رسائل دعوية إلى العاملين في مجال الصحة والطب

د عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فإن من أعظم محاضن الدعوة اليوم: التعليم والتطبيب، وقد أجلب أصحاب الملل الباطلة في هذين المجالين بخيلهم ورجلهم، فانتشرت المدارس النصرانية وكثرت المراكز الطبية التي تقف من خلفها الكنائس والبعثات التنصيرية.

وإسهاماً في الدعوة إلى الله- عز وجل- في هذا المجال الهام أدليت بدلوي رغبة في المشاركة ولو بالقليل.

وبادئ ذي بدء أعتذر فليس الكاتب والقائل كمثل القائم العامل، وليس من يطرح الآراء ويُنظَّر للعمل كمثل من ينفذ ويفعل! لكن فضل الله واسع ويكفي أجر الدلالة على الخير، ومن كرمه وجوده أنه يدخل في السهم الواحد ثلاثة نفر.

أسأل الله- عز وجل- أن يجعلنا ممن يستعملهم فى طاعته ونشر دينه وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.


 مدخل

إن مما يعين على تحصين الثغور, واتساع رقعة نشر الخير: أن يكون لأهل الخير نصيب من المشاركة في التخصصات العلمية, التي تعود بالنفع على المجتمع والأمة.

وذلك كالطب, والصيدلة, والهندسة, والمحاسبة, وما شاكل ذلك.

فوجود أهل الخير في مثل هذه المناصب والتخصصات, فيه مصالح كثيرة للإسلام والمسلمين, فمن ذلك:

أولاً: توظيف ما يستطاع من هذه التخصصات فى خدمة الإسلام.

ثانيًا: تَمَكن بعض أهل الخير من هذه التخصصات فيه مزاحمة- بل مدافعة- لمن أرادها من أجل الظهور والكسب المادى البحت, أو ممن كان من أهل الشر والفساد وسوء الاعتقاد.

ثالثًا: إظهار أن الإسلام يحث على كل ما فيه مصلحة للناس, وهذه التخصصات لا غنى للمجتمعات عنها- والله تعالى أعلم-.

رابعًا: فيه إعادة لشيء من مجد المسلمين التليد, حيث كانت الأندلس محطاً لركائب الراغبين فى تحصيل العلوم, وكان علماء المسلمين منارات يهتدى بها, بينما كانت بلاد النصارى تلبس ثياب الفوضى الخُلُقية والاجتماعية وتعيش في ظلام دامس في المعتقد والسلوك والأخلاق.     

خامسًا: وجود صوت الخير فى كل مكان, وهذا بنفسه يسد ثغرةً كبيرةً, إلى غير ذلك من المصالح والإيجابيات.

سادسًا: سَدُّ ما يُعَدُّ من فروض الكفايات لا غنى عنها في حياتهم ومعاشهم, ولئلا يحتاج المسلمون فيها –مضطرين-إلى غيرهم من أهل الكفر والضلال([1]).        

ومما ينبغي التنبيه عليه: أن أعداء الإسلام حرصوا على المجالات العلمية والتقدم فيها, وبخاصة الطب, وليس هذا وليد العصر, بل فى القرون السابقة, قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب, إلا أن أهل الكتاب غلبونا عليه», وكان رحمه الله تعالى – يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب, ويقول: «ضيعوا ثلث العلم, ووكلوه إلى اليهود والنصارى»([2])

****


 وقفة تأمل

أخي المسلم:

لابد أن نقرر أمرًا واقعًا ألا وهو أننا فى زمن الدعوة. النصارى يدعون ويبذلون؛ تراهم فى القارة الأفريقية وأطراف آسيا, وهناك أيضاً لهم باع طويل في أدغال أفريقيا, بل ويبحثون عن المسلمين في بلادهم ومن درس في مدارسهم وجامعاتهم أو تقلب بين ظهرانيهم علم ذلك.

أما اليهود فهم كذلك يدعون, وأصحاب المبادئ الباطلة يعملون! بل حتى أصحاب المنتجات الاستهلاكية الدعوة لها من أوسع الأبواب وأكثرها إنفاقًا عبر مايسمى بالإعلان التجاري.

ولا يختلف اثنان على أن أهم محاضن الدعوة اليوم المدرسة والمستشفى, وقد سعى النصارى خاصة إلى ذلك فأنشأوا المدارس وأقاموا المستشفيات؛ ظاهرها العلم والتمريض وباطنها السم الزعاف, فقد كانت الخدمة الطبية وسيلة للتبشير تحظى دوما بالأولوية فى مهمات المبشرين.

قال ستورم  H.Storm أحد قادة الإرساليات: (لقد ثبت أن العمل الطبي هو مفتاح القلوب المغلقة ووسيلة لتوثيق عرى الصداقة وأداة لتحطيم المعارضة).

ولقد كان المبشرون يؤكدون على هذا المدخل كوسيلة رئيسية للتبشير, وأسلوب لكسب قلوب الأهالي وخلق جمهور متعاطف معهم, والأهم من ذلك كله تهيئة الفرصة للتبشير بالإنجيل وقد ذهب صموئيل زويمر إلى القول: (إن جميع العاملين في ميدان التبشير متفقون على أن الطبيب القدير والجراح الماهر يحمل جوازاً يفتح الأبواب المقفلة, ويغزو القلوب مهما كانت عنيدة. إن المستشفيات هي مكان تلتقى فيه الرحمة بالخلق ويتعانق فيه الصلاح والسلام).

بل ويعتقد المبشرون بأن المستشفيات لاتنفصل عن الكنيسة وليست أهمها بل يجب أن تكون امتداداً لها, والمبشرين البروتستانتيون سعوا لاستخدام الوسائل الطبية لكسب غير المسيحيين والنقطة الأساسية فى الجدال هي أن أطباء الإرسالية يعتقدون بأنهم يؤدون واجبهم الدينى عن طريق الخدمات الطبية, لأن هذا النوع من النشاط هو جزء من الخُلق المسيحي واقتداء بسنة المسيح كشافٍ للأمراض, ويعتقد ف. بارني F. Barny بأن المدخل الطبي كان هو العمل الوحيد الممكن للوصول إلى الناس والتأثير عليهم.

ثم تأملوا هذا الخلاف مع الدكتور/ تومس الذي يقول: (إن المستشفى يجب أن يكون مكاناً للتبشير بالإنجيل والشيء الذي كان يقلق المبشرين هو أن بعض أطباء الإرسالية كانوا يعطون العلاج الطبي أهمية أكبر والذي من شأنه أن يؤدي إلى صراع بين الكنيسة والمستشفى وهذا حتما سيؤثر على العمل التبشيري بأكمله).

وأتوقف عند هذه العبارة التي صدرت من أفواههم وتتحدث عن تلك الأعمال والأماكن: «ليست بمستشفيات والمدارس ولكنها معاهد تبشير».

مستشفى طائر للتنصير بتكلفة 25 مليون دولار !!

نشرت الصحف العام الماضي الخبر التالي:

عمَّ الترقب والتلهف حين وصلت الأخبار إلى مدينة حيدر آباد بجنوب الهند قبل شهور بأن "المستشفى الطائر"إحدى معجزات القرن العشرين سيزور المدينة لأسبوعين فى شهر نوفمبر الماضي, وسيعالج الفقراء فقط وسيجري عمليات جراحية للمعدمين الذين لاحظَّ لهم في الحياة.. وكل هذا سيكون مجاناً.. وعلت لافتات كبيرة شوارع المدينة تعلن هذا الحدث العظيم, تدعو الفقراء للتقدم إلى عناوين معينة لتسجيل أسمائهم.

وهكذا حين حطَّ المستشفى الطائر بمطار المدينة كان الجو مشحوناً بالترقب, لدرجة أن كبير وزراء الولاية بنفسه كان في استقبال المستشفى الطائر بالمطار وقام بزيارة أجنحته في شوق ولهفة للتعرف على أحدث الأجهزة والتسهيلات التي يقدمها هذا المستشفى الذي يعتبر أكبر مستشفى طائر في العالم. فقد تم تحويل طائرة لوكهيد من طراز (لـ 1011 -50) إلى طائر !! بإنفاق (25) مليون دولار على هذا المشروع.

ويتدافع الفقراء إلى المدينة للحصول على العلاج المجاني الذي قيل: إنه سيكون ذا مستوى عالمي غير متوفر فى الهند..وسرعان ما انكشف الأمر حين بدأ المرضى يكتشفون بأنفسهم حقيقة هذا العمل الخيري. فكان أول شيء يتعرض له المريض قبل الكشف عليه هو السؤال عن ديانته, ثم يعطى محاضرة لنحو (10) دقائق حول (السيد المسيح) والمسيحية([3]) وضرورة البحث عن الخلاص في رحاب (السيد المسيح) ثم يُعطى كمية من الكتب والنشرات ويطلب منه دراستها والحضور إلى عنوان معين بعد أيام. وكان من أوائل هؤلاء سيدة مسلمة تدعى (سعيدة بي) التي رمت بالكتب وصرخت في وجوههم: إن لها ديانة تؤمن بها وهي جاءت هنا للعلاج, وليس للوعظ والكتب.

وحين علت الصيحات وأخذت الصحف المحلية تكشف حقيقة هذا العمل, خفت نبرة الوعظ وسكتت مكبرات الصوت, ولكن محاولات التنصير لم تنته.

وظهر من تحقيقات الصحافة أن المستشفى الطائر يتبع منظمة تنصيرية تدعى (عملية البركة الدولية) والتي تتبع بدورها منظمة شبكة الإذاعة المسيحية التي يرأسها المنصر المعروف (بات روبرتسون) الذي ينتمي إلى اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وسبق أن رشح نفسه في الانتخابات الأمريكية سنة 1987م كما عمل في إدارة الرئيس ريغان سنة 1982م.

ويقال: إن هذا المستشفى الطائر, الذي يزور مناطق كثيرة فى أنحاء العالم, قد عالج حتى الآن (... ،943) مريض, وأجرى أكثر من (... ,19) عملية جراحية. وهو يمكث فى مختلف الأمكنة نحو أسبوع أو عشرة أيام, ويقال أنه أكبر مستشفى جوي في العالم وهو مزود بكل التسهيلات الممكنة للعمليات الجراحية والعلاجية.

انتهى الخبر, والله أعلم كم من مسلم تحول فكره إلى النصرانية؟! وكم من مسلمة أثيرت الشبه فى قلبها عن دين الإسلام؟!

وإتمامًا للأمر وخطورته أذكر الحال فى دولة واحدة هي بنغلادش وكيف هو دور المستشفى فى تغيير معتقدات الناس؟!

