عائدات من رحلة الضياع

القسم العلمي بدار ابن خزيمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

من رحمة الله بخلقه.. ورأفته ولطفه.. أن بيَّن لهم طريق الشر والغواية.. ليبتعدوا عنه ويجتنبوه.. وفصل لهم طريق الهداية.. ليسيروا عليه ويقتفوه.

ولقد ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم.. قصصًا كثيرة.. وأحداثًا مثيرًا.. تبين جناية العصاة والعتاة.. ممن خالفوا أمره.. وعاندوا زجره.. وسلكوا طريقة العناد.. وعاثوا في الأرض الفساد.. فسلط الله عليهم من أنواع العذاب والنكاد ما جعلهم عبرة للمعتبرين.. وذكرى للذاكرين {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.

وتلك سنة الله في الخلق.. على مر السنين والأزمان.. فلا نزال نسمع بين الحين والآخر.. قصة من قصص العاصين، وقد لحق بهم الضياع.. ونكل بهم العذاب كما تنكل بالفريسة السباع.. فمنهم من يلحق فرصة للعودة إلى الرشاد.. ومنهم من يحث عليه القول.. فيخسر الدنيا والآخرة.. {أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15].

إذا المرء لم يكفف بوادر غيظه

شكا الدهر أو ألقى المقادة صاغرًا

وإن هو لم يزجر عن الغي نفسه

أصاب لها من حادث الدهر زاجرا

وفي هذا البحث نتطرق لبعض الوقائع التي ترسم للمعتبرين طريق الصواب، وتهدي الأخت المسلمة إلى الاستقامة والسلامة.. قبل فوات الأوان.. وحصول الندامة!

 قبل الندم...

أختاه... كثيرة هي اعترافات التائبات.. وأليم ندمهن وهن يسردن ما كن فيه من ضياع ودمار.. وما جنين من أخطائهن من العار.. فاعتبري يا أخية قبل الندم.. فالمعاصي كلها أمراض تفتك بالنفس والبدن.. وتفوت على المرء مصالحه في الدنيا والآخرة.. وتجعله في حالة سكر وتيه يتخبط خبط عشواء.. حتى يفيق على المهلكات التي تنسف سمعته وعرضه وشرفه.. فيندم حين لا ينفعه ندم!!

قال عبد الله بن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إذمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخير لنفسك عصيانها

أخية.. واعلمي أن سبب الضياع الذي يصيب الفتيان هو مخالفة أمر الله جل وعلا والاستخفاف بما نهى عنه من المحرمات.. فتجد الفتاة المسلمة لاهثة وراء شهواتها.. مفرطة في حجابها.. كاشفة لزينتها.. سماعة للغناء.. مرافقة للساقطات.. معرضة عن سماع النصائح والعظات.. ملازمة للهو والمعاكسات.. وكل هذه المعاصي وغيرها تقودها إلى الذل والضياع.. وتسلبها الشرف الذي يتحظى به في أهلها وعشيرتها.. وقد تفيق من سباتها وتتوب.. وقد تبغتها المنية.. فتموت على غير توبة والعياذ بالله!

قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته.

وقال بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.

وقال الحسن البصري: إنهم، وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين؛ إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.

أختي المسلمة.. فاحفظي الله بطاعته.. يحفظك من الذل والضياع..

لكل شيء إذا ضيعته عوض

وليس في الله إن ضيعت من عوض

واعلمي أن الضياع الذي يصيب كثيرًا من البنات إنما هو بسبب عصيانهن لأوامر الله، وهو في حد ذاته عقوبة إلهية جزاءًا وفاقًا؛ فإن الله لا يضيع من أطاعه، بل يكرمه وينعم عليه، وأما من عصاه فإنه يسلبه نعمه ويحل به نقمه، ويضيعه كما ضيع أمره!

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].

فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير غُيِّر عليه جزاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد.

وهل هناك نعمة أجل من نعمة الإيمان والشرف..

