رفقاء طريق

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد:

فإن الإسلام دين صفاء ونقاء وأخوة ومودة، يظهر ذلك جليًا في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

وقد اخترت للأخ القارئ نماذج من الرفقة الصالحة قولاً وفعلاً لأهميتها في عصرنا الحاضر اقتداء وتأسيًا.

وهذا هو الجزء الرابع عشر من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «رفقاء طريق».

أدعو الله عز وجل أن يعيننا على أداء حقوق الأخوة الصادقة وأن يجمعنا وأحبتنا تحت ظل عرشه إخوة متحابين.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم


 مدخل

إن الإنسان وهو يسير في هذه الدنيا ويقطع مراحل حياته فيها يحتاج إلى من يؤانسه في الطريق ويسلي وحدته في السفر.. ويكون له عونًا عند نزول الملمات والحوادث، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه... أصاب من الدين أوفره ومن الأدب أكثره... جمع الله له بين الدين والخلق.

إنه الأخ المسلم الناصح المشفق.. صاحب الخلق والدين.

ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة، ومهما طاب الثمر طابت الثمرة، وكيف وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع، قال الله تعالى مظهرًا عظيم منته على الخلق بنعمة الألفة: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾([1]). وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. أي بالألفة، ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال عز من قائل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾([2])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون»(*)([3])

أخي المسلم:

إن التحاب في الله والأخوة في دينه من أفضل القربات، وألطف ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون بالمتحابين في الله تعالى، وفيها حقوق بمراعاتها تصفو الأخوة عن شوائب الكدورات ونزعات الشيطان، فبالقيام بحقوقها يتقرب إلى الله زلفى، وبالمحافظة عليها تنال الدرجات العلى([4]).

واعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»([5]). ولابد أن يتميز الصاحب بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة.

ويطلب من الصحبة فوائد دينية ودنيوية:

أما الدنيوية، كالانتفاع بالمال أو الجاه أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة.

أما الدينية، فيجتمع فيها أيضًا أغراض مختلفة منها الاستفادة من العلم والعمل، ومنها الاستفادة من الجاه تحصنًا به عن إيذاء من يشوش القلب ويصد عن العبادة، ومنها استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة في المهمات فيكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال([6]).

أخي المسلم: ينبغي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلاً حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا([7]).

وقد أثنى جل وعلا على الصحبة الطيبة وجعلها سببًا لدخول الجنة..

قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي»([8])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه...»([9]).

بل ورفع الله عز وجل ذكر الكلب برفقته للصالحين فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾([10]).

إن الخليل هو المرآة التي تعكس صورتك للناس وتريهم من تكون... فالمرء على دين خليله، فلينظر المرء من يخالل.

قال أبو سليمان: قوله «المرء على دين خليله» معناه: لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه... ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًا في دينه ومذهبه([11]).

أنت في الناس تقاس

بمن اخترت خليلا

فاصحب الأخيار تعلو

وتنل ذكرًا جميلا

وانظر أخي المسلم إلى موقف الأخلاء من بعض يوم القيامة وهو أهم المواقف وأعظمها شأنًا، قال جل وعلا يصف حالتهم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾([12]).

* وفي وصف عجيب وتصوير دقيق للصحبة وأثرها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة»([13]).

وقال علي رضي الله عنه: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة، ألا تسمع قول أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾([14]).

وللأخوة حقوق قد ذكرها عطاء بن ميسرة بقوله: تعاهدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم([15]).

ولاشك أن لكل إنسان عيبًا وفي كل مخلوق نقصًا... من أولئك أيضًا من اخترتهم للصحبة واصطفيتهم للرفقة ولكن:

إن تجد عيبًا فسد الخللا

فجل من لا عيب فيه وعلا([16])

قال أبو علي الرباطي: صحبت عبد الله الرازي وكان يدخل البادية، فقال: علي أن تكون أنت الأمير أو أنا؟، فقلت: بل أنت، فقال: وعليك الطاعة، فقلت: نعم فأخذ مخلاة ووضع فيها الزاد وحملها على ظهره... فإذا قلت له أعطني، قال: ألست قلت: أنت الأمير، فعليك الطاعة، فأخذنا المطر ليلة فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه كساء وأنا جالس يمنع عني المطر... فكنت أقول مع نفسي: ليتني مت ولم أقل: أنت الأمير([17]).

أين أخي الحبيب هؤلاء من رفقة اليوم.. وصحبة هذا الزمن؟!

ولهذا قال المأمون: الإخوان ثلاثة: أحدهم: مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه، والآخر: مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت، والثالث: مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط.. ولكن العبد قد يبتلى به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع..

 وقد قيل: مثل جملة الناس كمثل الشجر والنبات.. فمنها ما له ظل وليس له ثمر وهو مثل الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة فإن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال ومنها ما له ثمر وليس له ظل وهو مثل الذي يصلح للآخرة دون الدنيا، ومنها ما له ثمر وظل جميعًا، ومنها ما ليس له واحد منهما كأم غيلان تمزق النبات ولا طعم فيها ولا شراب، ومثله من الحيوانات الفأرة والعقرب.

الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم لا

يستوون كما لا يستوي الشجر

هذا له ثمر حلو مذاقته

وذاك ليس له طعم ولا ثمر([18])

ولكن أخي الكريم عليك بحسن الاختيار... والحرص والتحري.. وانظر مع من تجتمع؟ وعلى ماذا تجتمع؟ وكيف تختار الأصدقاء؟! أهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فأعانوا على الطاعة الاستقامة والسير إلى الله أم هم أهل الضياع والضلال والخسران؟!

فإن الاجتماع بالإخوان قسمان:

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.

الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر، فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: إحداها: تزين بعضهم لبعض.

الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود، وبالجملة، فالاجتماع والخلطة لقاح إما للنفس الأمارة وإما للقلب والنفس المطمئنة، والنتيجة مستفادة من اللقاح، فمن طاب لقاحه طابت ثمرته، وهكذا الأرواح الطيبة لقاحها من الملك والخبيثة من الشيطان، وقد جعل الله سبحانه بحكمته الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات وعكس ذلك([19]).

قال أبو حاتم: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف، والكريم يجل الكرام، ولا يهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثرًا إخوانه على نفسه باذلاً ما ملك، إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها، وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة، وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء([20]).

وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا

ذا حياء وعفاف وكرم

قائلاً للشيء لا إن قلت لا

وإذا قلت نعم قال نعم([21])

وليست موافقة الصاحب مقصورة على الحياة فحسب بل إن نفع هذا الخليل يمتد إلى ما بعد ذلك وهو استمرار لهذه المحبة الصادقة والأخوة الظاهرة فقد كان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح؟ أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون مما خلفت، وهو منفرد بحزنك مهتم مما قدمت وما صرت إليه يدعو لك في ظلمات الليل وأنت تحت أطباق الثرى([22]).

ورأينا هذا الفعل في كثير من الأخلاء الصالحين...يتصدقون عن صاحبهم ويدعون له.. وما ذكر في مجلس إلا ترحموا عليه ودعوا له بالمغفرة ولسان أحدهم يقول:

ولقد نظرت فلم أجد يهدى لكم

غير الدعاء المستجاب الصالح([23])

ومثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى.. فهما يتعاونان في إصلاح بعضهما وكذلك يتشاركان في السراء والضراء.. وكل منهما للآخر معين ومساعد... يعينه في سير الدنيا إلى الآخرة.

