سمات طالب الحلقة القرآنية

رمضان بن حسن السمديسي

بسم الله الرحمن الرحيم

 أهمية الموضوع

الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 106-109].

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد:

فإن القرآن الكريم كتاب الله الذي ختم به جميع الرسالات، جاء مصلحًا للدنيا، مرشدًا إلى الآخرة، فجمع بين صلاحيهما، مبشرًا بالوعد منذرًا بالوعيد، جاء مصدقًا لما قبله من الكتب، يؤيدها في الحق والصواب، ويبرئها مما دس فيها من خطأ، وما طرأ عليها من تحريف وتغيير، حيث سلم هو من كل ما شابها، وانفرد بالحفظ دونها، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

والقرآن الكريم يكون مع صاحبه حتى في الآخرة حيث يقول عز وجل لعبده قارئ القرآن: «اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» [رواه أبو داود والترمذي] وعن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» [متفق عليه].

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «اعلم أن طلب العلم فريضة، وأنه شفاء للقلوب المريضة، وأن أهم ما على العبد معرفة دينه الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، أعاذنا الله منها».

وعلى هذا المنهج الرباني سارت الأمة رجالاً ونساء في قافلة العلم والحث عليها ومعرفة قدره، فهذا معاذ بن جبل - رضي الله عنه - يحث على طلب العلم، ويبين فضله وفضل أهله فيقول: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة».

وأول تلك العلوم وأسماها منزلة، وأشرفها قدرًا، وأنبلها هدفًا؛ كتاب الله عز وجل، فهو النور وهو الشفاء وهو الحكمة.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إذا أردتم العلم فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين.

نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا للعمل فيما يحبه ويرضاه، ويرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 الفصل الأول: أثر القرآن الكريم تربويًّا وسلوكيًّا على الطالب

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].

لقد كان القرآن الكريم على مر القرون الملاذ الأوحد لأمة الإسلام، والمعتمد الأول لرجال الإصلاح، يدعون به لإصلاح الفساد وللقيام بالواجب وترك المحذور، وليس هناك شيء أعمق تأثيرًا ولا أبقى من هذا القرآن العظيم.. وواقع المسلمين المؤلم بحاجة إلى إصلاح، ولا يصلحهم إلا التمسك بهذا الكتاب والعمل به والاحتكام إليه.

لقد جاء القرآن الكريم ليربي أمة، وينشئ مجتمعًا ويقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثير وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثير والانفعال إلى واقع.

وما زال القرآن الكريم يربي الأمة حتى تصبح أفعالها للفضيلة سجية ثابتة في نفسها، لا ترائي لأن الرياء محبط للعمل، بل يكون عملها خالصًا لله تبارك وتعالى.

وتلاوة القرآن بتدبر تربي وتذكر وتوجه وتبني وتؤثر في الناشئة تربويًّا وسلوكيًّا..

وللقرآن الكريم تأثيرات شتى على صاحبه منها:

1- التربية على الإخلاص لله عز وجل.

2- تعظيم شعائر الله.

3- الخشية والتقوى والخوف والرجاء.

4- مراقبة الله سبحانه وتعالى.

5- الاعتزاز بدين الله عز وجل.

6- بناء الشخصية الفعالة الواثقة.

7- توثيق عرى المحبة في الله.

8- الصدق في القول والعمل.

9- غرس روح التعاون على البر والتقوى.

10- التمسك بالجماعة وتوثيق الصلة.

11- التربية على التواصي بالحق والصبر.

12- التعود على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

13- التربية على فعل الخير والسعي إليه.

*     *     *


 الفصل الثاني: السمات المطلوبة في طالب الحلقات

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وألهمه أن يزكي نفسه بالخلق الكريم والصفات المحمودة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].

إن علم مكارم الأخلاق والشمائل وتقويم النفوس بمحاسن الآداب والفضائل من العلوم المهمة التي هي أساس نجاح الأمة، فإن على الأخلاق الفاضل مدار المدنية والعمران، وترقي الإنسان وصلاح البلدان ونمو مدارك العلم والعرفان، كما أن بالأخلاق السيئة الهلاك والدمار والخزي والعار؛ إذ هي السموم القاتلة والمهلكات العاجلة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة، وقد أرشدت إلى الأخلاق الفاضلة الشرائع الإلهية، وبعث نبينا - صلى الله عليه وسلم - ليتمم مكارم الأخلاق.

