فن التخطيط وأثره في حياة الداعية

يحيى عبيد ثماني الخالدي


بسم الله الرحمن الرحيم

 التمهيد

إن المتابع للأعمال الدعوية القائمة يلاحظ ضعف التخطيط في العمل الدعوي مما أسهم في إضاعة الكثير من جهود الدعاة وإضعاف ثمار أعمالهم الدعوية، وجعل كثيرًا من البرامج تنفذ لمجرد التنفيذ فقط، ولا ريب أن من أهم السمات المطلوبة في الداعية إلي الله هي البصيرة بمفهومها الواسع، والتي تشمل – غير العلم بموضوع الدعوة – معاني أخرى كثيرة من أهمها: وجود الفهم الشامل لدى الداعية بأهداف دعوته ومقاصدها وإدراكه للوسائل الشرعية التي ينبغي أن يسلكها لتحقيق هذه الأهداف والتنبؤ بما يعترضه من عوائق ومشكلات، وكثيرًا ما يصاب الناس بالإحباط عندما يجدون الطريق الذي يقودهم إلي مستقبل واعد ولا يعرفون كيفية الوصول إلي نهايته، والمشكلة أن هؤلاء مع وجود الرغبة لديهم إلا أنهم بكل بساطة لا يعرفون كيف ومن أين يبدؤون؟ لذلك فإن أغلبهم يشعر بالضياع وكلما بدأ في أمر توقف قبل إتمامه وذلك لأنه يفتقد ميزة التخطيط الفعال لتحقيق أهدافه وإيجاد التوازن في حياته ما بين الواجبات والرغبات والأهداف.

والاستفادة من الوقت في التخطيط هي التي تحدد الفارق بين الناجحين والفاشلين في هذه الحياة فالسمة المشتركة بين كل الناجحين هي قدرتهم على الموازنة بين الأهداف التي يرغبون في تحقيقها والواجبات اللازمة عليهم، وهذه الموازنة تأتي من خلال إدارتهم لذواتهم وهذه الإدارة للذات تحتاج قبل كل شيء إلي التخطيط الجيد.

فالمتبصر في منهج النبي ﷺ‬ في دعوته إلي الله يجد أنه ينطلق من رؤية استراتيجية تدرك متطلبات كل مرحلة وتدرك طبيعة البيئة التي يتحرك فيها، مع عدم إغفال أهدافها الأساسية.

فكان لازمًا على كل داعية أن يتبصر في سيرته - ﷺ‬ من أجل معرفة التخطيط الذي انتهجه فكان نموذجًا يحتذي فتخطيطه - ﷺ‬ - للدعوة إلي الله على مرحلتين: مكية، ومدنية.

فالمرحلة المكية اتخذت عدة خطوات منها:

1- الدعوة السرية: وكان التركيز فيها على النوعية في بناء النواة الأولى وتفادي الصدام المبكر واستيعاب الفئات الاجتماعية المختلفة، وهو ما كفل لها انفتاحًا متوازنًا على الجميع ساعد على انتشار الإسلام.

2- الدعوة الجهرية: وفيها توطين الحركة على الانضباط النفسي ضمن خطة مراحل تشريع الجهاد وخطة الهجرة للحبشة والمرونة في التعامل مع الواقع.

3- طلب النصرة من القبائل والبحث عن سند اجتماعي ، والإحاطة بالخريطة النفسية الاجتماعية لبيئة الدعوة وخطة الهجرة إلي المدينة.

أما المرحلة المدنية فقد اتخذت عدة خطوات:

1- تشريع الجهاد.

2- إدارة الصراع في مواجهة المشركين.

3- البعد الاستراتيجي لمواجهة الروم.

4- مراعاة الظروف المتغيرة في رسم الخطط الأمنية والاقتصادية.

وبعد فإن هذا النموذج يوضح لنا مدى إتقان التخطيط الذي يهدف إلي تأسيس دولة إسلامية قائمة على نظم تساعدها على تحقيق هدفها الرئيس وهو نشر الإسلام والدعوة إلي عبادة الله وحده لا شريك له.

