كيف تدعو ملحدًا؟

مدحت بن الحسن آل فراج


 المقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: }يَا أَيُّهَـــا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{، وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا{، وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِــرْ لَكُــمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{.

أما بعد:

إن الله - عز وجل - قد أخرجنا نحن المسلمين من العدم إلى الوجود من أجل القيام بمهمة شاقة ذات تكاليف باهظة متمثلة في: الدينونة لله بمنهجه، وتحقيق العبودية له، وقيادة البشرية مع امتلاك زمامها إلى خير الدنيا والآخرة.

ومن هنا كان لزاماً علينا أن يَنْبَثقَ وجودُنا من كتاب الله حتى يَتَسَنَّى لنا القيامُ بدورنا المنشود؛ ومن ثَمَّ كان التَّلَقِّي من الله وحده هو المنهج القويم والطريق الوحيد المحقِّق للأمة دورَها المناطَ بها من قبل ربِّها؛ فالعقائدُ والتَّصَوُّرات، والقيم، والموازين، والسلوك، والمعاملات، وشتى شؤون الحياة، لا نستقيها إلا من وحي الرحمن، وأما أوحال الشياطين وأرجاس الطواغيت المتشخِّصَة في شرائعهم وأحكامهم المنتوتة الصِّلة بسلطان الله وإذنه، فنجهر ونعلن للناس بحسم ووضوح حتميةَ وفرضيةَ الكفر بها، والبراءة من أهلها؛ حتى يستقيم الإسلامُ عقيدةً صحيحةً في نفوس النَّاطقين به، وتتحقق لهم النجاة الحقيقية في الدنيا والآخرة؛ لا النجاة المزيفة التي اجْتُثَّتْ من فوق الأرض ما لها من قرار.

فالأمة الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي تفردت بالاستسلام لربها، والقبول لحكمه، والانقياد لأمره، وكفرت بكل ما يُعْبَدُ من دونه.

فكما أنَّ اللهَ قد انفرد بخلقنا، فيجب أن ينفرد بتَأَلُّهنا ويتحكم في أَزمَّة أمورنا.

ولقد اصطفانا ربُّنا وطَهَّرنا وجعلنا " أمةً وسطاً " – أي خياراً عدولاً ؛ حتى يتسنَّى لنا القيام بالشهادة على الناس , والعدالة قد ترجمتها الأمة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله ربًّا ومعبوداً وحاكماً ووليًّا؛ فتلك هي سمةُ الأمة وركيزتها الأساسية التي تميَّزت بها عن بقية الأمم، واستحقت القوامة على كافة البشر.

ولقد مَنَّ اللهُ علينا بأسباب الهداية، ومقوِّمات الرِّيادة؛ فمن المعلوم أنَّ كلَّ نفس قد فطرت على الفقر الذَّاتيِّ، ومن ثمَّ التَّوَجُّه لإله غنيٍّ قويٍّ ليسدَّ فقرها ويلبِّي مرادها؛ وتلك هي زبدةُ ديننا الذي ارتضاه الله ديناً للعالمين.

إذاً فنحن المسلمين الأمة الوحيدة التي ما زالت قادرة على دعوة جميع الأمم وسائر القرون بدينٍ سديد قويم قد تطابقت وتصادقت الكتب الربانية والأدلة العقلية والحجج الفطرية ودلالات الآيات الكونية على حسنه ووجوبه، وعلى بطلان كافة الأديان من دونه.

وتلك الحقيقة بأبعادها كاملة كانت نصبَ أعين المسلمين الأُوَل، وترجموها إلى واقع عمليٍّ ملموس، وقاموا بها خيرَ قيام، ومن ثَمَّ دانت لهم الدُّنيا بأَسْرها، وذَلَّت لهم الأكاسرة والقياصرة والجبابرة، وبَلَغَ الإسلامُ مبلغَ الليل والنهار؛ علت رايةُ التوحيد والإيمان، ونكست رايات الكفر والإلحاد، وسادت البشرية الأمن والطمأنينة، حتى كانت المرأة تسير من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها.

ولما غابت تلك الحقيقة عنا نحن المسلمين في هذا الزمان، وطالت غفلتنا عن سنة ربانية لا تتبدل ولا تتغير وهي: من لم يَدع يُدع ومن لم يَغز يُغز، انقلبت الموازين، واختلطت الرايات، وضاعت القيم، واستبيحت الحرمات، وذهب دورنا، وذابت هويتنا، وصرنا كالغنم المائجة على وجهها في ليلة مطيرة بلا راع؛ لا تعلم لماذا القرار، ولا أين القرار.

ولا رجوع لنا من التيه الذي ضرب بأطنابه حولنا، ولا عود لهدفنا المنشود ولدورنا، إلا بتجريد العبودية لله وتحرير أصول التوحيد من أدران الشرك والإلحاد، وتطهير أصول السنة من موبقات البدع والمحدثات، ثم الاستقامة على تلك الأصول والعض عليها بالنواجذ، ثم إعداد العُدَّة وشَحْذُ الهمم وبذلُ الجهد لإبلاغ ديننا الحنيف غضًّا طريًّا كما أنزل بلا أدنى شائبة من شرك أو ابتداع.

وإسهاماً منَّا في العمل على إحداث ثورة بلاغ لهذا الدين جاءت هذه الرسالة، وأُعدَّتْ؛ لعلّها تكون لبنة من لبنات بناء متكامل شامخ.

وقد جاءت هذه الرسالة " كيف تدعو ملحداً " بعون الله وفضله في فصول:

الفصل الأول: الأدلة الجليَّةُ على وجود ربِّ البرية؛ وفيه دلالة الفطرة، دلالة خلق الإنسان، دلالة الأرض وما عليها من المخلوقات، دلالة الليل والنهار والشمس والقمر، دلالة السماء وما فيها من النجوم والكواكب.

الفصل الثاني: صفات الإله الحق.

وفيه: معرفة الإله.

الفصل الثالث: الأدلة العقلية على وحدانية مدبر الكون؛ وفيه: دليل الإحداث، شبهة وجوابها، بطلان تعدد الآلهة.

الفصل الرابع: الأدلة على بطلان تألُّه غير الله.

وفيه: دليل الإحداث. شبهة وجوابها. بطلان تعدد الآلهة.

الفصل الخامس: الأدلة العقلية على البعث والنشور.

وفيه: مبدأ الثواب والعقاب، والإنشاء والإعادة، البعث بين الإمكان والوجوب.

الفصل السادس: الأدلة العقلية على بعثة الرُّسل.

وفيه: كيف نعبد الله.

الفصل السابع: تعريف الإسلام الصحيح.

ثم تأتي الخاتمة؛ وفيها بيان لشبهة قد تصدُّ الناس عن سبيل الله، وتمنعهم من الدخول في الإسلام؛ ألا وهي: الحال المزري لكثير من المسلمين والمنتسبين إليه اليوم.

وفي النهاية: أَتَوَجَّهُ بالشُّكْر لكلِّ مَنْ ساعد في إتمام هذا العمل، وأَخُصُّ بالذِّكْر فضيلةَ الشيخ الوالد/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - حفظه الله - الذي بذل جهداً في قراءة الرسالة والتقديم لها، فجزاه الله خيراً.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلَّى اللهُ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه / أبو يوسف

مدحت بن الحسن آل فراج


الفصل الأول

 الأدلَّةُ الجليَّةُ على وجود ربِّ البريَّة

 دلالةُ الفطرة:

   لا شكَّ أن الناسَ جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها يجدون من أنفسهم أموراً مُستَحْسنة ومُستَقْبحة فيما بينهم دون القيام منهم بالاتِّفاق على حسنها وقبحها؛ مثل

ميل الناس جميعاً إلى حُبِّ النساء، والبنين، والمال، والذهب، والفضة، والجمال، وإلى بُغْض الفقر، والدمامة، والمرض، والعجز، والكسل. .. هذا في الشهوات.

وأما في السلوك: فنجد اتِّفاقَ البشر على حبِّ الصدق، والأمانة، والعدل، والتواضع، ومحاسن الأخلاق...

وعلى بغض الكذب، والخيانة، والظلم، ومساويء الأخلاق. ..

والسؤالُ المطروح في هذا الصَّدَد هو: هل هناك مدرسة دخل فيها كافة البشر – على اختلاف مللهم، ونحلهم، وألسنتهم، وطباعهم... فتلقَّوا فيها تلك التعاليم والسلوك؟

بالطبع: لا.

بل إنَّ الطفلَ الصغيرَ لو تُرك على طبيعة خلقته منذ ولادته حتى تَعَقُّله دون معلم، ولا مربٍّ لوجدتَه قد شبَّ على الحالة الموصوفة سابقاً.

إذاً فتلك الشهواتُ والغرائز وهذه الأخلاق والسلوك قد فُطر الإنسان عليها وطبع بها، وهي تجري في دمه وتسري في روحه، وتنمو مع نمو جسده؛ بل إن هنا أمراً هو أعجب مما ذكرت؛ ألا وهو: تلك الضوابط والحدود التي رُكزت في النفوس لهذه الشهوات والغرائز؛ فإننا نرى من أنفسنا أنه لو وقع بصر أحدنا صدفة على أمه وهي عارية تماماً – ولو كانت تتمتع بقدر كبير من الحسن والبهاء – لم تتحرك له شهوة نحوها ألبتة.

وفي ذات الوقت لو شاهد امرأةً أجنبيةً عنه – وهي على درجة من الجمال دون أمه بكثير – مبدية عن بعض مفاتنها لتحركت وانبعثت شهوته تجاهها، والسؤالُ المطروحُ الآن:

من الذي فطر الإنسان على هذا ؟

ومن الذي غرس فيه تلك الضوابط والحدود التي لم يتلقَّها من أحد من الخلق بل جُبل عليها وفطر بها؟! وهذا يَدُلُّ بيقين على وجود خالق فاطر فَطَرَ الخَلْقَ على هذا وصبغهم به.

والشيء الضروريُّ الذي نجده من نفوسنا هو وجوب عبادة الفاطر المنعم الخالق؛ لأنَّنا مجبولون على مَحَبَّة شكر المنعم؛ قال تعالى: }وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِــي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُــونَ *{ ] يس: 22 [.

 دلالةُ خلق الإنسان:

من المعلوم بداهة بضرورة الحس عدمية الإنسان قبل وجوده؛ فلو سأل سائلٌ: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ؟

لكان الجواب: نعم.

وكلُّ ما كان عدماً ثم تَحَقَّقَ له الوجود فلا بُدَّ حَتْماً من موجد أوجده، ومن خالق خلقه وصَوَّرَه؛ وعلى هذا اتَّفَقَتْ العقولُ السليمةُ والفطَرُ المستقيمة؛ فالصنعةُ لا بدَّ لها من صانع، والبناء لا بُدَّ له من بان، والمخلوق لا بُدَّ له من خالق؛ فالطفلُ الصَّغير إذا ضُرب من خلف التفت واستدار؛ لعلمه أن الضربَ لا بدَّ له من ضارب، ويبكي حتى يُقتصَّ له؛ لعلمه أن الضرب لا بدَّ له من ضارب، ويبكي حتى يُقتصَّ له؛ لحبِّه العدل والقصاص.

ولو قال لنا قائل: إني رأيت سفينة بلا ربان ولا قائد تشق البحر وسط أمواجه المتلاطمة ولججه الغائرة في ظلمات الليل البهيم حتى تصل إلى شاطئه، فتخرج متوجِّهة إلى الأشجار فتقوم بقطعها وحمل أخشابها على مَتْنها، ثم تعود مُبْحرةً إلى الشاطيء الآخر فتخرج متوجِّهةً لإقامة بناء شامخ، فإنَّ البُلَهاءَ والسُّفهاءَ قبل العقلاء سيقطعون بفساد عقله وبلادَة فكره ونظره؛ فكيف الحالُ بهذا الكون الفسيح؟!

سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار وأمواج، وطير صافَّات ويقبضن في جوِّ السماء فلا يَقَعْنَ على الأرض، ومخلوقاتٌ متنوعةٌ قويةٌ وشديدةُ البأس مُسَخَّرة للإنسان الضعيف، وشمس وقمر دائبان، وليل ونهار متعاقبان: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكُلٌّ في فلك يسبحون. ..

أفلا يَدُلُّ هذا على وجود خالق عليم قدير حكيم سميع بصير مبدع؟!

شبهة وجوابها:

فإن قال قائل: إن أبويَّ هما اللَّذان خلقاني وأوجداني، وكذلك الأمر في سائر المخلوقات. فالجواب: نحن نعلم أن المنيَّ المتدفقَ من فَرْج الزَّوْج إلى فَرْج زوجته يكون سبباً في مجيء الولد.

وهاهنا سؤال: هل نحن البشر الذين صنعنا هذا الماء وكوَّنَّاه؟!

والجواب المعلوم قبل الإجابة: بالطبع لا.

