قصر الصلاة في السفر والخوف

سليمان بن إبراهيم اللاحم


 الإهداء

أهدي هذه السلسلة المباركة لجميع المسلمين، وبخاصة طلاب العلم الشرعي، وأخص منهم أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وكل من ينشد السعادة ويستلهم الرشد والهداية من كتاب الله عز وجل.

والله أسأل أن يعم بنفعه، وأن يضاعف أجره لي ولوالدي ووالديهم، ولكل من استفدت منهم من علماء المسلمين في التفسير وغيره، وكل من كان عونًا لي – ولو بالتشجيع على هذا العمل - وأن يبارك في ثوابه لأهلي وأولادي وإخواني وأخواتي وجميع أقاربي وجيراني، ومن أحبني في الله، ومن أحببته في الله، ومشائخي وزملائي وطلابي، وجميع إخواني المسلمين، فإن فضله عز وجل عظيم، وكرمه واسع، وجوده عميم.

أخي الكريم: هذا العمل جهد المقل، ولا يخلو من تقصير، كغيره من أعمال البشر، وكما قيل:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها

كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

المؤلف

القصيم – بريدة

ص.ب 23440


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله الذي وضع عن هذه الأمة الآصار والأغلال والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، أما بعد:

فقد راعت شريعة الإسلام أحوال الناس فلم تكلفهم من الأعمال ما لا يطيقون، ورفعت عنهم الآصار والأغلال التي كانت على من سبقهم من الأمم، ورفعت عنهم الحرج والمشقة والإعنات، وإذا كان ثمة مشقة زائدة حصل التخفيف وكان التيسير والترخيص. وهذا ما نجده في كثير من الأحكام والتكاليف في الصلاة والصوم والجهاد وغير ذلك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([1])، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([2])، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾([3])، ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾([4]) والسفر مشقة وهو قطعة من العذاب، فلا جرم أن خفف الله فيه عن المسافر، ورخص له رخصًا عديدة منها رخصة قصر الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، من أربع ركعات إلى ركعتين، وهذا في كل ضرب في الأرض، وفي سائر الأسفار؛ أما في حال الخوف والفتنة فهناك رخصة أخرى، غير مجرد القصر المرخص به لكل مسافر؛ إنما هو قصر في صفة الصلاة ذاتها، وحيئنذ ففي شدة الخوف يصلي الرجل كيف أمكنه راكبًا وراجلاً، مستقبلاً القبلة وغير مستقبل لها، ويومئ بالركوع والسجود: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾([5]).

وفي مواجهة الأعداء وفي أرض المعركة - حيث لا التحام بين المسلمين وعدوهم - رخص الله لهم في صلاة فيها الحيطة بأخذ السلاح، والتناوب في متابعة أعمال الصلاة مع الإمام، وفيها الحذر من العدو أن يدهمهم وهم منشغلون بالصلاة، على الصفة التي ذكر الله عز وجل في كتابه، والصفات التي صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته.

وسأتناول في هذا البحث الكلام عن هذا الموضوع من خلال الكلام على قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾([6]).

سائلاً المولى عز وجل أن يرزقني الإخلاص في القول والعمل إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المؤلف


 قصر الصلاة في السفر، وكيفية صلاة الخوف

قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا * وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾([7]).

صلة الآيات بما قبلها:

ذكر الله تعالى في الآيات السابقة شيئًا من أحكام الجهاد، ثم أتبع ذلك بذكر قصر الصلاة في السفر وكيفية صلاة الخوف؛ لأن كلا من الجهاد والهجرة غالبًا يحتاجان إلى السفر، وكل منهما مظنة الخوف؛ فهذه الآيات على هذا تعتبر تتمة لذكر أحكام الجهاد والهجرة.

معاني المفردات والجمل:

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾:

الواو: استئنافية، و«إذا»: ظرفية شرطية غير عاملة.

قوله: «ضربتم»: فعل الشرط، والخطاب للمؤمنين، لأنهم هم أمة الإجابة، المخاطبون بالتكاليف الشرعية. والضرب في الأرض هو السفر فيها ([8] قال تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾([9]).

أي: يسافرون في الأرض لطلب الرزق من الله، وسمي السفر ضربًا في الأرض أخذًا من ضرب المسافر الأرض برجليه وعصاه وقوائم دابته ([10])، أو أخذًا من ضرب المسافر لدابته حال السفر.

قال ابن العربي ([11]): «وما أظنه سمي به إلا لأن الرجل إذا سافر ضرب بعصاه دابته، ليصرفها في السير على حكمه، ثم سمي به كل مسافر».

ويؤيد هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في أبي جهم: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه من عاتقه»([12]).

بمعنى أنه كثير الأسفار، أو بمعنى أنه ضراب للنساء ([13]).

وقيل: سمي السفر ضربًا في الأرض أخذًا من ضرب الأقدام على الأرض ([14]).

وسواء كان السفر مشروعًا كالسفر للحج أو للجهاد، أو مباحًا كالسفر لطلب الرزق والتجارة، قال تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾([15]).

أو كان السفر محرمًا كالسفر لقطع الطريق ونحو ذلك ([16])، وذلك لإطلاق الضرب في الأرض في الآية.

قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. هذه جملة جواب الشرط والفاء رابطة لجواب الشرط.

قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الجناح: الإثم والحرج ([17]) أي: إثم عليكم ولا حرج أن تقصروا من الصلاة. وهذا لا ينافي كون القصر أفضل من الإتمام؛ بل ولا ينافي كون القصر واجبًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾([18])، والسعي عند عامة أهل العلم إما ركن وإما واجب، فنفي الجناح عمن قصر الصلاة لإزالة ما قد يتوهم أنه لا يجوز قصرها، حيث تقرر عند المسلمين وجوب إقامتها تامة حال الأمن والإقامة ([19]).

قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾: «أن» مصدرية والفعل «تقصروا» منصوب بها، وعلامة نصبه حذف النون، و «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر، والتقدير: في أن تقصروا([20]).

والقصر لغة: النقص، ضد الإتمام والطول([21]).

﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾: "من" تبعيضية؛ أي أن تقصروا من بعض الصلاة، وهي الصلاة الرباعية ([22]).

والصلاة لغة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾([23]). أي: ادع لهم.

وهي في الشرع: التعبد لله بأقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم و «ال» في الصلاة للعهد الذهني؛ أي: الصلوات الخمس المعهودة المعروفة.

واختلف في المراد بقصر الصلاة في الآية على قولين([24]):

فقال أكثر أهل العلم: المراد به قصر الكمية والعدد. قالوا: لأن القصر عبارة عن الإتيان ببعض الشيء والاقتصار عليه، ولأن لفظ القصر كان مخصوصًا في عرفهم بنقص العدد، ولهذا لما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ركعتين قال ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت»([25]) ويدل على هذا «من» فهي للتبعيض أي: بعض الصلاة. قالوا: ولأن قصر الهيئة مذكور في الآية التي بعدها ([26]).

ومن هؤلاء من قال: المراد قصر صلاة السفر من أربع إلى اثنتين([27]).

واستدلوا بما رواه يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس؟! فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»([28]).

وقال بعضهم: المراد بالقصر قصر صلاة الخوف من اثنتين إلى واحدة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض صفات صلاة الخوف أنه صلى بكل طائفة ركعة واحدة فقط، وانصرفوا، وكانت له ركعتان.

القول الثاني: أن المراد بالقصر في الآية قصر الكيفية والصفة عند الخوف ([29] لقوله بعده: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾([30] قالوا: ويدل على هذا أنه عز وجل أتبع ذلك بذكر صفة صلاة الخوف بقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾... الآية، ولهذا لما عقد البخاري رحمه الله كتاب صلاة الخوف صدره بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾... إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾([31] كما يدل على هذا قوله بعد هذا: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي أقيموها تامة بكيفيتها وصفتها حال الأمن([32]).

واستدلوا على هذا بالأحاديث الدالة على أن صلاة السفر أصلها ركعتان: كحديث عائشة وعمر وابن عباس وغيرهم([33])، كما سيأتي في ذكر أدلة القائلين بوجوب القصر في الأحكام.

وعن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر؟ فقال عبد الله: «إنا وجدنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - يعمل عملاً عملنا به»([34]).

قال ابن كثير([35]) بعد أن ذكر هذا الأثر: «فقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن». قال ابن كثير: «وأصرح من هذا ما أخرجه ابن جرير أيضًا عن سماك الحنفي: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة»([36]).

وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله ومجاهد والضحاك والسدي ([37]) وغيرهم، واختاره الطبري([38]).

وقال بعض العلماء: القصر في الآية يحتمل الأمرين: قصر العدد والكمية، وقصر الصفة والكيفية([39]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([40]): «وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر؛ لأن القصر يتناول قصر العدد، وقصر الأركان، فالخوف يبيح قصر الأركان، والسفر يبيح قصر العدد، فإذا اجتمعا أبيح القصر بالوجهين، وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعي القصر».

وقال أيضًا([41]): «قيل المراد بالقصر في الآية قصر العدد فقط، فعلى هذا يكون التخصيص بالخوف غير مفيد. والثاني: أن المراد قصر الأعمال، وهذا يرد عليه أن صلاة الخوف جائزة حضرًا وسفرًا، والآية أفادت القصر في السفر. والثالث - وهو الأصح : أن الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعا، ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف، فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامع لهذا ولهذا، وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد الخوف فإنما يبيح قصر العمل».

قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

«إن»: شرطية، «خفتم»: فعل الشرط.

﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾: «أن»: حرف مصدري ونصب.

و«يفتنكم»: منصوب به وعلامة نصبه الفتحة.

و«أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لـ «خفتم» تقديره: إن خفتم فتنة الذين كفروا.

وجواب الشرط معلوم من السياق، ومفهوم الشرط: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أن القصر لا يجوز إلا بوجود الخوف مع السفر، وهذا المفهوم غير مراد على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ إما لأن الله رفع هذا الشرط؛ يدل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر لما سأله عن القصر وقد أمن الناس، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»([42]).

وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب؛ إذ كان الغالب على أسفارهم آنذاك الخوف ([43]).

والأول أولى: وأيًّا كان ذلك فالآية - كما سبق - تدل على جواز القصر حال السفر وحال الخوف؛ فإن وجد السفر وحده جاز قصر العدد والكمية، وإن وجد الخوف وحده جاز قصر الصفة والكيفية، وإن وجدا معًا جاز القصران.

وقوله: ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾: الفتنة: الابتلاء والاختبار، وتكون في الخير والشر؛ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾([44]).

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الكفر لغة: الستر والتغطية، وشرعًا: جحود شريعة الله ووحدانيته ([45]) وهو ضد الإيمان؛ فهو الكفر بالله بجحودِ وجوده، أو جحود ربوبيته أو جحود أِلوهيته أو جحود أسمائه وصفاته أو جحود ذلك كله.

ومعنى قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بقتالهم لكم ومنعكم من تمام الصلاة وصدكم عن دينكم.

قال الطبري ([46]): «إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم وفتنتهم إياهم حملهم عليهم وهم فيها ساجدون حتى يقتلوهم ويأسروهم فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له».

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.

تعليل للحكم السابق وهو قصر الصلاة.

﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: كان: مسلوبة الزمان تفيد تحقيق الوصف، وإثبات هذا الحكم وهو عداوة الكافرين للمؤمنين في جميع الأوقات والأحوال. وإنما وحَّد «عدوًا» وقبله جمع كوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾([47])؛ لأنه بمعنى المصدر يستوي فيه ويوصف به الواحد والجمع ([48]).

والتقدير: كانوا لكم ذوي عداوة ([49]).

قوله ﴿مُبِينًا﴾ صفة لـ «عدوا» أي مظهري العداوة.

والمعنى: أن الكافرين كانوا للمؤمنين أعداء، عداوتهم للمؤمنين ظاهرة بينة، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾([50]).

قال الطبري ([51]): «عدوًا قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله ورسوله».

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية:

صلة الآية بما قبلها:

لما ذكر الله مشروعية قصر الصلاة في السفر والخوف أتبع ذلك بذكر كيفية الصلاة حال الخوف، وإذا تقابل الصفان ([52]).

سبب النزول:

عن أبي عياش الزرقي قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غرة، لقد أصبنا منهم غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فأنزل الله صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى ربنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر – يعني فرقتين – فرقة تصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفرقة خلفهم يحرسونهم، ثم كبر فكبروا جميعًا، وركعوا جميعًا، ثم سجد الذين يلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قام فتقدم الآخرون فسجدوا، ثم قام فركع بهم جميعًا، ثم سجد بالذين يلونه حتى تأخر هؤلاء، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم تقدم الآخرون فسجدوا، ثم سلم فكانت لكلهم ركعتين مع إمامهم، وصلى مرة أخرى في أرض بني سليم»([53]).

قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾: الواو: عاطفة، و«إذا»: ظرف للزمن المستقبل متضمن معنى الشرط.

و ﴿كُنْتَ﴾: "كان": فعل الشرط، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من حيث الحكم يشمل قادة جيوش الأمة من بعده، وإنما خص به - صلى الله عليه وسلم - لأنه رسول الأمة وقائدها وزعيمها، والأمة تتأسى به، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾([54]).

قوله: ﴿فيهم﴾: الضمير يعود إلى الصحابة المجاهدين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويشمل الحكم أيضًا المجاهدين بعده مع ولاة أمرهم([55]).

قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾: الفاء عاطفة، و«أقمت»: معطوف على «كنت»،

«الصلاة»: "ال": للعهد الذهني؛ لأن المراد الصلوات الخمس المكتوبة، لا جنس الصلاة.

والمعنى: إذا أردت أن تقيم لهم الصلاة بإقامة أركانها وواجباتها وغير ذلك ([56]).

قال ابن كثير ([57]): «أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف».

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الإقامة التي هي الإعلام للقيام للصلاة: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله. قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة... إلخ ([58]).

والمعنيان متقاربان، بل ومتلازمان؛ لأن من أراد الصلاة سيُعلم للقيام لها.

ومن أعلم للقيام لها فهو مريد لإقامة أركانها وواجباتها.

قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾: جواب الشرط: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾.

والفاء رابطة لجواب الشرط؛ لأنه جملة طلبية، واللام لام الأمر، سكنت لوقوعها بعد الفاء، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾([59])([60]).

والطائفة هي الفرقة والجماعة من الناس.

﴿مِنْهُمْ﴾: «من» لبيان الجنس، أي: من أصحابك.

والمعنى: فلتقم فرقة وجماعة من أصحابك يصلون معك ([61]).

ويفهم من هذا أن الجيش يقسم إلى طائفتين: فرقة تقوم تصلي مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفرقة تكون بإزاء العدو، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ويشمل من بعده من قادة الجيوش الإسلامية.

قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾: الواو عاطفة، واللام لام الأمر، وسكنت لأنها بعد الواو.

والأمر بأخذ السلاح للطائفة التي قامت تصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقيل: إنه للطائفة التي لم تقم بعد للصلاة ([62]).

وقيل: للطائفتين معًا.

 والصحيح أنه للطائفة التي تصلي؛ لدلالة السياق على ذلك، ولأن هذه الطائفة هي التي قد تعتقد بأنه لا يجوز لها حمل السلاح في الصلاة، ولأن الطائفة الأخرى التي لم تقم بعد للصلاة أخذها للسلاح أمر مفروغ منه؛ إذ الغرض من جعلهم طائفتين لتبقى الطائفة التي لم تقم للصلاة في مواجهة العدو وفي غاية الاستعداد واليقظة والاحتراس بأخذ السلاح وغيره.

﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾: جمع سلاح، والسلاح ما يستخدمه المجاهدون في الحرب دفاعًا عن أنفسهم ([63]) من أي أنواع الأسلحة ثقيلاً كان أو خفيفًا، كبيرًا كان أو صغيرًا أو غير ذلك.

والمعنى: وليأخذوا أسلحتهم التي يتمكنون من حملها في صلاتهم ولا تشغلهم عن الصلاة ([64]).

قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.

«الفاء» عاطفة، و «إذا» ظرفية شرطية غير جازمة.

و «سجدوا» فعل الشرط، والواو في «سجدوا» ضمير في محل رفع فاعل يعود على الطائفة التي قامت تصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ([65]) باعتبار معناها؛ لأنها وإن كانت مفردة فإن معناها الجمع والعدد من الناس.

والسجود لغة الخضوع([66]).

وشرعًا: السجود على الأعضاء السبعة، وهي: اليدان والركبتان وأطراف القدمين والأنف والجبهة عبادة لله تعالى ([67]).

والمراد بقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ أي: فإذا أتموا صلاتهم؛ فأطلق السجود على الصلاة كلها ([68])، كما قال - صلى الله عليه وسلم - لربيعة بن كعب الأسلمي لما سأله مرافقته في الجنة: «أعني على نفسك بكثرة السجود»([69]). وإنما أطلق السجود على الصلاة كلها، لأنه أفضل أركانها.

ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»([70]).

قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: جواب الشرط: «فإذا سجدوا»، والفاء رابطة لجواب الشرط، لأنه جملة طلبية، واللام لام الأمر وسكنت بعد الفاء. «يكونوا»: مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير يعود إلى الطائفة الأولى التي صلت.

قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: من خلفكم؛ أي: من خلف الطائفة الثانية؛ فالأمر للطائفة التي تصلي والخطاب للطائفة الثانية التي ستأتي لتصلي.

والمعنى: إذا صلوا؛ أي فرغوا من صلاتهم، فليكونوا من وراء الطائفة الثانية، يحرسونها إذا قامت تصلي ([71]). وفي هذا إشارة إلى أن العدو خلفهم.

ويحتمل أن يكون المعنى: "فإذا سجدوا" أي: إذا انتهوا من سجدتي الركعة الأولى، فليكونوا من ورائكم من غير تسليم، ثم بعد تسليم الإمام بالطائفة الثانية تقوم كل طائفة لتقضي لنفسها ركعة؛ كما جاء في إحدى صفات صلاة الخوف الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءه العدو فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم، وثبت جالسًا، فأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم»([72]).

قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾: الواو عاطفة واللام لام الأمر سكنت بعد الواو.

تأت: فعل أمر مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلة الياء، لأن أصله «تأتي» بالياء.

طائفة أخرى: فرقة وجماعة أخرى «ثانية».

لم يصلوا: أي: لم يصلوا بعد.

﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾: الفاء عاطفة، واللام لام الأمر سكنت بعد الفاء، وهذا يدل على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى منتظرًا الطائفة الثانية، ثم يصلي بهم ما بقي من الصلاة.

