عرس الموحدين

إعداد: عبد الله بن سليمان العتيق

بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله الذي منّ على عباده بأعظم الصلات ، ومنحهم من عطاياه أحسن الهبات، والصلاة والسلام على من كانت قرة عينه الصلاة، وملجأه إذا حزبته الكربات، وعلى آله وأصحابه والسالكين دربه المشتغلين بأسنى القربات.

أما بعد:  فإن من أعظم ما أسداه الله - تعالى - إلى عباده، ووهبهم إياه - تكرمه منه وفضلا - ما كان رابطا بينه وبينهم، وما صيرهم على صلة دائمة به - تبارك وتقدس- ، وعلى رأس ذلك وأساسه شعيرة (الصلاة).

وفضائلها كثيرة وفيرة ، وأخبارها مشهورة منثورة، لا يسع مقام - كهذا - لاحتواء ذاك - ولا يسعف الزمان بلم شمل المتفرق منها.

هذه العبادة الشريفة، والصلة المنيفة أخذت من الشرع بمكان سامٍ رفيع، وحازت فيه بمقام عال منيع، فكانت كاملة الأصول، شاملة الزوائد والمتممات، فأتت بأحسن ما يسعد بها من ظهر بالاشتغال بها.

ولا غرو أن كانت محل إسعاد وإيناس لنفوس الصالحين، أو كانت ربيعا وعرسا لقلوب الموحدين، بل لا  نعجب إذا كانت عامرة للزمان، مستغلة للمكان، فبذا وغيره تتلهف النفس شوقا لتحصيلها، وتشرئب بالأعناق تطلعاً إليها.

(وإنما عظم شأن صلاة العبد بإقبال العبد على الله)([1])، ولأجل هذا كان لها منهم العناية بها على الوجه المتقرر في الشريعة المشرفة، فلم يكونوا يأتون بها خلوا من المعاني الباطنة، ولا إخلالاً بالمعاني الظاهرة، وإنما المجيء بها على وجه تمام وكمال، مقبلين فيها على الله – تعالى-.

فإذ كانت بتلك المنزلة فإنه لابد من رعاية لجانبها بالصيانة، ورعاية لمقامها بالإتمام والإكمال على الوجه المرضي المقبول، ولهذا كان هذا الطرح تبيانا لها، وإيضاحا لمسائلها، حتى تبرأ ذمة العبد، وينال رضا الرب.

إذا بان ذلك فإن الكلام سيكون على محاور ثلاثة:

الأول: في تبيان قوام الصلاة وكمالها.

الثاني: في ذكر أنواعها وأقسامها.

الثالث: تأصيل الإكثار منها شرعيا.

فلنشرع بتفصيل ذلك وإيضاحه على وفق ما كان وارداً في السنة مأخوذا به عند الفقهاء.

تنبيه مهم: استفدت مادة هذا المكتوب من شرحي شيخنا العلامة الفقيه : صالح بن محمد الأسمري – بارك الله فيه، ولطف به، ونفعنا به وبعلومه - على متني : (عمدة الطالب) لمحقق المذهب الإمام منصور بن يونس البهوتي الحنبلي - رحمه الله - و (بداية العابد وكفاية الزاهد) للعلامة الفقيه عبد الرحمن البعلي الحنبلي - رحمه الله-.

وكذلك من بعض كتب الفقهاء ، كما هو ظاهر عند العزو لها.

 الأول: في تبيان قوام الصلاة وكمالها

الصلاة - كسائر عبادات الشريعة - لها جهتان تتعلقان بها:

الأولى : فما لابد منه فيها، وهو أصل لا تتم إلا به.

وهذه فيها أربعة أشياء:

الأول: الشروط.

الثاني: الأركان.

الثالث: الواجبات.

الرابع: المبطلات.

فالشروط سيكون الكلام عنها من جهتين:

الأولى : تعريف للشرط، إذ هو في اصطلاح أهل العلم: ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ، ولا عدم لذاته.

بيانه: هذه الشروط التي ستذكر –هنا- إذا عدمت- أو واحد منها – انعدمت صحة الصلاة، وإذا وجدت – أو واحد منها – لا يلزم منه إيجاد الصلاة.

والمراد بها –هنا- : ما يتوقف عليها صحة الصلاة – إن لم يكن عذر – وليست منها – أي : من الصلاة – وتجب قبلها – وتستمر معها حتى نهاية الصلاة.

فلها أربعة قيود:

1- أنها تتوقف الصلاة عليها.

2- أنها ليست من الصلاة.

3- أنه يؤتي بها قبل الصلاة.

4- أن تستمر حتى نهاية الصلاة.

الثانية: عددها ، فهي تسعة ، وهي:

1- الإسلام ، فلا يصح الإتيان بالصلاة من الكافر ، وإن أتى بها فلا تقبل منه.

2- العقل، فلا تصح من المجنون.

3- التميز، فلا تصح من الصبي الذي لم يميز.

