سنبلة قلم [ أوراق أدبية نشرت في المجلات الإسلامية ] ()

 

|

 سنبلة قلم [ أوراق أدبية نشرت في المجلات الإسلامية ]

د. عبد الملك القاسم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فقد يسر الله - عز وجل - أن كتبت مقالات متفرقة في عدد المجلات الإسلامية كالدعوة والأسرة والشقائق، وغيرها.

ورغب بعض الأخوة أن أجمعها في مكان واحد، خاصة أنها مقالات ليست مختصة بوقت معين، فاستعنت بالله وجمعتها بدون حذف أو إضافة.

سائلاً الله - عز وجل - أن يجعل أعمالنا صوابًا خالصة لوجهه الكريم.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم


 أحسن الله عزاءكم

أثار موت (ديانا) مواجع كثيرة، وفواجع متتالية، تذكرت بعدها ذلك الأعرابي الذي يمم في هجير الشمس نحو القرية، وهو يسوق قطيعًا من أغنامه. وأحلام الربح الوفير تستحث خطاه، حتى أدرك صلاة الجمعة في الجامع الكبير وسط القرية.. انتشر المصلون في الساحة المجاورة، وكلٌّ غدا بما لديه، وانهمك الجميع في بيع وشراء ومفاوضة ومقايضة.

وكان أولهم ذلك الأعرابي الذي جلب قطيعه حتى أدرك المشتري وكان من وجوه التجار.. وتم البيع بعد أن أقبضه الثمن إلا قليلاً وقال: أمهلني أسبوعًا لما بقي من الأموال، وإني لها حفيظ.. بعد هذا الوعد هرول الأعرابي عائدًا إلى مضارب قومه وهو ينتظر الجمعة الأخرى؛ ليقبض ما بقي له من يد التاجر.

وفي الموعد المحدد بينهما جدَّ الأعرابي في السير إلى حيث أزعجته مماطلة التاجر جمعة بعد أخرى، فما كان منه بعد خمس جمع إلا أن ترقب حلول المساء وصلى المغرب انتظارًا لموعد مزعوم من التاجر الذي أخذ يقدم ويؤخر، فضاق الأعرابي ذرعًا بعدم الوفاء بالعهد، وتأدية الأمانة، وتسليمه حقه كما هو متفق عليه فكان ما فعله:

أذن المؤذن لصلاة العشاء في مسجد لا يخلو من مصباح خافت في طرفه الخلفي، وبعد الصلاة قدمت جنازة ملفوفة في خرقة


صغيرة توحي بأنها كفل، وضعت أمام المصلين. كبر الإمام أربعًا (صلاة الجنازة) ثم سلم على يمينه، وانتظر من الجموع الواقفة من يأتي لحملها.. ولم يتقدم أحد، واحتار المصلون، والتفتت الرءوس يمنة ويسرة، حتى قطع صوت الأعرابي حيرتهم وتسلل نَفْسَه المقهور من بين الصفوف يقول: أحسن الله عزاءكم، هذه جنازة الأمانة التي ماتت في قلوبكم، فأحببت أن نصلي عليها جميعًا وندفنها.

اختفي الصوت، وتأمل الإمام الجنازة، فإذا بها جذع شجرة.. وعندها علموا قصة الأعرابي مع التاجر الخائن، ولم يدفنوا الأمانة، فعادت حية في قلوبهم.

وتشخص أمامنا في هذه الأيام جنازة الولاء والبراء تنتظر الدفن، فقد تمت الصلاة عليها بملء السمع والبصر في أقطار المسلمين شرقًا وغربًا.. ولنمض قدمًا في دفنها، فقد مات الولاء والبراء في قلوب كثيرة!

سأعزيكم فيه. فأحسن الله عزاءكم، في هذه القضية العقدية، والمصاب العظيم فلم نرى ركنًا من أركان العقيدة تداعت أركانه مثل الولاء والبراء. وتكشف مع جنازة (ديانا) عوار الأمة،، وظهرت تبعيتها، وأبانت عن ضعف معتقداتها وعدم رسوخها وثبوتها في القلوب! فقد رأينا الأمة رأي العين تسقط من عليائها لتستقر في غبرائها! هاكم بعض من إرهاصات مسلسل السقوط العجيب عندما عم الخبر وطم:

أحداهن ذرفت الدموع علانية، وعويلها يرتفع إلى عنان السماء!


 والثانية كانت أكثر جرأة، وأرادت أن تنتحر! وتلك الآمنة في بيتها تفاعلت مع الحدث، ورق قلبها لمشهد الأميرة المسجاة! وأغمها أن ترى ابنيها الصغيرين في ذلك اليتم! أما الرجل الذي تنتظره الأمة فترك أعماله، ولم ينهض لأداء الصلاة لكي يتابع أحداث الجنازة، ومع أحداث الموت يراها على الشاشة إلا أنه أراد أن يجمع على نفسه أنواع المعاصي، فأطلق لعينيه العنان يقلبها في أعين الغيد!

أما المثقفون، والمحبون حضورًا، أو قلوبًا، فأمرهم جلل، وخطبهم عظيم، وعقيدتهم في خطر، وهم على شفا حفرة.

لكن يا ترى من هي تلك المسجاة التي تُحمل على عربة تجرها الخيول، وتستحق كل هذا الإطراء والتبجيل؟ ومن هي التي تهفو القلوب إلى رؤيتها حية وميتة. هل هي من أمهات المؤمنين، أم من الصحابيات والتابعيات؟! أم هي أم الأبطال وصانعة الرجال، بل لعلها العفيفة الحصينة!

يأتي الجواب مطأطئ الرأس خجلاً: إنها امرأة كافرة، سيئة السيرة، لها في كل يوم يد رجل، وحضن عشيق جديد، تراها توشحت بالكفر، وتدثرت بالعهر. وهذه المعلومات غيض من فيض، وقليل من كثير، وليست حدسًا وتوقعًا، بل هي كالشمس في رابعة النهار، وهي مبذولة السقاء لكل وارد، وتتحدث عنها الهالكة بالصوت والصورة.

وتأمل كيف ختم لها الجبار العظيم في نفق مظلم، سائرة في طريق البغي مع عشيق ومخمور إلى حيث....!


قد يصدم البعض، ولكن قبلت الحقائق، وعميت عليهم الأمور وكثير من قومنا يعلمون ذلك، ولكن استمرأت بعض النفوس العهر والكفر!

ورأيت بعد حادثة هلاكها بيوم من سمى ابنته (ديانا) لسبب أعلاه! فقلت له في حوار سريع: أما كان لك غُنية في البعد عن الكفر، والعهر، والفجور، وهي التي ضجت وسائل الإعلام بذكر سيرة حياتها؟ ثم أين أنت من أسماء تتعبد إلى الله بها وهن كثر من أمهات المؤمنين، والصحابيات والتابعيات، بل كيف غابت عنك الصفات العالية: الطاهرة، العفيفة والعلامات البارزة كالقمر والثريا، ولكنه امرؤ سطحي ينظر من زاوية متهالكة..

يتبع كل ناعق، ويسير خلف كل راية، واستقبل من وسائل الإعلام ما جعله إمعة، يسير حيث شاؤوا، وبعضهم قد يزيد، ويرعد، ويتهدد، ويتوعد بأنها كانت تحب الإسلام وتنوي الدخول فيه!

عجبًا أين أنت أيها المدافع؟ عن عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبي طالب الذي ناصره ودافع عنه، ولأنه لم يعلن كلمة التوحيد فهو في النار، والهالكة لم يعرف عنها أمر الإسلام لا تصريحًا، ولا تلميحًا، مع أن العالم كله يعرف عدد عشاقها، وألوان أحذيتها!

ولله - عز وجل - حكم عظيمة، وكم أراح العباد بموت فاجر، أو كافر، فله الحمد والمنة، ولن نتابع جنازتها، إنها جنازة الولاء والبراء.. لنلق عليها نظرة وهي مسجـاة تنتظـر الرحـيل، وقـبل أن


 تحمل الجنازة على الأعناق تحسس أيها القارئ ولاءك للمؤمنين، وبراءتك من الكفار والمشركين، وجدد إيمانك بما ذرفت من دمعة، أو رقة قلب، أو محبة أو إعجاب، أو تشبه وموالاة. وهناك أمل في الله كبير، فللولاء والبراء وليد، بدأ يشب على الطوق، نراه يومًا بعد يوم يكبر في قلوب طاهرة نقية.

خمس سنابل:

* قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله».

* كان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله، وكذب به.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يُحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله ولا يواد إلا لله، ولا يعادي إلى لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله».

* قال أبو الوفاء بن عقيل: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة.

* عاش ابن الرواندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثران كفرًا.. وعاشا سنين، وعظمت قبورهما، واشتريت تصانيفهما، وهذا يدل على برودة الدين في القلب(1).

 فريضة الله على كل مؤمنة

نحن في زمن طغت فيه الإنهزامية والضعف، ولذا أصبح الاعتزاز بهذا الدين والانتماء إليه، ورفع رايته من نوادر الأمور في حياة المسلمين. حتى أنك سمعت قصة عن الاعتزاز والفخار علمت أن الركبان تتناقلها، وأنها أصبحت أحاديث مجالس الأخيار. وكأنها قصة تروى من الصدر الأول لإشراقة الإسلام!

يا ترى.. أمة من الناس ثار غبارها في هذا الصيف وهي تلهث وتجري على تراب الغرب الكافر! تستجدي عطفهم، وتتلمس رضاهم، وتنفق الأموال في ديارهم.. تلك الخطى وتلك الشهور والأيام، أين منه واقع الاعتزاز بهذا الدين!

هل سمعتم أحدهم في (الهايد بارك) يرفع عقيرته بالأذان. أو أن آخرًا يحدث عن التوحيد ونبذ الصليب! بل أما أطلت رءوسكم إلى مسلمة مؤمنة تتلفف بالحجاب كما كان سائر نساء الصحابة!

إحداهن ممن ابتليت بالسفر إلى بلاد الكفار، تحجبت الحجاب الشرعي المعروف فلا يرى منها يد ولا وجه ولا يظهر منها خصلة شعر.. حديثها يأتي همسًا وربما تصاحبه الدمعة: كنا ثلاث مجموعات من النساء:

المجموعة الأولى: من التزمن بحدود الله، وابتعدن عن معصيته، وعلمن أن الحجاب فريضة الله عـلى كـل مؤمـنة، فاطـعن وامـتثلن،


وأنا إحداهن ولله الحمد.

والمجموعة الثانية، متذبذبات أخذتهن موجة التغريب لكنها لم تسقط الحجاب كاملاً فلا تزال بقيه إيمان في قلوبهن تدافع الخبث.. فجعلن من الحجاب على الرأس ما يزين ويجمل!

أما المجموعة الثالثة: فهن والكافرات سواء بسواء في الملبس والمظهر والمساحيق، بل وارتفاع الأصوات وبذاءة اللسان ووقاحة العينيين.. وقل ما تشاء!

وكان الموقف محرجًا وإحدى الكافرات تسألني، تستوضح الأمر رغبة في معرفة سر الاختلاف في المظاهر الثلاثة، وما هو الفرق بين المجموعات وتنادى إلى سمعي قولها: ألستن مسلمات كلكن؟!

يا ترى ماذا كان جوابها! وماذا يكون جوابنا أمام الله - عز وجل - لهذا الانسلاخ من الدين، والسير في إسقاط الحجاب بأيدينا طائعين مختارين؟! متى تفيق أمة الله؟ ومتى تستيقظ ابنة الإسلام؟! ومتى تعلم المسلمة أن الحجاب فريضة الله على كل مؤمنة؟!(1).

*     *     *


 من المتفوق؟

أعرابي.. لا يقرأ ولا يكتب، يرعى غنمًا في أقصى الصحراء.. ذلك هو الوجه الأول في مسابقة التفوق! أما الأخر فإنه يعيش في وسط المدينة ونشأ وترعرع فيها.. أتم دراسته الجامعية ولديه حصيلة ثقافية جيدة ومورد مالي طيب، واطلاع مستمر على الطروحات المختلفة.. ولديه أبناء.

الأعرابي.. يذهب نهاية كل أسبوع لقرية يجلب منها (الشعير) وما يناسب مائدة الأغنامٍ لتأكل وتهنأ بالعيش.

أما المدني.. فإنه أيضًا جعل من نهاية الأسبوع أيامًا لشراء ما يلزم لأبنائه وأعد لذلك مستودعًا بجوار المطبخ، وأكثر ما يشغل ذهنه أن ينقص المخزون أو أن يفقد نوعًا من الأغذية!

الأعرابي.. جعل لأغنامه راعيًا يسرح بها ويحرسها من الذئاب ويحوطها عن الضياع واختار من يجيد الصنعة، ومن لديه خبرة في توليد الأغنام، وسياسة الرعي، ومع هذا لم تقر عينه فهو يتابع ويشرف بنفسه!

أما المدني.. فقد جلب سائقًا يجيد القيادة لكنه ذئب في جلد إنسان، فهو رجل لديه شهوة وتتحرك فيه دواعي الغريزة، ومكنه المدني من الاختلاء بأهله وأبنائه منذ اليوم ألأول ولم يفكر إطلاقًا في متابعة معرفة ديانته بل ولا أخلاقه!


الأعرابي.. يسارع نهاية كل أسبوع إلى استطلاع ما حوله من رعي جائر أو لص سارق أو ذئب مفترس!

أما المدني.. فقد نام قرير العين حتى كثر لصول الأعراض وسراق الدين، والذئاب تحوم حول الحمى.

الإعرابي.. بفطرته أقام مسجدًا مكونًا من أحجار جمعها من هنا وهناك واجتهد في تحديد اتجاه القبلة، وجعل الأذان يدوي في الوادي لطرد الشياطين وإعلام الجن والإنس بموعد الأذان.

المدني.. بحث عن مسكن له واشترط المسكين أن يكون بعيدًا عن المسجد، حتى لا يزعجه صوت الأذان وجعل الشياطين تجول في بيته وتصول.

الأعرابي.. كالأب الحاني على أبنائه إذا رأي مرضًا أو جربًا أصاب غنيماته سارع إلى التماس الدواء الشعبي، أو سارع إلى أقرب بيطرية طبية لمعالجتها.

أما المدني.. فإنه ترك أمر الرعاية للسائق والخادمة يذهبان بأبنائه ويعودان وليس الأمر مقتصرًا على البحث عن الدواء فحسب.

الإعرابي.. بتجربته ومراسه يعرف متى يوضع الذكر مع الأنثى، ومتى تبعد عنه؛ فكان ذلك أدعى لاستقرار الحظيرة وحسن إنتاجها وعدم تركها لشهوتها.

أما المدني.. فيعلم حاجة الذكر للأنثى بفطرته وأن ذلك لا بد أن يتم وفق ضوابط شرعية، لكنه في بعض الأحيان يتعامل مع مـن حوله من الزوجة والأبناء بمنطق الراعي البدوي، مع كثرة إهمال


وتفريط؛ حتى اختلط الحابل بالنابل في الأسواق والتجمعات. والحديث لا يسترسل فيه هنا!.

الأعرابي.. تضوي أغنامه إلى حظائرها قبل غروب الشمس حتى تجد السكن وتبتعد عند غوائل الليل وشياطين الأنس.

أما المدني.. فإنه قد أحال ليله نهارًا، ونهاره ليلاً، ولا يوجد ضابط للعودة أو التأخر، وعن من، وأين، وإلى متى؟!

الأعرابي.. يرفع عينيه صوب السماء يرجو رب السماء إنزال المطر وإدرار الضرع وإنبات الزرع؛ بذل الأسباب واتبعها الدعاء.

المدني.. لاه ساه خامل.. لم يبذل الأسباب ولم يرفع كفيه إلى رب الأسباب!

الأعرابي يردد بين الحين والآخر بحماس:

من يرعى الغنم في أرض مسبعة

ولم يصنها تولى رعيها الأسدُ

والمدني.. فإنه يردد كل حين وبسذاجة:

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر القوم جراها ويختصم

والعجيب أن أوجه التشابه بين أبناء المدني وقطيع الغنم كثيرة جدًا؛ والكل في سباق نحو تكثير الشحم واللحم! (1).

*     *     *


 هنيئًا لكِ

تنعم المؤمنة بنعمة الستر والعفاف، يزينها الحياء إن قعدت والحشمة أن سارت، وضعت فوق رأسها شعارًا تحلت به المرأة عبادة لله وتقربًا، وحافظت عليه طاعة ورضا.

أخذت الحجاب الشرعي كاملاً مثل ما آمنت بأن الصلوات خمس فأقامتها والصيام المفروض شهر فأدته، والحج مرة في العمر فسارت إليه! طبقت شروط الحجاب الشرعي كاملة حتى لا تشذ وتقع في مخالفة واحدة!

هذه الموفقة أطاعت وامتثلت وصانت نفسها وحمت أعين المسلمين من الوقوع في الفتنة!

وجزاؤها -بإذن الله- جزاء موفورًا في الدنيا والآخرة. ومن أجمل أنواع الجزاء في الدنيا ما ذكره أحد الدعاة العاملين.. قال: ما رأيت امرأة مطبقة لتعاليم الشرع؛ إلا دعوت لها دعوات حارة متتالية؛ بأن يستر الله وجهها عن النار، وأن يبارك فيها وفي ذريتها، وأن يجعلها من أهل الجنة وأن يرحم والديه.. وهكذا - أتبعها الدعاء والتضرع إلى الله - عز وجل - أن يحفظها ويرعاها حتى تأخذني الغفلة!

وأخرى رأيتها في وسط متهتكات أحزنني وضعهن وآلمني حالهن من التكشف والريبة، قال: فلما قمت من ليلي جعلت دعائي في الـقيام لتـلك المرأة المتلزمة في وسط المتهتكات،  وسابقتني  الدمعة


لما هي فيه من وسط سيئ فبكيت، وأنا ساجد أدعو لها، قلت في نفسي: هنيئا لها الدعوات المباركة التي هي من ثمار الطاعة والامتثال لله - عز وجل ـ! فكم من دعوة رفعت لك أيتها المتحجية وتجاوزت الغمام استجيب لها وأنت نائمة لا تعلمين!

أما إحدى النساء في موسم الحج فقد تاهت في شده الزحام وأخذت تجري هنا وهناك بشراب دون حذاء، فرمقها أحد الدعاة ومعه أبناؤه فرق لحالها، وخلع نعله وناولها صغيره الذي أصر على أن تلبس الحذاء ثم سار أمامها مسافات طويلة حتى أوصلها مأمنها! قال: ذلك بمحبة للمؤمنات فعلت! والله لما رأيت عباءتها وسترها رق قلبي ومشيت مسافات طويلة على الإسفلت الأسود في حر مكة؛ محبة لمن التزمت بهذا الستر!

هذه ثلاث مبشرات مفرحات للمؤمنة لعل لله أن يبلغها المقيل!

وأهيب بالإخوة والأخوان الدعاء بظهر الغيب للأخوات اللاتي اطعن الله - عز وجل - وامتثلن أمره في الحجاب والستر، وأبشرهم بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك ولك بمثل...» [رواه مسلم].

أختي المسلمة:

هنيئًا لك هذا التوفيق من الله - عز وجل - والثبات على دينه وهنيئًا لك الدعوات التي تنير دربك وتيسر أمرك. وما عند الله خير وأبقي(1).


 بعضٌ من الوفاء

امرأة فاضلة تزوجت رجلاً صوامًا قوامًا أعانها على الطاعة والعبادة، وفي برهة من الزمن قليلة انطفأت أنوار السعادة بينهما، فقد أتى على الزوج هادم اللذات ومفرق الجماعات فأخذه وهو يرفل في ثياب صحته وشبابه.

وبقيت تلك الأرملة الشابة تعاني الوحدة وبُعد الأنيس. وتطاولت بها الليالي والأيام حتى ساق الله لها رجلاً شابًا يفوق الأول وسامة وبهاء ووفرة مال وحسن مظهر، لكنه خال الوفاض من أمر الدين، ومن عجائب ما يذكر للقراء أن زوجها القاني كان يأتي بأموال منها إلى جهة خيرية على أنها تبرعات عامة وهي إنما كانت تبني مسجدًا بأموالها الخاصة لزوجها الأول.

وتكرر مجئ الرجل مرات وهو يوصل المال، حتى إذا اكتمل المسجد بدأت في أعمال بر أخرى للزوج الأول من إجراء ماء أو مساهمة في صدقة!! فكانت مضرب المثل في الزوجة الوفية.

وحتى لا تغضب النساء من عدم وفاء الرجال لهن، ها هو عبد السلام بن رغبان يرثي زوجته بأبيات جميلة..

قل لمن كان وجهها كضياء الـ

شمس في حسنه وبدر منير

كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم

ولقد صرت زين أهل القبور

بأبي أنت في الحياة وفي الموت

وتحت الثرى ويوم النشور

وقال كمال الدين الأدهمي يرثي زوجته:

عـيوني لا تجـف مـن الـبكاء

وقلـبي لا يكـف عن العناء

وحـزني لا يخـف برغـم صبري

ومـن لي بالتـصبر والـعـزاء

ولم أحـزن على أحـد كحزني

علـى (قدسية) إمـراتي الضياء

وأعظم من ذلك كله وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجته خديجة - رضي الله عنها - حتى أنه يستقبل صويحباتها ويكرمهن وفاءً لحقها - رضي الله عنها-.

فقد ورد عند الحاكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكرم عجوزًا دخلت عليه، فقيل له في ذلك فقال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن كرم العهد من الدين».

والبعض اليوم يقول لزوجته.. عليك بالموت حتى أرثيك، فأنت زين أهل القبور!(1).

*     *     *


 يا بُنيتي

بعد صلاة الظهر من يوم شاتٍ ممطر وقف رجل كبير في السن تبدو على ملابسه آثار الفقر وعلى أطرافه علامات البرد وبجواره ابنه في الخامسة أو السادسة! وقف الرجل أمام المصلين وهو على تلك الحالة، وشكى حاله إلى الله - عز وجل - ثم إلا المصلين، وتحدرت كلماته، تسابق دموعه والابنة الصغيرة تمسح دمعة تلو الأخرى من على لحيته ثم أنفجرت بالبكاء!

وكنت ممن غالب الدمعة رأفة ورحمة بالأب والابنة الصغيرة.. مرت سنوات ولا زلت أتذكر ذلك الموقف بين الحين والآخر، فإن كان الأمر في حال خلوة سكنت أطرافي واهتز قلبي! وإن كنت في جمع زالت عجلى خجلى ثم انزوت بداخلي.

واليوم تذكرت موقف الرجل وابنته وعادت بي الذاكرة لقول عبد العزيز الديرني:

أُحـب بنـيتي ووزدت أنـي

دفنـت بنيـتي في قاع لحدٍ

وما بـي أن تـهون علي لكن

مخـافة أن تذوق الذل بعدي

فإن زوجـتها رجلـاً فـقيرًا

أراهـا عنـده والهـم عندي

وإن زوجـتها رجـلاً غـنيًا

فيـلطم خـدها ويسُّب جدي

سـألت الله يـأخـذها قريبًا

ولـو كانت أحب الناس عندي

أما ابن الوردي فقد أجمل وأكمل:

لـولا أميمة لم أجـزع من العدم

ولم أقـاس الدجى في حندس الظُلم

وزادني رغـبةً في العيـش معرفتي

ذل الـيتيمة يجـفوها ذوو الرحـم

أحـاذرُ الفـقر يومًا أن يُلِّـم بهـا

فـيهتك الستر عن لحمٍ على وضم

تهوى حيـاتي وأهوى موتهـا شفقًا

والمـوت أكـرم نزالٍ على الحُرَمِ

أخـشى فـظاظة عمٍ أو جفاء أخٍ

وكنتُ أبقى عليها من أذى الكلم

إذا تـذكرتُ بنيتي حـين تندبني

جَـرَت لعبرة بنـتي عَبـرتي بدَمِ

وخير من ذلك كله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن آنست جوارحه ابنة أو ابنتان: «من عال ابنتين أو ثلاثًا، أو أختين أو ثلاثًا، حتى يبنَّ أو يموت عنهن، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعه الوسطى والتي تليها» [رواه أحمد].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يُهنها ولم يؤثر ولده عليها،


يعني - الذكور - أدخله الله الجنة» [رواه أبو داود].

فهنيئًا لمن تحمل هذه الأمانة وقام برعايتها والمحافظة عليها حتى تدلف به أبواب الجنة(1).

*     *     *


 إلى من أظله رمضان

نحن أمة ذات أحلام واسعة وتطلعات هائلة.. يظهر ذلك جليًا في ادعائنا للعلو والكمال في كل شيء.. فنحن الأقوى.. ونحن الأكثر، ونحن أهل العطاء، ونحن مجتمع المحبة.. ونحن...!

ولكل ما سبق من الادعاءات واقع مغاير لما كان عليه الصدر الأول في الإسلام مما جعل الأمر أضحوكة يتسلى بلها ونكتة يتندر حولها. فنم من سواد الأمة من يقول (سمعنا وأطعنا) ولسان حالهم سمعنا وعصينا! وكم منهم من يعلن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخالف تعاليمه، ويدعي اتباعه وهو يعصي أوامره.

إنه تناقض عجيب ليس له تفسير إلا الادعاء الأجوف لهذه المحبة! بل هناك الدعاء الآخر والواقع القريب من شهر رمضان.. فالكثير تظهر عليه علامات السرور والفرح بهذا القادم.. ثم إذا أشرقت أيامه وحط الشهر رحاله تفلت هذا الحب، واختفى ذلك الشوق، وبدا الشهر بأيامه القصيرة - على أناس - طويلاً جدًّا، وسرح البعض في أودية المعاصي ليلاً ونهارًا، وسقط الادعاء مرة أخرى!

وهذه الازدواجية بين الادعاء والتطبيق والقول والفعل، جزء من الجهل والغفلة بحقيقة الواقع وأصل الوجود، فنحن خلقنا للعبادة ولا شيء غير العبادة، وما بعدها معين ومكمل لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وأيام العبادة هي رحلة العمر القصيرة على هذه الأرض.. تتفلت من الإنسان وهو يرى.. وتمر مر السحاب وهو لا يشعر.. وينبئك عن سرعتها دقات القلب وتلاحق الأنفاس، فقبل عام ودعنا رمضان واليوم نستقبله! وما بين الفراق واللقاء إلا أحد عشر شهرًا حافلة بالأحداث في حياتنا وأيامنا. فقد ودعنا حبيبًا واستقبلنا مولودًا، وغيب الموت صاحبًا وأدنى الزمن نائيًا!

فسبحان مصرف الأيام! وكلنا في الرحلة إلى الدار الآخرة جادون في المسير وسرعان ما يترجل الواحد عن صهوة هذه الدنيا وينزل في باطن الأرض مسجَّى بكفن ومعطرًا بسدر وحنوط!

وإن أهمك الأمر وأفزعتك دورة الأيام، وأردت أن ترسم لك واقعًا مغايرًا لما مضى من الشهور، فاقصد باب التوبة، واطرق جادة العودة، وإن عزمت أن تسير بلا توقف وتشمر فلا تفتر، فقل: لعله آخر رمضان في حياتي.. ولعلي لا أعيش سوى هذا العام، ولا تستكثر عليك هذا التصور، واستنهض همتك وأر الله منك خيرًا. واعلم أن كل لحظة ودقيقة ذهبت من عمرك فهي لن تعود لك أبدًا ولو أنفقت أموال الدنيا أجمع. ومع هذا فأنت مسئول عنها يوم القيامة خيرًا أو شرًا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 – 8].

استحضر ذلك كله وأقرع بأصابع الندم باب التوبة، وتحـر أوقات


الإجابة، واستنزل دموعك وأظهر حاجتك وفقرك إلى الله - عز وجل - الذي أعطاك، ولا تبخل بشق تمرة.. وتجنب مواطن الزلل وعثرات الطريق، واعلم أن مثقال الذرة محصى عليك.. فقدم لنفسك.

بل اعزم أمرك وشد المئزر، واحمد الله - عز وجل - أن مد في عمرك لتستدرك ما فات، وتتزود فيما بقي.. واجعل رمضان هذا العام مميزًا بالطاعة، وطرزه بالحلل والعبادة، وجمله بصدق الالتجاء إلى الله - عز وجل-.. ففي كل حين تسابق وتنافس أهل الدنيا.. هذه الأيام نافس أهل الآخرة واجعل لصحيفتك نصيبًا من عملك الصالح.. وتزود من التقوى، واستصحب ما يؤنسك في قبرك.

وكثير من الناس هذه الأيام يتتبع مواقع المطر، ومنابت الكلأ.. حث خطاك وجد في سيرك نحن مواطن الرحمة ومنازل الغفران، فإن في تلك النفحات فوزًا لا خسارة معه ونعيمًا لا شقاء بعده.

ولعل لك في العمل فسحة فلا تكون هذه الأيام آخر العهد بهذا الشهر العظيم!

سنبلة:

* كان الحسن يقول: «رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من الناس، ابن آدم: إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك»(1).

*     *     *


 حصاد الإجازة

إذا سافر الخيال، وأطياف الأماني معه تجول تتراءى في الأفق دوحة غناء، تجملها أنهار وأطيار، ترسم صورًا متتالية فوق قارة مترامية الأطراف تسمى أفريقيا. ما ذكر اسمها إلا وتزاحمت صور الغابات الممتدة، أصوات الحيوانات المفترسة، وألوان الطيور الزاهية.. الكل يحدوه الشوق لسماع الحديث عنها، والسفر إلى أنحائها. ولأن الرحلة طويلة، والأجواء ممطرة سنحط على غصن يُشرف على أعالي الجبال، ومصبات الأنهار.. لنرى ونسمع ما يجول تحت الأشجار.

لك أن تتأمل بني البشر، والغابات، والحيوانات الأليفة، والوحوش المفترسة.. إنه صراع اتخذ من البقاء هدفًا، ومن القوة تسلطًا، صراع عجيب ارتفع ضجيجه، وثار غباره، وعلم أثره، إلا أن المعنى بالأمر لا يزال في سبات عميق، بل ويؤرقه التلميح بهذا الأمر دون التصريح، ولندعه يهنأ بنومه، ونصغي السمع لثلاثة مشاهد رأيتها بأم عيني تحكي واقع هذا الصراع.

المشهد الأول:

مئة وعشرون ألف لاجئ مسلم في كينا اتخذوا من جذوع الأشجار، وأوراق الأغصان سكنًا لهم في خمسة مخيمات متقاربة، يمـوت فيها أسبوعيًا مئة طفـل تقريبًا من جراء نقص الغذاء، وسوء


الرعاية الصحية، ومن بقى منهم على قيد الحياة فهو عظم بارز، وجسم ناحل وآهة خافتة لا تجرؤ على اقتحام أسوار المخيم، كثير من الأسر التي قدمت من الصومال إلى هذه المخيمات وصلت بعد أن فقدت معظم أفرادها.. فبينهم وبين هذه الأكواخ مفازات، وقفار، ووحوش ولصوص، ومسيرة أسبوعين سيرًا على الأقدام!

ولأن الفرصة مواتية، والريح تحرك الشراع في هذه المخيمات فقد شمر منصِّر وزوجته - وسط المئات من المنصرين أتوا من أقطار الدنيا - لافتراس ما بقي من الأحياء. وتسمى المنصر بعلي وزوجته بخديجة، والأمر مرتب له بعناية، وبخطط طويلة الأمد أمضيا منها سنوات قبل القدوم في إجادة اللغة الصومالية.. ولأن الجوع يضرب بأطنابه، والقحط ألقى بظلاله فقد نصب هؤلاء خيامهم وأدلوا بسقائهم.. وها هم أطفال المسلمين يهرعون خلفهم، وأمهات المسلمين يستعطفونهم.

المشهد الثاني:

مضى عام، وتبعه آخر، وطالت به السنون حتى تجاوزت الخمس، وهو يقبع بجوار بئر حفرها، ومدرسة أسسها. في يوم ارتفعت فيه أشعة الشمس، ورسمت خيوطًا ذهبية على ما تبقى من شعيرات رأسه، تأمل فإذا بشيخ طاعن في السن قد احدودب ظهره، وهزل جسمه، وارتعشت أطرافه، يقبع في زاوية المبنى ويطيل النظر إليه، تأمل وفكر! لماذا ينظر؟

وفيم يفكر؟ وعندما استوثقت منه عينا ذلك الشيخ سأله الرجل:


لماذا تنظر؟ وفيم تفكر؟

أجاب بصوت قطعه أنين الشكوى إلى الله من تهاون الأمة: أنت رجل فاضل، ومحسن كريم، ولك سنوات تعين أهل الحاجات، وتسير في ركاب الخير، ولكن ينقصك شيء واحد؟ تعجب الرجل، وسأل الشيخ على عجل: وما هو؟ اتكأ الشيخ على عصاه، وأمال رأسه، ورفع سبابته وقال: أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله. صعق الرجل، وأسقط في يده.. سنوات وهو يدعو إلى نصرانيته.. ويعطي، ويبذل من ماله، ووقته، ثم هذا حصاد ثمره.. ولأنه في الغابة، ويسكن قلبه شريعتها تحول غضبه إلى فعل فطمر البئر، وأحرق المدرسة، ثم ولى مدبرًا!

المشهد الثالث:

المرأة بيت القصيد في سلسلة مترابطة لهدم الأسرة المسلمة؛ ولأنها أسهل الوسائل وأقربها - حسب التجارب والوقائع - فقد أقامت جمعيات (إنسانية) في مخيمات اللاجئين أماكن لتجمع النساء، وإقامة الحفلات، والمسرحيات وسط مجاعة مهلكة، ومسغبة قاتلة.. وعندما رفض الحضور ولم تتقدم إليهم من تراقص أوربيًا وتأخذ بيد رجل أجنبي هرعوا إلى مجال التوظيف. نعم فهناك نساء موظفات لديهم بأجر شهري لنظافة المخيمات.. قلبوا الأمر، واشترطوا عليهن لاستلام المرتبات الحضور إلى ذلك المكان مساء كل أحد. وعلى استحياء من المسلمات كانت البداية. ومضت خمس سنـوات كـان لهم فيها ما أرادوا ولا تـزال أعداد الراقصات تزداد، وأصوات الطبول ترتفع وأهازيج الفرح تزهو، وتحولت من كانت محجبة مصلية إلى دمية في أيديهم! وفي هذا المجتمعٍ الصغير ترى حال الأمة مشابهًا، بل هو صورة مصغرة منه تمامًا، وإن أنكرت عليَّ هذا التصور؛ فأرسل طرفك في أماكن السياحة البحرية، وقل لي بربك من يصدق أن امرأة مسلمة خالط الإسلام شغاف قلبها تقف على شاطئ البحر عارية، أو شبه عارية! وأن سألت عن الاسم فهذه عائشة، وتلك فاطمة وأخرى خديجة! ولكن كيف حدث هذا في عشرين سنة فقط أو ثلاثين!

تحولت الرحلة إلى أفريقيا إلى بقايا أحزان، وأطلال سعادة.. وانتهت الإجازة بين مُشرق ومُغرب، وكل نفس بما كسبت رهينة.. وفي رصد للواقع، واستقراء سريع يلازمك الحزن أينما حللت، وحيثما ارتحلت، وتبقى طائفة من أمتي على الحق منصورة!(1).

*     *     *


 لماذا أحبك يا بنيتي؟

لا أشك يا بنيتي أنك تعلمين عظيم محبتي لك، ولا أظنه يساورك أدنى شك في هذه المحبة التي ترينها ولله الحمد على أرض الواقع تربية وتعليمًا ومعاملة.! ولكن لماذا أحبك؟!

حتى تعرفين مقدار تلك المحبة والرحمة.. دعيني أبثك حال المرأة في الجاهلية، ألست تعلمين أنهم كانوا يقومون بوأد البنات؟! أليست تعاني من الظلم والقهر ما الله به عليم! وأن أردت مثالاً واضحًا فدونك حال المرأة الغربية اليوم وكيف تباع وتشترى كالسلعة، ثم إذ كبرت عانت الأمرين من الشيخوخة والعقوق! وما أن ينتهى الحديث المؤلم عن واقع المرأة في الغرب حتى بادرت صغيرتي بسؤال فيه حنان! أتحبني يا أبي؟! نعم أحبك يا صغيرتي فأنت فلذة كبدي وريحانة قلبي!

أتعرفين لماذا أحبك؟.. أحبك لأن حسن تربيتك والقيام بأمرك من أسباب دخول الجنة قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان له ثلاث بنات، يعولهن ويرحمهن ويكفلهن، وجبت له الجنة ألبتة» قيل يا رسول الله، فإن كن اثنتين؟ قال: «وإن كن اثنتين» [رواه أحمد].

يا بنيتي.. تربيتك والإحسان إليك ترفع الدرجات وهو ما نسعى إليه جميعًا في هذه الدنيا قال - صلى الله عليه وسلم -: «من عال أي - قام عليها بالمؤنة والتربية - جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين - وضم أصبعيه-» [رواه مسلم].


قال ابن بطال - رحمه الله-: «حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك».

يا بنيتي.. أحبك فأنت ستر لي وحجاب من النار، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار» [رواه مسلم].

والإحسان الوارد في الحديث معناه القيام بأمور الدنيا كالأكل والشرب والكسوة وغيرها مع أمر هام جدًا ألا وهو تربيتهن التربية الإسلامية وتعليمهن وتتنشئتهن على الحق والحرص على عفتهن، وبعدهم عما حرم الله من التبرج وغيره، وهو ما يتبادر إلى ذهنك أنه سياج أضعه أمامك وتقييد لحريتك وتدخل في شؤونك!

يا بنيتي احبك أسوة بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستقبل ابنتة فاطمة ويمشي لها وكان إذا رآها رحب بها وقال: «مرحبًا يا بنيتي» ثم يجلسها عن يمينه أو شماله [رواه مسلم].

وكان - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها مجلسه» [رواه أبو داود].

كانوا يتواصون بمحبة البنات والعناية بهن.

كان الإمام أحمد يقول: «الأنبياء آباء بنات وقد جاء في البنات (أي من الفضل) ما علمت».

يا بنيتي.. الآن علمت لماذا أحبك؟!

أحبك محبة صادقة.. امتثالاً لأمر الله - عز وجل - وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهذه المحبة عبادة أتقرب بها إلى الله - عز وجل-.


 مهر العروس

في هذا القرن نزل على المسلمين من المحن والويلات ما الله به عليم، ورغم تلك الضربات القاسية والمصائب المتوالية على رأس الجسد المسلم إلا أنه لا يزال يغط في سبات عميق.. أفاق منه أناس تحرك الإيمان في قلوبهم.. هاكم رسالة من أولئك موجهة إلى إحدى المؤسسات الخيرية أنقلها كما هي، لأنها من أبلغ الكلام وأندى الحروف!

سعادة رئيس مؤسسة......... الخيرية

وفقكم الله لما يحبه ويرضاه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد

أود أن أفيد سعادتكم بأنني سوف أودع في حساب الشيشان في مؤسسة الراجحي للصرافة رقم..../ فرع/.... مبلغ وقدره الفين وسبعمائة ريال من فاعل خير عنه وعن أسرته كما هو موضح، وأرجو من الله القبول، وكان بودي أن يكون المبلغ أكثر من ذلك بكثير، لأن مأساة الشيشان كبيرة وتحتاج لمبالغ كبيرة ولكن هذه هي الاستطاعة من مواطن سعودي متقاعد بالمرتبة الثامنة أصيب بمأساة خـارجة عـن الإرادة الإنسانية قـبل عشر سنوات، مما جعله يتحمل


بسبب هذه المأساة المحيرة ديونًا كثيرة لبعض الأقارب والأصدقاء، ولصندوق التنمية العقاري، وبقي منها في ذمته أكثر من ستمائة ألف ريال وقد ذهب أحد أبنائه إلى الجهاد في سبيل الله وعندما سمع شريط الداعية إلى الله المخلص إن شاء الله الشيخ إبراهيم الدويش - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء - أحب أن يشارك مع إخوانه المسلمين في التبرع لإخواننا في الشيشان فاستدان هذا المبلغ الزهيد من مهر ابنته بعد رضائها وهو مبلغ ألفين وسبعمائة ريال بعد أن علم بأن ذلك يصح له ويجوز شرعًا خاصة بعد هذه المعاناة القاسية لإخواننا المسلمين في الشيشان من أعداء الله الروس لعنهم الله. سائلين المولى جلَّ علاه أن يفرج كربة إخواننا في الجمهوريات الإسلامية الروسية وينصرهم على عدوهم دولة الكفر والطغيان دولة روسيا الملحدة لعنهم الله.

الرقم

الاسم

العدد

مقدار التبرع

المبلغ الإجمالي

1

رب الأسرة

1

300

300

2

ربة الأسرة

1

300

300

3

الأبناء

6

100

600

4

البنات

9

100

900

5

الأحفاد ذكور

9

50

450

6

الأحفاد بنات

3

50

150

المجموع                                                             2700

انتهت الـرسالة العصـماء التي تحكي واقع التفاعل مع الأحداث


 التي تجري على الساحة الإسلامية، وتطبق حديث الجسد الواحد والأمة الواحدة! فبارك الله للعروس ولأبيها وأمها وإخوتها!

انتهت الرسالة وهي من أجمل الرسائل التي تقرأ هذه الأيام.. وبقي إخواننا في الشيشان يلفهم البرد ويطويهم الجوع ويفزعهم القصف! فهل من صاحب رسالة أخرى؟!(1).

*     *     *


 وسارت مع الركب

مجتمع فارغ، وأنفس مريضة، وضحكات مرتفعة، تجمعهن المعصية، وتفرقهن الذنوب، مجالس طويلة لا يذكر فيها اسم الله.. ليس لجهل في جليساتها، بل كلهن متعلمات، ولهن حظ من الشهادات العليا، لكن الغفلة أناخت ركابها، والتسويف أدلى بستاره.. وتتعجب من شدة حرصهن على تسريحة شعر، وتهافتهن على اختيار تصميم لقطعة قماش.

وإن كان لديك متسع من الوقت، وكنز من الصبر لا ينفد، فاصغ بسمعك، هاهنّ يتحاورن، ويتجادلن طويلاً في لون حذاء أقمن الدنيا عليه، وقد يتفقن كثيرًا ما يختلفن، والهم كله في هذه الساعات الطوال لا يتجاوز حذاء، أو فستانًا، أو ما يقارب ذلك.

هذا هو مستوى التفكير لديهن، وهذه أقصى اهتماماتهن، بل التي تعد نفسها للدراسات العليا تساقطت دموعها عندما تأخر فستانها لدى مشغل الخياطة، وبكت بحرقة عجيبة.

في ذلك المجلس الذي خبت فيه جذوة الإيمان، ومع الضحكات المتوالية، والتعليقات المتتالية، كانت هي في وسط جمع من الفتيات، تسمع ما يقلن، تستلطف ما يتندرن. وعندما تعالت الأصوات، واختلطت الهمسات، سمعت إحداهن تسترجع الواقعة، قالت لي قارئة الحظ: حظك من السماء.. ستتزوجين رجـلاً غنيًا تـطوفين


 العالم معه، وترين عجائب الدنيا، وسوف تكونين محظية عند زوجك، فهو صاحب كرم وسخاء!

وقالت الأخرى بمباهاة عجيبة، واستعلاء واضح: من ذهبت إليه ذو معرفة دقيقة، واطلاع واسع، وقد فاجأني بمعرفة أسرار حياتي وأهمها تاريخ ميلادي! ومن حسن التوفيق لم يكن أحد يسمع هذا التاريخ من صويحباتي.

تنهدت وهي تروي تفاصيل تلك اللحظات الحاسمة، والدقائق الفاصلة، ثم قالت: لقد كنت مضطربة المشاعر، متلاحقة الأنفاس، خوفًا من المستقبل وماذا يخبئ؟! إلا أنه قرأ كفي على مهل وهو يقلب رأسه، ويحرك يديه، وأجهد نفسه حتي ملأت جبينه قطرات من العرق!

وكانت البشرى أن قال لي: ستتزوجين من يحبك، وستكونين سعيدة، وأسرارًا أخرى مفاجئة لكن!

تململت وهي تقلب طرفها في الحاضرات، ثم قالت: أخشى من الحسد والحساد؛ خصوصًا من غير المتزوجات.. وأتبعت الكلمة الأخيرة ضحكات متتابعة.

فتح الباب على مصراعيه، واستبدلت الهمسات بأصوات مرتفعة، فكلهن أصبحهن شريكات في السؤال.

وعند أبواب العرافين، والكهنة، والمنجمين، وأصحاب الكف، وضرب الودع، كل أدلى بدلوه، حتى تكدرت الدلاء، وأجلب الشيطان علـيهم بخيله ورجـله، وتحول الحديث إلى ضحك، وتعليق


 وسخرية من تلك الأقوال والتوقعات.. ولكن في قرارة النفس شيئًا آخر، وعند النوم وحين تنزل نزلة، أو تعم سعادة، تدور الأمور في الرءوس كأنها حقائق ووقائع، فتنقبض قلوب، وتفرح نفوس، هذا هو التصديق بعينه!

أما حديثة العهد بهذا المجلس فقد أغرقها الطوفان، وسارت مع الركب، وقررت أن ترى حظها مثلهن، وتسمع طالعها وتتحرى مستقبلها، تريد أن تسمع كلمة عن زوج المستقبل، وبيت الزوجية، ومن يحبها، ومن يكرهها، وأشياء أخرى كثيرة.

وكان ذلك.. فسألت وقلبها يتلهف لمعرفة الجواب، ونفسها تتطلع لاستشراف المستقبل:

ما هو حظي في هذه الدنيا؟ ومتى سأتزوج؟ وما هي مواصفات الزوج؟

سارت خطوات عجلى إلى حيث يطفأ نور الإيمان، وبدأ قلبها يخفق، ويتناثر على جنباته الإيمان.. وغرقت مثل كثيرات في الوحل، ولم تأخذ من حظ الآخرة.

وفي الزاوية البعيدة وقف الشيطان مبتسمًا لما يرى، وهز رأسه فرحًا بهذا السقوط وهو يحدث أعوانه: لقد ثُلم التوحيد، وسقطت رايته، ووراء كل سقطة سقوط أعظم إلا أن يلج صاحبها باب التوبة، وسأكون له بالمرصاد.

ثلاث سنابل:

* قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى  كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل


على محمد - صلى الله عليه وسلم -» [رواه أبو داود].

* عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا يدخلون الجنة، مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر» [رواه أحمد وابن حبان].

* قال بلال بن سعد: رب مسرور مغبون يأكل، ويشرب، ويضحك. وقد حق له في كتاب الله - عز وجل - أنه من وقد النار(1).

*     *     *


 وقتل جعفر وهو يحمل الراية

معرفة الحقائق وإنزالها منزلتها تجعل الأمة ترى الحقيقة ناصعة واضحة لتميز بين الغث والسمين والصحيح والسقيم.

ومع ثورة الإعلام في هذا الزمن يتحمل إعلام الأمة الإسلامية في شرقها وغربها وزر قلب كثير من الحقائق وتلبيسها على العامة وإلباسها لباسًا غير لباسها. فيلمع الفاسق ويطبل للفاجر ويزمر للسارق، تكتب صفحات عن حقائق مؤخرة الركب من الناس ولا يكتب كلمة عن خيار الأمة..

ها هو الشهيد في ساعات الوغى يقتل وسيفه بيده فيقال عنه: إرهابي، والآخر يطبق سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقال له: متطرف، والثالثة تموت وهي تنجب الابن العاشر فتنهال عليها مطرقات الإعلام بأنها بلهاء تنجب الأرانب، أما ذلك العالم الذي يموت وهو ساجد فلا يعبأ به ولا بأمره، وهكذا خرجت علينا تعبيرات وصفات متتالية الهدف منها تشويه الصحيح وبعث الحياة في السقيم، فإرهابي ومتطرف ومتزمت ومصنع أرانب وتخلف ورجعية وحرية..

وألقاب أخرى لها رنين وتعظيم.. فنان ومفكر، ومنفتح وملك القلوب، وقيثارة الأمة..

ألـقاب مملـكة في غير موضـعه

كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسـد


مصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان تنزل في غير منزلها.

ها هو الزامر يموت وهو يجاهر بالمعصية ويكتب عنه الكثير، والشاعر الزنديق ترفع له الأعلام وتكتب لأجله المقالات.. وها هو العلماني يرفع شأنه وينزل منزله الأئمة الأربعة! ورابع يجاهر بمعصيته وترى الأمة كيف هي خاتمته السيئة في آخر لحظات الدنيا وأول لحظات الآخرةٍ.. وكيف كان إقباله على الله - عز وجل ـ!

قال مكحول - رحمه الله - كما في (إغاثة اللهفان): «من مات وفي بيته آلة مزمار فلا أصلي عليه! رحماك ربنا من قلب الحقائق وتشويه الصور ورفع الرأس بالفسقة فهذه ليست أمة الإسلام ولا أقلام اتباع الصحابة.

واليوم غيب عن القراء أن جعفر قتل - رضي الله عنه - وهو يحمل الراية(1).

*     *     *


 الزائر الذي لا يرد!

قال محدثي وكانت علامات النجابة والنباهة ظاهرة عليه، وتعلوه سيما الخير والصلاح: نحن في زمن تقبل فيه أنصاف الحلول، وتميع فيه الأوامر والنواهي.. فما وافق الهوى أخذنا، وما خالفه تجاهلنا.. وسأحدثك عن حادثة وقعت لي قبل شهور، سأحدثك عن قريب بعيد.. قرّبه النسب وأبعده الدين. وبحكم اطلاعي على دقائق حياته، وتفاصيل أيامه فقد تأكد لي أنه لا يصلي مطلقًا.

كنت أستعجل الأيام وأسير معه في الحديث خطوات عجلى ليقيم الصلاة، ولكنه كان يقدم ويؤخر، ويظن أن العمل طويل، ورغم النهاية المرة التي يعلمها كل بني البشر إلا أنه يتماهل ويتجاهل.

قلت له: عشرون وثلاثون، بل ثمانون عامًا ثم ماذا؟ الموقف نفسه سيمر عليك طالت بك الأيام أم قصرت عنك الليالي.

في ليل مظلم استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، أطلق قدميه تركض في أوحال المعصية وأوزار الكبيرة.. ألهته الأماني وغرته لذة الحياة وبهجة الدنيا.. وكثير من الناس اليوم مثله لو أجلت طرفك في المجتمع.

وفجأة على غير موعد نزل به نازل، وطرقه طارق، ولم يكن هذا الضيف ليزوره إلا هذه المرة فحسب، ولكنها زيارؤة ثقيلة مؤلمة.. إنه الزائر الذي لا يرد.


حاول أن يؤخره أو يؤجله، بل ورغب أن يتفاهم معه، ويدفع في وجهه الدواء الطبيب، والأموال، والأولاد ولكن انتهى كل شيء.. هوت آمال عظام وأحلام كالجبال، ورغم كل الوسائل الدفاعية. نزل بساحته أمر كان ينكر وقوعه، فحشرج صدره، وضاقت أنفاسه، وغادرت روحه، وأمامه أسئلة صعاب، والجنة والنار!

في مجتمع أسرتي لم يكن هو أول من غادر الدنيا بهذه السرعة، ولم يكن هو الشاب الوحيد الذي فقدناه.. ولكن كانت حياته فجيعة، وموته عبرة! وكان يوم موته وتغسيله والصلاة عليه.. تراجعت طاعة وعبادة حتى تم كل شيء.. ولعلك تعلم أن في مجتمعي الصغير بعضًا ممن في دينه وهن، وفي إسلامه دخن، ومنهم من تلبسه الشياطين، فأعلن النفاق قولاً وعملاً. وهؤلاء وأعوانهم اجتمعوا لحربي وإطلاق السهام نحوي في اجتماع عائلي شهري ملأه الأشياخ من كبار السن، ومن شبابهم وصغارهم.

قال محدثي وهو يتذكر الموقف: في ذلك الجمع الكبير هب أحدهم شاهرًا سيفه، ومصوبًا سهمه، ورافعًا صوته باستغراب يلمؤه الاستهزاء وهو يسمع الجميع: أين أنت عن صلة الرحم والقيام بالواجب؟ فها هو فلان مات ولم نر لك أثرًا، ولم نعلم لك مكانًا، وهي أيام مشهودة، لم يتأخر عنها القاصي والداني سوى أنت.. وأشار بأصبعه نحوي.

اتجهت العيون يملؤها العتاب، وتحركت الأيدي تلوم، واهتزت الرءوس تؤكد حديثه وتستطلع جوابًا لسؤاله: أين أنت عن واجب


 الصلاة والعزاء؟! وأضاف أحدهم ممن اتخذ الاستهزاء طريقًا: تصلي، وتصوم ولا تعرف حقوق القريب وواجبات الأسرة؟

ثم نفث حقدًا أسود من قلبه وهو يقول: أنت مظهر بدون مخبر وصورة بدون روح.. تدعون أنكم اتخذتم الدين شعارًا ودثارًا، وأنتم لم تقيموا صلبه.

قال محدثي كأنه يزيل حيرتي، واستعجالي سماع ردة فعله، ونهاية المجلس الغاضب، والمحاكمة السريعة:

جعلتهم يتحدثون ما شاءوا، وجعلت نفسي هدفًا لسهامهم حتى فرغت كنانة الكثير منهم، ثم قلت للمحدث الأول بصوت يسمعه الجميع: ما رأيك لو صليت صلاة المغرب أربع ركعات؟. هل يجوز لك ذلك.؟ سكت ولم يجب وهو يحرك حاجبيه، ويهز يده باستغباء عجيب، ولكني عدت وكررت السؤال وطلبت منه الإجابة بصوت مسموع حتى يسمع المجلس كله.. قال لي بعد تكرار السؤال عليه ثلاث مرات: لا يجوز.

قلت له: قد أحسنت، هذا أمر الله ورسوله فنحن نطيعه في هذا، والله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا في الكتاب والسنة ألا نصلي على من مات وهو لا يصلي وسماه كافرًا.

رفعت صوتي وأنا أفرغ سهمًا من كنانتي.. هل أسمع كلام الله ورسوله وأطيع أمرهما أم أسمع جعجعتك وهراءك؟!

استدرت نحو المجلس وأنا أقول: أُمرنا أن لا نصلي على من مات وهو تارك الصلاة، ولا نغسله، ولا ندفنه في مقابر المسلمين.


 لقد سلمت وأنبت، وأطعت ونفذت، ولهذا صليت المغرب ثلاث ركعات كما يجب، وتركت الصلاة على من لا يُصلي كما يجب.

خيم الصمت على المجلس واستراحت النفوس، وأغمدت السيوف، فقد ظهر الأمر واضحًا جليًا ولم أفرح انتصارًا لنفسي، بل لما عطرت به المجلس من قول الحق.

قال محدثي: مرت شهور فإذا كثير من شباب أسرتنا وقد سمع ورأى هذا الموقف يعيد حساباته، ويراجع أفعاله، ويخشى أن يمر عليه يوم لا يجد فيه من يصلي عليه. لقد كان هلاك هذا القريب رحمة لمن بعده، وعبرة لمن خلفه.. ولا يزال يتردد في جنبات المسلمين قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 84]، وقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».

وهكذا تمر الأيام عجلى، وتنطوي صفحات الأيام، ويبقى للمرء ما قدم، فأطلق بصرك قليلاً لترى الأمر.. ثم مد يدك للترحيب بالزائر القادم، وأكرم وفادته، فهو يقطع الأيام والشهور سائرًا نحوك(1).

*     *     *


 أمطر الخير مطرًا

تشكل طبقة الشباب النسبة العظمى في المجتمعات العربية، وهم ذوو عاطفة جياشة، وأحاسيس مرهفة، ومشاعر ملتهبة.. تهزهم الكلمة الحلوة، ويستنزل دموعهم شطر البيت الذي يبكي فيه الشاعر على فراق محبوبته (حتى وإن كان الشاعر يتحدث عن فقدان ناقته وطغت تاء التأنيث على البيت دون أن يعي القارئ ذلك).

وتصور الكثير من الشباب أن الكلمة الطنانة الرنانة التي تداعب المشاعر، وتأخذ بالألباب، وتأسر القلوب هي كلمة الحب المندفعة في زمن المادة الذي أرخى سدوله، وأظل الدنيا بسواده.. لذا كثر الغزل والهيام والوجد والوله في عالم الإذاعة والصحافة، ولا يخلو مسلسل، أو فيلم، أو مسرحية من كلمات واهية تتلمس طريقا إلى أحاسيس الناس ومشاعرهم، فأصبح الحب في عصرنا صورة مشوهة.. مقتصرة على الكأس والغانية المشورة واللذة.. فأضاعت المخبر وفقدت الجوهر.

ومن هذا الباب العاطفي الواسع، وهذه الثغرة المقبولة دخل أصحاب الاتجاهات المشبوهة، والجيوب المفتوحة، لغزو الأمة والسيطرة عليها، وتوجيهها حيث شاءوا دون أن ينازعهم أحد، أو يستدرك عليهم قلم!

والمتأمل في شريعة الإسلام وضوابط العاطفة ومكانتها السامية


 ليبكي على أمة تتمايل مع أغنية ماجنة، وحبيب يلفه دخان المعصية، وجسد بدت عليه آثار التعاسة!

وكان لهذا التولي في مزالق الحب البهيمي أثر سيء على حياة الأمة، أفرادًا، وأسرًا ومجتمعات، فانتشر عقوق الوالدين، وقطعت الأرحام، واختفت الابتسامة الصادقة، وانزوت الكلمة الحانية، وكثر الطلاق بسبب كلمة واحدة تخرج من فم الزوج سهمًا يمزق حياة الزوجة.. لم أحبها!

فباسم هذا الحب السطحي الساذج كم من بيوت هدمت، وقلوب كسرت، وأطفال شردوا!