وفي قوله هنا: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ إشارة إلى أنهم يصلون معه حتى يسلم بهم هو، بينما قالا في الطائفة الأولى ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ وفي هذا إشارة إلى أنهم يكملون لأنفسهم.

قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: الواو عاطفة، واللام لام الأمر سكنت بعد الواو.

والحذر: هو الحيطة والاحتراز للأمر والاستعداد له.

وفيه لغتان: «حذر»، و «حذر»: الأولى بكسر الحاء وسكون الذال، كما في الآية. والثانية بفتحهما معًا ([73]).

والأمر في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ لهذه الطائفة الأخرى التي قامت تصلي، وإنما أمرت الطائفة الثانية بأخذ الحذر دون الطائفة الأولى – والله أعلم - لأن وقت صلاة الطائفة الأولى قد لا يشعر العدو بأنهم يصلون، أو لا يتمكن من الاستعداد لمهاجمتهم، أما وقت صلاة الطائفة الثانية، وهو آخر الصلاة، فإن العدو قد يكون عرف أنهم منشغلون بالصلاة([74]).

وإذا أراد مهاجمتهم فلن يؤخرها عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة، وهو آخر فرصة له. قال القرطبي ([75]): «وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أولى بأخذ الحذر؛ لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت؛ لأنه آخر الصلاة».

قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.

قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ود: بمعنى أحب، ويقال: الود صافي المحبة([76]).

الذين كفروا: الكفر لغة الستر والتغطية([77]).

وشرعًا هو إنكار وحدانية الله وجحود شريعته([78]).

قوله: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾: «لو» في الأصل تأتي شرطية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.

ويقال لها: حرف امتناع لامتناع. وقد تأتي «لو» مصدرية بمعنى «أن» كما في هذه الآية، والغالب أن تكون بعد «ود» أو «أحب» والتقدير هنا: ود الذين كفروا أن تغلفوا، أي: غفلتكم عن أسلحتكم.

ومنه قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾([79])([80]).

﴿تَغْفُلُونَ﴾: الغفلة السهو عن الشيء أو تركه ([81]).

قوله: ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾: الأسلحة جمع سلاح، وهو اسم لكل ما يستخدم في الحرب من الأدوات والآلات وغيرها.

قوله: ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾: الأمتعة جمع متاع؛ اسم لكل ما يتمتع به الإنسان في سفره وإقامته من الزاد والأثاث ونحوه.

والمعنى: أحب الذين كفروا وتمنوا لو تنشغلون وتلتهون عن أسلحتكم التي تقاتلون فيها وأمتعتكم التي فيها بلاغكم في أسفاركم وجهادكم فتسهون عنها ([82]).

كما في قولهم: «لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم»([83]).

وفي هذا إشارة إلى وجه الحكمة في الأمر بأخذ الحذر والسلاح([84]).

قوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾: «ميلة»: مفعول مطلق، «واحدة» توكيد. أي: فيحملون عليكم ويجهزون عليكم، ويقضون عليكم ويستأصلونكم ([85]).

قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحًا»([86]).

قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: الواو عاطفة؛ أي: ولا حرج عليكم ولا إثم([87]).

قوله: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾: أي: إن كان بكم أذى بسبب المطر لما يحصل منه من الوحل والطين وبلل الثياب والسلاح، فيحصل منه ثقل على المقاتل يشق معه حمل السلاح([88]).

قوله: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: «أو» عاطفة، والجملة معطوفة على قوله: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾.

﴿مَرْضَى﴾: جمع مريض، والمريض ضد الصحيح.

والمعنى: وإن كنتم مرضى مرضًا تعجزون معه عن حمل السلاح أو يشق عليكم معه حمل السلاح من جراح وغيره ([89]).

قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾: «أن»: حرف مصدري ونصب.

﴿تَضَعُوا﴾: فعل مضارع منصوب بها وعلامة نصبه حذف النون، وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بفي مقدرة. التقدير: ولا جناح عليكم في وضع أسلحتكم([90]).

والمعنى: ولا حرج عليكم ولا إثم إن كان بكم أذى بسبب المطر أو كنتم مرضى لا تستطيعون حمل السلاح، أو يشق عليكم حمله أن تضعوا أسلحتكم فلا تحملوها.

قوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: أمرٌ لهم بأخذ الحذر مرة أخرى([91])؛ مبالغة في الحيطة والتيقظ، وهو معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ أي: إن وضعتم أسلحتكم بسبب مطر أو مرض فلا تغفلوا بل خذوا حذركم من عدوكم واحتاطوا واحترسوا وكونوا متيقظين وعلى أتم الأهبة والاستعداد([92]).

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾: قوله: ﴿أَعَدَّ﴾: بمعنى هيأ وجهز.

﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: الكافرين: جمع كافر وهو الذي أنكر وحدانية الله وجحد شريعته.

﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي عذابًا مذلاً لهم. والإهانة هي الإذلال؛ أي: عذابًا يذلهم غاية الإذلال في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا بقتلهم وأخذ أموالهم على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بعذاب جهنم خالدين فيها أبدًا، لا يموتون فيها ولا منها يخرجون([93]).

ويجمع الله لهم بين العذاب الحسي والعذاب المعنوي الذي يهينهم ويذلهم في الدنيا والآخرة؛ فالعذاب الحسي في الدنيا ما يلقونه من جهاد المؤمنين لهم وقتلهم وأخذ أموالهم، والعذاب الحسي في الآخرة إصلاؤهم جهنم وبئس المصير.

ومن العذاب المعنوي في الدنيا ما يلقونه في قلوبهم من ضيق الصدور بسبب عدم الإيمان وغلبة المؤمنين عليهم.

ومن العذاب المعنوي في الآخرة ما يلقونه من التوبيخ والتقريع لهم من الله عز وجل ومن الملائكة، ونحو ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾([94]).

وكما في قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾([95] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾([96]).

وكما قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾([97]).

وهذا على سبيل الاستهزاء به والتهكم.

وأنى لهم العزة والكرامة وقد أهانهم الله، كما قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾([98]).

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

ذكر الله عز وجل الرخصة في قصر الصلاة حال السفر والخوف وصفة صلاة الخوف، وحيث إن الصلاة حال السفر والخوف ينقص من ركعاتها، أو من حدودها أو منهما معًا لحال العذر أتبع ذلك بالأمر بذكر الله بعد الفراغ من الصلاة إلى كل حال، ثم أتبع ذلك بالأمر بإقامة الصلاة بتمامها إذا زال الخوف والسفر([99]).

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾.

الفاء: عاطفة، و«إذا»: ظرفية شرطية غير جازمة.

﴿قَضَيْتُمُ﴾: فعل الشرط، وجوابه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.

ومعنى قضيتم الصلاة: أي: فرغتم منها وأتممتموها وأنهيتموها([100]).

كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾([101]) أي: فرغتم منها([102]). وقال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾([103]). أي: أتمهن.

و «ال» في ﴿الصَّلَاةِ﴾ للعهد.

ويحتمل أن تكون للعهد الذهني؛ أي: الصلوات الخمس المكتوبة المعهودة؛ لأنها هي التي يشرع الذكر بعدها.

ويحتمل أن تكون للعهد الذكري؛ لأنه سبق ذكر الصلاة في قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وفي قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.

قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾.

قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: جواب الشرط المتقدم، والفاء رابطة لجواب الشرط؛ لأنه جملة طلبية؛ أي: اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم ([104] لأن الذكر يكون بالقلب كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾([105] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾([106])، ويكون باللسان قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»([107]).

والمعنى: اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم بعد فراغكم من صلاة الخوف بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وسائر الأذكار المشروعة ([108]).

وبخاصة الأذكار المشروعة دبر الصلوات المكتوبة، كما جاء في السنة، فالذكر باللسان بالنطق والتلفظ بهذه الأذكار، والذكر بالقلب بمواطأته للسان والتفكر في هذه الأذكار وفي عظمة الله عز وجل وآياته الشرعية والكونية.

قوله: ﴿قِيَامًا﴾: حال من فاعل ﴿اذْكُرُوا﴾، و﴿وَقُعُودًا﴾: معطوف على ﴿قِيَامًا﴾، والقعود ضد القيام.

قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾: جار ومجرور في موضع نصب على الحال عطفا على ﴿قِيَامًا﴾.

أي: حال قيامكم وحال قعودكم وحال كونكم مضطجعين على جنوبكم. والمعنى: إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله على كل أحوالكم ([109]). وإنما خص القيام والقعود والاضطجاع على الجنب بالذكر؛ لأن هذه أغلب أحوال الإنسان.

كما قال تعالى في وصف المؤمنين أولي الألباب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾([110]).

قال الطبري ([111]) في كلامه على الآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾: «فاذكروا الله على كل أحوالكم قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنبوكم بالتعظيم له والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم؛ لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾»([112]).

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: الفاء عاطفة، و «إذا» ظرفية شرطية غير جازمة.

﴿اطْمَأْنَنْتُمْ﴾: فعل الشرط.

ومعنى ﴿اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أي: سكنت قلوبكم وأمنتم وزال عنكم الخوف ([113]) والقلق. يقال: اطمأن القلب، أي: سكن ([114]).

وقيل: معنى ﴿اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أقمتم بعد السفر ([115]).

وقد يحتمل الأمرين، لأنه سبق قبل هذا ذكر قصر الصلاة في السفر، وقصر صلاة الخوف ([116]).

قوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: جواب الشرط ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ وقرن بالفاء لأنه جملة طلبية.

والمعنى: أقيموا الصلاة تامة على الوجه الأكمل ظاهرًا وباطنًا بإقامة أركانها وواجباتها وخشوعها وجميع أفعالها وأقوالها من غير قصر، وبجماعة واحدة كما تؤدونها قبل الخوف ([117]).

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: هذه الجملة تعليل لما قبلها من الترخيص بقصر الصلاة حال السفر والخوف، والأمر بإقامتها تامة حال الأمن والإقامة.

والمراد بالصلاة في الموضعين هنا الصلوات الخمس.

و «ال» فيها للعهد؛ أي الصلوات الخمس المكتوبة المعهودة.

قوله: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: كان فعل ناسخ مسلوب الزمان يفيد تحقيق الوصف، واسمها ضمير مستتر يعود إلى الصلاة في محل رفع.

على المؤمنين جار ومجرور متعلق بـ «كتابًا».

﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: «كتابًا»: خبر كان منصوب، و «موقوتًا»: خبر ثان لكان، وجملة كان واسمها وخبريها في محل رفع خبر «إن» في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾.

و «المؤمنين»: جمع مؤمن؛ وهو من صدق ما جاء عن الله في الكتاب والسنة، وانقاد لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه.

ومعنى ﴿كِتَابًا﴾: أي: مكتوبًا؛ بمعنى مفروض؛ أي: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا واجبًا ([118]).

ومعنى ﴿مَوْقُوتًا﴾: محددًا بأوقات محدودة معلومة، لا يجوز التقديم عنها ولا التأخير ([119]).

كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾([120] فدلوك الشمس: زوالها، وهو وقت الظهر والعصر، وغسق الليل: ظلامه وقت المغرب والعشاء، وقرآن الفجر: صلاة الصبح ([121]). وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾([122]) فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ يعني صلاة المغرب والفجر، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾: يعني صلاة العشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ يعني صلاة الظهر ([123]).

وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾([124]).

﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: أوله الفجر وآخره الظهر والعصر، و:﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغرب والعشاء ([125]).

وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾([126]): قبل طلوع الشمس الفجر، وقبل غروبها العصر، ومن آناء الليل إشارة إلى المغرب والعشاء ([127])، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمني جبريل u عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين»([128]).

وجاء في حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - نحوه، وليس فيه «لوقت العصر بالأمس»([129]).

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: لما ذكر الله عز وجل الرخصة في قصر الصلاة عند الضرب في الأرض والخوف وكيفية صلاة الخوف ووجوب أخذ الحذر من الأعداء أتبع ذلك بالنهي عن أن يهن المسلمون أو يضعفوا في طلب عدوهم، وهذه الآية كقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾([130] وكقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾([131]).

قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: الواو استئنافية، و«لا» ناهية، «وتهنوا» فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون. والوهن هو الضعف؛ قال تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾([132] أي: ضعف، والمعنى: لا تضعفوا وتتوانوا ([133])، بل أظهروا القوة والجلد.

قوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: ابتغاء بمعنى: طلب. والقوم هم الجماعة من الناس. أي: في طلب القوم الكفار من أعدائكم المحاربين لكم وتتبعهم لقتالهم.

قال ابن كثير ([134]): «لا تضعفوا في طلب عدوكم؛ بل جدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد».

القوم: يطلق على جماعة الرجال. كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾([135] وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾([136] وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾([137])، ويطلق القوم غالبًا على ما يشمل الرجال والنساء، وهذا كثير.

قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾: تعليل للنهي في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ فيه بيان أنه لا مبرر للوهن في طلبهم.

قوله: ﴿تَأْلَمُونَ﴾: الألم: الوجع ([138]) من الجراح والقتل وأخذ المال وغير ذلك.

قال ابن كثير ([139]): «كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾([140])، وأنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام».

وفي هذا تقوية لقلوب المجاهدين وحفز لهممهم للتضحية والإقدام في سبيل الله.

قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾:

قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾: الرجاء معناه: الأمل ([141] قال الزجاج: «وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم أن الرجاء ههنا على معنى الأمل»؛ أي: وتأملون من الله النصر على عدوكم في الدنيا ([142])، كما وعدكم عز وجل بذلك؛ قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾([143] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾([144]).

وتأملون منه عز وجل الثواب العظيم في الآخرة ([145])، الذي أعده سبحانه للمجاهدين في سبيله، كما قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾([146]).

قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾: أي: ما لا يأملون؛ لأنهم كفرة لا يرجون من الله شيئًا ([147])، وإنما يعتمدون على جهودهم القاصرة وهدفهم الحياة الدنيا فقط.

وهذا مفترق الطرق بين المؤمنين والكفار في قتالهم، وفي كل أحوالهم، وفرق عظيم بين المؤمن الذي يرجو ثواب الله ونصره وتوفيقه، وبين الكافر الذي لا يرجو من الله شيئًا، فلا يرجو ثوابًا ولا يخاف عقابًا.

ولهذا لما نادى أبو سفيان يوم أحد قائلاً: «يوم بيوم بدر، والحرب سجال». رد عليه الصحابة - رضي الله عنهم - بقولهم: «لا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار»([148]).

وإذا كان المؤمنون يرجون من الله في قتالهم النصر في الدنيا والثواب في الآخرة بينما الكفار لا يرجون من الله شيئًا، فإن الأولى بالمؤمنين أن يكونوا أشداء أقوياء في طلب عدوهم وأكثر منهم إقدامًا وأشد صبرًا وأقوى تحملاً ([149]).

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: «كان»: مسلوبة الزمان تفيد تحقيق الوصف؛ أي: تحقيق اتصاف اسمها بخبرها، لا تدل على المضي فقط؛ وإنما المعنى: كان ولم يزل عليمًا حكيمًا ([150]).

﴿اللَّهُ﴾: لفظ الجلالة علم على ذات الرب عز وجل.

﴿عَلِيمًا﴾: اسم من أسماء الله عز وجل على وزن فعيل صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، مشتق من العلم، يدل على إثبات صفة العلم التام لله عز وجل، العلم الشامل للأشياء كلها في أطوارها الثلاثة قبل الوجود وبعد الوجود وبعد العدم؛ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ قال موسى u لما سئل عن القرون الأولى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾([151]).

أي: فلا يعتري علمه عز وجل جهل سابق بالأشياء قبل وجودها ولا نسيان لاحق لها بعد عدمها.

والعلم في الأصل إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا.

﴿حَكِيمًا﴾: الحكيم اسم من أسماء الله عز وجل على وزن فعيل صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، مشتق من الحكم والحكمة، يدل على إثبات صفة الحكم التام لله عز وجل: الحكم الكوني والحكم الشرعي والحكم الجزائي، وعلى إثبات صفة الحكمة لله عز وجل: الحكمة الغائية والحكمة الصورية.

قال ابن كثير ([152]): «أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من أحكامه الكونية والشرعية».

الفوائد والأحكام:

1- تيسير الله تعالى الأحكام في السفر؛ لأن السفر مظنة المشقة، ولهذا شرع فيه قصر الصلاة؛ لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وفي هذا تقرير للقاعدة الشرعية أن المشقة تجلب التيسير، كما شرع في السفر الجمع بين الصلاتين والفطر في رمضان إلى غير ذلك من رخص السفر.

2- أن السفر علة لقصر الصلاة؛ لأنه مظنة للمشقة؛ لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.

3- أنه لا يشرع القصر إلا بعد الشروع في السفر والخروج من البلد؛ لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾([153]) فإذا خرج عن البلد وجعل البناء خلفه شرع له القصر ([154]).

4- أن قصر الصلاة في السفر رخصة وليس بواجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾؛ فإن الله عز وجل نفى الجناح وهو الحرج والإثم في قصر الصلاة، وهذا يدل على أن القصر رخصة وليس بواجب ([155] وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: مالك ([156]) والشافعي ([157])، وأحمد في المشهور عنه ([158]).

واستدلوا بأدلة عدة منها ما يلي:

أ- ما رواه يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»([159]).

فقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم»: يدل على أن القَصْر رخصة، وليس بواجب.

ب- أن الصحابة - رضي الله عنهم - أتموا الصلاة خلف عثمان - رضي الله عنه -، ولو كان القصر واجبًا لما تابعوه على الإتمام، ولم ينقل عنهم أنهم أعادوا صلاتهم خلفه حين أتم وإن كان كثير منهم لا يرى الإتمام ([160]).

جـ- أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام، حتى ولو لم يدرك معه إلا ركعتين أو أقل من ذلك، ولو كان القصر واجبًا لما جاز صلاة أربع خلف الإمام ([161]).

د- أن رخص السفر كلها شرعت على سبيل التجويز ([162]).

وذهب بعض أهل العلم إلى أن قصر الصلاة في السفر واجب، وقد روي هذا القول عن جمع من الصحابة والتابعين منهم عمر وعلي وابن عباس وجابر بن عبد الله وابن عمر ([163])، وعمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سليمان ([164]).

وبه قال أبو حنيفة ([165]).

واستدلوا بأدلة كثيرة منها ما يلي ([166]):

أ- ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر». قال الزهري لعروة وهما من رواة الحديث: «ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان»([167]).

قالوا: فهذا يدل على أن فرض صلاة السفر ركعتان، لا تجوز الزيادة عليهما، كما أن فرض صلاة الحضر أربع لا تجوز الزيادة عليها ([168]).

ب- وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -»([169]).

جـ- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة»([170]).

