طريقك إلى الدعاء المستجاب

أزهري أحمد محمود


 حقيقة الدعاء وأقسامه

أخي المسلم: إن نعم الله تعالى على عباده كثيرة لا يطيقها الإحصاء، وإن آلاءه تعالى نازلة على العباد في صباحهم ومسائهم.

وإنه لمن النعم الجليلة أن يدعو الله تعالى عباده إلى سؤاله وعرض حاجاتهم، وأن يعدهم تبارك وتعالى الإجابة وتحقيق المطلوب.. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

وما أروع ذلك المثل الذي ضربه مورق العجلي - رحمه الله - وهو يصف حال المؤمن في الدعاء، فقال: (ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب لعل الله - عز وجل - أن ينجيه!

 ما هو الدعاء؟

قالوا عن الدعاء: إنه الابتهال إلى الله بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، والنجاة من المرهوب.

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: هو طلب ما ينفع الداعي وطالب كشف ما يضره أو دفعه:

أقسامه:

 ينقسم الدعاء إلى قسمين:

1- دعاء عبادة                    2- دعاء مسألة.

دعاء العبادة: هو الشامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة.

دعاء المسألة: أن يطلب الداعي ما ينفعه وما يكشف ضره.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: «كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة».

وهذه قاعدة نافعة، فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء، والدعوة دعاء المسألة فقط ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء. وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه، فإن الآيات صريحة في شموله لدعاء المسألة ودعاء العبادة.

وقد أشار الإمام ابن القيم أن دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.

أخي المسلم: دعاء الله تعالى شفاء للقلوب وسعادة في الدارين. فلا غزو أن تداوي به العارفون.. ولزم محجته المتقون.

أما رأيت أن الله تعالى ذم أقوامًا في كتابه؛ بإعراضهم عن دعائه تعالى، والتضرع إليه ووصفهم بقسوة القلوب، فقال تعالى:﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 43].

قال عبد الله الأنطاكي - رحمه الله -: دواء القلب خمسة أشياء: مجالسة الصالحين، وقراءة القرآن، وإخلاء البطن من الحرام، وقيام الليل، والتضرع عند الصبح.

وقال ابن القيم - رحمه الله -: «والدعاء من أنفع الأدوية؛ وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه وهو سلاح المؤمن».

أخي المسلم: وإن أعظم ما في الدعاء أنك تناجي فيه ملك الملوك؟ من ليس كمثله شيء، من بيده ملكوت كل شيء. فلا أحد يحجبك عن مناجاته. ولا واسطة، ولا شيء يحجب صوتك.. فلتجعل دعاء الله تعالى طريقك إلى رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء.

 من فضائل الدعاء

أخي المسلم: لو لم يكن للدعاء من الفضائل إلا قربك من مولاك تعالى لكفى؛ فكيف وللدعاء من الفضائل والبركات الشيء الكثير؟

وأول هذه الخيرات ما يجد الداعي من صلاح القلب:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وإذا دعا العبد ربه بإعطاء المطلوب ودفع المرهوب؛ جعل له من الإيمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة قلبه واستنارته بنور الإيمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب إن كان عرضًا من الدنيا».

الدعاء امتثال لأمر الله:

فالداعي ممتثل لأمر الله تعالى؛ إذ قال تعالى:﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر: 60].

الدعاء عبادة:

في الدعاء تحقيق لعبادة الله تعالى والتي هي الغاية العظمى.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«الدعاء هو العبادة»([1]) .

الدعاء محبوب إلى الله تعالى:

الداعي متقرب إلى الله تعالى بشيء يحبه، وكريم لديه.

قال - صلى الله عليه وسلم -:«ليس شيء أكرم على الله - عز وجل - من الدعاء»([2]).

قال الزبيدي - رحمه الله - «وإنما صار الدعاء كريمًا على الله: لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي».

الدعاء سبب لانشراح الصدر:

وفي الدعاء دواء وبلسم شافي لأدواء الصدور من الهموم والغموم والأحزان وضيق الصدر؛ وفي الأدعية المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الأدعية المعينة على انشراح الصدور وزوال أحزانها.

 ثمار الدعاء مضمونة:

من أكثر من دعاء الله تعالى نال ثماره لا محالة؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا بقطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها» قال: إذا نكثر! قال: «الله أكبر»([3]) .