فالرجال بالأعمال، والأعمال آثار الصفات والأخلاق، وبذلك يتفاضل الناس، لا بالعلوم وحدها ولا بإجازات المدرسين أو شهادات المدارس فحسب، وذلك لأن العلم وحده لا يكفي لجعل الرجل عظيمًا في قومه نافعًا لأمته ووطنه، فإن العلم آلة تديرها الأخلاق، وهو عبادة القلب وسر حياته وقوته، ولذا كان حتمًا على طالبه تحصيل آدابه والسعي فيها وإلا سار مغربًا، وسار العلم مشرقًا، وكانا كما قيل:

سارت مشرقة وسرت مغربًا

شتان بين مشرق ومغرب

لذا كان لا بد لطالب العلم من سمات يعرف بها، وأخلاق يتحلى بها وآداب لا تنفك عنه، وفي السطور التالية نستعرض تلك السمات:

أولاً: السمات الشخصية لطالب الحلقة القرآنية:

1- ألا تكون الدنيا ومطالبها أكبر همه وكل شغله:

يجب على طالب العلم أن يتخفف من علائق الدنيا، وذلك لأنه جند نفسه وعقله لطلب علم القرآن، وما دام كذلك وجب عليه أن يكرس جهده ويجمع همته على التحقيق والإجادة حتى يحصل له حفظه، بل ويتعدى مرحلة الحفظ إلى العمل به كما علمنا ذلك الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقوله: «كنا نحفظ العشر آيات فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى نعمل بهن» وروي عنه أنه حفظ سورة البقرة في تسع سنين.. وذلك ليس بسبب الانشغال عن الحفظ أو رداءة الفهم، ولكن بسبب التدقيق والتطبيق.

وقد سأل الإمام الشافعي شيخه «وكيعًا»: بم حصلت على العلم..؟ فقال: «بطول السهر وافتراش المدر والاستناد على الحجر».

ثم أنشد قائلاً:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور

ونور الله لا يهدي لعاصي

2- التواضع وعدم التكبر:

قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: 63]. أي بسكينة ووقار متواضعين غير أشرين، ولا مرحين، ولا متكبرين.

والعلم لا ينال إلا بالتواضع وإلقاء السمع، وتواضع الطالب لشيخه رفعة له وفخر، وإن من صفات طالب العلم التي تجعل الناس يحبونه ويقبلون على ما عنده من الهدى والنور، ويتأثرون به؛ صفة التواضع، وذلك بخدمتهم وتعليمهم الآداب الإسلامية، وإبعادهم عن الشرر وأهله بمختلف الطرق الطيبة، وذلك بأن يكون هينًا لينًا مألوفًا سهل المعاملة، بشر الوجه صاحب ابتسامة وكلمة طيبة، خافضًا جناحه للمؤمنين، باذلاً نفسه وعلمه ووقته وماله لله في خدمة عباد الله.

فيجب على طال العلم ألا يتكبر على العلم ولا على المعلم؛ لأن العلم -وخاصة القرآن الكريم- يضيع بين «الكبر والخزي والكسل».

لأن الكبر: دافع إلى الأنفة من الناس، ومن أنف منهم بعد عنهم، ومن بعد عنهم انقطع به سبيل المعرفة.

والخزي: يمنعه من التساؤل.. والعلم خزائن ومفاتيحها السؤال.

والكسل: يدعو إلى تأجيل الاستذكار، ويكسر ملكة الفهم ويحل عزيمة الطالب.

ويجب على طالب العلم احترام معلمه كما فعل الصحابة الأجلاء فيما يرويه الشعبي قال: «صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابها. فقال زيد: خل عنك يا ابن عم رسول الله.. فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء.. فقبّل زيد يد ابن عباس وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا - صلى الله عليه وسلم -».

