صوت ينادي ()

 

|

 صوت ينادي

د. عبد الملك القاسم

الصوت

صوت ينادي

في ليل ادلهمت فيه الخطوب.. وتاهت به الدروب

في زمن تكدرت فيه المشارب.. وتلونت فيه المذاهب

صوت ينادي

يفيض قلبه بالمحبة.. وينبض فؤاده بالمودة.

يعرف دربك.. ويلمح قسمات وجهك

صوت يناديك أيها الحبيب..

يا من يشع بريق الإسلام من عينيه.. وهم الأمة لظى في كبده.

يا حفيد أبي بكر.. وعمر.. وعثمان.. وعلي.

صوت يناديك

أنت يا من صبرت في هجير الشمس صائمًا محتسبًا

أنت يا من وقفت في هدأة الليل خاشعًا مصليًا

صوت ينادي

يقود زمام القلم ويمسك بخطام الكلمة ويعتلي صهوة الحرف

أتعبه المسير.. فقف معه واسمع كلمته.. واقبل حديثه..

صاحب الصوت

على ضعف وتقصير منه.. وعلى عجز فيه وقصور

هفواته متتالية.. وعثراته متتابعة

ولكنه يناديك

يا سامع الصوت..

أنت كالنهر صاف رقراق.. لا تؤثر فيه أوراق الشجر المتساقطة ولا أعواد القش اليابسة.

أيها الحبيب في كل مكان:

صوت يحبك في الله.. فأرهف سمعك وأعره قلبك صوت ينادي.. ألا فاسمع حديثه

صوت ينادي

صوت ينادي

صوت ينادي

الصوت الأول

نشأت في بيت لم يكن للتربية الإسلامية نصيب كبير فيه.. وشاء الله أن بدأت الهداية تخطو نحو منزلنا.. فاهتدت أختي على يد زميلة لها في الكلية.. ثم تبعتها الصغرى.. ولكن شعاع الهداية بدأ يخبو والأولى تغادر المنزل متزوجة.. ثم انطفأ مع زواج الأخرى..

نشأت لاهيًا عابثًا وإن كان في قلبي بعض الخير.. فليس فيه -ولله الحمد- شبه أو تلبيس.. بل تراكم عليه ران المعصية وشهوات النفس..

فترة من الوقت كان حديث والدي ووالدتي عن زواجي.. وعندما ألزمني والدي بذلك لم يكن ثمة خيار أمامي سوى الموافقة والقبول.. عندها بدأت والدتي وأختي البحث عن زوجة لي..

الزوجة بالنسبة لي لا تعدو أن تكون جميلة.. وجميلة جدًا.. ولكن الله يسر لي من كانت نظرته أعمق وأصوب.. فحرصوا على ذات الدين أولاً.. وهو ما رأيته في زوجتي التي جمع الله لها خصالاً حميدة ونفسًا طيبة ونصيبًا من الجمال.. وأكبر من ذلك وأظهره في شخصيتها رجاحة عقلها وصبرها.

فقد بدأت معي خطوات الدعوة.. خطوة.. خطوة.. وتدرجت معي من البداية درجة.. درجة.. رأتني كالطفل لا بد أن يمر بأطوار ومراحل حتى يكتمل.. يجلس ثم يحبو.. ثم يقف بعدها يمشي..

ما إن تسمع المؤذن حتى تهرع إليَّ .. لقد أذن.. نحن الآن على وشك الإقامة.. لا تفوتك تكبيرة الإحرام..

سنتين كاملتين.. حتى بدأت أموري في الصلاة تستقيم. وألزمتني بعدم السهر لأستيقظ لصلاة الفجر.. حثتني على مصاحبة الأخيار.. وعلى قراءة القرآن والكتب النافعة.. وكانت تتحين الفرص لنسمع شريطًا لأحد العلماء ونحن في الطريق..

في سنوات زواجي .. تقلبت في دنياي من غنى إلى فقر.. ومن صحة إلى مرض.. بل لقد تحملت من البعد عن أهلها ووطنها سنوات.. وهي صابرة.. ما تبرمت ولا تضايقت.. ولا أعانت النوائب والمصائب.

كانت نعم المرأة.. تبدلت حالي بفضل من الله على يديها..

أعرفت أخي الحبيب من هذه؟

إنها التي قال فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «عليك بذات الدين تربت يداك».

قد يغيب عن من أراد الزواج ذلك التوجيه.. ولكنه حتمًا سيراه في واقع حياته يومًا ويرى أثر الحديث في استقامة الأسرة وهنائها وسعادتها..

ألا يا أخي لا تتردد ولا تؤجل.. أقدم.. و«عليك بذات الدين تربت يداك».

ما بعد الصوت:

قال يحيى بن يحيى: كنت عند سفيان بن عيينة إذ جاء رجل فقال: يا أبا محمد أشكو إليك من فلانة -يعني امرأته- أنا أذل الأشياء عندها وأحقرها، فأطرق سفيان مليًا ثم رفع رأسه فقال: لعلك رغبت إليها لتزداد عزًّا:

فقال: نعم يا أبا محمد!! قال: من طلب العز ابتلي بالذل ومن طلب المال ابتلي بالفقر، ومن طلب الدين يجمع الله له العز والمال مع الدين.

ثم أنشأ يحدثه فقال: كنا إخوة أربعة محمد وعمران وإبراهيم وأنا. فمحمد أكبرنا وعمران أصغرنا، وكنت أوسطهم، فلما أراد محمد أن يتزوج رغب في الحسب فتزوج من هي أكبر منه حسبًا فابتلاه الله بالذل، وعمران رغب في المال فتزوج من هي أكثر منه مالاً فابتلاه الله بالفقر أخذوا ما في يديه ولم يعطوه شيئًا.

فقدم علينا معمر بن راشد، فشاورته وقصصت عليه قصة إخوتي، فذكرني حديث يحيى بن جعدة وحديث عائشة، فأما حديث يحيى بن جعدة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تنكح المرأة على أربع، على دينها وحسبها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك» وحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة» فاخترت لنفسي الدين وتخفيف الظهر اقتداء بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فجمع الله لي العز والمال مع الدين([1]).

الصوت الثاني

تصرمت الأيام وانقضت الليالي.. ولكن لا يزال الشهر الكريم يلقي ظلاله وتهب نفحات نسماته، فهناك من يصوم ستة أيام من شوال والبعض حافظ على قيام الليل.. وآخرون تعاهدوا صلاة الجماعة.

أما الصالحون والأخيار فإن رب رمضان -عندهم- هو رب الشهور جميعًا.. ما زادهم رحيل رمضان إلا ثبوتًا ورسوخًا في الطاعة وبعدًا عن المعصية.

في أيام العيد الأولى صوبت زوجته سهامًا شتتت ذاكرته ومزقت قلبه.. وأعادته سنوات إلى الوراء.

قالت له: تزوجتك منذ خمس سنوات أو تزيد.. كم سورة من كتاب الله حفظت؟!

بل كم آية حفظت؟!

بهت الرجل وأسقط في يده.. ليس هربًا من الجواب.. ولكن من ندم طرقه وتفريط أرقه!!

استدرك.. نعم خمس سنوات لم أحفظ آية من كتاب الله، بل وأنسيت ما حفظته في السنوات الأولى من عمري..

قالت.. وهي تزيد أمله وحسرته: هناك من أصحاب الهمم العالية والنفوس القوية من حفظ القرآن في سنتين!! بل والبعض في سنة!!

بل هذا أبو عبد الله حفظ كتاب كاملاً في ستة أشهر!!

جددت أحزانه ونكأت جراحه وهي تسترجع تقصيره وتفريطه، وكأنه لا يعرف الله إلا في رمضان!!

بعد صمت الندم.. رفعت صوتها بقوة فيه علامات الفرح.. وهي تناديه:

ولكن بقي في الحياة متسع.. تستطيع أن تدركهم وتقتفي أثرهم..

هب من غفلتك وأرنا همة أبي عبد الله.

أخي المسلم:

يطرح سؤال سهل.. ولكن مع الأسف إجابته محزنة مبكية.

كم آية حفظت من كتاب الله في السنوات الماضية؟!

ما بعد الصوت:

كان الإمام الشافعي يقسم الليل ثلاثة أجزاء، ثلثًا للعلم، وثلثًا للعبادة، وثلثًا للنوم، وكان رحمه الله يختم القرآن في رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة.

الصوت الثالث

لأنه سيخرج إلى رحلة برية مساء هذا اليوم عهد إلى السائق بأن يذهب بزوجته إلى أهلها.. وقبل ذلك إلى السوق!!

قدم لعبة الورق -البلوت- على الحفاظ على عرضه.. وقال لابنته المراهقة.. اذهبي مع السائق فأنا مشغول جدًا!!

حدث نفسه وقال: سنوات وأنا أحافظ على هذه الدرة في بيتي.. كيف أتخلى عنها غدًا عند غرفة الولادة.. قرر صاحب الدين والغيرة أن يدخل مع زوجته حتى باب غرفة الولادة ونفث عليها بعض الأدعية والآيات.. واشترط في إصرار لا رجعة فيه أن تكون القابلة امرأة.. أو يذهب بزوجته لمستشفى آخر.

دولاب غرفة نومه يحتاج إلى إصلاح.. قال لزوجته ويده على مؤشر التلفاز يلتقط محطات عالمية.. نادي على السائق لإصلاح ذلك.. فالأخبار بقي عليها ثوان!!

في الخمسين من عمره .. أخذته الحمية والغيرة.. وصرخ في وجه الاقتراح ومزقه بصوته القوي.. لن يدخل السائق بيتنا ما دمت حيًا.

لن أدخل رجلاً أجنبيًا على زوجتي وبناتي!! شهور ثم وافق بشروط قاسية.. لا تذهب معه امرأة إلا مع محرم!!

شهور.. فإذا به يتنازل عن ذلك ويشترط وجود الوالدة مع البنات..

