شرح القواعد الأربع

محمد بن سعد بن عبد الرحمن الحنين


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمــة

الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتداراً، فأرسل الرسل إلى المكلفين إعذاراً منه وإنذاراً، فأتم بهم على من تبع سبيلهم نعمته السابغة، وأقام بهم على من خالف نهجهم حجته البالغة، فنصب الدليل، وأنار السبيل، وأزاح العلل، وقطع المعاذير، وأقام الحجة وأوضح المحجة .

وأصلى وأسلم على محمد عبده وسوله وأمينه على وحيه، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعالمين، وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

أما بعد : فإن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحــرى ما يتسابق فيه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلاً، وعلى طريق هذه السعادة دليلاً : وذلك العلم النافع، والعمل الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعليق بسببهما، فمن رزقهما فقد فاز وغنم، ومن حرمهما فالخير كلَّه حُرم، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البر من الفاجر، والتقي من الغوي، والظالم من المظلوم .

ولَّما كان العلم للعمل قريناً وشافعاً، وشرفه لشرف معلومه تابعاً : كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد ([1]) .      

ولهذا اهتم به العلماء اهتماماً كبيراً، وصنفت فيه المصنفات الكثيرة ما بين مطول ومختصر، وكان من هؤلاء المصنفين الكثيرة ما بين مطول ومختصر، وكان من هؤلاء المصنفين الأماجد : الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – الذي عاش زمنـاً فيه (انتفضت عرى الإسلام، وعُبدَت الكواكب والنجوم، وعُظِّمت القبور وبُنيت عليها المساجد، وعبدت تلك الضرائح والمشاهد .

واعتمد عليها في المهمات دون الصمد الواحد .... فشمر عن ساعد جده واجتهاده، وأعلن بالنصح لله ولكتابه ورسوله وسائر عباده .

دعا إلى ما دعت إليه الرسل من توحيد الله وعبادته، ونهاهم عن الشرك ووسائله وذرائعه ...)([2]) . ولم يألُ جهداً في سلوك كل طريق يوصل إلى الحق ومرضاة الرب، بالتصنيف والتعليم وبالمكاتبة والمراسلة.

   ومن جملة مصنفاته " القواعد الأربع " وهو مصنف قليل لفظه، عظيم نفعه، يعالج قضية من أكبر القضايا، إنها فتنة الشرك بالأولياء والصالحين، صاغها المؤلف – رحمه الله – بعلم راسخ ودراية فائقة، مستقى نبعها كتاب الله، تقى الموحِّد هذا الداء العضال الذي فشا، وترشد طالب الحق والهدى، وتلجم أهل الغي والردى .

وقد يسَّر الله شرحه مراراً فكان موقع الاستحسان من بعض الأخوة طلاب العلم، فرأيت إخراجه تعميماً للفائدة، فأعدت النظر فيه حذفاً وإضافة حتى استوى على سوقه .    

وقد نهجت في هذا الشرح عدم التطويل، لبلوغ القصد بالتوسط والاختصار .

واعتمدت في إثبات المتن المتبع بالشرح – المطبوع ضمن المجموعة العلمية السعودية عام 1374هـ (ص:22-25) التي راجعها وصحح أصولها على مراجع خطية قديمة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله - .

وختاماً لا يفوتني أن أشكر المشايخ الفضلاء الذين تكرموا بمراجعة هذا الشرح والإفادة بالملحوظات القيمة وأخص بالشكر فضيلة الشيخين / الدكتور عبد الله بن محمد الغنيمان، والدكتور عبد العزيز بن محمد بن على آل عبد اللطيف .

وأسأل الله أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله وأن لا يحرمنا من كريم ثوابه، وأن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا ولمن لهم حق علينا، وأن يعز الإسلام والمسلمين ويذل الشرك والمشركين، إنه سميع قريب .

وكتبه

محمد بن سعد بن عبد الرحمن الحنين

المدرس بالمعهد العلمي في الشفا بالرياض

ص . ب (1743) الرمز البريدي (11924)

com.Fsh [email protected]


بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أربع القواعد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الثلاث : عنوان السعادة) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

بدأ الشيخ – رحمه الله – هذه القواعد بالبسملة، لأمرين :

1-   اقتداءً بكتاب الله تعالى .

2-   تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يبدأ مكاتباته بها، فقد جاء في المتفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في رسالته إلى هرقل : (بسم الله الرحمن الرحيم) من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم .......)([3]

قوله : (أسأل الله الكريم) :

ثنَّى بالدعاء، كما هو عادته في مصنفاته، وهذا يدل على حسن عنايته بالمتعلم ومحبته له، والعناية بالمتعلم أدب جم ينبغي للعالم أن يتحلى به لا أن يكون تبليغ العلم هماً يودع أو متاعاً يوضع، ولقد كانت هذه الحلية جمالاً يتلألأ في أخلاق العلماء السابقين لم يكونوا بحملها مثقلين، ولها مضيعين يقول ابن جماعة الكناني رحمه الله وهو يعدد أدب العالم في درسه : (ينبغي أن يعتني بمصالح الطالب، ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه، والإحسان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع منه، ونقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف، لا بتعنيف وتعسف، قاصداً بذلك حسن تربيته وتحسين خلقه وإصلاح شأنه ... وأن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوقه، ويخفض له جناحه ويلين له جانبه ...)([4]).      

و(الكريم) اسم من أسماء الله الحسنى فإن الله سمى ووصف نفسه بالكرم وأنَّه الأكرم .

ولفظ الكرم من الألفاظ الجامعة للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل هو من تمام معناه ؟ فإن الإحسان إلى الغير من تمام المحاسن، والكرم كثرة الخير ويسرته([5]) .

ثم إن اسم الكريم والأكرم وما كان في دائرة الأسماء الحسنى كالعلي والأعلى، والقدير والمقتدر، مما اتفق في أصل المعنى وتغاير لفظه لا تعد اسماً واحداً – بل يعد كل واحد منها اسماً مستقلاً بذاته، يقول ابن حجر رحمه الله : (الأسماء المشتقة من صفة واحدة لا يمنع من عدها ؟ فإن فيها التغاير في الجملة فإن بعضها يزيد بخصوصية على الآخر ليست فيه)([6])

قوله : (ربُّ العرش العظيم) :

العرش لغة : السرير الذي للملك .

وأما عرش الرحمن فهو : سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات([7]) .

وقد وصف العرش بصفات منها : العظمة كما في قوله تعالى : (الله لا إله إلا هو ربُّ العرش العظيم)([8])

ووصف العرش بالذكر كما في هذه الآية الكريمة مع أن الله رب كل شيء قيل : لأنه أعظم المخلوقات([9]) .

ووصف العرش بالمجد كما في قوله تعالى : (ذو العرش المجيد) بكسر الدال صفة للعرش على قراءة حمزة والكسائى .

ووصف بالكرم كما في قوله تعالى : (لا إله إلا هو ربُّ العرش الكريم) .

قوله : " أن يتولاك في الدنيا والآخرة " :

(الولي) من أسماء الله الحسنى قال تعالى : }أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ{ ([10])

فالله هو الولي بمعنى أنه يتولى أمور الخلائق وهو مالكهم ومدبر أمرهم .

وله سبحانه ولاية خاصة بعبادة المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور وبإعانتهم ونصرهم([11]) .

قوله : (وأن يجعلك مباركاً أينما كنت) :

هذا الدعاء اقتباس من كلام عيسى عليه السلام في المهد، كما أخبر الله عنه في كتابه العزيز أنَّه قال :}وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ{ ([12]) وقد فُسّرت البركة بتعليم الناس الخير وبالأمر بالمعــروف والنهي عن المنكر([13])، وغير ذلك من الأقوال ولا تعارض بينها ([14]) .