ونحن في عصر الحب - كما يدعي بعضهم - لم نسمع عن قلب رق، ودمعة سقطت ورأفة بأم كبيرة أفنت شبابها سهرًا على ولديها.. ولم نر قبلة وضعت بين عيني أب لا يجد للراحة طعمًا وحوله صغار حتى يحقق رغبتهم.

وضنت الألسن بكلمة المجاملة والنصيحة الصادقة للصاحب والجار.. وندر أن تجد من يفشي السلام على من يعرف ومن لا يعرف!

بل اختفت من أيامنا - السعيدة - ممازحة الصغار والمسح على رءوسهم، وتقبيلهم، وإسعادهم بالهدايا.

وتوالت قسوة القلوب، فلم تعد تلقي بالاً لأمة الإسلام وهي تُقتَّل في أنحاء الأرض شرقًا وغربًا.. فأصبح الدم مستباحًا، والكرامة مهانة، والعزة ضعفًا وخورًا.


وهكذا سارت الأمة - مع الأسف - كما يريدون في عاطفة غير منضبطة الاتجاه، ولا معروفة النهاية.. ولا شك في ذلك وهي قد تغافلت ونسيت كتاب الله - عز وجل ــ وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فأين المحبة الصادقة من إقامة الشعائر والالتزام بالأوامر؟! وأين المحبة للأبناء، والحرص على تربيتهم وتنشئتهم النشأة الصالحة، الله عز وجل - يدعو إلى ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

والمحبة للمؤمنين في المجتمع المسلم تنبض بعاطفة مذمومة مخطومة لا نرى لها وزتاقعًا ملموسًا في حياتنا من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

وقل لي بربك ما أجمل من مودة ورحمة وسكينة مع زوجة صالحة يستشعر الزوج فيها أجر رفع اللقمة إلى فمها توددًا وتقربًا، وهي تحتسب أجر خدمته والبحث عن سعادته.. بل أين هذا الحب الجميل، والعاطفة الجياشة عن زيارة مريض، وإرشاد جاهل، وإعانة ملهوف، وتفريج كربة!

لقد تقطعت السبل، وتشعبت الدروب، وفقدت الكلمة الحلوة أسمى معانيها.. ويبقى الحب في عالم المادة ادعاء يسقط مع أول معصية لله ولرسوله، ويزول مع أول عارض صحي يغشى الزوجة.

وكثير من التائهين في دروب الضياع استوحشته الشياطين، فأصبح الحب عنده كلمة ساقطة، ولذة عابرة، وبحثًا عن سعادة زائفة،


 حتى صدأت القلوب وعميت البصائر، واختلطت الأمور، وانقلبت الموازين فظهر الثعلب بمظهر الحبيب المتباكي، ورعى الذئب الغنم.

وكما أن الأمة تجري في أودية التبعية صناعة، وتجارة، وزراعة، فإنها أيضًا تجري مع أنهار الحب التي تفيض بحمم المادة. مُرة المذاق.. آسنة الكلمة.. تتقاذفها الأمواج وتهوي بها المزالق.. سريعة الزوال.. لا تمكث إلا قليلاً!

ونحن في زمن تتردد معه أنفاسنا، ولا تزل تنبض فيه قلوبنا. لا تثريب عليك - أخي - فالخير موجود.. أعد الكرَّة وتحسس قلبك، وأفض على نفسك وعلى من حولك نسمات صادقة من المحبة الإيمانية، ونفحات من الأخوة الإسلامية، وتفقَّد من لهم عليك حقوق عظيمة من أبوين، وإخوة، وزوجة، وأبناء.. ولا تحرم نفسك أجرًا ومثوبة. بل أمطر الخير مطرًا.. وفي كل معروف صدقة(1).

*     *     *


 راية لا تسقط

قهقه الفرنسي البدين بصوت مرتفع، قطع سكون الليل، اهتزت معه قطع اللحم والشحم التي تعلو عظامه... ثم التفت إليَّ ونحن في الدور الخامس من البناية الأنيقة المقابلة للمجمع الضخم الذي يحوي مسجدًا، وقبرًا، ومكتبة وقال: هل هذا هو الإسلام؟! وهل هؤلاء مسلمون؟! وهل يقبل عقلك فعلهم؟! وهل يرضى تفكيرك بتصرفاتهم!

قلت له: هؤلاء بهم شوائب ولهم من الشرك نصيب، ولا ترى بعينيك الإسلام من هنا، بل أطلق بصرك في الكتب وخذ الإسلام من منبعه الصافي، ولا تتبع العامة!

نظر إلي بعين ساخرة وهو يبتسم، وكان الشيطان يرسم أيضًا ابتسامة واسعة على محياه لما يرى من فعل هؤلاء.

وفي وسط الابتسامات الماكرة عاد الصمت يخيم على المكان منذرًا بحدوث جدال واسع وحوار طويل.

مط الفرنسي اللئيم شفتيه، ثم وضعني في موقف لا أحسد عليه وقال: ألست مساء البارحة تقول إنهم مسلمون؟! ألم تطلُب مني أن استمع إلى الأذان لعله يلين قلبي وإذا أسمع نداء الفطرة كما قلت! ما جوابك اليوم هل هم مسلمون أم كفار؟! وهل هناك اسم بين هذين الاسمين!


مساء البارحة اغلظت عليَّ القول، وذكرت أن هناك إسلامًا وكفرًا فحسب، ولا منزلة بينهما، مثلما أن هناك جنة ونارًا ولا منزلة بينهما وإذا كان لنا ثلاثة ألهه فأنتم لكم مئات بل ألوف من الألهة؟! وإن شككت في هذا القول... فتأمل مطالب ورجاءات هؤلاء عند القبور لتعلم أنه لا يعطيها إلا إله... من يفرج الكرب؟ ومن يرزق الولد؟! ومن يشفي المريض ومن.. ومن؟!

فارقته خوفًا من أن ينفذ ما بقي لديَّ من صبر، وعندها قررت أن أعرف كيف تقاد الأمة إلى الشرك بهذه الصورة العجيبة.. تردَّد على لساني قول الله - عز وجل-: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

اقتربت خطوات إلى المسجد فإذا الفاجعة أمامي... عتبات ملطخة بالدماء، وإذا بمن يمسك بخراف سمينة لنحرها تقربًا إلى صاحب القبر، وما إن تتجاوز هذه الدرجات حتي يتبدي لك ضريح ارتفع عن الأرض أمتارًا وألبس الحرير الفاخر.. ثم يعصر قلبك ما تراه من طواف البعض وتلمس الجدران، والتبرك بها، ودعاء صاحب القبر والاستغاثة به على فضاء الحوائج وتفريج الكربات.. تذكرت قول الله - عز وجل - متحدثًا عن المشركين وهم يدافعون عن الأصنام ويبرون الفعل مثل هؤلاء تماما: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] فرأيت واقع الجاهلية يتكرر... أقبلت بأذني لأسمع وأجلت طرفي لأرى فإذا بمن سجد للقبر وآخر قد بـدأ الطواف حول الضريح! يمـمت نحو المشرق ثم التفت نحو المغرب


 فإذا الحال واحدة، وإذا الشرك بجميع أنواعه وصورة يظهر جليًا في المكان... رأيت اللات والعزى ولكن في صورة قبر ولي كما يقولون... وإن سألت أحدهم أجابك بنفي هذه الأفعال التي تراها بأم عينك وأطال الجدل، حتى ينتهي إلى سمعك صوت أحدهم في تذلل وخضوع لينهي الحديث ويوضح الكلمات الشركية التي لا جدال فيها: اغثني يا فلان، المدد يا فلان... أريد ابنًا يا فلان اشفني يا فلان!

وعندما ترفع الأصوات وتختلط... تعلم أن الكل يريد الجنة، ويبحث عن الخير لكن هناك من أخطأ الطريق وضل الجادة...

تخرج وأنت تبكي حال الأمة، وعينك تشاهد عرى التوحيد تسقط واحدة تلو الأخرى حول القبر: دعاء، واستغاثة، وخوفًا، ورجاء، ونذرًا، وتوسلاً.

ولا بد في وسط هذا الموج المتلاطم من تصحيح العقيدة وتوحيد الله - عز وجل-، وإفراده بالعبادة، وهي التي يتوقف عليها قبول العمل أو رده، وهي أندر من الكبريت الأحمر في جمع الأمة التي تبلغ عددًا يزيد على المليار.

ولخطوة الأمر وعظمه لينزل كل منا نفسه على أمور عدها العلماء من نواقض الإسلام وليحقق وليدقق في نفسه ويتحسس إيمانه.. وكل نفس ترى حالها وتعلم سرها... وليستشعر عظم الأمر وخطورته...

وكـما أن للوضـوء نواقض فإن للإسلام نواقض، لا فرق فيها بين


 الهازل والجاد، والخائف إلا المكره.. وهي من أعظم ما يكون خطرًا وأكثر ما يكون وقوعًا... وكل واحد من هذه النواقض قائم على آيات من كتاب الله - عز وجل-، فلنقرأ ولنطبق على أنفسنا واحدة تلو الأخرى.

الأول: من نواقض الإسلام: الشرك في عبادة الله.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: 48].

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا ل ِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعًا.

الثالث: من لم يُكفر المشركين أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر.

الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل من هديه، أو أن حُكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9].

السادس: مـن استهزأ بشيء من دين الرسـول - صلى الله عليه وسلم -، أو ثوابه، أو


عقابه كفر، والدليل قوله تعالى:

﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65 – 66].

السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102].

الثامن: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

التاسع: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22].

تأملها واحدة تلو الأخرى... وانظر في حالك ولا تزل قدمك بعد ثبوتها... جعلنا الله من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم!([1]).

*     *     *


 الأسوة الحسنة

لمنازل الأخيار تميز، ولتعاملهم مع زوجاتهم نموذج حياة وطريق عبادة تتألق بين الصبر على الضراء، والشكر حين السراء... وهم يتراوحون في تلك المعاملة بين كتاب الله - عز وجل - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

ولخلو منازل الكثير وأسرهم من اللمسات الحانية والكلمات الطيبة... ناهيك عن حسن المعاملة، وشكر الصنيع وطيب المعشر، والتغاضي عن الأخطاء، وعدم تصيد الزلات، واحتواء المواقف الحادة... وتعبد الله - عز وجل - حين التبسم عند المقابلة ورد التحية بأحسن منها... ولصعوبة تحديد أنماط الرجال ومشاربهم سوف ننزع إلى أعلاهم مرتبة، وأكملهم حالاً نبي هذه الأمة... نسير في وقفتين سريعتين مع خير الأخيار وسيد ولد آدم - عليه الصلاة والسلام ـ؛ لنرى موقفًا جرى له من إحدى زوجاته أمهات المؤمنين... فقد ذكر تلك القصة ابن سعد في الطبقات الكبرى عن أم ذرة عن ميمونة أم المؤمنين قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة من عندي، فأغلقت دونه الباب، فجاء يستفتح الباب، فأبيت أن افتح له، فقال: «أقسمت إلا فتحته لي» فقلت له: تذهب لأزواجك في ليلتي هذي، قال: «ما فعلت ولكن وجدت حقنًا من بولي».

نبي هذه الأمة - عليه الصلاة والسلام - وقائدهـا ومعلمها يخرج


 لحاجته فيغلق دونه الباب في الليل المظلم، ويستفتح الباب فترفض زوجته، فيقسم عليها أن تفتح له الباب، ويوضح ويشرح لها بكلمات حانية رقيقة لماذا ذهب؟! عندهما ترضى أم المؤمنين - رضي الله عنها - وتفتح له الباب وينتهي الأمر! ولم يكن لينتهي لولا سعة حلمه ونبل صفاته - صلى الله عليه وسلم -؛ لو فعل غير ذلك لتحول الأمر إلى مشكلة قد لا تنتهي بسهولة وربما ترتب عليها تكدر صفو الحياة وتفرق الزوجين قلبًا أو شرعًا.

وقرأت هذا الحديث في محفل من المتزوجين وتوقفت عند قول ميمونة - رضي الله عنها-، فأبيت أن أفتح له، وتبينت ردود فعلهم لو جرى لهم مثل ما جرى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الظلام الدامس.. فإذا الأمر بين الثرى والثريا، وإذا بهم بين خالع للباب وبين مطلق بالثلاث، ومنهم من جمع الأمرين على زوجته وعقب بغضب وهو لم يقف ذلك؛ ولا كرامة لها!

حادث عارض قد يؤدي إلى الطلاق وإلى الفراق؛ عالجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأسلوب حكيم، وحلم عجيب، ودخل منزله وأطفأ نار الغضب بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -.

أما الموقف الثاني: فهو موقف يقع أحيانًا بين الضرات... فكيف هو حال الزوج حين يقع بينهن أمر يكدر الخاطر.. وكيف يتصرف حين تشتد الأمور الأسرية وتظهر علامات القطيعة؟ هل يلتزم العدل أم يميل مع إحداهن هوى وغضبًا وانتصارًا للنفس؟!

روى النسائي عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنهـا أتت بطـعام


في صفحة لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فجاءت عائشة مئتزرة بكساء ومعها فهر (حجر) فلقت به الصحفة، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين فلقتي الصفحة ويقول: «كلوا، غارت أمكم» مرتين ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفحة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صفحة أم سلمة عائشة.

انتهى الموقف بعلاج هادئ متزن... وأعطى كلاً منهما حقها ولم يزبد ويرعد... ولم يُهن ويضرب.. بل ولم يُطلق - صلى الله عليه وسلم -... وحتى يستفيق بعض الموتورين ومن في قلبه مرض فإن نبي الرحمة وصاحب هذا الخلق الرفيع لم يكن ذلك منه ضعفًا وعجزًا، بل كان حلمًا وعفوًا، وإلا فمن كان يستفتح الباب على زوجته ولا تفتح له قد أمر في غزوة بين قريظة بعقاب صارم شديد، فحفرت لرجالهم الخنادق، وضربت في ذلك اليوم ما بين الستمائة إلى السبعمائة عنق جزاءً بما كسبت أيديهم.

ومن ألقى السمع الآن إلى قصص الطلاق وأسبابها ليأخذه العجب، فقد بنيت على هنات يسيرة، وصغائر تافهة.. فذاك طلق لتأخر وصول الشاي، وثان طلق من أجل معلقة لم تكن أمامه! وسمعت بمن طلق بعدد ذرات الرمال.. وقد كان يكفيه ذرات رمال الدهناء دون الربع الخالي، وأو يغنيه عن ذلك إن حزب الأمر وضاقت السبل طلقة واحدة على السنة وهذا التصرف والعجلة والطيش والتهور منشؤه قلة العقل، ونقص الدين، وقد حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على حسن اختيار الزوج اختيارًا لا ندامة معه، فقال كما روى ذلك الترمذي:


 «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».

وفي لفظ آخر، نص - صلى الله عليه وسلم - على الدين دون الخلق ولا شك أن التمسك بالدين والالتزام بالأوامر والابتعاد عن النواهي يهذب الأخلاق ويروض النفوس وهذا واضح بجلاء في حال بعض الصحابة قبل الإسلام جفاء وحدة، ثم بعد الإسلام وقد عمر الإيمان قلوبهم فطويت صفحات القسوة من حياتهم، وكفت نواصي الشر عن عن جوارحهم فأصبحوا مثالاً للرقة والتواضع والخشية والخوف من الله - عز وجل - وقام على ذلك ميزان إلهي دقيق جعلوه نصب أعينهم، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

ولسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحسن تعامله ورقة معشره مع زوجاته وأهل بيته، بل وعموم المسلمين تهذيب للخلق، وتزكية للنفس، ونبراس حياة وسعادة دارين... ولا تثريب فالأمر تربية، وحسن قدوة وتأس بالأخيار، وللحديث بقية إن أراد المتزوجون والمتزوجات ذلك([2]).

*     *     *


 ولو بشطر كلمة

الدعوة إلى الله من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأعظم القربات، بها يستقيم أمر الفرد ويصلح حال المجتمع، ولهذا اختار الله - عز وجل - للقيام، بها صفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين والعلماء والدعاة والمصلحين... ومعلوم أنه ما قام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب إلا بالدعوة والسير في ركابها، وبذل الغالي والنفيس في سبيلها.

ومن تتبع سير الأنبياء والمرسلين والسلف الصالح وعلماء هذه الأمة يجد صورًا ناصعة، وعلامات مضيئة، يعلوها تاج المحبة ويحيط بها سياج من الصبر... فهذا نبي الله نوح - عليه السلام - دعا قومه سنوات طويلة. ألف سنة إلا خمسين عامًا.

وقام يوسف - عليه السلام - بأمر الدعوة وهو في السجن فدعا من معه إلى عبادة الله - جل وعلا-: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].

ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - له القدح المعلى والسهم الوافر في ذلك، فقد دعا إلى الله سرًا وجهرًا، وقابل وفود الحجيج، وصعد إلى الصفا، وسار إلى الطائف؛ ثم هاجر إلى المدينة. وها هو - صلى الله عليه وسلم - في لحظاته الأخـيرة ومرض الموت يتغشاه يقول في أخر كلماته: «لعن الله اليهود


والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

وطريق الدعوة هذا في أمة الإسلام اليوم قل سالكوه واستوحش أهله إلا من بعض الناصحين، وندر هذا الأمر حتى في وسط البيوت والأسر وبين المعارف والجيران، وهي دعوة قريبة المنال هينة الطريق عظيمة الأجر، قال - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا».

فلك أيها الداعي مثل أجر من دعوته لا ينقص من أجره شيئًا، فإن أمرته بالصلاة فلك مثل أجر صلاته، وإن أمرته بالنفقة فلك مثل أجر نفقته... ها هو يصلي وأنت جالس، وينفق وأنت ممسك، ويجاهد وأنت بين أهلك ولك مثل أجر ما عمل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومع عظم هذا الأجر وكثرة ثوابه إلا أنه معطل في حياة كثير من المسلمين ومنسي في واقع كثيرات من المسلمات.

ولكن ماذا عن أمم الكفر؟ وما جهود اليهود والنصارى وأصحاب العقائد الباطلة، وكيف حال شبابهم وشيوخهم؟!

يقول من رآهم رأي العين إن شبابهم وشيوخهم في كل أرض وتحت كل سماء، عمل دائب وصبر متواصل وبذل بلا حدود... وأما نساؤهم فلا تخطيء عينيك مركزًا لهم إلا وبه منصرة متلبسة بزي الممرضات أو الطبيبات أو المحسنات اللاتي تتفطر قلوبهن رقة وإحسانًا وهن حيات وعقارب في أنيابهن العطب!


وكثير من الناس لا يلقي بالاً لحديث الإنشاء هذا، ولكن عندما يقلب الوقائع ويضرب برجله أرض الله الواسعة ويخطو خطوات متتالية يرى ما يفزعه ويقض مضجعه، أما من استثقلت نفسه هذا السفر فلعل في إيراد بعض الأرقام ما يوقظ إيمانه ويحرك إسلامه:

* دولة التشيك (10) ملايين نسمة، منهم (500) مسلم ولا يوجد فيها مسجد واحد لإقامة الصلاة، وبها عشرة آلاف كنيسة، و (200) معبد يهودي كلها تم إنشاؤها بعد سقوط الشيوعية عام 1990 أي خلال خمس سنوات فقط.

* كان عدد النصارى في بنغلاديش عام 1972 مائتي الف نسمة، وارتفع الرقم عام 1991 إلى خمسة ملايين نصرني... فتأمل بعين فاحصة الزيادة العجيبة خلال سنوات قليلة جدًا وفي بلد مسلم.

وفي وسط هاتين المعلومتين المفزعتين لك أن تتساءل أين شباب أمة الإسلام؟! ويكتمل عجبك إذا علمت أن من تغبرت أقدامهم في طريق الدعوة إلى الله عددهم قليل يعرفون بأسمائهم لقلتهم.

وقلب الطرف في الأرقام لترى يعملون ونحن نتحدث! ثم يأخذك العجب فيما نتحدث!

وقفات دعوية:

* قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

* قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» [متفق عليه].

* قال الحسن: فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد.

* قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين»([3]).


 من رملة إلى من تراها من المؤمنات

لكل ملة من الملل ونحلة من النحل سمة تميزها عن غيرها.. عبادة وتعاملاً ومعابدًا... بل وحتى ملابس... فهي الأخرى من شعارات الأمم الظاهرة، فهذا اللباس هندي، وذاك ياباني، وآخر أوروبي!

والمرأة المسلمة المؤمنة لها تميزها الكامل والواضح في طاعة ربها، وامتثال أمره، واجتناب نهيه.. وهي تتعبد الله - عز وجل - في كل لحظة وسكنة، وفي كل أمر عظم أو صغر؛ لأن مصدر التشريع هو الله - عز وجل-.. فها هي المؤمنة تتعبد الله - عز وجل - بالصلاة وتقيمها وتؤديها، ثم هي مرة أخرى تترك الصلاة لعذر شرعي وتتعبد الله - عز وجل - بهذا الترك... فما أجمل الامتثال وما انصح التسليم!

ها هي التوابة الأوابة تلقي جانبًا ما استجد من أنواع العباءات وهي تتأمل وتقول: أنا لست ألعوبة بأيدي من يريد إسقاط الحجاب: أنا امرأة مسلمة أسلم بأمر الله ورسوله في الستر والعفاف، ولا تقوم قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، والعباءة ليست ثوبًا وكساء فحسب؛ بل هي عبادة وطاعة.

وتلك العباءة الساترة المحتشمة أبرز مظاهر المرأة المسلمة التي لا تتحرك ولا تهمس إلا بأمر، ولا تقوم ولا تقعـد إلا بـأمر مثل شقيقها


 الرجل، لذا فهي تسير واثقة الخطى ملقية جانبًا ما خالف الشرع، مبتعدة عن المطايا المسمومة التي يريدها الأعداء والمغفلون أن تعتلي ظهرها؛ لتطرحها حيث شاءوا!

إنها صاحبة موقف وقدوة وكلما رابها أمر واستجدت محدثة وألقى الأعداء لها بسهام، تمثلت مواقف المؤمنات الخالدات وعادت سريعًا إلى ربها، محافظة على دينها وعفافها وحياتها، تعلم علم اليقين أن خير أعمالها القرار في بيتها وزينة عملها وأجله للأمة أن يخرج من تحت يدها الحنون أمثال عمر، وخالد، وعمار، ومعاذ.

ها هي الحبيبة التقية النقية التي تعد لراية الإسلام يدًا لا تسقط من المجاهدين والدعاة والمصلحين تتأمل ما جرى لأم حبيبة - رضي الله عنها-، رملة بنت أبي سفيان زعيم مكة وقائدها... فقد كانت زوجة لابن عمة الرسول ء- صلى الله عليه وسلم - عبيد الله بن جحش الأسدي، وقد أسلم زوجها عبد الله وأسلمت رملة معه، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة وتركت موطنها وأباها أبا سفيان، وتركت الدار، والأحباب طلبًا لرضا الله - عز وجل-.

ولكن الحياة لم تصف لهذه المؤمنة الصابرة المهاجرة، فقد فجعت بعد حين بردة زوجها عبيد الله عن الإسلام، ودخوله النصرانية، وجاهد أن يردها عن دينها، فأبت، وثبتت على دينها، كالجبال الرواسي، والتزمت الصبر وتعاهدت الدعاء، وكانت قد وضعتن ابنتها حبيبة التي كنيت بها، فصارت تدعى، (أم حبيبة) وكانت في نهـارها وليلها مهمـومة مغمومة مفجوعة في أهلها وزوجها، تتناوبها


 الوحشة والغربة حينًا والفجيعة والحزن حينًا آخر، وكادت أن تهلك غمًا وأسى وحسرة، فهي امرأة مسكينة، وحولها طفلة صغيرة، وزوج تنصَّر، وفي مكة أب مشرك، يتربص بها، وبالمسلمين الدوائر... ولم يبرد وجع كبدها، وأنة قلبها، إلا طارق أتى إلى النجاشي من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يطلب منه أن يزوجها برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقرت عين أم حبيبة، وتدثرت بشرف عظيم، حين تسمت بأم المؤمنين، وأزال الله ما بقبلها من حزن وهم وقلق وغم.

وتتابع الأيام والشهور فإذا بالفجر الصادق يلوح في افق المدينة مبشرًا بنصر مؤزر، وفتح لمكة قريب، بعد أن نقض المشركون صلح الحديبية، فحاروا في استعداد المسلمين، وقدموا، وأخروا، واستشاروا وقرروا أن يبعثوا من يثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فتح مكة، أو يؤجله ولو لحين، فكان رسولهم إلى المدينة أبا سفيان بن حرب، والد أم المؤمنين رملة، الذي تسلل تحت جنح الليل حتى استقر به المقام في المدينة، وهتف قلبه... أن سر إلى ابنتك رملة فلن تخيب ظنك. ولن تفشي سرك، وستكون يدًا لك، وتنازعته رغبة وحنان الأبوة فأدرك ذلك كله بالخطى السريعة إلى منزل ابنته رملة، يريد أن يدخل بيتها، ولم تكن رأته منذ هاجرت إلى الحبشة قبل سنوات طويلة، فوقفت تنظر إليه بادية الدهشة، والحيرة، وقد عقدت المفاجأة لسانها، وأدرك والدها ما نزل بابنته من هول المفاجأة، فأعفاها من أن تأذن له بالجلوس وتقدم بعاطفة الأبوة ليجلس على الفراش وهو مطمئن الفؤاد.


ولكن الله - عز وجل - أنطق لسان رملة - رضي الله عنها - وحرك يدها فاختطفت الفراش وطوته عن أبيها، فقال لها: يا بنية، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه.

لقد محصت أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان ولاءها لله، فلم تأس على زوج تنكب عن الصراط، وارتد عن دينه وتحملت في غربتها الضيق والمعانات، ثم ها هي تتغلب على عاطفة الأبوة وتظهر ولاءها لله ولرسوله وللمؤمنين، وبراءتها من الكفار والمشركين حتى وإن كان منهم أبوها أو أخوها.

تأملت مؤمنة هذا الزمن موقف أم المؤمنين وتأسفت على حال أخواتها، وكيف عصفت بهن الفتن فقل الدين وضعف الاتباع، وأصبح البعض منهن يجرين خلف كل ناعق، ولذا ظهر أنواع من العباءات غير المحتشمة وترجلت النساء، وندر الحياء، وكثرت الخراجات الولاجات ممن همهن الموضة، والأزياء ولو على حساب دينهن!([4]).

*     *     *


 طوق الانهزامية

ضربت الانهزامية طوقها حول رقاب كثير من المسلمين... فترى بين حين وآخر ثلة تتخلى عن بعض معتقدات دينها الأساسية إذا لاح لهم أجنبي أو حلوا بدار غير دارهم.. والبعض يميع منهجه، ويهمش عقيدته، ويتوارى خجلاً عن إعلان دينه في وسط مجتمع مسلم فاسق.

أما التلقي لما هو قادم من فكر وتشبه وشهوات وما يتبعها من موضات وأزياء وقصات شعر مخالفة لهذا الدين فحدث عن البحر ولا حرج... وهي من أوضح علامات الانهزام والتبعية.

وندر أن تجد من يعلن صراحة عن مقومات دينه، ويدافع عنها في تلك الأجواء الفاسدة... وسبب ذلك تراكمات من ضعف الإيمان والخور في الأنفس التي تورد صاحبها المهالك.. وما عنَّ وظهر مرادفًا للأزياء والقصات وانحلال الفكر وبث كثير من الشبه: مجالس الاستهزاء بالدين وأهله وهي وليدة الخواء، وابنة النفاق وطريق الكفر الذي يزرع في كل قلب فاسد، ويسقيه الادعاء الكاذب والتحرر المزعوم بماء آسن.. وهناك مجالس يتوسطها الشيطان برايته، فلا يحلو فيها الحديث ولا يطيب إلا بذكر علماء الدين وشباب الاستقامة، والغمز واللمز بهم وتصيد أخطائهم - إن وجدت - وتجد فيهم من يرد على عالم مجتهد في أمر من


 الأمور وهو لا يحسن الصلاة، ولا يشهدها مع جماعة المسلمين في المساجد... بل لو سألته عن أسهل الأمور الشرعية التي يحتاجها في يومه وليلته لما عرفها ومع ذلك يتشدق بالكلام، وليّ الرأس، وتحريك اليدين، ولوم العالم الشيخ... كيف أفتى بهذا؟1 وكيف وقع في هذا القول؟!

والعجب عدم إنكار الحاضرين ورد الضالين ولكن النفوس انهزمت والأفواه انكفأت ونسي الكثير قول الله - عز وجل-: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِر ِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].

وقد جمع الله - عز وجل - في الآية بين المتحدث والسامع المنصت!

ونتيجة لهذا السكوت تطاولت الألسن وكثرت مجالس السوء.. وتمتد الأيدي تشير إلى صحابي جليل يتنقص قدره ويؤخذ من عرضه ولا تجد من يقول لذلك المتحدث: قف فلست كفئًا لغبار قدمه! وقس على ذلك من يتهكم على أمر تعدد الزوجات وصعوبة الحجاب وكثرة الحوادث من جرائه وقد أخذت اللحية والثوب القصير أيضًا حقها من التنقص والازدراء وهي سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتطلق لذلك نكت باردة سمجة... ومن أراد أن ينجو بنفسه من تلك المجالس فليرجع إلى تفسير الآية أعلاه ويعلم أنه شريك في الإثم وأن قدمه قاربت الهاوية أو سقطت في الردة -والعياذ بالله-.


طوق النجاة:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ يكفر صاحبه بعد إيمانه.

* قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله-: «.. ومن الناس ديدنه تتبع أهل العلم لقيهم أو لم يلقهم مثل قوله: المطاوعة كذا وكذا، فهذا يخشى أن يكون مرتدًا ولا ينقم عليهم إلا أنهم أهل الطاعة..».

* في جواب اللجنة الدائمة للإفتاء على من قال الآخر: (يا لحية) مستهزئًا، قالت اللجنة: أن الاستهزاء باللحية منكر عظيم، فإن قصد القارئ بقول (يا لحية) السخرية فذلك كفر([5]).

*     *     *


 الموت والمباهاة

سرى الطوفان فأغرق طبقة في المجتمع بالمباهاة والتفاخر وحب الظهور، وقد تكون هذه الطبقة ممن يملك الكثير من حطام الدنيا وربما تبعهم أناس لا يملكون من الدنيا ولا حطام الحطام.. وكثير يقتفون الأثر فتبعوا من هم أعلى منهم في المقدرة والاستطاعة، وربما زادوا عليهم في أمر المباهاة والمفاخرة!

والقارئ بعد أن يقرأ العنوان قد يجود لسانه ببيت الشاعر مستنكرًا:

هم يحسدوني على موتي فوا أسفي

حتى على الموت لا أخلو من الحسد

 ولكن أقول له: اهنأ حيًا وميتًا، وليس الأمر ما عنيت بفهمك، فلا نريد لك إلا حياة طيبة، كما قال الله - تعالى - عمن آمن وصدق وعمل صالحًا: ﴿...فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

ولكن كثيرًا من الأسر عندما يتوفى لهم قريب تظهر مع موته أمور منهي عنها، وكأن عقال المخالفات الشرعية ينطلق مع توقف حياة القريب.

بعض الأسر تسارع إلى نعي الميت على صدر صفحات كبيرة وربما في أكثر من صحيفة وهذا من أمور الجاهلية، وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نعي الجاهلية.


ويحدد في هذا النعي المعلن والمدفوع الثمن متى ستصل الجنازة بالطائرة من المكان الفلاني.. ويحدد أيضًا مكان الصلاة، وعنوان عزاء الرجال وأرقام الهواتف والفاكسات والعنوان البرقي.. يلي ذلك عنوان عزاء النساء والهواتف والفاكس.

وبعد انتهاء المظاهر وحين تبدأ عظام الميت تبلى تخرج إعلانات في صحف متعددة مظهرة شكرًا من عائلة المتوفى: تشكر فلانًا وفلانًا من الكبراء والوجهاء والأعيان وتسميهم بأسمائهم ووظائفهم ومقر أعمالهم وأحيانًا يعدد في بعض الصحف أكثر من عشرين اسمًا... ويختم الشكر هذا بشكر خاص لمن عزاهم من داخل البلاد وخارجها برقيًا وهاتفيًا أو فاكسيًا، ويخصون أصحاب المعالي والسعادة والوجهاء والأعيان (وكل من مر من شارعهم حتى ولو كان صدفة ولو بعد حين).

وكل تلك المظاهر ما أنزل الله بها من سلطان، بل إنها مخالفة للشرع وربما تجر إلى محظورات أكثر، فالبدعة مبنية على الاستحسان... فما بالك إذا أضيف إليها مرض المباهاة وداء المفاخرة!

وبحساب سريع لثمن تلك الإعلانات التي يقصد منها الوجاهة وحب الظهور نرى أنها تتجاوز في أحيان كثيرة نصف مليون ريال إذا كان الإعلان في صحف متميزة ومتعددة.

ولو سألت أصحاب المظاهر إياهم ماذا قدمتم للميت؟ وما هذا التبذير الذي نراه؟! لعجب من سوء الجواب واستغفال السؤال! وإن أشرت عليهم بأن هذا المبلغ كبير وقد ينفع الله به الميت لو


 تصدق عنه أو بني به مسجد يصلى فيه... لأشاحوا بوجوههم عنك... فهم لا ينظرون لمن تحت التراب... هم ينظرون لمن فوق التراب... ينظرون بعين الدنيا!

وهكذا تحول الجهل والمباهاة إلى واقع يفرض نفسه على كثير من الأسر التي يقودها جهلة وأصحاب منافع إلى طريق منهي عنه شرعًا.. وكثير منهم يتمسكون بأبهة الدنيا وزخرفها حتى وإن ذهبوا كلهم للمقبرة.. ورأوا العظة والعبرة... وتركوا الميت وحده تحت أطباق الثرى رهينًا بعمله مسؤولاً عما قدم!

وبعض الأسر اتخذت من الموت وهو مصيبة كما سماها الله - عز وجل-: ﴿...فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ...﴾ [المائدة: 106] سلُمً للأهداف الدنيوية الدنيئة، وركبت مطية الجهل والتبعية، ورفعت بتوافه الأمور رأسًا يقطر خجلاً وقد عصب على جبينه عصابة الموت!

ووقفات للأحياء:

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله-: «النعي هو أن يقال فلان مات، وكان أهل الجاهلية إذا مات منهم أحد أركبوا فارسًا ينادي فلان مات تعظيمًا لأمره.

* قال الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - عن التعزية بالصحف: «هذا من النعي الذي نهي عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن المقصود به إشهار موته وإعلانه»([6]).

*     *     *


 تلمس الأثر

لبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهاء الرسالة ونور النبوة وصدق العبارة وجميل المعاملة، ولذا سنُطل على هذا البيت الكريم إطلالة سريعة نقتبس من أفعاله وأقواله - صلى الله عليه وسلم - لتنير دروب الحائرين وتهدي المستهدين! فلقد جفت منابع الحنان والعطف في بيوت الكثيرين، وأضحى الصديق والرفيق أحق من الوالدين والزوجة والأبناء... وتعجب إذا علمت أن فلانًا الموصوف بالكرم والسخاء هو نفسه ذلك الرجل البخيل الشحيح في بيته، ويتواصل العجب إذا علمت أن فلانًا خفيف الظل وصاحب النكتة السريعة والعبارة اللطيفة يتحول إلى أسد يزمجر في بيته! ولا يرى أهل بيته من تلك الصفات إلا عكسها!

يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة» وهذا المرأة الصالحة لها حقوق وعليها واجبات، نرى بعضًا من اللمسات الحانية والمواقف الأسرية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع زوجاته.. الذي أعطى كل ذي حق حقه؛ رغم هموم الرسالة وأعباء القيادة، قيل لعائشة - رضي الله عنها-: ماذا يعمل رسول الله في بيته، قالت: «كان بشرًا من البشر يغلي ثوبه ويحلب شاته، ويخّدم نفسه» [رواه البخاري].

ثم أطلق بصرك لترى الحبيب - صلى الله عليه وسلم - عائدًا قافلاً من غزوة خيبر بعد أن فتحها الله - عز وجل - على يديه، يتواضع في مشهد مؤثر


 ويوطئ أكنافه لأهله ويعين زوجته ويسعدها، روى البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة خيبر تزوج صفية بنت حيي، وكان يدير كساء حول البعير الذي تركبه يسترها به، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب! نعم يفعل ذلك وهو القائد المنتصر وهو النبي المرسل!

وتأمل في لمسات طالما اختفت من بيوتنا فأضحى الكثير جلفًا لا يقدر العاطفة ولا يرى للزوجة الحبية مكانًا في قلبه ولا رقة على لسانه، عن عمرو بن العاص، أنه قال لرسول - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» [متفق عليه].

ومحبة الزوجة وإظهار ذلك لا ينقص من قدر الرجل السوي... فمن منا اليوم يظهر ذلك الود وتلك المحبة لزوجته ويشعرها بذلك ويتقرب إلى قلبها بتلك اللمسات العاطفية الرقيقة!

هذا النبي الكريم الذي خُلقه القرآن، تقول عنه عائشة - رضي الله عنها - كما رواه مسلم: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فيِّ، وأتعرق العرق، فيتناوله، ويضع فاه في موضع فيِّ» وكثير يكره أن يشرب بعد زوجته، فما بالك إذا كان يتقرب على قبلها ويدخل السرور على نفسها!

وفي تطبيق عملي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينطفئ نوره ولا يخبو ضوؤه وهو أدب رفيع من أدب الطعام وشكر الصنيع يشهد له أبو هريرة - رضي الله عنه - حيث قال: «ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهة تركه» [متفق عليه].


إن هذه اللمسات الحانية تقربًا إلى القلوب ومودة ورحمة وحسن عشرة! ومن تعبد لله - عز وجل - بحسن الخلق أُجر وأثيب عليه وكملت له السعادة، وفاز برضوان الله - عز وجل-، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «أعلى المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم».

قال ابن القيم: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين».

وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل، فتمسك -أخي الحبيب- من هذه الأربعة بحبل متين وأدل بدلوك لتكن ممن قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنهم، كما روى ذلك أبو داود: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»([7]).


 يا بني

يا بني... هذه رسالة مكلومة من أمك المسكينة... كتبتها على استحياء بعد تردد وطول انتظار.. أمسكت بالقلم مرات فحجزته الدمعة! وأوقفت الدمعة مرات فجرى أنين القلب.

يا بني... بعد هذا العمر الطويل أراك رجلاً سويًا مكتمل العقل ومتزن العاطفة... من حقي عليك أن تقرأ هذه الورقة وإن شئت بعد فمزقها كما مزقت أطراف قلبي من قبل!

يا بني... منذ خمسة وعشرين عامًا كان يومًا مشرقًا في حياتي عندما أخبرتني الطبيبة أنني حامل! والأمهات يا بني يعرفن معنى هذه الكلمة جيدًا فهي مزيج من الفرح والسرور، وبداية معاناة مع التغيرات النفسية والجسمية... وبعد هذه البشرى حملتك تسعة أشهر في بطني فرحة جذلى، أقوم بصعوبة، وأنام بصعوبة، وأكل بصعوبة، وأتنفس بصعوبة، ولكن كل ذلك لم ينقص محبتي لك وفرحي بك! بل نمت محبتك مع الأيام وترعرع الشوق إليك!

حملتك يا بني وهنًا على وهن وألمًا على ألم.. أفرح بحركتك وأسر بزيادة وزنك وهي حمل علىّ ثقيل!

إنها معاناة طويلة أتى بعدها فجر تلك الليلة التي لم أنم فيها ولم يغمض لي فيها جفن، ونالني من الألم والشدة والرهبة والخوف ما لا يصفه القـلم ولا يتحدث عنه اللسان... ورأيت بأم عيني الموت


 مرات عديدة! حتى خرجت إلى الدنيا فامتزجت دموع صراخك بدموع فرحي وأزالت كل آلامي وجراحي!

يا بني... مرت سنوات من عمرك وأنا أحملك في قلبي وأغسلك بيدي جعلت حجري لك فراشًا وصدري لك غذاء.. أسهرت ليل لتنام... وأتعبت نهاري لتسعد.. أمنيتي كل يوم أن أرى ابتسامتك، وسروري في كل لحظة أن تطلب مني شيئًا أصنعه لك.. فتلك هي منتهى سعادتي!

ومرت الليالي والأيام وأنا على تلك الحال خادمة لم تُقصر، ومرضعة لم تتوقف، وعاملة لم تفتر، حتى اشتد عودك واستقام شبابك، وبدت عليك معالم الرجولة، فإذا بي أجري يمينًا وشمالاً لأبحث لك عن المرأة التي طلبت!

وأتى موعد زفافك فتقطع قلبي وجرت مدامعي فرحة بحياتك الجديدة وحزنًا على فراقك! ومرت الساعات ثقيلة، فإذا بك لست ابني الذي أعرفه... لقد انكرتني وتناسيت حقي! تمر الأيام لا أراك ولا أسمع صوتك، وتجاهلت من قامت بك خير قيام!

يا بني... لا أطلب إلا أقل القليل.. اجعلني في منزلى أطرف أصدقائك عندك وأبعدهم حظوة لديك! أجعلني يا بين إحدى محطات حياتك الشهرية لأراك فيها ولو لدقائق.

يا بني... احدودب ظهري وارتعشت أطرافي وانهكتني الأمراض وزارتني الأسقام... لا أقوم إلا بصعوبة، ولا أجلس إلا بمشقة ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك!


 لو أكرمك شخص يومًا لأثنيت على حسن صنيعه وجميل إحسانه... وأمك أحسنت إليك إحسانًا لا تراه ومعروفًا لا تجازيه.. لقد خدمتك وقامت بأمرك سنوات وسنوات! فأين الجزاء والوفاء؟ ألهذا الحد بلغت بك القسوة وأخذتك الأيام؟

يا بني... كلما علمت أنك سعيد في حياتك زاد فرحي وسروري... ولكني أتعجب وأنت صنيع يدي... أي ذنب جنيته حتى أصبحت عدوًا لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل عن زيارتي! هل أخطأت يومًا في معاملتك أو قصرت لحظة في خدمتك؟ اجعلني من سائر خدمك الذين تعطيهم أجورهم.. وامنحني جزءًا من رحمتك... ومنّ على ببعض أجري... وأحسن فإن الله يحب المحسنين!

يا بني... اتمنى رؤيتك لا أريد سوى ذلك! دعني أرى عبوس وجهك وتقاطيع غضبك.

يا بني... تفطر قلبي وسألت مدامعي وأنت حي ترزق! ولا يزال الناس يتحدثون عن حسن خلقك وجودك وكرمك!

يا بني... أما آن لقلبك أن يرق لأمرأة ضعيفة أضناها الشوق وألجمها الحزن! جعلت الكمد شعارها والغم دثارها! وأجريت لها دمعًا وأحزنت قلبًا وقطعت رحمًا.

لن أرفع الشكوى ولن أبث الحزن لأنها إن ارتفعت فوق الغمام واعتلت إلى باب السماء أصابك شؤم العقوق، ونزلت بك العقوبة، وحلت بدارك المصيبة... لا لن أفعل.. لا تزال يا بني فلذة كبدي


 وريحانه حياتي وبهجة دنياي!

أفق يا بني... بدأ الشيب يعلو مفرقك، وتمر سنوات ثم تصبح أبا شيخًا والجزاء من جنس العمل... وستكتب رسائل لابنك بالدموع مثلمًا كتبتها إليك... وعند الله تجتمع الخصوم!

يا بني... اتق الله في أمك.. كفكف دمعها وواس حزنها، وإن شئت بعد ذلك فمزق رسالتها!

واعلم أن من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها([8]).

*     *     *


 ولو بشق تمرة

رغم زخرف الحياة اليوم وجمالها في أعيننا إلا أن ذلك لا يمنع أن تعود قرونًا ونقلب صفحات مضت نقرأ فيها بعضًا من واقع الأمة في سني مجدها وعزها، وأين هم الدين وموقعه في قلوب أبنائها!

أطلق بصرك لترى أبا بكر - رضي الله عنه - وهو قادم إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحمل ماله كله ثم يضعه بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله.

ثم تأمل فيمن أتى يمشي بعده وهو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإذا به يحمل نصف ماله!

أما عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فقد جهز جيش العسرة بثلاثمائة بعير مجهزة بكل ما تحتاج إليه! وهذا أبو طلحة أكثر أنصارى المدينة مالاً، وكان أحب ماله إليه بيرحاء وهي بستان مخضر مورق مستقبلاً المسجد، ولما نزل قوله - عز وجل-: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] قال أبو طلحة - رضي الله عنها - يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ اللهم إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وأدخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بخ، ذاك مـالك رابح، ذاك مال رابح، وقد  سمعت  وأنا أرى أن تجعلها في


الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله.

وهذه أم المؤمنين زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشة بنت الصديق - رضي الله عنهما - ذكرت عنها أم درة - وكانت تخدمها - قائلة: إن معاوية - رضي الله عنه - بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم، فدعت بطبق فجعلت تقسم بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية هلم فطوري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم درة: ما استطعت فيما اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ فقالت: لو كنت ذكرتني لفعلت!

أما سليل بيت النبوة على بن الحسن - رضي الله عنها - فقد كان يحمل جرب الدقيق على ظهره يتبع المساكين في ظلمة الليل، ولما مات وجدوا خطوطًا سوداء في ظهره من ثقل ما يحمل.

هذه نماذج من سخاء يدهم وكرم نفوسهم، وهي غيض من فيض وقليل من كثير، أليس قدوتهم نبي هذه الأمة الذي رأوا يومًا موقفًا عظيمًا منه، فهن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأهدتها النبي - صلى الله عليه وسلم - مُحتاجًا إليها فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسنيها، ما أحسنها! فقال: «نعم» فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجلس، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاجًا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلاً: فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه [رواه البخاري].


قال ابن القيم - رحمه الله - عن الصدقة وعظم نفعها وأثرها في الدنيا والآخرة: «فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء ولو كانت من فاجر أو ظالم بل من كافر، فإن الله يدفع بها أنواعًا من البلاء... وأثر الصدقة واضح على النفس وفي بركة الأموال والأولاد ودفع البلاء وجلب الرخاء».

ثم قال -رحمه الله-: «فإن الصدقة تفدي من عذاب الله - تعالى - فإن ذنوب العبد وخطاياه تقتضي هلاكه، فتجيء تفدية من العذاب وتفكه منه، والناس في هذه الأزمان على أصناف عدة: فمنهم من ينفق ليقال منفق وكريم وجواد وهذا ليس له إلا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من تصدق يرائي فقد أشرك» وآخرون ينفقون ولكنهم يتبعون النفقة المن والأذى: وهؤلاء لهم نصيب من قول الله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ [البقرة: 264].

وصنف ثالث: ينفق، ولكنه ينفق رديء ماله وطعامه، فإذا بليت ثيابه دفع بها إلى الفقراء، وإذا تقطع حذاؤه قال: أين المساكين؟

وقسم رابع: بخيل مُمسك قال الله عنهم: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: 38].

وآخرون وهم أشد الأنواع مرضًا، فهم بخلاء أشحة ويأمرون الناس بذلك: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 37].


أما أعلى الأصناف وأكملها فقد قال الله عنهم: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].

وأوجه الإنفاق في الأمة متعددة وكثيرة فمن إعانة الفقراء والمحتاجين إلى كفالة الأيتام والدعاة إلى الإسهام في نشر دين الله وأعلاء كلمته، ويتمم الجهد كله؛ النية الخالصة لله - عز وجل-.

ويقف الشيطان متربصًا بالمنفقين الضعفاء فيسول لهم: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268].

ولا تزال النفوس تتطلع إلى المنفقين والمتصدقين... ورضي الله عمن يأتي بماله ورضي الله عمن يأتي بنصف ماله! وحتى الآن تبقي تلك الإشراقات ذكرى عطرة ونبراسًا لحياة أمة!([9]).

*     *     *


 لا تكن منهم!

البخل داء خطير إذا استحكم في شخص الفرد وأبناء المجتمع.. وإن كان البخل المادي أكثر شيوعًا وانتشارًا إلا أن الإنسان تستحكم في نفسه أنواع أخرى من البخل!

من أسوأ تلك الأنواع: الشح بالفكر والرأي! وكثير من الناس لديهم الآراء النيرة والأفكار الجيدة لكنهم لا يطرحونها لأهل الاختصاص، ولا تعرض على أصحاب الشأن، وآخرون يطرحونها على شكل ملاحظات وانتقادات ولكن في المجالس تفاخرًا وادعاء! وترى البعض يردد: ليتهم فعلوا.. وليتهم تركوا...!

والله -عز وجل- ذكر الجهاد في آيات كثيرة ولم يقصرها على القتال فحسب، بل الأمر أوسع وأشمل... فهو بالسنان والبنان وبالقلم والرأي والفكرة والمال! وكلَّ بحسبه. ومن أعظم الأفكار التى طرحت خلال سنوات مضت ونفع الله بها نفعًا عظيمًا، اقتراح من شخص واحد لا يعرف من هو حتى الآن قام بطرح فكرته على أحد الدعاة ووجهه على شكل سؤال وعتاب! وقال: لماذا لا يفتح لدينا في (المملكة) مكاتب لدعوة الجاليات خصوصًا مع كثرة الأمم الوافدة إلينا؟! طرح رأيه وألقى بفكرته ثم مضى! ومع إلقائه للفكرة بدأت تصول وتجول في رأس وفكر الداعية الموفق، حتى أصبحت شغلة الشاغل وهمه المتصل، فسار خطوات واستشار


 وسعى لدى الجهات المختصة حتى أذن بفتح أول مكتب للجاليات فكانت نواة مباركة وشجرة مثمرة... ومع الأيام نمت مكاتب للجاليات وترعرعت حتى تجاوزت مائة وعشرين مكتبًا في أنحاء المملكة... وكان من حصاد عملها طبع ملايين الكتب المترجمة إلى العديد من اللغات وأسلم على يديها وبجهودها المباركة ألوف الأشخاص، ولها جهود مشكورة في تربية من اسلموا حديثًأ بإقامة دورات شرعية لهم، وتنظيم زيارات شهرية لأداء العمرة، وإقامة موائد إفطار للصائمين... وهناك أعمال أخرى كثيرة جدًا! لكن نعود للفكرة التي طرحت وأدت هذه الثمار الكبيرة والعظيمة! ترى لو بقيت حبيسة رأس صاحبها هل تنفع أحدًا؟

والحديث متصل عن مكاتب الجاليات... دعونا نبحر في حال من أسلموا حديثًا ونرى بعضًا من الإشراقات العجيبة والإضاءات المتوالية... وإلا فحياتهم تشبه واقع الصدر الأول في الإسلام من صبر على الأذي وتحمل للمشاق وفراق الأهل والزوجة.

أولى تلك الإشراقات: شاب من الجالية الشرق آسيوية دخل الإسلام قلبه وعمر الإيمان جوانحه فكان مثالاً للمسلم الذي يبحث عن الحق، فتراه يحرص على الحضور إلى المحاضرات وأحيانًا يسافر إليها، وكلما سمع أمرًا شرعيًا ائتمر به أو نهيًا انتهى عنه.. فكان بحق ممن يعملون بما يعلمون... وأذكر هنا له موفقًا واحدًا فحسب... لما علم أن حلق اللحية حرام بنص حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ترك حلقها، وأهل تلك البلاد لا يخرج في وجوهم سوى شعرات


قليلة متفرقة؟

وكان هو من أولئك، فلا ترى في وجهه سوى شعرتين اثنتين فقط بينهما مسافة تزيد على سنتيمتر وطول كل شعرة ما يقارب من خمس سنتيمرات، قال: فطلبت مني زوجتي وكانت لا تزل كافرة أن أتجمل لها وأحلق هاتين الشعرتين، فرفضت، وقلت لها هذا حكم الله ولا أريد أن أعصيه، وقد من علي وأكرمني بهذا الدين العظيم... ثم قال: لعل الله أن يطلع عليّ ويرى ضعفي وانكساري، وإني أبقيتها طاعة له واستسلامًا لأمره فتكون سببًا في دخولي الجنة.

قلت: كم الدنيا من أهل اللحى الجميلة ويخالفون أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ويعصونه في حلقها مع جمالها حتى إن عائشة - رضي الله عنها - كانت تقسم بقولها: «والذي جمل الرجال باللحى».

ثم تأمل كيف هو ثبات هذا المسلم الجديد على دين جديد، وهو يُحارب من أهل وزوجته، ومع هذا فهو ساع جاد في تلمس الأوامر والنواهي التي يعملها من دينه ويسير على هدي نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

أما الآخر ممن أسلموا حديثًا: فقد ذكر لي أحد الشباب قصة طريفة توحي بشح أنفسنا وقلة إنفاقنا لهذا الدين فقال: جلست يومًا في صالة أحد الفنادق في الرياض فإذا الذي بجواره رجل وافد إلى هذه البلاد... وأخذت الخواطر تتقلب في صدري: لماذا لا أدعوه للإسلام وأحدثه عن الإسلام؟! حتى أقنعت نفسي بمشقة وحادثته بعد طول تردد، فإذا به قد أسلم حديثًا.


وأخذ الحديث يتشعب ذات اليمين وذات الشمال، حتى قال بي: أنا أقوم ببناء مسجد في بلدتي وما زال في بدايته وذكر عدد المسلمين في قريته، وأن هذا هو لمسجد الوحيد في المنطقة كلها، وأسهب في الحديث عن المسجد وفرحه به، قال محدثي: أخذني الحماس وتحركت مشاعر الخير عندي فأدخلت يدي في جيبي وأخرجت من محفظة نقودي ورقة نقدية، فإذا بها من فئة الخمسمائة ريال؛ ولما رأيت بريقها... أركض الشيطان علي بخيله ورجله، وقال: يا رجل لا تكن إبلة، قد يكون كاذبًا، وقد لا يوجد مسجد أصلاً، دع العواطف السريعة وأعد دراهمك إلى مكانها.

قال محدثي: ولكن الرجل قد رأى المبلغ فخجلت أن أعيده واستحييت أن أرجعه، وقلت له: هذه مشاركة مني في بناء المسجد، قال وهو يشير بيده ويبعدها عني: لا أريد أي مبلغ لهذا المسجد فأنا استقطع من راتبي كل شهر لبناء هذا المسجد ولا أريد أن يشاركني فيه أحد، إني أريد به بيتًا في الجنة.

أعدت مبلغي وأنا أحاسب نفسي ألهذا الحد نحن نائمون وغافلون؟ كيف سنحمل الإسلام وهكذا قلوبنا وعواطفنا واستجابتنا؟ ولا يزال البعض بخيلاً بالفكرة شحيحًا بالمال.. ولا تعرف مكاتب الجاليات أنه ساهم في دعمها ولو بريال واحد... فلا تكن أيها القارئ منهم([10]).

*     *     *


أيها الرجال عددوا...!!

يشكل الأمن والطمأنينة مطلبًا أساسيًا وضرورة ملحة في حياة الأمم والمجتمعات تسعى إلى استجلابه وإشاعته بشتى الوسائل والسبل، وإذا كان الأمر كذلك في حياة الأمم القوية والشعوب القادرة، فأين هو يا ترى في حياة أسرة صغيرة، وقلب امرأة أسيرة ضعيفة تقبع في بيت الزوجية؟!

الكثير يعلم أن حياة الاستقرار والسعادة وإظهار المودة والمحبة ركائز مهمة وقواعد ضرورية تؤسس (بعد طاعة الله - عز وجل - واتباع أوامره) لإشاعة الأمن وبث الطمأنينة في دماء وعروق دوحة الأسرة المسلمة.

ومن أبشع صور الخوف وعدم الأمن ما نراه في واقع بعض الأزواج والذين انقلبت لديهم المفاهيم، وقصرت بهم الأفهام، فأمر التعدد في الإسلام مُسلَّم به، بل مندوب إليه لمن كانت لديه المقدرة وظن بنفسه العدل، ولكن أن يتحول هذا الأمر المباح إلى سوط عذاب يؤرق الزوجة المسكينة التي ابتليت بزوج قاصر فهذا هو الخوف بعينه وعدم الأمن في الحياة الزوجية.

وليس هذا هو الخوف الطبيعي عند الزوجة من قدوم ضرة لها فهذا معلوم عند النساء، ولكن أن يتحول التعدد إلى كابوس مخيف وشبح قادم ويتخذ منه وسيلة تهديد، وأداة ابتزاز، وكلمات إهانة


 واحتقار، فهذه مصيبة في حياة الأسرة المسلمة، ففي كل حركة وسكون يأتي صوت الزوج مهددًا ومتوعدًا، سأتزوج بأخرى، وإن كان رأى منها خطأ أو تقصيرًا أطلق التهديد بالزواج وكأنه يذبحها بهذه السكين كل يوم!

بل بعضهم في لحظات السكن والقرب يهمس في أذن زوجته: ما رأيك لو تزوجت بأخرى! والمطلعون على أسرار البيوت وخبايا الصدور يتحدثون أن نساء كثيرات يشربن من هذا المورد صباحًا ومساء، ولكن من البشائر للمرأة أن الذين يتهددون ويتوعدون لا يفعلون، إنما يعالجون نقصًا ويدفعون عجزًا ويرفعون رجولة مبطنة بهذه الأقوال.

وللأزواج إياهم... عددوا ولا تعذبوا، عددوا ما شرع لكم ولكن دون تهديد ووعيد.. فلك أن تعدد دون أن تقترف زوجتك خطأ، ولك أن تعدد دون أن يكون في زوجتك نقص، ولك أن تفعل ذلك مع حسن التبعل والكلمة الحانية والعشرة الطيبة، ولمن جانب الصواب في هذا الأمر الخطير وهدم منزلة وقطع قلب زوجته؛ أهدي له سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحسن معاملته، فتأمل حال نبي هذه الأمة مع زوجاته ورفقه بهن وإدخال السرور عليهن، وقد عهد إلينا بوصايا عظيمة في حسن المعاملة والرفق واللطف ومراعاة المشاعر.