وهذه الشروط الثلاثة يؤتي بها في كل عبادة ، إلا في الحج فلا يشترط التمييز فيصح ممن لم يميز.

4- الطهارة، والطهارة من الحدث، والحدث نوعان:

أ- أصغر، فيجب بالوضوء.

ب- أكبر، ويجب بالغسل.

وعند فقد الماء يؤتي بالتيمم، أو خشية الضرر ، لحديث «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» [رواه مسلم 224].

5- دخول الوقت، وأوقاتها خمسة لا تصح الصلاة إلا فيه، ودليل ذلك قول الله – تعالى - ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾  [النساء: 103] وقد قال عمر – رضي الله عنه -: الصلاة لها وقت شرطه الله –تعالى- لها ، لا تصح إلا به.

وبيان أوقات الصلوات على التالي:

1) الظهر: من زوال الشمس من وسط السماء نحو المغرب إلى أن يصير ظل كل شيء مثله – سوى ظل الزوال – أي الظل الزائد عن ظل الزوال-.

2) العصر:

الأول: وقت الاختيار، من وقت أن يصير ظل كل شيء مثله إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه – سوى وقت الزوال-.

الثاني: وقت الضرورة: من وقت أن يصير ظل كل شيء مثليه إلى غروب الشمس.

3) المغرب: من غروب قرص الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر.

4) العشاء:

الأول: وقت اختيار ، وهو: من غياب الشفق الأحمر إلى ثلث الليل.

الثاني: وقت الضرورة ، وهو: من انتهاء ثلث الليل إلى طلوع الفجر الصادق.

5) الفجر: من طلوع الفجر الصادق إلى شروق الشمس /

6- ستر العورة ، وسترها يصح بقيدين.

الأول : ستر ما يجب ستره من البدن.

الثاني: أن يكون بساتر لا يصف البشرة.

7- اجتناب النجاسة ، وتجتنب في مواضع ثلاثة:

أ- البدن.

ب- الثوب.

ج- البقعة.

وهذا كله على القدرة والاستطاعة.

8- استقبال القبلة.

9- النية، ولها قيدان:

أ- العلم بالمنوي، ويشترط تعيين الصلاة التي يصليها إن كانت الصلاة معينة، إلا النفل المطلق.

ب- أن تكون النية عند أول العبادة – أي : عند تكبيرة الإحرام – أو قبيلها بيسير.

تنبيه:  يشترط تعيين النية في:

أ- الإمامة للإمام.

ب- الائتمام للمأموم.

وأما الأركان ففيها ثلاث مسائل:

الأولي: تعريف الركن ، إذ هو: جانب الشيء الأقوى.

الثانية: عددها وأقسامها.

فأما عددها فهي أربعة عشر ركنا.

وأما أقسامها فهما قسمان:

الأول: أركان قولية، وهي:

(1) تكبيرة الإحرام ، ولها قيود ثلاثة لا تصح إلا بها:

أ- أن تكون بلفظ (الله أكبر).

ب- أن تكون بصوت أقله إسماع نفسه.

ج- أن تقال حال القيام في الفريضة، لقوله – عليه السلام : «إذا قمت فكبر» متفق عليه.

وذلك لما رواه الإمام أحمد (10994) عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- مرفوعاً : «إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وسدوا الفرج، فإذا قال إمامكم: الله أكبر، فقولوا: الله أكبر».

(2) قراءة الفاتحة، لحديث عبادة  –رضي الله عنه-: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» رواه البخاري ومسلم. ويتعين عليه:

أ- قراءتها كاملة.

ب- أن تكون بتلفظ.

ج- أن تكون في محل القراءة.

(3) التشهد الأخير، وهو: اللهم صل على محمد، ويؤتي به بعد المجزئ من التشهد الأول.

وله قيود:

1- أن يؤتي به كاملاً.

2- أن يكون بتلفظ.

3- أن يكون بصوتٍ أقله إسماع النفس.

4- أن يكون في الجلوس للتشهد.

4- التسليمتان ، لحديث : «وتحليلها التسليم»وفيها قيود ثلاثة:

1- أن تكون بلفظ: السلام عليكم ورحمة الله.

2- أن تكون في جلوس.

3-أن تكون بنية الإنصراف من الصلاة.

4- أن تكونا اثنتين.

وأما الثاني: فأركان فعلية، وهي:

(1) القيام مع القدرة في الفرض، منتصبا فإن كان قيامه فيه انحناء أو ميلان – بحيث لا يسمى قائما - لم يصح الإتيان بالركن.

ودليله قول الله –تعالى- ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقول النبي – صلى الله عليه وسلم- لعمران : «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا...» [رواه البخاري 1117].

(2) الركوع، لقول الله –تعالى- : ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ وقوله – عليه الصلاة والسلام- في حديث المسيء صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا»  وللإجماع على ذلك.

وأقله: أن ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه بكفيه.

وأكمله: أن يمد ظهره مستويا، ويجعل رأسه حيال ظهره.