إذا كنت في نعمة فارعها

فإن المعاصي تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد

فرب العباد سريع النقم

وإياك والظلم مهما استطعت

فظلم العباد شديد الوخم

وسافر بقلبك بين الورى

لتبصر آثار من قد ظلم

 نهاية مؤلمة

قالت وهي تذرف دموع الندم: كانت البداية مكالمة هاتفية عفوية، تطورت إلى قصة حب وهمية، أوهمني أنه يحبني، وسيتقدم لخطبتي.. طلب رؤيتي فرفضت.. هددني بالهجر!! بقطع العلاقة! ضعفت.. أرسلت له صورتي مع رسالة وردية معطرة! توالت الرسائل.. طلب مني أن أخرج معه.. رفضت بشدة، هددني بالصور، بالرسائل المعطرة بصوتي في الهاتف – وقد كان يسجله – خرجت معه على أن أعود في أسرع وقت ممكن.. لقد عدت ولكن؟! عدت وأنا أحمل العار..

قلت له: الزواج... الفضيحة...

قال لي بكل احتقار وسخرية: إني لا أتزوج فاجرة...

 أختي المسلمة... كانت تلك ضحية من ضحايا المعاكسات الطائشة! قد عادت من رحلة ضياعها بحمل من الأوزار.. وبوابل من عار.. وأي عار! لقد ضيعت عرضها وشرفها.. وباعت سمعتها بأرخص الأثمان.. بل بلا عوض يذكر!

وماذا عليها.. لو أنها إذا سمعت صوت ذلك الذئب المكار أن تغلق في وجهه السماعة.. فتريح نفسها وتحفظ عرضها!!

فاحذري – يا أختاه – من هذا الطريق.. فكم أوقع في شركه من فتاة.. وكم تسبب في نشر الخيانات.. وكم شتت من أسر ومجتمعات..

وتذكري يا أخية أن المعاكسة محرمة على النساء والرجال؛ فهي في حكم الخلوة المحرمة.. قال الشيخ بكر أبو زيد: كنت أظن المعاكسة مرضًا تخطاه الزمن، وإذا بالشكوى تتوالى من فعلات السفهاء في تتبع محارم المسلمين في عقر دورهن فيستجرونهن بالمكالمة والمعاكسة السافلة.

ومن السفلة من يتصل على البيوت مستغلاً غيبة الراعي ليتخذها فرصة عله يجد من يستدرجه إلى سفالته، وهذا نوع من الخلوة أو سبيل إليها، وقد قال ﷺ‬ فيما رواه البخاري ومسلم: «إياكم والدخول على النساء»؛ أي الأجنبيات عنكم؛ فهذا وأيم الله حرام حرام، وإثم وجناية، وفاعله حري بالعقوبة؛ فيخشى عليه أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته ([1]).

ومن أسباب وقوع الفتيات في هذا الشراك ما يلي:

1- التبرج: لأن التبرج هو عنوان هتك الأعراض، فإذا رأى الشاب الفتاة المتبرجة فهو يظنها أنها لن تمانع من المعاكسة إذا هو اتصل بها، ولذلك فهو يطمع في إيقاعها في هذه الشباك، فيرمي رقم هاتفه على أرض أمامها أو في طريقها، أو يتعرف على هاتف بيتها من أخيها الصغير أو من صديقاتها حتى تقع في الشراك.. وهذا لعمرك من عقوبات التبرج والسفور، فلو صانت الفتاة حجابها، وسترت عرضها، لما طمع الذئاب في افتراسها.

فدعي الجنوح إلى السفور

وخففي ألم العشير

النمر لو لزم الشرى

من كان يطمع في النمور

والطير تأخذها شبا

ك الصيد في ترك الوكور

2- التساهل في الرد على الهاتف: فهناك من الفتيات من اعتدن الرد على المكالمة مع وجود الرجال في البيت، وهذا خلاف الأولى؛ فإن الرجل أبعد من الفتنة من المرأة، والذي ينبغي حين رد الفتاة على الهاتف أن تكون حازمة في الأمر إذا وجدت لعَّابًا بالأعراض يطلب المعاكسة.. ولا شيء يدل على حزمها خير من إغلاق السماعة في وجهه.. فذلك درس يعلمه أن الشرف لا يقبل المساومة.