فكن أيها الرجل الفاضل ممن عناهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله كما روى ذلك الترمذي: «أكمل المؤمنين إيمانًآ أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم


لنسائهم».

فدعها أيها الزوج آمنة مطمئنة حتى وإن نويت أو عزمت على التعدد، وكن من عقلاء القوم وكرامهم عند التعدد وقبله، وأعلم أنك لا تنازع في أمر نزل من السماء!

وللزوجة... تأملي قلة هذا الأمن وفقدان الطمأنينة في محيط أسرتك الصغير وكيف تقلب لك الحياة رأسًا على عقب، فما بالك بالأمن من منظور أشمل وأوسع، فقد تحدث الله - عز وجل - عن الأمن وفقدانه بشكل مخيف ومفزع؛ وذلك لمن عصاه وخالف أمره فجعله لباسًا لا يفارق الجسد.

وهذه سنته الكونية لمن تنكب عن الصراط المستقيم: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].

وجعل الجنة والأمن لمن أطاعه واتبع أوامره: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

أقر الله الأعين بصلاح الأزواج والزوجات، وضاعف الأجر والمثوبة للصابرات المحتسبات!([11]).

*     *     *


 والصديق (الشايب).. خطر

في سيرة الإنسان على وجه الأرض أفراح وأتراح وأحزان ومسرات، تراه يتلفت يمنة ويسرة باحثًا عمن يشاركه فرحه ويشاطره حزنه، يؤنس وحشته ويزيل وحدته، ولكن من هو هذا الصديق والرقيق؟!

يذكر كثير من الدعاة والمربون وعلماء الاجتماع أن النسبة الكبرى من الانحرافات تأتي نتيجة حتمية لمصاحبة رفقاء السوء.

وما ذُكر هؤلاء الرفقاء إلا انصرفت الأذهان واتجهت الأنظار إلى الشباب والفتيات في سن المراهقة، وهذا حق بحكم السن وعدم النضوح والإدراك المبكر، ولكن هذا فيه نوع من القصور، فإن رفيق السوء لا يقتصر على مرحلة من مراحل العمر، فكم رأينا من رجل بلغ أشده وهو في أحسن حال ثم أخذ في تغيير مساره الصحيح بفعل رفيق سوء تعرف عليه في عمل أو من خلال زيارة أو مجاورة، ونساء كثر بدأن خطوات غير موزونة وغير ثابتة مع أن أبناءها بدؤوا يشبون عن الطوق.

فخطر رفيق السوء أنه يتسلل إلى القلب خلسة وفي غفلة من الإنسان، وإلا فما ظنك بمن خط الشيب مفرق رأسه وهو على حال طيبة في بيته ومع أهله عابدًا مطيعًا، ثم فجأة لما تعرف على فلان كـثرت أسفاره وطال غيابه! حتى يمسي بالمراهق الكبير! ومـا رأيك


 بامرأة بدا ابنها وابنتها أطول منها جسمًا ثم ها هي تبدي محاسنها ومفاتنها عند الرجال الأجانب على تقادم فيها وكبر!

ولربما كان تأثير رفيق السوء في سن متقدمة أسرع من تأثير الصغير لأمور منها: محاولة الكبير إبراز رجولته والمرأة إبراز أنوثتها التي بدأت تغيب عنها الشمس، ثم إن الصغير قد يجد من يحيطه بالعناية والرعاية وينصحه ويأخذ على يده، وقل مثل ذلك في الكبير، ثم إن في اعتداد الشخص بنفسه وتكبره على كبر سنه وعدم قبوله للنصح أكبر تلك العوامل.

في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقالا له: ترغب عن ملة عبد المطلب، فأعاد عليه رسول الله، فاعادا، فكان آخر ما كلمهم به هو: على ملة عبد المطلب وأبي أن يقول: لا إله إلا الله، فتأمل في رفيفي السوء أبي جهل وعبد الله بن أمية وكيف كانا سببًا في حرمان عم النبي - صلى الله عليه وسلم - من النطق بالشهادة!

وقد شفى النبي - صلى الله عليه وسلم - كل عليل بكلمات نبوية عظيمة في أوضح مثال عن الصحبة فقال - عليه الصلاة والسلام - في الحديث المتفق عليه: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة».

وقبل أن تتلمس صديقك ورفيقك تأمل في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -


 وانظر في حال صحبتك وأمر رفقتك، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل» [رواه أحمد].

ولا يُظن أن رفيق السوء هو من يدل على المعاصي، بل إن من لا يدلك على الخير هو رفيق سوء وعلى تفاوت بين الأمرين؛ لكن الإنسان يرتقي في الصحبة إلى أعلى الأصحاب منزلة وأقربهم كمالاً.

وأنت تتلمس صحبتك وخيار الناس لك لا يفتك ولا يغب عن عينيك أمر أبنائك وبناتك وزوجتك! أصلح الله القلوب وأقر الأعين([12]).

*     *     *


 ما الهم الذي في قلبك؟

في مجلس واسع ضم جمعًا من عقلاء القوم، طال فيه المكث وتشعب الحديث... فكانت سقطة أحدهم أن سخر من أهل (بلدة...) حيث روى نكتة قديمة معروفة ضحك لها الجميع، ولم يكن المتحدث يظن أن أحدًا من المجلس من تلك البلدة؛ لكن السماء أرعدت وأبرقت وقام من كان حاضرًا من أهل تلك القرية وأزبد وتوعد، وتوالت أنفاسه، وتسارعت كلماته، ودافع ونافح عن قريته، وعدَّد مثالب القرى الأخرى وتحدر الكلام من لسانه كما يتحدر السيل من أعالي الجبال!

عندها أشفى غليله من القوم وارتاحت نفسه وانفض المجلس على غير وفاق! وآخرون من قرية أخرى هبوا وتنادوا حين علموا إن أحد رسامي الكاريكاتير في إحدى الصحف تعرض (لديرتهم) ونالهم بنكتة يرى أنها من صميم حياتهم ومن طبائعهم الشخصية! فاجتمعوا على غير عادة وتكاتفوا على فرقة وأخذتهم النخوة، فسارعوا إلى من بيده الأمر، وأرسلوا البرقيات المتتالية مليئة باللوم والعتاب وتبرئة أنفسهم مما ذكر، مطالبة بالقصاص ممن تعدى ومس جدران قريتهم وأوديتها وجبالها، حتى أوقف ذلك الرسام وأخذ عليه تعهد بعدم التعرض لهم لا من قريب ولا من بعيد، ولم يهدأ الأمر فطالبوا بسجنه وإن كانوا يرون ذلك قليلاً في حقه!


وهذه الحمية العجيبة والغضبة السريعة والاتفاق من العشيرة على ذلك؛ يقابلها مع الأسف الشديد برودة في الدين وهوان لسنة المصفى - صلى الله عليه وسلم - في قلوب الكثير!

فترى أحدهم يخرج بنكات ساذجة يعير فيها من التزم باللحية وهي سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيكثر الضاحكون ويتندر المتندرون وتتناولها الألسن وتصبح نكتة لا تنسى! وآخر يكتب بيد قذرة يلمز، ويغمز برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكيف عدد الزوجات وأكثر من النساء؛ فتلوى الرءوس والأعناق عجبًا لفطنة الكاتب وبراعته واكتشافه غوامض الأمور وكوامن النفوس! وثالث يطل من لسانه رائحة النفاق وهو يتعرض لعلماء الأمة ودعاتها، ورابع يزدري ويسب صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهارًا نهارًا وتشترى كتبه وتسمع أشرطته! وخامس ينال الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ويصورهم بسذاجة وبلاهة، ويصف ما أمر الله به - عز وجل - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه تدخل في شؤون الآخرين وقلة ذوق، وبلاهة في التفكير وتعدِّ على حرياتهم الشخصية، والأمة - إلا من رحم ربك - يطأطئون الرءوس وتخرس منهم الألسن، وتموت فيهم الغيرة لدين الله - عز وجل-، وآخرون تسمع صدى ضحكاتهم وقد يهمهم الأمر لكنه لا يتجاوز الحوقلة! وكأن أولئك المرتابين ومن في قلوبهم مرض يتحدثون ويغمزون ويلمزون في دين غير دينهم، أو يكتبون عن نبي غير نبيهم! فما بال أولئك القوم تسامت لديهم قرية من الطـين تسكنها الأشباح ويسمع فيها عواء الذئب؛ على دين الله - عز


وجل - وأصبحت أحب إليهم قولاً وفعلاً ودفاعًا وجهادًا! وما بال ذلك الرجل ينتصر لقومه وبني عمه ويسكت عن دين الله ورسوله وهو يستهزأ به!

والله الذي لا إله إلا هو إن بعض الناس ليدافع وينافح عن الهاتف النقال الذي يستعمله أكثر مما يدافع عن دين الله - عز وجل - وسنة رسوله وصحابته الكرام، بل ويهمه أمر أعطاله أكثر من هم الإسلام والمسلمين في قلبه!

والله الذي لا إله إلا هو إن أحداهن لتدافع عن الفستان الذي تلبسه أكثر مما تدافع عن دين الله - عز وجل - الذي تحمله وقد تعدى الأمر مجرد الجلوس والاستماع إلى أولئك! فأخذ كثير من الإمعات ورعاع القوم يتناقون تلك الطرق كما أسموها في المجالس! حتى أصبحت ملح الكلام عندهم وديدن المهرجين والعياذ بالله.

وقد نهى الله - عز وجل - عن مجرد الجلوس معهم بدون إنكار، فما حال من يجلس معهم أو يستمع لهم خلف شاشة ثم يردد كلامهم في مجالس أخرى مستملحًا ومستظرفًا الاستهزاء ذاك.

والله - عز وجل - يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِر ِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].

هذا الوهن والخور والتبعية على مستوى الفرد والمجتمع! فـكيف في حال الشعوب المسلمة! وكيف الأمر مع أمة تصوم وتصلي


وتزكي وتحج!

رئيس زنديق ملحد تصل الجرأة عنده والتطاول به إلى المساس بالذات الإلهية علنًا! ثم يخرج عبر شاشات التلفاز ليسقط الصيام عن العمال! والشعب ساكت كأنما على رءوسه الطير في وسط قبول واسع وتصفيق حاد من أيد متوضئة مصلية! حتى إذا نيلت أرزاقهم ونقص ما يملأ بطونهم هبوا وتحركوا، ليس لنصرة الدين، لكنها مظاهرات عارمة واحتجاجات واسعة تأكل الأخضر واليابس لأن الزنديق رفع أسعار الخبز!

وأمثلة الخزى في شعوب أمة الإسلام كثيرة ومتتالية تشرق عليها الشمس وتغرب! وما ذاك إلا من ضعف الإيمان ووهن الدين وقلة العلم الشرعي!

قبل الهاوية:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر صاحبه بعد إيمانه».

* في جواب اللجنة الدائمة للإفتاء على من قال الآخر: (يالحية) مستهزئًا، إن الاستهزاء باللحية منكر عظيم، فإن قصد القائل بقوله (يالحية) السخرية فذلك كفر، وإن قصد التعريف فليس بكفر ولا ينبغي أن يدعوه بذلك.

* قال الشيخ السعدي: «إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج عن الدين، لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسوله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصـل ومناقض لـه


أشد المناقضة.

* قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «ومن الناس ديدنه تتبع أهل العلم لقيهم أو لم يلقهم، مثل قوله: المطاوعة كذا وكذا، فهذا يخشى أن يكون مرتدًا، ولا ينقم عليهم إلا أنهم أهل الطاعة.

* قال - علية الصلاة والسلام-: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه يهوى بها من أبعد من الثريا» [رواه أحمد]([13]).


 عجبًا لقومي

ذكرت مجلة (الأسرة) في العدد 52 أن الإحصاءات الصادرة في عام 1995م تشير إلى أن النساء في السعودية قد استهلكن 538 طنًا من أحمر الشفاه، و43 طنًا من طلاء الأظافر، و41 طنًا من مزيلات هذا الطلاء، وتم استهلاك 232 طنًا من مسحوق تجميل العيون، وبلغ حجم الإنفاق على العطور ما بين 1200 إلى 1500 مليون ريال... كما استهلكت المرأة 445 طنًا من مواد صبغة الشعر!

وبإطلالة سريعة على هذه الأرقام تتضح صورة قريبة عن المرأة في المملكة (وهي مثل غيرها) وكم هي جادة في السعي نحو استجلاب السعادة والبحث عن طريقها.

ورغم كل ما تسعى إليه المرأة إلا أن النتائج في الجانب الآخر مفزعة ومروعة! فقد بلغت نسبة الطلاق في مدينة الرياض مثلاً أكثر من 35% من عدد الزيجات! ولا شك أن هذا الرقم مدعاة إلى التأمل!

وأول من يتأمل ذلك هن المتزوجات أو المقبلات على الزواج!

فيا ترى بم تستجلب الحياة الزوجية الهانئة؟ وكيف تستمر الحياة الأسرية في هناء وصفاء؟! بل وكيف نتعاون على إغلاق باب الطلاق أو الحد منه قدر المستطاع! فإن خلف كل حالة طلاق ضيع أسرة وتشتيت أطفال وكسر قلوب، ولا يخلو مجتمـع مـن واقع


قريب لهذا أو مشابه له!

وكل ذلك مدعاة إلى أن يكون استقرار الأسرة وتماسكها حديث المتحدثين وتفصيل العلماء والمصلحين.

ذكر لي أحد القائمين على أمور الزواج والطلاق أن غالب مشكلات الطلاق هذه تأتي مع الأسف الشديد من شحن عاطفي ونفسي يسبق الزواج، فكل طرف يعبئ الآخر على زوجه وكأنه مقبل على عدو يستعد له وينبه لأخذ الحيطة والحذر منه، (فلا تدعها تفرض رأيها)، (لا تطاوعها في طلباتها) وأهل الطرف الآخر يحذورنها من جعل الحبل على الغارب، (بل يجب أن تكوني صارمة معه) و (احذري من اهله)، (لا تقبلي رأيه) و (أصري على موقفك واصمدي أمامه للنهاية)! قائمة طويلة تأتي في نهايتها نصائح الأصدقاء والزملاء بساذج الكلام وسفاسف الأمور... كن رجلاً... كن! ومع الأسف الشديد لا تجد من يقول لأحد الطرفين: اتق الله في زوجتك وأكرمها وعاشرها بالمعروف واتبع سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ويقول للمرأة: إنما هو جنتك ونارك.. واحذري أن تغضبيه أو تكدري حياته، وعليكما جميعًا بالحرص على نصح الآخر وحثه على الطاعة والعبادة والبر بوالديه، ولم نسمع أحدًا يقول للمتزوج تأمل في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليكن لك بيت إيماني تسكن إليه وزوجة ودود تحن إليك: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ أمرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء».


والملاحظ أن الزوج بمعزل عن كل النصائح التي توجه له فلم نر لها أثرًا في رسم منهج لحياته الأسرية وخطًا لسير أمور ولايته وعش أسرته، ورغم تفرده باتخاذ قرارات إدارية في منصبه أو تجارته، نراه إمعة ينساق فاغر الفاه خالي الصدر، ها هو يقرأ تفاصيل تشغيل جهازه الجوال ويطيل النظر في طريقة الاستفادة القصوى من جميع مميزاته وكيف يتعامل معه! ويضع الاحتمالات لفقدانه أو ضياعه! ثم هو يقدم على أمر عظيم من الزواج وتحمل أمانة على رقبته ومع ذلك لا يعرف ما هو حقه عليها وما حقوقها عليه.

ثم إن حزب أمره واشتدت مشكلاته تراه يسارع إلى أمر الطلاق وهو لا يعرف ولا يفرق بين الطلاق السني والبدعي ولا يعرف حقوقه وحقوقها حينذاك وبعد ذاك، أليس هذا باب جهل وتفريط؟

ومن البلايا التي ظهرت مع الأسف الشديد وتنبئ عنه سوء طوية وجهل بالأحكام الشرعية ومخالفة واضحة لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، ويقول قد طلقت قد راجعت؟ أيُلعب بحدود الله وأنا بين أظهركم؟!» فترى الزوج يبيت النية قبل الزواج ويظن أن هذا من مقدرات شخصيته ومكوناتها وهو التلويح بالطلاق (واحذري) و (انتبهي) فسوف أطلق إن فعلت أو تركت! وهي الأخرى تراها تلقي عليه كل يوم تلك المقولة التي يحفظتها عن ظهر قلب من العفن القادم إلينا... وتختم بها كل حدث أو مشكلة صغيرة.. و (إذًا طلقني).

وأحدهما لديه ثلاثة (دشوش) لمعرفة الأخـبار ومتابعتها وهـو ليس


 (وزيرًا للخارجية) ولا مسؤولاً عن متابعة أحداث العالم، ثم تفاجأ بأن مشكلاته في البيت لا حصر لها، ويزداد عجبك أنه لم يقرأ في حياته ولا رسالة صغيرة عن حل الخلافات الزوجية، أو كيفية المحافظة على استقرار المنزل، أليس من التفريط وتزيين الشيطان أن نقرأ ونسمع كل شيء ولا نهتم بأمور تمس استقرارنا وراحتنا بشكل يومي! عجبًا لقومي([14]).

*     *     *


 ذل الخضوع وخضوع الذل

من سنن الله - عز وجل - الكونية أن لا مهادنة بين الإسلام والكفر ولا التقاء لكنها مراحل ضعف وانكسار وبعد عن الله - عز وجل-، وإلا فالصراع بين الحق والباطل دائم والمعركة بين الإسلام والكفر قائمة! لا يزال هذا الدين ترسل له السهام وتصوب إليه الرماح منذ فجر انطلاقته! فمنها ما تقعده حينًا حتى ينهض، ومنها ما جرحه حتى يبرأ، ونهوضه ويبرؤه مرهونان بمن حمله!

وموجات الكفر العاتية لرواد هذا الدين تتخذ طرقًا متعددة وأشكالاً متفرقة وكلها ترمى بقوس واحد لقتله وإطفاء نوره! ولقد جرب أهل الكفر جميع الوسائل والطرق وأبلوا في ذلك أكثر البلاء وأشده ورغم كل ذلك اشتد عود هذا الدين ونمت دوحته!

وإن كان الحصار الاقتصادي اليوم يضرب على أكثر من بلد مسلم ويشد وطأته على أقطار المسلمين حتى أهلك الحرث والنسل ومات المرضى وتخلف نمو الصغار، وأسقطت الحوامل وتأخر الاقتصاد، وتوقفت الصناعة... فما أشبه الليلة بالبارحة!

كتبت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب كتابًا ألا ينكحوا إليهم، ولا يبيعوا منهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتي يسلموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للـقـتل فـحوصر نبي هـذه الأمـة - علـيه أفضل  الصلاة وأتم


التسليم - مع من معه في شعب بني عامر ما يقارب ثلاث سنوات في أرض مقفرة وشمس محرقة وسماء مجدبة! حتى جهدوا وكان لا يصل إليه شيء إلا سرًا، وقطعت قريش عنهم الأسواق حتى سمع أصوات نسائهم وأبنائهم وصغارهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع فأكلوا ورق الشجر وجلود الحيوانات!

وبعد هذا الحصار الشديد والحرب الطويلة والمعاناة الصعبة خرج نور الإسلام من ضيق هذا الشعب الصغير حتى عم شعاب الأرض الواسعة! وبعد أن أكل المسلمون ورق الشجر من قلة ذات اليد أتت إليهم كنوز كسرى وخزائن قيصر! لكننا ننتظر من أهل الإسلام صدق العودة وحسن الاتباع وفضيلة التأسي!([15]).

*     *     *


 إن تريدون إلا فسادًا!

مرت بخاطري هذه الأيام قصص كنا نسمعها منذ الصغر عن مكر ودهاء الثعالب، ولم يكن أمام ناظري إلا تلك المجلات والصحف السيارة التي يراوغ فيها كثير من حملة ألأقلام في محاولة للإيقاع بالفريسة، إما عن منهج يحمله، ومعتقد يسير عليه، وإما عن جهل وغباء ومسايرة للموجة، أما الفريسة التي تتجه لها أنياب النفاق والتغريب والفساد فهي المجتمع المسلم المحافظ، وتمثل المرأة نقطة الاختراق فيه والنفاذ إليه! تذكرت من يدَّعون الإصلاح ويدعون إليه فإذا بفرعون دليلهم وهاديهم مبررًا فعله ضد موسي - عليه السلام-: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26] وكل دعاة الضلال على خطى فرعون سائرون وعلى أثره مقتفون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29] وتذكرت نكتة قديمة أُتَهم فيها كاتب بمخالفته تعاليم الإسلام ومجانبته للصواب، وأنه من دعاة الفساد والضلال، فرفع صوته مستنكرًا كعادة تلك الثعالب!: أنتم دائمًا تتهمون عباد الله وتطعنون فيهم، وتقرؤون ما في قلوبهم؛ أنا بعكس تلك الاتهامات، فأنا مسلم وفكري إسلامي وأُصلي في اليوم ثلاث مرات!

وإن كانت صحف المسلمين - شرقًا وغربًا - تطـفح بما يندى


له الجبين من طرح الآراء الشاذة والتطاول على الدين والاستهزاء بتعاليمه، والسعي نحو إيقاع المسلمة في مستنقع متحلل من العفاف والحياء، فإن ما زاد الطين بلة أن خرج علينا صحفيون مفتون! يلقي أحدهم بالآية والحديث في مقدمة كلامه ثم يورد النصوص ويطوعها لفكره الفاسد ورأيه الشاذ، ويختم مقالته.. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت!

وأصبحت الفتاوى التي يتدافعها العلماء الربانيون نهبًا كل متطاول ومُدِّع، ومرتعًا لكل من أراد أن ينهش في جسد الأمة ودينها! وكم من ذئب يصول ويجول وهو من دعاة جهنم وعليه مسوح النصح! وفي أنيابه العطب! والعجب في زمن انتهى فيه الغزو العسكري الاستعماري أن تخرج علينا صحف ومجلات في بلاد الإسلام تطفح بغزو فكري مكثف تبث فيه الشبهة مقترنة بالإثارة، محتجة بالدعوة إلى الإصلاح! ومسوغة الفعل بالانفتاح.

والأمة - إلا من رحم ربك - تشتري وتقرأ كل ذلك الغثاء، ولذا كثرت النكت السوداء في القلوب، وسرت الشبه إلى العقول، وتحركت الشهوات في الجوارح! ومن لم يُعن بالصوت والكتابة أعان بالشراء والقراءة! وصدق الله إذ يقول: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 47].

فهل حقًا يا مسلمون: صحف المسلمين تمثل أهلها ودينها؟!([16]).

 يا شقيقي

عرفتك تحب الحور وتستمع إلى وجهة النظر الأخرى... بل عرفتك دقيق المشاعر قريب الدمعة يمتليء قلبك محبة وحنانًا... دعني أبثك همومي وأنقل إليك بعضًا من غمومي، فقد شاركتك في رحم أمي وترعرت وإياك على ثرى بيت واحد، وأكلنا وشربنا سنوات طويلة من إناء واحد.

* أخي... رأيت البارحة في قلبك القسوة وفظاظة الطبع، فما زلت أئن من الحمى منذ خمسة أيام لم تزرني فيها إلا مرة واحدة على عجل! رغم أني أسكن معك في بيت واحد، ولا يفصل بين مرقدي الذي ألزمتني إياه الحمى وبين غرفتك سوى أمتار قليلة، وطوال هذه الأيام الخمسة لم تفكر أن تذهب بي إلى الطبيب... نعم لم تفكر في ذلك مطلقًا.

* يا شقيقي... رأيت فيك مساء هذا اليوم العطف والحنان في أجمل صورة، فعندما بكي ابنك لمدة دقيقتين هرولت به في المستشفى وهو صحيح معافى، يعاني من بداية إنفلونزا بسيطة وجادلت والدته ونهرتها بأنه لا بد من عرضه على طبيب.

* يا أخي... دعنا من المرض والأمراض سلمك الله منها، لكني حتى في حال الصحة والعافية لم أرك تشاركني فرحي وحزني ولا تـعرف خواطري ومشكلاتي! الـعام الماضي احتجت إلى كراسة


 وبقيت أسبوعًا أرسل الطرف نحوك أملاً ورجاء حتى أهديت إليَّ من زميلتي، إنها مشكلة عندي بحجم هموم الدنيا أجمع وهي كراسة دفاتر ولا غير!

* يا أخي... لا تعرف حقي ولا تقدر مشاعري فعندما تقدم العام الماضي أحد الشباب لخطبتي قالت لك أمي: أذهب وتحسس أمره وأسأل عنه لكنك بقيت صامتًا حتى سألنا بأنفسنا عنه عبر وسائط غير مأمونة وكأن الأمر لا يعنيك.

* يا أخي... وشقيقي... لا أعرف أن لي عليك حقًا لما أرأه من صدودك وهجرك، حتى أخوة الإسلام والابتسامة التي حث عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا أراها منك ولقد مرت أعياد وأنا أسمع صوت ضحاتك تهز أركان غرفتك ومجلسك.

* يا أخي... مرت سنوات بعد وفاة والدي وأنا لم أجد منك يدًا حانية ونصيحة توجه حياتي، فبقيت شجرة خضراء في مهب الريح لا أعرف ماذا تنتظر.

* يا أخي... مازلت أعتمد على مصروفي الشخصي في الجامعة رغم قلته، ولا يخفى على مثلك حاجة المرأة إلى التزين واللباس خصوصًا في مثل سني، وتعرف ذلك جيدًا بما تصرفه على زوجتك من مبالغ باهظة وضنت نفسك بالقليل عليّ.

* يا أخي... تاهت بي الظنون ووسوس لي الشيطان أنك لن تحمل جنازتي، ولن تذهب بي إلى المقبرة، فالطريق طويل والحر شديد فهل هذا سوف يقع منك؟


* يا شقيقي... أنا امرأة كسيرة ضعيفة وما هذيت له هو من أعراض الحمى، وإلا فلي سنوات وأنا أحيل دمعتي إلى ابتسامة حين ألقاك، وأجمع ضعفي لأكون خادمة مطيعة تعمل لك ولزوجتك وابنك، وإن كسرت قلبي فقد أحببت قلبك وإن تحطمت آمالي فقد أحييت أملك، وإن ذبلت زهوري فقد سقيت زهورك بدمع عيني وماء حياتي، وهذا أقل حقوقك يا شقيقي.

أخي... قبل أن أودعك أبشرك بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه الإمام أحمد يقول - عليه الصلاة والسلام-: «من عال ابنتين أو ثلاثًا أو أختين أو ثلاثًا، حتى يبنَّ أو يموت عنهن كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وأشار بأصبعه الوسطي والتي تليها».

قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، ولا منزلة في الآخرون أفضل من ذلك.

* أخي... جعلك الله هاديًا ومهديًا وأقر عينيك بصلاح زوجك وأولادك([17]).

التوقيع:

شقيتك

*     *     *


 الوجه الآخر

مع الهيمنة الإعلامية والثورة الصناعية برز وجه الغرب في صورة جذابة أخاذة! لكن المسلم رغم كل ما يرى فإنه يعلم نهاية الكفر والضلال والضياع وأنهما إنما: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].

وللمفتونين ببريق الغرب وثورته العلمية وحريته الفكرية ها هي الأرقام تتحدث عن أمور تنذر بالبؤس وتدل على الانحدار، إنها غيض من فيض وهي لقطات سريعة وإشارات عابرة من مواقع مختلفة من تلك الدول التي تئن تحت وطأة الشقاء وتفلُّت السعادة وانحلال الأسرة وضياع الأمة:

ـ معدل جرائم السرقة في أمريكا (4) جرائم في كل ثانية ما بين خطف وسرقة.

ـ (170) ألف شخص يموتون سنويًا في أمريكا بسبب شرب الخمر.

ـ (13) مليونًا يتعاطون الماريونا (نوع من المخدرات) يوميًا.

ـ (4) ملايين يستخدمون أقراص الكوكايين.

ـ يولد في أمريكا مليون طفل سنويًا من السفاح.

ـ في أمريكا (12) مليون كفل مشرد في ظروف غير صحية.

ـ (8) بلايين دولار تنفق سنويًا على الكلاب والقطط في أمريكا.


ـ (11) مليون شخص يعيشون تحت مستوى الفقر في بريطانيا وحدها.

ـ عدد الفقراء في أمريكا عام 1990 أكثر من (33) مليون فقير.

ـ في بريطانيا وحدها عدد الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون (7) ملايين من الكبار فقط.

ـ في بريطانيا سجل في عام واحد معاكسات هاتفية تجاوزت (25) مليون معاكسة.

ـ عدد الأطفال المشردين في أمريكا اللاتينية (40) مليون طفل.

ـ في ألمانيا أكثر من (60) ألف طفل مشوهين دون الرابعة عشر بسبب المخدرات.

ـ مليون حالة إجهاض سنويًا في أمريكا.

ـ القانون في السويد يبيح زواج الأشقاء من بعضهم بعضًا.

إنها إرهاصات ومقدمات للسقوط الذريع والزوال القريب لأمم تعيش في ظلام الكفر والشرك والانحلال! وصدق الله - عز وجل إذا يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: 44].

فيا أيها المفتونون أنصفوا، وإذا قلتم فاعدلوا! وتحدثوا عن وجه الغرب الآخر حتى لا تخدعوا([18]).

*     *     *


 بركة المال

أحكمت النظرة المادية طوقها حول رقاب الناس، وأصبحت الأرقام وارتفاعها مصدر سعادة الكثير! وهذا النظرة بحق هي مطلب نفسي لكل إنسان، لكن طغيانها لدى المسلم محل تأمل ونظر.

ألق السمع إلى قصص وأحاديث من يملكون الأرقام الكبيرة لتعلم يقينًا أن السعادة التي لديهم نسبية ومحدودة وزائلة، أحدهم لا يرى زوجته وأبناءه إلا دقائق معدودة كل يومين أو ثلاثة! وإحداهن تسافر لمدة شهر لشراء واختيار الأثاث ومتابعة الموضة ودور الأزياء، وخلفت في منزلها الزوج والأبناء، وثالث مع كثرة الأعداد والأرقام التي لديه من مال وبنين يعالج سكرات النـزع بمفرده ليموت وحيدًا في قصره!

والسعداء من رزقهم الله من المادة الكفاف، وجعل لهم نصيبًا من قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...﴾ [الكهف: 46] أحدهم مع قلة ما بيده إلا أنه يرفل في نعيم الطاعة ولذة المناجاة، مستريح البال مبارك له في المال والولد، وهذه البركة غفل عنها الكثير اليوم، مرتبه دراهم معدودة لكن البركة حلت فيه، فهو ينفق منه ويتصدق على الفقراء والمساكين، لا يخشى طارقًا من أهل الديون، موفق أينما حل وسار، أعطال سيارته قليلة، هانئ الـبال، مسـتريح


 الخاطر، له زوجة ودود عؤود! وابنة واحدة لكنها قرة عين في صلة الرحم والعطف على والديها، ورزقها الله ذرية صالحة فقرات أعين الجميع بالعطاء القليل في المال والولد لبركة نزلت وخير عم.

أما الرجل الآخر فقد كثر وتفرقت همومه في كل واد، وله من الأبناء ما يقارب العشرة لكنهم لا يردون صوتًا ولا يفزعون لطلب، همهم متى يموت والدهم ومتى تغادر أمهم! لا يشهدون الصلاة ولا يجيبون النداء!

قال هذا الأب والأسى يعصر قلبه والدمعة تطل من عينيه: تمر عليَّ أيام تعيسة وليال شقية من كثرة مال أخشى أن يسرق أو ينهب، ومن ولد أرى منه العقوق والصدود، ومن زوجة ترفع الصوت وتغلظ النداء وتبذر الأموال! لدي مال وذرية لكن البركة منزوعة منهما!

ومن تأمل في واقع من حوله رأى مثل أولئك كرابعة الشمس في وسط النهار، وتبقى العودة إلى توثيق ذلك لأهل الإسلام والإيمان ولمن يبحث عن السعادة واستقرار النفس وطمأنينتها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ...﴾ [الأعراف: 96] وأنعم بالبركة - وهي نتاج الإيمان وثمار التقوى - إذا حلت في العمر والوقت والمال والولد!([19]).

*     *     *


 40 فرصة فقط

من عاش في هذه الدنيا وتقلب في أيامها ورحمه الله وأمد في عمره، وسلم من الأسقام والأوجاع وفجأة الموت وبغتته، فإن عمره كما قال - عليه الصلاة والسلام - لن يتجاوز السبعين: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين» [رواه الترمذي].

وإذا سلمنا بفترات الطفولة وعدم النضج في استثمار الفرص واستغلال مواسم العبادة، فإن موسم شهر رمضان المبارك يمر على الناس أربعين مرة في عمره كله وهي فرصة قليلة الانقضاء سريعة المرور.

امرأة عجوز كبيرة في السن نشأت وترعرعت في بيت علم وعبادة، هذه المرأة تجاوز عمرها الثمانين عامًا، وكانت في أواخر أيامها تقول عن الدنيا وسنواتها الثمانين: إنها كالسحاب، مرت كطرفة عين! وكان ديدنها قراءة كتاب الله - عز وجل - وحديثها التذكير بأهمية الوقت وسرعة انقضاء العمر، والحرص على اغتنامه في الطاعة.

فجأة بدأ بصرها يضعف وأُتي لها بمصحف كبير لتقرأ فيه، وبدت المشقة ظاهرة عليها حين القراءة، واستمرت الحال شهورًا، لما أتت السنة التالية بدأ البصر يخفت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت لا تـرى إلا الضـوء الباهر، عـندها قال لها أحد الأحفاد وهو يتحدث


 من نظرته للدنيا ومحبته لها: الآن يا جدتي لا ترين صغار الأطفال ولا تبصرين الأحفاد، قالت وهي ترد سوء الفهم عنها: يا ولدي تكدرت أيامي وطال حزني، لم أعد أرى حروف المصحف.

هذه حال امرأة مسنة أرهقها الزمن وأتعبها المرض، أما تلك الفتاة الشابة حفيدة عائشة وفاطمة - رضي الله عنهما - فإنها تقرأ في رمضان ما بين المغرب والعشاء ثلاثة أجزاء من القرآن؛ وهذا الوقت غفل عنه الكثير حتى من الأخيار! إنهم أصحاب الهمم في كل المراحل شيبًا وشبابًا: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61].

ونحن في هذا الشهر الكريم يا ترى كيف هي حالنا مع كتاب الله - عز وجل - إنها فرصة لن تعود، وأيام لن تتكرر.

قال ابن الجوزي: «.. فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا: فرضنا ستين سنة، فإنه يمضي منها ثلاثين سنة في النوم، ونحو خمس عشرة سنة في الصبا، فإذا حسب الباقي كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرًا... فبماذا تشتري الحياة الأبدية وإنما الثمن هذه الساعات؟!».

إلى من أمد الله في آجالهم هذه الأيام، أين المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى جنة عرضها الأرض والسماوات؟([20]).


 الحجاب الرمز

وضعت امرأة مسلمة قطعة قماش على رأسها، فضجت دولة تركيا العلمانية، تردد الصدى في أوروبا وأمريكا وآسيا.. وخصص الاتباع في مصر صفحات لمعالجة هذه الحدث العظيم والرجعية المتأخرة، أما الأذناب من دول أخرى فأخذت تغمز وتلمز مطلة برأسها بين الحين والآخر!

وهذا الحجاب الذي تتعبد بلبسه المرأة المسلمة هو خط الفضيلة المميز، ودلالة على طاعة الله - عز وجل - واستجابة أمره، ولهذا ركز الكفار والمنافقون على إسقاط الحجاب بشتى الوسائل والسبل! آخذين سياسة التدرج في الأمر قدر المستطاع! سمح في بعض دول الخليج للنساء بقيادة السيارة بالنقاب، وهم يعلمون أن خروج المرأة وقيادتها للسيارة طريق لإسقاط حجابها.... وتمر الأيام ويثبت الظن وتتحول الأمنيات المبطنة إلى واقع ملموس.... ذكرت صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في يوم الاثنين 5/3/1419هـ: أن إدارة مرور في أحدى الدول العربية سنت قانونًا يمنع النساء المنقبات من قيادة السيارات.. وقالت الصحيفة: إن الإدارة العامة للمرور التابعة لوزارة الداخلية سنت القانون الجديد بقصد تجنب تخفي البعض من النساء أو الرجال تحت النقاب للقيام بأعمال مخالفة للقانون ومنهم فـئة صـغار السن مـن السباب غير المسموح لهم باستصدار رخص


 قيادة السيارات، حيث يتخفون في زي المنقبات ويقومون بقيادة السيارات مما يؤدى إلى أضرار بالغير في الشارع.

وحتى لا يظن أن الأمر خطأ وتصرف فردي أو اجتهادي طائش... ها هو الأمر يتكرر بالخطوات نفسها في بلد آخر.. ذكرت ذلك جريدة الرياض في العدد الصادر يوم 2/6/1420هـ: أن دولة خليجية سوف تطبق قانونًا مروريًا يمنع المرأة من قيادة السيارة وهي منقبة، وبرر مدير المخالفات المرورية ذلك بقوله: «بأن ذلك تتطلبه دواع أمنية مثل أن يطلب رجل الأمن من المنقبة رخصة القيادة ولا سيما أن الصورة في الرخصة تكون فيها المرأة مكشوفة الوجه، إضافة إلى أن النقاب يعوق الرؤية أثناء القيادة.

وهكذا يتسلط الأعداء على هذا الحجاب الذي أفزع أمريكا وأوروبا وتركيا، وهو الذي أقض مضاجع المنافقين في بلاد الإسلام، ولا تزال القلة تخطط والكثرة لا تعي؛ وتستدرج من حيث تدري أو لا تدري! ولله الأمر من قبل ومن بعد!([21]).

*     *     *


 وفيكم سماعون لهم

الإمعات من أتباع الزنادقة وأهل الإرجاف كثر، ومنشأ خطرهم المسارعة في بث ما علق بأذهانهم من شبه؛ مع ارتفاع أصواتهم للدفاع عما سمعوا لإثبات الذات، وهم ذوو لجج لا حجج... لكن مكمن الداء في نظري أهل الزندقة والإلحاد، ولقد رأينا مصداق قول الله - عز وجل - في كثير من المجتمعات، أحد أولئك الذين يدَّعون الانفتاح والحرية كما يزعم ويتبجح، يرد جهارًا نهارًا أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كثير من مقالاته.. إنه بعينه ذلك الرجل الذي يرفع صوته متسائلاً: لماذا يكون في الحديث الديني لأهل العلم الشرعي وكأنهم أوصياء على الدين، ثم هو يأتي بقلة علم وبضاعة مزجاة وقلب مريض ليفسر ويؤول ويفسد في الأرض!

بلغت به الجرأة أن يرد حديثًا صريحًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» ويستهجن الأمر ويؤصل لضده! كيف تؤتمن المرأة على مالها واستثماره؟ وكيف تؤتمن على طالبات الجامعة وهي يدرسهن، وكيف تؤتمن على تربية أبنائها، ثم يقول: وهي في النهاية لا تؤتمن على عرضها في سفر يوم واحد بمفردها.

لقد أساء الأدب ووقع في دائرة التناقض العقلي أولاً: فإن من ائتمن المرأة على مالها وجعلها حرة تتصرف فيه؛ هو الذي جـعل لها أمر تربية الأبناء وتنشئتهم على الخير، وهو الذي منعها من أن


 تسافر بدون محرم، وما ذاك إلا صيانة لها ومحافظة عليها... أرأيت ملكًا يدير مملكة واسعة ويتصرف في بلاد مترامية الأطراف وله القواد والجيوش، وهو مع هذا إذا غادر مكانه فإذا بالحرس والخدم والحشم حوله، وإذا بالقواد يسيرون أمامه وبجواره إنها كرامة لها ومحافظة عليه وعناية به، والمرأة تحتاج إلى هذه الرعاية والعناية والمتابعة والحرص بل هي أولى، أليست عرضًا يحافظ عليه، وجوهرة يخشى خدشها؟!

هذا مع ما في رد حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - من الانحراف الذي قد يؤدي إلي الهاوية والخروج من دين الإسلام.

وأعظم من الابتلاء بأمثال هؤلاء أن تكون الأمة -إلا قليلاً- تفرح بمقالاته، وتسر بأطروحاته، وتشع قلوبها بشبهه وكأنه أتى بجديد، وإنما هو رجع حثالة المنافقين والزنادقة والملحدين، وصدق الله -عز وجل-: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 47].

والذي رفع السموات بغير عمد... لو طعن الكاتب في أحسابنا وأنسابنا، أو في قرانا ورمالنا لتغيرت الحال وتبدل المقال! فيا أهل الغيرة ما بال السهام لا ترد ولا توقف! وهي تصوب لأعظم ما نملك، وأجل ما نحب، وأكثر ما نتمسك به!([22]).

*     *     *


 إياك وأحبابه

بعض النساء تتخذ من طيبة زوجها وحسن خلقه وأحيانًا ضعفه واستكانته مطية إلى تنفيره من والديه وأشقائه، فكل يوم تلقي كلمة في أذنه (فعلوا) (تركوا) حتى إذا اكتملت السنة الأولى فإذا بمئات من الكلمات تتحول إلى ركام وحاجز عن محبة أهله، وفي السنة الثانية مثل ذلك، وفي الثالثة والرابعة تظهر النفرة وتتباعد القلوب وتتأصل الكراهية.

وتُمنُّ المسكينة على إقامة امرأة عجوز معها في البيت فتبدأ تنسج الأوهام، (أمك قالت)، (أمك فعلت) وتتلمس ما يغضب الزوج! فإذا كان الصيف أطفأت المكيفات وقالت: هذه رغبة والدتك لا تريد البرودة، ثم تعقب في همس ناصحة: لا يهم إذا مات شجر الظل! حتى إذا سكت الزوج أردفت بأخرى، وبدأت تنثر السم الزعاف حتى يكره والدته.

وأخرى مثلها، تتأفف لإطعام والدته وتقديم الأكل لها وتردد بين الأحين والآخر: لست خادمة لها! ولو وقف - قط - على بابها لأطعمته، ولو رأت كلبًا ميتًا في الطريق لتألم قلبها الحاني... ها هي تتبرع بقيمة بطانية شتاء لمسلم في أطراف الأرض وهي تمنع البطانية عن أمه في زمهرير الشتاء! وتناست الأخت أن من بر الـزوج والإحسان إليه: القيام بأمر أمه، وهي التي قاست وعانت في


تربيته! وغفلت المسلمة أن امرأة دخلت الجنة في كلب سقته شربة ماء، وأخرى دخلت الناس في هرة حبستها.

ومع كل هذا التناسي ومن عقوبة السيئة: تناست أنها ستمر غدًا في الموقف نفسه وستعبر بها الأيام والسنون مراحل الحياة حتى تصبح عجوزًا قد تُطعم وقد لا يقدم لها الأكل!

أيتها المسلمة... الحذر الحذر، لا تطعني زوجك في قلبه، ولا تفسدي نفسه، فالله شاهد ورقيب، وإن غفل الزوج فإن الله لا يغفل، واجعلي ذكاءك وما ترين من دهائك طريقًا لك إلى الجنة، لا إلى النار! فكم من بيوت هدمت وقلوب تنافرت وقرابات تقطعت بسبب حية رقطاء نبتت في منبت السوء.

أيتها المسلمة... إياك وأحبابه، عفي لسانك عنهم - أبًا وأمًا وأختًا وأخًا - ولا تحفري قلبه عليهم وتكبّري الأمور وتوقدي النار، فإن أول من يسقط فيها أنت... وإن طال بك الزمن([23]).

*     *     *


 أم عبد العزيز

أن تذهب إلى لبنان فإن كثيرًا من مظاهر الفساد والانحلال سوف تكون صورة ماثلة أمامك مطابقة لما رسمه الإعلام وبعض الأفراد! ويؤكد ذلك أن تجد لوحات إعلانية بمساحات كبيرة تحمل صورة لنساء شبه عاريات إلا من قطعتين تبرز لك بين الحين والأخر في الشوارع الرئيسية والطرق السريعة! هذا ما نعرفه وهذا ما رأيته، لكن هذا الدين منصور، وفي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بقية من أهل الخير والصلاح. يا نساءنا دونكن أم عبد العزيز! إنها امرأة في مقتبل العمر تحمل همم الشباب ونشاطهم، وتتطلع إلى أن تستثمر فرصة الحياة بالعمل على خدمة الإسلام في أي مكان,.

افتتحت بجهودها الذاتية مدرسة لتدريس فقراء المسلمين وتعليمهم أمور دينهم، وجمعت لهذه المدرسة المبالغ الكبيرة، وجدَّت وتعبت في البحث عن مصادر تمويل لاستمرار ثمار هذه الشجرة المباركة حتى وصل بها الأمر إلى السفر إلى كندا لجمع الأموال من الجالية المسلمة هناك.

أم عبد العزيز امرأة لبنانية وتتربع مدرستها هذه على أرض ومبنى كبير مكون من ثلاثة أدوار.

هذه هي المعلومات الأولى التي سمعتها عن هذه المرأة من الدعاة الـذين يذهبون إلى هناك، وقدر الله - عز وجل - أن أزور منطقتها


 ورتُّب موعد لمقابلتها ومناقشتها في أمر المدرسة.

تخيل أيها القارئ أنك ستقابل امرأة لبنانية في مقتبل العمر، كيف تكون وبأي هيئة ستدخل وتقابلك! لقد دار في ذهني الكثير ولكن عندما صعدنا إلى مدرستها ودخلت عرفة الإدارة فإذا بزوجها رجل تظهر عليه سيما الخير، فلما أقبلت فإذا بها ليست حاسرة الرأس أو كاشفة الوجه أو عارية النحر، لقد كانت محجبة - الحجاب الشرعي الكامل فلا ترى منها وجهًا ولا شعرًا ولا نحرًا بل قد جعلت - الكفوف السوداء - في يديها، نعم ذلك في لبنان ولها الفخر ابنة الإسلام أن تكون كذلك.

ورغم أن الشعور الذي انتابني والفكر الذي أحاطني انصرف إلى أمر حجابها ومحافظتها عليه إلا أن الأمر لا يزال مخزنًا وأنت ترى كيف يسقط الحجاب في بلد الحجاب([24]).

*     *     *


 إلى من أغلق الأبواب

مثل كثير من الشباب بدأ يبحث عن زوجة تناسب طموحه وترضي ذوقه وتنجب أبناءه، إلا أن صاحبنا اشترك شرطًا لافتًا للنظر، فقد أصر على أن تكون الزوجة المطلوبة داعية تقيم الدروس وتلقي المحاضرات، وتكتب المقالات وتشارك في الأنشطة الدعوية! اشترط هذا الشرط مع شروط أخرى قَّل أن يجتمع بعضها في امرأة واحدة، وكان هذا الشرط المحبب للنفوس والمحرك للقلوب مثار فخر واعتزاز له حتى سارت الركبان إلى الفتيات بشرطه، وأن فلانًا يريد داعية تخدم الدين وتسعى في رفعته، وتسعى إلى نشره، فهفت قلوب الكثيرات له وتطلعت أعناقهن إليه، حتى قالت إحداهن: وهل مثل هذا يرد وبعد بحث وعناء وأخذ ورد وسؤال وتحر كان له ما أراد، ويسر الله أمر زواجه من فتاة صوامة قوامة عرفت بالدعوة والهمة والنشاط مع ما حباها الله - عز وجل - من علم شرعي يؤهلها لذلك، لا تنزل منزلاً ولا تقصد مكانًا إلا وتركت فيه أثرًا، وأسهمت فيه بسهم من سهام الخير، فكان مثلها مثل حبات المطر تنبت وتزهر بإذن ربها! مع سمو في خلقها ورفعة في نسبها.

دخل الزوج الشاب بهذه الفتاة وجد فيها من صفات العقل والأدب، وحسن المظهر ما قرت به عينه وأنست وحشته وملكت لبه! ومرت الأيام الأولى تلتها الشهور وبدت الداعية مكبلة من


 الزوج لا تستطيع الحراك، وخشيت أن تثقل عليه بأمر الدعوة فيه ما زالت في بداية الحياة الزوجية! لكن الأيام تطاولت بها، والهموم أقضت مضجعها فلقد أسفر الصبح عن الشاب الطموح الذي يبحث عن الداعية أنه أول من يحارب الدعوة ويقف في وجهها! فهو منان بخيل، إن ذهب بها يومًا بقى أسابيع يذكرها بجميله، وإن أنفق ريالاً منَّ به وأذاها فيه! وإن ذكرت له موقفًا دعويًا أطرق برأسه، بارد الحس، قليل الشكر، كثير التذمر، تعجبت وتساءلت: أين من كان يجدَّ في طلب الفتاة الداعية؟ وأين من ترك الكثيرات سواي ليجد بغيته؟ ماذا دهاه وماذا أصابه؟! وتساءلت مرة أخرى: أين من سعى يبحث عن الداعية والمحاضرة والموجهة لقد خبت ناره، وأطفئ سراجه، وأظلم ليله! فكان الخيار الأخير لها إما الدعوة إلى الله - عز وجل-، وأما الزوج فحسب! لقد كان شرطه حين الزواج خدعة براقة من شروط الوجاهة، وسهمًا يصيد به قلوب المحبات للخير المتعطشات لري القلوب، ممن يحترقن لخدمة هذه الدين ويرغبن في الإسهام لرفعته، فإذا وقعت في حباله وأصابتها سهامه فمكانه آخر الركب، كثير الحديث قليل العمل، ينسب عمل غيره إليه ويتمنى أن تتسب الأعمال إليه، لقد أشقاه حب الذات ورغبة الزهور ولو على حساب دينه!

وكان الطامة التي قتلت طموحها وبرأت ساحتها أمام الله - عز وجل-: لقد أقسم عليها ألا تلقي محاضرة ولا تذهب لدرس ولا تكتب مقالاً، اشترط بقاءها حبيسة البيت، وبرر كل ذلك بأعذار


 واهية تسقط أمام سير الصحابة والتابعين في نشر الدعوة والقيام بها! بئس الضجيع من أهلك مثل هذه، وخاب من خذل الدين، وأوصد الأبواب وقتل الفرحة!

ولا يزال ذلك الشاب الآخر ، نضر الله وجهه - يذهب بزوجته الداعية إلى أي مكان أرادت ويحثها على الإعداد والمثابرة وترك الخمول والفتور، يأتي لها بجدول المحاضرات، ويجلب إليها الكتب والمراجع، ويشتري من أمواله القليلة الجوائز، ومع هذا يردد بين الحين والآخر هذا يا أم عبد الله طريقنا إلى الجنة، وكلما اعتذرت له بطول الطريق ومشقة الأمر قال لها: كلما تذكرت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سار وصحبه من المدينة إلى تبوك في حمَّارة القيظ وشدته وهي مسافة طويلة تزيد على السبعمائة كيلو متر تضاءل عملي، وسألت الله الإخلاص، وأدعو الله - عز وجل - أن يبارك في قليل علمنا ويتقبله.

هنيئًا لأبي عبد الله ولأم عبد الله وأحسن الله عزاءكم في ذلك الآخر الذي أغلق القلوب وأوصد الأبواب... ولكل امرئ مل نوى([25]).

*     *     *


 كيف أخدم الإسلام؟

كيف أخدم الإسلام؟! كلمة رنانة لها في القلب وقع وفي النفس أثر.

خدمة هذا الدين أمنية عزيزة وهدف سام نبيل لمن رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبينًا ورسولا، إنه حلم يراود الكبار والصغار والرجال والنساء، لكن الجنة سلعة الله الغالية لا تنال بالأماني والأحلام!

وقد وفق الله من شاء من عباده للقيام بأمر هذا الدين ونصره أهله والدفاع عنه والدعوة له، وحُرم آخرون من هذا الخير بسبب أنفسهم، وضعفها وجبنها، وخورها وشحها وبخلها، وتلبيس إبليس عليها.

خدمة الإسلام: شرف ما بعده شرف، وعز ما بعده عز، خدمة هذا الدين: رفعة وعزة، وعلو منزلة، نسير في طريق آمن سار عليه محمد - صلى الله عليه وسلم - ونقتفي أثره!

خدمة الإسلام: ليست قصرًا على العلماء والفقهاء والمحدثين وليست قصرًا على الأغنياء والموسرين.

إنها باب مفتوح لكل مسلم ومسلمة، والناس بين مُقل ومستكثر، الكل يريد خدمة هذه الدين، ويبحث عن عمل يقربه على الله زلفى، ولكن الكسل والفتور وعدم المبالاة تصد الإنسان عن أمر الدعوة! استشعر الثمرات الحاصلة بالدعوة حتى تنهض من كبوتك وتقوم من


 قعدتك فإن لك أجرًا ومثوبة وخيرًا عظيمًا، من أعظم ما يعود عليك إذا قمت ونهضت لهذا الدين الأجر والمثوبة كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].

ولك التسديد والتوفيق قال - عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

وفي القيام به رجاء حفظ الذرية، قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [النساء: 9].

وفي امتثال أمر الله - عز وجل - وطاعته: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

وهو من وسائل تثقيل الموازين يوم العرض على الله - عز وجل-، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» [رواه مسلم].

وفيه الرحمة والشفقة لبني قومنا: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].

وفيه تصلح أعمالنا وتغفر زلاتنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70 – 71].

وفيه درء العذاب والخوف من العقاب: قالت زينب - رضي الله عنها - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»


[رواه البخاري].

ورجاء نجاتنا ومن نحب من النار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

وهو من التعاون والتكاتف: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

وفيه تكثير سواد المسلمين: فقد انتشر الفساد وكثر أتباعه، وبالدعوة يكثر سواد الأخيار ويزيد في الأمة عددهم ويظهر أثرهم.

وفي القيام به دحر المفسدين، وشل لطافاتهم، وإيقاف لفسادهم.

وحين القيام به النظر إلى نصر قادم لهذا الدين يعيد عز الأمة وكرامتها ليصلح حال المجتمع: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

قال ابن القيم - رحمه الله-: «فالدعوة إلى الله - تعالى - هي وظيفة المرسلين وأتباعهم».

وقال - رحمه الله - عن الدعوة إلى الله: «إنها أشرف مقامات العبد، وأجلها وأفضلها».

قال مالك بن دينار: «إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله - تعالى - يرى هموكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله».

فانظر أيها القارئ ما هو همك، رحمك الله؟


وتأمل في مهمة الأنبياء والمرسلين فهي ليست إعمار الأرض ولا بناء الدور والقصور وإجراء الأنهار وغرس الأشجار؛ بل إن مهمتهم الأساسية تبليغ الرسالة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور! فليكن لك من ذلك نصيب لتقتفي أثرهم وتسلك منهجهم، ولا يكن اليهودي والنصراني والبوذي أشد حماسًا إلى دينه وأنت غافل ساه عن دعوتك!

بل تلمس فجر يبزغ في وسط ظلام حالك.. إنه ضوء الفجر يبدو باهتًا ثم يظهر شيئًا فشيئًا، حتى يعم النور، ويظهر قرص الشمس وتنتشر أشعة الحق ونور الإسلام([26]).

*     *     *


 الرضا والتسليم

في زمن كثر فيه المخالفون وزاد عدد المجادلين، حتى فتن كثير من الرعاع وتساهلوا بأمر الدين وساروا خلف كل ناعق! فغزت قلوبهم الشبهات، وحركت جوارحهم الشهوات، فأصبح اسم الإسلام كسيرًا في نفوسهم ذليلاً في ديارهم، يبحثون فيه عما يوافق هواهم، ويجرون فيه خلف كل زلة! انطلق بنا لنرى صورًا مذهلة في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكيف هو أمر التسليم والرضا والمتابعة دون تراجع ولا شك! ولا تأخر ولا تردد.

عن البراء - رضي الله عنه - قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144].

فوُجه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال: هو يشهد نه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنه قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر [رواه البخاري].

ما أسرع تأسيهم وامتثالهم لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - سمعوا خبرًا عنه ولم يترددوا في التمسـك به، بـل لم ينتظروا رفع رءوسهم مـن


الركوع، وبادروا بالتوجه إلى حيث توجه النبي والقدوة - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة المشرفة وهم ركوع.

وهذا موقف آخر من مواقف التسليم والرضى، لما حُرمت الحُمُر والناس جياع والقدور تغلي ماذا كان الجواب؟!

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل فقال: أُكلت الحُمُر، فسكت، ثم أتاه الثانية فقال: أكلت الحُمُر، فسكت ثم أتاه الثالثة فقال: أفنيت الحُمُر. فأمر مناديًا فنادي في الناس: «إن الله ورسوله ينهياكم عن لحوم الحمر الأهلية»، فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم [رواه البخاري].

لم يفكر أولئك الأبرار الصادقون المحبون للحبيب الكريم - صلى الله عليه وسلم - في التحايل أو البحث عن فرصة أو استثناء؛ خصوصا والجوع يطوي البطون والطعام قارب الاستواء والنضج! وكيف يمكن ذلك وقد كانوا يدركون تمام الإدراك أن من الأمور الأساسية في الحب أن يكون هوى المحب تابعًا لأمر الحبيب.

ومواقف الطاعة والانقياد لهذا الدين كثيرة متعددة، تبرهن بصدق عن عمق الإيمان وصدق الإسلام في النفوس.

عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة - رضي الله عنه - وكان خمرهم يومئذ الفضيح، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديًا ينادي: «ألا إن الخمر قد حرمت».

قال: فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها.

فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة [رواه البخاري].