(3) الرفع من الركوع، ويقيد بأن يكون رفعه مقصوداً به القيام من الركوع، فلو رفع فزعا من شيء لم يكف ذلك.

(4) الاعتدال قائماً، لقوله –صلى الله عليه وسلم- : «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً».

ولا بأس بإطالته أشبه بالجلوس بين السجدتين.

(5) السجود، لقوله – عليه الصلاة والسلام - : «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً».

وأكمل السجود: تمكين الأعضاء من محل السجود، والأعضاء سبعة وهي:

الجبهة والأنف.

الكفان.

الركبتان.

أطراف القدمين.

وأقله: وضع جزء من كل عضوٍ.

(6) الرفع من السجود.

(7) الجلوس بين السجدتين.

(8) الطمأنينة، وهي: السكون في كل ركن فعلي، ويجزئ أقل السكون.

ودليله قوله – صلى الله عليه وسلم- : «حتى تطمئن » في حديث المسيء.

(9) الجلوس للتشهد الأول.

(10) الترتيب بين الأركان، فلو قدم ركنا أو أخره بطلت صلاته.

هذه أركان الصلاة أتي بها على وجه إيجاز واختصار .

الثانية: حكم تركها وعدم الإتيان بها، ذلك أن عدم وجود شيء من الأركان في الصلاة يبطلها، سواء أكان ذلك الترك عن عمدٍ أم عن جهل أم عن سهوٍ، فإن الصلاة تبطل ويؤتي بالركن المتروك.

وأما الواجباتُ ففيها مسائل ثلاث:

الأولى: تعريفها، إذ هي: أقوال وأفعال في الصلاة.

الثانية: في تعدادها وأقسامها.

فأما العدد فهي ثمانية واجبات.

وأما الأقسام فعلى قسمين:

الأول: واجبات قولية، وهي:

(1) كل تكبيرة سوى تكبيرة الإحرام، والمقصود: تكبيرات الانتقال، لحديث أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم-  «فإذا كبر الإمام فركع فكبروا واركعوا، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا» [رواه أحمد].

وهذا أمر وهو يقتضي الوجوب.

وينبه هنا إلى أمر وهو : أن محل هذه الواجبات بين ابتداء الانتقال وبين انتهائه، فلو شرع فيه قبل حال الانتقال، أو كمله بعد الانتهاء لم يجزئه([2]).

(2) التسميع، وهو قول : «سمع الله لمن حمده» ، وهي واجبة في حق اثنين:

أ- الإمام.

ب- المنفرد.

3- التحميد، وهو في حق المأموم ، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم- : «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا : ربنا ولك الحمد»([3]).

4) قول: سبحان ربي العظيم في الركوع، والواجب مرة واحدة.

5) قول: سبحان ربي الأعلى في السجود، والواجب مرة.

6) قول: ربي اغفر لي بين السجدتين.

7) التشهد الأول، وهو قول : «التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله».

وإذا كانت الصلاة ثنائية أتى بالتشهد الأخير بعده، والمجزئ منه «اللهم صل على محمد».

فمن ترك حرفا من ذلك عمدا لم تصح صلاته للاتفاق عليه في كل الأحاديث([4]).

وأما الثاني فالواجبات الفعلية، فواجب واحد هو: الجلوس للتشهد.

الثالثة: من ترك واجبا من هذه الواجبات عمداً بطلب صلاته، وسهوا يؤتي بسجود سهوٍ له.

ثم الأمر الرابع المتعلق بقوام الصلاة وأصلها فهو ترك المبطلات، والكلام عنها من جهات.

الأولى: في تعريف المبطلات، إذ هي: نواقض الصلاة، ومفسداتها.

الثانية: عددها: عشر مبطلات، وهي:

1- تعمد إحالة معنى القرءان في القراءة.

2- الحركة الكثيرة المتتابعة في غير مصلحة الصلاة.

3- الدعاء بملاذ الدنيا، في الفريضة.

4- مرور كلب أسود بهيم بين المصلي وسترته.

5- أن ينطق بكاف الخطاب لغير الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .

6- الكلام ولو يسيراً عرفا، لو في النفس، ويعفى عن الخارج سهواً.

7- بطلان صلاة الإمام يبطل صلاة من خلفه.

8- التقدم على الإمام.

9- الأكل والشرب، ويستثنى منه ثلاث حالات.

الأولى: أن يكون في فم الإنسان بقايا طعام بين أسنانه، فلو ازدردها فصلاته صحيحة ما لم يمضغها.

الثانية: أن يكون قد وقع من امرئ جاهلاً.

الثالثة: أن يكون يسيرا عرفاً.

10- السلام قبل الإمام عمداً.

وأما الجهة الثانية المتعلقة بالصلاة: فما هو من قبيل الكمال، وهي شيئان.

الأول: السنن، وهي متوزعة على أركان الصلاة، وهي على قسمين:

الأول: سنن قولية، وهي تسع سنن:

1- دعاء الاستفتاح، وهو بعد تكبيرة الإحرام وقبل الاستعاذة من الركعة الأولى، وبصوت أقله إسماع نفسه.