أخي المسلم: إذا لم تجد رفيقًا صالحًا وأخًا في الله فإن الوحدة وقراءة القرآن خير لك، والكتب النافعة أثمر والتزود من الطاعات أجدى وأنفع.. وقس الأمر وانظر أين الخير؟!

فقد قال مالك بن دينار: كل جليس لا تستفيد منه خيرًا فاجتنبه([24]).

 وقال بكر بن محمد العابد: قال لي داود الطائي: يا بكر، استوحش من الناس كما تستوحش من السبع([25]).

وقال عبد العزيز بن الخطاب: رؤي إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ضخم أسود رابض، فقيل له: يا أبا يحيى، ألا ترى هذا الكلب إلى جنبك؟ قال: هذا خير من جليس السوء([26]).

وعندما سئل إبراهيم بن أدهم: لم لا تصحب الناس؟

قال: إن صحبت من هو فوقي: تكبر علي.

وإذا صحبت من هو دوني: لم يعرف حقي.

وإذا صحبت من هو مثلي: حسدني.

لا تصحب أخا

الجهل فإياك وإياه

فكم من جاهل أردى

حليمًا حين يغشاه

يقاس المرء بالمرء

إذا هو ما شاه

وللشيء على الشيء

مقاييس وأشباه

وللقلب على القلب

دليل حين يلقاه

أخي.. اعلم أن كل من يحب في الله لابد أن يبغض في الله فإنك إن أحببت إنسانًا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلابد أن تبغضه لأنه عاص لله وممقوت عند الله([27]).

والصحبة تنقسم إلى ما يقع عليه الاتفاق، كالصحبة بسبب الجوار أو بسبب الاجتماع في المكتب، أو في المدرسة أو في السوق، أو على باب السلطان أو في الأسفار، وإلى ما ينشأ اختيارًا وقصدًا، وأجلها وأعظمها الأخوة في الدين، فإن من رافق الأخيار أصبح منهم ومن سار مع الطيبين هبت نسمات الخير على وجهه.. فهم خير معين بعد الله في الدنيا وهم خير رفيق في السير إلى الدار الآخرة.

انظر إلى حالهم في الدنيا وإلى نماذج من صورهم الطيبة وأفعالهم الزكية.. فقد دخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه فجعل يبكي فقال: ما شأنك؟ قال: علي دين!! قال: كم هو؟ قال: خمسة عشر ألف دينار، قال: فهو علي([28]).

إذا أعجبتك خلال امريء

فكنه يكن منكما يعجبك

فليس على الجود والمكرما

ت إذا جئتها حاجب يحجبك([29])

نعم من يحجب الإنسان عن التخلق بالخلق الحسن؟ ومن يمنع المرء عن معالي الأمور؟..

قال الشعبي: إن كرام الناس أسرعهم مودة، وأبطؤهم عداوة مثل الكوب من الفضة يبطئ الانكسار، ويسرع الانجبار وإن لئام الناس أبطؤهم مودة وأسرعهم عداوة مثل الكوب من الفخار: يسرع الانكسار ويبطئ الانجبار.

وقال أبو حاتم: الكريم من أعطاه شكره، ومن منعه عذره، ومن قطعه وصله، ومن وصله فضله، ومن سأله أعطاه ومن لم يسأله ابتدأه، وإذا استضعف أحدًا رحمه وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه، واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها([30]).

قال بعضهم لرجل وهو يعظه: جماع الخير كله في ثلاثة أشياء: إن لم تمض نهارك بما هو لك فلا تمضه بما هو عليك، وإن لم تصحب الأخيار فلا تصحب الأشرار، وإن لم تنفق مالك فيما لله رضاء فلا تنفقه فيما لله فيه سخط([31]).

أخي المسلم: إن ما نراه من التكلف وعدم التبسط بين الأحباب ومع الأصحاب مرده إلى عدم معرفتنا حقوق الأخوة في الله.. ومدى قوة هذا الوثاق.

قال عبد الله بن الوليد: قال لنا أبو جعفر محمد علي: يدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد؟ قلنا: لا، قال: فلستم بإخوان كما تزعمون([32]).

ويقول الإمام الشافعي:

إذا المرء لا يلقاك إلا تكلفًا

فدعه ولا تكثر عليه التأسفا

ففي الناس أبدال وفي الترك راحة

وفي القلب صبرللحبيب ولو جفا

فما كل من تهواه يهواك قلبه

ولا كل من صافيته لك قد صفا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

فلا خير في ود يجيء تكلفا

ولا خير في خل يخون خليله

ويلقاه من بعد المودة بالجفا

وينكر عيشًا قد تقادم عهده

ويظهر سرًا كان بالأمس في خفا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

صديق صدوق صادق الوعد منصفا


وصفات الصاحب الكريم صفات محبوبة وخصال حميدة.. والشاعر يميزه عن اللئيم فيقول:

وترى الكريم إذا تقدم وصله

يخفي القبيح ويظهر الإحسانا

وترى اللئيم إذا تقضى وصله

يخفي الجميل ويظهر البهتانا([33])

بل يا أخي..

إن الكريم الذي تبقى مودته

ويحفظ السر إن صافى وإن صرما

ليس الكريم الذي إن زل صاحبه

بث الذي كان من أسراره علما([34])

قال بعض الناصحين: لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ويستر عيبك فيكون معك في النوائب ويؤثرك بالرغائب ينشر حسنتك ويطوي سيئتك، فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك.

وقال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لم يعنه، وإن نسي لم يذكره، وإن غفل حرضه على ترك الذكر، ومن كان أصدقاؤه أشرارًا كان هو شرهم، وكما أن الخير لا يحب إلا البررة، كذلك الردي لا يصحب إلا الفجرة فإن المرء إذا اضطره الأمر فليصحب أهل المروءات([35]).

إن أخاك الحق من كان معك

ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب زمان صدعك

شتت فيه شمله ليجمعك([36])

أخي الكريم: إذا أجدبت الأرض وضاقت المسالك.. وادلهمت الخطوب وتاهت الدروب.. هناك يظهر لك الأخ الصادق والوفي... تستأنس برأيه...وتتقوى بهمته يهون عليك المصيبة ويحمل عنك ما أثقل كاهلك..

أما إذا اخضرت الأرض وابتسمت لك الدنيا.. فالكل أصحاب وأحباب!!

وكل الناس إخوان الرخاء إنما

أخوك الذي آخاك عند الشدائد([37])

ومن مصائب الدنيا وشدائدها مصيبة الموت.. فما هو أثر الرفقة والصحبة.. عند الموت وبعده...؟! هل إذا وسدت الثرى ينقطع ذكرك وينساك الأصحاب والأحباب؟! بل هو يترك أبناؤك لليتم والفقر والعوز.. بل والضياع؟!

كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضي حوائجهم([38])([39]).

ولهذا يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقليك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك([40]).

قال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص([41]) مع الفجار([42]).

وقال أبو حاتم: العاقل لا يدنس عرضه، ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار، ولا يغضي عن صيانة عرضه، ورياضة نفسه بصحبة الأخيار، على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها.

أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟!

كان أبو حنيفة ربما يمر بالرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه فإن كان به فاقة وصله، وإن مرض عاده حتى يجره إلى مواصلته([43]).

وللرفيق حقوق وللصديق واجبات وقد ذكر سعيد بن العاص ذلك بقوله: لجليسي علي ثلاث: إذا دنا رحبت به، وإذا حدث أقبلت، وإذا جلس أوسعت له([44]).

وقد ذكر الله عز وجل بعضًا من تلك الصفات الحميدة بين المؤمنين فقال تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إشارة إلى الشفقة والإكرام، ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دونه بل يتنغص لفراقه ويستوحش بانفراده([45]).

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه»([46]).

إذا أنت صاحبت فكن فتى

كأنك مملوك لكل رفيق

وكن مثل طعم الماء عذبًا وباردًا

على الكبد الحري لكل صديق([47])

هذه صحبة الأخيار ورفقة الصالحين تناديك –أخي المسلم- فهي عون لك في الشدائد ومنبه لك عند العثرات... إعانة على الخير وتواصي بالصبر.. فالزم أهل الخير وجاور أهل التقى.

في الجانب الآخر.. ماذا نرى؟! إنهم الأشرار ورفقاء السوء... تزيين للفاحشة وإضاعة للطاعات... وإتيان للمحرمات... لا تغني معرفتهم في الدنيا شيئًا ولا تثمر في الآخرة إلا شقاء وندمًا... وصفهم الله جل وعلا يوم القيامة بأنهم أعداء.. انتهت تلك الرفقة وتلاشت تلك الصحبة... وتحول كل ذلك إلى عداوة وبغضاء ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾...

كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقعد إلى القبور، فقيل له في ذلك... فقال: أجلس إلى قوم يذكروني معادي، وإن غبت لم يغتابوني([48]).

وكانوا يتحرون للصحبة كبار السن من جمل الشيب مفارق رءوسهم وعلا الوقار حديثهم عصرتهم الأيام وخبرتهم الليالي.. أهل الدين والعقل والحكمة.

قال أبو عمرو بن العلاء : رآني سعيد بن جبير وأنا جالس مع الشباب، قال ما يجلسك مع الشباب؟ عليك بالشيوخ([49]).

ومن جلس اليوم إلى الشيوخ لم يرض بمجالس الشباب فهناك تخرج من أفواه الكبار الحكمة والقصة وتذكر السنين الماضية.. وما بينهما إلا ذكر الله واستغفار وتسبيح وتحميد.. فمن يداني تلك المجالس يربح ومن يلازمهم يفرح وإن أخذ منهم وأضاف لهم من علمه وقراءته فقد زكى ونما.. وله في تلك الرفقة دعوة ومعرفة وخلاصة تجربة.. وإلا فعليه بقول أبي الدرداء: لصاحب صالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملي الخير خير من الساكت، والساكت خير من مملي الشر.

وقال أبو حاتم: العاقل لا يصاحب الأشرار؛ لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار، تعقب الضغائن، لا يستقم وده، ولا يفي بعهده.

وإن من سعادة المرء خصالاً أربعا: أن تكون زوجته موافقته، وولده أبرارًا، وإخوانه صالحين، وأن يكون رزقه في بلده.

وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرًا تكون مجالسة الكلب خيرًا من عشرته، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم.

قال الزهري: وهل ينتفع من السيئ الخلق بشيء([50]

وقال وهب بن منبه: الأحمق كالثوب الخلق، إن رفأته من جانت انخرق من جانب آخر، مثل الفخار المكسور لا يرقع ولا يشعب ولا يعاد طينا.

فهذا مثل الأحمق: إن صحبته عناك، وإن اعتزلته شتمك، وإن أعطاك من عليك، وإن أسر إليك اتهمك، وإن أسررت إليه خانك، وإن كان فوقك حقرك، وإن كان دونك غمزك([51]).

وحال بعض مجالس اليوم قريبة من ذلك بل وتزيد على ذلك...

أخي المسلم: رفقة العاصي ما هي نتيجتها وفائدتها إنها فراق وشقاق وخسران ووبال.. في يوم تتقطع تلك المودة وتزول المحبة لأنها بنيت على شفا جرف هار.

قال علي بن الحسين: ما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة([52]).

وذلك لأن رباط المعصية رباط واه كخيط العنكبوت سرعان ما ينقطع ويزول... لأنه رباط غير صادق لم يقم إلا على معصية ولم ينشأ إلا عن غفلة ومصلحة.. متى انتهت انقطع وتصرم!!

لكن أوثق العرى رباط الأخوة الدينية الذي ينبهك إذا غفلت ويذكرك إذا نسيت ويحتسب الأجر في مودتك ورفقتك ويتقرب إلى الله عز وجل بمحبتك..

أخي الحبيب:

إن من ذكرك بحق الله عليك وأعانك على الطاعة وجنبك المعصية لهو خير الإخوان وأصدق الأخلاء وأوفى الرفقاء.. بل إنه بصنيعه هذا خير لك ممن يعطيك مالاً وينالك منه إحسان.. إن هذا هو خير الإحسان وأوفره..

قال بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا([53]).

يدلك على درب الآخرة ويزودك من زادها ويسهل لك أمر العبادة ويفتح لك طرق الخير.. صاحب خوف ومراقبة وخشية ومحاسبة.

ومن الخوف المستمر، والوجل الدائم قال الفضيل بن عياض: بلغني عن طلحة بن مصرف أنه ضحك يومًا فوثب على نفسه، فقال: فيم الضحك؟! إنما يضحك من قطع الأهوال وجاز الصراط ثم قال: آليت أن لا أُرى ضاحكًا حتى أعلم بما تقع الواقعة، فما رئي ضاحكًا حتى صار إلى الله عز وجل([54]).

أخي.. إن رفقة الصالحين ومصاحبة الطيبين لهي خير معين على الطاعة والعبادة بل إنها من المثبتات على لزوم الجادة والسير إلى الدار الآخرة.. ولذا حرصوا على مصاحبة الأخيار والحث على رفقة الصالحين.

قال إبراهيم التيمي: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى، فاغسل يدك منه([55]).

إن مثل هؤلاء الأخيار تجب محبتهم ويحسن القرب منهم قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في ذلك: والله لو صمت النهار ولا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي غلقًا غلقًا في سبيل الله أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصيته ما نفعني ذلك شيئًا([56]).

ولنتأمل في إحدى نصائح من نحب في الله... قال محمد بن يونس بن موسى: سمعت زهير بن نعيم وقد قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟ قال: نعم احذر أن يأخذك الله وأنت في غفلة.

والمعاملة الطيبة الحسنة صفة ملازمة لأهل الخير فهذا أحدهم وهو يزيد بن أبي حبيب يقول: لا أدع أخًا لي يغضب علي مرتين، بل أنظر الأمر الذي يكره فأدعه([57]).

ألا فنعمت الأخوة ونعمت المحبة...

وكنت إذا صحبت رجال قوم

صحبته وشيمتي الوفاء

فأحسن حين يحسن محسنهم

وأجتنب الإساءة إن أساءوا

وأبصر ما يريبهم بعين

عليها من عيونهم غطاء([58])

دخل جماعة على الحسن: وهو نائم فجعل بعضهم يأكل من فاكهة في البيت فقال: رحمك الله، هذا والله فعل الإخوان([59]).

