فتياتنا والإعجاب ()

 

|

 فتياتنا والإعجاب

نوال بنت عبد الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد ...

فقد لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار ظاهرة عجيبة غريبة بين الفتيات وعلى جميع المراحل سواء في المدارس أو المعاهد أو الكليات.. ألا وهي ظاهرة الإعجاب بين الفتيات، وذلك بأن تعجب فتاة بفتاة مثلها وتفرط في محبتها، حتى إن بعض هذا الإعجاب قد يتجاوز الحد المشروع بأن تصبح محبتها لها محبة شركية، بمعنى محبة مع الله، فلا تسلو إلا وتذكر اسمها، ولا تغيب محبوبتها عن ذهنها، ويخفق قلبها لرؤيتها، هذا بالإضافة إلى تبادل الرسائل الغرامية وعبارات العشق وفعل الحركات التي لا تليق بها كطالبة أتت لطلب العلم، وإذا فارقتها فالقلب يحزن والعين تدمع، بل وقد تصاب الفتاة المعجبة بالمرض والوهن لذلك.

لهذا فهذه الرسالة الصغيرة ما هي إلا توضيح مختصر لحقيقة الإعجاب أو العشق، والفرق بينه وبين المحبة في الله، وخطره ونتائجه الوخيمة، وكيفية البعد عنه والعلاج منه، ويتخللها توجيهات وتنبيهات وتحذيرات لمن وقعن في مثل هذا الكمين الذي أعده ونصبه الشيطان تحت ستار المحبة في الله، ليصد فتياتنا عن ذكر الله وعن طاعته ومحبته، ويشغلهن بالتوافه من الأمور، بل وقد يؤثر على عقيدتهن وسلوكهن وأخلاقهن كما سنرى من خلال القصص الواقعية المطروحة في هذه الرسالة، ولا أدعي الكمال أو الإِلمام بهذا الموضوع؛ فما هذه الوريقات إلا لفت نظر وتنبيه لخطر هذا الأمر الذي وقعت فيه بناتنا، أمهات المستقبل ومربيات الأجيال.

وأستميح الأخوات القارئات العذر إذا ما وقع مني قصور أو خطأ أو انتقاد، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان؛ وأستغفر الله على ذلك، ولا أنسى أن أشكر كل من أسهم معي في جمع مادة هذا الموضوع أو أسدى إليَّ فيه معروفًا أو نصيحة أو مشورة. فجزاهم الله خيرًا، وجعل هذه الأعمال في موازين أعمالنا يوم نلقاه، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

نوال بنت عبد الله

الرياض


 مأساة فتاة مع الإعجاب

جاءتني مكالمة هاتفية من طالبة (....) تشكو مشكلتها التي تريد لها حلاً فتقول: مشكلتي تكمن في أني شديدة الإعجاب بمعلمتي (...) لقد ابتدأ إعجابي بها عندما كنت أسمع نصحها وتوجيهها للطالبات في وجوب التمسك بالدين والالتزام بشرع الله ونحو ذلك، فأول ما أحببتها كانت محبتي لها في الله، لكن هذه المحبة أخذت تزداد يومًا بعد يوم وتأخذ مسارًا غير طبيعي حتى أنني أصبحت لا أستطيع فراقها ولا لحظة.. ويعلم الله أنني آخذ في التقلب في جمرة شوقي لها طيلة غيابي عنها وإلى أن ألقاها في اليوم الآخر، بل إنني حتى لا أستطيع نسيانها؛ أصبحت أتخيلها في كل شيء وفي كل مكان! أصبح اسمها لا يفارق لساني! وأصبحت صورتها أمامي! أعلم أنني تجاوزت الحد وأفرطت في محبتها. ولقد نصحتني الكثيرات من صديقاتي، بل ومعلماتي، بل هي نفسها نصحتني وبينت خطئي لكن دون فائدة.

وعندما شعرت معلمتي بزيادة تعلقي بها حتى إنني كنت لا أذهب إلى المدرسة إلا لأجلها ولأجل أن أراها فقط، اتخذت حِيالي أسلوبًا آخر بعد أن حاولت نصحي وتوجيهي بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة؛ فأصبحت تتجنبني بقدر المستطاع، حتى إنها لم تعد تنظر إلي، ولا تحدثني أبدًا، علمت أنها تريدني أن أكرهها، لكن تصرفها هذا زاد من تعلقها في قلبي دون أن تشعر.

وتقول: لقد حاولت إصلاح نفسي بقدر المستطاع؛ لجأت إلى الله بالدعاء والابتهال، كنت أبكي أحيانًا بحرقة أدعو الله أن ينسيني إياها لشدة ما أجد من المعاناة والألم لكن دون جدوى. تغيبت عن المدرسة مدة من الزمن لعل وعسى أن أنساها أو أن يقل تعلقي بها لكن دون أن ينفع هذا الفعل، أصبحت مهملة جدًا في دراستي؛ رسوبي مضمون. لكن ما الوسيلة ما الحل؟!

أخيرًا.. جاءني خبر أنها ستنتقل من المدرسة لسبب ما، كدت أجن بل أموت كمدًا عندما سمعت هذا الخبر، رأيت أن الدنيا ضاقت علي بما رحبت، وجدت أنني سأفقد روحي إذا ذهبت، بكيت كثيرًا. ووالله إنه لو قيل لي جودي بنفسك لأجلها، لقلت: حبًا وكرامة ووالله لأفعلنَّ، فأنت لا تتصورين شدة حبي لها حتى إنني أصبحت أذكر اسمها في كل شيء. ومما أحزنني وأشعرني أنني أذنبت كثيرًا أنني لفرط محبتي لهذه المعلمة وعدم غيابها عن ذهني أصبحت أذكر اسمها في أشرف الأماكن والأوقات والأحوال، بل وأشرف العبادات في الصلاة، لقد أخذت ألوم نفسي وأتوب إلى الله مما جنيت ومما فعلت، لكن الحب الأعمى جعلني أعيش حيرة عظيمة أحاول أن أشتغل عنها وعن التفكير بها بقراءة القرآن وسماع المواعظ والخطب، ولكني لم أستطع الانشغال عنها.

إنني أقرُّ وأعترف بأنني مذنبة وأنني مخطئة، لكن قلبي لم يصبح ملكًا لي. ماذا أفعل وصورتها تلاحقني في كل مكان؟!! لقد وصل بي الحد أنني فكرت في شيء عظيم أرتكبه في حق نفسي وديني؛ لقد فكرت في الانتحار حتى أرتاح من آلامي وهمومي ومن عذابي. وفعلاً حاولت الانتحار لكن الله نجاني من هذه الجريمة الشنيعة الفظيعة.

فقلت لها: حسنًا، ما الفائدة من زعمك أنك ترتاحين من عذاب بإمكانك مع الاستعانة بالله واللجوء إليه والعزم الأكيد منك - أن تتخلصي منه إلى عذاب مقيم شديد في الآخرة.

قالت: فما الحل؟!! ماذا أفعل أرشديني؟!!

فأرشدتها إلى أن تلتجئ إلى خالقها وتلهج بالدعاء والتضرع إليه بإخلاص وصدق، وتقف على عتبة بابه منكسرة ذليلة، داعية أن ينجيها من هذا البلاء الذي وقعت فيه، وترجوه أن يزيل عشق هذه المعلمة من قلبها ويجعل حب الله ورسوله بدلاً عنه، وبينت لها أن هذه المعلمة ما هي إلا بشر مثلنا لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، وذكرتها بالموت وباليوم الآخر.

وفي الأخير ختمت مكالمتي لها بأن تتفكر في هذه المخلوقة، وأن بها من العيوب والنقائص الكثير، وأن الكمال لله وحده فهو الأحق بأن تصرف له هذه المحبة كلها، وأن هذه المحبة ما هي إلا محبة شركية؛ لأنها محبة غير الله أو مع الله، وإن لم تتب إلى الله وتقلع عن هذا الفعل فإنها – والعياذ بالله – تموت على الشرك.

فوعدتني خيرًا، وتركتها مدة من الزمن وإذا بها تكلمني وتقول: لقد بدأت محبتي لمعلمتي تأخذ مسارها الطبيعي، فقلت لها: وبالاستعانة بالله بإمكانك أن تجعلي هذه المحبة تكون في الله، والمرء مع من أحب يوم القيامة.

أخيرًا... أحمد الله الذي أنجى هذه الفتاة من شرك محقق؛ فقد تركت التعلق بمعلمتها خاصة بعد أن انتقلت هذه المعلمة من المدرسة التي كانت بها الفتاة. فالحمد لله حمدًا كثيرًا، والفضل لله أولاً وآخرًا.

أخيتي في الله:

نجد أن هذه الأخت ومثلها كثيرات بسبب إفراطها الشديد في محبتها لمعلمتها ولشدة تعلقها بها – وقعت في أمور عظيمة أشدها الشرك بالله، فعلى الرغم من أن هذه الفتاة تصلي وتصوم وتذكر الله إلا أن محبة هذه المعلمة طغت على محبة الله، وذكر هذه المعلمة زاد على ذكر الله، وتفكيرها انشغل بمعلمتها عن غيرها، وهذا هو الشرك.

والشيء الآخر الذي كادت أن تقع فيه لولا أن تداركتها عناية الله سبحانه وتعالى – هو همها بقتل نفسها (الانتحار)، وهذا يعتبر من الذنوب العظيمة، هذا بالإضافة إلى الآلام والأحزان والهموم التي أصابتها؛ فأشغلتها عن أمور تنفعها في دينها ودنياها وآخرتها.

وكان ذلك من وسوسة الشيطان الرجيم الذي جعل هذه الفتاة تحب معلمتها محبة تملك عليها كيانها وتفكيرها، ومعلوم أن الشيطان يستغل الفرص التي يوقع فيها المسلم في الأمور التي حذرنا الله منها، وينفذ من أي باب أو وسيلة ليحقق غايته ومراده، فلزم أن نحذره.

فما الإعجاب؟!! وما أسبابه؟!! وما طرقه؟ وما الأساليب التي تتخذها المعجبة تجاه المعجب بها؟!! وما آثاره وأخطاره المترتبة عليه؟! وما كيفية علاجه؟!!

 ما الإعجاب؟

وضح ابن القيم – رحمه الله – حقيقة الإعجاب أو العشق فقال([1]):

«إن العشق هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي على القلب من العاشق حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكير فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعسر دواؤه، فيعجز البشر عن إصلاحه».

