صفات المعلم ()

 

|

 صفات المعلم

محمد بن إبراهيم الهزاع


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وأشهد ألاَّ إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، معلِّم البشرية وأعظم داعية للإسلام بكلِّ ما فيه من خيرٍ للبشرية جمعاء.

وبعد:

فقد نتج عن غزو الكفار الفكري لديار المسلمين أن تهدَّمت الأخلاق الإسلامية، وعمَّ الانحلال الأخلاقي باسم الحرية والديمقراطية وغير ذلك من الأسماء الرنانة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وكان ذلك الغزو سببًا لشيوع الرذيلة .. وهدف هذا الغزو الفكر هو توجيه الشباب إلى ما يضرُّه ولا ينفعه، حتى لا يستفيد من طاقاته، ولا يوظِّفها لمصلحة دينه وبلده.

ومن هنا كان على كلِّ فردٍ مسلمٍ واجبٌ عينيٌّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌّ في مكان عمله وحسب استطاعته حتى يُمكن الأخذ بيد الأمة الإسلامية من هذا المستنقع الآسن والدرك الهابط لترتفع إلى العلوِّ وإلى قيادة العالم الذي يتخبَّط في أوحال الرذيلة، وإنني أنظر إلى أحوال المسلمين ومدى ابتعادهم عن أخلاق دينهم وأقول: يا حسرة على العباد، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا!

ومن الأدوار التي يمكن أن يكون لها تأثير في عالم الدعوة والنهوض بالأمة الإسلامية المتعثرة هو دور المعلِّم الذي هو وريث دعوة الأنبياء .. فما أشرفها من رسالة وما أعظمه من دور!

وإنه ما من عملٍ أو مهمةٍ صغرت أو كبرت إلاَّ ولِمن يقوم بها صفات لا بدَّ أن يتحلَّى بها، وصفات لا بدَّ أن يتخلَّى عنها، فكيف بمن يتولَّى أمانة إعداد الجيل وتربية النشء؟

والحديث عن صفات الْمُعلِّم يطول، فاقتصرتُ هنا على ما أرى ضرورة إيراده، إمَّا لكثرة الإخلال به، أو لأنَّ البعض قد يجهله ويغفل عنه .. ويمكن أن نُقسِّم هذه الصفات التي ينبغي أن يتحلَّى بها الْمُعلِّم إلى صفات إيجابية ينبغي له أن يتَّصف بها، وصفات سلبية ينبغي أن يتخلَّى عنها([1]).

أخي الْمُعلِّم:

إننا حينما نكتب عن هذه الصفات التي هي من المفترض أن يتحلَّى بها الْمُعلِّم المربِّي، فإننا في نفس الوقت لا نُطالبه بأن يتحلَّى بجميع الصفات، فإنَّ ذلك يكون من باب شبه المستحيل، فالله خلق الناس مختلفي الطباع والأمزجة والأساليب والقدرات وهكذا، ولذلك فنحن عندنا كذلك هنا من صفات المربِّي وليس كلّ صفات المربِّي، والسبب لأنَّ قصوري البشري يحول دون إدراكي لمعظمها فضلاً عن كلِّها.

وقد تتساءل يا أخي الْمُعلِّم من المقصود بهذه الصفات؟.. هل هو مُعلِّم العلوم الشرعية؟.. أو أنَّ المقصود غيره؟

فإليك الجواب:

هذا البحث مقصود به الْمُعلِّم أينما كان موقعه، وفي أيِّ مرحلةٍ من مراحل التعليم يعمل، وكيفما كان نوع التعليم الذي يمارسه، ونوع التخصص الذي يقوم بتدريسه، بل قد يعني كلَّ من يتصدَّى لعملية التعليم بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، فالأب مُعلِّمٌ في بيته، والخطيب وإمام المسجد مُعلِّمٌ في مسجده، والمدير والمعلِّمون كلٌ في دائرته، وكذا كلُّ مسئول يمكن أن يكون مُعلِّمًا لِمن هم تحت مسئوليته بنوعٍ من التعليم يتناسب ومهنته ومكانته؛ لأنهم يُفيدون من خبرته وتوجيهاته، ومن حُسن سَمته، وجمال تعامله، وجودة إدارته، ودقَّة تصريفه ومعالجته للأمور، إلى غير ذلك من أنواع التعليم .. وقد جاء في الحديث العظيم المبنى والمعنى: «كلُّكم راع ومسئول عن رعيته؛ فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولدها وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»([2]).

لكنَّ مهمة الْمُعلِّم المدرسي تتعاظَم لأنه الشخص المختار لعملية التعليم المنهجية، والتي يَمرُّ بِها مُعظم الناس، إن لم نقل كلَّهم، فأيُّ فردٍ من أفراد المجتمع لا بدَّ أنه تلقَّى نوعًا من التعليم، ومرَّ بمرحلةٍ من مراحله، فالْمُعلِّم تتخرَّج من خلاله قطاعات المجتمع، كلٌّ في تخصُّصه وفنِّه الذي اختاره أو اختِير له.

وغالبًا ما تكون عملية التعليم توارثًا بين الْمُعلِّم والمتعلِّم، فمُتعلِّم اليوم سيكون مُعلِّم الغد، كما أن مُعلِّم اليوم كان مُتعلِّمًا بالأمس، وهكذا فهي عملية متوارثة، يتعاقب عليها كثيرٌ من الناس.

والْمُعلِّم – أيضًا – هو مُعلِّمٌ من وجهٍ ومُتعلِّم من وجهٍ آخر، حيث يقوم بتزكية نفسه وعلمه ومهاراته بجهده الذاتي، إضافة إلى وجود من يُشرف عليه ويُتابعه وينمِّي قُدراته ومهاراته، ويُسدِّد خُطاه نحو الطرق التعليمية الصحيحة على ما هو معروف في الأُطر الإدارية في وزارات التعليم والتعليم العالي في بلدان العالم.

فهذا مُعلِّمٌ لجأ إلى وظيفة التعليم بُغية الامتهان؛ ينظر إليها على أنَّها مجرَّد سببٍ للتكسُّب والارتزاق، ولو كان يقدر على امتهان وظيفة أخرى غيرها تُحقِّق له مكاسب أكبر أو مثلها دون تحمل مشاق التعليم لقصدها، فهو صريع لِميزان الربح والخسارة المادية والحوافز والعوائق، يقابل بينها دون نظر إلى رسالة التعليم وأهدافها السامية، فهو لا يحفل بِها ولا تقع في دائرة اهتماماته .. فماذا يُنتظر من مُعلِّم الأجيال وهذه النظرة مسيطرة عليه تملأ عليه مداركه وهمومه؟!

ومُعلِّمٌ ثانٍ يشكو دهره ويندُب حظَّه، وهو مُنغمِسٌ في أعباء التدريس التي لا تكاد توفر له راحةً ولا تُدِرُّ عليه مالاً يكافئ جهده، فما يبذله أكثر مِمَّا يحصل عليه، فتراه يتطلَّع إلى أقرانه الذين اختاروا أعمالاً أخرى غير التعليم؛ يتعاملون مع أوراق صمَّاء، ويواجهون جمهورًا من الناس أنضج عقولاً وأسهل تعاملاً من أطفال المدارس، والأهم من ذلك أن تنتهي أعمالهم وعلاقتهم بدائرة العمل بانتهاء الدوام الرسمي .. أمَّا صاحبنا فأعباء المهنة تلاحقه حتى في أوقات راحته وأعياده وعطلاته الرسمية، فهو ينظر إلى نفسه أنه أخسر الناس صفقة، فأية فائدة تربوية تُرجَى مِمَّن كان في هذه الحالة؟!

وثالث لا يهتم بما يدور خارج قاعة الدرس، فجلُّ همِّه إكمال المقرَّرات والفراغ من تدريسها، والإتيان على عناصرها ومفرداتها لا يترك منها شيئًا، هذا ما يشغله، وهو ما يوظِّف نفسه لتحقيقه، غير ملتفتٍ لغيره، وهذا منه حسن، لكنه فاقد الإحساس أو فاقد الغيرة على أحوال أمَّته وأحوال أبناء المسلمين الذين يتهافتون على الفساد أمام ناظريه، دون أن يُحرِّك ذلك فيه ساكنًا، أو يُثير فيه حَميَّة، كأنَّ الأمر لا يعنيه في شيء، وإنما الذي يعنيه تدريس الفاعل والمفعول، أو توضيح المركبات وقوانينها وخصائصها .. بل الأعجب أن يكون صاحبنا مُعلِّمًا لموادٍ العلوم الشرعية، وهو مع ذلك منفصلٌ تمامًا عن واقع طلابه ومجتمعه!

ورابع لا يبرح تخصصه العلمي أو الأدبي البحت، بل هو يراوح بين نواحي المقرَّر والتخصُّص، لا يربطه بالقضية الكبرى، قضية الإيمان والأخلاق وتعمقيها في نفوس طلابه من خلال تخصصه، ومراعاة ذلك في سلوكهم وفهمهم واستيعابهم، ظاناً أنَّ هذا ليس من شأنه، ولا من مهامه، بل له أستاذٌ أخر ومقرَّرٌ آخر .. أمَّا هو فليُوفِّر جهده ووقته لِما هو بصدده من قضايا التخصُّص.

