لا تستوحش لهم الغبراء ()

 

|

 لا تستوحش لهم الغبراء

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فإن أمر الورع قد ندر وقلَّ في هذا الزمن.. وها هو قلمي يَنزوي حياء أن يكتب في هذا الموضوع، لما في النفس من تقصير وتفريط ولكن حسبها موعظة تقع في القلب مسلم ينتفع بها.. وهذا هو الجزء "التاسع عشر" من سلسلة "أين نحن من هؤلاء؟" تحت عنوان "لا تستوحش لهم الغبراء" ومدار حديثه وسطوره عن الورع والبعد عن الشُبه.

جعل الله لنا نصيباً من ذلك، ورزقنا خوفه سراً وعلانية.

عبد الملك بن محمد بن عبدالرحمن القاسم


 مدخل

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾([1] وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾([2]).

قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهَّر من الذنب. فكنى عن النفس بالثوب.

وقال ابن عباس: لا تلبسها على معصية ولا غدر([3]).

وفي الحديث المشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحلال بيَّن والحرام بيَّنٌ وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه.."([4])

وقال - صلى الله عليه وسلم - في توجيه لمن أراد النجاة وبحث عن المخرج: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"([5])

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فضل العلم أحب إليَّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع"([6])

وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذاراً لما به بأس"([7])

وهذا سيد الورعين وصفوة الخلق أجمعين يقول كما روى أبو أمامة عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "عَرَضَ عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا ربي ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً"، أو قال: ثلاثاً، أو نحو هذا "فإذا جعت تضرَّعت إليك وذكرت، فإذا شبعت شكرتك وحمدتك"([8]).

بل ها هو إمام الورعين وقدوة المؤمنين عليه الصلاة والسلام في تطبيق عملي يترك تمرة واحدة ورعاً وتقوى.. عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد تمرةً في الطريق، فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها"([9]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً أهمية الورع ومكانته: والورع من قواعد الدين([10]).

أخي المسلم:

الخوف من الله يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل، وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد، والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء، والقناعة تثمر الرضا، والذكر يثمر حياة القلب، والإيمان بالقدر يثمر التوكل، ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة، والورع يثمر الزهد أيضاً، والتوبة تثمر المحبة أيضاً، ودوام الذكر يثمرها، والرضا يثمر الشكر، والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات، والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه، والمعرفة تثمر الخلق، والفكر يثمر العزيمة، والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والحياء والخشية والإنابة.

وإماتة النفس وإذلالها وكسرها يوجب حياة القلب وعزه وجبره، ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من الله عز وجل، واستكثار ما منه، واستقلال ما منك من الطاعات، ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان.

وصحة البصيرة تثمر اليقين، وحسن التأمل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة والمتلوَّة يثمر صحة البصيرة.

وملاك ذلك كله أمران:

أحدهما: أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة، ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله، وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته، وتنزلها على داء قلبك.

فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة، موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب، ولا جوع ولا عطش، ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق ألبتة، وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم، ويدفع عنهم. ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها. والله المستعان([11]).

قال الفقيه السمرقندي في تعريف الورع بشكل بيَّن واضح لمن أراد أن يسلك طريق النجاة وينجو بنفسه: الورع الخالص أن يكف بصره عن الحرام، ويكف لسانه عن الكذب والغيبة، ويكف جميع أعضائه وجميع جوارحه عن الحرام.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ولا ورع، وأما المحرمات والمكروهات فيصلح فيها الزهد دون الورع([12]).

وقال رحمه الله: وأما الورع فإنه الإمساك عما قد يضر. فتدخل فيه المحرمات والشبهات لأنها قد تضر([13]).

قال وهيب بن الورد في نصيحة صادقة وكلمات غالية: إذا أردت البناء فأسَّسه على ثلاث: على الزهد والورع والنية، فإنك إن أسسته على غير هؤلاء انهدم البناء([14]).

وقال الضحاك: لقد أدركت أصحابي وما يتعلمون إلا الورع([15]).

وقال يحيى بن معاذ: الورع اجتناب كل ريبة، وترك كل شبهةٍ، والوقوف مع الله على حد العلم من غير تأويل([16]).

ومن صور الورع في صدر الأمة ما كان عليه الخليفة الراشد أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فعن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر الصديق مملوك يغلُّ عليه، فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني كل ليلة ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهلية فرقيت لهم فوعدوني، فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني، فقال: أفّ لك، كدت تهلكني، فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيَّأ وجعلت لا تخرج، فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بعسًّ من ماء فجعل يشرب ويتقيأ فرمى بها، فقيل له: يرحمك الله، كل هذا من أجل هذه اللقمة؟! فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها([17]).

وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أتي بزيت من الشام وكان الزيت في الجفان (يعني في القصاع) وعمر يقسمه بين الناس بالأقداح، وعنده ابن له شعرات، فكلما أفرعت جفنه مسح بقيتها برأسه، فقال له عمر - رضي الله عنه -: أرى شعرك شديد الرغبة على زيت المسلمين، ثم أخذ بيده فانطلق إلى الحجَّام فحلق شعره وقال: هذا أهون عليك([18]).

قال حذيفة موصياً الحريصين على آخرتهم، مَن يريدون نقاء صحائفهم وبيضها يوم القيامة: تعاهدوا أرِقَّاءكم فانظروا من أين يجيئون بضرابهم فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سُحت([19]).

ولهذا قال مطرف بن عبدالله: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صلاة وصوماً وصدقة والآخر أفضل منه بوناً بعيداً، قيل له: كيف ذاك؟ قلب: يكون أحدهما أشد ورعاً لله عز وجل عن محارمه([20]).

والمقصود: أن الورع يُطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته.وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة. ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله. ويؤثر كل منها في الآخر. ولهذا نُهي عن لباس الحرير والذهب، وجلود السباع، لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع. وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي. يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها، وبهجتها وكسفتها، حتى أن ثوب البر لَيُعرف من ثوب الفاجر، وليس عليهما.

وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الورع كله في كلمة واحدة فقال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فهذا يَعُمّ الترك لما لا يعني: من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع([21]).

قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضول.

وفي الترمذي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة، كن ورعاً تكن أعبد الناس"

قال الشبلي: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله. ولغلبة الهوى وحظ النفس وشهواتها قال إسحاق بن خلف: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة لأنهما يُبذلان في طلب الرياسة.

وقال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضا([22]).

وتأمل في حال صدر الأمة الأول وكيف كانوا يتورعون؟

قال بعض الصحابة: كنا نَدَع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام([23]).

ولغفلة الناس عن أمر الورع قالت عائشة - رضي الله عنه -: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهو الورع([24]).

قال عيسى عليه الصلاة والسلام: لو صليتم حتى تصيروا مثل الحنايا، وصُمتم حتى تكونوا أمثال الأوتاد، وجرى من أعينكم الدموع أمثال الأنهار، ما أدركتم ما عند الله إلا بورع صادق([25]).

وروي عن ابن المبارك رحمه الله أنه قال: تَركُ فِلسٍ من حرام أفضل من مائة ألف فلس أتصدق بها.