ولفظه: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» . [رواه أبو داود والترمذي].

2- الاستعاذة، ولفظها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويؤتي بها بعد الاستفتاح وقبل البسملة.

3- البسملة، ولفظها: بسم الله الرحمن الرحيم، ويؤتي بها بعد الاستعاذة قبل الفاتحة.

4- قول (آمين).

5- قراءة سورة بعد الفاتحة، في الركعتين الأوليين دون الأخريين.

6- جهر إمام بالقراءة في الجهرية، وأقله: إسماع من خلفه.

7- قول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، والمقصود الزيادة على الواحدة الواجبة.

8- قول غير مأموم: «ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد».

9- الزيادة على الواحدة الواجبة في تسبيحات الركوع والسجود.

10- قول: « اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال » [أخرجه مسلم].

وقول : «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» [البخاري].

والدعاء بكل ما هو من شأن الآخرة، أو مشتركا بها من الدنيا.

الثاني: سنن فعلية، وهي:

1- رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.

2- إرسال اليدين بعد تكبيرة الإحرام.

3- وضع الكف اليمنى على اليسرى تحت السرة.

4- النظر إلى موضع السجود في جميع الصلاة.

5- التفريق بين القدمين في القيام.

6- قبض الركبتين باليدين – مع تفريج الأصابع – في الركوع.

7- مد الظهر في الركوع، وجعل الرأس حيال الظهر.

8- البدء – في السجود – بالركبتين ثم اليدين ثم الجبهة ثم الأنف.

9- تمكين أعضاء السجود من الأرض.

10- مباشرة الأعضاء لمحل السجود – سوى الركبتين فمكروهة المباشرة -.

11- مجافاة: العضدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين.

12- التفريق بين الركبتين.

13- إقامة القدمين.

14- جعل بطون أصابع القدمين مفرقة.

15- وضع اليدين حذو المنكبين - في السجود - مبسوطتين، مضمومة الأصابع.

16- رفع اليدين أولاً في القيام إلى الركعة التالية.

17- القيام على صدور القدمين.

18- الاعتماد على الركبتين باليدين.

19- الافتراش في: الجلوس بين السجدتين، والتشهد الأول.

والافتراش: افتراش القدم اليسرى ويجلس عليها، ونصب اليمنى.

20- التورك وهو : افتراش القدم اليسرى، ونصب اليمنى، مع إخراجهما عن يمينه، مع جعل الإلية على الأرض.

21- وضع اليدين: على الفخذين، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع بين السجدتين.

22- وضع الكف اليسرى على الفخذ اليسرى مع البسط لها والضم لأصابعها، والكف اليمنى على الفخذ اليمنى مع ثني الخنصر والبنصر إلى راحة الكف، والتحليق بالإبهام مع الوسطى.

23- الإشارة بالسبابة عند ورود لفظ الجلالة (الله).

تنبيه: الإشارة، رفع الإصبع السبابة من تحت إلى فوق مرة واحدة دون تحريك.

24- الالتفاتُ للسلام يميناً وشمالاً، إلا أن الالتفات إلى الشمال أكثر.

لا تبطل الصلاة بترك سنةٍ ولو عمداً، ويباح السجود لسهوه.

فائدة: السنن ليس المراد منها العلم بها فقط، وإنما المراد تحسين الصلاة بها، وفي ذلك يقول الإمام أبو حامد الغزالي - يرحمه الله - (إحياء علوم الدين) (1/164): فلا ينبغي أن يكون حظك من ممارسة الفقه أن يتميز لك السنة من الفرض، فلا يعلق لك من أوصاف السنة إلا أنه يجوز تركها فتتركها، فإن ذلك يضاهي قول الطبيب : إن فقأ العين لا يبطل وجود الإنسان، ولكن يخرجه عن أن يصدق رجاء المتقرب في قبول السلطان إذا أخرجه في مرض الهدية.

فهكذا ينبغي أن تفهم مراتب السنن والهيئات والآداب في الصلاة، فكل صلاة لم يتم الإنسان ركوعها وسجودها، فهي الخصم الأول على صاحبها .أ.هـ.

الثاني: المكروهات ، والكلام فيها من جهات ثلاث:

الأولى: تعريف المكروه، إذ هو: ما يثاب تاركه، ولا يعاب فاعله.

الثانية: في عددها وأقسامها:

فأما العدد فهي سبعة وثلاثون.

وأما أقسامها، فهي على قسمين:

الأول: مكروهات قولية، وهي خمسة:

1- تكرار الفاتحة .

2- الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأوليين.

3- التحميد عند العطاس أو رؤية ما يسر.

4- الاسترجاع – وهو قول :﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾  عند وجود ما يغم.

5- قراءة القرآن في الركوع أو السجود.

الثاني : مكروهات فعلية، وهي تسعة وعشرون:

1- وضع اليدين على الصدر.