قوله : (وأن يجعلك ممن إذا أُعطى شكر، وإذا اُبتلىَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة) :

هذه الأحوال الثلاثة لا ينفك عنها العبد بل هو دائم التقلب فيها فهو إما أن يكون في نعمة من نعم الله التي لا تحصى ففرضه فيها الشكر، وإما أن يكون في حال مصيبة وبلاء ففرضه فيها الصبر، وإما أن يكون مقارفاً لذنب فالواجب عليه التوبة والاستغفار([15]) .


(اعلم أرشدك الله لطاعته : أن الحنيفية ملة إبراهيم : أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، كما قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{([16]). فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أنَّ أهم ما عليك معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه المشكلة، وهي الشرك بالله، الذي قال الله تعالى فيه }إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{([17]) وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها في كتابه) . 

ـــــــــــــــــــــــــــ

قوله : (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين) .

(اعلم) : فعل أمر من العلم، وقد اختلف في مدلوله على أقوال فقيل : العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع([18]) .

كقوله مثلاً : كل المخلوقات لا بد لها من خالق وهو الله سبحانه وتعالى. 

فهذا يعد علماً، لأن هذه الحكم قد صدر جازماً ومطابقاً للواقع.

وقيل: العلم لا يُعرَّف – وممن ذهب إلى هذا القول ابن العربي المالكي رحمه الله – وعلته في ذلك أن العلم أبين من أن يبين([19]) .

وكلمة (أعلم) يؤتى بها عند ذكر الأشياء المهمة فالمعنى : كن متهيئاً لما يلقى إليك من العلوم([20]) .

وأما (الرشد): فهو من المنن الكريمة والفضائل العظيمة قال تعالـى : }أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ .  

وقد عرّف بأنه الاستقامة على الحق مع صلابته فيه([21]) .   

ثم ما الفرق بين الهدى والرشد ؟

ذكر ابن القيم رحمه الله : أن الرشد هو العلم بما ينفع والعمل به.

وأن الرشد والهدى إذا أفرد أحدهما تضمن الآخر وإذا اقترنا فالهدى هو العلم بالحق والرشد والعمل به([22]) .

وأما الطاعة فقد عرفت بأنها موافقة الأمر الديني الشرعي ([23]) . أي : أن تفعل العبادة على وفق ما أمر الله به([24]) .

فمثلاً : الصلاة لا تكون طاعة إلا إذا فعلت كما أمر الله من الإتيان بشرائطها وأركانها وواجباتها .

قوله : (إن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله مخلصة له الدين) : اسم الحنيف قد تقرر في القرآن، وقد فرض الله على الناس أن يكونوا حنفاء، فرضه الله على أهل الكتاب ثم على أمة محمد، وأوجب عليه وعليهم أن يتبعوا ملة ابراهيم حنيفاً([25]) . قال سبحانه: }ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ .

وقال تعالى: }وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ{.

وقال تعالى: }وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ .

ولمَّا كانت الحنيفية فرضاً لازماً على المكلفين بيَّنها المصنف رحمه الله بأنها : ملة أبينا إبراهيم عليه السلام .

والملة هي الدين والشرع([26]) .

فالمعنى : أن الحنيفية هي الطريق الديني الذي صار عليه إبراهيم عليه السلام، وهو عبادة الله بإخلاص .

والعرب تسمى من عدل عن دين اليهود والنصارى حنيفاً، ولهذا يوجد في كتب بعض أهل الكتاب من النصارى وغيرهم وفي كلامهم معاداة الحنيف وهم هؤلاء العرب الذين جمعوا بين الحج والختان فهم مشركون([27]) .

والحنيف مأخوذ من الحنف .

والحنف قيل أصله : الميل، فالحنيف هو المائل عن الأديان الباطلة.

وقيل أصله من الاستقامة وسمى دين إبراهيم عليه السلام بالحنيفية لاستقامته([28]) .

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (الحنيف هو المستقيم إلى ربه دون ما سواه .

والحنيفية هي الاستقامة بإخلاص الدين لله وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيئاً)([29]) .

قوله : (فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة) أي : أن التوحيد شرط لصحة العبادة، كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، والدليل قوله تعالى : }وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا{([30]) قرن الله الأمر بعبادته بالنهي عن الشرك فدل ذلك على أن التوحيد شرط لصحة العبادة .

ثم إن المصنف – رحمه الله – نفي مسمى العبادة عنها إذا لم تكن خالصة وهي عبادة المشرك لكننا نجد الله سبحانه أطلق لفظ العبادة عليها كما في قوله تعالى : }وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ{ الآية . وقوله تعالى : }قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ{ الآية .

وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – هذه المسألة بياناً يتضح به مراد المصنف حاصله : أنَّ لفظ العبادة جاء في النصوص على وجهين:

 1- على وجه الإطلاق :

وحينئذٍ يراد به العبادة المطلقة وهي العبادة المقبولة التي هي من عند الله، وهي العبادة الخالصة، فعلى هذا لا يتناول اللفظ بهذا الاعتبار عبادة المشرك كلفظ الإيمان عند الإطلاق لا يتناول إلا الإيمان الحق ولا يتناول إيمان المشركين وهو إقرارهم بتوحيد الربوبية مع شركهم في العبادة .

 3- على وجه التقييد :

لما كان المشرك يعبد الله ويعبد غيره جاز إطلاق لفظ العبادة عليه مقيداً، فيقال إنه يعبد الله ويعبد غيره، أو يعبده مشركاً وبذلك جاءت النصوص كالآيتين السابقتين وكذلك قوله تعالى : }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ{ فأطلق لفظ العبادة مقيداً عبادتكم مع الله .

ولهذا إذا جاء نفي العبادة عنهم على وجه الإطلاق كقوله تعالى }وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ{ فليس هو نفياً لما قد سمى عبادة على وجه التقييد؛ بل هو نفي للعبادة المطلقة وهي المقبولة التي من عند الله([31]).

فعلم أن مراد المصنف نفي العبادة المطلقة وهي المقبولة التي هي من عند الله ليس نفياً للعبادة على وجه التقييد.

قوله : (فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها) :

شرع المصنف – رحمه الله – في بيان الأحكام المترتبة على الشرك في العبادة فبيَّن الحكم الأول وهو فساد العبادة فمتى خالط الشرك العبادة أفسدها، فلو أحرم شخص بالحج، ثم استغاث وذبح ونذر لغير الله فسد حجه لقوله تعالى }وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ وكذلك لو أن شخصاً توضأ ثم أشرك بالله فسد وضوؤه، يقول ابن قدامة – رحمه الله تعالى - : (الطهارة عمل وهي باقية حكماً تبطل بمبطلاتها، فيجب أن تحبط بالشرك، ولأنها عبادة يفسدها الحدث فأفسدها الشرك)([32]) .

قوله : (وأحبط العمل) :

الحُبُوط فسره بعض العلماء بالبطلان يقول القاضي عياض رحمه الله : أحبط عملك، وحبط عملك، أي : بطل([33]).

والفاسد والباطل مترادفان في المعنى([34])، لكن لما عطف المصنف رحمه الله الحبوط على الفساد وأضاف الضمير العائد إلى العبادة التي خالطها الشرك وأسند العمل – المعرف بالألف واللام الدال على العموم – إلى الحبوط – جعل حبوط العمل هو الحكم الثانى باعتبار أن المراد بالأول فساد العبادة في نفسها، وأن المراد بالحبوط هنا هو حبوط الأعمال الصالحة التي عملها قبل الشرك، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى : }وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ ([35]) .