ذكرت مجلة البيان: أنه أنشئ مستشفى تنصيري فى عام 1965م في قرية (معلوم جات) في منطقة (شيتا جانغ) في بنغلاديش التي لم يكد يوجد بها نصراني آنذاك, أما الآن فقد بلغ عددهم أربعين ألف نصراني!


منظمة براك

منظمة تنصيرية كندية يتبعها في بنغلاديش أكثر من (...3) مدرسة, وعدد المنظمات في هذا البلد المسلم الفقير (...3) منظمة تنصيرية!

وكان عدد النصارى في دولة بنغلاديش عام 1972م مئتي ألف نسمة وارتفع في عام 1991م أي خلال 19 سنة إلى خمسة ملايين!

وفي هذه السنوات بذلت أموال وجهود مكثفة حتى نالوا ما أرادوا!

نعم ما أرادوا لأنهم بذلوا وعملوا..

***


 الإسلام والطب

تكدر خاطر القارئ الكريم بتلك المعلومات التي تحزن ولا تفرح, لكن دعنا ننتقل إلى مراتع الإسلام لنطلق النظر فى تعاليم هذه الشريعة العظيمة وكيف نظرت إلى المرض والصحة من جوانبه العديدة؟

أولاً: طبيعة المرض والصحة في الطب والدين متشابهة, فالمرض يعني استجماع الفضلات واحتباسها في الجسد، ففضلات الطب الجراثيم, والأوبئة المختلفة. وفضلات الدين الشبهات والشهوات باختلاف أنواعها.

 والصحة في كلي الأمرين تكون باستفراغ هذه الفضلات وسلامة الجسم منها.                                                          

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- في مجموع الفتاوى المجلد العاشر: «طب الأديان يحذو حذو طب الأبدان».

ثانياً: الاشتراك في التسمية والمنطوق. فالنقص في صحة الجسم يسمى مرضًا والنقص في دين الإنسان يسمى أيضًا مرضًا.

قال الله تعالى-: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾[البقره 10].

وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب 32], أي مرض الزنا.كما أن اكتمال الصحة يسمى شفاءً وكذلك تقويم نقص الدين يسمى شفاء , قال - صلى الله عليه وسلم - : «ألا سألوا حين جهلوا فإنما شفاء العي السؤال...»

ولذلك سمى عدد من السلف كتبهم التي يناقشون فيها ما يطرأ على دين المرء من العطب من ناحية الشهوة أو الشبة بمسميات تقارب صحة الجسد ككتاب [اعتلال القلوب] للخرائطي و[الداء والدواء] لابن القيم, ورسالة [داء القلوب وشفاؤها] لابن تيمية.

ولهذا فإن من مواصفات الطبيب المسلم ما قاله ابن القيم في كتاب [الطب النبوي] عندما تكلم عن الطبيب الحاذق وذكر أنه يجب أن يُراعي في علاجه عشرين أمرًا كان السابع عشر منها هو كما قال : "أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها ولذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمر مشهود.

والطبيب إذا كان عارفًا بأمراض القلوب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل, والذي لاخبرة له بذلك وإن كان حاذقًا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب.

وكل طبيب لايداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه, وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدار الآخرة فليس بطبيب بل متطبب قاصر". 

*********


 الدين مسئولية الجميع

لغة الخطاب في هذا الكتيب الصغير تعم جميع من عمل في المجال الصحي وإن كان الطبيب قرة العين فيه. لكن أذكر مواقف دعوية لغير الأطباء ليس إلا أن العمل الدعوي عمل جماعي مثل القافلة تحتاج إلى الدليل وإلى المرشد وإلى الهادي وإلى جهد كل فرد فيها....

أما الموقف الأول: فلموظف الاستقبال الذي يعطي المواعيد, وقد سخر مكانه للدعوة؛ فإذا أتى إليه رجل أحاله إلى الطبيب، وأن أتته امرأة أحالها إلى الطبيبة، وإذا اكتفت الطبيبة من عدد المراجعات بدأ أولاً بإحالة كبيرات السن إلى الطبيب، ولا يحيل إليه الشابات وهكذا. نعم لقد قام بعمل عظيم فحفظ أعراض المسلمين والمسلمات بعمل يسير جداً ، فهو على ثغر لا يستهان به.

أيضاً من التجربة في دور النشر، وفي المؤسسات الخيرية غالب من يأتي لأخذ الكتب والمطويات ليسوا من الأطباء. بعضهم موظف مواعيد وآخر في الكلية طالباً والثالث يتدرب في المستشفى والرابع وهكذا.

وهذا التنوع للأمة فيه خير وبشارة فرح يلقي بالمسئولية على من يتراخى في القيام بهذا الواجب العظيم.

**********


 فضل الدعوة إلى الله

الآيات والأحاديث التي تحث على القيام بالدعوة إلى الله -عز وجل- كثيرة بل إن الآيات التي ذكر فيها أمر الدعوة إلى الله أكثر من آيات القيام والحج وهما ركنان من أركان الإسلام. وما ذاك إلا لأهمية الدعوة إلى الله وعظم أثرها في المجتمع. ولهذا اصطفى الله -عز وجل- خيار الخلق إلى القيام بهذا الأمر العظيم، فهي مهمة الأنبياء والمرسلين ومن سار على دربهم إلى يوم الدين.

يقول الله -عز وجل-:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف 108]، وقال -تعالى- مثنيًا على أهل الدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت 33]

 وتأملوا في حال ذاك الرجل الذي أنهكه التعب وهو يجري بسرعة كبيرة: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 20 ] وأنتم ونحن نرى واقع الأطباء عكس ذلك فإن المريض هو الذي يسعى إلى الطبيب وذلك من فضل الله عليهم!

وبعض الجن في مجال الدعوة إلى الله أفقه من بعض الإنس، لما نزل قول الله – عز وجل -:﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾[الجن 2].

كانت النتيجة الأولى بعد أن سمعوا هذا القرآن الكريم: ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 2] ثم كانت الانطلاقة نحو الدعوة إلى قومهم منذرين: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: 31]. أما الأحاديث فإنها كثيرة وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلها دعوة!

أخى الفاضل:

إذا صح الإيمان قام العبد بالدعوة إلى الله يبلغها وينشرها بما يستطيع بلسانه وقلمه وماله ودلالته وجاهه وتعليمه وتشجيعه وحضوره وخدمته. والأبواب مفتوحة، فهل من قدم تطأ تلك الأرض المنبتة، ومن فضل الله وإحسانه إلينا أن جعل أبواب الدعوة إليه ليست خاصة بالعلماء والخطباء وأرباب البيان وفصاحة اللسان, لا وإنما كل له أن يدعو ويذُكر ويأمر وينهى ويُعلم ويدل على الخير بما يقدر عليه، ولا يشترط للداعية أن يبلغ مرتبة الاجتهاد أو الفتيا إنما لابد أن يَعْلَمَ الشيء الذي يدعو إليه ويعرفه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «بلغوا عني ولو آية» [رواه البخاري].

فبلغ عن ربك وادع إلى سبيله تكن من أشرف الخلق وأعزهم في الدنيا والآخرة وامتهنْ أعظم وظيفة ألا وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى -:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

*******

 فوائد وثمرات الدعوة إلى الله عز وجل

وسائل الدعوة وطرقها تصدر عن أذهان وعقول من بحثوا عن ثمرات الدعوة فإنها من أعظم الحوافز التي تعين على التفكير والمبادرة, لعلنا نلقي الضوء على فوائد وثمرات الدعوة إلى الله – عز وجل- بإيجاز سريع:

أولاً: متابعة الأنبياء والاقتداء بهم واقتفاء أثرهم والسير في ركابهم في طريق آمن غير موحش:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

قال ابن القيم – رحمة الله -: فالدعوة إلى الله -تعالى- هى وظيفة المرسلين وأتباعهم.

ثانياً: التقرب إلى الله امتثالاً لقوله–تعالى-:﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل 125].

ثالثاً: الرغبة في نيل الأجر العظيم:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ﴾ [فصلت: 33].

رابعاً: الامتثال لأمر الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].

خامساً: السعى لنيل الأجور العظيمة : فقد بشر النبى - صلى الله عليه وسلم - بذلك: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله». قال النووي: دل بالقول واللسان والإشارة والكتابة.

سادساً: لتصلح أعمالنا وتغفر زلاتنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ

فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

سابعاً: رجاء صلاح الذرية: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [النساء: 9] ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].

ثامناً: نقوم بالدعوة مخافة العذاب:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].

تاسعاً: نثقل الموازين يوم العرض: « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه».

عاشراً: حتى لا تصيبنا اللعنة:﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ المائدة: 78، 79].

الحادي عشر: بالدعوة إلى الله تنال المراتب العلا:

قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: وهذه المرتبة تمامها للصديقين الذين عملوا على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل.

الثاني عشر: نقوم بالدعوة شفقةً ورحمةً: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].

الثالث عشر: حتى يصلح حال المجتمع ويقَّوم اعوجاجه:﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

الرابع عشر: الفوز والصلاح في الدنيا والآخرة:﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

الخامس عشر: الدعوة إلى الله عز وجل من أسباب نصر الأمة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].   

السادس عشر: صلاة الله وملائكته وأهل السموات والأرض على معلم الناس الخير: قال - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها, وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» [رواه الترمذي].

السابع عشر: دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنضارة لمبلغ مقالته: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها» [رواه ابن ماجه].

الثامن عشر: دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة لمبلغ حديثه: «رحم الله امرءًا سمع مني حديثاً فحفظه ثم يبلغه غيره......» [رواه أحمد]

التاسع عشر: الدعوة إلى الله صدقة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3].

قال الحسن: من أعظم النفقة نفقة العلم.

الثمرة المهمة: براء الذمة: قلب سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز – رحمه الله -: في كتابه [الدعوة وأخلاق الدعاة] فعند قلة الدعاة وعند كثرة المنكرات وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته.

العشرون: الأجر العظيم، فقد دل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمه علي بن أبي طالب t على كنز عظيم: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» .

الحادي والعشرون: استمرار ثواب الداعي بعد موته: لقوله: - صلى الله عليه وسلم - : « من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينتقص من أجورهم شيء» [رواه مسلم].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: « من سن سنة حسنة فله أجرها ما عُمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك» [رواه الطبراني]

وقال - صلى الله عليه وسلم - «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث – ثم ذكر منها – أو علم ينتفع به».

* الدعوة إلى الله: من الجهاد فى سبيل الله: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52].

قال ابن القيم رحمه الله: "وتبليغ سُنَّة إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو، لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، أما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء ....".

* الدعوة إلى الله رفعة في الدنيا والآخرة: قال ابن القيم: "إن أفضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة فالله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس.