كما أنه يقودنا إلي تساؤل كبير في معناه وهو لماذا لا نخطط؟ وإذا أردنا التخطيط والاحتذاء فما هو التخطيط؟ الذي سيقودنا – بإذن الله سبحانه – إلي النجاح بما أن التخطيط من أهم أسباب نجاح الأعمال الدعوية – كغيرها من الأعمال – والدعوة إلي الله من أهم وأشرف الأعمال لذا لا بد من خطة تحقق من خلالها الأهداف الدعوية وهذا يدفعنا في البداية إلي تعريف التخطيط.

 تعريف التخطيط

هو التفكير اللازم لتنفيذ أي عمل والذي ينتهي باتخاذ القرارات بما يجب عمله، ومتى يعمل؟ وكيف؟وما هي الإمكانات المادية والبشرية والمادية اللازمة لتنفيذه؟.

أو هو تصميم المستقبل المؤمل وتطوير الخطوات الفعالة لتحقيقه

فالتخطيط فن إداري وبقدر ما يكون التخطيط منطقيًا يتواكب مع المعطيات والإمكانات الموجودة بقدر ما يكون وسيلة من وسائل تحقيق الوقت الفعال.

فقد قيل فكر قبل أن تنجز! حيث تضع أهدافك في برنامج عملي قابل للتنفيذ ورسم صورة واضحة للمستقبل ، وتحديد الخطوات الفاعلة للوصول إلي هذه الصورة ، وكيف نتعامل مع الزمن ونختار الأولويات التي تساعدنا على التفريق بين المهم والأهم، والعمل العاجل المهم ، والمهم وليس بعاجل ، وهذا أمر يعين على النجاح وعلى سلامة الدعوة وهناك معايير خاطئة في تحديد الأولويات منها:

أ- تقديم العمل المحبوب على العمل غير المحبوب.

ب- تقديم العمل السهل على الصعب.

ج- تقديم الأعمال ذات الوقت القصير على ذات الوقت الطويل.

د- تقديم الأعمال العاجلة على غير العاجلة وإن كانت مهمة.

وتأمل وصية الصديق حين أوصى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بقوله «.. واعلم أن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وأن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل» فحين تبدأ في التخطيط فلا تخلط بين الأعمال، واجعل لكل وقت وحال ما يناسبه من العمل، فإن الله – عز وجل – جعل النهار للضرب في الأرض والكسب، وجعل الليل للقيام والمناجاة .. وللصحة عمل ، ولحال المرض عمل آخر فلا تكن كحاطب الليل بل حدد أولوية العمل على ضوء جدواه وواقعيته وأهميته!

أنواع التخطيط الرئيسية:

1- التخطيط المستقبلي وتوقع الأحداث المستقبلية والاستعداد لها.

مثال ذلك: أن الرسول ﷺ‬ عين ثلاثة قادة لمعركة مؤتة تحسبًا واستعدادًا لما سيحدث.

2- التخطيط الذاتي لإحداث التغييرات السلوكية – المقبولة في المجتمع والمتوافقة مع الشريعة-.

3- التخطيط التتابعي وهو الانطلاق من حيث توقف الآخرون.

4- التخطيط التحليلي وهو اختيار حل لمشكلة عن طريق طرح الحلول وتحليلها.

خطوات التخطيط: للتخطيط خطوات ثمان أساسية هي:

1- التقييم: الشعور بعد الارتياح والنقد للوضع الحالي والحاجة للتغيير.

2- الالتزام: اتخاذ القرار بشأن التغيير.

3- التقصي: تجميع المعلومات والأفكار والأدوات والدراسات المتعلقة بموضوع التخطيط.

4- القرار: استخدام الحواس والأدوات للوصول إلى أفضل الخيارات المطروحة.

5- التنظيم: وجود استراتيجيات محددة لتنظيم الأولويات والجداول الزمنية والطرق الملائمة للتنفيذ.