وإليك الأدلة:

فإن كان هذا من صنع البشر فأروني صانعه، وأعلموني بمكوِّناته، وأخبروني بخزائنه... بل الإنسانُ تَمُرُّ عليه فترةٌ من الزمان منذ ولادته حتى بلوغه لا يستطيع فيها قذف قطرة واحدة من هذا الماء، ثم يأتيه بغتة بصورة قليلة نسبيًّا حتى يكثر ويعظم في مرحلة قوته وشبابه، ثم لا يلبث هذا الماء أن يعود لحالته الأولى من القلة والندرة حتى ينقطع بالكلية في مرحلة كبره وشيخوخته.

فإن كان هذا من كسب الإنسان وصنعه، فلماذا لم يحافظ على قوَّته وتدفُّقه طوال عمره؟!

وكم من زوج يأتي زوجته مراراً ابتغاء الولد ولا يُرزقه!

فلو كان هو خالقه ومبدعه فلماذا استعصى عليه وجوده؟!

ثم إن الصانعَ لا بد وأن يكون محكماً لصنعته، قادراً عليها، عالماً بها.

وعليه.. فأروني الرجلَ الذي يأتي زوجتَه قائلاً: سوف أخلق ولداً جميلاً أبيض اللون، أزرق العين، أشقر الشعر، ولأني أملك سبب ولادته فأنا أملك سبب وفاته، فسوف أحييه أبداً بلا انقطاع ولا موت.

وأعلموني بالرجل الذي يأتي زوجتَه قائلاً: سوف أخلق جاريةً سمراء ذات شعر أسود، ستمكث ثمانين سنة من العمر، ثم أتوفاها من غير علَّة تعتريها طوال حياتها.

قال - تعالى - في محكم التنزيل:

}أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ{ (الواقعة: 58-59 )

وها نحن نرى الرجل والمرأة الولود، والرجل والمرأة العقيم؛ فمن الذي قَدَّرَ وقضى؟ ومن الذي أعطى ومنع؟ قال تعالى: }لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ{ (الشورى: 49-50 ).

 التَّطَوُّرُ دليلُ الإحداث:

إن الأشياءَ التي تكون محلًّا للحوادث والتغييرات والتَّنَقُّل من حال إلى حال دون إرادة واختيار تكون لا محالة مخلوقة، ومُدَبَّرًا أمرها، ومصورةً وفقَ إرادة صانعها؛ وهذا شأنُ الإنسان؛ فلو تَدَبَّرَ الإنسانُ في نفسه بعقله لرآها مُدَبَّرَةً، وعلى أحوال شتى مصرفة؛ كان نطفةً ثم علقةً ثم مضغة ثم لحماً وعظاماً؛ فيعلم أنه لم ينقل نفسَه من حال النَّقْص إلى حال الكمال.

وهو إذا اكتمل خَلْقُه وبلغ أَشُدَّه ونضج عقله، لا يستطيع أن يُحْدث لنفسه عضواً من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، ولا ريبَ أنَّه في حال ضعفه ونقصه يكون عن ذلك أعجز.

ويرى الإنسان نفسه طفلاً، ثم شابًّا، ثم كَهْلاً، ثم شيخاً؛ وهذا يَدُلُّ على قَهْر الإنسان وأنَّه مُسَخَّرٌ لربِّه ومالكه، ويبرهن على أنَّ له صانعاً صَنَعَه، وخالقاً خَلَقَه ونَقَلَه من حال إلى حال؛ وإلَّا لما تبدَّلَتْ به الأحوال، وتغيَّرت به الأطوار؛ قال – تعالى - في كتابه الكريم:

}وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَـا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ{ (المؤمنون: 12-14 ).

وصفاتُ الكمال للمخلوق من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحكمة والإرادة بُرْهانٌ جَليٌّ على ثبوتها لخالقه على وجه يليق بجلاله وعظيم سلطانه؛ لأنه لو لم يكن بتلك الصفات لكان المخلوقُ أكملَ من الخالق؛ وهذا محالٌ؛ لأن الكمالَ لا يتولَّدُ من النُّقْصان، ولأنَّ فاقدَ الشيء عاجزٌ عن إعطائه؛ قال – تعالى - مخاطباً الإنسان:

}أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ{ ( البلد: 7-8 )

وحريٌّ بنا أن نَتَبَصَّرَ في أنفسنا ونسأل عقولنا: مَن الذي جَعَلَ الإنسانَ يُبْصر بشحم، ويسمع بعظم، ويتكلَّم بلحم ؟! ومن الذي صَوَّرَ وجهَه المُقدَّرَ بشبر في شبر، ورتب أعضاءه ترتيباً لا يختلف من بشر لبشر ألبتة؛ ومع ذلك لا يوجد في كافة أنحاء الكون شخصان متشابهان إلى حدِّ استحالة تميُّز أحدهما من الآخر؟!

فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في تلك الرُّقْعة الصَّغيرة هذه الاختلافات التي لا حدَّ لها!

 ومن الذي جعل الجنين حيًّا في بطن أمه مدةً مديدةً مع تعذر عليه النفس لحظات لمات في الحال ؟! ومن الذي أخرج الطفلَ من بطن أمِّه لا يعلم شيئاً، ويكون على حالة لا يفرِّق بين الماء والنار، ولو وضع في متناول يده كافة الأطعمة وألذ المأكولات وألين الشراب ولم يجد من يناوله ذلك لمات في الحال؟!

ثم إذا به يشبُّ أعقل المخلوقات، وأحكم الكائنات؛ سميعاً بصيراً قديراً مريداً متكلماً عالماً معلِّماً... فمن الذي طَوَّرَه وكمَّلَه وعلَّمَه وحفظه وألهمه رشدَه وأمكنه من سائر المخلوقات وسخَّرها له ؟!

ومن الذي خالف بين ألسنة وألوان وطباع ومزاج الخلق؟! فلو كان الأمرُ طبيعيًّا – كما يزعم المكابرون – لجاءت الخلائق كلها على وتيرة واحدة، وعلى سمت متجانس وطبع لا يختلف! قال تعالى: }وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ{ (الروم: 22 ).

ومن الذي صَوَّرَنا في أرحام أمهاتنا من نُطَف آبائنا كيف يشاء؟!

ومن الذي يتعهَّد الأجنةَ في أرحام الأمهات بالرعاية والنمو والوقاية من الآفات والأمراض؟! ومن الذي كتب عليها فَقْرَها وغناها وشقاءها وسعادتها وصحتها ومرضها وحياتها وموتها وطولها وقصرها؟!

فهذا كُلُّه يُقَدَّر ويكون، والخلق كلهم غافلون عنه، جاهلون به، وبمعزل عن تدبيره؛ أفلا يَدُلُّ هذا على وجود خالق عالم مبدع قادر حكيم قاهر مسيطر، لا تنبغي العبادة إلا له، ولا الاستعانة إلا به.

ومن الذي هدى المولودَ إلى التقام ثدي أمِّه، وهَيَّأَه ليتغذَّى بما فيه من اللبن؟!

فالأطفالُ جميعاً في سائر أنحاء الكون مثلاً إذا التقم أحدهم ثديَ أمِّه امتصَّ ما فيه ولم ينفخ فيه بفيه؛ فمن الذي علَّم ابن يوم واحد هذا وألهمه الانتفاعَ بطريق كهذا تقوم به حياته؟! فإنَّا نعلم يقيناً أنه لو اجتمع الناسُ كلُّهم في صعيد واحد على أن يُعَلِّموا ابن يوم واحد شيئاً لعَجَزوا وخارت قُواهم، ومن الذي خلق الرَّحْمةَ في قلوب الخلائق التي بها يتراحمون، حتى إن البيهيمةَ العجماء لترفع حافرَها عن ولدها خشيةَ أن تصيبَه بسوء ؟!

وها هنّ الأمهات يَحْملْنَ أبناءَهنَّ في بطونهنَّ تسعةَ أشهر وَهْناً على وَهْن وكرهاً على كره، وتقاسي الأمُّ في سبيل ولدها أشدَّ الآلام، وتعاني من أجله أقصى الأوجاع، ومع هذا تجد من نفسها رحمةً له وحناناً عليه لا تستطيع دفعَهما؛ وليس هذا حَجْراً على البشر فقط؛ بل تلك الرحمةُ بعينها مطبوعٌ عليها الحيتان في البحر والإبل في الصحراء والسِّباع في الغابات والطير في جو السماء.

ومن الذي يخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويمرض ويشفي، ويسعد ويشقي، ويرفع أقواماً ويضع آخرين، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويقيل العثرات، ويفرج الكربات؟!

من الذي يدبر أمر كافة المخلوقات في هذا الكون الهائل، فلا يشغله خلق، ولا يغفله تدبير عن تدبير، ولا تلهيه حاجة عن حاجة؛ بل أمر العالم كله يسير في اتساق واتفاق مع تسخير محكم من مدبر قاهر حكيم خبير عليم؟!

وأختم هذه الدلالة بذكر حال النَّبات وما يحمله من العبر العظيمة والبراهين الباهرة مع دقَّة خَلْقه وإتقان صُنْعه، ثم إذا به يصبح قوتاً مسخَّراً للحيوان، حتى يكونا جميعاً قوتاً مسخَّراً للإنسان؛ وهذا يدلُّ على كمال الإنسان وتميُّزه على سائر المخلوقات المسخَّرة له.

فلما علمنا تسخير المخلوقات بعضها لبعض حتى يؤول نفعُها للإنسان وهو غير مسخر لأي مخلوق آخر، مع قطعنا بأن الخلق يقتضي التسخير، فإذا بنا نتيقن وجوب تسخير الإنسان لخالقه – سبحانه - على أن يكون بكلِّيَّته عبداً لربه، منقطعًا لألوهيَّته، شاكراً لنعمه، ومسبِّحاً بحمده.

 دلالة الأرض وما عليها من المخلوقات:

على العاقل اللَّبيب أن ينظر إلى الأرض ويعتبر بآياتها ويتدبَّر أحوال مخلوقاتها، ثم يرجع إلى نفسه سائلاً:

من الذي جعل لنا الأرضَ قراراً وفراشاً، وأجرى خلالها أنهاراً؟ ومن الذي ثَبَّتَها بالجبال الرَّاسيات حتى لا تميد بنا؟ ومن الذي ذلَّلها للسّكنى وللبناء وللغرس عليها عن منفعة من منافعنا؟ ومن الذي سلك فيها السُّبُلَ والطُّرُقَ الميَسَّرةَ للطواف عليها، وبلوغ سائر أنحائها دون ممانعة ولا منازعة حتى ننتفع بجميع خيراتها وسائر ثمراتها وكل ثرواتها؟! ومن الذي صَبَّ عليها الماءَ صبًّا ثم شقَّها فأخرج منها نباتاً مختلفاً طعمه ولونه ورائحته ومنافعه، وجعل فيها من كلٍّ زوجين اثنين يُسقى بماء واحد، ونفضِّل بعضه على بعض في الأكل؛ فمنه قوت البشر والطير والدواب، ومنه الطعام والفاكهة والكسوة؟ قال تعالى: }كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى{ (طه: 54).

ومن الذي سَخَّر لنا البحار فتسير الفلك مواخر فيها، فلا تغور في قاعها مع ثقلها وعظيم صنعها؟! ومن الذي يسخر لها الريح لدفعها، ولولاها لظلَّت رواكد على ظهور البحار؟! ومن الذي يحرك الرياح الساكنة، ويسكن المتحركة منها؟! وها نحن نعلم يقيناً أنه لو اجتمعت القوى العظمى من مشارق الأرض ومغاربها، وجاءت بعدتها وقوتها وجبروتها، وأمسكت بأسلحتها الفتَّاكة على أن تسكن الريح المتحركة أو تحرك الساكن منها لتعذر ذلك عليها، ورجعت تجر أذيال الخزي والذل من ورائها.

ومن الذي سَخَّرَ الرياح، فجعلها تارة تثير السحاب، وتارة تؤلِّف بينَه، وتارة تنزل ماءه، وتارة تمزِّقه وتزيل ضرره، وتارة تُرسَل بالرحمة، وأخرى تحمّل بالعذاب.. فمن الذي صَرَّفَها هذا التَّصْريف وأحكم تنوُّعَها وأودعَ فيها من منافع البشر ما لا يستغنون عنه ؟!

إن في اختلاف أحوالها، وتنوع صورها لآيات بيِّنات على وجود الخالق الحكيم الخبير القاهر القدير الذي خلقها فأحكم صنعَها، وقهرها وسخرها، فانقادت لجبروته وأذعنت لجلاله وخضعت لأمره؛ إذ لو كان الأمرُ طبيعيًّا وآليًّا كما يزعم الجاحدون لكان نَظْمُها واحداً وسيرتها متشابهة وحالاتها متطابقة.