قال ابن كثير ([171]): «اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر - رضي الله عنه -».

د- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن الصلاة في السفر، فقال: «ركعتين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»([172]).

هـ- وعن يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرا»([173]).

و- وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين»([174]).

ز- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها»([175]).

ح- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين مكة والمدينة ونحن آمنون ركعتين ركعتين»([176]).

ط- وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: «ما سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفرًا إلا صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمان الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم أقام بمكة زمان الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين فإنا سفر ثم غزا حنينا والطائف فصلى ركعتين ركعتين، ثم رجع إلى جعرانة فاعتمر منها في ذي القعدة، ثم غزوت مع أبي بكر - رضي الله عنه - وحججت واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ومع عمر - رضي الله عنه - فصلى ركعتين ركعتين إلا المغرب، ومع عثمان - رضي الله عنه - صدر إمارته ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم إن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - صلى بعد ذلك أربعًا»([177]).

ي- وعن عبد الله بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان»([178]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ([179]): «أما القصر في السفر فهو سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنة خلفائه الراشدين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في السفر قط إلا ركعتين، وكذلك أبو بكر وعمر، وكذلك عثمان في السنة الأولى من خلافته، لكنه في السنة الثانية أتمها بمنى لأعذار مذكورة في غير هذا الموضع.. وأيضًا فإن المسلمين قد نقلوا بالتواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعًا، وكل الصحابة كانوا يقصرون منهم أهل مكة، وغير أهل مكة بمنى وعرفة وغيرهما».

وقد أجاب أصحاب هذا القول عن استدلال الجمهور بالآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ على أن القصر ليس بواجب بأن الآية في صلاة الخوف فلا دليل فيها على قصر الرباعية ([180]) وأيضًا فإن نفي الجناح لا يدل على عدم الوجوب، لأنه قد ينفي الجناح خوفًا من توهمه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾([181]).

فقد نفى الله الجناح عمن سعى بين الصفا والمروة علمًا بأن السعي بينهما ركن أو واجب في الحج؛ لتوهم بعض الصحابة أن السعي بينهما فيه حرج وإثم؛ لأنه كان على الصفا والمروة صنمان كانت تهل لهما الأنصار، ولأنهم ألفوا الإتمام، فقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾؛ لئلا يظنوا أن عليهم نقصًا في القصر، فنفى عنهم الجناح في القصر لتطمئن نفوسهم به ([182]).

وقالوا: إن قصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في جميع أسفاره حال الأمن والخوف يدل على أن فرض المسافر ركعتان بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيانه لمراد الله تعالى.

وقالوا عن الحديث: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». قالوا: صدقة الله علينا إسقاطه عنا. فدل ذلك على أن فرض المسافر ركعتان، وقوله: فاقبلوا صدقته يوجب ذلك؛ لأن الأمر للوجوب ([183]).

وقد أجاب الجمهور عن الأدلة التي استدل بها القائلون بوجوب القصر بما يلي:

قالوا: قول عائشة: «فأقرت في السفر» معناه أنها لم تزد، وهذا نفي للزيادة، لا تحريم للزيادة.

قالوا: والأحاديث الواردة بأن صلاة السفر ركعتان أو بأنه لم يزد في السفر على ركعتين محمولة على أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ بالرخصة أو بالأفضل.

وقول عمر «تمام غير قصر» أي في الأجر ([184]).

وإنكار الصحابة - رضي الله عنهم - على عثمان - رضي الله عنه - حين أتم الصلاة بمنى ([185]) لأنه ترك الأفضل، وما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما من الأخذ بالرخصة، لا أنه فعل أمرًا محرمًا لا يجوز.

ولهذا أتموا - رضي الله عنهم - وعنه وراءه وتابعوه؛ بل إن إتمامهم خلفه مع إنكارهم عليه، وقول عبد الله بن مسعود: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا من أقوى الأدلة على أن القصر ليس بواجب؛ إذ لو كان القصر واجبًا لم يتابعوه في زيادة محرمة في الصلاة، وإلا لبطلت صلاتهم؛ لأن الإمام إنما يتابع فيما هو مشروع، أما ما لم يكن مشروعًا فلا يجوز فيه متابعة الإمام، فلو قام الإمام ناسيًا إلى ثالثة في الفجر أو رابعة في المغرب أو خامسة في الرباعية لم يجز للمأموم متابعته.

قال الشافعي رحمه الله ([186]): «لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتمها عثمان ولا عائشة، ولا ابن مسعود، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم».

وقد اختلف الجمهور: أيهما أفضل القصر أو الإتمام؟ فذهب الجمهور منهم إلى أن القصر أفضل، فهو سنة، والإتمام مكروه، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لملازمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وصحابته لذلك في جميع أسفارهم كما سبق بيانه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([187]): «وأظهر الأقوال قول من يقول: إنه سنة وإن الإتمام مكروه، ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء».

وقال أيضًا ([188]): «وأما قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فإن نفي الجناح لبيان الحكم وإزالة الشبهة لا يمنع أن يكون القصر هو السنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ نفى الجناح لأجل الشبهة التي عرضت لهم من الطواف بينهما، لأجل ما كانوا عليه في الجاهلية من كراهة بعضهم الطواف بينهما، والطواف بينهما مأمور به باتفاق المسلمين، وهو ركن أو واجب أو سنة مؤكدة».

وقال أيضًا ([189]): «ولهذا أنكر الصحابة على عثمان الإتمام، ولكنهم صلوا خلفه وأتموا معه، حتى كان ابن مسعود يصلي أربعًا إذا انفرد ويقول: الخلاف شر.. وهذا يدل على أن صلاة السفر أربعًا مكروهة عندهم ومخالفة للسنة».

وأيضًا فإن القصر بلا شك أحوط، لأن من قصر الصلاة في السفر فصلاته صحيحة بالإجماع.

أما من أتم فصلاته غير صحيحة عند بعض أهل العلم.

قال السعدي رحمه الله ([190]): «ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران: أحدهما: ملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - على القصر في جميع أسفاره. والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد».

وبناء على الاختلاف - هل القصر واجب أو رخصة - اختلف أهل العلم: هل يحتاج القصر إلى نية، أو لا يحتاج إلى نية؛ فأكثر أهل العلم أن القصر لا يحتاج إلى نية ([191]). وهو قول أبي حنيفة ([192])، ومالك ([193])، ورواية عن أحمد ([194]) لأن الأصل في صلاة السفر هو القصر.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقصر إلا بنية، وبهذا قال الشافعي ([195])، وهو رواية عن أحمد ([196]).

5- جواز قصر الصلاة في السفر مطلقًا، سواء طالت مسافته أو قصرت دون تحديد مسافة معينة للقصر، لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافرتم فيها، وهذا مطلق في كل سفر، فكل ما أطلق عليه السفر في لغة العرب والعرف جاز القصر فيه، لأنه ظاهر النصوص([197]).

ويشهد لهذا ما رواه أنس بن مالك قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج ثلاثة أميال، أو فراسخ صلى ركعتين»([198]) قال ابن تيمية: «يحتمل أن من سافر هذه المسافة قصر، ويحتمل أن ذلك هو الذي قطعه من السفر، أي: لا يؤخر القصر حتى يقطع مسافة طويلة»([199]).

وعن جبير بن نفير قال: «خرجت مع أبي السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلاً، فصلى ركعتين فقلت له، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين. فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل»([200]).

وروي عن ابن عمر قوله: «إني لأسافر ساعة من النهار فأقصر»([201]).

واختار هذا طائفة من أهل العلم؛ ؛اختار هذا طائفة من أهل العلم.ه.منهم الموفق ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وبه قال داود الظاهري ([202]). قالوا: فأدلة القصر مطلقة، والأدلة التي استدل بها القائلون بالتحديد ضعيفة ([203]).

قال ابن قدامة ([204]): «لا أرى لما صار إليه الأئمة حجة.. والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ([205]) بعد أن ذكر كلام ابن قدامة: «وهو كما قال رحمه الله؛ فإن التحديد بذلك ليس ثابتًا بنص ولا إجماع ولا قياس».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ([206]): «فإذا جد السير بالمسافر جمع، سواء كان سفره طويلاً أو قصيرًا، كما مضت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع الناس بعرفة ومزدلفة المكي وغير المكي مع أن سفرهم قصير، وكذلك جمع - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون بعرفة ومزدلفة، ومتى قصروا يقصر خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة، وعرفة من مكة بريد، أربعة فراسخ، ولهذا قال مالك وبعض أصحاب أحمد كأبي الخطاب في «العبادات الخمس»: إن أهل مكة يقصرون بعرفة ومزدلفة. وهذا القول هو الصواب، وإن كان المنصوص عن الأئمة الثلاثة بخلافه: أحمد والشافعي وأبي حنيفة.

ولهذا قال طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم: إنه يقصر في السفر الطويل والقصير؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوقت للقصر مسافة، ولا وقتًا، وقد قصر خلفه أهل مكة بعرفة ومزدلفة. وهذا قول كثير من السلف والخلف، وهو أصح الأقوال في الدليل، ولكن لابد أن يكون ذلك مما يعد في العرف سفرًا؛ مثل أن يتزود له، ويبرز للصحراء».

وقال أيضًا ([207]): «ولم يحد النبي - صلى الله عليه وسلم - مسافة القصر بحد لا زماني ولا مكاني، والأقوال في ذلك متعارضة، ليس على شيء منها حجة، وهي متناقضة، ولا يمكن أن يحد ذلك بحد صحيح؛ فإن الأرض لا تذرع بذرع مضبوط في عامة، وحركة المسافر تختلف، والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم -، ويقيد ما قيده؛ فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على الراحلة والمسح على الخفين.. ومن قسم الأسفار إلى قصر وطويل، وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا، وجعلها متعلقة بالسفر الطويل، فليس معه حجة يجب الرجوع إليها».

وقال أيضًا ([208]): «الفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل الأحكام التي علقها الله بالسفر علقها به مطلقًا كقوله تعالى في آية الطهارة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾([209])، وذكر عددًا من الآيات والأحاديث فيها إطلاق السفر، ثم قال: فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير».

وقال ابن القيم ([210]): «ولم يحد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو باليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم».

وذهب جمهور أهل العلم - ومنهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة([211])، ومالك([212])، والشافعي([213])، وأحمد([214]) وعامة الفقهاء إلى أن هناك حدًّا للسفر الذي تقصر فيه الصلاة، وأن الآية ذكر فيها السفر مطلقًا وقيدته السنة، وأنه لا يجوز القصر في السفر القصير.

وقد اختلف هؤلاء القائلون بأن للسفر الذي تقصر فيه الصلاة مسافة معينة، وأنه لا يجوز قصر الصلاة في السفر القصير في مقدار هذه المسافة؛ فذهب الجمهور منهم إلى أن مسافة القصر مسيرة يومين سيرًا معتدلاً؛ أي: نحو أربعة برد([215] أي: ستة عشر فرسخًا ([216] أي: ثمانية وأربعين ميلاً؛ أي: نحو ثمانين كيلو متر([217]).

وإلى هذا ذهب الأئمة الثلاثة: مالك ([218])، والشافعي ([219])، وأحمد([220])، وإسحاق ([221]).

واستدلوا بما روي عن ابن عمر وابن عباس في ذلك؛ فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان»([222] وعن عطاء بن أبي رباح قال: «قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وعسفان»([223]) وعن ابن عمر نحوه ([224] قالوا: فذلك ثمانية وأربعون ميلاً. قالوا: ولا مخالف لهما من الصحابة.

وذهب أبو حنيفة إلى أن مسافة القصر مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ([225])، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن ([226]) وبحديث ابن عمر وأبي سعيد: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا معها ذو محرم»([227]).

وقال الأوزاعي: مسافة القصر مسيرة يوم ([228]).

وقد حمل الجمهور الأحاديث التي استدل بها القائلون بعدم التحديد كحديث أنس: «أنه - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين»([229]) على أنه إذا تباعد عن البلد قصر، وهكذا حملوا حديث عمر ([230])، وغيره على هذا، وقالوا: لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - القصر صريحًا دون مرحلتين ([231]).

وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن استدلال الجمهور بما روي عن ابن عباس وابن عمر بأن أكثر الروايات عنهما تخالف هذا، وأنه ثبت عن غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك ([232]).

كما أجاب عن استدلال أبي حنيفة وغيره بحديث مسح المسافر ثلاثة أيام بقوله: «ليس في هذا الحديث دلالة على أن هذا أقل السفر؛ إنما فيه الرخصة لمن سافر أن يمسح هذه المدة، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم»([233]) وثبت عنه: «لا تسافر مسيرة يومين»([234]) وفي رواية: «مسيرة يوم»([235]) وعنه «لا تسافر بريدًا»([236]) قال ابن تيمية ([237]): «فدل على أن ذلك كله سفر».

وكذا سائر الاستدلالات التي استدل بها القائلون بتحديد المدة بيومين أو ثلاثة أو غير ذلك؛ أجاب عنها إما ببيان عدم دلالتها على ما ذهبوا إليه، وإما ببيان ضعفها وعدم الاحتجاج بها، كما رد القول بالتحديد بالمسافة بأنه لا دليل عليه، ثم قال ([238]): «وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة، فإن هذا مسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسنة، والبريد هو نصف يوم بسير الإبل والأقدام.. وهو الذي يسمى مسافة قصر، وهو الذي يمكن الذاهب إليها أن يرجع من يومه».

ولا شك أن ما ذهب إليه القائلون بعدم تحديد مسافة القصر هو أقرب لظاهر النصوص وأقوى حجة ([239]).

لكن يكدر عليه أن إرجاع الناس – وخاصة في هذه المسألة المهمة – إلى العرف غير منضبط لا من حيث الزمان ولا من حيث المكان ولا من حيث المسافة، ولا من حيث اختلاف أنظار الناس؛ فهناك من الناس مثلاً من يعد الذهاب من الرياض إلى سدير سفرًا، وهناك من يقول: بل السفر مثل الذهاب من الرياض إلى القصيم، وهناك من يقول: بل السفر مثل السفر من الرياض إلى مكة المكرمة، وربما قال قائل: بل السفر ما كان إلى خارج المملكة. وهكذا.

ولهذا نجد بعض الناس إذا سئل عن قريب له غير حاضر مثلاً في القصيم قال: وصل الرياض. بينما يقول بعضهم: سافر إلى الرياض، أو مسافر، أو وصل مكة، أو سافر إلى مكة. بينما يقولون لمن كان سفره خارج المملكة: سافر إلى الخارج أو مسافر. وهكذا؛ فإرجاع الناس إلى العرف في هذه المسألة المهمة لا يمكن انضباطه؛ فربما رأى بعضهم السفر في أقل من ثمانين كيلو متر، وربما رأى بعضهم أن السفر لا يكون في أقل من ثلاثمائة كيلو متر وهكذا.

ولا شك أن العرف - أعني عرف المسلمين - مما يعد مرجعًا في تقدير بعض الأمور في الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾([240] أي: فليأكل قدر المعروف من أكل أمثاله، وهكذا([241]).

لكن ترك الناس إلى العرف في مثل هذه المسألة الخطيرة - وهي تحديد مسافة القصر، أو تحديد مسمى السفر - أمر غير منضبط، ولا يمكن أن ينضبط أبدًا، ولهذا فإن من أخذ برأي الجمهور في تحديد مسافة القصر، فقصر فيما بلغت مسافته نحو ثمانين كيلو مترًا فصلاته صحيحة إن شاء الله، ولا يقصر في أقل من ذلك، وهذا ما أفتى به هيئة كبار العلماء في هذه البلاد، وعلى رأسهم سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله وأسكنه فسيح جناته([242]).

6- أن كل سفر تقصر فيه الصلاة سواء كان مشروعًا كالسفر للحج والعمرة والجهاد وطلب العلم وطلب الرزق، أو مباحًا كالسفر للسياحة والنزهة، أو محرمًا كالسفر لقطع الطريق لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا مطلق في أي ضرب في الأرض؛ أي في جنس السفر.

وهكذا كل نصوص الكتاب والسنة جاء فيها ذكر السفر مطلقًا دون تخصيص سفر دون سفر؛ قال تعالى في آية الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾([243] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾([244]).

وهكذا أحاديث السفر كلها جاء فيها ذكر السفر مطلقًا ([245]) وقد تقدم ذكر كثير منها.

وعن أنس بن مالك الكعبي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»([246]).

وإلى هذا القول - وهو جواز قصر الصلاة في أي سفر كان - ذهب طائفة من أهل العلم منهم: أبو حنيفة ([247])، والثوري([248])، والأوزاعي([249])، وروي عن مالك ([250])، وبه قال ابن حزم ([251]).

واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ([252]). ويقوي هذا القول أن طائفة من أهل العلم كأبي حنيفة وغيره يرون وجوب القصر في السفر كما تقدم.

وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يجوز القصر في السفر المحرم – منهم الإمام مالك ([253])، والشافعي ([254])، وأحمد ([255])، وغيرهم ([256]) واستدلوا بقوله تعالى في الميتة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾([257] على قول من قال المعنى: غير باغ على الإمام ولا عاد على المسلمين وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([258]).

قالوا: فأباح الله الميتة ونحوها للضرورة بشرط عدم البغي والعدوان على الإمام في الآية الأولى، وبشرط عدم التجانف للإثم، كما في الآية الثانية ([259]) والمسافر سفر معصية هو باغ وعاد في سفره، ومتجانف لإثم، والقصر رخصة من الله عز وجل لعباده، والعاصي لا يناسبه التخفيف.

وهذا التفسير مروي عن بعض السلف، والصحيح الذي عليه أكثر المفسرين أن المراد بقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾أي: في الأكل من المحرم مع قدرته على الحلال. وقوله: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: ولا متعد القدر الذي يحتاج إليه ([260]).

كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([261] قالوا: فالرخصة للمسافر سفرًا محرمًا وسفر معصية ([262]) أن يقصر الصلاة فيها عون له على معصية الله، وهذا لا يجوز ([263]).

وقد ضعف شيخ الإسلام ابن تيمية حجج هذا القول ([264])، مبينًا أن الصواب في معنى «الباغي» الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، «والعادي» الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه؛ قال: «لأن الله أنزل هذا في السور المكية؛ الأنعام والنحل، وفي المدنية ليبين ما يحل، وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرم مختصًا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إمام يخرج عليه ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا».

ثم قال: «وأما قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور أن يصلي بالتيمم، وإذا عدم الماء في السفر المحرم كان عليه أن يتيمم ويصلي».