3- الإنفاق على تعلم القرآن:

ينبغي على طالب العلم ألا يبخل بالإنفاق على تعلم القرآن، وليعلم أن ما ينفقه من ماله ما هو إلا قرض حسن يقدمه لله.. وليعلم أن تعلم القرآن عبادة محضة، والمال الذي ينفق في العبادات بمنزلة الزكاة والحج والصدقات.. وقد ضرب سلفنا الصالح المثل الأعلى في بذل المال والتضحية به في سبيل طلب العلم. وتعلم القرآن هو منتهى العلوم، وملتقى المقاصد والحكم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتعلمون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [رواه مسلم].

ولما ختم حماد بن أبي حنيفة سورة الفاتحة أعطى أبوه للمعلم خمسمائة درهم، فقال المعلم: ما صنعت حتى يرسل إلي هذا؟ فأحضره أبوه واعتذر إليه وقال: لا تستحقر ما علمت ولدي، والله لو كان معنا أكثر من ذلك لدفعناه إليك تعظيمًا للقرآن. وفي هذا اجتمعت عفة المعلم مع سخاء أبي حنيفة ([1]).

4- اهتمام طالب العلم بمظهره:

ينبغي على طالب العلم أن يتصف بالنظافة الظاهرة والباطنة، وأن يهتم بحسن الثياب، وأن يحرص على التطيب والسواك متبعًا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يتزين بأجمل الثياب عند سعيه إلى الخير وطلب العلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة» [رواه مسلم].

وكان الإمام مالك رحمه الله إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا إكرامًا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا كان علماء السلف وطلابهم.

ثانيًا: السمات الاجتماعية لطالب الحلقة القرآنية:

1- التزام الأدب التام مع شيخه وقدوته:

إن الله عز وجل قد بين في كتابه -وهو رب القلوب وعلام الغيوب- أن الذكرى لا تجدي عن كل أحد، وليست بنافعة كل من سمعها، بل لا بد من شروط وقيود، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].

قال ابن القيم رحمه الله: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله».

«فلا ينال العلم إلا بإلقاء السمع مع التواضع، وقد كان السلف y يعظمون من يتعلمون منهم تعظيمًا شديدًا، وآثارهم في ذلك شاهدة على آدابهم في مجالس التعليم، وعلى توقيرهم لمعلميهم، وقد أخرج الخطيب رحمه الله كثيرًا من تلك الآثار فساق بسنده عن مغيرة قال: كنا نهاب إبراهيم النخعي كما يُهاب الأمير».

فعلى طالب العلم أن ينقاد لشيخه في أموره، ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، وأن ينظر إليه بعين الإجلال؛ فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، وينبغي ألا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه من بعد، وعليه أن يعرف حقه ولا ينسى فضله، وأن يعظم حرمته ويرد غيبته، وأن يصبر على جفائه، وأن يترفق به، وأن يحذر طالب العلم أشد الحذر أن يماري أستاذه؛ فإن المراء شر كله، وهو مع شيخه وقدوته أقبح وأبعد من الخير وأوغل في الشر، وهو سبب للحرمان من كثير من الخير.

فعن ميمون بن مهران رحمه الله قال: «لا تماري من هو أعلم منك، فإذا فعلت خزن عنك علمه، ولم تضره شيئًا».

وعلى طالب العلم أن يلتزم آداب الاستئذان على شيخه، فإذا وجده نائمًا فلا ينبغي له أن يستأذن عليه، بل يجلس وينتظر استيقاظه أو ينصرف إن شاء، وإذا انتهى الطالب إلى حلقة الشيخ جلس حيث انتهى به المجلس بعد سلامه على شيخه وعلى الجالسين، فعن علي - رضي الله عنه - قال: من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمز بعينيك غيره، ولا تقولن: قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تسار في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء. (تذكرة السامع والمتكلم).

2- ترك العشرة ما أمكن واختيار الصاحب والرفيق:

ينبغي لطالب العلم ألا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه، وأن تعرض لصحبته من يضيع عمره معه ولا يفيده، ولا يستفيد منه، ولا يعينه على من هو بصدده، فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: الدفع أسهل من الرفع.

وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب المال والعرض إن كانت لغير أهل، وذهاب الدين إن كانت لغير أهله، فإن احتاج إلى من يصحبه فليكن صاحبًا صالحًا دينًا تقيًّا ورعًا ذكيًّا، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبره.