وعنه أنه كان بالشام يكتب الحديث، فانكسر قلمه فاستعار قلماً فلما فرغ من الكتابة نسي فجعل القلم في مقلمته، فلما رجع إلى مَرْو ورأى القلم عرفه فتجهَّز للخروج إلى الشام لردّ القلم.

وتأمل في وصايا الآباء لأبنائهم وهي وصايا صادقة إنها جواهر ودرر...

عن سفيان قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الدنيا بحر عميق غرق فيه ناس كثير، فلتكن سفينتك فيه تقوى الله، وزيادتها الإيمان بالله، ومشرعها التوكل على الله، لعلك تنجو، وما أراك ناجياً([26]).

والورع: توقٍ مستقصٍ على حذر. وتحرج على تعظيم.

قال ابن القيم رحمه الله: يعني أن يتوقى الحرام والشُّبه وما يخاف أن يضرَّه أقصى ما يُمكنه من التوقي.

والتوقي: فصل الجوارح.

والحذر: فصل القلب.

ويكون الباعث على الورع عن المحارم والشبه: إما حذر الوعيد، وإما تعظيم الرب جل جلاله، وإجلالاً له أن يتعرض لما نهى عنه، فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف، ولكن لأمور أخرى، من إظهار نزاهة، وعزة وتصوف، أو اعتراض آخر، كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد ولا جنة ولا نار ما يتوقَّونه من الفواحش والدناءة تصوناً عنها، ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها، وطلباً للمحمدة ونحو ذلك([27]).

وعن أبي موسى الأشعري - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لكل شيء حدّ. وحدود الإسلام: الورع، والتواضع، والشكر، والصبر. فالورع ملاك الأمور، والتواضع براءة من الكبر، والصبر النجاة من النار، والشكر الفوز بالجنة([28]).

وانظر إلى المسابقين في الخيرات الحريصين على دينهم ممن قدموا الآخرة على الدنيا والباقية على الفانية...

قال حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون عندي من الورع إذا رابني شيء([29]).

ولكن لا يظُن أن هذا الترك سهل ميسور لكل أحد بل إنه منحة ربانية لمن وفقه الله وأعانه وإلا فهو لغيرهم كما قال الحسن البصري: طلب الحلال أشد من لقاء الزحف ([30]).

وأثر الحلال الذي لا شبهة فيه واضح بيَّن، هذا عبدالله بن المبارك يقول عن رد الشبه ومنزلتها العظيمة: لأن أردّ درهماً من شبهة، أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف.. حتى بلغ ستمائة ألف([31]).

وتأمل –أخي الكريم- في أثر الحرام على النفس.. قال سهل رحمه الله: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم، ومن كانت طُعمته حلالاً أطاعته جوارحه، ووفقت للخيرات.

وللخوف العظيم والوجل المستمر من يوم تتطاير فيه الصحف وتحاسب فيه العبد على أمثال مثقال الذر...

قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام([32]).

وقال سليمان بن داود: أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يُؤتوا، وعلمنا مما عَلِمَ الناس ومما لم يَعلموا، فلم نجد شيئاً أفضل من تقوى الله في السرَّ والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى([33]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟

قال الفضيل: يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد عليَّ أمران إلا أخذت بأشدهما([34]).

قال ابن عمر رضي الله عنهما: إني لأحب أن أَدَعَ بيني وبين الحرام سُترةً من الحلال لا أخرقها([35]).

لأنها إذا انخرقت فُتَّح باب الحرام وهان الولوج فيه. وقال عمر - رضي الله عنه -: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.

وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حجاباً بينه وبين النار([36]).

عن ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه؟([37]).

ولعظم أمر الحلال ومنزلته عند الله عز وجل قال يونس بن عبيد: لو أعلم موضع درهم من حلال من تجارة لاشتريت به دقيقاً، ثم عجنته ثم خبزته ثم جفَّفته ثم دققته أداوي به المرضى.

قال غالب القطان: ذُكر الحلال عند بكر بن عبدالله المزني فقال بكر: إن الحلال لو وضُع على جرح لبرئ([38]).

وقال إبراهيم بن أدهم: ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه([39]).

أما يحيي بن معاذ فإنه يقول - رضي الله عنه -: كيف يكون زاهداً من لا ورع لو تورَّع عمَّا ليس لك ثم ازهد فيما لك([40]).

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا تنظروا إلى صلاة امرئ ولا صيامه، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث، وإلى ورعه إذا أشفى، وإلى أمانته إذا اؤتمن([41]).

ولنفسي -المقصرة- وللأحبة القراء تعريف سريع للورع، وهو جادة لمن أراد النجاة وسعى إلى الفوز بجنة عرضها السموات والأرض.

قيل لابن سرين: ما أشد الورع؟ فقال: ما أيسره إذا شككت في شيء فدعه، وقال هشام: كنا قعودًا ومعنا يونس بن عبيد وذكرنا شيئاً فتذاكروا أشد الأعمال، فاتفقوا على الورع، فجاء حسان بن أبي سنان فقالوا: قد جاء أبو عبدالله، فجلس فأخبروه بذلك، فقال حسان: إن للصلاة لمؤنة، وإن للصيام لمؤنة، وإن للصدقة لمؤنة، وهل الورع إلا إذا رابك شيء تركته([42]).

وجاء رجل إلى عبدالله بن عبدالعزيز فقال: عِظْني، فأخذ حصاة من الأرض فقال: زِنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض. قال: زدني، قال: كما تحب أن يكون الله عز وجل لك غداً فكن له اليوم([43]).

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشَّعر، كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات"([44]).

قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث خصال إن استطعت أن لا تترك شيئاً منها أبداً فافعل: لا تبغينَّ على أحد فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾([45] ولا تمكرنَّ على أحد مكراً فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾([46]) ولا تنكثنَّ عهداً أبداً فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾([47]).

وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة؛ فالزهد الفرض هو الزهد في الحرام، والزهد الفضل هو الزهد في الحلال، وزهد السلامة هو الزهد في الشبهات.

وقال أيضاً: الورع ورعان: ورع فرض، وورع حذر؛ فالورع الفرض الورع عن معاصي الله تعالى، والورع الحذر الورع عن الشبهات.

وقال أيضاً والحزن حزنان: حزن لك وحزن عليك؛ فالحزن الذي هو لك حزنك على الآخرة، والحزن الذي هو عليك حزنك على الدنيا وزينتها([48]).

وكن أخي المسلم مثل حبيب بن محمد حيث قالت امرأته عنه: كان يقول: إن مُتّ اليوم فأرسلي إلى فلان يُغسلني، وافعلي كذا واصنعي كذا، فقيل لامرأته: أرأى رؤيا؟ قالت: هذا قوله كل يوم([49]).

قال العلاء بن زياد: إنكم في زمانٍ أقلُكم الذي ذهب عشر دينه وسيأتي عليكم زمان أقلكم الذي يبقى عليه عشر دينه([50]).

ولنظر إلى حال بعض الصالحين وسيرتهم في مواقف معبرة من حياتهم، فمن ذلك ما روي عن يحيي بن كثير أنه شرب الدواء، فقالت له امرأته: لو تمشيت في الدار قليلاً حتى يعمل الدواء، فقال: هذه مشية لا أعرفها، وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة، فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين، ثم لم يُجِز الإقدام عليها([51]).