وخامس مُعلِّمٌ لجأ إلى التعليم باعتباره الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامه، لم يقصدها رغبةً ولا حرصًا، بل مُكرَهٌ أخاك لا بطل، فهي الوحيدة التي تتناسب مع قُدراته ومؤهِّلاته، دون رغباته وتطلُّعاته وحاله يحاكي حال الآلاف من طلبة كليات الشريعة والعلوم الإنسانية والأدبية، الذين لجئوا إليها مُكرهين مدفوعين بالأبواب، حيث حبسهم ضعف المعدَّل الأكاديمي عند هذه الحدود، ولم يُمكِّنهم من تجاوزها إلى كليات أخرى كانت مَحطّ آمالهم، ومنتهى تطلُّعاتهم .. فأيُّ تفوُّقٍ وإبداعٍ وأيِّ إخلاصٍ يُرجى مِمَّن هذا حاله، سواء في الطلب أو في العطاء.

وسادس.. وسابع...

فهذه وغيرها صور سالبة متعدِّدة تزدحم بها حياتنا التعليمية كان لها الأثر السيئ والعميق في مؤسَّسات المجتمع المتنوعة.

& & &


 المبحث الأول: الصفات الإيجابية

 الصفة الأولى- الإخلاص لله وحده:

النية الصحيحة مطلوبة في كلِّ قربةٍ يُرجَى ثوابها عند الله، ومن ذلك التعلُّم والتعليم، ويتأكد ذلك في علوم الشرع .. والنية تحتاج إلى مجاهدةٍ في تحصيلها واستصحابها، وإلى مدافعة أضدادها ومفسداتها، والنية هي سبب قبول وتوفيق وحصول بركةٍ وتسديد.

وفي الشريعة الغرَّاء من الآيات والأحاديث كثيرة جدًا، والسبب يكمن في أهميته كالتقوى .. بل ربما أهم لأنه أساس قبول الأعمال أو ردِّها، وهذا ثابتٌ في القرآن والسُنة.

والله تعالى تكلَّم عن الإخلاص في آيات كثيرة، من أبرزها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].

وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

وقد افتتح الإمام البخاري وبعض الأئمة مؤلَّفاتهم بحديث «إنما الأعمال بالنيات...»، وهي تدخل كما قال الإمام الشافعي في سبعين بابًا من أبواب الفقه([3])، والعدد للتكثير لا للتحديد والاستقصاء.

فعلى الْمُعلِّم أن يتحرَّى بعلمه وتعليمه وجه الله تعالى والدار الآخرة، لا مباهاة العلماء أو مماراة السفهاء أو مجاراة الأغنياء أو مداهنة الأمراء .. وفي الحديث: «أوَّل من تُسعَّر بهم النار ثلاثة نفر: باذل للمال، وطالب للعلم، وخارج للقتال»، لكنهم لم يقصدوا بأعمالهم إلاَّ وجوه الناس وثنائهم، وقد وجدوا ما قصدوا إليه، فحرمهم القبول والثواب([4]).

وعن جابر بن عبد الله أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار»([5]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلَّم عِلمًا مِمَّا يُبتغى به وجه الله تعالى، لا يتعلَّمه إلا ليُصيب به عرضًا من الدنيا، لم يَجد عرف الجنة يوم القيامة»([6]) يعني رِيحها.

مع ملاحظة أنَّ الوعيد يلحق – كما أفهم الحديث – من قصد بعِلمه الدنيا ومحض لذلك نيته من غير التفات للآخرة .. أمَّا من أراد بعلمه الآخرة وأصاب مع ذلك شيئًا من الدنيا فلا يلحقه الوعيد.

فالحديث إنما يذمُّ من قصد الدنيا، لا من جاءته الدنيا بغير هذا القصد .. والقرآن ذمَّ: ﴿مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [النازعات: 37، 38]

وذمَّ أيضًا.. ﴿ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [النجم: 29] وكذلك ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾ [الإسراء: 18].

وهذا في مقابل﴿مَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: 19]

والدنيا لا تُذم إلاَّ إذا قُصِدت بعمل وعلم الآخرة، وكيف تُذم الدنيا لِذاتها وهي مزرعة الآخرة؟.. ولهذا قال العلامة القارئ في المرقاة:

أَفهَم الحديث أنَّ من أخلص قصده فتعلَّم لله، لا يضرُّه حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه، بل من شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمه...([7]).

والإخلاص خصلة تواطأ من كتب مِن سلف الأمة في آداب الْمُعلِّم على الوصاية بها .. قال الحافظ ابن جماعة في أدب العالِم مع طلبته:

الأول أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، ودوام ظهور الحقِّ وخمول الباطل، ودوام خير الأمَّة بكثرة علمائها، واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه([8]).

وقال الإمام النووي:

ويجب على الْمُعلِّم أن يقصد بتعليمه وجه الله لِما سبق، وألاَّ يجعله وسيلة إلى غرضٍ دنيوي، فيستحضر الْمُعلِّم في ذهنه كون التعليم آكد العبادات، ليكون ذلك حاثًا له على تصحيح النية، ومُحرِّضًا له على صيانته من مُكدِّراته ومن مكروهاته، مخافة فوات هذا الفضل العظيم والخير الجسيم([9]).

وتتَّضح أهمية الإخلاص أكثر في حالة غيابه عن المجتمع لأنَّ الشيء كما قِيل يُعرف بضدِّه، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، فبغياب الإخلاص يحلُّ الرياء والتكاسل والإهمال، وبغياب الإخلاص يغيب الضمير، وبغياب الضمير عن المربِّي تخرج ناشئة غير واعية غير مثقفة، تُشكِّل عبئًا على الأمَّة الإسلامية التي يكفيها ما فيها؛ فقد رُزئت الأمة بسهام قاتلة من أعدائها ومن أهلها كذلك والله المستعان .. وكل ذلك في غياب الإخلاص لله تعالى لدى الكثير من المربين، فسياسة أنَّ الْمُعلِّم في نهاية الشهر سيأخذ الراتب سواء أخلص لله أم لم يخلص لهي ضربة قاصمة في صمام التربية والتعليم، فأين الإخلاص؟ وأين الله وتقواه؟ وأين الضمير؟

هل تُركت كلها تحت قدم هذا المربِّي الذي يتتبَّع هذه النظرية التي ما أنزل الله بها من سلطان .. ونحن والحمد لله لا نقول بوجود هذه النظرية بين الْمُعلِّمين بشكل عام، بل هي موجودة لدى فئاتٍ قليلة، لكن مع ذلك يجب التطرُّق إليها ومن ثمَّ علاجها أو السعي إلى ذلك على الأقل.

فعلى الْمُعلِّم أن يُحرِّر النية، ويقصد وجه الله تعالى في كلِّ عملٍ يقوم به، ليكون عند الله من المقبولين، وبين تلاميذه من المحبوبين والمؤثرين.

والثمرة التي يجنيها هي تنفيذ منهج التربية على الدوام وإفادة وتربية الطالب، وأيضًا يحظى بثواب الله ورضوانه، ويظفر بدار المقامة في جنات الخلد في مقعد صدق عند مليك مقتدر..

~ ~ ~

 الصفة الثانية- التقوى:

فمن صفات الْمُعلِّم والقائد التربوي تقوى الله عزَّ وجلّ، وهي الخوف والخشية منه سبحانه، واتقاء عذاب الله بالمراقبة الدائمة لله، والتزام المنهج الرباني في السِّـرِّ والعلن، وبذل الجهد دومًا لتحرِّي الحلال واجتناب الحرام.

والتقوى هي صفة داخلية تجعل العبد دائم الصلة بالله تعالى، وتجعله ربانيًا في كلِّ حركاته وسكناته عملاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: 162].

وما أكثر الآيات والأحاديث التي تكلَّمت عن التقوى، بل حضَّت وأمرت بها، لكونها دعامة أساسية في حياة المؤمن بالله تعالى ونكتفي ببعض تلك النصوص التي تتعلق بالجانب التربوي الذي هو مجال بحثنا الآن قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].

ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

قال صاحب الظلال:

التقوى: أن يدع القلب مجتهدًا في بلوغها كما يتصورها وكما يطبقها، وكلما أوغل القلب في هذه الطريق تتكشف له آفاق وجدت له أشواق، وكلَّما اقترب بتقواه من الله تيقَّظ شوقه إلى مكان أرفع مما بلغ .. وتطلَّع إلى المقام الذي يستيقظ قلبه فلا ينام([10]).

وإنه إذا لم يكن الْمُعلِّم مُتسلِّحًا بالتقوى وملتزِمًا في سلوكه ومعاملته منهج الإسلام؛ فإنَّ الطالب يحسُّ بالتناقض في داخله مِمَّا يدفعه إلى الانحراف عن الطريق القويم. ولذلك فإنه على الْمُعلِّم أن يفهم هذه الحقيقة حتى يُحقِّق للطلاب الخير والفلاح والهدى والصلاح في عالَمٍ من الطهر ودنيا من الصفاء.

~ ~ ~

 الصفة الثالثة- الصبر والحلم:

من المعايير التي يجب أن يتَّصف بها الْمُعلِّم والقائد التربوي معيار الصبر، لأنَّ الصبر قوةٌ خفيَّةٌ من قوى الإرادة تُمكِّن الإنسان من ضبط نفسه لتحمُّل المشاق والمتاعب والآلام..