يقول المصنف – رحمه الله تعالى - : فإذا (لم يجتنب الشرك فهو كافر، ولو كان من أعبد هذه الأمة : يقوم الليل، ويصوم النهار، قال تعالى : }وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{([36]) وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة، أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يزنى في أيام الصوم)([37]) .

وقد ذكر الإمام ابن القيم – رحمه الله – أن حبوط الأعمال على نوعين :

1-   عام: وهو حبوط الحسنات كلها بالردة وحبوط السيئات كلها بالتوبة .

2-   خاص: وهو حبوط الحسنات والسيئات بعضها ببعض وهو الحبوط الجزئى([38]) .

قوله : (وصار صاحبه من الخالدين في النار) : هذا هو الحكم الثالث من الأحكام المترتبة على جريمة الشرك الأكبر، فإن المشرك إذا مات على شركه من غير توبة، فهو من الخالدين في النار، قال تعالى : }لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ{([39]) .

قوله : (عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي : الشرك بالله الذي قال الله تعالى فيه : }إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{([40]) .

هذا فيه بيان أهمية هذه القواعد وقد بين المصنف رحمه الله تعالى أهميتها أيضاً في مواضع أخرى من رسائله وحاصلها :

1-   أن معرفة هذه القواعد وفهمها وقاية للموحد من الوقوع في الشرك .

2-   فيها بيان معنى لا إله إلا الله .

3-   بمعرفتها يتميز الإسلام من الشرك .

يقول المصنف – رحمه الله تعالى - : (فهذه أربع قواعد ذكرها الله في محكم كتابه، يعرف بها الرجل شهادة أن لا إله إلا الله، ويميز بها بين المسلمين والمشركين، فتدبرها يرحمك الله، واصغ إليها فهمك فإنها عظيمة النفع)([41]) .

قوله : (الذي قال الله تعالى فيه : }إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ .

هذا أيضاً من الأحكام المترتبة على الشرك الأكبر وهو أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه من غير توبة، أما بقية الكبائر فإن صاحبها إذا مات من غير توبة فهو تحت المشيئة .

كما دلت عليه هذه الآية الكريمة([42]) .

قوله : (وذلك بمعرفة أربع قواعد) :

المعرفة هي : إدراك الشيء على ما هو عليه([43]) .

والله لا يوصف بأنه عارف – وقد حكى ابن حمدان رحمه الله عن القاضي([44]) أنَّ ذلك إجماعاً ([45]) – ولكن يوصف الله بأنه عالم قال تعالى : }عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{ .

وعلة المنع من وصف الله بالمعرفة : أن المعرفة مسبوقة بجهل([46]) ولأن المعرفة أيضاً تشمل العلم والظن([47]) .

لكن هل يوصف علم الله باليقين ؟ لا يوصف علم الله باليقين ذكر ذلك ابن القطان رحمه الله ؟ وعلل المنع بأن اليقين العلم بالشيء بعد أن لم يكن([48]) .

والقواعد : جمع قاعدة، والقاعدة في اللغة : أصل الأُس .. والقواعد الأساس، وقواعد البيت أساسه([49]) .

أما تعريف القاعدة في اصطلاح العلماء حيث يقولون قاعدةُ في هذه المسألة

والقاعدةُ في هذا الباب كذا فالمراد بها : القضايا الكلية التي تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية([50]) .

مثال ذلك : (من صرف العبادة لغير الله فقد أشرك) .

وعلى هذا : فمن ذبح أو نذر أو سجد لغير الله ما حكمه ؟ حكمه أنه مشرك كيف عرفنا حكم هذه القضايا الجزئية ؟ بالنظر في القاعدة الكلية السابقة .

قوله : (ذكرها الله في كتابه) : فيه بيان لمصدر هذه القواعد وهو كتاب الله، وهذا مما تتميز به مؤلفات هذا الإمام أنها مبنية على الكتاب والسنة.


 القاعدة الأولى:

(أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُقرُّون بأن الله تعالى هو الرازق الخالق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام .

والدليل قوله تعالى : }قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ{([51]) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

1- معنى القاعدة :

أنَّ الكفار الذين بعث فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانوا من ذرية إسماعيل، وكانت فيهـم بقايـا من دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك لا عجب أنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم([52]) لكن هل أدخلهم ذلك الإقرار في دين الإسلام وعصم منهم الدم والمال ؟

بيَّن المصنف بالدليل القاطع أنَّ ذلك لم يدخلهم في الإسلام بل حكم الله بكفرهم وأمر نبيه بقتالهم .

2- لماذا قرَّر الإمام هذه القاعدة ؟

إنَّ المتأمل في الواقع الذي عاصره الإمام وما آل إليه الحال في ذلك الزمان ليدرك سبب تقريره هذه القاعدة، حيث إنَّ كثيــراً من العامة المنتسبين إلى الإسلام وقعوا فيما ينافيه ؟ بصرف العبادة للمقبورين مع وجود طائفة من العلماء المقتدى بهم قد زينوا الحق في صورة الباطل، والإمام – رحمه الله – لم يكن بمعزل عن هذا الواقع بل كان له الإطلاع التام، الذي كان له أعظم الأثر في معرفة سبب انحرافهم، وهو الجهل بحقيقة التوحيد الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم حيث أنهم يعتقدون أنَّ التوحيد الذي يجب على كل مكلف : هو توحيد الربوبية فقط .. وتصوروا جهلاً أو تقليداً أنَّ معنى شهادة أنَّ لا لإله إلا الله هو إثبات أنَّ الله هو الخالق القادر على الاختراع .. ولذا فإنَّ من وقع في بعـض المكفـرات : كالذبح لغير الله، والاستغاثة، ودعاء المخلوقين مما لا يقدر عليه إلا الله، لا يعتبر مرتداً ما دام أنَّه يعتقد أنَ المؤثر في هذا الكون هو الله وحده([53]) .

ولذا قرَّر المصنف هذه القاعدة دفعاً ورداً لهذا الاعتقاد بأنَّ الكفار الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم ذلك في الإسلام .

3- وجه الاستدلال بالآية الكريمة للقاعدة، مع ذكر أدلة أخرى:

يمكن تلخيص انحراف عبَّاد القبور في مفهوم التوحيد أنهم ظنوا: أنَّ توحيد الربوبية هو الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم وحصلت فيه الخصومة والقتال، وأنَّه تحصل به عصمة الدم والمال في الدنيا والنجاة في الآخرة، وأنَّ معنى لا إله إلا الله هو الإقرار أنَّ الله هو الخالق الرازق المدبر .

وقد ذكر المصنف – رحمه الله – ما ينقض هذا الاعتقاد بالدليل الواضح من القرآن ففي هذه الآية الكريمة على إيجازها البيان الشافي ومحصله في أمرين :

1- أنَّ المشركين كانوا مقرَّين بأنَّ الله هو خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، وهذا ما دل عليه الجواب في قوله سبحانه : (فسيقولون الله) أي : رازقنا ومالك سمعنا وأبصارنا ومحيينا ومميتنا ومدبر أمرنا .

وأما الإقرار بأنَّ الله خالقهم، فقد بينه تعالى بقوله: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ{ .

2- أنَّه لم يحصل بهذا الإقرار النجاة من النار وهذا ما دلَّ عليه ختام الآية حيث إنَّ الله طالبهم بالوقاية من عذابه فلو كانت الوقاية حاصلة بهذا الإقرار لما طالبهم .