قال ابن قدامة رحمه الله: واعلم أنه لا يصلح للصحبة كل  أحد، ولابد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال يرغب بسببها في صحبته.


وينبغي فيمن تؤثر صحبته خمس خصال:

أ- أن يكون عاقلاً؛ لأن العقل هو رأس المال.

ب- أن يكون حسن الخلق لا يطيع هواه.

ج- أن يكون غير فاسق؛ لأن الفاسق لا يخاف الله تعالى، ولا تؤمن غائلته ولا يوثق به.

د- ألا يكون مبتدعًا؛ لأن المبتدع يخاف من صحبته بسراية بدعته.

هـ- ألا يكون حريصًا على الدنيا فيفتتن بها.

3- حسن المعاملة مع زملائه ومع الناس:

على طالب العلم أن يتحلى بالأدب وحسن المعاملة في حلقته مع أضرابه، وأن يتحلى بالصدق ويتنزه عن الكذب، ويحترم الكبار، فإن جلس فبأدب، وإذا تكلم فبعد استئذان، وإذا دخل أو انصرف سلَّم.

وبقي بعد ذلك وهو الأهم احترامه للقرآن، وليكن القرآن هو المؤثر في شخصيته وتصرفاته، وليكن قدوته في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان قرآنا يمشي على الأرض، وكان خلقه القرآن - صلى الله عليه وسلم -.

ثالثًا: السمات الإيمانية لطالب الحلقة القرآنية:

1- إخلاص النية في طلب العلم:

قال الألباني: تقرر في الشرع أن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [أخرجه البخاري ومسلم].

وقال ابن جماعة رحمه الله: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به، وإحياء الشريعة وتنوير قلبه وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله.

قال سفيان الثوري: ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي. ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال ومباهاة الأقران وتعظيم الناس له، وتصديره في المجالس، ونحو ذلك فيستبدل الذي هو الأدنى بالذي هو خير([2]).

2- طهارة النفس من رذائل الأخلاق:

إن تعلم القرآن عبادة القلب وصلاة السر وقربة الباطن إلى الله عز وجل، وكما لا تصح الصلاة إلا بالطهارة الظاهرة للبدن والملابس والمكان، فكذلك لا تصح العبادة الباطنة –عبادة القلب– إلا بطهارته من النفاق والمكر والخبث، والحق والحسد، والعداوة والبغضاء. وهي نجاسات قلبية ونفسية وباطنية.

والقرآن الكريم كالزرع لا ينبت إلا في التربة الخصبة الصالحة، أما الأرض السبخة أو المريضة فلا ينبت فيها زرع، وإن نبت بعض الشيء لا ينمو، وإن نما لا يثمر، وإن أثمر لا يأتي بجيد الثمر، فالقرآن لا ينبت ولا ينمو ولا يثمر إلا في القلب الطيب الصالح الطاهر.

وعلى هذا ينبغي لطالب القرآن أن يكون نظيفًا طاهرًا من هذه الصفات السيئة، ومتحليًا بالصفات الحسنة السمحة الكريمة؛ مثل الصدق، والأمانة، والإخلاص، وبالجملة كل متطلبات الإيمان.

3- أن يقصد بتعلمه تحلية باطنه ونقاوة نفسه:

ينبغي لطالب القرآن أن يقصد بتعلمه له تحلية باطنه، ونقاوة نفسه، وطهارة سريرته، وأن يقصد به القرب إلى الله، والترقي إلى جوار الملأ الأعلى، والانضمام إلى صفوف الملائكة، كما أخبرتنا بذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة»، وكلنا يعلم أن الملائكة كانت تنزل لتسمع أسيد بن حضير، وقد رآها مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها إلا أنه لم يعرفها، فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصف له ما رأى، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم» [رواه مسلم].

رابعًا: السمات التربوية لطالب الحلقة القرآنية:

1- التدرج في التعليم:

ينبغي على طالب القرآن أن يتدرج في تعلمه وحفظه، وأن يحفظ المطلوب منه دون عجالة، وذلك بالتكرار والتسميع لنفسه عن ظهر قلب قبل التسميع لمعلمه، وذلك ليتعود على النظام وعدم الاستعجال في أي أمر يخصه، قال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 16-19]، وليعلم طالب العلم أن القرآن الكريم لم ينزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - جملة واحدة ولكن نزل مفرقًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: 32].