فالدعوة يجب أن تركز على الكل ، ثم تنطلق إلي الأجزاء لأن الدعوة إلي التوحيد مثلاً أولى من الدعوة إلى الزكاة ، ومثال ذلك: إرسال سيدنا محمد عليه السلام أبا موسى الأشعري لليمن كي يدعو أهلها إلي الإسلام فقد قال له عليه – الصلاة والسلام-: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم أجابوك فادعهم إلي الصلاة فإن هم أجابوك فادعهم إلي الزكاة».

6- التحضير: الاستعداد بدقة وعناية للتعامل مع الظروف المختلفة.

مثال ذلك: تجهيز النبي محمد الجيش لفتح مكة فقد أخفى وجهة الجيش تحسبًا للظروف التي قد تنشأ في حال علم القبائل بنية المسلمين.

7- التطبيق: تنفيذ سلسلة من المهمات وإمكانية قياسها.

8- الإنجاز: تحقيق الأهداف الحالية ثم البدء في تحقيق أهداف أخرى أثناء صعودك سلم النجاح.

التقييم: معرفة ما تم إنجازه وما نسبة ما حقق من الأهداف الموضوعة.

التقويم: وهو تصحيح الأخطاء التي وقع فيها الداعية لكي يتجنبها في المستقبل.

 عناصر التخطيط:

أولاً: التنبؤ: احرص على دقة التنبؤ وأن تكون المعلومات المطروحة من خلاله حديثة وذات فائدة مباشرة ، وممكنة الإدراك وسهلة الفهم؛ لأن الخطط تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات.

ثانيًا: تحديد القواعد والتعليمات: وينبغي أن تكون هذه القواعد والتعليمات التي تنظم أوجه النشاط:

1- مرنة: بحيث تستطيع أن تتأقلم مع الظروف المحيطة.

ومثال ذلك: تأجيل سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام – إعادة بناء الكعبة بعد هدمها عند الفتح وذلك لمراعاة الظرف القائم، وهو أن أهل مكة حديثو العهد بالإسلام ، ولربما يسبب هدم الكعبة ردة بعض المسلمين. حيث قال – عليه الصلاة والسلام – لأحد الصحابة: «لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين، يدخل منه الناس وباب يخرج منه».

2- واضحة: بحيث يستطيع أكثر من شخص التعامل معها وليس فقط من وضع البرنامج.

3- مستمرة: بحيث تناسب جميع مراحل الخطة ولا تصلح – فقط – لبعض المراحل دون أخرى.

ثالثًا: تحديد الأهداف: بعد أن قمت بتحديد الفكرة العامة للنشاط أو البرنامج جاء دور تحديد الأفكار والأهداف ويشترط في الأهداف المراد تحديدها:

أ- أن تتفق الأهداف مع قيم ومبادئ مجتمعنا الإسلامي مع إمكانية تحقيقها بواقعية.

ب- أن تكون الأهداف واضحة وغير متعارضة مع أهداف أخرى ومفهومة لمن يتولى التنفيذ.

ومثال على تحديد الأهداف: عندما قال – عليه الصلاة والسلام – في غزوة الأحزاب ، والمسلمون في حصار وكرب: «من يأتيني بخبر القوم وله الجنة» واشترط عليه الصلاة والسلام على من يذهب ألا يحدث شيئًا لم يأمر به رسول الله، فذهب حذيفة بن اليمان وجاء بخبر الأحزاب للرسول – عليه الصلاة والسلام – وقد كان بإمكانه قتل أبي سفيان ، ولكنه لم يفعل واكتفى بالهدف الذي خرج من أجله.

 الأهداف

تعريفها: هي الغايات المراد الوصول إليها.

أقسامها: تنقسم الأهداف إلى:

أولاً: هدف عام: وهو عبارات وصفية تبين ما تريد المؤسسة أو الجمعية أو الإدارة ككل تريد تحقيقه أو التوصل إليه ويتصف بأنه طويل المدى، عام وليس محددًا ويعين الاتجاه الذي يحقق الجهود.