وجاء فتح الموصلي إلى منزل لأخ له وكان غائبًا فأمر أهله، فأخرجت صندوقه ففتحه وأخذ حاجته، فأخبرت الجارية مولاها فقال: إن صدقت فأنت حرة لوجه الله سرورًا بما فعل([60]).

لست أنسى تلك الحقوق ولكن

لست أدري بأيهن أكافئ

ومن يكافئ أولئك الرجال؟!

كتب الأوزاعي إلى أخ له، أما بعد: فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به... والسلام([61]).

أخي المسلم:

وإذا كان هؤلاء الإخوان وأولئك هم الأحبة.. بين فعل حسن ونصيحة محقة.. فعليك بهم كما أوصى بذلك علي بن أبي طالب: عليكم بالإخوان فإنه عدة في الدنيا والآخرة.. ألا تسمعوا قول أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾([62]).

ألا إنهم عدة في الدنيا والآخرة.. إذا كان أحدهم مثل أبي سليمان الداراني الذي يقول: تعرض علي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل، الكتاب والسنة([63]).

وما ذاك –أخي الكريم- إلا خوفًا من أن يكون كلمة سوء... يؤزر عليها ولا يؤجر، ومجالس اليوم مجالس لا تعرض حديثها على الكتاب والسنة.. بل إن بعضها فيه استزاء بالكتاب وأهل السنة –والعياذ بالله-.

أخي الحبيب: انظر إلى قياسهم في الصحبة وما يجب في الرفيق، فقد كفوك مؤنة البحث ومشقة النظر ووضعوا لك الموازين... هذا مالك بن دينار يقول للمغيرة بن حبيب: يا مغيرة.. انظر كل جليس وصاحب لا تستفيد في دينك منه خيرًا فانبذ عنك صحبته([64]).

وكل ما دون الدين فهو سهل وكل ما وراء الخير فهو هين.. ركيزة الدين هي الأساس وما ظهر خلاف ذلك من زلة وهنة فالرجوع قريب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة([65]).

وقال الفضيل بن عياض: من طلب أخًا بلا عيب بقي بلا أخ([66]).

وقال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا رزقه الله ود امريء مسلم صحيح الوداد محافظ عليه: أن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته إن صرمه، وعلى الإقبال عليه إن صد عنه، وعن البذل له إن حرمه، وعلى الدنو منه إن باعده، حتى كأنه ركن من أركانه، وإن من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد([67]).

ويجب أخذ أمر الصديق والرفيق على أحسن المحامل وخير التفسيرات.

قالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها طلحة بن الرحمن بن عوف –وكان أجود قريش في زمانه-: ما رأيت قومًا ألأم من إخوانك!! قال لها: مه، ولم ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال لها: هذا والله من كرم أخلاقهم، يأتوننا في حال قدرتنا على إكرامهم، ويتركوننا في حال عجزنا عن القيام بحقهم..

فلله دره كيف تأول صنيع إخوانه على أوفى وأكمل الأخلاق والنظرات.. وما ذاك إلا من تقاه وإيمانه وحسن خلقه.

وإذا بحثت عن التقي وجدته

رجلاً يصدق قوله بفعال

وإذا اتقى الله امرؤ وأطاعه

فيداه بين مكارم ومعال

وعلى التقي إذا تراسخ في التقى

تاجان: تاج سكينة، وجمال

وإذا تناسبت الرجال، فما أرى

نسبًا يكون كصالح الأعمال([68])

أخي الحبيب:

ومن لا يغمض عينه عن صديقه

وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب

ومن يتتبع جاهدًا كل عثرة

يجدها ولا يبقى له الدهر صاحب([69])

أخي الحبيب... أين نحن من هؤلاء؟!

 كان عبد الله بن المبارك إذا عزم على الحج يقول لأصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته حتى أكون أنا أنفق عليه، فيأخذ منهم نفقاتهم ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجعلها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم يقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية؟ فيشتري لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المدينة، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وابيضت أبوابها ورمم شعثها فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم ثم دعا بذلك الصندوق فتحه وأخرج منه تلك الصرر، ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم([70]).

أخي المسلم.. للصداقة الحقة شروط فكما أن هناك صداقة قائمة على منفعة فهذه تدوم بدوام هذه المنفعة، وإما صداقة قائمة على الهوى فهذه صداقة في مهب الريح لأنها قامت على أساس متقلب فلا يأمن أصحابها غرر بعضهم ببعض، وإما صداقة مبنية على الإيمان والحب في الله فهذه هي الأخوة الصادقة المستمرة.

أخي الكريم:

سامح أخاك إذا خلط

منه الإصابة والغلط

وتجاف عن تعنيفه

إن زاغ يومًا أو قسط

واعلم بأنك إن طلبـ

ت مهذبًا رمت الشطط

من ذا الذي ما ساء قـ

ط ومن له الحسنى فقط

والأخ هذا الذي تتحمل جفوته وتصبر على زلته لا يعدو كونه أحد رجلين.. قال عنهم شعيب بن حرب: لا تجلس إلا مع رجلين: رجل إذا جلست إليه يعلمك خيرًا فتقبل منه، أو رجل تعلمه خيرًا فيقبل منك.. والثالث اهرب منه([71]).

وانظر فيمن حولك لترى كيف هم أصحابك وأحبابك؟!

وعليك بمراتب ومنازل ذكرها ابن الجوزي لتنزل كلاً منهم منزلته...

قال: كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد بهم، فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب فأخذت أعتب.

ثم انتبهت لنفسي فقلت: وما ينفع العتاب، فإنهم إن صالحوا فللعتاب لا للصداقة، فهممت بمقاطعتهم، ثم تفكرت فرأيت الناس بي معارف وأصدقاء في الظاهر وإخوة مباطنين، فقلت لا تصلح مقاطعتهم.

إنما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الإخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم.

قال يحيى بن معاذ: بئس الأخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك، وجمهور الناس اليوم معارف ويندر فيهم الصديق في الظاهر..

وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود، فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما أظهره.

وربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك.

قال الفضيل بن عياض: إذا أردت أن تصادق صديقًا فأغضبه فإن رأيته كما ينبغي فصادقه.

وهذا اليوم مخاطرة، لأنك إذا أغضبت أحدًا صار عدوًّا في الحال([72]).

في زمنهم مخاطرة أما في زمننا فهو أكثر من ذلك

فقد شحت الأنفس وضاقت الصدور واندثرت المروءات إلا ما رحم ربي وقليل ما هم!!

هذا ابن المبارك وقد صحب رجلاً سيئ الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما فارقه بكى، فقيل له في ذلك، فقال: بكيته رحمة له، فارقته خلقه معه لم يفارقه([73]).

قال الفضيل بن عياض: إذا خالطت فخالط حسن الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة ولا تخالط سيئ الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر، وصاحبه منه في عناء، ولأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني قارئ سيئ الخلق إن الفاسق إذا كان حسن الخلق عاش بعقله وخف على الناس وأحبوه وإن العابد إذا كان سيئ الخلق ثقل على الناس ومقتوه([74]).