والصبر يعني الحبس والكف، فالصوم من الصبر لِما فيه من حبس النفس وكفِّها عن الطعام والشراب والشهوة ساعات معلومات، وأكثر الأخلاق الإيمان داخلة في الصبر يقول الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].

ولعظمة خُلق الصَّبر والتحمُّل فإنَّ التحلِّي به له الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى أعلن حبَّه للصابرين بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].

وإذا كان الْمُعلِّم وهو القائد التربوي المسلم يتحلَّى بهذه الصفة ويعمل على تنميتها في نفسه وسلوكه وعمله فإنَّ الله سيكون معه لا محالة؛ إذ يقول عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

كما أنَّ الله عزَّ وجل يُجزِل ثواب الصابرين الذين يستعينون بالصبر على طاعة الله ويستعينون بالصبر في جميع أعمالهم ومعاملاتهم، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1- 3].

أخي الْمُعلِّم:

ولكي تكون مُربيًا ومُعلِّمًا وبَانِيًا، ويكون هدفك الأسمى هو إخراج جيلاً واعدًا واعيًا إسلاميًّا أصيلاً، قاعدته الأولى منهج لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكي تكون داعيةً إلى إقامة شرع الله الحنيف في هذه الحياة الفانية؛ يجب عليك أن تتحلَّى بالصبر، وهذه الصفة حينما تلازمك تحسُّ أنها تعطيك حافزًا قويًا على تحمل الصعاب وصعود القمم ولا تسقط في أول اختبار يواجهك وأنت تخوض معترك الحياة، وخصوصًا في تربية الناشئة.

الصبر مهم، يريد منك طول البال وسعة الصدر، وتذكَّر دائمًا أنَّ أجرك محفوظ عند الله تعالى، وأنَّ هذه أمانة في عاتقك وعاتق المربين في المقام الأول.

وعلى المربِّي الناجح أن يُدرك أنَّ الناس قد خلقهم الله عزَّ وجلَّ ذوي أمزجةٍ مختلفة، وذوي حاجاتٍ ومصالحَ ومشاكلَ وهمومٍ مختلفة كذلك؛ فهم ذوو كياناتٍ مختلفة، فيحتاجون إلى من يتَّسع قلبه لهم، فالمربِّي والْمُعلِّم كما قيل كالشمعة تحترق لتضيء لغيرها، فالمربِّي تهمُّه سعادة وصلاح الناشئة وأجره يحتسبه عند الله تعالى.

ومن متطلِّبات الصبر أن يكون صبورًا على معاناة التعليم وتقريب المعلومات وتوضيح الأفكار للطلاب مرةً تلو مرة إلى أذهان الطلاب، وذلك يتطلَّب مراسًا وتكرارًا وتنويعًا للأساليب، وحمل النفس على تحمل المشقة، هذا لأنَّ الطلاب ليسوا سواء في القدرة والتعليم.

فمنهم من يفهم العبارة والدرس من أول شرحٍ لها، ومنهم من يحتاج إلى إعادة وتكرار وشرح وتفصيل، فعلى الْمُعلِّم أن يُدرَِّب ويُعوِّد نفسه على ذلك الطريق.

والسيرة العطرة ملِيئةً بالنماذج في صبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصبر أصحابه، وخصوصًا في المجتمع المكِّي قبل الهجرة وتحمُّلهم المشاق، ومن ذلك موقفه في بداية الدعوة وأمره لأحد الصحابة بالتحلِّي بالعزم والتحمل، وهذا حينما قال أحد الصحابة: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّد بردةً في ظلِّ الكعبة، قلنا ألا تستنصر لنا؟.. ألا تدعو الله لنا؟.. قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشَقُّ باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دِينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ وما يصدُّه ذلك عن دِينه .. والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»([11]).

وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالصبر حتى في أعسر المواقف كما في حديث له «ائتمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بنفسك، ودع عنك العوام؛ فإنَّ من ورائكم أيام الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله وزادني غيره».

قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟

قال: «أجر خمسين منكم»([12]).

~ ~ ~

 الصفة الرابعة- العدل في المعاملة:

العدالة في ذاتها مطلوبة لأنها من أقرب القربات إلى الله تعالى؛ فقد أمر الله بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

فعلى المؤمن أن يقاوم الباطل، وأن ينصر الحقَّ بكلِّ مرتخصٍ وثمين، وأن يؤيِّد الحقَّ حيثما كان .. وليس في الإسلام طبقية، فلا يُكرم الغني لغناه ولا يُذَلُّ الفقير لفقره([13]).

والطلاب في أيِّ فصلٍ دراسيٍّ إنما هم رعية، والمسئول الأول عنها هو الْمُعلِّم عملاً بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته...»([14]) الحديث.

والعدالة في المعاملة لم تكن تغيب عن علمائنا الأوائل، فتوارثوا إيصاء الْمُعلِّم بالعدل، وتحذيره من خلافه .. قال الإمام النووي:

وينبغي أن يقدِّم في تعليمهم إذا ازدحموا الأسبق فالأسبق، ولا يقدِّمه في أكثر مكان درس إلا برضا الباقين([15]).

وقال ابن القيم الجوزية:

إنَّ الطالب المتعلم إذا سبق، غيره إلى الشيخ ليقرأ عليه لم يقدم بدرسين غلا أن يكون كل منهم يقرأ درس([16]).

وعقد ابن سحنون بابًا في ذلك «ما جاء في العدل بين الصبيان»، وأورد فيه بإسناده عن الحسن قال:

إذا قوطع الْمُعلِّم على الأجرة فلم يعدل بينهم – أي الصبيان – كُتب من الظلمة([17]).

وقال في موضع آخر: وليجعلهم بالسواء في التعليم، الشريف والوضيع، وإلا كان خائنًا.

وغنيٌّ عن البيان أنَّ تلك التوجيهات والوصايا قد ذكرها أصحابها على سبيل المثال، فالعدل صفة محمودة مطلوبة كلِّ وقت، وإن اختلفت صوره وتطبيقاته من عصرٍ لآخر([18]).

وتبدو عدالة الْمُعلِّم كذلك في معالجته للخطأ داخل الفصل بما يراه يحقِّق المصلحة، وألاَّ يتدخَّل طرفٌ ثالثٌ قدر الإمكان، والكيّ إنما هو آخر الدواء لا أوَّله.

وحين نتصوّر أنَّ القصور والخطأ صفةٌ ملازمةٌ للطالب قلَّما ينفكُّ عنها، وبخاصة في هذا الوقت، فسوف نتجاوز كثيرًا من الأخطاء، أو نضعها في حجمها الطبيعي على الأقل .. وما أعظم أن يحتوي الْمُعلِّم خطأ الطالب بنظرة أو همسة أو لفتة غير مباشرة، أو حديث خاص خارج الفصل([19]).

وتبدو عدالة الْمُعلِّم كذلك في علاقاته مع زملائه الْمُعلِّمين وعلاقاته مع إدارة المدرسة، ومع كلِّ العاملين بالمدرسة من إداريِّين وموظَّفين وعُمال.

~ ~ ~

 الصفة الخامسة- التواضع:

حرص الإسلام على صفة التواضع في المسلم، وحرص على ترغيب المسلمين فيها، ولقد كانت سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثالاً حيًّا في التواضع وخفض الجناح ولين الجانب وسماحة النفس، فقد أجمع كلُّ من عاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه كان يبدأ أصحابه بالسلام، وينصرف بكلِّيته إلى محدِّثه صغيرًا كان أو كبيرًا، وكان آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا أقبل جلس حتى ينتهي المجلس.

وكيف لا يكون - صلى الله عليه وسلم - بهذا التواضع الجمِّ وقد أنزل الله عليه قوله:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215].

ويقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحدٌ لله إلاَّ رفعه»([20]).

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد»([21]).

ولذا يؤكِّد أهل العلم على الْمُعلِّم التخلُّق بُلق التواضع .. روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «تعلَّموا العلم، وعلِّموه للناس، وتعلَّموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلَّمتم منه، ولمن علَّمتموه، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم جهلكم بعلمكم»([22]).

وقد أوصى الإمام الآجري من يُعلِّم القرآن بالتواضع، فقال: ويتواضع لِمن يُلقنه القرآن ويقبل عليه إقبالاً جميلاً([23]).

وقال أيضًا رحمه الله:

وينبغي لِمن قرأ عليه القرآن فأخطأ عليه أو غلط ألاَّ يُعنِّفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، فإني لا آمن أن يجفو عليه فينفر عنه، وبالحريّ ألاَّ يعود إلى المسجد([24]).

وقد يكون المرء في موقع يرى منه الناس ما لا يرونه في أنفسهم، فيُكبرونه، وينـزلونه فوق منـزلته، والْمُعلِّم من أكثر الناس عرضةً لذلك، فحريٌّ به أن يعرف قدر نفسه؛ فلا ينخدع بما يُقال عنه، ولا يركن إلى ثناء أحدٍ عليه، ولا يدخله العجب والغرور بما يرى من كثرة طلاب العلم حوله([25]).

