دموع المآذن

د. عبد الملك القاسم

الإهـداء

إلى كل من يبحث عن الطريق وينشد الجادة..

إلى كل أخ مسلم وأخت مسلمة..

إهداء محبة في الله....


 مدخل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد...

رسائل كثيرة كتبت.. وصداقات كثيرة انقطعت..

بقيت ثلاث رسائل... وبقيت محبة خالصة.. تقويها روابط الإسلام وتشدها وشائج الإيمان.

يسقيها الصدق من منبعه والوفاء من معينه.

ثلاث رسائل كتبت بصدق.. وحفظها الزمن.. تنثر بين يدي القارئ.. فلربما كان بحاجة إليها.. تقيل العثرة وتنير الطريق..


 الرسالة الأولى:

بسم الله الرحمن الرحيم

أختي العزيزة أسماء:

السلام عليك ورحمة الله وبركاته...

لا زلت أمام عيني ... وصوتك يرن في أذني، لحديثك عذوبة، ولأفكارك وقع في نفسي.. رغم أنك تبدين عصبية، ويغلب عليك الحماس، ولكن مع ذلك كله..

فأنت ساكنة في سويداء القلب..

لك من الود أكثره، ومن المحبة أصدقها..

تعرفين كل ذلك... فمشاعري أقوى من أن أخفيها.. ومحبتي نحوك مشرقة لا تحجب، ترين ذلك في إنصاتي إليك... وفي التمتع بحديثك.. وفي حرصي على مجالستك.. ما كان لي أن أكتب لك هذا وأنا قريبة حولك.. ولكن من محاسن سفري أنني دون إحراج، ودون أن تقاطعيني.. أعلنت مشاعري نحوك.

كما وعدتك.. سأروي لك كل شيء.. حتى أشيائي الصغيرة أرى أنني بحاجة أن أكتبها.

المطار مساء البارحة يغص بالمسافرين.. وفي صالات المطار تحدثك نفسك أن العالم كله مسافر، يجري ويلهث لا ترين لهذا السفر نهاية.

أمواج من البشر... طوابير طويلة.. لا ترين إلا تذكرة حقيبة مع كل مسافر، وترقب يعلو الوجوه.. وعيون تسأل وآذان تستمع متى موعد الإقلاع؟

ستقولين بهدوئك القاتل: تشبه رحلة الدنيا إلى الآخرة، وهو ما تأكد لي مساء البارحة.. الكل يرحل بما في يديه فقط.. ولكن مع تذكرة عودة..

منذ أن تحركت الطائرة وبدأت تزحف بجسمها الكبير على مدرج المطار، تقلبت مشاعري.. وأطلقت عيني تلاحق آخر أنوار المطار، وأنا أستدرك رؤية آخر ذرة من تراب الوطن.

أغمضت عيني عندما بدأت الطائرة ترتفع إلى السماء، لا أعرف كيف مرت تلك اللحظات؟ مشاعر الخوف انطلقت.. وانطلقت في مراجعة لكامل عمري... إلى أين أسافر؟ وإلى أين أرحل؟

ونحن في هيكل طائر معلق بين السماء والأرض.. كما وعدتك.. التفت فإذا أختي نائمة، وأبي بيده صحيفة يقرأها، والليل حول الطائرة يلفها بهدوء مظلم.

أخرجت رسالتك الحبيبة.. وكأنك تحدثيني بلهف، فتحتها.. بدأت حروفك تنساب في عقلي ... تسير عواطفي .. تهزني.

أعدت مرة أخرى قراءة ما بين السطور...

أنت على مقعد الطائرة.. رحلة من مطار إلى مطار ومن مكان إلى مكان.. هذه حال الدنيا.. رحلة من الولادة حتى الموت.. وأنت وحيدة خالية الذهن.. راجعي حساباتك. فالرحلة ستحط بك قريبًا.. أعيدي مراجعة الماضي.. وماذا أنت فاعلة غدا؟

تابعت القراءة بشوق.. حتى توقفت عندما اعتصر قلبي وأنت تقولين أنت ابنة الإسلام.. الكل حولك ينظر إليك.. من أمامك يلحظ بتلك العين ومن معك يرى مدى التزامك.

لم تبقي لي مساحة أفكر فيها عندما أنصت لنهايتك الجميلة ووجمت عند آخر حروفها تمتعي بما أباح الله لك، وإياك والزلات

ثم طرقني سؤالك: سفرك يا أخية هل هو زاد إلى الجنة أم زاد إلى النار؟

أغلقت الرسالة وأنا ألثم عطر الكلمات.. وأستنشق رائحة الصدق فيها.

استغرقت في تفكير عميق.. قطعه سؤال والدي:

هل نمت يا نجلاء؟ أجبته بإغفاءة خفيفة.. عرف منها أني أحاول ذلك.

وأين يأتي النوم؟ وصوتك ينادي بسؤال لا جواب له إلا الهروب والشرود.

بعد ساعات طويلة نسيت أننا نلامس السحب..

اختلطت الأصوات وزادت الحركة.. فإذا بنا نقترب من أرض المطار.

بدأت الاستعداد للنزول.. أخرجت حقيبتي.. ما بقي من أطراف عباءتي أدخلته بقوة. وأبقيت على حجاب يزين رأسي.. وعندما نظرت في مرآة صغيرة كانت معي.. فإذا هو حجاب جمال... كما قلت...

أختي الحبيبة:

أحسست أنني عدت طفلة.. بدأت أجري في كل مكان.. أنبض بالحياة وأستنشق عبير الطفولة.