الدعاء يدفع البلاء قبل نزوله وبعد نزوله:

وهذه فضيلة عظيمة من فضائل الدعاء غفل عنها الكثيرون.

قال - صلى الله عليه وسلم - «من فُتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئًا يعطى أحب إليه من أن يُسأل العافية؛ إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل؛ فعليكم عباد الله بالدعاء»([4]) .

الدعاء سبب للثبات والنصر على الأعداء:

قال الله تعالى:﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[البقرة: 250]. فكان عندها النصر و الظفر: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾[البقرة: 251].

الدعاء مفزع المظلومين:

الدعاء سلاح المظلومين.. ومفزع المكسورين. وفي وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - لما بعثه إلى اليمن:«واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»([5]) .

 شروط الدعاء

أخي المسلم: للدعاء الصحيح شروط لا بد من توفرها فيه؛ إذا أردت لدعائك أن يصعد إلى السماء..

أولاً: الله تعالى وحده هو القادر على إجابة الدعاء:

هذا شرط أساسي من شروط الدعاء، أن يكون الداعي عالمًا بأن الله تعالى وحده هو القادر على إجابة دعائه، وإذا أيقن الداعي بذلك توجه إلى الله بقلب صادق. ضارعًا.. متذللاً.

قال الله تعالى:﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

ثانيًا: إفراد الله تعالى بالدعاء:

وهذا هو أساس الدعاء وهو: أن لا يدعو إلا الله تعالى، وإشراك غير الله معه في الدعاء شرك بالله تعالى.

وها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم ابن عباس - رضي الله عنه -ما هذه القاعدة المهمة. إفراد الله تعالى بالسؤال وفي ذلك تعليم للأمة ولفت لها إلى هذه القاعدة..

قال - صلى الله عليه وسلم -: في وصيته لابن عباس: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأل فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»([6]) .

ثالثًا: التوسل إلى الله تعالى بالمشروع:

التوسل إلى الله تعالى بالتوسل المشروع من لوازم الدعاء الصحيح، ونجد البعض يخطئون في توسلهم إلى الله تعالى؛ إما بطرق مبتدعة أو شركية.

وأنواع التوسلات المشروعة ثلاث:

(1) التوسل باسم من أسماء الله تعالى، أو بصفة من صفاته.

(2) التوسل بالأعمال الصالحة.

(3) التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي.

وكل هذه التوسلات لها أدلتها من الكتاب والسنة وفعل السلف الصالح - رضي الله عنه -م.

رابعًا: حسن الظن بالله تعالى:

أن يدعو الله تعالى وهو يحسن الظن بربه تعالى؛ فلا يعدون دعاء شاك مرتاب، فالله تعالى مع عبده إذا كان ممن يحسنون الظن به تبارك وتعالى

وفي الحديث القدسي، يقول الله - عز وجل -:«أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني»([7]) .

لذا أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ندعو ونحن نحسن الظن بالله تعالى..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»([8]) .

خامسًا: عدم الاستعجال:

على الداعي أن لا يتعجل الإجابة.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يُستجب لي»([9]) .

سادسًا: إطابة المأكل:

وهو من الشروط المهمة للدعاء المستجاب؛ وقد غفل عنه الناس!

وما علموا أن الكثيرين يُرد دعاؤهم بسبب عدم إطابة المطعم..

قال الله تعالى﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[المائدة: 27].

وفي عبارات جامعة نفيسة لخص لنا سهل بن عبد الله - رحمه الله - شروط الدعاء الذي يرجو به صاحبه تحقق المطلوب والظفر بقضاء الحاجات.

فقال - رحمه الله -: «شروط الدعاء سبعة: أولها: التضرع والخوف والرجاء، والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال».

أخي المسلم: إتيانك بشروط الدعاء، وحرصك عليها يضمن لك صحة الدعاء، وإذا صح دعاؤك كان أرجى للقبول، فإذا أضفت إليه آداب الدعاء، وسَلَم من موانع الإجابة؛ اخترق دعاؤك الحجب وظفرت بتحقق المراد ونعمت مع أهل الإجابة.