شهور فإذا به يشترط أن تكون امرأتان على الأقل مع الرجل الأجنبي..

ثم سقط الشرط الأخير.. وذهبت ذات الستة عشرة عامًا بمفردها مع الرجل الأجنبي!!

شهور فإذا بدمعة الرجل تسقط على لحيته!!

أمام بوابة الكلية.. رفع صوته حتى أسمع من في الداخل ومن في الخارج.. لماذا تأخرت عليّ؟!

وأخذ يصرخ ويرفع صوته.. حتى توقع الجميع أن يرفع يده.. وعندما سأل أحدهم جاره.. منذ كم ساعة فتح الباب؟.. قال: منذ ثلاث دقائق فقط!!

لفارق نصف ساعة بين خروج أخته وخروجه من كليته.. استأجر لها سيارة أجرة لتوصلها إلى بيتهم كل يوم.. فالوقت لديه ثمين!! وأين يذهب في هذه -النصف ساعة-!! هل ينتظر في الشارع!!

يفتعل الضحكات ويصر على بعض الطلبات.. لكي يسرق نظرة من خادمته!!

وهو يهدي -أحلى الأخبار- كما قال لزوجته.. غدًا يصل السائق..

إنها يا زوجتي -أحلى الأخبار- أردفت في نفسها.. حرية وانطلاق.. بدون قيود ولا حدود.. إنها أحلى الأخبار يا رجل!!

تحاول معه أخته أن يذهب بها إلى قريبتها.. ولكنه هدد وتوعد.. سأذهب بك.. ولكن من يرجعك..

سأذهب لمشاهدة مباراة في كرة القدم.. ولن أعود إلا متأخرًا.. عليك أن تأتي مع السائق.. حتى وإن كان الوقت متأخرًا.. فالمباراة مهمة!!

ما بعد الصوت:

أرى حللاً تصان على أناس

وأخلاقًا تداس فلا تصان

يقولون الزمان به فساد

وهم فسدوا وما فسد الزمان

الصوت الرابع

لهف وترقب في ذلك الجمع الكبير من المدرسين.

أين تم تعيينك؟ وفي أي قرية؟! وأين تقع؟! وكم تبعد؟!

واجتمع زملاء الدراسة وحديثو التخرج أمام لوحة الإعلانات.. والسؤال على كل لسان.. أين تم تعيينك؟!

في أقصى الشمال!! في قرية نائية.. لا يوجد فيها خدمات.. ولا هاتف.. كيف أذهب؟!

قال الآخر:

تم تعييني في أقصى الشرق.. كيف أترك أهلي.. بل كيف أفارق مدينتي؟!

من يطبخ لي؟.. ومن يكنس لي؟! بل من يغسل ثيابي؟!

ضحكة سبقت أحدهم وهو يقول: تم تعييني في أعالي الجبال وقيل لي: إنها مناطق نائية ذات طرق متعرجة وارتفاعات شاهقة.

أتبع ذلك بتعليق ساخر.. سأشتري دابة لتنقلني من المنزل إلى المدرسة.

بعد كل سؤال .. ترتفع الأصوات وتتداخل الضحكات.. يعقبه إظهار للتسخط والتذمر وعدم الرضا.

لله در أبي عبد الله.. حمل هم الدعوة..

تاه فكره وأطرق في سكوت..

وقال بحرقة: لقد تم تعييني في الرياض!

أتته الأصوات مستبشرة..

مرحى لك.. حظك طيب!!

ولكن من حمل هم الأمة بين جنبيه.. ونفض غبار العجز والكسل والراحة..

توجه من الغد بخطاب يطلب فيه تعيينه في قرية ( ... ) على بعد أكثر من مائة وعشرين ميلاً..

وقال وهو يحدث زوجته.. ويوضح لها الأمر..

هناك أرض خصبة للدعوة..

وهناك الفطرة السليمة النقية.. ولكن يا زوجتي الجهل ضارب أطنابه..

وبدأ يعدد لها المزايا..

أوقات الفراغ نستفيد منها في حفظ القرآن ومراجعته.. وقراءة أمهات الكتب.

هناك لن نضيع ساعة أو اثنتين كل يوم عند إشارات المرور.

وافقت الزوجة المؤمنة.. بل وتحمست للأمر.. ولكن العقبة الأولى ظهرت منذ وصولهم إلى تلك القرية..

لم يجد مدرسة لزوجته في القرية لتدرس فيها..

قال صاحب الهمة والعزيمة.. من وهبه الله صبرًا واحتسابًا في سبيل الدعوة.

أذهب بك للقرية المجاورة على بعد ثلاثين ميلاً..

كل منا يكون داعيًا إلى الله في قريته..

لله در أبي عبد الله ولله در أم عبد الله..

لا تراخي ولا كسل ولا عجز ولا ضعف.. بل همة عالية.. ومثابرة ومجاهدة.

تربية إسلامية في المدرسة.. ونشاط في المنزل والمسجد.. حلقات لتحفيظ القرآن.. توزيع للأشرطة والكتب.. مسابقات وجوائز.

بل إن أم عبد الله جعلت درسًٍا لكبيرات السن تعلمهن ما يلزم من الدين معرفته بالضرورة.. بل رددت على مسامعهن قصار السور عشرات المرات حتى حفظنها.

لم يمنعها الحمل والإرهاق من زيارة الجيران وقراءة الفتاوى النسائية عليهن..

أما أبو عبد الله فجعل للكبار درسًا لحفظ القرآن بعد صلاة الفجر.. ودرسًا للناشئة بعد العصر.. أما بعد المغرب فدرس عام.. ولم ينس رحلات الحج والعمرة.. وإمامة المسجد.

حيوية ونشاط ومسارعة للخير في كل مكان.. بل امتد نشاطه من محاضرات وزيارات .. إلى قرى مجاورة.

مضت ثلاث سنوات..

وأبو عبد الله يسخر منا حينما نستحثه للقدوم إلى المدينة..

قال: كم نضيع من أعمارنا عند إشارات المرور. وأخفى عن الجميع نتائج دعوته وثمار صبره.

أضاء بنشاطه سماء الغفلة.. وأنار علمه قلوب أهل القرية..

تخرج على يديه الكثير.. وتربى على يديه الكثير.

أما أم عبد الله فقد أخرجت جيلاً يحمل هم الإسلام.. وأمهات يحفظن نصيبًا من القرآن.

ثلاث سنوات زال الجهل وانقشعت الغشاوة..

وكل سنة عند لوحة الإعلانات..

تسمع الصوت الضعيف.. وترى من همه راحته ونومه.. وأكله وشربه..

ترى أصحاب الضعف والخور..

وتسمع أصواتهم كل يوم..

أين تم تعيينك؟!

ما بعد الصوت:

عن رجل قال: رأيت أثر الغم في وجه أبي عبد الله (أحمد بن حنبل) وقد أثنى عليه شخص وقال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، قال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا، من أنا وما أنا؟!([2])

الصوت الخامس

ما إن خرج من المجلس صاحب الوجه المضيء واللحية الكثة.. صاحب التوبة والعودة.. صاحب القلب الرقيق والدموع التي لا تنقطع.. حتى لاحقته النبال وأطلقت نحوه السهام.. وتناولته الألسن..

تندر بتوبته.. وتهكم على عودته.. منهم من عدد مثالبه وأيام سفاهته.. ومنهم من أظهر الشفقة عليه وقال:

لن يصبر.. سيعود إلى حالته السابقة!!

وتحول المجلس إلى حديث عن الرجل.. إظهار للشفقة.. وتنبؤ بالنكوص..

هز كبيرهم رأسه وهو يسمعهم صوته البغيض وكأنه يطمئنهم .. لن يصبر.. سيعود.. أيام وأسابيع ثم يرجع إلى سابق عهده..

اطمأن الجميع.. وربما أظهر البعض فرحًا بذلك..

أخي المسلم:

التندر بالتائبين وغيبتهم شاع في مجالس كثيرة.. فما إن ترى الشاب الموفق يتلمس الخطى ويلتزم الجادة.. ويطيع ربه.. وتظهر عليه آثار الخير والصلاح حتى تسمع من يطلق لسانه يعدد عيوبه ومثالبه وزلاته قبل التوبة.. بل وبعدها إن وجدت!!

أين الفرح بعودته إلى الله؟! أين الفرح بلزومه الطريق المستقيم؟!

بل أين الفرح لهذا الدين بعودة أبنائه؟!

ثم انظر من تغتاب؟! أتغتاب وتطلق لسانك على من أرسل دموع عينيه وبكى على نفسه.. يرجو رحمة ربه ويخشى عقابه؟! أيسلم منك الكافر والفاجر ولا يسلم منك من يحتاج إلى وقفة تثبيت وشد أزر؟!

الكثير بحديثه عن التائب.. تراه ينفر عن التوبة وكأنه -والعياذ بالله- يقول: عد إلى حالتك السابقة.. لماذا تتوب؟! لست أهلاً للتوبة!

وربما أن هذا المغتاب حالته الآن أقل من حالة التائب فيما سبق.. بل ربما أنه مقيم على كبائر وصغائر لم يتب منها.. وتكفيه الغيبة جادة وطريقًا!

كان الإمام أحمد يفرح إذا رأى لحية مسلم محناة وذلك فرحًا بإحياء السنة!!

ويكفي التائب فرحًا أنه يقف موقفًا يفرح الله فيه بعودته.. ومن كان الله يفرح بعودته ويبسط يده -جل وعلا- له هل تكره عودته.. وتبغض توبته.. إذا لم تكن التوبة لي ولك وله.. فلمن تكون؟!

ما بعد الصوت:

روي عن مالك بن دينار([3]): أنه سئل عن سبب توبته فقال: كنت شرطيًّا وكنت منهمكًا على شرب الخمر، ثم إنني اشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتًا، فشغفت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبًا، وألفتني وألفتها..

قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني إليها وهرقته على ثوبي فلما تم لها سنتان، ماتت، فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بت ثملاً (الثمل: الذي قد أخذ منه الشراب والسكر) من الخمر، ولم أصل فيها عشاء الآخرة، فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونفخ في الصور، وبعثرت القبور، وحشر الخلائق، وأنا معهم. فسمعت حسًا من ورائي، فالتفت، فإذا أنا بتنين (ضرب من الحيات من أعظمها كأكبر ما يكون منها) أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعًا نحوي فمررت بين يديه هاربًا فزعًا مرعوبًا، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة، فسلمت عليه فرد السلام فقلت: أيها الشيخ، أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه، ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه. فوليت هاربًا على وجهي، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت على طبقات النيران، فنظرت إلى هولها، وكدت أهوي فيها من فزع التنين، فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها!! فاطمأننت إلى قوله ورجعت، ورجع التنين في طلبي، فأتيت الشيخ فقلت يا شيخ: سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل. فبكى الشيخ. وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين، فإن كان لك فلما وديعة فستنصرك. فقال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه كوى مخرمة وستور معلقة، على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر، مفصلة باليواقيت مكبوبة بالدر، على كل مصراع ستر من الحرير، فيه نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربًا والتنين من ورائي، حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا!! فلعل لهذا البائس منكم وديعة تجيره من عدوه، فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت، فأشرف عليَّ من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني، فتحيرت في أمري فصاح بعض الأطفال: ويحكم!! أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه، فأشرفوا فوجًا بعد فوج، وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت عليَّ معهم، فلما رأتني بكت. وقال: أبي والله!! ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي. فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها، ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربًا.

ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي، وقال: يا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فبكيت وقلت: يا بنية، وأنتم تعرفون القرآن؟

فقالت: يا أبت نحن أعرف به منكم.

قلت: فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني.

قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم.

قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي.

قالت: يا أبت، ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء.

قلت: يا بنية: وما تصنعون في هذا الجبل؟

قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم.

قال مالك: فانبهت فزعًا، وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله عز وجل -وهذا كان سبب توبتي([4]).

الصوت السادس

يتحدث في كل مجلس.. أنا فعلت.. وأنا مرهق من كثرة العمل.. وأنا قدمت للإسلام.. وفعلت.. وفعلت!! بجواره من عمل أضعاف أضعاف عمله وتحمل الجهد الجهيد في سبيل الله ولكنه قال: رحم الله حالنا ليتنا مثلك.. ما قدمنا شيئًَا!! وما فعلنا شيئًا!!

ما جلس في مجلس إلا رأى الانتصار لنفسه.. ما طرحت فكرة أو تحدث بحديث إلا كان رأيه الصواب وحديثه الصحيح.. فقد أدب الحوار وفقد احترام الآخرين!!

تتبعٌ عجيبٌ لأحوال الناس وتفقد لأمورهم.. هذا لماذا طلق؟! وتلك لم طلقت؟! وهذا أين يعمل؟! وذاك أين تم تعيينه؟! سنوات وهو يتابع وسنوات وهو يرصد من حوله ومن عرفهم .. ولكن في النهاية ماذا استفاد؟! وماذا جنى!!

لا يقيم وزنًا لمعلمه ولا لشيخه.. يتتبع السقطة ويتحدث عن الزلة.. ويدعي أنه من تلاميذ الشيخ.. وممن درس على الشيخ!!

ما شاء الله -زوجتي مؤدبة.. مطيعة.. وتتجمل لي.. و.. وفي كل يوم يأتي بقصة عن زوجته وماذا فعلت؟ وكيف لبست؟ وأين تذهب؟! إنها دياثة صغرى!!

كلما دعته والدته ليذهب بها.. صرخ في وجهها وكأنه يهددها.. لدي محاضرة!! لدي درس!! لدي..!!

نسي الأخ الحبيب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.

يخرج من الباب الخلفي حتى لا يراه والده ويطلب منه شراء بعض اللوازم.. وهو في نفس الوقت يذهب لزميله ويصر على سؤاله.. توصي على حاجة أو غرض!؟

وترك والده الشيخ الكبير وعيناه تترقبان خروج الابن الذي هرب من الباب الخلفي!!

يبدأ المجلس بالتعليقات والنكات.. تتوالى الضحكات .. والحديث كله على البطن والفرج.. تعليقات سمجة وحديث مكروه.. فيه إشاعة للفاحشة وذكر للمساوئ!! هل هذا مجلس خير؟!

ما بعد الصوت:

حكي عن بعض الصالحين أنه رأى رجلاً وهو يضحك ضحكًا شديدًا، فقال له: يا هذا!! هل ذقت الموت؟ قال: لا، قال فهل رجح ميزانك؟ قال: لا، قال: فهل جزت الصراط؟ قال: لا، قال: فلأي شيء هذا الضحك والفرح؟ قال: فبكى الرجل وقال: لله علي نذر أن لا أضحك بعدها أبدًا.

الصوت السابع

مجلس خاص ضم الكثير من التائبين.. وأصحاب الوجوه المشرقة والجباه النيرة.. تحدثوا فيه عن أعظم الأمور تأثيرًا في حياة الإنسان.. وأكبرها أثرًا في حياته!!

بصفاء نفس وبرغبة صادقة في أن تعم الفائدة.. كل أدلى بدلوه.. ورمى بسهمه.

منهم من ذكر صديق السوء وأثره.. ومنهم من تحدث عن أثر الأشرطة في حياته.. وآخرون تحدثوا عن لحظات السعادة تقبل عليهم.. بعد توبة صادقة..

وعندما أتى الحديث إليه.. قال: أكبر الأمور تأثيرًا في حياتي.. هو إطلاق لحيتي.. فإنني منذ أطلقتها رأيت في نفسي العجب.. فيمن حولي!!

لا شك أنني -ولله الحمد- تركت محرمًا وتجنبت معصية.. ولكن وجود هذه اللحية جعلني أفعل الكثير من الخير وأترك الكثير من الشر.

لا أطلق بصري على النساء خوفًا من الله جل وعلا وترفعًا أن يقال هذا ملتزم وينظر إلى ما حرم الله.. بل إن النساء عندما يرين صاحب اللحية يتسترن ويتحشمن في لباسهن..

في المحلات والأسواق والمجالس لا أجادل كثيرًا وأحسن خلقي وأتأدب في حديثي رغبة في أن لا أكون مسبة للملتزمين وعارًا عليهم..

في كل مكان وفي كل حين.. أحاول أن أرسم الصورة الحسنة عن الملتزمين .. رغبة فيما عند الله وترفعًا أن أكون صورة سيئة في أعين الآخرين.

والأعجب من هذا.. معاملة عامة الناس لصاحب اللحية.. فإن أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر سمعوا منك واستجابوا لك.. وإن كنت حكمًا بين خصمين رضيا حكمك.. وإن تحدثت أنصتوا..

ولعلي أذكر لكم طرفة وقعت لي منذ فترة..

فقد دخلت إلى أحد الأسواق المكتظة بالعمالة.. وكان المؤذن قد فرغ من الأذان لتوه.. وعندما أقبلت على أحد ممرات السوق الطويلة التي امتلأت بالعمالة يمنة ويسرة وهم جلوس .. رأيت العجب..

انطلق الأول.. ثم الثاني.. وتبعه الآخرون في حركة سريعة تدعو للريبة والخوف!!

التفت خلفي لأرى ما الذي دعاهم إلى ذلك الهروب!! ولكني لم أر خلفي أحدًا.

لحظات.. فلم يكن في الممر سواي..

فكرت في الأمر.. لماذا الفرار؟! ومن أي شيء هربوا؟!

أسرعت الخطى.. قررت أن أهرب مثلهم.. ولكني تراجعت .. فلقد هربوا عندما رأو لحيتي الكثة وظنوا أنني من رجال الحسبة.

تأملت الأثر الطيب لهذه الطاعة الظاهرة.. إنها طاعة تعين على التثبيت والبعد عن المعصية.. كلما همت نفسك بمعصية تقف أمامك!!

إنها كالرفيق.. تعين على الطاعة وتصد عن المعصية.

بهت الجميع.. وقال أحدهم: نبهتنا لأمر نحن عنه غافلون .. وخير نحن له حاملون.

ما بعد الصوت:

عن عوف بن عبد الله قال: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلربَّ تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب([5]).

الصوت الثامن

لا أخفيك.. ولا أخبيء عنك..

أنا مفتون!!

سأله في استغراب.. كيف يكون ذلك؟! هل في قلبك شك؟! أم ماذا؟

هز الناصح رأسه وقال:

هات كأسًا واملأه ماءً.. ثم ضع نقطة من السمن عليه!!

هل يجتمعان؟! كيف تريد أن يجتمع في قلبك حب الغناء وحب القرآن؟!

وتابع وهو يشير بيده..

حتى ومن قال بإباحة الغناء من بعض العلماء فإنه قصد الغناء بالصوت وحده دون آلة لهو أو طرب..

أما بآلات اللهو.. فلم يقل أحد بجوازها!! لا تتعجب..

أرأيت ما تتكئ عليه وتضعه حجابًا لك عن النار!! وتقول إن العلماء أجازوا ورخصوا!! إنه الصوت فقط..

ثم إني سائلك ومستفتيك مثل ما استفتى ابن عباس أحدهم وهو يسأل عن الغناء.

فقال: أرأيت إذا كان يوم القيامة أين يكون الغناء؟! في ميزان الحسنات أو السيئات؟!

رفع صوته نحو رفيقه وهو يلح عليه.

أجبني أنت.. أين يكون؟!

هل هو زاد تتقرب به إلى الله أم هي أوزار وسيئات تحملها على ظهرك يوم القيامة؟!

إنها ذنوب ومعاص تدون في صحيفتك.. تراها إذا نشرت لك يوم القيامة..