مكثنا في العاصمة يومًا وليلة وفي صباح اليوم الثاني حجز والدي مكانًا ريفيًّا في أقصى البلاد.. فهو يرى أننا أتينا هنا لنبحث عن الهدوء والراحة وهذا ما تفقده المدن حيث الضوضاء والحركة.

حملنا الحقائب إلى محطة القطار.. وسرنا خمس ساعات متواصلة، أمضيت جزءًا منها في مشاهدة الطبيعة عبر النافذة.

أرض خضراء وأشجار في كل اتجاه، ومياه وأنهار تجري في كل مكان.

شعرت في القطار بالوحدة... فالكل هنا مشغول.. الكثير بيده كتاب، والبعض استسلم لنوم عميق.

أقبلنا على منزل ريفي جميل.. كنت قد تخيلته عندما كنت طفلة في الصفوف الدراسية الأولى..

كوخ على شاطئ نهر.. تحفه الخضرة والورود من كل جانب.. رأيته اليوم على الطبيعة.

في مدخل الكوخ أنواع الورود والزهور، ولكي تصل إليه لا بد أن تعبر على جسر خشبي معلق على مجرى مائي صغير.

وحينما تدلف مع الباب الصغير تجد صالة متسعة بها مقاعد قديمة ومدفأة ثم صالة طعام ومطبخ، وثلاث غرف اختير لي أصغرها ولكنها الأجمل، فهي تطل على مساحات خضراء ممتدة، ويجري أمام عيني كل يوم نهر مائي أسمع صوت خرير الماء فيه وهو يجري..

فتحت حقيبتي.. وأخرجت ملابسي ووضعت كل شيء في مكانه، إقامتنا ستطول أياما عديدة...

في أسفل الحقيبة ثلاثة كتيبات عليها إهداء جميل منك... ولكني أعتذر.. لا وقت للقراءة هنا...

كما تشاغلت عن الصلاة تذكرت قول الله تعالى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ أصبحت هذه الآية محركة لي.. كلما بعدت أعادتني.. وكلما نسيت ذكرتني.

منذ اللحظة الأولى لإقامتنا حدد لنا والدي ساعات الخروج ووقت النوم وأضاف: سنعود لحياتنا القديمة.. نصحو مبكرًا.. وننام مبكرًا..

وافقت والدتي وهي تخفي ابتسامة عريضة.. تبعها أخي باستغراب.. وهل أتينا لننام هنا؟ ضحكنا كأطفال صغار، وعقبت على الحديث:

يومين يا أبي وتأخذ كفايتك من النوم.

في اليوم الثالث سرنا إلى ساحة كبيرة وسط البلدة. هناك احتفال شعبي يرمز إلى انتصار في معركة قديمة وقعت في نفس أرض الاحتفال.

أخذت كرسيًّا بجوار أبي.. بدأت الخيول تأتي من اليمين بشكل جميل ومنظم.

ملابس قديمة مزركشة بألوان عديدة.. تعلوها دروع حربية وفي أيدي الرجال سيوف تلمع تصاحبها أصوات موسيقى قوية.. وأعلام ملونة..

دقائق من توافد الخيل والعربات التي تجرها الجياد فإذا بالساحة قد امتلأت وتحولت إلى عرس جميل..

بدأت الاستعراضات على أصوات الموسيقى القوية..

بجواري شاب أخذ يصفر بقوة أزعجتني. ويرفع صوته بلغة غير مفهومة يتمايل معها يمنة ويسرة.

أعرف أنه بدر لذهنك سؤال متكرر.. ماذا تلبسين؟

أختي..

لأننا خرجنا مبكرين لبست جاكتًا طويلاً وإيشارب غطى معظم رأسي.

وقد شاركت في الاحتفال في مسابقة للفتيات... ويسعدني أنني لم أفز بشيء.. ولكن اللجنة المنظمة قررت منحي جائزة الحفل.. كضيفة سمراء.. كما قالوا...

سلامي لك.. وسلامي إلى كل من سأل عني ودمت لي...


 جواب الرسالة الأولى:

 بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أختي الكريمة / نجلاء... رد الله غربتها

إلى درة صانها الإسلام، ورواها من معين الإيمان.. وألبسها ثوب العفاف.

السلام عليك ورحمة من الله وبركاته..

سعدت برسالتك، وهي تفيض بالمعاني الحية.. وسمعت خرير الماء.. ورسمت صورة للكوخ.. وأزعجني صفير ذلك الشاب الذي أصم أذني..

أختي الحبيبة.

تلهفت لرسالتك تلهفي لرؤيتك والحديث معك.. قرأت رسالتك مرة وأخرى وتأكد لي أنك تسكنين سويداء القلب..

ورغم هذا الفرح إلا أنه يعن للمرء لحظات حزن.. خاصة في فقد عزيز أو جزء مما يحب، وهل على المسلم شيء أهم من دينه.. وأعز من إسلامه..

تألمت لتساهلك في أمر الحجاب.. وتذكرت حديثنا قبل أن تسافري.. كنت قد سألتك سؤالاً أجبت عنه بسرعة وبدون تردد.

سألتك.. من أمرك بالحجاب؟ قلت: الله.

وأنت تتقلبين في نعم الله. بعافية وصحة.. وابتسامة لا تفارق محياك.

تذكري أن من وهبك ذلك.. قادر على أن يسلبه منك. فتبقين طريحة الفراش.. ذابلة الوجه.. لا ترى الابتسامة لوجهك طريقًا.. ولا الفرح إلى قلبك مدخلاً..

أليس من منحك الصحة والعافية قادر على كل ذلك؟ سائلي نفسك.

من دفعك إلى عصيانه؟

أخيتي:

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.

أنت من نساء المؤمنين.. الخطاب لك موجه.. والدعوة تخصك.