* الدعوة إلى الله: من وسائل الثبات على دين الله: وهذا واقع مجرب وهو كما قال أصحاب الجيوش: "إن أسهل وسيلة للدفاع الهجوم"([4]).

أيها الأحبة

في القيام بأمر الدعوة سعة الصدر الأنس مما يفيض الله – عز وجل – به على عباده ولعله من عاجل البشرى. ولو استزدتم الكتاب والسنة لقرت أعينكم بالخير العظيم والأجر الجزيل.

****


 رجال الدعوة

أيها الأحبة:

دعونا نرحل من الأماكن البارده المريحة, ننطلق لنرى كيف حال الدعوة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - انطلقوا بنا نرى فجر هذه الدعوة وإشراقة الرسالة. وكم هو الجهد الذى بُذل! والصبر الذى ركب .. إنها أمة الجهاد والدعوة. نبى الأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام – رضى الله عنهم – يسيرون فى ثلة من القوم بينهم بعير واحد يتعاقبونه. ومن كثرة المشي ووعورة الطريق وقلة الظهر الذى يُركب؛ نقبت الأقدام وسقطت الأظافر ... لكن الموكب المبارك يسير ولا يتوقف!

عن أبي موسى الأشعري t قال: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزاة, ونحن ستة نفر بيننا بعير نعقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي, وسقطت أظافري, فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع, كما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا" [متفق عليه].

هذا نبي الأمة – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – ووجوه الصحابة – رضوان الله عليهم -! وهذا بعضٌ مما أصابهم في غزوة واحدة لرفعة هذا الدين وإعلاء كلمته.

ثم بعد هذا الموقف الدعوي العظيم لعل فى سماع الحديث القادم فائدة الطاعة والتسليم وسرعة الاستجابة!

عن أنس t قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» فقال عمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله, جنة عرضها السموات والأرض؟! قال: «نعم» قال: بخ بخ! قال: «وما يحملك على قول بخٍ بخٍ»؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها. قال : «فإنك من أهلها» فأخرج تمرات من قَرَنه, فجعل يأكل منها, ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراً, إنها لحياة طويلة, قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.

أخى القارئ:

صدق اليقين وهوان الدنيا والتطلع إلى جنة عرضها السموات والأرض دفعا بهذا الصحابي الجليل إلى استبطاء الزمن وطول الدقائق التى تحجبه عن الجنة، فألقى بالتمرات وسار نحو الشهادة التي هي مُناهُ ومبتغاهُ

وهذه الكلمات اليسيرة إذا وجدت قلوباً حية تمكنت. ذكر الإمام الذهبي فى سير أعلام النبلاء في ترجمته لأبي عبد الرحمن السلمي وهو من كبار القراء.

قال: درستُ كتاب الله – عز وجل – أكثر من أربعين سنة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج. فلما كبر سنه ورق عظمه قيل له في ذلك: أي فى ترك تعليم كتاب الله عز وجل فقال: سمعت حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» فهذا الذي أجلسني مكاني.

من يحمل الهم يكون ديدنه العمل والبحث عن الفرص لاستثمارها. قبل فترة ذهبت مع جمع من الإخوة للمشاركة في افتتاح مكتب جاليات في بلدة "البجادية" وهي بلدة تقع على طريق الرياض – مكة القديم، وكان من ضمن أفراد المجموعة رجل فلبيني كان قسيسًا وأسلم وهدى الله – عز وجل – على يديه 4000 شخص حسب الإحصاءات الرسمية. لما سارت بنا السيارة ومررنا على بلدة اسمها "شقراء" سأل: ما اسم هذه المدينة, قلنا له شقراء, فأعاد الاسم مرة ثانية وثالثة. ولما مررنا بعد حين ببلدة أخرى، اسمها "عفيف" سألنا أيضاً فقلنا له "عفيف" قال: عفيف, قلنا نعم, فسألناه لماذا تسأل عن اسم البلدان التي نمر عليها؟ قال: حتي أعرفها فإذا دعيت من هذه المكتب "أي مكتب البجاديه" أكون قد عرفت الطريق!  

******


 وسائل الدعوة

من أعظم وسائل الدعوة: السير على طريق النبى - صلى الله عليه وسلم - في حسن الخلق وطيب المعاملة: لأن في عكس ذلك – خاصة على صاحب الطلعة البهية – إحجام عن قبول الناس لدعوته وعدم محبتهم للأخيار. قد يكون أيضًا- أعني سوء الخلق – من الصد عن دين الله – عز وجل – بشكل مباشر وغير مباشر لذا ينبغي للداعي أن يكون قوله للناس لينًا ، ووجهه منبسطًا طلقًا ، فإن تَلْْيينَ القول مما يكسر سُوْرة عناد العتاة ، ويُلَيَّنُ عريكة الطغاة .. فالداعي أيًّا كانت منزلته وأيًّا كان عقله وعلمه ليس بأفضل من موسى وهارون، ومن وُجَّهت إليه الدعوة ليس بأخبث من (فرعون)؟ وقد أمرهما الله – جل وعلا (باللين) معه في قوله:﴿اذْهَبَا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].

ذلك أن المقصود من الدعوة إلى الله تبليغ شرائع الله إلى الخلق ولا يتم ذلك إلا إذا مالت القلوب إلى الداعي وسكنت نفوسهم لديه، وذلك إنما يكون إذا كان الداعي رحيمًا كريمًا، يتجاوز عن ذنب المسيء، ويعفو عن زلاته، ويخصه بوجوه البر، والمكرمة والشفقة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه -: "وينبغي أن يكون الداعي حليمًا صبورًا على الأذى، فإن لم يَحْلُم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح".

وقال رحمه الله: "ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة في كل طريق".

أخي الكريم: الكلمة الحانية والعبارة اللطيفة مفتاح للقلوب ولهذا تأمل في لين الخطاب وحسن المقال في آيات الدعوة للكفار:﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾[آل عمران].

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلا الْحَقَّ﴾[النساء: 171].

وتأملوا فى حال مخاطبتهم فى آيات السيف والقتال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾[التوبة: 123].

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾[التوبة: 5]

وفى سيرة النبى - صلى الله عليه وسلم - مواقف لا تعد من حسن الخلق وطيب الكلمة؛ لما جلس إليه سهيل بن عمرو فى صلح الحديبية والقصة ذكرها ابن كثير وكان سهيل فى حينها كافراً وقد اشتد الأمر على المسلمين كان - صلى الله عليه وسلم - يخاطب سهيلاً بكلمات لينة ليدعوه بهذا إلى الإسلام.

قال له:«انتهيت يا أبا الوليد». قال: نعم. ما قال له- صلى الله عليه وسلم - يا كافر، ولم يقل يا سهيل، بل ناداه بأحب الأسماء إليه.

وفي مخاطبته لكسرى وقيصر عبَّره: « من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم »، بل وفى دعاء النبى - صلى الله عليه وسلم - فائدة وعبرة: «اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ولا دواء إلا دواؤك شفاءً لا يغادر سقماً» [متفق عليه].

والشاهد فى هذا الحديث كلمة الشفاء ترددت خمس مرات. وهل هناك كلمة يحرص عليها المريض إلا هذه الكلمة؟.

أما في حال العتاب فذاك أسمى عتاب:﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾[التوبة: 43]. وفي عتاب النبى - صلى الله عليه وسلم - للرجل حسن أدب وتوجيهه بعيداً عن التجريح والتعنيف: «زادك الله حرصاً ولا تعد».

أخي الكريم:

    إن تنوع الأساليب وتعدد أوجه الدعوة من ضرورياتها ومتطلباتها، هذا نوح-عليه السلام- ما ترك سبيلاً لدعوة قومه إلا سلكه ولا باباً إلا طرقه:﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾[نوح: 5-9].

والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي إلى مجامع قريش وأسواقها ويدعوهم إلى دين الله، ووقف منادياً على الصفا واتخذ من موسم الحج منبراً للدعوة، وسار إلى الطائف داعياً ثم هاجر إلى المدينة النبوية.. إنها أساليب متنوعة وطرق متعددة تخدم الدعوة ولم تقف عند حد.. بل كل أسلوب اتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو له ضابط شرعي فنحن نتبعه ونسير عليه...

***


 من البداية

الدعوة في المستشفيات بدايتها مبكرة أرأيتم لو شارك الأساتذة والاستشاريون في توجيه الطلاب والطالبات في ست سنوات أو تزيد هي سنوات التحصيل في كليات الطب! كيف هو الأثر بعد تخرجهم في القيام بالدعوة؟ لابد من تكوين قاعدة وأرضية صلبة منذ وقت مبكر. فطالب اليوم هو طبيب الغد وطالبة اليوم هي طبيبة المستقبل.

       *أرأيتم لو أن وفدًا من الأطباء توجه إلى بلد معين لاختيار مجموعة من الأطباء والممرضين والممرضات ثم حرص هذا الوفد أو هذه المجموعة على اختيار من يظهر عليه السمت الطيب والالتزام الواضح. أليست هذه من أعظم أنواع الدعوة؟!

ولهذا نجد في أمور الدنيا – أعني التعاقد –نجد أن هناك أولويات لا نحيد عنها سواء ما كان خاصًا بالامتيازات أو المستوى الطبي أو الخبرة ومع هذا ننسى هذا الأمر المهم، ويتحول الطبيب أو الطبيبة إلى عبء علينا في الدعوة. ولو أحسنا الاختيار لتجاوزنا مراحل دعوية كثيرة.


 هنا وقفة

    قبل الدخول في وسائل الدعوة أظن -ظن اليقين– كما قال –تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:46].

أقول: أظن ظنًا كبيرًا في نجاح الدعوة في المستشفيات مثل ما هي في التعليم أيضًا.

قصة الإمام الذهبي عجيبة فقد قال له أحد مشايخه: إن خطك هذا يشبه خط المحدثين، قال الذهبي: فحبب إليَّ علم الحديث، حتى أصبح من حفاظه ونقاده.

أما التفاؤل بنجاح الدعوة في المستشفيات فيرجع  إلى عدة أمور منها:                                                   

أولاً: أن الشريحة التي تدخل المستشفيات ليست في  العموم هي التي تحضر المحاضرات والدروس وتحافظ على صلاة الجماعة. بل يغلب على بعضها الجهل بأمور الدين.

ثانيًا: حالة الضعف والانكسار لدى المريض لذا فهو أذن صاغية، وقلب مفتوح لما سوف يقوله الطبيب.

ثالثًا: تعلق بعض المرضى بالأطباء ورؤيتهم الفرج في حضور الطبيب لذا تجده ينفذ ما يطلب منه دون تردد.