أخي الحبيب:

ما هو سوء الخلق؟ وبأي شيء يعرف حسن الخلق؟!

قال يوسف بن أسباط: علامة حسن الخلق عشر خصال: قلة الخلاف، وحسن الإنصات، وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبير، ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه([75]).

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب

وإن كثرت منه علي الجرائم

وما الناس إلا واحد من ثلاثة

شريف ومشروف ومثلي مقاوم

فأما الذي فوقي فأعرف قدره

وأتبع فيه الحق والحق لازم

وأما الذي دوني فإن قال صنت عن

إجابته عرضي وإن لام لائم

وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا

تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم([76])

وأعظم من هذا وذاك قول الله جل وعلا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾([77]).

فالآية تشتمل على أربع قواعد في التعامل مع الناس فأولها: أخذ العفو، وثانيها: الأمر بالمعروف، وثالثها: الإعراض عن الجاهلين، ورابعها: الاستعاذة بالله من نزغ الشياطين، وقد روي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها([78]).

وذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهولة حصول الخير فقال: البر شيء هين، وجه طليق، وكلام لين([79]).

ومن أدب المجالس وواجبات الأخوة في الله ما قاله مجاهد بن جبر.. لا تحد النظر إلى أخيك ولا تسأل من أين جئت؟ وأين تذهب؟([80]).

وتأمل مجالس اليوم وكثرة الأسئلة فيها!

ولرفعة النفس وسموها عن الدنايا قال مالك رحمه الله: ما جالست سفيها قط!!

أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟!

قال مجاهد: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني([81]).

هذه صفة من صفاتهم وفيض من نبعهم.. بها تستمر العشرة وتدوم المودة.

عن ميمون بن مهران قال... سمعت ابن عباس يقول: ما بلغني عن أخ مكروه قط إلا أنزلته أحد ثلاث منازل:

إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أجهل به([82]).

وأما ما وقع فيه كثير من الناس فقد قال عنه الحسن: ابن آدم تبغض الناس على ظنة، وتنسى اليقين من نفسك([83]).

نعم أنت تعلم وتعرف عيوبك ومساوئك وتظن الظنون بمساوئ إخوانك وأحبائك وتبغضهم لذلك الظن، إن أثر الصحبة الطيبة والرفقة الصالحة ظاهرة لا تحتاج إلى كثير إيضاح ويكفي من ذلك موقف واحد لتتميز الطرق وتتضح السبل... ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.

يكفي هذا الموقف لتأخذ المحبة في الله الصدارة وقصب السبق..

قال أحمد بن حرب: عبدت الله خمسين سنة، فما وجدت حلاوة العبادة حتى تركت ثلاثة أشياء: تركت رضى الناس حتى قدرت أن أتكلم بالحق، وتركت صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبة الصالحين، وتركت حلاوة الدنيا حتى وجدت حلاوة الآخرة([84]).

وحين لا يجد المسلم من يعينه.. ويثبته ويشد أزره في رحلة الدنيا فعليه بقول الإمام أحمد بن حنبل عندما قال: رأيت الخلوة أروح لقلبي([85]).


 المحبة في الله

إن المحبة في الله هي أوثق عرى المحبة، وأصدقها وأدومها وأبقاها.. فهي وإن كانت تبدأ في هذه الحياة الدنيا.. إلا أنها تستمر وتبقى في الآخرة.. لأنها محبة قائمة على طاعة الله مستمدة صفاءها من دين الله..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المرء مع من أحب»([86]).

صداقة خير تسير في طريق خير...لأن المسلم بحكم إيمانه بالله تعالى لا يحب إذا أحب إلا في الله، ولا يبغض إذا أبغض إلا في الله... وهو على هذا يحب عباد الله الصالحين ويتقرب منهم ويوادهم ويناصحهم ويواسيهم.. فهم أحبته وإخوانه بل ويتقرب إلى الله بهذا العمل الصالح، وفي الحديث «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان» وذكر منها «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»([87]).

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: والله لو صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي غلقًا غلقًا في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعة الله وبغض لأهل معصية الله. ما نفعني ذلك شيئًا([88]).

وهذه المحبة نابعة من طاعة الله... لا تدنسها أهداف الدنيا ونوازع البشر فلا أطماع ولا مغانم سوى رضى الله وهو خير مغنم..

قال سفيان: ليس شيء من عمل أرجو أن لا يشوبه شيء كحبي مجمعًا التميمي([89]).

وهذا كمال الصدق في المحبة والإخلاص في العمل.. إنها محبة في الله.. ولله..

والمحبة في الله تجعل المسلم يرتفع بأخلاقه ويسمو بنفسه عن مواطن الزلل، ومظان السوء.

قال عمر بن حفص.. قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملاً من الخير([90]).

ولاشك أنه إذا أحب الرجل أن ينصف من نفسه، فليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه([91])..

نعم –أخي الحبيب- أنزل الناس منزلتك.. وأنزل نفسك منزلتهم.. فإنك بهذا تقيم ما اعوج وتصلح ما فسد..

قال بكر بن محمد بن عبد الله: إذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل هذا ذنب أحدثته([92]).

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً([93]).

وقال عبد الله بن زيد الجرمي.. إذا بلغك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرًا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه([94]).

اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا

إن بر عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من يأتيك معتذرًا

وقد أجلك من يعصيك مستترًا([95])

قال حماد:ما رأيت رجلاً أشد تبسمًا في وجوه الرجال من أيوب السختياني([96]).

وهذا التبسم والتبسط للمسلمين.. أما ما سواهم.. فالأمر كما قال سفيان الثوري عندما سئل: أصافح اليهود والنصارى؟ فقال: برجلك نعم!!([97]).

فإن لأهل الإسلام كرامة ومنزلة لا يبلغها غيرهم من بني الإنسان.

وقد كان لمحمد بن سيرين منازل لا يكريها إلا من أهل الذمة، فقيل له في ذلك، فقال: إذا جاء رأس الشهر رعته، أكره أن أروع مسلمًا([98]).

نعم للمسلم مكانة في نفس أخيه المسلم ومحبة خاصة قال الله عز وجل في وصف ذلك بأنهم: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾([99]).

روي عن محمد بن علي قال: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وبألفين جوار أبي حمزة، فبلغ ذلك أبا حمزة فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال له: لا تبع دارك([100]).

وانظر –أخي الحبيب- إلى الفرح والسرور برؤية آثار الطاعة ومحبة الخير للمسلمين.. قال صالح بن أحمد بن حنبل) جاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به([101]).

أخي الحبيب أين نحن من هؤلاء؟!

قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل له: وكيف ذلك يا أبا معاوية؟ قال: كلهم يرى الفضل لي على نفسه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني.

والمرء يذكر بالجمائل بعده

فارفع لذكرك بالجميل بناء

واعلم بأنك تذكر مرة

فيقال: أحسن أو يقال أساء

إنها صفات كملت وجملت بالإسلام.. فكان تاجًا للأخلاق الفاضلة ونبراسًا للمعاملة الحسنة..