7- استدل بعض أهل العلم بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ على أن الإنسان إذا سافر من بلده إلى بلد آخر، ونوى الإقامة فيه لغرض معين مقيدًا بزمن معين، مقيدًا بزمن معين، فله أن يقصر الصلاة، طالت هذه المدة أو قصرت، لأنه يسمى مسافرًا حتى يرجع إلى وطنه ما لم يجمع الإقامة المطلقة؛ لأن الآية جاءت مطلقة لم تقيد.

وهكذا جميع النصوص من الكتاب والسنة في أحكام السفر كلها جاءت مطلقة([265]).

واستدلوا أيضًا على عدم التقييد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في أسفاره مددًا طويلة ومتفاوتة وفي كلها يقصر الصلاة.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة»([266]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة»([267]).

وفي حديث جابر وابن عباس رضي الله عنهما أنه - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة في حجة الوداع في الرابع من ذي الحجة ومكث فيها إلى أن انتهى الحج ([268]) وثبت في أكثر من حديث أنه في تلك المدة كلها يقصر الصلاة؛ فعن أنس - رضي الله عنه - قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجع إلى المدينة».

قيل لأنس أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: «أقمنا بها عشرًا»([269]).

وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: «سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت لست بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -»([270]).

وعن أبي حمزة نصر بن عمران قال: «قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بخراسان فكيف ترى؟ قال: صل ركعتين، وإن أقمت عشر سنين»([271]).

وعن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: «أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها»([272]).

وعن نافع قال: «أقام ابن عمر بأذربيجان ([273]) ستة أشهر يصلي ركعتين، وكان يقول: إذا أزمعت إقامة فأتم»([274]).

وعن حفص بن عبيد الله قال: أقام أنس بن مالك بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين ركعتين»([275]).

وعن الحسن أن أنس بن مالك أقام بنيسابور سنة أو سنتين يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يصلي ركعتين»([276]).

وعن أنس بن مالك قال: «أقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برامهُرْمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة»([277]).

وعن الحسن قال: «أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة، ولا يجمع»([278]).

وغير ذلك من الآثار عن الصحابة والتابعين.

قالوا: فهذه الأدلة تدل على أنه لا حد للإقامة، التي تقطع حكم السفر، ولم يرد دليل يحدد المدة التي تقطع السفر، لا في أربعة، ولا عشرة، ولا خمسة عشر، ولا أكثر من ذلك ولا أقل، وهذا مما تتوافر الدواعي على نقله لحاجة الناس إليه.

وقد اختار هذا القول جمع من المحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ([279]) وابن القيم ([280])، وابن مفلح في «الفروع»([281]) والشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ([282])، والشيخ رشيد رضا ([283])، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ([284])، عليهم جميعًا رحمة الله، كما اختار هذا شيخنا محمد بن صالح العثيمين وفقه الله ([285]).

وذهب أكثر أهل العلم من الفقهاء وغيرهم إلى أن هناك حدًا لمدة الإقامة التي تقطع حكم السفر، واختلفوا في تحديد هذه المدة على عدة أقوال ([286]): فذهب مالك ([287])، والشافعي ([288]) والليث بن سعد والطبري وأبو ثور ([289]) إلى أن المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم. وهو رواية عن أحمد ([290]).

واستدلوا بحديث العلاء بن الحضرمي أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر» وفي رواية: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا»([291]).

وبما روي: «أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم متاجرًا أن يقيم ثلاثًا»([292]).

وذهب الإمام أحمد ([293]) إلى أنه إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتم، وروي هذا عن مالك والشافعي ([294]).

واستدلوا بما روي عن جابر وابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن ([295])، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام.. وقد أجمع على إقامتها وهي إحدى وعشرون صلاة؛ لأنها أربعة أيام كاملة، وصلاة الصبح من الثامن.

وأما حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة في حجة الوداع عشرًا يقصر الصلاة ([296] فقال الإمام أحمد: أراد أنس إقامته - صلى الله عليه وسلم - بمكة ومنى ومزدلفة ([297] وكذلك قالوا في الإجابة عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين»([298])... الحديث. قالوا: هذا محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجمع الإقامة، وهذا عام الفتح، وهكذا ما كان في معناه من الآثار أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قصر في أكثر من أربعة أيام([299]).

وذهب أبو حنيفة وأصحابه ([300]) وسفيان الثوري إلى أنه إذا نوى الإقامة خمسة عشر يومًا أتم وإن كان أقل قصر، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح خمسة عشر يومًا يقصر الصلاة»([301])، وقدم أبو حنيفة خمسة عشر على رواية سبعة عشر وثمانية عشر وتسعة عشر؛ قال: لأنها الأقل، فيحمل غيرها على أنه وقع اتفاقًا ([302]).

وقيل: إذا نوى إقامة تسعة عشر يومًا قصر، وإن زاد أتم؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقام - صلى الله عليه وسلم - تسعة عشر يقصر؛ فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا»([303]).

وقيل: إذا نوى إقامة عشرين يومًا قصر، وإن زاد أتم.

لما روي عن ابن عباس أيضًا أنه - صلى الله عليه وسلم -: «أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة»([304]).

وقيل غير ذلك ([305]).

وعلى كل حال فالمسافر لا يخرج عن أحوال ثلاث: الأولى: أن ينوي الإقامة المطلقة، فهذا له حكم المقيم في جميع الأحكام. والحالة الثانية: أن ينوي الإقامة لغرض معين وحاجة يريد قضاءها، متى ما انتهى ذلك الغرض وتلك الحاجة رجع، ولم يجمع الإقامة، فهذا له حكم المسافر في جميع الأحكام عند جمهور أهل العلم، بل حكي عليه الإجماع ([306]). والحالة الثالثة: أن ينوي الإقامة زمنا معينا كشهر، أو سنة، أو أقل أو أكثر وهذا موضع الخلاف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([307]): «إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة.

وأما إن قال غدا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينو المقام؛ فإنه يقصر أبدًا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة بضعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة».

وقال أيضًا ([308]): «فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدود، لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر فإنه يقصر، كما كان غير واحد من السلف يفعل؛ حتى كان مسروق قد ولوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة، وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر.

كما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام، وإذا كان التحديد لا أصل له، فما دام المسافر مسافرًا يقصر الصلاة، ولو أقام في مكان شهورًا».

وقال أيضًا ([309]): «وأما الإقامة فهي خلاف السفر؛ فالناس رجلان: مقيم ومسافر، ولهذا كانت أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين الحكمين: إما حكم مقيم وإما حكم مسافر؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾([310])؛ فجعل للناس يوم ظعن ويوم إقامة.

وقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته بمكة أربعة أيام ثم ستة أيام بمنى ومزدلفة وعرفة يقصر الصلاة هو وأصحابه، فدل على أنهم كانوا مسافرين، وأقام في غزوة الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.

ومعلوم بالعادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم ينقض في ثلاثة أيام ولا أربعة، حتى يقال: إنه كان يقول اليوم أسافر غدًا أسافر.

وأيضًا فمن جعل للمقام حدًا من الأيام: إما ثلاثة وإما أربعة، وإما عشرة وإما اثنى عشر وإما خمسة عشر، فإنه قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع وهي تقديرات متقابلة.. وتقسيم المقيم إلى مستوطن، وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع».

وقال أيضًا ([311]): «وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله إلا مقيم ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة».

وقال ابن القيم ([312]): «أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر؛ سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع».

وقال أيضًا: «الصواب عدم تحديد المدة التي تقطع السفر، ولا دليل على التحديد من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة»([313]).

والأحوط والله أعلم أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيام فإنه يتم، وهو قول الجمهور، وأحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان يظهر ميله للقول الآخر، وهو عدم التحديد، وهو اختيار جمع من محققي علمائنا في هذا العصر منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله وكثير من هيئة كبار العلماء في هذه البلاد.

وهم مجمعون على أن المسافر إذا أقام في بلد فعليه أن يصلي مع الناس جماعة في المساجد لعموم الأدلة في وجوب صلاة الجماعة ولمداومة الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أدائها في السفر والخوف وعليه الإتمام تبعًا لإمامه.

8- ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أن من شرط قصر الصلاة في السفر وجود الخوف، ولهذا قال بعضهم: لا قصر إلا في خوف ([314]). وحمل بعض أهل العلم القصر في الآية على قصر الكيفية فقط وقال: هذا الشرط في الآية معتبر؛ فلا يجوز قصر كيفية الصلاة إلا مع وجود الخوف. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وقوله في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾([315])، وبأن البخاري صدر باب صلاة الخوف بهذه الآية، وذكر تحته أحاديث قصر الكيفية؛ قال: لينبه على أن المراد بقصر الصلاة في هذه الأحاديث هو المراد بالقصر في الآية، قال: ويؤيده أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، كما كان يفعل، وأصحابه ([316]).

وقد دلت السنة القولية والفعلية على جواز قصر الصلاة في السفر بدون خوف؛ فمن السنة القولية ما رواه يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن قول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: «عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»([317]).

فقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم» يدل على أن الله عز وجل جعل من شرط القصر وجود الخوف أول الأمر ثم تصدق على عباده وسهل عليهم ورخص لهم في القصر بلا خوف، وهذا ما فهمه جمهور أهل العلم من قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ من أن المراد به قصر الرباعية إلى الاثنتين في السفر ([318]).

ومن السنة الفعلية ما رواه حارثة بن وهب الخزاعي قال: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه – ركعتين»([319]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين مكة والمدينة ونحن آمنون ركعتين ركعتين»([320]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([321]): «قد ثبت بالسنة المتواترة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بأصحابه بمنى ركعتين ركعتين آمن ما كان الناس، وكذلك بعده أبو بكر وكذلك بعده عمر».

وصح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لما قدم مكة صلى بالناس ركعتين وقال: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر»([322]).

فعلق - رضي الله عنه - قصرهم الصلاة بالسفر، ولم يعلقه بالخوف، فدل على أن قصر العدد لا يشترط له الخوف ([323]).

وعلى هذا فيكون القرآن دل على اشتراط الخوف لقصر الصلاة في السفر، ثم تصدق الله على العباد، ورفع هذا الشرط، كما دلت على ذلك السنة ([324]).

وقال بعض أهل العلم: إن الشرط في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب الأسفار آنذاك كانت مخوفة، وعلى هذا يكون هذا الشرط لا مفهوم له كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾([325]).

فالربيبة تحرم على زوج أمها، سواء كانت هذه الربيبة في حجره أو لا، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾([326])؛ فالأمة يحرم إكراهها على الزنا، سواء أرادت التحصن أم لم ترده ([327]).

قال ابن كثير ([328]) بعد أن ساق عددًا من الأحاديث والآثار في أن صلاة السفر ركعتان، قال: «فهذه الأحاديث دالة صريحًا على أن القصر ليس من شرطه الخوف». ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية»([329]).

وخلاصة القول أن القصر في السفر دل عليه الكتاب والسنة، ولا يشترط له الخوف؛ لأن الله تصدق على العباد فرفع اشتراط الخوف.

كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». وهذا أقرب الأقوال.

قال ابن القيم ([330]): «والآية قد أشكلت على عمر وعلى غيره، فسأل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجابه بالشفاء، وأن هذه صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة، وكأن هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له».

ويحتمل أن القصر في الآية يتناول قصر الكيفية، وقصر العدد والكمية، فإذا وجد السفر والخوف أبيح القصران، وإذا وجد الخوف وحده أبيح قصر الكيفية، وإذا وجد السفر وحده أبيح قصر الكمية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([331]): «وهو سبحانه ذكر الخوف والسفر، لأن القصر يتناول قصر العدد وقصر الأركان؛ فالخوف يبيح قصر الأركان، والسفر يبيح قصر العدد، فإذا اجتمعا أبيح القصر بالوجهين، وإن انفرد السفر أبيح أحد نوعي القصر».

وقال ابن القيم بعد كلامه السابق ([332]): «وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان الركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أبيح القصران، فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفى الأركان وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول اصطلاح كثير من الفقهاء والمتأخرين، والثاني يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما، ثم ذكر ابن القيم حديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين»؛ فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، ثم قال: «وهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع، وأن فرض المسافر ركعتان». ثم ذكر ما روي عن ابن عباس وعمر «من أن صلاة السفر ركعتان».

وقال ابن القيم أيضًا ([333]): «أباح الله سبحانه وتعالى قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه، وهذا كان هديه - صلى الله عليه وسلم -، وبه تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف».

9- أن لكل من السفر والخوف أثرًا في تخفيف الأحكام؛ لأن الله شرع القصر في السفر، وفي الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾... الآية.

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾([334]).

كما شرع سبحانه الجمع والفطر في السفر إلى غير ذلك ([335]).

10- أن الشرط قد يرد ويراد به بيان الواقع والغالب؛ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا على قول طائفة من أهل العلم في هذه الآية؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾([336]).

11- أن الكفار يريدون أن يفتنوا المسلمين بقتالهم لهم وصدهم عن دينهم؛ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

12- إثبات عداوة الكافرين على اختلاف نحلهم ومللهم للمؤمنين؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.

وسواء في ذلك أهل الإلحاد واليهود والنصارى وغيرهم؛ لأن الكفر ملة واحدة، وقد قال الله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾([337]).

وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾([338]).

13- أن عداوة الكافرين للمؤمنين عداوة ظاهرة ومستمرة؛ أما كونها ظاهرة فلقوله ﴿مُبِينًا﴾، وأما كونها مستمرة فلأن قوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل على الاستمرار والدوام، ولأن «كان» في هذه الجملة مسلوبة الزمان تفيد تحقيق الوصف مطلقًا.

وإذا كانت عداوة الكفار للمسلمين ظاهرة مستمرة فلا ينبغي الاغترار بمن أظهر منهم موالاة المسلمين، ولا الركون إليهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾([339]).

14- مشروعية صلاة الخوف على الكيفية التي ذكر الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾... الآية.

والخطاب في هذه الآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته؛ فصلاة الخوف مشروعة له ولأمته في حياته - صلى الله عليه وسلم - وبعد مماته ([340])، وإنما خص - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب لأنه رسول الأمة وقائدها وزعيمها، أو لأن الأمة تتأسى به، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾([341]).

وما قيل من أن الخطاب خاص به - صلى الله عليه وسلم -، وأن صلاة الخوف على هذه الكيفية لا تشرع إلا في حياته - صلى الله عليه وسلم - وحال كونه مع الجيش ([342])؛ فهذا في غاية الضعف.

قال الجصاص ([343]): «وهذا ليس بصحيح؛ فقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ وإن كان خطابًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بموجب الاقتصار عليه في هذا الحكم دون غيره؛ لأن الذي قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ هو الذي قال: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾([344]).

فإذا وجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل فعلاً فعلينا اتباعه على الوجه الذي فعله؛ ألا ترى أن قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾([345])، لم يوجب كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصًا به دون غيره، وقد روي جواز فعل الصلاة بعده - صلى الله عليه وسلم - عن جمع من الصحابة والتابعين من غير خلاف يحكى عن أحد منهم، ومثله يكون إجماعًا لا يسع خلافه».

وقال ابن كثير ([346]): «وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾؛ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه؛ مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾([347] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد؛ بل نخرجها بأيدينا على ما نراه، ولا ندفعها إلا إلى من صلاته - أي: دعاؤه - سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم».

15- ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أن صلاة الخوف لا تصلى إلا في السفر، وجمهور أهل العلم أنها تصلى في الحضر والسفر ([348]).

16- أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها حتى ولا في حال الخوف؛ لقوله ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾... الآية.

وإلى هذا ذهب جمهور العلماء منهم مالك ([349])، والشافعي ([350])، وأحمد في المشهور عنه ([351]) وقالوا: إن جواز تأخير الصلاة عن وقتها حال القتال منسوخ بهذه الآية.

وذهب بعض أهل العلم إلى جواز تأخير الصلاة حال القتال وتصلى بعد الوقت([352]).

واستدل من ذهب إلى هذا بتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العصر يوم الأحزاب، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - للجيش الذي جهزه لبني قريظة: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»؛ فمنهم من صلى العصر في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة، ومنهم من أخرها حتى وصل ولم يصلها إلا بعد الغروب، ولم يعنف النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من الفريقين ([353]).

وبتأخير أبي موسى - رضي الله عنه - ومن معه من الصحابة الصلاة لما اشتد عليهم القتال إلى ارتفاع النهار ([354]).

وروي عن الإمام أحمد القول بالتخيير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير ([355]).

17- عظم منزلته - صلى الله عليه وسلم - وكبير جهاده وتضحياته فكما أنه - صلى الله عليه وسلم - رسول الأمة وإمامها ومعلمها الخير، فهو قائدها في كثير من المعارك؛ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة - صلى الله عليه وسلم - ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده. قام - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل حتى تفطرت قدماه، وكان يقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»([356]).

وحزم على بطنه يوم الخندق الحجر من شدة الجوع ([357] وكان ينشد مع أصحابه:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة

فاغفر للأنصار والمهاجرة([358])

وكان - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق ينقل مع أصحابه التراب، وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا([359])

18- أن الدين الإسلامي دين ودولة عبادة وسياسة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - جمع الله له بين العبادة والرسالة وقيادة الأمة وسياستها في السلم والحرب.

19- أن الإمام مسؤول عن إقامة الصلاة بالمأمومين، كما شرع الله لقوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامن»([360])

ومعنى ضامن أي: متكفل بصحة صلاة المأمومين وإقامتها على الوجه الشرعي([361]).

20- أنه يجوز أن يحذف من الكلام ما يدل السياق عليه؛ لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾؛ لأن المعنى: فاجعلهم طائفتين.

21- أن الطائفة تطلق على اثنين فأكثر؛ لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، والجماعة لا تحصل بأقل من اثنين.

22- أن صلاة الجماعة واجبة وفرض على الأعيان؛ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾... إلى قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ فدل هذا على وجوب الجماعة على الأعيان من وجوه ثلاثة هي:

الوجه الأول: أن الله أمر بإقامة الصلاة جماعة في حال الخوف ولو كانت غير واجبة لما أمر بها في هذه الحال، وإذا كانت واجبة حال الخوف فوجوبها حال الأمن من باب أولى.

الوجه الثاني: أن الله اغتفر كثيرًا من أفعال الصلاة في هذه الحال لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما صح ذلك.

الوجه الثالث: أن الله أمر كلتا الطائفتين أن تصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو كانت الجماعة فرض كفاية لاكتفى بصلاة إحدى الطائفتين([362]).

23- تقدير التشريع الإسلامي للحالات قدرها رحمة بالأمة، حيث أباح القصر حال السفر والخوف.