فاحرص على معرفة شروط الدعاء المستجاب، واجعل من همك العمل بها بعد علمها.

 آداب الدعاء

أخي المسلم: آداب الدعاء مفتح عجيب للدعاء المستجاب.. وإذا لم يأت الداعي بآداب الدعاء يصبح دعاؤه لا معنى له!

ولهذه الآداب أثر قوي في استجابة الدعاء.. ومن لم يأت بها في دعائه فمثله كمثل رجل دخل على ملك من ملوك الدنيا يطلب بره وإحسانه، فلم يبتدئ الملك بالسلام، ولم يقدم بين يدي حديثه كلمات لطيفة؛ بل ابتدأه بحاجته مباشرة! فتأمل فيمن هي هذه حاله أتراه يظفر بحاجاته ومطلوبه؟!

إذا فهمت هذا فلتعلم أن الله تعالى أولى وأحق من تأدب له العباد، ووقفا بين يديه بقلوب الذلة والخضوع، قبل قلوب المسألة والدعاء.

ومن الآداب التي ينبغي أن تراعيها وأنت تقف بين يدي مولاك داعيًا متضرعًا.

حمد الله تعالى والصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -:

وهذا أول ما يبدأ به الداعي: أن يحمد الله تعالى ويثني عليه بما هو أهله، ثم يصلي ويسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يذكر مسألته.

عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«عجلت أيها المصلي،  إذا صليت فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه».

قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:«أيها المصلي ادع تجب»([10]) .

الوضوء:

وهو من الآداب الحسنة؛ حتى تُقبل على الله تعالى طاهرًا.. متهيئًا لمناجاته ودعائه.. وفي حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: لما استغفر النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبيد أبي عامر، دعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه، فقال:«اللهم اغفر لعبيد أبي عامر»([11]) .

استقبال القبلة:

وهي الرمز الصادق للتوجه الصادق ولما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على كفار قريش استقبل القبلة ([12]) .

رفع الأيدي أثناء الدعاء:

وهو شعار التذلل والخضوع والمسكنة، وكلما ازدادت الحاجة ازداد رفع الأيدي والتضرع، لذا كان رفع الأيدي في الاستسقاء أكثر لعظم الحاجة للغيث.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«إن الله حي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين»([13]) .

تقديم عمل صالح قبل الدعاء:

وإذا قدم الداعي بين يدي دعائه عملاً صالحًا؛ كصلاة أو صيام أو صدقة، كان ذلك من الآداب الحسنة التي يُرجى لصاحبها الاستجابة؛ لذلك كان الدعاء بعد الصلوات المفروضة أرجى للإجابة لأنه وقع بعد عمل صالح..

اختيار أحسن الألفاظ وأجمعها:

ويحسن بالداعي أن يكثر من الأدعية المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وللداعي أن يكثر من الدعاء بما شاء، ولكن في بعض المواطن إذا اقتصر على المأثور فذلك أفضل.

خفض الصوت في الدعاء:

والداعي مناج لربه تبارك وتعالى، وهو تعالى يعلم السر وأخفى، كما أن خفض الصوت يدل على التذلل والخضوع وحسن الأدب..

وقد مدح الله تعالى نبيه زكريا عليه الصلاة والسلام بخفض الصوت في الدعاء، فقال تعالى:﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾[مريم 2، 3].

اختيار الاسم الذي يليق بجلاله تبارك وتعالى: فيدعو الله تعالى بما جاء في القرآن والسنة من أسمائه الحسنى - عز وجل -، ولا يتجاوز ذلك إلى الأسماء التي لم ترد في القرآن والسنة أو الأسماء التي ابتدعها المبتدعة وأهل الأهواء.

قال الله تعالى:﴿وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف: 180].

قال الإمام القرطبي: سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه، وجوده ورحمته وإفضاله.

أخي المسلم: تلك شذرات غالية في آداب الدعاء فاجعلها خير غلاف لدعائك.

 أسباب عدم إجابة الدعاء

أخي المسلم: المسلم متعبد بالدعاء فهو يدعو الله تعالى دومًا سواء  استجيب له أم لم يستجب له، والمؤمن الصادق لا تمنعه عدم الإجابة من الدعاء، فهو دائمًا واقفا بباب ربه تبارك وتعالى، لا يمل من طرق الباب.

