كيف تمتلك قلب زوجتك؟

أبو الحسن بن محمد الفقيه


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.. أما بعد:

فإن أهم عوامل السعادة في الأسر والبيوت هو فقه العشرة الزوجية بكل مفرداتها التي أوجبها الله جل وعلا في كلمة جامعة وجيزة فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

وهذا الأمر يخص الزوجين معًا، فيوجب عليهما مسؤوليات وحقوقًا تتكامل جميعها في نسق المودة والمحبة والألفة؛ لتصنع السعادة في زوايا البيوت.

فالزواج ليس مجرد متعة عابرة.. لكبح شهوة أو إشباع نزوة.. وإنما هو شجرة تنمو في حرث التقوى والخشية من الله.. وتنمو بماء المودة وأداء الواجبات الزوجية.. لتثمر السعادة والسكينة والمتعة أيضًا.. ويتفرع عنها غصون صالحة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

وإلى كل زوج نهدي هذه الكلمات الناصحة التي تجمع أهم مفردات عشرة النساء بالمعروف.. وتدل على الوسائل المهمة التي يمكن للزوج أن يكتسب بها حب زوجته وتقديرها.. أو يستزيد من ذلك إلى أبعد الحدود.. فإنه كلما تكامل الإخلاص شاع الحب في البيوت.. وبالله تعالى التوفيق.

أبو الحسن بن محمد الفقيه


 عشرتها بالمعروف

العشرة بالمعروف هي الكلمة الجامعة التي تندرج تحتها كل مفردات الألفة والمودة والحقوق الزوجية.. وهي حق واجب بالإجماع على الزوجين معًا كلٌ بحسب موقعه.. إذ قال تعالى في حق الرجال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، كما قال في حق النساء: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

وكثير من الأزواج يجهلون تعريف المعروف الواجب عليهم تجاه زوجاتهم.. مما يحدث شرخًا في العلاقات الزوجية يتنامى مع الزمن؛ لتظهر منه أمراض اجتماعية عدة.

فمن الأزواج من يظن أن ما يجب عليه تجاه زوجته هو الإنفاق.. بينما لا يرى بأسًا بهجرتها.. وحرمانها من حقوقها الأخرى في بيتها وذاتها ونفسها.. ومنهم من يعاشر أهله معاشرة جافة عارية عن المودة والتفاعل العاطفي الذي لأجله شرع النكاح! إلى غير ذلك من الحالات الكثيرة التي تضيع معها المعاني الأصلية الثابتة للعشرة بالمعروف.

ولأن الإسلام دين قيم يتسم بالشمولية والكمال.. فإنه جلَّى حقائق المعروف الواجب على الزوج تجاه أهله.. وبيته وفصله تفصيلاً واضحًا لا غموض فيه.

ذلك لتنتشر السعادة في ربوع البيوت والأسر.. وتنجلي الصراعات وما تحدثه من ضرر!

وقد عرف العلماء معنى العشرة بالمعروف بأن يلتزم كل من الزوجين بالواجبات فلا يغمط أحدهما الآخر بحقه!

ولا يتنكر لبذله!

ولا يتبعه أذى ومنًّا!

ولقد ورد في السنة نصوص كثيرة توجب على كل زوج عشرة أهله بالمعروف.. وتبين الحقوق التي أوجبها الله جل وعلا على الأزواج تجاه زوجاتهم.

وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح معالم العشرة بالمعروف في يوم مشهود في موقف عرفة في خطبة الوداع، وفي حرصه صلى الله عليه وسلم على بيان ذلك في هذا الموطن المبارك وفي حجته ودع فيها أصحابه دلالة قوية على أهمية هذا الموضوع في إرساء دعائم السعادة والصلاح في المسلمين؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم وقتئذ: «ألا استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهم شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقًا! ولنسائكم عليكم حق! فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون! ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون! ألا وحقهن عليكم: أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن».