 أسباب الإعجاب:

 أولاً: الفراغ الروحي وخلو النفس من ذكر الله ومحبته:

وإلا فمن ملأ قلبه بالله وتقواه وذكره، ما وجد في قلبه مكانًا لمحبة غيره، بل قلبه وكيانه كله لله، ولسانه لا يذكر إلا مولاه، وتفكيره مشغول بالتأمل في عظيم صنع الله.

وكما قال ابن القيم - رحمه الله -: «القلب إذا أخلص عمله لله لم يتمكن منه العشق، فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ».

وكما قال الشاعر:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلبًا خاليًا فتمكَّنا

فلابد من شغل هذا الفراغ فيما يعود على الإنسان بالخير والمنفعة في الدنيا والآخرة.

 ثانيًا: انتشار الدعاة إلى الحب والحرية:

هذا السبب أدى إلى حصول تحطم نفسي لدى الفتاة السعودية بخاصة، فهي تعيش في مجتمع مسلم محافظ تتأثر به، وتراه يأمرها بالتحشم والبعد عن الرجال، وفي نفس الوقت تجد أمامها من يدعوها للحب والتفتح على الدنيا – على حد زعمهم – فأصبحت الفتاة المسلمة مشتتة بين مجتمع تحترم أوامره، وبين دعاة يزيفون لها الحب في قوالب من فضة؛ وبالتالي نتيجة لهذا التنازع النفسي والفكري لجأت الفتاة إلى حل عادل – في نظرها – وهو الإعجاب.


 ثالثًا: أثر الإعلام في سلوك الفتاة المنحرفة:

نجد أن بعض الوسائل الإعلامية لا تكلُّ ولا تمل في محاربة الفضيلة ونشر الرذيلة؛ بالتلميح مرة، وبالتصريح أخرى، ليلاً ونهارًا، ومن ذلك الوسائل المرئية والمجلات والقصص والروايات الماجنة.

* فالفيديو، وما ظهر الآن مما يسمى (الدش) يبث سمومه من خلال الشاشة الصغيرة، وهذه الأجهزة لا يكاد بيت يخلو منها، فتشد انتباه المشاهدين بمختلف وسائل الإغراء والجذب.

تعرض هذه الأجهزة أفلامًا خبيثة خليعة ماجنة وقصصًا غرامية مثيرة ذات أثر مفسد تؤدي إلى الانحراف والانحلال وهدم الفضيلة وشيوع الرذيلة!!([2]).

فالفتاة تحاكي ما تراه في الفيلم مع فتاة مثلها فتقوم بمراسلتها، ومكالمتها، واتخاذ أسلوب الحب والغرام معها، وهذا هو الإعجاب.

* ومن ذلك المجلة العارية التي تعرض الأجسام عارية فتلتهمها الفتاة صفحة صفحة وكلمة كلمة وصورة صورة، وإنما تلتهم حرقة قلب وإثارة حب.

* والقصة تستهلك وقت وفكر الفتاة، وهي منتشرة جدًا بين الفتيات المراهقات، ولا يخفى أثرها البليغ على شعور بنت غضة.

وكما قال منير الغضيان في كتاب (أيتها الفتاة المسلمة/ 127): «إن الفتاة الهائمة بين المجلة المبتذلة والقصة المثيرة والفيلم التافه يؤدي بها إلى ممارسة الشذوذ». اهـ.

 رابعًا: ضعف القدوة:

فالفتاة اليوم تعيش مرحلة عصيبة جدًا – والله المستعان – فهي كطفلة أو مراهقة تعيش في مجتمع نساء همه تتبع الموضة وملاحقة آخر الصيحات الغربية، فترى أن أفضل قدوة لديها هي الفتاة التي تملك كل مقومات الأناقة في آخر صيحاتها، فإن تلك التي تملك الأناقة والموضة هي محط الأنظار وموضع الاحترام – في فكرهم – والكل يسعى إلى تقليدها للوصول إلى مكانتها، فترى المراهقة ذلك فتستحسنه منها، وتعجب برشاقتها وأناقتها وجمالها، وتسعى جاهدة إلى تقليدها – ولا بد من القرب منها – فتجعل إعجابها بها ستارًا يوصلها إليها، ومن هنا نرى أن القدوة الحسنة قد اضمحلت ولم يعد الحبُّ في الله هو نبراس كل علاقة بين اثنتين إلا من رحم الله فتلك لا تتقرب إلى الأخرى لوجه الله، بل لأجل جمالها ورشاقتها وغير ذلك، كما أننا اليوم نرى ندرة المرأة الداعية القدوة التي تملك شخصية فذة، وإن حصل ورأينا قدوة لم نقتد بها في دينها وأخلاقها وترفعها عن السفاسف والأراذل.

 خامسًا: الخلط بين المحبة في الله والإعجاب:

تلتبس على الأخت في الله حقيقة المحبة في الله، فتحب أخرى؛ إما لجمالها، أو رشاقتها، أو حسبها، أو نسبها، وثرائها، وتقول عندما تُواجه بذلك إنني أحبها في الله! وهي في الحقيقة لا تعرف ماهية المحبة في الله، ودليل ذلك أنها قد تعجب بفتاة مقصرة في حقوق الله أو سيئة الأخلاق، وهذا لا يعد محبة في الله كما سنرى في حقيقة المحبة في الله والفرق بينها وبين الإعجاب في البحث إن شاء الله ([3]).

سادسًا:

تجمل بعض الطالبات أو المعلمات التجمل الزائد عن الحد المعقول (بلبس الضيق أو المفتوح أو القصة الغربية ونحو ذلك) يؤدي إلى الافتتان بهن، أو إلانة الكلام والخضوع به، والتلفظ ببعض العبارات التي فيها تكسر وتغنج وميوعة، وكذلك النطرات المائعة التي تنبئ عن إعجاب تلك بالآخرى، وحتى إن كانت هذه الأمور تقع من فتاة لمثلها، فإنه قد يؤثر على قلب تلك فتميل إليها ويقع الإعجاب.

وبعض الفتيات بسبب حركات الترجل من بعض الفتيات الأخريات، إما لخشونة صوتها أو تعمد تخشينه، أو لنظراتها الصبيانية، وكذلك المشي والحركة الني فيها تقليد للرجال، فتتصورها الأخرى بأنها رجل أمامها، فيميل قلبها لها، وهذا ينبئ عن حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما نهى عن تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء، ولعن من يفعل ذلك ففي الحديث: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»([4]).

 أساليب الإعجاب:

تقول إحدى الأخوات ذاكرة بعض تصرفات المعجبة تجاه المعجب بها: مضمون الإعجاب أن تميل فتاة إلى أخرى؛ إما لأجل شكلها، أو شخصيتها، أو طريقة كلامها، أو جمال هندامها، أو لأناقتها، أو لأنها غنية ونحو ذلك.

فتبدأ الأخية (المعجبة) بملاحقة زميلتها في كل مكان، وتبادلها نطرات غريبة كلها حب وحياء، ويتم التعارف، وتنعقد اللقاءات السرية في أماكن منعزلة، ويكون الصمت مطبقًُا عند اللقاء عدا بعض الكلمات الخافتة على استحياء، وبعضهن تلجأ إلى المخاطبة عن طريق الرسائل والخطابات الرقيقة المملوءة بعبارات العشق والحب والغرام والمزينة بباقة من أبيات شعر غزلية في محبوبتها، وهذا مشاهد حقيقة، والله على ما نقول شهيد.

ويتبع ما قلنا سابقًا أن الفتاة المعجب، بها وكذا الأخرى يبدآن بالتجمل كل صباح؛ فتلبس الفتاة أجمل مصوغها، وتجمِّل وجهها وهندامها لعلها تحظى بإعجاب رفيقتها، ولا ينسيان تبادل الورد كل صباح مما يضفي على الأمر جوًا رومانسيًا، لذلك نسأل الله العافية والسلامة ([5]).

قلت: هذا بالإضافة إلى الساعات الطوال التي تمكثها مع محبوبتها على الهاتف، وكل حديثهما غرام في غرام، وقد يحصل بينهما تبادل للصور للذكرى والأشرطة الممنوعة والهدايا الثمينة الغالية ونحو ذلك.

وفعلاً والله هذا يحصل بين المعجبات، وسنقف قليلاً عند بعض هذه الأساليب مُعزِّزينها ببعض النماذج والقصص التي حصلت لبعض الفتيات بهذا الصدد.

فمن هذه الأساليب:

 * الرسائل الغرامية:

فترسل الفتاة المعجبة رسالة لمن تعجب بها، وتخبرها في الرسالة عن غرامها بل وحبها الشديد لها وتمني محادثتها، وتأخذ في سرد عبارات الإعجاب، بل وتكتب الأشعار والقصائد الغزلية المخزية وكأن الذي يكتب الرسالة صبي مغرم وليست فتاة!!.

ولقد قرأت رسالة فتاة معجبة، ووالله إنني لم أصدق أن فتاة كتبتها؛ فتتحدث فيها عن عشقها لفتاة أخرى، وتصف في الرسالة إعجابها بها وبأهدابها ورموشها وابتسامتها ونظراتها الساحرة الباهرة ونحو ذلك.

وهذه بعض النماذج لرسائل ذكرناها هنا ليس تشهيرًا بل حتى نرى ما فعله الإعجاب بفتياتنا:

فتقول إحداهن لأخرى معجبة بها ([6]):

لو أضفت إلى حروف الهجاء حروفًا أخرى، وكتبت بماء البحر فلن أعبر عما أريد.

غاليتي.. دائمًا تثيرين لديَّ التفكير والهواجيس فيك، وبالتالي يضيع وقتي وأنا أرحل إلى عالم ثانٍ. وتضيع الساعات الطوال وأنا أضع أمامي الكثير من الحلول، فيمتلئ بالي بالاستفهامات ولا أجد حلاً لذلك وكل ذلك لأجلك.. اهـ.

وتقول أخرى: إلى معلمتي الغالية التي ملكت الروح والفؤاد، كنت كلما أراك يعود إلى النشاط وأزداد حماسًا للدراسة، ولا أظن أن للدراسة أهمية إذا لم توجد معلمتي.

وتقول أخرى لمعلمتها: إن حبك لا يوصف باللسان، ولا يخطر على بال إنسان... الخ.