قال أبو الدرداء: - رضي الله عنه -:  «ارفعوا هذه الأيدي بالدعاء قبل أن تُغل بالأغلال!».

وقال سفيان بن عيينة - رحمه الله -: «لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه – يعني من التقصير فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: «رب فأنظرني إلى يوم يبعثون».ولكن الدعاء عبادة كغيره من العبادات له شروط وأركان كما مر معك، وله موانع إذا وجدت لم يُقبل.

وقد سأل الناس قديمًا وحديثًا: لماذا ندعو فلا يستجاب لنا؟!

ولكن الكثيرين من هؤلاء لم يحاسبوا أنفسهم، ولم يحرصوا على معرفة عدم الاستجابة، ولو حاسبوا أنفسهم حساب المؤمنين الصادقين؛ لوقفوا على أسباب عدم الإجابة؛ ولكن النفوس دائمًا مولعة بحب العاجل، تريد ا لذي لها، ولا تريد أن تعرف الذي عليها! وهذا هو الذي أورثها الأدواء.

وحري بطالب المعالي والدرجات السامية أن يسعى إلى تهذيب نفسه وتطهيرها عن الأدران.

أخي المسلم: أسباب عدم إجابة الدعاء متنوعة؛ فإذا دعوت الله تعالى ينبغي أن تضع نصب عينيك الآتي:

أولاً: الله تعالى مالك الملك:

فإن الله تعالى بيده مقاليد كل شيء، يفعل في ملكه ما يشاء لا مكره له على شيء:﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[الأنبياء: 23].

فينبغي على الداعي أن يعلم ذلك ولا يتعجل الإجابة في كل دعاء، وإذا اعتقد العبد هذا؛ كانت نفسه طيبة عند تأخر الإجابة.

ثانيًا: قد يكون في التأخير منفعة:

وهذا سر من أسرار الدعاء يخفى على الكثيرين؛ فإن العبد لضعفه يرى مصلحته في تحقق مراده، ولا يلتفت إلى الحكم الإلهية والتقديرات الربانية.

وأحيانًا يكون من مصلحة الداعي تأخر الإجابة أو عدم الإجابة..

قال الله تعالى:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216].

وجاء أن بعض السلف كان يسأل الله تعالى الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوتَ أُسرتَ وإن أُسرت تنصرت!

ثالثًا:المعاصي:

وهي الداء الأكبر الذي حجب دعاء العباد عن الصعود، وأكثر أولئك الذين يشكون من عدم إجابة الدعاء آفتهم المعاصي!

قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:«بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح».

وقال بعض السلف: «لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي».

فقد عمت المعاصي وتطاير شررها في كل مكان، والعصاة غافلون.. ولكن إذا نزلت المصيبة رأيتهم يجأرون إلى الله تعالى! ومثل هؤلاء كمثل رجل حارب ملكًا من ملوك الدنيا ونابذه العداوة زمنًا طويلاً ثم جاءه مرة يطلب إحسانه ومعروفه!

فما ظنك بهذا الرجل؟! هل سيدرك مطلوبه؟! كلا ! لن يدرك مطلوبه إلا إذا صفا الود بينه وبين ذلك الملك.

فهذا هو مثل العاصي الذي يبيت ويصبح مبارزًا لربه تعالى بالمعصية ثم إذا وقع في شدة يرجو من الله أن يجيب دعاءه!

قيل لإبراهيم بن أدهم - رحمه الله -: ما بالنا ندعو فلا يُستجاب لنا؟

قال: «لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه! وعرفتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم تتبعوا سنته! وعرفتم القرآن فلم تعملوا به! وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها! وعرفتم الجنة فلم تطلبوها! وعرفتم النار فلم تهربوا منها! وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه! وعرفتم الموت فلم تستعدوا له! ودفنتم الأموات فلم تعتبروا! وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس!».

وجاء في الأثر: أنه أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى عليه السلام، فخرج ببني إسرائيل يستقي بهم، فلم يُسقوا حتى خرج ثلاث مرات ولم يُسقوا فأوحى الله - عز وجل - إلى موسى عليه الصلاة والسلام: «إني لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيك نمام» فقال موسى عليه السلام: «يا رب و من هو حتى نخرجه؟» فأوحى الله - عز وجل - إليه: «يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمامًا؟» فقال موسى عليه السلام لبني إسرائيل: «توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة» فتابوا، فأرسل الله تعالى عليهم الغيث.