2- التحلي بالأدب في مجلس التعليم:

على طالب القرآن أن يلتزم الأدب في حلقته، فلا يتبجح ولا يأتي بأعمال يأنف منها معلمه كالكلام والانصراف بدون إذن منه، وكذا الدخول عليه بدون تسليم، وأن يجلس أمامه بسكينة ووقار، وألا يرفع صوته على صوت معلمه في كلام خارج عن الحلقة.

أما رفع الصوت في مسألة علمية فمطلوب؛ ليكتسب الجرأة في القراءة، وليتمكن من إظهار الحروف أمام معلمه، وأما مع زملائه فيحترم كل واحد منهم داخل الحلقة، فإن احترامه لهم احترام لمعلمه ولحلقته، فلمجلس الدرس حَرَمٌ مقدس لا يجوز انتهاكه، وأن يوثق العلاقة الحسنة بزملائه حتى خارج الحلقة، فيعود المريض، ويسأل عن الغائب، ويعين المحتاج بقدر استطاعته، ويشاركهم الأحزان والأفراح.

3- مراعاة الأدب مع القرآن:

قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21].

على طالب الحلقة القرآنية أن يستحضر هيبة الله وجلال كلامه في قلبه حتى يحصل له خشوع، والخشوع يهيئه للتدبر والفهم، وهذا يشرح صدره ويجعله مبتهجًا مسرورًا، وعليه أن يستعد للحلقة بتنظيف الجسد، وأول ما ينظفه منه فمه؛ لأنه آلة القراءة، وأن يكون على طهارة كاملة من الحدثين الأصغر والأكبر، فيتوضأ ويسبغ الوضوء، وإن كان لديه طيب فليتطيب، وأن يجلس متوجهًا إلى القبلة إن أمكن، وعلى هيئة المتواضع، وعندما يشرع في القراءة فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ويلتزم بالأدب، ويستحضر عظمة القرآن الكريم، ولا يشغل نفسه بشيء آخر غير القرآن في الحلقة، وعليه أن ينصت لتلاوة المعلم وعدم مقاطعته أو الانشغال عنه حال التلقين، وبعد انتهاء الحلقة لا يخرج قبل معلمه، وأن يلتزم آداب الخروج من المسجد بسكينة ووقار.

*     *     *


 الفصل الثالث: وسائل غرس هذه السمات وتنميتها لدى طلاب الحلقات

أولاً: الخوف والرجاء:

على المعلمين أن يغرسوا في نفوس طلابهم الخوف من الله تعالى؛ لأنه شديد العقاب على العاصين لأمره التاركين لفرائضه، فقد توعَّد العصاة بالنار المحرقة يوم القيامة، وهي أشد حرارة من نار الدنيا بكثير، وفي المقابل فإن الله تعالى وعد المؤمنين الطائعين المؤدين حقوق الله بالجنة الواسعة التي فيها الأنهار والأشجار والثمار والحوار العين وغيرها من أنواع النعيم المقيم، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49، 50].

ثانيًا: القصص الهادف:

القصة لها تأثير على النفس، فعلى المعلمين أن يكثروا من القصص النافعة لطلابهم، فهي خير عون لهم على تربية الأجيال، وهي كثيرة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، مثل قصة أصحاب الكهف التي تهدف إلى إنشاء جيل مؤمن بالله، يحب التوحيد ويكره الشرك.

ثالثًا: المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد:

وذلك لتنشئة الطلاب على ارتياد المساجد ليعتادوها عند الكبر، ويسهل عليهم الذهاب إليها، وهذا مما ينمي السمات الإيمانية لدى طالب الحلقة القرآنية.

رابعًا: ترغيب الطلاب في حفظ القرآن الكريم:

فينبغي للمعلم أن يحث طلابه على الحفظ وذلك بذكر الآيات والأحاديث التي فيها ذكر فضائل تلاوة القرآن وحفظه، وذكر الأجر المترتب على ذلك، كما ينبغي ذكر هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهدي السلف في الحفظ والتلاوة، فهذا مما يشحذ الهمم ويقوي العزائم.