3- الرفقة السيئة: فإن لها الأثر البليغ على قبول المعاكسات واستساغتها؛ حيث يتم تزين هذا الفعل من قبل رفيقات السوء حتى يتحول إلى خطرة ثم إلى فكرة ثم إلى إرادة؛ فإذا وافق ذلك طلبًا من ذئب حريص على الفساد وقعت المعاكسة وحصلت الفتنة.

4- الفراغ: فإن بعض الفتيات لا يجدن ما يملأن به وقتهن، فيجعلن من المعاكسة أسلوبًا للتسلية وقضاء الأوقات.. وهو أسلوب سلبي في استثمار الأوقات وإشغالها بما ينفع؛ قال رسول الله ﷺ‬: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» [رواه البخاري].

إن الشباب والفراغ والجدة

مفسدة للمرء أي مفسدة

 خلل في الالتزام

كانت طالبة في المرحلة المتوسطة من أسرة طيبة.. ترتدي الحجاب وتضمر في نفسها نية الاستقامة.. على طريق الإسلام..

وهي – مع نيتها الصادقة – لم تجد من يسدي لها النصيحة، ويدلها على الطريق الصحيح إلى الله جل وعلا.. فكانت تحب الالتزام.. ولكنها تجهل حقيقته وكنهه..

ومع انتقالها إلى المرحلة الثانوية التقت برفيقات كانت تعتقد فيهن الإخلاص والصلاح، فكانت إحداهن تستغرب فيها خجلها وتقول لها: (أنت أخجل صديقة عرفتها في حياتي) فكانت المسكينة تتحرج من سماع هذا اللوم.. ولو أنها أدركت مقاصد رفيقة السوء هذه.. لما حصل ما حصل!

فأصبحت مع طول معاشرة هؤلاء الطالبات.. ترتدي الحجاب.. ولكن أي حجاب! لا تنظر إليه بقصد الستر والعقاب بأكثر ما تنظر إليه بقصد الإغراء والفتنة والزينة.. لقد أصبحت تركن إلى الشهوات.. وترتكب المعاصي والزلات.. وتقترف المنكرات والمخالفات.. لقد ضاع حياؤها.. وانقطع خجلها.. وأصبحت تنافس رفيقات السوء.. في تغنجهن ومشيتهن.. وزينتهن ونظراتهن.. إلا أنها لم تكن تقوى على اتخاذ خليل مثلهن.. فلا يزال هناك من الحياء في قلبها ما يمنعها من ذلك! ولكنها بعد دخولها الجامعة.. أصبحت تغار من رفيقاتها.. فكل واحدة منهن لها صديق تفخر بحبه وإعجابه.. وتزهو أمام الأخريات بلقائه ورسائله وكلامه.. أما هي فكانت تحرقها الغيرة من ذلك.. فلم تكن تقوى على الوقوع في الرذيلة.. ولم تكن تقوى على كبح نار الغيرة.. ولكنها مع مرور الأيام انطبعت فيها صفة تلك السفيهات فقررت عقد صداقة مع أحد الشباب كما هو حال رفيقاتها. وصدق الشاعر حينما قال:

ولا تجلس إلى أهل الدنايا

فإن خلائق السفهاء تعدي

لم تكن خلقتها بأجمل من صديقاتها.. لذلك قررت أن تبرهن لهن عن حسن منظرها.. ورغبة نفوس الشباب فيها.. فماذا صنعت؟

أصبحت تقلب نظراتها في كل غدوة وروحة؛ تبحث عن رفيق تحبه ويحبها؛ وكأنها بنظراتها تقول: هل من شاب يناسبني وأناسبه؟ ولم تزل طالقة بصرها في الزوايا والأركان.. حتى وقعت عينها على شاب هادئ خلوق.. فأصبحت تبادله النظرات.. وترسل له بالتفاتتها رسائل الإعجاب والتقدير.. ورفيقات السوء من وراءها بالتشجيع: (يا لحظك العظيم).

ومع الأيام تسلل حب ذلك الشاب إلى قلبها.. وأصبحت تبني عليه أحلامها.. وتترقب آمالها وأيامها.. وهو على ما كان يبديه من إعجاب كان خجولاً.. يكره مصاحبة الفتيات.. ويتردد في مصاحبة هذه الفتاة.. وكل ذلك كان يزيد من إعجابها وحبها له.. وما كادت السنة الجامعية تنتهي حتى رحل ذلك الشاب.. ولم يعبأ بها..