ومن علامات الطريق والسير مع الصالحين التواصي بالحق والتزود بنصيحة الأخ المحب المشفق، فحينما وَدَّعَ ابن عونٍ رجلاً قال له: عليك بتقوى الله، فإن المتقي ليست عليه وحشه([52]).

ولن يتتبعون الرُّخص هوى واتباعاً للشهوات، وخروجاً من التكاليف.. إليهم قول سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله([53]).

·   قال بعض الحكماء: أمرُ الدنيا كلها عجب ولكني أتعجَّب من ابن آدم المغرور في خمسة أشياء:

أولها: أتعجب من صاحب فضول الدنيا كيف لا يقدم فضوله ليوم فقره وحاجته إليه؟

والثاني: من لسان ناطق كيف يطاوع نفسه؟ ويعرض عن ذكر الله تعالى وعن تلاوة القرآن؟

والثالث: أتعجب من صحيح فارغ رأيته مفطراً أبداً كيف لا يصوم من كل شهر ثلاثة أيام أو نحوه، وكيف لا يتفكر في عاقبة الصوم إذا استقبله؟

والرابع: أتعجب من الذي يمهَّد فراشه وينام إلى الصبح كيف لا يتفكر في فضل صلاة ركعتين في الليل فيقوم ساعة من الليل؟

والخامس: أتعجب من الذي يجترئ على الله ويرتكب ما نهاه عنه وهو يعلم أنه يُعرض عليه يوم القيامة فكيف لا يتفكر فى عاقبة أمره لينـزجر عنه([54]).

وعلى اختلاف مشارب الناس وطرقهم في هذا الزمن وقلة الورعين إلا أنهم قد يصابون في مقتل وذلك بتحرُّزهم في أمور وترك غيرها فيكون ورعهم مخروماً وطريقهم صعباً.

قال ابن الجوزي: رأيت كثيراً من الناس يتحرزون من رشاش نجاسة، ولا يتحاشون من غيبة، ويكثرون من الصدقة، ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل، ويؤخرون الفريضة عن الوقت، وفي أشياء يطول عددها من حفظ فروع وتضييع أصول.

فبحثت عن سبب ذلك، فوجدته من شيئين: أحدهما: العادة، والثاني: الهوى في تحصيل المطلوب، فإنه قد يغلب، فلا يترك سمعاً ولا بصراً.

ومن هذا القبيل أن إخوة يوسف قالوا حين سمعوا صوت المنادي: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾([55]): ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾([56] فجاء في التفسير: أنهم لما دخلوا مصر كمَّموا أفواه إبلهم؛ لئلا تتناول ما ليس لهم، فكأنهم قالوا: قد رأيتم ما صنعنا بإبلنا فكيف نسرق؟ ونَسُوا هم التفاوت بين الورع واختطاف أكلة لا يملكونها، وبين إلقاء يوسف عليه السلام في الجب وبيعه بثمن بخس.

وفي الناس من يطيع صغار الأمور دون كبارها، وفيما كُلْفَتُه عليه خفيفة أو معتادة، وفيما لا ينقص شيئاً من عادته في مطعم وملبس.

نرى أقواماً يأخذون الربا ويقول أحدهم: كيف يراني عدوي بعد أن بعت داري، أو تغير ملبوسي ومركوبي؟!

ونرى أقواماً يوسوسون في الطهارة، ويستعملون الكثير من الماء، ولا يتحاشون من عيبة.

وأقواماً يستعملون التأويلات الفاسدة في تحصيل أغراضهم، مع علمهم أنها لا تجوز.

حتى إني رأيت رجلاً من أهل الخير والتعبد، أعطاه رجل مالاً ليبني به مسجداً، فأخذه لنفسه، وأنفق عوض الصحيح قراضه، فلما احتضر قال لذلك الرجل: اجعلني في حِلًّ؛ فإني فعلت كذا وكذا.

ونرى أقواماً يتركون الذنوب لبعدهم عنها، فقد أَلِفوا الترك، وإذا قربوا منها لم يتمالكوا.

وفي الناس من هذه الفنون عجائب يطول ذكرها.

وقد علمنا أن خلقاً من علماء اليهود كانوا يحملون ثقل التعبد في دينهم، فلما جاء الإسلام وعرفوا صحته لم يطيقوا مقاومة أهوائهم في محور رياستهم.

وكذلك قيصر، فإنه عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدليل، ثم لم يقدر على مقاومة هواه وترك ملكه.

فالله الله في تضييع الأصول، ومن إهمال سرح الهوى؛ فإنه إن أُهملت ماشية نفشت في زروع التقى.

وما مثل الهوى إلاَّ كسَبُع في عنقه سلسلة، فإن استوثق منه ضابطه كفَّه، وربما لاحت له شهواته الغالبة عليه، فلم تقاومها السلسلة، فأفلت.

على أن من الناس من يكف هواه بسلسلة، ومنهم من يكفه بخيط، فينبغي للعاقل أن يحذر شياطين الهوى، وأن يكون بصيراً بما يقوى عليه من أعدائه، وبمن يقوى عليه([57]).

ولمن يحملون على ظهورهم حقوق الآخرين غير مبالين بذلك نسوق لهم واقعة امرأة احتاجت إلى دَينٍ لسدَّ فاقتها وحاجتها ثم نسمع، جواب إمام أهل السنة عن ذلك وتوبيخه لها!!

استقرضت امرأة رغيفين فقال أحمد بن حنبل: ما أجراك! تبيتين وعليك دين([58]

وعن بعض الصالحين أنه رئى بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيراً، غير أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها([59]).

هذا في إبرة، وتلك في رغيفين! فكيف بمن فتح الباب على مصراعيه من أخذ حقوق الناس والتحايل عليهم ونقص الموازين وتطفيف المكاييل، والتعدي على أموال بيت المسلمين.. ومن تتبع الأمر أعياه طول الطريق!

أخى الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟

كان الضحاك صاحب بشر بن الحارث يجيء إلى أخته حين مات زوجها، فيبيت عندها فيجيء معه بشيء يقعد عليه، ولم ير أن يقعد على ما خلف من غلة الورثة.

قال أحمد بن ماهان: سُئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع، فقال: أنا أستغفر الله، لا يحلُّ لي أن أتكلم في الورع وأنا آكلُ من غلة بغداد! لو كان بشرُ بن الحارث صَلَح أن يجيبك عنه، لأنه كان لا يأكل من غَلَّة بغداد ولا من طعام السَوَاد.

وقال الحسن بن محمد بن أعين: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لولا بِشرٌ وما نرجو من استغفاره لنا، لكنا في عُطلة([60]).

أما الإمام الورع الزاهد سعيد بن المسيب فقد كان لا يقبل من أحد شيئاً لا ديناراً ولا درهماً ولا شيئاً([61]).

وقال إدريس الحداد: كان أحمد بن حنبل إذا ضاق به الأمر آجر نفسه من الحاكة، فلما كان أيام المحنة وصُرِفَ إلى بيته.. حٌمل إليه مال فرده وهو محتاج إلى رغيف، فجعل عمه إسحاق يحسب ما رد فإذا هو نحو خمسمائة ألف، قال: فقال: يا عم لو طلبناه لم يأتنا وإنما أتانا لَمَّا تركنا([62]).