يوم تكون في حاجة إلى حسنة.. نعم إلى حسنة واحدة.. إنه يوم الفقر الشديد.

أخي الحبيب..

هلا استبدلت شريط الغناء بشريط قرآن أو محاضرة..

استمع -حفظك الله- ولو مرة واحدة شريطًا لأحد أئمة الحرم.. لترى كيف يفيض دمعك وتتغير نبضات قلبك.

لكم حرمت من الخير بسبب ذلك التفريط.. فالمعصية وراءها معصية والحسنة تتبعها حسنة.

ما بعد الصوت:

يروى أن ابن المنكدر -رحمه الله- عندما نزل به الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكى لذنب أعلم أني أتيته، ولكني أخاف أن أكون قد أذنبت ذنبًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم([6]).

الصوت التاسع

التفت يمنة ويسرة بحركة سريعة.. وهم بما يريد.. وضع لثامًا على وجهه ثم أطلق لسيارته العنان متجاوزة إشارة المرور الحمراء.. التي يعرف منذ الصغر أنها تعني التوقف.. هز رأسه فرحًا بهذا الانتصار وتجاوز الإشارة.. كأنه دخل القدس فاتحًا!!

أوقف سيارته عند الإشارة وتنحنح.. ثم عدل من وضع رأسه..

بدأ بمن عن يمينه.. التفت إليهم برأسه كاملاً حتى رأى كل من في السيارة المجاورة.. ثم التفت إلى السيارة التي خلفها.. ثم التفت يسرة ليفعل مثل ذلك!! ولم تفته السيارة البعيدة فقد أصلح من جلسته وأمال جسمه حتى يرى من بداخلها!!

ارتفع صوته داخل إحدى محلات الملابس وبدا له أنه -ملك الغابة- أخذ يفاصل من أجل ريالات بسيطة.. وأسمع كل من في المكان صوته..

لحظات ثم .. هدأت الأمور .. وأرجع له البائع بعد جدال طويل ريالين .. وخرج.

قال صاحبي: هذا يشترى سكوته بمئات الريالات.. لا بريالين!!

هز رأسه فرحًا بعد أن انتهى من وضع جدول كامل لمدة شهر.. يزور فيه الزملاء والأصدقاء.. وطلبه العلم.. وقال: الآن ترتب وقتي.. أعرف أين أذهب؟ ومتى أذهب؟!

نسي عمته العمياء العجوز التي لم يرها منذ شهور!! وتناسى أخته المتزوجة التي لم يدخل منزلها منذ ما يزيد عن عام..

لم يكن للأقارب نصيب في وقته .. ولم يكن للجيران ذكر على لسانه..

لقد نسي الكثير!!

له سهم في كل حديث.. وله مقالة في كل علم.. لا يترك مجلسًا دون أن يطلق للسانه العنان.. يأخذ من هذا ويقع في هذا .. ويدعي معرفته بهذا!! لم تحدثه نفسه يومًا بمراجعة حساباته.. ليرى وينظر في أقواله!!

يسافر في العطل والمناسبات مع جمع من أصحابه.. يمر الأسبوع والأسبوعان بدون فائدة.. رياضة .. ضحك.. مزاح.. قراءة في كتب الطرائف والقصص..

يمضي أسبوع أو أكثر في رحلة لم يقرءوا فيها كتابًا مفيدًا!!

صاحب النفس الخفيفة.. هذا ما يطلق عليه.. فهو يرتب لهم نهاية كل أسبوع رحلة برية.. يتولى الإعداد لها وشراء متطلباتها و..!!

صاحبا لنفس الخفيفة هذا .. ثقيل في بيته.. لا يرفع كأس ماء.. ولا فنجان شاي أو قهوة.. بل ما عرفت زوجته وأبناؤه أن الأب يخرج مع عائلته..

بل كل ما تعرفه وتشاهده.. أن الأب يخرج منذ سنوات مع شباب مثله!! أما هم ففي المنزل نهاية كل أسبوع بدون أب!!

تمر أمامه امرأة مسلمة لم يظهر منها شيء.. ولكنه ترك لعينيه العنان.. تتابع خطواتها وتلحظ حركاتها.. أتبعها البصر.. ثم أتبعها البصر حتى اختفت!!

يبتسم في وجه القريب والبعيد.. والكبير والصغير.. دائم الابتسامة.. كثير الترحيب.. باشا.. هاشا في وجه كل إنسان .. ولكن الأمر يختلف هناك..

لا يهش ولا يبش ولا يسلم إلا بصوت خافت.. بل ربما لم يصافحه منذ شهور!!

إنه ليس يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مجوسيًا ولا بوذيًا!!

إنه شقيقه من أمه وأبيه.. يفوقه علمًا ويفضله ورعًا.. ويزيد عنه تقى.. سقطت المقاييس واختلت الموازين.

وهو واقف رأى من تسير أمامه كاشفة الوجه.. مظهرة اليدين .. تفرس في وجهها.. ثم فجأة تذكر .. وصرف البصر.

لكنه نسي أن يقول لها: عليك بالستر يا أختي المسلمة!!

ما بعد الصوت:

قال الحسن رضي الله عنه: ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت([7]).

الصوت العاشر

في أيام الإجازات والعطل جعلتُ جُل وقتي للدعوة.. خاصة أنني أرى الكثير من الشباب أوقاته تهدر وأيامه تضيع.

هنا أراهم على شاطئ البحر.. بين غناء ولعب ولهو.. إضاعة للأوقات.. وترك للواجبات.. واستهانة بالحرمات..

في تلك الأيام.. أشعر بسعادة غامرة وصفاء لا حد له.. أحمد الله على القبول وأصبر على ما يصيبني فأنا في جهاد.. وإن كان ما يصيبني شيئًا لا يذكر ولله الحمد..

لا أستعجل النتائج وليست مهمتي تتبع ذلك.. بل همي الأول أن اقتفي أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهجه في الدعوة. بجهد بسيط أنبه الغافل وأذكر الناسي.. مدخلي إلى ذلك الكلمة الطيبة.. والابتسامة المشرقة.. أستعين بأسهل الوسائل وأيسرها.. الكتاب والشريط..

الفرح الذي يغمرني بين حين وآخر هو سرعة التأثر وقرب الاستجابة.. بل أحيانًا لا أتجاوز خطوات حتى أرى أثر الدعوة على البعض.. وتطرق أذني بين حين وآخر دعوات تهز قلبي.

في مساء يوم من أيام إجازة الربيع هبت فيه نسائم هواء باردة.. حملت بعض الكتب لتوزيعها على شاطئ البحر.. البعض يفترش الأرض والأرصفة والبعض الآخر مثل هؤلاء الشباب ركبوا في سيارتهم وأضاءوا مصباح السيارة الداخلي.. وهم في أشد حالات التركيز والانفعال والحرص على ما بأيديهم فهم يلعبون بالورقة..

استعنت بالله واتجهت نحوهم .. طرقت نافذة السيارة التي أقفلت حماية من البرد.. التفت الجميع بدهشة.. ثم فتحت النافذة .. وسمعت صوت الموسيقى الهادئة ترتفع .. ابتسمت وسلمت.. وسألت عن حالهم وقلت.. هذه هدايا لكم.. يبدو أنكم من منطقة أخرى.. تقبلوا هديتنا هذه إليكم..

تقبلوا الهدية.. ربما حياء أو حب استطلاع أو شفقة عليّ من البرد والجهد.. شكرتهم.. وأنا أودعهم.

سرت عشر دقائق أو أكثر.. مررت على بعض من كان على الشاطئ.. ثم عدت من نفس الطريق راجعًا .. أسلم على من أقابله.. وتحين مني التفاتة عجلى لأرى أين وضعت الكتب .. والأشرطة..

وعندما مررت بجوار أولئك الشباب.. فرحت.. لقد رأيت الأثر والقبول السريع.. تركت الورقة جانبًا.. وعزف عن اللهو وكل من أولئك الشباب انحنى برأسه إلى الخلف ورفع الكتاب بين يديه يقرأ .. مررت بجوارهم وهم مستغرقون في القراءة.

لم يعرن أحد منهم التفاتة.. ولم ألمح منهم سوى التركيز والانتباه.. حمدت الله.. أنني بلغت ولو آية.. ولو كلمة.. وأوصلت شريطًا وكتابًا..

سألت نفسي بحماس: بقي من الإجازة أيام.. وتسارعت الأفكار في عقلي وتزاحمت الهواجس في خاطري.. هل تقتصر دعوتي على العطل والإجازات فقط؟!

سؤال نفضت به غبار الكسل وأزلت به غشاوة العجز.. لا .. هنا في الحي وفي المسجد وفي المدرسة.. في أماكن التجمعات.. في الأفراح والمناسبات..

هنا دعوة.. وهناك دعوة!!

ما بعد الصوت:

قال السري: اجعل قبرك خزانتك، احشوها من كل عمل يمكنك، فإذا وردت على قبرك سرك ما ترى فيه([8]).

الصوت الحادي عشر

أغلق باب المنزل بقوة.. عندها علموا أن هذا إيذان بقدومه.. أطل عليهم وهم مجتمعون .. الزوجة والأبناء.. عبوس على وجهه.. وحركة يديه توحي بأن هناك سؤال قادم.. ومشكلة جديدة..

صرخ فيهم.. أين الغذاء؟!

قالت بضعف وهي مستسلمة لما سيحدث.. إنه في غرفة الطعام..

قال لها بغضاضة وغلظة.. اليوم سيزورني زميلي ومعه زوجته.. رتبي كل شيء.. ولا تنسي أن تضعي كذا وتطبخي كذا .. واستمر في سرد التعليمات وإطلاق التحذيرات..

قالت برحابة صدر.. حياهم الله.. متى سيأتون؟!

قال: بعد صلاة العشاء غدًا.