وهنا بدأت رحلة الضياع.. فقد بدأت المسكينة العاشقة.. تتجرع آلام عشقها.. وتتذوق مرارة إعجابها.. بذهاب ذلك الشاب عنها.. فقد تعلق قلبها به تعلقًا عجيبًا لم تطق معه الفراق.. مع أنه لم يكن يكترث بها كما كانت تتوقع.. فلم تعد تذاكر دروسها وضاعت عليها أهدافها.. وبقيت في حسرة وندامة مما يخالجها ثلاث سنوات.. لم تذق فيها طعام اللذاذة والسعادة.. وإنما تجرعت فيها الأحزان والأوهام.. من جراء فقد حبيب موهوم..!!

تقول هذه الأخت: (وجدت أن حياتي لم يعد لها معنى أو هدف.. سنوات مضت وضاعت فهل سأعيش هكذا بلا هدف؟ فكرت، ثم فكرت، فلم أجد حلاً أفضل من النسيان.. حدثت نفسي أنني لو أنصت إلى شريط في وصف الجنة والنار أهداه إلي أحد الأقارب لربما أتعظ وأنسى، وبالفعل.. كان لي بالمرصاد، واقتلعت من صدري جذور الوهم.. لقد مزق قلبي وأفرغه من القيح والصديق.. وكل ما علق به من آثار المعاصي.. واستمعت إلى أشرطة أخرى كثيرة.. كانت بفضل الله سببًا لتوبتي إلى خالقي جل وعلا.. وأقلعت عن سماع الأغاني، وأن أنظر إلى ما حرم الله في التلفاز وغيره.. وبدلت حجابي المزيف بآخر حقيقي.. وبعون الله تخلصت من أمور كثيرة، وابتعدت عن قرينات السوء، فاستعدت حيائي الذي ضيعته سنوات عدة...)([2]).

أختي المسلمة... وتأملي في قولها: (فاستعدت حيائي الذي ضيعته سنوات عدة!!) فهي لم تكن تدرك أن الحياء نعمة كبيرة من الله جل وعلا.. وأن ضياعها ضياع للإنسان نفسه.. فلما فقدتها وتجرعت ويلات فقدانها أدركت قيمتها في الحياة...

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستح فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

أخية... وإذا تأملنا حول الأسباب نفسها التي كانت سببًا في سقوط حياء تلك الفتاة..

فالجهل بمفهوم الالتزام.. ومرافقة الساقطات.. والنظر المحرم إلى الرجال.. من أخطر الأسباب التي تسقط الفتيات في الهلاك؛ حيث إن الجهل بالالتزام يبعث على الاستخفاف بالمحرمات.. ويسهل إغراءات الشيطان في مهاوي الرذيلة والعصيان.. ورفقة السوء تزين الشهوات وتشجع على الغوايات.. والنظر المسموم يوقع في شراك العشق الحرام.. ويجلب الهم والغم والأحزان.. وكل هذه الثلاثة تحث على نزع فضيلة الحياء.. وتشجع الفتاة المسلمة.. على سلوك طريق خطير على عرضها وشرفها.. فلربما أوقعتها في شراك الزنى، فلا تفيق إلى على العار والدمار!! وربما تلطف بها الأقدار.. فتفيق من سباتها وتسترد حياءها، ومن هنا كان دفع هذه الأسباب من أعظم الجهاد وأفرضه على الأخت المسلمة حتى تصون شرفها وعفافها.. فكيف تدفع هذه الشرور؟

1- تفهم الالتزام: وإنما قُلت: «تفهم الالتزام» ولم أقل: «فهم الالتزام»؛ لأن التفهم يدل على المداومة على الفهم ومعاودته حتى يستقر في الذهن والقلب بالفعال والمقال.