وقال يحيى بن سعيد: زاملتُ أبا بكر بن عياش إلى مكة، فما رأيتُ أورع منه، لقد أهدى له رجل رُطباً، فبلغه أنه من بستانٍ أُخذ من خالد بن سلمة المخزومي، فأتى آل خالد، فاستحلَّهم، وتصدق بثمنه([63]).

وتأمل بركة المال الحلال في سعادة القلب وصلاح الذرية، قال إسماعيل المحدث والد الإمام البخاري عند موته: لا أعلم في جميع ما لى درهماً من شبهة.

ويكفي هذا الأب فخراً وعظم أجر إنجابه وتربيته لابنه صاحب أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل.. صحيح البخاري الذي تلقته الأمة بالقبول..

وقد غفل عن هذا الأمر كثير من الآباء والأمهات فأدخلوا بطون أبنائهم من السحت والحرام وهم يبحثون بعد ذلك عن الصلاح والهداية، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به"([64]).

وبعض الناس يتوهم أن الحرام فقط في الربا والرشوة، وما علم أن إضاعته دقيقة من عمله الذي يأخذ عليه أجراً هو مال حرام وكسب لا يجوز!! وتأمل كم يدخل البطون من أموال الموظفين والمدرسين والمدرسات من تضييع الدقائق التي يأخذون عليها أجراً! ولو جمعت تلك الدقائق لأصبحت ساعات!! وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "يأتي على الناس زمان لا يبالى المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام"([65]).

ومن صور الورع ما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصله مسك من البحرين فقال: وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت امرأته عاتكة: أنا أجيد الوزن، فسكت عنها، ثم أعاد القول فأعادت الجواب، فقال: لا أجببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلاً على المسلمين.

وكان يوزن بين يدي عمر بن عبدالعزيز مسك للمسلمين، فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال: وهل ينتفع منه إلا بريحه لما استبعد ذلك منه([66]).

قالت فاطمة ابنة عبدالملك: اشتهى عمر بن عبدالعزيز يوماً عسلاً، فلم يكن عندنا، فوجهنا رجلاً على دابة من دواب البريد إلى بعلبك بدينار فأتى بعسل، فقلت: إنك ذكرت عسلاً، وعندنا عسل، فهل لك فيه؟ قالت فأتيناه به فشرب، ثم قال: من أين لكم هذا العسل؟ قالت: وجَّهنا رجلاً على دابة من دواب البريد بدينار إلى بعلبك، فاشترى لنا عسلاً، فأرسل إلى الرجل فقال: انطلق بهذا العسل إلى السوق فبعه، واردد إلينا رأس مالنا، وانظر إلى الفضل فاجعله في علف دواب البريد، ولو كان ينفع المسلمين قيءٌ لتقيأت([67]).

ولمنازل الأخيار تميز، ولحياتهم نموذج عبادة وإشراقات ورع، هذه إحداهن تستفتي في أمر لا يخطر اليوم على بال..

ذهبت أخت بشر الحافي إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر، فهل عليَّ عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزَّي للمشتري([68]).

وجاء مجمع التيمي بشاة يبيعها، فقال: إني أحسب أو أظنُّ في لبنها ملوحة.

وباع محمد بن واسع حماراً له بسوق بُلخ, فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال لو رضيتهُ لم أبعه([69]).

وهذا امتثال لأمر النبي- صلى الله عليه وسلم -: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا, فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما, وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"([70])

فأين من يبيعون اليوم بالغش والخداع والتدليس؟!

قال الحسن بن عرفة قال لي ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الشام فذهب عليَّ أن أرده إلى صاحبه, فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي, فرجعت يا أبا علي إلى أرض الشام حتى رددته على صاحبه ([71]).

واستفتى أحدهم الإمام أحمد بن حنبل، في المشي على العبّارة التي يجري فيها ماء السقية إلى آبار الناس قال: لا، وكره المشي عليها، وقال إنما صُيَّرت هذه للماء، وأن يجري فيها، وقال: هذه تخرب، يعني إذا مشي عليها. وهكذا قال في المغتسل، لا يغطى به البئر، إذا حفرت في المسجد، وقال: إنما جعل ذلك للموتى.

قال أبو بكر: رأيت أنا بشر بن الحارث يمشي على العبارة بعدما صلى على جنازة، وكان عندي من ضرورة، وذلك أن الناس ازدحموا خلفه ينظرون إليه([72]).

وهذا الدين لو يُتقى كما تتقى الملبوسات ويحافظ عليها لتغيرت الحال.

قال سلمة بن دينار لجلسائه: لوددت أن أحدكم يتقي على دينه كما يتقي على نعله.

ولا شك أن من يتقي على دينه ويحوطهُ بالرعاية والصيانة عن أثر الشبه والحرام لهو في خير عظيم...

قال الحسن: إن أيسر الناس حساباً يوم القيامة، الذين حاسبوا أنفسهم لله في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الذي هَمُّوا به لله، مضوا فيه، وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا، أخذوها على غير محاسبة، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر، ثم قرأ ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾([73]).


أخي المسلم:

إني وجدت فلا تظنني غيره

أن التورع عند هذا الدرهم

فإذا قدرت عليه ثم تركته

فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم([74])

قال علي بن ثابت: لو لقيت سفيان الثوري في طريق مكة ومعك فلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف سفيان ظننت أنك ستضعهما في يده([75]).

قال المثنى بن عبدالله: كتبت إلى عمٍ لي وكان جليساً للحسن أنه: يكفي من الدعاء مع الورع ما يكفي القدر من الملح([76]).

وحتى الأموال التي أحبها الناس وساروا خلفها في كل ناحية وتبعوها في كل جهة، تركها الكثير تورعاً وخشية... فقد تنزَّه يزيد بن زريع عن خمسمائة ألف ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه ولي الأعمال للسلاطين([77]).

أخي الحبيب.. أين نحن من هؤلاء؟

كان جابر بن يزيد يتحدث مع بعض أهله فمر بحائط قوم فانتزع منه قصبة فجعل يطرد بها الكلاب عن نفسه، فلما أتى البيت وضعها في المسجد، فقال لأهله: احتفظوا بهذه القصبة فإني مررت بحائط قوم فانتزعتها منه، قالوا: سبحان الله يا أبا الشعثاء: ما بلغ بقصبة؟ فقال: لو كان كل من مر بهذا الحائط أخذ منه قصبة لم يبق منه شيء، فلما أصبح ردها([78]).

وكم في الناس اليوم من يأخذ من أموال محرمة! فهذه أموال المسلمين لا يبالي أن ينفقها، وتلك استحلها وسماها بغير اسمها، وثالث يقول: مثلي مثل غيري والكل أخذ وأنا منهم. والله عز وجل يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

قال إبراهيم التيمي: لقد أدركت ستين من أصحاب عبدالله في مسجدنا هذا وأصغرهم الحارث بن سويد، وسمعته وهو يقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ.......﴾ حتى بلغ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ بكى، ثم قال: إن هذا الإحصاء شديد([79]).

