رأس الحكمة مخافة الله

عبد الله بن سليمان العتيق

بسم الله الرحمن الرحيم


 مقدمة

حمداً لك اللهم يوافي نعمك ويكافئ مزيدك، وصلاة وسلاماً دائمين تامين على صفوة عبيدك، سيدنا وحبيبنا محمد الخائف الوجل، المعصوم من الزلل والخلل، وعلى آله الطيبين، وأصحابه الطاهرين، ومن سار على دربهم إلى يوم اللقاء.

أما بعد:

(فالقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر)([1]).

فـ(الخوف من الله) من أسمى منازل الراغب في الوصول إلى الله –تعالى-  لأنه يحجبه عن الوقوع في المنهي عنه، ويدفعه إلى الإتيان بالمأمور على وجه كامل تام.

ولأجل ذا كله اهتم العلماء وأهل السلوك بتقنين أحكامه، ورسم معالمه، وإيضاح أحوال سالكيه، حتى يكون بينا لمن رغب التخلق به، ورام الاتصاف بحقيقته.

وهذا الجمع لمتفرقات الكلام فيه خطوة مباركة ضمن خطوات موصلات إلى الغاية التي يطمح إليها كل مسلم مؤمن.

رزقنا الله الخوف منه مع الفقه فيه، وأبلغنا مرضاته وعفوه.

***

 تعريف الخوف

عرفه ابن فارس في: (مقاييس اللغة)([2]) فقال: "الخاء والواو والفاء أصل واحد يدل على الذعر والفزع". أ.هـ.

وأما في اصطلاح أهل التربية فقد كثرت تعاريفهم له، وهذا شيء منها:

- توقع العقوبة على مجاري الأنفاس.

- اضطراب القلب وحركة من تذكر المخوف.

- هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره([3]).

وقال الجرجاني– رحمه الله- : توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب([4]).

وقال الإمام الغزالي– رحمه الله- : الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال([5]).

فهذه التعاريف تدور حول معنى واحد، فليس بينها تفاوت في المعنى، وإن اختلفت ألفاظ فيها.

وحقيقة الخوف أبان عنها أبو حامد الغزالي– يرحمه الله- حيث قال ([6]): (حال الخوف ينتظم من علم وحال وعمل، أما العلم، فهو: العلم بالسبب المفضي إلى المكروه، فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لإحراق القلب وتألمه، وذلك الإحراق هو الخوف).

فالخوف من الله تعالى:

1- تارة يكون لمعرفة الله ومعرفة صفاته، وأنه لو أهلك العالمين لم يبالِ ولم يمنعه مانع.

2-  وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي.

3-  وتارة يكون بهما جميعاً.

وبحسب معرفته بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فتكون قوة خوفه، فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أخوفكم لله»([7] وكذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر:28] ثم ذكر الحال والعمل وسيأتي ذلك إن شاء الله.

 فضل الخوف

لمعرفة فضل الخوف طريقان:

الأولى: الآيات والأخبار، والوارد منها خارج عن الحصر، وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وهي مجامع مقامات أهل الجنان.

فمن الآيات: قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾[الرحمن:46].

وقوله تبارك وتقدس: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

وقوله جل جلاله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾[البينة:8].

وجاء في الحديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رأس الحكمة مخافة الله»([8]).

وقال صلى الله عليه وسلم: «من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خوفه الله من كل شيء» ([9]).

والأحاديث في ذلك كثيرة، ويكفي ما ذكر – رزقنا الله حسن الخوف منه- .

وكما جاءت نصوص من الكتاب والسنة كذلك أتت أخبار عن سادات الصالحين، وأئمة العباد، فيها إشارات وإضاءات، وركائز ومعالم في: (عبادة الخوف) فمن ذلك:

قول الفضيل رحمه الله: (من خاف الله، دله الخوف على كل خير).

وقول أبي الحسين الضرير– رحمه الله- : علامة السعادة خوف الشقاوة، لأن الخوف زمام بين الله تعالى وبين عبده، فإن انقطع زمامه هلك مع الهالكين.

ومن لطيف فضائله قول مالك بن دينار– رحمه الله- : الحزن تلقيح العمل الصالح.