24- وجوب أخذ الأسلحة وحملها في الصلاة لقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ فالأمر في الموضع الأول للطائفة الأولى والأمر في الموضع الثاني للطائفة الثانية، وهو محمول على الأصل في الأمر وهو الوجوب يدل على هذا قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ فلم يرخص في وضع السلاح وعدم أخذه إلا لعذر التأذي من مطر، أو لمرض، فدل هذا على أن حمله مع عدم وجود العذر واجب وهذا هو الصحيح([363]).

وقيل: إن الأمر للمصلين بأخذ السلاح في الصلاة في الآية للاستحباب والندب، وقيل للإباحة؛ لأن الأمر به لرفع ما يتوهم من عدم جوازه.

وقيل بتحريم حمل السلاح في الصلاة، لأن ذلك يبطل الصلاة([364]).

وأما القول بأنه للاستحباب والندب، وكذا القول بأنه للإباحة؛ فهما قولان مرجوحان؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولقوله في آخر الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.

25- جواز حمل السلاح في الصلاة وإن كان نجسًا؛ لأن الله أمر بحمل السلاح مطلقًا، والسلاح غالبًا بعد بدء القتال سيكون قد تلوث بالدم، والدم نجس عند جمهور أهل العلم.

ويتفرع على هذا جواز الصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد غيره([365]).

26- فضل السجود وعظم منزلته من الصلاة حيث خصه من بين أركان الصلاة، وأنه قد يعبر به عن جميع الصلاة لقوله : ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾([366] لأن المعنى: فإذا أتموا صلاتهم بقيامها وركوعها وسجودها وجلوسها وتشهدها وجميع أركانها وواجباتها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يعبر عن الكل بالجزء إلا والجزء ركن فيه، لا يمكن أن يصح بدونه».

27- أن الطائفة الأولى تنفرد في آخر صلاتها عن الإمام، وتتم لنفسها؛ أي: يتم كل واحد منهم لنفسه؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾، وأخذ من هذا بعض أهل العلم أن كل من طرأ عليه عذر لا يتمكن معه من إتمام الصلاة مع الإمام، فإنه ينفرد ويتم لنفسه إذا كان يستفيد بهذا الانفراد بحيث تكون صلاته مع الإمام أطول من صلاته إذا انفرد.

28- ينبغي للطائفة التي أتمت صلاتها أن تكون من وراء الطائفة الثانية حال صلاتها؛ لحمايتها من إغارة العدو عليهم من الخلف وهم في الصلاة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.

29- الإشارة إلى إبعاد المصلين عن كل ما يشوش عليهم؛ لأن الله أمر الطائفة التي تحرس أن تكون من وراء المصلين، لا من أمامهم.

30- الإشارة إلى أن المصلين لا حاجة لهم في حراستهم من أمامهم، لأنهم يرون ما يأتيهم من أمامهم، وأن لهم النظر والتأمل فيما أمامهم، وترك النظر إلى مواضع سجودهم في هذه الحال.

31- يشرع للإمام في صلاة الخوف بعد أن تنفرد الطائفة الأولى وتتم صلاتها أن يستمر في صلاته ويطيل الوقوف في الركعة الثانية حتى تدخل معه الطائفة الثانية.

32- بيان صفة صلاة الخوف؛ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾... إلى قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وهذه الصفة تنتظم جميع صفات صلاة الخوف الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما إذا لم يكن العدو تجاه القبلة، وهي صفات كثيرة([367]).

منها: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تقوم معه في أول صلاته، فإذا صلى بهم ركعة ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم ينصرفون للحراسة وراء المصلين، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية من صلاته، ثم يثبت جالسًا للتشهد ويطيل هذا الجلوس، وتقوم هذه الطائفة وتأتي بركعة ثانية ثم يجلسون معه للتشهد ويسلم بهم، وهي الصفة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع ([368]) كما جاء في حديث صالح بن خوات عمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: «أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم»([369]).

ومنها: أن يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين فتسلم قبله، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعتين الأخيرتين ويسلم بهم؛ فتكون له أربع ركعات ولهم ركعتان؛ لما رواه جابر بن عبد الله قال: «أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترطه، فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتخافني؟ قال: «لا»، قال: فما يمنعك مني؟ قال: «الله يمنعني منك»، قال: فتهدده أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأغمد السيف وعلقه، قال: فنودي الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائف الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتان»([370]).

ومنها: أن يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الطائفة الأخرى، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يسلم، وتقضي كل طائفة ركعة بعد سلام الإمام؛ لما رواه ابن عمر؛ قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة»([371]).

ومنها أن يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعتين ويسلم، فيكون قد صلى بهم بكل طائفة صلاة؛ لما رواه جابر بن عبد الله: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالآخرين ركعتين، ثم سلم هكذا»([372]).

ومنها أن يصلي بإحدى الطائفتين ركعة واحدة وتسلم ولا تقضي شيئًا، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم يسلم بهم ولا يقضون شيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة واحدة؛ لما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين: صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، وصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا»([373]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام ناس معه فكبر وكبروا معه، وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام الثانية، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأولى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا»([374]).

أما إذا كان العدو بينهم وبين القبلة فإنهم يصفون جميعًا خلفه ويكبر ويكبرون جميعًا، ثم يركع فيركعون جميعًا، ثم يرفع ويرفعون جميعًا معه ثم يسجد هو والصف الذي يليه، ويقوم الصف الآخر في مواجهة العدو، فإذا فرغ من الركعة الأولى، ونهض إلى الثانية ونهض الصف الأول معه، سجد الصف المؤخر بعد قيامه سجدتين ثم قاموا وتقدموا إلى مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول مكانهم لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين، وليدرك الصف الثاني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - السجدتين في الركعة الثانية، كما أدرك الصف الأول معه السجدتين في الركعة الأولى، فتستوي الطائفتان فيما أدركوا معه، وفيما قضوا لأنفسهم وذلك غاية العدل فإذا ركع صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فيسلم بهم جميعًا.

لما رواه أبو عياش الزرقي قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونهم وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا فسلم بهم جميعًا فصلاها بعسفان وصلاها يوم بني سليم»([375]).

أما إذا اشتد الخوف، فيصلون رجالاً وركبانا إلى القبلة وإلى غيرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾([376]).

قال ابن القيم رحمه الله ([377]) بعد أن ذكر الصفات السابقة: «وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف صفات أخر، ترجع كلها إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكرها بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد ابن حزم نحو خمس عشرة صفة، والصحيح ما ذكرناه أولاً، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو من اختلاف الرواة، والله أعلم».

وتصح صلاة الخوف على أي صفة من الصفات الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الإمام أحمد: «كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز». وقال أيضًا: «ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة»([378]).

وقال الأثرم: «قلت لأبي عبد الله، تقول بالأحاديث كلها كل حديث في موضعه أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن»([379]).

وقال الطبري ([380]): «فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه من الأمور التي علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته، ثم أباح لهم العمل بأي ذلك شاؤوا».

قال ابن القيم([381]) بعد أن ذكر كلام الإمام أحمد السابق قال: «وظاهر هذا أنه جوز أن يصلي كل طائفة معه ركعة ركعة ولا تقضي شيئًا، وهذا مذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله وطاوُس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم وإسحاق بن راهويه؛ قال صاحب «المغني»: وعموم كلام أحمد يقتضي جواز ذلك وأصحابنا ينكرونه».

33- جواز إقامة جماعتين في مكان واحد للحاجة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بجماعتين لأجل الخوف، فكذلك يجوز إقامة جماعتين في مكان واحد للحاجة؛ كأنه يكون المسجد ضيقًا، ولو صلى بعضهم خارج المسجد لم يتمكنوا من المتابعة؛ فيجوز أن يصلوا جماعتين أو ثلاثًا أو أكثر بحسب الحاجة واحدة تلو الأخرى ([382]).

34- وجوب أخذ المؤمنين المقاتلين حذرهم من عدوهم الكافر، وخاصة بالنسبة للطائفة الثانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ ولم يأمر بذلك الطائفة الأولى، وعلل العلماء لذلك – بما سبق – من أن أول الصلاة قد لا يشعر العدو أنهم يصلون أو لا يتمكن من الاستعداد لمهاجمتهم؛ أما وقت صلاة الطائفة الثانية فإن العدو قد يكون عرف أنهم منشغلون بالصلاة؛ فقد ينتهز الفرصة للإغارة عليهم.

ويتفرع عن هذا وجوب أخذ الحذر والحيطة في جميع الأحوال عن جميع المضار([383]).

35- في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ الإشارة إلى الرخصة للمصلي إذا كان خائفًا؛ بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة ([384])، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: والله إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة ([385]). قال ابن القيم ([386]): «فهذا جمع بين الجهاد والصلاة».

36- أن الكافرين يتربصون الدوائر بالمسلمين ويتحينون الفرصة للوقيعة بهم، ويودون لو غفلوا عن أسلحتهم وأمتعتهم فيجهزون عليهم مرة واحدة، يستأصلونهم بها، ويقضون عليهم؛ لقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.

37- التحذير من الغفلة وترك الفرصة للأعداء لقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾.

38- الترخيص في وضع السلاح وعدم حمله في الصلاة بسبب التأذي بالمطر أو وجود مرض، ورفع الحرج والإثم في ذلك؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾([387]).

ويؤخذ من هذا أن حمل السلاح في الصلاة في غير حالة العذر واجب، وأن الأمر في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ للوجوب كما سبق بيان هذا.

39- تقدير التشريع الإسلامي لكل ظرف قدره، فحيث حصل الخوف أباح الإسلام قصر الصلاة وأداءها على الصفة السابقة من حيث القصر والتجاوز فيها بما لا يتجاوز فيه في حال الأمن، بل لو فعل ذلك حال الأمن بطلت، وحيث رفع الحرج والإثم في عدم أخذ السلاح عند حصول التأذي بمطر أو مرض رفعًا للمشقة، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([388] وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾([389]).

40- وجوب أخذ الحذر والاحتراز من الكفار في حال القتال، بل وفي جميع الأحوال، لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾([390]).

41- لا ينبغي أن يكون رفع الحرج في حمل السلاح في الصلاة عند التأذي بالمطر أو المرض مدعاة للتساهل في أخذ الحذر والاحتراز من الأعداء؛ لقوله بعد أن ذكر رفع الحرج في وضع السلاح في هذه الحالة: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.

42- تبشير المؤمنين وتقوية عزائمهم بذكر ما أعد الله للكفار من العذاب المهين في الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾([391] بعدما أمر بأخذ الحذر منهم ليجمع المؤمنين بين فعل السبب والاعتماد على الله كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾([392]).

43- التهديد والوعيد للكفار بما أعده الله لهم من العذاب المهين في الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.

44- أن الذل كل الذل والهوان كل الهوان بمعصية الله والكفر به لقوله ﴿مُهِينًا﴾.

45- أن المعذَّب يجمع له بين الألم الحسي لجسمه وجسده، والألم المعنوي لقلبه ونفسه، وهو لا يقل عن الألم الحسي لقوله ﴿مُهِينًا﴾.

46- أن القضاء يطلق ويراد به الفراغ من الشيء والانتهاء منه في وقته لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾([393])([394]).

47- مشروعية ذكر الله بعد الانتهاء من الصلاة، وبخاصة صلاة الخوف؛ لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([395]).

وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام»([396]).

وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وقال: «يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»([397]).

وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون». قال ابن الزبير: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهلل بهن دبر كل صلاة مكتوبة([398]).

وكان إذا فرغ من الصلاة يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد»([399]).

48- الترغيب في الإكثار من ذكر الله بعد صلاة الخوف لما وقع فيها من التخفيف كمية وكيفية؛ لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾([400]).

ولما للذكر من أثر عظيم في طمأنة القلب، كما قال عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾([401]).

49- مشروعية ذكر الله على كل حال؛ لقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾([402]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه، أو أحواله عدا حال قضاء الحاجة؛ فقد سلم عليه المهاجر بن قنفذ فلم يرد عليه حتى انتهى من قضاء حاجته وتوضأ ([403]).

50- أن الإنسان يؤجر ويثاب على الذكر، سواء كان قائماً أو قاعدًا أو على جنب أو على أي حال، وكلما كان الحال أنشط على الذكر من حيث التهيؤ والخشوع وحضور القلب ومواطأته اللسان، فهو أولى وأفضل وأجره أعظم، والغالب أن القاعد أخشع ما لم يكن في صلاة فأفضل حالات الصلاة القيام والسجود.

51- أهمية الذكر وعظم منزلته؛ ولهذا أمر به في حال الخوف، ولم يرخص في تركه ولم يشرع التجوز به، كما شرع ذلك بالنسبة للصلاة ([404])؛ لأن الذكر أمره يسير يستطيع الإنسان أداءه على أي حال كان.

52- أن ذكر الله تعالى مما يقوي القلب ويزيده إيمانًا وشجاعة وثباتًا عند اللقاء، ومن أعظم أسباب النصر، لهذا أمر الله المقاتلين بملازمته لقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([405])([406]) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾([407]).

53- أن الذكر بعد صلاة الخوف لا يلزم أن يكون وهو جالس في مصلاه؛ بل له أن يقوله أو بعضه بعد أن ينصرف من الصلاة، قائمًا أو قاعدًا أو على أي حال؛ لقوله ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾.

وهكذا بالنسبة للصلاة في حال الأمن؛ إلا أن الأولى أن يأتي بأذكارها وهو جالس في مصلاه بعد السلام؛ لأن «الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه، تقول: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يحدث»([408]).

54- إذا زال الخوف وجب إقامة الصلاة على ما كانت عليه حال الأمن؛ من حيث إقامة جميع أفعالها وأقولها تامة من غير قصر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.

55- عظم منزلة الصلاة في الإسلام، ولهذا لما ذكر الله قصر الصلاة والتجوز فيها حال الخوف ذكر بوجوب إقامتها تامة إذا زال الخوف، وهذا هو الأصل فيها؛ إلا أنه ذكر به تعظيمًا لها وبيانًا لأهميتها؛ إذ من المعلوم أن مشروعيتها كانت بمكة، وقبل نزول هذه الآيات.

56- أن الصلاة فرض على المؤمنين؛ لقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

57- أن الكفار لا تجب عليهم الصلاة، ولا يطالبون بفعلها حتى يؤمنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وظاهر هذا أنها لا تجب على غير المؤمنين؛ بمعنى أنه لا يطالب بها غير المؤمنين غير أن الكفار معاقبون على ترك الصلاة وغيرها من فروع الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾([409]).

58- أن الصلاة مؤقتة بأوقات محدودة معلومة يجب أداؤها فيها؛ لقوله تعالى: ﴿مَوْقُوتًا﴾، كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾([410] أي: لدلوك الشمس؛ وهو زوالها إلى غسق الليل - وهو شدة ظلامه ، وهذا الوقت ينتظم وقت صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وجعله الله وقتًا واحدًا فقال: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ لأن أوقات هذه الصلوات الأربع لا فاصل بينها، فإذا خرج وقت صلاة منهن دخل وقت التي بعدها، ثم قال تعالى: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ﴾؛ أي: وقت صلاة الفجر؛ وهو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وإنما أفرد الفجر لأن ما بين منتصف الليل وهو نهاية وقت العشاء إلى ما قبل طلوع الفجر ليس وقتًا للصلاة، وكذا ما بين طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال ليس وقتًا للصلاة.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس»([411]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمني جبريل u عند باب البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت بقدر الشراك، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب، حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان من الغد صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، وصلى بي الفجر حين أسفر، ثم التفت إلي وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين»([412]).

59- أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها؛ حتى ولا للمشتغل بتحصيل شرطها كمن لم يجد الماء؛ فإنه يتيمم ويصلي في الوقت، وكمن لم يجد ثوبًا يصلي فيه، فإنه يصلي على حسب حاله؛ لأن الله أمر بإقامة الصلاة حال الخوف، ولم يجوز تأخيرها عن وقتها ولا في هذه الحال، بل أوجب إقامتها في وقتها، كما في حال الأمن، وعلل لذلك بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

وعلى هذا فمن أخرها عن وقتها متعمدًا لغير عذر فهو آثم، لكن هل يلزمه قضاؤها؟ اختلف أهل العلم في هذا على قولين:

فذهب الجمهور إلى أنه يقضيها.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقضيها، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: «لا يقضيها ولو قضاها ما صحت منه»([413]).

أما من أخرها عن وقتها لعذر من نوم ونحوه، فإنه يصليها إذا زال عذره، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك»([414]).

60- أنه لا يجوز تقديم الصلاة عن وقتها لحال من الأحوال، حتى ولا حال الخوف؛ لأن الله أمر المقاتلين بقصر الصلاة، والتجوز فيها، ولم يجز لهم أن يصلوها قبل وقتها، بل أمرهم أن يصلوها في وقتها كما يجب ذلك في حال الأمن، وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

فمن قدم الصلاة عن وقتها أو جزءًا منها - ولو كان يسيرًا كأن يكبر تكبيرة الإحرام قبل غروب الشمس - لم تصح صلاته([415]).

61- نهي المسلمين أن يلحقهم الوهن والضعف في طلب الكفار، وأنه يجب عليهم أن يكونوا أقوياء أشداء في مطاردتهم ومتابعتهم؛ لقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾، كما قال تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾([416]).

62- تشجيع المسلمين على جهاد الكفار، ورفع معنوياتهم وتثبيت عزائمهم؛ لقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.

قال ابن عطية ([417]): ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾: هذا تشجيع لنفوس المؤمنين وتحقير لأمر الكفرة، ثم تأكد التشجيع بقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، وهذا برهان بين ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين».

63- أن البشر كلهم يتألمون بما يصيبهم من مصائب؛ المؤمنون منهم والكفار، بل خُلَّص المؤمنين يتألمون كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾.

قال - صلى الله عليه وسلم -: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى المرء على قدر دينه»([418]).

وفي الحديث: «إنك لتوعك» قال: «نعم أوعك كما يوعك الرجلان منكم»([419]).

لكن يختلف المؤمنون عن غيرهم بالصبر والتحمل.

64- أن المصائب كلما عمت خفت؛ لقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾؛ أي ليس الألم خاصًا بكم؛ بل هو مشترك بينكم وبينهم.

ولو أن الموت أو المرض أو الفقر أو غير ذلك من المصائب كتبت على أناس بأعيانهم لماتوا حسرة ([420]).

وهكذا التكاليف؛ فإنها كلما عمت خفت، ولهذا قال بعض المفسرين عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾([421]).

قالوا: إن قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لتخفيف الأمر على هذه الأمة بأن الصوم كما كتب عليهم فقد كتب على من قبلهم.