خصائص الهدف العام:

1- يصاغ في عبارات وصفية عامة.

2- طويل المدى.

3- يكون على مستوي الإدارة أو المؤسسة.

4- يوجد الجهود الجماعية.

5- يحدد الاتجاه العام وليس نتائج محددة بعينها.

6- غير قابل للقياس على المدى القريب مثل: «إصلاح شباب الأمة».

ثانيًا: هدف محدد: وهو عبارة محددة تبين النتائج التي تريد إدارة المؤسسة تحقيقها في سبيل تحقيق الأهداف العامة ، وهي تصاغ بشكل كمي ورقمي يجعلها قابلة للقياس في كل مرحلة من مراحل التنفيذ.

خصائص الأهداف المحددة:

1- تركز على نتائج محددة ومثالها سفارة مصعب بن عمير – رضي الله عنه – إلي يثرب قبل الهجرة حيث هدف إلى تعريف أهل يثرب بالإسلام فقط دون زيادة.

2- تصاغ بعبارات أو بأسلوب كمي أو رقمي.

3- قابلة للقياس.

4- مرتبطة بإطار زمني محدد.

5- يختلف مداها الزمني باختلاف المستوى الإداري فيه تتراوح بين قصيرة وطويلة المدى.

6- تكون على مستوى إدارات المؤسسة الفرعية «أو الحزبية» وليس على مستوى المؤسسة ككل.

7- تستمد من الأهداف العامة وتعمل على تحقيقها.

وهي ثلاثة أنواع:

أ- أهداف طويلة المدى (3 – 5 سنوات).

ب- أهداف متوسطة المدى (ستة أشهر – سنتان).

ج- أهداف قصيرة المدى (أهداف يومية – أسبوعية – شهرية – ربع سنوية).

مزايا تحديد الأهداف (مسبقًا):

1- الأهداف تركز وتوجه الاهتمام إلى النتائج النهائية ، وليس التي يقوم بها الأفراد لتحقيق النتائج.

2- الأهداف مقياس للرقابة وتقييم الأداء أثناء التنفيذ.

3- يحقق إنجاز الأهداف الشعور بالرضا.

4- تحول دون إهدار الوقت.

5- تساعد الأهداف في وضع خطة متكاملة متناسقة مع بعضها.


 صفات الهدف المحدد الجيد

1-  واقعي: لا يكون فيه مغالاة في الطموح والتفاؤل.

2- ملائم: أن يكون جديرًا بالاهتمام والجهد ويساهم في تحقيق الأهداف العامة.

3- قابل للقياس: مكتوب بصيغة كمية «أرقام – نسبة - تاريخ».

4- واضح ومفهوم.

5- يمكن تحقيقه.

6- متناسق: لا يتعارض مع بقية الأهداف لإدارة المؤسسة.

7- مؤقت.

8- محدد: يركز على نتيجة واحدة وليس عدة نتائج.

9- يثير التحدي.

10- مؤثر: أي أن يحدث اختلافًا أو تغييرًا جزئيًا.

11- أن يصاغ باستخدام ألفاظ سلوكية: وهي ما يدل على ما يفعله أو يقوله الإنسان أو يلاحظه الآخرون، مثل: ينفذ- يدرب-يحصل على- يحقق- يزيد.. فهذه الألفاظ يمكن ملاحظتها وبالتالي قياسها. أما الألفاظ غير السلوكية مثل: يتعرف على، يفهم، يلم بـ، يدرك .. فهذه الألفاظ تدل على أشياء لا يمكن ملاحظتها أو قياسها.


 المبادئ والإرشادات العامة في التخطيط

1- لا تباشر التخطيط إلا بعد الحصول على قدر كاف من الراحة والهدوء واعتدال المزاج والشعور بالثقة وعدم القلق والتوتر أو الإحباط؛ لأن التخطيط يحتاج منك إلي جميع قواك الذهنية ، نم تفكير وتذكر وخيال كما يحتاج إلي صفاء النفس.