رابعًا: كثرة الأطباء، فكيف إذا حمل بعضهم لقب الطبيب الداعية، وللمقارنة فلا يوجد في المملكة أكثر من مائتي داعية يتبعون لوزارة الشئون الإسلامية والتفوق واضح لصالح الطبيب الداعية.

خامسًا: من التفاؤل القول بانتشار المستشفيات في الحاضرة والبادية، ومن كان يستوحش من المساجد فربما يسوقه المرضى إلى مكان دعوي هو المستشفى.

سادسًا: أن المستشفيات أماكن غير مهيئة للدعاة إلى الله بل هي للتطبيب ولهذا يحسن أن يكون المُطبب داعية يقوم بواجبه تجاه دينه ورفع راية محمد - صلى الله عليه وسلم -.

سابعًا: الإطلاع على أسرار المريض وما بداخل بيته ونفسه من فساد ومعاص يصرح بها المريض للطبيب دون غيره فيها مدخل دعوي واضح.

ثامنًا: أن سهم الدعوة الذي يتهرب منه المريض ببعده عن المساجد ومواطن الدعوة قد يصيبه في المستشفى فأنعم وأكرم به من سهم. لأن رفع المعاناة عن القلوب أعظم من رفع المعاناة عن الأجساد.

تاسعًا: كثرة الأطباء الذين تظهر عليهم سمات الخير والصلاح وهذه لوحدها دعوة! فكيف إذا تكلم فأحسن ووعظ فهذب، وقال فأجاد؟!!

فهنيئًا لمن قام بأمر الدعوة إلى الله – عز وجل – وأخلص النية له تبارك وتعالى.


 من وسائل الدعوة

أعظم وسيلة دعوية صامتة ومتحركة قائمة وقاعدة صامتة ومتحدثة هي القدوة:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

تأمل في ذلك الطبيب لتحكم بنفسك فلن أتحدث فالأطباء كثر والكثرة تغلب الشجاعة!.

أقبل بلحية جميلة براقة تزين محياه! لكنه كان عابس الوجه لايلقي سلامًا ولا كلامًا. بل تراه يتهرب من إلقاء السؤال عليه. ثم تتبعه النظر فإذا به في خلوة مع الممرضة وبصره يتتابع إليها! وأنت تنتظر والألم يشتد إليك فإذا بصوت الضحكات ينطلق من غرفة مجاورة!.

أما الآخر فالصوت عالٍٍ وهو ينهر ذلك الشاب البار الذي أتى بوالده من أقصى قرى تهامة وكان يستجديه وما علم أن هذا الرجل الكهل لربما لو أقسم على الله لأبره!.

لاشك أن الطبيب ملتح لكنه ليس بملتزم! الملتزمون كثر لكن المتميز منهم قليل.

ذكر الشيخ أحمد القطان أن والده كان مريضًا فذهب إلى المستشفى -والكويت فيها مستشفيات تنصيرية منذ القديم - قال فقابله طبيب هندى أو باكستاني مسلم، فأخبره بعلته ومدة علاجه وقيمة التطبيب والعلاج، فقال والد الشيخ القطان للطبيب: ليس لدى مال. فهنا تركه الطبيب المسلم

وتلقفه طبيب نصراني بالمستشفى فعالجه واعتنى به حتى شفاه الله وعافاه، قال القطان: فمال أبي  عن أهل الخير والإسلام! وحاولت وحاولت ولكن لم ينفع ذلك أبدًا. فلما كبر سنه ومرض واعتنيت به عناية تامة حتى كان -أكرمكم الله- يقضي حاجته في يدي! عندها بدأ يعي ويفيق من غفلته حتى أحب أهل الإسلام وختم الله له بخاتمة طيبة!.

وفي قصة يوسف – عليه السلام – وهو في السجن عبرة فهو عليه السلام أحسن إلى السجناء ولهذا استمعوا إلى دعوته وأنصتوا إلى كلامه حتى قالوا له :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36].

الإحسان إلى الناس يتنوع فهذا بمساعدته في حمل حقيبة كبيرة، وآخر في دلالته على الطريق، وثالث بالكلمة الطيبة، ورابع وخامس...

وقضية القدوة أمرها عظيم، ذهب أحد الدعاة من الرياض إلى لبنان ولما عاد سألته: كيف رحلتك فأثنى عليها خيرًا وبعد حين جاء داعية لبناني فسألني عن الداعية السابق وما هى أخباره وأحواله. وقال: هذا له موقف لن ننساه، أتى إلينا عشرات الدعاة من المملكة لكن هذا الداعية سطر موقفًا عظيمًا! أعددت له محاضرة لإلقائها على النساء فوافق، ولما أتى إلى مكان المحاضرة فإذا به وجهًا لوجه أمام النساء قال: لا أدخل بهذا الشكل، اجعلوا حاجزًا بيننا، قلنا هذا ليس بالأمر السهل، فرفض، وبقينا نحن وإياه فترة ولما عزمنا عليه دخل وأدار كرسيه وجعل ظهره إلى النساء وألقى محاضرته, فوالله لقد أثر هذا الموقف تأثيرًا بليغًا في نفوسنا جميعًا, بل أثنت النساء عليه وشكرنه!

******


 بعض وسائل الدعوة

لا يزال الكتاب يشكل مع الشريط الإسلامي منهلاً عذبًا للدعوة إلى الله – عز وجل – بل هما فتح من الفتوح خاصة مع توفر الكتب وتنوعها وجمال إخراجها وقلة أسعارها.

ومن الوسائل في مجال الكتب: التواصل مع دور النشر الإسلامية لإقامة المعارض المصغرة لمدة ثلاثة أيام مثلاً في المستشفى يكون جزء من الريع عائدًا لمصلحة الدعوة وكذلك التواصل مع التسجيلات الإسلامية إما بإيجاد مقر صغير لها أو بإقامة معارض أو بعمل اشتراكات شهرية للموظفين والموظفات ومدهم بالجديد, وأحسب أن الجميع يعلم دور مكاتب الجاليات في تفعيل وإيصال الدعوة لغير المسلمين في المستشفيات وهم يسرون بدعوتهم للمستشفيات ويفرحون بذلك.

 من وسائل الدعوة: الاستفادة من حالة المريض والمريضة:

ومثال ذلك: أطباء الأمراض الجلدية والتناسلية تمر عليهم حالات مرضية سببها علاقات محرمة, وقد يتغافلون عن الجانب الدعوي في هذا الموطن, فيصرف للمريض الدواء الحسي وينسى الدواء المعنوي.         

 من وسائل الدعوة : معرفة حالة المريض:

بعض المرضى لا يصلي ويأتي للعلاج من علة بدنية ويعلم منه الطبيب ذلك خاصة الطبيب النفسي مثلاً ويقصر في توجيهه فيحرم من هذا الخير العظيم – أعني الدعوة إلى الله – بل وقد يكون هذا المريض من خصماء الطبيب يوم القيامة لأنه لم يدله على الخير وما نصحه وأرشده.

بعض المريضات يتكشفن أمام الطبيب وهو لا يبالي بهذا الأمر وتجده يسأل ويدقق ومع ذلك لا يأمرها بالحجاب وستر الوجه والاحتشام. وأذكر هنا أن طبيب أطفال حدثني قائلا: أتتني أمُّ مع طفلها الصغير فلما استوت على الكرسي كشفت عن وجهها, فقلت متعجبًا من المريض , قالت طفلي! فقلت لها: لماذا إذا تكشفين, اتقي الله؟

أعني من وسائل الدعوة الاستفادة من المكان وحاجة الناس وذلك بتوجيههم إلى الخير ودلالتهم عليه.

 من أعظم وسائل الدعوة التي تعين على استمرارها: توثيق الأعمال الدعوية وبثها ونشرها بين الأطباء:

وما أسطره لكم اليوم إلا من جمع ذلك الشتات المتفرق في أماكن كثيرة, ويظهر أن أقرب طريق لجمع تلك الوسائل بثها عبر شبكة الإنترنت وحفظها وتجميعها وطرحها وأقترح أن يتولى بعض الأطباء فتح موقع دعوي خاص بالمستشفيات يتم فيه النقاش وطرح الأفكار وتبادلها. وأتمم الاقتراح بأن تتولى مؤسسة خيرية أو مكتب جاليات أو مجموعة أطباء إيجاد هذا الموقع.

من وسائل الدعوة: إبعاد أخواتنا الفاضلات من الطبيبات والصيدلانيات عن مواطن الفتن والشبه:

ومن ذلك مثلاً عدم تكليفهن بدوام مسائى متأخر سواء في الصيدلية أو فى المستشفى، ومن ذلك إيجاد ساتر بين الرجال والنساء فى الصيدلية، وهناك الكثير ممن يلقى عصا الترحال في مكان واحد لمدة أعوام متتالية!

من وسائل الدعوة الشخصية: أن يعلم الطبيب ببعض الأحكام الشرعية التي يراها يوميًا لدى المرضى:

مثل كيفية التيمم والصلاة، وإزالة النجاسة وغيرها ومما يعين على ذلك أذكر لمن لم يجد الوقت الكافي للاطلاع على كتاب الأحكام والفتاوى الشرعية لكثير من المسائل الطبية، "كتاب الطبيب وآدابه وفقهه"، وكتاب "الفتاوى الشرعية في المسائل الطبية".

وبحمد الله افتتحت إدارة الشئون الدينية بوزارة الصحة وحبذا لو تم التواصل معها بوضع استراتيجية للدعوة إلى الله تنقسم إلى طويلة الأجل، ومتوسطة وقصيرة، وتصور وتراجع بين الحين والآخر، مع الحرص على أن لا تترك هذه الإدارة لوحدها خاصة وهي حديثة العهد دون سند ومعين، قد ينفع الله باقتراح واحد تجد ثمرته لعشر سنوات أو أكثر وفي تعميم الخير ونشره عبر هذه الإدارة خير كثير.

من وسائل الدعوة إلى الله: تفعيل القرارات والتعاميم الصادرة: سواء ما كان من مجلس الوزراء أو من وزارة الصحة أو في إدارة المستشفى والاستفادة منها في الدعوة إلى الله.

وهناك تعاميم تؤكد على التزام الزى الشرعي والحجاب للطبيبات والممرضات. هناك تعاميم تؤكد على منع التدخين داخل المستشفيات، هناك تعاميم تمنع الاختلاط، هناك تعاميم تحث على وجوب الصلاة الجماعة. ولو فرغ أحد الإخوة لمراجعة هذه التعاميم ونشر ما يخص الدعوة وتوزيعه على إدارة المستشفيات لكان في ذلك الخير الكثير. فإن عثمان t يقول «إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن». مع ملاحظة أن تكون بعض التعاميم باللغة النجليزية حتى يلتزم بها الأطباء والممرضات ممن لا يحسنون اللغة العربية.