وقال أحمد بن أبي الحواري رحمه الله: أفضل البكاء: بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة، أو بكاء على ما سبق له من المخالفة.

وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: الهوى يُردي، وخوف الله يشفي، واعلم أنما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من تعلم أنه يراك.

وقال شقيق البلخي رحمه الله: ليس للعبد صاحب خيرٌ من الهم والخوف، هَمٌّ فيما مضى من ذنوبه، وخوف فيما لا يدري ما ينزل به.

هذا غيض من فيض أقوال السادة العابدين، والنخبة السالكين عن الخوف من الله، وبها يتم ذكر الطريق الأولى لفضيلة الخوف من الله.

وأما الطريق الثانية: فبالتأمل والاعتبار، قال الإمام الغزالي– رحمه الله - في (إحياء علوم الدين)([10]) أما الاعتبار فسبيله أن فضيلة الشيء بقدر غنائه في الافضاء إلى سعادة لقاء الله تعالى في الآخرة، إذ لا مقصود سوى السعادة ولا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه والقرب منه، فكل ما أعان فله فضله، وفضيلته بقدر غايته.

وقد ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبته، والأنس به في الدنيا، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا بانقطاع حب الدنيا من القلب، ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك المشهيات إلا بقمع الشهوات، ولا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار الخوف، فالخوف هو النار المحرقة للشهوات، فإن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات، وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف كما سبق([11]).

وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل: العفة، والورع، والتقوى، والمجاهدة، وهي الأعمال الفاضلة التي تقرب إلى الله زلفى. أ.هـ.

فهاتان طريقتان بهما تتضح فضيلة الخوف من الله تعالى، نفع الله بهما.

 القدر المطلوب من الخوف

قال الإمام الغزالي– رحمه الله-  في: (إحياء علوم الدين)([12]): اعلم أن الخوف محمود، وربما يظن أن كل ما هو خوف محمود، فكل ما كان أقوى وأكثر كان أحمد، وهو غلط، بل الخوف سوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى.أ.هـ.

فالخوف من الله له قدر إن زاد عليه أو نقص عنه كان مضرا، فلا إفراط فيه ولا تفريط، يقرر هذه الحقيقة ابن رجب– رحمه الله- في: (التخويف من النار) حيث يقول ([13]): والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلا محمودا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا أو هما لازما بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل يكن ذلك محموداً. أ.هـ ([14]).

فرعاية ذلك مطلب مهم جدا في تحصيل هذه العبادة الشريفة، إذ الاعتدال مطلوب، والتوازن مرغوب.

***

 درجات الخوف

تختلف درجات الخوف لدى الخائفين باختلاف ما لديهم من العلم والمعرفة، فمن زاد علمه بالله تعالى وقدرته وصفاته، زاد خوفه من الله، ودق خوفه منه سبحانه، وقس على ذلك قلة العلم.

وعلى ذلك، فالخوف ثلاثة درجات:

الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة، وهو: خوف العباد من حلول عقوبة الله تعالى بهم، وهذا الخوف مسبوق بالشعور والعلم، (فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به، وله متعلقان:

أحدهما: نفس المكروه المحذور وقوعه.

الثاني:السبب والطريق المفضي إليه، فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف، وبقدر المخوف: يكون خوفه، وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه...)([15]).

وهذا الخوف يتولد من أشياء ثلاثة مبنية على ما سبق، وهي:

الأول: تصديق الوعيد، فملاحظة العبد الوعيد بالتصديق به والإيمان بوقوعه وحصوله على المتوعد به من المخالفين مولد فيه الخوف من مقارفة النهي، ومخالفة الأمر.

الثاني: ذكر الجناية، والمقصود: معرفة العبد بجنايته، وما أحدثه من ذنب في جنب الله تعالى، فإذا قام في قلبه قائم العلم بأنه قد جنى ذنباً، وارتكب خطيئة، خالف فيها أمر الله تعالى، وما وقف عند نهيه، مع علمه بالعقوبة المتوعد بها صاحب الجناية، انبعث في قلبه الخوف من حلول تلك العقوبة عليه.ص19

وأما إذا عمى قلبه، وكابر في نفسه، فأنكر أنه أتى جناية خالف فيها أمرا ونهيا، فلا ينبعث فيه الخوف ولا يأتي منه على ذكر، إذ غاب عن قلبه قائم الوعظ والعلم بجنايات النفس.