بدأت الاستعداد والترتيب.. أجهدت نفسها.. وأرهقت جسمها..

استعدت وأعدت الأبناء والعشاء.. والمنزل.. وحين أطلت الزائرة أخذتها بالترحاب والبشاشة.. وأجلستها في مكانها..

قالت الزائرة: أنت تشبهين زوجك؟

قالت وابتسامة تزين محياها.. في ماذا أشبه زوجي؟!

قالت.. في البشاشة وحسن الخلق.. وخفة النفس.. فزوجي يذكر أن زوجك صاحب نكتة مليحة وابتسامة لا تفارق محياه. وإنه يشيع جو المرح والسرور في المكتب!!

بل إنه يزيل الكآبة والسأم بمرحه ولطفه عن جميع الزملاء..

سكتت.. وأجالت الطرف.. وحار العقل.. ربما أخطأت!! زوجي ليس كذلك. ولا يحمل من تلك الصفات إلا ضدها..

وقالت في نفسها: ربما تسمعين بعد لحظات صوته وغلظته وسوء خلقه.. ولكننا صابرون!! محتسبون!!

قالت الزائرة بعد سكوت: سأروي لك ما حصل لهم في المكتب اليوم.. وروت لها.. ما جرى بتفصيل دقيق..

وعندما أتمت الحديث بضحكة قوية.. وأردفت: ألم أقل لك إن زوجك صاحب طرفة ونكتة؟! وخفيف الظل.. مرحى لك كل يوم تسمعين مثل هذه الطرف والدعابات!!

تبسمت صاحبة المنزل وهي تخفي حزنًا يلازمها منذ أن تزوجت..

وقالت لنفسها.. هذا للزملاء والأصحاب.. أما الزوجة والأبناء فلا!! ما رأينا ابتسامة ولا دعابة.. ولا كلمة طيبة منذ سنوات!!

أخي المسلم:

بعض الأزواج -هداهم الله- تجده هاشًا باشًا في مجتمع الرجال.. يتميز برحابة صدر وحسن أدب.. وله قوة عجيبة في التحمل والصبر على الأذى.. بل وفي العفو عن الهفوات والزلات.. يجتمع له رجاحة عقل مع حسن أدب تلازمهما بشاشة ولطف.. ولكنه في منزله بين زوجته وأبنائه يتحول إلى أسد يزمجر.. يكشر عن أنيابه وينقلب إلى كتلة من الغضب والحمق.. يتحول ذلك اللطف إلى صراخ وتلك البشاشة إلى عبوس وذاك الحلم إلى طيش..

لا يتحمل حديث زوجته.. ولا يصبر على حركة ابنه.. وإن أخطأت صرخ في وجهها وإن أصابت بحث عن لوم لها.. وإن تحرك ابنه ضربه وإن قام طرده!!

وفي النهاية.. يفرح الجميع عندما يغادر المنزل.. فيسوده الهدوء.. وتسكن النفوس.. وترتاح القلوب.

من أولى بحسن الخلق؟!

ما بعد الصوت:

قال إبراهيم الحربي: ما شكوت إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي ولا إلى بناتي: حمى قط وجدتها.

الرجل هو الذي يدخل غمه على نفسه، ويغم عياله، وكان بي شقيقة خمسًا وأربعين سنة، ما أخبرت بها أحدًا قط، ولي عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحدًا قط، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيت جائعًا عطشانًا إلى الليلة الثانية وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة، وإن جاءتني به امرأتي أو إحدى بناتي أكلته، وإلا بقيت جائعًا عطشانًا إلى الليلة الأخرى([9]).

الصوت الثاني عشر

تجادل هو وصاحبه من سيدفع لصاحب المحل.. وأصر بل وحلف بالله أن يدفع المبلغ!! تراجع زميله وتقدم ودفع المبلغ بسرور وفرح!!

هناك في المنزل زوجته منذ يومين تنتظر حليبًا لطفلها ولوازم أخرى.. لم تأت حتى الآن.. ومن يأتي بها..

إنه بخل وشح وعدم مبالاة ولكن.. أين؟!

في أهله وزوجته.. أما صديقه وزميله فالكرم بلا حدود.

انقلبت الآية.. واختلت الموازين.

لم يحمل هدية منذ عشر سنوات لزوجته.. فهي لا تعرف الهدايا ولم تسمع بها منذ زواجها.. بل حتى التبسم وهو أغلى الهدايا.. لا تراه!!

ولكنه انفرجت أساريره اليوم وهو يسمع أحد زملائه في المجلس يسميه -أبو الهدايا- لكثرة الهدايا التي يقدمها لأصدقائه وزملائه ومعارفه!!

بعد مضي عام كامل على زواجه.. سألته زوجته: كم مرة أدركت تكبيرة الإحرام مع الإمام؟!

فاجأه السؤال.. واحتار في الجواب.. وقال: صدقت!! مرات عديدة فقط في عام كامل أدركت فيها تكبيرة الإحرام!!

هناك في الجانب الآخر اعتذر مرة واحدة في هذا العام عن اجتماع الزملاء والأحباب الأسبوعي!!

حمد الله وشكره.. وقال: المصاريف تحملتها أم الأولاد.. مرتبها عال وهي موافقة وإن كانت تغضب أحيانًا لا ترضى بالإنفاق إلا بالضغط والتهديد!! نسي المسكين أنه ملزم بالإنفاق لا هي!!

في مجلس مع أهله.. كلما دخلت زوجته جرحها بكلمة وألحقها مسبة.. حتى وإن قدمت طعامًا لاحقها بعلة فيه أو نقص في مذاقه.. رجل في إطلاق لسانه.

هناك في الجانب الآخر تثور ثائرته ويعلو صوته عندما قال زوج أخته معتذرًا عن التأخر.. لقد تأخرت بسبب أختك!!

شح في الإنفاق وبخل في الصدقات.. لم يتصدق بثوب جديد أو نعل جديد ولكن قال لزوجته أنا أحب الإنفاق.. ثوبي الأبيض تصدقي به.. ونعلي الأحمر ادفعيه للفقراء..

قالت زوجته: هل بقي ثوب.. ونعل.. وأنت تلبسهما منذ سنوات؟!

كلما دخل على والدته ناولها ما تيسر من النقود.. سنوات وهو يفعل ذلك.. كل أسبوع يقدم لها مبلغًا.. لم ير قلة في ماله ولا نقصًا في رزقه.. قبل رأسها وهو يناولها ما تيسر من الخير.. وحين خرج.. حمد الله أن أبقى له والديه يبرهما ويحسن إليهما.

على كبر سنه وضعف نظره.. وبعد المسافة ومشقة المواصلات.. لم يمنعه ذلك من ركوب الحافلات أو استئجار سيارة أجرة لزيارة قريباته.. نعم الرجل أنت.

لا يأمر ولا ينهي في بيته.. ولا يعرف شيئًا في القوامة.. زوجته مع السائق.. هم أهل القوامة.. يشترون ويبيعون .. ويتصرفون.. ويخرجون ويدخلون!! وصاحب القوامة يحتاج إلى قوامة!!

قالت له في لحظة استرخاء: أريد إذنًا عامًا.. أذهب متى شئت.. وأرجع متى شئت.. هناك ظروف طارئة.. وهناك لحظات حرجة.. وهناك..

قال: لا مانع.. لديك إذن عام.. فقد الإذن وفقد الزوجة.. يأتي فلا يجدها.. ويخرج وهي لم تأت!! أين ذهبت؟. متى خرجت؟! سقطت مع الإذن العام!!

شاركها في نصف مرتبها.. ثم أخذ الراتب كاملاً.. وبنى منزلاً وتزوج بأخرى وأخيرًا طلقها.

فقدت الزوج -الرجل- وفقدت جزءًا من ثمرة الجهد والعمل.

ما بعد الصوت:

قال الحسن: والله لقد أدركت أقوامًا ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما حصل بينه وبين الأرض شيء قط([10]).

الصوت الثالث عشر

كانت المساجد في السابق تعج بالناصحين المشفقين، ممن يقفون بعد الصلاة فيذكرون القلوب القاسية وينبهون أهل السبات والغفلة.

الآن تمر فترات طويلة لا نسمع فيها صوت متحدث.. رغم كثرة المتعلمين وتعدد القادرين.. ولكن ذات مساء.. نهض شاب عليه سمات الخير.. ووقف أمام المصلين.

ابتدأ باسم الله وصلى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - .. ثم وضع الجميع في مقارنة رهيبة.. وقياس عجيب.. وحال متناقضة..

عندما قال بأسى وحرقة:

إن من يتجاوز إشارة المرور يستحقر فعله ويستهجن صنيعه.. وتلاحقه الأعين باشمئزاز.. وتنعته الألسن بقلة الذوق والأدب.. بل وعدم المحافظة على الأرواح والاستهتار بالقوانين.

ثم استدرك وقال: هذا قانون وضعي.. أرأيتم كيف كان مصير من خالفه.. ومن تعدى على نظامه؟ جزاء وغرامة وسجن..

أشار بيده.. هنا في الجانب الآخر.. كم جار لكم لم يصل معكم في المسجد؟!

بل هناك من حولكم من لم يسجد لله سجدة فلا ترونهم في الجمع ولا في رمضان.

العجب أحبتي أكبر حينما نرى الحفاوة بهم والبشاشة لهم.. لم يحتقر أحد منهم.. ولم نسمع أحدًا ينادي بصوته.. هؤلاء خالفوا تعاليم الله واستهانوا بأوامره.. بل لم يقل أحد بصوت ضعيف: هؤلاء مستهترون!! ومقصرون!!

أرأيتم -أيها الأحبة- وهم مخالفون لأمر الله.. متهاونون في شعيرة عظيمة.. لم يهجرهم أحد.. ولم يستهجن فعلهم أحد!! بل ولم ينصحهم أحد ويشعرهم بسوء فعلتهم ومغبة معصيتهم.