2- توافر المعلومات عن الواقع القائم وعن العمل الذي تسعى لإقامته وإيجاده فلا بد من الإلمام بالواقع وتوليفه كما هو عليه من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الواقع سيكون منطلقًا للمستقبل الذي تخطط له والمراد هنا واقع العمل الذي تريد التخطيط له وتطويره وإنجازه لا واقع الحياة كلها.

3- تحديد الأهداف المرجوة من العمل الذي تخطط له.

4- معرفة وحصر ما تحتاج إليه من وسائل وإمكانات بشرية ومادية لتنفيذ خطتك وتحقيق أهدافك ومعرفة ما هو موجود منها وما هو المتاح الآن؟ وكيف يمكن إيجاده؟

5- تحديد زمان ومكان تنفيذ العمل وإنجازه ويجب أن يكون تحديد هذين العنصرين واضحًا وضوحًا لا لبس فيه فإن لم يتم ذلك فستبقى الخطة ناقصة حتى يتم استكمال ذلك.

6- تحديد من يقوم بتنفيذ العمل إما بتحديد عينه أو شخصه سواء كان فردًا أو مجموعة.

قياس النجاح (التقويم):

تعتبر هذه آخر وأهم مرحلة وهي التي يقاس فيها مدى تطبيق خطتك بنجاح بمعنى ما مدى إنجاز أهدافك أو غايتك؟ وبهذا فأنت بحاجة لتعرف مدى توافق أهدافك النهائية مع خطتك.

نقد وتقدير أدائك في التنفيذ:

إن المقارنة بين ما نفذ وما خطط له يعطيك تقييمًا واضحًا حول أدائك ومن خلال هذه التقييم تستطيع أن تتعرف على مواضع الأخطاء ويمكن تقييم ذلك عن طريق:

1- النوعية والتأكد من أن العمل مساوٍ لما خطط له أم لا؟

2- مقدار العمل وهل هو أقل أو أكثر مما خطط له؟

3- «الجدول الزمني» وهو الزمن الذي يتم من خلاله إنجاز العمل المخطط.

4- الموازنة بين التكلفة المادية المتوقعة والتكلفة الحقيقة.

تقييم جهودك:

عليك أن تسعى لأن تؤدي جهودك المبذولة إلي نتائج عالية وهذا باختصار يجعلك تؤدي الأمور المناسبة في الوقت المناسب من خلال الاعتماد على الأفراد المناسبين، وعليك الانتباه للأمور التي تبدد جهودك سدى.

إيجابيات التخطيط وأثره في حياة الداعية:

ويمكن أن تبرز أهم ما يمكن أن يسهم التخطيط في النهوض بالأعمال الدعوية والارتقاء بها حتى تحقق أهدافها بإذن – الله تعالى – ثم بجهود الدعاة الصادقين المخلصين، وأبرز هذه الإيجابيات هي:

1- أن التخطيط يحدد أهداف الدعاة وغايات البرامج والمشروعات الدعوية، كما يفيد في حسن الأداء أثناء التنفيذ والتقويم الدقيق بعد ذلك ولا زال هذا الأمر – وهو وضوح الهدف – غائبًا عن كثير من العاملين في الدعوة فهو لا شك يدرك الهدف العام – وهو تبليغ دين الله – ولكنه يجهل الأهداف الخاصة لكل برنامج مما يوجد في كثير من الأحيان سلبيات كثيرة على هذه البرامج وأي عمل دعوي يجب أن ينتهي إلي ثلاث نتائج «حفظ العقيدة، أداء الفريضة، اجتناب الكبائر».