ثم قرن صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين كمال الإيمان وحسن الخلق، وجعل الخير كل الخير في حسن الخلق مع الأهل فقال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخيارهم خيارهم لنسائهم».

وفي هذا الحديث فائدتان:

الأولى: هي أن الخلق الحسن دليل الإيمان في القلوب، وكلما كان خلق المسلم ساميًا كلما كان إيمانه عاليًا.

الثانية: وهي أن أسمى درجات الخلق وأجلاها هي عشرة الزوجة والأهل بالمعروف والإحسان؛ إذ الخيرية التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أحسن إلى أهله هي خيرية مطلقة تعم الخلق وغيره.. وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: خيركم عند الله خيركم لأهله.. وخيركم خلقًا خيركم لأهله.. وهذا كله يدل على أن العشرة الزوجية بالمعروف.. من دلائل الإيمان ومفرداته ومقتضياته.

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس إيمانًا – وأحسنهم إيمانًا.. وأحسنهم خلقًا.. خير الناس لأهله وأرحمهم بهن.. وإليك أخي الكريم قبسات من هديه في العشرة الزوجية.. تجعلها قدوة بين عينيك:

 هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عشرته لأهله

يقول ابن القيم رحمه الله: صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» [رواه النسائي والحاكم ووافقه الذهبي].

وكانت سيرته مع أزواجه: حسن المعاشرة، وحسن الخلق!

وكان يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها، وكان إذا هويت شيئًا لا محذور فيه تابعها عليها.

وكانت إذا شربت من الإناء أخذه، فوضع فيه في موضع فمها وشرب!

وكان إذا تعرقت عرقًا – وهو العظم الذي عليه لحم – أخذه فوضع فمه موضع فمها!

وكان يتكئ في حجرها.

ويقرأ ورأسه في حجرها، وربما كانت حائضًا.

وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها، وكان يقبلها وهو صائم.

وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه كان يمكنها من اللعب، ويريها الحبشة، وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبيه تنظر.

وسابقها في السفر على الأقدام مرتين.

وتدافعها في خروجها من المنزل مرة.

وكان يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي وقال حسن صحيح [زاد المعاد 1/102 بتصرف].

 طيب الكلام

الكلم أهم عناصر الاتصال البشري.. وامتلاك القدرة على تطييبه من أعظم مفاتيح القلوب.. وأقصر الطرق إلى اكتسابها.

ويكون طيب الكلام أوكد ما يكون على الزوج في معاشرته لأهله.. لأنه مفتاحه إلى قلبها وطاعتها وجمال عشرتها.. وإذا كانت الصدقة على الأهل أولى من الصدقة على غيرهم.. فخير ما يتصدق به المسلم على أهله كلمة طيبة.. فقد أخبر صلى الله عليه وسلم فقال: «والكلمة الطيبة صدقة» [رواه البخاري ومسلم].

أخي المسلم: من المعلوم أن أعظم ما يؤثر به الزوج على أهله هو اللسان.. وهذا يرجع في العمق إلى الطبيعة النفسية للنساء.. تلك الطبيعة المفعمة بالأنوثة والعاطفة ورقة الإحساس.. وهي كما هي مهيأة للقيام بأدوار لا غنى للبشر عنها.. فهي وعاء الأمومة التي تترامى فيها كل قيم العاطفة إلى أبعد الحدود.

ومن هذا فإنه طبيعة المرأة هي ما يجعلها مشدودة إلى الأنس والانجذاب إلى كل ما هو عاطفي ورقيق.. بل إنها ولشدة ميلها إلى ذلك تفقد اتزانها وعقلها في غالب الأحيان.. لتنساق وراء عاطفتها وغريزتها الحنونة.

وهذا كله يجعل النساء أشد ضعفًا.. وأكثر تعاطفًا مع الكلمة الطيبة.. والأسلوب الحكيم الجذاب!

فلو أن الزوج أتقن الخطاب مع زوجته في بيته! لاستعبدها.. واكتسب قلبها إلى الأبد!