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.

استمتاعك بالدنيا.. لا يبيح لك فعل المعصية.. والحجاب لم يختص بهذا البلد أو ذاك.. والستر لا يكون عن رجال دون رجال..

تذكري أن هناك يوما سيأتي عليك: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ فماذا أعددت لهذا اليوم؟.

وأسألك أختي: من أمرك بالسفور؟

توقفي عند السؤال.. وسأعود بك قرونًا طويلة...

قبل أن تنزل آيات الحجاب... كيف كانت الصحابيات رضي الله عنهن يلبسن؟

هل كانت شعورهن ونحورهن وسيقانهن بادية ظاهرة؟ فلما نزل الأمر بالحجاب غطين الرأس وأطلن الثوب وبقيت الوجوه مكشوفة.

قبل الحجاب يا أخية: كان الرجل يرى المرأة والمرأة ترى الرجل، يعرفها وتعرفه، فلما نزلت آية الحجاب.. أصبحن كالغربان.. أصبحت المرأة لا تعرف.. فلما رأى عمر رضي الله عنه أم المؤمنين سودة بنت زمعة قال: قد عرفناك يا سودة.. أي فما الفائدة من الحجاب إذا عرفت المرأة؟ فانكفأت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يده عرق وهو يتعشى فأخبرته بالواقعة، فأمسك وعلته الرمضاء التي تأتيه عادة إذا نزل عليه الوحي، فلما سري عنه قال: "إن الله قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن" يعني خروجها إذا تسترت حتى لو عرفت، لأنه ليس بيدها أن تعرف عليها أن تتستر وتتحشم.. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي ما ظهر من الزينة الظاهرة الجمال كأن تكون طويلة أو نحيفة لا تستطيع أن تغير ذلك.

 وهناك فرق يا أخيتي بين "ما ظهر" وبين ما تظهره هي.. ثم أن الله سبحانه وتعالى يقول في القواعد من النساء وهن كبيرات السن ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لهن أن يضعن الحجاب غير متبرجات بزينة.. ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾.

والله جل وعلا جعل صلاة المرأة في قعر بيتها في غرفتها أفضل من صلاتها في مسجد بيتها،

وصلاتها في مسجد بيتها أفضل من صلاتها في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف رسول الله وبين المهاجرين والأنصار صفوة هذه الأمة.

أذكرك بأمر قد ذكرته لك من قبل.. الإسلام أباح للرجل أن ينظر من المرأة المخطوبة إلى ما يدعوه إلى نكاحها.

ماذا ينظر إليها إذا كان الحجاب تغطية الشعر، والوجه مكشوف بطيبعته..

ينظر إلى ماذا؟

 يقول: أريني شعرك.. أو نحرك.

النظر هو أن يراها.. أن يرى وجهها يرى كفيها.. يرى ما يدعوه إلى نكاحها، لأن الأصل أن المرأة المسلمة لا يرى منها أي شيء.

لذلك لا بد أن يراها إذا خطب وتم الأمر.. أما لو كان يراها من قبل.. يرى وجهها ويسافر في عينيها، فماذا بقي ليراه؟

لم تعرف الأمة الإسلامية ظاهرة كشف الوجه للأجانب إلا مع مجيء الاستعمار.

قلبي صفحات التاريخ، لتري من أين أتت هذه النكبة؟ ومن هم دعاتها؟

أهم من يرى أنك نعم الأخت.. نعم الزوجة.. ونعم الأم.. تحت أقدامك الجنة؟

أم هم دعاة التغريب والفساد.. من يرى أنك ألعوبة بيده، وزهرة في أرضه ثم في النهاية.. إذا بك تحت قدمه؟

 انظري حال من ألقين الحجاب.. يصارعن الرجال في ركوب الحافلات... يتعرضن للذئاب في أماكن العمل وفي الشوارع.. تتخطفهن الفتن.. وتعلو وجوههن أخاديد الزمن.

أخيتي: لا تقولي أخذك الحماس وإن كان هذا هو الواجب.. ولكن أحببت أن تكون الصورة أمامك واضحة خاصة وأن الكثيرات يرين أن الحجاب عادة قديمة.. موضة الجدات والأمهات.. أكل عليها الدهر وشرب.

ولقد تبسمت كثيًرا وشر البلية ما يضحك، وأنا أقول لإحدى دعاة التحرر من بنات جنسنا:

دعي الخاطب يرى ساقك ما دام أن الوجه يرى كل يوم.. وكذلك إن لم يكن الوجه موطن الفتنة والجمال..

أصلحت جلستها.. واعتدلت على الكرسي.

وانتظري الجواب ولكن مطت شفتيها.. ومدت ساقها..

وبئس الجواب...!

 أختي: ما حرمه الله جل وعلا.. لا يحله بعد الزمان وتغير المكان.

الحرام هو الحرام لا يبرر بالتحليلات، ولا يقاس بكثرة التجاوزات.

إن الحجاب أمر سماوي دل عليه الكتاب والسنة، ووردت الأدلة الواضحة في ذلك ومن أنكر آية أوردها القرآن فقد كفر..

أخيتي: لا تنظري إلى من هلك كيف هلك؟ انظري إلى من نجا كيف نجا؟

سأحدثك بأخبارنا.. إن كان السموم يلفح وجوهنا هنا.. إلا أن آذاننا تسمع صوت الآذان خمس مرات.. وإن كانت الشمس في قلب السماء.. ترسل حرها، إلا أننا نرفل في ثياب الستر والعفاف.. لا نرى إلا الشمس والقمر وهذا فخر لنا.