فيا ويح قلبي، ويا أسفاه على ما فعله هذا الإعجاب بفتياتنا المسلمات من البعد عن الله بل والإشراك به في المحبة والذكر والطاعة.

فأواه من هذه العبارات الفظيعة التي يتقطع القلب ألمًا وحسرة على كاتبتها – ووالله من يقرؤها لأول وهلة يظن أن كاتبها فتى عاشق وليست فتاة.

ومعلوم أن الكثير من المعجبات إذا ما نصحتها أو نهيتها عن فعلها هذا سترت فعلها بستار المحبة في الله، فتقول إن محبتي لها ما هي إلا في الله! والمحبة في الله ليست هكذا، بل شتان بين المحبة في الله والإعجاب كما سنرى إن شاء الله.

 * أسلوب الوسطاء والملاحقة:

وقد تكون بعض المعجبات لا تجرؤ على محادثة من تحب ولا حتى النظر إليها فتكاد تموت خجلاً وحياء من المعجبة إذا رأتها أمامها؛ فتتخذ أسلوب الوسائط بأن ترسل زميلاتها والمقربات إليها إلى تلك المعجبة بها ليخبرنها عن مشاعر تلك تجاهها، وكلما أرادت أن تخبرها بشيء أرسلت من زميلاتها من تخبرها بذلك؛ ولا أدري ما الفائدة من هذه الحركات التي لا نفع منها؟!

ولقد كانت إحدى المعجبات تبكي بشدة وبحرقة إذا تغيبت محبوبتها عن المدرسة، وتبقى طيلة ذلك اليوم حزينة مهمومة مشغولة البال والخاطر، وكل تفكيرها وكيانها عند من أحبتها، فتتساءل عن سبب غيابها وما الذي جرى لها، وهلَّم جرا من الأفكار والوساوس، فتصبح في دوامة من التفكير مما يجعلها لا تشعر بمن حولها، ويذهب يومها ذلك بدون فائدة أو نفع، وإذا حضرت تلك المعجبة بها لم تستطع محادثتها ولا حتى النظر إليها حياء منها، أما الأخرى فلا تعلم بمشاعر تلك، وربما تعلم لكنها تتجاهلها.

إن هذه الأفاعيل يندى لها الجبين، ويتصدع لها القلب حزنًا، ونحن نرى بناتنا وأمهات المستقبل كل همهن أمور تافهة لا خير من ورائها!.

وقد نجد كثيرًا من المعجبات يتبعن أسلوب الملاحقة لمن يعجبن بها؛ فلا تجدها إلا خلف تلك التي تعجب بها أو بجوارها أو تجلس بجانبها، المهم أنها تكون حولها لا تغيب عن ناظريها. وأسلوب الملاحقة أسلوب واضح فاضح في الإعجاب، وأيضًا طريقة مزرية محقِّرة للفتاة المسلمة التي تفعل ذلك، ففيه إهانة لها وذلة وصغار، والمسلمة تترفع عن هذه الأمور وتنظر إلى أمد بعيد إلى ما ينفعها وينفع أمتها المسلمة.

 * المكالمات الهاتفية:

وقد يُتخذ أسلوب المكالمات الهاتفية بين المعجبات، فتمكث مع تلك التي تحبها الساعات الطوال، بل بعض المعجبات تكرر المكالمة مع من تعجب بها عدة مرات في اليوم، فلا تجد تلك إلا وسماعة الهاتف في يدها طول نهارها، بل وصل الحد بمعجبة أن تتصل على من تعجب بها في ساعات متأخرة من الليل فتسبب الإزعاج والقلق للمعجبة بها ولأهلها.

وتكون أغلب المكالمات تتعلق بمن تعجب بها سواء كانت تكلمها أو تتكلم عنها، فتجد الثناء والمدح والإعجاب بها وبشخصيتها وبلباسها ونحو ذلك.

وهذه قصة لفتاة؛ أعجبت بها طالبة مثلها، ولشدة إعجابها بها أخذت رقم هاتفها بطريقة ما، وأخذت في الاتصال المستمر عليها في كل الأوقات تقريبًا، فتطلبها لمكالمتها، وتلك الفتاة المعجب بها لا تعرف محدثتها؛ فحاولت أن نتعرف عليها لكن المعجبة قالت: يكفيني أن أتحدث معك وأسمع صوتك. وتسرد لها من عبارات العشق والحب والغرام الكثير، وتقابلها تلك الأخرى بأن تغلق سماعة الهاتف في وجهها، لكن المعجبة تعاود الاتصال دون حياء أو خجل. فلما تكررت الاتصالات وكثرت وشعر أهل البيت بها، ثارت ثورة الأب وأخذ يهدد ابنته بأنها إذا لم تكفَّ زميلاتها عن هذه الاتصالات المزعجة ليحرمنها من أن تمسك الهاتف وليكون له معها شأن آخر، فأصبحت هذه الأخت في حيرة عظيمة وحرج شديد، فماذا تقول لأهلها وهي نفسها لا تعلم محدثتها؟ وأخيرًا قررت أن تخبر والدتها بالموضوع، وعندما علمت الأم بذلك اتخذت اللازم حيال هذه المعاكسة المشاكسة وقامت بشتمها وتهديدها، بأنها ستضع رقابة على الهاتف إن لم تكف عن إيذاء ابنتها، فتوقفت تلك المعجبة عن الاتصال بها.

وهذا الفعل لا يليق بمسلمة أن تفعله، أن تؤذي أخواتها المسلمات من باب أنها معجبة بها وقد سببت لها الكثير من المشاكل والإحراج.

فيا أيتها الأخت المعجحبة رويدك رويدك، احذري من هذا الحب الأعمي (الإعجاب) الذي قد يسبب لك ولغيرك كثيرًا من الأضرار، فاتقي الله، واجعليه أمامك في كل تصرف تقومين به، ودعي عنك هذا الإعجاب الذي لا تجنين من ورائه نفعًا أو فائدة.

 * الصور التذكارية وكتابه اسم المعجب بها على الجدران ونحوها:

قد يحصل أن يكون بين المعجبتين تبادل للصور بحجة أن تكون للذكرى فيما بينهما، ومعلوم أن هذا الأمر له من الأخطار العظيمة ما لا يحمد عقباه، هذا غير أن الصورة محرمة شرعًا.

 * فتاة وقعت في شباك ذئب من البشر بسبب من أعجبت بها:

تروي فتاة حادثة حصلت لزميلة لها مع الإعجاب فتقول:

«كنت أنا وصديقتي في مدرسة واحدة وصف واحد، وكانت كلمة الإعجاب لا تخطر على بالنا أبدًا، وبعد مرور الأيام لاحظت تصرفات غريبة من صديقتي، فأصبحت تجلب معها الهدايا والرسائل والصور التي تخصها، وأنا لا أعلم ما وراء هذه التصرفات الغريبة، وسألتها ذات يوم عن سبب إحضارها لمثل هذه الرسائل والصور ولمن تعطيها.

فقالت: أصارحك بأنني معجبة أشد الإعجاب بفتاة في المدرسة، وهذه الرسائل والهدايا لها؛ لأنها هي أيضًا بادلتني الشعور نفسه!!

فسألت صديقتي: هل تعلمين عن أخلاقها وأدبها ودينها شيئًا؟!

فقالت: كل ذلك غير مهم عندي، أهم شيء أننا متفاهمتان ومتحابتان.

وبعد مرور الأيام فوجئت صديقتي بأن تلك الفتاة التي أعجبت بها كانت قرينة سوء سيئة الأخلاق، وأن تلك الرسائل والصور كلها أصبحت بين متناول يدي أخيها، فأخذ أخو الفتاة المعجب بها يراسل تلك عن طريق أخته، وكانت المعجب بها تعاهد تلك بأنها أخاها صادق المشاعر وأنه سوف يتزوجها وتكون بعد ذلك قريبة منها أكثر، وطلبت منها أن تبادل أخاها نفس مشاعرها وأن تكلمه هاتفيًا وتراسله... الخ. وفعلت إرضاءً لمن أعجبت بها! وفي آخر الأمر أفاقت صديقتي من غفلتها ولكن بعد ماذا؟!!

أخذت تلوم نفسها؛ تصرخ بحرقة وندم، لقد لطخت سمعتي، لقد أهلكتُ نفسي. ولكن لا ينفع الندم بعد فوات الأوان.

رفضت الاستمرار مع هذا الشاب وقطعت علاقتها بمن أعجبت بها، لكن ذلك الشاب الوديع معها انقلب ذئبًا شرسًا عندما علم بقرارها، وأخذ يهددها ويوعدها بأنه سوف يفضحها بهذه الصور والرسائل والمكالمات، إن لم تستجب وتنفذ ما يريد وتستمر معه في هذه العلاقة المقيتة؛ والآن أصبحت صديقتي هذه في حالة سيئة للغاية، وإنها والله لتتمنى الموت في كل لحظة لعلها تستريح مما هي فيه»([7]) نسأل الله العافية.

وأيضًا من المواقف المزرية لبعض الفتيات أنها تقوم بكتابة اسم من تحب في كل مكان: على الجدران، وعلى الأبواب وعلى صفحات الكتاب، وعلى الأدراج، بل وفي يدها وغير ذلك.

 * حادثة غريبة:

هذه حادثة غريبة تحكيها طالبة في المرحلة الثانوية، وهي قصة أعرفها عن زميلة لها تعرفها حق المعرفة، تقول إنها قامت بنقش حرف اسم فتاة أعجبت بها إعجابًا شديدًا على يدها بالنار مما أدي إلى أن تشوهت يدها.

وقد تستغرب من تقرأ هذه القصة وتظنها من نسيج الخيال، لكن هذه التي تحكي قصتها تقول بأنها رأت بنفسها هذا النقش لحرف اسم المعجب بها على يدها، وقد تابت هذه الأخت وندمت على ما كان منها.

بل وأصبح منتشرًا بين فئة من الطالبات نقش حرف من تحبها بالإِبرة على جلدها، ويتفاخرن بهذا الفعل ويعتبرنه من علامات الإخلاص والوفاء لمن تحب!. فنسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله أن يهدي بنات المسلمين لما يحب ويرضى.

 * شريط الكاسيت:

بل وصل الحد ببعض الفتيات المعجبات أن تقوم بتسجيل صوتها على شريط كاسيت، وفيه من عبارات الحب والغرام والإعجاب الكثير، وتعطيه من تحبها، وأصبح هذا الشريط فيما بعد أداة تهديد ضد المعجبة (صاحبة الشريط).