فلين اللسان.. وعذوبة النطق.. وطلاوة الحديث.. وحلاوة النداء.. وحسن السمر.. وجمال الوصف.. ورقة التعبير.. كلها مفردات للكلمة الطيبة التي تغمر الزوجة؛ لتستخرج من أعماق أنوثتها المرهفة الرضا والقبول!

والكلمة الطيبة أخي الكريم ليست أدبًا يدرس.. ولا منهجًا يتعلم.. بل هي دفقة إخلاص للعشرة الزوجية بالمعروف.. تخرج ببراءة وصدق من فم الزوج تعبيرًا عن المودة والمحبة للأهل..

ومعالم تلك الكلمة لا تنحصر بل هي تظهر في كل سلوك يقوم به الزوج في بيته.. صغيرًا كان أم كبيرًا.. تظهر في ندائه لأهله إذ يناديها بأحب الأسماء إليها.. بل ويدللها بما تحب وترضى إمعانًا في إظهار ودها وحبه لها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل مع عائشة إذ قال لها مرة: «يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام» فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، (تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم)» [رواه البخاري].

أخي إن البر شيء هين

وجه طليق ولسان لين

كما تظهر للعالم الكلمة الطيبة.. في مناسبات خاصة.. كلحظة الخروج.. والدخول أيضًا.. وعند الاستيقاظ.. وعند الأكل.. حيث يشعر الزوج أهله بقيمتها عند وداعه.. وبحاجته إليها عند قدومه.. وبراحته عند استيقاظه في أكنافها..

كما قال الشاعر وهو يعبر عن شدة حبه:

وأول شيء أنت عند مهجتي

وآخر شيء أنت عند هبوبي

ويقول آخر وهو يعبر عن شدة شوقه لمحبوبه به عند القدوم:

وأعظم ما يكون الشوق يومًا

إذا دنت الديار من الديار

ويقول آخر أيضًا:

أمر على الديار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

 منحها المودة والحب

أفقر ما تكون الزوجة حين توقن بإخلاصه التام في حبها.. فهي حينئذ لا ترى في الحياة غيره.. وتصير بطبيعتها المفعمة بالعواطف أسيرة حبه.. تفديه بنفسها وذاتها وما تملك!

فالحب له أثر عظيم في نسج الروابط القوية بين الزوجين.. ولأجل ذلك شرع الزواج كما قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

ومن المعلوم أن الغيرة من أصعب صفات النساء، وهذه الصفة عند التأمل مرتبط بالضعف الذي يسكن في أعماق النساء.. ضعف في العقل وآخر في البنية وكلاهما ينشأ عنهما ضعف في الحالة النفسية القابلة للاهتزاز في أبسط الحالات!

وهذا الضعف بدوره يولد في نفسية المرأة إحساسًا بانعدام الأمان.. أو باحتمال ضده، فيظل هاجس انعدام الثقة كامنًا في الزوجة.. أي زوجة يترجم في شعور بالغيرة المفرطة.. وفي الشك والتقصي عن أحوال الزوج.

وعلاج هذا كله لا يكون إلا بالحب.. وإشعار الزوجة بقيمتها ومكانتها في قلب زوجها.. وأنه أحوج الناس إليها – ولن يستطيع الاستغناء عنها بحال.

وحينئذ فقط.. تشعر الزوجة بالأمان.. وتجاهد نفسها وتكابدها.. لتكون عند حسن ظن زوجها.. تود إسعاده بكل ما يرضيه ويسره ويفرحه.

فالحب والمودة يمسح أسباب القلق والحيرة اللتين تسكنان قلب المرأة، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على هذا المفهوم في الحياة الزوجية.. فقد سئل صلى الله عليه وسلم: «من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قيل: من الرجال يا رسول الله. قال: أبوها» [رواه البخاري ومسلم].