يقول ابن جرير – رحمه الله – في قوله تعالى (ليقولن الله) أي : فسوف يجيبونك بأن يقولوا الذي يفعل ذلك كله الله (فقل أفلا تتقون) أي: أفلا تخافون عقاب الله على شرككم ودعائكم ربا غير من هذه الصفة صفته)([54])

وأما زعمهم أنَّ معنى لا إله إلا الله لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله أي : أن معناها بالمطابقة([55]) توحيد الربوبية فيسير على كل مسلم وفقه الله تدبر كتابه والنظر في سيرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في دعوته لقومه أن يتبين له بطلان هذا الاعتقاد حيث إنَّ الله بيَّن معناها في كتابه ولم يكل بيانها إلى أحد سواه([56] فبيَّن أنَّ معناها نفي وإثبات : نفي للعبودية الحقَّة عما سوى الله، وإثبات استحقاق العبودية لله وحده، يقول الله تعالى : }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{([57]) .

ما هذه الكلمة التي جعلها الخليل في عقبه وقدم معناها في مخاطبته لقومه من أنها البراءة من كل معبود وإثبات استحقاق العبادة لله الواحد الموجود ؟

قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدى وغيرهم إنَّ هذه الكلمة – هي لا إله إلا الله – لا يزال في ذريته من يقولها([58]) .

وقال ابن كثير – رحمه الله تعالى – هذه الكلمة هي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان وهي لا إله إلا الله([59]).

وأيضاً مما يبين معنى لا إله إلا الله قوله تعالى : }إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ{ ففي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أنَّ لا إله إلا الله ليس معناها مطابقة لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله، وهذا هو الذي فهمه المشركون، حيث إنهم استكبروا عن قولها، ولو كان معناها ما أقروا به لما استكبروا عن قولها، إذاَ ما الذي فهمه مشركوا قريش من هذه الكلمة ؟

هو معناها الحق، وهو ترك ما يعبد من دون الله وإفراد الله بالعبادة وحده، ولذا قالوا : }أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ{ ففهموا أنَّ معناها ترك الآلهة التي يعبدونها من دون الله .

ومما يؤكد فهمهم لمعناها الحق أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم لقولها « قولوا : لا إله إلا الله» أجابوه بقولهم : (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إنَّ هذا لشيء عجابُ)([60])

ففهموا أنَّ معناها أن يجعل المعبود إلهاً واحداً . يقول ابن كثير رحمه الله تعالى : (أي أَزَعَم أنَّ المعبود واحد لا إله إلا هو ؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم ....)([61]) .

فتبين بهذه الأدلة القرآنية أنَّ معنى (الإله) في كلمة التوحيد (المعبود) وهذا محل إجماع بين العلماء – رحمهم الله – خلافاً لما يعتقده عبَّاد القبور من أنَّ معناها لا خالق أو قادر على الاختراع إلا الله، وأنهم إذا قالوا ذلك فقد بلغوا الغاية القصوى في التوحيد مهما فعلوا من عبادة غير الله([62]) .

 خلاصة شرح القاعدة الأولى

1-  أن الكفار الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولم يدخلهم ذلك في الإسلام ويعصم منهم الدم والمال .

2-  أنَّ عباد القبور يعتقدون أن معنى لا إله إلا الله هو توحيد الربوبية، وأنه يدخل في الإسلام وأنه تحصل به عصمة الدم والمال وهذا باطل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المعتد بهم .  


 القاعدة الثانية :

أنهم يقولون : ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة .

فدليل القربة قوله تعالى : }وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ{([63]) .

ودليل الشفاعة قوله تعالى: }وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ{ الآية([64]). والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة فالشفاعة المنفية: ما كانت تطلب من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ{([65]) .

والشفاعة المثبتة : هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له : من رضي قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى : }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ{([66]) .

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذه القاعدة تعد من القواعد المهمة؟ لما لها من تعلق بموضوع الشفاعة فإن المشركين في قديم الدهر وحديثه إنما وقعوا في الشرك ؟ لتعلقهم بأذيال الشفاعة .

وقبل البدء في بيان معنى القاعدة لا بد من معرفة معنى الشفاعة.

الشفاعة في اللغة : خلاف الوتر وهو الزوج وشفع يقال شفع شفاعة ويتشفع أي : طلب . والشفع : الشافع والجمع شفعاء . واستشفعه طلب منه الشفاعة([67]) .

وأما في الاصطلاح فقد عُرِّفت بتعاريف منها : التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة([68]) .

وهذا التعريف جامع لأنه شامل للشفاعة في الأمور الدينية والدنيوية([69]) .

1- معنى هذه القاعدة :

كانت عبادة الأصنام تعد من أكبر مظاهر الشرك عند العرب حتى اتخذ أهل كل دار في دارهم صنماً يعبدونه، وكانت بعض قبائل العرب لها صنم تختص بعبادته فكان لطى وأنعم (يغوثاً) ولكلب (وداً)([70]) .

   فكيف كان لهذه الأصنام النصيب الوافر من هذه العبادة مع أنها لا تعدو أن تكون مصنوعة من أخشاب وحجارة ؟

   إن هذه الأصنام حقيقتها أنها موضوعة على شكل معبود غائب جعلت على شكله وهيئته وصورته ليكون الصنم نائباً مناب المعبود وقائماً مقامه، وإلا فلا يتصور أنَّ عاقلاً ينحت خشبه أو حجراً بيده ثم يعتقد أنَّه إلهه ومعبوده([71]) .

   لكن ما الذي حملهم على عبادتها مع إقرارهم أنها مخلوقة ([72]) وأن الله هو خالقهم ومالكهم ومدبر أمرهم وأنَّ الرزق بيده سبحانه؟

بيَّن الله في هذه الآيات الكريمة أنَّ الذي حملهم على ذلك هو طلب الشفاعة منها وأن تقربهم إلى الله زلفى، حيث أن المشركين لما أثبتوا الشفاعة للملائكة والأنبياء والصالحين صوروا تماثيلهم وقالوا استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم([73])، وقد حكم الله عليهم بالكفر والشرك .

2- لماذا قرر الإمام هذه القاعدة ؟

قد سبق بيان أن سبب شرك الأولين هو طلب القربى والشفاعة حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم فبين أن ذلك كفر وشرك وتنقص للرب، فجاهدهم في الله حق جهاده حتى تركوا ما عليه الآباء، وعبدوا الله وحده ولكن لم يقع بالحسبان أن يدور الزمان ليعود الأمر كما كان فيصيح عبَّاد القبور بالاعتذار عن الشرك في عبادة الرحمن بما اعتذر به سالفوهم من أهل الأوثان من أنهم لا يريدون إلا الشفاعة والقرب من الله ؟

فقرَّر الإمام هذه القاعدة ليبيِّن أن ذلك عين شرك الأولين .

يقول المصنف – رحمه الله - : (الدعاء الذي يفعل في هذا الزمان أنواع .... ]منها[ أن يدعو الله ويدعو معه نبياً أو ولياً، ويقول: أريد شفاعته، وإلا فأنا أعلم : ما ينفع ولا يضر إلا الله، ولكن أنا مذنب وأدعو الصالح لعله يشفع لي، فهذا الذي فعله المشركون، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتركوا)([74]).

3- بيان وجه الاستدلال بالآيتين الكريمتين للقاعدة :

دلَّت هاتان الآيتان على جملة من الحقائق :

1- أن صرف العبادة لغير الله طلباً للشفاعة، والقرب من الله هو دين المشركين :

وقد صرَّح الله بهذا في أول الزمر يقول المصنف                                   – رحمه الله تعالى - : (واقرأ أول الزمر تراه سبحانه يبين دين الإسلام ودين الكفار ومطلبهم)([75]) .