بدأت في دراسة صيفية تبدأ من بعد صلاة العصر مباشرة لمدة أربعة أسابيع.. وسأحفظ خلال هذه الدورة جزءا كاملا من القرآن.. كما أنني سأستفيد من محاضرات تقام بين الدروس وقد خصصت ساعة كل أسبوع لقراءة بعض الكتب على والدتي ولمن ترغب من جاراتنا. وبدأت أمس أول تلك الساعات، وكانت القراءة في كتاب عن الطهارة، واتفقت معهن أن الدرس القادم عن الصلاة وحجاب المرأة فيها .

في بعض الليالي أستمع قبل النوم إلى محاضرة من شريط أو ربما قرأت في كتاب.

وفي النهاية أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك.


 الرسالة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخت الحبيبة/ أسماء

السلام عليك ورحمة الله وبركاته...

لا أعذب من نزول المطر هنا.. سوى عذب حروفك وكلماتك.. وأكاد ألامس نبض قلبك بين السطور.. ويهزني صوت العتاب فوق الحروف.

لعل عتبك محمود عواقبه

وربما صحت الأجسام بالعلل

أهنئك مقدما بحفظ القرآن، ولتري أثر القدوة الصالحة.. فقد قررت بعد أن قرأت رسالتك أن أقرأ كل يوم في المصحف عشر دقائق. ندمت على أيام ضائعة لا أرى المصحف فيها.. لكم اشتقت إلى حروفه وسطوره.. وإلا فأنا ولله الحمد أقرأ منه كل يوم في صلاتي..

 جزاك الله خيرا على رسالتك الطويلة وتفصيلك في أمر الحجاب .. وكنت بحاجة لهذا التفصيل من قبل.. وأحمد الله أنه جاء ولو متأخرا..

بعد رسالتي الماضية لك.. جرت أحداث كثيرة..

فقد غادرنا الكوخ الوادع إلى العاصمة.. الليل فيها كالنهار.. نشعر هنا بأن الحياة حركة لا أثر للسكون فيها.

استيقظت يومًا مع تباشير الصباح الأولى، وألقيت نظرة على الشارع العام.

لم أر موطئ قدم، زحام شديد، وحركة متوالية.. رجال ونساء.. اختلط الحابل بالنابل.. كما يقال...

ولكن الجميع يشتركون في اللهث وراء حطام الدنيا..

هنا تعلو الوجوه سحابة حزن ومسحة قلق في العيون.

الحياة تبدأ قبل بزوغ الفجر. ويطول استغرابك إذا قلت لك: إن هناك الكثير يرحلون مدة ساعات ليصلوا إلى أعمالهم...

 وقد رأيت البعض في القطار يقضي كل يوم ساعتين للذهاب إلى عمله وساعتين في العودة.. وعندما طال تعجبي.

قال أبي: إن هناك من يسافر من مدينة إلى أخرى للعمل.. هذا دون من يأتي من القرى والأرياف للعمل في المدن أو في المصانع المحيطة بها.

خيل لذهني أنها ساعات ضائعة.. ولكن عندما سبرت حال هؤلاء القوم.. لم أجد أوقاتًا ضائعة مثل وقتي المشغول في تتبع الناس.

بل هذا يقرأ في صحيفة، وذاك يقرأ في كتاب.. وآخر يعكف على حل كلمات متقاطعة..

لم يكن هناك أحد فارغ سوى أنا ومن معي.. نتبع الغادي والرائح بأبصارنا، ونفصل في كل شيء: هذا كذا وهذه كذا..

في إحدى المحطات نزلت امرأة كانت أمامي.. دقائق وإذا برجل يجلس على المقعد..

 تناول كتابا.. فتحه بسرعة.. ثم أمسك به بقوة وكأنه يخاف أن يهرب منه، لم يتابع محطات التوقف ولم يراقب أحدًا، وحتى لم يلتفت ليرى الطبيعة الجميلة عبر نافذته..

ثلاث ساعات وهو يقرأ بنهم شديد.. ثم بعد ذلك الجهد أسند رأسه وراح في سبات عميق.

صباح أمس كان يوم الجمعة.. ذهبنا إلى المركز الإسلامي هنا.. وهو مبنى ضخم ولكنه قديم أنهكته السنين.. فلم يجدد ولم يصلح منه شيء.. بل بقي على حالته القديمة..

أدينا صلاة الجمعة خلف خطيب.. كانت خطبته بلغة عربية غير فصيحة.. ولم تستغرق الخطبة سوى ثلاث دقائق أو أقل، وهو ما لفت نظري.. ثم أقيمت الصلاة.

في مصلى النساء بجواري امرأة مسنة.. وحينما دققت في ملامحي سألتني: من أين أنت؟

وعندما علمت أنني في مهبط الوحي وأرض الحرمين فرحت.. والتفتت يمنة تبحث عن قريباتها لتخبرهن تجمع البعض حولي.. وكل يسمعني السؤال مرة أخرى من مكة؟ نعم.. من مكة.

ولم تدم فرحتي كثيرًا حيث واجهت إحراجًا عندما سألتني ابنتهم الصغرى سؤالا فقهيًّا.. ترددت هل أجيب وأنا لا أعرف؟ وربما قالوا: من مكة ولا تعرفين الجواب؟

ولكني تذكرت خطورة القول على الله وعلى رسوله بدون علم.. وألهمني الله جوابًا سريعًا..

قلت لها: هات عنوانك أرسل لك كتبا.. توضح كل ما تريدين.

أحسن الظن في.. وتوالت الطلبات.. كتب.. مصاحف ماء زمزم.

لاحظت أن العائلة المسلمة تأتي بأطفالها وبناتها الصغار إلى صلاة الجمعة وقد ألبسن لباسًا طويلا.