65- فرق ما بين المؤمنين في جهادهم في سبيل الله وبين الكفار: أن المؤمنين يرجون من الله النصر في الدنيا والثواب في الآخرة، والكفار لا يرجون من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾([422]).

66- ينبغي للمؤمن أن يكون راجيًا ثواب الله ([423])، واثقًا بوعده ونصره، محسنًا الظن بربه، غير مدل على الله بعمله، ولا قانط من رحمة ربه؛ لقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.

67- أن الكافرين لا يرجون من الله شيئًا: لا نصرًا في الدنيا، ولا ثوابًا في الآخرة، وإنما اعتمادهم على جهودهم القاصرة، وهدفهم الحياة الدنيا فقط، فإن كان منهم من له رجاء كالمشركين فهو فقط في وقت الشدة، كما قال الله عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾([424]).

وهذا الرجاء لا ينفعهم لعدم إيمانهم ([425])، وليس هو كرجاء المؤمنين الذين يثقون بوعد الله لهم بالنصر في الدنيا والثواب في الآخرة، لهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.

68- إثبات اسم الله «العليم» وما يدل عليه من إثبات صفة العلم الواسع لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾.

69- إثبات اسم الله «الحكيم» وما يدل عليه من إثبات صفة الحكم لله عز وجل بأقسامه الثلاثة: الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وإثبات صفة الحكمة لله عز وجل: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية.

70- في ذكر اسميه عز وجل «العليم» و «الحكيم» مقروناً كل منهما بالآخر دلالة على كمال علمه وكمال حكمته؛ فإن من كمال العلم وتمامه أن يكون مقرونًا بالحكمة، ومن كمال الحكمة وتمامها أن تكون مقرونة بالعلم، وكم من عالم لا يستفاد من علمه لعجلته وعدم حكمته.

وكم من حكيم لا يستفاد من حكمته بسبب جهله وعدم علمه.

وقد أحسن النابغة الجعدي حين قال ([426]):

ولا خير في حلم إذا لم تكن له

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

كما أن في اقتران هذين الاسمين: «العليم» و «الحكيم» دلالة على كمال علمه مع كمال حكمه بأنواعه الثلاثة، وأن له العلم الكامل والحكم النافذ؛ فكم من عالم لا يستطيع أن يحكم لضعفه وعدم قوته، وكم من حاكم لا يعرف كيف يحكم لجهله وعدم علمه.

71- وجوب التفويض والتسليم التام لله عز وجل فيما شرع وقدر، سواء عرفنا الحكمة في ذلك أو لم نعرفها؛ لأن ما شرعه وقدره إنما هو عن علم تام وحكمة بالغة؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

* * *



([1]) سورة البقرة، آية: 185.

([2]) سورة الحج، آية: 78.

([3]) سورة النساء، آية: 28.

([4]) سورة الأنفال، آية: 66.

([5]) سورة البقرة، آية: 286.

([6]) الآيات من (101 إلى 104).

([7]) سورة النساء، الآيات: 101-104.

([8]) انظر «المحرر الوجيز» 4/232، «الجامع لأحكام القرآن» 5/351، «تفسير ابن كثير» 2/347.

([9]) سورة المزمل، آية: 20.

([10]) انظر «تفسير المنار» 5/363.

([11]) في «أحكام القرآن» 1/483.

([12]) أخرجه مسلم في الطلاق 1480، وأبو داود في الطلاق 2284، والنسائي في النكاح 3245، والترمذي في النكاح 1135، وابن ماجه في النكاح 1869، ومالك في الطلاق 1234، والدارمي في النكاح 2177 – من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.

([13]) انظر «شرح صحيح مسلم» للنووي 10/97.

([14]) انظر «النكت والعيون» 1/408.

([15]) سورة المزمل، آية: 20.

([16]) في الترخص برخص السفر إذا كان السفر محرمًا خلاف سيأتي في الأحكام.

([17]) انظر «جامع البيان» 9/123.

([18]) سورة البقرة، آية: 158.

([19]) انظر «تيسير الكريم الرحمن» 2/142-143.

([20]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/207.

([21]) انظر «مجاز القرآن» 1/138، «لسان العرب» مادة «قصر».

([22]) قال السعدي: «قوله {مِنَ الصَّلَاةِ} ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان: إحداهما ليدل على أن القصر محدود مضبوط مرجوح فيه إلى ما تقرر من فعل النبي ﷺ‬ وأصحابه. الثانية أن «من» تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها» «تيسير الكريم الرحمن» 2/143.

([23]) سورة التوبة، آية: 103.

([24]) انظر «جامع البيان» 9/123-140، «الناسخ والمنسوخ» للنحاس 2/228، «النكت والعيون» 1/418-419، «أحكام القرآن» للجصاص 2/252-253، «معالم التنزيل» 1/471، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 489، «المحرر الوجيز» 4/234-236، «التفسير الكبير» 11/14-15، «الجامع لأحكام القرآن» 5/360-361، «تفسير ابن كثير» 2/347-350.

([25]) أخرجه البخاري في السهو 1228، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة 573، وأبو داود في الصلاة 1008، والنسائي في السهو 1224، والترمذي في الصلاة 399، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1214 – من حديث أبي هريرة t.

([26]) انظر «التفسير الكبير» 11/14، 15.

([27]) انظر «أحكام القرآن» للهراسي 1/488.

([28]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها 686، وأبو داود في الصلاة 1199، والنسائي في تقصير الصلاة 1433، والترمذي في التفسير 3034، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1065، والدارمي في الصلاة 1505، والطبري 10310-10312.

([29]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/252-253، «التفسير الكبير» 11/14، «تفسير المنار» 5/365، «أضواء البيان» 1/337.

([30]) سورة البقرة، آية: 239.

([31]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/349، 351.

قال الشنقيطي: «معنى قصر كيفيتها أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن؛ كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة الأخرى، وكصلاتهم إيماء رجالاً وركبانًا وغير متوجهين إلى القبلة؛ فكل هذا من قصر كيفيتها». «أضواء البيان» 1/337، وانظر «التفسير الكبير» 11/15.

([32]) انظر «جامع البيان» 9/139-140.

([33]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/349.

([34]) أخرجه الطبري في «جامع البيان» 9/129 الأثر 10318، وذكره ابن كثير 2/351.

([35]) في «تفسيره» 2/351.

([36]) أخرجه الطبري 9/134 الأثر 10327. وانظر «تفسير ابن كثير» 2/351.

([37]) انظر «جامع البيان» 9/132-139، «تفسير ابن كثير» 2/350.

([38]) انظر «جامع البيان» 9/139-140.

([39]) انظر «التفسير الكبير» 11/15.

([40]) في «مجموع الفتاوى» 24/20، وانظر «زاد المعاد» 4661.

([41]) في «مجموع الفتاوى» 24/98-99 وانظر 24/123.

([42]) سيأتي تخريجه قريبًا في الأحكام. وانظر «زاد المعاد» 1/466.

([43]) انظر «التفسير الكبير» 11/18، «الجامع لأحكام القرآن» 5/361.

وقد يكون من فائدة ذكر هذا الشرط {إِنْ خِفْتُمْ} بيان الحكمة والمصلحة في مشروعية رخصة القصر في السفر، وهو أن السفر مظنة للخوف والمشقة، وهذا أقصى ما يكون، ولهذا إذا اجتمع السفر والخوف جاز القصران، وإن انفرد أحدهما جاز أحد القصرين. انظر «مجموع الفتاوى» 24/20، «زاد المعاد» 1/466-467.

([44]) سورة الأنبياء، آية: 35.

([45]) انظر «جامع البيان» 9/123، «لسان العرب» مادة «كفر».

([46]) في «جامع البيان» 9/123، وانظر «التفسير الكبير» 11/19.

([47]) سورة الشعراء، آية: 77.

([48]) انظر «التفسير الكبير» 11/19، «البحر المحيط» 3/339.

([49]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/207.

([50]) سورة المنافقون، آية: 4.

([51]) في «جامع البيان» 9/123 – 124.

([52]) انظر «جامع البيان» 9/141، «التفسير الكبير» 11/19.

([53]) أخرجه أبو داود في الصلاة 1236، والنسائي في صلاة الخوف 1550، وعبد الرزاق في المصنف 2/505 – الأثر 4237، وأحمد 4/59، 60، والطيالسي 1/150، والطبري 9/131، 158 الآثار 10323-10324، 10378، والواحدي في «أسباب النزول» ص120، والبيهقي 2/254-256 وصححه، والحاكم 1/337. وقال: «صحيح على شرطهما» ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «تفسيره» 2/354-355 – بعد أن ذكر هذا الحديث من رواية عبد الرزاق، وأشار إلى رواية أحمد له بإسناده ثم قال: «وهذا إسناد صحيح، وله شواهد كثيرة». وقال البيهقي: «هذا إسناد صحيح» وقال محمود شاكر في تخريجه لتفسير الطبري 9/132: «وهو حديث صحيح» وصححه الألباني.

ومن شواهده ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما كما سيأتي في ذكر صفات صلاة الخوف ص67. وما أخرجه الترمذي في التفسير 3035، والطبري في «جامع البيان» 9/138 الأثر 10342 من حديث أبي هريرة t. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من حديث عبد الله بن شفيق عن أبي هريرة». وما أخرجه الحاكم في «مستدركه» 3/30 والواحدي في «أسباب النزول» ص120- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري» ووافقه الذهبي.

([54]) سورة الأحزاب، آية: 21.

([55]) انظر «المحرر الوجيز» 4/237.

([56]) انظر «جامع البيان» 9/141، 143، «المحرر الوجيز» 4/237.

([57]) في «تفسيره» 2/354.

([58]) انظر «البحر المحيط» 3/339، «تفسير المنار» 5/372.

([59]) سورة النساء، آية: 6.

([60]) لام الأمر تسكن بعد الواو والفاء وثم، قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} سورة النساء الآية (9) فقد سكنت لام الأمر في قوله «وليخش» وقوله «وليقولوا» لأنها بعد الواو، وسكنت في قوله {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} لأنها بعد الفاء. وتسكن بعد «ثم» كما في قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} سورة الحج الآية (29) وقوله {ثُمَّ لِيَقْطَعْ} سورة الحج الآية (15) وانظر «معاني القرآن» للفراء 1/284.

([61]) انظر «جامع البيان» 9/141.

([62]) انظر «جامع البيان» 9/142.

([63]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/106، «الجامع لأحكام القرآن» 5/371.

([64]) انظر «جامع البيان» 9/142، «الجامع لأحكام القرآن» 5/372.

([65]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/372.

([66]) انظر «لسان العرب» مادة «سجد».

([67]) انظر «المغني» 2/194، 195، «الحاوي» للماوردي» 2/127.

([68]) انظر «جامع البيان» 9/142، 149.

([69]) أخرجه مسلم في الصلاة 489، وأبو داود في الصلاة 1320، والنسائي في التطبيق 1138 – عن ربيعة بن كعب الأسلمي t.

قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ‬ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

([70]) أخرجه مسلم في الصلاة 482، وأبو داود في الصلاة 875، والنسائي في التطبيق 1137- من حديث أبي هريرة t.

([71]) انظر «جامع البيان» 9/142-162، «الفوائد المشوق» 22.

وقيل المعنى: فإذا سجدت الطائفة الأولى السجود المعهود على الأعضاء السبعة فلتكن الطائفة الأخرى من خلفهم يحرسونهم حال سجودهم لئلا يباغتهم العدو حال السجود.

وهذا غير صحيح ، لأنه لو أراد هذا المعنى لقال: فإذا سجدتم فليكونوا من ورائكم. ولذكر هذا أيضًا مع الطائفة الأخرى في قوله: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}.

([72]) أخرجه البخاري في المغازي 4130، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها 841، 842، 843، وأبو داود في الصلاة 1237-1239، والنسائي في صلاة الخوف 1536-1537، والترمذي في الجمعة 565، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها 1259، ومالك في النداء للصلاة 440، 441، والطبري في «جامع البيان» 10345-10347 من حديث صالح بن خوات عمن شهد رسول الله ﷺ‬ يوم ذات الرقاع صلى صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، فسلم بهم».

وروي عن سهل بن أبي خيثمة نحوه أخرجه الطبري 9/146، حديث 10346.

([73]) انظر «لسان العرب» مادة «حذر».

([74]) انظر «التفسير الكبير» 11/21.

([75]) في «الجامع لأحكام القرآن» 5/365.

([76]) انظر «لسان العرب» مادة «ودد».

([77]) انظر «المفردات في غريب القرآن» و «لسان العرب» مادة «كفر».

([78]) انظر «المفردات في غريب القرآن» و «لسان العرب» مادة «كفر».

([79]) سورة البقرة، آية: 96.

([80]) انظر «البرهان في علوم القرآن» 4/373-374.

([81]) انظر «لسان العرب» مادة «غفل».

([82]) انظر «جامع البيان» 9/162، «لسان العرب» مادة «متع».

([83]) انظر «التفسير الكبير» 11/21، وراجع سبب النزول.

([84]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/372.

([85]) انظر «جامع البيان» 9/162، «الكشاف» 1/296، «المحرر الوجيز» 4/243، «الجامع لأحكام القرآن» 5/372.

([86]) أخرجه البخاري في التفسير 4599، والطبري في «جامع البيان» 9/163 الأثر 10379 والحاكم 2/308.

([87]) انظر «جامع البيان» 9/163.

([88]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/265، «أحكام القرآن» للهراسي 1/492-493، «التفسير الكبير» 11/22، «الجامع لأحكام القرآن» 5/372-373.

([89]) انظر «جامع البيان» 9/163. وقد قالوا في تعريف المرض هو عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ.

([90]) انظر «مدارك التنزيل» 1/353.

([91]) انظر «التفسير الكبير» 11/22.

([92]) انظر «جامع البيان» 9/163، «التفسير الكبير» 11/22، «الجامع لأحكام القرآن» 5/373، «تفسير ابن كثير» 2/356.

([93]) انظر «جامع البيان» 9/163.

([94]) سورة يس، الآيات: 60-64.

([95]) سورة المؤمنون، آية: 108.

([96]) سورة الزخرف، آية: 77.

([97]) سورة الدخان، آية: 49.

([98]) سورة الحج، آية: 18.

([99]) انظر «تفسير ابن كثير» 5/357.

([100]) انظر «جامع البيان» 9/164، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/497، «المحرر الوجيز» 4/243-244.

([101]) سورة البقرة، آية: 200.

([102]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/373.

([103]) سورة فصلت، آية: 12.

([104]) قال الجصاص في «أحكام القرآن» 2/265: «الذكر بالقلب وهو الفكر في عظمة الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه من الدلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه. والذكر باللسان بالتعظيم والتسبيح والتقديس».

([105]) سورة الرعد، آية: 28.

([106]) سورة الكهف، آية: 28.

([107]) أخرجه الترمذي في الدعوات 3375، وابن ماجه في الأدب 3793، عن عبد الله بن بسر t أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به. قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». قال الترمذي: «حديث حسن غريب من هذا الوجه»، وصححه الألباني.

([108]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 1/108، «أحكام القرآن» للجصاص 2/265، «أحكام القرآن» للهراسي 1/493-494، «المحرر الوجيز» 4/243-244، «التفسير الكبير» 11/23.

([109]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/207، «المحرر الوجيز» 4/243-244، «الجامع لأحكام القرآن» 5/373.

([110]) سورة آل عمران، آية: 191.

([111]) في «جامع البيان» 9/164.

([112]) سورة الأنفال، آية: 45.

([113]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/108، «جامع البيان» 9/165، 166، «النكت والعيون» 1/423، «المحرر الوجيز» 4/244، «تفسير ابن كثير» 2/357.

([114]) انظر «لسان العرب» مادة «سكن».

([115]) انظر «جامع البيان» 9/165.

([116]) انظر «التفسير الكبير» 11/23.

([117]) انظر «مجاز القرآن 1/138، «جامع البيان 9/165، 166، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/497، «الجامع لأحكام القرآن» 5/374، «التفسير الكبير» 11/23، «مدارك التنزيل» 1/353، «تفسير ابن كثير» 2/357.

([118]) انظر «مجاز القرآن» 1/138، «جامع البيان» 9/167-170، «أحكام القرآن» للجصاص 2/265، «أحكام القرآن» للهراسي 1/494، «الكشاف» 1/296، «معالم التنزيل» 1/476، «تفسير ابن كثير» 2/357.

([119]) انظر «جامع البيان» 9/169، «أحكام القرآن للهراسي» 1/494-496، «تفسير ابن كثير» 2/357.

([120]) سورة الإسراء، آية: 78.

([121]) انظر «التفسير الكبير» 11/24، «تفسير ابن كثير» 5/99، «أضواء البيان» 1/379.

([122]) سورة الروم، الآيتان: 17، 18.

([123]) انظر «التفسير الكبير» 11/24، وانظر «تفسير ابن كثير» 6/313-314.

([124]) سورة هود، آية: 114.

([125]) انظر «تفسير ابن كثير» 4/284، «أضواء البيان» 1/378-379.

([126]) سورة طه، آية: 130.

([127]) انظر «تفسير ابن كثير» 5/318-319.

([128]) أخرجه أبو داود في الصلاة 393، والترمذي في الصلاة 149، وقال: «حديث حسن صحيح» وقال الألباني: «حسن صحيح».

([129]) أخرجه الترمذي في الصلاة 150، وأحمد 3/330، والحاكم 1/195-196 قال الترمذي: «وقال محمد: أصح شيء في المواقيت حديث جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ‬»، وقال الحاكم «صحيح، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.

([130]) سورة آل عمران، الآيتان: 139، 140.

([131]) سورة محمد، آية: 35.

([132]) سورة مريم، آية: 4.

([133]) انظر «جامع البيان» 9/170-172، «التفسير الكبير» 11/25، «تفسير ابن كثير» 2/357.

([134]) في «تفسيره» 2/357، وانظر «جامع البيان» 9/170-171.

([135]) سورة الحجرات، آية: 11.

([136]) سورة الأعراف، الآيتان: 80، 81.

([137]) سورة هود، آية: 78.

([138]) انظر «جامع البيان 9/171، «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 1/108.

([139]) في «تفسيره» 2/357. وانظر: «جامع البيان» 9/173، «الجامع لأحكام القرآن» 5/374.

([140]) سورة آل عمران، آية: 140.

([141]) وقيل: معنى الرجاء الخوف، واستدل له بقوله تعالى: { ما لكم لا ترجون لله وقارا} سورة نوح الآية (13)؛ أي: لا تخافون لله عظمة. انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/278. وقد رد هذا الطبري والزجاج، وانظر «جامع البيان» 9/174، «معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/109، وانظر «اللسان» مادة «رجا».