الثالث: مراقبة العاقبة، أي: الخاتمة، حيث قيام مراقبة العاقبة في القلب يورث فيه الخوف من العقوبة والذنب، والعاقبة هنا لها احتمالان:

الأول: الأثر الناتج من العقوبة إثر الذنب والجناية.

الثاني: الختم للمرء في حياته عند موته.

فمراقبة هذين يورث في القلب خوفاً ينتج زيادة في الطاعات، وتركا للمعاصي والسيئات.

قال ابن القيم – رحمه الله- ([16]) وفي مراقبة العاقبة: زيادة استحضار المخوف، وجعله نصب عينيه، بحيث لا ينساه، فإنه – وإن كان عالما به -  لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف) أهـ.

الدرجة الثانية:الخوف من المكر، وأوضح ذلك ابن القيم – رحمه الله-  حيث قال: يريد – أي: الهروي – صاحب (منازل السائرين) - : أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة، واستغرقت أنفاسه فيها: استحلى ذلك، فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة، فإنه ينبغي أن يخاف المكر، وأن يسلب هذا الحضور، واليقظة والحلاوة.

فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال، ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال، فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال، بينما بدر أحواله مستنيراً في ليالي التمام، إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام، فبدل بالأنس وحشة، وبالحضور غيبة، وبالإقبال إعراضا، وبالتقريب إبعاداً، وبالجمع تفرقة، كما قيل:

أحسنت ظنك بالأيام، إذ حسنت

ولم تخف سوء ما يأتي به القدر  

وسالمتك الليالي، فاغتررت بها

وعند صفو الليالي يحدث الكدرُ

أ.هـ.

وهذه الدرجة هي التي قطعت قلوب الصالحين، وأقضت مضاجعهم، فهذا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شيبتني هود وأخواتها سورة الواقعة، وإذا الشمس كورت، وعمّ يتسألون»([17] فقد قال العلماء: لعل ذلك لما في سورة هود من الإبعاد([18]).

وهذا الخوف (لا يصدر إلا عن كمال  المعرفة بأسرار الله تعالى وخفايا أفعاله، ومعاني صفاته التي يعبر عن بعض ما يصدر منها بالمكر، وما لأحد الوقوف على كنه صفات الله تعالى، ومن عرف حقيقة المعرفة، وقصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور عظم خوفه لا محالة)([19])

وتظهر حقيقة هذه المعرفة الصادر عنها ذلك الخوف في قصة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد يعبدك»([20])، فيقول له أبو بكر – رضي الله عنه -  دعْ مناشدتك ربك فإن الله وافٍ لك بما وعدك.

قال الغزالي –رحمه الله-  مبينا ذلك – في (إحياء علوم الدين)([21]): فكان مقام الصديق رضي الله عنه مقام الثقة بوعد الله، وكان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام الخوف من مكر الله وهو أتم .أ.هـ.

وورود هذا الخوف على قلوب العارفين إنما هو لارتباط أمورهم وأحوالهم بمشيئة الله، الذي لا يبالي – سبحانه – بإهلاك أحد إن أهلكه، (فكيف لا يخاف ما حق من القول في الأزل، ولا يطمع تداركه، ولو كان الأمر آنفاً لكانت الأطماع تمتد إلى حيلة فيه، ولكن ليس إلا التسليم فيه، واستقراء خفي السابقة من جلي الأسباب الظاهرة على القلب والجوارح ...، وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأن القلب أشد تقلباً من القدر في غليانها، وقد قال مقلب القلوب عز وجل: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾[المعارج:28].

فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي بالتحذير من الأمن)([22])

روى الشيخان ([23]) عن السيدة عائشة رضي عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تغير الهواء وهبت ريح عاصفة، يتغير وجهه، فيقوم ويتردد في الحجرة، ويدخل ويخرج، كل ذلك خوفاً من عذاب الله.

قال الحسن البصري – رضي الله عنه ورحمه - : إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً، ولا يسعه غير ذلك، لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.