يقول الحافظ ابن حجر: «وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الأزقة من كثرتها [فتح الباري 39/10].

وتم هذا كله من غير قيل أو قال، وتردد واستفسار.

يا له من استسلام مطلق، وانقياد كامل.

وإن تحاورت اليوم مع مدخن، أو مقيم على معصية، سألك: أنا مدمن منذ سنوات كيف أتركه؟ أفارق الأمر وكيف...؟! وإن تأملت الأمر ورأيت مجانبة الآية لواقع حياتهم وطريقة تفكيرهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51].

وبعضهم اليوم: إذا أخذت بمجامع عقله وقلبه وقلت له: الشاشة وما يعرض فيها حرام؟ قال: نعم! لكن ما البديل؟!

عجبًا لحفيد أولئك أين الطاعة والاستسلام؟ وهل يشترط بديل لتطيع وتبتعد عن الحرام؟!

لننطلق إلى قلوبنا فنصلحها، وأنفسنا فنزكيها، وعندها نعرف لذة الطاعة ونعيم القبول والرضا بأمر الله - عز وجل-: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]([27]).

*     *     *


 الهم الذي تحمله

ذكر أصحاب السير قصة أرخت في صدر الإسلام، وجرت أحداثها في العهد النبوي، وتراءت مشاهدها على ثرى المدينة النبوية؛ حيث تنامى خبر الإسلام وظهور الرسالة إلى أقاصي الجزيرة العربية وبلغ خبر محمد - صلى الله عليه وسلم - القبائل دعوة ونداء؛ فاشرأبت الأعناق وطاولت العيون، وهمست الألسن!

حدَّث أصحاب السير والتراجم والقصة أصلها في الصحيحين: أن أعرابيًا من عالية نجد أهمه الخبر وأقض مضجعه! وتأمل فإذا بينه وبين زوال الهم وانجلاء الغم مفاوز وقفار، وقطاع طرق ومتاهات! لكن لما أرقه الأمر واشتد به الشوق انطلق (ضمام بن ثعلبه) ثائر الرأس بغير صاحب ولا مؤنس، على بعير واحد باتجاه الغرب إلى حيث المدينة النبوية، ترك أهله ودياره وماله وزوجه!

لقد جذبه نداء عجيب ملأ سمعه وبصره... يريد أن يرى ويسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستوثق من أمر البعثة والرسالة، وماذا يدنيه من الجنة ويباعده عن النار!

سارت الراحلة بذلك الرجل الجلد الصلب تصعد به النجود وتهوي به السهول طوال عشرين يومًا وليلة غالب فيها وعثاء سفر وسوء طريق حتى أشرف على المدينة ثائر الرأس متسخ الثياب أشـعث أغبر، عـليه آثار السفـر والنصب فقصد حيـث منبع النور


ومصدر الرسالة منيخًا بعيره بباب المسجد وقيده بقيد وثيق، ثم دخل المسجد والتفت يمنة ويسرة وتخطى الرقاب مخترقًا الصفوف ليرى أن صاحب الرسالة والأمين على الوحي لكنه لم ير بروزًا لكرسي أو تميزًا في جلسة أو فراش! فلم يميز الرجل الذي يأتيه الوحي من السماء!

فلما أعياه الأمر نادى بصوت جهوري وعلامات الاستفهام تنطلق من محياه: أيكم ابن عبد المطلب؟ وكانت شهرة عبد المطلب في الجاهلية أعلى من شهرة ابنه عبد الله الذي توفي مبكرًا، فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - النداء وكان متكئًا: قام للأمر وأجاب النداء وبرز بوجهه الشريف نحو الصوت مجيبًا: «أنا ابن عبد المطلب» فقال الأعرابي ذو الغديرتين الطويلتين من سقته الصحراء من قسوتها جفاء وطبعًا: يا بن عبد المطلب: إني سائلك ومُغلظ عليك في المسألة، فلا تجدَّن في نفسك! فقال - صلى الله عليه وسلم - المبعوث رحمة للعالمين: «لا أجد من نفسي سل عما بدا لك» فقال: يا محمد أتانا رسولك، فقال لنا إنك تزعم أن الله - تعالى - أرسلك؟، قال: «صدق» فقال ثعلبه وهو بن السماء الصافية والشمس الحارقة والجبال العالية الذي يعرف عظمة خلق الله - عز وجل-: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله» قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال: آلله أرسلك؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسـلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» ثم بـدأ


بعدد فرائض الإسلام من صوم وزكاة وحج؛ حتى وقر الإسلام في قلبه، ورتق الإيمان سويداءه فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا ولا أنقص عليهن شيئًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أقفى الرجل وولى: «إن صدق ليدخلن الجنة».

خرج ثعلية من المسجد مسرعًا وقد شفى صدره من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطلق عقال بعيره، وشرَّق عائدًا نحو قومه، يقطع الفيافي والقفاز في همة ونشاط؛ والعائد يحدوه الشوق ويجذبه الحنين، وكلما هبت صبا نجد حداه الشوق فأطلق عنان راحلته حتى برزت له منازل قومه بني سعد فإذا الزوجة قد تزينت وتجملت بعد غياب شهر أو يزيد عن حبيب مفارق!

والقبيلة تنظر بلهف إلى مبعوثها ماذا وراءه! لم تلهه الزوجة ولم يغلبه الشوق إليها، ولا أماله إلقاء نظرة إلى صغاره وأبنائه! وما أكل بعينه نحو المرعى وحمر النعم لديه! بل الهم الذي حمله الأعرابي هو: كيف يُخرج قومه من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإسلام، ومن الدناءة إلى العزة والكرامة! فلما أقبل بوجهه إلى القوم تفرسوا في قسمات وجهه وأطالوا النظر فإذا هو غير الوجه الذي انقلب به من مضاربهم... فكان أول ما تكلم به البراءة من الشرك وأهله فحطم بكلماته دين الآباء والأجداد بلا هوادة ولا خوف... قال العائد بصوت ثابت: بئست اللات والعزى، فقالوا في تعجب لفعل الرجل القادم وخطوره كلامه: صه يا ضمام! اتق الجذام والبرص والجنون! فـقال وقد غمر التوحيد قلبه وأنار الله بصره: ويل إنهما والله لا تضران


ولا تنفعان!

إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله! وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه! لقد صدق الرجل في حمل الرسالة وتبليغ الأمانة، وما إن انتهى حديثه حتى ارتفعت الأصوات وما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا! فبنوا المساجد ورفعوا الآذان وأقيمت الصلاة... فهنيئًا لضمام وهنيئًا لبني سعد القادم...!

ذلك الرجل الذي لم يعرف الدعوة كلامًا وترديدًا وسلمًا وتفاخرًا، بل جعلها واقعًا ملموسًا وحرقة ومحبة لقومه وتلك زينتها! ضمام بن ثعلبة نموذج حي لمن أراد أن يأتي بأقوام من البشر في ميزان حسناته يوم القيامة... وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء([28]).

*     *     *


 جورج والعيد

جورج رجل أمريكي بدين الجسم عريض المنكبين، تجاوز الخمسين من عمره ويتمتع بصحة جيدة وحيوية ونشاط، يعيش في بلدة صغيرة شمال مدينة واشنطن، ورغم المغريات المادية في المناطق الأخرى إلا أنه أحب بلدته المطلة على النهر وأصر على العيش فيها حيث يقضي نهاره في عمله التجاري متنقلاً بين أطراف المدينة وإذا أمسى النهار عاد إلى دوحته الصغيرة مستمتعًا بالهدوء والراحة مع زوجته وابنتيه وابن شاب تجاوز مرحلة الدراسة الثانوية وبدأ يخطط للالتحاق بالجامعة.

لما أقبل شهر ذي الحجة بدأ جورج وزوجته وأبناؤه يتابعون الإذاعات الإسلامية لمعرفة يوم دخول شهر ذي الحجة، وتمنوا أن يكون لديهم رقم هاتف سفارة إسلامية للاتصال بها لمعرفة يوم عرفة ويوم العيد فلقد أهمهم الأمر وأصبح شغلهم الشاغل، فتوازعوا أمر المتابعة، فالزوج يستمتع للإذاعة والزوجة تتابع القنوات الفضائية والابن يجري وراء المواقع الإسلامية في الإنترنت.

فرح جورج وهو يستمع الإذاعة لمتابعة إعلان دخول شهر ذي الحجة وقال: الإذاعة مسموعة بوضوح خاصة في الليل. ولما حدد يوم الوقفة ويوم العيد وتردد في الكون تكبير المسلمين في أرجاء المعمورة شمر جورج عن ساعده وأحضر مبلغًا كان يدخره طوال


 عام كامل، وبعد الظهيرة من اليوم التالي قال: عليَّ أن أذهب الآن لأجد الخروف الحي الذي لا يتوفر سوى في السوق الكبير شرق المدينة. ساوم جورج على كبش متوسط بمبلغ عالٍ جدا ولما رأى أن المبلغ الذي في جيبه لا يكفي بحث عن أقرب صراف بنكي وسحب ما يكفي لشراء هذا الكبش. فهو يريد أن يذبح بيده ويطبق الشعائر الإسلامية في الأضحية.

مسح جورج على الكبش وحمله بمعاونه أبنائه إلى سيارته الخاصة وبدأ ثغاء الخروف يرتفع وأخذت البنت الصغيرة ذات الخمس سنوات تردد معه الثغاء بصوتها العذب الجميل، وقالت لوالدها: يا أبي ما أجمل عيد الأضحى حيث ألعب مع الفتيات دون الأولاد ونضرب الدف وننشد الأناشيد، سوف أصلي معكم العيد وألبس فستاني الجديد واضع عباءتي على رأسي، يا أبي: في هذا العيد سوف أغطى وجهي كاملاً فلقد كبرت.. آه ما أجمل عيد الضحي سنقطع لحم الخروف بأيدينا ونطعم جيرننا ونصل رحمنا ونزور عمتي وبناتها! يا أبي ليت كل أيام السنة مثل يوم العيد: ظهرت السعادة على الجميع وهم يستمعون للعصفورة كما يسمونها.

انفرجت أسارير الأب وهو يلقي نظرة سريعة إلى الخلق ليرى أن مواصفات الكبش مطابقة لمواصفات الأضحية الشرعية فليست عوراء ولا عرجاء ولا عجفاء. ولما قرب من المنزل وتوقفت السيارة هتفت الزوجة. يا زوجي.. يا جورج علمتُ أن من شعائر الأضحية أن يُقسم الخروف ثلاثة أثلاث: ثلث نتصدق به على الفقراء والمساكين،


 وثلث نهديه إلى جيراننا ديفيد، واليزابيث، ومونيكا، والثلث الآخر نأكله لحمًا طريًا ونجعله لطعامنا في أسابيع قادمة!

ولما قُرب الكبش إلى الذبح احتار جورج وزوجته أين اتجاه القبلة! وخمنوا أن القبلة في اتجاه السعودية وهذا يكفي! أحد جورج شفره ووجه الخروف إلى حيث اتجاه القبلة وأراح ذبيحته، بعدها بدأت الزوجة في تجهيز الأضحية ثلاثة أثلاث حسب السُنة! وكانت تعمل بعجل وسرعة فزوجها قد رفع صوته وبدا عليه الغضب وانتفخت أوداجه: هيا لنذهب إلى الكنيسة فاليوم يوم الأحد! وكان جورج لا يدع الذهاب إلى الكنيسة بل ويحرص أن يصطحب زوجته وأبناءه معه.

انتهي حديث المتحدث وهو يروى هذه القصة عن جورج وسأله أحد الحضور: لقد حيرتنا بهذه القصة هل جورج مسلم أم ماذا! قال المتحدث: بل جورج وزوجته وأبناؤه كلهم نصارى كفار. لا يؤمنون بالله وحده ولا برسوله، ويزعمون بأن الله ثالث ثلاثة: - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - ويكفرون بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ويحادون الله ورسوله! كثر الهرج في المجلس وارتفعت الأصوات وأساء البعض الأدب وقال أحدهم: لا تكذب علينا يا أحمد، فمن يُصدق أن جورج وعائلته يفعلون ذلك! كانت العيون مصوبة والألسن حادة والضحكات متتابعة! حتى قال أعقلهم: إن ما ذكرت يا أحمد غير صحيح ولا نعتقد أن كافرًا يقوم بشعائر الإسلام! ويتابع الإذاعة ويحرص على معرفة يوم العيد ويدفع من ماله،  ويقسم


الأضحية... و..!

بدأ المتحدث يدافع عن نفسه ويرد التهم الموجهة إليه! وقال بتعجب: يا إخواني وأحبابي.. لماذا لا تصدقون قصتي؟! لماذا لا تعتقدون بوجود مثل هذا الفعل من كافر؟! أليس هنا عبد الله وعبد الرحمن وخديجة وعائشة يحتفلون بأعياد الكفار! فلماذا لا يحتفل الكفار بأعيادنا! لم العجب؟ الواقع يثبت أن ذلك ممكن بل وواقع نلمسه. أليس البعض يجمع الورود لعيد الحب ويحتفل الآخرون هنا برأس السنة وبعيد الميلاد وعيد.. وعيد.. وكلها أعياد كفار! لماذا يستكثر على جورج هذا التصرف ولا يستكثر على أبنائنا وبناتنا مثل هذا؟!

هز أحمد يده ورفعها وقال: عشت في أمريكا أكثر من عشر سنوات، والله ما رأيت أحدًا من الكفار احتفل بأعيادنا، ولا رأيت أحدًا سأل عن مناسباتنا ولا أفراحنا! حتى عيدي الصغير بعد رمضان أقمته في شقتي المتواضعة لم يجب أحد دعوتي عندما علموا أن ما احتفل به عيد إسلامي! لقد أقمت في الغرب ورأيت بأم عيني كل ذلك ولما عدت فإذا بنا نحتفل بأعيادهم وهي رجس وفسق!([29]).


 الوصية... الوصية

فالموت نهاية كل حي لا ريب في ذلك، ولا شك حيث يقدم هادم اللذات على المرء في صحة أو مرض، ويقظة أو سبت فلا يرد. ينقل الإنسان من مرحلة على مرحلة مثلما ينتقل في الدنيا من منزل إلى آخر. لقد قطع الموت وما بعده قلوب الخائفين، وألزمهم الصراط المستقيم، فاستعدوا للموت وأعدُّوا له العدة. ومما يأنس بها الميت بعد موته ويعود أثرها عليه: الوصية حيث يجري له عمله بما أوصى به بعد فراق الدنيا؛ امتثالاً لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وحيث إنَّ الوصية قد ضيَّعها البعض، ولمالها من أهمية تغافل عنها آخرون، آلمني ذكر بعض الحوادث التي تقع فتحزن، وتبكي، وللقاريء ثلاثٌ منها وهو يرى ويسمع أضعافها!

رجلٌ موسر يملك ملايين الريالات ويعيش في بحبوبة من العيش وسط أموال تغدو وتروح، وأبناء تجاوز عددهم العشرة! ولما سقط طريح الفراش إثر نوبة مفاجئة أسرَّ إلى من توسَّم فيه الخير من معارفه وقال: أريد أن أبني مسجدًا، وبعد بحث وعناء أخذ قرابة ثلاثة أسابيع وجد ضالته، وسارع بالخير إلى الرجل الموسر في المستشفي فإذا به يعلم أن الله - عز وجل - أنزل الشفاء عليه. فذهب إلى منزله زائرًا ومهنئًا بزوال البأس، ولما اراد أن يودع التاجر أبان لـه


أنه وجد المسجد المطلوب فقال التاجر: ليس الآن فيما بعد يكون خيرًا، ومد في إخراج الحروف بما تعني من طول مدة! وبعد سنتين عاود المرض التاجر، وأُدخل المستشفى، وكرر النية وصرَّح لنفس الرجل أنه يريد بناء مسجد! ولكن الأيام تسارعت به إلى الآخرة، والرجل لا يزال يبحث عن مسجد، فإذا به يسمع عن وفاة التاجر! وعندها قال: بعد أسبوعين أو ثلاثة أنقل هذه الرغبة لأبنائه؛ لعلهم أن يقوموا بتنفيذ رغبة والدهم. ولكنه وجد جفاء وغلظة، وعدم تقبل لأمر بناء المسجد من الأبناء العشرة! والطامة الكبرى التي أهمت الرجل أنه علم أن هذا التاجر الذي يملك ملايين الريالات لم يوص ولا بأضحيةٍ، أو حجةٍ من هذا المال الوفير. والأبناء بخلوا و أحجموا عن بناء المسجد من مال والدهم الذي جمعه همًا وغمًا في سنوات عمره الطويلة وتركه لهم، عليه غرمه ولهم غنمه!

أما الآخر وكان يملاك مثل سابقه من الأموال والدور والقصور، ولم يوص بشيء من ماله الوفير، ولما توفي كان لهم قريب يحب هذا التاجر؛ لمعروف أسداه إليه فتسبَّب في جعل أضحية له في العام الأول، ولما أتى العام الثاني تثاقل أبناؤه عن إعطائه مبلغًا يسيرًا هو قيمة أضحيةٍ عن والدهم، ولكنَّهم في النهاية دفعوا له خمسمائة ريال على مضض وطول إلحاح ومتابعة! ولما أتت السنة الثالثة قال له أكبرهم ومن يظن أنه أبرَّهم بأبيهم قال بصوتٍ مرتفع: يكفى ضحينا له مرتين أو ثلاثًا.

وهكذا ذهبت الملايين التي جمعها، بخـل عـليه أبناؤه بصـدقة،


 وبخل هو على نفسه بوصية يوصي بها لأعمال البر والخير! أليس هو أحق بنفع المال الذي جمعه وكد وتعب في تنميته؟!

أما الثالثة فهي تحزن، وتدمي الفؤاد؛ لمعرفتي بصاحبتها عن قرب، إذ ورثت مالاً وعقارًا مشاعًا بين الورثة، ولكن المال كان يُدار ويُستثمر في شركة كبيرةٍ تشمل العقار، والمصانع، والأسهم، والتجارة، فلما سألتهم مالها وكان يقدر بالملايين قالوا لها: ليس لدينا مبالغ حاضرة وهي ضمن أعمال الشركة. وتعجبوا: ماذا تريدين؟ وماذا ينقصك؟ ودارت الأيام وهي تكرر السؤال على حياء حتى أتاها ملك الموت وهي لم توص! وعاد مالها للورثة؟ ولم تجعل لنفسها منه، ولم يطلها حيةً أو ميتةً!

أما الموفَّقون فإنهم أوقفوا في حياتهم وجعلوا وصية ملزمة بعد مماتهم! كم منا من يموت ولا توجد له وصية تبرِّئ ذمته من حقوق الناس أولاً، ثم تجعل له نصيبًا من الخير يجري له بعد موته، خاصة مع ما أفاض الله - عز وجل - علينا من أموال وبسطة في الرزق. كم منا من يموت ولم يعهد بوصية لأبنائه فيها نصيحة وتنبيه، وإن كان لديه أطفال قُصَّر عهد بهم لمن يرعاهم ممن يأنس فيه المقدرة والرعاية من أقاربه ومعارفه.

ولأهل الخوف من كتابة الوصية: فإنها لا تقدِّم في الأجل، ولا تؤخِّر في الموعد، وهنالك من أوصى منذ ثلاثين سنة أو أكثر، ولكل أجل كتاب. فالمبادرة المبادرة بهذا الخير الذي دل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «مـا حق أمرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته


مكتوبة عنده» [رواه البخاري].

وقفة:

كم هو الإنسان مسكين! يضيع أوقاته ويفرط في أيامه ثم ها هو يبحث عن أضحية بعد موته لترفع درجته وتعلي منزلته في الدنيا غير عابئ بجمع الحسنات وتكفير السيئات، فهنيئًا لمن عمر وقته بالطاعة وجعل لحظاته وسكناته زادًا له في الآخرة([30]).

*     *     *


 الهمة العالية

جعل الله لكل شيء سببًا، وجرت المقادير بحكمته وعلمه وعدله.. فتاة شابة تخرجت حديثًا في الجامعة وسمت همتها إلى إتمام دراستها العليا... أتي موسم الحج فهفت نفسها إلى بيت الله الحرم وتاق قلبها إلى المشاعر المقدسة!

ولقد كان هذا السفر بداية تحول في حياتها وأيامها! إنها كلمة سمعتها من امرأة كبيرة في السن في مخيم الحج حين ألقت إليها نظرة وسألتها بكلمة بسيطة لها ألف معنى: كم معك من القرآن؟! دهشت الشابة من السؤال فهذه هي المرة الأولى التي تسأل عن هذا الأمر! واحتارت في الجواب! وغلبها الحياء مع امرأة كبيرة في السن، لكنها صدقت في الجواب وقالت: معي ثلاثة أجزاء!

ألقت المرأة العجوزة نظرات شفقة ورحمة على ابنة الإسلام، وقالت لها في تعجب: كم سنة وأنت تدرسين؟ فجاء الجواب بلا تردد: ستة عشر عامًا! تنهدت العجوز وهي ترى أن عمر الفتاة ضاع سدى... لكن كلمتها بقيت تصول وتجول في فكر وعقل الفتاة فاتجهت إلى كتاب ربها وبدأت تحفظ فيه بجد ومثابرة حتى حفظته في ثلاث سنوات! وقالت: الآن الحمد لله أشعر إنني درست وتعلمت واستفدت. يكفي فخرًا أن أحمل كتاب ربي في صدري!

ما أن سمعت هذه القصة إلا وحزنت لحال الكثيرات من الأخوات


المسلمات اللاتي يحفظن من الموديلات والأزياء وربما ساقط القصص والأناشيد أكثر مما يحفظن من كتاب الله - عز وجل-.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا وهو إما باطل أو قليل النفع».

ويكفي للمسلمة سلامة القلب من الخراب فقد قال: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» [رواه الترمذي].

بل العجب أن ترى إحداهن تدفع ما تستطيع من الشرور والأذى ولو اضطرت إلى نفص في وقتها ومالها... وها هي تتغافل عن فتنة عظيمة تدفعها بأمر يسير... بعشر آيات تحفظها من كتاب الله - عز وجل-، قال - صلى الله عليه وسلم - «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال» [رواه مسلم].

وفي حمل كتاب الله - عز وجل - بشارة عظيمة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو جُمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار» [حسنه الألباني].

وينادى صاحب القرآن بأجمل مناداة وأعظمها وأحبها للنفس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» [رواه أبو داود].

ولكل أخ وأخت أسوق قول خباب الأرت - رضي الله عنه-: «تقرب إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه» وقال ابن مسعود - رضي الله عنه-: من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله.


وليهنأ صاحب القرآن بالأجر العظيم والثواب الجزيل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (آلم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [رواه الترمذي].

ولمن سعى في تعليم أبنائه القرآن فليسعد يوم القيامة قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به، ألبس يوم القيامة تاجًا من نور ضؤوه مثل الشمس، ويُكسى والدايه حُلتين لا يقوم بهما الدنيا، فيقولان بم كسينا؟ فيقال بأخذ ولدكما القرآن».

ليكن حفظ القرآن منتهى أمل كل مسلم ومسلمة خاصة مع فشو التعليم وسعة انتشار حلق التحفيظ وتوفر أشرطة القرآن الكريم وتعدد إذاعات القرآن.. لم يبق عذر لهمة ضعيفة أو حجة قديمة.. فليستعن بالله من أراد الآخرة وأراد أن يرتقي في درجات الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهليها ممن يتبؤون من الجنة غرفًا تجري من تحتها الأنهار([31]).


 العدل

بالعدل قامت السموات والأرض ولأجله نصبت الموازين، وإن كان العدل بمفهومه الواسع وإطلاقه العام يشمل الحاكم والوالي إلا أن لكل إنسان نصيبه من العدل والجور والإنصاف والحيف، والأمر أوسع من ذلك ليصل إلى الحيوانات كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشة القرناء» [رواه مسلم].

والظلم حينًا يقع من الإنسان على نفسه بترك حقوق الله وواجباته كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32]، وحينًا يقع الظلم على إنسان مسلم أو كافر بل ويمتد الظلم ليصل جوره إلى الحيوان؛ فقد دخلت امرأة النار في هرة ظلمتها بحبسها فلا هي أطعمتها - وهذا مقتضى العدل-، ولا هي تركتها تأكل من الأرض وهو كمال العدل... ولندرة من يعدل وقلة من ينصف، أثنى الله - عز وجل - على أهل العدل وخصَّهم بإعلاء شأنهم ورفع درجتهم، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا» [رواه مسلم].

وتمام العدل وعظم شأنه حين تنحاز النـفوس وتميـل مع القريب


ضد البعيد ومع الصديق دون العدو، قال تعالى محذرًا من ذلك التعدي: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

وأعلى مراتب العدل حيث تثور النفس وتُخرج خبثها، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن العدل في الغضب والرضا من المنُجيات، لأن فيه سيطرةً على نوازع النَّفس وهواها وإعطاء الحقوق لأهلها..

ولشيخ الإسلام كلام نفيس عن العدل، وأنه من أسباب التمكين والتأييد من الله - عز وجل - لأنه يحول دون تفشِّي المظالم وهيجان النُّفوس، يقول في مجموع الفتاوى 146/28: (إن الله يقيم الدولة العادلة - وإن كانت كافرة - ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة).

هذا على مستوى الدولة، فماذا عن حال الفرد في أهل بيته، ومن هم تحت يده من موظفين وعمال وخدم وأُجراء... بل وبهائم ودواب؛ وأين موقع العدل منهم؟!

من صور العدل عدم تحميل الزوجة ما لا تطيق من العمل، وظلمها بفاحش القول، ومما شاع لدى الأزواج حين التعدد ظلم الزوجة الأولى حينًا... وربما بعد فترة تبتدل الأحوال وتتغير الأمور على الثانية فينقلب الظلم عليها. فعلى الزوج أن يخاف الله من هذا التعدي، وعلى كل ضَرَّة أن تُحذر زوجها من ظلم أختها، وتعلمه بأن شؤم معصية الظلم قد يحيق بهم جميعًا. وكثير من الجاهلات تفرح بهذا الميل، وتسر بتعطيل حقوق الزوجة الأخرى، وكأنها بهـذا


 الأمر انتصرت وفازت... وهذا من قلة العقل ونقص الدين... ونسوق للأخوات موقفًا لأمهات المؤمنين وهن مثل النساء لديهن الغيرة الطبيعية ولكن يقوِّمها العدل ويزيِّنها الصدق رجاء الآخرة وخوف الجزاء.

ففي صحيح مسلم، تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عن زينب - رضي الله عنها - في كلام كله عدل وإنصاف: «هي التي كانت تساميني في المنزلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم أر امرأة قط خيرًا في الدِّين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله - تعالى - ما عدا سورة من حدة كانت فيها، تسرع منها الفيئة أي الرجوع».

وفي صحيح البخاري، تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في سياق حديثها عن الإفك الذي برأها الله فيه من كل سوء، منوِّهة بشهادة زينب فيها: «وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمتِ؟ ما رأيتِ؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا»، ثم قالت السيدة عائشة: «وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع».

وتأملي بعين المتابعة قول بعضهن في بعض، وقد ترفعن عن رديء الكلام وسفاسف الأمور، فقد رُوي قول أم سلمة في زينب: «كانت زينب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - معجبِة، وكانت صالحة قوّامة صـوّامة،


صناعًا، وتتصدق بذلك كله على المساكين»، واملئي سمعك وبصرك من قول عائشة في زينب حين بلغها نعيها: «لقد ذهبت حميدة متعبِّدة مفزع اليتامى والأرامل».

وفي حديث شامل للرسول - صلى الله عليه وسلم - هو منهاج حياة وطريق سلامة... لمن أراد النجاة وخشي الوقوع في الظلم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت عنده مظلمة لأخيه: من عرضه، أو شيء منه، فليتحلله منه اليوم، من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه، فَحْمِل عليه» [رواه البخاري].

والظالم يمهله الله - عز وجل - ولا يهمله، يقول الله - عز وجل - عن دعوة المظلوم: «لأنصرنك ولو بعد حين...».

وليستعد كل فرد ليوم تشخص فيه الأبصار وأول ما يُقضى فيه المظالم([32]).

*     *     *


 أين أيام الإجازة؟

انتهت الإجازة والناس بن مُشرِّق ومُغرَّب... وكل نفس بما كسبت رهينة.. اجتمع الأصدقاء.. كلٌ يحكي ما رأى يورد ما شاهد!

أحدهم سبقت ضحكته حديثه وهو يحكي رحلته إلى أمريكا وقصة هبوط الطائرة الاضطراري! أما الآخر فقد كان مغرمًا بحب الرحلات والمغامرات... وتملكه حب الصيد ومطاردة الغزلان والأرانب حت وصل إلى القارة السوداء... وكان حديثه متميزًا.

قال: ذهبت إلى أفريقيا وسرت في أرضها وبين أشجاها وغاباتها... مناظر رائعة وطبيعة خلابة لا تملَّ مشاهدتها... وفي وسط غابة متشابكة الأطراف لاح لنا مبنى مرتفع... وخطر على بالي أن هذا القصر لحاكم الولاية أو لغني من أغنيائها... ولكن خاب ظني وأخطأ حدسي.... فما أن اقتربنا منه وبدت ملامحه حتى اتضح أنه كنيسة يعتني بأمرها منصِّر عجوز قارب الثمانين من عمره يعيش في غرفة صغيرة في زواية منها لا تتجاوز مساحتها عشرين مترًا مربعًا... في مجاهل مروعة وسط غابة مليئة بالوحوش واللصوص وقطاع الطرق... وليس في هذه الغرفة أي وسيلة من وسائل الحياة المعاصرة التي نعيشها... فلا يوجد هاتف ولا كهرباء ولا ماء... ولا ما تراه عينك من الخدمات يوميًا! وهذا المبني الضخم هو الكنيسة التي يدعو فيها صباحًا ومساءً... حتى


 يرهقه التعب ويدركه النوم ثم يأوي إلى غرفته الصغيرة في زواية مجاورة لمبنى الكنيسة! ولكن ما الذي دفع هذا المنصِّر لأن يبقى في هذه الغرفة وسط الوحوش وفي ظل الخوف أربعين سنة متوصلة!

لا بد أن له هدفًا ينشده وأملاً يسير في طريقه! أربعون سنة في مكان تختفي فيه وسائل الحياة المعاصرة... أربعون سنة يكدح ويكدح.

أربعون سنة وسط الغابات وعلى مرمى من زئير الأسد وأنياب النمر.

سأخبرك لماذا بقي أربعين سنة في وسط هذا المكان... ولعلمي بفطرتك الطيبة وعقيدتك الصافية ستضحك على ضلالة.

إنه يدعو إلى دين مُحرَّف وطريق معوج.. ولكنه يمضي قدمًا ويسير في ثبت يبحث عن فريسة في وسط أدغال أفريقيا... ربما تكون فريسته شيخ مسلم جائع أو طفل يتيم أو امرأة مريضة.. وربما يمر عليه العام والآخر ولم يستمع له أحد... ولكنه الصبر على الضلال...

هذا فرد من ملايين يدعون إلى دينهم الباطل... وهو في الغابة المنقطعة عن العالم تصله طائرة مروحية كل حين، محملة بالغذاء والأدوية التي هي إحدى وسائل دعوته... ثم تغيب الطائرة لتهبط في مكان آخر فيه عجوز أو شاب آخر في مثل سنك تفرغ للدعوة!

نعم إنها معركة طاحنة وحرب ضروس لا هوادة فيها... لقد بذلوا أموالهم وأوقاتهم وسخروا إمكاناتهم في سبيل دينهم، وأيام الإجازة تطوى! ماذا قدمنا فيها؟!([33]).

 أين أنت من هؤلاء.؟!

لمن أهمه بداية العام الدراسي كلمة... وللطالب المتشوق إلى المعرفة همسة... إليه روائع حفظها لنا التاريخ عن شباب الإسلام.

إنها أمثلة حية للنبوغ المبكر والاشتغال بالعلم منذ الصغر، فهذا الصحابي الجليل معاذ بن جبل - رضي الله عنه - الذي قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وقد شبهه عبد الله بن مسعود بإبراهيم الخليل - عليه السلام - في تعليمه الخير للناس وفي طاعته وإنابته لربه فقال: إن معاذًا أمة قانتًا لله حنيفًا... ولقد مات معاذ وعمره اثنتان وثلاثون سنة فقط!

والإمام الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، والإمام البخاري صحح إسناد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أحد عشر عامًا، أما الإمام ابن الجوزي فيقول محدثًا عن نفسه: «كتبت بإصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفًا»!

وقد رحل الإمام محمد بن إسحاق بن مندة لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع إلى بلدة وعمره خمسة وستون عامًا، فلما رجع إلى بلده تزوج وهو ابن خمسة وستين عامًا!

أما أبو حاتم الرازي فقد كان يرتحل في طلب أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماشيًا على أقدامه  وقال: مشيت على قـدمي ألـف فرسـخ (500


كم) ثم تركت العدد!

وقال سعيد بن المسيب - رحمه الله - كنت أرتحل الأيام والليالي في طلب حديث واحد!

وإن أطلت عليك بذكر السير العطرة لأولئك فإني أبقيت الكثير... ولعلك تتأمل في همة وصبر حجاج بن الشاعر الذي قال: جمعت لي أمي مائة رغيفة فجعلتها في جراب، وانحدرت إلى شبابة بالمدائن، فأقمت بشبابة مائة يوم، أغمس الرغيف في دحلة وآكله، فلما نفذت خرجت! نعم وقف بباب العلم ولم يقف على باب المحبوبة أو الملعب!

وقد أقام أبو طاهر في الإسكندرية من عام 511هـ إلى عام 576هـ لطلب العلم، وكان يقول عن نفسه: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية إلا من النافذة، وكانت هذه المنارة من عجائب الدنيا ولكنها لم تلهه عن طلب العلم!

أما العالم يحيى اليثي فقد ذكر أنه كان تلميذًا عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء فيل عظيم بجانب المسجد، فخرج الطلاب لرؤيته ولم يبق إلا يحيى الليثي، فقال له الإمام مالك: لِمَ لم تخرج لترى الفيل وهو لا يكون ببلادك؟. فقال يحيى. جئت من الأندلس لأراك لا أرى الفيل، إنما رحلت لأتعلم من علمك وهديك!

أولئك الأخيار فطنوا لماذا خلقوا... وشمروا.. وعلموا أن الدقائق والأنفاس هي رحلة العمر، وهي من أنفس الموجود لديهم، فهبوا إلى استثمار الدقائق واللحظات معرفة بالوقت وأهميته.


أما من جهل قيمة الوقت الآن فسيأتي عليه جين يعرف فيه قدره ونفاسته وقيمة العمل فيه، ولكن بعد فوات الأوان وفي هذا يذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم.

الموقف الأول: ساعة الاحتضار، حيث يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة ويتمنى لو منح مهلة من الزمن وآخر إلى أجل قريب ليصلح ما أفسده ويتدارك ما فات.

الموقف الثاني: في الآخرة حيث توفى كلْ نفس ما عملت وتجزى بما كسبت ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار هناك يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى إلى حياة التكليف، ليبدأوا من جديد عملاً صالحًا.

ونلحظ في زماننا هذا الجهل بقيمة الوقت والتفريط فيه.. فلا تكن ممن ذهبت أيامه سُدى وأضاع عمره فرطًا.. فإن سنوات مرت من عمرك كالحلم.. بل كسحاب يدفعه الريح... لحظات ثم تختفى... ها هي سنوات عمرك الماضية انتهت أسرع مما تتخيل... كأنها طرفة عين!

واعلم أن الإحصاء دقيق وأن المحاسب بصير: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 – 8].

فكيف بك أيها الشاب إذا نشرت لك تلك الصحف الماضية؟ وكيف بك إذا مررت على الصراط ودقته والحساب وشدته؟! عام مضى وعام جديد؛ فهل الهمة كما كانت أم أنها زادت؟([34]).

 لا يخرج من صلبك كافر أو منافق

تميزت المساجد في العصر الحاضر بحسن العمارة وسعة المساحة مع كثرة الخدمات المقدمة... وهذا حري ببيوت الله - عز وجل-، لكن هذه المساجد الجميلة البناية، الواسعة الأفنية؛ تفتقد إلى الركيزة الأولى والعنصر الأهم ألا وهم المصلون، فالمساجد تشتكي من قلة المصلين، تجد المسجد الضخم في بنائه، الواسع في أطرافه، والمتعددة أماكن صفوفه؛ ثم لا تجد من يصلي فيه إلا الرهط من الرجال، وإذا تأملت في وجوه المصلين وجدت أغلبهم من كبار السن أو ممن قاربوا الأربعين! وتتساءل: أليس للمصلين أبناء شباب أو ليس في بيوتهم ناشئة! ثم إذا تأملت فإذا الشك يتسلل إليك ويقول: هناك جيل سيخرج إلى الأمة بعد سنوات لا يعرف من الصلوات إلا صلاة الجمعة وبعضهم لا يعرف المسجد، أبدًا، فيا ترى مسؤولية من هذه! وفي رقبة من يستعلق هؤلاء يوم القيامة.

ابنك وفلذة كبدك وريحانة فؤادك ومهجة قلبك لا يعدو حالة من ثلاث حالات.

أما الأولى: فهو الشاب التقي النقي المصلي القائم بحدود الله، من أخذت بيده إلى سواء الصراط وأنبته الله نباتًا حسانًا... قرة عين لك في الدنيا يسابقك إلى روضة المسجد وتجد من بره وصلاحه مـا يذكر بإسماعيل عندما قال لأبيه - عليهما السلام - وقد أضجعه


للذبح: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102].

وفي الآخرة تأتي الحسنات باستغفاره لك وتحقق شرط النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» وذكر منها: «أو ولد صالح يدعو له».

فهنيئًا لهذه الثمرة، وترقب فضل الله - عز وجل - فقد برئت الذمة وحسن المنبت وأبشر بلقاء قريب: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم﴾ [الطور: 21].

أما الحالة الثانية: أن يخرج من بيتك ويتربى على مائدتك رجل كافر لا يصلي بسبب إهمالك تربيته وإضاعتك تنشئته كما في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».

أما الحالة الثالثة: فهي والثانية شر المآب وسور المنقلب أن يخرج من صلبك ويحمل اسمك رجل منافق تشقى به الأمة ويلحق بركب عبد الله بن أبي سلول وأتباعه، فهو مضيع للصلاة متكاسل عنها مفرط فيها ينطبق ما ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوًا» وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقد رأينا وما يتخلف عنها - أي صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق.

فيا أيها الأب اجعل لك إطلالة سريعة لترى ماذا تُخرج للأمة من جيل قادم وناشئة تقود الأمة إما إلى الخير والريادة والعزة والسؤدد وإمـا إلى طريق  الهلاك  والردى وترقب يومًا تسأل فيه عن هذه التربية


وهذه التنشئة!

وما خرج من منافقين وتاركي الصلاة اليوم ممن تشقى بهم الأمة من رءوس العلمنة والمنافقين وأذنابهم إلا من بيوت بعض المسلمين... رحم اله أبًا أيقظ ابنه لصلاة الفجر، ورحم الله أمًا أعانت على تربية الصغار! ورحمك الله أيها الأب وأيتها الأم لا تخرجوا لنا كفارًا ومنافقين واطرقوا سبل الهداية واسلكوا طرق التربية الصحيحة واحذروا خيانة الأمة فإن الوقوف يوم القيامة طويل، والسؤال صعب، والذمة لا تبرأ بالتهاون والكسل.

أيها الآباء: لقد رزئت الأمة بجيل مضيع للصلاة تربى على موائد الغرب وفي بيوت المفرطين من المسلمين فلا تزيدوا الأمة جراحًا بإخراج جيل أخر يحارب الله - عز وجل - ورسوله!([35]).

*     *     *


 اللهم سلّم

من أعظم الفتن في هذا الزمن فتنة الإعلام المنحرف الذي استخدم أدوات متعددة لتغيير عقائد ومفاهيم كثير من الناس، فالشاشة لها نصيب الأسد، والمجلات والصحف لها تأثير بالغ، والقصص والروايات نخرت في الأمة بحسن السبك وقوة العاطفة، أما الإذاعة والسينما والمسرح وغيرها فلها رواد كثر.

قلبت الحقائق لدرجة يصعب على الشخص تصديق سرعة التحول لدى الناس... إلى سنوات قريبة بدأ الغزو المكثف لإزالة حاجز التقاء الرجل مع المرأة لقاءً محرمًا.

فزين الأمر بأنها علاقة شريفة وصداقة حميمة وحب صادق! وإذا وقع المحظور فهو نتيجة طبيعية للمشاعر الفياضة بل زين الأمر حتى للمرأة البغي التي تعرض نفسها على الرجال الأجانب فسميت بائعة الهوى وصاحبة الحب المتدفق!

وغرست أمور في قلوب الناشئة أصبحت اليوم من المسلمات! وهي في قلوب الكبار بين موافقة ورفض وكل نفس بما كسبت رهينة!

صرف الشاب عن الطاعة والدعوة والجهاد إلى ملاعب الكرة ومشاهدة الأفلام والمسلسلات والتشبه بالكفار! وصرفت الفتاة إلى الأزياء والحلي والعري والخلاعة.


والمجال خصب والمرتع وخيم فهناك شهوات تؤجج ونيران تتقد؛ بحثًا عن الحرام! ومع هذا الانصراف نجد الموافقة في الغالب من المربين آباء وأمهات! ولهذا انتشرت العلاقات المحرمة وهدرت الطاقات وضيعت الأوقات!

لم يكتف الإعلام بهذا بل سارع إلى إيقاد نار العداوة والبغضاء، وأصل لكره مفتعل بين الرجل والمرأة وبين الزوج وزوجته، وبين الأب وأبنائه! فقيل للابن أنت حر، وقيل للبنت تمردي على القيود أنت ملكة نفسك! ورغبة في الإلهاء وإرضاء الغرور والتغرير بدأت العبارات الرنانة تتكرر كل يوم: أنت جميلة وفاتنة وراقية وصاحبة ذوق! وأصبح الحديث كله عن الحب المزعوم في حلة ملطخة بالعهر والذنوب.

واستمر التحريض ليصل إلى نصب العداوة على الوالدين والزوج والأخ حتى وصل إلى ذروة الأمر فحرضت المرأة على الشريعة! فالحجاب قيدُ وأغلال والزواج ظلم وتعد وتسلط وتجبر وإنجاب الأبناء عمل غير مجد! أما طاعة الوالدين فعبث والمحبة للزوج ذلة وضعف وخدمته جبروت وقسوة!

في سنوات قليلة صدق بعض النساء الأمر فتمردن على الزوج وحددن النسل بطفل أو اثنين! وتفلتت المرأة في طريق مظلم ليس فيه إلا عواء الذئاب والهاوية تقترب! وتكبرت الزوجة على أم الزوج حتى جعلتها شبحًا مخيفًا وبعبعًا قادمًا! أما المُطلقة فهي في نظرهم صاحبة جريمة لا تغتفر إذ هي مطلقة!


وإن كان هذا هو واقع الإعلام بشكل عام فما حالنا معه! من الطوام ما نراه من القبول، ومن الهوام أن يتأصل الأمر ويُسلم به! ولو تفقد القاريء ذلك في نفسه وبيته ومجتمعه لوجد الأمر أكبر مما ذكرت وإن سمع أو رأى أحدكم أن عملاً إعلاميًا أظهر الحقيقية في ذلك فليفتخر به!

أرأيتم لو أن مقدمًا رأى رجلاً وامرأة في مسلسل أو في عمل أدبي وختمه بكلام مؤصل وحقيقة ناصعة وقال: هذا طريق الزنا - والعياذ بالله ـ! كيف تكون الحال.

لكنها إشارات لسيل علا زبده وظهر أثره في سنوات قلائل؛ فاللهم سلم([36]).

*     *     *


 خذوا حذركم

في السنة الخامسة للهجرة خرجت شرذمة من اليهود نحو كفار ليألبوهم ويحرضوهم على غزو المدينة ومحاولة استئصال شاقة الإسلام وقتل محمد - صلى الله عليه وسلم -، والتنكيل بأصحابه! ثم خرج الرهط يحمل الحقد والكراهية للمسلمين نحو غطفان ليكتمل عقد الأحزاب.

وتداعت الجموع وأقبل الشر بخيله ورجله، فخرجت من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة، ووافاهم بنو سليم، وخرجت من الشرق قبائل غطفان وكذلك خرجت بنو أسد، واتجهت الأحزاب الكافرة صوب المدينة حتى تجمع حولها جيش عرمرم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل! جيش يزيد عدده على سكان المدينة رجالاً ونساء وصغارًا وكبارًا، في جوع منهم شديد، وبرد وزمهرير، وعدة قليلة وما عند الله خير وأبقى!

اجتمع الأحزاب حول المدينة لسبب واحد لا غير وإن اختلف الألسن: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ [البقرة: 217].

وفي هذا الجو المكفر والكرب الشديد انقسم أهل المدينة إلى قسمين: قسم أمن بوعد الله وصدق بنصر رسالته: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْـزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُـولُهُ وَصَـدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ


وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].

فشدوا للقتال وقدموا المهج والأرواح وبذلوا الأسباب بحفر الخندق وحراسة المدينة ليل نهار مع ما أصابهم من الجوع والفاقة، فقد كان طعام الجيش قليلاً من الشعير يخلط بدهن سنخ متغير الرائحة لقدمه، ويطبخ فياكلونه رغم طعمه الكريه، ورائحته المنتنة لفرط الجوع، وأحيانًا لا يجدون سوى التمر وقد يلبثون ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا!

عظم البلاء واشتد الخوف وخيف على الذراري والنساء فقد احاطوا بالجميع، وادلهم الخطب بالأمة: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: 10].

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الوقت العصيب يبشرهم بأمر عظيم! قال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء وأخذ المعول، فقال: «بسم الله» ثم ضرب ضربة، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر إلى قصورها الحمر الساعة» ثم ضرب الثانية فقطع أخر، فقال: «الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الآن»، ثم ضرب الثالثة فقال: «بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني».

والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبشر ويرفع من عزائم الصحابة وكان أحدهم من شدة الجوع يرفع عن بطنه الحجر فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بطـنه الشـريف


حجرين!

وأما أهل النفاق وضعفاء النفوس ممن أثر فيهم الإرجاف فقد تزعزعت قلوبهم وانخلعت صدروهم لرؤية الجموع والعدد والعدة، وبقيت الساعات العصبية أيامًا وليالي، وزادها سوءًا نقض بني قريظة العهد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاكتمل عقد الأحزاب حول المدينة الصامدة! ولما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غدر بني قريظة تقنع بثوبه واضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء ثم نهض يقول: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره»، وسعى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمجابهة الظرف العصيب وأن يفرق جمعهم، فأراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى ينصرفوا وتخف الوطأة على المسلمين فيلحقوا بقريش الهزيمة.

واستشار - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - رضي الله عنهما - في الأمر فقالا: يا رسول الله: إن كان الله أمرك بهذا فسمعا لله وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوب رأيهما وقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد».

ولما أذن الله - عز وجل - بانجلاء الغمة وتفريج الكربة؛ صنع أمـرًا من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم وفل حدهم، وساق نعيم


بن مسعود للتفريق بينهم! والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إلى السماء: «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، أهزم الأحزاب، اللهم أهزمهم وزلزلهم» وكان المسلمون يدعون ربهم: «اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا».

فاستجاب الله الدعاء وبلغ الأمل وأذن بالنصر، وأرسل جنودًا من الرعب والريح قلبت قلوبهم وقدورهم.

وبعد معركة الأحزاب أزفت البشائر وأشرقت المدينة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا ونحن نسير إلهم» وفي اجتماع الأحزاب في أزمنة متفرقة ومرات عديدة خلال العصور، حكمة بالغة في الرجوع إلى الله، وصدق التوكل عليه، والإنابة والذل وإظهار الحاجة، وبذل الغالي لهذا الدين.

قال ابن القيم - رحمه الله-: «ومن ظن إدالة أهل الكفر على الإسلام إدالة تامة فقد ظن بالله السوء. وعلى مر العصور وتقلب الدهور قول الصادق - صلى الله عليه وسلم -: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين» لكن الأمر مشروط بشروطه، ومقيد بقيوده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]»([37]).

*     *     *


 حجوا قبل ألا تحجوا

ما إن غربت شمس شهر رمضان إلا وأشرقت أنوار الحج إلى بيت الله العتيق! مواسم متتالية وأزمنة مرادفة للعبادة والطاعة! وحين فرض الله - عز وجل - الحج على عباده المسلمين وجعله ركنًا من أركان الإسلام، سارع المسلمون إلى المبادرة بالحج، حتى ذكر الكثير من القصص التي تروي العنت والمشقة للقيام بهذا الشعيرة العظيمة، فبعضهم يمضي ستة أشهر في السير حتى يصل إلى مكة مع خطورة الطريق ووعورته وقلة الطعام والشراب! وذكر المؤرخون أن أهل المغرب الأقصى يسيرون إلى البيت الحرام بعد عيد الأضحى بأيام ليدركوا الحج القادم! في رحلة تطول لتقترب من العام الكامل!

وذلك امتثالاً لأمر الله - عز وجل-: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. وهربًا من الإثم والعقوبة.

وفي الحج من الأجور ما تهنأ به النفوس، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [رواه البخاري]. ولو قيل لأحدنا إن جزاء الحج المبرور بيت أو سيارة، أو أمر من أمور الدنيا لرأيت التسابق... وإلا فسوط أحدنا في الجنة أعظم من الدنيا وما فيها! وعظم الأجر مـبسوط في هذه الشعيرة العظيمة قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حج ولم يرفث ولم


يفسق غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه الترمذي].

وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على المداومة بين الحج والعمرة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «تابعوا بين الحج والعمرةَ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة» [رواه الترمذي].

وقد حج الحسين بن على - رضي الله عنهما - خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وحج أيوب السختياني أربعين حجة، وكان هارون الرشيد يحج سنة ويغزو سنة، وقد حج الإمام أحمد بن حنبلا خمس حجج، منها ثلاث حجج راجلاً من بغداد (أكثر من ألفين وثلاثمائة كيلو متر).

روي أن سفيان بن عيينة قال للحسن بن عمران في آخر حجة حجها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة، أقول في كل مرة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله - عز وجل ـ؛ فرجع فتوفي في السنة الداخلة.

قال محدثي عن رجل عابد توفي - رحمه الله - قبل سنوات: ما ترك الحج ألبتة! على الرغم من اختلاف الأحوال سنة عن أخرى فقد حج أكثر من خمسين حجة، وكان يحرك همم من حوله إلى الحج بقوله: حجوا قبل ألا تحجوا...!

قلت: والله لقد استفاد من عمره الفائدة الكاملة واستثمر حياته الاستثمار الحقيقي الذي بقي له بعد أن رحل!

وحدثني أحد العاملين في صالة مطار جدة الدولي أن طائرة قـدمت مـن القارة الهندية، قـال: وبعد أن تأملت الصفوف الطويلة


في وسط زحام شديد إذ بأبرز مظهر للحجاج هو تصفيف للشعر وإكرامه بالزيت حتى أصبح للشعر بريق عجيب ورائحة ميزت المكان! قال ولمحت بين الصفوف رجلاً متوسط العمر حالقًا رأسه! فلفت نظري وتعجبت من أمره، ولما وصل إلى بادرته بالسؤال؟ أين شعرك! لماذا اختلفت عن البقية؟ فأجابني بقوله: الشعر في بلادنا جمال وبهاء.. ولي عشر سنوات أحلق شعري لأوفر من قيمة ترجيله والزيت الذي يوضع فيه، حتى وفرت مبلغًا أحج به! فكان ذلك لي جمعت درهمًا مع درهم حتى حققت الأمنية بعد هذه السنوات الطوال، والحمد لله!

وعلى الرغم من تيسير السبل وسهولة الوصول إلى بيت الله العتيق خاصة مع وجود حملات الحج التى لم تبق عذرًا لأحد... إلا أن هناك من يؤخر ويسوف ولا يدري على ماذا يموت!([38]).

*     *     *


 قبل أن ينحرف

إذا جن الليل وأقبل الظلام، فإن للآباء والأمهات مواقفَ عدة مع أبنائهم وبناتهم ذلك البيت المؤمن المليء بالسَّعادة والطمأنينة، إذا أسدل الليل ستاره أوى ابنهم إلى داره يخاف من هوامّ الليل وطوامّه ويأنس بالقرب من والديه.. ثم إذا دنا ثلث الليل الأخير قام على صوت والده يقرأ القرآن وعلى صوت والدته تتهجد بآيات عظيمة! لم يهنأ الابن بنوم ولم تقر له عين.. نهض من فراشه الوثير وصف قدميه واقفًا يصلي، ثم إذا خرَّ ساجدًا غلبته الدمعة وارتفع بكاؤه فيسارع إلى إخفائه! أجمل به من بيت فيه السكينة والرحمة.

وصوتُ القرآن يرتفع وآياتُ الله تتلى وأحسب أنهم ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع..! أما الفتاة فهي صوامة لا تردّ صوتًا لأمها.. غلبها البر حتى أصبحت كالمملوكة بين يدي والدتها، تنهض قبل أن تؤمر، وتقوم قبل أن يصل الصوت، حياتها عفاف، وليلها دعاء! ثم هي حنون عطوف على والدها.. تحكي له وتحدّثه بهمومها وآمالها، تتلهف بشوق متى يعود ليُقبلها! وإذا أخذ مكانه واستوى في جلسته دنت منه تسمع كلماته وتطرب لقصصه وأحاديثه.

أما البيت الآخر إذا غربت الشمس وأرخى الليل سدوله، سارع الأب إلى الزملاء والأحباب وترك الرعية، فالاستراحات تنتظره، والصحب يستبطئون مجيئه ولا تطيب السـهرة إلا بهـم ومعهم! والأم


 بدت لها حاجة في السوق.. وهي كلَّ يوم هكذا خرّاجة ولاجة لا يقرّ لها قرار في بيتها! وإذا بقي نصف الليل اجتمع الأب والأم بعد فراق ليتفقدوا أبناءهم.. فهذه بيدها سماعة الهاتف مغلقة الأبواب تهمس همسًا! والشاب غائب لا يعود إلا بعد قدوم الثلث الأخير من الليل يترنح غواية وضلالاً.. فيكون ليلهم ترقبًا وحسرة... وخوفًا وقلقًا! لا يهنئون بعيش ولا يعرفون للسعادة معنى!

وإن سألت عن السبب ولماذا هذا البيت تصدّع وتفرّق؟ وجدت أن سوء التربية مربط الفرس! فالأب لا يحادث ابنه ولا يتفقد صحبته، ولم يأخذ بيده إلى المسجد ولم يوجهه إلى حلق التحفيز لينهل من كتاب الله - عز وجل-، فسارع هو أو سارع إليه شباب الفراغ، يجمعهم إهمال الآباء، وقصور التربية طريق يجمعهم. يخرج هذا الابن المسكين الذي يزجي ليله في استراحة أو مقهى أو في شارع وسوق يجوبه ساعات طوالاً وربما انحدر به الطريق إلى الهاوية!

أما الفتاة فقد استوحشها الشيطان، وفقدت صوت الأب وحنان الأم، ولم تؤمر بعفة ولم تُصن عن حرام، فما أسرع الذئاب إليها، كلٌّ يتلون بصوت ويصبّ في أذنها سمًا زُعافًا حتى خلا قلبها من ذكر الله - عز وجل - فأصبح همها متى تسمع صوته ومتى تراه!

غالب البيوت لا يخرج حالها عن حال ما يعرف الجميع، والأساس في هذا التباين هو التربية الصحيحة، ليفوز المربي بأجري الدنّيا والآخـرة.. حتى يكون ابنه وابنته فرحًا لا همًا، وسعـادة لا شقاء،


 ونعمة لا نقمة! فما أجمله بيتًا يقال فيه للابن: كم حفظت اليوم يا بني، وتنادى الفتاة: كم جزءًا راجعت اليوم يا بنيتي؟

ومن سعادة المرء أن يتعب ويكد ليتابع بناء منزل! ويكد ويتعب لمراقبة التنفيذ والتأثيث! وهو مع هذا يضيع أعظم بناء وأكبر استثمار! وليته يترك دون سؤال وحساب، بل السؤال وارد والجواب مطلوب: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته...»([39]).

*     *     *


 وأين الراية عن يدك؟

هموم الناس مختلفة ومشاربهم متباينة... منهم من أضحى قلبه معلقًا بالآخرة، فهو يعمل لها حتى ملكت لبه وعقله، والآخرون تفرقت بهم السبل فأضحى لكل واحد هم من هموم الدنيا يتبعه ويجري خلفه! والموفقون من يستعلمهم الله في طاعته وييسر لهم سبل عبادته! دونكم قصة رجل دخل الإسلام حديثًا لكنه ذو همة وجلد في دعوته!

كنا خمسة نفر متطينا سهلاً نعرفه وطريقًا نٌسر به! دعينا إلى حفل افتتاح مكتب دعوة توعية الجاليات ببلدة البجادية، وهي بلدة تقع على طريق الرياض - مكة القديم.

أول الخمسة رجل فلبيني أسلم حديثًا وكان قسيسًا في سالف أيامه وقد من الله عليه بعد إسلامه ببذل الجهد والحماس لهذا الدين، واستفاد من خبرته في الدعوة وطُرقها حتى اسلم على يديه حسب الإحصاءات الرسمية أكثر من أربعة آلاف ما بين رجل وامرأة من بني جنسه!