2- الالتفات بلا حاجة.

3- رفع البصر إلى السماء في غير حالة تجشؤ، لئلا يؤذي الجماعة.

4- تغميض العينين بلا حاجة.

5- حمل ما يشغل عن الصلاة.

6- افتراش الذراعين في السجود.

7- الإقعاء، وهو: افتراش القدمين والجلوس على العقبين، أو نصب القدمين والجلوس بينهما.

8- العبث بالأنف ونحوه.

9- عقص الشعر، أي: ليه وإدخال أطرافه في أصوله.

10- كف الثوب.

11- جمع الثوب بيده إذا سجد.

12- تشمير الكم.

13- مس الحصى، وتسوية تراب ونفخه.

14- التروح بمروحةٍ.

15- فرقعة الأصابع، وتشبيكها.

16- التخصر.

17- التمطي.

18- إخراج اللسان.

19- فتح الفم، أو وضع شيء فيه.

20- استقبال صورة والسجود عليها.

21- استقبال وجه آدمي، وكافر، ومتحدثٍ، ونائم، ونار، وما يلهي في الصلاة.

22- أن يكون بين يدي المصلي نجاسة.

23- تعليق أو كتابة شيء في القبلة.

24- كتف الأيدي.

25- الاعتماد على اليد في الجلوس.

26- حمل فص خاتم فيه صورة، أو ثوباً فيه صورة.

27- تخصيص الجبهة بشيء يسجد عليه.

28- مسح أثر السجود.

29- الابتداء بما يمنع كمالها كمدافعة الأخبثين ونحو ذلك.

الثالثة: أحكامها: لا يجب سجود السهو على فعل مكروه.

فائدة: من صلى صلاة على وجه مكروه استحب له إعادتها على وجه غير مكروه، بشرط بقاء الوقت، لأن الصلاة على وجه مكروه خلل في كمالها فلذا كانت الإعادة مشروعة.

هذه جملة أحكام تتعلق بالصلاة أصلا وكمالاً، أتينا بها على وجهٍ موجزٍ، وعلى العبد مراعاة ذلك والعناية بصلاته فهي رأس المال، وإذا صلحت فقد أفلح العبد وأنجح، ولا أحق ما يكون محروصاً عليه مثل ما يصل العبد بربه – تعالى-.

فائدة: قال الإمام الغزالي –يرحمه الله – (مكاشفة القلوب) (ص : 328 – 332) وقد قيل: إن في الصلاة اثنتي عشرة ألف خصلة، ثم جمعت هذه الاثنتا عشرة ألفا في اثنتي عشرة خصلة ، فستة قبل الدخول في الصلاة ، وستة فيها:

أولها: العلم، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال : «عمل قليل في علم، خير من عمل كثير في جهل».

والثاني: الوضوء ، لقوله – صلى الله عليه وسلم- «لا صلاة إلا بطهور».

والثالث: اللباس ، لقوله – تعالى - ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ يعني : البسوا ثيابكم لكل صلاةٍ.

والرابع: حفظ الوقت ، لقوله - عز وجل- ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني : فرضا مؤقتا.

والخامس: استقبال القبلة ، لقوله - عز وجل- ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾  يعني:نحوه.

والسادس: النية، لقوله – صلى الله عليه وسلم- : «إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى».

والسابع: التكبير، لقوله – صلى الله عليه وسلم- : «تحريمها التكبير وتحليله التسليم».

والثامن: القيام، لقوله تعالى : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ يعني : صلوا قائمين.

والتاسع: الفاتحة، لقوله – تعالى - ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ .

والعاشر: الركوع، لقوله - عز وجل- ﴿وَارْكَعُوا﴾ .

والحادي عشر: السجود، لقوله - عز وجل- : ﴿وَاسْجُدُوا﴾ .

والثاني عشر: القعود، لقوله – صلى الله عليه وسلم- : «إذا رفع الرجل رأسه من آخر السجدة، وقعد قدر التشهد فقد تمت صلاته».

فإذا وجدت هذه الإثنتا عشرة يحتاج إلى الختم، وهو الإخلاص، لتتم هذه الأشياء، لأن الله – تعالى- يقول: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ .

ثم شرع – يرحمه الله – في بيان بديع لهذه الأشياء الثنتي عشرة على وفق ما هو مقرر في قوام الصلاة وكمالها. فليراجعه المبتغي له.

وبعد ذكر هذه الأحكام الظاهرة المتعلقة بالصلاة، لابد من راعية كبرى وعظمى للأحكام الباطنة المتعلقة بها، فإن اعتبار الأعمال عند الله دائر على الباطن ومدى صحته، وفي ذلك يقول سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: إن الله – تعالى- «لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم »([5]).