أخي المسلم: فاحذر عاقبة المعاصي.. فإنك لن تستعين على الدعاء المستجاب بشيء أقوى من ترك المعاصي! فترك المعاصي مفتاح لباب الدعاء المستجاب.

 أوقات وأماكن إجابة الدعاء

أخي المسلم: لتفوز بإجابة الدعاء لا بد أن تعلم أن هنالك أوقاتاً وأمكنة يُستجاب فيها الدعاء، وهي أوقات وأمكنة فاضلة.. ومباركة.

ليلة القدر:

وهي الليلة المباركة..﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾[الدخان: 3]. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحصر على قيامها، ويحيى لأجلها ليالي العشر الأواخر من رمضان..

دعاء يوم عرفة:

وهو يوم المغفرة، ويوم العتق من النار لمن فاز بالوقوف بتلك الأماكن الطاهرة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«خير الدعاء دعاء يوم  عرفة» ([14]) .

الساعة التي في يوم الجمعة:

وهي ساعة أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الدعاء فيها مستجاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه» وقال بيده يقللها ويزهدها ([15]) .

وقد اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة، والذي رجحه الحافظ ابن حجر (- رحمه الله -) في "فتح الباري" فقد رجح قولين: الأول: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة. والثاني: بعد العصر ولكن من دعا الله تعالى في هذا اليوم كله كان على أمل كبير في إدراك هذه الساعة.

الدعاء دبر الصلوات:

وهو وقت مبارك فاحرص على اغتنامه وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله أي الدعاء اسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات»([16]) قال مجاهد (- رحمه الله -): إن الصلاة جُعلت في خير الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلوات.

الدعاء في جوف الليل وآخره:

وهو الوقت الذي تنافس الصالحون في إحياء ساعاته ويخلو فيه العبد بمناجاة ربه تبارك وتعالى.

وأعظم ما في تلك اللحظات ما أخبرنا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:«ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقولك من يدعوني فأستجيب له، مَنْ يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»([17]) .

الدعاء عند السجود:

هي لحظات شريفة؛ يكون العبد فيها قريبًا من ربه تبارك وتعالى.. يناجيه مناجاة تضرع وتذلل.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء»([18]) .

الدعاء بعد الوضوء:

وهو أيضًا وقت فاضل؛ إذ أن العبد فرغ من طاعة لله تعالى، وتطهر من الحدثين؛ فكان الدعاء بعد ذلك أرجى للقبول والاستجابة.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له ثمانيةُ أبواب الجنة يدخل من أيها شاء»([19]) .

دعاء الصائم والمسافر:

الصائم إذا أفطر له دعوة لا تُرد وكذلك المسافر.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث دعوات لا تُرد دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر»([20]) .

الدعاء بين الأذان والإقامة:

وهو أيضًا من الأوقات الجليلة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة» ([21]) .

الدعاء عند النداء وعند نزول المطر:

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«ثنتان ما تُرادان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر»([22]) .

عند الاستيقاظ من النوم والدعاء بهذا:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قُبلت صلاته»([23]) .

الدعاء عند المشاعر الطاهرة:

أخي المسلم: إذا قدر الله لك النزول بالبلد الأمين، حيث البيت الحرام زاده الله تشريفًا وتلك المشاعر الطاهرة؛ فلتكثر من الدعاء بلا ملل. فأنت هنالك قريب من الرحمة..

وتطل عليك تلك المشاعر: إبتداء بالكعبة المشرفة، وهناك أيضًا: مقام إبراهيم، والصفا والمروة، وزمزم..

وإذا حللت أرض منى فلا تنسى أن تكثر من الدعاء عند الجمرة الكبرى يوم النحر، والجمرة الصغرى والجمرة الوسطى أيام التشريق.

وإذا حللت مزدلفة فلا تنسى أن تذكر الله تعالى وتدعوه كثيرًا عند المشعر الحرام.