2- أن اتخاذ الشفعاء بين العبد وربه شرك وكفر شديد وتنقص لرب العالمين، وأن الاعتذار عن ذلك اعتذار كاذب لا يقبل : يدل لذلك ختام الآيتين الكريمتين، قوله تعالى : }سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{ ([76]) وقوله تعالى : }إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ{ ([77]) .

حيث إنه سبحانه لما بين موجب عبادة الكفار لغيره طلباً للشفاعة نزَّه نفسه الكريمة فعلم أن هذا الفعل منقصة للرب؛ لأنه كلما سبح الرب نفسه كان تنزيهاً عن أن يوصف بشىء من السوء([78]).

ووصف فعلهم بأنه شرك فمن فعل فعلهم كان من جملة المشركين.

وفي الآية الأخرى وصفه بأنَّه كفر شديد ؟ لأن كفار صيغة مبالغة تدل على أن كفرهم بلغ الغاية([79]) .

ومن شبه عباد القبور في اتخاذ الشفعاء أنهم قاسوا الرب تبارك وتعالى على ملوك الأرض فهم لا يسألون مباشرة؛ بل يوسطوا الشفعاء تعظيماً وتكريماً لهم فالله أولى بذلك .

    جواب هذه الشبهة : 

أن هذا محال وممتنع أن يشبه الرب تعالى ويقاس على الملوك والكبراء فبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي .

وفساد هذا القياس هو وجود الفرق بين المخلوق والخالق والرب والمربوب، والمالك والمملوك، والغنى والفقير الذي لا حاجة به إلى أحد قط والمحتاج إليه من كل وجه، فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم وبهم تقوم مصالحهم وأعوانهم، فقيام أمر الملوك والكبراء بهم فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم ويخافون إن لم يقبلوا شفاعتهم أن تنقض طاعتهم لهم، فيذهبون عنهم فلا يجدون بداً من قبول شفاعتهم فأما الله فهو غنى، غناه من لوازم ذاته وما سواه فقير إليه بذاته . قال تعالى: }لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ{ فأخبر أن حال ملكه للسماوات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وأن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنـه فإنـه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم من بعض([80]) .

ولما وضح المصنف أن شرك الأولين كان سببه طلب الشفاعة : بين أن النصوص دلت على أن الشفاعة على نوعين :

1- الشفاعة المنفية : وهي التي نفاها الله تعالى وأثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة([81]) .

وعرَّفها المصنف بأنَّها : ما كانت تطلب من غير الله تعالى .

ويمكن أن تعرَّف بأنها ما اختل فيها شرط من شروط الشفاعة المثبتة .

واستدل لها بقوله تعالى : }الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ{([82]) .

      2- الشفاعة المثبتة : وعرَّفها أنها ما كانت تطلب من الله.

ثم بيَّن رحمه الله أن لها شرطين :

      1- الإذن للشافع .

      2- الرضى عن المشفوع له، بأن يكون من أهل التوحيد، لحديث أبى هريرة مرفوعاً : « من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه»  ([83]) .

قوله (والشافع مكرم) : هذا فيه بيان الحكمة من الشفاعة حيث إن الله قادر على إنفاذ ما يحصل بالشفاعة ابتداءً فيقضى بين الخلق ويخرج العصاة ويرفع درجات بعض أهل الجنة من غير شفاعة؛ لكن الله في ذلك الحكمة البالغة فمن ذلك إكرام الشافع وذلك من وجهين :

1- ظهور فضل الشافع على المشفوع له .

2- ظهور منزلة الشافع عند الله تعالى([84])  .

وهناك مسألة تتعلق بالشفاعة، وهي : أن من دعا نبياً أو ولياً يريد منه الشفاعة فقط، فما حكمه ؟

يمكن أن نستخلص الجواب من هذه المقدمات الأربع :

1- أن الشفاعة نوع من الدعاء([85]) .

2- أنها ملك لله جميعاً، قال تعالى : }قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا{([86]) .

3- أنها إذا كانت ملكاً لله فيجب طلبها منه سبحانه .

4- أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك .

فالنتيجة : أن طلب الشفاعة من الموتى بالشرك . 

يقول العلامة سليمان بن عبد الله : (فإن قلت : إنما حكم سبحانه وتعالى بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من دعاهم للشفاعة فقط فهو لم يعبدهم، فلا يكون ذلك شركاً .

قيل : مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك لازم له، كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه وتعالى، والتنقص لازم له ضرورة، شاء أم أبى، وعلى هذا : فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في التاريخ وإنما هو شىء قدره المشركون في أذهانهم، فإن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإن من دعاهم للشفاعة فقد عبدهم وأشرك في عبادة الله، شاء أم أبى)([87]) .

ويقول الشيخ أحمد بن عيسى – رحمه الله تعالى - : (فقد أخبر تعالى : أن الشفاعة جميعها له، فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه ولا قدرة له عليها إلا برضاه ممن هي له، وإذنه فيها مقبول، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك لطلب لغيره : شرك عظيم ....)([88]) .

 خلاصة شرح القاعدة الثانية

1-  أن صرف العبادة لغير الله طلباً للشفاعة والقرب من الله هو دين المشركين .

2-  أن اتخاذ الشفعاء بين العبد وربه شرك وكفر شديد وتنقص لرب العالمين .

3-  أن ادعاء عباد القبور أنهم قصدوا بالشفاعة تعظيم الرب لا يدل على أن ذلك تعظيم بل هو تنقص له فكم من قصد التعظيم لشخص وهو ينقصه .

4-  أن الشفاعة في كتاب الله على نوعين، شفاعة منفية وشفاعة مثبتة بشروطها .

5-  أن الحكمة من الشفاعة المثبتة إظهار فضل الشافع عند الله وبيان منزلته.

6-  أن من دعا نبياً أو ولياً يريد منه الشفاعة فهو مشرك .  

 القاعدة الثالثة:

 أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم : منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر . وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم .

والدليل قوله تعالى : }وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ{ ([89]) .

ودليل الشمس والقمر قوله تعالى }وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{([90]) .

ودليل الملائكة قوله تعالى : }وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا{ الآية([91]) .

ودليل الأنبياء قوله تعالى : }وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ{ الآية([92]) .

ودليل الصالحين قوله تعالى : }أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ{ الآية([93]) .

ودليل الأشجار قوله تعالى : }أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى{ الآية([94]) وحديث أبى واقد الليثى – رضي الله عنه – قال : (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها : : ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا : يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) الحديث .

ـــــــــــــــــــــــــــ

1- معنى هذه القاعدة :

كان معظم العرب اتبعوا دعوة اسماعيل عليه السلام حين دعاهم إلى دين إبراهيم فكانوا يعبدون الله وحده ويدينون بدينه حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظاً مما ذكروا به([95]) فوقعوا في الشرك فهم في كل واد يهيمون، منهم من يعبد الأصنام التي هي في حقيقتها عبادة للملائكة والأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار حتى بعث الله نبيه المختار وهم على هذه الحال من المعبودات فأمر نبيه بقتالهم دون تفريق لأن علة القتال محو الشرك أياً كان وجعل الدين للواحد الديان. 