~ ~ ~

 الصفة السادسة- الرحمة والتسامح:

الْمُعلِّم يُعامل الطالب كأحد أبنائه، حريص عليه وعلى مستقبله، ولهذا ينبغي معاملته بالحسنى، وإظهار الرحمة والشفقة والتلطُّف في معاملته، وإشهار الثناء عليه إن أحسن، منفردًا أو في جماعة .. فالناس تُفتح قلوبهم للرحمة والتسامح واللين، وينفرون بطبائعهم من الفظاظة والخشونة والعنف .. ومن هنا كان قول الله تبارك وتعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

أي لو كنت سيئ الكلام، قاسي القلب عليهم لانفضُّوا عنك وتركوك، ولكنَّ الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم([26]).

قال ابن جماعة:

أن يُحب الْمُعلِّم لطالبه ما يحبُّ لنفسه كما جاء في الحديث، ويكره له ما يكره لنفسه.

قال ابن عباس:

أكرم الناس عليّ جليسي الذي يتخطَّى رقاب الناس إليَ، لو استطعت ألاَّ يقع الذباب عليه لفعلت..

وفي رواية: «إنَّ الذباب ليقع عليه فيؤذيني»([27]).

ويقول ابن جماعة أيضًا:

وكذلك ينبغي أن يرحب بالطلبة إذا لقيهم، وعند إقبالهم عليه، ويُكرمهم إذا جلسوا إليه، ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلَّق بهم بعد ردِّ سلامهم، وليعاملهم بطلاقة الوجه وظهور البشر وحُسن المودة وإعلام المحبة وإضمار الشفقة؛ لأنَّ ذلك أشرح لصدره وأطلق لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يُرجى فلاحه، ويظهر صلاحه([28]).

ويقول النووي رحمه الله:

وينبغي له - الْمُعلِّم – أن يحنو عليه، ويعتني بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ويجريه مجرى ولده في الشفقة عليه والاهتمام بمصالحه والصبر على جفائه وسوء أدبه، فإنَّ الإنسان معرَّض للنقائص([29]).

فمن فوائد هذا الخُلق أن يحفظ الطالب لمُعلِّمه حقَّ التوقير والاحترام والمحبة، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، والإنسان عبد الإحسان.

ومنها أنَّ توجيهات الْمُعلِّم ونصائحه تقع من المتعلِّم بالموقع الأسنى والمحل الأسمى.

ومنها أيضًا أنَّ المتعلم سيفيد كثيرًا من الدروس والمقررات والتكليفات التي يأتيه من قِبل هذا الْمُعلِّم، وسيقوم بواجبه نحوها خير قيام، بنفسٍ منشرحة، وعاطفةٍ صادقة، ومحبةٍ دافعة.

~ ~ ~

 الصفة السابعة- الوفاء بالوعد:

إنَّ الوفاء بالوعد من خُلق المؤمن، بل الخلف من خصال النفاق، وإخلاف الوعد مظهر من مظاهر عدم الجدية واللامبالاة، ينطبع في أذهان الطلاب عن شخصية مُعلِّمهم، ويعطيهم مقياسًا لضآلة قدرهم عنده.

وهذه سلعة غالية خاصة في زماننا هذا، لا بدَّ للمُعلِّم أن يتنبه لها، فهو ملتزم بما يُلزم به نفسه، موفٍّ بالوعود، مؤدٍّ للأمانات ملتزمٌ جانب الصدق في حاله كلِّه..

ومن ذلك الالتزام بمواعيد الدروس بداية ونهاية، والالتزام بإكمال المقرر، وبحضور الاجتماعات الإدارية، دقيق في مواعيده، حريص في التزاماته، لا تسيُّب، ولا استغلال للأعذار الواهية، والظروف المواتية ونحوها تهربًا من المسئوليات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

أخي الْمُعلِّم:

حين تَعِد طالبًا بمكافأة أو بحث مسألة، أو تَعِد سائر طلبتك بأيِّ أمر، فاجتهد واحرص كلّ الحرص على الوفاء بما وعدتَ به، وإن حال دون ذلك حائل، أو عاق دون تحقيقه عائق؛ فالاعتذار اللطيف يزيل ما قد يكون في النفس.

وإياك وعدم المبالاة؛ فإنه يلقي بظلال سيئة نحو شخصك، ويجعل صورتك مهتزَّة عند الآخرين مما يُؤثِّر على تقبل نصائحك وتوجيهاتك، ولا تستطيع أن تلزمهم – ولو أدبيًا – بما لا تلتزم به من الصدق والوفاء.

~ ~ ~

 الصفة الثامنة- القدوة الصالحة:

تُعتبر القدوة الصالحة في التربية والتعليم من أنجح الوسائل المؤثِّرة في إعداد المتعلِّم خُلقيًا وتكوينه نفسيًا واجتماعيًا، ذلك لأنَّ الْمُعلِّم هو المثل الأعلى في نظر المتعلِّم، والأسوة الصالحة في عينه، يُقلِّده سلوكيًا ويُحاكيه خُلقيًا من حيث يشعر أو لا يشعر، بل تنطبع في نفسه وإحساسه صورته القولية والفعلية والحسية والمعنوية من حيث لا يدري أو يدري.

ومن هنا كانت القدوةُ عاملاً كبيرًا في صلاح المتعلم أو فساده، فإن كان المربِّي صادقًا أمينًا كريمًا شجاعًا عفيفًا يتَّسم بالخُلق الصالح؛ نشأ المتعلِّم على الصدق والأمانة والخُلق والكرم والشجاعة والعفة .. وإن كان المربِّي كاذبًا خائنًا متحلِّلاً جبانًا نذلاً بخيلاً؛ نشأ المتعلِّم على الكذب والخيانة والتحلُّل والجُبن والنذالة والبخل.

ولقد بعث الله رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - ليكون للمسلمين على امتداد تاريخهم القدوة الصالحة، ويكون للبشرية في كلِّ زمانٍ ومكانٍ الهادي البشير والسراج المنير، ويُحقِّق المنهج التربوي الإسلامي تحقيقًا محسوسًا واقعيًا ([30]).

قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

فهذه الآية أصل كبير في التأسِّي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله وأحواله كلِّها([31]).

ويصف الله تبارك وتعالى خُلق الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - فيقول عزَّ من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].

وعندما سُئلت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عن خلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالت: «كان خلقه القرآن»([32]).

فمقام الْمُعلِّم جدُّ خطير؛ إذ أنَّ أعين المتعلِّمين معقودة به، يتَّخذونه مثالاً يُقتدى ونموذجًا يُحتذى، ويرَون كلَّ قولٍ يخرج منه صوابًا، وكلَّ فعل يصدر عنه صحيحًا، فلينظر كلُّ مُعلِّم كم يصلح من الناس وكم يفسد! فالتعليم بالقدوة أعظم تأثيرًا وأقوى حُجَّةً منه بمجرَّد الكلام والبيان، فكيف إذا كان الفعل يُخالف القول والسلوك يصادم التوجيه؟!.. وقد نعى القرآن الكريم على بني إسرائيل كما في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ...﴾ [الجمعة: 5] الآية.

وأنكر على المؤمنين أن يسلكوا هذا السبيل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3].

وعن أسامة بن زيد أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه»([33]).

ويرى الغزالي أنَّ الوظيفة الثامنة للمُعلِّم:

أن يكون عاملاً بعِلمه، فلا يُكذِّب قوله فعله؛ لأنَّ العلم يُدرَك بالبصائر، والعمل يُدرَك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العلم العمل مُنع الرشد، وكلُّ من تناول شيئًا وقال للناس لا تتناولوه فإنه سمٌّ مهلِك؛ سخر الناس به، واتهموه، وزاد حرصهم على ما نُهوا عنه، فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذُّها لَما كان يستأثر به!([34]).

والمتعلِّم في المدرسة لا بدَّ له من قدوةٍ يراها في مُعلِّميه ليقتنع حقًا بما يتعلَّمه، وليرى فعلاً أنَّ ما يُطلب منه من السلوك المثالي هو أمر واقعي ممكن التطبيق، فيقوم بمحاكاة الْمُعلِّم وتقليده والاقتداء به بأقواله وأفعاله، مدفوعًا برغبةٍ خفيةٍ لا يشعر بها نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث وأسلوب الحركة والمعاملة ومُعظم عادات السلوك.

فمِن أهم الأدوار التي يقوم بها الْمُعلِّم دوره في بناء شخصيات تلاميذه، أولئك الذين ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى([35]).

فالْمُعلِّم الذي يتحدَّث لطلابه عن أهمية الصلاة والمحافظة عليها، وحين يصلون في المدرسة يرونه في آخر الصفوف!.. أو الذي يحثُّ طلابه على الالتزام بالمواعيد وأهمية الوفاء بها، ثم يحضر إلى دروسه متأخرًا؛ يمحو بتصرُّف واحد عشرات الأقوال التي يَصبُّها في آذانهم.

~ ~ ~

 الصفة التاسعة- حُسن المنطق:

أخي الْمُعلِّم:

إنَّ المنطق واللسان يُعدَّان معيارًا من معايير تقويم الشخصية، لذا فلعلَّك توافقني أنَّ من واجبات الْمُعلِّم أن يَحفظ منطقه ولسانه، فلا يسمع منه الطلاب إلاَّ خيرًا، وحتى حين يعاتب أو يحاسب، فلا يليق به أن يتجاوز ويرمي بالكلمات التي لا يُبالي بها، ولئن كانت الكلمة الطيبة تترك أثرها في النفوس فالكلمة الجارحة تهدم أسوار المحبة وتقضي على بنيانها، ولئن كنا لا نُدرك بدقَّة أثر ما نقوله على الناس فالناس لهم مشاعر واعتبارات ينبغي أن نرعاها..