ولما حضرت سفيان الثوري –رحمه الله-  الوفاة بكى، فقال له رجل: أراك كثير الذنوب؟ فرفع شيئاً من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.

وكان عبدالله بن المبارك –رحمه الله- : يتقلب على فراشه من الغم، ويقول: من يصبر على أخذ الله، إن أخذه أليم شديد.

هذه شذرة من أخبار القوم في الخوف من المكر، وكيف لا يخافون ذلك إذ ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾[الأعراف:99].

الدرجة الثالثة: هيبة الجلال، إذ إن أهل هذه الدرجة هم الذين وصلوا إلى الله، وقربوا منه، فالله معهم بإقباله عليهم، فليس ما هم فيه وحشة الخوف، لأن وحشة الخوف تكون مع الإنقطاع عن الله والإساءة في المعاملة له سبحانه.

قال ابن القيم – رحمه الله - : وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب، كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم([24]).

وباعث هذا الخوف هو تمام العلم بذات الرب وصفاته، فإن ذلك يورث رعشة في القلب، وحزنا دائما، ووجدا في النفس، إذ تلك المعرفة والعلم تورثان الهيبة من الله تعالى، وعظم الإجلال له سبحانه، والخوف من ترك الأدب معه في الخلوة به ومناجاته، ولذا قال الهروي – رحمه الله -  في: (منازل السائرين (2/143) (مدارج السالكين): وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون المسامر أحيان المسامرة، وتفصم المعاين بصدق العزة. أ.هـ.

قال ابن القيم – رحمه الله – شارحاً ذلك: يعني: أن أكثر ما تكون الهيئة أوقات المناجاة، وهو وقت تملّق العبد ربه، وتضرعه بين يديه، واستعطافه، والثناء بآلائه وأسمائه وأوصافه، أو مناجاته بكلامه، هذا هو مراد القوم بالمناجاة.

وهذه المناجاة توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب، ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته، وتجليها عليه، فتعارض (الهيبة) في خلال هذه الأوقات، فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها.

وأما (صون المسامر أحيان المسامرة): فالمسامرة عندهم أخص من المناجاة، وهي: مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه ([25])، فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال، فتجيء (الهيبة) صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية.

وأما فصمها المعاين بصدمة العزة: فإن (الفصم) هو: القطع، أي: تكاد تقتله وتمحق بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة، وهي: عزة الامتناع، وعزة القوة والشدة، وعزة السلطان والقهر، فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره، إذ لا يقوم لعزة الربوبية شيء، والله أعلم.اهـ ([26]).

هذه درجات الخوف الثلاث أتينا عليها بإيضاح وبيان، نسال الله توفيقاً لسلوكها والاتصاف بها.

 طبقات الخائفين

إن اختلاف درجات الخوف، وتعددها أحدث ذلك تنوع الخائفين، واختلاف أحوالهم، إلا أن الخائفين يجمل تقسيمهم في طبقتين:

الأولى: طبقة العارفين، وهم الذين غلب عليهم الخوف مما يجلب لهم الإبعاد عن الله تعالى، وقد مضى كلام عنها وما حوته في الفصل السابق.

وهذه الطبقة بنت خوفها على معرفتها بالله تعالى (وكل من عرفه وعرف صفاته علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية)([27]).

فمن عرف الله تعالى بصفاته وكماله وجلاله كان خوفه منه سبحانه أشد، فهو ينظر إلى الله وقدره في نفسه وملكوته، فيعظم منه الخوف حينئذ.

وحقيقة خوف هذه الطبقة كشف عنها الإمام الغزالي – رضي الله عنه-  في: (إحياء علوم الدين) حيث قال ([28]): أن يغلب على قلوبهم الخوف مما ليس مكروها لذاته بل لغيره.

وضرب على ذلك أمثلة ننتخب منها:

الأول: خوف الميل عن الاستقامة، فإن من خذلان الله تعالى لعبده أن يميل بقلبه عن طريق الاستقامة إلى ضدها، ولذا كان من دعاء سيدنا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» وهو سيد الخائفين صلى الله عليه وسلم.

وعلى هذا يحمل خوفهم عند الموت من أن يموتوا على غير السنة والإسلام، فلم تكن تغلب عليهم المخافة من شيء كغلبة المخافة من هذه.