 ساترا وغطي الرأس بحجاب محكم.. وهو ما جعل هؤلاء الصغيرات في أشكال جميلة ومرتبة.

هذا من أجمل ما رأيت.. وهناك كثير يحز في النفس لن أخبرك به.. فقط يكفيك حالة الضياع التي يعيشها الناس هنا. والقلق الذي يساور النفوس...

لا أخفيك.. بدأت أفقد الكثير من ديني.. نظرتي لم تعد خجلى وعيني لم تعد قاصرة ذات حياء، بل لا يرتد إلي طرفي..

وما أحسست بهذا إلا مساء اليوم.. عرفت أنني فقدت جزءا من ذلك.

لا أخفيك.. صلاتي وترتيب الأوقات متعب لي..

قد نخرج قبل وقت الصلاة بساعة ثم لا نعود إلا بعد ست ساعات.. وأنت تعلمين أنه لا توجد أماكن للصلاة.. وربما تأخرت عن أداء الصلاة في وقتها إلى منتصف الليل.. وأعلل أننا في سفر...

 ولكن كيف يجوز لي الجمع بين الظهر والعشاء مثل ما حدث اليوم؟

لا أخفيك تعودت على رؤية الأجساد العارية والصدور المفتوحة.

لا أخفيك صور من الممارسات الخاطئة تقع عليها عيني كل يوم.. في الشارع.. في زوايا الحدائق. في كل مكان.

أختي: كنا نتحاشى أكل لحم الخنزير، ولا أعتقد أن جميع ما نأكله حلال ولا يدخل فيه شحم ودهن الخنزير وهذا ما رأيته في رحلتنا الأسبوعية على ظهر السفينة.

لا أخفيك.. استمرأت نفسي المنكر فأمامي أكواب الخمر في كل مطعم وعلى كل طاولة تقريبًا.. وأنا أنظر لها كأنها أكواب لبن وماء.. أرى كثيرا ممن فقد الوعي.. يزعق.. ويصرخ.. وربما ينبح وكأننا لا نسمع شيئًا.

لا أخفيك.. فقدت الكثير، وقبل أن أنام لم أحاسب نفسي.. لكثرة الأمور واختلاطها.. ولكنها تزيد من تعاستي وحزني.

لا أخفيك.. وأنا أكتب هذه الرسالة.. خشيت على ديني.. وعلى كل شيء... أحاول أن أهرب من كل شيء.. أخبئ عيني في جريدة.. في كتاب.. في شجرة بدأت عيني تهفو..

سنغادر هذه المدينة لا بارك الله فيها بعد غد إلى بلاد الأندلس.

شوقي يسبقني وحديثي ذو شجون.. سنغادر إلى بلاد الآباء والأجداد وقد قررت أن أغطي وجهي وأرتدي الحجاب كاملاً.. من رأسي حتى أخمص قدمي..

لن أذهب إلى هناك بدون حجاب كامل.. يكفي ما فقدت..

لا تنسي أن تدعي لي بالتوفيق والثبات...

 جواب الرسالة الثانية:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخت الفاضلة نجلاء:

سلام من الله عليك ورحمة منه وبركات

ما شعرت بغصة منذ أن أحببتك في الله إلا مرتين.. الأولى عندما قررت السفر.

ومساء البارحة وأنا أقرأ رسالتك . بقيت غصة في حلقي حتى دمعت عيني. أزلت الدمعة. وطعم المرارة..بقي إلى صباح الغد..

تخيلت مكانك وأنت تذوبين في مجتمع كافر.. لا أثر فيه للمساجد ولا يطرق سمعك صوت الأذان.. ولا تستأنسين بصوت الإمام يقرأ القرآن.

العين هنا تستنكر المنكر وتستهجن كل فعل رديء. جبلنا على ذلك وأنت منا... ولكن أرأيت أثر الذوبان في مجتمع كافر.. أو حتى مجتمع مسلم المعاصي فيه ظاهرة؟ فيك بقية خير.. وإلا لو أتيتِ وأنت متشبعة بمحبة القوم وعاداتهم لكنت أول الناعقات بما رأت والمناديات بما سمعت.

أستعجل الأيام.. متى تعودين؟ وأدعو الله أن يحفظ لك دينك وعرضك وعفافك وحياءك.

الناس الآن تتهاون في الأمور البسيطة.. فلا تستغرب المنكر. ثم تقع فيه.. ولا ترى السوء فتصاب به.. وهذا ما يجرى لكثير ممن يسافرن..

خلال شهر وهي مدة قصيرة في العمر.. تستطعم النظر وتستنشق الرائحة، وتستعذب الكلمة.

يكفي يا أخية أنك هنا ما رأيت إلا وجوه الأخيار من محارمك.

الآن ألوف الرجال رأت عينك .. وألوف الرجال تفرسوا في وجهك.. وألوف أطلقت أعينها عليك.. وألوف أصابتك سهامهم.

وأعجب من أنك لن تتحجبي إلا في الأندلس هل قرأت عن هذا شيء..؟

لماذا لا يكون الحجاب عن كل الرجال إلا المحارم وفي كل مكان..؟

أخيتي: فقدت الإحساس بالكتابة.. أريد أن أحادثك ولو لدقائق.. أرى أنني في أمس الحاجة إلى سماع صوتك..

نجلاء.. أفيقي...

من ترك الصلاة بغير عذر وأخرها حتى خرج وقتها قال الله فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وتأخيرها من الكبائر. أرأيت لو صمت شهر رمضان في شهر شوال بغير عذر؟

أو ذهبت لأداء مناسك الحج في شهر محرم؟

ركن من أركان الإسلام تهدمينه بيدك.. لأنك في رحلة.