2- يساعد التخطيط في اختيار طرق الدعوة المناسبة والملائمة لكل داعية بحسب قدراته وإمكاناته المتوافقة مع طبيعة البرنامج والأهداف المرسومة له وفي تحديد الرأي الأقرب للتقوى لكل برنامج ، فأحيانًا قد يختار الداعية أساليب للدعوة لا تؤدي إلي نجاح البرنامج: إما لعدم مناسبتها لأهداف البرنامج أو لطبيعة البرنامج وأهدافه وقدراته الدعوية أو أنها غير ملائمة لبيئة الدعوة أو نوع المدعوين وطبيعتهم وقد يجتهد الداعية أحيانًا في اختيار وسيلة غير منضبطة بضوابطها الشرعية.

3- يجعل من السهل التنبؤ بمعوقات البرنامج الدعوي التي يفاجأ بها الداعية أثناء أو قبل البرنامج ويتم هذا بالاستفادة من المعلومات والبيانات التي يجمعها واضع الخطة الدعوية مما يجعله – بإذن الله – أكثر أمانًا وأقل عرضة للمفاجآت التي قد تذهب جهوده أو تضعف ثمارها إضافة إلي أنه يعالج الخطأ في الوقت المناسب وقبل أن يتراكم فيمنع الرؤية وتصعب معالجته.

4- يسهم التخطيط في ترتيب الأولويات لدى العاملين والقائمين على البرنامج الدعوي مما يساعد في اختيارهم الأهم منها عند حدوث تضارب أو تداخل أو عند الحاجة لتقديم برنامج آخر أو إلغاء أحدهما أو غير ذلك.

5- يحدث التخطيط كثيرًا من الانسجام والتناسق بين أعمال الداعية مما يمنع الازدواجية والتضارب في أعماله وبرامجه، فلا تضيع بفعل ذلك كثير من الجهود والأوقات التي يمكن استغلالها لتنفيذ برامج أخرى.

6- يعمل التخطيط على توفير كثير من النفقات المالية والجهود البشرية التي توضع في غير موضعها بسبب ضعف التخطيط أو انعدامه مما يساعد على استثمار هذه الجهود والنفقات لإقامة برامج دعوية أخرى، ولا شك أن عدم وجود تصور واضح للميزانيات المتوقعة لتنفيذ البرنامج هو من آثار ضعف التخطيط.

7- يفيد التخطيط في تحديد مواعيد زمنية تضبط بدء الأنشطة وانتهاءها، وهذا يجعل الداعية قادرًا على تقويم أعماله ومدى التزامه بالمدة الزمنية المحددة لتنفيذها وكذلك في حسن التوقيت لإقامة البرامج ومنع التضارب مع أنشطة أخرى.

8- يفيد التخطيط في التجديد في الأساليب والوسائل الدعوية وفي البعد عن الرتابة والتمسك بالأساليب التقليدية مع التمسك بثوابت المنهج الصحيح في الدعوة.

9- يفيد التخطيط في التنسيق بين العاملين أو الجهات الدعوية في الساحة الدعوية بأشكال مختلفة سواء في التنسيق في توزيع المواقع الجغرافية أو التخصص في البرامج الدعوية أو غير ذلك كما يفيد في منع التكرار في البرامج ويحول دون إضاعة الجهود أو إغفال برامج أخرى قد تكون الحاجة إليها كثيرة.

10- يفيد التخطيط في تقويم الواقع الدعوي في المواقع المختلفة التي تنفذ فيها الخطط الدعوية وفي تحديد مواطن الضعف في الخطة أو في أٍسلوب التنفيذ ليتم تلافيها في الخطط القادمة وهذا مما يؤكد أهمية التخطيط في أنه يساعد في عدم تكرار الأخطاء التي ترتكب وفي عمل مراجعات شاملة في نهاية كل خطة دعوية ليتم تقويم النتائج والنسب المتحققة من أهدافها وأبرز سلبياتها وإيجابياتها.

11- يجعل من السهل على الداعية أن يحصر البرامج والأنشطة والخطط اللازمة لتوجيه مسار الدعوة بالشكل الصحيح.

12- يسهم في معرفة مواضع الضعف في الطبيعة البشرية ومن ثم تحديد البرامج التدريبية اللازمة للارتقاء بالكفايات الدعوية من الجوانب العملية والإدارية والقيادية كافة.