ومن الذي جعل السحاب معلَّقاً في جو السماء بلا علائق من فوقه تمسكه، ولا أعمدة من تحته تحمله، مع ما يطويه في بطنه من المياه الكثيرة التي تسيل منها الأودية، وتمتليء بها البحار والأنهار، والتي لولا تسخيرها لهلك الإنسان والحيوان والنبات وفنيت الحياة بأسرها؟! قــال تعالـــى: }وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ{ (الأنبياء: 30).

ومن الذي أمره بحفظ مائه، وألا ينزله إلا بقدر معلوم ولأجل محدود في بقعة معينة من الأرض لا يتجاوز حدودها، ولا يتخطى أقطارها بقطرة واحدة من مائه؟! ومن الذي أمره أن ينزل ماءه على الأرض الميتة الهامدة فإذا بها تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج؟! ومن الذي أمره بإنزال مائه على قدر حاجات البشر؛ فلا يمسكه عنهم فيهلكوا، ولا يفرغ عليهم من كأسه فيغرقوا؟!

وكأني الآن بواحد يطل برأسه معترضاً ويقول: فما بالُ السيول والأعاصير المدمرة والزلازل والبراكين المحرقة؟!

أقول مستعيناً بالفتَّاح العليم: إنَّ في اختلاف أحوال هذه المخلوقات وتباين صفاتها من السكون والحركة والعذاب والرحمة لآيات بيِّنات ودلالات باهرات على حدوثها وتسخيرها لملك عزيز قاهر مسيطر منتقم جبَّار أمره بين الكاف والنون؛ إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن. فيكون؛ فيرسل الرياحَ، وأحياناً يجعلها ريحاً عقيماً تدمر كل شيء بأمره وإذنه، ويمسكها أحياناً، ويرسلها رحمةً لعباده أحياناً أخرى.

ومن الذي يخرج الحيَّ من الميت، ويخرج الميتَ من الحيِّ؟! يخرج الحيَّ من النُّطفة، ويخرج النطفةَ من الحيِّ؟! ويخرج الحبَّ من الزرع، ويخرج الزرع من الحب؟! ويخرج النخلةَ من النَّواة، ويخرج النواةَ من النخلة؟! ويخرج البيضةَ من الدَّجاجة، ويخرج الدجاجة من البيضة؟!

فصانع هذا الصُّنع العجيب هو المستجمع لكل صفات الكمال، والمتفضِّلُ بكلِّ إفضال، والمستحقُّ لكلِّ حمد وإجلال، بيده وحدَه تدبير أمر العالم العلويِّ والسُّفْليِّ، يؤتي الملك من يشاء، بيده الخير؛ إنه على كل شيء قدير.

ومن الذي يكفي ويغني شتى المخلوقات وسائر الكائنات منذ انبثاق الكون إلى ساعتنا هذه؟! فهذا برهانٌ باهرٌ على وجود خالق عليم حليم قدير، ودليل ساطع على غناه الشَّامل، وعلى أن خزائنَه لا تنفد وعطاءَه لا يُحدُّ؛ فرزقه وعطاؤه لا يُنْقصان من خزائنه شيئاً، وإلا ما وسع خلقه برزقه! ولا كفاهم بنعمه وأغناهم بآلائه!

وإذا نظرنا إلى تكوين الشجرة نجد عجباً؛ نرى أن البذرةَ إذا وقعت في الأرض الرطبة، ثم مرَّ بها قدرٌ من الزَّمان ظهر فيها شقٌّ في أعلاها، وآخَر في أسفلها؛ فأما الشق العلوي فيخرج منه الجزء المتصاعد في الهواء من الشَّجرة، وأمَّا الشَّقُّ السُّفليُّ فينبثق منه الجزءُ الضاربُ في عمق الأرض منها، وتصير البذرةُ حلقةً للاتِّصال بين شقَّيْها العلويِّ والسُّفليِّ.

ثم إن هاهنا عجائب:

فمن المعلوم لدينا تبايُنُ وتضادُّ طبيعة الهواء وطبيعة باطن الأرض بالكُلِّيَّة؛ فَمَن الذي أمر تلك البذرةَ العجماء، وألهمها فعلها وتكوين بعضها في مكان، وبعضها في مكان آخر، والمكانان متباينان في الصِّفات، ومتضادَّان في الخصال؟!

ونحن مع ذلك نرى هذا المخلوق شامخاً في جَوِّ السَّماء وراسخاً في باطن الأرض؛ يعيش دهراً من الزَّمان يعطي الفاكهة والطعام والدَّواء والأخشاب عطاءً غير مجذوذ؛ وهذا يدلُّ بيقين على أن ذلك الصُّنعَ المحكمَ المتقنَ ليس بمقتضى الطبع والخاصية؛ بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتَّكوين والقهر والتَّسخير.

وهذه أرض طيبة: تمسك الماء، وتنبت العشب والزرع والشجر، وتلك أرض أخرى تلاصقها: لا تمسك ماءً، ولا تنبت شيئاً، وهذه أرض ثالثة: تمسك الماء لكن لا تُنبت شيئاً، وهذه ثمرة حمراء، وتلك خضراء، وأخرى صفراء؛ فمَن الذي خلق ونَوَّعَ، وأحكم وتَصَرَّف، وانقادت لحكمته سائر الكائنات، وخضعت لمشيئته كافَّةُ المخلوقات؟!

ومن الذي خلق الأنعامَ وذلَّلها للإنسان وسخر منافعها له؛ فنشرب منها لبناً خالصاً سائغاً من بين فرث ودم، ونأكل من لحومها، ونلبس ونفترش من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ونحمل عليها أثقالَنا ومتاعَنا لنبلغ بها أقاصي البلاد؟! أفلا يَدُلُّ هذا على وجود خالق عظيم قويٍّ قاهر حكيم محيط بجميع المخلوقات، قد علاهم وذلَّلَهم بأمره ومشيئته، وقهرهم وسخَّرَهم بجبروته وحكمته؟!

ومن الذي كَوَّنَ من ماء السَّماء وطينة الأرض عشباً ونباتاً مسخَّراً للأنعام؛ ثم ألهمها أكلَه والتَّغَذِّي عليه؛ فإذا به يتحوَّلُ في بطنها إلى لبن ودم وفرث؛ فإذا بكلِّ واحد ينطلق إلى موطنه: اللبن إلى الضَّرع، والدم إلى العروق، والفرث إلى المخرج؛ وكلُّ واحد من هؤلاء يشوب الآخر ولا يمازجه، ولا يُغَيِّرُ لونه ولا طعمه ولا رائحته؛ وإذا باللبن يخرج خالصاً سائغاً للشَّاربين، فإذا طعمه الإنسان رَبَّى منه لحمه وعظمه؛ فَظَهَرَ بهذا أنَّ الأجسامَ لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة، وتَتَحَوَّلُ من صورة إلى صورة، لا يناسب ولا يشاكل بعضُها بعضًا؛ إنَّ في ذلك لآيات بيِّنات على وجود خالق حكيم عليم يُدَبِّرُ شؤون الكون على وفق مصالح الخلق.

فسبحان من تَشْهَدُ جميعُ ذَرَّات الكون بكماله وقدرته، وبسمو عُلُوِّه وحكمته، له الخَلْقُ والأمرُ؛ تبارك اللهُ ربُّ العالمين.

 وهاهنا مثال عجيب ندعو العاقلَ اللَّبيبَ أن يقفَ عنده متأمِّلاً دلالتَه وبرهانه؛ فهذه ورقة البرسيم تأكلها الدُّودةُ فتخرجها حريراً، ويأكلها النَّحْلُ فيخرجها عسلاً، وتأكلها الغنم فتخرجها لبناً، وتأكلها الخيلُ فتخرجها روثاً؛ فلو كان الأمرُ طبيعيًّا آليًّا – كما يزعم الغافلون – لخرجت من جميعهم في صورة واحدة، وعلى صفة ثابتة؛ فلمَّا تعدَّدَتْ مخرجاتُها وتَنَوَّعَتْ تَحَوُّلاتُها دلَّ ذلك بيقين على وجود خالق حكيم مصوِّر عليم قد خضعت له المخلوقات ودانت لقهره الرقاب وأعجزت حكمته ذوي الألباب.

ومَن الذي أَلْهَم النَّحْلَ إلى اتخاذ بيوتها من الجبال والشجر؟! ومن الذي هداها إلى تناوُل الثَّمرات، فإذا بها تُخْرجها من بطونها شراباً مختلفاً طعمه فيه شفاء للناس؟! متساوية الأضلاع ذات الشكل الهندسي الوحيد الذي إذا بُني به البناء لا ترى فيه خللاً ولا فرجاً ضائعة؟! إنَّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

وها نحن نرى الطيرَ محلَّى بجناحَيْن يحلِّقُ بهما في جَوِّ السماء، وإذ بنا نشاهد مخلوقات أخرى على شكله ومنواله، ولها مثل ما لديه كالدَّجاج والبطِّ؛ بيدَ أنَّ جَوَّ السماء لم يسخَّرْ لحَمْلها؛ فعَجَزَتْ عن التَّحْليق والطَّير فيه؛ أفلا يَدُلُّ هذا على وجود خالق قاهر حكيم مريد عليم؛ إذ التخصيص برهان على وجود المخصّص وإرادته التي تستلزم وجود صفتي العلم والقدرة.

ومن الذي خلق المخلوقات في شكلها البديع، وحسَّنَ صورتَها على وجه يلائمها، ثم بثَّ فيها الهدايةَ والسَّعْي الحثيث إلى ما ينفعها، وتجنُّب ما يَضُرُّها حتى إن البهائمَ قد وهبت نوعاً من العقل به تميِّز بين المصالح والمفاسد؟!

وكل هذا تنطق به أحوال كافة المخلوقات حولنا، وتشهد به سائر الكائنات من بيننا؛ أفلا يدل هذا على وجود خالق عليم رحيم خَلَقَ فسوَّى وقَدَّرَ فهدى؟!

شبهةٌ وجوابُها:

فإن قيل: لم لا يجوز أن تكون المخلوقات هي التي أحدثت نفسها؟!

فالجواب: هذا محالٌ؛ لأنها جدلاً لو أَحْدَثَتْ نفسَها فهي لا تخلو من أن تكون موجودةً أو معدومةً حالَ الإحداث؛ فإن أحدثت نفسَها حال عدمها كان هذا محالاً؛ لاستحالة تولُّد الشيء من العدم، ولأن الإحداثَ لا يتأتَّى إلا من حَيٍّ موجود عليم قدير مريد، والعدم لا يصحُّ وصفُه بذلك.

ولو كانت موجودة فوجودها يغني عن إحداث نفسها، ويبقى السؤال قائماً: من الذي أحدثها؟

وأيضاً لو جاز ذلك لجاز أن يحدث البناء نفسه. .. وهذا محال، وما أدى إلى المحال فهو محال؛ قال – تعالى - منكراً على من ظَنَّ انبثاقَ الخلق من غير خالق: }أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُــونَ * أَمْ خَلَقُـوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ{

 ] الطُّور: 35-36 [ .

 دلالة الليل والنهار والشمس والقمر:

وهاهنا عدة أسئلة أترك الجواب عليها للقاريء الحريص على نجاة نفسه من ظلمات التَّيْه والشُّرود:

من الذي جعل الليلَ سَكَناً وجعل النَّهارَ مبصراً؟! ومن الذي يولج النَّهارَ في الليل ويولج الليلَ في النَّهار يتعاقبان بينهما على الكون، ولم يبغ أحدهما على الآخر فينفرد دونه بالظُّهور ويطيح بصاحبه؟!

فمن الآمرُ لهما؟! ومن الحاجز بينهما؟!

ومن الذي جعلهما متعاونين على تحصيل مصالح الخلق مع ما بينهما من التنافر والاختلاف؛ إذ وجود تلك الصفتين بين أي شيئين يورث بينهما الفساد والاضطراب، وعدم التعاون والاتساق؟!

ومن الذي أَمَرَ النهارَ في بداية ظهوره بشَقِّ ظلمة اللَّيل حتى تراه وكأنَّه جدولُ ماء صاف في بحر كدر بحيث لا يختلط الصَّافي بالكدر ولا الكدر بالصافي؟! قال تعالى: }فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *{. ( الأنعام: 96 ).

ومن الذي أمر الشمس بالطُّلوع من المشرق، وبالغروب من المغرب؟! فلولا طلوعها لانسدَّت أبوابُ المعايش والأرزاق في البلاد، ولولا أفولها لما كانت السَّكينةُ والراحةُ والطُّمَأْنينة بين العباد.

 دلالة السَّماء وما فيها من النجوم والكواكب:

من الذي جعل السَّماءَ سقفاً محفوظاً؟!

ومن الذي زَيَّنها بزينة الكواكب، وجعل القمر فيها نوراً وجعل الشمس سراجاً منيراً؟!

ومن الذي عَصَمَ السماءَ من الشُّقوق والفطور، حتى إنَّ العبدَ إذا نظر إليها لابتغاء العثور على ذلك انقلب إليه بصرُه خاسئاً وهو حسير؟!