2- لماذا قرر الإمام هذه القاعدة ؟

لقد كان الإمام رحمه الله وأتباعه قائمين بأصل الدين وهو توحيده علماً وعملاً ودعوة  مناهضين للمخالفين له من عباد القبور بالحجج البينات من الآيات الكريمات في كفر من عبد الأولياء والصالحين من الأموات، فكان ردهم وجوابهم أنها نزلت فيمن يعبد الأصنام فكيف تجعلون الأنبياء والصالحين أصناماً ؟([96]) فقرر المصنف رحمه الله هذه القاعدة ؟ ليبين أن المعبودات في زمن البعثة كانت مختلفة، لم تكن مقصورة على عبادة الأصنام بل وجد من كان يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين، ولم يفرق الله بينهم في الحكم يقول المصنف – رحمه الله تعالى - : (اعلم أرشدك الله : أن الصالحين، ويتبين لك هذا بأربع كلمات .....

أنهـم يقولون هذا فيمن يتشفع بالأصنام، ونحن نتشفع بالصالحين، فاعرف قوله تعالى }أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ{ ([97]) لعلك تفهم جهالة أعداء الله بدين رسول الله)([98]) .


أما مضمون هذه القاعدة فهو أمران :

1- عموم الأمر بالقتال لكل من عبد غير الله، سواء كان المعبود صنماً، أو ولياً أو شجراً أو حجراً، واستدل بقوله تعالى }وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ{([99]) .

ووجه الاستدلال، أن علة القتال هو جعل الدين لغير الله، وهذا يعم كل من عبد غير الله سواء كان المعبود صنماً أو نبياً أو ولياً أو حجراً .

2- أن المعبودات في زمن البعثة كانت مختلفة فمن ذلك : عبادة الشمس والقمر : واستدل لها بقوله تعالى : }وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{([100]) .

المشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك صنفان :

قوم نوح وقوم إبراهيم .

فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر([101]) .

ويسمون بالصابئة المشركة([102]) كانوا في العراق كما قص الله في سورة الأنعام، ثم ظهر هذا الدين في سبأ حيث عبدت الشمس كما بيَّن الله في سورة النمل .

وكان من أصنام العرب صنم اسمه شمس به سموا (عبد شمس) وكذلك جعلهم شمس من أسماء الآلهة وقد ذكر أن بعض كنانة عبدوا القمر([103]) .

وقد دان بدين الصابئة كثير من أهل الشام وأهل اليمن وانحسر بتتابع الديانات الجديدة([104]) وقد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها منعاً لمشابهة الكفار وسداً لذريعة الشرك ؟ لأنه أخبر أنها تطلع وتغرب بين قرنى شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار([105]) .

ومن المعبــودات في زمـن البعثـة عبادة الملائكة : واستدل لها بقوله تعالى }وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا{([106]) .

ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى : }وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ{([107]).

فالله يسأل الملائكة هل أمروا المشركين بعبادتهم فينزهون الله أن يكون معه إله ويبينون أن الداعي إلى عبادتهم هم الجن يعنون بهم الشياطين([108]) .

يخاطبونهم ويعينونهم على أشياء وهم يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وهم يعبدون الجن في الحقيقة([109]) .

ومن المعبودات في زمن البعثة عبادة الأنبياء : واستدل لها بقوله تعالى }وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ{([110]) .

ومن المعبودات أيضاً عبادة الصالحين واستدل لها :

بقوله تعالى : }أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ{  ([111]) .

قال المصنف – رحمه الله تعالى : (قال طائفة من السلف : كان أقوام يدعون المسيح، وعزيراً والملائكة، فقال الله لهم : هؤلاء عبيدي كما انتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجونها، ويخافون عذابي كما تخافونه)([112]) .

وقد اختلف في عزير، هل هو نبي أم لا ؟

قال ابن كثير – رحمه الله – المشهور أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى([113]) .

وبهذا يتبيَّن أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن عبادة الملائكة والأنبياء، وقد سبق أن بيَّن المصنف الدليل على ذلك وإنما ذكرها ليستدل على عبادة المشركين للصالحين، فكيف يتم الاستدلال بها على ذلك ؟

يمكن الاستدلال بها من وجهين :

1- أن الأنبياء والملائكة هم أصلح الخلق .

2- أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي متناولة لكل من عبد من دون الله ممن يتقرب إلى الله ويرجوه، فيدخل في ذلك الصالحون من غير الأنبياء .

مع أنه قد وجد في زمن البعثة من يعبد الصالحين من البشر من غير الأنبياء، فقد عبدت النصارى أن عيسى عليه السلام، قال تعالى: }وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ{ ([114]) .

وقد عبـد اللات، وكان رجـلاً يَلِّتُّ السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره([115]) .

وهذا المعنى ثابت على قراءة التشديد في الآية : (اللاَّت) على قراءة ابن عباس رضي الله عنه .

ومن المعبودات في زمن البعثة عبادة الأشجار والأحجار :

واستدل لها بقوله }أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى{([116]) . وكانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف ...

أما عبادة الأشجار : فالشاهد لها : أن العزى كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة([117])  .

وأيضاً دليل عبادة الأشجار من السنة : حديث ذات أنواط وهو ظاهر الدلالة، حيث أن هؤلاء المشركين كانوا يعكفون عند هذه السدرة تبركاً بها .

 خلاصة شرح القاعدة الثالثة

1-  أن المعبودات زمن البعثة كانت مختلفة فلم تكن مقصورة على عبادة الأصنام بل عبد الأنبياء والصالحين وغيرهم فعلى هذا تكون الآيات التي نزلت في الشرك على عمومها تتناول كل ما عبد من دون الله ومن جملة ذلك عبادة الصالحين .

2-  عموم الأمر بقتال كل من عبد غير الله سواء كان المعبود ملكاً أو نبياً أو صالحاً.

3-  بطلان مسلك عبَّاد القبور في قصرهم الآيات التي نزلت في الشرك على عبادة الأصنام ليسوغوا بها عبادة الصالحين .


 القاعدة الرابعة:

أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين : لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائماً في الرخاء والشدة .

والدليل قوله تعالى  }فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ{ ([118]) والله أعلم . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .

ـــــــــــــــــــــــــــ

1- معنى هذه القاعدة :

هذه القاعدة في غاية الوضوح والبيان إلا أنها تثير الهموم والأحزان على من ينتسب لدين الإسلام خير الأديان، وكيف أنه فاق شركهم الأولين وأصبح شركهم في كل وقت وحين، أما أولئك فقد كانوا وقت الشدائد والأهوال يخلصون الدعاء للواحد المتعال .

2- لماذا قرَّر الإمام هذه القاعدة :

ذكر المصنف رحمه الله غرضه ومقصوده بهذه القاعدة في ثناياها حيث أنه يريد تقرير ما بلغ به شرك أهل زمانه وأنه أغلظ من شرك الأولين يقول المصنف– رحمه الله تعالى - : (واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفعتهم والتقرب إليهم، وأنهم مقرُّون بأن الأمر لله فهم لا يدعونها إلا في الرخاء، فإذا جـاءت الشدائــد : أخلصوا لله)([119]) .

وقد بيَّن المصنف رحمه الله وجه كون شرك المتأخرين أغلظ من شرك الأولين وذلك من وجهين :

1- أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان إلا في حال الرخاء .

2- أن الأولين يدعـون مع الله أناساً مقربين عند الله، إما أنبياء وإما أولياء، أو ملائكة، أو يدعون أشجاراً وأحجاراً مطيعة لله، ليست عاصية، أما المشركون المتأخرون فإنهم يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة، وترك الصلاة ....([120])  .