حتى في ساعات العسرة، والقلوب تبلغ الحناجر، والصفوف متقابلة.. والسيوف تلمع.. والأنفاس لا تهدأ.. لا تؤخر الصلاة عن وقتها بل تصلي صلاة الخوف في جماعة.

وعندما سئل الشيخ عبد العزيز بن باز عمن يؤخر صلاة الفجر عن وقتها قال: "من أخر صلاة الفجر حتى يخرج وقتها بدون عذر فقد كفر".

ثم عذرك في التأخير ما هو ؟ سياحة!!

كان المسلمون الفاتحون دعاة لله ولدينه.. ما كانوا يعرفون السياحة..

كانوا يمتطون صهوات الجياد.. ويقطعون القفار يسيرون رجالاً وركبانًا شهورًا طويلة للجهاد والدعوة..

ما عرفت السياحة في الإسلام.. وليست السياحة من عمل هذه الأمة.. وقد قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله في ذلك "ليست السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين"..

وإذا كانت السياحة ما نراه الآن ما الحكم؟

لو لم يكن من شر السياحة في بلاد الكفر إلا ضياع الوقت ورؤية المنكرات لكفى ..

ما بالك بالولاء والبراء؟ ما بالك بالانحلال وضياع الأموال.. والوقوع في الحرام؟

كيف تطيب نفسك؟ تهربين من أذان يعطر سمعك خمس مرات كل يوم.. منذ شهر تقريبا لم تسمعي صوت المؤذن.

كل يوم تسمعين صوت أجراس الكنائس.. وترين الصلبان.. تهربين من هنا. حيث الأذان والفضيلة.. إلى أجراس الكنائس والرذيلة.

أخيتي: غالب من سافر في سياحة إلى بلاد غير هذه.. يعود وفي دينه وهن.. وفي أخلاقه تغير وعلى لسانه أعجاب ومحبة للقوم.

وإشادة بعاداتهم.. حريتهم أخلاقهم وربما الإشادة تمتد إلى انحلالهم من غير قصد.

ولو استمر المتحدث لفتح باب المقارنات هم كذا... ونحن هذا .. وربما بكلمة تهوي به في النار سبعين خريفًا.

تفكرت كثر هم سواحنا إلى أنحاء العالم.. ولكن كم عدد من زاروا المكتبات؟ أو بحثوا عن المخطوطات..؟

بل كم منهم من زار المصانع ومراكز الإنتاج؟

لتكن طموحاتنا وآمالنا أكبر.. كم منهم من دعا إلى الله؟ أو حمل كتابا ليوزعه هناك..؟

تقف.. والطواف يرتد إليك.. عند أقل الطموحات.

كم عدد من زار إخوانه المسلمين في غربتهم تلك وهم قلة مضطهدون؟

يحتاجون إلى تثبيت وشد أزر.. يسلي غربتهم ويذكرهم بإخوتهم.. يهدي لهم كتابا أو مصحفا.. أو نصيحة أو توجيه..

بل هم فقط في أشد الشوق لرؤيته، وهم في أمس الحاجة إليه.. فقط لمصافحته والحديث معه.

بل العجب سؤال فيه مرارة الألم.. كم منا من ذهب إلى هناك وحافظ على دينه وخلقه. وربما هذا يكفي.. نهاية الطموحات.

أختي.. وأنت في منأي عن دارك.. وفي بعد عن أرضك.. تذكري سلفك ممن كانوا يجوبون الأرض.. ويضربون أكباد الإبل.. للسؤال عن مسألة دينية أو لسماع حديث.

هنا يكمن الفرق.. وتظهر الهمة.. وتكون الأمة..

يسافرون لحفظ دينهم.. ونسافر لضياع ما بقي من ديننا.

يا أخية.. عليك باللجوء إلى الله وطلب العون والتوفيق.

حفظك الله وحفظ عليك دينك.


 الرسالة الثالثة:

 بسم الله الرحمن الرحيم

أختي الفاضلة / أسماء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وأنا أضع الحجاب على وجهي والنظارة فوق عيني. أتحسس يدك تغلق هذا.. وتمسك هذا.. هذا بقوة وهذا من هنا.

أحمد الله فقد فعلت ما تريدين وأكثر، ليس لأجلك بل طاعة لله ورسوله.

قبل ثلاثة أيام وصلنا إلى هنا.. مكان مليء بالمفاجآت .. والحنين

والطائرة تهبط في أندلس مفقود.. دار بذهني مشهد لتلك الأمة القوية التي بقيت قرونا طويلة... صروحًا شامخة.. ومنارات باسقة.. ثم هوت

تفقدت المكان حولي لأرى حلق العلم: وجوه العلماء.. من يقرأ القرآن.. ومن يشرح الحديث.. لم أر إلا الوجوه العابسة والصلبان المعلقة.. لا شيء يوحي بالإسلام هنا.. تغير الاسم، وتغيرت نبضات قلبي..

التفت في الطرقات أبحث عن مسلمة.. عن قائد مسلم على صهوة جواده يسير.. يعانق سماء المجد..

عن سيف يدافع عن الأرامل والأيتام.

لم أر أحدًا.. سوى من امتطى صهوة الرذيلة.. وادعى أنه من الأحفاد..

تسمرت عيني، وأنا أرى على تلة مرتفعة مسجدا إسلاميا، والمطر يتساقط من فوق المآذن.. وكأنها دموع تلك المآذن تبكي فقد الإسلام.. تبكي فقد صوت التوحيد.