وأسف أن يهتم أحدنا بظاهر صلاته ويغفل ما يتعلق بالباطن من العمل فيها، وبيان ذلك كما يلي – حتى يكون الأمر على تمام في إيضاح لأحكام الصلاة باطنا وظاهراً -:

(1) حضور القلب، ذلك أنه لا تظهر فائدة من التلفظ بالأقوال في الصلاة، والأفعال فيها سوى أنها تسقط الواجب، ولكن لا تفيد المرء في امتثال الأمر واجتناب النهي، وهو المعبر عن بخشوع القلب.

يقول الحسن البصري – يرحمه الله - : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.

(2) التفهم لمعنى الكلام والأقوال التي يقولها المصلى .

(3) التعظيم لله، وهذا يتولد في شيئين:

الأول: معرفة جلال الله –تعالى- وعظمته.

الثاني: معرفة حقارة النفس وأنها مستعبدة لله ذليلة له.

ويتولد من هاتين المعرفتين: الاستكانة والخشوع.

(4) الهيبة، وهي: خوف منشؤه التعظيم.

(5) الرجاء، فيكون العبد راجيا ثواب الله –تعالى- في صلاته.

(6) الحياء من الله، إذ هو مستند على استشعار التقصير في العمل.


 الثاني: في ذكر أنواعها

لما كانت الصلاة أنسا لقلوب الصالحين، وربيعاً وروحا لنفوسهم، بل لما كانت خير قربة إلى الله – تعالى - ، وأفضل عمل يتقرب به العب لربه الكبير المتعال، شرع الله – تعالى – لعباده أنواعاً من الصلوات يأتون بها في يومهم أو أسبوعهم أو شهرهم أو عامهم.

والصلاة نوعان:

الأول: فرض واجب، وهذا فيه صلاتان:

الأولي: الصلوات الخمس، وهي: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.

الثانية: صلاة الجمعة، وهي ركعتان، وأحكامها مقررة في محله.

الثاني: نفل وسنة، وهو أقسام عدة:

الأول: ما يفعل في اليوم والليلة، وهي:

أ- الوتر، وفيه ثلاث مسائل:

الأولى: أنه سنة مؤكدة.

الثانية: في عدد الوتر:

1) أقله واحدة، لقوله – صلى الله عليه وسلم- : «الوتر ركعة من آخر الليل» [رواه مسلم 752].

2) وأكثره إحدى عشرة ركعة، قالت عائشة – رضي الله عنها- كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  «يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة»[رواه البخاري 626].

3) وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين.

الثالثة: وقت الوتر بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، والأفضل في آخر الليل لمن وثق من نفسه القيام له.

ب – الرواتب، وفيها مسائل:

الأولى: هي سنة مؤكدة.

الثانية: في عددها، إذ هي عشر ركعات:

(1) ركعتان قبل الظهر.

(2) ركعتان بعد الظهر.

(3) ركعتان بعد المغرب.

(4) ركعتان بعد العشاء.

(5) ركعتان قبل الفجر.

قال ابن عمر –رضي الله عنهما- حفظت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي – صلى الله عليه وسلم- فيها أحد، حدثتني حفصة: أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين . متفق عليه.

الثالثة: أفضل الرواتب:

(1) سنة الفجر.

(2) سنة المغرب.

(3) ثم البقية سواء في الفضل.

الأولى: التارك للوتر والرواتب لا تقبل شهادته إذا كان مداوماً على ذلك، وتسقط عدالته ([6]).

الثانية: أوقات الرواتب القبلية من دخول الوقت إلى فعل الفريضة، والرواتب البعدية من فعل الفريضة إلى آخر الوقت([7]).

الثالثة: الرواتب يخير العبد في السفر بين الفعل والترك، إلا سنة الفجر والوتر فيفعلان.

الرابعة: السنة فعل السنن في البيت.

ج- قيام الليل، وفيه مسائل:

الأولى: وقته:

1- بعد المغرب إلى طلوع الفجر.

2- وأفضله ما كان في الثلث الأخير من الليل.

الثانية: عدده:

1- أقله: ركعتان.

2- لا حد لأكثرِه.

الثالثة: من السنة افتتاح القيام بركعتين خفيفتين.

د- صلاة الضحى، وفيها مسائل أربع:

(1) فعلها غبا – أي : أحياناً – وليس دائما، لحديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- : «كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها»([8]).

2) عددها:

1- أقلها ركعتان.

2- وأكثرها ثمان.

3) وقتها: من خروج وقت النهي إلى قبيل وقت الزوال، وأفضله إذا اشتد الحر.

هـ- ركعتي الوضوء، وفيها حديث عثمان بن عفان – رضي الله عنه- في صفة وضوء النبي  – صلى الله عليه وسلم- وفيه ثم قال : «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» ([9]).

د- أربع ركعات قبل الظهر و أربع بعدها، لحديث أم حبيبة – رضي الله عنها - قالت : قال النبي – صلى الله عليه وسلم - «من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار»([10]).

و – أربع ركعات قبل العصر، فعن ابن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رحم الله امرا صلى قبل العصر أربعاً»([11]).