فوالله إنه لمن المحزن المبكي أن نرى بناتنا انشغلن بأمور كهذه، فتضيع وقتها وساعات عمرها في أمور كهذه، إما ملاحقة، أو مراقبة، أو مراسلة، أو مكالمة هاتفية لمن تحب؛ فلا تجني من وراء هذه التصرفات سوى الهم والحزن والحيرة وشتات القلب وضياع العمر.

فلنحذر أخياتي من هذه الأساليب الشيطانية التي يهيئها الشيطان ليوقع بنات المسلمين في متاهات الرذيلة دون أن يشعرن.


 مقتطفات واقعية تنبئ عما فعل الإعجاب ببناتنا المسلمات

* فتاة معجبة بمعلمة فتقوم (بمرابطة) يوم كامل وحراسة مشددة على المدخل المؤدي لغرفة المدرسات.

* مراهقة تعجب بالجميلات، وتأخذ صورًا لهن وتريها شقيقها.

* المعلمة تواعد معجبتها الطالبة في إحدى المتنزهات النسائية للألعاب.

* معلمة أعجبت بطالبة فكانت دائمًا تستدعيها، حتى خلال الحصص بل وفي الفسح، والطالبة تستجيب لمعلمتها وهي محرجة؛ فحرمتها من استيعاب الدروس ومن فطورها أيضًا.

* فتاتان تمشيان مع بعضهما على استحياء، وقد علت الحمرة وجنتيهما حتى لا تستطيع الواحدة منها أن ترفع نظرها إلى ألأخرى كأنهما عروسان يزفان.

* عاشقة تقترب من زميلتها على حياء ثم ترمي الرقم وتسرع بالهرب.

* تبعث برسالة إلى من تحبها وكلها رقة وحب وحنان، والرسالة مزينة في آخرها بقبلة حانية مرسومة بحمرة الشفاه، هذا غير القلوب التي تخترقها السهام، وعلى جنبي السهم حرف كلتا المتحابتين.

* معجبة وصل بها الحد إلى درجة أنها لا تجيب والدتها عندما تناديها وهي تهاتف من أعجبت بها، وإذا ألحت أمها في مناداتها، فإنها تنفعل وتصرخ في وجه والدتها لتسكتها، ثم بعد ذلك تعود إلى معجبتها وبكل رقة وأدب وحنان تكلمها.

* معجبة أهدت إسورة ذهب إلى محبوبتها، وعندما قامت بتقديم الهدية إليها طلبت منها أن تعطيها يدها لتضع الأسورة بها، ووافقتها الأخرى فألبستها (الشب....) وقالت: هذا رباط بيني وبينك مدى الحياة، فلا تخلعيه أبدًا!!

* طالبة أعجبت بأخرى فقالت لها: أريد أن أتزوجك!! فلما دهشت الأخرى منها، قالت: عفوًا أقصد أصادقك.


 آثار الإعجاب وأخطاره الناجمة عنه

يقول ابن القيم – رحمه الله:([8])

هذه داء أعيا الأطباء دواؤه، وعز على الورى شفاؤه، وهو والله الداء العضال والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من أسره، ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصه من ناره.

وفعلاً نجد أن المعجبة كثيرة الوله على من تحبها، كثيرة التفكير بها، هائمة في بحار حبها، لسانها لا يفتر عن ذكر محبوبتها، وتتصورها أمامها في كل مكان وفي كل الأزمان، لا هَمَّ لها إلا فلانة، وأن فلانة فعلت كذا أو قالت كذا؛ فيصبح ليلها ونهارها فلانة تلك، أما أمور دينها أو دنياها فلا تهتم ولا تبالي بها، وتجدها تتهاون في الكثير منها.

أما المُعجَبُ بها فقد يصيبها بسبب المُعجِبة الكثير من المشاكل والإحراج والتعب النفسي والقلق المستمر، وبعضهن قد يصيبها الإعجاب بنفسها والغرور وهو من الأمراض الخطيرة التي تهلك صاحبها.

* ونجمل هنا بعض آثار الأعجاب ثم نأتي بها مفصلة إن شاء الله:

1- الاشتغال بحب المعجَبِ بها وبذكرها عن حبِّ الرب وذكره، فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه.

2- عذاب قلب المعجبة بمن أعجبتها، وفعلاً من أحب شيئًا غير الله عُذب به ولا بد، وصدق من قال:

فما في الأرض أشقى من محب

وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيا في كل حين

مخافة فرقة أو لاشتياق

فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم

ويبكي إن دنوا خوف الفراق

3- أن تشتغل عن مصالح دينها ودنياها بمثل هذه التفاهات – الإعجاب وتوابعه – وليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من العشق والإعجاب.

4-ذوبان شخصية المعجبة في المعجب بها أو بالعكس، فيحصل التقليد الأعمى للمحبوبة في حركاتها وتسريحات شعرها، وحتى طريقة كلامها، وهذا يجعل المعجبة مسلوبة الشخصية ضعيفة التمييز بين الحق والباطل سهلة الانقياد سريعة التمرد على أوامر دينها.

5- ضعف علاقة المعجبة بكثير من زميلاتها أو قريباتها؛ لأنها تصرف جل اهتمامها ووقتها لمن أعجبت بها، وهذا يسبب لها كثيرًا من الإِحراج من قبل زميلاتها.

6- فساد أخلاق المعجبة ما دام الإعجاب كان لأجل الجمال أو المال ونحو ذلك من عروض الدنيا.

7- ضياع وقت المعجبة؛ وذلك بالتفكير بمن أعجبت بها وكثرة محادثتها لغير فائدة ترجى ونحو ذلك.

8- ضعف التحصيل العلمي والثقافي لدى كل من المعجبة أو المعجب بها.

9- سقوط المعجبة من أعين كثير من صويحباتها إذا رأوا تعلقها الشديد بها واستكانتها لها واهتمامها الزائد عن الحد بها.

وهذا غيض من فيض ونقطة من بحر من أضرار الإعجاب، وإلا فأضراره الدينية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية كثيرة، وسأذكر بعض القصص الواقعية والنماذج الحية لبعض أضرار الإعجاب.


 الإعجاب وأثره على أخلاق ودين الفتاة

معلوم أن الفتاة سريعة التأثر بمن تخالط والاقتداء بمن تقارن؛ فإن كن قرينات سوء تأثرت بهن، وإن كن صحبة طيبة أصبحت مثلهن بإذن الله.

لذا لزم الحذر من صديقات السوء والبعد عنهن كل البعد.

وكما قيل:

إذا كنت في قوم فاصحب خيارهم

ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى

وقد يكون الإعجاب وسيلة وطريقة لمصاحبة الفتيات السيئات؛ ويتضح ذلك خلال القصة التالية:

كانت هناك فتاة مستقيمة ذات أدب جمِّ، أعجبت بها فتاة سيئة الأخلاق؛ فكانت تلاحقها دائمًا وتتخذ معها أسلوب الإعجاب، فحاولت تلك الفتاة الطيبة نصحها وإرشادها، واستغلت هذه الفرصة لعلها تكون سببًا في هدايتها، إلا أن المعجبة بها استطاعت بكلامها المعسول وبطرقها الخبيثة ومكرها أن توقع تلك المستقيمة في شباكها، فأصبحت تلك المستقيمة أشد إعجابًا بها منها، وعندما كانت – زميلاتها الملتزمات – ينصحنها بالحذر من قرينة السوء كانت تقول إنني أحبها في الله، ومع الأيام أصبحت تلك التي كانت مثلاً يضرب في الأخلاق والتمسك بالدين شعارًا يضرب للفتاة السيئة ذات الأخلاق السيئة ([9]) – نسأل الله العافية.

وفعلاً كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل»([10]).

فلا تصاحبي إلا من ترضين دينها وخلقها وأمانتها.

وصدق من قال:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

والأدهي والأمر أن تعجب فتاة بأخرى سيئة الأخلاق فتتأثر بها.

تقول طالبة في المرحلة الجامعية:

هناك فتاة مراهقة قد أعجبت بفتاة جميلة وأصبحت شغلها الشاغل، ولكنها لم تكن تعلم عن أخلاقها شيئًا، فقد كانت سيئة الأخلاق، فحاولت الاقتراب منها والاقتران بها حتى تحقق لها ذلك، ولكن ليتها لم تتعرف عليها، فقد أغرتها بالسيرفي طريق الرذائل والمعاصي ومكالمة الشباب. وهذا جزاء الانخداع بالجمال الظاهر ([11]).

والإعجاب قد يوقع الفتاة في الكثير من المحرمات والكبائر، بل قد يوقعها في الشك بالله كما سبق أن رأينا.

* بل إن فتاة تحكي لي عن شدة إعجابها بمعلمة لها، وقد وصل بها الأمر إلى أنها تقول: أحيانًا عندما أدخل في الصلاة بدل أن أقول: «الحمد لله..» أقول: «الحمد لفلانة»! وهذا لشدة تعلق قلبها بها، وهذا من الشرك أعاذنا الله من ذلك.

* وأخرى تحكي عن فتاة أعجبت بأخرى، فكانت إذا قامت إلى الصلاة قالت لمن حولها: إذا كبرت إلى الصلاة فجروا ردائي حتى لا أذكر فلانة ([12]).

وقالت: إحدى الأخوات المحاضرات عن فتاة معجبة إنها أرسلت إلى حبيبتها هذه العبارات التي تعج بالشرك بالله، فقالت لها:

باسم الحب والإعجاب والمودة، إلى حبي الأخير وشغلي الشاغل، فلا خوف من أحد. آه يا قلبي الصغير.. إلى آخر ما قالت.

فأين مراقبة الله يا كاتبة هذه الكلمات؟ أين الخوف من الله؟!! أين محبة الله وأنتِ تقولين لمحبوبتك إنها حبك الأخير وشغلك الشاغل؟!!

والأخرى تقول:

حبك غطى على كل حب، صدقيني، لا أحب أحدًا سواك، أنت وحدك، نعم وحدك، لقد ملكتِ علي كل كياني، كل فكري، كل حياتي، لقد شغلتِ لبي بالتفكير فيك وحدك دون سواك، صدقيني، اعلمي أن قلبي لا ينصرف عن ذكراك، صدقيني

ونترك للأخوات القارئات التعليق على هذه الكلمات.