ونحن سائرون في الطريق كان هم هذا الرجل السؤال عن كل مدينة نمر بها... فكرر مرارًا (شقراء) عندما قلنا له هذه مدينة شقراء! ثم تكرر سؤاله عن البلدة التي تليها وهي مرات! فردد (مرات) وسـألناه بتعـجب: لماذا كان هـذا الـترديد والحـرص على معرفة


المدن والقرى؟! قال وكأنه يُنفس عن هم يحمله: إذا دعاني مكتب الدعوة (بالبجادية) أكون قد عرفت الطريق فلا يكون البعد والجهل بالطريق عقبة تصدني وتعيقني عن الحضور! نعم يذهب ليدعو هنا وهناك بسيارته وبدون أي مقابل، ولهذا كان همه معرفة الطريق حتى لا يكون لديه عذر بالمكان أو جهل بالطريق.

أما الآخر فإنه حرص على أن نتوقف عند مستشفى بلدة (مرات)! وقال: هنا ممرضة فلبينية أسلمت حديثًا ولديها مشاكل مع زوجها... دعونا نسألها لعل الله - عز وجل - أن يفرج عنها ويزيل غمها! فتوقفنا عند المستشفى حسب طلبه، وإذا به يعود بعد غياب دقائق ووجهه يتهلهل من الفرح وهو يقول: الحمد لله لقد لقد أخبرتني: أسلم زوجها! عندها تفقدنا الثالث ممن كان معنا فإذا الهم الذي كان يحمله قد حركه إلى غرفة الضماد من جراء ألم شوكة كانت في قدمه!

كلها هموم وكلها آلام وآمال تحرك كل أمريء في حياته! فما نصيب الهم الذي في قلبك وإلى أين يجعلك تسير!

ومع بداية العام والنوازل قد أحاطت بالأمة من كل جانب ليكن الهم الأول القيام بحق هذا الدين والوفاء له... فقد ذهبت أعمارنا في هموم دنيوية؛ فليستبدل الشاب بهم المنزل والسيارة رفع راية الدين ولتنزع الفتاة هم الفستان والحذاء وتسعى للحاق بركب عائشة وفاطمة... لعل الله أن يبلغها المقيل!


وقفة:

قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي: عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: أرجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت([40]).

*     *     *


 كفران العشير

لا يزال - ولله الحمد - في نساء الأمة خير كثير، امرأة كبيرة في السن توفي زوجها قبل عامين تقريبًا وقد نزل بها في العام نفسه مرضٌ في الكبد واحتاجت إلى زراعة كبد أخرى في الخارج، فأسرت في أذن من حولها: لو كان زوجي حيًا أخشى ألا يرضى بسفري ولا اريد أن أخفر ذمته ميتًا، قال لها الأبناء: هذه يا والدتنا ضرورة ولو كان والدنا - رحمه الله - حيًا لما تردد في ذلك فهو يعرف الحكم الشرعي!

تأملت هذه الحادثة وقارنتها بسير النساء اليوم مع أزواجهن وقد استرحل الكثير منهن، فالرأي لها والمشاروة مقدمة فيها، والأمر والنهي بيدها، بل إن بعضهن تدخل ويخرج دون إذن الزوج وعلمه! ومع هذا الانفلات و (الحرية النسائية) إلا أنها تكفر العشير كفرًا ما بعده كفر، لو أحسن إليها الزوج ثم رأت منه شيئًا قلت: ما رأيت منك خيرًا قط!

ها هي في مجالسها الخاصة والعامة لا تدع الزوج المسكين إلا تعقبته بقبائح الصفات والأفعال، ولا يهنأ لها بال حتى تنال من عرضه وغفلته وكسله وضعفه! ثم تعرج على ما يقال وما لا يقـال! مجالس طويلة لا يجري على ألسن الزوجات سوى التشكي من


 الأزواج وذكر مثالبهم وتعداد أخطائهم والنيل من حقوقهم! ثم في نهاية المجلس تختم إحداهن بكفارة تليق بهذا التجمع وترفع يديها بأن يهلك الله الأزواج وأن يصب عليهم العذاب صبًا!

وإن ذكرت في أول الحديث حادثة لامرأة نحسبها على خير وصلاح وتقى فإني اختم بقصة امرأة ورد ذكرها في القرآن العظيم أمنت بالله، واتبعت الرسول ونالها من صنوف الأذى والتعذيب من زوجها الكثير حتى أنه لما علم بإسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، ومع ما لاقته من صنوف العذاب وشدائده إلا أنها حفظت حرمة الزوجية، وأبقت لبعلها حقه، فما دعت عليه ولا آذته! إنها آسية بنت مزاحم التي ذكر الله - عز وجل - قولها في القرآن: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11].

فطلبت الجنة في جوار الرحمن ثم أن ينجيها الله - عز وجل - من فرعون وعمله! وتركت الزوج وشأنه! فهل يترك نساء اليوم الأزواج دون غيبة ونميمة واستهزاء ودون...؟! بل ويحفظن لهم حقوقهم وتقديرهم واحترامهم! لقد نخر الإعلام في عقول الكثيرات حتى أصبح الزوج عبئًا ثقيلاً على الزوجة وأضحى رباط الزوجية، كرباط الجلاد فنهلن من مورد تكدره الدلاء! وما علمن أن في أجمل سيره وأعظم بيت نهر يتدفق من المودة والرحمة! وحسبك به معلمًا وقدوة - صلى الله عليه وسلم -([41]).

 لا تكن متفرجًا

تميز عصرنا الحاضر بارتفاع أصوات المنافقين والمنافقات في أنحاء العالم الإسلامي، فأفردت لهم الصفحات وتصدروا المنتديات، واختلفت بهم التجمعات وسيطروا على كثير من وسائل الإعلام كما يلاحظه القاصي والداني لفشو الأمر وظهوره.

وحال المنافقين ليس بجديد على أمة الإسلام... فهم أعداء الداء لهذا الدين منذ بعثة محمد - عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم-، يكيدون ويدبرون ويخططون وينفذون، وقد وصفهم الله - عز وجل - في سبعة وثلاثية موضعًا من القرآن، وسميت سورة كاملة باسم (المنافقون)، وأفاضت السنة النبوية المطهرة في توضيح ذلك الأمر العظيم وإجلائه.

وفي خضم هذا السيل الجارف من أهل النفاق حري بأهل الإسلام ممن يحملون رآيته ويحترقون شوقًا لرفعته؛ أن يسارعوا إلى فضح المنافقون وهتك أستارهم وكشف مخططاتهم وتتبع أرائهم وأفكارهم والتصدى لها والرد عليها وابتداء ذلك بتحصين أنفسهم وأبنائهم ونسائهم من شبههم ودعوائهم، وأعظم أمر يدخل الغيظ على قلوب المنافقين ويؤرق مضاجعهم نشر العلم الشرعي الذي يبدد نوره ظلامًا يتسللون في دهمائه! أما الالتصاق بالدعاة والعلماء فهو خنجر مسموم في نحورهم؛ ولهذا يسعون إلى مقولة متكررة


 فحواها أن من حمل راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وميراثه متخلف متحجر بعيد عن الانفتاح والتطور ومجاراة الواقع، والنفاق أجيال متوارثة فقد قالوا تلك المقالة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ومن درء خطرهم منعهم من تسيد المجالس وتسويد الصحف والمجلات قدر المستطاع ومما يعين على ذلك متابعة خططهم وطروحاتهم والرد عليها والرفع لأصحاب الاختصاص بمقالاتهم وكتاباتهم، ومن أعد نصائح منفردة ورسائل خاصة فيها التخويف بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ذلك من دعوتهم إلى الرجوع إلى الدين ومفارقة أرض النفاق.

ولا يعجز مسلم من الدعاء عليهم ورفع يديه إلى الملك الجبار بأن يشغلهم في أنفسهم وأهليهم، ولا تزال بؤرة النفاق يرتفع شعارها المعروف: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12].

وفي هذه الفترة بالذات يجب على كل مسلم القيام بواجبه نحو رد كيد الأعداء ومجاهدة أهل الزيغ والضلال، وليتفقد كل فرد منا ذكرًا أو أنثى.. أمجاهد هو أم قاعد؟ فليأتين زمان نبكي فيه على ترك الأمر بالمعروف والتصدي للمنافقين، ولا تبرأ الذمة بأن نقف متفرجين على أعمالهم ومخططاتهم ولا يحرك ذلك ساكنًا في قلوبنا وأعمالنا!

والابتلاء بالمنافقين ليس بجديد فقد قال بعض السلف في زمانه:


 «لو كان للمنافقين اذناب لما استطعنا السير في الشوارع والطرقات من كثرتها».

وفي أمة الإسلام اليوم أكثر من ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون([42]).

*     *     *


 هنيئًا لك المرأة

ارتوت من نهر الحبّ الصادق والحنان المتدفّق، فأورقتْ حبَّا على حبّ، وصفاءً على صفاء. لما أقبل العيدُ بعد شهر الصيام أرادت أن تكتسي حُلّة ملابس فوق حُلّة الإيمان، فقالت لزوجها: لا بدّ أن تذهب معي، فلن أذهب بدون محرم، لا اريد رجلاً غيرك يسمع صوتي! وأدنت على وجهها حجابًا سميكًا، مستجيبة لأمر الله - عز وجل - متبعة في ذلك أمهات المؤمنين، فحرَّمت على الرجل الأجنبي أن يرى منها ظفرًا و خصلة شعر.

هي حِلٌّ لك، حرام عليهم! سارت بجواره خائفةً وجلة أن تقع عليها أعينُ الرجال ونظراتهم! ولما خرجت من السوق فإذا بالعرق يتساقط من جبينها الوضاء، فقال وهو يتمنى أن يمسح تلك القطرات بيده: تلك يا زوجتي حبّاتُ الحياء خرجت! لو انهملت مرة بعد أخرى وتطاولت بها الأيام، لجدبت منها المآقي وغارت فلا تنحدر! أما رأيت الحياءَ كيف يسقط مرة تلو الأخرى، فلا يبقى منه إلا ما يواري السوأة!

وحين أقبل النهار بساعاته الطويلة أدنت له من المأكل والمشرب ما لذ وطاب، لتستقبل الزوج العائد مختبئة خلف الباب مرحبة بأجمل عبارات الشوق، وكأن الحبيب عائد من سفر سنواتٍ وليس فراق ساعات!


حدا بها الشوق، لتبوح عن مكنون النفس بكلمات تقدمتها ابتسامة صادقة لتلامس قلبه قبل أذنيه.. وقد كان لها نصيب أوفى من حديث محمد: «إذا نظر إليها سرّته»!

وعندما استقرّ بهَ المقام جلست بين يديه تتلهّف إلى كلمة يقولها أو همسة من طرف لتجيب بنعم! تتنقل نظراتها إلى ما يحبُّ.. ولما تعثر صغيرهما وهو يجري بخطوات صغيرة، أزجت التربية دعاءً مسموعًا: هذا يا زوجي أعدّه لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليكون علمًا من أعلامها، وداعية من دعاتها، أقرَّ الله عينك به شهيدًا في سبيل الله، مقبلاً غير مدبر! سابق الفرحُ الأب سنواتٍ قادمة فإذا به يرى الدعاء حقيقة؛ والأمنية راية يرفعها الصغير علمًا وجهادًا.. لا تسل عن الفرحة وكأنها أهدته كنوز الدنيا بهذا الأمل المشرق.

ولما أدركهما السكنُ في ليلٍ هادئ كانت له حورية، عذبة الكلمة، طيبة الرائحة، إن نظر إليها أعاد وكرَّر فلا يمل، وإن تحدثت فنِعْمَ الحديثُ عذوبة ورقة، وتمنت على زوجها أن يختم يومه بقراءة جزء من القرآن، فناولته المصحف وقالت: لعلك تراجع حفظي فقد تفلَّت القرآن مني، فكان لها ذلك.

أما وقد جنّ الليل وأظلم؛ قامت إشراقة الفجر إلى مصلاها، فكبرت وأطالت القراءة وأتبعتها بركوع ثم سجود طويل، وكان يسمع الدعاء فخصَّته قبل نفسها ورفعت حاجته قبل حاجتها، حتى سلمت يمنة ويسرة ثم التفتت إليه وقالت: أريد أن أطبق السنُة ولو مرة واحـدة، ونضـحت ماء قلـيلاً مسحـته على عجل بيدها، حتى لا


يقع على وجهه فيؤذيه ونادته للصلاة فنهض، وهو يُسمعُها الدعاء: جعلك الله زوجتي في الجنة!

هنيئًا لك أيها الزوج هذه المرأة الولود الودود، هنيئًا لك امرأة عفيفة ليس لغيرك فيها نصيب، وهنيئًا لامرأة أسلمت قلبها لله - عز وجل - وتعبدت ذلك طاعة وقربة! إنها امرأة ليست ضربًا من الخيال بل هي في كثير من البيوت العامرة بالطاعة والإيمان.. لقد صفت القلوب ووقر الإيمان وقرَّت العيون فكانت الحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

وقفة:

لعل الله أن ييسر في العدد القادم الكتابة عن رجل تهفو إلى قلبه العفيفات، وهذان المقالان وما يتبعها رد على المسلسلات والروايات التي تصور الحب في صور بشعة من التعدي على الأعراض وانتهاك الحرمات... وما علموا إن أسمى حب وأطهره وأدومه وأجمله في بيوت الصالحين.

ولذلك أعظم شاهد فقد سئل عمرو بن العاص - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحب الناس إليك قال: «عائشة»([43]).

*     *     *


 تهفوا إلى قلبه العفيفات

في ليلتهما الأولى وضع يده اليمنى على ناصية رأسها، وهي كوردة فواحة، واسمعها دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أسألك خيرَها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذُ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه...» ثم همس في أذنها في عذوبة سمعتها بقلبها لأول مرة: جعلك الله من نواصي الخير المباركة، وأقرَّ بك عيني وسمعي وقلبي!

ومضت الأيام الأولى وهي ترى أن الزوج يتلمس سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مع أهله فسُرّت به وجعلت قلبها بين يديه! ما رفع يديه إلا داعيًا ومكبرًا، وما أطلق بصره إلا نحوها، كريم المحيا، كثير الاستغفار كأنما ألهم الذكر إلهامًا.

تحسَّس يومًا موضع ألم قديم في رأسها، وجعل كفّه على موضع الألم، وبدأ يقرأ عليها وينفث، وهي تنصت للآيات، وكأنها المرة الأولى التي تسمعها! ثم ذكرها بأجر الصبرعند البلاء، حتى انفرجت أساريرها، وأتم الأمر بأن اسمعها دعاءً تحبه، والعين الحانية نحوها: اللهم اجعلها زوجتي في الجنة!

تأملتْ في حال زوجها متسائلة! كيف هو ذاك الرجل قويّ الهيبة صادعًا بالأمر بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ثم هو في هجعة الليل غزير الدمع كثير البكاء حتى إنك لترحمه من كثرة توجعه وتألمه، وهو يشكو إلى الله - عز وجل - ذنوبه وتقصيره!


تعجبتْ في الأيام الأولى.. دائمُ النظر إلى معصمه لأمر ينتظر قدومه.. يُطلُّ بحرص بين الحين والآخر على عقاربِ الساعةً! لديه رحلة؟ أم أن موعدًا مُهمًّا اقتربَ.. ولما ارتفع صوت المؤذن قام فزعًا، فأحسن الوضوء وخرج بسكينة ووقار.. فكان ذاك أهمّ وعدٍ وأعظمه!

دائمُ القرب من والديه.. يٌُهدي الكلمةَ الطيبة، ويحدثهم بحديث فيه تَبَسُّطٌ وإدخال سرور، أما صباح يوم الجمعة فهو يجلس الساعة أو تزيد خادمًا ومعلمًا لتردّد ولدته سورة الكهف خلفه! قال يومًا - على استحياء-: ما جعلت والدي يطلب أمرًا، بل أعرض عليه ما يحبُّ لتهنأ نفسه وتقر عينه! يُطرق برأسه كثيرًا مهموم من أمر أرّق مضجعه وأجرى دمعه! توجَّست أن دينًا كبيرًا ركبه والدائن طلبه! لكنه أسرَّ إليها: كيف الخاتمة يا زوجتي والخروجُ من الدنيا، ويوم تتطاير فيه الصحف، ويفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، والميزان حينئذ بمثاقيل الذّرّ! عندها علمت لماذا كفَّ لسانه وعفَّ حديثه عن سيرة فلان وغِيبة آخر! وتعجبت من مجاهدته لنفسه في أمر الدعوة إلى الله - عز وجل - وكتمان أعماله حتى لكأنه من رَعاع الناس لا يعمل شيئًا وهو رجل بألفٍ أو يزيد!

أهمَّها يومًا أمرُ قدوم ضيوف أعزَّاء، فإذا بقايا من تراب وأثر من غبار، والوقت قد ضاقَ، فحكت إلى زوجها ذلك، فما رأت عينها أجمل منه وقد حمل ما ينظف به ويزيل، وهو يهمس: هنا فائدة، كانت عائشة - رضي الله عنها - تقول عـن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يكـون في


حاجة أهله! وأرجو أني أصبت من تلك السنة شيئًا!

قرأت ذات مساء عن غيرة سعد بن عبادة - رضي الله عنه - فإذا به نصيب أوفى من الغيرة عليها والحرص على سترها.. ها هو ينتقل بها من مستشفى في أقصى الغرب إلى آخر في الشرق حتى يجد الطبيبة، ولما حان وقت المخاض قال لها: لي عام كامل وأنا أصونك عن أعين الرجال.. يا ترى هل أسلمك في حال ضعفك ومرضك.. لن يتكشفك رجل حتى لو كلفني الأمر الكثير.. قالت له الممرضة وهو يقف على باب غرفة الولادة.. أنت أفضل رجل رأيته يهديء من روع زوجته ويخفف من آلامها! قال نعم: وأعظم الألم وأشده على العفيفة أن تُترك في هذه الحالة نهبًا للأعين في غرفة الولادة وفي الممرات!

نموذج لرجل تهفوا إلى قلبه العفيفات التقيَّات النقيات وهنّ بمثله أحرى وأولى، وصدق الله - عز وجل-: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: 26]([44]).

*     *     *


الفتن

فتن هذا الزمان متتالية متسارعة بشكل عجيب، ومصداق ذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق بعضها بعضًا..» [رواه مسلم].

ذكر لي أحد الثقات عن الشيخ عمر فلاته - رحمه الله - وهو من علماء المدينة توفي قبل سنوات قليلة، ذكر أن الشيخ - رحمه الله - تحدث في الحرم المدني عن فتنة عظيمة نزلت بهم في زمن قريب؛ ألا وهي الدشوش التي تستعمل للاستحمام، وذكر - رحمه الله - أضرار استخدام ذلك الدش وما يسببه من إسراف في استعمال الماء، وترحم على زمن مضى، وكيف كان الرجل يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع!

نعم كان السلف يكرهون الإسراف وإن كانوا على نهر جار، ولما سئل جابر - رضي الله عنه - عن الغسل، قال: يكفيك صاع، فقال الرجل: ما يكفيني، فقال جابر: قد كفى من هو خير منك وأوفى شعرًا، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

يا ترى لو خرج هذا العالم الذي تحدث عن الدش قبل ثلاثين سنة ورأى دش اليوم الذي يمطر الشبه والشهوات ولا يكتفي أهله بالمد والصاع فحسب، بل يعّبون منه عبًا، حتى أشربت النفوس وتغيرت المفاهيم وأسودت القلوب!

إنها فتن متلاحقة متلاطمـة، كـم سمعنا من رجل وامرأة انحرفت


  أخلاقهم بسبب صراع الشهوات المحرمة، ومالت قلوبهم عن الحق بسبب الشبهات التي تبث؟ ولخطورة الشبه التي يظنها البعض سهلة.. لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وفي يده قطعة من التوراة، قال: «أفي شك يا ابن الخطاب! والله لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي»!

وذكر أن الإمام النووي - رحمه الله تعالى - قال: أدخلت كتب ابن سينا في بيتي، فأظلم قلبي فأخرجتها! أما الإمام سفيان الثوري فقد تبعه بعض أصحاب البدع، وقالوا: نريد أن نكلمك، فقال: لا اسمع منكم ولا كلمة وسد أذنيه! فكيف بمن فتح قلبه لتبث الشبهات في دينه كل يوم وليلة! وأذكر أن رجلاً ممن يصدر نفسه في المجالس ويتابع فتاوى القنوات ويمدحهم ويرمي غيرهم بالتشدد والانغلاق! قيل له يومًا: لو طلقت زوجتك وأشكل الأمر وأردت مخرجًا واضحًا أتذهب إلى أولئك أم إلى العلماء الربانيين ممن تغمزهم وتلمزهم بالتأخر والرجعية! قال: لا والله أذهب إلى العلماء الربانيين! قيل له: أنت لا تتبع الأحكام... بل تتبع الشهوات وما يريد قلبك من الفساد والميل!

وإن كانت مشكلة الدشوش قد استمرأها البعض ووقع في لججها! وأقل الأحوال فيها إضاعة الأوقات ناهيك عن الوقوع في المحرمات! فهل يجلب المسلم الشر جلبًا إلى منـزله وداره!([45]).

*     *     *


الظلم ظلمات

أمريكا دولة كرها العالم الإسلامي ليس لكفرها فحسب - وإن كان من عقيدة المسلم كره الكافر وبغضه ـ؛ بل أضافت إلى ذلك الظلم والطغيان والتسلط والجبروت فأهلكت الحرث والنسل، وسعت إلى ابتزاز الشعوب ونهب مقدراتها، وإذلال أبنائها، صاحب ذلك قوة جوية وبحرية قتلت الشباب ورملت الزوجات ويتمت الأطفال، في صلف وغرور ولا مبالاة؛ فانساق الُكره إلى أقصى الأرض شرقًا وغربًا، ومع أن البغض والكره لهذا الطاغية ديانة في قلوبنا! إلا أننا في كل وقت وحين ندعمهم على الوقوف والنهوض، على الرغم أن الاقتصاد الأمريكي اقتصاد شارفت بداياته على السقوط وأتت أحداث شهر جمادى الآخرة لتدق مسمارًا في نعشه.

والإحساس الإسلامي بوجوب المقاطعة الاقتصادية لأمريكا نابع من شعور عام ضد دولة الظلم والطغيام وإن لم يكن منظمًا وليس له طابع رسمي إلا أنه أثر تأثيرًا بالغًا في اقتصاد أمريكا وكأنه عقاب من الله - عز وجل - على ظلمهم وطغيانهم فقد ذكرت الإحصاءات مدى هذا التأثير ونفاذه في اقتصادهم.

ومن تلك الحقائق والنماذج:

في مصر بلغت بعض حالات المقاطعة إلى أكثر من (80٪) مـن المنتجات الأمريكية... في حـين أغلقت بعض المحلات فروعها،


 وأكد رئيس مجلس إدارة شركة أسواق سينسيبري البريطانية انسحابها من السوق المصرية بعد خسائر قاربت سبعين مليون جنيه.

وفي الإمارات جاء تقرير يؤكد تراجع الإقبال على المنتجات الإمريكية في أبو ظبي بنسبة (50٪) على الأقل، وأفاد وكيل شركة أمريكية عاملة في تجارة المواد الغذائية بأبي ظبي بأن ضررًا كبيرًا قد لحق بمطاعم الوجبات السريعة إذا تراجعت مبيعاتها بنسبة (35٪) تقريبًا في الشهرين الماضيين.

وشعرت البحرين بالآثار المترتبة على الوضع كما عبرت عنه صحيفة غلف ينوز اليومية حيث ذكر أن مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية هنا، ذات الشعبية الواسعة في صفوف الشباب بدأت تعاني من الكساد في عملها، عندما تحول الرأي العام ضد الولايات المتحدة.

وفي السعودية أظهرت الأرقام الرسمية الأمريكية أن صادرات الولايات المتحدة انخفضت بمعدل (33٪) ما بين سبتمبر ومارس الماضيين، وفي الربع الأول من العام الحالي انخفضت الصادرات الأمريكية إلى السعودية بمعدل (34٪)!

وفي السودان وجدت حملات المقاطعة للسلع الأمريكية والإسرائيلية في السوق السودانية تجاوبًا واسعًا من قطاعات المجتمع المدني، وظهر بشكل واضح انخفاض في حجم مبيعاتها وسط استثمارات تقدر بأكثر من 75 مليون دولار، وأدى ذلك إلى إحجام الموردين تخوفًا من احتمالات الخسارة.


أما في عمان قال مدير محلات كنتاكي في مسقط: إن المبيعات انخفضت بنسبه (45٪) منذ يناير (كانون الثاني) الماضي في حين قال مدير مبيعات فروع ماكدونالدز قائلاً: إن مبيعاتهم تقلصت بنسبة (65٪) وأوضح مدير أحد فروع ماكدونالدز: لم يعد الناس يأتون كما كانوا يفعلون في العام الماضي، والسبب الرئيس هو إظهار تعاطفهم مع القضية الفلسطينية غير أنه أحجم عن ذكر أي أرقام.

ولم يكن في ذلك كله إلا العودة إلى الصناعات الوطنية في كل بلد وبدعمها وشرائها لكفى به من سبب فكيف والأمر أعم وأكبر!([46]).

*     *     *


 فيهما فجاهد

رفعت سماعة الهاتف وإذا بسائل أثقلته هموم الدنيا! لم يكتف  بالهاتف لنقل مشكلته بل طلب موعدًا! وليكن على عجل فالأمر لا يحتمل التأخير ولا التأجيل!

قال محدثي: وحين أمسى الليل وأضأت أنوار المدينة إيذانًا بغروب الشمس وحلول الظلام فإذا الرجل قادم يتهلف إلى جلسة طويلة لبحث وبسط مشكلة أرقت مضجعه كما قال!

استرسل في الحديث ومراجعة سنوات طويلة من عمره! تزوجت منذ خمسة عشر عامًا من امرأة مستقيمة ولله الحمد ولكنها من بيت غير ذلك وأردت بزواجي إخراجها من الظلمات إلى النور وأن تقر عينها بالطاعة وكان لها ولله الحمد! ولعل الله - عز وجل - أكرمني بحسن النية فأصبحت سعادة لي ونورًا لمنزلي! وكانت تزور أهلها بين الحين والآخر في جفوة ظاهرة بيننا، مع أنهم يقدرون حضوري ويهشون لمقدمي كزوج لابنتهم! ولما كبر أبنائي بدأت المشكلة وهي التي أتيت إليك أبحث لها عن حل! هل اذهب بأبنائي إليهم أم لا؟ إنهم يجدون خلاف ما أقول أنا ووالدتهم! هناك عكس لجميع المفاهيم وخلط للقيم، وأحيانًا بذاءة في الرد وفي شحن الأبناء ضدنا بكلمات قد لا يُلقي لها بالاً! وعندما رأيت خطورة الأمر قطعت صلة الرحم وقررت عدم زيارة أبنائي لأخوالهم وجدهم وجدتهم!


 نعم إلى هذا الحد ساءت الأمور.

قال محدثي: وعندما أتم حديثه سألته منذ متى وأنت متزوج من هذه الفتاة؟ قال: منذ خمسة عشر عامًا! فسألته: أين مجال الدعوة إلى الله طول هذه السنوات الطوال خاصة أنك إنسان يُقبل منك ويُسمع لك إرضاء لأختهم، ومحافظة على بقائها سنوات طويلة شب فيها الصغير حتى أصبح رجلاً، وأنت لم توجهه إلى الخير وتدله عليه!

أخشى أن ما أصابك اليوم هو من شؤم الذنب! قال الرجل: وأي ذنب جنيت؟ قال تقصيرك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طوال هذه السنوات المتتالية! مرات عديدة تزور ولا تنصح ومرات كثيرة تأتي خالي اليدين من هدية! ومناسبات متعددة لم تستثمرها إلا لبطنك! وفرصًا متوالية أضعتها ببلادة حسك! وإن كان العلاج فيما مضي سهلاً وميسورًا فقد أصبح اليوم أشد صعوبة وأكثر تعقيدًا.. لكن مع ذلك التأخر والتأخير لا تيأس ولا تتردد! وحري بمثلك أن يدعو هذا البيت منذ أول يوم قدم إليه! هناك دعاة بدلوا مسار أمم كاملة، وهناك دعاة غيروا مجرى التاريخ، واليوم كثير من المدرسين والمدرسات نفع الله بهم قرى كاملة ومداري مختلفة وأنت تعجز عن إصلاح بيت! والمصيبة أنك لم تبدأ بدعوتهم حتى اللحظة! وهذا صلب المشكلة التي أرقت مضجعك!([47]).

*     *     *


 بنيان بلا أركان

من العجائب والغرائب في هذا الزمن أن يدخل الإنسان منزلاً ويطأ أرضًا ويتولى أمر رعية وهو لا يعرف كيف يدير مملكته ويدبر أمره! بل ويجهل حقوقه وواجباتها! إنها جوانب نقص وقصور أن يُقدم على هذه المملكة بحماس ورغبة ولهفة... ومع هذا فهو يخفق في قراءة وسماع صلاحياته وحدود أمره ونهيه! وربما كان هذا التفريط سببًا في تهدم أركان هذه المملكة الجميلة وتفرق أصحابها وانطفاء سراجها! وإم لم تتهدم الأركان فقد يتصدع البنيان وتكون مملكة خالية من الود والمحبة قائمة على الجهل وردود الفعل السريعة!

ولكثرة من يقيمون في هذه المملكة على مدى السنوات فإن الحقوق تتسع والواجبات تعظم! فهل رايت ملكًا يحكم مملكة بدون خبراء ومستشارين وبلا قيادة ورأس!

وقد تكون أنت أخي الشاب هو ذلك الرجل المعني بالأمر... فتقدم على الزواج وأنت تجهل حقوقك كزوج وراع، وتغفل عن حقوق الزوجة وسبل إسعادها... ثم إذا تعاقبت الأيام ونمت الدوحة وكبرت الأسرة فإذا بك تجهل سبل تربية الأبناء وكيفية التعامل مع المراهقين وسبل المحافظة عليهم وإبقاء حبل المودة موصولاً!

وقد رأيت إحصائية قام بها بعض المهتمين بأمر الأسرة، حيث وزع اسـتبانة على (125) رجلاً قدموا إلى المحكمة لتطليق زوجاتهم


 فإذا بالجميع باستثناء قلائل قاموا بإيقاع الطلاق على زوجاتهم وهم لا يعرفون أن الطلاق نوعان: سني وبدعي، ناهيك عن حكمهما ووقتهما!

أما في سبل وجوانب معاملة الزوجة فالأمر دونك... وفي تربية الصغار ومعاملة المراهقين فخلاف المؤمل والمرجو، والجميع يعترف بذلك!

وما نرى جميعًا ذاك الرجل إلا كمن أعطي أرضًا وبيده بذور رماها كيفما اتفق، ثم ولى مدبرًا ولم يعقب، لكنه يتمتم: نريد زوجات صالحات وأبناء نجباء وأسر سعيدة! وقد ذرت الريح تلك البذور فأصبحت ثمارها ما تراه العين في بعض شباب الأمة!

وحال الفتاة ليس ببعيد وفي الواقع غنية عن الاستفاضة، فحديث ليلة العرس وفستانه وحذاؤه من وقتها الكثير، وتقرأ عنه ما وقع تحت يدها وتسأل كل من رأتها! أما متابعة حقوق الزوج وواجباته وآداب الزواج وسننه فالأمر ليس إليها!

هي مملكة ذا كيان خاص لكنها مبنية على التفريط والإهمال، وأقل نهاياتها تفلت السعادة الزوجية وقلة الود بين الزوجين وسوء تربية الأبناء، وبهذا تكون النتائج دون الهدف المرجو من الزواج!([48]).

*     *     *


 من يستمع؟

غالب الناس اليوم لديهم هموم وفي حياتهم مشاكل، تؤرقهم الأحزان ويتقلبون ليل نهار على نار القلق وانتظار الفرج.

همومهم طويلة وقصصهم كثيرة ومشاكلهم متتابعة! أول الحلول العملية أن يجدوا من يلقي السمع إلى أصواتهم ويصغي إلى سماع مشكلاتهم.

ذكر أحد الدعاة أن شابًا حادثه بالهاتف وأصر على موعد للمقابلة في تلك الليلة لأهمية الأمر واشترط وقتًا لا يزيد على نصف ساعة!

قال الداعية فضربت له موعدًا بعد صلاة العشاء، ولما أتى الشاب انفجر في حديث عن مشكلته واستمر يقص عليَّ عن حياته ووظيفته ومديره وزوجته وأبنائه طوال ثلاث ساعات! من الاستماع وطأطأة الرأس والنظر إلى عينيه! أردف الداعية وهو يضع يدًا على الجرح: الناس علاجها أن تجد من يستمع إليها فحسب!

وممن سخرهم الله - عز وجل - لخدمة المسلمين أخت فاضلة مستوها التعليمي دون المتوسط جعلت هاتفها لحل مشكلات النساء! إنه الاستماع فقط وذكر قصص من هم دون السائلة في المال والسعادة! ثم تنتهي المكالمة بالدعاء والشكر على حل جميع مشكلات المتصلة!


وقبل أسبوع أعادت امرأة إليَّ طرق هذا الموضوع المهم وإليكم قبل ذلك مقتطفات من رسالة تجاوزت العشر صفحات!

تقول: سرت مع الأخوات الملتزمات طالبة في الكلية لكن وللأسف الشديد بعد التخرج لما انقطعت صلة الدراسة وكثرت الهموم والغموم لم أجد منهن صوتًاّ سنوات مرت ولم تتكرم إحداهن بالسؤال عن حالي وصحتي مع أنهن يعرفن ظروفي القاسية، فنحن في بلدة صعيرة، ولقد أجلب عليَّ الشيطان بخيله ورجله حتى خشيت على نفسي من الانتكاسة! أريد من يستمع إلي لأبث له خلجات صدري وأنات فؤادي!

وفي خضم الحياة الصعبة اليوم باب تفريج الكرب أمره واسع وأجره عظيم، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مشى في حاجة أخيه كان خيرًا له من اعتكافه عشر سنين» [رواه الطبراني في الأوسط].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها كربة من كرب يوم القيامة» [متفق عليه].

وقد علم السلف أهمية الأمر في نفع المسلمين فقال الحسن: لأن أقضي حاجة لأخ أحب إلي من أن اصلي ألف ركعة، ولأن أقضي حاجة الأخ أحب إلي من أن أعتكف شهرين.

وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًأ أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حـجة، ولطبق بدرهم أهديه إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه


في سبيل الله!

إنها معالم واضحة وإرشادات صادقة في رفع الأخوة الإسلامية إلى مقامات عالية من الارتباط والإعانة وتلمس حاجات المسلمين النفسية والعاطفية.

فأين الموفقون الذين يسرهم الله - عز وجل - لذلك؟!([49]).

*     *     *


 خمسة عشر عامًا

أشرقت تباشير فجر هذا اليوم فرحة جذلي وهي تحمل تاجًا مرصعًا بالجواهر، والدرر يممت به فوق أشعتها الذهبية حتى وضعته على رأس ذلك الشاب... ثم ودعت مغادرة المكان على عجل والصوت مسموع، وهذا قليل في حقه!

من هو يا ترى هذا الشاب الذي تحمل له القلوب كل ذلك المحبة؟ ويتزين له القمر في ليلة مظلمة! وينفرد بوضع التاجٍ على رأسه! وهل في هذا الزمن من يستحق ذلك.. خصوصًا إذا كان شابًا لم يتجاوز الأربعين من عمره... بل وما هو جهاده وبلاؤه؟ وأين سيرته ودقائق حياته؟!

مع غروب شمس هذه الأيام يكون هذا الشاب نضر الله وجهه، قد أتم خمسة عشر عامًا بجوار والده في غرفة صغيرة بأحد المستشفيات لا يخرج منها إلا لحاجة ضرورية... دقائق معدودة ثم يعود سريعًا، وغالبًا ما تكون بعد عصر يوم الخميس في حضور أحد الأقارب!

والسؤال يطرح نفسه بحثًا عن الإجابة الوافية بعد هذه المعلومات السريعة الموجزة!!

أين يعمل إذًا؟! وكيف يعيش؟! وماذا عن وضعه الاجتماعي؟! وكيف طوع الصبر في يده طوال هذه المدة الطويلة؟! وبماذا قاد نفسه وكيف وطنها في طريق عجز الآخرون عن السير فيه خطوات


فحسب؟!

أسئلة طويلة تحتاج إلى نبع من الأجوبة يروي ظمأ القارئ: ويطفئ لهيب أفئدة أصابتها سهام العقوق!

وجواب هذه الأسئلة مدعاة إلى أن تتضح صورة الوفاء وأداء الحقوق بشكل أنصح وأجمل! وإن شئت فاحمل بيدك مع نهاية هذه السطور تاجًا أخر على رأسه وأتبعه ما شئت من الدعاء له!!

فمنذ أن أصيب والده بجلطة أدت إلى ملازمته للسرير، تفرغ هذا الشاب من كل أشغال الدنيا، وترك العمل، وهجر الأصحاب، وأعرض عن النزهات والرحلات!

بل كان العمل والأصحاب، والتننزة والحياة كلها هنا في هذه الغرفة الصغيرة بين جدرانها الأربعة بجوار والده برًا وإحسانًا، ويزداد العجب إذا علمنا أن والده حتى الآن وطوال هذه السنوات الخمس عشرة في غيبوبة دائمة لا يعرف من يأتيه ولا من يذهب عنه!

وإن رابك العجب من فعل هذا الشاب وحسن صنيعه، وأردت أن تعرف أن لهذا الشاب قصب السبق، والقدح المعلى في البر والإحسان فاذهب إلى دور النقاهة لترى وتسمع كيف هُجر الآباء ونُسيت الأمهات! أو ألق نظرة عجلى داخل البيوت؛ لترى صورًا مفجعة من أنواع العقوق، والهجر والحرمان!

ألم تسمع أحدهم يعاتب والدته حتى انعقد لسانها، وانهمرت دموعها! أو لم تسمع أحدهم يزور الأحباب والأصحـاب كـل يـوم


أو يومين في سهرة طويلة وابتسامة عريضة! ويهجر أباه وأمه أيامًا وشهورًا وإن مر عليهما لحظات فهو مرور عابس كئيب شره أكثر من خيره!

والكثير من الشباب يسير في خدمة أصحابه ورفقائه ويستقل أمرًا بسيطًا من والديه! بل - والفاجعة في أكثر البيوت - نرى من يقدم الذهاب إلى المحاضرة أو قراءة كتاب أو مشاهدة شاشة، على سماع حديث أبويه والجلوس معهم! ومن ساءت به الحال اتخذ من الباب الخلفي طريقًا لدخوله وخروجه فربما أمرته والدته، أو سأله والده دواءً!

وآخرون ممن اختلت عندهم الموازين ونقصت لديهم العقول يقدمون الزوجة على الوالدين، ربما كان رضاها في هجر الوالدين، وعدم زيارتهما، والصدود عنهما... وبئست الزوجة وبئس الزوج.

إن المتأمل في مجتمع الشباب اليوم بصفة عامة - مع الأسف - يلاحظ انتشار ظاهرة عقوق الوالدين تطل بعنقها البغيض بين حين وآخر.. ومع ارتفاع مستوى التعليم لدى الكثير الذي يتبعه عادة نمو مستوى التفكير والذوق، والحرص على التلطف والمجاملة، وقبل ذلك معرفة الأحكام الشرعية، إلا أننا نلاحظ بنظرة سريعة أن منزلة الصديق، بل وعامة الناس - عند البعض - تأتي في المقدمة قبل الوالدين والإخوة، ويلحقهم الأقارب، فلا نرى لأصحاب الحقوق حقوقهم، ولا لأهل الوصل حبالهم!

فحُسن الخـلق والبشاشة واللـطف، بل حـتى الزيارة والمحادثة


 والمهاتفة سائرة نحو الصديق والرفيق، ويُحرم منه من قال الله - عز وجل - عنهم: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24].

بل وأمر بصحبتهما بالمعروف وهما على الكفر: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] فما بالك بأبوين مسلمين عابدين صالحين؟!

أصغ بسمعك إلى أحد الشباب وهو يتحدث عن فلان من العامة، قد أقام الدهر اعترافًا بجميله لأنه أكرمه يومًا أو يومين... فأسمع الناس ثناءً على كرمه وحسن ضيافته، وجميل صنعه! أما من أكرمه وأحسن وفادته عقودًا من الزمن فقد طواه النسيان، وتفرقت به الأيام... وليت الأمر كذلك بل استنزل دموعهما وترك أنة... حرى تختلج بين ضلوعهما! ولسان حال الأبوين يقول له:

وأنت امرؤ فينا خُلقت لغيرنا

حياتُك لا نفع وموتك فاجعُ

أيها الشاب: أطلق بصرك لترى ابتسامة والديك، فإنها من أسعد لحظات الدنيا، واسجد في هجعه الليل المظلم، وارو الأرض من دموع الندم والتقصير عائدًا مستغفرًا مرددًا: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ وإن لم يكن خمسة عشر عامًا في ملازمتهما فلا تحرمهما أقل من ذلك بكثير وكثير... وعندما ينبلج الصبح تكون أبًا شيخًا، وتأخذ الأيام دورتها!

وقبل أن تجوز الصراط ستسأل عن برهـما؟ وقـد تحـرم في هذه


 الدنيا دعوة منهما لا تشقى بعدها أبدًا.

ثلاث سنابل:

* جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال: «أرجع فاضحكهما كما أبكيتهما»، وفي لفظ آخر: «لا أبايعك حتى ترجع إليهما فتضحكهما كما أبكيتهما» [رواه أبو داود].

* قال بشر بن الحارث: الولد بالقرب من أمه، حيث تسمع نفسه أفضل من الذي يضرب بسيفه في سبيل الله - عز وجل-، والنظر إليهما أفضل من كل شيء.

* قال هشام بن حسان: قلت للحسن: إني أتعلم القرآن وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن: تعش العشاء مع أمك تقر بها عينك أحب إليَّ من حجة تحجها تطوعًا!([50]).

*     *     *


 مناخ لمن سبق

دين الإسلام دين الفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وهذا مشاهد في الأطفال الصغار وكبار السن من أهل الإسلام بعيدًا عن التأثيرات الخارجة!

أحد الدعاة ذهب إلى أثيوبيا وذكر أنه سمع أن المنصرين سارعوا إلى العمل على تنصير قبيلة لا دينية هناك، وذكر المنصرون لرئيس القبيلة واتباعه الكثير عن عيسى - عليه السلام - بأنه يغفر الخطيئة ويخلصكم من العذاب ومن الجحيم.

وهنا سئل رئيس القبيلة ومن هو عيسى هذا؟ فأجابوه: بأنه ابن الله.

وطلب رئس القبيلة مهلة للرد على الجواب الذي هو مفترق الطرق لأمته وقبيلته كلها، وبعد حين اجتمع رئيس القبيلة وكبارها مع المنصرين وقالوا له: سمعنا كلامكم ونريد أن نسألكم: هل والد عيسى موجود؟ قالوا نعم، قال رئيس القبيلة رأينا أنه من غير المنطقي بل ومن (العيب) أن نتعامل مع الابن ووالده موجود هذا نقص في حقه وفي قدر والده، كيف نذهب للابن ونقدمه وأباه حي هنا أسقط في أيدي المنصرين وعلموا أنهم يحرثون في البحر وأن الفطرة السليمة لاتنقاد لترهات النصارى وخرافاتهم لكن السؤال أين أهل العقيدة الصحيحة عن أولئك ومتى يصلون إليهم، فالأرض منبتة وهي مناخ لمن سبق([51]).

 صبر بلا جزع

الدنيا دار ابتلاء وامتحان ونكد وأحزان لا ينجو من ضيقها وكدرها إلا من تمسك بحبل الله المتين واعتصم به واحتسب الأجر في مصيبته!

وفي هذا الزمن الذي كثر فيه التجزع والتسخط ننطلق لنرى حال من سبقنا إذا حلت بهم المصيبة، أو نزل بساحتهم البلاء.

نظر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى عدي بن حاتم كئيبًا فقال: يا عدي مالي أراك كئيبًا حزينًا؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقئت عيني، فقال: يا عدي، من رضي بقضاء الله كان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله.

وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجهًا فدخل يومًا إلى الوليد في ثياب وش، وله غديرتان، وهو يضرب بيديه، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش، فعانه فخرج من عنده متوسنًا، فوقع في إصطبل الدواب، فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات، ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة، فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فنشروها بالمنشار فبما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه الوسادة ساعة، فغشي عليه، ثم أفاق والعرق ينحدر على وجهه وهو يهلل ويكـبر، فأخذها وجعل


 يقلبها في يده، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت قبل إلى حرام، ولا إلى معصية ولا إلى مالا يرضي الله، ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين، فلما قدم من عند الوليد إلى المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فجعل يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، ولم يزد عليه، ثم قال: لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة، أو حاسد لنعمة، فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك، فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة: لا أبًا لشانئيك، أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها، فلما كشف عن ركبته فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع، قد أبقى أكثرك، عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى رجليك، فقال له: يا عيسى: ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به.

ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئًا كيلا تشعر بالوجع فقال: إما ابتلاني ليرى صبري، فأعارض أمره.

وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة بن الزبير الأكلة وقطعت، ولم يدع تلك الليلة ورده وقطعت ولم يمسكه أحد.

فهل قمت - أخي المسلم - بوردك مساء البارحة وأنت صحيح الجسم البدن لم تقطع لك رجل؟!([52]).


سباق الأرانب

من ألقى نظرة سريعة على الصحف العربية في طول العالم العربي يجد أن الكتابة وتسويد تلك الصفحات أصبحت سلعة رخيصة لكل من حمل قلمًا وقرب محبره، ولا يهم زاده الفكري أو علمه الشرعي بل ولا من أين شرب ولا أين ارتوى!

كتبت إحداهن من بني جلدتنا تحت عنوان (سباق الأرانب في السعودية) كاملاً طويلاً يحكي عقدة الخور والضعف وواقع عدم التوكل على الله - عز وجل - وقلة الإتباع لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.. ما قالت!

دخلت المملكة العربية السعودية سباق الأرانب، وبعد أن كنا نتندر على الآخرين، أصبحنا موضع التندر.. ما الذي حدث في حياتنا حتى انقبلنا إلى مصنع لإنتاج الأطفال أصبحنا مقدم طفلاً إلى الحياة كل دقيقة وأصبحت السعودية حسب إحصاءات صندوق الأمم المتحدة للسكان تصل إلى الحد الأعلى بين جميع دول العالم في زيادة عدد المواليد.

في الصين يولد طفل كل ثلاث دقائق، في الهند كل دقيقتين ونصف دقيقة وفي مصر كل خمس، نحن إذن نكسب سباق الأرانب، لكنه سباقٌ الكاسب فيه خسران.

نحن نزيد بمعـدل نصـف مليون فـرد سنويًا، وهذه الزيادة تعني


الضغط على جميع المرافق وتمثل عبئًا اقتصاديًا، إذا احتملنا اليوم فلن نحتمله غدا.. وإذا كان في الإمكان توفير الطعام لكل فم الآن، فإن ذلك قد لا يكون متاحًا في المستقبل.

والمقال وحالنا كما قال الشاعر:

سارت مشرقة وسرت مغربًا

شتان بين مشرِّق ومعرِّب

لذا سأورد جواب اللجنة الدائمة للإفتاء حول سؤال ورد إليها مفاده: هل يجوز للمسلم تنظيم أسرته بإتباع الوسائل المختلفة في تحديد النسل!

ج: لقد سبق أن بحث مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة فأصدر قرارًا مضمونه ما يأتي:

نظرًا إلى أن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنَّة عظيمة منَّ الله بها على عباده فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة والمقدم لها، ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب - تعالى - لعباده، ونظرًا إلى أن عادة القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم لفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها وللشريعة فسلامية التي ارتضاها الرب - تعالى - لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد واستعمار أهلها، وحيث أن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهلية وسوء ظن بالله - تعالى - وإضعافًا للكيان


الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها لذلك كله فإن المجلس يقرر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق، لأن الله - تعالى - هو الرازق ذو القوة المتين: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].

أما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة ككون المرأة لا تلد ولادة عادية وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره عمًل بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة - رضوان الله عليهم - من جواز العزل، وتمشيًا مع ما صرح به الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

فيا أيتها المسلمة.. ادخلي في سباق الإنجاب ولا تترددي وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بأمس الحاجة إلى الرجال والنساء ممن يتربون في محاضن العلم والصلاح، ألا فأكثرن من سواد الأمة ممن يوحدون الله - عزل وجل - ولا يشركون به شيئًا.


 من يتقدم إليها

امرأة مسلمة تفرح بالحياة وتسر بها.. لكنها فقدت الزوج والصاحب في بحر متلاطم من الفتن.. يتقدم إليها؟!

أخرى.. فتاة متوسطة الجمال وقد يكون بها بعض النقص لكنها مصلية صائمة عابدة مؤمنة! أتٌترك لقصر في طولها أو لسواد في بشرتها أو لطول في أنفها! شابة في مقتبل العمر قدر الله - عز وجل - أن تتزوج برجل يطلقها في زمن يسير.. يا ترى لمن تترك.. ألوحشة الطريق أم للزمن المهلك أم للهموم والغموم! أين من يحتسب الأعمال الصالحة عند الله - عز وجل - إن التقدم إليهن من أعظم الأعمال وأرفعها عند الله - عز وجل - ففيها إعفاف مسلمة وتفريج كربة ورعاية أسرة: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

يا شباب الإسلام.. لا تحرموا أنفسكم جمال الروح وصفاء النفس وحسن الأخلاق وطيب المعشر.. على لحظات فانية وشهوة زائلة..

قال ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر): قيل لأبي عثمان النيسابوري: ما أرجى عمل عندك؟ قال: كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فآبى، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان! أسألك بـالله أن تتزوجني، فأحـضرتٌ أباها - وكان فقيرًا - فزوجني منها،


 وفرح بذلك، فلما دخلت إليَّ رأيتها عوراء عرجاء مشوهة!

قال: وكانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج، فأقعد حفظًا لقلبها، ولا أظهر لها من البغض شيئًا، وإني على جمر الغضى من بغضها، قال: فبقيت هكذا خمس عشرة سنة حتى ماتت، فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي لقلبها.

فمن يحفظ القلوب ويتقدم لهن!([53]).

*     *     *


 لتكوني أم سليم

للزواج شأن عظيم في الإسلام فهو ركن الأسرة المسلمة وسبيل استقرارها وسعادتها وطريق إنجاب الرجال الأبطال والنساء المصونات عبر زمن طويل من القدوة الحسنة والتربية السليمة! وقد جعل الرسول شروطًا لمن قدم طارقًا بيت ولي الزوجة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه..» [رواه الترمذي].

وعلى هذا التوجيه النبوي سار صدر الإسلام الأول!

خطب أبو طلحة أُم سليم قبل أن يٌسٍّلم، فقالت: ما مثلك يٌرَّد ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تٌسلم فذلك مهري لا أسألك غيره.

فأسلم وتزوجها.

وفي رواية قالت له: ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده خشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بن فلان؟

قال: بلى.

قالت: أفلا تستحي أن تعبد خشبة من نبات الأرض نجرها حبشي بن فلان؟ إن أنت أسلمت لم أرد منك صداقًا غيره.

قال: حتى أنظر في أمري.

فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

فقالت: يا أنس، زوج أبا طلحة.


وفي رواية قال قابت: فما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم (الإسلام).

وفي رواية قال لها: يا رٌميصاء، وأين الصفراء والبيضاء - يعني الذهب والفضة -؟

فقالت: لا أريد صفراء ولا بيضاء، لا أريد غير الإسلام، لا أرضى مهرًا سواه.

فقال: ومن أين لي بالإسلام؟

قالت: دونك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اذهب إليه وأعلن إسلامك أمامه.

فانطلق أبو طلحة، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلاً قال: «أتاكم أبو طلحة غرة الإسلام بين عينيه».

ثم أخبره خبره مع أم سليم، فزوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما اشترطت من المهر.

ولابنة الإسلام اليوم.. لا يغيب عن بالك التوجيه النبوي في اختيار الزوج ولا تخدعك المظاهر ولا تغرك زهرة الحياة الدنيا!

ولكل أب وأخ.. اتق الله في أمر من تحت يدك وأحذر خيانة الأمانة بتزويج رجل لا يتوفر فيه الشرطان الأساسيان: الدين، والخلق..! وعليك بأهل الخير والصلاح تبرأ ذمتك وتسعد موليتك([54]).

*     *     *


 ردود الفعل

من تأمل في الساحة الإسلامية وما يدور فيها يجد أن العمل الإسلامي مع الأسف الشديد ينطلق دون تخطيط أو دراسة، بل هو في الغالب يعتمد على ردود الأفعال، يحركه الحماس وتدفعه العاطفة إلى حين ثم يخبو وكأن شيئًا من الظواهر المهلكة لم تقم، وتدور الأيام لتنمو تلك الظواهر حقيقة ثم يخطط للمزيد منها في غفلة من سواد الليل.

ولهذا نجح المنافقون والمرجفون في الأرض ومن ورائهم من العلمانيين والحداثيين ومن خلفهم ملل الكفر في اختراق الصفوف والتنبؤ بما سوف يحدث من أهل الخير والصلاح وهم يرونها عاصفة سرعان ما تختفي.. لتعاد الكرة مرة أخرى.

ولو أطلت النظر قلَّ أن تجد من يخطط ويرتب لإصلاح بيته وأسرته الصغيرة، قلَّ أن تجد خططًا واضحة واطرًا صائبة لمواجهة الفكر الحداثي والزندقة الظاهرة هذه الأيام مثلاً.

في جانب النساء وهن الثغرة الأولى التي تنصب عليها السهام.. يظهر علينا كل حين سهم مسموم: مرة في حجاب المرأة ومحاولة إسقاطه، وأخرى سهم يتجه نحو جذب المرأة خارج بيتها بالعمل تارة وبالنشاطات المسرحية أخرى، أما فساد العقول في أمر تعدد الزوجات وتحديد النسل دون ضرورة فقد انتكست فـيها المعالم مـع


 الأسف الشديد.. والقائمة طويلة لو تحدثنا عن محاولات الإفساد ومدى نجاحهم خلال عشرين سنة ماضية مثلاً.

لكن ماذا تم في جانب الإصلاح وتحصين المرأة المسلمة من تلك المزالق التي لا نرى إلا حماسًا لأيام معدودة واحمرارًا في أنوف البعض لسماع الخبر وفقاعات من الغضب تنتهي قبيل المساء.

وأما ما أسهم بالجهد فهم القلة.

هب أننا نسعى من اليوم لتحصين نساءنا عن نزع الحجاب وزرع مهابة الله - عز وجل - ومحبته في قلوبهن وإشعارهن أن الحجاب ستر للمؤمنة فتتعبد الله - عز وجل - بإقامته على الوجه الصحيح.. وكان لنا هذا ورسخ الأمر في قلوب الصغيرات، فهل يا ترى تنال منهن السهام مع كل موجة عباءة أو صرخة تقليد.؟! وقس على ذلك القائمة الطويلة من سعي أهل الفساد في كل وادٍ وتحت كل طريق([55]).

*     *     *


 فقد الأندلس

ذكر أحد الدعاة المعروفين ممن يجوبون الأرض شرقًا وغربًا.. أنه كان في رحلة إلى الفلبين تجاوزت حدود المدن وامتدت إلى القرى والأرياف، حتى وصل إلى بلدة ريفية نائية يوجد فيها مدرسة إسلامية صغيرة تئن من شدة الحاجة وتنوء بحمل سقفها الذي أهلكته السنون!

فكان أن حلوا ضيوفًا عليهم، فإذا الكرم العجيب إذ بادر أهل القرية في فرح ومحبة لأهل هذه البلاد ودعاتها إلى جمع طعامهم لذلك الغذاء وتقديمه للضيوف، تلى ذلك حفل للمدرسة اعد على عجلة من الأمر شارك في تقديم فقراته الطلبة والمدرسون.

قال الداعية: فخرجت طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها السابعة والقت علينا قصيدة ابن الراوندي في رثاء الأندلس وهي قصيدة حزينة تحكي سقوك الأندلس وتشرح حال أهله حتى وصلت إلى البيت المشهور.

لمثل هذا فيذوب القلب من كمد

إن كان في القلب إسلام وإيمان

 فبكت بكاء حارًا أبكى الحضور!

قال الداعية: تعجبت من حفظ هذه الصغيرة لهذه القصيدة العصماء مع أنها أعجمية ثم هـي مع هذا تحـن لبـلاد الإسلام وترى


 أن الأندلس قطعة منا ومنها وتبكي لسقوطه وإن مضت قرون طويلة على الحدث إلا أن النسيان لم يطو شراع حزنه!

كم من العرب من يبكي إذا سمع القصيدة أو إذا سافر هناك ولاحت له منابر ومحاريب المساجد! القلوب تختلف والبكاء يختلف! هناك امرأة تبكي بسبب لون فستان أو حذاء اشترته ولم يعجبها وهناك شاب يبكي بسبب هزيمة ناديه المفضل.. وهناك طفلة في أقصى الأرض تبكي سقوط الأندلس وتتحسر على ضياعه!([56]).

*     *     *


 معالم الآخرة

تمر بالمسلم فترات إيمانية ونفحات ربانية حال صلاة أو عقيب مناجاة في سجود أو خلوة.. وكثيرًا ما تهب رياح الهوى وملهيات الدنيا فتزيل سحابة الطمأنينة وفيء السعادة.. وملهيات الحياة وصوارفها تراوح المؤمن في كل حين، لكنه يجاهدها خاصة في أوقات العبادة المفروضة ولحظات التعبد المندوبة.. ومع هذا الجهاد والمصابرة فهي تفارقه سريعًا.. وتحتاج منه ربطها إليه بوثاق من الدعاء والانكسار والذلة والمسكنة لله - عز وجل - حتى تكون قرينته في كل حين.. وما حل الإيمان بقلب إلا ذاق لذته ونعيمه، وقدمه وفضله على لذات الدنيا ونعيمها الزائل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة».