وتبقى الدنيا دار الهفوات ومقر الزلات والعثرات.. فهفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقك بتقصيره في الأخوة، أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإصرار عليها فعليك التلطف في نصحه بما يقوم أوده([102]) ويجمع شمله ويعيد إلى الصلاح والورع حاله([103]).

ويكون في ذلك عن طريق النصيحة والتوجيه. وذلك بالحسنى والموعظة الحسنة قال سفيان الثوري قلت لسعد بن كدام: تحب أن يهدى إليك عيوبك؟ قال: أما من ناصح فنعم، أما من موبخ فلا([104]).

قال الإمام الشافعي:

تعمدني بنصحك في انفرادي

وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع

من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن خالفتني وعصيت قولي

فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

حين مر أبو الدرداء على رجل قد أصاب ذنبًا فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله عز وجل الذي عافاكم، قالوا: أفلا نبغضه؟ قال: إنما أبغضوا عمله فإذا تركه فهو أخي..

وكذلك حكي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره، فقال: أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة وأدعو له بالعودة إلى ما كان عليه([105]).

قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يتحبب إلي الناس بلزوم حسن الخلق، وترك سوء الخلق؛ لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا، كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها([106]).

 والناصح المشفق هو الأخ الصادق كما قال يحيى بن معاذ: أخوك من عرفك العيوب وصديقك من حذرك من الذنوب.

وحتى حينما تكون المواجهة في مكان عام فانظر إلى الحلم والعفو وطيب النفس وعلوها.. خرج علي بن الحسين يومًا في المسجد فسبه رجل، فانتدب الناس إليه فقال: دعوه، ثم أقبل عليه، فقال ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم([107]).

قال حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل، قلت: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب، قالت: فإن لم يكن؟ قال: أخ شقيق يستشيره، قالت: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل. قلت: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل([108]).

وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه.

وقال الفضيل بن عياض موضحًا الفرق بين الناصح والشامت: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير([109]).

وينثر أبو الدرداء درراً من الكلام وجواهر من الحكم فيقول: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كله أعط أخاك ولن له ولا تطع به حاسدًا فتكون مثله، غدًا يأتيه الموت فيكفيك قتله، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله؟([110])

لا أمدح المرء أبغي من فضائله

ولا أظل أداجيه إذا غضبا

ولا يراني على باب أراقبه أبغي

الدخول إذا ما بابه حجبا

قال الخليل بن أحمد النحوي: الرجال أربعة، فرجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه، ورجل يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم فاتبعوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك مائق فاحذروه([111]).

والنصيحة طريق الناصحين هذا رجل نصح لأبي حنيفة فقال: اتق الله!!! فانتفض أبو حنيفة واصفر، وأطرق، وقال جزاك الله خيرًا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول مثل هذا([112]).

والتواصي بالحق.. يصدر من صغير إلى كبير ومن كبير إلى صغير.. بل ومن عالم إلى عالم..

كتب إبراهيم بن أدهم إلى الثوري:

من عرف ما يطلب هان ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.

وقال الشافعي: أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف([113]).

حياة المؤمن كلها طاعة وأوقاته جلها عبادة، قال حاتم الأصم: ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول: آكل الموت ,وألبس الكفن، وأسكن القبر([114]) .

وكان الربيع بن خثيم إذا أصبح قال: مرحبًا بملائكة الله.. اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

أخي الحبيب.. انظر القياس وزن الأمور... قال عروة بن الزبير لبنيه ناصحًا وموضحًا: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة، فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها([115]).

وأيام الحياة تسير... ودقائق الأوقات تنقضي.. ما هو الخير في تلك اللحظات الغالية النفيسة، إنه كما قال سعيد بن عبد العزيز.. لا خير في الحياة إلا لصموت واع وناطق عارف([116]).

وتبقى لحظات في حياة المسلم يؤانس بها صحبه ويزيل الكلفة عن رفقته.. فالدعابة لها وقت وشروط والمزاح له حد معقول.. فلا يفرط فيها.. لأن الإسلام ليس في حاجة إلى الهازلين والمهرجين واللاعبين، بل الحاجة قائمة للرجال الجادين الذين شغلوا أوقاتهم بطلب العلم والدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما من يكثر من المزاح فقد أساء كل الإساءة لنفسه ولدينه، ومن حرص على سنته - صلى الله عليه وسلم -، فإنه سيعطي المزاح قدرًا يسيرًا، والحق أنه من الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه، ثم يتمسك بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن لعائشة في النظر إلى لعب الزنوج في يوم عيد([117]).

عن الأحنف بن قيس قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه([118]).

والوجه تخلقه المزاحة إنها

لفظ يضر ومنطق لا يرشد

فدع المزاحة للسفيه فربما

هاجت عجاج عداوة لا تحمد([119])

إن الجاد في عمله الخائف من الأحوال التي أمامه.. في حال لا يتطرق إليها المزاح ولا الهزل إنه كما قال موسى بن إسماعيل.. لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط لصدقتكم، كان مشغولاً لنفسه، إما أن يحدث، وإما أن يقرأ وإما أن يسبح وإما أن يصلي، كان قد قسم النهار على هذه الأعمال.

نعم كانوا يخشون ما أقبل من الأيام ويخافون موقفًا تقشعر من رؤيته الأبدان.. فقد كان عبد الله أبو يعلى يقول: أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار([120]).

وحكي عن بعض الصالحين أنه رأى رجلاً وهو يضحك ضحكًا شديدًا، فقال له: يا هذا هل ذقت الموت؟ قال: لا، قال: فهل رجح ميزانك؟ قال: لا، قال: فهل جزت الصراط؟ قال: لا، قال: فلأي شيء هذا الضحك والفرح؟!

قال فبكى الرجل وقال: لله علي نذر أن لا أضحك بعدها أبدًا.

لله دره... أفاق من غفلته وقام من كبوته.. ليته يسمع بعض ضحكات المجالس.. ومزاح الفارغين.. وتفاهة بعض المتحدثين.

بل كيف لو رأى اللاهون العابثون يومًا من أيام وكيع بن الجراح؟ فقد كان لا ينام حتى يقرأ ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر فيصلي ركعتين!!

أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟!

قال الحارث الغنوي: آلى ربعي بن حراش ألا يضحك حتى يعلم في الجنة هو أو في النار.

قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله أنه لم يزل مبتسمًا على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا من غسله.

رحم الله ضعفنا وتفريطنا وطول غفلتنا..

قال عمر بن عبد العزيز لإسماعيل بن عبد الله: يا إسماعيل: كم أتت عليك من سنة؟! قال: ستون سنة وشهور، قال: يا إسماعيل إياك والمزاح.

أخي:

إذا ما أتتك الأربعون فعندها

فاخش الإله وكن للموت حذرا([121])

قال الفضيل بن عياض: بلغني عن طلحة بن مصرف أنه ضحك يومًا فوثب على نفسه فقال: فيم الضحك؟ إنما يضحك من قطع الأهوال وجاز الصراط، ثم قال: آليت أن لا أفتر ضاحكًا حتى أعلم بم تقع الواقعة، فما رئي ضاحكًا حتى صار إلى الله عز وجل.

وعن سعيد بن سالم القداح قال: سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يقول لرجل: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء: الإسلام، والقرآن، والشيب.