ثم استدل المصنف – رحمه الله – على أن المشركين الأولين كانوا يخلصون العبادة لله وحده في وقت الشدائد والأهوال بقوله تعالى : }فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ{ .

يقول ابن كثير – رحمه الله تعالى - : (ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم دائماً ....

وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عكرمة بن أبى جهل أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ذهب فاراً منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها : يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا ينجى منها إلا هو، فقال عكرمة : والله لإن كان لا ينجى في البحر غيره، فإنه لا ينجى في البر أيضاً غيره، الهم لك عهد لأن أخرجت لأذهبن فلأضعن يدى في يد محمد، فلأجدنه رؤوفاً رحيماً، فكان كذلك ..)([121])  .

ومع مضى عصر الإمام وتقادم الزمان وذهاب تلك الصور والأبدان فهل يظن ظان أن هذه العقائد الشركية عندما درج أقوامها([122]) دفنت بموت أصحابها ؟ كلا ولا يحتاج الأمر إلى إقامة حجة وإيضاح محجة .

فكيف يصح في الأذهان شيء      إذا احتاج النهار إلى دليل

فبزيارة بعض مقابر بلاد أهل الإسلام أو بحضور مولد من موالدهم يتبين لك تعلق القلوب بالأموات ودعائهم عند المدلهمات .

إلى الله نشكو غربة الدين والهدى

وفقدانه من بين من راح أو غدا

فعـاد غريباً مثلما كان قد بدا فعـاد غريباً مثلما كان قد بدا

على الدين فليبكى ذووا العلم والهدى

     هذا حال العامة منهم ولا عجب إن وجد من يزين لهم دين أبى جهل وأبى لهب يقول أحدهم : (من تذلل عند قبر نبي أو ولي، وتوسل به، لا يقال إنه عبده من دون الله تعالى، لأن مجرد النداء والاستغاثة والخوف والرجاء لا يسمى عبادة شرعاً، ولو سمى عبادة لغة ...

   وأما الدعاء : فليـس جميعه عبادة، إلا إذا دعونا من نعتقد فيه صفات الربوبية، أو صفة واحد منها ....)([123]) أهذا قول يقوله مسلم فضلاً أن يقوله من ينتسب إلى زمرة العلماء – التذلل والاستغاثة والخوف والرجاء والدعاء ليست من العبادات الشرعية - ! ألا يعلم هذا أن هذه العبادات القلبية هي من أصول الإيمان وقواعد الدين وأصل عمل الجوارح، وهي واجبة على جميع الخلق المأمورين باتفاق أئمة الدين([124]) قال الله تعالى }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{ وقال تعالى : }إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ{ .

وقال تعالى : }فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{ وقال تعالى : }فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{ وقال تعالى : }إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{ . وما أصدق قول القائل في عبَّاد القبور .

كثيراً ما يضمر الإنسان في نيته أمراً وهو لا يشعر به، وكثيراً ما تشتمل نفسه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها ولا أرى مثلاً لذلك أقرب من الذين يلتجؤون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب، قالوا : إنا لا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم إلى الله، إن أكبر مظهر لألوهية المعبود : أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون إمداده ومعونته ولذا فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون، إن الله لن يسعد أقواماً ] ما داموا [ إذا نزلت بهم جائحة، وألمت بهم ملمة، ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه، إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم، وغدوكم ورواحكم كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف .

فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبراً، أو يتوسلون بضريح ؟ وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته ليسأل قضاء حاجة، أو تفريج هم ؟ وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله، وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين ؟

وهل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهي عن إقامة الصور والتماثيل : نهي عنها عبثاً ولعباً، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى ؟ وأي فرق بين الصور والتماثيل، وبين الأضرحة والقبور([125])، ما دام كل منها يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد([126]).

 خلاصة شرح القاعدة الرابعة

1- أن المشركين المتأخرين أشد شركاً من الأولين.

2- أن عبادة القبور باقية إلى اليوم يوجد من يزينها ويدعو لها.

وبهذا تم شرح هذه القواعد والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



(1) " إعلام الموقعين" لابن القيم (1/14-15) .

(1) الدرر السنية " جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (1/16-17) .

 (1) " البخاري " (7) بدء الوحي . " مسلم " 1773

([4]) آداب السامع والمتكلم (140-159) .    

([5]) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (16/293) .  

([6]) فتح البخاري (11/19) .  

([7]) شرح الطحاوية ابن أبى العز (366)

([8]) النمل : الآية 26 .  

([9]) تفسير ابن عطية (12/106) .  

([10]) الشورى : الآية 9 .

([11]) تفسير الأسماء الحسنى . سعيد القحطاني (112-113) .  

([12]) مريم : الآية 31   .

([13]) تفسير ابن كثير (3/117) .

([14]) الأقوال المختلفة التي تنقل عن السلف في الآية الواحدة غالبها يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - : (الخلاف بين السلف في التفسير قليل وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ..) الفتاوى (13 / 313) .  

([15]) " الوابل الصيب " (5، فما بعدها)

جاء عند الطبراني مرفوعاً (من اُبتلىَ فصبر وأُعطى فشكر، وظُلم فغفر، وظَلم فاستغفر،  }أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ{ (الأنعام : من الآية 82)، الحديث ضعيف جداً، ضعفه الألباني في السلسة برقم (4527)، وفي الجامع برقم (5323)

([16]) الذاريات : الآية 56 .  

([17]) النساء : الآية 48 .  

([18]) التعريفات للجرجاني (157) .   

([19]) عارضة الأحوازي . (10/113-114) .

([20]) حاشية الأصول الثلاثة لابن القاسم (9) .  

([21]) " فتح القدير " للشوكاني (5/71) .  

([22]) " إغاثة اللهفان " (1/537) .   

([23]) " شرح الطحاوية " ابن أبى العز الحنفي (1/335) .   

([24]) " الكوكب المنير " لابن النجار (1/385) .  

([25]) " جامع المسائل " شيخ الإسلام ابن تيمية (5/179) .  

([26]) " أحكام القرآن " للقرطبي (2/130) .  

([27]) " جامع المسائل " شيخ الإسلام ابن تيمية (5/184) .  

([28]) تفسير الشوكاني (1/160-161) .  

([29]) الفتاوى (5/239)، (10/466) .  

([30]) النساء : الآية 36 .  

([31]) الفتاوى (16/573)، قال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله (هذا التفصيل لا يفيد الفرق الذي أراده المؤلف، فالفرق هو أن العبادة في اللغة تطلق على كل معبود إذا قصد بذلك ولكن العبادة في الشرع لا تكون عبادة إلا إذا كانت توحيداً، وهي أن تكون خاصة لله فهذا هو الفرق وليس الفرق الإطلاق والتقييد) .   

(1) المغنى (1/238) .

([33]) مشارق الأنوار (1/221) .  

([34]) هذا قول الجمهور وذهب الحنفية إلى التفريق بينهما ينظر روضة الناظر لابن قدامة المقدسي (1/252-253) .   

([35]) الزمر : 65

([36]) الأنعام : الآية 88 .  

([37]) " الدرر السنية " (1/159) .    

([38]) " كتاب الصلاة " لابن القيم (86) .   

([39]) المائدة : الآية 72 .  

([40]) النساء : الآية 48 .  

([41]) " الدرر السنية " (2/27) .

([42]) اختلف العلماء هل المراد بالشرك في هذه الآية الكريمة الأكبر أم مطلق الشرك ؟ على قولين . ينظر القول المفيد شرح كتاب التوحيــد ابن عثيمين – رحمـه الله – (1/110) .

([43])التعريفات للجرجاني (218) .   