******


وقفة

أنطلق بكم في استراحة دعوية لنرى كيف كان - صلى الله عليه وسلم - يرفق بأمته! ها هو - صلى الله عليه وسلم - يأتي إلى امرأة عجوز مقعدة فيقم لها بيتها ويحلب شاتها ويطعمها، ولما توفي - صلى الله عليه وسلم - قام بذلك أبو بكر t فأتى عمر t وقال للمرأة ماذا يصنع الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يقم بيتى ويحلب شاتي ويطعمني فبكى عمر وقال: قد أتبعت الدخلاء من بعدك!

وهذا سبط النبي - صلى الله عليه وسلم - من تربى في دوحة النبوة ونهل من معينها كان علي بن الحسن t يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يقسمها على فقراء المدينة! فلما مات وجدوا سواداً في ظهره من حمل تلك الأكياس الثقيلة.

****


 من وسائل الدعوة تنمية الحس الدعوي لدى الأطباء

وذلك باللقاءات الدورية بين العاملين في المجال الطبي فإن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وهذا من أبواب التواصي التي أمر الله – عز وجل – بها، وبالإمكان ترتيب دورية شهرية للعاملين وأخرى للعاملات تناقش فيها الأمور الطبية والدعوية وتتفقد فيها الأحوال.

أخي الكريم:

لابد للطبيب الداعية أن يحفظ جملة من أحاديث الصبر لأن مواطن الصبر ظاهرة في المستشفيات فهى تسلي المريض وتقربه إلى طبيبه وتزيل الحواجز وتنفعه في الدنيا والآخرة! ومن هذه الأحاديث:

·                        عن ابن مسعود t قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها»[رواه مسلم]

·                        وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله –تعالى- وما عليه خطيئة» [رواه الترمذي].

·                        ودخل - صلى الله عليه وسلم - على أم السائب، فقال: «ما لك يا أم السائب تزفزفين؟ »، قالت الحمى لا بارك الله فيها، فقال: «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خبث الحديد» [رواه مسلم].

·                        قال ابن أبي الدنيا: «كانوا يرجون في حُمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب».

****


 من وسائل الدعوة: الهدية

من أسرع وسائل كسب القلوب الهدية سواء قلت قيمتها المادية أو كثرت، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «تهادوا فإن الهدية تذهب حر الصدور» [رواه الترمذي].

وقال - صلى الله عليه وسلم - مبيناً أثر الهدية وموقفها في النفوس وأثرها: «تهادوا تحابوا» [رواه البخاري فى الأدب المفرد].

وكان - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ويثيب عليها حتي وإن كانت شيئاً يسيراً.

قال - صلى الله عليه وسلم - «لو أهدي إليَّ كراع لقبلت، ولو دعيت علية لأجبت» [رواه أحمد].

وقبل - صلى الله عليه وسلم - هدية الكفار؛ فقبل هدية كسرى وقيصر والمقوقس كما أهدى - صلى الله عليه وسلم - الهدايا والهبات للكفار رغبة في تأليف قلوبهم ودلالتهم على الخير.

أما موقع الهدية فى النفوس وفتح القلوب فإنه واضح جلي، هذا صفوان بن أمية يقول: (لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلىَّ).

وخير ما يُهدى للشخص المسلم، ما كانت إليه حاجة وهو إليها متطلع ويفرح بقدومها عليه.

ومن أنواع الهدايا اليسيرة المبالغ والسهلة الحمل السواك مثلاً، هذا في جانب المرضى وفي جانب الزملاء إهداء اشتراك في مجلة إسلامية أو شريط إسلامي أو غير ذلك ويوجد لدى دار القاسم علبة بسكوتية جميلة بها مجموعة من الكتيبات باسم «أبشر أيها المريض».

من وسائل الدعوة وواجباتها: الصفح وعدم الحقد: قد تمر بالإنسان مواقف يختزلها في ذاكرته من سوء استقبال أو كلمة جارحة أو موقف يصطدم به أو موقف يحرج فيه! والمسلم طبعه العفو والصفح.. قال عز وجل ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].

وأثنى الله عز وجل على أمة من الأخيار فقال تعالى﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[آل عمران: 134].

فهذه منازل تجعل المؤمن يتنازل عن حقوق له ويعفو عمن أساء إليه لتدوم المحبة وتبقى الألفة. والآية تشمل على أربع قواعد في التعامل مع الناس:

فأولها: أخذ العفو.

وثانيها: الأمر بالمعروف.

وثالثها: الإعراض عن الجاهلين.

ورابعها: الاستعاذة بالله من نزع الشيطان.

وقد روي عن جعفر الصادق أنه قال: «ليس فى القرآن أية أجمع لمكارم الأخلاق منها».

والمسلم -ولله الحمد- يتوضأ كل يوم خمس مرات ومن حق المسلمين عليه أن يغسل قلبه مرة كل يوم من الأحقاد والضغائن والحقد والكره!.

وهو كل يوم يفتح صفحة جديدة ليقابل من يراه بابتسامة وترحاب وكأن شيئاً لم يكن؛ فالمؤمنون إخوة متحابون ومن ذا الذي لا يزل ولا يخطئ؟! وفي الصفح وعدم الحقد فتح للقلوب وكسب للنفوس وراحة للفكر.

من وسائل الدعوة: الابتسامة من الرجل للرجل ومن المرأة للمرأة: من أسهل وأسرع وسائل فتح القلوب: الابتسامة الصادقة التي يشعر فيها الشخص المقابل بمدى حبك وحنانك وشفقتك، ويظهر فيها أيضاً مدى ارتياحك وسرورك بشخصه.

والابتسامة مع قلة تكلفتها إلا أنها لا ترى بكثرة على وجوه الأطباء.. مع أنها من أبواب الدعوة وهي صدقة ومعروف.

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلْق»[رواه مسلم].

والوجه الطليق؛ هو الذي تعلوه الابتسامة ويظهر على محياه البشاشة والسرور.. قال عبدالله بن الحارث: «ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»[رواه أحمد].

وقال جرير بن عبدالله t «ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم»[رواه البخاري].

وهذا التبسم وحسن المعشر ولطف المقابلة دفع بعمرو بن العاص t إلى الظن أنه أحب الناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبادر بسؤاله فقال: أي الناس أحب إليك ؟ قال: «عائشة» فقلت: من الرجال؟ فقال:«أبوها»[رواه البخاري].

فالابتسامة من أوسع أبواب الدعوة وسهم صائب في صيد القلوب وجذبها إلى سماع الدعوة والإنصات إلى كلمات الداعية.. وهي مع هذه الأهمية أقل الوسائل تكلفة وأسهلها تطبيقاً وأسرعها نفاذاً!.

ولا يعتذر بأن بيئتنا صحراوية وعلى هذا نشأنا، وإنا وجدنا آبائنا على أمة.

بل الأولى أن نتبع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ونقتفي أثره وترانا بخير ذلك إذا رأينا أخاً أو صديقاً فما بال عامة المسلمين يحرمون من طيب المعشر!

من الوسائل التي تقرب القلوب: إفشاء السلام: السلام سنة قديمة منذ عهد آدم –عليه السلام- إلى قيام الساعة وهي تحية أهل الجنة.﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾[يونس: 10].

وهي من سنن الأنبياء. وطبع الأتقياء، وديدن الأصفياء، وفي هذه الأيام أصبح بين المسلمين وحشة ظاهرة وفرقة واضحة! فترى أحدهم يمر بجوار أخيه المسلم ولا يلقي عليه تحية الإسلام. والبعض يلقي السلام على من يعرف فقط، وآخرون يتعجبون أن يلقي عليهم السلام من أناس لا يعرفونهم! حتى استنكر أحدهم على من ألقى عليه السلام وقال متسائلاً: هل تعرفني؟!

وهذا كله من مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى تباعدت القلوب، وكثرت الجفوة، وزادت الفرقة، يقول - صلى الله عليه وسلم -:«لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [رواه مسلم].

وفي الحديث المتفق عليه أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف».

وفى هذا حثٌ على إشاعة السلام بين المسلمين، وأنه ليس مقتصراً على معارفك وأصحابك فحسب! بل للمسلمين جميعاً.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يغدو إلى السوق ويقول: «إنما نغدو من أجل السلام، فنسلم على من لقيناه».

والسلام يدل على تواضع المسلم ومحبته لغيره، وينبئ عن نزاهة قلبه من الحسد والحقد والبغض والكبر والاحتكار، وهو من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، ومن أسباب حصول التعارف والألفة وزيادة المودة والمحبة وهو من أسباب تحصيل الحسنات ودخول الجنات، وفي إشاعته إحياء لسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

قال - صلى الله عليه وسلم - :«خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز». [رواه مسلم].

·                        ومن آداب السلام والمصافحة وبسط اليد: قال - صلى الله عليه وسلم - «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» [رواه أبو داود والترمذي].

·                        ومن حسن آداب المصافحة، ما قاله أنس t : «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع.....» [رواه الترمذي].

وإشاعة السلام تكسب الإنسان محبة وتقديراً لدى الآخرين ويصبح الحديث مقبولاً بعد إلقاء السلام وفتح القلوب والنبي - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى إفشاء السلام وليس لإلقائه لما في الإشاعة من الكثرة وعدم التحديد.

قال الشاعر:

قد يمكث الناس دهراً ليس بينهم

ودٌّ فيزرعه التسليم واللطفُ

 من وسائل الدعوة: إنزال الناس منازلهم:

لابد من معرفة أحوال الناس ومكانتهم في أهلهم ومجتمعاتهم، إما من الناحية الدينية أو العلمية ومعرفة أصحاب الجاه والنفوذ والمال أو غيرها، لكي يكون لهم إكراماً يليق بما يحملون من دين وورع وتقى أو جاه ومنصب رغبة في تأليف قلوبهم لسماع كلمة الحق، فإن ذلك أدعى إلى تقريب قلوبهم وامتلاكها.هذا موقف للنبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه أحد الصحابة t قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بعض بيوته، فدخل عليه أصحابه حتى غص المجلس وامتلأ، فجاء جرير بن عبدالله البجلي t فلم يجد مكاناً فقعد على الباب، فلفَّ رسول الله رداءه فألقاه إليه وقال له: «اجلس على هذا» فأخذه جرير ورفعه على وجهه، وجعل يقبله ويبكي، ثم لفه ورمى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ما كنت لأجلس على ثوبك، أكرمك الله كما أكرمتني، فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - يميناً وشمالاً ثم قال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» [رواه الحاكم].

وقال - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: «ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» [أخرجه مسلم].

وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حسن توجيه: «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبه المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» [رواه أبو داود].

