحكيها هذه الفتاة عبر ورقات سطرتها إلى أحد الدعاة وعنوانها بصرخة نذير تقول فيها:

لقد تحركت شجوني وما سكنت جراحي التي أبدا ما التأمت، فأمسكت بقلمي ومداده دم قلبي الممزق ودمع عيني الباكية، وكأنما بصيص أمل يترائى لي من بعيد، وإلا فو الله ثم والله، لقد يئست من كل شيء إلا من رحمة الله، فهي الشيء الوحيد الذي يعزيني.

عشت مأساة ولا زلت أعيشها وأسأل الله أن يرفع عني هذا الظلم، إن كان عذابا أوقعه علي أو يربط علي قلبي إن كان امتحاناً وابتلاءً.

أنتخي بكم وألجأ إليكم بعد الله، يا من كلي أمل فيكم أن ترفعوا عني هذا الظلم وأن تتمثلوا نخوة المعتصم في زمن ماتت فيه النخوة والأخوة إلا أن يشاء الله، لست أدري ماذا أقول بعد أن عجز لساني عن النطق ودموعي تنساب علي خدي.

أنا شابه مسلمة أعيش تحت ضغوط نفسية قاسية وفي صراع دام بين الحلال والحرام، بين الفضيلة والعهر، بين الحرية والكبت، يحبسني أبي عن الزواج بسبب هذه العصبية، وكلما طرق طارق ليخطبني رفضه ورده ويأتيه بحجج كاذبة، أليس لي حق في الزواج، وأن أكون أمًّا ومربية لأسرة، ما ذنبي، وكلما رأيت زميلاتي يتحدثن عن البيت والأطفال أكفكف العبرات حتى لا تنزل الدمعات، وربما بكى قلبي وما سالت عيوني؟ وهناك الكثير يأتون لخطبتي فتكون الحجة لأبي أنهم من غير قبيلتنا مع أنهم أهل دين وخلق، ما الحيلة وقد شارفت على العنوسة، لقد دعوت على أبي كثيرًا، وما العمل؟ هل أتعلق بما يعوض علي ذلك ولو كان حرامًا فأسمح للشباب أن يمزقوا ثياب عفتي، لم يعد عندي بد من التصرف ولو كان أهوجًا.

هذه أدمعي قد سطرتها لكم ولا أشكو إلا إلى الله، ولا زال ينطق لساني: أنقذوني! ها أنا أبوح بصوتي الذي لم يعد يقوى على الصراخ وإني لأرجو من كل أخت مسلمة أن تحمد الله مهما أصابها ما دامت في عش الزوجية وزوجها وأطفالها حولها كالنجوم وسط الليل ترمقهم بعينها وتحتضنهم بفؤادها.

أسأل الله أن يديم على أخواتي المسلمات هذه النعمة، وألا يحرمهن منها حيث حرم منها غيرهن وأن يرزقهن الله شكرها، وألا يكدر عليهن صفو معيشتهن حيث تكدرت على غيرهن، وأصلح الله لهن النية والذرية.

هذه الحكايات غيض من فيض، وقليل من كثير، ولا زالت تتوالى الرسائل التي يحزن لها القلب، ولا أملك إلا أن أقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، إن الفرج مع الكرب، وإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرا، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].

لهذا يذوب القلب من كمد

إن كان القلب إسلام وإيمان

اصبرن يا أخواتي فأنتن منصورات بإذن الله، ولن يطول ليل الظالمين، والأيام قلّبٌ لا تدوم على حال، فكم من إنسان ضحك كثيرًا وفجأة طال بكاؤه، وكم من إنسان بكى كثيرًا وفجأة طال ضحكه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]، فأحسن الظن بالله ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 64].

فإن عرف التاريخ أوسًا وخزرجًا

فلله أوس قادمون وخزرج

وإنا لندعوا الله حتى كأنما

نرى بجميل الظن ما الله صانع

ولعل قصة حاتم وأولاده تسليكن كثيرًا لتعرفن أن الله يراكن ولن يضيعكن.

