لا يا أُخية

القسم العلمي بدار ابن خزيمة


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

 تعيش الفتاة المسلمة – لا سيما في فترة المراهقة – لحظات ولادة جديدة في الحياة.. فهي مرحلة تتسم بتطورات وتغيرات جذرية تشمل النمو الجسمي والنواحي النفسية والفكرية عند كل فتاة.

وهذا التحول الذي يتزامن مع فترة المراهقة يعد منعطفًا تتشكل فيه شخصية المرأة وتتشبع في تشكلها بما يحيط بها من مؤثرات نفسية واجتماعية واقتصادية ومن هنا كان لعنصر التوجيه السليم دورًا مهمًا في التعالي بشخصية كل فتاة نحو السمو والشموخ. فهي في مراحل الشباب الأولى أحوج ما تكون إلى الرعاية والنصيحة والحرص والمتابعة وتوجيه طاقاتها الجديدة إلى ما يعود عليها وعلى أمتها جميعًا بالنفع والصلاح.

وإذا كان الميل لتحقيق رغبات النفس طبعًا في الإنسان – أي إنسان – فإنه يكون أشد ما يكون في مستهل فترة الشباب، ففي هذه المرحلة بالذات يقوى الإصرار على تحقيق نزوات النفس، وتتولد حالة من الإحساس باستقلال الرأي في نفس كل شاب وشابة ويتأجج جموح الشهوة في القلب، مما يستدعي وعيًا عميقًا وفهمًا دقيقًا لدى كل ساهر على تربية أبنائه؛ لطبيعة هذه المرحلة الحرجة من عمر الإنسان، وكذلك لدى كل شابة تتطلع إلى طريق الاستقامة والعفاف.

أختـاه.. لكي تحفظي لحظات شبابك الذهبية.. ولكي تظل صفحات عرضك نقية.. ولكي تركبي قوارب النجاة في صراع الحياة.

أقترح عليك قراءة هذه الورقات.. قراءة بعين التأمل والتدبر.. والتذكر والتفكر لعلها تدلك على طريق آمان.. يوصلك إلى السعادة والاطمئنان.

 لا.. يا أخية.. ردي الحجاب

أختـاه.. أنت نور تسلل من خراب.. ليختزل الدنيا في كلمتين: أنا الحجاب.

ولؤلؤة تجلي بإشراقتها الضباب.. فردي الحجاب.

فأنت أشرف من أن تراك عيون الفساق.. وأغلى من أن ينهشك ذئاب الأسواق.. فلا تفتحي باب الشر بسحب الحجاب.. فتغبني يوم التغابن.. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 29، 30].

لا تحسبي التساهل في الحجاب هينًا، بل هو عصيان وفسوق، ومخالفة وعقوق، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59].

فإسقاط الخمار.. وإبداء الزينة للأنظار.. وكسر الحياء بفتح العباءة من أمام ومن وراء.. كله بداية هتك للحجاب.. ومنطلق لنزول العذاب من المليك المقتدر.. لأن أول السيل قطر ثم ينهمر.. ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].

أختـاه.. لا أظنك تجهلين في الحجاب شروطه.. لأنك وإن لم تتعلميها في الكتب، فهي دفينة في أعماقك تلامس فطرتك وأواقك.. فالحياء ذوق والحجاب حياء.

إذا لم تخشَ عاقبة الليالي

ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ

فلا- والله- ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ

ولا بأس بالتذكير, فإن الذكرى تنفع المؤمنين:

 وشروط الحجاب الشرعي ثمانية:

1- أن يستر بدن المرأة كله.

2- أن لا يكون زينة في نفسه.

3- أن يكون فضفاضًا غير ضيق.

4- أن لا يكون مطيبًا ولا مبخرًا.

5- أن لا يشبه لباس الكافرات.

6- أن لا يشبه لباس الرجل.

7- أن لا يكون لباس شهرة.

8- أن يكون صفيقًا غير شفاف.

فهي شروط ثابتة بالكتاب والسنة وآثار سلف الأمة ([1]).

أخية.. لا تحسبي التبرج هو العري الصارخ.. وكشف الزينة الفاضح..

فكل لباس تلبسينه في غير أهلك ولا يصدق عليه مسمى الحجاب الشرعي، بشروطه وأوصافه هو تبرج وفسوق.

وما فتح العباءات في الطرقات.. وكشف الوجوه وتجسيم الأكتاف، إلا مظاهر التبرج الجديد في صورة حجاب جدد.

وتأملي قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ فهو أمر بمخالفة ما عليه نساء الجاهلية.. فكيف كان لباسهن؟

قال العلامة أبو حيان رحمه الله: «كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة مكشوفتي الوجه في درع وخمار».