بل من شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على القيم النفسية التي توطد المحبة والمودة في القلوب رخص في شيء من الكذب عند الحديث مع الزوجة..

فعن أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: «الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها» [رواه مسلم].

أخي الكريم: واعلم أن مفردات الحب في الحياة الزوجية تترامى في كل مناحيها..

فهي تفاعل روحي بينك وبين أهلك.. تتآلف به النظرات العذبة.. والانجداب الحاني.. في كل وقت وحين!

تتجلى في الاهتمام بأهلك في مظهرها.. وجوهرها! وفي إعجابك بها.. وبأعمالها.. ولمساتها – كيفما كانت – في طعامها.. وخدمتها لبيتها.. وذوقها في الترتيب والتجميل.

فالحب بكل مفرداته هو فضاء أنوثتها..

تسبح فيه؛ لتجد نفسها وتكتشف ذاتها..

ولا ترى من جميل ترد به جميلك إلا أن تنثر ورود السعادة في بيتك..

وتكون لك أجمل لباس.. كما كنت لها أجمل لباس!

والحب الخالص.. تتلاشى أمامه كل المشاكل والعقد النفسية.. لأنه يفرض على الزوج عدم النظر إلى سفاسف الأمور.. وتعمى عينه عن رؤية العيوب إلا ما يغضب الله!

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

كما أن عين السخط تبدي المساويا

كما أن من مفردات حب الزوج لزوجته.. حب أذواقها.. وما تحبه من اللباس وغير ذلك من المتاع.. والحرص على معرفة ما تفضله في خاصة أمرها كبيرة وصغيرة.. بدءًا من الألوان.. ونهاية بالاختصاصات والهوايات.. كما قال الشاعر:

أحب لحبها السودان حتى

أحب لحبها سود الكلاب

وقال آخر:

تالله ما الخيمات عنك يجلها

قلبي ولكن في الخيام كرام

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك مع نسائه، قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: وكان صلى الله عليه وسلم إذا هويت عائشة شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه.

 الحنان والتفاعل العاطفي

فإذا كان الحب هو مفتاح قلب الزوجة.. فإنه لا يكون كذلك إلا إذا كان ممزوجًا بلمسات حانية يشعر بها الزوج أهله بمدى حرصه عليها ورحمته بها.. وتأمل في قول الله جل وعلا: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} ففي الآية جمع بين خصلتين كليهما مدار سعادة البيوت وسكينتها!

فغالبًا ما يرتبط حب الزواج لأهله بجمالها في ذاتها وصفاه! لكن الرحمة ترتبط بنفسها وإيمانها! فالزوج حين يحن على زوجته ويبادلها الشعور بالحرص والفيض الحاني كأنه ينظر إليها على أنها أخته.. وأم أبنائه وله عليها بحكم إسلامها حقوق واجبة قبل وجوبها بعقد الزوجية. وكيف وقد زاد هذا العقد حقوقًا أخرى مستجدة! فذاك ما يجعل الزوج رحيمًا بأهله.. يظهر لها اهتمامه وتقديره بمزيج من الرحمة والحب والوفاء!

ولأجل ذلك.. فهو يشاركها الهموم التي تنتابها.. كما يواسيها في حزنها ويشاركها مسراتها وأفراحها.. ويزداد اهتمامه بها في لحظات ضعفها كحال المرض أو الحمل أو نحو ذلك.. بل إن اهتمامه بها ليظهر في خدمتها أحيانًا.. ومشاركتها في أعمال البيت بما تمليه الظروف والأحوال دونما تضييع لمبدأ القيام الذي هو صفة الزوج الصالح.. قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» [رواه البخاري].

وقالت أيضًا: «كان صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه، ويخصف نعله» [رواه الترمذي].