أخي المسلم: بقي أن أقول لك: تلك الأوقات والأماكن جعلها الله تعالى علامات لعباده؛ يتزودون منها لدنياهم وآخرتهم.. فالمحروم حقًا من ضيع تلك الفرص.. وغفل عن تلك المنح الإلهية.

 روح الدعاء المستجاب

أخي المسلم: إن للجسد روح يحيا بها ويعيش بها بين الأحياء، ويوم أن تخرج هذه الروح من الجسد يصبح في عالم الأموات؛ ويصبح وقتها لا معنى من وجوده، فيواري التراب! ولتعلم أيها الداعي أن للدعاء أيضًا روح تحركه ليصبح دعاء حيًا ينبض بالحياة؛ حتى يصعد عاليًا ليعود لصاحبه ببشرى الإجابة.

أخي المسلم: أتدري ما هي روح الدعاء المستجاب؟!

هي: (التذلل والافتقار إلى الله تعالى) فإذا أردت لدعائك أن يصعد حقًا فتأمل في حالك وقت الدعاء: هل أنت ممن يدعون دعاء الراغب.. الراهب.. المستكين.. الخاضع.. المتذلل.. الفقير إلى ما عند ربه تبارك وتعالى؟ أم أنت إذا دعوت:دعوت دعاء غافل..لاه؟! أيها الداعي: إن التذلل والخضوع والافتقار إلى الله تعالى أثناء الدعاء له مفعول عجيب في إجابة الدعاء..

وقد غفل الكثيرون عن ذلك؛ فتجد أحدهم إذا دعا أخرج كلمات جافة لا أثر للخضوع والتذلل فيها، وقد نسي هذا أنه يخاطب ملك الملوك  المتفرد بالجلال والكبرياء.

قال أبو حفص - رحمه الله -: أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله: دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال، وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال.

وقال بعضهم: «ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق».

أخي المسلم: إن أثر التذلل والخضوع على  إجابة الدعاء سريع.. مضمون الفائدة؛ ولا يعلم هذا إلا من جربه..

وإليك هذه النماذج تبرهن لك أن أثر التذلل على إجابة الدعاء لا يتخلف.

قيل: أصاب الناس قحط على عهد داود عليه الصلاة والسلام فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم.

فقال أحدهم: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا ظلمنا أنفسنا فاعف عنا.

وقال الثاني: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا، اللهم إنا أرقاؤك فأعتقنا.

وقال الثالث: اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا.

وفي  عهد عبد الرحمن الثالث الخليفة الأموي على بلاد الأندلس، أمسكت السماء ذات مرة عن المطر فدعا الخليفة الناس إلى الاستسقاء.

وكان قاضي الجماعة يومها منذر بن سعيد - رحمه الله - فبعث إليه الخليفة أن يخرج بالناس إلى صلاة الاستسقاء. ولما جاء ر سول الخليفة إلى منذر، قال له منذر: كيف تركت مولانا؟ قال: تركته قد نزل عن سريره وافترش التراب! فقال منذر: أبشروا بالفرج فإنه إذا ذل جبار الأرض رحم جبار السماء!

ثم خرج الناس بعدها للاستسقاء فسقُوا.

أخي المسلم: لذلك كان أرجى الدعاء بالإجابة ما تضمن الخضوع والتذلل والاعتراف بالذنب.

وإذا أردت معرفة دعاء يجمع هذه الخصال؛ فقد أرشدك النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعوة ذي النون إذا دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له»([24]) .

وتأمل قليلا في هذه القصة التي يرويها لنا الإمام ابن الجوزي عن نفسه، وهي تجربة عالم خبير بهذا الترياق..

قال الإمام  ابن الجوزي - رحمه الله -: عرض لي أمر يحتاج إلى سؤال الله - عز وجل -، ودعائه فدعوت وسألت فأخذ بعض أهل الخير يدعو معي فرأيت نوعًا من أثر الإجابة فقالت لي نفسي: هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك.

فقلت لها: أما أنا فإني أعرف من نفسي من الذنوب والتقصير ما يوجب منع الجواب غير أنه يجوز أن يكون أنا الذي أُجبت لأن هذا الداعي الصالح سليم مما أظنه من نفسي؛ لأن معي انكسار تقصيري، ومعه الفرح بمعاملته وربما كان الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج على أنني أنا وهو نطلب من الفضل لا بأعمالنا، فإذا وقفت أنا على قدم الانكسار معترفًا بذنوبي، وقلت: أعطوني بفضلكم، فمالي في سؤالي شيء أمن به، وربما تلمح ذلك حسن عمله وكان صادّا له.