 سرقت لتحضر هدية لمن أعجبت بها

وكما أن الإعجاب قد يكون بوابة للشرك بالله وقتل النفس كما سبق توضيحه في بداية هذه الرسالة، فقد يكون منفذًا للسرقة؛ وذلك بأن ترتكب المعجبة جريمة السرقة إرضاء لمن تحب، كيف ذلك؟! يتضح من خلال  هذه الحادثة.

* فقد صارحتني فتاة – بعد أن هداها الله – بأنها كانت شديدة الإعجاب بزميلة لها، وكانت تحرص على إرضائها بأي وسيلة، وأخيرًا اضطرت هذه المعجبة أن تسرق من أهلها مبلغًا من المال كي تشتري به هدية لمن تحب، وفعلاً قامت بهذا الفعل الشنيع لأجل محبوبتها، تقول وهي نادمة الآن على ما فعلت من أجل واحدة لا أظنها تذكر حتى اسمي الآن، ارتكبت حرامًا، وقمت بسرقة أهلي. وأسأل الله أن يغفر لي فعلي هذا.

وهذا يحصل، فالشيطان كما ذكرنا يستغل كل فرصة ليوقع المسلم في الحرام، فهذه فتاة سرقت من أمها ساعة لكي تهديها لزميلتها المعجبة بها، وتلك أخذت إسورة أختها دون علمها لتهديها صديقتها أو لمن تحب. وهكذا قصص واقعية حصلت من الفتيات المعجبات اللائي وقعن فيما حرم الله لأجل المعجب بها.


 تصوفت بسبب المعجبة بها

* بل قد يصل الحد إلى أن يؤثر على عقيدة الفتاة، فقد تعجب فتاة بأخرى تكون ذات عقائد فاسدة، فلشدة إعجابها بها وحبها لها تصدقها في كل ما تقوله، حتى وإن كان خطأ!! مخالفًا لمفاهيم دينها الحنيف، ولا تسمع بعد ذلك نصح الناصحين لها.

* وقد يستغل هذه الفرصة أصحاب الفرق الفاسدة كالصوفية والشيعة والمعتزلة وغيرهم كثير، فقد تصوفت فتاة (طالبة) على يد معلمتها الصوفية، وكان الواسطة بينهما هو إعجاب هذه الطالبة بمعلمتها، فاستغلت المعلمة الفرصة وأخذت تلقنها كثيرًا من العقائد والأفكار الفاسدة التي عندها، والطالبة لشدة محبتها لمعلمتها كانت تصغي لها في كل ما تقوله، وأخيرًا قررت الطالبة أن تكون من الصوفية إرضاء لمعلمتها، بل أصبحت هذه الطالبة فيما بعد من الداعيات إلى الصوفية – نسأل الله العافية ([13]).

وصدق فيها قول الشاعر:

إن هواك الذي بقلبي

صيرني سامعًا مطيعًا

قال ابن القيم رحمه الله ([14]):

«إن العاشق يرى القبيح من معشوقه حسنًا؛ فحبه له يعمي عين القلب منه عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه». اهـ.


 الإعجاب هدر وضياع للأوقات

فكم من الأوقات والساعات تذهب سدى، إما في كتابة رسالة غرام، أو في تفكير دائم مستمر، أو مكالمة هاتفية لمن تعجب بها، أو في محادثة غيرها عمن تحبها وماذا قالت؟! وماذا فعلت لها؟ ونحو ذلك، بل وتقضي الساعات الطوال أمام المرآة تتجمل وتتزين حتى تنال إعجاب محبوبتها.

* وقد صارحتني إحداهن بقولها: كنت ممن أعجب بالمعلمات، لكنني كنت أعجب بالمعلمة ذات الشكل والهيئة الحسنة ([15]) فتصبح تلك المعلمة كل تفكيري وكل كياني. وكانت لدي مذكرات أدون فيها كل ما يحدث لي من معجبتي، حتى وصل بي الحد إلى أنه إذا ابتسمت لي معلمتي التي أحبها أعود إلى البيت فرحة مسرورة وأمسك دفتر مذكراتي وأكتب فيه أن معلمتي ابتسمت لي اليوم وهكذا، وكنت كلما أنتقل من مرحلة إلى مرحلة أعجب بمعلمة غير تلك التي كنت معجبة بها قبلاً، فأكوِّن علاقة جديدة مع معلمة أخرى وأنسى تلك الأولى، وهكذا، وحالها كحال الذي قيل فيه:

يهيم بهذا ثم يعشق غيره

ويسلاهم من وقته حين يصبح

 وعندما دخلت الجامعة أخذت أقلب أوراقي القديمة ومذكراتي المضحكة، وإذا بها كلام يتعجب منه العاقل، فقمت مسرعة وبكل أسى على تلك الأيام التي ذهبت مني سدى في تفاهات لا نفع منها – أمزق هذه الأوراق وأمحوها من الوجود. اهـ.

يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمله به؟»([16]).

وقد قيل:

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثوانِ

فلابد أن تحرص الفتاة على وقتها كل الحرص، أن تضيِّعه فيما لا ينفع، أو أن تشغله بالتوافه التي لا طائل من ورائها.

فما موقفك أخية، يوم العرض الأكبر عندما تعرض عليك صحيفتك وكلها مليئة بالسيئات والأمور التي يخجل الإنسان من إبدائها؟ ما الفائدة التي تعود عليك من إعجابك بفلانة ويذهب العمر والوقت في مراسلات ومغازلات ومعاكسات وكلام لا جدوى منه؟!.

وما موقفك أخية وقد انشغل تفكيرك وصُرِفتْ محبتك كلها لفلانة أو علانة؟ ماذا تفعلين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟

فلن تنفعك تلك التي أُعجبت بها، بل تأتي إليك وتقول: أعطيني حسنة من حسناتك. وكما قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (2/224): «وإن كان بينهم مودة وتحاب فإنها تنقلب إلى عداوة وبغض، وغالبًا يتعجل لهم ذلك في الدنيا قبل الآخرة، فكما قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ([17]).

فاحرصي أن تكون محبتك لتلك الفتاة محبة في الله ولله.

* الإعجاب يسبب الهموم والغموم والأسقام والأمراض والمشاكل العائلية:

فلكثرة ما تفكر فيمن أعجبت بها فقد تهزل وقد تمرض، بل بعضهم أصيبت بحالات نفسية وانفعالات شديدة بسبب عدم مبالاة من تحب بها.

* وهذه حادثة توضح صدق هذا القول:

طالبة أصابتها حالة نفسية شديدة، كل ذلك بسبب محبتها لمعلمتها التي كانت لا تعيرها أدني اهتمام أو مبالاة؛ فقد كانت هذه الطالبة تراسل معلمتها، وأحيانًَا كانت تحاول محادثتها لتخبرها عن مشاعرها وإعجابها الشديد بها؛ والمعلمة تحاول تجنبها بقدر المستطاع. وذات يوم قامت هذه المعلمة بإهانة هذه الطالبة، وبينت لها أن المدرسة ما هي إلا مكان لطلب العلم وليست مكانًا لمثل هذه السخافات. فاشتد حزن هذه الطالبة وكتمت آلامها حتى كانت إذا اشتدت عليها الحالة يصيبها إغماء وغثيان، وتتمتم باسم هذه المعلمة وهي في هذه الحالة.

وأخيرًا أصيبت هذه الطالبة بحالة نفسية شديدة أودت بها إلى المستشفى (مستشفى الأمراض النفسية)([18]).

يقول ابن القيم – رحمه الله – عن العشق: «إنه يفسد الحواس، وفساده ظاهر، بأن يمرض البدن وينهكه، وربما أدى إلى تلفه كما هو معروف في أخبار من قتلهم العشق».

ويقول أيضًا مبينًا آثار العشق على العقل: «إنه إذا تمكن من القلب واستحكم سلطانه أفسد الذهن، وحدث الوسواس، وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها. وكما قيل في ذلك.

قالوا جُننتَ بمن تهوى، فقلتُ لهم:

العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُه

إنما يصرع المجنون بالحين

ومعلوم أن أشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر المخلوقات، والله – عز وجل – هيأ الإنسان لأمر عظيم ألا وهو عباده الله، وحمل رسالة نبيه؛ ولم يخلقه للعشق أو الإعجاب وإشغال الذهن بما لا نفع فيه.

وصدق من قال:

ألا والله لو علم الأنام

لما خُلِقوا لما هجعوا وناموا

لقد خُلِقوا لأمر لو وعته

عقول قلوبهم هاجوا وهاموا

مماتٌ ثم حشرٌ ثم نشرٌ

وتوبيخ وأهوال عظام

فلزم أن يصرف الإنسان هذه النعمة للتفكر في خلق الله، والتأمل في عجيب صنع الله، ثم شكره على هذه النعم وإخلاص العبادة له واللجوء إليه.

 * ماتت بسبب المعجب بها ([19]):

وهذه حادثة أعدُّها من الغرائب ذكرتها لي إحدى الأخوات في رسالة لها فتقول:

كان هناك طالبتان في المرحلة الثانوية أحبتا بعضهما محبة عظيمة وأسرفوا فيها، وكانتا قد اتفقتا على السير معًا في هذه الحياة، وكأنهما نسيًا أو تناسيًا قدرة الله في الفراق والموت، وحدث أنه بعد تخرجهما من الثانوية قررتا دخول الكلية، قبلت الكلية إحداهما ورفضت الأخرى، لا لشيء إلا أن إرادة الله فرقت بينهما، فلم تتحمل إحدهما قوة الصدمة فأصبحت طريحة الفراش، وفي مرضها هذا ماتت، وبعد موتها سأل أهلها شيخًا معروفًا عن هذا الأمر فقالوا إنها أحبت تلك في الله فقال: (هي لم تحبها في الله وإنما أحبتها مع الله).

فنسأل الله العافية والسلامة.

وهذه حادثة أخرى مؤثرة من حوادث الإعجاب:

طالبتان في الكلية كانت إحدهما مغرمة بالأخرة، والأخرى لم تكن مبالية بها، الأمر العجيب هو أن تلك المعجبة كانت متزوجة بل وكانت حاملاً، ولشدة عشقها لتلك الأخرى، وبسبب ردة فعل تلك الفتاة المعجب بها أثر ذلك على صحة المعجبة الحامل مما تسبب في سقوط حملها، وعندما كانت المعجبة في المستشفى لم تفكر بنفسها وحالتها، بل قامت بكتابة رسالة إلى التي أعجبت بها تقول لها: أما زلت على موقفك تجاهي؟ ما حصل لي كان بسبب إعجابي بك، وأرسلت الرسالة لها عن طريق زميلاتها اللواتي أتين لزيارتها، وكان موقف تلك اللامبالاة.