 الهدية

ومن أعظم الوسائل التي يكتسب بها قلب الزوجة، بل وأسهلها: الهدية.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا»، وفيه ما يدل على أن الهداية وسيلة للقلوب واستجلاب مودتها.. وهذا واقع معاش.. فالهدية ضرب من ضروب الإحسان وفيها من التقدير والاحترام والعناية ما لا يخفى بخلاف الصدقة والإحسان المجرد فهو وإن كان لله إلا أنه غالبًا ما يكون بدافع الشفقة والرحمة.. أما الهدية ففيها معنى زائد عن ذلك وهو إشعار المهدي إليه بنوع خاص من التقدير والاحترام.

وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة ألا وهي أسلوب الهدية.. فإن أسلوب تقديم الهدية وحسن اختيارها له وقع كبير في النفس أكبر من الهدية نفسها.

 الاحترام والتقدير

ومن مفاتيح كسب ود الزوجة وحبها: تقديرها واحترامها في نفسها.. وولدها، وأهلها وصديقاتها.

فأما احترامها في نفسها فيشمل تقدير رأيها وكلامها.. واحترام حقوقها الشخصية في المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك، وقضاء حوائجها بحسب القدرة والاستطاعة.. واحترام مكانتها في البيت بما يتيح لها مباشرة مسؤولياتها التربوية والزوجية بنجاح.

ويخطئ من يظن من الرجال أن كفاية المرأة في طعامها وفراشها جديرة باستدلال الاحترام من وجدانها.. لأن المرأة كما أسلفنا تؤثر فيها العاطفة أكثر من تأثير الطعام والشراب والإحسان المادي عمومًا ولذلك فهي أكثر تعاطيًا وتفاعلاً مع التقدير والاحترام الذي تجده من زوجها في البيت وخارجه، ومن ذلك:

احترامها بين أبنائها: فالأبناء أمانة في عنق الزوجين معًا، ويتقاسمان معًا مسؤولية تربيتهم وتنشئتهم النشأة الصالحة، ولهذا لابد من حفظ هيبة الأبوة والأمومة في قلب الأبناء.. وهذا أيضًا مسؤولية الزوجية معًا، وهي في نفس الوقت وسيلة لاكتساب ود الزوجة واحترامها، وذلك بتربية الأبناء على احترام الأم وتقديرها وبرها كما أمر الله جل وعلا.. وعدم الخلط بين المشاكل أو الخلافات الزوجية التي تستجد أحيانًا وبين وجوب طاعة الأبناء لأمهم.. وتفانيهم في حبهم وتقديرها.. – وهذا لابد – يترك أثرًا حميدًا على نفس الزوجة وتظل مهما كانت الخلافات ترعى هذا التقدير.. وتتفاعلا عاطفيًا مع مقتضياته.. ومن مفردات التقدير أيضًا: احترام أهل الزوجة وأقربائها، وإكرامهما بالمال والصلة والهدية ونحو ذلك، مما يجري به العرف وتسمح به الاستطاعة.. فإن ذلك من أعظم دواعي سرور المرأة وسعادتها.. ومن أقرب الطرق إلى اكتساب ودها وحبها.

وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: «قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك» [رواه البخاري ومسلم].

 استشارتها في الأمور

ومما يضفي ملح السعادة على الحياة الزوجية في البيوت استشارة الزوج لأهله في الأمور.. فإن ذلك من شأنه أن يوطد الحب والمودة بينهما وأن يشعرهما بالوحدة والألفة في مفردات المعيشة ومصيرها مهما كان أمره!

والاستشارة في الأمور من أسباب نجاحها وتحصيلها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» وهي فيما يتعلق بالحياة الزوجية وما يتعلق بها من أسباب تحصيل العشرة بالمعروف ودوام المودة.

بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستشير أهله في أمور لا علاقة لها بالحياة الزوجية بل تهم الأمة كلها كما وقع في صلح الحديبية، إذ لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابة الصلح قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فلم يقم رجل، حتى قالها ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة زوجته رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس. فأشارت عليه أم سلمة قائلة: يا رسول الله، أتحب ذلك، اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك – أي ضحيتك – وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، فلما رأى المسلمون ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، قاموا عجلين، ينحرون هديهم ويحلقون» [رواه البخاري].