([142]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 1/109، «أحكام القرآن» للجصاص 2/278.

([143]) سورة الحج، آية: 40.

([144]) سورة الروم، آية: 47.

([145]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 1/109، «أحكام القرآن» للجصاص 2/278.

([146]) سورة النساء، الآيتان: 95، 96.

([147]) انظر «جامع البيان» 9/171، 173.

([148]) أخرج الطبري في «جامع البيان» 9/173 – الأثر 10407 – عن ابن عباس قال: «لما كان قتال أحد، وأصاب المسلمين ما أصاب، صعد النبي ﷺ‬ الجبل، فجاء أبو سفيان، فقال: يا محمد ألا تخرج، ألا تخرج. الحرب سجال يوم لنا ويوم لكم فقال رسول الله ﷺ‬ لأصحابه «أجيبوه» فقالوا: «لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» فقال أبو سفيان «عزى لنا ولا عزى لكم» فقال ﷺ‬: «قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم» قال أبو سفيان: «اعل هبل. اعل هبل» فقال رسول الله ﷺ‬: «الله أعلى وأجل» فقال أبو سفيان موعدكم بدر الصغرى. ونام المسلمون وبهم الكلوم» والكلوم: الجروح.

([149]) انظر «جامع البيان» 9/171، «تفسير ابن كثير» 2/357.

([150]) انظر «جامع البيان» 9/175.

([151]) سورة طه، آية: 52.

([152]) في «تفسيره» 2/357، وانظر ما سبق في الكلام على قوله تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما} سورة النساء الآية (11).

([153]) انظر «المحرر الوجيز» 4/233، «الجامع لأحكام القرآن» 5/356.

([154]) انظر «المحرر الوجيز» 4/233، «الجامع لأحكام القرآن» 5/356، «أضواء البيان» 1/371.

([155]) انظر «مجموع الفتاوى» 14/97.

([156]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/490، «المحرر الوجيز» 4/233، «الجامع لأحكام القرآن» 5/352 وعن مالك قال: «إن أتم في السفر فإنه يعيد ما دام في الوقت قال القرطبي: استحباب لا إيجاب».

([157]) انظر «معالم التنزيل» 1/471، «التفسير الكبير» 11/15.

([158]) انظر «المغني» 3/122.

([159]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين الحديث 686، وأبو داود في الصلاة 1199، والترمذي في التفسير 3037، وابن ماجه في الصلاة 1065 وأحمد 1/25، 36، والبغوي في «معالم التنزيل» 1/471 وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/353، 361.

([160]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/100.

([161]) انظر «المهذب» 1/110، «المغني» 3/143، «التفسير الكبير» 11/16، «الجامع لأحكام القرآن» 4/352، «أضواء البيان» 1/363.

([162]) انظر «التفسير الكبير» 11/16.

مما استدل به الجمهور حديث عائشة الذي رواه النسائي في تقصير الصلاة في السفر 1456، والدارقطني في سننه في الصيام 2/188، وأنها قالت: اعتمرت مع رسول الله ﷺ‬ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت المدينة قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت قال: «أحسنت يا عائشة». ولم يَعِبْ عليَّ. وقد حسَّن إسناده الدارقطني والنووي، وقال الإمام أحمد: «حديث منكر». وقال ابن تيمية: «هذا الحديث كذب على عائشة رضي الله عنها». وقد ضعف ابن تيمية وغيره هذا الحديث من وجوه عدة؛ منها: أن في بعض رواياته أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ‬ في رمضان، وهو ﷺ‬ لم يعتمر في رمضان قط؛ بل كل عمره في ذي القعدة، أن عائشة ما كانت لتصلي خلاف صلاة رسول الله ﷺ‬ وأصحابه وهي تشاهدهم، أنها القائلة فرضت الصلاة ركعتين.. فكيف تزيد على الفرض، وأيضًا فإنها تأولت في إتمامها بعد وفاته ﷺ‬ ولو كان عندها رواية في هذا لاحتجت بها. انظر «مجموع الفتاوى» 24/19، 144-153، «زاد المعاد»: 1/464-465، 471-473. وقال الألباني في «ضعيف النسائي»: «منكر».

([163]) انظر «معالم التنزيل» 1/471.

([164]) انظر «المحرر الوجيز» 4/234.

([165]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/253، «مدارك التنزيل» 1/351.

([166]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/253-254.

([167]) أخرجه البخاري في الجمعة 1090، ومسلم في صلاة المسافرين 685، وأبو داود في الصلاة 1198، والنسائي في الصلاة 453، ومالك في النداء للصلاة 337، والدارمي 1509، والبغوي في «معالم التنزيل» 1/471.

([168]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/19.

([169]) أخرجه النسائي في الجمعة 1420، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1063، وأحمد 1/37، 77 وإسناده صحيح.

قال ابن كثير في «تفسيره» 2/350 بعد أن ذكره من رواية أحمد: «وهذا إسناد على شرط مسلم» وقال ابن القيم في «زاد المعاد» 1/467: «وهذا ثابت عن عمر t» وصححه الألباني.

([170]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين 687 وأبو داود في الصلاة 1247 والنسائي في الصلاة 456، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1068، وأحمد 1/237، والطبري 10336، والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» 2/229.

([171]) في «تفسيره» 2/350.

([172]) أخرجه الترمذي في الجمعة 552، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1067، وأحمد 2/31، وقال الألباني: «حسن صحيح».

([173]) أخرجه البخاري في الجمعة 1081، ومسلم في صلاة المسافرين 693، وأبو داود في الصلاة 1233، والنسائي في تقصير الصلاة في السفر 1438، والترمذي في الجمعة 548، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1077، وأحمد 12563، والدارمي في الصلاة 1509.

([174]) أخرجه البخاري في صلاة الخوف 1083، ومسلم في صلاة المسافرين 696، وأبو داود في المناسك 1965، والنسائي في تقصير الصلاة 1446، والترمذي في الحج 882، وأحمد 4/306.

([175]) أخرجه البخاري في صلاة الخوف 1082، ومسلم في صلاة المسافرين 694، وأبو داود في الصلاة 1223، والنسائي في تقصير الصلاة في السفر 1450، والترمذي في الجمعة 544، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1071.

([176]) أخرجه النسائي في تقصير الصلاة 1435، والترمذي في أبواب السفر وقال: «حديث حسن صحيح» وصححه الألباني.

([177]) أخرجه أبو داود في الصلاة 1229، والترمذي في الجمعة 545، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» وضعفه الألباني.

([178]) أخرجه البخاري في الجمعة 1084، ومسلم في صلاة المسافرين 695، وأبو داود في المناسك 1960، والنسائي في تقصير الصلاة 1448، والدارمي 1874.

([179]) في «مجموع الفتاوى» 24/ 7-9، 19-20، وانظر «زاد المعاد» 1/464-465، 468.

([180]) انظر «أضواء البيان» 1/363.

([181]) سورة البقرة، آية: 158.

([182]) انظر «التفسير الكبير» 11/16، «مدارك التنزيل» 1/352.

([183]) انظر «أحكام القرآن »للجصاص 2/352، «أضواء البيان» 1/363.

([184]) انظر «أضواء البيان» 1/363.

([185]) اختلف في سبب إتمام عثمان. فقيل: لأنه نوى الإقامة بعد الحج، وقيل: لأنه يرى أنه لا يقصرها إلا من حل وارتحل، وكان شاخصًا. أو بحضرة عدو ويحتاج إلي الزاد والمزاد، وقيل: لأنه يرى التخيير بينهما.

واستبعد شيخ الإسلام ابن تيمية أن يتم لأنه يرى التخيير ويخالف ما داوم عليه رسول الله ﷺ‬. واختار ابن تيمية أن إتمام عثمان لأنه يرى أنه لا يقصر الصلاة إلا من كان شاخصًا، أي: مسافرًا، وهو الحامل للزاد والمزاد، أي" للطعام والماء أما من كان في مكة فيه الطعام والشراب فلا يقصر لأنه عنده بمنزلة المقيم، وقيل أتم ليعلم الأعراب، أو لأنه إمام الناس فحيث نزل فهو في وطنه، وقيل لأن منى قد بنيت فصارت قرية، وقيل لأنه قد تأهل أي: تزوج بمكة قال ابن القيم: «وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان» ورد بقية الأقوال.

انظر «أحكام القرآن»« للجصاص 2/254، «الجامع لأحكام القرآن» 5/358، «مجموع الفتاوى» 24/85، 93-94، 160-161، «زاد المعاد» 1/469-471، «أضواء البيان» 1/377.

وأما إتمام عائشة رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله ﷺ‬ فقيل إنها تأولت كما تأول عثمان t، وأخبرت أن الإتمام لا يشق عليها، وقيل لأنها أم المؤمنين فحيث نزلت فهي في وطنها، وقيل تأولت أن من لازم القصر الخوف.

قال ابن القيم: «وهذا غير صحيح، فإن النبي ﷺ‬ سافر آمنا يقصر» وقيل غير ذلك انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/358، «مجموع الفتاوى» 24/145، 153، 155، 161، «زاد المعاد» 1/471، «أضواء البيان» 1/377.

([186]) في «الأم» 1/159، وانظر «أحكام القرآن» للهراسي 1/488.

([187]) في «مجموع الفتاوى» 24/9، وانظر 24/10-11، 19، 21-22، 93، 96، 143-144.

([188]) في «مجموع الفتاوى» 24/20 وانظر 24/97-100

([189]) في «مجموع الفتاوى» 24/100.

([190]) في «تسير الكريم الرحمن» 2/143.

([191]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/9.

([192]) انظر «بدائع الصنائع» 1/93-94.

([193]) انظزر «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» 1/358-367، لكن فيه أنه لابد من نية القصر في أول صلاة يصليها في السفر. وقيل لابد من نية القصر عند كل صلاة ولو حكمًا.

([194]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/20-21.

([195]) انظر «المهذب» 1/110، «مغني المحتاج» 1/266.

([196]) انظر «المقنع مع الشرح» 5/53، «مجموع الفتاوى» 4/104، 24/20-21.

([197]) انظر «معالم التنزيل» 1/472، «المحرر الوجيز» 4/234، «أضواء البيان» 1/370.

([198]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها 691، وأبو داود في الصلاة 1201.

([199]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/131-134.

([200]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها 692، والنسائي في تقصير الصلاة في السفر 1437.

([201]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف في الصلوات – في مسيرة كم يقصر الصلاة 2/445 وصحح الحافظ إسناده في «الفتح» 2/567، وانظر «أضواء البيان» 1/370.

([202]) انظر «المحرر الوجيز» 2/234، «المغني» 3/108، 109، «التفسير الكبير» 11/16 «مجموع الفتاوى» 24/40، 41.

([203]) انظر «التفسير الكبير» 11/17.

([204]) في «المغني» 3/108، 109.

([205]) في «مجموع الفتاوى» 24/38-39.

([206]) في «مجموع الفتاوى» 24/14-15.

([207]) في «مجموع الفتاوى» 24/12-13.

([208]) في «مجموع الفتاوى» 24/34-35.

([209]) سورة النساء، آية: 43، وسورة المائدة، آية: 6.

([210]) في «زاد المعاد» 1/481، وانظر «إعلام الموقعين» 2/303، «أضواء البيان» 1/369-370.

([211]) انظر «المبسوط» للسرخسي 1/107.

([212]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/353-355.

([213]) انظر «معالم التنزيل» 1/472، «التفسير الكبير» 11/17.

([214]) انظر «المغني» 3/106.

([215]) البرد: جمع بريد، والبريد أربعة فراسخ.

([216]) الفرسخ: ثلاثة أميال.

([217]) انظر «فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» رقم 3534، وتاريخ 18/3/1401هـ. وانظر «الممتع» شرح زاد المستقنع» للشيخ محمد بن صالح العثيمين 4/497.

([218]) انظر «المدونة» 1/119، 120.

([219]) انظر «المهذب» 1/109، «مغني المحتاج» 1/266، «البحر المحيط» 3/338.

([220]) انظر «المغني» 3/105-109، «مجموع الفتاوى» 24/126.

([221]) انظر «معالم التنزيل» 1/472، «المغني» 3/106.

([222]) أخرجه الشافعي في مسنده بإسناد صحيح، وقد رواه ابن خزيمة في صحيحه مرفوعًا إلى النبي ﷺ‬ وهو ضعيف، لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك» انظر «التقريب» 1/528 والصحيح وقفه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتناوى» 24/38، 39: «ورواية ابن خزيمة في مختصر المختصر وغيره له مرفوعًا إلى النبي ﷺ‬ باطل بلا شك عند أئمة الحديث» وانظر المغني 3/106، «مجموع الفتاوى» 24/127، «التفسير الكبير» 11/17، «أضواء البيان» 1/370.

([223]) أخرجه ابن أبي شيبة في الصلوات – في مسيرة كم يقصر الصلاة 2/445. وانظر «مجموع الفتاوى» 24/124.

([224]) انظر «المغني» 3/106.

([225]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/256-257.

([226]) أخرجه مسلم في الطهارة 276، والنسائي في الطهارة 128، وابن ماجه 552، والدارمي في الطهارة 714 – من حديث علي t.

([227]) سيأتي تخريجهما.

([228]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/256، «الجامع لأحكام القرآن» 5/355، وقال ابن حزم: مسافة ميل لما روي عن ابن عمر: «لو سافرت ميلاً لقصرت» ذكره الحافظ في «فتح الباري» 2/567 وقال: إسناده «صحيح» وانظر «مجموع الفتاوى» 24/41، 132.

([229]) سبق تخريجه ص39.

([230]) سبق تخريجه ص39.

([231]) انظر «أضواء البيان» 1/369.

([232]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/126-130.

([233]) أخرجه مسلم في الحج 1340، وأبو داود في المناسك 1726، والترمذي في الرضاع 1169، وابن ماجه في المناسك 2898. من حديث أبي سعيد t. والمحرم هو من لا يحل له نكاح المرأة على التأبيد.

([234]) أخرجه البخاري في الحج 1864، ومسلم في صلاة المسافرين 827، والنسائي في المواقيت 566، من حديث أبي سعيد t.

([235]) أخرجه البخاري في الجمعة 1088، ومسلم في الحج 1339، وأبو داود في المناسك 172، والترمذي في الرضاع 1170، وابن ماجه في المناسك 2899 – من حديث أبي هريرة t.

([236]) أخرجه أبو داود في المناسك 1723 من حديث أبي هريرة t، وصححه الألباني.

([237]) في «الفتاوى» 24/38، وانظر «أضواء البيان» 1/368.

([238]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/38-49.

([239]) وقد اختارت هذا القول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في فتواها رقم 3534 وتاريخ 18/3/1401هـ.

([240]) سورة النساء، آية: 6.

([241]) سورة النساء، آية: 6.

([242]) انظر ما سبق.

ويقصر المسافر بعد مفارقته للبنيان وخروجه منه سواء كان السفر طويلاً أو في حدود ما يباح له فيه القصر وهو ثمانون كيلو مترًا فأكثر، وقال بعض أهل العلم إن كان السفر طويلاً قصر بعد مفارقته البنيان، وإن كان قصيرًا قصر بعد الثمانين، والأكثرون على أنه يقصر مطلقًا متى فارق البنيان. انظر «المصنف» لعبد الرزاق 4/528-532.

([243]) سورة البقرة، آية: 184.

([244]) سورة النساء، آية: 43، وسورة المائدة، آية: 6.

([245]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/109-110، «البحر المحيط» 3/338.

([246]) أخرجه أبو داود في الصوم 2048، والترمذي في الصوم 715، والنسائي في الصيام 2276، 2315، وابن ماجه في الصوم 1667، قال ابن تيمية: «رواه أنس بن مالك الكعبي، ورواه أحمد بإسناد جيد» «مجموع الفتاوى» 24/106. وقال الألباني: «حسن صحيح».

([247]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/255-256.

([248]) انظر «المغني» 3/115.

([249]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/356.

([250]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/356.

([251]) انظر «المحلى» 5/22.

([252]) انزر «مجموع الفتاوى» 24/109 وانظر «أضواء البيان» 1/378.

([253]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/487، «المحرر الوجيز» 4/232، «الجامع لأحكام القرآن» 5/355-356.

([254]) انظر «أحكام القرآن» للهراسي 1/489، «تفسير ابن كثير» 2/347.

([255]) انظر «المغني» 3/115، «مجموع الفتاوى» 24/108.

([256]) انظر «المصنف» لعبد الرزاق 4/521-523.

([257]) سورة البقرة، آية: 173.

([258]) سورة المائدة، آية: 3.

([259]) انظر «المحرر الوجيز» 4/233، «الجامع لأحكام القرآن» 5/356.

([260]) انظر «تفسير ابن كثير» 1/294.

([261]) سورة المائدة، آية: 2.

([262]) لا يترخص في سفر المعصية، ويترخص في السفر الذي تكون فيه معصية.

([263]) انظر «المحرر الوجيز» 4/233، «الجامع لأحكام القرآن» 5/356.

([264]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/110-113.

وهناك أقوال أخرى غير هذين القولين فقد قيل: لا يقصر إلا في سفر الطاعة، وقيل إلا في سفر حج وعمرة وغزو، وقيل لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم. وقيل غير ذلك.

انظر «مجموع الفتاوى» 24/105، 106، 108.

([265]) كالنصوص في إباحة الفطر والجمع للمسافر وفي حكم المسح على الخفين ونحو ذلك.

([266]) أخرجه البخاري في تقصير الصلاة 1080، وفي المغازي 4298، وأبو داود في الصلاة 1232، والترمذي في أبواب الصلاة 549، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1075.

([267]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف – الحديث 4335، وأحمد 3/295، والبيهقي في سننه 2/152 – ورجاله ثقات. وأخرجه من حديث جابر بن عبد الله أبو داود في الصلاة 1235 – وصححه الألباني.

([268]) أخرجه البخاري في الشركة 2505، 2506 – من حديث جابر وابن عباس رضي الله عنهما.

([269]) سبق تخريجه ص34.

([270]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها 688، والنسائي في تقصير الصلاة في السفر 1443.

([271]) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» 2/453-454 طبعة الدار السلفية وإسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف بمعناه 4359.

([272]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف – الأثر 4350 ورجاله ثقات.

([273]) أذربيجان: إقليم في إيران على حدودها الشمالية الغربية. انظر «معجم البلدان».

([274]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف – الأثر 4339، والبيهقي في سننه 3/152، وإسناده صحيح. وصححه الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» 2/47.

وقد أخرجه الإمام أحمد 2/83، الحديث 5552 – مطولاً من حديث ثمامة بن شراحيل عن ابن عمر – قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» 2/158، «رواه أحمد ورجاله ثقات» وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.