أخي المسلم: من القصة السابقة تدرك ما كان عليه الصالحون من الورع والتواضع، وقد كان ذلك ديدن المتقدمين من سلف هذه الأمة (- رضي الله عنه -م) الاعتراف بالتقصير وعدم الركون إلى أعمالهم الصالحة، أو التبجح بها، وهذه الصفة لا تجدها إلا في أقوام سمت نفوسهم فهم يطالبونها. بالدرجات العالية والهمم الشامخة!

وليس أدل على ذلك من قول الصديق - رضي الله عنه -: «لو كانت إحدى رجلي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله!!».

وهذا الفاروق عمر - رضي الله عنه - يقول: «لو نادى مناد يوم القيامة: يا أيها الناس ادخلوا الجنة إلا واحدًا لظننت أنا ذلك الواحد!!».

وعمر - رضي الله عنه - هو ذاك الجبل الراسخ في أرض الإيمان وفضائله يستوي في معرفتها العالم والجاهل؛ ومع هذا تراه يتهم نفسه بالتقصير !! ولا تقصير..

أخي المسلم: إذا دعوت ربك تبارك وتعالى فادع بلسانك التذلل والخضوع والمسكنة.. دعاء عبد فقير إلى ما عند ربه تعالى.. محتاجًا إلى فضله وإحسانه.. مقرًا بذنوبه.. خاضعًا خضوع المقصرين.. فافهم هذا جيدًا فإنه سر من أسرار الدعاء  المستجاب جهله الكثيرون؛ فتنبه ولا تكن من الغافلين!

 الطريق إلى الدعاء المستجاب

أخي المسلم: دعنا نقف سويًا على معالم وأسباب إجابة الدعاء، ولا تنس أن تستصحب معك قلبك دائمًا فنحن في طريق لا يُقطع بسير الأقدام أو غيرها؛ وإنما يقطع بسير القلوب!

أولاً: وأنت تلتمس إجابة الدعاء؛ فلتدع دعاء واثق بما عند الله تعالى، محسن الظن بمولاك تبارك وتعالى.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه»([25]) .

ثانيًا: إذا دعوت فلتتق الله تعالى في دعائك، فلا تدع بإثم أو قطيعة رحم.. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم»([26]) .

ثالثًا: على الداعي أيضًا أن يعلم أن من أسباب إجابة الدعاء أن يكون الداعي ممن يحرصون على (اللقمة الحلال) فلا يُدخل بطنه حرامًا وإذا اتصف العبد بذلك لمس أثر الإجابة في دعائه ووجد آثارًا طيبة لذلك.

ولقد عم البلاء بأكل الحرام أو المشتبه في حله، فكان ذلك سببًا في عدم إجابة دعاء الكثيرين..

ولا يقولن أحدكم: دعوت ولم أر إجابة للدعاء! وهو قد ملأ جيبه وبطنه من الحرام!! وإليه هذه الوصية النبوية: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين » فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر؛ أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ([27]) .

قال يوسف بن أسباط - رحمه الله - بلغنا أن دعاء العبد يُحبس عن السماوات بسوء المطعم.؟

أخي المسلم: ولك في سلفك الصالح - رضي الله عنه -م قدوة صالحة.

فهذا سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - اشتهر بإجابة الدعاء؛ فكان إذا دعا ارتفع دعاؤه، واخترق الحُجُب؛ فلا يرجع إلا بتحقيق المطلوب! فكان - رضي الله عنه - مثالًا حيا لمن أراد أن يعرف طريق إجابة الدعاء.

وقد سأله بعضهم: تُستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من  أين مجيئها؟ ومن أين خرجت؟

أخي المسلم: ذاك هو سر استجابة دعاء سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (اللقمة الحلال!)

فلتحاسب نفسك في أكلها وشربها وملبسها؛ من أين هذا؟ وكيف جاء؟ فإذا كان حلالا فكل وأنت مُعافى؛ وادع الله تعالى رازقك؛ فأنت يومها القريب من طريق الإجابة.