ثم إن استشارة الزوج لأهله فيه من التقدير والاحترام ما لا يخفى! لا سيما إذا كان الزوجان في وحدة المصير. والنتاج.. سلبًا كان أم إيجابًا.. فهذا ما يجعل المرأة مخلصة في بذل جهدها لإبداء الرأي الصائب الذي يعود بالخير على الجميع.

 التغاضي عن سلبياتها

وهو مبدأ لاستدامة الحياة بين الزوجين؛ فكلاهما بشر يصيب ويخطئ، ولابد لكل منهما أن يخطأ في حقوق صاحبه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» [رواه مسلم].

وفي هذا إرشاد لكل زوج لفقه عشرة الزوجات.. والصبر على أخطائهن وشطحاتهن.. والنظر إلى الأمور من الزوايا كلها.. والموازنة بين قبيحها وحسنها.. وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن كره منها خلقًا رضي منها آخر».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» [رواه مسلم].

وخلق العفو والتغاضي عن الزلات من أرفع الأخلاق وأعلاها.. بل ذهب كثير من العلماء إلى أن تعريف الخلق الحسن هو: العفو وكظم الغيظ والحلم.

من ذا الذي ما ساء قط

ومن له الحسنى فقط

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع بينه وبين عائشة رضي الله عنها كلام حتى دخل أبو بكر حكمًا بينه وبينها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكلمي أو أتكلم؟» فقالت: تكلم أنت، ولا تقل إلا حقًا!

فلطمها أبو بكر رضي الله عنه حتى أدمى فاها! وقال: أو يقول غير الحق يا عدوة نفسها!

فاستجارت برسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت خلف ظهره!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم ندعك لهذا، ولم نرد منك هذا» [رواه البخاري].

فتأمل كيف انتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب أبي بكر رضي الله عنه.. إذ ليس من خلقه أن ينتقم لنفسه من الناس فكيف مع أهله.. وهو خير الناس لأهله!

 مراعاة حقها في الفراش

ومن أنفع الوسائل لاستدامة السعادة الزوجية واكتساب ود الزوجة مراعاة حقها في الزينة والفراش وهذا يقتضي أمرين:

الأول: التزين لها بما يناسب حسن العشرة ويديم الألفة.. فإن الزوجة تكره من زوجها شعثه وعدم اهتمامه بذاته ونظافته وهندامه؛ لأن ذلكم يؤذيها.. ويجعلها تعافه وتكره.. وقد دخل على أمير المؤمنين عمر زوج أشعث أغبر ومعه امرأة وهي تقول: لا أنا ولا هذا يا أمير المؤمنين، فعرف كراهية المرأة لزوجها.

فأرسل الزوج ليستحم، ويأخذ من شعر رأسه، ويقلم أظافره، فلما حضر أمره أن يتقدم من زوجته فاستغربته، ونفرت منه، ثم عرفته، فقلبت به، ورجعت عن دعواها، فقال عمر: وهكذا فاصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن، كما تحبون أن يتزين لكم» [كيف تسعد زوجتك/ محمد عبد الحليم حامد/ ص76].

والثاني: حفظ حقها في الفراش والمعاشرة الزوجية، فإن ذلك من دواعي النكاح ومقتضياتها، وهو حق على الزوج بالإجماع، وهو أوجب عليه من النفقة على أهله.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص حين هجر زوجته: «صم وأفطر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا» [رواه البخاري].