الثاني: الخوف من إيكال الله العبد إلى حسناته التي تعزز بها واتكل عليها، وهي ليست بشيء عند رحمة الله وفضله، فإذا جعل الأمر إلى الحسنات، وبها المقايضة فيا خيبة تلحق المرء لا يدركه معها خير إلا بفضل الله ومنته.

فإذا اعتز المرء بعمله، وأعجب بطاعته خشي عليه أن يكون مُوكلا إلى ذلك، وبها يلقى جزاءه، والأمر يرجع إلى فضل الله ورحمته بالعبد.

الثالث: الخوف من خاتمة السوء، وهذه التي أخذت من قلوب الأبرار المأخذ الخطير، فأقضّت مضاجعهم، وطردتهم من فرشهم.

قال الإمام سهل بن عبد الله: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة، وعند كل حركة، وهم الذين وصفهم الله إذ قال: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾[المؤمنون:60].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العبد المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فو الذي نفسي بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار»[رواه البيهقي].

وسوء الخاتمة على رتبتين ([29]).

الأولى: أن يغلب على القلب عند الموت وسكراته الشك أو الجحود، فتقبض الروح على ذلك، وهذا أعظم المرتبتين، ختم الله لنا بخير.

الثانية: أن يغلب على القلب عند الموت حب أمر من أمور الدنيا، وشهوة من شهواتها، فتقبض روح العبد على تلك الحال، فيكون مصروفاً عن الله تعالى، وعن الإقبال عليه، والله المستعان.

إن سوء الخاتمة في تلك الرتبتين أسباب، أجملها الإمام الغزالي – يرحمه الله-  في: (إحياء علوم الدين)، حيث قال ([30]).

فإن قلت: فما السبب الذي يفضي إلى سوء الخاتمة؟

فاعلم أن أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاؤها على التفصيل، ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها. أهـ.

فذكر أسباب الخاتمة السيئة الأولى، وهما سببان:

الأولى: البدعة، والمراد بها: أن يعتقد الرجل في ذات الله، وأفعاله، شيئاً على خلاف ما هو به فهو في هذا الخطر، والزهد والصلاح لا يكفي لدفع هذا الخطر، بل لا ينجي منه إلا الاعتقاد الحق.

الثاني: ضعف الإيمان في الأصل، ثم استيلاء حب الدنيا على القلب، ومهما ضعف الإيمان، ضعف حب الله تعالى، وقوى حب الدنيا، فإذا جاءت سكرات الموت ازداد حب الله ضعفاً، وحب الدنيا قوة، فإن اتفق زهوق روحه في تلك اللحظة التي خطرت فيها خطرة انقلاب الحب الضعيف لله تعالى إلى بغض، فقد ختم له بالسوء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وأما أسباب المرتبة الثانية من الخاتمتين، فهما:

الأول: كثرة المعاصي، وإن قوى الإيمان.

الثاني: ضعف الإيمان، وإن قلت المعاصي.

(وإذ بان لك معنى سوء الخاتمة، وما هو مخوف فيها، فاشتغل بالاستعداد لها، فواظب على ذكر الله تعالى، وأخرج من قلبك حب الدنيا، واحرس عن فعل المعاصي جوارحك، وعن الفكر فيها قلبك، واحترز عن مشاهدة المعاصي ومشاهدة أهلها جهدك، فإن ذلك يؤثر في قلبك، ويصرف إليه فكرك وخواطرك)([31]).

الطبقة الثانية: من يخاف معصيته وجنايته ([32]).

وحقيقة خوفهم من أشياء لذاتها، لا لغيرها مما تفضي إليه، كخوفهم من سكرات الموت ونحوها.

وهو خوف من لم يكتمل معرفته بالله تعالى، ولم تنفتح بصيرته به.

 محال الخوف من الله تعالى

إن تخلق العبد بالخوف من الله تعالى يظهر عليه في حياته كلها، قولاً وفعلاً، وفي ذلك يقول العلماء: المؤمن هو الذي يخاف الله تعالى بجميع جوارحه.

فالخوف إذ هو عمل من أعمال القلب إلا أن له ظهوراً في جوارح العبد، وذلك في سبعة أشياء:

الأول: اللسان، فيمنعه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، وكلام الفضول، ويجعله مشغولاً بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن ومذاكرة العلم.