إننا نلمس في أنفسنا جميعًا أنَّ هناك كلمات نسمعها فتترك أثرًا إيجابيًا أو سلبيًا في نفوسنا دون أن يشعر من قالها بذلك، أفلا نجعل من هذا الاعتبار مقياسًا للآخرين فنفترض أنَّ مشاعرهم تجاه ما يسمعونه منا لن تكون بالضرورة مُدرَكة لنا، أو حتى واردة في حسباننا مما يدفعنا إلى مراجعة منطقنا أكثر وأن نحسب لكلِّ كلمة نقولها حسابًا؟([36])

فينبغي أن يتعامل الْمُعلِّم مع تلاميذه بفيضٍ غامرٍ من الحنان الممزوج بالرأفة والرحمة، ويتقبَّل ما يصدر من التلاميذ - وبالذات تلك الممارسات التي قد تكون صبيانية - بصدر رحب، ويوجِّههم الوجهة القويمة التي تتناسب مع أعمارهم العقلية وذلك بالتي هي أحسن وبصبرٍ وأناة دون اللجوء إلى العنف.

وينبغي كذلك أن يتجنَّب الْمُعلِّم الألفاظ البذيئة في مخاطبة الأطفال لأنها تغرس في نفوسهم مشاعر الهوان وتطبعها بطابع النقص والعدل، ويبتعد عن مخاطبة الأطفال بألفاظ قبيحة كوصف أحدهم بالقرد أو بالحيوان وما شابه ذلك من الألفاظ التي يستحي الإنسان من التلفظ بها بخلاف الْمُعلِّم المربِّي .. فعلى المربِّي الذي تصدر منه هذه الألفاظ أن يلجأ إلى التوبة والاستغفار إذا حدث منه ذلك.

~ ~ ~

 الصفة العاشرة- حسن المظهر:

فمما ينبغي العناية به الحالة التي يظهر عليها الْمُعلِّم أمام طلابه أن يهتم بحُسن سمته وجمال مظهره، من نظافة وتأنُّق وتناسق وطيب رائحة، بعيدًا عن الإسراف وملتزمًا حد الاعتدال، فذلك أدعى للقبول والتقدير له.

وذاك يشعر طلبتنا أنَّ الاستقامة لا تعنِي بالضرورة رثاثة المظهر، وقد سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا هل ذلك من الكبر؟ فقال: «إنَّ الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»([37]).

وقد كان السلف يعنون بذلك، ويوصون المحدِّث بِحُسن مظهره .. نقرأ في فهرس «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي ما يلي:

إصلاح المحدِّث هيئته وأخذه لرواية الحديث زينته. ، وليبتدئ بالسواك، وليقصّ أظافره إذا طالت، وإذا اتسخ ثوبه غسله، وإذا أكل طعامًا زهمًا(مدهنًا) اتقى يديه من غمره .. ولباس المحدِّث المستحب له، فيُكره له أن يلبس الثوب الخلق وهو يقدر على الجديد..

وقال:

ينبغي للمحدِّث أن يكون في حال روايته على أكمل هيئة وأفضل زينة، ويتعاهد نفسه قبل ذلك بإصلاحه أموره التي تُجمله عند الحاضرين من الموافقين والمخالفين([38]). وروى بإسناده عن يحيى بن محمد الشهيد قال: ما رأيت أورع من يحيى بن معين، ولا أحسن لباسًا منه([39]).

ومن تمام حسن المظهر وأولوياته الالتزام بالضوابط الشرعية، فإسبال الثياب، أو لبس المخالف منها، أو حلق اللحية مِمَّا يخل بمظهر الْمُعلِّم، ويتأكد عليه قبل غيره من الناس أن يلتزم بالمظهر الشرعي.

~ ~ ~

 الصفة الحادية عشر- العناية بالتخصص:

الاهتمام بالتخصص والعناية به والسعي لبلوغ الذروة فيه هو ما ينبغي أن يكون من شأن الْمُعلِّم، لأنه سيكون مرجعًا لطلابه يسألونه ويستفتونه به، ويلتزمون بما يمليه عليهم ويوجِّههم إليه، وينقلون هذا عنه إلى غيرهم من زملائهم أو طلابهم حينما يتصدُّون للتعليم فيما بعد، فلا بدَّ من العناية بهذا الأمر عنايةً فائقةً والتأكُّد من صحَّة المعلومات وصحَّة العلاقة بينها وبين النتائج المستنبطة منها .. وقد سُئل سفيان بن عيينة: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟

قال: أعلمهم؛ لأنَّ الخطأ منه أقبح([40]).

ونحن نعيش في عصرٍ تميَّز بمراعاة التخصُّص الدقيق، وشرعنا أيضًا يهتضمُّ بالتخصص ويوليه عناية فائقة، فمن ذا الذي يُحيط بأنواع العلوم كلها؟! قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان بن عفان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكلِّ أمَّة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»([41]).

والعناية بالتخصُّص لا يعني إهمال التخصُّصات الأخرى، لاسيما ذوات العلاقة، بل لا بدَّ من الحصول على قدر ما يخدم التخصص، حيث يقدم لطلابه به نسيجًا متناسقًا يشدُّ بعضه بعضًا، بعيدًا عن التنافُر والتناقُض.

~ ~ ~

 الصفة الثانية عشر- مُعلِّم ومتعلم في الوقت نفسه:

الْمُعلِّم لا ينقطع عن طلب العلم والسؤال عنه مهما بلغ الغاية منه؛ إذ لا غاية في العلم ولا شبع منه .. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

وقيل لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟

قال: حتى الممات إن شاء الله.

وقيل له مرة أخرى مثل ذلك فقال: لعلَّ الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.

وسُئل أبو عمرو بن العلاء: متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ فقال: ما دام تحسن به الحياة([42]).

فالعلم يتطوَّر ويتقدَّم فيحتاج إلى الرصد والمتابعة، فالعلم بالتعلُّم، ولا حياء في طلب العلم، كيف وقد ضرب لنا أحد أولي العزم من الرسل، كليم الله موسى، المثل الأعلى في ذلك وهو يطلب علم الخضر ويصحبه فيه وهو الأعلى منه في المنـزلة ولا ريب، وقد قال قتادة ([43]):

لو كان أحد يكتفي من العلم بشيءٍ لاكتفى موسى - عليه السلام - ولكنه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66].

فالْمُعلِّم لا يستكبر ولا يستنكف، أي لا يمنعه من الاستزادة في العلم كِبر ولا كبر، ولا حياء ولا صِغر، فمن قال علمت فقد جهل، ومن صدَّه الحياء عن العلم فقد حرم نفسه.

وقد قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر([44]).

وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقَّهن في الدِّين»([45]).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل فأتوسَّد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليّ التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول أنا أحقُّ أن آتيك فأسألك([46]).

وقال سعيد بن جبير:

لا يزال الرجل عالِمًا ما تعلم، فإذا ترك التعلم، وظنَّ أنه استغنى بما عنده فهو أجهل ما يكون([47]).

وكان الإمام الشافعي يطلب من تلميذه أحمد بن حنبل أن يُوقِفه على صحَّة الأحاديث لَمَّا رأى من اهتمامه بها ونبوغه فيها([48]).

فلا عجب ولا غرابة أن يستفيد الْمُعلِّم من طلابه في بعض مسائل العلم، بل أن يتراجع عن خطأٍ له وقع فيه، ويتحلَّى أمامهم بقوله: «لا أدري»، و«الله أعلم» فيما خفي عليه وند عنه، ولم يُحط به علمًا، فهذا يجعله كبيرًا في نفوسهم، ويتعلَّمون منه التواضع، وترك التعالم، وعدم الجرأة على الفتيا، وتقحم ما لا يحسن.

يقول الإمام النووي رحمه الله في صفات العالم:

ألاَّ يستنكف من التعلُّم ممن هو دُونه في سنٍّ أو نسبٍ أو شهرةٍ أو دينٍ أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، وإن كان دُونه في جميع هذا، ولا يستحي من السؤال عمَّا لم يعلم([49]).

ويقول ابن جماعة:

واعلم أنَّ قول المسئول «لا أدري» لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عِظم محلّه، وقوَّة دينه وتقوى ربّه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته وحُسن تثبُّته..

وقد رَوينا معنى ذلك عن جماعة من السلف، وإنما يأنف من قول «لا أدري» من ضعفت ديانته، وقلَّت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقَّة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فرَّ منه، ويتَّصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدَّب الله تعالى العلماء بقصَّة موسى مع الخضر عليهما السلام حين لم يرُدّ موسى عليه الصلاة والسلام العلم إلى الله تعالى لَمَّا سُئل هل أحد في الأرض أعلم منك([50]).