وفي رصد سريع ومتابعة لواقع عجيب أصبح فيه أمة من قوم فرعون ضلالاً فجرة، وسحرة كفرة، ثم أمسوا بعد أن رأوا الإيمان وصدقوا به مؤمنين صابرين.. قدموا في مقابلة كل شيء.. فهاهم في ذاك الصباح قد أتوا إلى فرعون راغبين في المال والجاه والقرب من السلطان.. ﴿قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: 113 – 114].

وما أن انتهى النهار وغربت شمسـه إلا وهـم أشد أعداء فرعون


 وألد خصماؤه بعد أن عمر الإيمان قلوبهم.. وتعدى بهم الحال إلى تحدي فرعون ومظاهرته وقالوا بلسان المؤمن الواثق بإيمانه القوي بربه: ﴿فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72].

علموا يقينًا أنه لا يملك إلا جزء من هذه الدنيا الزائلة وهي أيام معدودة فحسب ثم النعيم المقيم في جنات الخلود.. ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73].

هذه الإشراقات الإيمانية هبت عليهم فوقر الإيمان في قلوبهم ونزل التصديق على ألسنتهم وتركوا الدنيا والأموال، والقرب من الملك وعلو الجاه ومنزلة السلطان، بل وقالوا في احتقار لجميع الأمر.. (فأقض ما أنت قاض) فحرق إن شئت أو عذب إن أردت.. فلن تثنينا عن إيماننا.. لقد تبدت لنا معالم الآخرة والله خير وأبقى!([57]).

*     *     *


 لقد سقط الحاجز

في صدر الإسلام الأول وبعد كسر باب الفتنة وما جرى في خلافة عثمان وعلي - رضي الله عنهما - شذت فئام من الناس عن جادة الصواب واتخذت المكر والخديعة لها سلمًا وطريقًا.

فكانت ترتفع قامتها (ولا قامة لها) إذا وهن أهل السنة والجماعة وانزوت الدعوة إلى الله جانبًا، وإن كان همَّ الآباء والأجداد فيما سبق دعوة أولئك الضلال وردهم إلى جادة الصواب وتبيين الحق لهم ودعوتهم إليه فإن الخطب اليوم أعظم والبلاء أكبر مع فسحة في الإعلام وانفتاح بين الشعوب وليونة في الدين..

اليوم أضحى همّ الموفقون وأهل العلم والتقى تحصين أبناءهم من سهام أهل الزيغ والضلال من الملل المنحرفة والعقائد الفاسدة فلقد وصل الأمر إلى عقر بيوتنا وداخل حجرنا ودرونا وتنامى إلى أسماعنا كل حين دعاوى أهل الباطل وشبههم.

ومع الغزو المنظم والمدروس سقط الحاجز النفسي في قلوب بعض من الشباب من أهل الملة والمعتقد فأصبحوا يدافعون عن أولئك ويشيرون إلى طيب أخلاقهم وحسن تعاملهم! بل وصل الأمر بالبعض إلى الطعن في علمائنا ورميهم بالتشدد وعدم الواقعية وأحيانًا المبالغة في الحديث عن ضلال أولئك!

فهلا تأملت أيها الأب نفسك.. وتفقدت عـقيدة ابنـك حتى لا


 يلحق بركب أولئك المخدوعين، وليكن القدوة له أئمة الهدى وأعلام الدجى أبا بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين([58]).

*     *     *


 من هموم الدعوة

امرأة تخرج ابنها الشاب وعٌين مدرسًا في قرية يخيم عليها الجهل ومع هذا بكت وبكت، وسارع الأب ملهوفًا حزينًا لمن عرف ومن لم يعرف حتى يعود الابن لأحضان أمه ويترك أمر تعليم الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور!

لأمهات الرجال ومنجبات الأبطال.. كففي دمعك وتأملي في حال أمهات من حملوا راية هذا الدين وسقوا الأرض بدمائهم لا بدموعهم!

أخرج ابن ابي شيبة عن الشعبي: أن امرأة، دفعت إلى ابنها يوم أحد السيف، فلم يطق حمله، فشدته على ساعده بنسعة، ثم أتت به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله: هذا ابني يقاتل عنك.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أي بني! احمل ها هنا، احمل ها هنا».

فأصابته جراحة، فصرع، فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أي بنٌي لعلك جزعت!».

قال: لا، يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

والمشهد الثاني لشباب الأمة وفتيانها. يرويه سمرة بن جندب حيث يقول: كان رسول الله يعرض غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم.

فعرضت عامًا. فألحق غلامًا وردني، فقلت يا رسول الله: لقد


 ألحقته ورددتني، ولو صارعته لصرعه.

قال: «فصارعته فصرعته، فألحقني».

وللمربية الفاضلة.. من تعد صغيرها وصغيرتها لنفع الأمة وحمل ميراث النبوة! أنجبي لنا مثل أولئك رجالاً وأمهات! وانظري في حال أهل البدع والأهواء كيف يجاهدون بأموالهم وأولادهم، وكيف هم متفرقون في البلاد وبين العباد، تركوا أوطانهم وهجروا مراتع صباهم لنشر ظلالهم وبث سمومهم، وما أشتكى منهم أحد من الحر والقر، بل يصبرون ويصابرون فالله المستعان، وإليه المشتكي([59]).


 الأب مشغول.. والأم في الأسواق!

لم يعد تربية الأبناء ذات شأن في حياة الوالدين على الرغم من أهميته.

بل إن الملاحظة - مع الأسف - أنه في أقصى قائمة اهتمامهم.

فالأب مشغول.. أرهقه الجري واللهث وراء حطام الدنيا.

والأم تضرب أكباد الإبل للأسواق ومحلات الخياطة.. ولا يجد أي منهما وقتًا للتفكير في أمر فلذات الأكباد.. سوى توفير الغذاء والكساء.. فيتساويان مع الأنعام في ذلك.

أما ذلك الطفل المسكين، فإنه أمانة مضيعة، ورعية مهملة، تتقاذفه الريح وتعصف به الأهواء. عرضة للتاثيرات والأفكار والانحرافات. في حضن الخادمة حينًا وعلى جنبات الشارع حينًا آخر.. ويُلقي القدوة السيئة ظلالاً كالحة على مسيرة حياته.

بعض أطفال المسلمين لم يرفع رأسه حين يسمع النداء للصلاة.. وما وطأت قدمه عتبة باب المسجد.. ولا رأى المصلين إلا يوم الجمعة أو ربما يوم العيد. وإن أحسن به الظن فمن رمضان إلى رمضان.

أما حفظ القرآن ومعرفة الحلال من الحرام فأمر غير ذي بال!

قد يخالفني الكثير في ذلك التشاؤم.. ولكن من رصد واستقرأ الـواقع عرف ذلك.. وهاك - أخي القارئ - مثالين أو ثـلاثة لترى


 أين موضع الأمانة.. ومدى التفريط!!

الأول: كم عدد أطفال المسلمين الذي يحضرون صلاة الجماعة في المسجد؟ والله كأننا أمة بلا أطفال، وحاضر بلا مستقبل!!

أنحن أمة كذلك؟! كلا... هؤلاء هم أصواتهم تملأ جنبات الدور والمنازل والمدارس، ويرتفع صراخهم في الشارع المجاور للمسجد... ولكن أين القدوة والتربية.

الثاني: من اهتم بأمر التربية وشغلت ذهنه وأقلقت مضجعه - أو ادعى ذلك - إذا وجد كتابًا فيه منهج إسلامي لتربية النشء. أعرض عنه لأنه ثمين وغال... وهو لا يتجاوز دراهم معدودة. وأخذ أمر التربية اجتهادًا وحسب المزاج ورد الفعل.

وهذه اللامبالاة نجد عكسها تمامًا في واقع الحياة.. فإن كان من أهل الاقتصاد فهو متابع للنشرات الاقتصادية ويدفع مبالغ طائلة لشراء المجلات المتخصصة ويحضر الندوات ويستمع المحاضرات ولا تفوته النشرة الاقتصادية في أكثر من محطة إذاعية وتلفاز و...! وإن كان من أصحاب العقار فهو متابع متلهف لا تفوته شاردة ولا واردة.

ولنر الأمر في أغلب الأسر؛ كم اسرة لديها كتاب حول التربية الإسلامية للطفل؟!

الثالث: يُعطي الأب من وقته لبناء دار أو منزل أوقاتًا ثمينة فهو يقف في الشمس المحرقة، يدق ويلاحظ.. ويراقب ويتابع.. ويزيد وينقص.


ونسي الحبيب.. من سيسكن هذه الدار غدًا!

أيها الأب الحبيب...

ستُسأل في يوم عظيم عن الأمانة لماذا فرطت فيها؟ ولماذا ضيعتها؟

إنهم رعيتك اليوم وخصماؤك يوم القيامة إن ضيعت، وتاج على رأسك إن حفظت.

قال - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤوله عن رعيتها..» الحديث.

وقال أنس - رضي الله عنه-: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ ذلك أم ضيعه).

وكما تقي فلذات كبدك من نار الدنيا وحرها وقرها؛ عليك بقول الله - جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].

أصلح الله ابناء المسلمين وجعلهم قرة عين وأنبتهم نباتًا حسنًا([60]).

*     *     *


 الدعوة المنسية

هذه البلاد المباركة بلاد الدعوة التي منها بزغت ثم أشرقت وعمت. ولا تزال دوحة العلم الشرعي تنمو تترعرع حتى بارك الله فيها فأورقت وأينعت..

وأمر الدعوة إلى الله أمر عظيم رتب الله - عز وجل - عليه الأجر الجزيل.

فالدعوة إلى الله من أهم المهمات وأوجب الواجبات، بها يصلح حال الفرد ويستقيم أمر المجتمع، فيرتفع الجهل، وتختفي البدع، وترتفع منارات العلم، ويعبد الله بما شرع ولذا اختار الله - جل وعلا - للدعوة أكرم الخلق وهم الرسل ومن ورث ميراثهم من العلماء والدعاة والمصلحين في كل زمان ومكان..

قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125] وفي هذا الزمن رغم أننا مجتهدون في كل أمور الدنيا حريصون عليها وعلى معرفة دقيقها وجليلها ومتابعة صغيرها وكبيرها؛ إلا أن أمر الدعوة إلى الله والقيام به لم يلتفت إليه إلا العلماء الربانيون والمصلحون المربون؛ أما عامة الأمة فهو أمر منسي عندهم.

والعجب أن يتخرج سنويًا مـئات الألوف من فتياننا من المرحلة


 الثانوية وكذلك عشرات الألوف من المرحلة الجامعية بل ومنهن من تتخرج بتخصصات شرعية ولكن السؤال الذي لا نرى له جوابًا..

أين النتاج؟ وأين الحصاد والعمل؟

تجد إحداهن تعرف عن التوحيد والعقائد المنحرفة وأسمائها وأصحابها وتثني قدمها وقلمها في بحوث متصلة وهي بعد هذا الجهد المضني لا تقدم للأمة شيئًا! بل حتى والدتها محرومة من علمها ودعوتها، فهي أم كبيرة تجهل في أمور العقيدة وربما لا تحسن قراءة الفاتحة... وهذه (الخريجة) ليس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندها رأس ولا علم... بل لا تعرفه إلا من خلال اسمه في المنهج الدراسي، أما في الواقع فلم تطبقه في منزلها أو بين أسرتها أو مدرستها...

وهي في مجالس كثيرة تسمع قصصًا تزري بالمسلمة وتهدم عقيدتها وهي فاغرة فاها.. إن تألمت واحترق قلبها فالحوقلة لا تتجاوز لسانها.. أما قصص السحر والكهانة وأخبار المشعوذين فلا شرًا أنكرت ولا طريقًا دلت.

كانت القرى قديمًا مسورة بسور من الخوف وكان القراء قليلين ولكن الله بارك جهود رجل وامرأة، فهو الإمام والخطيب والمعلم، وهي معلمة القرآن والأحكام الفقهية؛ ولذا تخرج من هذين الداعيتين أمة تعرف نواقض التوحيد وتطبق التوكل في حياتها... وجاهلهم خير من كثير من يحملون شهادات التعاليم!

وقد ألقت إحدى الداعيات محاضرة في جمع مـن الـنساء تجاوزن


 المائة وأعمارهن قاربت الثلاثين وبقي متسع من الوقت فعنّ لها أن تسأل أسئلة فقهية تخص طهارة المرأة.. فكانت المفاجأة المبكية أن أكثر من نصف الحضور مترددات في جواب أحد الأسئلة التي طرحت.. هل تصلي أم لا؟! وهل وجب عليها الصيام أم لا؟!

أيتها المسلمة..

أمانة التعليم أمانة عظيمة ودين في رقابنا يجب الوفاء به وتعليم الناس منه إلا فما فائدة علم لا ينتفع به؟! وإذا كانت الوظيفة هي بيت القصيد فانظري مكانك من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به وعلم، ومثل ذلك من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» [متفق عليه]([61]).

*     *     *


 الدين الصحيح

في العقدين الأخيرين أبان الإسلام عن وجهه وأسفر عن حقيقته فكان محط الآمال ومهوى الأفئدة، وتقاطر الناس لدخول فيه والالتزام بأوامره وساعدت على ذلك عوامل كثيرة وشجعت لذلك أمورًا مختلفة أرادها الله - عز وجل - أن تكون سببًا في إحياء هذا الدين والتمسك به.

وكان الأعداء لهذا الأمر بالمرصاد فبدءوا يرصدون هذا المد القادم واستغلوا وسائل الإعلام استغلالاً بشعًا؛ لتشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب، وإبراز بعض الأمور مشوهة لترتقي إلى عقول قومهم، فأشعوا أن الإسلام يظلم المرأة ولا يعطيها حقوقها، وضربوا حينًا من الزمن على أمر التعدد وبشاعة الرجل، وأنه يفكر بما دون بطنه!

وسارع المنصرون لابناء المسلمين وأيتامهم وأرملهم تحدوهم الرغبة وتسهم أيديهم بالدواء والكساء في محاولات جادة مرة بعد أخرى لتنصير المسلمين أو انحرافهم من دينهم؛ حتى نشأ الصبيان ليكونوا دعاة هدم لدين آبائهم وأجدادهم!

وكان ذلك عبر نشر الشبهات والشهوات والأفكار الدخيلة! مع هذا كله فإن الله ناصر هذا الدين.. وآن لهذا المحارب أن يستريح؛ فإن جهوده تذهب أدراج الريح إذا هبت رياح الخير والإيمان!


الصيحة الصامتة

أنعم الله على المرأة المسلمة بنعمة الإسلام وزانها بزينة العقل وتوجها بالعمل الصالح وجعلها ركيزة المجتمع المسلم تستقي من منهل عذب صاف رقراق ليس فيه للخرافة مصب ولا للشرك منبع.. وعلى هذه الأرض الطيبة النقية تنشأ الأسرة المسلمة تمتد جذورها وترتفع أرومتها...

والمرأة المسلمة تتفيأ هذه الظلال وتنعم بهذه المكانة، نرى أن بعض المسلمات أصغين السمع لأصوات الناعقين في بعض وسائل الإعلام التي تبث عبر أنيابها سمومًا فتاكة، توهن الدين، وتضعف الخلق، وتزلزل الفضيلة.. فمن هراء فكري إلى مناداة بالمساواة والتحرر إلى إبراز وجه الحضارة الإنسانية القبيح..

ترى كم من مسلمة تستقي أمور حياتها من تلك الحضارة؟! وكم من مسلمة نبذتها وراء ظهرها وأقبلت على كتاب ربها وسنة نبيها؟! فأخذت منهما بعد عقيدتها، أحكام اللباس والخلوة بالأجنبي وحكم التشبه وغير ذلك.

أما الوجه المخزي للحضارة المادية التي تبهرك بظاهرها وهي خواء؛ فسأورد ما ذكره الدكتور فلاديمير سكرتير عام اللجنة الدولية لحماية الطفل قبل الولادة في الولايات المتحدة الأمريكية في تقرير مطول أوضح فيه كيف تحول الإنسان إلى وحش يقتل نفسه لغرض المتاجرة والاحتيال.. فقد بدأت ملامح تلك القضية تظهر في الأفق وتتحدث عنها الأوساط الطبية وذلك حينما تم عرض شريط سينمائي بعـنوان


 (الصيحة الصامتة) في عام 1405هـ - 1985م وأثار ضجة كبرى من قبل مؤيدي الإجهاض حيث أشرف على أكثر من 60 ألف حالة إجهاض، وباشر خمسة آلاف حالة. ويبدأ الفلم بعرض جنين سليم تم تصويره بالأشعة فوق الصوتية لم يولد بعد، وينتهي بتقطيع أوصاله، وفصل رأسه عن جسده وهو يسبح في السائل المحيط داخل الرحم بفعل آلة الإجهاض في العصر الحديث (الجيلوتين) التي تعمل على تهشميه تمامًا. وأوضح الفيلم أن الجنين طفل حي لم يولد بعد، وقد تعرض لآلام رهيبة حتى تمت عملية الإجهاض، كما أن تصرفات الطفل داخل الرحم توضح بما لا يدع مجالاً للشك أنه يشعر بالألم، حيث يتحرك بعيدًا عن آلة الإجهاض التى تجلب له الموت، كما أن ضربات قلبه الصغير تزيد ويصرخ بشدة مثل صرخة الغريق تحت الماء، وأظهر الشريط أيضًا ضربات قلب الجنين زادت بقوة عندما واجه خطر الموت، فقد وصلت ضربات قلبه إلى 200 نبضة في الدقيقة. وهذا رقم غير طبيعي كما تجمع عليه كافة المراجع الطبية وكان عمر الجنين في الشريط 12 أسبوعًا فقط!

فاللهم لك الحمد على نعمة الإسلام وعلى نعمة المشاعر والعواطف التي ضبطها الإسلام بضوابطه الصحيحة وسيرها في مجراها الطبيعي.. إنها مواقف تدعو إلى تصحيح الكثير في هذه الحياة..

من أين يأخذ وعمن يتلقى؟! وكيف يسير.

والحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا([62]).


 أناخ ركابه

أطلت على الأمة الإسلامية ريح عاصف تنذر بشر وبلاء، كانت حديث المجالس وأفسحت لها الصحف والمجلات صدر صفحاتها، فقد شرق الناس وغربوا في أمر تنصر أربعة من الكويتيين علانية وملأت صورهم ومقابلاتهم وسائل الإعلام وانقسم الناس عند سماع هذا الخبر إلى فئتين:

الفئة الأولى: كانت في حالة ذهول من الخبر وتساءلت كيف تم الأمر؟ وهالها أن يعلن تنصر أربعة في تتابع سريع، وهذه الفئة يبدو أنها تعيش في معزل عن العالم ولا ترى ما يجري على الساحة الإسلامية من فتن متلاطمة أظلت سماءها وسقت أرضها.

الفئة الثانية: تتابع وترصد جهود التنصير وعلى علم وإطلاع بما يجري ولديها تصور مبدئي بأن لهذه الجمود ثمرة قلت أو كثرت؛ حتى وإن تأخر نتاجها إلى سنوات طويلة قادمة، وطالما رفعت الصوت محذرة ومنبهة من قادم أناخ ركابه، وصدقوا فهذا أول حصاده.

ومع أن المسلم تحيطه كآبة حزن لهذه الحال، إلا أن ما يلفت النظر ويزيد لوعة الأسى هو كثرة من أقروا هؤلاء الأربعة على ردتهم، وأفسحوا لهم صدور صفحاتهم ومجلاتهم ومجالسهم، بل وبدءوا يدافعون عنهم علنًا بأن هذا حق شخصي وحرية فردية.


وهذه ولا شك أكبر خدمة تقدم للمنصرين، بل إنها أفسحت المجال للحديث عن التنصير أنه ظاهرة عادية لا تلفت النظر ولا تحرك ساكنًا فتستمرؤها النفوس وترضى بها القلوب.

وبإلقاء نظرة سريعة ولمحة عابرة على امكانات التنصير الهائلة وموارده المالية الكبيرة وجهوده المتواصلة منذ مئات السنين، نجد أنه في الفترات الماضية رغم ذلك كله لم ينل مبتغاه نتيجة لتمكين الدين في النفوس وبقاء الفطرة كما هي، أما الآن فإن الأمر اختلف وما نقدمه نحن المسلمين عامة - من خلال ضعف الدين في نفوس الأبناء الشباب وعدم تحصينهم بالعلم الشرعي وتنشئتهم التنشئة الصالحة - إنما تفتح ثغرة نفسح من خلالها لمنصر متحفز أن يدخل بيوت المسلمين ومدارسهم، وقد بدأ الكثير أولى الخطوات بالسماح للغزو الإعلامي الفكري المركز أن يصول ويجول في عقول شباب الأمة الذي سيؤتي ثماره حينًا من الزمن وإن بعد.

والبعض على كره منه للمنصرين إلا أنه يقدم خدمات جليلة لهم دون أن يشعر.. فإذا اجتمع المال والامكانات الهائلة وكان رب البيت بالدف ضاربًا.. فالله المستعان.

وصدق الله - عز وجل-: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين غير ضالين ولا مضلين([63]).


 صالح العلي الناصر والسنة الحسنة

من التفت يمنة ونظر يسرة يطاله العجب من حال العالم الإسلامي عكوف على القبور ونذر على العتبات وتقديس للأولياء واستغاثة بغير الله، شرك في العبادة وبدعة في الدين وانحراف عن المنهج. وهذه النظرة السريعة مدعاة إلى القول بعظم مسؤولية العلماء والدعاة في هذه البلاد التي لم يصبها - ولله الحمد - ما أصاب الآخرين من أدران الشرك وأحوال البدع.

وعظم المسؤولية ينبع من واجب التبليغ والنصيحة لهذا الدين اللذين أمرنا بالقيام بهما، يتبعه - ولله الحمد - تيسر أمور الاتصال وسهولة التنقل ووفرة المادة وهي وسائل لا تُبقي عذرًا.

والحديث متصل عن الدعوة، فقد التقيت شابًا في مقتبل العمر قبل سنوات وعرفني بنفسه. من شمال المغرب العربي، حديثه الإسلام وهمه الإسلام.

قال محدثي ونحن في رحاب الكعبة المشرفة: هذه بلاد خير ودعوة ومنارة علم وهداية، واسترسل في حديثه وأنا مُنصت ألحظ فرحه وعذوبة كلماته، وفجأة وهو يتحدث ضغط على يدي وقال: لكن في هذه البلاد علمين.. هينئًا لكم بهما!!

أرهفت سمعي وأعرته قلبي وأصوات الدعاء والتكبير تتوالى من الطائفين والراكعين.


قال: الأول.. هو عالم الأمة شيخ العلماء وإمام أهل السنة في زمانه، يسير بينكم وتتلقون منه وتصدرون عن علمه. إنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.

قلت له: وصلكم علمه وخبره.. تعجب من سؤالي واستدراكي فقال: هؤلاء العلماء مثل الأفلاك العالية يستنير بها السائرون ويستدل بها الحائرون.. لنا في الشيخ نصيب وضرب لنا من علمه بسهم.. هو العلامة نعرف حديثه ونتلقى إجابته، بل ولا أبالغ.. نميز أنفاسه. ثم أسهب في الحديث وأنا غارق في صمت طويل، ونبهتني ضغطة ثانية على يدي ليذكرني بالعلم الثاني.

قلت له: من هو؟!

قال: إنه برنامج نور على الدرب.. لا تحده الحواجز ولا تمنعه السدود ولا ترده القيود عبر الأثير يصلنا ونحن مجتمعون حول المذياع، والبعض يقوم مجتهدًا بتسجيله وتفريغه في دفاتر وأوراق لتعم الفائدة.. يتداولها الأقارب ويتدارسها طلبة العلم.

اسم على مسمى، له نفع عظيم وقبول كبير، نعد الأيام ونستعجل الساعات لسماعه وتسجيله.

سحابة حزن مرت أمام عينيه وهو يقول.. مُنعت عنا كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وعوضنا الله خيرًا.

استرجع الذاكرة سنين وقلت له: رحم الله الشيخ صالح العلي الناصر فقد سن في الإسلام سنة حسنة.. فهو أول من بدأ هـذا النور، ومات - رحمه الله - ولا يزال هذا الدرب مستمرًا يزخر


 بنجوم العلم ومصابيح الدجى..

وحديث الفرح يقترب من الوداع عاتبني.. ترددون أرضنا قاحلة وصحراؤنا مجدبة.. ليت ما عندكم من العلماء عندنا لرأيت!([64]).

*     *     *


 عثمان

في زمن عزّ فيه الصبر وضعفه التوكل على الله - عز وجل - وأصبحت القلوب هشة فزعة، والنفوس مضطربة هلوعة!

على رجال ونساء هذا الزمن قصة رجل يمشي على رجلين مثلنا، لكن الرضا ملأ قلبه والصبر هون مصيبته.. ترنو عينه إلى جنة عرضها السماوات والأرض!

شاب في مقتبل العمر ممتلئ حيوية ونشاط، ذو قامة ممشوقة وجسم رياضي مفتول العضلات! يدرس في نهاية المرحلة الجامعية؛ هفا قلبه إلى الزوجة الحنون والأسرة الصغيرة؛ فتقدم خاطبًا طالبة في طب الأسنان فقبلت ورضيت أن تكون زوجة له ورفيقة لدربه وأما لأبناه!

قبلت به لدينه وخلقه فهو مؤذن لأحد المساجد وعرف عنه الخير والصلاح فرضيت بمن أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - به زوجًا!

وتم الزواج.. ولأنه حدث عادي في حياة هذه الأسرة فلن أتحدث عنه إلا بعد سنة أو تزيد حين وضعت الزوجة مولودًا جميلاً اسمه عثمان!

عندها بدأت الأحداث المهمة والعجيبة في حياة الأسرة! في فترة الوضع بدأ أبو عثمان يذهب إلى المسجد ليؤذن منطلقًا من مسـكن والده حيث ترك منزله حتى عودة الأم والصغير! وفي يوم وهو


 ذاهب لأذان صلاة الفجر وعند مفترق أحد الطرق حدث ما لم يكن في الحسبان واصطدمت سيارته بسيارة أخرى متجاوزة الإشارة الحمراء! وحمل المصاب إلى غرفة الإنعاش وهو مغمى عليه، وبقي هكذا في المستشفى حتى وصل الزوجة الخبر المفزع، لقد أصيب الزوج بشلل يمنعه من الحركة تمامًا! ومرت سنوات وهو مغمى عليه لا يستطيع النطق ولا الحركة، يقلب على فراشه كقطعة لحم تتنفس! وكبر الطفل عثمان، ومن الله - عز وجل - على الأب بالإفاقة من الإغماءة التي أصابته، ففرح بزوجته وصغيره وعندما علم ما أصابه من شلل عطل حركة جسمه دعا زوجته وخيرها بين البقاء والطلاق وتسابقت دموعه لتختلط مع دموع زوجته الطبيبة ورفضها فكرة الطلاق؛ مطلقًا! امرأة أصيلة لم تغرها المسلسلات ولم تدنس الأفلام رسوخ الوفاء في قلبها إنما هي أمة صالحة مُصلحة.

كبر الطفل عثمان وبدأ يخطو خطواته الأولى وكانت الفرحة كبيرة وقرر الأهل السفر بأبي عثمان وأم عثمان وعثمان إلى حيث الشواطئ الرملية هناك في المنطقة الشرقية! وقف الأب يتأمل حركة الأموات ورغبته في مجارتها لكنه تذكر الإعاقة! تناثر الأهل حول الشاطيء وبقي هو وحده يراقب الصغار من على عربته المتحركة، ولاحظ أن ابنه الصغير تقدم إلى الماء أكثر فأكثر.. ثم اختفى ولم يعد يراه.. لقد كانت الإعاقة سببًا لعدم نجدته لابنه وهو يراه يغرق! وعندما وصل الصوت الخافت منه إلى الأهل وسؤالهم أين مكان عثمان! فإذا بعثمان يطفو بجسمه الصغير على الماء غرقًا!


 لقد مات عثمان بين نظري الأب المشلول! لم تنته معاناة أبي عثمان فبعد شهور بدأ يعاني من التهاب في المسالك البولية وقد زرته في المستشفى وخرجت من عنده وهو يحمد الله وكأنه لم يُصب بشيء! تطورت حالته حتى أصيب بفشل كلوي وأخذ يغسل دمه ثلاث مرات كل أسبوع! مرت الأيام والزوجة صابرة محتسبة، فأبو عثمان لا يستطيع الإنجاب ولديه فشل كلوي واليوم وأنا أحمل قلمي لا أعرف من اكتب عنه؛ أهو أبو عثمان وصبره وكثرة حمده، أم أمُ عثمان ووفاؤها ومداومتها على الذكر والشكر. ولعل الجنة أقرب موعد لهما: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

*     *     *


 غض الطرف وخفض الصوت

غض الطرف وخفض الصوت صفة جميلة ومنقبة حميدة لكل إنسان رجلاً أو امرأة، فما بالك إذا كان مسلمًا أو مسلمة وتجمل بهذه الآداب الإسلامية الحميدة، يقول لقمان لابنه في وصاياه العظيمة: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19] ثم شبه رفع الصوت وقبح ذلك بصوت الحمار.

أما المرأة المسلمة فإنها تخفض الصوت أدبًا وحياءً وحشمة، فكم من امرأة ذمها الناس لسلاطة لسانها وبذاءته، وكم من فتاة عوتبت لصراخها ورفع صوتها! ألم تعرف فتاة الإسلام أن بجوارها لها أذنان سليمتان! والمسافة بينها وبين زميلتها أقل من متر فلم رفع الصوت؟ ويزاد الألم إذا كانت الشابة المسلمة المصلية الصائمة ترفع الصوت ليكون فتنة في أوساط الرجال إما حين الخروج من المدرسة أو في الحافلة. ولتتعبد الله - عز وجل - بخفض الصوت وإبعاده عن مسامع الرجال فإن ذلك فيه الخير كل الخير! أليس من الذي أمر - عز وجل - بالصلاة والصيام هو الذي أمر بالحجاب والعفاف وبخفض الصوت والبعد عن الرجال! إنه دين متكامل فمن شاء أخذ منه بنصيب وافر.

*     *     *


 فكلاً أخذنا بذنبه

ما إن تتفتح عينك وأذنك على إشراقه يوم جديد حتى تبدأ ترى وتسمع عن وقوع الكوارث والمصائب! فهذا زلزال دمر المنازل وأحال المدن والقرى إلى ركام! وهناك حروب طاحنة يموت بسببها مئات من البشر يوميًا! وفي الجهة الأخرى أمراض مستعصية لم يعرف لها علاج وأصحابها ينتظرون الموت! والقائمة طويلة، وما هي إلا بما كسبت أيد الناس، فواقع الشعوب اليوم عبادة غير الله - عز وجل - والانهماك في المحرمات والبعد عن رب العالمين، فأبيح الزنا وشربت الخمور وانتشر اللواط وظهر التبرج والسفور، وعصي الله - عز وجل - نهارًا جهارًا..

قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40].

ومن تأمل في هذه الآية وجد صنوفًا من العذاب وألوانًا من العقاب: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].

إن في أحداث العالم اليوم عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.


 لقمة العيش

أطلق بصرك في وجل نحو السماء، وارفع هامتك متعجبًا من ذلك الذي يخاطر بحياته ويجازف بعمره!

تأمل في حال عامل يعمل خارج عمارة مرتفعة الطوابق.. بل هو في الدور العاشر مثلاً وليس هناك حاجز يمنعه من السقوط، ولو أن رجله تحركت حركة واحدة خارج قطعة الخشب التي يسير عليها ليعمل لسقط إلى الأرض ميتًا، وإن سلم فهو صاحب إعاقة شديدة! تأمل في حاله وقد يصيبك القلق والخوف على هذا الأجير وهو معلق على هذا الارتفاع الشاهق غير مبال بالأخطار والأهوال! ولو سألته بعد هذا التأمل لماذا تفعل هذا وأنت في مكان عمل فيه خطورة؟! لأجابك بسهولة: من أجل لقمة العيش كل شيء يهون!

الحياة تأملات ودوافع.. ورجع صدى لما نرى ونسمع، والذكي الفطن من استفاد من حال غيره واعتبر بما كان...

*     *     *


 ما هذه الجفوة؟

الملاحظ لخطوات الصحوة المباركة التي تعم العالم الإسلامي يدرك الإيجابيات الكثيرة التي تبشر بالخير القادم والذي بدأت بوادره تظهر..

وعلى الرغم من ملامح الفرح والسرور التي تعلم محيا من يلتفت يمنة ويسرة، إلا أنه ربما توقف بنظره وأجال خاطره في أمور تحتاج إلى نظرة أعمق ودعم أكبر، فلا يخفى في هذا الزمن أهمية القلم خاصة، ووسائل الإعلام عامة حيث كثرت وتنوعت من مقروءة ومسموعة ومرئية، وتبعًا لذلك تنوعت المذاهب واختلفت المشارب، ودس السم في الدسم، واستطاع الكثير من أصحاب الدعوات الباطلة الوصول إلى فكر وعقل المتلقي. والمعركة الإعلامية التنصيرية في أفريقيا مثال واضح لذلك.

ولا بد من وقفة مراجعة لصوت الإعلام الإسلامي الذي يبدو جليًا ضعف أدواته وقلة إمكانياته أمام جهد وطاقات الأعداء. فقد قصر الإعلام الإسلامي عن السير في ركب الصحوة وعدم متابعته لمستجدات الساحة الإسلامية، ومن ثم فجهده أيضًا يقل في نشر الدعوة الإسلامية وتوضيح الشبه والرد عليها.

وهذا التقصير يحتاج على محاسبة ومراجعة جادة لأسباب هذا التأخر على مستوى الدول والهيئات والمؤسسات الإسلامية.


دعونا نلتفت قليلاً إلى الجانب القريب جدًا.. وهو نحن المتلقين، ماذا قدمنا من دعم لهذا المظهر الحساس حسب مقدرتنا وجهدنا، فالمنارة الإعلامية الإسلامية تحتاج إلى المشاركة.. كل بحسب طاقته وجهده ووقته.. ابتداء بالعلماء الأفاضل والكتاب، ومرورًا بالقارئ العادي الذي نراه يبخل حتى بالملاحظات والاقتراحات.

وهذا جانب لا أخال أحدًا يستطيع أن يتهرب من نصيبه في ذلك.. الأمر الآخر.. ما هو دورنا كقراء في دعم المجلات الإسلامية الشهرية أو الأسبوعية التي تحتاج إلى مؤازرة ومناصرة وتثبيت ذلك من خلال الاشتراك الشهري أو السنوي.

الاستغراب يطول إذا علمنا أن اشتراك بعض المجلات المتميزة بخطها الواضح لرفعة راية التوحيد، لا يتجاوز أربعين ريالاً سنويًا.

ها نحن نتحدث عن ضعف الإعلام الإسلامي ونحن لا ندعم صوتنا المبحوح الذي نراه يأتي إلينا ضعيفًا منهكًا من قلة الإمكانيات المادية. بل إنك تجد رداءة الورق وصفرته على تلك المجلات.

يحزن قلبك وأنت تلاحظ بين تلك السطور صوت العتاب ينادي: ما هذه الجفوة؟!([65]).

*     *     *


 محبة

ما رأت الأمة ذلاً وخضوعًا ولا محبة للكفار مثل ما نرى في هذا الزمن! أليس البعض يسافر سائحًا لبلادهم معجبًا بأخلاقهم مرددًا صدى أحاديثهم وأقوالهم! ألم يسوَّد أهل الصحف صحفهم بالثناء على النموذج الغربي والنموذج الياباني؟! ألم تجر المرأة المسلمة خلفهم، تابعة لهم في الأزياء والملابس وقصات الشعر! إنها تبعية ولا شك نابعة من هزيمة نفسية وبعد عن العقيدة الصحيحة وتعاليم هذا الدين! لقد سقط الولاء والبراء إلا من قلوب القليل!.

دعنا نرى ونسمع ما يقوله الإمام الطبري في واقعة ملؤها العز والفخار والرفعة والسؤدد..

قال: لما نزلت جنود المسلمين اليرموك، بعث إليهم المسلمون: (إنا نريد كلام أميركم وملاقاته، فدعونا نأته ونكلمه).

فأبلغوه فأذن لهم.

فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأبو جندل بن سهيل - رضي الله عنهم-، ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رواقًا في عسكره، وثلاثون سرادقًا، كلها من ديباج.

فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: (لا نستحل الحرير فابرز لنا).


فبرز إلى فراش ممهدة وبلغ ذلك هرقل، فقال: (ألم أقل لكم! هذا أول الذل. أما الشم فلا شام، وويل للروم من المولود المشئوم).

وفي رواية: قال الصحابة: (لا نستحل دخولها).

فأمر لهم بفرش بسط من حرير.

فقالوا: (ولا نجلس على هذه).

فجلس معهم حيث أحبوا.

ولما عصفت بالأمة رياح الذل والهزيمة جلس الكثير من المسلمين حيث أحب الأعداء!

فيا ترى متي ينطلق الركب في موكب مهيب مثل موكب أولئك السلف الصالح؟!

*     *     *


 من أنا؟

الرحمة تملأ قلبي على مرضى المعاصي! أليس الطبيب يحزن إذا رأى مريضًا يتألم؟ قلبي يتفطر إذا رأيت مريضًا نزل به داء أشد فتكًا من المرض العضوي. أنهم مرضى معصية الله - عز وجل-. ومن أحق بالرحمة والشفقة منهم! لذا أسارع إليهم امنعهم أن يلقوا بأنفسهم في النار أو أن تأكل أطرافهم!

لم يكن هذا الحرص مني تدخلاً ممقوتًا ولا رداءة في النفس، بل أنني أطيع من أمرني بذلك ومن أحق بالطاعة والقول من رب العالمين: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].

والناس اليوم يحبون ويجلو من يعص الله - عز وجل - ويطيع الشيطان! كم من شياطين الجن والإنس من يزين المعصية ونشر الفساد في البر والبحر ومع هذا لا يقال له شيء ولا يذم ولا يشتم ولا يلحقه أذى؛ بل ينشر فكره وتتبع تعالمه ويسعى إلى إرضاءه!

اعرف أنني محبوب لدى الأتقياء والأخيار فلا شيء بيننا.. لكن غيرهم يعلمون أني أحول بينهم وبين شهواتهم ولذا لا يريدون رؤيتي ويغمزون ويلمزون، وربما طعنوا ولكن يكفي القلب ثقـة وطمأنينة أني مطيع لـربي مستجيب لأمره. لا أتقدم إلا بعلم ولا


 أفعل إلا ببصيرة. أثنى الله - عز وجل - على فعلي والقيام به في: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: 110] ويكفي الدعاء من أهل القبول من يسهرون الليل لمنجاة الرب.

وإن كان أطباء المستشفيات يموت تحت أيديهم أمم كثيرة من أخطاء قاتلة ومع هذا يمدحون وتنسى زلاتهم، فإن خطئي من اجتهاد مثلهم فالكل مغفور له على اجتهاده إذا تحرى الصواب وسلك سبيل الرشاد!

أنا رجل الحسبة ضاعف الله لي الأجر وتجاوز عن خطئي وتقصيري فالدافع لذلك محبة المسلمين وحفظ أعراضهم وردهم إلى الحق ردًا جميلاً.


 مناظر

بلد يحوي في ربوعه مناظر خلابة وحدائق غناء، ودخل أهلها المادي من أعلى معدلات العالم. ولهم ضمانات صحية وتربوية مجانية وخدمات أخرى إضافية، هذا بعض ما هم فيه من النعيم المادي الظاهر. أما في جانب الأخلاق والقيم ففيها أيضًا انفلات وحرية يناسب أهل الشهوات؛ فقد أبيح لهم زواج الرجل بالرجل وزواج الرجل بمحارمه، أما الزنا واللواط فأمره مباح علنًا، وتوفر له الدولة الضمانات الرسمية، وتهيئ له من أسباب الانتشار جميع الوسائل!

هذه البلاد مع ما فيها من زخرف الحياة الدنيا ومباهجها وحريتها المزعومة التي توفر لكل فرد الحد الأعلى من السعادة حسب مفهوهم؛ إلا أن نسبة الانتحار لديهم ومحاولة التخلص من الدنيا التي يعيشون فيها تُعد أعلى نسبة انتحار في العالم كله!

هذا إطلالة سريعة لمن يريد أن يعرف أن السعادة لا تكون في الأشياء المادية ولا الحرية المزعومة!

فهل يا ترى سمعت بمؤمن تحل به المصائب من كل جانب ويزوره المرض ويجالسه الفقر وتضطهد حريته وتصادر أمواله؛ فهل يا ترى رأيته يحاول الانتحار بل وهل تمر بخاطره تلك النهاية!


دعونا نبحث عن السعادة بين أولئك، وهؤلاء: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].

*     *     *


 ميثاقًا غليظًا

أخي الكريم:

اعرف أنك اليوم تحمل همومًا كثيرة، ولديك غموم متوالية، أحيانًا قد تحجبك عن السير في الاتجاه الصحيح.

دعنا ننطلق سويًا لنتعاون في إنهاء هذه المعضلة التي نزلت بك ونرفع سويًا المعاناة التي ألمت بك.

وقبل أن نبدأ المسير سويًا سأذكر لك قصة وقعت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أخطأ أحد الصحابة - رضي الله عنه - خطأ فادحًا كاد أن يؤدي بالأمة لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرف للرجل فضله وحسن بلائه وجهاده فصفح عنه وعفا.

إنها قصة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعه - رضي الله عنه -.

قال ابن كثير: ذلك أن حاطبًا هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتجهيز لغزوهم وقال: «اللهم عم عليهم خبرنا» فعمد حاطب هذا فكتب ليتخذ بذلك عندهم يدًا؛ فأطلع الله -تعالى- على ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استجابة لدعائه، ثم ذكر ابن كثير ما جرى، والعبرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل عذره وصفح


 عنه مع أنه وقع في خطأ كبير.

أوردت هذه القصة بين يدي القارئ الكريم حتى يعرف أن للصفح مكانًا وأن الإحسان أولى وأتم، كما قال تعالى في مدح المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

فهذه منازل تجعل المؤمن يتنازل عن حقوق له ويصفح عمن أساء إليه لتدوم المحبة وتبقى الألفة، بل وتحسن إلى من أساء إليك، وهذا يتحقق لمن منحه الله - عز وجل - مرتبة عالية في حسن المعاملة وطيب المنبت..

أخي الكريم:

اطرح بين يديك علاجًا شافيًا بإذن الله - عز وجل - لما ألم بك وجلاء لما أصابك ومن تلك:

1- عدم العجلة في الأمر: فإن العجلة مذمومة في كل شيء، وأراك ذلك الرجل الفطن الذي تدقق وتراجع، وتقدم وتؤخر في شراء سيارة مثلاً، وما أنت فيه اليوم أولى وأحق بذلك، ثم أن التأخير لا يضرك شيئًا، وإن لم ينفعك فلن تندم بإذن الله، وكم من رجل ندم على العجلة والطيش ولم يندم على التأخر مطلقًا.

2- من عادة عقلاء الناس إرجاع الأمور إلى أهلها واستشارتهم وليس عيبًا أن تستشير في شراء قطعة أرض أصحاب العقار والمهتمين بذلك، فمن باب أولى أن تقصد طلبة العلم والعلماء وتشرح لهم ما أنت فيه، فإن الحق ضالة المؤمن. وأنت بإخوانك عـزيز الـرأي


ثاقب الفكر.

3- ما نزل بك - أخي الكريم - إنما هو من أنواع الابتلاء التي يجب الصبر عليها واحتساب الأجر فيها قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا اذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» [متفق عليه] وأكثر من الاسترجاع قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمر الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خير منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها» [رواه مسلم].

4- طهر قلبك من الحقد والكراهية: فإن هذه الأمور تجعل على عينيك غشاوة وتجعل فكرك مشلولاً، والشيطان يفرح بذلك النصيب منك، فاحذر أن تبني مصير حياة زوجية على حقد أو كراهية أو انتصار للنفس.

5- قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ﴾ [الأنعام: 152] وقال في شأن الأعداء والخصماء: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

ومن العدل ذكر حسنات الزوجة طوال سنوات مضت، وعدم تصيد الهفوات والزلات فهذا ليس من ديدن وطريقة كرام القوم؛ وأراك تصفح عن زميلك وصاحبك في زلات كثيرة فما بالك اليوم تجانب المسامحة والصفح في أمر من قال الله عنها: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾ [النساء: 36].

6- لا تنس أن في بقاء الزوجة مع محاولة إصلاحها أعفافًا لأذنـك وسمعك وفـرجك من نزعات الشـيطان. والإنسان ضعيف


يتصدى للفتن بما أحل الله - عز وجل - وشرع.

7- إن كان لك أبناء فإنهم قد يعانون من تسرعك وعجلتك وقد تحرمهم حنان الأم أو حنان الأب، وأعلم أن جزءًا من سعادتك هي رؤية صغارك حولك وأنت الآن في مفترق طرق فلا تتعجل الأمر. وإن كان عليك مشقة في البقاء، إلا أن رجاء صلاحهم يجعلك تتحمل ذلك، فكم من مرة تحملت التعب والمشقة لأجلهم.

8- ابتعد عن الكبر والتسلط والانتصار للنفس فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان رأس المتواضعين وهو سيد ولد آدم.

9- اقرأ في سيرة صحابة كرام كان لهم أدوار عظيمة في قيام الأمة من الصحابة والتابعين وكيف هو حالهم مع زوجاتهم بل وأقدم لك نماذج من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع زوجاته!

روى النسائي عن أم سلمى - رضي الله عنها-: أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر (حجر) ففلقت به الصحفة، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين فلقتي الصفحة ويقول: «كلوا، غارت أمكم» مرتين، ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفحة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة، وأعطى صفحة أم سلمة عائشة!..

إنه موقف غاضب لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - عالجه بحكمة وأنهى الأمر برفق! فما ظنك لو وقفت نفس الموقف مع زوجتك؟!

*     *     *


نور الإيمان

هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان تجري علينا فيها مقادير الله - عز وجل-، من أمراض وأسقام وهموم وغموم ومصائب وأحزان قال الله - جل وعلا-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].

وهذه الأقدار ابتلاءات من الله - عز وجل - لينظر كيف نرضى ونصبر وإلى من نذهب وماذا نفعل ولمن نلجأ ونتضرع؟ وليميز الله إيماننا في الرخاء عنه في الشدة الكرب، ويكفر به الذنوب ويرفع به الدرجات.

ومن صور هذا العَالَم الذي يموج بالفتن التي تجعل الحليم حيرانًا صورة مبكية لامرأة مسلمة ذات عقل ودين، يعجبك مظهرها ويسرك سمتها.. ولكنها ما إن تحس بطارق من طوارق الأيام أو توهم من الوساوس والخطرات إلا وتسارع إلى نزع رداء التوكل على الله - عز وجل - وتنسى أن لها ربًا خالقًا مدبرًا بيده الشفاء وهو على كل شيء قدير.. تترك كل ذلك وتصبح خطواتها غير واضحة وأفكارها مشتتة.. تطرق جميع الأبواب ولا ترى الحلال من الحرام ولا تميز المشروع من الممنوع.. همها إزالة ما نزل بساحتها من مرض أو وهم أو ضائقة.


شدت محزمها وثار غبارها.. ما سمعت بمدع أو مشعوذ إلا طارت إليه وما علمت بكاهن إلا سارعت نحوه وإن تلبسوا بأسماء أخرى فهذا طبيب شعبي وذاك راق يرقي!

ثم ها هي تكرر السقوط وتعاود الكرة ثانية وتذهب لبعض من يدعون القراءة ادعاء؛ وهي ترى سيما الخير ليست على وجوههم وجيوبهم مفتوحة وأنفسهم مريضة.. تسمع وترى وربما تمر بموقف فيه محظور شرعي من لمسها أو الخلوة بها أو طلب اسم أمها ولكنها لا تبالي.. وربما رددت في نفسها.. وذبح دجاجة صغيرة أو ديم أصغر ماذا يضر؟!

استوحشتها الشياطين حيث يطفأ نور الإيمان عند ساهر أو ساحرة متجاهلة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منا من تكهن أو تكهن له أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» [رواه البزار بإسناد حسن].

وحديثه - صلى الله عليه وسلم -: «اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق..» الحديث.. [متفق عليه].

ولو طاوع المرء سمعه لبلغه من تلك القصص ما يفجعه في عقيدة التوحيد!

لأصحاب الصبر: نحن وأنت في أمس الحاجة إلى صدق الالتجاء إلى الله - عز وجل - فعليك بالتضرع إليه أن يجمع لك بين الأجر والعافية؛ فتقوم من مرضك أو مصيبتك وأنت في خير حـال لم تتـسخط على قضاء الله - عز وجل - الذي نزل بك بل،


صبرت واحتسبت وحافظت على دينك.. وداوم - فرج الله ما بك - على الدعاء وفعل الطاعات، واقرأ على نفسك ومن حولك الأدعية الشرعية، فأنت أكثر إخلاصًا لنفسك من أصحاب الجيوب المفتوحة، وأحسن الظن بالله - عز وجل - فهو يجيب دعوة المضطر ويكشف السوء.

فإن أصابنا إنما هو من عند أنفسنا ويعفو عن كثير.. وما أصابنا من هلع إلا من تفريطنا وعدم إيماننا وتوكلنا على الله حق التوكل وترك الأوراد والأدعية المشروعة، وإدخال المنكرات والمعاصي بيوتنا حتى خر علينا السقف من فوقنا.

اللهم اجعلنا ممن حقق التوحيد قولاً وعملاً واعتقادًا، من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم([66]).

*     *     *


 وأينكم عن البدع والخرافات؟

للمحاضرات والندوات دور كبير في صحوة الأمة وإنارة بصائرها وردها إلى جادة الحق والطريق المستقيم.. فإن كانت تلك المحاضرات والندوات موجهة عن طريق وسائل الإعلام فذاك أدعى إلى كثرة المستمعين وتعددهم واختلاف مشاربهم ومذاهبهم.

ومن تتبع بعض أسماء المحاضرات والندوات والدروس التي تقام في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي يطاله العجب ويدور برأسه ألف سؤال، لكنه بعد حين يرجع إلى واقعة ويتأكد أن انتشار الشرك والبدع والخرافات في مجتمعه إنما هو مسؤولية العلماء أولاً. فجل حديثهم عن الأخلاق والمعاملات وجوانب تربوية أخرى من معاملة الزوج وتربية الأبناء.

ولم يلتفت المحاضرون على جيوش الشرك التي غزت الأمة بأشكال متعددة وأساليب مختلفة، فمن طواف بالقبور واستنجاد بالمقبور إلى ذبح على عتباتها وتبرك بمقاماتها. أما سوق العرافين والكهنة فقد راجت سوقهم وازدهرت بضاعتهم عطفًا وصرفًا وأذى.

وإن رفعت رأسك لترى تلك السحابة السوداء التي أظلت الأمة في دعوة نصرانية كافرة أمطرت سحبها وأزهر شوكها.

أما الصوفية فقد ضربت أطنابها وأحكمت عزلها في نسيج الأمة الذي تناثرت البدعة - على اختلاف أنواعها - على جـوانبه وبـدت


على أطرافه.

وإن سألت عن الولاء والبراء فحدث عن البحر ولا حرج.

لا يختلف اثنان على أن الأمة في أمس الحاجة إلى دروس ومحاضرات عن رعاية الأبناء ومعاملة الزوج وأمور تربوية أخرى تسد بها الثغرات وتغلق الثلم.. خاصة في زمن ضعف فيه نور العلم ووهن أصل الدين. ولكن أن تترك دعوة الرسل وتبقى الأمة تتخبط في دياجير الظلم وأوحال الشرك فإن ذلك عودة إلى ما كان لدينا قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - بل وقبل بعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم -.

يأتي صوت محب في الله ليقول إن الأمة تعرف التوحيد ولا ترضى عنه بديلاً وأنها عارفة به ممسكة بنواجذها عليه.

قلنا صدقت أبها المحب وهي عادتك ولكن بقراءة متأنية لنواقض الإسلام ترى كم يوجد من (موحد) وقع في نواقضه.

إنها دعوة الرسل غفل عنها.. وواله لن تفلح أمة بدونها حتى أن تحدث المتحدثون وأسهب المسهبون في جميع الجوانب الأخرى. ستبقى هي بيت القصيد.

قال الله - جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]([67]).

*     *     *


 الدعوة إلى الله

لعلماء هذه البلاد قدم صدق وجهاد معلوم في الدعوة إلى الله، فقد بذلوا أوقاتهم وأمولهم وأنفسهم في سبيل الدعوة إلى الله ونصح الأمة.

ومن استقرأ سير العلماء عرف ذلك، ومن ألقى نظرة على علمائنا المعاصرين وجد لهم قصب السبق والقدح المعلى.

فجزاهم الله خيرًا على ما بذلوا وجعل ذلك في موازين أعمالهم. والسؤال يُلقي بنفسه حسرة بين السطور: هل يتوقف نشر العلم الشرعي والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أفراد قلائل من الأمة؟!

شباب أهل البدع - وكهولهم - بل ونساؤهم، يجلوون الآفاق ويقطعون الفيافي والقفار ويصبرون على الحر والقر في سبيل نشر ضلالهم.

أما أهل الكفر من اليهود والنصارى وغيرهما فقد بلغ السيل الزبى واستفاضت الأخبار عن جهدهم وبلائهم في نشر الكفر والمذاهب المنحرفة بين المسلمين. ولقد حدثني أحد الإخوة ممن ذهبوا إلى أفريقيا للدعوة على الله بأنهم سمعوا أثناء سيرهم في طريق بري موحش أن على بعد أميال يقبع منصر في هذه الأرض منذ أربعين سنة، يسكن في أرض قاحلة خالية من وسائل الحياة المعروفة.


قال محدثي: فكان أن مررنا بمكانه فإذا بمبنى ضخم على شكل كوخ كبير جعله مكانًا لنشر دعوته، وبجواره منزل صغير هو سكنه الدائم طوال تلك المدة.

والقينا نظرات متتالية فإذا بالمكان يخلو من مقومات الحياة فلا ماء ولا كهرباء ولا هاتف.. ولا خدمات.. فتعجبنا من صبره.

وعلمنا أن وسيلة اتصاله بالعالم الخارجي هي طائرة مروحية صغيرة تابعة لإحدى الجهات التنصيرية تأتي إليه بين حين وآخر محملة بالأغذية والكتب والهدايا والأدوية.

وأكمل المتحدث.. عندما رأينا حاله وسمعنا عن تلك الإقامة الطويلة هانت نفوسنا وقد كان بعضنا يتأوه من تأرجح السيارة والآخر يتذمر من سقوط قطرات من جبينه لشدة الحر.. ولكن عندما رأينا وسمعنا أصابنا نوع من العتاب ومن اللوم على التقصير.

تساءلنا.. أين شباب الإسلام وحملة التوحيد؟!

كان سلفنا - رحمهم الله - يهبون كل أوقاتهم للدعوة وما فضل منها للدنيا.. أما اليوم.. فجل الوقت للدنيا.. وما فضل فليس للدعوة منه نصيب إلا من رحم ربك: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ [ص: 24]([68]).

*     *     *


الدين والخلق

ترقب الفتاة فارس الأحلام بعين يرتسم الأمل فيها، تحيك بها غشاوة من المثاليات، بعيدًا عن الواقع المشاهد.. فتتخيل الخيالات وتتمنى الأمنيات، وتبلغ بها الأحلام الوردية عنان السماء، فتسير فوق غمامة بيضاء كلما تقدم لها خاطب تراجعت.. لم تكتمل الشروط! هذا فيه كذا.. وهذا ينقصه كذا!

ويتقدم لها من يُرتضى في دينه وخلقه... ولكنها تعيده كسير الخاطر، مهموم النفس... لقلة ذات اليد أو نقص في تعليمه أو لزيادة سنتمترات في طوله! سنوات تمر.. ويتحول الربيع إلى خريف والنضارة إلى شحوب... فإذا بها تتنازل... عن أمور أكبر..!! وما هذا كله إلا أنها في أول الأمر لم تطع حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».. والرسول - صلى الله عليه وسلم - - أختي الكريمة - جمع لك في هذين الشرطين أهم مقومات الحياة الزوجية السعيدة ألا وهما الدين والخلق، وهما أمران متلازمان لتكوين حياة مستقرة.. ترفرف السعادة فوقها وتنثر المودة عطرها..


أختي المسلمة:

يبقى واقع الأسرة المسلمة التي اتخذت حديث الرسول منهج الحياة.. خير من أسرة الأحلام التي تتبخر وربما تنتهي مع أوَل نداء للصلاة يتقاعس عنه الزوج.. وعندها تبقى كلمة!([69]).

*     *     *


 المرأة المتميزة

عندما يأتي قضاء الله، ويقلب لك الدهر ظهر المجن، هلا سألت نفسك أخيتي.. إلى أين تهربين.. ولمن تلجئين..؟

تعلمين أن حوادث الدهر وطوارقه امتحان وابتلاء من الله - عز وجل - لعباده، ومع الأسف شاع في أوساط العامة وبخاصة النساء مواجهة تلك المصائب بالبكاء والدموع.

وتلك استجابة طبيعية في كل إنسان، ولكن هذه الاستجابة تجمعك مع نساء العالمين جميعًا.

أنت ابنة الإسلام ومربية الأجيال المسلمة.. لك رفعة ومكانة ليست إلا لك.. في أشد المواقف وأصعب الظروف لا نراك إلا رافعة الرأس.. ملتزمة.. صابرة ثابتة، راضية بقضاء الله وقدره.

هناك ما يميزك عن الجميع.. هناك ما يجعلك قدوة للجميع.