الثاني: القلب، فيخرج منه: العداوة، والبهتان، وحسد الإخوان.

الثالث: النظر، فلا ينظر إلى الحرام.

الرابع: البطن، فلا يدخل فيه حرام.

الخامس: اليد، فلا تمد إلى حرام، وإنما إلى الطاعات.

السادس: القدم، فلا يُمش بها إلى معاص وذنوب، بل إلى طاعات ومراض لله تعالى.

السابع: الطاعة، فتجعل خالصة لوجه الله، ويخاف من الرياء والنفاق ([33]).

فرعاية العبد الخوف من الله تعالى، وإنماؤه في هذه المحال كافٍ في تحقيقه لرتبة الخوف على وجه تكون به مراقبة الله، ورعاية حقه في السر والعلن، حيث إن الخوف عمل قلبي ولابد لوجوده في القلب من أثر على الجوارح، ورعاية ذلك مهم جداً، فافهمه.

وهذا هو الخوف المطلوب، بل هو المقصود من الخوف، وللعلماء في ذلك مقالات رفيعات توحي بهذا المعنى، يقول الفضيل: من خاف الله دله الخوف على كل خير).

قال الإمام الغزالي – يرحمه الله-  ([34]): ذاكرا الخوف المطلوب: إنما الخوف – أي المحمود-  هو الذي يحث على العمل، ويكدر جميع الشهوات، ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا، ويدعوه إلى التجافي عن دار الغرور.أهـ.

وهذه ثمار للخوف عملية، وليست مجرد معلوم يعلم ويعرف.

وإلى هنا ختام الكلام، والصلاة والسلام على خير الأنام، والحمد للملك العلام.

كتبه

عبد الله بن سليمان العتيق

رجب الفرد / 1425هـ

الرياض: 11527

ص .ب – 68298



([1]) (مدارج السالكين) (2/145).

([2]) ص: (317).

([3]) انظر: (مدارج السالكين) (2/137).

([4]) التعريفات ص (87).

([5]) إحياء علوم الدين (4/19).

([6]) السابق(4/191).

([7]) رواه البخاري(5063).

([8]) رواه البيهقي في (الشعب) وضعفه.

([9]) رواه ابن حيان في كتاب (الثواب).

([10]) ص (4/197).

([11]) ذكر رحمه الله في (الإحياء) (4/192- 196) درجات الخوف والخائفين، وسيذكر ذلك بعد هذا المبحث بتوفيق الله وإذنه.

([12]) ص (4/192).

([13]) ص (28).

([14]) وذكر رحمه الله كلاما نفيسا عن بعض السلف وخوفهم, وأوضح بأفصح معنى عن أحوالهم في الخوف, والاعتذار لهم, وبيان ذلك, فرحمه الله ورضي الله عنه.

([15]) (مدارج السالكين) (2/141).

([16]) مدارج السالكين (2/142).

([17]) رواه البخاري وحسنه، وصححه الحاكم.

([18]) (إحياء علوم الدين) (4/209).

([19]) (إحياء علوم الدين) (4/210).

([20]) رواه البخاري (3953).

([21]) ص (4/210).

([22]) (إحياء علوم الدين) (2/410- 411).

([23]) البخاري (3206) ومسلم (899).

([24]) (مدارج السالكين) (2/143) وأشار إلى أن هذا الخوف أعلى من خوف العامة- وهو الدرجة الأولى، وأنه خوف أهل الخصوص.

([25]) قال السيد الجرجاني – رحمه الله – في: (التعريفات) (ص169): (المسامرة) خطاب الحق للعارفين وكان منه لهم من عالم الأسرار والغيوب. أ.هـ.

([26]) (مدارج السالكين) (2/143- 145).

([27]) (إحياء علوم الدين) (4/195).

([28]) ص (4/194).

([29]) انظر: (إحياء علوم الدين) (4/213).

([30]) ص (4/216).

([31]) (إحياء علوم الدين) (4/220- 221).

([32]) انظر: (إحياء علوم الدين) (4/195- 196).

([33]) انظر: (مكاشفة القلوب) (ص11- 12).

([34]) انظر: (إحياء علوم الدين) ص (4/204).