~ ~ ~

 الصفة الثالثة عشر- أبٌ في المدرسة:

الْمُعلِّم يمارس مُهمَّة الأبوة بين أسوار المدرسة، حريصٌ على طلابه، غيورٌ عليهم، مُتفقِّدٌ لأحوالهم، مُتلمِسٌ لهمومهم، مُتعرِّفٌ على مشكلاتهم وما يعانونه داخل المؤسَّسة التعليمية وخارجها، وربما تمتدُّ جهوده الإصلاحية إلى بيوت طلابه، حتى يحسُّوا أنه في مقام الأب، يشعرون ذلك من خلال متابعته الحثيثة لهم، بل يلحظون ذلك في عقابه وتأنيبه، فهو عقاب مربٍّ ومؤدِّب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما أنا لكم بمنـزلة الوالد لولده أُعلِّمكم»([51]).

وهو أيضًا يتمنَّى لطلابه كلَّ خير، ومن ذلك أن يكونوا أفضل منه ويتفوَّقوا عليه، فهو يفرح ويسرّ حينما يراهم قد تجاوزوه إلى المراتب العليا والألقاب الكبرى، تمامًا كما يشعر الأب.

يقول ابن جماعة عن الْمُعلِّم:

وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدًا عن العادة سأل عنه، وعن أحواله، وعمَّن يتعلَّق به، فإن لم يُخبَر عنه بشيءٍ أرسل إليه، أو قصد منـزله بنفسه وهو أفضل، فإن كان مريضًا عاده، وإن كان في غمٍّ خفض عليه، وإن كان مسافرًا تفقَّد أهله ومن يتعلَّق به، وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم، ووصلهم بما أمكن .. وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودَّد عليه ودعا له([52]).

وقد ضرب الإمام سعيد بن المسيب أروع الأمثلة في ذلك، وذلك عندما زوَّج ابنته لأحد تلاميذه لِمَا رأى عزوبته وقلَّة ذات يده، فلم يدرِ التلميذ إلا وقد زُفَّت إليه، وكانت أعلم الناس بعلم أبيها، وقد شحَّ بها أبوها على الوليد بن عبد الملك([53]).

~ ~ ~

 الصفة الرابعة عشر- المساهمة في إصلاح نظام التعليم:

الْمُعلِّم الجاد المخلِص يشعر أنَّ مهمَّته لا تقف عند حدِّ ما يُقدِّمه في الفصل الدراسي، ولئن كانت المسئولية عن نُظم التعليم والمناهج، وما يتعلَّق بذلك أمور يُعنَى بها غير الْمُعلِّم، إلا أنَّ ذلك لا يعفيه من المشاركة والسَّعي للإصلاح، وهو حين يحمل هذا الهمَّ في خاطره، ويُدرك أنَّ هذه المهمة جزءٌ من مسئوليته، سيسهم في اقتراحٍ بنَّاء على إدارة المدرسة، أو تنبيه على ملاحظ، أو مناقشة هادئة في قرار، وسيدعوه ذلك أيضًا للمساهمة في إبداء اقتراح أو تصحيح خطأ حول منهج مادة يدرسها، أو طرح فكرة بناءة والكتابة عنها، أو السعي لدراسة ظاهرة من الظواهر السلبية في نظام التعليم أو مشكلة من مشكلاته، ولهذا كان السلف يُوصون الْمُعلِّم بالعناية بحماية نظام التعليم من المخالفات الشرعية، ولو كانت في نظر البعض من الأمور اليسيرة([54]).

قال سحنون: وأكره للمُعلِّم أن يعلم الجواري، ولا يخلطهن مع الغلمان؛ لأنَّ ذلك فساد لهم([55]).

~ ~ ~

 الصفة الخامسة عشر- عطاء لا ينتظر الثناء:

الْمُعلِّم لا يربط بين جهده وعطائه وبين ما يحصل عليه من مردود مادي أو معنوي، مثل الراتب والحوافز المعنوية، فلا علاقة بين الأمرَين في سَيره نحو تحقيق هدفه ورسالته، لا يؤثر ما يتعاطاها على ما يبذله نحو طلابه، لأنَّ هذه مهمته الرئيسة؛ تعليم الناس الخير .. وطَّن نفسه عليها وسخَّر طاقاته وإمكاناته لها، غير ملتفتٍ لتثبيط مثبط ولا تشجيع مشجِّع، بل لا يؤثر ما قد يحدث بين الْمُعلِّم وإدارته من مشكلاتٍ على علاقته بطلابه، وجهده معهم؛ إذ لا صلة لهم بما قد حدث.

ومن ذلك أنه لا يحرص على المناصب الإدارية ولا الألقاب العلمية، لأنها قد تكون قيدًا يعوقه عن السير، إلاَّ إذا كان في ذلك عونًا له على أداء مهمته، والتمكين لرسالته، ﴿- رضي الله عنه -A$s% ÓÍ_ù=yèô_$# 4’n?- رضي الله عنه -ã ÈûÉî!#- رضي الله عنه -“yz ÇÚö‘F$# ( ’ÎoTÎ) îáŠÏÿym ÒÎ=- رضي الله عنه -æ[يوسف: 55].

فوجوده في المناصب العُليا لا يعني إلا مزيدًا من التكليف والعبء، كما أنَّ وجوده في المناصب الدنيا لا يعفيه عن الشعور بالمسئولية، فالمناصب والألقاب عنده سواء، فلا خير فيها إن هي حجبته عن أداء مهمته، وشغلته عن تحقيق رسالته، فلا يغريه العطاء، ولا يوقِفه الجفاء، بل هو كما جاء في الحديث الذي يرويه أبو هريرة: «طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرةً قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذَن له، وإن شفع لم يُشفَّع»([56]).

ومن علامات صدقه وصحَّة عزمه أنه مواصل لسيرته العملية وإنتاجه العلمي مهما نال من ألقاب وتبوَّأ من مواقع، بخلاف الْمُعلِّم الذي جعل غايته من المهنة المردود المادي والمعنوي فحسب، ولو حرص على أداء المهنة على الوجه المطلوب وظيفيًا فلأجْلِ ما يتعاطاه ليس وراء ذلك شيء، إن زادوا اجتهد وبذل، وإن أمسكوا قصر وأهمل..!

& & &


 المبحث الثاني: الصفات السلبية

 الصفة الأولى- الاستكبار عن قبول الحق:

قد يكون لدى أحد طلبتك علم في مسألة معيَّنة ليس عندك، أو سمع فيها ما لَم تسمع، أو يتَّضح لك بعد النقاش أنَّ الحقَّ بخلاف ما قلته، فهلا فكَّرت في كسر حاجز الهوى، وقبول الحقِّ والانتصار على الوهم الذي يُوحي إليك أنَّ هذا يغضُّ من شأنك؟ بل فيه الرفعة والثقة، فالناس كلُّ الناس يُدركون أنه لا كمال لبشر، وأنه ما من أحدٍ من كبار أهل العلم إلا وتعزب عنه شاردة أو واردة، فكيف بي وبك؟

بل إنَّ الاعتراف بالحقِّ يزيد تلامذتك ثقةً أنك لا تقول إلا ما تعلم، ولا تنطق إلا بما توقن، لذا فيعد الإمام النووي من صفات الْمُعلِّم ألاَّ يستنكف عن التعلُّم مِمَّن هو دونه، في سنٍّ أو نسبٍ أو شهرةٍ أو دِينٍ أو في علمٍ آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، وإن كان دونه في جميع هذا([57]).

~ ~ ~

 الصفة الثانية- حسد الطالب:

الحسد سلوك شاذ يصدر عن أصحاب النفوس المريضة حين ترى من فاقها في أمرٍ من أمور الدنيا الفانية، وهو يحمل علاوة على خُبث الطوية سخطًا على قضاء الله وعدم رضا بعطائه؛ لذا فالْمُعلِّم أعظم قدرًا وأعلى شأنًا من أن يَحمل في قلبه حسدًا أو غلاً تجاه أحد أبنائه؛ خاصة حين يفوقه، وهو مسلك حذر منه السلف الصالح.

قال الإمام النووي:

ولا يُحسد أحدًا منهم لكثرة تحصيله، فالحسد حرام للأجانب، وهنا أشدّ؛ لأنه بمنـزلة الوالد، وفضيلته يعود إلى مُعلِّمه منها نصيب وافر؛ فإنه مربيه، وله في تعليمه وتخريجه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الدعاء المستمر والثناء الجميل([58]).

~ ~ ~

 الصفة الثالثة- الفتيا بغير علم:

ما أكثر ما يأتيك أخي الْمُعلِّم السؤال والاستفتاء من طلبتك، فهلا روَّضت نفسك على أن تقول لِما لا تعلم «لا أعلم»؟ فمن حُرم لا أدري أصيبت مقاتله .. وهل وضعت نصب عينيك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾؟ [الإسراء: 36].

وأجرأ الناس على الفتيا أقلُّهم علمًا كما قال سحنون .. عقد الإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله بابًا بعنوان «ما يلزم العالم إذا سئل عما لا يدريه ومن وجوه العلم»..

وروى بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي قال:

كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، جئتكم من مسيرة ستة أشهر، حمَّلني أهل بلدي مسألة أسألك عنها.

قال: فسل.

قال: فسأله الرجل عن المسألة.

فقال: لا أُحسنها.

قال: فبُهِت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كلَّ شيء.