 فالالتزام بالدين هو التزام بشرع الله وأحكامه.. في الأحوال والأقوال والأفعال! والجهل بتلك الأحكام يوقع المرأة المسلمة في التخبط والضياع ويجعلها عرضة للشيطان يسهل عليه إضلالها ومن هنا كان واجبًا على الأخت المسلمة أن تتعلم ما تصح به عقيدتها، وعبادتها؛ فتتعلم ما يجب عليها من أصول الإيمان وأحكام الصلاة والصيام وما يتعلق بذلك من أحكام الطهارة، وكذلك إذا كانت ممن يستطيع الحج وأداء الزكاة وجب عليها تعلم ذلك، فإذا حفظت المرأة المسلمة ربها في هذه الأركان حفظها سبحانه من أسباب الغواية والشرور، وفهمها سبل الشر والمحرمات ووقاها الضياع والمهلكات.

أخية.. وتذكري أن الالتزام لا يقتصر على أداء الأركان الخمسة الواجبة وإنما يشمل العمل بالواجبات كلها، واجتناب المنهيات جميعها.. والمسارعة إلى الخيرات.. ولذا فإنه يجب عليك أن تسلكي طريق العلم والتعلم.. فإنه ينور القلب ويشرح الصدر ويزيل ظلمات الجهل، ويمكنك من فهم دينك وتجديد يقينك، ويكون لك سلاحًا واقيًا من الفتن والهوى.

2- الرفقة الصالحة: وخير معين على الالتزام رفقة الخيرات الصالحات اللواتي إن رأين خيرًا أعنَّ عليه، وإن رأين شرًا لم يركنَّ إليه.. فمصاحبتهن من أعظم أسباب الهداية والتوفيق؛ فهن عملة صعبة يعز وجودها في هذه الأزمان..

أختي المسلمة... فإذا رمت الرشاد.. والهداية والسداد.. فرافقي من تلمسين فيهن طاعة الله ورسوله ﷺ‬.. فإنه ﷺ‬ قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

[رواه أبو داود والترمذي]

أنت في الناس تقاس

بمن اخترت خليلاً

فاصحب الأخيار تعلو

وتنل ذكرًا جميلاً

واحذري الركون إلى الساقطات.. ممن زيَّنَّ حجابهن.. وفتحن جلبابهن.. وفقدن صوابهن.. وتفاخرن بالزينة والمعاكسات.. ومشاهدة الأفلام والفضائيات.. فأغضبن رب الأرض والسماوات..

قال أحد السلف: رفقاء السوء.. يخونون من رافقهم.. ويفسدون من صادقهم.. قربهم أعدى من الجرب.. والبعد عنهم من استكمال الدين.. والمرء يعرف بقرينه..

لا تصحب أخا الجهـ

ـل فإياك وإياه

فكم من جاهل أردى

حليمًا حتى يغشاه

يقاس المرء بالمرء

إذا هو ماشاه

وللشيء على الشيء

مقاييس وأشباه

وللقلب على القلب

دليل حين يلقاه

3- غض النظر: وأما غض النظر فإنه يقي مصارع السوء، ويحفظ القلب من الأمراض والأوهام والعلل؛ لذلك فقد قرن الله - جل وعلا - حفظ الفرج بغض النظر فقال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31].

كل الحوادث مبداها من النظر

ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت من قلب صاحبها

كمبلغ السهم بين القوس والوتر

 وماذا بعد الشهادة والمنصب

قد تكون الأخت المسلمة.. على خلق والتزام.. ولكنها قد ترمي بنفسها للضياع إن لم تدرك هدفها في الحياة.. وما يناسب فطرتها وكينونتها في الوجود.. فكثيرات من يزهدن في الزواج وهن في ريعان الشباب.. بذريعة الدراسة والعمل.. ولكنهن بعد أن يولي الزمان.. يجدن أنفسهن بيم أنياب العنوسة واليأس.. فلا يقوين على الصبر.. ويدركن خطأهن الذي يحرمهن منصب الأمومة.. بعد أن يصلن إلى مناصب التعليم والمهن الشريفة.

فقد كانت إحدى الأخوات.. طموحة في تحصيل العلوم.. وكانت تضمر في نفسها أن تصبح أمًا وزوجة.. لكن بعد تحقيق أهدافها؛ لدرجة أنها كانت تأبى الاعتراف برغبتها في الزواج.