ومن الذي جعل لنا النجومَ لنهتديَ بها في ظلمات البَرِّ والبحر حال أسفارنا وهجر أوطاننا؟ قال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *{ ( الأنعام: 97 ).

وصَدَق من قال:

ففي كل شيء له آية  

تدل على أنه واحد


الفصل الثاني

 صفات الإله الحق

بعدما مَرَّ بنا من الأدلَّة البيِّنات والبراهين الباهرات على وجود رب الأرض والسموات، يحسن منا ويتحتَّم علينا أن نتعرف على صفات ربنا، وعلى خصال إلهنا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا الاستعانة إلا به، ولا التَّوَكُّل إلا عليه، ولا الطَّلب إلا منه، ولا الفزع إلا إليه، ولا التَّذَلُّل إلا بين يديه...

تلك الصفات والخصال التي استحقَّ بها الوحدانية في تألُّهه والصَّمديَّة في التَّوَجُّه إليه دون غيره.

 معرفةُ الإله:

الإلهُ لا بُدَّ وأن يَكونَ خالقاً مُنْعماً بسائر أنواع النِّعَم والآلاء لجميع خلقه؛ إذ العبادةُ غايةُ التَّعْظيم؛ فلا يستحقُّها إلَّا مَنْ له غايةُ الإنعام والمنن؛ وهو الرَّبُّ الذي منه أصولُ النِّعم وفروعها؛ قال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *{ ] البقرة: 21 [.

وبذلك نعلم حقيقةَ العلاقة بين الألوهية والعبودية؛ فالإلهُ خَلَقَ عبادَه لَيَعْبدوه؛ فقد ضَلَّ ضلالاً مبيناً، وخرجَ عن مقتضَى الفطر والعقول؛ لحتمية أَوَّليَّة الخالق وضرورة حدوث المخلوق.

الإله لا بُدَّ وأن يكون عالماً بكلِّ شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، وإلا ما استطاع التمييزَ بين مَنْ يطيعه وبين مَنْ يعصيه، وكذا لا يَأْمَنُ عبدَه من بَطْشه ونقْمته بلا سبب مقتضٍ لسَخَطه؛ وذلك لَعَدَم كمال علمه وإحاطته بخَلْقه؛ وحينئذٍ لا توجَدُ فائدةٌ من عبادته، ولا مضرة من عصيانه؛ فأيُّ فائدة تبقى في تَأَلُّه مَنْ يَجْهل قُرب المتوجه إليه!

وربُّ السماوات والأرض هو الأحدُ الصَّمَدُ الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى، ويحيط بوساوس النُّفوس وخَلَجات الصُّدور أكثر من إحاطة أصحابها بها، وسواء عنده }مَنْ أَسَـرَّ الْقَــوْلَ وَمَـنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ *{

  ] الرعد: 10 [.

فإن قيل: أين البرهانُ على ما تقول؟

فالجواب: قد مَرَّ التَّدْليلُ فيما سبق على تَفَرُّد الله بالخلق والقهر، ومن أبدع شيئاً محكماً من العدم يكون ضرورةً عالماً به، ومحيطاً بكنهه.

قال تعالى: }أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{ ]الملك: 14[.

وخالق المخلوقات كلِّها بالاختيار متَّصفٌ بالعلم بهم والقدرة عليهم.

أمَّا الأوَّل: فلأنَّ الاختيارَ مشروطٌ بالعلم، ولا يوجد المشروط دون شرطه.

وأما الثَّاني: فلأنَّ المختار للشيء لو كان غير قادر عليه لتعذَّر مرادُه، وقد وجدت الخلائقُ كلُّها بغير تعذُّر؛ فدلَّ ذلك على أنَّ خالقَها قادرٌ عليها ومحيط بها؛ لأنَّ إرادةَ الشيء مشروطةٌ بالعلم به والقدرة عليه؛ فإذا وُجد الشَّيءُ دَلَّ ذلك بيقين على أنَّ موجدَه عالم به وقادر عليه.

وأعود مذكِّراً بدلالة خلق النُّطف في الأرحام؛ تلك الدِّلالة التي لو تدبَّرها الإنسانُ بعين الاعتبار لَعَرَفَ الطَّريقَ إلى الرَّحمن وذاق طعم الإيمان، واهتدى إلى طريق الجنان، وظفر بسواء الصِّراط؛ فلا جرم أن الذي يتعهد النطف الميتة في غيابات الأرحام ويكوِّنها ويصوِّرها ويطوِّرها ويقضي عليها كيفما يشاء حتى يبدع منها إنساناً سَويًّا حكيماً عليماً قديراً، فإنَّه بلا ريب يكون إلهاً حكيماً عليماً قديراً لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السَّماء؛ قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ ]آل عمران: 5- 6 [

الإلهُ لا بُدَّ وأن يكون كاملاً في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله؛ إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال المفقود ليسدَّ به نقصه؛ ومثل هذا لا يستحقُّ أن يكون إلهاً معبوداً؛ فضلاً عن أن يكون ربًّا قادراً يُرجَى نفعُه، ويُخشى عذابُه.

ونحن نرى العالم العلويَّ والسُّفليَّ كلاهما يسير على نسق واحد، وأمرهما مُدبَّرٌ بحكمة بالغة، ولم نعلم حاجةً لهما لأيِّ مخلوق ألبتة منذ إبداعهما؛ بل خالقهما هو القائم عليهما بالكلاءة والرِّعاية، والمدبر لشؤونهما بما يعود بالصَّلاح عليهما منذ فطرهما إلى يومنا هذا؛ بل ونرى الكون كلَّه مستسلماً لخالقه، ومنقاداً لصانعه، ومسخَّراً لقاهره بسهولة ويسر وانسجام عجيب.

وهذا كلُّه يدلُّ على عظمة الخالق وكماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى حكمته الباهرة وقيُّوميَّته الشَّاملة وقدرته القاهرة، وعلى غناه المطلَق التَّامِّ؛ فهو لم يتَّخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك ولا وليٌ من الذُّلِّ، ولا معان وظهير في شيء من تدابير خلقه وتنظيم ملكه؛ وبذلك حقَّ علينا أن نكبِّرَه تكبيراً وننزِّهه تنزيهاً.

الإله لابدَّ وأن يكون متَّصفاً بالقدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء، وإلا لزم عجزُه وبطل تألُّهه.

وآثار مخلوقات ربِّ الأرض والسَّماوات في كونه تدلُّ على قدرته التي لا نهايةَ لها، ولا حَدَّ يحدُّها..

 فمَن الذي يمسك السَّماء أن تقع على الأرض؟

ومن الذي خلق الجبال الشَّامخات الرَّاسيات؟

ومن الذي قهر السَّحاب المسخَّر بين السَّماء والأرض؟

ومن الذي بيده التَّحَكُّم في نواميس الكون؟

قل: الله. ثم ذَر الجاحدين والمنكرين في خَوضهم يلعبون، وفي غَيِّهم يعمهون.

الإله لابدَّ وأن يكون غنيًّا عن كلِّ ما سواه، وتكون كلُّ المخلوقات وكافَّة الكائنات في حاجة إليه وتَعَطُّش لقَيُّوميَّته، وفي فقر لغناه؛ فأروني مخلوقاً في هذا الكون مستغنياً عن خالقه، وأعلموني بمخلوق احتاج إليه فاطرُه؛ قــال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ{ ( فاطر: 15 ).

الإله لا بدَّ وأن يكون مالكاً لجلب النَّفع ولدفع الضّرّ حتى يتضرَّع إليه العباد بالدَّعوات المخلصات في الرَّهبات والرَّغبات أن يفيض عليهم بالخيرات، ويحفظهم من الشُّرور والمعضلات ويرفع عنهم ما حلَّ بهم من النَّكَبات.

الإله لا بدَّ وأن يكون قاهراً لجميع الخلق، ومهيمناً على سائر الكون؛ قال تعالى: }وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ{ (الأنعام: 18 )؛ فهو الذي خضعت له الرِّقاب، وعنت له الوجوه واستكانت، وتضاءل لعظمة كبريائه ولسُمُوِّ جلاله كافَّةُ الخلائق والأشياء، ودانت لقَهْره واستسلمت لحكمه وعُلُوِّه.

الإله لا بد وأن يكون: حيًّا، سميعاً، بصيراً، حكيماً، وأن يكون أَوَّلاً ليس قبله شيء، وآخراً ليس بعده شيء...

ودليل ذلك ما سلف ذكرُه من البَيِّنات البَيِّنة والبراهين الباهرة والحُجَج الدَّامغة؛ فهل بعد عرض الأسماء الحسنى والصفات العلى التي ينبغي أن يتَّصفَ بها الإله الحقُّ المعبود يبقى أدنى شَكٍّ في أنَّه " لا إله إلا الله، ولا معبود بحقٍّ سواه ".


الفصل الثالث:

 الأدلَّة العقليَّة على وحدانية مدبِّر الكون ووجوب تألهه دون غيره

الحمد لله الكريم المنان على كرمه ومنه بظهور البرهان وجلاء الفرقان على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته، وعلى بطلان تألُّه كل معبود سواه.

شبهة وجوابها:

ولكن تلجيماً لفيِّ الشَّيطان اللَّعين الذي قد يأتي نافثاً في روع بعض طلبة الهداية الباحثين عن الصراط المستقيم والطريق السديد لخلاص النفس من الضلال والغواية قائلاً: قد سلَّمنا بوجود الخالق المعبود، ولكن أين الدليلُ على تَفَرُّده وحدَه بتدبير الكون؟ بل قامت آلهةٌ شَتَّى متَّصفة بالأسماء الحسنى ومتحلِّية بالصِّفات العلى التي انبثق منها مفهوم التَّأَلُّه والعبادة بالتَّعاون والاتِّساق في السَّيطرة على المخلوقات والهيمنة على الكائنات؛ فهذا إله المحبة، وذاك إله الرِّزق، وآخر إله النَّصر...

فاحذر أيُّها المحبّ للحقّ والباحث عن طريقه من الهمزات الشَّيطانيَّة والوساوس الإبليسيَّة؛ حتَّى لا يظفر بك غارقاً في ظلمات الشَّكِّ وتائهاً في بحار الضَّلال ومتردِّياً في غيابات الأباطيل، ومتقلِّباً على أشواك الحيرة والتَّلبيس.

وإليك الأدلة والبيِّنات على وحدانية ربِّ الأرض والسماوات في تدبير ملكه، وقهر مخلوقاته، مع وجوب عبادته وتألُّهه دون أحد سواه:

لقد تمَّ التَّدليل سابقاً على أنَّ الإلهَ الذي تنبغي له العبادة والطاعة يجب أن يكون قادراً على كلِّ شيء وعالماً بكلِّ شيء ومُتَّصفاً بكافَّة صفات الكمال والإجلال؛ فالقولُ بوجود إلهين اثنين يَسْتلزم اتِّصافَ كلِّ واحد منهما بالقدرة المطلقة.. وعليه:

فإما أن يكون كلُّ واحد منهما قادراً على صاحبه، أو لا يقدر أيّ واحد منهما على الآخر، أو يكون أحدهما قادراً على الثّاني؛ فالأوَّلُ محالٌ؛ لأنَّ النَّقيضين لا يجتمعان، وهما هنا: القدرة والعجز؛ إذ كيف يكون كلُّ واحد منهما قادراً على الآخر، وفي ذات الوقت مقدوراً عليه منه؟!

وإن كان الثَّاني: فقد ثبت عجزُهما وما يترتَّب عليه من بطلان تَأَلُّههما وخلوّ الكون من إله مسيطر؛ وهذا أيضاً محالٌ.

وإن كان الثالث: فقد ثبت ألوهية القادر دون الثانين؛ لكمال قدرته وعجز المقدور عليه؛ فثَبَتَ أنَّ للكون إلهاً واحداً قادراً، لا إله غيره، ولا معبود سواه.

الإله لا بدَّ وأن يكون: أولاً ليس قبله شيء؛ لأنَّ ثبوتَ شيء قبل وجوده يستلزم شذوذه وخروجه عن علمه وقدرته وتكوينه؛ وهذا طعنٌ في تألهه؛ لقصر علمه وقدرته وحدوثه بعد عدمه؛ ومن ثَمَّ كان لزاماً أن يكون الإله أَوَّلاً ليس قبله شيء.

وهذا برهان باهر ودليل ساطع على وحدانية الرَّبِّ والإله؛ لأنَّ صفةَ الأَوَّل لا تثبت إلا لواحد؛ إذ لو تعدَّدت الآلهة لتعثَّرت جميعها من تلك الصِّفة، ولزم التَّسَلسل؛ ومن ثَمَّ بطلان التَّأَلُّه، ويبقي الكون بلا مدبّر ولا مسيطر؛ وهذا محال.