وفى دعوة أصحاب النفوذ والجاه والمال والمنصب فتح لدعوة قومهم وأقاربهم وأصحابهم، فما ظنك إذا فتح الله لك قلب رئيس قبيلة أو شيخ قرية فإن البقية يتبعون كخرز المسبحة!

وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يولي هذا الجانب اعتباراً وعناية ومن ذلك مكاتبته للملوك ودعوتهم للإسلام، كذلك حرصه - صلى الله عليه وسلم - على إيمان نفر من المشركين أكثر من غيرهم، وعنايته بدعوتهم وخصهم بالدعاء: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب» [رواه أحمد].

وأذكر أن بعض الدعاة ممن أسلم على يديه أعداد كبيرة من الوثنين في أفريقيا أنه كان يذهب بثياب «الدفه» معه إلى أفريقيا ويهديها إلى رئيس القبيلة ثم يعلن الإسلام فيفتح الله على يديه وتسلم القرية أو القبيلة عن بكرة أبيها.

 من وسائل الدعوة: الدعاء للمرضى بالشفاء العاجل:

يقول أحد الذين منَّ الله عليهم بالهداية، وكان لاعب كرة قدم (حارس مرمى): رأيت أحد الدعاة بعد أن اهتديت فدعا لي بصوت مرتفع: «اللهم اجعله حارساً لهذا الدين».. يقول الشاب: فما زالت تلك الدعوة تعاودني وتهز قلبي إلى اليوم.

وآخر من الدعاة ديدنه إذا رآك رحب وبش وهش لك ثم انطلق يدعو: اللهم اغفر له، اللهم ارفع درجته اللهم أصلح ذريته، اللهم ثبته على الدين، اللهم انفع به الإسلام، وهكذا حتى ينفذ إلى قلب المدعو.

ومن أنجح وأنفع الأسباب لفتح القلوب، الدعاء بظهر الغيب بالهداية والتوفيق لمن تخصه بالدعوة، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - «اللهم اهد دوساً، اللهم اهد أم أبي هريرة».

والمريض ينتظر منك دواءً مادياً فإذا بك قد جمعت له بين الدواء والدعاء فتقر عينه ويسعد برؤيتك.

 من وسائل الدعوة: الرفق:

من الوسائل التي نرى أثرها العظيم في دعوة الناس الرفق بهم وتلمس الأعذار لهم وعدم التشنيع عليهم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله» [متفق عليه].

وقد مدح الله عز وجل نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بأنه رحمة للمؤمنين رحيماً بهم ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 159].

و أمثلة الرفق في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرة جداً منها قصة الرجل الذي بال في المسجد وكذلك الشاب الذي استأذن النبي  - صلى الله عليه وسلم - في الزنا، وغيرها كثير.

ويتأكد الرفق واللين عند تعليم الجاهل وتذكير الناس والتنبيه على الأخطاء. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول حينًا: «ما بال أقوام» ولم يُسمَّ الأشخاص.

 من وسائل الدعوة: حفظ الأسرار:

من جعله الله قبلة للناس يداويهم ويعالجهم فإنهم يفتحون قلوبهم له، ويخرجون أسرارهم لمشاورته. وبهذا يكون لديه أسرار كثيرة مودعة عنده، هي بمثابة الأمانات، وقد يجهل البعض حسن التصرف في مواقف معينة. ولذا يجب دفن هذه الأسرار وعدم البوح بها فإن من تاب تاب الله عليه. وقد تمر مواقف يحتار الداعية فيها، وينطق لسانه بما استودع وبهذا يهتك ستر المسلمين ويبيح بأسرارهم.

والبعض يتفاخر بذلك ويرى أن هذا الإعلان بمثابة إظهار لمحبة الناس له ومشاورتهم له وكيف هي مكانته عندهم والعياذ بالله.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ومن ستر مسلمًا ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة» [رواه مسلم].

قال أبو بكر t «لو وجدت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقًا لأحببت أن يستره الله».

وعن الشعبي –رحمه الله-: «أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب t فقال: إن لي ابنة كنت وأدتها في الجاهلية، فاستخرجناها قبل أن تموت، فأدركت معنا الإسلام فأسلمت، فلما أسلمت أصابها حد من حدود الله، فأخذت الشفرة لتذبح نفسها فأدركناها. وقد قطعت بعض أوداجها، فداويناها حتى برئت، ثم أقبلت بعد بتوبة حسنة، وهي تُخطب إلى قوم، فأخبرهم من شأنها؟ بالذي كان، فقال عمر t :«أتعمد إلى ما ستر الله فتبديه؟! والله لئن أخبرت بشأنها أحداً من الناس لأجعلنك نكالاً لأهل الأمصار، بل أنكحها نكاح العفيفة المسلمة».

فيا أيها الطبيب اكسب القلوب بما أمر الله به -عز وجل- من الستر وعدم استغلال الأسرار والخبايا التي لديك ولا تنفر الآخرين من الدعوة لأن الكثير يعلم أن مصير سره لديك مثل مصير أسرار أولئك وهو التشنيع والفضيحة.

وأحذر من خيانة الأمانة، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهو أمانة» [رواه أبو داود].

 من وسائل الدعوة: حث الناس على المشاركة:

الكثير من الأطباء يتمنى المشاركة في أعمال الخير لكنه يفقد الثقة أو الدلالة على الطريق. ومن هذا الباب يستطيع الطبيب الموفق كسب القلوب في كل مجال.

إذا عرضت مسألة يضع الثقة في فلان الذي سوف يأتيكم بها كاملة مستوفية! وهكذا يحرك الطبيب من حوله دون شطط ولا إرهاق؛ بل بشكل متدرج ميسور.

أيضاً من حث الناس على المشاركة، تكليف أحدهم إعداد برنامج للرحلة القادمة مثلاً، أو تجهيز أسماء الكتب المقترحة، أو القيام بتنظيم الحفل، وهكذا.

من وسائل فتح القلوب الإشارة إلى أعمال المنتجين وعدم نسبتها إلى النفس -والعياذ بالله-؛ بل لابد من إشعار كل منتج بعمله وثمرة جهده حثّاً له وتشجيعاً.

فيا ترى من أحق منا بذلك هم أم نحن أصحاب هذا الدين العظيم الذي اتخذ التواضع ديانة لا خدعة؟!

وأذكر هنا أيضاً أن أحد الدعاة المعروفين بكسب القلوب قد لقي أحد الشباب وكان فى بداية توجهه، وقد قدم خدمة للشيخ الداعية فما أن رآه الداعية الموفق حتى قال له: ما هذا؟ وأشار إلى إزار في صدره فخفض الشاب رأسه ليرى ماذا يقصد الشيخ عندها قبَّل الشيخ رأس الشاب وكان في وضع يسمح له بذلك وإلا لما وافق مطلقاً! فأنظر إلى آثار تلك القبلة على رأس الشاب وكيف بقيت، وأخذ يرددها عند الخاصة تعجبًا ومحبة للشيخ! ووالله ما نقص من الشيخ شيئاً؛ بل زاد قدره وارتفعت منزلته!.


النفس القصير

يعتري بعض الدعاة صائدي القلوب الداعين إلى الخير بعض الكسل ويتسرب إلى نفوسهم الضعف واليأس، فبعضهم ينطبق عليه مسمى «صاحب النفس القصير» في الدعوة إلى الله. فتراه إن تبسم مرة وثانية ولم ير أثراً توقف، وإن أهدى مرة وتبعها بأخرى ولم ير تغيراً بدأ الياس يدب إلى قلبه! ولهذا فشل كثير من الدعاة في أوساط البيوت والأسر والمعارف لقلة الصبر وقصر النفس.

أليس في دعوة نوح –عليه السلام- مدعاة إلى للتأمل:﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾[العنكبوت: 14].

وفى تنوع الوسائل والأماكن ما فيه عبرة ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: 5-9].


 من وسائل الدعوة أن تكون مستمعًا جيداً

الاستئثار بالحديث صفة غير مقبولة. ومشاركة الحضور للمجلس وطرح الأفكار علامة على رفعة الشخص وحسن أدبه، وفى صفة الإنصات وحسن الاستماع دلالة على رجاحة العقل وتمامه، وتقدير الآخرين وهو من مفاتيح القلوب وسلب محبة النفوس.. والناس اليوم يحبون من يستمع إليهم لكثرة حديثهم ومشاكلهم، فتراهم ينثرون خبايا الصدور ومكنون النفوس لأقرب مستمع وأدنى صاحب.

قال أبو الدرداء t «أنصف أذنيك من فيك، فإنما جُعل للإنسان أذنان وفم واحد».

لنسمع أكثر مما نقول... ولهذا تجنب المقاطعة أو التعليق الغير مهم أثناء حديث محدثك، بل أظهر حسن الاستماع والإصغاء وإذا انتهى فاطرح رأيك وملاحظاتك بأدب ورفق.

يقول عطاء بن رباح: «إن الرجل ليحدثني بالحديث فأصمت له، كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد».

وحسن الاستماع والإنصات باب واسع لفتح القلوب ومحبة النفوس خاصة حال بث الهموم والغموم!

وهذا ليس للمرضى فحسب بل للزملاء بل وللزوجة والأبناء.


 من وسائل كسب القلوب: التواضع:

الكبر صفة مذمومة وخصلة دنيئة، وقد ذمَّ الله –عز وجل- أهل الكبر وتوعدهم بنار جهنم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» [رواه مسلم]، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - رأس المتواضعين وعلم على الرأفة واللين.

عن أنس بن مالك t قال: إن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: إن لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك» [رواه أبو داود].

والتواضع من مفاتيح القلوب خاصة لمن كانت له حاجة أو طلب، فالاستماع إليه والتبسط معه وإظهار التعامل مع مشكلته وإجابة دعوته والسعي لإنهاء مشكلته كلها مفاتيح للقلوب نسيها الكثير!ومن التوصيات التي تكتب لرؤساء الدول حين الانتخابات: النزول إلى الأحياء الفقيرة ومخالطة الناس وإظهار التواضع لكسب أصواتهم ليست سياسية!

من أنجح وسائل الدعوة: بث التفاؤل في النفوس:

أرأيتم كيف كان - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الأحزاب وقد بلغت القلوب الحناجر وزلزل المؤمنون زلزالاً شديداً. ومع هذا كان - صلى الله عليه وسلم - يبعث الأمل فى نفوس المسلمين ويبشرهم بسواري قيصر وكسرى!

من وسائل الدعوة: إدراج المفاهيم الشرعية أثناء التعامل مع المريض: مثل القضاء والقدر، الرقية الشرعية على المريض خاصة من حالته النفسية في ضعف، الحث على الصبر والاحتساب والتوكل على الله، أمر المريض مثلاً بصلاة الاستخارة قبل العملية وهكذا..