بقيت على ذلك الحال.. حتى حصلت على «الماجستير» وانتهت رحلة معاناتها الدراسية.. ولما كانت مرتبتها تفوق مرتبة كثير من الأخوات علمًا.. فقد كانت شروطها قاسية على كل من كان يتقدم لخطبتها.. وكان والدها لا يمانع في شروطها ورغباتها في الحياة.. وبقيت على هذا الحال حتى وصلت ثلاثين سنة.. وهنا كانت صدمتها الأولى حينما جاء آخر الخطاب.. ومعه شروطه ومواصفاته في الزواج.. حيث كان من بينها أن لا تكون مخطوبته قد وصلت الثلاثين وهو في نظره «سن اليأس»!! فصفع تلك الطالبة بجملة أيقظتها من مغبة خطئها؛ قال: لا حاجة لي بامرأة لم يعد بينها وبين سن اليأس سوى القليل.

تقول هذه الأخت: «سمعت هذا لأدرك الهزيمة المرة.. وأيقنت أنني دخلت في زمن العنوسة الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام من حين لآخر؛ واليوم، وبعد أن كنت أضع الشروط والمواصفات، والمقاييس في فارس أحلامي، وكنت أتعالى يوم ذاك.. اليوم بدأوا هم يضعون مقاييسهم في وجهي، وهو ما دفعني أن أفكر كثيرًا في أن أشعل النار في جميع شهاداتي التي أنستني كل العواطف حتى فاتني القطار، بدأت أحمل في نفسي الحسرة على أبي الحنون الذي لم يستعن بتجاربه في الحياة في تحديد مسار حياتي..

نعم إن تعليمي قد زادني وعيًا وثقافة.. ولكن كلما ازددت علمًا وثقافة.. ازددت رغبة في أن أكون أمًا وزوجة.. لأنني أولاً وأخيرًا إنسانة.. والإنسان مخلوق على فطرته..

ثم إنني أروي ذلك لكم للعبرة والعظة فقط»([3]).

أخية.. فخذي العبرة من هذه القصة، فإذا أتاك من ترضين خلقه ودينه، فتزوجيه يكن لك عونًا على الدنيا والدين..

ولا مانع أن تجمعي بين الدراسة وخدمة زوجك إذا اقتضت المصلحة ذلك، وأما أن تفرطي في الرجل الصالح وما يحفظ عليك دينك مقابل شهرة وشهادة تبلى، فإن ذلك هو الغبن بعينه. قال ﷺ‬: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». [رواه البخاري].

وذكر الذهبي - رحمه الله - أن طاووسًا رحمه الله قال: «لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج»، وقال إبراهيم بن ميسرة: تزوج أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب t لأبي الزوائد: «ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور»([4]).

وقد قرن رسول الله ﷺ‬ بين الأمر بالزواج والرهبانية، وذلك فيما رواه أبو أمامة t أن النبي ﷺ‬ قال: «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى». [رواه البيهقي].

تقول طبيبة ممن شغلها التعليم عن الزواج:

لقد كنت أرجو أن يقال طبيبة

فقد قيل.. ماذا نالني من مقالها

فقل للتي كانت ترى في قدوة

هي اليوم بين الناس يرثى لحالها

وكل مناها بعض طفل تضمه

فهل ممكن أن تشتريه بماله

ثم تقول: «خذوا شهادتي ومعاطفي وكل مراجعي وجالب السعادة الزائفة وأسمعوني كلمة (ماما)».

 عائدة من تيه التقليد الأعمى

وقصة هذه الفتاة غريبة عجيبة؛ حيث كتب الله لها أسباب الهداية على يد طبيب زرع فيها الرعب والفزع، وجعلها تخاف الموت بالليل والنهار.. فتابت إلى الله وصلح حاله، وتركت ما كانت عليه من تقليد الغربيات في كل أنماط حياتها.. تقول: كنت أعيش أنا وأسرتي.. لم نكن نعرف من الإسلام شيئًا.. لا صلاة.. ولا غيرها من العبادات.. كل أفراد أسرتي في ضلال وانحراف وضياع.. كنا نعيش حياة على النمط الغربي..