ولا خروجَ عن هذا إلا بإثبات إله واحد لا إله غيره ولا معبود سواه؛ أوَّل ليس قبله شيء، وآخر ليس بعده شيء؛ ولو جاز – جدلاً – وجودُ إلهين متساويين في كافَّة الأسماء والصفات، فلا بُدَّ حتماً من وجود صفة مفرِّقة بينهما؛ حتى نستطيع نحن البشر التَّعرُّفَ عليهما والتَّفريقَ بينهما؛ إذ عبادةُ المجهول ضَرْبٌ من المحال والسَّفَه والجنون.

إذاً لابُدَّ من قيام الصِّفة المميِّزة بينهما؛ وهي إمَّا أن تكون صفةَ كمال، أو صفةَ نقص؛ فإن كانت الأولى فقد تميَّزَ وعلا مَنْ قامت به دون الثَّاني بالألوهية والطاعة ووجوب العبادة، وإن كانت الثانية فقد قام الدَّليلُ على بطلان تألُّه المتَّصف بها دون صاحبه؛ فعلى كلِّ الوجوه لا يبقى إلا إله واحد لا إله إلا هو، ولا معبود سواه.

وأيضاً لو كان هناك جسم، وأراد كلٌّ من الإلهين الانفراد بتحريكه في وقت واحد (مثلاً)، فإمَّا أن يستطيعا ذلك معاً، أو يعجزا عنه، أو ينفرد أحدهما بالقدرة عليه:

فالأول محال؛ لأنَّ التَّفَرُّدَ بالفعل في وقت واحد يستلزم صدورَه من واحد.

والثَّاني محال؛ لأنه دليلٌ على بُطلان تألُّههما، ومن ثمَّ خلوّ الكون من مدبِّر ومسيطر.

الثالث: دليل على تَأَلُّه القادر، ووجوب عبادته دون العاجز.

وأيضاً نحن نعلم يقيناً أنَّ الشركةَ عيبٌ ونقصٌ، وأنَّ الوحدانيةَ والتَّفَرُّدَ كمالٌ وإجلال؛ وهذا مشاهَدٌ ومحسوسٌ؛ فها هم ملوكُ الدُّنيا يكرهون الشَّركة في الملك الحقير المحدود أشدَّ الكراهية، ونرى أنَّه كلما كان الملك أعظم قوةً وبأساً كانت نفرتُه عن الشَّركة والنِّدِّيَّة أشدَّ وأبعد.

فما ظنُّكم بهذا الكون العظيم الذي لا يحيط به إلا خالقه ومالكه؟!

إذاً لابُدَّ لكلِّ واحد من الإلهين أن يَسْعى حثيثاً للانفراد بالملك والهيمنة على الكون؛ تحقيقاً للكمال وهرباً من النُّقْصان؛ فالقادرُ منهما على الآخر يكون إلهاً مهيمناً، والآخر يكون عبداً مملوكاً، وإن عَجَزَ كُلُّ واحد منهما عن قَهْر صاحبه فقد ثبت عجزهما وبطلان تألُّههما؛ ومن ثَمَّ يبقى الكونُ بلا إله مدبِّر مسيطر؛ وهذا محالٌ في بداهة العقول كما دلَّلْنا مراراً عليه.

ولا مخرجَ من ذلك إلَّا بإثبات إله واحد قاهر مسيطر لا إله غيره ولا معبود سواه؛ إذاً فالقولُ بتعدُّد الآلهة دليلٌ على بُطلان تَأَلُّه الجميع، وأيضاً لو كان للكون خالقان متكافئان، لكان لكلِّ واحد منهما خلقاً وفعلاً؛ وحينئذ فلن يرضى أيُّ واحد منهما بشركة الإله الآخر؛ بل إن قدر على قهره والتَّفَرُّد بالإلهيَّة دونه فعل، وإلا انفرد بخَلْقه وذهب به؛ كما ينفرد ملوكُ الدُّنيا بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر خصمه والعُلُوّ عليه؛ وهذا يستلزم اضطرابَ الكون واختلال نظامه وتقويض أركانه وفساد إحكامه.

والمشاهَدُ انتظامُ الكون نظاماً يُبْهر العقولَ؛ فانظر إلى الشَّمس والقمر والنجوم والكواكب، وإلى السَّماء والأرض واللَّيل والنَّهار؛ فإنها منذ خلقت وهي تسير على نظام واحد، وعلى ترتيب محكم، وكلُّها مسخَّرةٌ بالقدرة ومدبَّرَةٌ بالحكمة لمصالح الخلق كلِّهم؛ فلا يقتصر نفعُها على أحد دون أحد، ولن ترى فيها خَلَلاً ولا معارضةً في أدنى تَصَرُّف؛ فانتظامُ العالم العلويِّ والسُّفليِّ وارتباط بعضه ببعض مع جَرَيانه على نظام محكم لا يفسد ولا يختلف من أَدَلِّ الدَّلائل وأبهر البراهين على أنَّ مدبرَ الكون واحدٌ "لا إلهَ غيره، ولا معبودَ بحقٍّ سواه"؛ فكما يستحيل أن يكون للعالم ربَّان خالقان متكافئان، فكذلك يَستحيل أن يكون له إلهان معبودان؛ قال تعالى في محكَم التَّنزيل:

}مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{ (الأنبياء: 22 ).

واختتم هذه الدِّلالة بذكر خبر النَّبيِّين والمرسلين حتى يُعلمَ مطابقةُ صريح المعقول لصحيح المنقول؛ فأقول: وهذا النَّاموس الأعظم الذي أشرقت الأرضُ بنوره وأباد ظلماتها، وهو المتمثِّل في إرسال الرُّسل وإنزال الكتب؛ فقد أجمعوا جميعاً على وحدانية الخالق وتفرُّد ألوهيَّته ووجوب عبادته دونَ أحد سواه.

فإن كان يوجد إله غيره فأين رسله؟ وأروني كتبه، وأعلموني بخَلْقه الدَّالّ عليه!


الفصل الرابع

 الأدلَّةُ على بطلان تألُّه غير الله

بعد بيان الأسماء الحسنى والصِّفات العلى التي ينبغي أن يتَّصفَ بها المعبود حتى يصحَّ تألُّهُه ويستقيم التَّوجُّه إليه ويجب التَّذَلُّل بين يديه ويتحتَّم الفرار إلى رضاه ومستقرِّ رحمته والهرب من سخطه وأليم عقابه يَجْدُرُ بنا - نحن العبيد - أن نتعرَّفَ ونعي الأدلَّة على بطلان تَأَلُّه كلِّ ما يُعْبَدُ من دون الله؛ حتى يكمل البيان، وتتمَّ الفائدة، وينفتح باب الهداية، وينغلق باب الغواية؛ ليصبح كلُّ إنسان حسيبَ نفسه، وليحيا من حيَّ عن بيِّنة، ويهلك مَنْ هَلَكَ عن بيِّنة.

 دليلُ الإحداث:

قد صحَّ ضرورة إحداث كلّ ما في الكون من الإنس والجنّ والملائكة والحيوان والجماد، وكلُّ ما ثَبَتَ حدوثُه بعد عدمه كان لا محالةَ مخلوقاً مربوباً مسخَّراً لخالقه ومالكه، وحَصْحَصَ برهانُ بطلان تَأَلُّهه؛ فهل يستقيم بعد هذا أن يتَّخذَ العاقل اللَّبيب ممَّن هذا صفته إلهاً يُعبَد وربًّا يدعى ويرجى، ويترك عبادةَ الخلَّاق العليم القدير القاهر الأوَّل والآخر ربّ كلِّ شيء ومليكه.

 كلُّ ما ثَبَتَ قهرُه وتَذَلُّله فقد بطل تألُّهه، والخلق جميعاً مقهورون ومذلَّلون لقاهر حكيم عزيز عليم.

الحاجة إلى الأشياء تستلزم الفقرَ والعجزَ؛ وهذا دليل على بطلان التَّأَلُّه؛ لأنَّ الذي لا يقوم بنفسه يستحيل عليه أن يقومَ بأمور غيره.

ولذلك أبطل اللهُ في القرآن العظيم تَأَلُّهَ عيسى بن مريم وأمِّه بقوله: }كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ{ ( المائدة: 75 ).

إذا كان العابدُ أكملَ حالاً من المعبود دلَّ ذلك على ضلال العابد وعلى بطلان تألُّه المعبود؛ وهذا من أنصع الأدلَّة على زيف وإفك كلِّ ما يُعبَدُ من دون الله؛ لأنَّ الإنسانَ أكملُ حالاً من سائر المخلوقات؛ فقد خَلَقَه ربُّه في أحسن تقويم، وعلى أجمل صورة، وفي هيئة سَويَّة لا اعوجاجَ فيها.

وأسوق في هذا المقام مثالاً – ليكمل البيان وتتمَّ الفائدة – متمثِّلاً في مقارنة بين الإنسان والصنم؛ فالإنسانُ له أذنٌ يَسٍْمَعُ بها، وعين يُبصر بها، ويد يبطش بها، ورجل يسعى بها..

وأما الصنم فله أذنٌ لا يسمع بها، وعينٌ لا يبصر بها، ويدٌ لا يبطش بها، ورجلٌ لا يسعى بها...

ومن هذه المفاضلة ينجلي البرهان الباهر على بطلان عبادة الأصنام؛ لكمال عابديها عنها.

واشتغال الأفضل بعبادة الأخسّ الأدون جهلٌ صرف، وضلالٌ محض، ومصادَمةٌ للعقول الصَّحيحة، وللفطَر المستقيمة.

شبهة وجوابها:

نعم؛ قد يَعترض الآن شيطان من شياطين الغواية بزخرف من القول الباطل قائلاً:

نحن لا نعبد الأصنامَ لذاتها؛ بل لتقرِّبَنا إلى الله زلفى؛ فهي رمزٌ من رموز الإله في الأرض، ونحن لا نعبد الرَّمزَ؛ بل نعبد المرموزَ له في صورة الرَّمز!!

أقول مستمدًّا من الله العونَ والسَّدادَ:

قد تقدَّمت الحجج العقليَّة والبراهين الفطريَّة على وجوب عبادة الفاطر وحده، وعلى البراءة من كلِّ ما يُعبد من دونه؛ إذاً فتلك الدَّعوى الشَّيطانيَّة ليس لها قدمُ صدق في الفطر والعقول.

وأما الوحي والسَّمع فقد أجمعت الكتب الرَّبَّانيَّة والرِّسالات الإلهيَّة على أنَّ حرمةَ هذا الشِّرك وقبحَه فوقَ كلِّ حرمة وقبيح؛ كيف لا وقد كانت أولَ كلمة تقرع آذان المشركين من قبل أنبيائهم ورسلهم: }اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ{.

ولو جاز – جدلاً – صحَّة تلك الدَّعوى من قبل الوَحي والسَّمع لكان التَّناقض والتَّضارب بين حجج الله وبيِّناته؛ إذاً كيف يخلق الله عبادَه بفطَر وعقول مجبولة على وجوب عبادته، والبراءة من كلِّ ما يُعْبَد من دونه من أجل أن يُخلصوا له العبادةَ، وينخلعوا ويكفروا بكلِّ معبود سواه، ثم بعد هذا يُرسل إليهم رسلَه بنقيض مقتضى حجج فطرهم وعقولهم؛ فيقع العباد أسرى حائرين بين التَّعارض والتَّناقض لحجج الله وبيِّناته؛ ومن ثَمَّ يكون الطريقُ ممهَّداً لأن تتخطَّفهم الشَّياطين وتهوي بهم في مكان سحيق يعجُّ بالرِّيَب والشُّكوك في الحجج الرَّبَّانيَّة والمطالبة الإلهيَّة التي ما خُلق الإنسان إلا للقيام بها، ولا ريب أنَّ هذا سَفَه وظلم، والله منزَّه عنهما وعن كلِّ سيئ وقبيح؛ فهو العليم الحكيم ذو حكمة بالغة ورحمة واسعة.

وأعود فأقول لأرباب هذه الدعوى الخبيثة: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا أم على الله تفترون ؟! ومن الشياطين تستمدون ؟! ومن أهوائكم وحظوظ نفوسكم تنطلقون ؟! فالله يحكم بيننا وبينكم بحكمه وهو خير الحاكمين.

ثم يعود بنا الكلام إلى ما كنَّا فيه فنقرِّر ونقول:

قد ثبت جهلُ كافَّة المخلوقات العاقلة والعجماء بالإحاطة بعلم الغيب والعلم بوقت نزول المطر ومواقع القطر، وتبيَّن عجزُهم عن حمل الجبال، وتسخير السَّحاب، والتَّحَكُّم في الرِّياح، ومن ثبت جهلُه أو عجزُه فقد بطل تألُّهُه، واستحال كونُه إلهاً معبوداً صحيحاً نافعاً.

 بطلان تعدد الآلهة:

أيُّ ديانة تتعدَّد فيها الآلهة تكون ديانةً باطلةً وملَّةً ساقطةً؛ وإليكم الدَّليل والبرهان:

فالإلهُ لا بُدَّ وأن يكون عالماً بكلِّ شيء وقادراً على كلِّ شيء؛ فإن كان أحد تلك الآلهة متَّصفاً بذلك فيجب أن يستغني به عن كلِّ ما هو دونه؛ لأنَّهم في قبضته وتحت قهره، ولكمال صفة الوحدانيَّة، ونقصان صفة الشَّركة والنِّدِّيَّة.