وعن السائب بن جبير مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: ما زلت أسمع حديث عمر رضي الله عنه أنه خرج ذات ليلة يطوف المدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها، وهي تقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه

وطال على ألا خليل ألاعبه

فوالله لولا الله أني أراقبه

لحرك من هذا السرير جوانبه

ولكن ربي والحياء يكفني

وأكرم بعلي أن توطأ مراكبه

ثم تنفست الصعداء، وقالت: لها على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني، وعمر واقف يسمع قولها، فقال لها عمر: يرحمك الله، ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وسأل عنها، فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله، فكتب لها أن يقدم عليها زوجها، ثم دخل على حفصة، فقال يا بنية، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي عن هذا؟

فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك.. قالت: خمسة أشهر – ستة أشهر، فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهرًا، ويقيمون أربعة أشهر، ويسيرون راجعين شهرًا» [سير ومناقب عمر – لابن الجوزي ص83].

 تفهم الحالات النفسية

ومن أعظم مفاتيح اكتساب ود الزوجة وحبها.. فقه نفسيتها وسلوكها وأحوالها.. فالمراد عمومًا تختلف عن الرجل في تكوينها النفسي والجسدي ولذلك تأثير بالغ على طبيعتها وصفاتها.. فهي في أثناء الحيض والحمل والنفاس ونحو ذلك بمنعطف نفسي غريب يشوبه تطور مفاجئ في سلوكيات عديدة جديدة على الزوج.. وما لم يتفهم الزوج الأعراض النفسية التي تفرزها حالة الحيض مثلاً، فإنه لن يستطيع التعاطي مع الأحوال المستجدة في سلوك المرأة.

فقد تستقذر رائحته – على طبيعتها وعذوبتها – لا لأنه حقًا مستقذر.. ولكن، لكونها تعيش حالة نفسية أفرزتها حالة حيض أو حمل أو نحو ذلك، وهذا المزاج.. هو مزاج فاسد يشوب المرأة أحيانًا ولعله من معاني قوله جل وعلا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى}.

وهذه الأحوال النفسية للمرأة ثابتة لدى علماء النفس بالتتبع والتجربة!

وهي مشهورة عبر الأزمان.. وفقهها مما يجنب الزوج تبعات الاستعجال وسوء الفهم.

وهناك أيضًا صفات عامة في النساء لابد من مراعاتها في العشرة الزوجية، فمن ذلك الغيرة، وكفران العشرة! فهذا مما يغلب على النساء الاتصاف به. ولا حيلة للرجال بحال على محو هذه الصفات – ولكن بالصبر والحلم والتفهم!

فعن أنس رضي الله عنه قال: أهدى بعض نساء النبي له قصعة فيها ثريد، وهو في بيت بعض نسائه فضربت عائشة يد الخادم، فانكسرت القصعة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ الثريد ورده في قلب القصعة، ويقول: «كلوا، غارت أمكم»

ثم حبس الخادم حتى أتى بقصعة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصفحة التي كسرت صفحتها» [رواه البخاري].

ولا شيء يمكن أن يقارن بحلم الزوج على زوجته في عموم تصرفاته.. فإن الحلم أرفع درجات الرفق.. والرفق ما كان في شيء إلا زانه.. ولا نزع من شيء إلا شأنه!


 خاتمة

أخي المسلم: كانت هذه لمحات سريعة توضح لك المنطلقات الأساسية للعلاقة الزوجية الناجحة.. وتحقيق تلك المنطلقات لا يستلزم منك شيئًا يثقل كاهلك.. بل كلها أخلاق تساهم بها في سعادة نفسك.. وأهلك وبيتك، وفي الوقت نفسه تؤدي المسؤولية الملقاة على عاتقك في الحياة الزوجية على أكمل وجه.

فأنت تدرك أن خيرية الناس تتجلى في سمو أخلاقهم ومعاملاتهم في أهليهم..

وكلما كان العطاء الأخلاقي في البيت أمسى.. كانت سعادته وصلاحه أجمل وأهدى.. لأن السعادة مدارها على الإيمان.. فكلما كان إيمان المسلم أكمل كانت سعادته وانشراح صدره أفسح.. وكمال الإيمان مع كمال الخلق في الأهل ومع الناس.. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائكم» [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.