وتأمل في جواب صفوة الخلق نبي هذه الأمة فقد قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: شِبْتَ يا رسول الله. قال - صلى الله عليه وسلم -: "شيَّبتني هُود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كُوَّرت"([80]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟

قال الوراق: ركبنا يوماً إلى الرمي ونحن بفربر، فخرجنا إلى الدرب الذي كان يؤدي إلى الفرضة، فجعلنا نرمي، فأصاب سهم أبي عبدالله (الإمام البخاري) وتد القنطرة التي على النهر، فانشق الوتد، فلما رأى ذلك نزل عن دابته فأخرج السهم من الوتد وترك الرمي، وقال لنا: ارجعوا، فرجعنا، فقال لي: يا أبا جعفر، لي إليك حاجة، وهو يتنفس الصعداء، فقلت: نعم، قال: تذهب إلى صاحب القنطرة فتقول: إنا أخللنا بالوتد فنحب أن تأذن لنا في إقامة بدله أو تأخذ ثمنه، وتجعلنا في حلًّ مما كان منا، وكان صاحب القنطرة حميد بن الأخضر فقال لي: أبلغ أبا عبدالله السلام، وقل له: أنت في حل مما كان منك، فإن جميع ملكي لك الفداء، فأبلغته الرسالة فتهلل وجهه وأظهر سروراً كثيراً، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمسمائة حديث وتصدق بثلاثمائة درهم([81]).

وحين مر عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - بقرية دُمره أمر غلامه أن يقطع له مسواكاً من صفصاي على نهر بَردَى، فمضى ليفعل، ثم قال له: ارجع، فإنه إن لا يكن بثمن، فإنه ييبس، فيعود حطباً بثمن([82]).

ومن الورع البعد عن حقوق الناس وأن يلي منها شيئاً قضاءً أو إمارة أو ولاية... قال الربيع بن عاصم: أرسلني يزيد بن عمر بن هبير، فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده أن يكون حاكماً على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطاً، فانظر كيف هرب من الولاية واحتمل العذاب([83]).

قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكاً (الإمام) سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ(لا أدرى)([84]).

وسأل رجل مالك بن أنس عن مسألة فقال: لا أحسنها. فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسالك عنها، فقال له مالك: فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قلت لك: لا أحسنها([85]).

وكان ابن سيرين إذا سُئل عن شيء من الفقه، الحلال والحرام، تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان([86]).

وقال أبو حصين وكأنه يرى تسارعنا إلى الفتوى والمسابقة في ذلك: إن أحدهم يفتي في المسألة، ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر([87]).

وكانوا رحمهم الله يتدافعون أربعة أشياء: الإمامة والوصية، والوديعة، والفتيا([88]).

وتأمل في مدافعة الناس اليوم وسعيهم لهذه الأربعة!! والبعض يقف بالأبواب ليحظى بشيء من ذلك! فالله المستعان على أهل هذا الزمان!!

قال قاسم الجرعي: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة سلامة الحذر.

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إن الدين ليس بالطنطنة من آخر الليل، ولكن الدين الورع([89])

·   قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان سليماً ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية اللهو خشية الوقوع فيما يكرهه؛ صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها وتوقي الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسداً قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله؛ فسدت حركات الجوارح كلها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع قلبه.

ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾([90]

فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها, وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد عنه([91]).

وقال الثوري لابن أبي ذئب: إن اتقيت الله كفاك الناس, وإن اتقيت الناس لن يُغنوا عنك من الله شيئاً([92]).

قال أبو عبدالرحمن العمري الزاهد: إذا كان العبد ورعاً ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه([93]).

دخل أبو إسحاق الشيرازي يوماً المسجد ليأكل فيه شيئاً على عادته, فنسي ديناراً فذكر في الطريق, فرجع فوجده. فتركه ولم يمسَّه وقال: ربما وقع من غيري ولا يكون ديناري([94]).

وكما كان تورُّعهم في الدينار والدرهم فإنهم حافظوا على جوارحهم الأخرى وعفت ألسنتهم عما يرون فيه بأساً..

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟

سُئل مسروق بن الأجدع عن بيت شِعر فقال: أكره أن أجد في صحيفتي شعراً([95]).

ولما مات أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أوصى أن يغسله محمد بن سيرين وكان محمد محبوساً فقالوا له في ذلك فقال: أنا محبوس, فقالوا: قد استأذنَّا الأمير في إخراجك, قال: إن الأمير لم يحبسني, من له الحق, فأذن له صاحب الحق فغسَّله([96]).

وقال زيد بن أسلم: كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا([97]).

ومن أنواع الورع: التورع عن الزينة لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها, وإن كانت الزينة مباحة في نفسها. وقد سُئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال: أما أنا فلا أستعملها ولكن إن كان للطين فأرجو, وأما من أراد الزينة فلا.

ومن ذلك أن عمر - رضي الله عنه - لما ولي الخلافة كانت له زوجة يحبها, فطلقها خيفة أن تشير عليه بشفاعة في باطل فيطيعها ويطلب رضاها.

وهذا من ترك ما لا بأس به مخافة مما به البأس , أي مخافة من أن يفضي إليه. وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات, حتى استكثار الأكل واستعمال الطيب للمتعزب فإنه يحرّك الشهوة, ثم الشهوة تدعو إلى الفكر, والفكر يدعو إلى النظر, والنظر يدعو إلى غيره, وكذلك النظر إلى دور الأغنياء وتجمُّلهم, مباح في نفسه ولكن يهيَّج الحرص ويدعو إلى طلب مثله, ويلزم منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله. وهكذا المباحات كلها إذا لم تؤخذ بقدر الحاجة في وقت الحاجة مع التحرز من غوائلها بالمعرفة أولاً ثم بالحذر ثانياً, فقلما تخلو عاقبتها عن خطر, وكذا كل ما أُخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر, حتى كره أحمد بن حنبل تجصيص الحيطان وقال: أما تجصيص الأرض فيمنع التراب, وأما تجصيص الحيطان فزينة لا فائدة فيه, حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها, واستدل بما روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم -: أنه سئل أن يكحل المسجد, فقال: "لا, عريش كعريش موسى"؛ وإنما هو شيء مثل الكحل يطلى به, فلم يرخص رسول- صلى الله عليه وسلم - فيه, وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا: من رق ثوبه رق دينه, وكل ذلك خوفاً من سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها, فإن المحظور والمباح تشتهيهما النفس بشهوة واحدة, وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت, فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله, فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة, وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية ألبتة([98]).

قال أنس - رضي الله عنه -: كان بين كتفي عمر- رضي الله عنه - أربع رقاع وإزاره مرقوع بأدم, وخطب عمر على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة([99])

وهذا الواقدي رحمه الله مات وهو على القضاء وليس له كفن فبعث المأمون بأكفانه([100]).

ومن الورع ما ذكره الشيخ محمد بن صالح العثيمين حيث قال: فالورع والاحتياط ألا تطلب شيئاً من ترقية أو انتداب أو غير ذلك, إن أُعطيت فَخُذْ, وإن لم تُعْطَ فالأحسن والأورع والأتقى ألا تطالب, فكل الدنيا ليست بشيء, وإذا رزقك الله رزقاً كفافاً لا فتنة فيه, فهو خير من مال كثير تفتتن فيه. نسأل الله السلامة([101]).