وهذه الصفات لا تثبت إلا لواحد، ويستحيل وجودها في اثنين؛ وإلا شَذَّ وخرج كلُّ واحد منهما عن علم وقدرة صاحبه؛ وبالتالي يثبت عجزُهما وجهلُهما، وما ينبني على ذلك من بُطْلان تَأَلُّههما.

شبهة وجوابها:

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كلُّ إله من تلك المعبودات مختصًّا بشيء من القَهْر على بعض المخلوقات فيعبد لذلك الاختصاص؟

فالجوابُ: لا يخلو هذا الاختصاصُ من أن يكون من كَسْبه وصُنْعه أو هبة من إله قاهر مهيمن على سائر الكون ([1]) غيره.

فإن كان الثاني: فقد بطل تألُّهُه من دون خالق الكون؛ لأنَّه هو الذي وَهَبَه – بزعم المشركين – هذا الاختصاص؛ إذاً فهو قادر على سَلْبه؛ فما دام الأمر منه وإليه فالواجب المتحتِّم إثباتُ تَأَلُّهه دونَ غيره.

وإن كان الأول: فهو يَسْتَلزم بالضَّرورة حصولَ الاضطراب والفساد في الكون، وعُلُوَّ الآلهة بعضها على بعض مع ذهاب كلٍّ منهم بما خَلَقَ؛ تحقيقاً لصفة كمال الوحدانية، وهرباً من نُقصان صفة الشَّركة والنِّدِّيَّة.

والمشاهَدُ: إحكامُ العالم العلويّ والسُّفليّ إحكاماً يبهر العقول، مع جريانه على نسق واحد متَّسق بتجانس شديد بين كافَّة ما فيه من المخلوقات..

وهذا دليل عزيز وحجَّةٌ قاهرة على أنَّ مدبرَ الكون واحدٌ في ربوبيَّته وتألُّهه، ومتفرِّدٌ بالكمال في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، لا تنبغي العبادة إلا له، ولا التذلل إلا بين يديه، ولا الطاعة إلا لأمره وحكمه.

ويذكر القرآن دليلاً على بطلان الدِّيانة وسقوط الملَّة التي تتعدَّد فيها الآلهة؛ وذلك على لسان إبراهيم الخليل- عليه السلام- مخاطباً أباه قائلاً: }وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *{. ] الأنعام: 74 [.


الفصل الخامس

 الأدلة العقلية على البعث والنشور

 مبدأ الثواب والعقاب:

لا شَكَّ أنَّ النُّفوسَ السَّويَّةَ والفطَرَ السَّديدةَ والعقولَ المستقيمةَ تقطع بضرورة مآب العبيد بعد موتهم لحياة أخرى فاصلة بينهم؛ يجازَى المحسنُ فيها على إحسانه، ويعاقَب المسيء على سيئاته.

ولقد اجتالت الشَّياطينُ كثيراً من الأُمم والقرون عن تلك الحقيقة الرَّاسخة في قرار فطر وعقول الخلائق، فحجبتها بحجب الشُّبُهات، وأفسدتها بران السَّيِّئات، وأحرقتها بشهب الإفك والبهتان.

وترتَّب على هذا المعتَقَد الخبيث حياةٌ لأهله تماثل حياةَ الأنعام؛ بل أضلّ منها سبيلاً؛ فما دامت الحياةُ تنتهي بالموت، فلماذا أنتهي عن الظُّلم والبغي طالما أنِّي أملك قوةً ومنعةً؟ ولماذا لا أطلق لشهواتي وملذَّاتي العنان بلا قيود ولا حدود؟ ولماذا يعيش الناس مكبَّلين بسلاسل من حديد صنعوها بأنفسهم بلا طائل من ورائها متمثِّلةً في الحلال والحرام، وفي المعروف والمنكر؟ ولماذا لا ينزو القويُّ على الضعيف كنزو الشَّرائس المتوحِّشات من الوحوش الضَّاريات على ضحاياها فيرتوي من دمائه، ويتغذَّى بلحمه، ويتشهّى بعرضه؟ ولماذا، ولماذا، ولماذا... ؟! طالما أنَّ الموتَ نهايةٌ لكلِّ حيٍّ بلا قصاص ولا حساب للخلائق جزاءً وفاقاً على ما قدَّموا من أعمال وأقوال وأفعال في حال حياتهم.

وكأني الآن بشيطان ينغض برأسه مستهزئاً، وينفث بسمومه قائلاً:

أتزعم أنَّنا إذا كنَّا عظاماً ورفاتاً أئنَّا لمبعوثون خلقاً جديداً؟ هيهات لما تريد؛ لقد وعُدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل؛ إن هذا إلَّا أساطير الأولين، وما نحن بمخرجين.

وإليك أيُّها النَّاصح لنفسه والمنقِّب لها عن طريق النَّجاة الأدلَّةُ والبيِّنات على إمكان- بل ووجوب– البعث بعد الممات لحتمية الحساب والقصاص ووجوب الفصل بين العباد.

 الإنشاء والإعادة:

إن الذي خلق الإنسان من العَدَم قادر على إعادته وبعثه بعد موته؛ لأنَّنا نعلم بضرورة العقل أنَّ تكوينَ الشَّيء من الشيء أيسر وأهون من تكوينه من العدم؛ فلو تَدَبَّرَ الإنسانُ في أَوَّل نشأته ليصل إلى إمكانية ووجوب إعادته، لوجد نفسه السَّويَّة مطمئنةً لاهتدائها لأرسخ مرتكز من مرتكزات عقلها وفطرتها؛ فالعقلُ قاطعٌ بأنَّ المبدعَ للنَّشأة الأولى للخلائق على غير مثال سابق لها، تكون النشأة والإعادة الثانية له أيسر وأهون عليه؛ قال تعالى: }أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا{.

  (مريم: 67)، وقال تعالى: }وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ{ (يس: 78-79).

من المعلوم ببداهة العقول أنَّ الذي يقوى على حمل قنطار يكون أقوى وأقدر على حمل أوقية؛ وعليه فلا جرم أنَّ خلقَ أجسام ضعيفة مثل الإنسان من عظام بالية قد آل إليها جسده بعد موته تكون أيسرَ وأهونَ من خلق أجسام عظيمة مثل السماوات والأرض وإبداعها من العدم المحض؛ فعندما ننظر إلى السماوات والأرض وإلى بديع صنعهما وعظمة وسعة وإحكام خلقهما مع استسلامهما لأمر خالقهما، نقطع بقدرته تعالى على بعث الناس من قبورهم للوقوف بين يدي ربِّهم؛ قال تعالى: }أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا *{ (الإسراء: 99).

وهذا أمرٌ جليٌّ لا ينبغي فيه ريب، وريب المرتابين فيه مكابَرة وإعراضٌ عن النَّظَر.

إنَّ الذي خلق الإنسانَ من نطفة([2]) ميتةً لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئاً، ثم حَوَّلَها إلى علقة([3])، ثم نقلها إلى مضغة([4]) مخلَّقة ومصوَّرة على صورة الآدميِّ وعلى هيئته الكاملة، ثم نفخ فيه الرُّوح، ثم أذن له في الخروج إلى عالم الوجود على حالة لا يعلم فيها شيئاً، ثم طَوَّرَه وكَمَّلَه وصَيَّرَه على حالة يكون بها أكمل المخلوقات وأحكم الكائنات، ثم رَدَّه بعد ذلك إلى حالة الشَّيخوخة وأرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علمه شيئاً حتى يؤول أمره إلى حالة أشبه ما تكون بحالة ولادته، ثم إذا أراد موته في أي لحظة من لحظات عمره استسلم وانقاد ولم يستعص على خالقه؛ إنَّ الذي خلق هذا وأبدعه وأحكمه وقهره لقادر على إحياء الإنسان بعد موته وفنائه.

وكم مررنا على أرض ميتة قد تشقَّقت وذبلت وفارقتها الحياة حتى صارت في عداد الأموات، فإذا بأنفسنا تخاطبنا متعجِّبةً: أنّى تحيا هذه بعد موتها؟!

فإذا بالسَّماء تتفتَّق بماء الحياة عليها، فتحيا به وتهتزّ وتربو وتنبت من كلِّ زوج بهيج؛ إنَّ الذي أحيا هذا المخلوق القويَّ الأبيَّ بعد موته لقادرٌ على إحياء الإنسان الضَّعيف الذَّليل بعد هلاكه وفنائه؛ قال تعالى: }يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ{ [الحج: 5- 7[.

 البعثُ بين الإمكان والوجوب:

الآن ألمح عيناً يستطير منها الشَّرر ولساناً مسموماً لشيطان رجيم يصرخ قائلاً: ما مَرَّ من الأدلة على إمكان البعث والنشور، فأين الدليل على الوجوب وحتميَّة الوقوع؟

أقول وبالله التوفيق:

خَلْقُه دلَّ على قدرته، وقدرته دَلَّتْ على علمه– وإلا كان عاجزاً، وعلمُه دَلَّ على حياته، وحياتُه دَلَّت على وجوده، وتَنَوُّعُ مخلوقاته وتبايُن صفاتها دلَّ على إرادته، وإتقان صنعها دلَّ على حكمته، وانتظام العالم العلويّ والسُّفليّ مع اتِّساق حركات الكون واستسلامه دلَّا على قَهْره ومُلْكه وتَفَرُّده...

والملك الحكيم القاهر يستحيل عليه أن يترك رعيَّتَه سدى دون أمر ونهي، أو أن يخلقهم عبثاً، ولا يجوز في حكمته التَّسويةُ بين المطيع والعاصي، ولا بين المظلوم والظالم، ولا بين الأمين والخائن...

وها نحن نرى الظالم يموت ظالماً، والمظلوم يموت مظلوماً، والغاضب يموت غاضباً، والمغضوب يموت مغضوباً، والقاتل يموت قاتلاً، والمقتول يموت مقتولاً؛ إذاً لا بُدَّ من حتميَّة البعث والنُّشور للحساب والقصاص ووجوب الفصل بين العباد؛ قال تعالى: }أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ{ (المؤمنون: 115- 116).


الفصل السادس

 الأدلة العقلية على بعثة الرسل

بعد بيان الأدلة الجليَّة على وجود ربِّ البريَّة، وما علمناه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي انبثقت منها وحدانيةُ تألُّهه ووجوب عبادته، وحصحص بها بطلان تألُّه وعبادة غيره كائناً من كان، وقطعنا بتفرُّده سبحانه في تدبير ملكه، ووحدانيته بالقيام على مصالح خلقه، ثم تيقَّنَّا بوجوب المآب إليه بعد الممات؛ لحتميَّة الفصل بين العباد، ولتُجْزَى كلُّ نفس بما كسبت...

 كيف نعبد الله؟

أرى الآن سؤالاً ملحًّا قد سيطر على العقول، وملك زمامَ الفكر، وتفرَّدَ بوساوس الصُّدور:

كيف نعبد ربَّنا وخالقَنا ومالكَنا؟

وما السَّبيل إلى معرفة أوامره لنفعلها حتى نظفر برضاه؟

وما الطريق إلى العلم بنواهيه لنجتنبها فنأمن سخطَه وعقابه؟

وما هي حدودُه التي ينبغي على عبيده الوقوف عندها وعدم مجاوزة أعلامها؟

والإجابة على هذا السؤال لا تتمُّ إلا بمعرفة ركن ركين من أركان الإيمان، وبضبط أصل أصيل من أصول الاعتقاد لا تتحقَّق النَّجاة إلا به، ولا سبيل إلى عبادة الخالق بدون تحقيقه والعمل بموجبه؛ ألا وهو: الإيمان بالرُّسُل الإلهيَّة، والتَّصديق بالكتب الرَّبَّانيَّة.

وها هي الأدلَّةُ العقليَّةُ الدَّالَّةُ على وجوب بعثة الرُّسل وإنزال الكتب:

قد ثَبَتَ وتَقَرَّرَ لدينا أنَّ اللهَ ملكٌ قاهرٌ خَلَقَ الخلقَ بحكمة ولغاية عظيمة، والملكُ القاهرُ لابدَّ من طاعته، والطاعةُ تستلزم التَّشريعَ، والتَّشريعُ يقتضي البيان والبلاغ.

إذاً لابُدَّ من حتميَّة بعث النَّبيِّين والمرسلين من قبل ربِّ العالمين؛ ليبلِّغوا عبادَه مواطنَ محبَّته ليفعلوها حتى يظفروا برضاه، ومواطن غضبه ليجتنبوها فيأمنوا من سَخَطه وأليم عقابه.