صاح بي الشيب لا مقام

بين الرجعة السقام

صوتان قد أزعجا وحثا

عمري وراعني الحمام

لا آمن الدهر والمنايا

إذ كل عمر له انعدام([122])

ومن رأى تقلب الأيام وسرعة انقضائها وفجأة الموت.. هل يتنعم بلذة نعيم أو يهنأ باله بطرفة ودعابة؟! الأمر جد.. والحساب شديد والجزاء قادم..

يا واقفًا يسأل القبور أفق

فأهلها اليوم عنك قد شغلوا

قد هالهم منكر وصاحبه

وخوف ما قدموا وما عملوا

رهائن للثرى على مدر

يسمع للدود بينهم زجل

سرى البلى في جسومهم فجرت

دمًا وقيحًا وسالت المقل([123])

أخي المسلم.. عشت مثلي لحظات مشرقة من حياتهم.. سمعنا حديثهم ورأينا جدهم.. والسؤال الآن.. هل نترك التبسم والدعابة والطرفة مع الأحباب والأصحاب؟!

قال الذهبي: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين:

أحدهما: يكون فاضلاً لمن تركه أدبًا وخوفًا من الله، وحزنًا على نفسه المسكينة.

الثاني: مذموم لمن فعله حمقًا وكبرًا وتصنعًا كما أن من أكثر الضحك استخف به، ولا ريب أن الضحك في الشباب أخف منه وأعذر منه في الشيوخ.

وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»([124]).

وقال جرير: ما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تبسم([125]).

فهذا هو خلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكاء بالليل، بسامًا بالنهار، وقال عليه السلام: «لن تسعوا الناس بأموالكم، فليسعهم منكم بسط الوجه»([126]).

ينبغي لمن كان ضحوكًا بسامًا أن يقصر من ذلك، ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس، وينبغي لمن كان عبوسًا منقبضًا أن يتبسم ويحسن خلقه، ويمقت نفسه على رداءة خلقه، وكل انحراف عن الاعتدال فمذموم، ولابد للنفس من مجاهدة وتأديب([127]).

أخي المسلم.. إن كانت الرفقة الصالحة والأخوة الصادقة تعين على الطاعة وتشد الأزر وتشحذ النفوس... فإن المسلم يحتاج إلى وقفات محاسبة ولحظات مراجعة.

قال عمر بن الخطاب: خذوا بحظكم من العزلة([128]).

ولسنا نريد رحمك الله بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات وترك حقوقهم في العبادات وإفشاء السلام ورد التحيات وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها جارية على سبلها ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر([129]).

ولذلك قال إبراهيم النخعي لغيره: تفقه ثم اعتزل([130] وأما إذا كانت العزلة فيها مجانبة لمجالس الشر ومفارقة لرفقاء السوء فإنها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: في العزلة راحة من خليط السوء([131]).

وقال أبو ذر: الصاحب، مملي الخير خير من الساكت، والساكت خير من مملي الشر([132]).

والمرء كما قال عنه مسروق: حقيق أن تكون له مجالس يخلو فيها فيذكر ذنوبه ويستغفر منها([133]).

دع الناس ما شاءوا يقولوا فإنني

لا أكثر مما يحكي علي خمول

فما كل من أغضبه إذا معتب

ولا كل ما يروى علي أقول

والعزلة أخي الحبيب فيها فوائد ظاهرة خاصة في مجتمعات تتفشى فيها الغيبة والنميمة.. كما قال إسماعيل بن محمد.. سمعت ابن إبراهيم يقول لو لم يكن في العزلة أكثر من أنك لا تجد أعوانًا على الغيبة لكفى([134]).

والكثير تنفر نفسه من العزلة ولا يصبر عن الناس والسبب في ذلك كما قال بعض الحكماء: إنما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته وعدم الفضيلة من نفسه فتكثر حينئذ علاقات الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويتفرع لاستخراج الحكمة.

وخير جليس كتاب الله يؤانس به المسلم وحدته ويتدبر آياته.. قال بعضهم: الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس([135]).

وإلا فكيف تتكدر نفسه ويضيق صدره وبين يديه كتاب الله عز وجل يقرؤه ويتدبر معانيه.

قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس([136]).

وليست المؤانسة بكثرة الكلام والمداعبة والمزاح.. فمن تهدأ بحضوره نفسك ويرتاح لوجوده سمعك وعينك فإنه نعم الرفيق حتى وإن تباعدت أيامه وغابت طلعته..

قال شبيب بن شيبة: إن من إخواني من لا يأتيني في السنة إلا اليوم الواحد.. هم الذين أتخذهم وأعدهم للمحيا والممات، ومنهم من يأتيني كل يوم فيقبلني وأقبله، ولو قدرت أن أجعل مكان قبلتي عضة لعضضته([137]).

ويحتار الإنسان في الناس فكيف السلامة والمخرج؟! وأين الطريق والجادة؟!

قال الشافعي –رحمه الله- ليونس بن عبد الأعلى: يا أبا موسى رضا الناس غاية لا تدرك، ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر ما فيه صلاح نفسك فالزمه، ودع الناس وما هم فيه([138]).

أخي الحبيب.. لا تنس قول سفيان الثوري: كثرة أصدقاء المرء من سخافة دينه..

قال أبو سليمان يوضح ذلك.. يريد أنه ما لم يداهنهم ولم يجلهم لم يكثروا لأن الكثرة إنما هي في أهل الريبة، وإن كان الرجل صلب الدين لم يصحب إلا الأبرار الأتقياء وهم فيهم قلة([139]).

قال مالك –رحمه الله-: الناس أشكال كأجناس الطير، الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو([140]) مع الصعو وكل إنسان مع شكله([141]).

وهذه بعض آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق ملتقطة من كلام بعض الحكماء:

إن أردت حسن العشرة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم، وتوقير من غير كبر، وتواضع في غير مذلة، وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات وإذا جلست فلا تستوفز وتحفظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال أصبعك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب من وجهك وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها، وليكن مجلسك هادئًا وحديثك منظومًا مرتبًا وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط ولا تسأله إعادته، واسكت عن المضاحك والحكايات ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك، ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ولا تتبذل تبذل العبد وتوق كثرة الكحل والإسراف في الدهن، ولا تلح في الحاجات ولا تشجع أحدًا على الظلم ولا تعلم أهلك وولدك فضلاً عن غيرهم مقدار مالك فإنهم إن رأوه قليلاً هنت عندهم وإن كان كثرًا لم تبلغ قط رضاهم، وخوفهم من غير عنف ولن لهم من غير ضعف ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك، وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيديك ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك ولا تجث على ركبتيك وإذا هدأ غيظك فتكلم وإن قربك سلطان فكن منه على مثل السنان فإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك وارفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهيه ما لم يكن معصية، ولا يحملنك لطفه بك أن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه وإن كنت لذلك مستحقًا عنده، فإن سقطة الداخل بين الملك وبين أهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال، وإياك وصديق العافية فإنه أعدى الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك، وإذا دخلت مجلسًا فالأدب فيه البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث اتسع وحيث يكون أقرب إلى التواضع، وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس.

ولا تجلس على الطريق، فإن جلست فأدبه غض البصر ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإرشاد الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارتياد لموضع البصاق ولا تبصق في جهة القبلة ولا عن يمينك ولكن عن يسارك وتحت قدمك اليسرى.