فكما رأينا أخياتي أن ظاهرة الإعجاب من الظواهر الخطيرة التي قد تؤدي إلى عواقب وخيمة لا تحمد عقباها. فلزم أن نحذر منه، ونحذر غيرنا منه. والله المستعان ([20]).

* الإعجاب قد يتحول إلى كره وحقد وبغض:

نجد أن بعض المعجبات إذا رأت ردة فعل من تعجب بها وعدم مبالاتها بمشاعرها تجاهها – يتحرك في نفس المعجبة داعي الإباء والعزة والكرامة، فتتحول هذه المحبة والإعجاب إلى حقد وكره مقيت؛ وسبب ذلك أن المحبة في الأساس لم تكن في الله ولا لله.

فمن المعلوم أن المتحابتين في الله مهما حصل بينهما من مخاصمات أو مشاحنات فإن مآلهم إلى الصلح والعفو، فرعاية الله تكلؤهم وتحفظ عليهم محبتهم.

فمن حوادث الإعجاب أن فتاة أغواها الشيطان فتعلقت بأخرى وأحبتها، لكن محبة ليست لله، والأخرى أعرضت عنها وعن مثل هذه العلاقة المقيتة ولكثرة مضايقة تلك لها، اشتكتها إلى إدارة المدرسة، وعندما علمت المعجبة بذلك ثارت ثورتها وغضبت عليها، وقامت بضربها (ضربت من أحبتها)!! وكانت المعجبة في حالة هستيرية لا تعي بنفسها فضربتها ضربًا مبرحًا، نقلت المعجب بها على أثره إلى المستشفى، أمّا الفتاة المعجبة فقد قامت الإدارة بفصلها عقابًا لها ([21]).

وتروي طالبة في المرحلة الجامعية هذه القصة:

فتاة أعجبت بأخرى، ونتيجة لصد المعجب بها عنها ما كان من المعجبة إلا أن بدأت بنشر أكاذيب وأباطيل وتهم على من أعجبت بها، وعندما سئلت عن ذلك قالت: إن الصدمة كانت قوية، ومن يمنعها عن فعلها يتحمل النتيجة ([22]).

ومعلوم أنَّ الذنب الذي يرتكبه من بهت أخاه المسلم واتهمه بما ليس فيه هو من الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالحذر الحذر يا أخية أن يَجُرَّكِ الإعجاب إلى مثل هذه الأمور العظام.

 الإعجاب وأثره على تحصيل الطالبة العلمي:

بعض حالات الإعجاب قد تؤثر على الطالبة وعلى تحصيلها العلمي، فتنسى الهدف الذي لأجله أتت إلى المدرسة أو المعهد أو الكلية، فينشغل تفكيرها بمن أحبتها وماذا تفعل لها غدًا؟! وبماذا تقابلهاوتقول لها أو تكتب لها؟!  ونحو ذلك، وأما الدراسة فالله المعوِّض فيها.

وقد حصل ذلك لفتاتين كانت إحداهما متفوقة في دراستها تفوقًا لا نظير له، فأعجبت بها إحدى الطالبات، وأخذت توجه لها نظرات الإعجاب والابتسامات والرسائل الغرامية المملوءة بعبارات الحب والعشق، فانجرفت تلك المتفوقة خلف تيار الإعجاب ووافقتها على مشاعرها، وأصبح كل همها هذه التفاهات والأفكار التي لا نفع منها، إلى أن تدنّى مستوى تلك الطالبة العلمي وأصبحت في صفوف الطالبات المهملات بعد أن كانت من المتفوقات ([23]).

 * لا تذهب إلى المدرسة إلا إذا ذهبت محبوبتها:

طالبة في المرحلة الثانوية تقول إنها تعرف معجبة لا تذهب إلى المدرسة إلا إذا كانت محبوبتها ستذهب، وتقول إنها تتغيب عن المدرسة إذا تغيبت معجبتها، وربما لا يكون هناك عذر لهذا الغياب، أما إذا حضرت من أعجبت بها إلى المدرسة فإن تلك المعجبة تحضر، حتى وإن كانت في حالة شديدة من المرض والإعياء، وتلك الأخرى لا مبالاة ولا اهتمام، وهذا هو العذاب بعينه. وبالطبع هذا الأمر يؤثر على تحصيل كلتا الطالبتين العلمي ([24]). فالله المستعان.


 نصيحة من معجبة

أختاه:

هذه كلماتي تنبض لك من قلب قد امتلأ بالآهات والأحزان، لا لأجل الدين أو ما وصل إليه حال المسلمين المضطهدين في كل مكان. دمعاتي سكبت لأجل صديقة لي أعجبت بها، فقد كانت بارعة الجمال، وكنت كلما أبحث عنها أجدها تجفوني، وإذا نظرت إليها نظرات ملؤها الحب والمودة والاحترام وجهت لي نظراتها القاسية المملوءة بالسخرية والاحتقار، وذلك لأن محبتي لها لم تكن في الأصل لله. أعلم أنني كنت في تلك الفترة غارقة في حبها، لقد أنساني الشيطان ذكر ربي، فأكثرت من ذكرها!. لهوت بكتابة الرسائل التي كنت أمكث على الواحدة منها الساعات الطوال حتى أنال إعجاب محبوبتي، لكنني الآن والحمد لله صحوت من غفلتي هذه، أفقت من هذا السبات العميق الذي عشته طوال سبع سنوات، لقد اكتشفت أخيرًا أن هذه الأمور ما هي إلا سراب وأوهام، لم أستفد منها سوى العناء والشقاء والعذاب. فاحذري أختاه من أن تقعي فيما وقعت فيه، احذري وابتعدي عن سراب الإعجاب، ابتعدي عنه.


 آراء الطالبات في الإعجاب

على الرغم من انتشار الإعجاب في أوساط الفتيات إلا أن هناك فئة منهن يحاربن الإعجاب أشد المحاربة، ويمقتنه، ويبغضنه، ويعتبرنه من الأمور السيئة المخالفة للشرع.

وهذه بعض آراء الطالبات اللواتي سُئلن عن رأيهن في الإعجاب فأجبن مشكورات:

تقول طالبة عن رأيها في الإعجاب:

الإعجاب مفهوم شيطاني يبعد كل البعد عن مبادئ الإسلام، يحارب الأخوة في الله ويقضي على هذا المعنى الشريف.

وتقول أخرى في المرحلة الجامعية:

هذه ظاهرة خطيرة والله، فشت في أوساط الطالبات في المراحل التعليمية المختلفة وقد يصل إلى مرحلة الجامعة، لا سيما وقد نضج عقل الطالبة في هذه المرحلة، فهذا الإعجاب خطر عظيم، خطر على عقيدة الفتاة فقد يصل إلى الشرك؛ لأن المحبة الخالصة لا تصرف إلا لله وحده، وخطر على التحصيل العلمي، وخطر على الوقت؛ فقد تصرف وقتها في التفكير بهذه الفتاة، وخطر على الأخلاق.

وتقول أخرى عن رأيها في الإعجاب:

الإعجاب من الظواهر السلبية التي انتشرت في أغلب مدارسنا باختلاف مراحلها، وأصبحت أشد خطرًا من الأمراض الجسدية، فماذا ينفع الجسد إذا فسدت النفس التي بين جوانبه؟ وهي من الظواهر المخيفة التي تنم عن عدم الثقة بالنفس وضعف الإيمان، حيث تصد القلب عن ذكر الله وطاعته إلى التعلق بغيره.

وتقول طالبة أخرى:

الإعجاب يجر إلى سلوكيات غير مقبولة شرعًا ولا عرفًا، يسيء إلى علاقة الفرد مع ربه ومع نفسه ومع أسرته، يصد عن الذكر والاشتغال بالأمور النافعة لأنه يقضي على الوقت فيما لا طائل منه.

وتقول أخرى في المرحلة الثانوية:

الإعجاب داء عضال ومرض قلبي مستعصٍ لا علاجَ له إلا بتقوى الله عز وجل.


 المحبة في الله والإعجاب

هذا الباب جزء مهم في العلاج، أوردناه هنا لأهميته، ولأن بعض الأخوات قد يلتبس عليهن حقيقة الحب في الله، فإذا أعجبت بواحدة لأجل جمالها أو مالها أو رشاقتها، قالت إني أحبها في الله، وهي أبعد ما تكون عن هذه الكلمة السامية. فما هو الحب في الله وما ضوابطه؟!

حقيقة المحبة في الله:

الحب في الله من لوازمه محبة ما يحبه الله، ولا تستقيم محبة ما يحبه الله إلا بالحب فيه وله إخلاص المحبة لله لا للبشر.

من علامات المحبة في الله:

إخلاصها لله وحده، فمن اختار صحبة أحد من الناس لا بد أن يتأدب بآداب ذلك؛ وهو أن يكون حبه لأخيه خالصًا لوجه الله تعالى، كما ورد في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «أن تحب المرء لا تحبه إلا لله»([25]) فإن هذا الحب إنما يراد للآخرة.

أما في الإعجاب فنجد أن محبتها لزميلتها ليست خالصة لله، وإن كانت تدّعي ذلك لفظًا، لكن نجد من خلال فلتات لسانها وتصرفاتها أنها ما أحبتها إلا لجمالها أو هيئتها أو لفصاحتها ونحو ذلك وهذه ليست لله.

والمحبة في الله: تكون لأناس أحبوا الله، أي أناس أتقياء صالحين مطيعين لله خاضعين له.

أما الإعجاب: فلا يهم المعجبة إذا كانت محبوبتها صالحة تقية أو مقصرة في حق من حقوق الله تعالى، ومع هذا تحبها! وقد تعجب بفتاة تكون من مرتكبات ما حرم الله.

قال سفيان الثوري – رحمه الله -: «إذا أحببت الرجل في الله ثم أحدث حدثًا في الإِسلام فلم تبغضه عليه لم تحبه في الله».