استدرك الشاب أحزان الأمة وهو يقول: لو جعل جزاء تارك الصلاة مساويًا لجزاء قاطع إشارة المرور.. لرأيتم العجب.. و ..

ما بعد الصوت:

قال رجل لأبي عبد الرحمن زهير بن نعيم: يا أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟

قال نعم: احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة([11]).

الصوت الرابع عشر

عرضت عليه زوجته ما ذكرته إحدى زميلاتها عن «المدرسة الفلانية» وحاجتها إلى مدرسة نشيطة متحمسة للدعوة.. توجه الطالبات وتنبه الغافلات.. وتعين على الخير وتكون قدوة لهم.. تشحذ الهمم وتستحث النفوس..

أجاب صاحب الهمة العالية.. والعزيمة الصادقة.

وأين هذه المدرسة؟!

قالت: في الحي الفلاني.

قال: يا زوجتي.. هذه المدرسة في الشرق ونحن في أقصى الغرب!!

ولكنه استدرك -وكأنه يتأسف من زلة- إن لم تجدي واحدة من زميلاتك تذهب لهذه المدرسة.. لا مانع لدي من أن نحتسب الأجر.. ونذهب كل يوم!!

مضت شهور.. وبدأ العام الدراسي الجديد.. وإذا بصاحب الهمة والعزيمة والصدق يفي بوعده.

كل يوم يذهب بها من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق..

قال مازحًا في اليوم الأول.. زيادة نصف ساعة ماذا تعني في العمر! بل إنها لحظات غالية ودقائق نفيسة كم مرة سمعنا فيها شريطًا!!

سنة دراسية واحدة.. فإذا أكثر من ستمائة طالبة تتبدل أحوالهن.. محافظة تامة على الأوقات.. التزام كامل بالأوامر وابتعاد عن مواطن الزلل.

سنة واحدة.. فإذا بالكثيرات منهن حفظن أجزاءً من القرآن الكريم.

سنة واحدة.. لا يحصى من اهتدين على يديها والتزمن بسببها!!

طالبة واحدة.. ثم عائلتها.. ثم صديقاتها وجارتها.. إنه مجتمع كبير قامت بذلك الجهد معلمة واحدة.. غرست ورعت وحصدت!!

لله در أبي عبد الله!! ما تضايق يومًا ولا تأفف ساعة، بل سنة كاملة بحرها وبردها.. بصيفها وشتائها.. كل يوم يسير متجهًا إلى تلك المدرسة محملاً بالكتب والأشرطة..

بعد سنة كاملة التفت إلى زوجته يعتذر لها عن أعطال مستمرة وإصلاحات دائمة في سيارته.

قالت له بفرح.. نحتسب كل ذلك عند الله. بل كل قطرة عرق نحتسبها..

عندها قال أبو عبد الله: انتهت سنة كاملة..

الآن يا زوجتي.. أين نذهب؟!

أخي الشاب:

نعم الرجل فرغ زوجته للدعوة.. فما صدها ولا ضيق عليها.. بل أعانها ووقف بجوارها وتنازل عن بعض حقوقه في سبيل أن تزكي علمها وتنثر خيرها!!

إنه نموذج متكرر لشباب كثر.. ما رأى موطن خير إلا سار إليه.. وما أبصر ثغرة إلا سدها..

هناك البعض.. يقف عثرة في وجه الداعية لأسباب تافهة وقصور واضح وعجز متراكم!!

ماذا يضرك لو احتسبت الأجر في كل يوم؟ إنها خمس دقائق أو تزيد قليلاً.. بل ما يضرك لو ضحيت بنقص في منزلك أو مأكلك ومشربك في سبيل أن تحيا أمة بسبب جهدك وجهد أختك وزوجتك؟!

إنها -أخي الحبيب- تخرج أمهات مستقبل وصانعات رجال الغد ..

ألا وقفة خير؟!

ما بعد الصوت:

كانت صفية بنت سيرين تقول: يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب، فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب([12]).

الصوت الخامس عشر

المجلس يضم كثيرًا من الشباب.. ولأن الرحلة برية والدعوة مفتوحة.. كان الحديث متنوعًا وشاملاً.. تسيد أحدهم المجلس.. وبدأ يدلي بدلوه في كل بئر.. ويرمي برأيه في كل مجال.. ويجيب عن كل شيء.. ولما سئل عن مسألة شرعية.. قال: أظن أن الجواب كذا!!

هنا انبري له صاحب الحمية والغيرة على الدين.. من لم يسمع صوته أبدًا.

ولم يعرف له حديث أبدًا قال: هل الدين بالظن؟! من أجاز لك أن تفتي وتتحدث بغير علم.. تحدثت في السياسة فسكتنا.. وفي علم النفس فصبرنا.. وفي الاجتماع فضحكنا.. وفي الدين لا نسكت لك ولا نرضى ذلك..

قلت في المسألة الأولى كذا.. وهذا غير صحيح.. وفي الثانية أخطأت في كذا.. وفي الثالثة تظن!! كان عمر بن الخطاب إذا عرضت له المسألة جمع لها أهل بدر.

مجلس يتكرر كل أسبوع.. تتداخل فيه الأصوات وترتفع تارة وتنخفض تارة..

ولكن المجلس أخذ طابعًا معينًا ألا وهو نقد المسئولين والموظفين والبارزين من علماء وطلبة علم وأدباء وغيرهم..

فما أن يطرح اسم فلان حتى تتلاقى السهام.. وترتفع السيوف تقطع في عرضه وتنهش من لحمه!!

ثم اسم آخر.. وهكذا.. حتى من شهد لهم بالعلم والصلاح والتقوى لم يسلموا من ذلك!!

كان في طرف المجلس مستمعًا وعندما بدأوا بأكل لحم عالم من علماء الأمة انبرى لهم على صغر سنه وقال:

تقويم الرجال أمر صعب.. ولا بد أن تقع فيهم!! وما فائدة حديثكم!! تركتم أناسًا هم أحق بإظهار معايبهم ومفاسدهم وملتم إلى هؤلاء!!

كان الإمام البخاري -رحمه الله- جامع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمله التدقيق في الرواة ونقدهم وتوضيح ذلك للناس تعبدًا.. كان يقول عن الرجل: متروك ولا يقول كاذب أو مدلس!! تقويم الرجال.. يحتاج إلى رجال.. فما بالكم إذا كان الحديث غيبة.. لا تقويمًا؟!

ما بعد الصوت:

قال سفيان الثوري: لو كان معكم من يرفع حديثكم إلى السلطان، أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا.

قال: فإن معكم من يرفع الحديث «يعني الملكان»([13]).

الصوت السادس عشر

منذ أن بدأت السير في طريق الهداية وأخي الأكبر يختار لي الرفقة الصالحة.. يشجعني على حضور المحاضرات والندوات ومرافقة طلبة العلم.. وسؤال العلماء..

وعندما حادثته يومًا.. زف إليَّ بشرى كما أسماها..

سألته ما هي هذه البشرى؟!

قال.. فلان وبرفقته بعض الأخيار من الشباب سيذهبون إلى الحج هذا العام..

وقد أخبرتهم برغبتنا أنا وأنت في الحج.. سنذهب معهم؟!

لقد رحبوا بك.. واليوم لا بد أن تتخذ القرار..

أجبته.. لم أستعد.. ولم أرتب أموري.

جاءت الأعمال من كل مكان.. وسارت نحوي الأعذار كالجبال.. ورأيت أنني لا أستطيع الحج.

بدأت في صراع.. بين موافقة ورفض.. وقبول واعتذار قال أخي: حدد أعمالك ما هي؟!

بدأت أعدد عليه وأحدد له.. هذا كذا.. وهذا سيتعطل... وهذا.

وعندما انتهى حديثي .. قال: هذه أمور يسيرة لا تؤخر حجًا ولا تفوت فرصة.. هذا يؤجل.. وذاك وكل عليه فلانًا.. وهذا لو تأخر إلى السنة القادمة لما حصل ضرر من تأخيره!!

إصرار أخي وثناؤه على الرفقة الطيبة زادني عزمًا وحرصًا.

وقررت الحج.

فرح أخي وهو يسمع موافقتي وعقب على الموافقة:

يكفيك الرفقة الصالحة.. وسترى الفائدة بنفسك!

صدق.. وما كذب.. منذ أن سافرنا وأنا أرى الخير في أفعالهم والصدق في أقوالهم.. بل وخدمتهم ومؤانستهم.

عشت في مجلس علم متنقل طوال تلك الأيام العطرة..

ورغم أنني أقلهم علمًا.. بل لا علم لدي.. إلا أنهم لم يشعروني بذلك.. بل كانوا يستشيرونني في أشياء كثيرة..

كان عبد الله يتميز بصفات ظاهرة فيه.. منحه الله بشاشة وابتسامة لا تفارق محياه.. وكان كثير السؤال عني وهل تعبت؟ وماذا أريد؟ وكنت لا أنفك عن رفقته..

يومًا.. ذهبت معه لرمي الجمرات سيرًا على الأقدام.. الحر شديد والزحام لا ترى له نهاية.. أمواج من البشر وأرتال من السيارات.. وعلى الرغم من كل ذلك فلم تفارقه الابتسامة.. ولكن موقفًا اعترضنا ورأيت أن الله جمع للرجل نصيبًا من العلم والخلق وسعة الصدر.

ونحن عائدون بعد أن فرغنا من رمي الجمرات وقد أخذ التعب منا كل مأخذ ولم يبق من الجهد إلا القليل.. والجو الخانق سمة لتلك الأيام.. فإذا بنا نقبل على جمع من الناس قد ارتفعت أصواتهم وعلا صراخهم وكثر لغطهم.. فما كان منه إلا أن أطلق يدي وأسرع نحوهم.. يستحث الخطى وسط الزحام حتى وصل إلى المتشاجرين.. وكانا يصرخان بكلمات جارحة وألفاظ نابية.. فأخذ برأس الأول وقبله.. ثم أخذ برأس الآخر وقبله.. وابتسم في وجهيهما.. وقال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

سكت قليلاً.. ثم أمسك بيد أحد المتشاجرين وسار به خطوات أمام الجمع الذين خيم عليه الذهول.