رابعًا: وأن تلتمس إجابة الدعاء احذر أن تكون من المتعجلين لإجابة الدعاء؛ فإن الكثيرين يستعجلون إجابة الدعاء كأنه لزامًا على الله تعالى أن يجيب دعاءهم! وقد نسي هؤلاء أن الله تعالى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

فاحذر الاستعجال لإجابة الدعاء، ولتعلم أن الدعاء عبادة؛ فإنك إن أكثرت من الدعاء فأنت على خير عظيم؛ سواء رأيت أثرًا للإجابة أو لم تر..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي»([28]) .

خامسًا: ولا يغيب عنك أيضًا أن من أسباب إجابة الدعاء: الإكثار من النوافل بعد أداء الفرائض..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأُعيذنه..» ([29]) .

فلتكثر من النوافل فإنها ترفع مقامك في الدنيا والآخرة.. أما في الدنيا: فبالفوز بمحبة الله تعالى؛ وهي غاية الغايات؛ وإذا فزت بذلك أعانك الله تعالى على طاعته، ومرضاته؛ فلا تسمع إلا ما يرضي الله، ولا تبصر إلا ما يُرضي الله، ولا تنال بيدك إلا ما يُرضي الله، ولا تمشي برجلك إلا في مرضاته تبارك وتعالى، ويستجيب الله دعاءك، ويعيذك من كل شيء يؤذيك.. وأما في الآخرة: فبالفوز برضوان الله تعالى، ونعيمه الباقي.

سادسًا: ومن الأمور التي تعينك في درب الدعاء المستجاب: أن تدعو الله تعالى باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب.

سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يدعو وهو يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» فقال: «والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى»([30]) .

وسمع أيضًا مرة رجلاً يدعو:  اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان البديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى»([31]) .

سابعًا: ومن الأمور التي  تعين على إجابة الدعاء أيضًا: الإكثار من الدعاء في الرخاء.. قال رسول الله ص: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء»([32]) .

فلتحاسب نفسك هل أنت من المكثرين للدعاء والالتجاء بالله تعالى في أمرك كله؟!

وأخيرًا: لقد كانت تلك وقفات مع (الدعاء) تلك العبادة الرفيعة، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى رسم ذلك الطريق الذي بحث عنه الناس كثيرًا، وهو (الدعاء المستجاب!) وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم



([1]) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

([2]) رواه الترمذي وأحمد/ صحيح الجامع: (5392).

([3]) رواه البخاري في الأدب المفرد/ صحيح الأدب (547).

([4]) رواه الترمذي/ صحيح الجامع (3409).

([5]) رواه البخاري ومسلم.

([6]) رواه الترمذي وأحمد/ صحيح الترمذي (2516).

([7]) رواه البخاري ومسلم.

([8]) رواه الترمذي والحاكم صحيح الجامع (2459.

([9]) رواه البخاري ومسلم.

([10]) رواه أبو داود الترمذي/ صحيح الترمذي (3476).

([11]) رواه البخاري ومسلم والحديث طويل.

([12]) الحديث رواه البخاري ومسلم.

([13]) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه / صحيح أبي داود (1488).

([14]) رواه الترمذي صحيح الترمذي (3585).

([15]) رواه البخاري ومسلم.

([16]) رواه الترمذي / صحيح الترمذي (3499).

([17]) رواه البخاري ومسلم.

([18]) رواه مسلم.

([19]) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

([20]) رواه البيهقي/ سلسلة الصحيحة: 1797.

([21]) رواه أبو داود والترمذي/ صحيح أبي داود (521).

([22]) رواه أبو داود والحاكم صحيح الجامع: (3078).

([23]) رواه البخاري.

([24]) رواه الترمذي والحاكم صحيح الترمذي (3505).

([25]) رواه الترمذي.

([26]) رواه مسلم.

([27]) رواه مسلم والترمذي.

([28]) رواه البخاري ومسلم.

([29]) رواه البخاري.

([30]) رواه أبو داود والترمذي/ صحيح الترمذي (3475).

([31]) رواه أصحاب السنن صحيح أبي داود: (1495).

([32]) رواه الترمذي والحاكم صحيح ا لجامع (6290).