وفي يوم من الأيام ذهبت إلى المستشفى لتحليل الدم، فلما عدت المساء لأخذ نتيجة التحليل، نودي على اسمي، فإذا برئيس المصلحة المخبرية يهمس في أذني قائلاً: يؤسفني أن أقول لك أنك مصابة بداء «السيدا».

نزل علي هذا الخبر كالصاعقة.. وكدت أن أصاب بالإغماء، وطلبت من رئيس المصلحة أن يبقى هذا الأمر سرًا بيننا، ثم طلب مني رقم الهاتف لاستدعائي عند الحاجة، وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة..

وعدت إلى المنزل وأنا لا أتمالك نفسي من البكاء، ولم أنم تلك الليلة من شدة الخوف، فقد استلقيت على فراشي وأنا لا أدري ماذا أصنع.. كنت في حالة من الهلع والفزع وأنا أتخيل ملك الموت وهو يبحث خطاه إلي، إنه أمر لم أحسب له حسابًا من قبل.. تذكرت حياتي وأيامًا بارزت الله فيها بالعصيان.. غافلة عن حقيقة كبرى اسمها الموت.. وفي تلك اللحظة تبت إلى الله عز وجل، وعاهدته على الاستقامة وبكيت كثيرًا، فها هو ملك الموت يقترب مني فماذا أنتظر؟

ومن الغد بدأت أصلي، واشتريت مصحفًا، فكنت أقرأ فيه ليل نهار، فتعجب أهلي من هذا التحول المفاجيء! ثم ارتديت الحجاب فزاد تعجبهم، وصاروا يستهزؤون بي ويقذفونني بالكلمات الجارحة، ولكنني لم أبال بهم، بل لم يزدني ذلك إلا إصرارًا واستمرارًا في السير في هذا الطريق، وكنت أدعو الله في كل يوم أن يغفر لي ذنوبي، وأن يرحمني، وبعد شهر تقريبًا تلقيت مكالمة هاتفية من طرف رئيس مصلحة المختبر بالمستشفى، رفعت سماعة الهاتف وقلبي يخفق، وأعضائي ترتجف.. وكانت المفاجأة!! قال لي: إنني أعتذر عن الخطأ الذي حصل، إن نتيجة تحليل دمك سليمة، أما النتيجة الأولى فهي لشخص آخر غيرك..

كدت أطير من الفرح، وحمدت الله عز وجل الذي كتب لي حياة جديدة لأعمرها بطاعته – سبحانه – واتباع مرضاته، لا باللهو واللعب والغفلة والضياع»([5]).

أختي المسلمة...

فهذه الفتاة.. كانت ممن ضيع حياتها في أحضان التغريب.. ولكن لطف الأقدار تداركها لتعود إلى رشدها ومصدر عزها.. في طاعة الله ورسوله ﷺ‬!!

ولقد سجلت بعودتها من رحلة الضياع هذه مفخرة لنفسها وأمتها.. لاسيما في هذه الأعصار.. حيث تهافتت معظم الفتيات على تقليد الغربيات في اللباس والكلام والمأكل والمشرب وغير ذلك من نواحي الحياة.

وقد نهى رسول الله ﷺ‬ عن التشبه بالكفار مطلقًا: «من تشبه بقوم فهو منهم». [رواه أبو داود وصححه ابن حبان].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: رأى رسول الله ﷺ‬ علي ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها». [رواه النسائي والحاكم وصححه].