جريت خلفه وسار مسافة وهو يتابعني بالتفاتة منه.

توقف.. واشترى ماءً باردًا لضيفه ولي.. ثم ودعه وأمسك بيدي..

قلت: ملكت قلبي وقلوب الحاضرين بحسن خلقك وجميل صنيعك..

أجاب بهدوء:

خسروا الكثير من المال.. وتركوا الأهل والأوطان.. ونتركهم للشيطان يفسد حجهم!!

وعندما لاحظ استفهامي ودهشتي من فعله.. قال بهدوء.

ماذا خسرت؟!

ما بعد الصوت:

كان عبد الله بن المبارك إذا عزم على الحج يقول لأصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته حتى أكون أنا أنفق عليه، فيأخذ منهم نفقاتهم. ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجعلها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجهم يقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية؟ فيشتري لكل واحد منهم ما أوصاه أهله من الهدايا، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها، فإذا وصل إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر، ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم([14]).

الصوت السابع عشر

استأجره بيت مال المسلمين ليكون أجيرًا يعمل في الدائرة الفلانية.. ولكنه غفل عن ذلك وأصبح الآمر الناهي.. عبوس في وجه المسلم المراجع.. وتعطيل لمصالح الضعيف والعاجز.. -وراجعنا بكرة- أصبحت سمة من سمات عمله..

لا يأتي إلا متأخرًا ويخرج مبكرًا قبل نهاية الدوام.. وفرط في عقد بينه وبين من استأجره على أن يكون الدوام كاملاً بدون نقص.. وسيسأل يوم القيامة عن هذا المال -الكامل- الذي أخذه ولم يؤد العمل كاملاً كما اتفق!! وعلل ذلك التقصير بأن هذا عمل الحكومة.

استغرب أحدهم وسأل بصوت مرتفع.. الأرض صخرية والطريق وعرة.. كيف أتيت بهذه السيارة الصغيرة إلى هنا؟!

تهكم وأجاب وهو يبتسم نشوة وانتصارًا... هذه سيارة الدولة!!

في العشر الأواخر من رمضان.. بدأ يجهز سيارته ويأخذ عدته.. ويتفق مع أصحابه.. غدًا الذهاب -إن شاء الله- إلى مكة المكرمة لأداء العمرة.. وقد وكلت لإمامة المسجد أحد الأصحاب.

نسي -الأخ الحبيب- أنه ترك واجبًا ليؤدي سنة.

عدم الإخلاص في العمل، والضعف في الإنتاج.. سمات تراكمت على وجهه. بادية على طاولته..

ورغم ذلك يبحث عن مال لا يحل له.. يذهب للمدير ويحاول ويبرر لكي يحصل على مرتب عمل «خارج الدوام» وهو لا يأتي.. ونسي أنه مال سحت.

قال له الناصح المشفق.. لتبرأ ذمتك.. إعمل خارج «وقت الدوام» مجانًا لكي تتدارك تقصيرك أثناء الدوام الرسمي.

الأقلام والأوراق.. بل وكل ما خف وزنه وغلا ثمنه يحمله من مكتبه إلى منزله!!

ونسي الموظف أن هذه الأدوات اشتريت بأموال المسلمين وسيسأل عنها!!

أما استخدامه للعمالة والموظفين في أعماله الخاصة.. فحدث ولا حرج!!

همه الوحيد -أثناء الدوام- زيارة الموظفين ونقل الحديث.. سعي بالنميمة. وغيبة في وضح النهار..

ترك عمله وعطل مصالح المسلمين.. جمع أوزارًا مضاعفة!!

يدخل على المدير فيثني عليه في وجهه.. وينقل له أخبار الموظفين.. ثم ما إن يخرج ويبتعد خطوات حتى تسمع أقذع الألفاظ في سبه والتنقص منه!! هكذا يومه..

وفي نهاية الشهر يسأل: لماذا تأخر الراتب؟!

كأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدخل أبواب المكاتب وصالات الاجتماعات.. وكأن هناك حاجزًا لكي لا تطرق أسماع الموظفين النصيحة الصادقة..

ها هو يرى المنكر أمامه وتحت سمعه وبصره!! ولكنه يشيح بوجهه ويبعد أذنه وكأن هذا يبرئ ذمته!! وهل وصلت الحال إلى أضعف الإيمان؟!

لا يا أخي الأمر فيه سعة.. والخير باق. لا تشح ببصرك.. وتبعد أذنك!!

يتقدم ويتعثر في خطواته.. ويسمع الكل صوت سعال صدره وأنين مرضه!! ولكن.. لا يتقدم له صاحب النخوة والشهامة.. بل يقف هذا الشيخ الكبير في الانتظار ساعة أو أكثر!!

ما بعد الصوت:

قال حماد بن زيد: كنت مع أبي، فأخذت من حائط تبنة، فقال لي: لم أخذت؟! قلت: إنما هي تبنة!!

قال: لو أن الناس أخذوا تبنة هل كان يبقى في الحائط تبن؟([15])

الصوت الثامن عشر

في أرض مكة الطيبة.. تشعر بالقرون الماضية تطوى.. وترى تاريخ البلد الأمين أمامك.. يمر عبر الدهور.. والعصور.

هذه الكعبة التي طاف بها محمد  صلى الله عليه وسلم  على ناقته القصواء يوم الفتح.. يوم أن كسر الأصنام ورفع كلمة التوحيد.

بل يعود التاريخ قرونًا أطول.. فهذا إبراهيم عليه السلام يرفع القواعد من البيت مع ابنه إسماعيل .. وهذا الصفا وهذه المروة التي سعت بينهما هاجر..

تمر بك الأحداث سريعة.. وأنت تحمد الله على نعمة الإسلام.. أزيلت الأصنام والأوثان.. وعبد الله وحده لا مكاء ولا تصدية بل خشوع وخضوع لله الواحد الأحد..

في رمضان يزداد فيض المشاعر وتعود النفس ذليلة خاضعة منقادة طائعة.. وتأتي دموع العين تبكي الضعف والانكسار بين يدي جبار السموات.

في عصر ذلك اليوم من أيام العشر الوسطى من رمضان.. بقي على أذان المغرب ساعة أو أكثر .. تركت مكاني خارجًا من الحرم..

هناك في مكان منزو. بعيد عن الأنظار.. رأيت ما فرحت به.. أعادني فرحي قرونًا طويلة إلى الوراء يوم أن كان الحرص الشديد على حفظ القرآن وتدبر آياته.. رأيت شابًا على محياه ملامح الخير والصلاح وهو ممسك بمصحف وأمامه امرأة متحجبة الحجاب الشرعي.. فلا يظهر منها يدًا ولا عينًا، وقد أقبلت عليه بوجهها تراجع حفظها للقرآن معه..

تذكرت عز المسلمين ومجدهم.. هكذا يستفاد من الوقت.. وهكذا يكون الزوج مع زوجته والأخ مع أخته..

خرجت وأنا ألمح غدًا مشرقًا للأمة بإذن الله يخرج من بين تلك الأسر..

ما بعد الصوت:

اختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت أختها جميلة. فسأل: من أعقلهما؟ فقيل العوراء، فقال: زوجوني إياها([16]).

الصوت التاسع عشر

هالني الأمر.. وصعقت مما سمعت!!

هل ما ذكر صحيح؟ خاصة أنني علمت أنها تعلن رأيها على الملأ..

سرت مع هاجس طرقني وفكر أقلقني..

لا بد أن أتأكد.. ولكن.. كيف؟!

قررت أن أسألها مباشرة وأسمع جوابها بدون واسطة..

ذات مساء سألتها.. لماذا -يا خالتي- لا تتزوج ابنتك فلانة؟!

قالت وكأنها تتوقع السؤال كل يوم.. لم يأت من نقبله.. كل من تقدم لا يناسبها!!

قلت لها: تقدم لكم «فلان» وهو رجل ذو دين وخلق.

قالت وهي مترددة في حديثها:

لم نقبله.. وأشاحت بوجهها وكأنها تعني انتهاء الجواب وعدم العودة إليه!!

بعد مدة تأكدت من أن ما سمعته صحيح وأنها ترفض الكثير وتخص منهم صاحب الدين!!

تقدم لابنتها شباب صالحون ولكنها ترفض!!

وعندما سئلت عن الأمر من تعلم خبيئتها وتبثها شجونها، قالت: إنها تبحث عن زوج لابنتها مثل «فلان» مع نقص في أدائه لواجباته الشرعية وتساهله في الفرائض.

لديها -ردة فعل- كما يقال.. فلقد رأت أحد أزواج قريباتها وهو ذو دين لكن يغلب عليه الحمق والطيش وسوء الخلق وتخاف من ذلك الزوج.. بل وارتبط في ذهنها أن الدين وحسن الخلق لا يجتمعان.. مع أنها امرأة كبيرة في السن صوامة قوامة؟!

أخي الشاب:

في حسن المعاملة وإعطاء كل ذي حق حقه يكون المسلم داعية بخياله الصامت -كما يقال- فالكثير ينظر إلى صاحب الخلق ولين المعشر نظرة إجلال وإكبار.. أرأيت كم أساء من تزوج (قريبتها) وجعلها تفكر في شخص غير متدين ولكنه ذو خلق!!

ما بعد الصوت:

جاءت امرأة فسألت حسان بن أبي سنان فقال لشريكه: هكذا، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى، فذهب شريكه يزن لها درهمين، فوزن لها مائتين، فقالوا: يا أبا عبد الله كنت ترضي بهذا، كذا وكذا من سائل.