ثم إنَّ إعطاءَ القدرة والآلة والعقل من الخالق المنعم لعباده بدون تكاليف وضوابط وحدود يقتضي كونَه سبحانه راضياً بقبائح الأفعال، وبسيئ الأعمال والأقوال والأخلاق... وذلك لا يليق بحكمته وإلهيَّته، ولا بكمال ملكه وعدله.

إذاً لابدَّ من التَّكليف؛ وهو لا يتمُّ إلَّا بإرسال الرُّسُل وإنزال الكتب مع وجود دار يحاسَب فيها الخلائق؛ وقد مَرَّت بنا الأدلةُ والبيِّنات على وجوب البعث بعد الممات لحساب العباد على ما اقترفت أيديهم من الصَّلاح والفساد، والعقاب قبل البيان ظلم، والله منزَّهٌ عن الظُّلم كلِّه يسيره وجليله.

ومن ثَمَّ تحتَّم البيانُ المتمثِّلُ في إرسال الرُّسُل وإنزال الكتب؛ قال تعالى: }وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا{ ( الإسراء: 15).

وههنا سؤال لمنكر النُّبُوَّة: هل كَلَّفَ الله عبادَه أم لا؟

فإن قال: إنَّ الله لم يكلِّف أحداً من خلقه.

فالجواب: إنَّ هذا باطلٌ كلَّ البطلان؛ لاستلزامه التَّسويةَ بين العبد الذي يَعْبُدُ ربَّه ولا يتعدَّى حدودَه ويحفظ لسانه وفرجه عن الخطايا ويصون يدَه عن البطش ورجلَه عن السعي بالفساد، وبين الذي يَسُبُّ ربَّه ويتعدَّى حدودَه ويمشي بالوقيعة بين الناس، ويظلمهم ويقتلهم بغير حقٍّ، ويغتصب أموالهم، وينتهك أعراضهم...

ونحن نجد من فطَرنا وعقولنا الفرقانَ الفارقَ والحَدَّ الفاصلَ بين الطَّيِّبات والخبائث، وكذلك بين ما نرجوه ونتمنَّاه من حال ومآل أصحابهما؛ فالفطَرُ المستقيمة والعقول الصَّحيحة تأبَى جوازَ التَّسْوية بين الطَّيِّبات والخبائث؛ وهذا يَسْتَلْزم التَّكليف، والتَّكليفُ يَقْتضي البلاغَ والبيان.

وإن قال: نعم؛ قد كلَّف اللهُ خلقَه.

فههنا لابدَّ من مبلِّغ ومبين؛ وما ذاك إلا الرَّسول؛ قال تعالى: }وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ{ ( الأنعام: 91 ).


الفصل السابع

 إن الدين عند الله الإسلام

والآن أيها القاريء النجيب الحريص على النجاة والوصول إلى بر الأمان.. بعدما طفنا سويًّا في رحلة إيمانية مباركة حول أصول الاعتقاد الصَّحيح المنبثقة من دلائل العقول الصَّحيحة، ورأينا وتيقنَّا في كلِّ محطة من محطَّات رحلتنا الموفَّقة الموافقة والمطابقة الكلِّيَّة بين صريح المعقول وصحيح المنقول لدى المسلمين؛ ومن ثَمَّ أصبح لزاماً علينا وحَريًّا بنا أن نصدع بها مدوِّيةً: }إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ{، ونمدَّ صوتنا بإعلان حقيقة لا ريبَ فيها وهي: }وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *{]آل عمران: 85[.

إن الله - جل في علاه - قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، وحلاه بعقل سديد في البراهين الباهرة والأدلة البينة والحجج الدامغة على: وجوب معرفته، ومحبته، وتوحيده، وعبادته وحده بلا شريك.

وكذلك أنعم عليه بفطرة مستقيمة تلحّ عليه بصدق التَّوجه، وضرورة التذلُّل لفاطرها مع إخلاص العبادة له، وحتميَّة البراءة من كلِّ معبود سواه، وحتى لا يتشكَّك العبادُ فَيَتَسَنَّى للشياطين إمالتهم عن مقتضَى فطرهم وعقولهم، وأقام الحكيم الخبير آياته الكونيَّةَ، ومخلوقاته المرئيةَ أعلاماً شاهدةً ومنارات ناطقةً بصحَّة ما جُبلت عليه الفطَرُ والعقول، ثمَّ أرسل اللهُ رسلَه وأنزل كتبَه داعيةً إلى شهادة الفطَر والعقول وإلى العمل بموجبها والحذَر من نواقضها؛ فاطمأنَّت نفوس الموحِّدين، وثلجت صدورُهم، وعلموا أنَّ الفطرةَ والعقلَ والوحيَ خرجوا جميعاً من مشكاة واحدة؛ فعبدوا ربَّهم ووحَّدوه، ومجَّدوه، وعظَّموه بداعي الفطرة وداعي العقل وداعي الوحي، فاجتمعت لهم كافَّةُ الدَّواعي، ونادت عليهم: أن هلمُّوا إلى توحيد ربِّكم وفاطركم، واكفروا وانخلعوا من كافَّة حبائل الوصل، وسائر جسور التَّعَلُّق بكلِّ معبود سواه.

تعريف الإسلام الصحيح الذي هو سبيل النجاة:

والآن، لقد آن الأوانُ وحانت ساعةُ الإجابة على السُّؤال الذي أُعدَّت الرِّسالةُ من أجله؛ وهو:

كيف نكون مسلمين؟

كيف نحقِّق العبودية لله، وننخلع من ربقة العبودية من كلِّ ما سواه؟

والجواب: لقد أرسلَ اللهُ رسلَه وأنزل كتبَه من أجل أن يقومَ العبادُ بتوحيده، ويكفروا بكلِّ معبود سواه؛ وحتَّى تتحقَّق " لا إله إلا الله " قولاً واعتقاداً وعلماً وعملاً وسلوكاً ومنهجاً؛ فـ " لا إله إلا الله " مبنيَّةٌ على أصلين هما: النَّفي والإثبات؛ فمعنى النفي: "خلع جميع أنواع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادة كائنة ما كانت"، ومعنى الإثبات هو: "إفرادُه- جلَّ وعلا- بجميع أنواع العبادة على الوَجْه الذي شرَّع أن يُعْبَدَ به"([5]).

فتحقيقُ العبودية لله هو شطر الرُّكن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثِّل في شهادة "لا إله إلا الله"، والتَّلَقِّي عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم في كيفية تحقيق هذه العبودية هو شطرها الثاني المتمثل في شهادة "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ولابُدَّ من تحقيق تلك العقيدة في القلوب أَوَّلاً؛ لأنَّ كلَّ ما وراءها من مقوِّمات الإيمان وشرائع الإسلام إنَّما هو مقتضًى لها وأثرٌ من آثارها؛ فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وكذلك الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ثم الحدود والتعازير، والحل والحرمة، والمعاملات، والتشريعات، إنَّما تقوم كلُّها على قاعدة العبوديَّة لله وحده، كما أنَّ المرجعَ فيها هو ما بَلَّغَه لنا رسولُه صلى الله عليه وسلم.

إنَّ التَّصَوُّرَ الإسلاميَّ الصَّحيح لعقيدة التَّوحيد يضع خطوطاً واضحةً وأعلاماً فاصلةً بين طبيعة الألوهيَّة وطبيعة العبودية، وبين مقام الألوهيَّة ومقام العبودية، وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية؛ فهما لا يتماثلان ولا يتداخلان، وكذلك بيَّنَ التَّصوُّرُ الإسلاميُّ بياناً حاسماً مَن هو الإله صاحب الأمر والنَّهي والحكم والتَّشريع، ومَنْ هم العبيد الذين هم محلُّ العبوديَّة والسَّمع والطَّاعة.

وحتى نكون مسلمين لابُدَّ أن نستسلمَ لله وحدَه بالطَّاعة والقبول والانقياد والإذعان، ونفرده سبحانه بتلقِّي الاعتقادات والتَّصَوُّرات والغيبيــَّات والشَّعائـر والشَّرائــع والقيــم والموازيــن والأخلاق والسُّلوك وكافَّة المعاملات في سائر شؤون الحياة...

فمن استسلم لله وحدَه هذا الاستسلام فهو المسلم، ومن استسلم له ولغيره فهو مشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبرٌ عن عبادته، وكلا المشرك والمستكبر كافر بربِّه.

فمن لم يستسلم لله بالانقياد لأمره والطَّاعة لشرعه والاتِّباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ومنهجه ويطعه ويتبعه فليس بمسلم، ومن ثَمَّ فلا يكون صاحب دين يرضاه الله؛ فالله لا يرضى إلَّا الإسلام القائم على التوحيد؛ فالتَّوحيدُ الخالصُ الناصعُ هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وبين سائر العقائد الأخرى؛ سواء منها عقائد الملحدين والمشركين وعقائد أهل الكتاب المنحرفين، وكذلك هو مفرق الطَّريق بين حياة المسلم وحياة كافَّة الكفَّار في الأرض.

فالعقيدة هنا تحدِّد منهجَ الحياة ونظامَها تحديداً كاملاً دقيقاً؛ فهي مفرقُ الطَّريق في التَّصوِّر والاعتقاد، وفي الحياة والسلوك...

فالحياةُ الإسلاميَّةُ بكلِّ مقوِّماتها إنَّما تنبثق انبثاقاً من حقيقة هذا التَّصَوُّر الإسلاميّ الدَّقيق عن التَّوحيد الخالص الجازم؛ التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في القلوب والضمائر ما لم تتبعه آثارُه العمليَّةُ في الحياة من تَلَقِّي الشَّرائع والشَّعائر من الله وحده في كلِّ شأن من شؤون الحياة، مع التَّوَجُّه إليه بكلِّ الحركات والسَّكَنات والأفعال والأقوال والأعمال...

أعود فأقرِّر أنَّ الإسلامَ يعني بوضوح أنَّه لا مكان للعبودية إلا لله، ولا مكان للتَّلَقِّي والقبول إلَّا من الله؛ سواءً كان في شريعة أو شعيرة، أو نظام، أو آداب، أو خلق، أو في اقتصاد، أو اجتماع...

ولا مكانَ كذلك للتَّوَجُّه لغير الله في أيِّ شأن من شؤون الحياة؛ فالإسلام يعني أن يتحرَّر العبد من ربقة العبوديَّة لغير الله مع إخلاص العبادة لله الواحد القهَّار.

فالنُّظم، والشَّرائع، والتَّصوُّرات، والقيم، والموازين، والقوانين، لا تُتَلقَّى إلَّا من سيِّد واحد وهو ربُّ الأرباب، وأما باقي الخلق فكلُّهم عبيدٌ سواسية أمام الملك القهَّار، لا يتَّخذ بعضُهم بعضاً أرباباً من دونه يحلِّلون ويحرِّمون ويشرِّعون وينسخون ويحكمون من قبل نفوسهم وأهوائهم...

 والإسلامُ بهذا المعنى هو الدِّين المتقبَّل عند الله الذي أرسل به رسلَه، وأنزل له كتبَه ليُخرجوا النَّاسَ من الظُّلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جَوْر الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدُّنيا إلى سَعَة الآخرة؛ فمن تولَّى عن هذا فليس بمسلم، وإن زعم غير هذا.

 والذي يخرج عن هذا الدين يخرج في الحقيقة على نظام الكون كلِّه كما أراده الله مستسلماً له وحده بلا شريك؛ قال تعالى: }أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ{ (آل عمران: 83).

والذي يراجع ركامَ التَّصَوُّرات الخابطة في الظَّلام بلا دليل الشَّاردة في التّيه بلا زمام المجادلة في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، يعلم ويتيقَّن أنَّ هذا الشُّرود والتَّخبُّط والشرور كان بسبب عدم إخلاص العبوديَّة لله ووحدانية التَّلَقِّي منه سبحانه؛ فإخلاص العبودية له، ووحدانية التَّلَقِّي منه هي التي تنير لنا الطَّريقَ في كيفية عبادته ومعرفته، وفي كيفية التَّعامل مع كافَّة المخلوقات من حولنا؛ فمن هذه العقيدة وحدَها تنبثق كافَّة قواعد التَّعامل مع شتَّى الآفاق والعوالم، وعليها تقوم.

وما زالت البشرية تدفع الثمن غالياً من أرواحها وأجسادها، ومن مشاعرها وأخلاقها بسبب انحرافاتها عن قاعدة العبودية لله وحده بلا شريك، والدَّينونة له بلا منازع، مع التزام منهجه للحياة إقراراً بألوهيته وحده، وامتثالاً بالعبودية والدينونة له دون أحد سواه.