قال: أيُّ شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟

قال: تقول لهم: قال مالك: لا أُحسِن([59]).

وقال مالك رحمه الله:

ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول «لا أدري»، فإنه عسى أن يُهيَّأ له خير.

قال ابن وهب: وكنت أسمعه كثيرًا ما يقول: «لا أدري».

وقال في موضع آخر: لو كتبنا عن مالك «لا أدري» لملأنا الألواح([60]).

ولذا يُوصِي ابن جماعة الْمُعلِّم بذلك فيقول:

واعلم أنَّ قول المسئول «لا أدري» لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه؛ لأنه دليلٌ عظيم على عِظم محلّه وقوَّة دينه وتقوى ربِّه وطهارة قلبه وكمال معرفته وحُسن تثبُّته، وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف..

وإنما يأنف من قول «لا أدري» من ضعفت ديانته وقلَّت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقَّة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فرَّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدَّب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر حين لم يردّ موسى - عليه السلام - العلم إلى الله تعالى لَمَّا سُئل هل أحد في الأرض أعلم منك([61]).

وقال الإمام النووي:

وإذا سُئل عن شيء لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه ولا أتحققه، ولا يستنكف من ذلك، فمن عِلم العالم أن يقول لِما لا يعلم «لا أعلم» أو «الله أعلم»([62])، فقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإنَّ من العلم أن يقول لِما لا يُعلم الله أعلم .. قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ([63]): ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86].

وقالوا: ينبغي للعالم أن يُورث لأصحابه لا أدري..

معناه: يُكثر منها، وليعلم أنَّ معتقد المحقّقين أنَّ قول العالم لا أدري لا يضع منـزلته، بل هو دليلٌ على عِظم محلِّه وتقواه وكمال معرفته؛ لأنَّ المتمكِّن لا يضرُّه عدم معرفته مسائل معدودة، بل يستدلُّ بقوله لا أدري على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وإنما يَمتنع من «لا أدري» من قلَّ علمه وقصرت معرفته وضعفت تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين، وهو جهالة منه؛ فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم، ولا يرفعه ذلك عمَّا عرفه له من القصور، بل يستدلُّ به على قصوره؛ لأنا إذا رأينا المحققين يقولون في كثيرٍ من الأوقات «لا أدري»، وهذا القاصر لا يقولها أبدًا؛ علمنا أنهم يتورعون لعِلمهم وتقواهم، وأنه يُجازف لجهله وقلَّة دينه، فوقع فيما فرَّ عنه، واتَّصف بِما احتُرز منه، لفساد نيته وسوء طويته([64]).

وفي الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المتشبِّع بِما لم يعط كلابس ثوبي زور»([65]).

~ ~ ~

 الصفة الرابعة- كثرة المزاح:

لا شكَّ أنَّ الترويح والدعابة اللطيفة وإذهاب الملل أمر مطلوب، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يداعب أصحابه ولا يقول إلا حقًّا([66]) .. لكنَّ المزاح حين يكثر يصبح له أثر آخر يُحذِّرنا منه الخطيب البغدادي قائلاً: يجب أن يتَّقي المزاح في مجلسه؛ فإنه يُسقِط الحشمة ويُقِلُّ الهيبة.

وساق بإسناده إلى الأحنف بن قيس قال:

قال لي عمر بن الخطاب: «يا أحنف، من كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن مزح استخفّ به»([67]).

وقال محمد بن المنكدر:

قالت لي أمي: يا بني، لا تمازح الصبيان فتهون عليهم([68]).

وحين يُكثر الْمُعلِّم من المزاح فسوف يسقط قدره وتقلُّ هيبته ويهون على تلامذته، ناهيك عن أنَّ من أهم ما يُنتظر من الْمُعلِّم ومُعلِّم الجيل أن يكون قدوةً صالحة، وأن يسهم في غرسِ الجدِّ والمثابرة لدى أبنائه، والإسفاف في المزاح وكثرة الهزل يُعطيهم قدوةً سيئةً في ذلك.

~ ~ ~

 الصفة الخامسة- استخدام الطلبة في الأمور الشخصية:

على الْمُعلِّم أن يتجنَّب استغلال الطالب في أموره الشخصية، وذلك بتكليفهم بما هو خارج عن موضوع الدرس؛ كأن يقضي له بعض أموره في الدوائر الحكومية، أو يشتري له ويبيع عنه، أو نحو ذلك .. ومثله يُقال في قبول هداياه، ويتأكد تجنُّبه في الطالب الذي يباشر الْمُعلِّم تدريسه وامتحانه وتقييمه؛ لأنه مظنة المحاباة، وإن قدَّر عدم وجودها، لكنها تظلّ متوهّمة، مما يُعكِّر صفو الإنصاف والعدل، وقد يُثير هذا السلوك الشكوك عند زملاء الطالب، أو زملاء الْمُعلِّم.

يقول الحافظ ابن جماعة:

وكذا ينـزِّهه – علمه - من طمع في رفق من طلبته بمالٍ أو خدمةٍ أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وتردُّدهم إليه .. وكان منصور ابن المعتمر لا يستعين بأحد يختلف إليه في حاجة([69]).

وقد يُستثنى من ذلك ما إذا كان الطالب من خواصك وهو يشرف بخدمتك، لكن من غير تحمُّل أموال ولا ما هو فوق طاقته، وتكون حاجة عامة غير شخصية، والتنـزُّه عن ذلك أكمل وأحفظ للعلم وأهله.

~ ~ ~

 الصفة السادسة- الوقوع في مواطن التهم:

المرء مسئول عن نفسه، وعليه أن يُبعدها عن مواضع التهم كما قال ابن جماعة:

وكذلك يتجنَّب مواضع التهم وإن بعدت، ولا يفعل شيئًا يتضمَّن نقص مروءة، أو ما يُستنكر ظاهرًا، وإن كان جائزًا باطنًا؛ فإنه يُعرِّض نفسه للتُهمة، وعرضه للوقيعة، ويوقع الناس في الظنون المكروهة، وتأثيم الوقيعة .. فإن اتُّفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها، أخبر من شاهده بحكمه، وبعذره ومقصوده كيلا يأثم بسببه، أو ينفر عنه فلا ينتفع بعلمه([70]).

ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجلين لَمَّا رأياه يتحدث مع صفية فوليا: «على رِسلكما، إنها صفية» ثم قال: «إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئًا»([71]).

~ ~ ~

 الصفة السابعة- سرعة الانفعال ولغة التهديد:

من لوازم حُسن الخلق الترفُّع عن سُرعة الانفعال وشدَّة الغضب، واستبعاد لغة التهديد .. ومن أسوأ الأساليب التي لا يجني منها الْمُعلِّم إلا الكراهية من طلابه بل استخفافهم وسخريتهم: التهديد بما يعلم الطلاب أنه لن يفعله، وعناية الْمُعلِّم بانضباط الفصل وهدوئه ينبغي ألاَّ تكون على حساب التربية وعلاقته مع الطلاب.

والأغلب أن تكون هذه المواقف ردّة فعل لسلوكيات ومخالفات لا ترقَى لحجم هذه العقوبة والقسوة، ويمكن تجاوزها بإشارة أو تنبيه لطيف يزيلها ويحافظ للمُعلِّم وقاره وقدره([72]).

~ ~ ~

 الصفة الثامنة- السخرية من الطالب واحتقاره:

قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]

وشدد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر السخرية بالمسلم فقال: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»([73]).

لقد جمع الله سبحانه وتعالى بين قلوب المؤمنين بجامع الإخوَّة، وربط بينهم برابطة التقوى، تلك الإخوَّة والرابطة التي تذوب عندها كلُّ الفواصل الأرضية والنعرات الجاهلية، ويستوي فيها الصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن الإخلال بهذا الأدب الذي أدَّبنا الله به في كتابه، ومن ارتكاب الشر الذي نهانا عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أن نحتقر الطالب ونسخر منه، فنُحرجه أمام زملائه؛ فقد يجيب إجابة، أو يسأل سؤالاً، أو يقع في خطأٍ ما، فهل يعني هذا أن نُمرِّغ كلَّ معاني الخُلق الفاضل لنوجِّه له سُخرية لاذعة؟

إنَّ إيغار صدره على مُعلِّمه، وردَّه لِما يسمع منه، ومشاركة سائر الطلبة له مشاعر السُخط .. كلُّ ذلك نتيجةٌ منطقيةٌ وبدهيةٌ لأسلوب السخرية الذي يُمارسه بعض الْمُعلِّمين.

فهلا أدَّبنا أنفسنا بالأدب الشرعي ووزنَّا ألفاظنا قبل أن نتفوه بها؟

ويذكر الأستاذ د. محمد عبد العليم مرسي قصة تصوُّر النتيجة التي يمكن أن يصل إليها الطالب حين يعامل بالسخرية والاحتقار فيقول:

ولا زلت أذكر حتى الآن منذ كنت طالبًا أنَّ زميلاً لي في بداية المرحلة الثانوية وقف ليُخبِر مدرس اللغة الإنجليزية أنه قد نظر في القاموس فوجد معنى مختلفًا عمَّا قاله الأستاذ، وكانت كارثة؛ لقد تسلَّمه الأستاذ سخريةً واستهزاءً، وانسحب الولد صامتًا، ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدّ، بل قد صارت عادةً للمُعلِّم المذكور كلّ يوم أن يدخل إلى الفصل ليُبادر بالسؤال: أين صاحبنا الباحث في القاموس؟ أين قاموسنا اليوم؟ وهكذا والطلاب يضحكون من زميلهم، إمَّا مجاملةً للأستاذ، وإمَّا عدم فهم لحالة زميلهم المسكين الذي انسحب تمامًا من درس اللغة الإنجليزية!([74]).