هلا فزعت عن نزول النوازل وحدوث المصائب إلى الصلاة.. كما كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل؟..

أين أنت من كتاب الله - عز وجل-، فلك فيه عزاء وسلوان وراحة.. وعظيم أجر..

لقد جربت الدموع سنوات طويلة.. والبكاء ساعات عديدة.. هذه المرة افزعي إلى الصلاة وإلى قراءة القرآن.. لتري كيف فُضلت على نساء الدنيا.


تأملي قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155 – 157]([70]).


بيت بلا خادمة

مع توفر أسباب المعيشة وتوسع الناس في أمور المآكل والمشارب والمساكن وانشغال الزوجين في مشارب الحياة المختلفة. أصبح وجود خادمة في كثير من البيوت أساسًا في تكوينه وركنًا في بنائه.. فهي الأم غير المنجبة والمربية المطلقة والزوجة مع وقف التنفيذ.

ولن أتحدث عن ضرب من الخيال أو طرح من المثالية عندنا أتحدث عن بيت تعيش فيه الأسرة حياة هانئة مستقرة بدون خادمة.

فهناك الكثير من الأسر المقتدرة - ماديًا - بدون خادمة، بل ومنهن الموظفات والمدرسات.. ووالله إن تلك الأسر لتجني من طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الأمر خيرًا عظيمًا وراحة وطمأنينة لا حد لها.. فالاستقرار النفسي للزوجين أمر جلي في بيت يخلو من إنسان غريب فتلك الزوجة سيدة منزلها.. والزوج لا يغشاه شؤم معصية استقدام خادمة بدون محرم.. وهو حر في منزله يأتيه متى شاء وإن أراد فليس هناك امرأة في منزله لا تجوز الخلوة بها.

أما الأبناء وفلذات الأكباد فلا تسمع إلا ضحكاتهم ولعبهم.. إن غضبوا فزعوا لوالدهم وإن فرحوا قاسموا والدتهم براءة الصغار. فهم في طمأنينة وأمان لا يخشون ممن لا تخاف الله فيهم. إن تأملت عقيدتهم فهي عقيدة أهل التوحيد الصافية.. ليس للشرك فيها موطن ولا للبدعة أثر، وإن أصغيت إلى لغتهم سرك وآنس


 سمعك إنها لغة عربية قويمة يجملها نقص بعض الحروف.. إنهم صغار الإسلام ينشأون على الطاعة وفي الطاعة.

أما تقديم الأكمل والشرب فيكفي الزوجة دعاء زوجها وثناؤه عليها..

وهي بين حين وآخر يمسح تعبها ويوآنس يدها بالمشاركة والعمل في أعمال المنزل اقتداء بنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم -.. وكل ذاك الجهد والتعب لا يغيب عنهما؛ إن فيه احتساب أجر ونوال ثواب وحسن عشرة.

وهذا المنزل مستقر يهنأ بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى.. فلا تروعه الأيام عند سفر الخادمة ولا يحتاج إلى معرفة ما بداخل تلك الحقائب المسافرة التي سارت بأحاديثها الركبان!

يا ربة الطهر والعفاف: لن تقف حروفي هذه حائلاً دون سعادتك وراحتك.. ولن يقبل منك العذر لكثرة أعمال المنزل وضيق الوقت.. فمع التقدم العلمي الهائل.. أصبح المنزل ينظف بالآلة والملابس تغسل بالآلة والأواني كذلك.. وهكذا حلت الأجهزة الكهربائية - ولله الحمد - محل خادمة أو أكثر.. ومع ذلك كله يبقى لك من الأعمال - غفر الله لك - ما تحتسبين أجرها عند الله - عز وجل-.

أختي المسلمة:

طرقنا دروبا كثيرة ومشينا مسالك وعرة.. دعونا نجرب بيتًا بلا خادمة، ولا أخالك - ابنة الإسلام - إلا طائعة لله ولرسوله.. وستجدين من إعانة الله لك وتوفيقه وعطف زوجك ومجتمعه ما لا تتوقعين. والله الذي لا إله إلا الله هو ستقر عينيك ويهنأ بالك، وحسبك آية من كتاب الله - عز وجل - تقفين عندها تقررين بيتًا بلا خادمة: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2 – 3].

وستبقين الزوجة الصالحة التي هي كنز الرجل المسلم وقرة عينه.. إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته.. وإن أنجبت فدعاة وعلماء ومصلحون وأبناء بررة.

لأهل القوامة:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم» [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]([71]).

*     *     *


التنطع

الإنسان عمومًا به خير وشر، والمسلمون كذلك، فمنهم من يبقى على درجته، ومنهم من يرتقي مراتب الإيمان العظيمة. وقد قرأت قبل أيام مقالاً لأحد الكتاب قال فيه: (قررت أن أتكلم عن الإسلام بعيدًا عن تنطع المتنطعين ليرى الآخرون جماله بذات العين التي أراه بها).

فأنعم بهذا الحماس وذاك الهم الذي يحمله، لكن الخلاف أولاً لماذا تدرج هذه الكلمة بين ثنايا المقال الجميل، ثم من هم المتنطعون؟!

يخشى الإنسان أن تلقى هذه الكلمات على عواهنها فيفسرها بعض القراء بتفسير آخر أو تنطبع في أذهانهم هذه العبارة دون تمييز لأبعادها، أو وضع حد لكلمة التنطع في أذهانهم أو أبعادها عن الإطار الصحيح للتنطع الذي نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

ومن العجب أن بعض الكتاب في غير هذه البلاد - والحمد لله - يرى أن تقصير الثوب مثلاً تنطع بل وصلت الحال بهم على أن من لا يصافح النساء أو لا يجلس معهن أو لا يسمع الموسيقى متنطع.

وهم بهذا الحكم يجعلون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول المتنطعين وأشدهم. والكلمة أولاً وأخيرًا أمانة ومسؤولية، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلُ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» [رواه البخاري].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة».

وحفظ اللسان والقلم باب من أبواب السلامة والنجاة.

*       *      *


 طلاب المنح.. وجامعاتنا!

إن كل من يفد من أبناء المسلمين إلى هذه البلاد يعتبر ابنًا لها خصوصًا صغار السن والشباب المرافقين لآبائهم. أما من قدم للدراسة وطلب العلم ويقضي سنوات طويلة بين ظهرانينا.. فهو ابن من أبناء هذه البلاد لم تلده أمهاتنا.. يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، وينهل قبل ذلك كله، من علم صاف زلال ويسمع من علماء أفذاذ أخيار.

وحتى بعض الطلبة الذين واجهتهم مشكلات مالية أو دراسية؛ وأصيبوا من خلالها بأزمات نفسية فإنه يبقى جانب المودة والعرفان محفوظًا لهذه البلاد.

ولا أنسى ذلك الفرح الذي طرز أمسية جميلة أقيمت في الرياض مع بداية العدوان على بلاد البوسنة، وكان المتحدث أحد الإخوة، وكان المتحدث أحد الإخوة من بلاد البلقان، وتسابقت إليه الأسئلة وتزاحمت عليه الأنظار.. والسؤال لا يتجاوز الوضع هناك.. والحالة العسكرية.. والاستعداد.. أسئلة تسابقت تصب في دائرة الاهتمام والكل متلهف متشوق إلى نسمة تداوي بعض الجراح.. أيها القادم نريد معلومات عما يجري.

ولكن الرجل قبل أن يروي ظمأ العطاش ويخفف لهيب الأسئلة أسهب في الثناء على هذه البلاد بلغة عربية منارة هدى وموطن


 علم. وذكر من ذلك الخير أنه هو واثنان من زملائه من دول البلقان درسوا هنا في أرض المملكة.. هو في كلية أصول الدين بالرياض والآخر في جامعة أم القرى بمكة المكرمة والثالث في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ثم ذكر ما نشؤوا عليه وتعلموه من العقيدة الصحيحة، ومثل بحادثة جرت لهم قبل شهور، حيث إن إحدى الدول التي لها معتقد باطل وفاسد عرضت عليهم إنشاء جامعة كاملة في بلادهم تشمل المباني والأثاث والمختبرات ووسائل التعليم وكذلك إقامة سكن للدارسين والدراسات واشترطت فقط الإشراف على المناهج.

قال المتحدث وهو يهز يده.. هربًا من معتقدهم رفضنا بشدة.. فالجهل خير لنا ولأبنائنا من معتقدهم..

بعد هذه الخاطرة أدعو الجامعات إلى التوسع في المنح إلى أبناء المسلمين، فإن هذا من واجب التبليغ وإذا كنا لا نستطيع الذهاب إليهم فلا أقل من اختيار الأذكياء منهم واستقطابهم للدراسة لدينا؛ ليكونوا رسلاً ومبلغين لأبناء قومهم.

كما أن التركيز على أبناء الوافدين لدينا وإلحاقهم والاهتمام بتعليمهم في مدارسنا له ثمرة طيبة في المستقبل من غرس العقيدة الصحيحة في قلوبهم ولعل الحرص على تلقينهم العلم الشرعي من خلال المساجد وحثهم على ذلك أمر لا نعذر بالتقاعس والتهاون فيه([72]).


عليكم بحراسة الفضيلة

أسبغ الله على هذه البلاد نعمًا عظيمة، تجل عن الوصف والحصر، أعظمها نعمة الإسلام وما اختصها به من علماء أفذاذ، هم للخير حياض وعن الشر سياج، ومن رؤية واقعية للمجتمع ومشاكله أصدر فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء كتابه الموسوم بـ (حراسة الفضيلة)، والشيخ له باع طويل، وعرف عن قلمه جزالة اللفظ وسهولة العبارة مع العلم الشرعي الغزير، وفي مؤلفاته نفس ابن القيم - رحمه الله - حين يكتب حتى لتجد امتزاج القلمين مع تباعد الزمن.

وفي قراءة للكتاب دفع للتحلل ورد لموجات التغريب وإزالة للشبه وإنارة للطريق، وصد للهجمات ودفعًا للشبه التي تثار بين الحين والآخر.

وفي هذا الزمن بلغ الحياء بالفضيلة أن انزوت جانبا من اثر ما ترى وتشاهد، وقد تلمس الشيخ - حفظه الله - في هذا الكتاب جانبًا من ذلك وردها إلى فطرتها.

وحتى يتبين الحاجة الماسة للكتاب وفرح الكثير به فقد ذكر الشيخ بكر في مقدمة الطبعة الرابعة أنه طبع من الكتاب خلال شهرين فقط أكثر من خمسمائة ألف نسخة، وفي هذا إشارة واضحة إلى حـب الناس للفضيلة وسعيهم إلى نشرها، وامتدادًا لهذا الخير ولرغبة


 الكثير من طلبة العلم ومحبي الخير في نشر هذا الكتاب فإن أول من يرفع له الطلب في هذا الشأن الرئيس العام لتعليم البنات - وفقه الله - وهو الحريص على أمر التربية أن يقرر الكتاب كمادة منهجية للمرحلة الثانوية والجامعية دفعًا للشرور وتحصينًا للأمة. فإن بقاء الفضيلة في المجتمع مرهون بالسعي إلى نشرها ورفع شأنها والدفاع عن حياضها.

ولحراس الفضيلة من أهل الغيرة والدين، الكتاب سيف مسلط على أعداء الرذيلة وسهم في نحور التغريب وأهله، فهلا حملتم رايته وسعيتم في نشره فقد كفيتم المؤنة.

جعل الله للمؤلف بكل حرف درجة في الجنة، ونفع بعلمه وعمله، وحرس الله هذه البلاد من كل رذيلة، وأدام عليها من خيره وبركته([73]).

*     *     *


 فدلهما بغرور

من تأمل في نزعات الشيطان ونفثاته يجدها متتالية متتابعة منه ومن أتباعه من شياطين الأنس ومردتهم!

ها هو إبليس في الجنة يحسد أبانا آدم - عليه السلام - وهو ينعم بجنة عظيمة ويزين له المعصية، لكنها في ثوب البحث عن الجديد والنظر إلى البعيد والأمل في الخلود، ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: 20].

ثم أقسم وأطلق الأيمان: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21].

واليوم كما الأمس. ينادون بالنصيحة لإخراج نصف المجتمع المعطل وإطلاق حرية النساء وقيادة المرأة للسيارة؛ درءًا للفتن وتفعيلاً للطاقات المشلولة كما يدعون!

ثم ها هم يطالبون بالمسرح والرقص لإنعاش الأمة وإزالة الكآبة والقلق النفسي عنها! وفي مجال عري المرأة وإخراجها من عفافها وحشتمها تأتي الموضة والأزياء في تدرج عجيب لإبراز مفاتن المرأة وأنوثتها للغادي والرائح، وتسعى ثلة من الخبثاء لإسقاط الحجاب عن وجه المرأة؛ لأن هناك ضرورة أمنية ومصالح داخلية، وتشوه طـاعة الله - عز وجل - بأبشع الأوصاف، وتنعت العفيفة بالتخلف


 والرجعية رغبة في إبراز الوجه وكشفه؛ ليتحقق لهم ما تحقق في بلاد أخرى، فإن التي أسقطت الحجاب قبل أقل من نصف قرن فقط هي التي تقف عارية على شاطئ البحر اليوم وهي التي ترقص أمام الكاميرا وهي التي تتمايل على المسرح!

وكل ذلك يتم عبر تخطيط دقيق وتدرج غير منظور بأسماء لها رنين في الأذن (حرية، موضة، تقدم، تحضر، ثقة، جمال، ذوق، فكر..)! أليس كبيرهم إبليس زين المعصية لآدم عليه السلام برغبة العلو والبقاء فكان الهبوط من الجنة!([74]).


قبيل الفجر

امتثالاً لأمر الله - عز وجل - في وجوب صلة الرحم وطاعته لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتكم لها» وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعيتكم إلى كراع فأجيبوا» توكأت المرأة العجوز على عصا تتهادى بها، خطى متعبة نالت منها السنون وأرهقتها الأيام ولكنها بكرت في الحضور حرصًا على إجابة الدعوة وطمعًا في الأجر والمثوبة إلى منزل أقاربها لحضور مناسبة زواج ابنتهم، وما أن استقرت في المجلس حتى تأملت المقاعد الخالية إلا من عدد قليل من الحاضرات؛ وتساءلت في نفسها: هل أتيت مبكرة؟ أجابت بنفسها.. نعم ربما أن منزلنا قريب وإلا فقد صليت العشاء وصليت ما شاء الله لي من النوافل وتأخر ابني في إيصالي ومع ذلك فأنا من أوائل من حضر! آنست وحشتها صديقة طفولة جلست بجوارها تجدد الذكريات إحياء لروح الشباب وإضماكًا لسن.. وبدأت ترتفع الأصوات في المجلس خاصة أن الحديث عن الماضي وعادات الزواج. وقطع هذا الحديث الطويل ثوت امرأة وقور؛ سبحت الله - عز وجل - ثم هللت وكبرت وكأنها تنادي الجميع.. يكفي ما أضعناه من الوقت في تذكر الماضي.. هيا إلى الحاضر والمستقبل.. أما مكن جنات عدن فهيا عجلن المسير.

مر الوقت ثقيلاً وطـالت الساعات وبدأت العيون تتأمل كـل من


 أطل عليهن مترقبة النداء للعشاء ولكن خاب الظن ومضت ساعة أحرى فإذا بالنعاس يداعب الجفون والتثاؤب يشقق الأفواه!

أمضت المرأة العجوز ما يقارب ثلاث ساعات وقد أضناها التعب وأرهقها الجلوس من طول البقاء على حال واحدة.. فظهرها يؤلمها وركبتاها تحتجان إلى راحة والنوم ألقى عليها بظلاله.

وعند الحادية عشرة والنصف قدم العشاء المبارك ولم تقم أخرهن إلا عند الثانية عشرة.. فهن يحتجن على ساعة أو أكثر للأكل..

في وسط انتظار طويل لم تسأل صاحبة الدعوة نفسيها.. لماذا هذا التأخير؟! ولم تسأل صاحبة الدعوة نفسها أين ذهب أزواج المدعوات؟! وأين وضعن أطفالهن وقد منعوا من الدخول؟ بل لعله لم يخطر إلى بالها أين أصحاب قيام الليل ومتى تتجافى جنوبهم بعد هذا السهر؟! بل أين أصحاب صلاة الفجر وقد بقي عليها ساعات معدودة وهي تعلم أن السهر مظنة للنوم عنها؟!

تراجعت الأخت المسلمة وأصبحت في مؤخرة الركب.. تابعة لا متبوعة ولم تصبح في تلك الليلة صاحبة القرار والقيادة.

بل تركت الأمور تسير على عادة الآخرين ممن يحيون الليل في اللهو واللعب، ولا يقدم عشاؤهم إلا عند الثانية صباحًا أو تزيد!! وضاعت مع من ضاعوا وتأخرت مع من تأخروا.. وإن بقي فيها سمت الخير وعلامات الالتزام فهي ضعيفة.. ضعيفة! ينبئك بها الواقع وتحكي لك تفاصيلها الأيام.

وفي وسط هذه الصور المحزنة نبحث عمن تمسك بدفة القيادة صاحبة الوليمة، التي تعرف حكم إضاعة صلاة الفجر، وما هي نتيجة السهر وتضييع الصغار والرضع.. ممن هي لماحة ذكية تعرف حقًا لكبيرات السن وصغيراته..

أيتها الأمهات ومن يطعن الله ورسوله.؟

أُبشرك فالأمل قادم والإشراقات تتوالى.. في زواجات مقبلة وأفراح قادمة ستدعوكن المرأة المتمكنة صاحبة التميز؛ وترحب بكن وتدعوكن للحضور وتهمس في أذن كل مدعوة وتكررها قوية صريحة تمزق العادات البالية والتقاليد المهترأة.. سيقدم العشاء عند التاسعة مساء.. نعم التاسعة مساء، وربما نرى من سرى الوهن في قلوبهن يأتين متأخرات في المرة الأولى، ولكن في افراح تالية لن تتأخر مدعوة واحدة عن الموعد، وبهذا تكون القدوة - حفظها الله وجزاها عنا خيرًا - قد سنت سنة حسنة فقد أتعبنا السهر، وضج الأطفال بالصراخ، والعجائز يشتكين من طول الجلوس.. وصلاة الفجر تحدثك الصفوف الفارغة عن كثرة النائمين عنها والمضيعين لها.

ونذكر هنا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء» [رواه مسلم]([75]).

*     *     *


 لو حدثتك نفسك

لو حدثتك نفسك أن رجلاً أتى إلى مسجد من المساجد وقام أمام المصلين متحدثًا فسب الله - عز وجل - أو سب رسوله - صلى الله عليه وسلم - واستهزأ بهما وبشرعهما فماذا تكون النتيجة المتوقعة!

الموقف المتوقع من المصلين في أقل أحواله طرد الرجل من المسجد وربما ضربه أحد المصلين وإن رفع أمره إلى الحاكم فهذا هو الانتصار لله ولرسوله!

أما أن يسب الله - عز وجل - ورسوله في مجتمع أوسع ومنبر أكبر فالأمر على العكس تماما سوف يمجد الكاتب القذر. ويأخذ ألوفًا من الريالات نظير كفره! هذه هي حال من تلوثت عقولهم من أدباء وشعراء ومحترفي مهنة الكتابة! هم سوقيون لكن على أعمدة الصحف! لقد سلكوا أسرع الطرق إلى الكفر بالله - عز وجل - والاستهزاء بآياته ورسله! فهذا هو مجال الأدب والفن! أضحى من يريد الدخول في دائرتهم أن يتقدم خطوات في ذاك الطريق المظلم - والعياذ بالله-.

والعجب مرتين.. الأولى في أن يخرج المصلون لشراء هذه الصحف والمجلات بأموالهم وليشاركوا في الإثم، والأمر الآخر أن تأتي أمواج من محابر أولئك الكتاب ويتساءلون بعجب: لماذا لا تكـون هناك حـرية للفكر دعونا نتكلم في الذات الإلهية، ونستهزئ


 برسوله لكن لا تردون علينا! إنها الحرية المتناقضة قل ما تشاء ولا تدع الناس يردون عليك، فأي حرية لهم إذا انتهكوا عقيدتنا وسخروا من ديننا واستهزءوا برسولنا!

*     *     *


 ماذا أعددنا له؟

تسير الليالي عجلى وتمر الأيام مر السحاب ثم نراه قد أقبل بعد أن أقتطع من لقمة عيشه سنوات طويلة حتى تيسر له القدوم إلى هذه الديار حاجًا.

بل ها هو جمع الحجيج قد ملأ الفضاء بلباس أبيض ملبين مكبرين.. فماذا أعددنا لهم.

ولكن هل هذه المهمة هي مهمة الدولة وحدها أم نحن شركاء مسؤولية وأمناء دعوة؟!

فإن حسن التلقي والقبول من الحجاج القادمين لما صدر عن علماء هذه البلاد ودعاتها مدعاة إلى الاستفادة من ذلك التوسع فيه وذلك بتوزيع وإهداء الكتب والأشرطة الشرعية.

وأورد للإخوة القراء ما حدثني به أحد القائمين على توزيع كتب الحج في صالة الحجاج بمدينة جدة في عام 1415هـ إذ قال: في أثناء توزيع الكتب على حجاج رحلة قادمة من السودان لفت نظري رجل يحمل كتابًا أصفر تمزقت أطرافه قد تقادم به الزمن؛ فسألت صاحبه أن يعطيني إياه لأراه فرفض وقال: هذا الكتاب له عندنا في القرية سبع عشرة سنة وكلما حج شخص من قريتنا حمل هذا الكتاب. قال محدثي: فنظرت إلى الكتاب فإذا هو (دليل الحاج والمعتمر) للشـيخ عبد العـزيز بن باز فقـلت له: هاتان نسختان من


 كتاب التحقيق والإيضاح لنفس المؤلف وتعطيني النسخة الموجودة لديك؟! فوافق بعد مشقة وعناء.

ولا زلت أتذكر ذلك الذي حدثني أنه أراد الحج مع مجموعة من القادمين من جنوب فرنسا وأغلبهم من أصل جزائري فكان أن كاتبوا أحد الثقات في الجزائر وأرسل لهم عبر الفاكس صورة كتاب يبين ويوضح مناسك الحج. فقاموا بتصوير صورة الفاكس على عدد الحجاج وتوزيعها عليهم.

وقد سهلت وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف - مشكورة مأجورة - ونظمت منشط وعمل توزيع الكتاب على القادمين عبر لجنة الإشراف على توزيع الكتب على الحجاج التي تقوم بجهد طيب في سبيل نشر الكتاب الإسلامي بجميع اللغات للقادمين والمغادرين من حجاج بيت الله الحرام كما أنها فتحت المجال للمشاركين من الهيئات والمؤسسات والأفراد ممن يرغبون في هذا العمل عبر قنوات رسمية منظمة.

فيا أيها الحبيب:

سهم من سهام الخير ارم به وباب مشرع من أبواب الدعوة لا تغفل عنه.

وربما يتساءل الكثير.. هل يعذر هؤلاء بجهلهم؟!

والسؤال نحوك.. هل تعذر أنت أمام الله - عز وجل - على تركهم في هذا الجهل؟!

واستفت العلماء في السؤال الأول والثاني لا يغادر قلبك إلا ببراءة


 الذمة مع نعم الله التي أغدق علينا من عقيدة صحيحة ورغد عيش، وقبل ذلك ما حملناه على أعناقنا من أمانة ومسؤولية الدعوة!([76]).

*     *     *


 من حسن إسلام المرء

حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، غائب عن كثير من المجتمعات اليوم. فبسبب التفريط في ترك تعاليم الإسلام والبعد عن التمسك بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى أصبح هذا الحديث منسيًا. مع أن ابن رجب - رحمه الله - قال في كتابه جامع العلوم والحكم: هذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب.

ومن صور تدخل الناس في حياة المرء.. تدخلهم في أخص الخصوصيات دون فائدة لهذه الأسئلة.. ما إن يجلس بجوارك حتى يبدأ بطرح الأسئلة: هذا البيت ملك أم مستأجر؟ بكم استأجرته ومن أين أثثته؟ وكم عدد غرفه؟ وهذا الرخام كم سعره؟ وأسئلة لا نهاية لها.

أخرى ضجت ورجت الدنيا لكثرة الأسئلة الموجهة إليها: لماذا لم تحملي؟ وكم لك من السنين مع زوجك؟ وهل السبب منك أم منه؟ وهل ذهبت للمستشفي الفلاني؟ وهل..؟!

والثالثة والرابعة من تلك الصور تنبأ عن جهل وبعد عن الخلق الرفيع والأدب الكريم، ولو سألت السائل ريالاً أو معونة لما قدم لك شيئًا؟

عن أنس - رضي الله عنه-: توفي رجل من أصحابه: يعني النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقـال رجل: أبشر بالجنة، فقـال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أو لا تـدري،


 فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه» [رواه الترمذي].

فكم من الناس اليوم يتكلم بما لا يعينه ولا شأن له به.

*     *     *


 عشرون مليون ريال

قبل ليالٍ عدة حضرت اجتماعًا في مؤسسة الحرمين الخيرية لإقرار خطة تفطير الصائم وتوزيع الوجبات وعددها ومواقعها. وكذلك إقرار الجولات الدعوية المصاحبة لبرنامج التفطير. وعندما مر ذكر الصومال أسهب الأخ المسؤول عن المنطقة في وصف حالة الجوع والفقر من واقع الزيارات الميدانية التي تمت في رمضان العام الماضي وأيضا من معلومات التقارير التي ترسل من مكتب الحرمين هناك، وذكر أن التجمع لموائد الإفطار يبدأ من قبل صلاة العصر وحتى آذان المغرب ثم ذكر أن نصف العدد يرجع بلا إفطار لكثرة الجائعين وقلة الطعام مع أن عدد الوجبات فاق ستمائة ألف وجبة إفطار.

وقد رأيت بأم عيني في تلك المنطقة طفلاً كان عليه ثوب ممزق ومرقع بقطع كرتون خيطت أو ثبتت بسلك حديد!

وبعد هذا الاجتماع المبارك الذي أقر فيه هذا العام أكثر من مليوني وجبة تفطير شملت أكثر من 31 دولة وركز فيه على الدول الأكثر حاجة والأكثر فقرًا، علمت كما علم غيري أن أحد تجار جدة واسمه حمزة باشراحيل اشترى منديل مغنية راحلة هي أم كلثوم، نعم منديلاً كانت تمسح به أطراف أنفها - أعزكم الله - اشتراه بمبلغ خمسة ملايين دولار (ما يقارب من عشرين مليون ريال سعودي). وقيل أن هذا المزاد منظم لصالح منظمة الفاو التابعة للأمـم المتـحدة


 ويرأسها (ميشيل الحاج) والرجل المتبرع ولا شك أثار في نفوس المسلمين أغنياء وفقراء موجة عارمة من السخط وعدم الرضا لهذا التصرف المشين، وتسابق الكتاب في الصحف لازدراء فعله بل ومحاولة إيقاف أمثاله حتى لا تشوه سمعة هذه البلاد وأهلها الذين وقفوا في صف الإسلام والمسلمين.

فمن يا ترى لأهل البوسنة والهرسك ولأهل كوسوفا والشيشان غيرهم! لقد تسابقت الأيدي المباركة في هذا البلد لمد العون لإخوانهم في كل مكان. فأنعم به وأكرم من عمل مبارك يرفع الرأس ولا يذله ولا يثنبه! أنعم بالمؤسسات الخيرية التي تعانق السحاب في أعمالها وجهودها، وأثنى هذه الأيام خاصة على ما تقدمه مؤسسة الحرمين الخيرية لإخواننا في الشيشان حيث إن لها مكتبًا رسميًا هناك يعمل منذ عدة سنوات ولله الحمد ويقدم العون والإغاثة لإخواننا الذين تسلط عليهم الأعداء. وإني أتساءل: هل يترك الحبل على غاربه لأمثال (أهل المناديل) أولئك؟!

والله المستعان!([77]).

*     *     *


 نِعَم الله

لو أن ملكًا من ملوك الدنيا اصطفاك واختارت من بين خدمه وحشمه ورعيته لتكون محضيًا لديه! فها هو يخصك بالعطايا ويجزل لك الهبات! ولا تزيدك الأيام إلا قربًا وفيض نعم من يده.

كيف هو مكان هذا الملك في قلبك؟ وكيف أنت ترعى نعمه وتخشى ما يقطع الوصل بينكما؟!

تعالى الله - عز وجل - عن ملوك الدنيا وضرب الأمثال!

لكن الله - عز وجل - خصك - أيها المسلم ، بنعم عظيمة أهمها وأعظمها نعمة الإسلام، خصك من بين أمم الدنيا بأجمعها.. ولتعرف مكانتك وفضل الله عليك. ها هو قد اختصك بمنه وفضله وقدمك على. واحد من أعظم ملوك الدنيا إنه فرعون الذي يملك مملكة مترامية الأطراف ويحكم دولة قوية، وها هو قد قدمك على قارون تاجر العصر ومالك الخزائن والأموال، ربك لطيف حكيم رفعك منزلة أعلى من سادات القوم ووجهائها كأبي لهب وأبي جهل. بل ها هو أدناك وأبعد أصحاب النسب الرفيع كأبي طالب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ولله الحمد والمنة خصك بما لم ينله بعض أبناء الأنبياء كابن نوح - عليه السلام ـ!

وهو - جل وعلا - مع هذه النعمة العظيمة والمنة الكبيرة أسبغ عليك النعم الأخرى إسباغًا فمتعك بالصحة والعافية وأمدك بالأموال


 والأبناء ولطف بك في الفواجع، أطعمك من خيرات الأرض، أتم لك الحواس وسخر لك ما في السماوات والأرض! هذا ربكم الأعلى، فأين الشكر لتلك النعمة! وقد توعد بالزيادة لمن شكر. ومع منه وفضله فإنه يكفيه من العباد القليل من العمل. فهو غفور شكور يغفر الزلل ويتجاوز عن التقصير! فكيف هو هذا العزيز الجبار في قلبك أيها المسلم، أين مكانه في قلبك وجوارحك وحركاته وسكناتك. لن تستطيع أن تجزي المنُعم حقه؛ لكن قم بالقليل والله غفور شكور.


هذه الدنيا!

سنوات تمر كالحلم... تحط رحالها يومًا متوقفة عن المسير، تعالج أنفاس الحياة حتى تنتهي، إنها رحلة بدأت وستنتهي.. ولكن يعاود السؤال بين حين وآخر.. كيف السير؟ وإلى أين المسير؟ ومتى بدأ المسير؟!

بدأ منذ الخطوات الأولى، خطوات مبكرة يحتويها عمر الزمن حتى آخر خطوة في الحياة، وما بين تلك الخطوات يبقي الميزان منصوبًا إلى اين يتجه؟ كيف ينحرف؟ وهل يعود أم لا؟! أما السؤال الصعب: أين المسير؟ فإن جوابه عند علام الغيوب إلا دارين لا ثالث لها.. إما إلى جنة عدن فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وأما إلى نار حامية تشوي الوجوه وبئست الدار.

تمر الخواطر ونحن نستقبل ونعيش أيام هذا الشهر الكريم.. ابتداءً بحمد الله وشكره أن لأمد في أعمارنا وأمهلنا إلى حين.. فأدركنا مع المسلمين صيام وقيام هذا الشهر.. مترحمين على من سبقنا إلى الدار الآخرة.

وهذه الفرحة بالبقاء على وجه هذه الأرض لا بد أن يقابلها مسارعة للخطى وهمة صادقة.. نستدرك في أيام هذا الشهر تفريطًا سبق.. ومعاصي مضت.


وقد سبق أن يسر الله جمع بعض زهد السلف وعملهم ومداومتهم على الطاعة في سلسلة (أين نحن من هؤلاء؟). وقد صدرت منها ستة أجزاء وطال الكثير العجب من محافظتهم على الوقت وحرصهم على مواسم العبادة وتفرغهم للقاء الله. ولقد رأيت أن هناك امتدادًا لأولئك في عصرنا الحاضر جاهدوا أنفسهم وسخروا أوقاتهم لطاعة الله. ولأن كان العجب صنيع أولئك الأخيار فإن صنيع هؤلاء المعاصرين أعجب لبعد الزمان وبلاء المدنية.


من رقية إلى خديجة!

مضى عهد النوم يا خديجة.. مضى عهد النوم أيتها الفتاة السعودية.. استنهاض جميل لعزائم الفتيات وهمم النساء من مربية فاضلة، وداعية موفقة في مقالة ضافية، تشع أنفاس حروفها بالمحبة لهذا الدين، وقد خط قلمي وهو يساير قلمها وجميل عبارتها:

يا خديجة... أقبل الفجر وولى زمن النوم، لك سنوات تقارب العشرين وأنت تنهلين من ميعن صاف رقراق؛ ثم إذا بك لا تعملين بما علمت طوال السنوات الماضية.

يا خديجة... دنا الحصاد وقارب الزرع أن يحصد.. لكن الدعوة تحتاج إلى جهاد وأمل وصبر.

يا خديجة.. رائحة الجنة هب هبوبها، ولا أراك إلا مسارعة لها مبتغية رضا الله - عز وجل-.

يا خديجة.. الحجاب يئن من ضربات متتالية، وترينه بدأ يسقط عن وجوه البعض. أما آلمك وأدمى قلبك ذاك السفور والدعوة إليه!

يا خديجة... (ما كان الرفق في شيء إلا زانه) والدعوة والرفق متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر وتأملي سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ترين ذلك واضحًا جليًا..

يا خـديجة... سمعـتِ بمـا أسموهـا (ماما تريزا) وصـويحباتها


 ومن على شاكلتها يذهبن في حر الصيف وسوء الأحوال الجوية وحيث قطاع الطرق والفقر.. تحثهم الخطى للدعوة إلى النصرانية الباطلة.

يا خديجة... جعل الله أعظم هم تحملينه في قلبك هم الدين ورفعته. وأزال من قلبك هموم الغافلات اللاهيات.

يا خديجة... أري الله منك خيرًا وابذلي لهذا الدين مثلما تبذلين للدنيا بل الثلث.. والثلث كثير.

يا خديجة... سترك الله بستر العفاف، وجعل الإيمان شعارك ودثارك وأحياك حياة طيبة، وجعلك هادية مهدية، وأقر بك أعين الإسلام والمسلمين. ومثلك تنجب الرجال، وتربي الأبطال، وتخرج العلماء والدعاة.

يا خديجة.. حفظك الله من كيد الأعداء، وأنار بصيرتك بالعلم النافع، ورزقك العمل والإخلاص.

نداء من رقية.. مضى عهد النوم يا خديجة!([78]).

*     *     *


 الأمانة المضيعة

كتب العلماء والمصلحون وعلماء التربية والاجتماع، وتحدثوا طويلاً عن أمر تربية الأبناء والمرتكزات التي يقوم عليها والوسائل التي يجب الأخذ بها والطرق الموصلة إلى أجلها وافضلها... خاصة في مثل هذه الزمن الذي يموج بالفتن والمحن... واختلفت فيه المشارب والمذاهب.

ورغم كل ما كتب وطرح إلا أنه قل من يستمع ويظهر إهمال من الآباء وإدبار عن الأمر... وإلا فالكثير من الآباء يعرف مصالح الدنيا ويدقق ويحقق في كل شاردة وواردة... وهذا الأب المفرط المهمل في أمر التربية يسعى إذا اشترى جهازًا كهربائيًا إلى قراءة المعلومات الكاملة عن طريقة تشغليه وكيف يعمل ومتى يتوقف؟! بل وتراه ينبه كل من في البيت إلى تلك التعليمات ويكررها مرات عديدة للفهم والاستيعاب.

أما صغاره وثمرة فؤاده لم يفكر أن يستنير بآية ويهتدي بحديث ويستلهم طريقة تربوية لرعايتهم وتربيتهم... بل تركهم هملاً تقوم أفعاله وتصرفاته على ردود الفعل السريعة لكل حركة وسكون من طفله الصغير... ويلاحظ على تربيتنا لأولادنا عدم فهم نفسياتهم وتجاهل عواطفهم ورفض متطلباتهم الشرعية كما وأن في عدم تقدير المراحل التي لا بد أن يمر بها الصغير حتى يصـبح شابًا ورجلاً ظلـمًا


 والواقع يقول أن هذا الأمر لدى بعض الأسر غير ذي بال!

والكثير يضيع أوقاتًا طويلة ليتابع مسكنًا يشيده أو عملاً تجاريًا يؤسسه والآخر تجده وقد ضنَّ بالوقت على صغاره؛ فإذا به خلف مدرج كرة أو شاشة ملوثة أو نزهة مع الأصحاب.

وترك الصغار لتعصف بهم الأهواء وتسقمهم الأدواء خلف تلفاز وقناة وشارع ولاعب وفنان... فهؤلاء هم المربون له وهم القدوة لحياته في ظل غياب الموجه الناصح والأب المشفق.

وكم هو مسكين ذاك الطفل الصغير الذي بدأ يتدحرج لحمًا وشحمًا وهو ذو خواء فكري وعقدي، بل وتربوي بحت... وسيرى الآباء حصاد هذا الإهمال عقوقًا وصدودًا واستهتارًا وجهلاً بالقيم والتقاليد، وسوء أدب في الحديث وقل ما شئت عن ذلك ولا حرج، فإن الدمنة تدل على البعير والأثر على المسير!

ومن أسرع صور تربية الشاشة والشارع على الصغار ما شاع مؤخرًا من نوع وطريقة لباس شباب اليوم... حتى تجاوز الأمر من مخالفة المألوف إلى الوقوع في المحظور... وإن فتشت عن واقعهم وأخلاقهم ساءك ما ترى على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم!

وكلكم راع ومسئول عن رعيته... فليعد كل أب وأم جوابًا للسؤال وليكن صوابًا على الحق!! فإن هؤلاء أبناؤكم اليوم وخصماؤكم يوم القيامة!([79]).


 بين عاشوراء ونزار

أطل علينا قبل أيام يوم عاشوراء العظيم، الذي قال في فضله الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» ومضى اليوم ولم نر من يحفل به في الصحف والمجلات ويُذكّر بفضله وعظم أجره، وكأنه من غير أيام المسلمين، وطرقني الخجل وأنا أقلب صفحات عدة لبعض الصحف فلم أجد ضالتي عن هذا اليوم المبارك.. وعاد الطرف حائرًا وأنا أحدث نفسي أين أجد ذلك؟! وفي أي صحيفة إذا لم يكن ذلك في صحفنا ومجلاتنا! واقض مضجعي سؤال من وافد موريتاني محب للشعر قائلاًً: ما هذا الذي تموج به الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية في تمجيد شاعر مات! وسألته من الشاعر؟ فإذا به شاعر قيل فيه ما لم يقل بعضه في علمائنا ودعاتنا وآبائنا وأجدادنا!

لقد بكى الباكون وأفردت الصفحات وأبرزت العناوين وتسابقت أقلام بني جلدتنا ثناءًا وتمجيدًا لشخصه وشعره! وقد كنا نتلمس الحديث عن يوم عاشوراء فإذا بنا نفجع في أمة من حملة الأقلام تثني وتشيد بمآثر الرجل المزعومة والشاعر المذكور نبرأ إلى الله - عز وجل - من محبته، أما شعره الذي يثني عليه ويبكي لأجله فقد جمع فيه لنا ومعنا عداءات كثيرة سأذكر طرفًا منها على عجل... أما أول أنواع العداءات والبغض له، فهي لله - عز وجل-... والحب في الله والبغض في الله من أعظم العبادات وأجل القربات... أليس هو القائل في بعض قصائده التي تطفح بالزندقة وتفيض بالإلحاد:

(لأنني أحبك يحدث شيء غير عادي... في تقاليد السماء... يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب... ويتزوج الله حبيبته) - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ـ!

أما عدونا الثاني للرجل: فإن من قرأ نورًا يسيرًا من شعره يهوله فحش كلماته وقبح تصويراته وقل ما شئت من خوارم الحياء والمروءة حتى أنه جعل جسد المرأة ومفاتنها ديدنه في الوصف والفحش وإذكاء الرذيلة واستبقى العهر ليكون شعاره والشهوة دثاره! ولن اجعل قلمي يخفر حياءه بنقل كلماته التي لا تليق بالقراء... وحسبه قول الله - عز وجل-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19].

أما العداء الثالث له فهو عداء ديني وطني عاطفي... فالرجل في شعره يكره هذه البلاد وأهلها، وقد عيرها كثيرًا وسخر منها ومن بنـزولها مرارًا ووصف أهلها بصفات كاذبة لا تليق بهم، وإنما هو رجل حاقد حاسد كاذب زُين له سوء عمله.. فسخر من تشقق القدمين ونادى بهذا التصوير المشين: [أيا جملاً من الصحراء لم يُلجم.. ويا من يأكل الجدري منك الوجه والمعصم]... إلى آخر سُمه وحقده... وفي كثير من قصائده طعن في آبائنا وأحبابنا مما يجعلنا له أعداء كارهين لا نورد بيتًا من شعره... ناهيك عن أن الرجل جمع الله له في قلوبنا أنـواع العـداءات فشـعره زنـدقة وإلحـاد،


 وحديثه فحش وشهوة، وكلماته حقد وكراهية!... ومشقق القدمين الذي يعيره بذلك ومن جعله عبدًا لشهواته كما يدعي؛ هو ذلك المسلم ابن هذا البلد الذي يعبد الله - عز وجل - ويصلي له، وهو من نشر هذا الدين وأرسى صروح البناء والفضيلة في هذا البلد المبارك!! فوا عجبي من قومي كيف يمدحون هذا وأمثاله!

ولصديقي الموريتاني: الكلمة أمانة ومسؤولية وفي كل زمن رطب ويابس وغث وسمين فلا تعجب! ولمن كتب عنه بسذاجة وهم قلة: لا شك أن دين الله أحب إلينا من التذوق الشعري ومن الكلمات الطنانة الرنانة فهذا دين لا يخرج المرء عن قيد أنملة إلا خسر! والرجل لا يباهي في الكتابة عنه أو لا...

والجهل بنزار وشعره عز وفخر وشرف ولا ريب، وإنما أردت بهذه الكتابة تبرئة الذمة! ولمن يقرأ صحفنا ونحن في عينه القدوة نبرأ إلى الله - عز وجل - من محبة الرجل، بل نتعبد الله - عز وجل - ببغضه وكره شعره وساقط كلامه...

والرجل أفضى إلى ما قدم وعليه من الله ما يستحق... وإن في الرجل وموته لعظة وعبرة ولا نعلم هل أدرك التوبة أم فاتته وحجبت عنه، وذلك نذير لمن رفع قلمه مادحًا وذاكرًا، ولمن يخشى سوء الخاتمة وخوف الحساب: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

وتبقى الكلمة أمانة فلا تؤتى من قبلكم يا مسئولي الصحف والمجلات... ونربأ بإعلام الأمة الإسلامية شـرقًا وغـربًا أن يكـون


 مأوى للزندقة وبوقًا للإلحاد ووكرًا للخلاعة وبث المجون، ونعوذ بالله أن يطيب له هذا المورد وأن ينزلق في هذا المنزلق الخطير([80]).

*     *     *


دعوة إلى التوحيد

(20) ألف ضريح يزار!

حال العالم الإسلامي مبكية محزنة!

تحكي واقعًا مريرًا وألمًا طويلاً! فمن تسلط الأعداء وقوة شوكتهم إلى تردي أمة الإسلام في وضع التبعية والتلقي لكل ما يفد إليها من فكر مسموم وشبه متوالية وشهوات متتابعة! حتى أصبحت أمة العزة ضعيفة هزيلة...

لا نرى لها راية بين الأمم! ولا يسمع لها صوت في العالمين! وهذا الواقع لا يحتاج إلى فصاحة ولا بلاغة ولا كثير استقصاء بل هو كالشمس في رابعة النهار.

وإن أردت تقف على الداء وتعلم علة العلل وطريق الهلكة... فهو جهل الأمة بحقيقة التوحيد وإفراد العبادة لله وحده! وسبب ذلك تراكم من الجهل وقلة العلم الشرعي مما جعل الأمة تسقط من عليائها إلى غبرائنا...

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من تدبر أحوال العالم وجد كل صالح في الأرض، فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكل شر وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والـدعوة إلى غـير الله، وواقع كثير ممن ينتسـبون إلى


 الإسلام اليوم يقارب واقع العرب قبل الإسلام...

وأن كانت اللات والعزى قد خرجت من قلوب العرب بعد نور التوحيد فإن واقع الشرك اليوم يزداد يومًا بعد يومًا! وإن كان أهل الجاهلية يدعون الله - عز وجل - في الضراء دون السراء فإن واقع اليوم يجمع فيه عباد القبور بين الدعاء حال السراء وعند نزول الضراء.

وهذا الواقع المهين والوضع المؤسف لم تحر العقول الصافية في فهمه وتعليله ولم تغفل عن دواعيه وأسبابه! الق نظرة سريعة موثقة بالأرقام لترى حال العالم الإسلامي وكثرة عباد القبور ممن يقدسون القبور وينذرون لها! ثم اتبع النظرة بأخرى لترى حال أهل الدجل والخرافة من المتصوفة الذي يدعي أحدهم الإسلام وهو يوقن أن هناك من يتصرف في الكون غير الله - عز وجل ـ!

وقد بلغ عدد الطرق الصوفية في بلد واحد أكثر من اثنتين وسبعين طريقة، إتباع إحدى هذه الطرق يزيدون عن أربعين مليونًا...

الأرقام كبيرة والطامة عظيمة ولكن لا بأس من تتبع المعلومة للنهاية واستقراء الواقع بإمعان، هذا قبر (السيد فلان) يشارك في الاحتفال بذكرى مولده سنويًا نحو مليون شخص! أما قبر (السيد فلان) وهو وثن أكبر يعبد من دون الله ويؤتى عنده بأنواع الشرك الأكبر وتقدم له النذور ويحصل عنده من أنواع الدعاء والذل والخضوع ما لا يحصى... هذا القبر يشد الرحال إليه سنويًا أكثر من عشرة ملايين داج من البشر!

وليست الحال في هذين القبرين بأقل من غيرهما... فإن يممت وجهك صوب المشرق تارة والمغرب أخرى فثمة بلاء عظيم وداء


 مستشر في الأمة... فلا تخلو بليدة أو قرية إلا وفيها قبر ولي أو أكثر يعبد جهارًا نهارًا من دون الله - عز وجل - وإن لم يكن الشرك هو دعوة الولي لكشف الضر ورفع البلاء فما هو الشرك إذًا؟

ويوجد في أمة الإسلام اليوم أكثر من عشرين ألف ضريح يزار ويقدس، وفي الاستانة وحدها أربعمائة وواحد وثمانون جامعًا لا يكاد يخلو جامع فيها من ضريح! ولاستشراء الأمر وانتشاره ومحاكاة أهل الضلال أصبحت بعض مساجد أهل التوحيد تحوي قبابًا لكن دون قبور!

إن هذه المعلومات المفزعة والواقع المرير الذي تعيشه الأمة ليجعل العبء عظيمًا والمسئولية جسيمة على العلماء العاملين والدعاة الناصحين للقيام بما أمر الله به من تبليغ الرسالة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولا يكون ذلك إلا بتكثيف الجهود والسعي الدائم لرفع ما نزل بالأمة وما ابتلي به الناس اليوم تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] وقوله - جل وعلا-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].

وحتى لا يكون اليأس طريقنا... «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة...».

أصلح الله القلوب وظهر العقائد ورفع البلاء إنه سميع مجيب الدعاء([81]).

الحجة قائمة

لعلماء هذه البلاد ودعاتها قبول عجيب وأثر واضح.. ويتفق معي القارئ الكريم أنه توفر في عصرنا هذا من وسائل الدعوة وإمكاناتها وكثرة طرقها ووسائلها ما لم يتوفر على مدى القرون الماضية، بل منذ بعثة الرسول إلى اليوم.

فقلَّ أن تجد بلدًا نائيًا بعيدًا عن أرض الجزيرة آلاف الكيلومترات ولا تجد فيه مصحفًا شريفًا، أو كتابًا يحوي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وندر أن ترى بليدة صغيرة أو جزيرة نائية إلا وتسمع فيها صوت علمائنا ودعاتنا.

وما سمعنا زمانًا يطوف فيه العالم الدنيا ويتنقل في أطراف المعمورة عبر شريط أو كتاب إلا في هذا الزمن!

وفي تلقي وسائل الاتصال المرئية والمسموعة أحاديث عجيبة ووقائع مفرحة وحدثني الأخ عبد الله الأثري وهو عراقي مقيم في تركيا له بعض المؤلفات فقال: كنت خلال خمس سنوات من الحرب العراقية الإيرانية أعمل في مستودع لأجهزة الاتصال في الجبهة، وطول السنوات الخمس تلك لم يفتني برنامج نور على الدرب ألبته:

وأردف ضاحكًا: سألت الشيخ محمد بن عثيمين بقولي: يا شيخ استمعت لك خمس سنوات في برنامج نور على الدرب فهل أكـتب


 في كتبي أنك شيخي!

نعم طول خمس سنوات لم يفته هذا البرنامج العظيم الذي له من اسمه نصيب، حتى إن أحد الإخوة من شمال المغرب العربي ذكر لي قبل سنوات ونحن في الحرم المكي أنهم يستمعون على هذا البرنامج الذي لا ترده الحدود ولا تمسكه القيود! ويقومون بتسجيله ومن ثم يفرغونه في أوراق تصور وتوزع على أهل الحي!

وإذاعة القرآن الكريم بعامة؛ لسان صدق لهذه البلاد وأهلها، ولها قدم دعوة يذكر فيشكر!

بقي القول بأن ما ذكرته حجة علينا أمام الله - عز وجل - وأن مناطق كثيرة في بلاد أمة الإسلام تغرق في بحر من الظلمات وتحجبها عن إتباع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بدعة متمكنة ودعاة سوء وضلالة!

والأمر يحتاج إلى همة وعزيمة مع ما أفاض الله به علينا من نعم وخيرات يقابلها قلة تكلفة إيصال العلم الشرعي إلى هؤلاء.

فحري بنا أن نسهم في نشر هذا الدين!

وإن كان أبو بكر - رضي الله عنه - خرج من ماله كله لهذا الدين!

فلنسأل أنفسنا ماذا قدمنا من أموالنا لهذا الدين؟!([82]).

*     *     *


الرسالة خالدة

والحجة قائمة فأين البازيون؟!

انتظرت لوعة الفراق أن تخبو وأحزان الأيام أن تنجلي ولكنها أبت ذلك، بل وأرها تجدد حزنًا وأسى كل يوم، ومن منا يستطيع أن يرثى الشيخ ويكتب عنه ويوفيه حقه!!

لكن لما طال أمر الانتظار أحسنت الظن وعقرت صبري وتجلدي كتبت بقلم يتعثر بدمعه! وبقلب يناله الحزن فيوقف نبضه!

كثر هي فواجع المسلمين لكن فاجعة هذا الزمن ومصيبة هذه الأيام موت علامة الأمة وإمام أهل السنة والجماعة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله وأجزل مثوبته-.

غاب الشيخ وقد كان ملء السمع والبصر إمامًا للعلم والهدى ورأسًا للعفاف والورع والتقى، بكته أمة المسلمين في داخل المملكة وخارجها بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، موقنة أن هذا الدين باق والحجة قائمة والرسالة خالدة يحملها من كان خلف عدول.

إن المواقف العصيبة في حياة الأمم تؤرخ بمداد من دموع القلوب وأنات الصدور مع التسليم والرضا بالقضاء والقدر، لما مات نبي هذه الأمة محمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة والسلام - قال أنس بن مالك - رضي الله عنه-: (أنكرنا قلوبنا).


وقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو مصاب بهول الصدمة بخطب ويتوعد بالقتل والقطع من قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات، وفي وسط ذلك الحزن العميق مع كثرة الهرج واختلاف الأصوات قام أبو بكر - رضي الله عنه - وصعد المنبر وخطب وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] عندها هدأت القلوب وسكنت النفوس واغرورقت العيون بالدمع على فقد نبي هذه الأمة - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ!

وفي ذكر هذا الحديث سلوى وتعزيه وفيه تثبيت وتمكين فقد مات الأنبياء والمرسلون والدعاة والمصلحون، وسارت قافلة الدعوة إلى الله على علم وبصيرة على مدى الأزمان والعصور.

إن من نعم الله على الشيخ أن جمع الله له صفات عدة ومحاسن جمة منها رحابة الصدر وحسن الخلق وليس الجانب وبذل الندى يتوج ذلك كله علم وتقى وصلاح وورع وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وقيام عظيم لأمر الدعوة إلى الله - عز وجل-، وامتاز الشيخ رحمه الله بخصال وخلال قل أن توجدها مجتمعة في رجل ولو أظلت واحدة منها رجلاً لكفته عزًا وشرفًا.

أذكر ستًا منها:

أولاها: العلم الشرعي فهو -رحمه الله- موسوعة شاملة وبحـر لا ساحل له، وعين لا تكدرها الدلاء نهل من معين رقراق صافي


العقيدة سليم المنهج مؤصل من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهو من العلماء القلائل على مر العصور الذين جمعوا بين علم الحديث وعلم الفقه، وتحروا الدليل في أحكامهم وفتاواهم حتى أقبل عليه -رحمه الله- أصحاب المذاهب الأربعة ينهلون من سعة علمه وغزير فهمه.

ثانيها: الكرم والجود، فهو البحر من أي النواحي أتيته، كريم بالمال، جواد بالعلم الذي يحمله، سخي بجاهه ولم يؤثر عنه أنه تناول طعامه وحده، ولم يعلم عنه أنه رد سائلاً أو مستفتيًا، أما بذل الجاه لمن قصده فحدث عن كثرة من شفع لهم ولا حرج.

ثالثها: الحلم فكم تحمل من سفاهة جاهل، وكم صبر على طول سؤال متعلم، وكم أطال - رحمه الله - من وقوف لسماع شكوى.

وإن كان حاتم الطائي والأحنف بن قيس اشتهرا على مر الزمان بخصلة واحدة لكل واحد منهما فإن الشيخ - رحمه الله - جمع الخصلتين وبلغ فيها إلمدى عبادة وتقربًا إلى الله - عز وجل-.

رابعها: شغفه بالعلم والحرص على تداوله وسماعه والوقوف على دقائقه ولكأني به أخذ بمقولة الإمام أحمد: (من المحبرة إلى المقبرة) أو قول سهيل بن عبد الله عندما قيل له: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: (حتى يموت ويُصب باقي حبره في قبره).

خامسها: محافظته الدقيقة على الوقت وقد بارك الله في يـومه وليلته ، فنشر العلم وبثه وقام بأمر الدعوة والدعاة واستقبل أهل


الحوائج وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ووصل رحمه ولم ينس قيام الليل وعبادته لربه.

سادسها: بعد الشيخ عن الدنيا وزهده فيها وهذا واضح في ملبسه ومأكله وطريقه حياته وقد أنفق وبذل ماله لطلاب العلم والفقراء والأرامل والأيتام وكأني بعباءته التي لفت عليه وهو مسجى على النعش تحكي واقع زهده وبعده عن الخيلاء والعظمة!

وحين ترجل الفارس عن صهوة الدنيا وأنزل إلى باطنها حاملاً زاده إلى الآخرة مودعًا هذه الرحلة القصيرة بختام سريع وبذكر عطر ومحبة في القلوب صادقة.

لنا وقفات لا بد منها:

1- إن الموت سنة ماضية في جميع ما خلق الله - عز وجل - حتى ملك الموت الموكل بقبض الأرواح يموت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26 – 27] وكفى بالموت عظة وعبرة وما بعد الموت استعدادًا وتأهبًا، والدنيا مهما طالت ايامها فهي قصيرة وهي تمر مر السحاب إنها لحظات من زمن ثم تنقضي!

لما حضر الموت الخليفة المعتصم قال: لو علمت أن عمري هكذا قصير ما فعلت!

2- إن النصر والتمكين في الأرض لهذا الدين مرهون بما يقوم به أهله ونحوه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلـَاةَ وَآتَـوُا الزَّكَاةَ وَأَمَـرُوا


بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

فهذه الأمة وإن كان الشيخ ترك فراغًا كبيرًا في مجالات عدة إلا أن أهل هذه البلاد هم حملة الأمانة في هذا الزمن وكلما مات سيد قام سيد، والدين يحمله خلف عدول والراية باقية إلى يوم القيامة والأمة معطاءة تنجب الأئمة والدعاة وفضل الله واسع:

إذا مات منا عالم قام عالم

عليم بما قال الإله له قدر

وأن غاب فينا كوكب شعَّ كوكب

فغاربنا صدر، وشارقنا صدر

ولكن: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38].

وحمل الدين وعلمه والقيام به شرف لا يوازيه شرف وفضيلة ومنحة من الله - عز وجل - لمن شاء من عباده والتشبه بالكرام فلاح وفيه إبراء للذمة والقيام ببعض حقوق هذا الدين والعظيم علينا.

3- اجتمع أهل المنابر من حملة الأقلام نيابة عن الأمة أجمع في رثاء منتظم لسماحة الشيخ وحق لهم ذلك فالشيخ كما قال الشاعر:

وربك ما الرزية فقد مـال

ولا شـاة تمـوت ولا بعـير

إنما الرزية فـقد شــيخ

يمــوت بمـوته خلق كثير


وإننا لنعجب أن يكتب عنه بعض الذين خالفوه في المنهج والمعتقد والتوجه، فإذا بنا نرى أن الهدف من كتابتهم تلك خدمة أسمائهم في نهاية مقالاتهم تلميعًا لأنفسهم وتزكية له عند عامة الناس على حساب الشيخ وبعضهم ذهب بعيدًا وبدأ يذكر في أكثر من نصف مقالته ثناء الشيخ عليه وشكره لجهده وتفانيه في عمله، وحتى والموت يعصب جبينه يخرج أهل الهوى ليزكوا أنفسهم، بحديث فيه طرف للشيخ! وتنبئك الأيام كم أولئك المساكين بحاجة على تحسين صورهم عند الناس.