([44]) هو أحمد بن حمدان المتوفي سنة 695هـ صاحب الرعايتين والمراد بالقاضي هنا هو أبو على محمد بن الحسين الفراء والحنابلة منذ عصر القاضي أبو يعلى إلى أثناء المائة الثامنة يطلقون لفظ القاضي ويريدون به أبا يعلى .

المدخل لابن بدارن (204-205) .    

([45]) الكوكب المنير (1/65-66) .   

([46]) التعريفات (172) .  

([47]) شرح الأصول من علم الأصول لابن عثيمين (25) . باب الأسماء والصفات مبنى على التوقيف والواجب على العبد في هذا الباب وغيره سلوك طريق الحق المتمثل في مذهب سلف الأمة – مذهب أهل السنة والجماعة – قـال شيخ الإسلام رحمه الله :  (ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ...) الفتاوى (5/26) . وأما باب الإخبار فهو أوسع من باب الصفات يقول ابن القيم رحمه الله : (إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسـه فإنه يخـبر بــه عنه ويدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا) بدائع الفوائد (1/161) .     

([48]) فتح الرحمن (20) .   

([49]) " لسان العرب " ابن منظور (7/434) .   

([50]) " شرح مختصر الروضة " للطوفي (1/120) .  

([51]) يونس : الآية 31 .  

([52]) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : (.. عامة المشركين بالله يقرون بأنه ليس شريكه مثله بل عامتهم مقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكاً أو نبياً أو كوكباً أو صنماً ..) التدمرية (176- 177) .   

([53]) " دعاوى المناوئين" عبد العزيز العبد اللطيف (193-194) .  

([54]) تفسير ابن جرير (7/114) .  

([55]) دلاله اللفظ على معناه تنقسم إلى ثلاثة وذلك أنه قصد باللفظ تمام المعنى فمطابقة لتطابق اللفظ والمعنى، وإن قصد به الدلالة على جزء ذلك المعنى لأن ذلك الجزء داخل في ضمن المعنى الموضوع له . وإن قصد به الدلالة على لازم ذلك المعنى فالتزام . ينظر شرح النونية الهراس (2/135) . قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله : (ومعنى هذه الكلمة العظيمة شهادة أن لا إله إلا الله لا معبود أي لا مألوه بحق إلا الله وحده دون كل من سواه بل كل مألوه سوى الله عز وجل فإلهيته أبطل الباطل .. وسيقت لتوحيد الألوهية مطابقة لا كما يقول بعض الجهلة إن معناها : لا يخلق ولا يرزق إلا الله .. فإنها وإن دلت عليه بطريق التضمن فهي موضوعة لتوحيد الإلهية الذي هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة ..) حاشية ثلاثة الأصول (50) ينظر تيسير العزيز الحميد (60/61)      

([56]) حاشية الأصول الثلاثة ابن قاسم (53) .  

([57]) الزخرف : 26- 28 .  

([58]) تفسير ابن كثير (4/129) .  

([59]) المرجع السابق (4/129) .  

([60]) ص : الآية 5 .  

([61]) تفسير القرآن العظيم (4/28) .  

([62]) تيسير العزيز الحميد سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب .  

([63]) الزمر : الآية 3 .  

([64]) يونس : الآية 18 .  

([65]) البقرة : الآية 254  .  

([66]) البقرة : الآية 255 .  

([67]) " لسان العرب " لابن منظور (8/183- 184) .  

([68]) " شرح لمعة الاعتقاد " ابن عثيمين (128) .  

([69]) " الشفاعة عند أهل السنة " ناصر الجديع (15) .   

([70]) سيرة ابن هشام (1/97) .  

([71]) " إغاثة اللهفان " لابن القيم (2/181) .  

([72]) " قاعدة في التوسل والوسيلة " لشيخ الإسلام ابن تيمية (38) .   

([73]) المرجع السابق (33) .  

([74]) " الدرر السنية " (2/83-84) .  

([75]) " الدرر السنية " (1/60) .  

([76]) يونس : الآية 18 .   

([77]) الزمر : الآية 3 .  

([78]) " شرح الباقيات الصالحات " لشيخ الإسلام (36)  .

([79]) فتح القدير للشوكاني (4-515) .  

([80]) إغاثة اللهفان (1/203-204)، ينظر تفسير السعدي (718) .  

([81]) قاعدة في التوسل والوسيلة (208) .  

([82]) البقرة : الآية 252 . احتج بعض أهل البدع من الخوارج والمعتزلة بأمثال هذه الآية التي فيها ذكر الشفاعة المنفية على نفي بعض أقسام الشفاعة المثبتة وقد أجاب أهل السنة عن هذه الاحتجاج ينظر " قاعدة في التوسل والوسيلة " (31) .

([83]) " فتح الباري " كتاب العلم (1/52) .  

([84]) " القول المفيد شرح كتاب التوحيد " لابن عثيمين (345-346) .  

([85]) " الفتاوى (1/200) .  

([86]) الزمر : الآية 44 .   

([87]) " تيسير العزيز الحميد " (237) .  

([88]) " الرد على شبهات المستعينين بغير الله " (47-48) . ينظر الفتاوى

(1/241-160-161) .  

([89]) الأنفال : الآية 39 .  

([90]) فصلت : الآية 37 .  

([91]) آل عمران : الآية 80 .  

([92]) المائدة : الآية 116 .  

([93]) الإسراء : الآية 57 .  

([94]) النجم : الآية 19-20 .  

([95]) الرحيق المختوم المباركفوري (39) .  

([96]) كشف الشبهات (29-30) .   

([97]) الإسراء : الآية 57  .   

([98]) " الدرر السنية " (1/160) .   

([99]) الأنفال : الآية 39 .  

([100]) فصلت : الآية 37 .  

([101]) قاعدة في التوسل والوسيلة (39) .  

([102]) قال ابن القيم رحمه الله تعالى : (الصابئة أمة كبيرة من الأمم الكبار وقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر كما قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } إغاثة اللهفان (2/203) .  

([103]) التحرير والتنوير لابن عاشور (11/299) .  

([104]) الرحيق المختوم (46-47) .  

([105]) الحديث أخرجه مسلم برقم (832) .  

([106]) آل عمران : الآية 80 .  

([107]) سبأ : الآية 40-41 .  

([108]) تفسير ابن كثير (3/862) .  

([109]) قاعدة في التوسل والوسيلة (39) .  

([110]) المائدة : الآية 116 .  

([111]) الإسراء : الآية 57 .  

([112]) " الدرر السنية " (1/145) .  

([113]) البداية والنهاية (2/43-44) .  

([114]) المائدة : الآية 116 .  

([115]) " تفسير القرآن العظيم " (4/255) .  

([116]) النجم : الآية 19-20 .  

([117]) المرجع السابق (4/455) .  

([118]) العنكبوت : الآية 65 .  

([119]) " الدرر السنية " (1/67) .  

([120]) " كشف الشبهات " (29-30) .  

([121]) " تفسير القرآن العظيم " (4/406) .  

([122]) يقال : درج القوم إذا انقرضوا . اللسان (2/266) .  

([123]) " التنديد بمن عدد التوحيد " (25) .   

([124]) " التحفة العراقية في الأعمال القلبية " شيخ الإسلام ابن تيمية (23-25) .  

([125]) الأضرحة والقبور إذا عبدت : تكون أوثاناً، لما روى مالك في الموطأ (1/172) من حديث أبى هريرة مرفوعاً : « اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد .... » الحديث .    

([126]) " النظرات " لمصطفي المنفلوطي (81/85) .