~ ~ ~

 الصفة التاسعة- غيبة الطلاب:

يدور الحديث كثيرًا بين الْمُعلِّمين فيما يتعلق بالطلاب، وقد يمتدُّ هذا الحديث إلى الوقوع في أعراضهم .. وتحريم الغيبة مِمَّا لا يشك فيه مسلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].

ويُشبِّه النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم عرض المسلم بتشبيه بليغ، إذ يقول: «إنَّ دماءكم، وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»([75]) ويُعرِّف النبي - صلى الله عليه وسلم - الغِيبة بتعريف جامع مانع بأنها: «ذِكرك أخاك بما يكره»([76]).

فالطالب أخٌ لك أيها الْمُعلِّم، وذِكرُك له بِما يكره من الغيبة التي هي أربى الربا: «إنَّ من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق»([77]).

~ ~ ~

 الصفة العاشرة- تعليم الطالب ما لا يدرك:

قد تبلغ الحماسة بالْمُعلِّم والحرص على تعليم طلابه إلى أن يسعى لتعليمهم ما قد يصعب عليه فهمه، أو يكون مدعاة للتخليط واللبس، لذا نهى السلف عن ذلك .. قال علي - رضي الله عنه - «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟»([78]).

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ما أنت محدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»([79]).

ويرى الغزالي أنَّ من وظيفة الْمُعلِّم أن يقتصر بالمتعلِّم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله؛ فينفِّره أو يخبط عليه عقله([80]).

قال الإمام النووي:

ولا يلق إليه شيئًا لم يتأهَّل له، لئلا يفسد عليه حاله، فلو سأله المتعلِّم عن ذلك لم يُجِبه، ويعرفه أنَّ ذلك يضرُّه ولا ينفعه، وأنه لم يمنعه من ذلك شُحًّا، بل شفقةً ولُطفًا([81]).

~ ~ ~

 الصفة الحادية عشر- انتقاد المدرسين الآخرين أو موادهم:

قد يلحظ الْمُعلِّم على بعض زملائه ملحظًا، أو يكون له وجهة نظر تجاهه في سلوكه، أو أسلوبه في التدريس، أو في تعامله مع طلابه .. لكن هذه الملحوظة مهما علا شأنها فلا يسوغ أن تدفع الْمُعلِّم إلى التصريح بانتقاد زميله أمام الطلاب، أو الإيماء لذلك والإشارة إليه، ومثل ذلك الحديث عن مادة معينة وعدم صلاحيتها للتدريس، فهذا مما لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، ولا يفيد الطالب شيئًا.

وهو مسلك كان ينهى عنه الأوَّلون([82]) كما قال أبو حامد الغزالي:

إنَّ المتكفِّل ببعض العلوم ينبغي ألاَّ يُقبِّح في نفس المتعلِّم العلوم التي وراءه، كمُعلِّم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه، ومُعلِّم الفقه إذ عادته تقبيح الحديث والتفسير([83]).



([1]) محمد الدرويش، المدرس ومهارات التوجيه. ص43 بتصرف يسير.

([2]) رواه البخاري برقم (3419).

([3]) انظر: ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ص: 11.

([4]) رواه مسلم برقم (1905).

([5]) رواه ابن ماجه برقم (254).

([6]) رواه أبو داود برقم (3664) وابن ماجه برقم (252).

([7]) المرقاة شرح المشكاة، ج1، ص228.

([8]) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم. ص85.

([9]) المجموع شرح المهذب. ج1، ص30.

([10]) سيد قطب، في ظلال القرآن، ج1 ص242.

([11]) رواه البخاري برقم (3416) من حديث خباب ابن الأرت.

([12]) رواه الترمذي برقم (3058) وقال: هذا حديث حسن غريب، وأبو داود برقم (4341)، وابن ماجه برقم (4014).

([13]) انظر: علي الراشد، شخصية الْمُعلِّم وأداءه، ص25-26.

([14]) سبق تخريجه ص6.

([15]) المجموع شرح المهذب، ج1، ص33.

([16]) الفروسية ص114.

([17]) أدب الْمُعلِّمين. المطبوع في نهاية كتاب المذهب التربوي عند ابن سحنون ص115.

([18]) محمد الدرويش، المدرس ومهارات التوجيه، ص55، بتصرف.

([19]) المرجع السابق، ص56-57.

([20]) رواه مسلم برقم (2588).

([21]) رواه مسلم برقم (2865).

([22]) جامع بيان العلم وفضله، ج1 ص135.

([23]) أخلاق أهل القرآن، ص11.

([24]) المرجع السابق، ص120.

([25]) محمد الدرويش: المدرس ومهارات التوجيه، ص60 نقلاً عن د/ عبد الله بن عبد الحميد محمود، إعداد الْمُعلِّم من منظور التربية الإسلامية، ص225.

([26]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1 ص453.

([27]) تذكرة السامع والمتكلم، ص49.

([28]) المرجع السابق، ص64.

([29]) المجموع شرح المهذب، ج1 ص30.

([30]) على الراشد، شخصية الْمُعلِّم وأداءه، ص21- 22.

([31]) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج3 ص552.

([32]) رواه مسلم برقم (746)، مطولا.

([33]) رواه البخاري برقم (3094) ومسلم برقم (2989).

([34]) إحياء علوم الدين، ج1 ص97.

([35]) علي الراشد، شخصية الْمُعلِّم وأدائه ص23.

([36]) محمد الدرويش، المدرس ومهارات التوجيه ص48.

([37]) رواه مسلم برقم (91).

([38]) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ص373.

([39]) المرجع السابق ص381.

([40]) الخطيب البغدادي، جامع بيان العلم وفضله، ص156.

([41]) رواه الترمذي برقم (3790). وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه. وابن ماجه برقم (154).

([42]) الخطيب البغدادي، جامع بيان العلم وفضله ص156.

([43]) المرجع السابق ص162.

([44]) رواه البخاري ج1 ص60 معلقًا في كتاب العلم وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ج1 ص229، أن أبا نعيم وصله في الحلية.

([45]) المرجع السابق ج1 ص60.

([46]) الذهبي، سير أعلام النبلاء ج3/343.

([47]) ابن جماعة، تذكرة السامع والمتعلم في أدب العالم والمتعلم ص60.

([48]) انظر القاضي أبو الحسن محمد بن أبي يعلى، طبقات الحنابلة، ج1 ص6.

([49]) المجموع شرح المهذب، ج1/29.

([50]) تذكرة السامع والمتكلم، ص79.

([51]) رواه مسلم برقم (265) مختصرًا وأبو داود برقم (8) وابن ماجه برقم (313) واللفظ له.

([52]) تذكرة السامع، ص102-104.

([53]) انظر: سير أعلام النبلاء، ج4/ 233-234.

([54]) انظر: محمد الدرويش، المدرس ومهارات التوجيه، ص51 بتصرف.

([55]) أدب الْمُعلِّمين لابن سحنون. المطبوع في نهاية كتاب المذهب التربوي عند ابن سحنون ص123.

([56]) رواه البخاري برقم (2730).

([57]) المجموع شرح المهذب، ح1/29.

([58]) المرجع السابق، ج1 ص23.

([59]) جامع بيان العلوم وفضله، ج2 ص53.

([60]) المرجع السابق، ج2 ص53-54.

([61]) تذكرة السامع والمتكلم. ص79.

([62]) المجموع شرح المهذب، ج1 ص34.

([63]) رواه البخاري برقم (4531).

([64]) انظر: النووي، المجموع شرح المهذب، ج1 ص34.

([65]) رواه البخاري برقم (4921). ومسلم برقم (2130).

([66]) رواه الترمذي برقم (1990) وقال: وهذا حديث حسن صحيح، ورواه في الشمائل المحمدية ص195 برقم (238) وقال فيه محقق الشمائل صحيح.

([67]) الجامع لأخلاق الراوي آداب السامع. ج2 ص50.

([68]) المرجع السابق ج2 ص150.

([69]) تذكرة السامع والمتكلم. ص48.

([70]) المرجع السابق ص49.

([71]) رواه البخاري برقم (1930).

([72]) انظر: محمد الدرويش، المدرس ومهارات التوجيه، ص67 بتصرف.

([73]) رواه مسلم برقم (2564).

([74]) الْمُعلِّم والمناهج وطرق التدريس، ص99.

([75]) رواه البخاري برقم (67).

([76]) رواه مسلم برقم (2589).

([77]) رواه أبو داود برقم (4876).

([78]) رواه البخاري برقم (127).

([79]) رواه مسلم في المقدمة باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ج1 ص25.

([80]) إحياء علوم الدين، ج1 ص96.

([81]) المجموع شرح المهذب، ج1 ص30.

([82]) محمد الدرويش، المدرس ومهارات التوجيه، ص71-72.

([83]) إحياء علوم الدين، ج1 ص96.