من وسائل الدعوة - وهذا مهم في هذا الزمن .. تحصين النفس والبعد عن الفتن:

فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من استشرف لها –أي الفتن- استشرفته» [رواه ابن حبان في صحيحه].

   ومن أنواع الفتن في هذه الأزمنة ما يلقى في القنوات الفضائية من الشبه والعياذ بالله.  وقد رأى النبي  - صلى الله عليه وسلم - مع عمر بن الخطاب t ألواحًا من التوراة فغضب - صلى الله عليه وسلم - وقال : «لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا اتباعي».

وكان سفيان الثوري يجعل أصبعه في أذنيه إذا أتاه صاحب بدعة! أما الإمام النووي فقد قال: أدخلت كتب ابن سينا إلى بيتي فأظلم قلبي فأخرجتها!

من وسائل الدعوة عموماً: النصيحة بين المسلمين:

أمرها عظيم وفائدتها كبيرة, وهي أعظم هدية تقدم وأسهل طريقة للنجاة, قال - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة» قلنا: لمن ؟ قال: «لله, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين , وعامتهم»[رواه مسلم].

قال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن عظيمٌ.

وذكر محمد بن أسلم: أنه أحد أرباع الدين. ووسائل المناصحة في هذا الزمن كثيرة منها المراسلة والمهاتفة وغيرها.

ولهذا فإن من وسائل الدعوة شرح الأفكار الدعوية على إدارة المستشفيات وربما على الوزارة, وربما رفعها لجهات أعلى.

وأذكر هنا قصة مكاتب الجاليات وأثر طرح الأفكار والاقتراحات وأن لا تبقى حبيسة الرءوس فقط! فقد ذكر أحد المشايخ الفضلاء وكان يعمل في دار الإفتاء قال: أتاني ذات يوم رجل سلم وجلس وقال: لماذا لا يفتح مكتب لهذه الجاليات الوافدة, يأتون إلينا ولا يجدون من يدعوهم أو يعطيهم كتاباً أو يدلهم على الإسلام. قال: ألقى تلك الكلمات ثم ذهب وبدأت الكلمات والأفكار تجول في رأسي حتى استقر الأمر وطرحت الفكرة على الشيخ عبدالعزيز بن باز- رحمه الله – فوافق وفتح أول مكتب جاليات في المملكة. واليوم ولله الحمد يوجد أكثر من مائة وعشرين مكتباً. ولا نعرف الرجل الذى طرح الفكرة. لكن له من الأجور ما الله به عليم.

واقتراح سلمان الفارسي للنبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الأحزاب بحفر الخندق من جملة الآراء التي نفع الله بها الإسلام, وكانت سبباً لحماية المدينة في حينها.

من وسائل الدعوة: كسب القلوب:

ها هو الأخ الحبيب قد أقبل: الرحمة تجري في قلبه وبين جوارحه..تُذرف الدَّمعة من عينيه، وتنفق يده, ويلين لسانه، ويعذب كلامه, قال - صلى الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن, ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»[رواه الترمذي].

قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس, وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم, تكشف عنه كربة, أو تقضي عنه ديناً, أو تطرد عنه جوعًا, ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته حتى تقضى أحب إليَّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا... » إلى أن قال: «ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له, ثبَّت الله قدمه يوم تزول الأقدام» [حسنه الألباني في الجامع].

من وسائل الدعوة: البعد عن الكبر والخيلاء:

وحسبك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «بينما رجل يمشي في حُلَّةٍ, تعجبه نفسه, مرجَّلٌ رأسه, يختال في مشيته, إذ خسف الله به, فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة»«متفق عليه»

قال شيخ الإسلام «التكبر شر من الشرك فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى, والمشرك يعبد الله وغيره».

وأسوق قول الإمام يحيى بن معين: «ما رأيت مثل أحمد بن حنبل – رحمه الله -, صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه في الصلاح والخير », وكان–رحمه الله – يقول: «نحن قوم مساكين».

تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة

فإن رفيع القوم من يتواضعُ

وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما عند قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:18]قال: «لا تتكبر فتحقر عباد الله, وتعرض عنهم إذا كلموك». وقد كان في سيرته - صلى الله عليه وسلم - نماذج ومواقف رائعة. فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يمر على الصبيان فيسلم عليهم وكانت الأمة تأخذ بيده - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت, وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أكل لعق أصابعه الثلاثة, وكان - صلى الله عليه وسلم - يكون في بيته في خدمة أهله.

وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم - : «اللّهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً, واحشرني في زمرة المساكين».

من وسائل الدعوة: التواصل مع الإدارة العليا في المستشفى: وذلك بإنشاء علاقات متميزة ليس للهوى وحظ النفس نصيب حتى تثمر ويظهر فيها الصدق, وبعض إدارات المستشفيات بينها وبين بعض الأطباء انفصام وتنافر وهذا لا يخدم الدعوة بل تتعطل الأطروحات والمشاريع الدعوية وقد تتوقف وتكبر الفجوة.

من وسائل الدعوة إلى الله: عرض المشاريع ذات الطابع الإسلامي على التجار وترغيبهم في القيام بها:

فمثلاً ما يستر المريض في غرفة العمليات ليس بذلك اللباس الساتر وعند غرفة الأشعة كذلك, فلو طرحت حلول لألبسة تستر المريض ودعي التجار إلى استثمارها لكان في ذلك الخير الكثير. وقس على ذلك ما يراه الأطباء ولا نراه نحن من مشاريع تؤسلم إن صح التعبير.

من أعظم ما يعين على السير في طريق الدعوة إلى الله – عز وجل -: الصبر:

وهو صبر والحمد لله نسبي, وإلا فتأملوا في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في من كان قبلنا يؤتى بالرجل فيقال له ارجع عن دينك فأن أبى نشر بالمنشار من مفرق رأسه حتى يقع شقاه لا يرده ذلك عن دينه »! هذا صبر, وحال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة صبر, قيل له ساحر ومجنون وأوذي وطرد من بلده واجتمعت عليه  العرب في حرب لا هوادة فيها وطعن في عرضه الشريف! صبره - صلى الله عليه وسلم - صبر طويل! بل هذا الإمام يحيى السهروي- رحمه الله- يقول: عرضت على السيف ست مرات لا يقال لي: ارجع عن دينك, بل يقال لي: اسكت عمن خالفك فأقول:لا!!وأنتم هل عرضتم على السيف – أسال الله أن لا يبتلينا! ,نحن والله وقعنا في فتنة عظيمة: فتنة الإكرام والتبجيل والاحترام! الصبر لدينا نسبي وهذه منَّة من الله – عز وجل – فقد رحم ضعفنا وعلم تقصيرنا! وما دامت الأبواب مفتوحة والخير باق في هذا البلد وهذه الأمة فلا عذر لأحد!

من وسائل الدعوة عامة وفي المستشفيات على وجه الخصوص: استثمار صناديق البريد لتوزيع الكتب والأشرطة والمطويات:

فالصناديق ملك شخصي وغالبًا يقرأ الشخص ما يصل إليه شخصيًا.. تجربة دار القاسم في برنامج القراءة بالمراسلة, تجربة فريدة وقد آتت ثمارها الدعوية, وأذكر أن أحد المتبرعين تبرع بعشرة اشتراكات لعشر طبيبات في أكبر المستشفيات, وقال: هؤلاء الطبيبات أقل الموظفات صلاحًا وتقى. وعليهن ملاحظات كثيرة, وكان من ضمن إرساليات برنامج القراءة بالمراسلة إرسال استبانة عن العاملين لدى المرسل إليه يوضح فيها ديانته ولغته وجنسيته حتى ترسل الدار لهن كتبًا بالمجان, فكان أن أرسل من تلك العشر يطلبن كتاباً لخدمهم! ومعنى ذلك أنهن تحولن إلى داعيات للخير.

محلات البيع داخل أروقة المستشفيات أماكن دعوية:

وهنا أمران: الأول منع بيع المحرمات في هذه المحلات كالمجلات الخليعة وغيرها ثم حثُّ أصحاب هذه المحلات على جلب الكتيبات النافعة والمجلات المفيدة لأن المريض غالبًا يبحث عن أى شيء يملأ فراغه على السرير.

من الوسائل الدعوية التي لها ارتباط مباشر بالمستشفيات: تفعيل العمل الدعوي في سكن المستشفى:

فإذا صلحت أسرة الطبيب صلح بإذن الله حاله, ولا شك أن لذلك وسائل كثيرة لا تغيب عن البال ولقرب السكن في بعض المستشفيات نرى أن ذلك يؤثر سلبًا على العملية الدعوية ولذا لابد من  القيام بإصلاحه وتفقد أحواله والسعي إلى توجيه الجهود في داخل السكن ومحيطه كالحدائق والمسابح والملاعب.

من وسائل الدعوة إلى الله – عز وجل -: المال:

وهو عصب الحياة, وقد تجد طبيبًا أو طبيبة يحب الله ورسوله ويرغب في خدمة الدين ويتمنى أن ترتفع راية لا إله إلا الله. لكنه ممسك غير منفق, له سنوات ما بذل ألف ريال للدعوة! أبو بكر – رضي الله عنه –أنفق ماله كله لهذا الدين, وعمر أنفق نصف ماله والقائمة في أسماء الصحابة طويلة!    

ذكر أحد العاملين في مكاتب توعية الجاليات أنه ذهب يوماً إلى أحد الفنادق وعندما دخل إلى صالة الفندق «وكان لديه موعد مسبق مع نزيلٍ في الفندق» قال: تأملت في المكان ورأيت أن أنتظر في الصالة, فوقعت عيني على رجل يوحي شكله بأنه من الفلبين فقلت: هذا رزق ساقه الله إليَّ لعله يسلم على يدي, قال: فجلست بجواره وبدأنا نتحدث وعلمت أنه مسلم فقلت الحمد لله. فأضاف إليَّ معلومات أخرى وقال الفليبيني: أنا أبني مسجداً هناك ووصلت إلى بناء السقف وأنتظر مدة حتى يتيسر الأمر, قال: ففهمت أنه يريد مالاً, فأدخلت يدي وأخرجت ورقة ريالات وكانت من فئة 500ريالٍ وكانت حديثة الصدور, ولما رأيت أنها من فئة الخمسمائة أردت أن أرجعها وأتاني الشيطان: قد يكون كاذبًا..ليس هناك مسجد.. لا تكن عاطفيًّا.. أين أوراق المسجد ومعلوماته؟ ولكني استحييت لما رأيت عينيه وقد وقعت على المبلغ فدفعته إليه, لكنه أعادها إليَّ وقال: أنا أبني المسجد بمالي ولا أريد أحدًا يشاركني فيه!.