4- إن الله - عز وجل - بحكمته وعدله لن يُهلك هذه الأمة وفيها المصلحون الذابون عن دين الله - عز وجل - الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].

والعلم بدون عمل لا ثمرة له بل هو وبال على حامله، وعندما تعجبت أم المؤمنين زينب - رضي الله عنها - بقولها للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم إذا كثر الخبث» والخبث لا يكثر إلا بترك الدعوة إلى الله والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ذهب الشيخ - رحمه الله تعالى - في آخر فتاواه إلى أن الدعوة إلى الله - عز وجل - واجبة لكثرة الفساد وشيوع المنكرات، وهذه الفتوى حجة علينا في إصلاح أنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا كل بحسبه.

5- رغم تعدد صفات الشيخ - رحمـه الله - وتنـوعهـا إلا أنها


قليلة في جنب صفات وخصال وفضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أكمل الخلق وأشرفهم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

فأين هو من كرم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسعة حلمه وعدله؟ وهذا مدعاة إلى محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإتباع أمره والأخذ من سيرته واستلهام الدروس والعبر وحسن الخلق وطيب المعشر في مسيرة حياته.

6- إن محبة العباد والأخيار والصالحين وأهل العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلة في قلوب العباد الأخيار خاصة أهل هذه البلاد التي خرجت باكية يوم موته، وما نراه من بعض التائهين في دروب الظلام والضياع إنما هو نبتة غربية لا مكان لها في هذا المجتمع المؤمن الذي امتاز بكثرة سواد المحبين للدين والعلم وأهله وتوقيرهم وإجلالهم؛ ولا يشذ عن هذه الأمة من الناس إلا من أشرب قلبه النفاق ومن أناس لا خلاق لهم وهم ولله الحمد قلة في هذا المجتمع.

7- إن العلم الذي يرفع أهله ويزينهم هو العلم الشرعي المستمد من الوحيين الكتاب والسنة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

ولا يكفي أن نعلم ذلك بل لا بد أن ندلي بدلائنا نحو ميراث النبوة لننال طرفًا من هذا الشرف العظيم، ولا بد أن ننشئ أبناءنا على طلب العلم والحرص عليه، فالأمة بحاجة إلى أمثال ابن تيمية وابن باز وغيرهما ولا تزال الأرحام تحمل أئمة الدين والهدى، وذلك بطلب العلم وتبلـيغه والصـبر عليه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا


لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24].

8- يوم الجنائز يوم مشهود في حياة الأمم يظهر الله -عز وجل- فيه محبة الناس وتعلقهم بمن أحبوا، فلا يكتم الحب في مثل هذا اليوم، وفي التاريخ القريب خرج في جنازة الإمام أحمد أكثر من مليون شخص واليوم خرجت الأمة عن بكرة أبيها في جنازة الشيخ مودعة باكية وقد سار أهل هذه البلاد من الشرق والجنوب والشمال نحو مكة المكرمة حتى ازدحمت بهم المطارات الطرق السريعة، أما ما جرى في الحرم والمقبرة ففي كل عين بصر!

9- أكسب الشيخ هذه البلاد سمعة علمية ودينية لا تخفى وزان الشيخ هذه الديار بالعلم والورع والتقى حتي امتد أثره على طول العالم الإسلامي فبكته العيون في أقصى الشرق وأقصى الغرب، وبنظرة إعلامية نرى أن الشيخ - رحمه الله - حقق لهذه البلاد الكثير من حسن السمعة والذكر الحسن وبنى لها مجدًا أصبحت تصدر منه الفتاوى المهمة التي طرح الله لها القبول وهذا يعرفه الجميع والشواهد في هذا كثيرة.

10- لا بد لأهل التوحيد من العلم بأن الشيخ - رحمه الله - لم يُزل منكرًا ولم يطعم دائعًا ولم ييسر أمر مخلوق، إنما الله - عز وجل - هو الذي فعل ذلك كله، والشيخ - رحمه الله - سبب من الأسباب، سخّره الله - عز وجل - لما يشاء من الأمور، وبالتعلق بالله وحده مفتاح للسعادة وطريق للنجاة، وهو مبعث تفاؤل، فالله - عـز وجل - حي باق ولا بد أن نبذل الأسباب كما بذلها الشيخ -


رحمه الله - ويقضي الله ما يشاء.

11- هذا الدين سائر كأشعة الشمس ولن يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله بعز عزيز أو بذل ذليل، فقد مات محمد - عليه الصلاة والسلام - والصحابة والتابعون ولمن ارتفعت إذنابهم وأطلت أنوفهم من أهل البدع والزيغ والضلال... الدين باق والرسالة خالدة والحجة قائمة!

12- رغم البعد عن عهد النبوة بأكثر من خمسة عشر قرنًا إلا أن التمسك بالهدي النبوي عبادة وخلقًا أمر لا مستحيل فيه خاصة لمن جاهد نفسه وأخذها على الحق وتتبع السبل وتجنب العثار وينبات الطريق، وحياة الشيخ خير مثال لذلك.

هذه نقاط عجلى لا تفي بحق المصيبة، والتقصير في حق الشيخ من قبلنا وارد في حياته وبعد مماته! وكيف يخط قلم يتعثر بدمعه وتحجبه أنة ولكن العزاء: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [البقرة: 156] ولعل من الإحسان إلى العالم المجاهد الذي أحسن على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إنشاء مبرة خيرية باسمه ويفتح فيها مجال التبرع من داخل المملكة وخارجها ويكون ريعها في مصارف الخير والبر والدعوة إلى الله والذب عن الدين، وفي هذا العمل إسداء بعض الجميل لشيخنا وأداء لبعض حقه علينا.

وقبل أن أختم أذكر ما حدثني به الشيخ محمد الرومي المحاضر في كلية إعداد المعلمين وهو حجة في تفسير الرؤى ومن أشهر من يعبرها قال لي: قبل عام قابلت سماحة الشيخ فطلب مـني تفسـير


رؤيا رآها - رحمه الله - وهي: رأى أنه على جبل ومعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورجل آخر فنزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتجه إلى مسجده في المدينة وأم بهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - انتهت الرؤيا.

قال الشيخ محمد الرومي فسرتها له بأنك يا شيخ ستنال منزلة الصديقين والشهادة، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان على جبل أحد (وهو مفهوم الجبل في الرؤيا) فاهتز فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اثبت أحدًا فإنما عليك نبي وصديق وشهيد...» والشهادة التي ندعو الله - عز وجل - يكون نالها الشيخ إما بأنه مات مبطونًا أو أن طلب الشهادة بصدق فبلغه الله إياها أو بكليهما، قال الشيخ الرومي: لما فسر الرؤيا للشيخ خفض رأسه وبكى وقال: خيرًا إن شاء الله.

رحم الله الشيخ، وتقبل جهاده وبلاءه، ورفع درجته في المهديين، ولله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار([83]).

*     *     *


 بلاد الإسلام والطموحات

معالم الدعوة وأسسها في هذا البلد المبارك واضحة الأثر سالكة الجواد تغبرت في وطئها أقدام العلماء والدعاة والمصلحين.

ولقد أظل الله - عز مجل - برحمته وكرمه هذه البلاد بدعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - فنهضت للدعوة الصحيحة دولة تحكم بشرع الله، وتقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذه البلاد هي (بلاد الإسلام) كما اسماها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته-، وعلى أهلها عبء استمرار الدعوة والقيام بها، لا يتأخر عن ذلك إلا محروم، أضاع عمره ووقته دون معالي الأمور ورفيع الدرجات.

ومع ما من الله به - عز وجل - على أهل هذه الديار من صحة المعتقد وسلامة المنهج ومحبة المسلمين لأرض الحرمين، وقيام الحجة العظيمة بتوفر أسباب الدعوة وأساليبها، من تيسر المادة وتنوّع وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية؛ إلا أن المؤمل منهم أكبر من ذلك بكثير والآمال معلقة عليهم بعد الله - عز وجل - في حمل عبء الدعوة والقيام لهذا الدين.

لنقرأ في صفحات بعض الدول المجاورة وما تقدمه مساهمة منها في أمر دعوتها وتعليمها لغير أبنائها.


في دولة مصر ذكر وكيل شيخ الأزهر في العدد (1564) من مجلة اليمامة أن في الأزهر خمسة وعشرين ألف طالب من (100) دولة كلهم يدرسون على نفقة الأزهر، وفي دولة أخرى مجاورة هي إيران توجد منح دراسية لغير الإيرانيين تجاوزت أربعين الف منحة دراسية؛ جزء منها يقدم للدارسين القادمين من الخارج للدراسة في داخل إيران ومراكزها العلمية مثل قم وغيرها، والجزء الآخر من المنح يتم به ضم بعض الدراسين في خارج إيران إلى حسابها وعلى نفقتها.

أما دولة الإسلام فإن لها قدم صدق وجهادًا معلومًا في هذا، ومن ذلك إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي يبلغ عدد طلابها أربعة آلاف طالب، مضافًا على ذلك العدد الكثير من المنح التي تقدم في الجامعات السعودية الأخرى.

لكن الأمل أكبر والطموح أعظم، ولعلي أنقل رأي الكثير... دعونا نخطط ولو لمائة عام قادم في نشر العقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد عبر المنح الدراسية والتوسع فيها، بل إن تيسر إنشاء جامعة أخرى على غرار الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وليكن مقرها مكة المكرمة مثلاً تضم ما لا يقل عن مائة ألف طالب من جميع أنحاء العالم، إنه حلم، لكن الأحلام تتحول بعزيمة الرجال إلى واقع ملموس خاصة مع حاجة الأمة وسعي غيرنا إلى المنافسة في أمر الدعوة، والأمر ليس ببعيد إن يسر الله له الأسباب([84]).


 وتبقى كلمة

أسلمت في بلدها أمريكا... على يد بعض زوجات المبتعثين للدراسة، فحسن إسلامها، وتحجبت الحجاب الشرعي الكامل، فلا يُرى منها ظفر ولا تظهر منها عين، ومرت الأيام وهي ترفل في سعادة بالغة وساعات إيمانية رائعة تنتقل بين منازل المسلمات يزرنها وتزورهن، حفظت بعض سور القرآن الكريم، بل أصبحت داعية لأسرتها وبني جلدتها بحماس وهمة..! ولما قرب موعد الحج إلى بيت الله العتيق تاقت نفسها لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وسعى الجميع إلى إعانتها ومساعدتها لمحبة أنزلها الله - عز وجل - في قلوب المسلمين والمسلمات، فقد اضطهدت في دينها وتفرقت أسرتها، والجميع يضرب المثل بحالها قريبًا من الصحابيات فجر الإسلام وضحاه.

قصة إسلامها وما لاقته تكتب بأنفاس الروح! لكن الأعجب لنا معاشر المسلمين في ديار الإسلام أن كان انطباعها الأول وهي ترى كثرة من يكشفن عن وجوههن في أرض الإسلام أن قالت: ما أكثر غير المسلمات في بلادكم اعتقادًا منها أن المسلمة هي التي مثلها تقوم بارتداء الحجاب الكامل! ومثلما رأت في سنتها الأولى حال المسلمات وحجابهن هناك، لقد استنكرت ما رأت اليوم وتعجبت مـن الحـال التي تراها... فكيف بها لو تخطـت قـدمها لترى حال


المسلمة في الأسواق؟!

أليس التبرج أختي المسلمة من الصد عن سبيل الله - عز وجل ـ! وإظهار المسلمات بمظهر لا يليق إلا بأهل الجاهلية وكيف ندعو إلى دين نحن نتفلت منه ومن تعاليمه؟!

تأملي في واقعك واستهدي بقول من خلقك وأمرك بطاعته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59].

وإن كانت اللحية رمزًا ظاهرًا لالتزام الرجال، فن الحجاب الشرعي رمز من ظاهر التزام النساء المؤمنات، والله أعلم بالسرائر([85]).

*     *     *


 الدعوة إلى الله

لو قيل لك: أن هناك شخصًا سوف يصلي ويصوم ويتصدق ويحج ويجاهد ولك مثل أدجر هذه العبادات التي يقوم بها كاملة!

كيف هو فرحك بهذا لخير العظيم؟! وكيف هو سرورك بهذا الفضل الجزيل؟! بل ربما أشخاص كثر في عمل غير منقطع إلى يوم القيامة يصب في ميزان حسناتك؟ لكن الأمر يحتاج منك إلى بذل اليسير والقيام بالأمر السهل، وهو دلالة الناس على هذه العبادات، وحثهم عليها، ويجري لك مثل أجورهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيء، إنه أجر الدلالة والتعليم ولهذا كان لنبي هذه الأمة - عليه الصلاة والسلام - مثل أجور أمته إلي يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا؛ لأنه هو الذي دلهم وعلمهم!

أما أبو بكر فله من الأجور ما الله به عليم ويكفي أنه اسلم على يديه اربعة من المبشرين بالجنة هل أنك دعوت شخصًا إلى صيام التطوع ووافق رغبة في نفسه وهمة في قلبه، فبدأ يصوم وأنت تفطر ويعطش وأنت ريان ويجوع وأنت شبعان، لكن لك مثل أجر صيامه وهو جائع ظامئ وأنت تأكل وتشرب، فأجر الدلالة لك باق: «الدال على الخير كفاعله» [رواه مسلم].

إنها الدعوة إلى الله: طريق سهل وعمل يسير وأجر كبير ورب جواد كريم!([86]).


 حظوظ النفس

تربية النفس وتزكيتها أمر مهم غفل عنه أمة من الناس، ورغم انتشار الخير وكثرة من يسلك طريق الاستقامة ويعمل في حقل الدعوة إلا أن البعض يروم الصواب ولا يجده وينشده الجادة ويتيه عنها، تقطعت به السبل وانبرى له الشيطان فاتخذه مطية له ومركبًا سهلاً يسير به في لجج الرياء والسمعة والعجب والمباهاة، ظلمات بعضها فوق بعض.

ولقتل حظوظ النفس هذه، لا بد من التمسك بالإخلاص الذي هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وقال الله - عز وجل-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2].

قال الفضيل بن عياض: «وهو أخلصه وأصوبه».

إن الإخلاص أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان وأعظمها قدرًا وشأنًا، بل إن أعمال القلوب عمومًا أكبر وأهم من أعمال الجوارح، ولا يغتر المسلم فإن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله لا قيمة له ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في


وجوه الخير وقتال الكفار وغيرها.

ومن صور تلك الحظوظ المهلكة:

أولاً: محبة المدح والثناء: فتراه يطل برأسه وترتفع هامته وتشرف نفسه إلى صوت مادح أو ثناء في مجلس!

ثانيًا: كثرة الحديث عن أعماله وما لاقاه من كد وتعب ونصب، وهذه قد يكون ظاهرها محبة هذه الدين وبث الحماس لكنها في قرارة النفس إبراز أعمال الشخص وما يلاقيه في سبيل الدعوة، رغبة في رفع مقامه لدى الناس وتصيد قلوبهم وكسب ثنائهم.

قال القرطبي - رحمه الله-: «حقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس».

ثالثًا: نسبة عمل الجماعة إليه، فتراه يحب أن يظهر أمام الرؤساء والمديرين على أن الرجل الذي قام بالعمل وهو صاحب الفكرة وهو الذي أشار بالأمر! وقد يستمر به مسلسل الدعاء حتى يقع في خطر أعظم وهو نسبه أعمال إليه لم يقم بها وينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188].

رابعًا: ذم النفس يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم، ويمدحونه به وتنطلق الألسنة تثني علي تواضعه وما أزهده وما أنبله!! وهو والله ما أهلكه.

خامسًا: التحدث بكثرة الداخلين عليه والخارجين من عنده، وأنهـم لم يتركوا له وقتًا للقراءة، وهذه من تلبيس إبليس على العاملين


 فتراه يتحين الفرص للجواب عن سؤال عن القراءة أو الإنتاج العلمي ليخبرك أنه مشغول مع الناس وكثرة سوادهم لديه وأنه مقصد لهم ولهذا ضاعت عليه الساعات الطوال!

سادسًا: العجب بالنفس، وأعمالها وتفانيها في خدمة الناس وأنه قدّم وقدّم، ومساء البارحة لم تكتحل عينه بالنوم همًا وغمً لحال المسلمين، فرحم الله حصين بن عبد الرحمن عندما قال: «أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت».

قال ابن القيم في (الفوائد): «لا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس، ولا شيء أصلح لها من شهود العبد منة الله وتوفيقه والاستعانة به والافتقار إليه وإخلاص العمل له».

سابعًا: استغلال الفرص لإبراز الأعمال فإن ذكرت آسيا فهو الخبير بها وإن ذكرت أفريقيا قال: لي عشر سنوات وأنا أذهب إليها سنويًا مرة أو مرتين، وإن كان الحديث عن أوروبا فإنه هو الذي دفع بالشباب ليذهبوا هناك حديث الدعوة والإغاثة، وأنهم وافقوا بعد جهد وعناء بذله!

ثامنًا: ذكر تقدير العلماء والمشايخ له، وأن فلانًا من طلبة العلم خصني بحديث لا يعرفه أحد، وأن فلانًا من العلماء سألني عن كذا وكذا وقام وودعني بنفسه! وسلسلة الخرز هذه طويلة إذا انقطعت!

تاسعًا: ذم الآخرين لإبراز نفسه ووجهة نظرة فلو كنت مكان فلان ما فعلت، ولماذا الاستعجال، الأمور تؤخذ بعقل... ثم يسرد لك موقفًا يظهر فيه نفسه وكيف تصرف بحكمة واتزان وأنهـى الأمـر


 حسب ما يراه!

قال بعض العلماء: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور.

وفي وسط هذه المهلكات - والعياذ بالله - تبرز صور مشرقة لأهل الإيمان ممن تقلوا حظوظ النفس... ما أجمل صورة ذلك المؤمن الذي يعمل ويكره أن ينسب إليه شيء وما أعظم من يجد ويجتهد ولا يرى نفسه إلا أنها حقيرة في جنب الله، ما أعظم من كتم حسناته كما يكتم سيئاته!

ولأهل الدعوة يقول ابن الجوزي: «ما أقل من يعمل لله - تعالى - خالصًا، لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم، اعلم أن ترك النظر إلى الخلق، ومحو الجاه من قلوبهم بالتعمل وإخلاص القصد وستر الحال هو الذي رفع من رفع».

ولأهل الآخرة قال سهل بن عبد الله: «ليس على النفس شيئًأ أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب».

جعل الله أعمال الجميع صوابًا خالصة لوجهه الكريم لا رياء فيها ولا سمعة ولا عجب ولا منة بل المنة والفضل من هدى ووفق وأعان وسدد -جل وعلا-([87]).

*     *     *


وهو الذي ينشر رحمته

لا تنهض الشعوب ولا تقوم لها قائمة إلا بغيث العلم الشرعي، ولم يمر زمن من أزمنة الأمة الإسلامية فيه ضعف وتبعية إلا نتيجة انحسار الأخذ بالعلم الشرعي علمًا وتعلمًا، وما رفعت الأمة رأسها وكانت لها الصدارة وبيدها الريادة بين الأمم إلا حين نهلت من كتاب ربها وسنَّة نبيها - صلى الله عليه وسلم -.

ومن استقرأ التاريخ قديمًا وحديثًا وجد ذلك جليًا كالشمس في كبد السماء وقد ذكر الوالد - رحمه الله - قصة أحسب أن إيرادها ذو فائدة ومغزى، فقد ذكر أنه سافر وهو الجد - رحمها الله - إلى بيروت قبل أكثر من خمسين عامًا لجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وبقي الجد في بيروت وسافر هو إلى العراق وحده وبقي فيها أكثر من ثمانية أشهر متنقلاً بين مكتباتها العامة والخاصة يجمع فتاوى شيخ الإسلام الموجودة هناك والتي ذكر ما وجد منها من درر وكنوز في مقدمة الفتاوى قال وهو الشاهد من إيراد القصة:

فرغبت في زيارة علامة العراق الألوسي لعلي أجد بعض بغيتي عنده خاصة أن لديه مكتبة كبيرة وآل الألوسي بيت علمٍ، فقدمت عليه بعد صلاة الظهر ووجدت عنده طالبًا واحدًا يقرأ نظرًا من كتاب العمدة، قال - رحمه الله -: فاستغربت ألا يجلس عند الشيخ من أبنـاء العـراق عـلى كثرتهم سوى طالب واحد، ثم يقرأ عليه الكتاب


نظرًا في حين كانت الرياض تتلالأ بمصابيح الدجى وتزخر بأعلام الهدى، فالدروس منتشرة وحلق العلماء قائمة حيث كان على رأسهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - إذا نحفظ غالب المتون، وكان سماحته لا يقبل بالحفظ المتوسط أو ما يقاربه بل إنه ينهر الطلاب بفعل تربوي زاجر، فإذا أخطأ الطالب خطأين أو ثلاثة وهو يتلو من حفظه قام الشيخ وترك الدرس، ولهذا نجد أثر ذلك واضحًا في المبرزين من طلاب الشيخ محمد بن إبراهيم حيث يحفظون المتون كاملة! ناهيك عن حلق العلم الآخرى للعلماء الآخرين.

ذكرت هذه القصة وقد عاد إلى هذه البلاد - ولله الحمد - الهمة في طلب العلم الشرعي المؤصل عبر الدورات الشرعية وفي حلق العلماء فقل أن تجد عالمًا اليوم إلا ويحضر لديه عشرات، بل مئات من الطلاب، في حين أذكر قبل عشرين عامًا أن الأمر كان فترة بين فترتين، بين مدرسة الشيخ محمد بن إبراهيم وحال اليوم، حيث زهد غالب الناس في تلك الفترة في طلب العلم الشرعي وفتروا فتورًا عجيبًا وانصرفوا انصرافًا.

ولا شك أن لوزارة الشئون الإسلامية جهدًا مشكورًا يذكر فيشكر من تشجيع ودعم لهذه الدورات التي عمت البلاد شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، اللهم لك الحمد والشكر، ولعل الطموحات اليوم كبيرة حيث نؤمل أن تكون هناك دراسة متكاملة تعد من واقـع  الدورات  الحالية لرفع مستواها والإكثار منها وتنسيق فيما بينها


 ومحاولة استقطاب أكبر عدد ممكن من الحضور، كما وأظن - ظن اليقين - أن في استمرار هذه الدورات في وسط العام الدراسي وبدايته أثرًا طيبًا ونفعًا مباركًا حتى وإن اقتصرت على شرح الأصول الثلاثة أو غيرها من المختصرات.

والهمة العالية لا تدع طلاب العلوم الشرعية يقضون إجازتهم إلا في المناطق النائية وفي مرتفعات الجبال وبطون الأودية رفعًا للجهل وتعليمًا للناس، ولوزارة الإعلام أمل لا يخيب فيه الظن أن تسجل هذه الدورات تلفزيونيًا وإذاعيًا ليستفيد أكبر عدد ممكن من المشاهدين والمستمعين.

جزى الله من كان سببًا في قيام الدورات الشرعية وكتب الأجر للعلماء وطلبة العلم وبارك فيمن سلك طريق العلم([88]).

*     *     *


 من خير هذه البلاد

لأهل هذه البلاد منـزلة عالية في قلوب أهل الإسلام شرقًا وغربًا، فما منهم من أحد إلا وهفا قلبه إليها حجًا وعمرة مع تولية وجهه شطر البيت الحرام خمس مرات لمن أدى الفريضة فحسب!

وقد رافقت بعض الإخوة في سفر إلى لبنان وأدركتنا صلاة العصر ونحن خارج مدينة طرابلس، وعندما عنّ لنا مسجد على الطريق توقفنا للصلاة فيه ووجدنا في ساحته رجلاً كبير السن يوحي ترحيبه بأنه من القائمين على المسجد، فسلمنا عليه ثم أدينا الصلاة، كان الرجل ينتظرنا بكلمات عذبة ترحيبًا وضيافة، فقبلنا دعوته في داره المجاورة للمسجد، وبدأ حديثه عن المملكة وأهلها وذكر لنا قصة يحسن أن نذكرها هنا... قال: ذهبت إلى الحج قبل سنوات، وتعطلت سيارتنا بين المشاعر، فلما مرَّ علينا رجل من رجال الأمن قلت له: أخبر الملك فهد أننا هنا مقطوعون لا ماء ولا زاد، فتبسَّم رجل الأمن ولكني أعدت عليه بشدة أن يخبر الملك فهد، قال الرجل والسرور يطفح على وجهه... ما إن تم من الوقت نصف ساعة فإذا بالماء البارد والزاد يصل إلينا، قال: فلما ذهبت إلى مكة رأيت مكتبًا للبريد فيممت نحوه لإرسال برقية شكر لخادم الحرمين الشريفين، فلما قدمت البرقية اعترض موظف البرقيات على بعض العبارات وقال: احذف هذه فهي من الشرك، وذيلت البرقية باسمي


وعنواني ونسيت الأمر، وبعد شهور إذا بهدية تأتي إلي عبارة عن مصحف وأشرطة قرآن مرسلة من قبل السفارة السعودية إهداء من خادم الحرمين الشريفين إلى شخصي المتواضع! ثم قال: كيف ننسى معروفكم لنا وحسن صنيعكم معنا!

والشيء بالشيء يذكر فقد كنا في رحلة أخرى إلى أفريقيا وأمضيت وقتًا طويلاً مع بعض الدعات من تلك الدول فقال أحدهم: أحملك أمانة إلى خادم الحرمين الشريفين فنحن في أمس الحاجة لإذاعة موجهة إلى هنا بلغتنا تبث من بلادكم.

قلت له: أعرف أن هناك أمرًا ساميًا صدر لمثل هذا الأمر، خاطبوا السفارة لعلها ترفع الأمر إلى خادم الحرمين الشريفين لتفعيل القرار وجعله موضع التنفيذ، قال الداعية: نحن لا نعرف إلا أنت ونحملك هذه المسئولية! وبقيت كلما تذكرت الأمر أقلب الطرف، كيف أرفع الأمر وابلغ الأمانة! وعندما فكرت أن تصل عبر هذه المجلة الدعوية كان الهدف ليس الطلب فحسب، بل حتى نستشعر أن الأمة تنظر إلى هذه البلاد وأهلها بنظرات ملؤها القبول وحسن الظن!

فهنيئًا لمن وفقه الله - عز وجل - على القيام بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونصرة هذا الدين([89]).

*     *     *


 العلماء ونفع الناس

لا تزال الأمة ولله الحمد ترجع إلى علمائها مصابيح الدجى وأعلام الخدى، الذين نفع الله بهم البلاد والعباد، ولعلي اذكر على عجل نتفًا سريعة تناسب المقام من نفعهم للناس ومحبتهم الخير للمسلمين.

الأولى: منها ذكرتها إحدى قريباتي وهي مدرسة علوم شرعية حافظة لكتاب الله - عز وجل - قالت: اتصلت قبل سنوات بسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز - رحمه الله - وكنت قد أعددت مجموعة من الأسئلة لعرضها عليه، فاتصلت به أكثر من ثلاث مرات ولم أجده، فقلت لمن رد على الهاتف وقد عرف اتصالي المتكرر: إذا أتى الشيخ فهذا رقم هاتفي، ولم أذكر اسمي ولا من أنا إطلاقًا ولا ماذا أريد من الشيخ.

قالت: فغبت فترة من الزمن تقارب الساعة، وفي زحمة أعمال المنزل إذا بالهاتف مرة بعد أخرى يتصل ويأتي أحد معارفي أو طالباتي حتى نسيت أمر الشيخ - رحمه الله - ثم بعد ساعتين ارتفع رنين الهاتف وعلى الطرف الآخر رجل يقول أنا عبد العزيز بن باز، قالت: فتشت ذهني وارتبكت ولولا أني قد كتبت الأسئلة وأعددتها في ورقة لربما لم أعرف ماذا أقول، فسألت الشيخ فأجاب حتى انتهيت من أسئلتي!


قالت: هذا إمام العصر يتصل بسائلة ليفيدها من بحر علمه تواضعًا ونفعًا للمسلمين، وطال تعجبي كيف وجد الوقت في زحمة أعماله ليجيب سؤال امرأة!

والحدث موصول عن العلماء فمن تميز الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - الملاحظ في إجاباته وأنه إذا أجاب على فتوى السائل غالبًا ما يزيد بتوجيه مفيد فتراه يقول - رحمه الله - وانصح السائل بكذا وكذا- ومن حرصه على نفع الناس ومحافظته على أوقاتهم أنه إذا سافر إلى مكة جعل في هاتفه الذي في عنيزة تسجيلاً بصوته يذكر لك أين هو، وعلى أي هاتف موجود،÷ وما هي مواعيد الاتصال به! وهذه الميزة أظنه الوحيد فيها بين العلماء حتى اليوم.

ومن نفع الناس ما رأيته من الوالد - رحمه الله - فقد صلينا في مسجد تغيب إمامه وقدم لصلاة العصر فلما انتهت الصلاة رأى على يمينه كتاب رياض الصالحين ففتحه - وحمد الله وصلى على نبيه ثم بحث عن نظارة القراءة فلم يجدها، ووجد مكانها مكبرًا يدويًا لقراءة المخطوطات وكان ملازمًا له ففتحه وبدأ يقرأ به والناس ينظرون إليه بتعجب، أراد - رحمه الله - نفع الناس بكل الوسائل والسبل! ولحرصه على نشر العلم ونفع الناس حثه على التدريس والتعليم ومن ذلك أن أحد الأقارب سأله وقد تخرج لتوه من الجامعة فقال له: أين أذهب؟ وما هو العمل المناسب؟ فقال - رحمه الله -حسبك التدريس- متى تجد أكثر من أربعين نفسًا يستمعون إليك اليوم، لا تعد عيناك عن تـعليم النـاس الخير، عندهـا


 تذكرت ما ذكره الإمام الذهبي عند ترجمته لأبي منصور الخياط الذي كان معلمًا متخصصًا في تعليم الأكفاء (العميان) يجمع لهم المال ويعلمهم كتاب الله - عز وجل - حتى قال بعض أهل العلم إنه علم سبعين ألفًا، فاستغرب الإمام الذهبي في السير هذا القول وتتبعه بقوله: أراد بقوله سبعين نفسًا فقال: سبعين الفًا، ثم علق الذهبي على ذلك وهو الشاهد من إيراد القصة: ومن علم سبعين ضريرًا فقد عمل خيرًا كثيرًا.

فكيف بمن يخرج أجيالاً متلاحقة!

وأعظم أنواع نفع الناس إخراجهم من الظلمات إلى النور وتبصرهم بأمور الدين، ولا يقوم بذلك إلا العلماء والدعاة ممن يزرعون الخير في قلوب الناس زرعًا([90]).

*     *     *


 حتى تخدم الفتوى

لهذه البلاد منزلة عالية بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإليها تتجه قبلتهم، ونحوها تهوى أفئدتهم، ومن معينها الصافي تنهل قلوبهم وعقولهم، حرى بأهل الدعوة إلى الله استثمار ذلك في توجيه المسلمين نحو العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح وقطع الوسائل والطرق التي قد تؤدي بطالب العلم والفتوى إلى الانحراف وجهة غير صحيحة لنيل مراده.

وإن كان هذا قدر هذه البلاد وشرفها الذي أكرمها الله - عز وجل - به إلا أننا نخشى من التقصير في هذا الجانب، ومن أوضح الأمثلة صعوبة الحصول على مرجعية للفتوى بالهاتف مثلاً، فعامة الناس لهم أسئلة وعندهم استفساراتهم ولديهم مشاكل، فإلى أين يتجهون؟ ومن يسألون؟ إذا أوصدت الأبواب أمامهم، وأغلقت الدروب دونهم، خاصة أن وسيلة الاتصال والوصول إلى العلماء لديهم هي الهاتف؟

أحد أولئك الذين أضناهم البحث عن مجيب لسؤاله قال: طرقت أرقام هواتف عشرة علماء ولم يرد أحد! أتريدون أن أسال (فلان) وسمّى رجلاً من أهل الغناء والخنا!

وحتى لا يكون هناك عذر لسائل وحتى لا نجد أولئك المفتين ممن عليهم ملاحظات واستدراكات يتسيدون الساحة الشرعية، اقـترح على معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد


 اقتراحًا يحل جزءًا من المشكلة ويسهم في ذلك يجعل خط ساخن طوال 24 ساعة للرد على الفتاوى الشخصية (سنترال يحول الأرقام مباشرة) ويوضع له رقمًا مميزًا سهل الحفظ ويتم الإعلان عنه بشكل دوري ومكثف عبر وسائل الإعلام الممكنة.

ويخزن في (السنترال) أرقام المشايخ حسب جدول معد بحيث كل ساعتين يحول إلى رقم الشيخ المجيب في ذلك الوقت، والقصد من عدم زيادة حصة المشايخ عن ساعتين حتى يجيب الشيخ وهو مرتاح البال ويطعى كل سائل فتواه وليستمع إليه، فغالب الناس لا تجد العناية مع الأسف ولا استماع المطلوب فحاجة الناس اليوم ليست للفتوى فحسب، بل لا بد من دمج الفتوى مع الدعوة والنصح والتوجيه.

ويختار لهذا العمل نخبة مميزة من العلماء وطلبة العلم وتتم الجدولة بينهم شهريًا وأسبوعيًا ويوميًا حسب العدد، وبوجود أعداد بالمئات والآلاف من العلماء وطلبة العلم بيننا مؤهلون لهذا العمل المبارك، وغالب الأسئلة اليوم لا تحتاج إلى عالم مجتهد، بل إلى طالب علم رزقه الله العلم والفقه في الدين.

ولحاجة الناس الماسة يستمر الجدول ليلاً ونهارًا حيث إن هناك مناطق في شرق الأرض وغربها تحتاج على فتوى، ويكون الوقت عندهم نهارًا ولدينا ليلاً.

وليكن الأمر واقعًا.. في تقسيم سريع ترى أن الأمر ولله الحمد ميسور ومقدور عليه، ففي شهر كامل لدينا (720) ساعة وبالإمكان التقسيم كل ساعتين لنـحصل على (360) فترة ولو تـكرر لدينـا


 التحويل لشيخ بعينه أربع مرات في الشهر فقط لقل العدد وقد يسر الله - عز وجل - وسائل الاتصال، فالشيخ في منزله لا يتحمل مشقة الذهاب والعودة، فالسنترال يحول المكالمات إلى الرقم الذي يكون بجواره.

وفي هذا العمل قطع الطريق على أصحاب الشر والباطل بتهام العلماء بأنهم بعيدون عن الناس وعن الفتوى، وما نشأ عن هذا الغياب من خروج القنوات الفضائية بفتاوى شاذة شوشت على الناس كثيرًا.

وبإذن الله فإن هذا العمل سوف يكون منقبة لوزارة الشئون الإسلامية يضاف إلى صفحاتها البيض في الدعوة إلى الله - عز وجل - ونفع المسلمين من عظم الدلالة على الخير بالفتوى والنصح والتوجيه.

ومن الأعذار الوجيهة التي قد تطرح.. أن الوزارة ليست جهة مخلوقة بالإفتاء لوجود المفتى العام واللجنة الدائمة للإفتاء - حفظهم الله - وبالإمكان جعل اسم لا يتداخل معهم ويخرج الوزارة من الحرج مثل (الخط الساخن والحلول) أو (مشاكل وحلول) أو يتم إخراج هذا المشروع بالتعاون معهم حسب مقتضى الحاجة.

أدعوا الله - عز وجل - أن يفرج هذا المشروع الهم عن طالبي العلم والفتوى وأن يكون منقبة للوزارة تضاف إلى مناقب هذه البلاد وعلمائها وأهلها([91]).


 الجن والدعوة

الحديث عن أمر الجن عجيب وطويل لا تنتهي قصصه وأخباره.. ولأن الحديث عن جانب الدعوة إلى الله يشمل الإنس والجن: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

دعونا نتطلق لنرى واقع الجن في القيام بأمر الدعوة إلى الله وتبليغ هذا الدين العظيم، خاصة أن الله - عز وجل - ذكر ذلك في كتابه الكريم في عدة مواضع وبعضهم أفقه من بعض الإنس في هذا المقام العظيم!

كانت البدايات الأولى ببطن نخلة وكانوا تسعة نفر أحدهم زوبعه من جن الجزيرة صرفهم الله - عز وجل - لسماع الوحي... كما ذكر - عز وجل-: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: 29]، ولما سمعوا وانصتوا فإذا الانصاف وكلمة الحق: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1]، ومن أحسن الاستماع والبحث عن الحق فإن الله - عز وجل - يعينه ويشرح صدره فكانت الهداية التي أرادها الله - عز وجل - لهم... ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: 2] ولم يتوقف الأمر عن الإيمان والتصديق والعمل والفعل! بل علم من حضر من الجن أن أمرًا ارتضوه لأنفسهم وقبلوه ومنهجًا لحياتهم ومماتهم لا بـد أن يسـعوا إلى تبليغه والقيام له! وهذا فهم واسع عظيم


من أولئك النفر فكان القيام والتبليغ كما ذكر الله - عز وجل - عنهم: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29]، وأولئك حملة الرسالة في توجههم منادين بالدخول في دين الله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: 31].

أما في جانب الإنس فقد ذكر الله - عز وجل - صورة عجيبة لرجل داعية أهمه أمر الدين والدعوة إليه القيام بأمره، قال تعالى: ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: 20] والسعي في لغة العرب الجري الشديد.

ويا ترى ماذا كان وراء هذا الجري السريع والأنفاس المتلاحقة: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 20].

ولهذا ذكر الله - عز وجل - أهل النار موبخًا لهم ومقررًا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8]، لأن النذير هو الذي يتحمل الصعاب ويذهب إلى الناس ويدعوهم ويصبر على ما يلاقيه في سبيل ذلك.

ولأصحاب الهمم والعزائم التي تعمل لكل أمر دنيوي! دونكم مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عمه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد جعل القياس أمرًا دنيويًا رغبة في حفز الهمم وتقوية العزائم: «لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» وحمر النعم أنفس أموال العرب في وقتها!

فكم في هذا المضمار من نبي قام بالدعوة وكم من صحابي وتابعي


 اقتفى الأثر وسار على الطريق والأمر متوال إلى قيام الساعة، ويكفي من قام به شرفًا أن يكون من اتباع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

قال ابن القيم: «فالدعوة إلى الله هي وظيفة المرسلين واتباعهم».

وتأمل في سحائب جواد الكريم المنان فقد أجزل الله الأجر والمثوبة للعاملين في الدعوة وهذا من فضله وإحسانه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من دل على الخير فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم].

قال الإمام النووي - رحمه الله-: «دل بالقول واللسان والإشارة والكتابة».

وقال - رحمه الله: «وفيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله».

وفي القيام بأمر الدعوة إلى الله ما تقر به العين وتهنأ به النفس ويكفي طريقًا سار عليه محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه أن تكون عليه سائرًا ولأجره مثابًا ومؤملاً وفيه حسن القيام وطيب الثمر.

قال ابن القيم - رحمه الله-: «فالدعوة أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها».

جعلنا الله ممن يخدم دينه ويرفع رايته ويقتفي أثر نبيه - صلى الله عليه وسلم -([92]).


 بر العلماء بأمهاتهم وآبائهم

العلماء ورثة الأنبياء، ورثوا العلم والنور والسمت والهدي الكريم! امتثلوا أمر الله - عز وجل-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].

وتأسوا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما-: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصلاة في وقتها»، قلت: ثم أيّ؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» [رواه البخاري].

ولأهمية بر الوالدين وقد تفلت من أيدي الناس ووصل الأمر على أشد أنواع العقوق لعل في ذكر بعض أحوال أهل العلم مع آبائهم وأمهاتهم ما تقرُّ به العين وتفرح به النفس تأسيًا وقدوة ومنهجًا وأسوة، مع أنهم من أكثر الناس انشغالاً ولديهم من الهموم للناس والأمة الكثير!

الشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري - رحمه الله - مع مكانته العلمية والاجتماعية كان بارًا بوالدته برًا عجيبًا، وكان يتفقد أمورها ويتابع أحوالها، ولم يسمح لأحد أن يقوم بمهام والدته عنه مع وجود الأبناء والأحفاد بقربها! وكان ينهض بنفسه لقضاء  حوائجها وغسل ثيابها برًا وإحسانًا إليها حتى توفيت، - رحمهما


الله جميعًا-.

والشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله - له نصيب وافر من بر والدته مع علو مكانته وسعة علمه وكثرة قاصدي درسه! ولقد لفت الأنظار أحد طلبة العلم أن الشيخ إذا جلس معهم فترة وطال المجلس يقوم لدقائق! فظن للوهلة الأولى حاجة كبار السن إلى الوضوء فإذا بالأمر غير ذلك، إذا بالشيخ يذهب ليلقي نظرة على والدته في وسط الدار ويسأل عن حالها هل تريد شيئًا؟ ثم يتحدث معها ويؤانسها قليلاً، ويعود لمجلسه!

والشيخ - حفظه الله - لا يسافر لحج أو غيره إلا إذا استأذنها فإن أذنت وإلا عدل عن السفر، وقد حصل ذلك مرارًا حيث رغبت أن يبقى بجوارها ولا يسافر للحج (تطوعًا) فوافق، أما إذا أراد أن يذهب للمسجد فإنه يعلمها بذلك! وعرف عن الشيخ - حفظه الله - أنه يسعى ليقضي ما يستطيع من خدمتها ليلاً ونهارًا - مع أنه كفيف البصر - قد تقدم به العمر - ولا أدل من ذلك أنه ينام بجوارها.

وأذكر أن الوالد - رحمه الله - كان يذهب يوميًا من الرياض إلى مزرعة الجد عبر طريق رملي غير معبد يستغرق المسير فيه ما يقارب من الساعة والنصف بالسيارة، يذهب يوميًا ليقوم بإعطاء إبرة للجد للمرض الذي ألم به - رحمه الله - ثم يعود إلى الرياض ليكون حصيلة الذهاب والإياب ثلاث ساعات يوميًا واستمر على ذلك فترة طويلة يقوم بدور الممرض لوالده - رحمهما الله-.


أما حال السلف الصالح فأمر عجب! قيل لعلي بن الحسين بن علي - رضي الله عنهم - وهو من هو في علو الشرف ورفعة الكعب: قيل له: أنت من أبر الناس، ولا نراك تؤاكل أمك؟ فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها.

وكان حيوة بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين يقعد في حلقته يعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة فألق الشعير للدجاج فيقوم ويترك التعليم، وما أجمل الفقه في الدين يرتقي بالمرء إلى مراتب عظيمة فلا يقدم أمرًا على آخر.

قال هشام بن حسان: قلت للحسن إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن: (تعش العشاء مع أمك تقرُّ بها عينها، أحب إليَّ من حجة تحجها تطوعًا)، ولعظم ما أعد الله - عز وجل - من الأجور لمن قام بحق والديه وبرَّ بهما، بكى الحارث العكلي في جنازة أمه فقيل له: تبكي؟ قال: ولم لا أبكي وقد أغلق عني باب من أبواب الجنة!

وقال بعض العلماء: من تغرب عن الوالدين في طلب عيش أو في ضرورة فليدمع وليسأل الله - عز وجل وعلا - أن يغفر ذنبًا حرمه القرب من الوالدين، وتأمل في أمر البر لديهم.. كان محيريز يقول: من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه، من دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه، إلا أن يقول يا أبت، وما أعظم الإسلام دينًا ومنهجًا ولاء وبراءً.. دين الــرحمة وأداء الـحقوق.. حث على البر بالوالدين ومصاحبتهما في


الدنيا معروفًا حتى وإن كانوا كفارًا!

قال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): (قال أصحابنا في المسلم يموت أبواه وهما كافران إنه يغسلهما ويتبعه وما يدفنهما، لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها).

اللهم إنا نسألك البر بآبائنا وأمهاتنا، ونسألك اللهم أن تتجاوز عن تقصيرنا في حقهما، إنك جواد كريم([93]).

*     *     *


 شيخ مقعد يصلي الفجر

لا تزال الدروس والعبر في حياة العلماء والدعاة والمصلين تتراءى للأمة جيلاً بعد جيل وزمنًا بعد زمن.

تذكرت تلك العبر واستعدت الذاكرة فإذا بحديث عظيم يحدو الجميع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ أعمى فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، لما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة» قال: نعم، قال: «فأجب».

ذكر الإمام الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) عند ترجمته لعامر بن عبد الله قال: «عندما سمع عامر بن عبد الله المؤذن وهو يجود بنفسه ومنـزلة قريب من المسجد قال: خذوا بيدي، فقيل له: إنك عليل، فقال: اسمع داعي الله فلا أجيبه، فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات».

وقد سطر الربيع بن خثيم موقفًا عظيمًا في حياته، ها هو بعدما سقط شقه يهاده بين رجلين إلى مسجد قومه وكان أصحابه يقولون: يا ابا يزيد لقد رخص لك لو صليت في بيتك، فيقول: إنه كما تقولون ولكني سمعته ينادي، حي على الفلاح فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفًا ولو حبوًا» وفي هذه الأيام تجدد الدروس والعبر.


أحمد ياسين - رحمه الله - رجل كبير في السن لا تحمل قدماه ولا تتحرك يداه مقعد على كرسي متحرك، ومهدد بالقتل من السماء والأرض من اليهود وغيرهم، ومع ذلك أبى إلا أن يشهد صلاة الفجر مع الجماعة في بيت من بيوت الله.

وتأمل واقع اليوم فإذا مساجد المسلمين تئن من الشكوى وقلة من يعمرها بالطاعة والعبادة خاصة مع كثرة من يتخلفون عن صلاة الفجر.

في أمة الإسلام دروس في الجهاد وطلب الشهادة لمن هيأه الله - عزَّ وجل - لذلك ودرس في المحافظة على أوامر الله - عزَّ وجل - بالمحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.

درس للنائمين عن صلاة الفجر وإن هزهم نبأ استشهاد الشيخ وقتله لأن من لا يقوم لحي على الفلاح لا يقوم بحي على الجهاد، فالعواطف تذيل بسرعة تطويها عواصف الفتن والشهوات.

يا ليت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تتفاعل مع الحديث وتهب لتصلي الفجر وتملأ المساجد!([94]).

*     *     *


 نعم هو الشيخ

كلمة (الشيخ) إلى عهد قريب كانت تطلق على قاضي البلد أو تنصرف إلى ذلك العالم الذي يرجع إليه الناس في الفتوى وتبيين الحكم الشرعي! وإن أطلقت على كبار السن فهي محمدة ومنقبة لقائلها.

وقد صدر أمر سام بمنح خريج كلية الشريعة هذا اللقب، وكان ذلك في بداية عهدها واليوم لكثرة الخريجين وتمايز المشارب والمظاهر في هذه الدراسة تغيرت الأحوال!

وإلى عهد قريب أيضًأ كان العلماء الربانيون يتدافعون اسم الشيخ ولا يرضون به خاصة إذا كان في مكان مدح وثناء كانوا أقرب إلى الإخبات والسكينة بين يدي الله - عز وجل-.

ومن الأمثلة الحية، إن المسجد الذي يؤمُه العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وقف قديم منذ وقت الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - صاحب فتح المجيد، فذكر للشيخ محمد ابن إبراهيم أن البعض قد اعتدى على هذا الوقف، فطلب ورقة الوقف والتي كتبها الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فلما قرئت عليه كان فيها، (وقف على مسجد دخنة الكبير) قال الشيخ محمد - رحمه الله -: الله أكبر، لم يقل وقف على مسجد الشيخ، لأنه هو الشيخ المقصود، وقد القى بعض المقدمين لقبًا للشيخ عبد العزيز بن باز - رحـمـه الله-: فقـال: أتمـنى أن يكـون لك وهو شيخ الإسلام


فرد - رحمه الله -: (يكفينا عبد العزيز بن عبد الله والحمد لله... الله المستعان نعم الله المستعان... الله يجعلنا وإياكم من دعاة الهدى... الله يجعلنا وإياكم من دعاة الهدى).

واذكر أن الجد - رحمه الله - ما كان يقبل أن يقال له الشيخ ويرده على من يناديه بذلك: وقد ذكر لي الشيخ زيد بن فياض - رحمه الله - أن رجلاً (وسماه) أتى للجد ولم يكن يعرفه من قبل فقال: أريد الشيخ فقال الجد - رحمه الله-: تعش عندنا ونم وغدًا أدلك على الشيخ: فلما أصبح الرجل وصلى التفت إليه وقال بالغت في إكرامي واريد الشيخ: قال المشايخ في الرياض، ولا أذكر أن الوالد - رحمه الله - رضي بهذا أو أقره على نفسه، بل يقول كثيرًا محمد بن قاسم مجردة هكذا، واليوم يكتب أحدهم إليك رسالة من الشيخ فلان... ويسمى نفسه، وبعضهم إذا طُلب في الهاتف يجيبك من في المنزل: الشيخ غير موجود!

وسمعت أحدهم يومًا وهو يرسل أمرًا مع كاتب قولوا له هذه من الشيخ فلان، وذكر اسمه! أما كثرة التشكي والمتحدث يسهب في الدعوة وأنهم لا يقدرون المشايخ ولا طلبة العلم، فالأمر متواتر والله المستعان.

وقد ذكر الإمام ابن القيم عن شيخه كلامًا نفيسًا قال: ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - من ذلك أمرًا لم أشاهد من غيره، وكان يقول كثيرًا: مالي شيء، ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:


أنا المكدى وابن المكدى

وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أثني عليه في وجهة يقول: والله إني إلى الأن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا! واستمع إلى هذه المعاتبة اللطيفة من الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - فقد استأذن أحدهم في إلقاء قصيدة أمامه فقال: الشيخ: نعم تفضل، فقال الشاعر:

يا أمتي إن هذا الليل يعقبه فجر

وأنواره في الأرض تنتشر

والخير مرتقب والفتح منتظر

والحق رغم جهود الشر منتصر

وبصحوة بارك الباري مسيرتها

نقية ما بها شوب ولا كدر

ما دام فيها ابن صالح شيخ صحوتنا

بمثله يرتجى التأيد والظفر

فقال الشيخ محمد:

أنا لا أوافق على هذا البيت، لأني لا أريد أن يربط الحق بالأشخاص، كل شخص سيذهب فإذا ربطنا الحق بالأشخاص معناه أن الإنسان إذا مات قد ييأس الناس فأقول إن كان تبدل البيت فتقول ما دام فينا كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويواصل الطالب الأبيات فيرد عليه الشيخ: يا شيخ: لا، لا ما عندك غير هذا، لا أوافق ما عندك غير هذا.. أعطنا شيئًا غيره، وهنا التمس أحد الحضور من الشيخ أن يدع الطالب يواصل!


فيرد الشيخ قائلاً: أبدًا ما لها داعي يا رجال. أنصحكم من الآن لا تربطوا الحق بالرجال... الرجال يضلون حتى إن ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، الرجال إذا جعلت الحق مربوطًا بهم يمكن إنسان يغتر بنفسه ونعوذ بالله من ذلك ويسلك طرقًا غير صحيحة ولذلك أنا أنصحكم الآن ألا تجعلوا الحق مقيدًا بالرجال.

أولاً: نسأل الله أن يثبتنا وإياكم من الزلل والفتنة ونعوذ بالله من ذلك.

ثانيًا: أن بني آدم بشر ربما يغتر إذا رأى الناس يبجلونه ويكرمونه ويلتفون حوله، وربما يغتر وظن أنه معصوم ويدعي لنفسه العصمة وأن كل ما يفعله هو حق وكل طريق يسلكه فهو مشروع ويحصل بذلك الهلاك، ولهذا امتدح رجلاً رجلاً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: «ويحك قطعت عنق صاحبك أو ظهر صاحبك».

وأنا أشكر الأخ مقدمًا وإن لم أسمع ما يقول في على ما يبريه من السرور نحوي وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه وأكثر.

أما الأئمة الكبار فحسبك هذه الكلمات قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير، وكان - رحمه الله - يقول: نحن قوم مساكين رحم الله ضعفنا وطهر قلوبنا وأقوالنا وأعمالنا([95]).



(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (51) جمادى الآخرة 1418هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (87) 1421هـ.

(1) نشرت في مجلة الدعوة العدد (85) ربيع الآخر 1421هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (82) محرم 1421هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (84) ربيع الأول 1421هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (81) ذو الحجة 1420هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (54) رمضان 1418هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (50) جمادى الأولى 1418هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (80) ذو القعدة 1420هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (52) رجب 1418هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (88) رجب 1421هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (55) شوال 1418هـ.

(1) نشرت في مجلة الأسرة العدد (53) شعبان 1418هـ.

([1]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (57) ذو الحجة 1418هـ.

([2]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (58) محرم 1419هـ.

([3]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (59) صفر 1419هـ.

([4]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (60) ربيع الأول 1419هـ.

([5]) نشرت في مجلة الدعوة الأسرة العدد (63) جمادى الأولى 1419هـ.

([6]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (63) جمادى الآخرة 1419هـ.

([7]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (64) رجب 1419هـ.

([8]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (65) شعبان 1419هـ.

([9]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (66) رمضان 1419هـ.

([10]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (67) شوال 1419هـ.

([11]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (68) ذو القعدة 1419هـ.

([12]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (96) ذو الحجة 1419هـ.

([13]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (70) محرم 1420هـ.

([14]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (71) صفر 1420هـ.

([15]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (72) ربيع الأول 1420هـ.

([16]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (73) ربيع الآخر 1420هـ.

([17]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (74) جمادى الأولى 1420هـ.

([18]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (76) رجب 1420هـ.

([19]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (77) شعبان 1420هـ.

([20]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (79) شوال 1420هـ.

([21]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (79) شوال 1420هـ.

([22]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (83) صفر 1421هـ.

([23]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (86) جمادى الأولى 1420هـ.

([24]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (89) شعبان 1420هـ.

([25]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (90) رمضان 1420هـ.

([26]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (91) شوال 1421هـ.

([27]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (92) ذو القعدة 1421هـ.

([28]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (93) ذو الحجة 1421هـ.

([29]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (94) محرم 1422هـ.

([30]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (95) صفر 1422هـ.

([31]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (96) ربيع الأول 1422هـ.

([32]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (98) جمادى الأولى 1422هـ.

([33]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (99) جمادى الآخرة 1422هـ.

([34]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (100) رجب 1422هـ.

([35]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (101) شعبان 1422هـ.

([36]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (102) رمضان 1422هـ.

([37]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (103) شوال 1422هـ.

([38]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (104) ذو القعدة 1422هـ.

([39]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (105) ذو الحجة 1422هـ.

([40]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (106) محرم 1423هـ.

([41]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (107) محرم 1423هـ.

([42]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (108) ربيع الأول 1423هـ.

([43]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (109) ربيع الثاني 1423هـ.

([44]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (110) جمادى الأولى 1423هـ.

([45]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (111) جمادى الآخرة 1423هـ.

([46]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (114) رمضان 1423هـ.

([47]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (116) ذو القعدة 1423هـ.

([48]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (112) رجب 1423هـ.

([49]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (113) شعبان 1423هـ.

([50]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (56) ذو القعدة 1418هـ.

([51]) نشرت في مجلة الشقائق ربيع الأول.

([52]) نشرت في مجلة الشقائق ربيع الأول.

([53]) نشرت في مجلة الأسرة العدد (1740) محرم 1421هـ.

([54]) نشرت في مجلة الشقائق العدد (34) ربيع الآخر 1421هـ.

([55]) نشرت في مجلة الشقائق صفر.

([56]) نشرت في مجلة الشقائق محرم.

([57]) نشرت في مجلة الشقائق ذو القعدة.

([58]) نشرت في مجلة الشقائق صفر.

([59]) نشرت في مجلة الشقائق شعبان.

([60]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1416) محرم 1421هـ.

([61]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1596) رجب 1417هـ.

([62]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1570) رجب 1417هـ.

([63]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1535) ذو القعدة 1416هـ.

([64]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1465) جمادى الأولى 1415هـ.

([65]) نشرت في مجلة الدعوة شعبان 1416هـ.

([66]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1567) ربيع الثاني 1417هـ.

([67]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1520) رجب 1416هـ.

([68]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1502) 7/3/1416هـ.

([69]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1451) صفر 1415هـ.

([70]) نشرت في مجلة الدعوة 10/11/1414هـ.

([71]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1566) جمادى الآخرة 1417هـ.

([72]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1510) جمادى الأولى 1416هـ.

([73]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1754) جمادى الأولى 1421هـ.

([74]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1758) جمادى الآخرة 1421هـ.

([75]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1567) رجب 1417هـ.

([76]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1584) ذو القعدة 1417هـ.

([77]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1716) رجب 1420هـ.

([78]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1725) ذى الحجة 1420هـ.

([79]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1655) ربيع الآخر 1419هـ.

([80]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1642) محرم 1419هـ.

([81]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1664) رجب 1419هـ.

([82]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1689) محرم 1420هـ.

([83]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1695) صفر 1420هـ.

([84]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1708) جمادى الأولى 1420هـ.

([85]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1730) ذو القعدة 1420هـ.

([86]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1744) صفر 1421هـ.

([87]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1765) رجب 1421هـ.

([88]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1799) ربيع الآخر 1422هـ.

([89]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1811) رجب 1420هـ.

([90]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1824) شوال 1422هـ.

([91]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1829) ذو القعدة 1422هـ.

([92]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1847) ربيع الآخر 1423هـ.

([93]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1921) شوال 1424هـ.

([94]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1936) صفر 1424هـ.

([95]) نشرت في مجلة الدعوة العدد (1941) ربيع الأول 1424هـ.