13- يساعد التخطيط القائمين على الأعمال الدعوية في وضع معايير وأسس لمتابعة أداء الدعاة والعاملين في البرامج ومدى تحقيقهم لأهداف البرنامج.

14- يفيد التخطيط في تحديد مهام العاملين في البرنامج الدعوي أو الخطة الدعوية عمومًا وطريقة أدائهم مما يساعد على إدارتهم وتوجيههم بالطريقة المناسبة لتحقيق الأهداف المطلوبة.

15- يزيد التخطيط من فاعلية وإنتاجية المديرين للبرامج أو الخطط الدعوية فما دام أن التخطيط يساعد في وضع الأهداف بشكل واضح ومحدد فإنه كذلك يساعد القائمين عليه في اتخاذ القرارات المناسبة التي تحكمها الأهداف الموضوعة للخطة الدعوية.

16- يساعد التخطيط في استغلال الفرص الدعوية حيث يفيد في الإعداد المبكر وحسن اختيار التوقيت للبرامج وجمع المعلومات الخاصة بالبرامج وخصوصًا مواعيد إقامتها وتحديد ذلك مسبقًا والإعداد الجيد لها.

17-  يفيد التخطيط في جعل البرامج والخطط أكثر شمولية وتكاملاً ويلاحظ أثر ذلك في جهود بعض الدعاة أو الجهات الدعوية حيث تركز على شرائح معينة من المجتمع أو على موضوعات وجوانب معينة في برامجها، وتهمل غيرها بينما التخطيط يجعل للعمل الدعوي والجهود الدعوية سمة الشمولية في أطروحاتها وبرامجها.

18- يساعد التخطيط على استمرار الجهود الدعوية – بإذن الله – فكثيرًا ما تتوقف الأنشطة وتتعطل البرامج بسبب حدوث المفاجآت كانقطاع الدعم أو سوء التنفيذ أو سوء التوقيت ولعدم وضع بدائل لهذه الحالات الطارئة:

 تطبيق (1): سفينة نوح عليه السلام:

1- ما هدف التخطيط في هذه الحالة؟

ج: الهدف نقل مجموعة من الكائنات الحية إلي مكان آخر.

2- لماذا كان هذا الهدف ذا قيمة؟

ج: لأنه يحافظ على استمرار الحياة والعبادة على الأرض.

3- من القائم على التخطيط ومن المستفيد منه؟

ج: النبي نوح – عليه السلام – ومن آمن معه ، ومجموعة أزواج من المخلوقات.

4- كيف سيتم تحقيق هذا الهدف؟

ج- باستخدام وسيلة نقل بحرية.

5- متى سيكون العمل أو الحدث أكثر فاعلية؟

ج: عند بداية الفيضان مباشرة.

6- أين سيكون النشاط أكثر فاعلية؟

ج: في ضاحية شرق المدينة.

7- ما تكاليف العمل من موارد بشرية ومالية وزمنية؟

ج: أن يتفرغ نوح – عليه السلام – وعدد من المؤمنين للعمل التطوعي لفترة طويلة ، وبذلك لن تزيد النفقات عن ثمن المواد المطلوبة لبناء السفينة.

8- ما المنفعة التي ستتحقق من هذا العمل؟

ج: عمارة الأرض بالحياة البشرية والحيوانية الخاضعة لله – سبحانه وتعالى.

 تطبيق: (2): قصة الأخدود:

1- ما هدف التخطيط في هذه الحالة؟

ج: إبطال دين الملك وإحقاق دين الله – عز وجل.

2- لماذا كان هذا الهدف ذا قيمة؟

ج: لأن الناس دخلوا في دين الله جميعًا.

3- من القائم على التخطيط؟ ومن المستفيد؟

ج: القائم على التخطيط هو الغلام ، والمستفيد الغلام وبقية الناس.