خامسًا: الاهتمام بالمسابقات القرآنية:

وذلك بين الطلاب بمختلف مستوياتها، وكذلك المسابقات العلمية والثقافية، فإن لها أثرًا كبيرًا في توسيع مدارك الطلاب، وإذكاء روح التنافس بينهم.

سادسًا: إقامة المراكز الصيفية والقيام بالرحلات والزيارات:

وذلك لتنمية السمات الشخصية والاجتماعية والتربوية، وتوظيف تلك الطاقات الناشئة بما يتناسب وقدراتها.

*     *     *


 الفصل الرابع: دور المعلم في تعزيز السمات الإيجابية وعلاج السمات السلبية

على المعلم أن يعلم أن الأمة تعلق عليه آمالاً كبيرة؛ لأنها قدمت إليه أغلى ما تملك، قدمت له ثمرة فؤادها وفلذة كبدها، فعليه أن يسلك طريق التربية الناجحة التي جاء بها القرآن الكريم وجاءت بها السنة المطهرة لتربية جيل مسلم مهذب شجاع، يدافع عن دينه وأمته، وعليه أن ينمي السمات الإيجابية لدى الطالب، ويعالج السمات السلبية، وهذه بعض الطرق المستخدمة في ذلك:

أولاً: تعزيز السمات الإيجابية:

1- المديح الصادق والتوجيه الهادف والثناء الجميل.

2- الحوافز المادية والمعنوية.

3- تشجيع التنافس وإذكاء روح السبق إلى الخير.

4- إقامة الحفلات التشجيعية للطلاب في الحلقات.

5- دعاء المعلم لطلابه قائلاً: وفقك الله، جزاك الله خيرًا، بارك الله فيك...

6- استخدام لوحة الشرف.

7- مصاحبة المعلم لطلابه إلى المسجد، أو إلى الرحلات والزيارات.

8- توصية المعلم أهل الطالب به.

9- دعوة أولياء الأمور لزيارة الحلقات.

10- عقد لقاءات دورية مع أهل الحي لتفقد أحوال الحلقة وإشعار الطلاب بالاهتمام بهم.

ثانيًا: علاج السمات السلبية:

1- توضيح منزلة القرآن الكريم وفضله وثواب معلمه وطالبه، والتحذير من نسيانه.

2- النصح للطالب بدون تعنيف أو جرح كبريائه أو إهانته مع عدم التصريح بالأسماء.

3- استخدام أساليب الرفق واللين والود والتواضع من المعلم لطلابه.

4- إشعار الطالب بالاهتمام به وإفساح المجال لظهور قدراته ومواهبه.

5- تجنب التحيز إلى طالب بعينه.

6- حل مشكلات الطلاب ما أمكن بمشاركة أولياء الأمور.

7- مساعدة الطلاب الفقراء بالتنسيق مع الجهة المسئولة.

*     *     *


 خاتمة البحث

قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، هكذا أثنى الله عز وجل على العلم وأهله، ورتب لمن سار في طريقه الأجر والمثوبة، ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة، ومن إكرام الله عز وجل للعلماء استشهاده بهم على أعظم مشهود به وأجله وهو توحيده، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفضيل العالم على العابد: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي». [رواه الترمذي].

فانظر يا طالب العلم كيف جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - العلم مقارنًا لدرجة النبوة، وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم، وإن كان العابد لا يخلو من علم بالعبادة التي يواظب عليها، ولولاه لم تكن عبادة، والإسلام دين ينبذ الجهل، ويحث على طلب العلم، ويرتب الأجر والمثوبة على ذلك، ويهدف إلى تربية النشء وتعليمه لإنشاء شخصية ذات مثل عليا، هذه الشخصية يجب أن تكون مرتبطة بربها، تستمد منه نظام حياتها، وتعمل على تقويم مجتمعها وتصحيح مفاهيمه على أسس صحيحة.

فاجتهد أخي المسلم في طلب العلم، واحرص على النهل من معينه والعمل به، ثم عليك بتبليغه وإيصاله إلى الناس اقتداء بالمعلم الأول نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى تفوز بخيري الدنيا والآخرة...

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

*     *     *



([1]) «من أخلاق العلماء» ص (147، 148).

([2]) «تذكرة السامع والمتكلم» ص(69، 70).