اقتربنا حول المسجد المكبل.. سحابة حزن على أبوابه.. لا يدخله المصلون.. بل يأتي إليه أفواج من السياح كل يوم.. ذهب المصلون يا أخية. "ولا غالب إلا الله" كتبت على قوس في داخل المسجد.. فرحت وقرأت بتلهف، تحسست أعمدة المسجد.. والمحراب.. والمنبر.

مر الإسلام من هنا.. ثم بعد أن تردى أهله في الملذات.. انتزع ملكهم.. وسقط مجدهم.

قضينا نصف يوم في تلك الروابي.. نكحل أعيننا ببقايا الآباء. ونعطر أسماعنا بتاريخ الأجداد.

التفت قبل أن أغادر المكان.. وسألت المسجد الحزين من شيدك هنا؟

أين ذهب أهلك؟ كيف تركك أحبابك؟

لعله لمس الأسى في قلبي.. والحزن على عيني.. جاءت إجابته وهو يعيش الغربة..

نزف جرح، وتفطر قلب.

أنا من كرام العالمين صحائفي

بيض ومجدي في الأنام أثيل

أنا من كرام العالمين وإن جثى

فوقي الصليب ومنبري مكبول

خرجنا والصمت رفيقنا.

ثم استرسل أبي في حديث عن الأندلس وعن سقوطه.. كيف أجبر المسلمون على التنصر؟ كيف أصبحت الأندلس دار كفر؟

لم يبق من يجهر بكلمة التوحيد والآذان..

يا أخية.. لم يكن يقبل من المسلمين الأسر.. لا .. إما القتل أو الكفر.

شردوا وقتلوا.. هتكت الأعراض وسبيت النساء..

ويتم الأطفال.. بعد العز سيموا ألوان العذاب.. بيعوا في سوق العبيد أطفالا ونساء.

تغير صوت أبي، وكأننا نراهم في تلك الطرقات وعلى قمم تلك الجبال.. أهينوا بعد العز، وفرقوا بعد الاجتماع.

الأم يجرها علج كافر.. وهي تبكي.. وطفلها تمسك به يد لا ترحم ضعفه.. تضغط عليه بقوة وهو يصرخ..

يلتفت إلى أمه.. وهي تلتفت إليه.. تلتقي النظرات ثم تتباعد. . حتى ينحسر البصر.. ويختفي الطفل.. وصراخه يملأ المكان..

فلو تراهم حيارى لا دليل لهم

عليهم من ثياب الذل ألوان

ولو رأيت بكاهم عند بيعهم

لهالك الأمر واستهوتك أحزان

يا رب أم وطفل حيل بينهما

كما تفرق أرواح وأبدان

مرارة في القلوب.. وحديث الذكريات يسري في حزن الأمة الطويلة.. وغصة توقف الكلمة في الحلوق. والدمع صدى حزن قديم.

سكون خيم علينا.

تابع أبي.. بعد أن هدأت الأحزان واختفت الدمعة الحائرة في العين.

لم تكن مصيبة المسلمين في الأندلس تنتهي بزوال سلطانهم وسقوط آخر معاقلهم وحصونهم بيد النصارى.

بل إن مصيبة جديدة بدأت..

إنها مأساة الأمة هناك مأساة تمثل الثبات والصراع ضد الفناء الذي يريده النصارى.. مسألة بقاء وزوال.

بعد أن حكمها المسلمون ثمانية قرون سقطت غرناطة في نهاية القرن الثامن..

والآن مضت خمسة قرون.. هل من مسلم بقي؟

هنا حزن وأي حزن.. وأنت ترين الطفل المسلم يفرق عن أمه، ويقتل أباه، وتباع أخته..

أخيتي:

تستعجلين السؤال.. كيف لباسي؟

أحمد الله لا يرى مني شيء، وقد وضعت فتحة صغيرة أمام عيني في غطاء الوجه ولبست نظارة سوداء.

ارتاح قلبي من النظرات الخبيثة.. وهدأت نفسي بطاعة الله ورسوله.. ولكن أتت نظرات أخبث.. إنها نظرات الاستهزاء.

 قالت إحداهن لي: شكلك مخيف.. هنا بلاد متحضرة .. أنت تنقلين صورة سيئة للمرأة.. الأطفال يهربون منك.

وأصوات الضحكات المؤيدة تأتي من بعيد..

تعجبين.. من هم؟

إنهم أهل الإسلام من السواح مثلي..

إنهم من أبناء جلدتنا، أفهم ما يقولون، وأعي ما ينطقون وتشق ضحكاتهم حجاب الحياء..

ثم يأتي رد آخر.. في حوار بينهن:

لماذا تأتي وهي هكذا؟ هذه صورة مهينة للمرأة.. هذا تخلف.

أرأيت يا أخية إنهن بنات الإسلام:

بالأمس حزن لفقد الأندلس.. واليوم حزن لفقد أهل الإسلام..

فرحت برؤيتهن من بعيد.. ربما نجتمع ونتحدث...

الأمر أكبر من ذلك.. الخرق اتسع على الراقع... ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر..

التصقت بوالدتي التصاق الطفل الصغير.. من يريد الهرب من واقع مؤلم.

وجوه تنكرها.. لا تستطيع أن تأمر وتنهى أو تقول هذا خطأ.

إحداهن بأدب جم وصوت منخفض قلت لها: يا أختي.. لا ينبغي منك هذا التصرف..

قالت بصوت لا يخجل: ما شأنك أنت.. تجرين خلفنا في كل مكان!!.

ثم قذفتني بكلمة قوية وكأنني ثعبان سام أو عقرب تلدغ: "ما أتيت هنا إلا هربا منكن".

توالت كثرة الغمز واللمز.. وقررت العزلة عن أماكن التجمعات.