4- كيف سيتم تحقيق هذا الهدف؟

ج: أن يقدم الغلام طريقة قتله للمك أمام الملأ، وبأن يقول الملك جملة: «باسم رب الغلام».

5- متى سيكون العمل أو الحدث أكثر فاعلية؟

ج: عند نجاح الملك في قتل الغلام بعد قوله: «باسم رب الغلام» بعد عدة محاولات فاشلة دون ذكر رب الغلام «الله».

6- أين سيكون النشاط أكثر فاعلية؟

ج: في صعيد يتسع لملأ من الناس حيث يرى ويسمع الجميع.

7- ما تكاليف العمل الدعوي؟

ج: حياة الغلام.

8- ما المنفعة التي ستحقق من هذا العمل؟

ج: إيصال دعوة التوحيد وإيمان الناس بها.

 تطبيق (3): قصة سيدنا موسى – عليه السلام – مع فرعون:

1- ما هدف التخطيط في هذه الحالة؟

ج: إبطال سحر السحرة وإثبات أن موسى نبي ومرسل ومؤيد من الله – عز وجل .

2- لماذا كان هذا الهدف ذا قيمة؟

ج: لأنه يحافظ على إيمان بني إسرائيل بسيدنا – موسى عليه السلام – وتكذيب دعوة فرعون.

3- من القائم على التخطيط؟ ومن المستفيد منه؟

ج: سيدنا موسى عليه السلام والمستفيد سيدنا موسى عليه السلام وبنو إسرائيل.

4- كيف سيتم تحقيق هذا الهدف؟

ج: باستخدام العصا التي ستكون حية – بإذن الله.

5- متى سيكون العمل أو الحدث أكثر فاعلية؟

ج: يوم الزينة وهو يوم العيد ، وفي وقت الضحى عندما يكون الناس في أشد حالة من الاستيقاظ.

6- أين سيكون النشاط أكثر فاعلية؟

ج: أمام الملأ في صعيد واحد والجميع يرى الجهة.

7- ما المنفعة التي ستتحقق من هذا العمل؟

ج: استمرار دعوة التوحيد والعبودية لله.

***


 الأسباب التي تجعلنا لا نخطط

1- الجهل بالتخطيط وعدم معرفة أهميته في الحياة، فتجد بعض القرارات مبنية على إحساس فطري بتلبية حاجات إنسانية معينة.

2- عدم معرفة كيفية التخطيط. أي عدم توافر المهارات اللازمة لعمل ذلك.

3- عدم القناعة بالتخطيط والشعور بأنه مضيعة للوقت وأنه عديم الفائدة وأنه قيود تضعها على نفسك.

4- عدم توافر الطموح وعدم التطلع الحثيث للأفضل والقناعة بالوضع الحالي أو الحالة الراهنة.

5- الشعور بالضياع فهناك الملايين من البشر يعيشون في هذه الحياة بلا أهداف واضحة، وليس هناك اتجاه يضبط إيقاع تصرفاتهم، فتجدهم يدورون في حلقات مفرغة، ويقعون ضحايا للأهواء والمصالح الآنية وقصور الرؤية، والتخبط.

6- الاستسلام للأمور العاجلة والغرق في تفاصيلها وجعلها كل شيء  في الحياة وعدم التفريق بين المهم والأهم.

7- الخوف من المجهول والركون إلي المعلوم، فعملية التخطيط تحتاج إلي التخيل والتصور واستشراف المستقبل وصورته وما يجب أن يكون ، والحقيقة أن التخطيط لا يخلو من عنصر المخاطرة.


 الخاتمة

وأخيرًا لا بد من الإشارة إلي حقيقة كبرى يجب ألا يغفل عنها الدعاة هي أن الشرط الأساسي لنجاح الدعوة إلى الله أن يوجد في نفس الداعية شوق عارم إلى العلم، وظمأ إلي المعرفة ، وعزم على الدرس والتحصيل الذي يقوده إلي التخطيط الواعي بأعماله الدعوية التي سوف ينجزها.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.