([275]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف – الأثر 4354.

([276]) أخرجه ابن أبي شيبة 2/454 – طبعة الدار السلفية.

([277]) أخرجه البيهقي في سننه 3/152.

([278]) أخرجه عبد الرزاق – الأثر 4352. وانظر ابن أبي شيبة 2/454 طبعة الدار السلفية.

([279]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/137، 184، «الاختيارات الفقهية» ص72، 73.

([280]) انظر «زاد المعاد» 3/561.

([281]) 2/64.

([282]) انظر «الدرر السنية» 4/372، 375.

([283]) انظر «الفتاوى» لرشيد رضا جمع صلاح المنجد 3/118.

([284]) انظر «المختارات الجلية» ص57، 58.

([285]) وقد كتب فضيلته في هذا رسالة قيمة.

([286]) ذكرها النووي في «المجموع» 4/219-220، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/256، «زاد المعاد» 3/564-565.

([287]) انظر «المدونة» 1/199، 120، «الجامع لأحكام القرآن» 5/357.

([288]) انظر «المهذب» 1/110، «المجموع» 4/219-220.

([289]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/357.

([290]) انظر «المغني» 3/148.

([291]) أخرجه البخاري في المناقب 3933، ومسلم في الحج 1352، وأبو داود في المناسك 2022، والنسائي في تقصير الصلاة 1455، والترمذي في الحج 949، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1073.

([292]) انظر «أضواء البيان» 1/372.

([293]) انظر «المغني» 3/147-153، «زاد المعاد» 3/563.

([294]) انظر «زاد المعاد» 3/563.

([295]) سبق تخريجه ص48.

([296]) سبق تخريجه ص48.

([297]) انظر «المغني» 3/149-151، «أضواء البيان» 1/373.

([298]) سبق تخريجه ص34.

([299]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/140، «زاد المعاد» 3/563، «أضواء البيان» 1/371.

([300]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/256.

([301]) أخرجه أبو داود في الصلاة 1231، والنسائي في تقصير الصلاة 1453، والترمذي في الصلاة 549 – من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وصححه الألباني.

([302]) لكن أصح الروايات تسعة عشر. لأنه رواها البخاري وغيره، كما سبق ص48. وقد جمع بينها البيهقي.

([303]) سبق تخريجه ص48. وانظر «المحلى» 5/22.

([304]) سبق تخريجه ص48. وانظر «المحلى» 5/22.

([305]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/256، «المجموع للنووي» 4/219-220، «زاد المعاد» 3/564-565.

([306]) انظر «المغني» 3/153، «أحكام القرآن» للجصاص 2/256، «الجامع لأحكام القرآن» 5/357، «زاد المعاد» 3/56.

([307]) في «مجموع الفتاوى» 24/17، وانظر «الاختيارات الفقهية» ص107.

([308]) في «مجموع الفتاوى» 24/18، وانظر «زاد المعاد» 3/563.

([309]) في «مجموع الفتاوى» 24/136-137.

([310]) سورة النحل، آية: 80.

([311]) في «مجموع الفتاوى» 24/184.

([312]) في «زاد المعاد» 3/561.

([313]) انظر «زاد المعاد» 3/563-564، «أضواء البيان» 1/374.

([314]) وممن ذهب إلى هذا الخوارج فقالوا: لا يصح القصر إلا مع الخوف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وذكر هذا قولاً للشافعي، وما أظنه يصح عنه» «مجموع الفتاوى» 24/22 وانظر «التفسير الكبير» 11/18، «مدارك التنزيل» 1/352، وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/487، «المحرر الوجيز» 4/235.

([315]) سورة البقرة، آية: 239.

([316]) انظر «أضواء البيان» 1/338-339.

([317]) سبق تخريجه ص9. وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/489، «مجموع الفتاوى» 24/107.

([318]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/347.

([319]) سبق تخريجه ص34. وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/490.

([320]) سبق تخريجه ص35.

([321]) في «مجموع الفتاوى» 24/22.

([322]) أخرجه مالك في الموطأ في النداء للصلاة 349، وفي «المدونة» 1/121. وأخرجه مالك أيضًا في المدونة مرفوعًا إلى النبي ﷺ‬.

([323]) انظر «مجموع الفتاوى» 24/123.

([324]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/489، 490.

([325]) سورة النساء، آية: 23.

([326]) سورة النور، آية: 33.

([327]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/347.

([328]) في «تفسيره» 2/349.

([329]) سبق في تفسير الآية ذكر هذا القول، وكذا قول من قال المراد بالقصر في الآية قصر صلاة السفر من ركعتين إلى ركعة واحدة لكل طائفة وتكون للإمام ركعتان.

([330]) في «زاد المعاد» 1/466.

([331]) في «مجموع الفتاوى» 24/20.

([332]) في «زاد المعاد» 1/466-467.

([333]) في «زاد المعاد» 1/529.

([334]) سورة البقرة، آية: 239.

([335]) انظر كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([336]) سورة النور، آية: 33.

([337]) سورة البقرة، آية: 120.

([338]) سورة البقرة، آية: 109.

([339]) سورة هود، آية: 113.

([340]) انظر «النكت والعيون» 1/420، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/493، «الجامع لأحكام القرآن» 5/364-365، «تفسير ابن كثير» 2/353.

([341]) سورة الأحزاب، آية: 21.

([342]) روي هذا عن المزني وأبي يوسف وإسماعيل بن علية لقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} وقالوا: إن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره عليه الصلاة والسلام الصلاة يوم الخندق.

قال ابن كثير: «وهذا غريب جدًا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف. وحمل الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، يعني أن تأخيره الصلاة يوم الخندق إنما هو لعدم القرة على الصلاة على أي حال يوم الأحزاب». «تفسير ابن كثير» 2/353، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/262-263، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/493، «الجامع لأحكام القرآن» 5/364-365، «مدارك التنزيل» 1/352.

([343]) في «أحكام القرآن» 2/263.

([344]) سورة الأنعام، الآيتان: 153، 155.

([345]) سورة التوبة، آية: 103.

([346]) في «تفسيره» 2/354 وانظر «أضواء البيان» 1/357-358.

([347]) سورة التوبة، آية: 103.

([348]) انظر «البحر المحيط» 3/339.

([349]) انظر «حاشية العدوي على كفاية الطالب» 2/174.

([350]) انظر «الحاوي» للماوردي 2/470، 471.

([351]) انظر «المغني» 3/298، «مجموع الفتاوى» 23/29.

([352]) انظر «مجموع الفتاوى» 23/29، «تفسير ابن كثير» 2/353.

([353]) أخرجه البخاري في الجمعة 946، ومسلم في الجهاد والسير 1770- من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

([354]) ذكره البخاري في صلاة الخوف عن أنس t، انظر «فتح الباري» 2/434، وانظر «تفسير ابن كثير» 2/353.

([355]) انظر «مجموع الفتاوى» 23/29.

([356]) أخرجه البخاري في التهجد 1130، ومسلم في صفات المنافقين 2819- من حديث المغيرة بن شعبة t.

([357]) أخرجه البخاري في التهجد 1130، ومسلم في صفة القيامة 2819، والنسائي في قيام الليل 1644، والترمذي في الصلاة 412، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1419 من حديث المغيرة بن شعبة t. وأخرجه من حديث جابر t البخاري في المغازي 4101، ومسلم في الأشربة 2039، والترمذي في الأدب 2842.

([358]) أخرجه البخاري في المناقب 3796، ومسلم في الجهاد والسير 1805، والترمذي في المناقب 3857، وابن ماجه في المساجد والجماعات 742، عن أنس بن مالك t قال: كان الصحابة يقولون يوم الخندق:

نحن الذين بايعوا محمدًا

على الجهاد ما بقينا أبدًا

فأجابهم:

اللهم إن الخير خير الآخرة

فاغفر للأنصار والمهاجرة

([359]) أخرجه البخاري في القدر 6620، ومسلم في الجهاد والسير 1803، والدارمي في السير 2455- من حديث البراء بن عازب t.

([360]) أخرجه أبو داود في الصلاة 517، والترمذي في الصلاة 207- من حديث أبي هريرة t، وصححه الألباني.

([361]) انظر «النهاية» «لسان العرب» مادة: «ضمن».

([362]) انظر «المغني» 3/5، «مجموع الفتاوى» 23/222-239، «تفسير ابن كثير» 2/354،/ «أضواء البيان» 1/357.

([363]) انظر «المحرر الوجيز» 4/243، «التفسير الكبير» 11/22، «تفسير ابن كثير» 2/356، «البحر المحيط» 3/340.

([364]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/494، «الجامع لأحكام القرآن» 5/371، «مدارك التنزيل» 1/352.

([365]) انظر كلام الشيخ محمد العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([366]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/372.

([367]) انظر في ذكر هذه الصفات: «جامع البيان» 9/130-155، «أحكام القرآن» للجصاص 2/257-262، «معالم التنزيل» 1/472-474، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/491-496، «الجامع لأحكام القرآن» 5/365-370، «زاد المعاد» 1/529-532، «تفسير ابن كثير» 2/354-356، «أضواء البيان» 1/345-357.

([368]) ذات الرقاع: غزوة معروفة كانت بأرض غطفان من نجد، سميت بذلك لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا عليها الخرق.

كما في حديث أبي موسى الأشعري t عند البخاري وغيره. انظر «فتح الباري» 7/417، باب غزوة ذات الرقاع حديث 4128.

([369]) أخرجه البخاري في المغازي 4129، ومسلم في صلاة المسافرين 842، وأبو داود في الصلاة 1238، والنسائي في صلاة الخوف 1538.

([370]) أخرجه البخاري معلقًا في المغازي 4135، 4136، وأخرجه مسلم موصولاً في صلاة المسافرين 843، وأحمد 3/390.

([371]) أخرجه البخاري في المغازي 4134، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها 839، وأبو داود في الصلاة 1243، والنسائي في صلاة الخوف 1539، والترمذي في الجمعة 564، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1258، ومالك في النداء للصلاة 442، والدارمي في الصلاة 1521.

([372]) أخرجه النسائي في صلاة الخوف 1461، والدارقطني في سننه 1/186، والبيهقي في سننه 3/259، وصححه الألباني.

وقد روي نحوه، عن أبي بكرة عن النبي ﷺ‬ أخرجه البيهقي وغيره.

([373]) أخرجه النسائي في صلاة الخوف 1533، وصححه الألباني.

([374]) أخرجه البخاري في الجمعة 944، والنسائي في صلاة الخوف 1533، وقد أخرجه أحمد وغيره من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما 5/385، 399، 404، كما أخرجه أحمد وغيره أيضًا من حديث جابر بن عبد الله t 3/298، وروي أيضًا من حديث زيد بن ثابت وغيره.

([375]) أخرجه أبو داود في الصلاة 1236، والنسائي في صلاة الخوف 1549، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين – باب صلاة الخوف 840، والنسائي في صلاة الخوف 1545، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1260 – من حديث جابر بن عبد الله t. وراجع ما سبق ص13-14. وانظر «زاد المعاد» 1/529.

([376]) سورة البقرة، آية: 239.

([377]) في «زاد المعاد» 1/532.

([378]) في «زاد المعاد» 1/531.

([379]) في «زاد المعاد» 1/531-532.

([380]) في «جامع البيان» 9/161.

([381]) في «زاد المعاد» 1/532.

([382]) انظر كلام شيخنا محمد بن صالح العثيمين على هذه الآية.

([383]) انظر «التفسير الكبير» 11/22.

([384]) انظر «التفسير الكبير» 11/21.

([385]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/435، «مجموع الفتاوى» 22/609-610، «زاد المعاد» 1/250.

([386]) في «زاد المعاد» 1/250.

([387]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/165، «معالم التنزيل» 1/475، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/496، «المحرر الوجيز» 4/243، «الجامع لأحكام القرآن» 5/372-373.

([388]) سورة الحج، آية: 78.

([389]) سورة المائدة، آية: 6.

([390]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/496.

([391]) انظر «المحرر الوجيز» 2/243.

([392]) سورة الأنفال، آية: 45.

([393]) سورة البقرة، آية: 200.

([394]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/373.

([395]) سورة الجمعة، آية: 10.

([396]) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة 591، وأبو داود في الصلاة 1513، والترمذي في الصلاة 300.

([397]) أخرجه أبو داود في الصلاة 1522، والنسائي في الصلاة 1303، وإسنادهما صحيح، وصححه الألباني.

([398]) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة 594.

([399]) أخرجه البخاري في الأذان 844 ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة 593، وأبو داود في الصلاة 1505 من حديث المغيرة بن شعبة t.

وفي حديث أبي هريرة t عن رسول الله ﷺ‬ قال: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر». أخرجه مسلم 597 وعن كعب بن عجرة t عن رسول الله ﷺ‬ قال: «معقبات لا يخيب قائلهن – أو فاعلهن – دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة» أخرجه مسلم 596.

([400]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/357.

([401]) سورة الرعد، آية: 28.

([402]) سورة آل عمران، آية: 191.

([403]) أخرجه أبو داود في الطهارة 17، وابن ماجه في الطهارة وسننها 350 وصححه الألباني.

([404]) أخرج الطبري في «جامع البيان» 9/164، الأثر 10380 عن ابن عباس قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} يقول لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} بالليل والنهار في البر والبحر وفي السفر والحضر والغنى والفقر والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال».

([405]) سورة الأنفال، آية: 45.

([406]) انظر «المحرر الوجيز» 4/243-244، «الجامع لأحكام القرآن» 5/373.

([407]) سورة الرعد، آية: 28.

([408]) أخرجه البخاري في الصلاة 445، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة 649، وأبو داود في الصلاة 469، والنسائي في المساجد 733، والترمذي في الصلاة 215، وابن ماجه في المساجد والجماعات 786- من حديث أبي هريرة t.

([409]) سورة المدثر، الآيات: 42-47.

([410]) سورة الإسراء، آية: 78.

([411]) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة 612.

([412]) سبق تخريجه ص27. وقد روى أبو داود معناه مطولاً من حديث أبي مسعود الأنصاري t في الصلاة 394.

وانظر «كتاب الإرشاد إلى معرفة الأحكام» ص32 سؤال «16».

([413]) انظر «مجموع الفتاوى» 22/27-39، «الاختيارات الفقهية» ص32، 34.

([414]) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة 597، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة 684، وأبو داود في الصلاة 442، والنسائي في المواقيت 613، والترمذي في الصلاة 178، وابن ماجه في الصلاة 695- من حديث أنس بن مالك t.

وليس معنى الحديث أن الإنسان ينام ولا يضع الأسباب الموقظة له، ويحتج بهذا الحديث، وإنما المراد من فاتته الصلاة فوات حرص كأن يغلبه النوم.

([415]) ينبغي أن ينتبه لهذا المؤذنون، فإن بعضًُا منهم هداهم الله يؤذنون قبل دخول الوقت إما بخمس دقائق أو ثلاث أو أقل أو أكثر، مما يترتب عليه أن يصلي بعض الناس قبل دخول الوقت أو يكبر تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت وبخاصة النساء، ومسؤولية ذلك على المؤذنين الذين يؤذنون قبل دخول الوقت.

([416]) سورة المائدة، آية: 54.

([417]) في «المحرر الوجيز» 4/244-245.

([418]) أخرجه الترمذي في الزهد 2398، وابن ماجه في الفتن 4023، والدارمي في الرقاق 2783 من حديث سعد بن أبي وقاص t - وقال الترمذي «حسن صحيح» وكذا قال الألباني.

([419]) أخرجه البخاري في المرضى 5667، ومسلم في البر والصلة 2571، والدارمي في الرقاق 2771 – من حديث عبد الله بن مسعود t.

([420]) ذكر عن الإسكندر المقدوني أنه لما حضرته الوفاة طلب من أمه أن تعلن عن استقبال المعزين بعد وفاته على أن لا يحضر للتعزية من أصيب بمصيبة فلما مات جلست في انتظار المعزين فلم يأت إليها أحد فقالت: لماذا؟ فقيل: إنك قلت لا يأتي للتعزية من أصيب بمصيبة. وما من أحد إلا وقد أصابته مصيبة. فقالت: يرحمك الله يا ابني لقد عزيتني عن نفسك بنفسك. انظر «العقد الفريد» 3/233 «المستطرف» 2/587، «مروج الذهب» 1/292، «مختار الحكم» 239. وفي تعاليم ديننا وما أعده الله لمن أطاعه عزاء عن كل مصيبة. قال تعالى: {وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} سورة الضحى، الآية (4).

وقال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} سورة القصص، الآية (60) وسورة الشورى الآية (36) ولما قالت فاطمة رضي الله عنها: «واكرب أبتاه. قال ﷺ‬: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» أخرجه البخاري في المغازي 4462، والنسائي في الجنائز 1844، وابن ماجه في الجنائز 1629- من حديث أنس بن مالك t.

وقال ﷺ‬: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر به من خطاياه» أخرجه البخاري في المرضى 5642، ومسلم في البر والصلة 2573، والترمذي في الجنائز 966 – من حديث أبي هريرة t.

وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لأم هانئ عندما جاء إليها يزورانها رضي الله عنها: «ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ‬» أخرجه مسلم في فضائل الصحابة 2454 من حديث أنس بن مالك t.

ولما حضرت بلالاً الوفاة أنشأ يقول:

غدا نلقى الأحبة

محمدًا وحزبه

فقالت امرأته «واويلاه. فقال: «وافرحاه» انظر «سير أعلام النبلاء» 1/359. وقد ارتجز بهذا البيت قوم من الأشاعرة فيهم أبو موسى الأشعري t؛ حينما دنوا من المدينة. أخرجه أحمد 3/155، 223، وابن سعد في الطبقات 4/106، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ص456 – عن أنس بن مالك، وإسناده صحيح.

وقال أبو الحسن التهامي لما مات ابن له:

جاورت أعدائي وجاور ربه

شتان بين جواره وجواري

انظر «ديوانه» ص48 الطبعة الثانية.

([421]) سورة البقرة، آية: 183.

([422]) سورة التوبة، آية: 52.

([423]) قال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون الخوف والرجاء عند العبد كجناحي الطائر، وقال بعض أهل العلم عند فعل الحسنة يغلب جانب الرجاء، وإذا هم بسيئة يغلب جانب الخوف.

أما عند الموت فينبغي أن يغلب جانب الرجاء، ويحسن الظن بربه عز وجل قال ﷺ‬ «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه». أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها 2877، وأبو داود في الجنائز 3113، وابن ماجه في الزهد 4167- من حديث جابر t.

([424]) سورة العنكبوت، آية: 65.

([425]) انظر كلام شيخنا محمد بن صالح العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([426]) انظر ديوانه ص69 تحقيق عبد العزيز رباح.