أحسست أني أعيش في دوامة.. ماذا أتى بنا إلى هنا؟

حتى والدي شعر أنني تضايقت مما أرى..

 قال: نساء بلا آباء كأنهن أيتام..

وهناك وأشار بيده.. آباء وشبان بدون أهل..

استفدت من وحدتي أنني عزمت على أن أحفظ كل يوم بعض آيات القرآن..

سأشغل وقتي في القراءة حتى أعود.

وما خبأته لك من أحاديث أكثر مما كتبته..

نحن على فرحة بالوصول..

لا تنسي الدعاء لي..


 جواب الرسالة الثالثة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الأخت/ نجلاء

إلى من رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا ونبيا.. إلى جمانة في عقد الزمن.

السلام عليك ورحمة الله وبركاته..

رسائلك كالسهام تصيب مقتل.. وهل بقي موضع لجرح وأنت تتحدثين عن الأندلس؟ وأنا أرى ذلك الطفل المسلم يباع بدرهم. يفرق عن أمه.. لا يرى وجهها أبدا.

كم من حرة أهينت، وكم من حر قتل.. ومن بقي تنصر.. أو بقي يكتم إيمانه..

وما كتبته حرك شجوني وآثار مكامني..

تذكرت قصيدة قالها المعتمد بن عباد صاحب قرطبة وأشبيلية وما والاهما من الأندلس.. قالها وهو في الأسر في واحة أغمات وكانت بناته قد دخلن عليه في سجنه يوم العيد، وكن يغزلن للناس في إغمات.

فلما دخلن عليه رآهن في أطمار بالية وفي حالة رثة، فكاد قلبه يتصدع حزنا عليهن فقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورًا

فجاءك العيد في أغمات مأسورًا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس ما يملكن قطميرًا

برزن نحوك للتسليم خاشعة

أبصارهن حسيرات مكاسيرًا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكًا وكافورًا

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً

فردك الدهر منهيًّا ومأمورًا

من بات بعدك في ملك يسر به

فإنما بات بالأحلام مغرورًا

 ولست أعجب إلا ممن يرين حولهن المآذن والقصور.. والمنازل والدور..

أختي... من عظمة الإسلام.. حضارته.. وامتداده على أرض المعمورة.

ألا يرين ماذا حل بالأندلس وهن فيه.. ويأخذن العبرة؟

مملكتهم أكبر الممالك، وعيشهم خير عيش، ثم لما بدلوا ماذا حل بهم؟ وهن الآن يستهزئن بتعاليم الإسلام.. وما يعلمن أنهن ربما زللن زلة تؤدي إلى الكفر..

تعجبين لذلك الزلل. اسمعي.

قرأت أن من قال (فضولي) لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فهو مرتد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر، يكفر به صاحبه بعد إيمانه. مثلك لم أعلم خطورة الأمر.. وما هي أحكام المرتد؟

والاستهزاء يا أخية ليس ناتج من خبث الحضارة الحديثة.. بل قديم قدم الرسالة.. استهزئ بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وقيل هو ساحر.. مجنون.

واستهزئ بالصحابة في حياته وقالوا: ما نرى مثل قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء.. فنزلت الآيات التي تتلى إلى قيام الساعة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وقد حكمت الآية عليهم: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.

كم مرة سمعت من يستهزيء بالحجاب، وأنه كيس فحم متحرك وأنه تخلف ورجعية؟

أما سمعت من يصف حدود الله بأنها قاسية وبشعة ودموية.. فكيف تقطع يد السارق؟ وكيف يقتل القاتل؟

أما وقعت عينك على كاريكاتير يسخر من تعدد الزوجات؟

 أما صمت أذنك بمن يستهزئ بالثوب القصير أو اللحية؟

إنها جرثومة خبيثة تسري على ألسنة أولئك القوم.. تأملي في خاتمة المستهزئ والمستهزأ به: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

ولقد رأيت ورأيت هذه الآية في أكثر من مكان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾.

فما أكثر الغمز والاستهزاء.. في هذا الزمن !!

ولو علم بعض من يفعلون ذلك لإضحاك الناس أنه مهلكة لربما توقفوا عن المزاح والضحك.

أخيتي:

إني سائلتك.. هل رأيت من تجري في شوارع المدينة.. تحمل طفلا.. تهرب.. من نصراني يجري خلفها.. يبقر بطنها، ويذبح طفلها؟؟

 أما رأيت دم الشيخ الكبير.. والعالم الفقيه.. يجري في تلك الزوايا؟

كيف طاوعتك العين؟ تأملي تلك المساجد والقصور.. إنهم يا أخية أجدادنا وآباؤنا... وإخواننا. لا أثر لهم الآن.. والسؤال على لسان كل من قرأ أو سمع عن الأندلس.. لماذا سقطت؟!

ونحن يا أخية...

ما زلنا نذكر أندلسًا

نبكيها في صبح ومساء

ليست أندلسًا واحدة

فلكم ضيعنا أندلسًا

أخيتي:

وأنت على مقعد العودة.. كما في الذهاب..

في العودة حاسبي نفسك..

ماذا استفدت من هذا السفر.. سفر طاعة أم سفر معصية؟

هل هو زاد إلى الجنة.. أم هو زاد إلى النار..؟

 نفرح بوصولك هنا تسمعين معنا الأذان.. وتحفظين القرآن..

نفرح بعودتك.. عودًا حميدًا..

يبدو يا ابنة الإسلام وحفيدة عائشة.

أنك قررت.. أن تسمعينا صوتك العذب..

إنها آخر رحلة لي.

حفظك الله وردك إلينا سالمة...