وهذا ميزان صادق للمحبة في الله، فإن كانت محبوبتك على خلاف طاعة الله وتدعين محبتها في الله فهذه مغالطة للنفس وستارلا تخدعين به نفسك وغيرك.

والمحبة في الله: تحتسب فيها المحبة الأجر والمثوبة من عند الله والخير العظيم الذي ستناله من محبتها لأختها المسلمة.

أما الإعجاب: فهي أحبتها لشيء فيها، فلا تحتسب فيه الأجر ولا المثوبة، بل تتبع  في ذلك هواها وشهوة نفسها وميل قلبها لها.

المحبة في الله تعاون على طاعة الله وعلى الحق:

إن المتحابتين إذا اجتمعتا تقابلا على العمل على ذكر الله وحده ونيل مغفرته ورحمته، وتعاونٍ على الخير، وأحب كل منهما صاحبه في ظل إرضاء الله والعمل الصالح ابتغاء الأجر والمثوبة من عند الله، ولم يجتمعا لجني فائدة دنيوية أو ثمرة شهية تلهيهم عن حقوق الله تعالى.

أما المعجبتان فنجد أنهما إذا اجتمعتا لا تذكران الله إلا قليلاً، بل قد يكون كل كلامهما عن الدنيا وعن المعجبة بها، تتحدث عنها، وماذا قالت؟! وهذه العلاقة لا تمت إلى المحبة في الله بشيء.

* المحبة في الله سعادة في الدنيا والآخرة، والإعجاب عذاب في الدنيا عداوة في الآخرة:

فالمحبة في الله يجد المحب في ظلها السعادة العظمى، ويتذوق في إطارها حلاوة الإيمان، كما وعد بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، أن يحب المرء لا يحبه إلا لله..»([26]).

وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: «إن من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله – فإنما تناول ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته وصومه – حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس في الدنيا، وذلك لا يجد على أهله شيئًا».

وليعلم أن مجالسة الصالحات انبساط للأسارير وشعور بلذات عظيمة، هذه اللذة التي قال عنها ابن المنكدر: «ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإِخوان، والصلاة في الجماعة».

* أما في الآخرة:

المحبة في الله توجب الجنة، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم»([27]).

والمتحابون في جلال الله يغبطهم كل شيء يوم القيامة: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون. وهم على منابر من نور كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى في الحديث القدسي: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء»([28]).

والمتحابون في الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ومنهم.. رجلان تحابا في الله اجتماعا عليه وتفرقا عليه»([29]) وهذا يعم النساء أيضًا.

وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي».

* أما الإعجاب في الدنيا:

هموم وغموم ونكد وحزن، فتحزن لأن من أعجبت بها لا تلقي لها بالاً أو لأنها لم تهتم بمشاعرها تجاهها، ومعلوم أن من أحب لغير الله عذُب به، وكما قال ابن القيم – رحمه الله – في إغاثة اللهفان (1/283):

«محبة المخلوق إذا لم تكن في الله فهي عذاب للمحب ووبال عليه، وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة، وكلما كانت أبعد عن الله كان ألمها وعذابها أعظم». اهـ.

وهذا غير ما قد يحصل بسبب محبتك لها في الإعراض عنك أو التجني عليك وعدم الوفاء لك، إما لمزاحمة غيرك من المعجبات لها، وإما لكراهتها ومعاداتها لك وعدم تقبلها لهذه العلاقة بينكما، وإما لاشتغالها عنك بمصالحها وما هو أهم إليها منك، وإما لغير ذلك في الآفات، وإن حصل وقابلتك في المحبة فإنها محبة دنيوية زائلة لمصلحة دنيوية مؤقتة، إذا انتهت من مصلحتها التي أرادتك لأجلها كونت مع غيرك علاقة ومحبة جديدة تنتفع من ورائها، أما أنتِ فتتركك لآلامك وأحزانكم وحسراتك.

* أما في الآخرة:

فيقول الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ ([30]). فهذه حال كل خلة ومحبة كانت في الدنيا على غير طاعة الله، فإنها تعود عداوة وندامة يوم القيامة، بخلاف المحبة والخلة على طاعة الله فإنها من أعظم القربات إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يلَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾([31]).

المحبة في الله تدوم، والإعجاب يضمحل ويزول:

وفعلاً مهما فرقت الدنيا بين المتحابين في الله، ومهما بعدت المسافات وطالت سنين البعد والفراق، فمحبتهما باقية لا تزول بل قد تزداد مع البعد إذا كانت محبة صادقة.

أما الإعجاب: فإن حصل وأن تقبلت المعجبة بها مشاعر المعجبة تجاهها وقابلتها بمثلها فإن ذلك يكون لمصالح زائلة تذهب الصداقة والمحبة بانتهاء هذه المصلحة، والمعجبة قد تنسى معجبتها بمجرد فراقها عنها أو بمرور الأيام والشهور، وكما قال ابن القيم – رحمه الله: «كل المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها» والمحبة في الله من لوازم محبة الله.

التسامح والعفو بين المتحابين في الله:

فالتسامح والعفو عن زلات الإخوان من صفات المؤمن، فهو يعفو عن الناس، ويلتمس الأعذار لإخوانه، ويحسن الظن بهم، يختار من الكلمات ما يزيل البغضاء من الصدر؛ قال صديق لابن السماك: «والميعاد بينيس وبينك غدًا نتعاتب» فقال ابن السماك: «بل الميعاد بيني وبينك غدًا نتغافر».

والمتحابون في الله متصافو القلوب والنفوس، لا يكدر صفوها غل ولا حسد وحقد، بل كل واحد منهم يدعو لأخيه الآخر بظهر الغيب بالخير، وإن حصل من أحدهما للآخر زلة أو خطأ التمس له العذر وأحسن الظن به، بل ويذهب ويطلب منه الصفح والسماح.

أما المعجبة:

نجد أنه بسبب زلة أو غلطة من المعجبة تكرهها، وتهدم ما كان بينهما من الوثائق والعهود والوعود، وتنسى كل عبارات الغرام والهدايا والكلام المعسول، كل ذلك بسبب غلطة قد تكون غير متعمدة.


 لا تقلبي الميزان

وهذا مقال ذكرته إحدى الأخوات موجهة نصيحتها لأخواتها المسلمات تقول بعنوان:

«لا تقلبي الميزان».

أختي المسلمة:

شيء غريب أن أرى ما تفعلين من أمور قد توصلك إلى نهاية وخيمة تخشين الوقوع فيها، رأيت يا أختي أنك قد تماديتِ في غيك وتجاوزتِ كل الحدود وانجرفت مع تيار ما يسمى بالإعجاب.

آه يا فتاة الإسلام. أنت تفعلين ذلك، فماذا أقول وأحكم على الفتيات الأخريات وأنت ابنة الدين؟! هل لاحظت نفسك لو مرة وفكرت ورأيت وأنت تجرين وراء ما تزعمين أنه حب في الله، تجرين وراء أختك أو معلمتك التي دخلت قلبك وأنستك الأهم في ذلك، وتقولين: أحبها في الله، ألا تعلمين أنك بعيدة كل البعد عن شاطئ هذه الكلمة؟ وأنك لم تفكري سوى في مصالحك وإعجابك، ضاربة بالأخوة في الله عرض الحائط، غير مبالية هل أنت على حق أم عكس ذلك؟

أين معنى الأخوة في الله من تصرفاتك هذه؟! أين الصواب من فعلتك هذه؟!!

ماذا استفدتِ من الإعجاب غير المهانة والمذلة؟!! لا أختي، كُفَّي عن هذا الفعل السخيف، لا تقلبي ميزان الأخوة في الله، إنه أعظم بكثير من أن يتدنى إلى هذا الموضع التافه «الإعجاب».

عليك نفسك، لا تجعلي هذه الظاهرة تسيطر عليك فتضلك سواء السبيل – والعياذ بالله.

اعلمي أخيتي أن من أقام محبته على غير أساس من النصح والإيمان، وما يحبه الله ورسوله – فسوف يكون مصيره السقوط والانحطاط.

فانبذي موجة الإعجاب، واجعلي لك يدًا في مساعدة من وقعت في شراك هذه الظاهرة الوخيمة.

وأسأل الله أن يرزقنا حبه وحب من أحبه، وأن يجعل حبنا له خالصًا وأن يبلغنا مرادنا، إنه سميع مجيب ([32]).


 علاج الإعجاب

بل أن أذكر العلاج أوجه نصيحتي إلى أخيتي المعجبة بأن تتوب إلى الله توبة نصوحًا من هذا الإعجاب، وتترك عنها هذه الترهات والسفاسف التي قد تجر لها الويلات والثبور في الدنيا والآخرة.

واعلمي أخيتي أن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وشر الخطائين المتمادون في غيّهم وعنادهم وهم يعلمون، فأنت من خلال تلك الصفحات السابقة من هذا البحث، عرفتِ أن الإعجاب لا خير فيه، بل قد يوصل الإنسان إلى أن يقع في الكبائر والموبقات: الشرك بالله ونحوه. فعليك بالندم على ما فات، والإقلاع عن هذه المعصية، والعزم الأكيد على ترك الإعجاب. وأبدليه بالمحبة في الله، فبدلاً من الجري خلف صديقتك وكتابة الرسائل الغرامية المخزية لها ادعي الله لها في ظهر الغيب بالخير الصلاح وناصحيها إذا ما وجدتها على خطأ، وحثيها على فعل الخير والطاعات من واجبات ومستحبات، واهدي لها الأشرطة الإِسلامية النفعة والكتب المفيدة، وتعاونا على طاعة الله ورضاه، وتذكري قول الله في الحديث القدسي «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء»([33]).

أما العلاج «علاج العشق» فقد أجمله ابن القيم – رحمه الله – في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» فقال:

«ودواء هذا الداء القتال أن يعرف أن ما ابتلى به من هذا الداء المضاد للتوحيد إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله، فعليه أن يعرف توحيد ربه من سننه وآياته أولاً، ثم يأتي من العبادات الظاهرة ما يشغل قلبه عن دوام الفكرة فيه، ويكثر اللجوء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في صرف ذلك عنه، وأن يرجع بقلبه إليه. وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله». اهـ.