قال الحسن: رأيت في منزل ابن المبارك حماماً طيارة, فقال ابن المبارك: قد كنا ننتفع بفراخ هذه الحمام فليس ننتفع بها اليوم. قلت: ولم ذلك ؟ قال: اختلط بها حمام غيرها فتزاوجت بها. فنحن نكره أن ننتفع بشيء من فراخها من أجل ذلك([102]).

وجاء أبو بكر بن ميمون فدق على أبي عبدالله محمد الحميدي, وظن أنه قد أذن له, فدخل عليه, فوجده مكشوف الفخد, فبكى الحميدي وقال: والله لقد نظرتَ إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت([103])

قال حماد بن زيد: كنت مع أبي, فأخذت من حائط تَبْنَةً, فقال لي: لم أخذت؟ قلت: إنما هي تبنة!! قال: لو أن الناس أخذوا منه تبنة هل كان يبقى في الحائط تِبْنٌ([104]

قال الحسن: إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني وبينك الله, فيقول والله ما أعرفك, فيقول: أنت أخذت طينة من حائطي, وآخر يقول: أنت أخذت خيطاً من ثوبي. فهذا وأمثاله قطع قلوب الخائفين([105]).

كان الحسن يقول: رحم الله عبداً جعل العيش عيشاً واحداً, فأكل كسرة, ولبس خَلَقاً, ولزق بالأرض, واجتهد في العبادة, وبكى على الخطيئة, وهرب من العقوبة ابتغاء الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك([106])0 قال سهل بن عبدالله: من دَقَّ الصراط عليه في الدنيا عَرُضَ عليه في الآخرة, ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق عليه في الآخرة([107])

وقد ترك ابن سيرين أربعين ألفاً, فيما لا ترون به اليوم بأساً([108]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء!؟

قال العباس بن سهم: إن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن, فرفعت يديها من العجين وقالت: هذا الطعام قد صار لنا فيه شريك([109]).

تعني أنها ذهبت في ذلك إلى أمر الورثة ومن له حق في هذا المال!!

وعن ميمونة بنت مذعور قالت: نزل مُورق العجلي على غلام لامرأته يقال له: صغدي, فأتاه ببيض قد طبخه في قدر نحاس, فقال مورق: أنَّى لك هذه القدر يا صغدي؟ قال: رهن عندي, قال: ارفع عني بيضك, وأبى أن يأكل, وكره أن يستعمل الرهن([110]).

عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: لأن يمتلئ منخراي من ريح جيفة, أحب إلي من أن يمتلئا من ريح امرأة([111])

ومن ذلك ما روى بعضهم أنه كان عند محتضر, فمات ليلاً فقال: أطفئوا السراج؛ قد حدث للورثة حق في الدهن.

وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت: كان عمر- رضي الله عنه - يدفع إلى امرأته طيباً من طيب المسلمين لتبيعه, فباعتني طيباً فجعلت تقوّم وتزيد وتنقص وتكسر بأسنانها, فتعلَّق بأصبعها شيء منه,

فقالت به هكذا بأصابعها، ثم مسحت به خمارها فدخل عمر - رضي الله عنه - فقال: ما هذه الرائحة؟ فأخبرته فقال: طيب المسلمين تأخذينه فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرّة من الماء فجعل يصب على الخمار ثم يدلكه في التراب ثم يشمه، ثم يصب الماء ثم يدلكه في التراب ويشمه حتى لم يبق له ريح، قالت: ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت علق منه شيء بأصابعها، فأدخلت أصابعها في فيها ثم مسحت به التراب. فهذا من عمر - رضي الله عنه - ورع التقوى، لخوف أداء ذلك إلى غيره، وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطيب إلى المسلمين، ولكن أتلفه عليها زجراً وردعاً واتقاء من أن يتعدّى الأمر إلى غيره([112]).

وكان أحمد بن حنبل إذا نظر إلى نصراني غمَّض عينيه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أقدر أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه([113]).

أَلاَ إنمَّا التَّقوى هو العزُّ والكرمْ

وحُبُّكَ للدُّنيا هُو الذُّلُّ والعْدم

وليْسَ على عبدٍ تقىًّ نقيصةٌ

إذا صحَّح التقوى وإن حاك أو حجم([114])

 قال رجل للإمام أحمد بن حنبل: إني أُدعى أغسل الميت في يوم بارد فيفضل من الماء الحار, ترى أن أتوضأ منه؟ قال: لا , ذاك قد أُسخن بكلفة (كأنه ذهب إلى أمر الورثة).

وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث, فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟ فقال: لا , بل يستأذن ثم يكتب. وهذا أيضاً قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا؟ فما هو في محل الشك والأصل تحريمه فهو حرام, وتركه من الدرجة الأولى([115]).

قال ابن الجوزي: أمكنني تحصيل شيء من الدنيا نوع من أنواع الرخص. فكنت كلما حصل شيء منه فاتني من قلبي شيء, وكلما استنارت لي طريق التحصيل, تجدد في قلبي ظلمة.

فقلت: يا نفس السوء, الإثم حواز القلوب, وقد قال: "استفت قلبك", فلا خير في الدنيا كلها إذا كان في القلب من تحصيلها شيء أوجب نوعَ كَدرٍ.

وإن الجنة لو حصلت بسبب يقدح في الدين أو في المعاملة ما لذَّت, والنوم على المزابل مع سلامة القلب من الكدر ألذُّ من تَكِات الملوك.

ومازلت أغلب نفسي تارة وتغلبني أخرى, ثم تدَّعي الحاجة إلى تحصيل ما لابد لها منه, وتقول: فما أتعدى في الكسب المباح في الظاهر.

فقلت لها: أوليس الورع يمنع من هذا؟ قالت: بلى. قلت: أليست القسوة في القلب تحصل به ؟ قالت بلى. قلت: فلا خير لك في شيء هذا ثمرته.

فخلوت يوماً بنفسي, فقلت لها: ويحك: اسمعي أحدثك: إن جمعت شيئاً من الدنيا من وجه فيه شبهة أفأنت على يقين من إنفاقه؟

قالت: لا.

قلت: فالمحنة أن يحظى به الغير, ولا تنالين إلا الكدر العاجل, والوزرَ الذي لا يؤمن.

ويحك! اتركي هذا الذي يمنع من الورع لأجل الله, فعامليه بتركه. وكأنك لا تريدين أن لا تتركي إلاَّ ما هو محرم فقط, أو ما لا يصح وجهه.

أو ما سمعت أن "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه"؟ أما لك عبرة في أقوام جمعوا فحازه سواهم, وأمَّلوا فما بلغوا مناهم؟

كم من عالم جمع كتباً كثيرة ما انتفع بها! وكم من منتفع ما عنده عشرة أجزاء! وكم من طيب العيش لا يملك دينارين! وكم من ذي قناطير منغَّص!.

أما لك فطنة تتلمح أحوال من يترخص من وجه فيسلب منه من أوجه؟

ربما نزل المرض بصاحب الدار, أو ببعض من فيها , فأنفق في سنته أضعاف ما ترخص في كسبه, والمتّقِي معافىً.

فضجت النفس من لومي, وقالت: إذا لم أتعدَّ واجب الشرع فما الذي تريد مني؟

فقلت لها: أضِنُّ بك عن الغَبَن, وأنت أعرف بباطن أمرك.