فقال: إني ذهبت في شيء لم تذهبوا فيه، إني رأيت بها بقية من الشباب وخشيت أن تحملها الحاجة على بعض ما أكره([17]).

الصوت العشرون

في البداية.. تساهل في أمر تربية أبنائه.. لا توقظيهم للصلاة.. لا يزالون صغارًا..

مرت سنوات.. كبر الصغير .. وشب على الكسل.. ولم يتعود الذهاب إلى المسجد.. كبر الصغير وهو متهاون متكاسل..

عندها بدأ الأب يلوم نفسه.. ويسأل والدتهم بإلحاح لماذا لا يصلون؟! لماذا يتأخرون؟!

ذهب بأبنائه إلى حيث المرح والسرور.. الخضرة تحف المكان.. وما ينشده الطفل من الانطلاق والحركة أمامه.. المكان فسيح والجو بديع.. ولكن صراخه أفسد السعادة والفرح..

اترك هذا!! لا تعلب في هذا!! لا تقترب من هذا!! أي فرح وأنت بجوارهم تأمر وتنهى لأمور بسيطة!!

بدأ منذ الصغر يعطي من يصلي من أبنائه صلاة الفجر ريالاً.. نشأ الصغير وتربى في المسجد لم يترك حلقات تحفيظ القرآن.. سنوات مرت كلمح البصر أصبح الطفل شابًا حفظ القرآن الكريم.. وعندها أمَّ المصلين وكان بينهم والده -صاحب الريال-!!

إنها فرحة الحياة الدنيا !! بريال!

أخرج ابنه من المجلس وعيناه تفيضان بالدمع وقال له وهو ينهره: لا تأت هنا رجال!!

ضغط على أذن الصغير حتى ارتفع صوته وهرب!!

كبر الصغير وأصبح رجلاً يخاف من الرجال!!

كل يوم يناديه.. يا بقرة!! يا ..!! كبر ابنه والتفت يمنة ويسرة وجلس بين الرجال وسار معهم.

ولكنه لا تزال في ذهنه صورة البقرة!!

رأى كتابًا عن تربية الأبناء وتناوله بيده.. ولكنه بسرعة أعاده.. فهو بثلاثة ريالات!!

ما بعد الصوت:

كان زبير بن الحارث يجزئ الليل ثلاثة أجزاء، جزءًا عليه، وجزءًا على ابنه وجزءًا على ابنه الآخر عبد الرحمن، فكان يصلي ثم يقول لأحدهم: قم، فإن تكاسل، صلى جزءه، ثم يقول للآخر قم، فإن تكاسل أيضًا صلى جزءه، فيصلي الليل كله([18]).

الصوت الحادي والعشرون

بعد سنوات طويلة.. وبعد تأخر عوتب عليه من أقاربه وأصدقائه.. قرر الزواج.. وكان قرارًا مفاجئًا للجميع..

قال لأخته في تيه وعجب بنفسه.. وكأنه يلقي خطبة أو محاضرة..

سأتلافى جميع السلبيات التي سمعت بها.. سأدقق في الاختيار حتى لو تأخرت سنة أو أكثر.. وأصر على رؤية المخطوبة.. ولن أتزوج دون أن أراها.

قال ضاحكًا: سأراها مرة وأخرى.. وثالثة.. مرة عند خروجها من الجامعة.. وأخرى في بيت والدها .. وثالثة..!!

طال البحث عما يريد.. فالشروط والمواصفات التي وضعها صعبة. بل نادر توفرها.. رأى أكثر من فتاة.. وطرق أكثر من منزل.. وزارت أخته الكليات والمدارس.. ولم تتخلف عن أي زواج سمعت به!!

وبعد جهد .. تم له ما أراد.. بل وفوق ما طلب من الشروط والمواصفات..

جمع الله لها بين الجمال والخلق.. كل صفة طلبها كان للمخطوبة سهم فيه وحظ وافر منه.. من بيت علم وصلاح.. تحفظ الكثير من القرآن.

فتاة.. شهد لها الجميع بالأدب الجم والخلق الرفيع.. صفات كثيرة كملتها وجملتها.. لا تسمع صوتها إلا همسًا .. ولا حديثها إلا تبسمًا..

رآها مرتين.. وأصر على رؤيتها المرة الثالثة.. وتم له ذلك..

سارت الأمور على أحسن حال.. حتى انتهت ليلة الزواج..

ولكن بدأت أسئلة كثيرة في ذهنه تدور.. وخواطر في عقله تجول.. ليست كما رأيتها.. لقد تغيرت..

وقرر.. لم أحبها.. بل صرح أنها لا تتوفر فيها الشروط التي طلب.. وفي نهاية الإعصار.. اتخذ داخل نفسه قرارًا حاسمًا..

الآن خير من غد..

وكان الطلاق بعد أسبوع!!

في جو من الاستغراب وأسئلة تحيط حيرة بمن حوله.. بدأ يردد.. لا أحبها.. لم يجعل الله بيننا مودة..

وعندما كثرت عليه الأسئلة وبدأت تحاصره.. وتنتصر للفتاة..

قرر الهروب بعذر ربما يسكت البعض..

لقد أصابتني عين .. الحمد لله الطلاق حل.. كبرتم الأمر وضخمتم المسألة.. الأمر بسيط.. زواج وطلاق!!

أخي المسلم: امرأة بحثت أنت بنفسك عنها.. وكان لك حرية الاختيار فدققت في السؤال وتفرست في الوجوه.. وطرقت البيوت.. المسئولية تقع عليك أولاً.. فلقد سألت عن كل شيء.. حتى أقل الأمور!! وأدق الأوصاف!!

ثم بعد هذا الجهد منك.. لم تمنح المسكينة فرصة لتثبت أنها زوجة ويكون رأيك فيها كاملاً ودقيقًا تراعي فيه ذمتك!!

بل تعجلت الأمر .. وأسرعت بالفراق.. أسبوع واحد.. أو أقل أو أكثر قليلاً!! حتى إن كان ظاهر تلك الأيام عدم المودة والنفور.. فلم الاستعجال وكأن تلك الزوجة عقرب تلدغ أو ثعبان سام يجب التخلص منه بأقصى سرعة وبأسرع وقت!!

ما الضرر الذي يقع لو أبقيتها شهرين أو خمسة لتبرأ ذمتك ويكون قرارك صائبًا.. وهو قرار فيه من الدموع والآلام والأحزان ما الله به عليم!!

لو فعل بأختك أمر فيه عجلة وتسرع مثل هذا.. لاستنكرت الفعل واستهجنت التصرف وثارت ثائرتك.. ما بالك تفعل ذلك بأخت مسلمة!

حدثني أحد كبار السن عن تفشي ظاهرة الطلاق والتعجل فيه.. وتحدث عن نفسه وقال لي بأن الله لم يطرح المحبة لزوجتي منذ الليلة الأولى ولكنها لم تقصر في حقي ولم تنقص قدري فقبلتها لحسن خلقها وجميل معشرها.. فرزقني الله منها أبناء تقر عيني بهم.. ثم تلا قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

وحدثني أحد الإخوة عن حديث جرى بينه وبين شاب له من النضج وبعد النظر الشيء الكثير.. وقال.. إنه أسر في أذني -صاحب العقل الراجح- إذا أردت الزواج فاذهب إلى خيار وكرام الرجال.. فإن أعجبك سمته وأدبه ورجولته فتقدم له واسأله: هل لديك ابنة.. فإن أجاب تقدم لخطبتها!!

الأب قبل البنت.. والعائلة قبل المواصفات الشخصية!!

وعندما سألته: كيف؟

قال.. ما هو هدفك من الزواج؟! إذا كان الأمر فوق متطلباتك الشخصية وحاجتك الجسدية فأنت الفائز بها وبمن تنجب!! وإن كان الأمر لجسدك وحاجتك.. فستنقضي!!

أدركت حكمة الشاب وسكت..

ما بعد الصوت:

تزوج رياح القسي امرأة فبنى بها، فلما أصبح قامت إلى عجينها، فقال: لو نظرت إلى امرأة تكفيك هذا، فقالت: إنما تزوجت رياحًا القسي ولم أرني تزوجت جبارًا عنيدًا، فلما كان الليل نام ليختبرها، فقامت ربع الليل ثم نادته: قم يا رياح، فقال: أقوم، فقامت الربع الآخر، ثم نادته فقالت: قم يا رياح، فقال: أقوم، فقامت الربع الآخر، ثم نادته فقالت: قم يا رياح، فقال: أقوم، فقالت: مضى الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح، قال: وقامت الربع الباقي([19]).


الصوت الأخير

صوت ينادي..

لا تنس صاحب الصوت من دعائك

وقبل أن ينقطع الصوت: إن حرمت معرفتك في الدنيا.. فالموعد قريب جمعني الله وإياك في جنات عدن.. فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

صوت ينادي

صوت ينادي

صوت ينادي

صوت ينادي

صوت ينادي

صوت ينادي

صوت ينادي



([1]) حلية الأولياء: 7/289

([2]) السير: 11/225

([3]) هو مالك بن دينار البصري - من رواة الحديث كان ورعًا يأكل من كسب يده ويكتب المصاحف بالأجرة توفي -رحمه الله- سنة 131هـ.

([4]) كتاب التوابين: 202

([5]) صفة الصفوة: 3/104

([6]) الثبات عند الممات: 94

([7]) جامع العلوم والحكم: 93

([8]) الزهد للبيهقي: 229

([9]) طبقات الحنابلة: 86

([10]) حلية الأولياء: 2/146

([11]) صفة الصفوة: 4/9.

([12]) صفة الصفوة: 4/ 24

([13]) السير: 7/268.

([14]) البداية والنهاية: 10/203

([15]) الورع لعبد الله بن أحمد بن حنبل : 140.

([16]) الإحياء: 2/44

([17]) صفة الصفوة: 3/338

([18]) السير: 5/296

([19]) صفة الصفوة: 4/44