* روي أن حاتم الأصم قال لأولاده: إني أريد الحج، فبكوا وقالوا: إلى من تكلنا، وكان له بنت فقالت: دعوه يذهب، فليس هو الرازق، فخرج أبوهم فباتوا جياعًا، فجعلوا يوبخون تلك البنت، فقالت: اللهم لا تجعلني في موضع حرج، ويستجيب الله دعاءها، فيمر بهم أمير البلد، فقال لبعض أصحابه: اطلب لي منهم ماء، فناوله أهل حاتم كوزًا جديدًا وماًء باردًا، فشرب منه، ثم قال: دار من هذه؟ فقالوا: دار حاتم الأصم، فرمى الأمير قطعًا ذهبية ثمينة في الإناء وقال لعسكره: من أحبني فعل مثلي، فرمى العسكر ما معهم من المال في هذا الإناء ثم انصرفوا، فجعلت البنت تبكي، فقالت أمها: ما يبكيك وقد وسع الله علينا ورزقنا؟ فقالت البنت: هذا مخلوق نظر إلينا فاغتنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟!

الله أكبر، ما أعظم توكل هذه الفتاة وتعظيمها لله، وما أعظم رحمة الله وفضله، فكنَّ مثلها يا أخواتي ولتثقن بالله.

فعلى كل أب أن يتقي الله في بناته، وأن يكون عنده ضمير حي يراعي حرمة الظلم، وأن يبتعد عن هذه النعرات التي من أكبر ضحاياها الفتيات وألا يجامل فلانًا أو فلان فلن ينفعوه في ذلك اليوم الذي تمسك فيه بنته بتلابيبه وتقول: يا رب، انصفني من هذا الظالم.

فاخشوا أيها الظالمون دعوة المظلوم، فإنها ترفع فوق الغمام وليس بينها وبين الله حجاب، فيقول الرب: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». [رواه أحمد والترمذي وحسنه].

* يروى أن عمر ولى سعدًا على العراق فشكى أهلها سعدًا إلى عمر، قال أحدهم: إن سعدًا لا يمشي مع السرية ولا يعدل في القضية، فرفع سعد يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كان هذا الرجل ظلمني فأطل عمره وعرضه للفتن. يقول عبد الملك أحد الرواة: لقد رأيت هذا الرجل وقد سقطت حاجباه على وجهه، فتنه الله فصار يتعرض للبنات في السكك ويغمزهن في شوارع الكوفة ويقول: شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد. [رواه البخاري].

* ويذكر أن سعدًا أيضًا خرج من المسجد وإذ برجل يسب علي بن أبي طالب وهو متوفى، فقال سعد: لا تسب أخي. قال الرجل: والله لأسبنه، فرفع سعد يديه وقال: اللهم سلط عليه ما شئت. قال الذهبي: فانطلق جمل من الكوفة وأخذ الناس يفرون منه حتى اقترب منه الجمل ورفع خفه ولطمه فمات.

فليخش كل أب أن تصيبه دعوة ابنته إذا ظلمها فيفتنه الله أو تلطمه المنون!

أيها الناس:

إننا نعاني من الشتات والفرقة والتناحر بين أفراد المجتمع، ووالله ما يفرح بذلك إلا أعداؤنا، وقد استغلوا هذه التفرقة لضرب هذا الدين وغزوه فكريًا لضعف المسلمين وانشغالهم بالتوافه، وما هذه الحروب خافية على أحد، وسيأتي الدور علينا إن لم نتحد ونقف صفًا واحدًا تجاه عدونا.

متى يعي المسلمون خطر العدو؟ متى!!

العين تبكي من مصابك أمتي

فإلى متى يا أمتي ننعاك

إن واقعنا يشهد بأن الناس اليوم يأكلون لحوم بعضهم، فيما سلم منهم اليهود والنصارى، وسلوا سيوفهم على إخوانهم.

وليس الذئب يأكل لحم ذئب

ويأكل بعضنا بعضًا عيانا

آه آه من شعوب نسيت الجهاد فصار جهادها ضرب الحاضر بالباد.

والناس في غفلة عما يراد بهم

كأنهم غنم في حوش جزار

ويا ليت الأمر يكون هكذا، ولكن بعضهم يفضل الأعداء على المسلمين.