قالت: فقل لي ما أصنع. قلت: عليك بالمراقبة لمن يراك, ومثَّلي نفسك بحضرة معظَّم من الخلق, فإنك بين يدي الملك الأعظم , يرى من باطنك ما لا يراه المعظمون من ظاهرك.

فخذي بالأحوط, واحذري من الترخُّص في بيع اليقين والتقوى بعاجل الهوى.

فإن ضاق الطبع مما تلقين, فقولي له: مهلاً , فما انقضت مدة الإشارة. والله مرشدك إلى التحقيق , ومعينك بالتوفيق([116]).

سأل رجل وكيعاً عن المكاسب فضيَّقها عليه فقال: يا أبا سفيان! من أين نأكل ؟ قال كُلْ من رزق الله, وارجُ عفو الله.

والله عز وجل أحل الطيبات وحرم الخبائث كما قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾([117])

والأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم وهذا منَّة من الله عز وجل على عباده. قال الحسن: إن هذه المكاسب قد فسدت, فخذوا منها القوت, أي شبه المضطر([118])0

قال أبو العباس بن عطاء: تولَّد ورع المتورعين من ذكر الذّرَّ والخردلة, وإن ربًّا يحاسب على اللحظة والهمزة واللمزة لمستقص في المحاسبة, وأشد منه أن يحاسبه على مقادير الذرة وأوزان الخردلة, ومن يكن هكذا حسابه لحريٌ أن يُتقى([119])0

وتأمل أخي المسلم في واقعة عجيبة وفهم ثاقب ورؤية للآخرة بمنظار التقوى والورع!

خطب رجل إلى الحسن فكأن السفير بينهما قد رضيه , فذهب يوماً السفير يثني عليه بين يدي الحسن,

فقال: يا أبا سعيد, وأزيدك أن له خمسين ألف درهم, قال: له خمسون ألفاً!! ما اجتمعت من حلال, قلت: يا أبا سعيد: إنه كما علمت ورع مسلم, قال: إن كان جمعها من حلال فقد ضنّ بها عن حق, لا والله لا جرى بيننا وبينه صهر أبداً([120]).

قالت عائشة رضي الله عنها: إن الناس قد ضيعوا أعظم دينهم الورع([121]).

قال سعد بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي قال: كنت أنا و سفيان الثوري في المسجد الحرام, قال: فكوَّم كومةً من حصباء, ثم اتكأ عليها, ثم قال: يا أبا إسحاق! هذا خير من أرضيهم.

وعندما أعطى ابن هبيرة محمد بن سيرين ثلاث عطيات, أبى أن يقبل.

قال قتادة: كان معيقيب - رضي الله عنه - على بيت مال عمر - رضي الله عنه - فكنس بيت المال يوماً فوجد فيه درهماً , فدفعه إلى ابن لعمر, قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي, فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني, فجئت فإذا الدرهم في يده فقال لي: ويحك يا معيقيب! أَوَجَدت عليَّ في نفسك شيئاً؟! قال: قلت: ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: أردت أن تخاصمني أمةُ محمد- صلى الله عليه وسلم - في هذا الدرهم([122]).

وانظر إلى من ابتلاهم الله عز وجل بأموال المسلمين كيف هم وإياها؟ والناس في هذا الأمر بين مُقَّل ومستكثر وأمامهم الحساب الشديد والإحصاء الدقيق!

* قال وهيب بن الورد: من لم يكن فيه ثلاث فلا يعتد بعمله شيئاً: ورع يحجزه عما حرم الله, وحلم يكف به السفيه, وخلق يداري به الناس([123]).

وقال أبو سنان إن عمر بن عبدالعزيز كان يُسخَّن له الماء في مطبخه, فقال لصاحب المطبخ: أين يسخن هذا الماء؟ قال: في المطبخ , قال: انظر منذ كم تسخنه في المطبخ فأخبرني به؟ قال: منذ كذا وكذا, قال: انظر ما ثمن ذلك الحطب, قال: كذا وكذا, فأخذه عمر فألقاه في بيت المال([124]).

قال الحكم بن الأعرج: إن رجلاً قَدِمَ بساجٍ له فساومه به زياد فلم يبعه منه, فغصبه إياه, فبنى به ظُلَّةً في المسجد, قال: فما رُئي أبو بكرة يصلي فيه حتى هُدم([125]).

ودخل ابن محيرز على رجل من البزازين يشتري منه ثوباً, فقال له رجل: أتعرف هذا؟ هذا ابن محيرز, فقام وقال: إنما جئنا نشتري بدراهمنا ليس بديننا([126])

وكثير هم الذين اشتروا اليوم بدينهم! حتى أصبح العلم لبَوَس كل جاهل ومتعالم!

·   قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: كنت مع أبي يوماً من الأيام في المنزل , فدق الباب قال لي: اخرج, فانظر من بالباب , قال: فخرجت فإذا امرأة, قالت لي: استأذن لي على أبي عبدالله, تعني أباه, قال فاستأذنته, فقال: أدخلها, فدخلت فجلست, فسلمت عليه , وقالت له: يا أبا عبدالله, أنا امرأة أغزل بالليل في السراج فربما طفئ السراج فأغزل في القمر, فعليَّ أن أبين غزل القمر من غزل السراج؟ قال: فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيَّني ذلك, قال: قالت له: يا أبا عبدالله, أنين المريض شكوى؟ قال: أرجو أن لا يكون شكوى, ولكنه اشتكاه إلى الله, قال فودعته وخرجت. قال فقال لي: يا بني, ما سمعت قط إنساناً يسأل عن مثل هذا , اتبع هذه المرأة, فانظر أين تدخل؟ قال: فتبعتها, فإذا هي قد دخلت إلى بيت بشر بن الحارث وإذا هي أخته, قال: فرجعت, فقلت له فقال: مُحالٌ أن تكون مثل هذه إلا أخت بشر([127])

والورع الذي نجول في أطرافه ونسمع عجائبه وحكايته.. إمام الزهد والورع يقول تورعاً.. لا أعرفه! قيل للإمام أحمد بن حنبل: هل للورع حَدٌّ يعرف؟ فتبسم وقال: ما أعرفه([128]).

وإذا أردت أن تعرف الورع من نفسك فعليك بقول الفقيه السمرقندي: علامة الورع أن يرى عشرة أشياء فريضة على نفسه:

أولها: حفظ اللسان عن الغيبة, لقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾([129]).

والثاني: الاجتناب عن سوء الظن, لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾([130]) ولقوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والظن فإنه أكذب الحديث".

والثالث: الاجتناب عن السخرية, لقوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا﴾([131])

والرابع: غضُّ البصر عن المحارم, لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾([132])

والخامس: صدق اللسان, لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ ([133])

والسادس: أن يعرف نعمة الله على نفسه لكي لا يُعجب بنفسه, لقوله تعالى: ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([134])

والسابع: أن ينفق ماله في الحق ولا ينفقه في الباطل, لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يعني لم ينفقوا في المعصية ولم يمنعوا من الطاعة, ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾([135])أى عدلاً.

والثامن: أن لا يطلب لنفسه العلو والكبر, لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾([136]).

والتاسع: المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها بركوعها وسجودها, لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾([137]).

والعاشر: الاستقامة على السنة والجماعة, لقوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([138])،([139])

قال أبو الحسين الزنجاني: من كان رأس ماله التقوى كلّت الألسن عن وصف ربحه([140]).