ما يعين على القيام بأمور الدعوة: إبعاد الأعذار الواهية التي فيها قلة الإمكانات وقلة النصير وعدم الاستجابة:

موسى - عليه السلام – نبي مرسل ويعاني من صعوبة النطق، وما قال: لست بخطيب ولا أستطيع أن أعتلي المنابر ولم يتهرب والحجة قائمة لديه, بل عالج الأمر ﴿هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾[طه: 30 - 32].هذا أيضا داعية من الدعاة في التاريخ الكل يعرفه. الجدران سمكية والأبواب موصدة والأعين لا تنام والحراس تتعاقب عليه.

ومع ذلك دعا في السجن في ذلك المكان المظلم البعيد عن وسائل الدعوة: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[يوسف: 39].   

*******


احذر!

شرف عظيم ونعمة عظمى من الله – عز وجل – أن جعلك تخدم الإسلام واحمد الله أن يسر لك هذا الأمر.

ومما يبطء العمل وقد يوقفه أمور لا تخفى على فطن مثلك ومنها:

·                        احذر الكسل والفتور: فإنه يقعد عن العمل ويضيع الأوقات والفرص والمناسبات, وربما تحول إلى داء يستمر معك ولا يتركك.

·                        احذر الرياء والسمعة: فإنه يقتل العمل وقد يحبطه.

·                        تجنب حظوظ النفس: التي من أبرزها الأنانية ونسبة الأعمال إليك, وتقليل عمل من كان معك.

·                         تجنب التذمر والتشكي: فإن ذلك من أنواع المنة – والعياذ بالله -, بل كن صامتًا محتسبًا.

·                        إياك والانقطاع عن العمل:كثيرٌ يأخذه الحماس ليوم أو يومين لكنه بعد ذلك يتوقف, والعمل المستمر حتى وإن كان قليلاً فهو أدهى للاستمرار يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قلَّ».

تَجنَّب الحقد والحسد والكبر, وطهَّر قلبك: قال الغزالي: «والقلب بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم, ومحل استقرارهم , والصفات الرديئة مثل: الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها, كلاب نابحة فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب».

·                        ابتعد عن الاندفاع والعجلة: مَنْ عمل في المجال الدعوي يرى أن الساحة تحتاج إلى أضعاف الجهود المبذولة, وقد يدفع هذا بالبعض إلى التسرع والعجلة رغبة في تحصيل الخير وسد الثغرات. والعمل الدعوي يحتاج إلى الأناة وعدم العجلة والتريث وإعطاء الأوليات حقها.

ولذا كان التوقف هو داء الأدواء واحذر الأمراض, وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : «خير العمل أدومه وإن قلَّ» نبراس لمن أراد العمل.

وليكن الرفق حاديك ولصيقك فإنه أدعى للقبول, وقد كان الأنبياء – عليهم السلام – ديدنهم الرفق بأممهم والمجادلة بالتي هي أحسن استجابة لأمر الله تعالى وسعيًا نحو فتح القلوب, وقد أمر الله موسى وهارون – عليهما السلام – بالرفق بفرعون: ﴿اذْهَبَا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44,43].

وفي الحديث: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»[متفق عليه].

*احذر حُبَّ الرياسة والتصدر: فإنها مهلكة للنفس الضعيفة جالبة للرياء والسمعة, قال الفضيل بن عياض: «ما أحب أحد الرياسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال, ويكره أن يذكر الناس أحداً عنده بخير, ومن عشق الرياسة فقد تُودع من صلاحه».

ابتعد عن مواقف التهم: أنت في عين المجهر وتحت الأنظار, الحركة تحسب عليك والزلة تحط من قدرك ومن يتصيد الأخطاء كثير من الكفار والمنافقين ومن في قلوبهم مرض ؛ بل وبعض الأخيار بحسن نية أو بجهل.

روى البخاري في صحيحه أن أم المؤمنين صفية – رضي الله عنها –جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من شهر رمضان, فتحدثت عنده ساعة, ثم قامت تنقلب, فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يقلبها- أي يردها إلى منزلها – حتى إذا بلغت باب المسجد, مرَّ رجلان من الأنصار, فسلَّما على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما «على رَسْلِكما, إنما هي صفية بنت حيي», فقالا سبحان الله يا رسول الله, وكَبُر عليهما, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم , وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا ».

قال ابن حجر: وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان.

وقال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء, ومن يُقتدى به, فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم, وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم.

* احذر اليأس, وعليك بالتفاؤل وحسن الظن بالله – عز وجل -: فإن هذا باب لانشراح الصدر وزيادة العمل؛ في غزوة الأحزاب وقد بلغت القلوب الحناجر وزلزل المؤمنون زلزالاً شديداً في وسط هذا الجو المظلم والموضع الحرج يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة بسواري كسرى, حتى قال البعض: يذكر لنا سواري كسرى وأحدنا لا يستطيع أن يذهب ليقضي حاجته.

إنه بعث العمل وإشاعة التفاؤل في المجتمع وبين الناس وأثره واضح جلي.

*******


وقفات

* قال الشيخ عبدالرحمن السعدي –رحمه الله-: «ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين».

* قال ابن ضبارة: «إنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله تعالى أهون من الصبر على عذاب الله تعالى.. فاصبروا يا عباد الله على عمل لا غنى لكم عن ثوابه، واصبروا على عمل لا صبر لكم على عقابه».

* قال ابن القيم في الفوائد: «قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69] علق –سبحانه- الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا؛ فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فإنه من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد».

أخي الداعية:

سحائب الأجور ممطرة، ونوائل الخير قريبة، وأبواب الدعوة مشرعة، والرب جواد كريم، يجازي على القليل كثيراً، فمن شاء منكم أن يتقدم، ومن عمل صالحاً فلنفسه، وما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله، ومن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، وخير الناس أنفعهم للناس، ومن فرَّج عن مسلم كربةً من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، فأبشروا وأملوا، إن رحمة الله قريب من المحسنين.

جعلنا الله وإياكم من أهل  الدعوة إلى دينه، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.


 وسائل وأفكار للدعوة في المستشفيات([5])

1-إلقاء الكلمات الوعظية في المساجد والمصليات التابعة للمستشفى، والدروس العلمية، المحاضرات والندوات، واستقطاب أهل العلم والدعوة بين الحين والآخر.

2-إقامة الندوات العلمية الطبية التي تبين إعجاز الله في خلق الإنسان وأقرب من يتحدث عن هذا الجانب هو الطبيب.

3-تبصير الناس بالأمراض الناتجة عن معصية الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

4-زيارة المرضى والتخفيف من مصابهم، وتعليمهم ما يجهلون في فقه وأحكام المريض زيارة في الله دون زيارة الطبيب العملية.

5-الدعاء للمرضى بالشفاء في الخطب ونهاية المواعظ والدروس.

6-توزيع الكتب والمطويات والمجلات النافعة على المرضى.

7-توزيع المصاحف على المرضى أو أجزاء القرآن الكريم

8-إنشاء شبكة تلفزيونية داخلية في غرف المنومين، لعرض البرامج المفيدة والنافعة فيها.

9-إيجاد مكتبة علمية وصوتية في المستشفى بمختلف اللغات.

10-إيجاد مكتبة علمية وصوتية بلغات الجاليات.

11-إقامة دورات شرعية للأطباء والممرضين في الفقهين، الأكبر العقيدة، والأصغر الأحكام.

12-تقديم الهدايا النافعة للمرضى بعد شفائهم وبها كتيبات ومطويات دعوية.

13-توزيع فتاوى أهل العلم على المرضى.

14-إعداد اللوحات الحائطية في مصلى المستشفى أو في الاستراحات، وتجمل بالفوائد والنصائح والتوجيهات.

15-وضع لوحة الكترونية وكتابة عبارات دعوية موجهة فيها.

16-القدوة الصالحة والأخلاق الحسنة من الأطباء والممرضين في المعاملة من أبلغ ما يؤثر في الناس.

17-ربط قلوب المرضى من قبل الأطباء والممرضين، وتعليقها بالله-تعالى-، وأنه هو الشافى وحده.

18-الإعجاز العلمى من القرآن والسنة الصحيحة يفتح الله به قلوباً مغلقة.

19-التنسيق مع مراكز الدعوة وتوعية الجاليات في دعوة غير المسلمين.

20-استثمار أماكن الجلوس بوضع لوحات حائطية عن الحجاب مثلاً أو الصلاة أو دفع البلاء وغيرها.

21-تخصيص أنشطة ووسائل نسائية خاصة.

22-الدعوة الشخصية والمباشرة بالنصح والحوار البناء.

23-الرسائل: (البريدية، صندوق الأقسام أو البريد الالكتروني وغيرها).

24-الإهداءات المتفرقة (كتيبات، أشرطة، نشرات، مجلات) الهدايا طريق سهل وميسر للوصول إلى القلوب.

25-الدلالة على المواقع المفيدة في الشبكة العنكبوتية.

26-تنظيم المحاضرات، والكلمات والدروس.

27-الزيارات والرحلات المتنوعة: مثلاً في الإجازات، رحلات الحج والعمرة...

28-تنظيم مسابقات على بعض الكتيبات أو الأشرطة.

29-استغلال الدائرة التليفزيونية في المستشفيات.

30-تفعيل دور المسجد.

31-مصلى للنساء يكون مركزاً للتوعية...

32-تقديم الخدمات والمساعدات والسعي في حاجاتهم.

33-استقطاب الزملاء وزيادة البذل...

34-التنسيق مع طلبة العلم وأهل الخير لزيارة المرضى ونصحهم وتوجيههم.

35-هدايا المناسبات لغير المسلمين.

36-الرفوف الدعوية التوعوية وتفعيلها.

37-الاستفادة من صالات الانتظار وإحيائها.

38-دعوة غير المسلمين (عرب، أعاجم) وربطهم مع مكاتب توعية الجاليات.

39-التبرع والإنفاق والحث على ذلك.

40-الإنكار على المنكرات والأمر بالمعروف.

41-الثناء على من أحسن وشكره ومساندته ولو معنوياً.

42-إقامة تفطير الصائمين في رمضان وعرفة وعاشوراء يتخللها كلمات للجاليات أو توزيع.

****



([1]) من مقال للشيخ عبدالعزيز السدحان.

([2]) انظر: كتاب [آداب الشافعي ومناقبه] للرازي ص (321)

([3]) الأولى إطلاق كلمة النصرانية والنصارى.

([4]) نقلتها مختصرة من كتابي: ثمرات الدعوة إلى الله.

([5]) أخذت هذه الوسائل من عدة أماكن وتركتها دون تفصيل لوضوحها وسهولة تنفيذها.