والآن أنقل عن الأستاذ سيد قطب([6])- رحمه الله- نقلاً يبيّن فيه مفرق الطريق بين هذا الدِّين وسائر المناهج غيره: "إنَّ النَّاسَ في نظام الحياة الإسلاميِّ يعبدون إلهاً واحداً يفردونه سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة– بكلِّ مفهومات القوامة؛ فيتلقَّون منه وحده التَّصَوُّرات والقيم والموازين والأنظمة والشَّرائع والقوانين والتَّوجيهات والأخلاق والآداب.. بينما هم في سائر النُّظُم يعبدون آلهةً وأرباباً متفرِّقة يجعلون لها القوامة عليهم من دون الله حين يتلقَّون التَّصَوُّرات والقيم والموازين والأنظمة والشرائع والقوانين والتوجيهات والآداب والأخلاق من بَشَر مثلهم؛ فيجعلونهم بهذا التلقِّي أرباباً، ويمنحونهم حقوقَ الألوهيَّة والربوبيَّة والقوامة عليهم.. وهم مثلهم بشر.. عبيد كما أنهم عبيد..

ونحن نسمي هذه النُّظُم التي يتعبَّد الناس فيها النَّاس كما يسميها الله سبحانه نظماً جاهلية مما تعددت أشكالها وبيئاتها وأزمانها؛ فهى قائمةٌ على ذات الأساس الذي جاء هذا الدين – يوم جاء – ليحطمه، وليحرِّرَ البشرَ منه، وليقيم في الأرض ألوهيةً واحدة بالمعنى الواسع الشَّامل لمفهوم " العبادة " ومفهوم " الإله " ومفهوم " الرَّبِّ " ومفهوم " الدِّين ".

لقد جاء هذا الدِّينُ ليلغي عبوديَّةَ البشر للبشر في كلِّ صورة من الصُّور، وليوحد العبوديةَ لله في الأرض كما أنها عبودية واحدة لله في هذا الكون العريض؛ قال تعالى: }أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ *{]آل عمران: 83[.

والمنهج الإسلاميُّ المنبثق من هذا الدين– بهذا الاعتبار– ليس نظاماً تاريخيًّا لفترة من فترات التاريخ، كما أنه ليس نظاماً محلِّيًّا لمجموعة من البشر في جيل من الأجيال، ولا في بيئة من البيئات؛ إنَّما هو المنهج الثَّابت الذي ارتضاه اللهُ لحياة البشر المتجدِّدة؛ لتبقى هذه الحياة دائرة حول المحور الذي ارتضى الله أن تدور عليه أبداً، وداخل الإطار الذي ارتضى الله أن تظلَّ داخلَه أبداً، ولتبقى هذه الحياة مكيَّفةً بالصُّورة العليا التي أكرم فيها الإنسان عن العبودية لغير الله..

وهذا المنهج حقيقةٌ كونيةٌ قائمةٌ بإزاء البشريَّة المتجدِّدة قيام النواميس الكونية الدائمة التي تعمل في جسم الكون منذ نشأته، والتي تعمل فيه اليومَ وغداً، والتي يلقى البشر من جرَّاء المخالفة عنها والاصطدام بها ما يلقون من آلام ودمار ونكال!

والناس إمَّا أن يعيشوا بمنهج الله هذا بكليَّته فهم مسلمون، وإما أن يعيشوا بأي منهج آخر من وضع البشر فهم في جاهلية لا يعرفها هذا الدِّين ذات الجاهلية التي جاء هذا الدِّين ليحطمها وليغيِّرَها من الأساس؛ يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله.

والناس إمَّا أن يعيشوا بمنهج الله هذا بكلِّيَّته فهم في توافق مع نواميس الكون، وفطرة الوجود، وفطرتهم هم أنفسهم، وإما أن يعيشوا بأيِّ منهج آخر من صنع البشر، فهم في خصام مع نواميس الكون وتصادم مع فطرة الوجود، ومع فطرتهم هم أنفسهم؛ بوصفهم قطاعاً في هذا الوجود... تصادم تظهر نتائجه المدمرة من قريب أو من بعيد..."([7]).أ.هـ

وأريد أن أنبِّهَ في هذا المقام على أمر جليل جدِّ خطير، وهو أنه:

لا بُدَّ للمسلم ساعةَ دخوله في هذا الدِّين أن يخلعَ على بابه كلَّ حياته الجاهلية وكافَّةَ تصوُّراته واعتقاداته، ويشعر بنقلة مذهلة انتقلها من دين إلى دين، ومن اعتقاد إلى إعتقاد، ومن تصوُّرات إلى تصوُّرات، ومن منهج إلى منهج، ومن بيئة إلى بيئة، ومن ولاء إلى ولاء، ومن براء إلى براء، ومن توجُّه إلى توجُّه... وعلى الجملة فقد انتقل من عبودية إلى عبودية أخرى، ومن تألُّه آلهة شتى إلى ألوهية الله الواحد القهار؛ وبهذا تكون قد اتَّضَحت الأعلام وبانت الصراط وعلت راية النجاة.

فأيُّما عبد هدى الله قلبَه وشرح صدرَه أراد الهدايةَ وتجنَّبَ الغوايةَ وجمع قلبَه وعقلَه على الاستقامة والدينونة بهذا الدين الذي تتحقق به النجاة في الدنيا والآخرة فعليه أن يتلفَّظَ بأعظم شهادة في الوجود قائلاً: " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأن يعلم معناها، ويعمل بمقتضاها؛ فالإسلام ليس كلمةً تقال باللِّسان فقط دون اعتقاد بالجنان وعمل بالأركان؛ وإنَّما هذه الكلمة علمٌ؛

قال تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ{ (محمد: 19)؛ أي لا معبودَ بحقٍّ إلا الله؛ فيجب أن يُفرَدَ جل شأنه بكافَّة الأعمال الظاهرة: كالصلاة والدعاء، والذبح، والنذر، والطواف، وبسائر الأعمال الباطنة: كالحب، والخوف، والرجاء، والاستغاثة، والتوكل، والإنابة...

فحياة المسلم كلُّها أوَّلها وآخرها وسرها وعلانيتها يجب أن تكون ابتغاءَ مرضات رب العالمين وخالصة لوجهه الكريم؛ قال تعالى: }إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ{ (الأنعام: 162- 163).

فنحن المسلمين نفخر بأنَّنا الأمةُ الوحيدة التي تفردَّت بإثبات كافَّة صفات الكمال لربِّ العالمين على وجه يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ونَفَتْ عنه سائرَ وجود النَّقص والعيوب، ومن ثمَّ وحَّدَتْه سبحانه بالنُّسُك والحكم والولاء، وكفرت بكلِّ معبود سواه.

وهذا التوحيد يحتِّم على أصحابه الموالاةَ والمحبَّةَ والنُّصرةَ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والبراءة والعداوة والبغضاء للكفَّار والمشركين.

وتلك هي ملَّة النبيِّين والمرسلين جميعاً، وعلى رأسهم إمام الحنفاء إبراهيم الخليل– عليه السلام– التي جُعلت العصمةُ في اتِّباعها والنَّجاة في اقتفاء أثرها.

قال تعالى: }قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ{ ]الممتحنة: 4[.

ولن يستقيم هذا الدِّينُ لأحد حتى يفرد ربّه بالحكم والإذعان، ويكفر بكافَّة الأحكام البشريَّة المفتراة التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ قال تعالى: }إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{ (يوسف: 40).

فالخالقُ المنعمُ الذي أوجدنا من العدم لابُدَّ أن نفرده بالحكم في ملكه وأن ننخلع ونتبرأ من كلِّ حاكم ومشرِّع لا يستمدُّ سلطانَه من الخالق الآمر النَّاهي؛ قال تعالى: }أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ{ (الأعراف: 54).

وشهادة أن "محمداً رسول الله" توجبُ على النَّاطق بها أن يصدِّقَه إذا أخبر، وينقاد لأمره، ويذر ما نهى عنه وزجر، وأن يجمع قلبَه ونفسَه على أنَّه لا طريق إلى الله إلا خلف نبيِّه ومصطفاه - صلى الله عليه وسلم، وتحت هديه وشريعته، وأن يحبَّه ويؤثرَه على نفسه وماله وزوجه وأولاده، وعلى الناس أجمعين.

والإسلام يفرض على أهله: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

والإسلام يوجب على أوليائه فعل الأوامر والطَّاعات، واجتناب المعاصي والموبقات؛ حتى يسلمَ للعبد دينُه، ويأمن من خاتمة السُّوء التي تؤول بأصحابها إلى عذاب النار وبئس المصير؛ فالمسلم لابدَّ وأن يكون صادقاً، أميناً، كريماً، قوياً، رحيماً، باراً، حافظاً للسانه ولفرجه عن كلِّ ما يغضب ربَّه ومولاه، ولا يكون كاذباً، ولا خائناً، ولا بخيلاً، ولا ظالماً، ولا عاقًّا، ولا زانياً، ولا سارقاً، ولا قاتلاً بغير حقّ...

وإذا ظلم نفسَه بمعصية ربِّه وتعدَّى حدودَه ذكرَ الله فاستغفر لذنبه؛ لم يصرَّ على سوء فعله لعلمه بأنَّ ربَّه غفور رحيم، يتوب على مَن تاب، وأنَّ المغفرةَ بيده وحدَه وليست لأحد سواه؛ قال تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ *{ ( آل عمران: 135- 136 ).


 الخاتمة

وفي ختام هذه الرسالة أرى أنَّه من واجب البلاغ وفرضيَّة البيان التَّنبيهُ على الفرق بين الإسلام المزيَّف والمرقّع الذي يعيشه كثير من المنتسبين إليه اليوم، وبين الإسلام الصحيح النَّافع الذي نزل من عند الله على نبيِّه ومصطفاه- صلى الله عليه وسلم؛ فالدِّين الذي يعيشه النَّاسُ اليومَ والمتمثِّل في انتشار الكفر والشِّرك وتضييع الحدود ونبذ الحكم بكتاب ربِّهم وبسنة نبيِّه- صلى الله عليه وسلم- وترك نصرة المسلمين المستضعفين، والركون الى الكفَّار والملحدين، والاستظلال براياتهم واتباع مناهجهم، مع الانغماس المزري في الموبقات، والفواحش، والشهوات، وانتشار موائد المنكرات، ونوادي القمار، وصالات اللهو، وبيوت الدعارة والخنى- فهذا الدِّين الذي يدين به هؤلاء هو دينهم هم، وليس دين ربِّ العالمين وإله المرسلين.

وأما الإسلام الصحيح الدِّين السماويّ القويم: فهو التوحيد والإخلاص، وإفراد العبودية لله الواحد القهَّار مع الكفر والبراءة من كلِّ معبود سواه؛ كل هذا في حال كوننا مستقيمين على دينه ومعتصمين بكتابه، وسائرين على شرعه ومنهاجه، ورافعيــن رايته، ومنكِّسين كلَّ راية حادت عن صراطه ولم تستمدَّ شرعيتَها من سلطانه... فهذا دأبُ المسلم وحالُه منذ أن دان بهذا الدِّين الى أن تفيضَ روحُه مطمئنةً إلى بارئها وفاطرها.

هذا هو دين ربِّ العالمين الذي ارتضاه لعباده وأوليائه، وفطرهم على حسنه، وركَّز في عقولهم أدلَّةَ وجوبه، وأقام آياته الكونية شاهدة بصحَّته، ثم أرسل رسلَه وأنزل كتبَه داعيةً إليه ومبشِّرةً مَنْ دان به برحمته وجنَّته، ومنذرةً من خرج عنه بعقابه وناره.

وختاماً: أسأل الله تعالى العلي العظيم أن يجعل ما كتبتُ ابتغاءَ مرضاته خالصاً لوجهه، وأن يدَّخر لي ولأهلي ولذرِّيَّتي الأجر والثواب عليها يوم نقف بين يديه فـي }يَـــوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{ (الشعراء: 88- 89).

وصلِّ اللهمَّ على محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين.



([1]) وقد احترزت بقيد الهيمنة علي سائر الكون قطعاً للتسلسل المطلق الذي لا حدَّ له ينتهي إليه؛ لأنَّه لو فُرِض – جدلاً – هبة هذا الاختصاص من أعلى منه رتبةً إلا أنَّه لا يملك السَّيطرة المطلقة والهيمنة الكاملة على الكون، لوجدنا الاستفسار قد عاد عليه أيضاً؛ وهو: " لا يخلو هذا الاختصاص من أن يكون من كَسْبه ، أو من إله قويٍّ مهيمن غيره ... وهكذا حتى نصل إلى إله واهب غير موهوب، قاهر غير مقهور، حاكم غير محكوم ....     

([2]) أي : المني .  

([3]) قطعة من الدم الأحمر .

([4]) قطعة لحم صغيرة ، قدر ما يمضغ .  

([5]) الإسلام دين كامل لفضيلة الشيخ العلامة : محمد الأمين الشنقيطي بتصرف بسيط.   

([6]) لا بد من باب إهداء المعروف لأهله، والاعتراف لأهل الفضل بالمن والكرم أن

أقرِّرَ أنَّ جلَّ ما كتبتُه عن تعريف الإسلام الصَّحيح هو من تراث الشيخ- رحمه الله- وطَيَّبَ مَثْواه .    

([7]) المستقبل لهذا الدين للإمام / سيد قطب من ( 8-11 ) .