يا حرة قد أرادوا جعلها أمة

غريبة العقل، لكن اسمها عربي

هل يستوي من رسول الله قائده

دومًا، وآخر هاديه أبو لهب

وأين من كانت الزهراء أسوتها

ممن تقف خطا حمالة الحطب

أختاه لست ببنت لا جذور لها

ولست مقطوعة مجهولة النسب

أنت ابنة العرب من الإسلام عشت به

في حضن أطهر أم من أعز أب

فلا تبالي بما يلقون من شبه

وعندك العقل إن تدعيه يستجب

سليه من أنا؟ ما أهلي؟ لمن نسبي

للغرب أم أنا للإسلام والعرب؟

 الإعجاب ضياع

تقول إحدى المعجبات: كنت ممن أعجب بالمعلمات؛ لكنني كنت أعجب بالمعلمة ذات الشكل والهيئة الحسنة، فتصبح تلك المعلمة كل تفكيري وكل كياني، وكانت لدي مذكرات أدون فيها كل ما يحدث لي من معجبتي، حتى وصل بي الحد إلى أنه إذا ابتسمت لي معلمتي التي أحبها أعود إلى البيت فرحة مسرورة وأمسك دفتر مذكراتي وأكتب فيه أن معلمتي ابتسمت لي اليوم.. هكذا، وكنت كلما انتقلت من مرحلة إلى مرحلة أعجب بمعلمة غير تلك التي كنت معجبة بها من قبل، فأكون علاقة جديدة، مع معلمة أخرى وأنسى تلك الأولى وهكذا..

وعندما دخلت الجامعة أخذت أقلب أوراقي القديمة ومذكراتي المضحكة، وإذا بها كلام يتعجب منه العاقل، فقمت مسرعة وبكل أسى على تلك الأيام التي ذهبت مني سدًا في تفاهات لا نفع منها.. أمزق هذه الأوراق وأمحوها من الوجود ([6]).

أختي المسلمة..

من لطف الله بهذه الأخت المسلمة أنها لم يملك الإعجاب قلبها، ولم يتغلغل في سويدائه كما هو حال كثير من المعجبات بصور البنات، ولذلك فإن نهايتها لم تكن أبلغ في التأثير ممن أصابهن الهوس والمرض النفسي فدخلن على أثر عشقهن للصور إلى المصحات النفسية ومنهن من طرحن في الفراش حتى الموت.

فالإعجاب عشق مذموم؛ لأنه سلوك شاذ يقتضي تعلق الفتاة بأختها من جنسها وقد انتشر في كثير من التجمعات النسائية، لذا وجب الحذر الشديد منه، فهو أخطر على النفس من كثير من المعاصي والسيئات؛ لأنه يشغل القلب عن الله.. ويوقع المعجبة في الأوهام والوساوس والأفكار الفاسدة، فتأثيره على النفس والفكر أبلغ من تأثير الخمر والمخدرات، فهو يجعل المعجبة طالبة من عشقتها المحال، وما لا تستطيع إليه وصال، فكم ضيع من فتاة.. فأفسد عليها عقلها وكان سببًا في انفصالها عن دراستها وانحطاط مكانتها في أهلها.. ولم تزل الداعيات الصالحات يدون أخباره وحوادثه وينصحن الأخوات من مغباته وآثاره ([7]) ويقدمن سبل العلاج من سكراته.

داء تفشى في البنات عجاب

يصرعن منه وفي الطباع معاب

تهوى الفتاة وتعشق أختها

من جنسها وينالها الإعجاب

وتذوب حبًا في مفاتن ذاتها

وغنوجها وعيونها فتصاب

يا من تفانى في البنات فؤادها

إن التعلق بالبنات عذاب

ما العيب في خلق المحبة إنما

عشق النساء لبعضهن يعاب ([8])


 خاتمة

أخية.. كانت هذه شذرات من قصص التائبات.. ذكرتها.. وأخذت لك منها العبر والعظات.. فاحفظي الله يحفظك..

واعتبري بمن مضى

من القرون وانقضى

واخشي فجاءة القضى

واستمعي النصح وعي

جعلني الله وإياك ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.



([1]) أدب الهاتف للشيخ بكر أبو زيد.

([2]) العائدون إلى الله، المجموعة السادسة لمحمد المسند ص(93) (بتصرف).

([3]) اعترافات متأخرة لمحمد المسند الجزء (1) ص60.

([4]) سير أعلام النبلاء 5/47-48.

([5]) العائدون إلى الله، المجموعة السادسة ص(83).

([6]) فتياتنا والإعجاب لنوال بنت عبد الله.

([7]) ومن ذلك الكتاب النافع: فتياتنا والإعجاب لنوال بنت عبد الله.

([8]) وانظر كتاب: ظاهرة الإعجاب بين الفتيات الأسباب والعلاج (طبعة دار ابن خزيمة).