أما العلاج المفصل فنذكره الآن:

يتم استئصال داء الإعجاب من جذوره بإذن الله عن طريق ما يلي:

أولاً: شغل القلب بحب الله عز وجل:

فالقلب إذا امتلأ بحب الله لا يمكن أن يمتلئ بشيء سواه. فيا من يطلبون الجنة، عجبًا للجنة كيف ينام طالبها، وعجبًا للنار كيف ينام هاربها، إنها دعوة صادقة أن نملأ قلوبنا بحب الله عز وجل، فنشغله بكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، وبذلك لا يكون هناك فراغ نشغله بتفاهات الأمور كالإِعجاب ونحوه.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾([34]).

واعلمي أخية أنك لن تشعري بلذة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما.

ففي الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله...»([35]).

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه»([36]).

فانظري أخيتي المسلمة جزاء من يحب خالقه ويتقرب إليه، فهو يسعد في الدارين؛ يجد القبول في الدنيا والآخرة. فهلبم بنا ندعو الله أن يرزقنا حبه حتى ننال خير الجزاء، ولنكثر من قوله: «اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك».

ثانيًا: الحب في الله ولله:

ومن وسائل العلاج الأكيدة والفعالة بإذن الله «الحب في الله ولله»، وجعله المناط والغاية في كل علاقة شريفة بين الأختين المسلمتين. يقول ابن القيم – رحمه الله: «وقد قضى لله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة سابغة على المحبين». اهـ.

ولا شك أن من جعل أساس علاقته الحب في الله فهو نائل بإذن الله بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»([37]) والمسلم حريص على أن يكتمل إيمانه الموصل إلى رضى خالقه ونيل جنته، فتعرفي أخية إلى حقيقة المحبة في الله، وتمسكي بها وبمعاييرها وضوابطها الشرعية لتسعدي في الدارين.

وقد سبق أن ذكرنا فضل المحبة في الله في موضع سابق من هذا البحث.

ثالثًا: مراجعة الفطرة السليمة والعقل الصحيح:

إنها دعوة صادقة إلى كل فتاة تنتسب إلى مروجي الإعجاب أن تتساءل: ما معنى أن تقولي لفتاة «أنا معجبة»؟!! هل من عقول تدرك أن قولك هذا هو أولاً إنقاص من شأنك. فبالله عليك بماذا تعجبين؟ وما هو هدفك مما تسمينه إعجابًا؟! هل هو رضا الله ورسوله وعمل تتقربين به إلى الله فتنالين منه الجزاء الثواب؟! إن إعجاب الفتاة بفتاة مثلها لأجل شكلها أو جمالها لأمر مُزرٍ عرفًا وشرعًا، فبالله عليك راجعي نفسك في سألة الإعجاب هذه واعلمي أنها بدعة دخيلة نتيجة تربية الأفلام والمجلات. فإن ما تفعلينه هو عين ما ترينه بين الزوجين أو العاشقين في التلفاز والروايات الماجنة.

فاحذري أخية من هذه الأفعال الشنيعة المشينة، وإلا يكفيك نظرات الاحتقار والذل التي ترينها ممن تعجبين بها. ألا يهز في نفسك دواعي السخرية والاستهزاء التي ترينها ممن حولك لأنك معجبة بفلانة؟!!

وقبل ذلك كله ألا تستحين من نظر الإله إليك وأنتِ تلاحقين صديقة لك أو تراسلينها بعبارات يقشعر الجسد من قراءتها.

أخية! تذكري أن الله سائلك عن كل صغيرةٍ وكبيرة، عن كل حركة وقول وفعل، هل فعلتِه له أم لغيره؟ وهكذا حاسبي نفسك دائمًا.

رابعًا: الخلق والدين هو الأساس:

أخية! انظري بعين البصيرة إلى هذه التي أُعجبتِ بها: هل هي ذات خلق ودين فيرضيك فيها دينها وخلقها وتتعاونين معها في أعمال البر والتقوى دون أن يحصل منك لها إعجاب؟ أم أنك أعجبت بشكلها ومظهرها الخارجي فقط، وأفعالها وأخلاقها لا تهمك في شيء؟ فهذه الأمور لا يقرها الإِسلام، وفي هذه الحال نقول لك: إن هذه التي أعجبت بها مها نظرتِ إليها نظرة كمال في أشياء معينة فإن العيب والنقص موجود بها ولابد، فالكمال لله وحده. فتذكري في معجبتك مواطن العيب التي بها فيقل بذلك تعلقك بها؛ لأن النفس البشرية عادة تنفر من العيوب والنقائص وإن كان موجودًا بها، وتهوى دائمًا الكمال. فاجعلي في مخيلتك أخية أن الصفات الكاملة والأسماء الحسنى مختصة بالله وحده دون سواه، وتعبدي الله بها.

خامسًا: غض البصر:

غض البصر عمن تخشى الافتتان بها من ضمن العلاج؛ لأن النظر بشهوة محرم لو كان لامرأة مثلها. وفي غض البصر عن المفاتن تهذيب للنفوس والبعد بها عما لا يحل، قال ابن الحاج: «ووقع الإجماع على أن النظر أعظم آفة على القلب وأسرع الأمور في خراب الدين والدنيا».

سادسًا:

من العلاج أن تدرك المعجبة المفاسد والأخطار والآثار الناجمة عن الإعجاب. وقد سبق ذكر شيء منها في البحث.

ففرّي أخية بجلدك من داء الإعجاب، واحذري منه فإن له عواقب وخيمة قد تؤدي إلى أمور عظيمة شنيعة، ويكفي أن تتصوري موقفك أنت ومن أحببتها لغير الله يوم القيامة متخاصمتين بقول الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾([38]).

ومن ضمن العلاج تحرك المرشدين والمصلحين من العلماء وطلبة العلم لتنبيه الطالبات على خطورة هذا الأمر، والإجابة على استفسارهن، وعقد الندوات في المدارس من قبل طالبات العلم الشرعي من مدرسات وطالبات لتبيين حقيقة المحبة في الله وخطورة الإعجاب والفارق بينهما. كذلك توزيع الأشرطة والكتيبات الإسلامية التي تدعو إلى محبة الله وترسيخ العقيدة الإسلامية، كذلك الإنكار على من تنتسب إلى الإعجاب وتخويفها بالله ومناصحتها وإرشادها.

كذلك الالتزام بالحشمة والتستر وعدم إبداء المفاتن التجمل الزائد؛ لأن التجمل الزائد والقصات والموضات قد تكون سببًا للإعجاب.

كذلك الحزم الشديد من قبل الإدارة المدرسية والمدرسات، ومنع ما وجد من مخالفات بأسرع وقت في المدرسة؛ التسريحات الغربية، والملابس الفاتنة، أو العبارات غير اللائقة المخلة بالأدب والحياء، ومعاقبة من تفعل ذلك من قبل الإدارة حتى يرتدع غيرها، ويلزم المدرسات أن يكن قدوة حسنة في الخير للطالبات، فهن محط نظر الطالبات؛ فليتقين الله، ولا يكن سببًا في نشر الموديلات والتسريحات والموضات.

وهذه الأمور من التزم بها فإنها بإذن الله تقلل من انتشار الإعجاب بين الطالبات.

هذا وأسأل الله أن يحفظ بنات المسلمين من الوقوع في مثل هذه الأمور ويقيهن أسباب الشر والفساد، وأن يفقههن في أمور دينهن، إنه ولي ذلك والقادر عليه ([39]).

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

كتبته

نوال بنت عبد الله

بتاريخ 24/2/1415هـ.

غفر الله لها ولوالديها والمسلمين والمسلمات.



([1]) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن قَيِّم الجوزية، ص300 – ص305.

([2]) مجالات انتشار العلمانية وأثرها على المجتمع الإسلامي، د. محمد الهادي ص109، أيتها الفتاة المسلمة، منير الغضبان، ص125 (بتصرف).

([3]) لقد استفدت كثيرًا من بحث إحدى الأخوات في هذا الموضوع فجزاها الله خيرًا.

([4]) رواه البخاري.

([5]) ذكرته إحدى الأخوات في محاضرة لها فجزاها الله خيرًا وبارك الله في مساعيها.

([6]) وصلتني هذه الأوراق والرسائل عن طريق من أرسلت إليهن هذه العبارات.

([7]) رسالة وصلتني من طالبة أعرفها.

([8]) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص300.

([9]) أعرف هذه الطالبة.

([10]) رواه الترمذي وأبو داود.

([11]) ذكرتها لي إحدى الأخوات الثقات إن شاء الله.

([12]) ذكرتها إحدى الأخوات في محاضرة لها عن الإعجاب.

([13]) ذكرت هذه القصة إحدى الثقات والله حسيبها.

([14]) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص309.

([15]) وهذا دليل على أن حبها لم يكن لله بل لأجل شكلها وجمالها.

([16]) أخرجه الترمذي عن أبي برزة (عنه ﷺ‬) وهو حديث صحيح.

([17]) سورة الزخرف: الآية 67.

([18]) أخبرتني بهذه الحادثة إحدى الأخوات.

([19]) رسالة وصلتني من إحدى الأخوات.

([20]) ذكرتها لي إحدى الأخوات الثقات.

([21]) رسالة وصلتني من إحدى الأخوات.

([22]) ذكرتها لي إحدى الأخوات في رسالة لها.

([23]) أعرف هؤلاء الأخوات.

([24]) رسالة وصلتني من إحدى الأخوات.

([25]) متفق عليه.

([26]) أخرجه البخاري مسلم.

([27]) رواه مسلم.

([28]) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

([29]) متفق عليه.

([30]) سورة الزخرف: الآية 67.

([31]) سورة الفرقان: الآيات 27-29.

([32]) ذكر هذا المقال من إحدى الأخوات في إحدى المدارس، فجزاها الله خيرًا على المجهود الطيب (نقل بتصرف بسيط).

([33]) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

([34]) سورة آل عمران: الآية 31.

([35]) أخرجه البخاري ومسلم.

([36]) أخرجه البخاري ومسلم.

([37]) أخرجه أبو داود والترمذي. قال الألباني عنه: «إسناده حسن».

([38]) سورة الزخرف: الآية 67.

([39]) استفدت كثيرًا في ذكر العلاج بمقال جيد للأخ الكريم/ عبد الرحمن بن رشيد الوهيبي في مجلة الدعوة، زاوية أسرتي، بتاريخ 24/12/1402هـ ص48-49، وبحث لإحدى الأخوات في هذا الموضوع. فجزاهما الله خيرًا، وجعل هذا العمل في موازين أعمالنا يوم نلقاه، إنه سميع مجيب.