وإخوانًا حسبتهم دروعًا

فكانوا، ولكن لمن؟ للأعادي

أخيرًا: ما أجمل أن نتكاتف ونتعاون ونكون كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

ما أحسن أن نكون كأسنان المشط وكالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضًا، إخوة متحابين بعيدين عن هذه النعرات، لا فرق بيننا إلا بالتقوى ولسان حالنا:

إن يختلف نسب يؤلف بيننا

دين أقمناه مقام الوالد

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا

عذب تحذر من غمام واحد

يذكر أن جماعة من النمل رأت جملاً قادمًا فقالت إحداهن: تفرقن عنه لا يحطمكن بخفه، فقالت حكيمة منهم: اجتمعن عليه تقتلنه. الله أكبر!!

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا

وإذا انفردن تكسرت آحادًا

يقول محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: إذا أردت النجاة غدًا من عذاب الله فليكن كبير المؤمنين لك أبًا وأوسطهم لك أخًا وأصغرهم لك ابنًا فوقر أباك وأكرم أخاك وأحنُ على ولدك.

جسد واحد وبنيان واحد:

لو كبرت في جموع الصين مئذنة

سمعت في الغرب تهليل المصلينا

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].

لنتمثل يا أخوتي قول القائل:

أبي الإسلام لا أب لي سواه

إن افتخروا بقيس أو تميم

وقول الآخر:

ولست أبالى حين أقتل مسلمًا

على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أجزاء شلو ممزع

وقول الآخر:

أخي في الهند أو في المغرب

أنا منك أنت مني أنت بي

لا تسألن عن عنصري أو نسبي

إنه الإسلام أمي وأبي

وقول الآخر:

إذا اشتكى مسلم في الهند أرقني

وإن بكى مسلم في الصين أبكاني

مصر ريحانتي والشام نرجستي

وفي الجزيرة تاريخي وعنواني

أرى بخارى بلادي وهي نائية

وأستريح إلى ذكرى خراساني

وأينما ذكر اسم الله في بلد

عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

شريعة الله لمت شملنا

وبنت لنا معالم إحسان وإيمان

فعلى كل إنسان أن ينظر في حاله، وما هو ميزانه، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، ويعلم أن الناس المعول عليهم في قيادة هذه الأمة ليسوا أفضلهم نسبًا ولا أحسنهم مجدًا، وإنما من اتصفوا بصفات عظيمة ذكرها الإمام إبراهيم بن أدهم رحمه الله تحت عنوان «خمسة يبكى عليهم» فقال:

إذا ما مات ذو علم وتقوى

فقد ثلمت من الإسلام ثلمه

وموت الحاكم العدل المولى

بحكم الأرض منقصة ونقمه

وموت فتى كثير الجود محل

فإن بقاءه خصب ونعمه

وموت الفارس الضرغام هدم

فكم شهدت له بالنصر عزمه

وموت العابد القوام ليلاً

يناجي ربه في كل ظلمه

فحسبك خمسة يبكى عليهم

وباقي الناس تخفيف ورحمه

وباقي الناس في لهو وتيه

وفي إيجادهم لله حكمه

وما أكثر الذين في إيجادهم لله حكمة !!! فانظر أخي من أي الخمسة أنت؟! وقيم نفسك.

وأختم هذه الكلمات ببراءة رسول الله من هذه النعرات، فقد جمع قومه وأهله وقام فيهم حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، وقال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس – يا صفية – يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنكم من الله شيئًا» [رواه البخاري].

وأنا أودعك أخي أسأل الله أن يريني فيك وفي المسلمين يومًا مشرقًا كيوم بلال وسلمان، وأن يجمعنا على الإسلام، وأن يطهر قلوبنا من الجاهلية وأهلها، وأكرر قولي: والله ما قصدت الطعن بقبيلة معينة أو النيل من شخص بعينه ولا استثارة أحد، فما كلماتي هذه إلا لله وفي الله، والله مطلع على نيتي ولسان حالي:


والله لو علموا قبيح سريرتي

لأبى السلام على من يلقاني

ولأعرضوا عني وملوا صحبتي

ولبؤت بعد كرامة بهواني

لكن سترت معائبي ومثالبي

وحلمت عن سقطي وعن عصياني

فلك المحامد والمدائح كلها

بخواطري وجوانحي ولساني

ألا هل بلغت، اللهم فاشهد ...

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ،،،،

المؤلف

سليمان بن عبد الكريم المفرج

إمام وخطيب جامع الإمام

محمد بن عبد الوهاب

الجو – محافظة دومة الجندل

تحريرًا في 10/1/1422 ﻫ

055389153