ز- أربع بعد المغرب، لما رواه الترمذي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-  : «من صلى بعد المغرب ست ركعاتٍ لم يتكلم فيما بينهن بسوءٍ عدلن بعبادة ثنتي عشرة سنة».

وهي: ركعتا الراتبة، وأربع فتصبح ستا.

ح- أربع ركعات بعد العشاء، لأن النبي –صلى الله عليه وسلم-  ما صلى العشاء قط إلا وصلى بعدها أربعاً أو ستا، كما أخبرت بذلك عائشة  –رضي الله عنها- والحديث عند أبي داود.

ط- ركعتان بعد أذان المغرب وقبل الصلاة.

ي- ركعتان بعد الوتر – جالساً-.

الثاني: ما يفعل لأمر عارض، وهي خمس صلوات.

أ- صلاة الكسوف.

ب- صلاة الاستسقاء .

ج- صلاة الخوف.

د- صلاة التوبة، وفيها حديث أبي بكر – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له» ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ الآية ([12]).

هـ - صلاة الحاجة إلى الله – تعالى- أو إلى آدمي، لما رواه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي أوفى – رضي الله عنهما- عن النبي- –صلى الله عليه وسلم-  قال: «من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ، وليصل ركعتين، ثم ليثن على الله، وليصل على النبي – صلى الله عليه وسلم- ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسالك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين».

و- صلاة الاستخارة ، لحديث جابر –رضي الله عنه-قال : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول : «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب : اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجل أمري وآجله – فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في دني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله – فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به »قال : ويسمى حاجته ([13]).

وفيها مسائل مهمة:

الأولى: ألا يكون عازما على أمر حال استخارته، فإن ذلك خيانة في التوكل.

الثانية: أن يسأل ذلك مع العافية، فربما كان أمره وهو على غير عافية.

الثالث:ما يفعل في الأسبوع، وهي ركعات الجمعة قسمان.

الأولى: قبلها، وهي أربع لأنه – صلى الله عليه وسلم- «كان يركع من قبل الجمعة أربع ركعات» ([14]).

الثاني: بعدها، وفيها:

1- أقلها ركعتان، لخبر ابن عمر – رضي الله عنهما-: «وركعتين بعد الجمعة في بيته» متفق عليه.

2- أكثرها ست، لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: «كان النبي – صلى الله عليه وسلم - يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم يتقدم فيصلي أربعا».

أو يصلي أربعاً لحديث أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم-: «من كان مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا»([15]).

3- فعلها في البيت أفضل.

الرابع: ما يفعل في السنة، وهي صلاتان:

1- العيد.

2- صلاة التراويح، وفيها :

أ- عددها: عشرون ركعة، ويوتر بثلاث.

ب- في رمضان.

ج- وقتها بعد العشاء إلى طلوع الفجر.

الخامس: النفل المطلق: كأن يكون له عدد من الركعات يصليها في يومه وليلته، ويقضيها إذا فاتته، فإن ذلك استحبه جماعة من أهل العلم، منهم : الإمام أحمد بن حنبل –رضي الله عنه- ([16]) ، وعلى فعل ذلك جماعة من السلف الصالح.

***


 الثالث: في تأصيل الإكثار منها شرعيًا

عرفنا مقام الصلاة لدى العباد والصالحين، وعلمنا علو مكانها في نفوسهم، حيث كانت لديهم بمحل يأنسون به، ويفزعون إليه.

لذلك جاءت الأخبار عنهم كثارا كباراً، متنوعة مختلفة، فهي ما بين إطالة لقراءة، أو ركوع أو سجود، وما بين إكثار من الركعات ونحو ذلك.

واستعرض خبرهم في شأن الإكثار من الركعات مهم لتحفيز الهمم نحو السباق إلى الله –تعالى-.

والأصل في ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم- : «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» ([17]).

وعموم قوله – صلى الله عليه وسلم-  : «صلاة الليل مثنى مثنى» يفيد هذا ، إذا هو تعميم، وبه أخذ الفقهاء والعباد في تقرير ذلك.

ولذا استحب الإمام أحمد أن يكون للعبد ركعات معلومة من الليل والنهار، فإذا نشط طولها وإذا لم ينشط خففها.([18]).

-تعالى- وهم من أحرص ما يكون اتباعاً للسنة، وسلوكا للحجة، بل أخذ بهذا جمع من الصحابة رضوان الله – تعالى – عليهم فلا يجوز للمرء إطلاق التخطئة على أحد منهم ولا المخالفة للسنة أو سلوك طريقة البدعة لأمر رجح عنده لم يوافقه عليه فقيه من فقهاء الملة، ولا عالم يعتبر قوله، إذا فالأمر ليس بدعة كما يظن البعض من القوم.

ولا فرق بين أن يكون ذا محصوراً بعدد معين أو لا يكون محصوراً بعدد، فإن التزام المرء بعدد من الركعات في اليوم والليلة لها حالتان:

الأولي: أن يكون معتقدا أفضيلة لذلك العدد، وأن لزومه فيه أجر معلوم، فإن هذا مما لا يوافق عليه المرء إن أتى به، وهو من قبيل المخالفات للسنة.