ولا تجالس الملوك، فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والإعراب في الخطاب، والمذاكرة بأخلاق الملوك وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم –وإن ظهرت لك المودة- وأن لا تتجشأ بحضرتهم ولا تتخلل بعد الأكل عنده، وعلى الملك أن يحتمل كل شيء إلا إفشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم.

ولا تجالس العامة، فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم وإياك أن تمازح لبيبًا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترئ عليك لأن المزاح يخرق الهيبة ويسقط ماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفقيه ويجرئ السفيه ويسقط المنزلة عند الحكيم ويمقته المتقون، وهو يميت القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة ويورث الذلة وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب وقد قيل: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله عند قيامه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جلس مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك»([142]).

وقبل الختام نعرج على أعظم صحبة وأجلها فقد كان الصديق رضي الله عنه رفيق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته وهجرته وجهاده.. فقدم روحه وماله فداء للرسول - صلى الله عليه وسلم - ونفعًا للإسلام والمسلمين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما نفعني مال قط كمال أبي بكر» رواه أحمد، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر » رواه البخاري.

أخي المسلم: جعلنا الله وإياكم من المتحابين فيه وجمعنا ووالدينا وأبناءنا وأزواجنا وأقاربنا في جنات عدن..



([1]) الأنفال: 63.

([2]) آل عمران 103.

(*) رواه الطبراني وصححه الألباني.

([3]) الإحياء 2/171.

([4]) الإحياء 2/171.

([5]) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال النووي: إسناده صحيح.

([6]) الإحياء 2/185.

([7]) الإحياء 2/186.

([8]) رواه مسلم.

([9]) متفق عليه.

([10]) سورة الكهف الآية: 22.

([11]) العزلة 510.

([12]) الزخرف 67.

([13]) متفق عليه.

([14]) الإحياء 2/175.

([15]) حلية الأولياء 5/198.

([16]) البداية والنهاية 14/160.

([17]) الإحياء 2/199.

([18]) الإحياء 2/187.

([19]) الفوائد 68.

([20]) روضة العقلاء 173.

([21]) شذرات الذهب 1/97.

([22]) الإحياء 2/202.

([23]) شذرات الذهب 7/85.

([24]) حلية الأولياء 2/372.

([25]) روضة العقلاء 82.

([26]) روضة العقلاء 82.

([27]) الإحياء 2/181.

([28]) حلية الأولياء 3/141.

([29]) مدارج السالكين 3/45.

([30]) روضة العقلاء 174.

([31]) الزهد للبيهقي 310.

([32]) حلية الأولياء 3/187.

([33]) الإحياء 2/195.

([34]) تاريخ بغداد 5/158.

([35]) روضة العقلاء 102.

([36]) الإحياء 2/178.

([37]) العزلة 54.

([38]) أعرف من قام بمثل هذا ثمانية عشر سنة.

([39]) منهاج القاصدين 108.

([40]) منهاج القاصدين 108.

([41]) نوع من الحلوى.

([42]) روضة العقلاء 100.

([43]) تاريخ بغداد 13/360.

([44]) الإحياء 2/191.

([45]) الإحياء 2/191.

([46]) رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.

([47]) التواضع والخمول 37.

([48]) منهاج القاصدين 432.

([49]) روضة العقلاء 101.

([50]) روضة العقلاء 65.

([51]) روضة العقلاء 122.

([52]) البداية والنهاية 9/121.

([53]) حلية الأولياء 5/225.

([54]) حلية الأولياء 5/15.

([55]) حلية الأولياء 4/215.

([56]) الإحياء 2/175.

([57]) تذكرة الحفاظ 1/130.

([58]) شذرات الذهب 2/33.

([59]) منهاج القاصدين 108.

([60]) الإحياء 2/189.

([61]) حلية الأولياء 6/140.

([62]) الإحياء 2/175.

([63]) مدارج السالكين 2/42.

([64]) الزهد 449، صفة الصفوة 3/286.

([65])مجموع الفتاوى 24/173.

([66]) روضة العقلاء 169.

([67]) روضة العقلاء 103.

([68]) روضة العقلاء 9/286.

([69]) البداية والنهاية 9/286.

([70]) البداية النهاية 10/203.

([71]) صفة الصفوة 3/8.

([72]) صيد الخاطر 497.

([73]) الإحياء 10/57.

([74]) روضة العقلاء 64.

([75]) الإحياء 3/77.

([76]) الإحياء 3/1.

([77]) سورة الأعراف، الآيتان: 199، 200

([78]) فتح الباري لابن حجر 8/306.

([79]) الإحياء 3/129.

([80]) صفة الصفوة 2/209.

([81]) السير 4/452.

([82]) صفة الصفوة 1/754.

([83]) الحسن البصري 106.

([84]) السير 11/34.

([85]) السير 11/226.

([86]) متفق عليه.

([87]) متفق عليه.

([88]) الإحياء 2/175.

([89]) صفة الصفوة 3/108.

([90]) تاريخ الخلفاء 323.

([91]) الفوائد 194.

([92]) صفة الصفوة 3/248.

([93]) تفسير ابن كثير 4/212.

([94]) صفة الصفوة 3/238.

([95]) طبقات الحنابلة 4/94.

([96]) تذكرة الحفاظ 1/131.

([97]) وفيات الأعيان 2/388.

([98]) صفة الصفوة 3/24، وحلية الأولياء 2/218.

([99]) سورة الفتح: الآية: 29.

([100]) السير 7/387.

([101]) السير 11/235.

([102]) أود: أي: اعوج.

([103]) الإحياء 2/199.

([104]) حلية الأولياء 7/217.

([105]) الإحياء 2/200.

([106]) روضة العقلاء 64.

([107]) البداية والنهاية 9/118.

([108]) السير 8/397.

([109]) جامع العلوم والحكم 77.

([110]) صفة الصفوة 1/364.

([111]) تذكرة الحفاظ 3/788.

([112]) السير 6/400.

([113]) جامع العلوم والحكم 195.

([114]) صفة الصفوة 4/162.

([115]) البداية والنهاية 9/115.

([116]) تذكرة الحفاظ 1/219.

([117]) تهذيب موعظة المؤمنين.

([118]) تاريخ عمر لابن الجوزي 200.

([119]) كتاب الصمت 212.

([120]) الإحياء 3/137.

([121]) حلية الأولياء 5/269.

([122]) حلية الأولياء 10/184.

([123]) التبصرة 1/91.

([124]) رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني.

([125]) أخرجه البخاري ومسلم.

([126]) أخرجه الحاكم والبزار وأبو يعلى وفي إسناده ضعف.

([127]) السير 10/140.

([128]) العزلة 18.

([129]) العزلة 13.

([130]) العزلة 24.

([131]) العزلة 18.

([132]) العزلة 57.

([133]) العزلة 39.

([134]) العزلة 31.

([135]) العزلة 22.

([136]) السير 8/398.

([137]) العزلة 45.

([138]) العزلة 79.

([139]) العزلة 44.

([140]) الصعو: عصفور صغير.

([141]) روضة العقلاء 109.

([142]) رواه الترمذي وأحمد وابن حبان وصححه الشيخ الألباني.