قال الحسن: أبَى قومٌ المداومة, والله ما المؤمن بالذي يعمل شهراً أو شهرين أو عاماً أو عامين, لا والله ما جُعل لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت([141])

أخي المسلم:

مررنا على صور عجيبة من صور الورع والبعد عن الحرام فقرَّت الأنفسُ وهنأت الصدور بهذا الامتثال العجيب والرغبة فيما عند الله عز وجل.. ويبقى بعد ذلك اقتفاء الأثر والسير على خطى الصالحين مستهدين بالآية والحديث حتى نحطَّ الرحال, ويسهل الحساب. جعلني الله وإياكم ممن يتبعون الحق ويهتدون به, وأعاننا على أنفسنا, وثبت أقدامنا حتى نلقاه, اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأزواجنا وأحبابنا والمؤمنين أجمعين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



([1]) سورة المؤمنون، الآية: 51.

([2]) سورة المدثر، الآية: 4.

([3]) مدارج السالكين، ص 21.

([4]) متفق عليه.

([5]) رواه الترمذي

([6]) رواه البزار والحاكم وصححه الألباني.

([7]) رواه الترمذي

([8]) رواه الترمذي وأحمد.

([9]) متفق عليه.

([10]) مجموع الفتاوى 29/315.

([11]) مدارج السالكين، ص 29.

([12]) مجموع الفتاوى 10/619.

([13]) مجمع الفتاوى 10/615.

([14]) الزهد الكبير للبيهقي، ص 310.

([15]) الزهد الكبير للبيهقي، ص 310.

([16]) الزهد للبيهقي، ص 319.

([17]) صفة الصفوة 1/251.

([18]) تنبيه الغافلين، ص 245.

([19]) الزهد للإمام أحمد، ص 263.

([20]) الزهد للإمام أحمد، ص 343.

([21]) مدارج السالكين، ص 21.

([22]) مدارج السالكين، ص 22.

([23]) مدارج السالكين، ص 23.

([24]) الإحياء 2/103.

([25]) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.

([26]) الزهد للبيهقي، ص 335.

([27]) مدارج السالكين، ص 23.

([28]) تنبيه الغافلين، ص 244.

([29]) جامع العلوم والحكم، ص 131.

([30]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 117.

([31]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 119.

([32]) جامع العلوم والحكم، ص 10.

([33]) الفوائد، 71.

([34]) جامع العلوم والحكم، ص 131.

([35]) جامع العلوم والحكم، ص 90.

([36]) الإحياء 2/108.

([37]) السير 5/74.

([38]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 117.

([39]) الإحياء 2/103.

([40]) وفيات الأعيان 6/165.

([41]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 121.

([42]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 57.

([43]) صفة الصفوة، ص 183.

([44]) رواه البخاري.

([45]) سورة يونس، الآية: 23.

([46]) سورة فاطر، الآية: 43.

([47]) سورة الفتح، الآية: 10.

([48]) تنبيه الغافلين، ص 245.

([49]) صفة الصفوة 3/320.

([50]) السير 2/246.

([51]) الإحياء 2/110.

([52]) الفوائد، ص 71.

([53]) السير 6/198.

([54]) تنبيه الغافلين، ص 244.

([55]) سورة يوسف، الآية: 70.

([56]) سورة يوسف، الآية: 73.

([57]) صيد الخاطر، 233.

([58]) الورع للإمام أحمد بن حنبل، ص 42.

([59]) الكبائر للذهبي، ص 121.

([60]) الورع للإمام أحمد بن حنبل، ص 291.

([61]) حلية الأولياء 2/167.

([62]) السير 11/ 300.

([63]) السير 8/499.

([64]) رواه أحمد وابن حبان.

([65]) رواه البخاري.

([66]) الإحياء 2/109.

([67]) الورع للإمام أحمد، ص 85.

([68]) البداية والنهاية 10/338.

([69]) الورع لابن أبي الدنيا ص 106.

([70]) متفق عليه.

([71]) صفة الصفوة 4/145.

([72]) الورع للإمام أحمد، ص 31.

([73]) سورة الكهف، الآية: 49.

([74]) مكاشفة القلوب، ص 329.

([75]) صفة الصفوة 3/147.

([76]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 126.

([77]) جامع العلوم والحكم ص 132.

([78]) حلية الأولياء 3/87.

([79]) الزهد للبيهقي، ص 324.

([80]) رواه أحمد والترمذي.

([81]) مقدمة الفتح، ص 480.

([82]) السير 2/10.

([83]) الإحياء 1/39.

([84]) السير 8/77.

([85]) صفة الصفوة 2/179.

([86]) حلية الأولياء 2/264.

([87]) السير 5/416.

([88]) الإحياء 1/85.

([89]) الزهد للإمام أحمد، ص 184.

([90]) سورة الشعراء، الآيتان: 88، 89.

([91]) جامع العلوم والحكم، ص 91 بتصرف يسير.

([92]) الفوائد، ص 71.

([93]) جامع العلوم والحكم، ص 131.

([94]) تزكية النفوس، ص 20.

([95]) السير 4/69.

([96]) البداية والنهاية 90/308.

([97]) الفوائد، ص 71.

([98]) الإحياء 2/109.

([99]) البداية والنهاية 7/ 148.

([100]) السير، ص 467.

([101]) شرح رياض الصالحين 7/ 8.

([102]) صفة الصفوة 4/136.

([103]) تذكرة الحفاظ 4/1219.

([104]) الورع لعبد الله بن حنبل، ص 140.

([105]) الزهر الفائح، ص 69.

([106]) الزهد الكبير للبيهقي 2/65.

([107]) صفة الصفوة 4/64.

([108]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 120.

([109]) الورع لابن أبي الدنيا، ص99.

([110]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 125.

([111]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 74.

([112]) الإحياء 2/109.

([113]) طبقات الحنابلة 1/12.

([114]) ديوان أبي العتاهية، ص 348.

([115]) الإحياء 2/109.

([116]) صيد الخاطر، ص 215.

([117]) سورة الأعراف، الآية: 157.

([118]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 118.

([119]) الزهد الكبير للبيهقي، ص 315.

([120]) حلية الأولياء 2/ 151.

([121]) الزهد للإمام أحمد، ص 297.

([122]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 126.

([123]) الزهد الكبير للبيهقي، ص 310.

([124]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 124.

([125]) الورع لابن أبي الدنيا، ص 125.

([126]) حلية الأولياء 5/138.

([127]) طبقات الحنابلة، ص 427.

([128]) الورع لأحمد بن حنبل، ص 4.

([129]) سورة الحجرات، الآية: 12.

([130]) سورة الحجرات، الآية: 12.

([131]) سورة الحجرات، الآية: 11.

([132]) سورة النور، الآية: 30.

([133]) سورة الأنعام، الآية: 152.

([134]) سورة الحجرات، الآية: 17.

([135]) سورة الفرقان، الآية: 67.

([136]) سورة القصص، الآية: 83.

([137]) سورة البقرة، الآية: 238.

([138]) سورة الأنعام، الآية: 153.

([139]) تنبيه الغافلين، ص 45.

([140]) الزهد للبيهقي، ص 335.

([141]) الزهد للإمام أحمد، ص 385.