السنة: أن يكون من باب إلزام النفس وأخذها بالمواظبة على العبادات فهذا هو مقصود السلف من التزام العدد المعين في الركعات، وليس مقصودهم الأول فليعلم.

ولقد ذكر العلامة عبد الحي اللكنوي – رحمه الله- في كتابه (إقامة الحجة) (ص:147) شروطاً للإكثار من الركعات ونحوها من العبادات، وهي:

(1) أن لا يحصل من ذلك ملال الخاطر يفوت به التذاذ العبادة، وحضور القلب، يؤخذ ذلك من حديث : «ليصل أحدكم نشاطه» رواه مسلم.

(2) أن لا يتحمل بذلك على نفسه مشقة لا يمكن تحملها، بل يكون ذلك مطاقا له، يؤخذ من حديث : «عليكم من الأعمال ما تطيقون» رواه البخاري.

(3) أن لا يفوت بذلك ما هو أهم من ذلك.

(4) أن لا يفوت بذلك حق من الحقوق الشرعية، كحق الأهل وغيرهم.

(5) أن لا يكون فيه إبطال للرخص الشرعية، بحيث يعد الترخيص الشرعي باطلا والعامل به عاطلاً.

(6) أن لا يكون فيه إيجاب ما ليس بواجب شرعاً، و تحريم ما ليس محرماً شرعاً.

(7) أن يوفي أركان العبادة حظها، فلا يجوز أن يكثر من ركعات الصلاة ويؤديها كنقر الديك.

(8) أن يدوم على ما يختار من العبادة لا يتركه إلا لعذر لقوله - صلى الله عليه وسلم - وآله : «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»أخرجه مسلم.

(9) أن لا يكون اجتهاده مورثا للملال لأحدٍ من المسلمين.

(10) أن لا يكون اجتهاده مورثا إلى اعتقاد أنه أفضل عملا مما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فإن قيل: إن المنقول عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه ما كان يزيد عن إحدى عشرة ركعة في وتره.

فقال: هناك فرق بين شيئين:

أما الأول: فالوتر، فأكثره إحدى عشرة ركعة، وهو الذي ما كان يزيد عليه –عليه السلام-.

وأما الثاني: فقيام الليل، وهذا لا حد لأكثره، وأقله ركعتان فللعابد أن يأتي منه ما يستطيع من الركعات ، لعموم قوله  –صلى الله عليه وسلم- : «صلاة الليل مثنى مثنى».

وهذا التفريق مذكور في محله من كتب الفقه والأحكام، فإنهم عقدوا للوتر بابا وذكروا له أحكاماً، وذكروا القيام مفردا عنه فلم يكونا شيئاً واحدا فليتنبه.

وعليه: فلا احتجاج بالمنقول عن النبي – صلى الله عليه وسلم- في كونه لم يزد على إحدى عشرة ركعة في إبطال هذا المسلك العبادي الشريف.

إذا علم هذا فإن حقيقة الحال أنهم في شوق كبير لمناجاة الله –تعالى- ولأجل هذا اختلفت طرائقهم، فمنهم من يطيل الركوع، ومنهم من يأخذ نفسه بالسجود الدائم، ومنهم من يقضي زمانه بالقيام والإكثار من الركعات والسجدات، وهذا كله للذة تجدها نفوسهم في حال الصلاة.

والمنقولة أخبارهم في الصلاة والإكثار منها، عامتهم من أهل العلم والفقه والحديث، وليسوا من عوام المسلمين الذين لم يعرفوا بعلم وفقه، ومن هذا نعرف أن سلوك الإكثار من التعبد جادة مطروقة عند السابقين من سلف هذه الأمة وليس أمرا محدثاً يلصق بطائفة مرادة.

اسأل الله – تعالى – أن يؤتي نفوسنا تقواها، وأن يزكيها إنه خير من زكاها، إنه وليها ومولاها، اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها.

اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

عبد الله بن سليمان العتيق

شوال 1424هـ

الرياض: 11527 ص.ب- 68298



([1]) مكاشفة القلوب 328.

([2]) انظر : شرح منتهى الإرادات للبهوتي 1/447.

([3]) رواه الترمذي (267) عن أبي هريرة.

([4]) السابق 1/448.

([5]) رواه مسلم.

([6])انظر (الاقناع) للحجاوي (1/223).

([7])انظر : (المغني) (2/544).

([8])رواه أحمد، والترمذي وقال: حسن غريب.

([9]) رواه البخاري ومسلم.

([10]) رواه الترمذي.

([11]) رواه الترمذي ، وقال: حسن غريب.

([12]) رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حسن غريب.

([13]) رواه البخاري ، والترمذي.

([14]) رواه ابن ماجة.

([15]) رواه مسلم.

([16]) انظر : (الإقناع) (1/233).

([17]) رواه الإمام احمد .

([18]) انظر : (كشاف القناع) (1/414).