وقال أيضًا: «الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه»([2]).

فما أشبه اليوم بالبارحة..! فتأملي.

وما نراه اليوم من التهاون في الاستتار بالحجاب.. وتركه للريح يعبث بها أمام أنظار الأجانب هو تبرج جاهلي.. له سلفه من متبرجات الجاهلية.

قال الفراء: «كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من وراءها، وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار»([3]).

وتأملي في أمرهن بالاستتار.. من كشف ما قدَّام المرأة.. وليس من كشف الذراع ولا الساقين.. لتعلم كل مؤمنة صادقة أن الحجاب أوسع في شموله من مجرد لبس العباءة على أي شكل وأي وصف.. إنه الستر بمعناه الواسع كما نص عليه الكتاب ودلت عليه السنة وسار عليه الصحابيات والتابعيات من نساء السلف.

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الأجربِ

أختاه.. إياك أن تعبثي بثوب الحشمة والعفاف.. فهو شعار الأعراض.. والعبث به عبث بالعرض والشرف.

أذود عرضي بمالي لا أبدده

لا بارك الله بعد العرض في المال

ولقد كانت العرب أشد حرصًا على أعراضهم من أن تهتك، ولذا فإن دواوينهم قد سجلت من الأشعار ما يدلُّ على حياء نسائهم واحتجابهن عن أنظار الرجال.

فقد روي عن العربي أن النابغة (وهو أحد فحول الشعر الجاهلي) قد مرت به امرأة النعمان المسماة: "المتجردة" في مجلس، فسقط نصيفها – أي برقعها – الذي كانت قد تقنعت به، فسترت وجهها بذراعيها، وانحنت على الأرض ترفع النصيف بيدها الأخرى فطلب النعمان من النابغة أن يصف هذه الحادث في قصيدة، فكان مطلعها:

أمن آل أمية رائح أو مغتدي

عجلان ذا زاد وغير مزود

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

فتناولته واتقتنا باليد ([4])

وقال أعرابيٌّ بعد أن ضاق ذرعًا بما يلبسه النساء من البراقع في الجاهلية:

جزى الله البراقع من ثياب

عن الفتيان شرًا ما بقينا

يوارين الحسان فلا نراها

ويسترن القباح فتزدرينا

أخية.. فإذا كان الحجاب دأبًا للحريصات على العرض والشرف.. منذ الجاهلية.. أليس جديرًا بكل أن تكوني من حراس الفضيلة والعرض.. في الإسلام.

فيكتب لك العز في الدنيا.. ولأجر في الآخرة, فتأملي.

فردي – أخية – خمارك.. والزمن حيائك.. وقري في دارك.. ولا تبيعي نفسك رخيصة للفساق.. في الطرقات.. وعلى عتبات الأسواق.

وهذه حرب الفجار تنشب بين قريش وهوازن بسبب تعرض شباب من كنانة لامرأة من غمار الناس، راودها على كشف وجهها، فنادت «يا آل عامر! فلبها سيوف بني عامر»([5]).

 لا يا أخية.. فالهاتف خاطف.

فكم خطف من بريئات!.. وكم دمر من فتيات! وكم جر على الغافلات من ويلات! حتى أصبحت وقائعه المشينة قصصًا تروى.. وعجائبَ تحكى.. ولم يزل يحكيها السابق للاحق.. وكم ألقيت فيه من خطب وكتبت فيه الكتب والملاحق.

أختي المسلمة: ولا شك أنك تعرفين خطره.. وتدركين أثره.. لا سيما على الشباب في هذا الزمن العُجاب, ولا شك أنك سمعت من حوادثه المشينة.. ومن وقائعه الأليمة ما حملك عل الخوف من تلقف المكالمات.. واستقبال المعاكسات.. فضلاً عن اتخاذها ملهاة وتسليات.

فإن كنت لم تسمعي عن شر المكالمات الطائشة.. وما تسببه من دمار للأفراد والأسر.. فإليكم هذه القصة المحزنة:

تقول فتاة ممن سقطن في مصيدة المعاكسات:

أنا فتاة في الخامسة عشرة من عمري، كنت أعيش حياتي بشكل طبيعي، سواء الأسرية أو الاجتماعية أو المدرسية، وقد تجاوزت المرحلة الابتدائية – ولله الحمد – بخير وسلام، ولم أتأثر بشيء كان يحصل آنذاك، وأظن أن السبب في ذلك هو صغر سني، وعدم فهمي للحياة على حقيقتها، فما بدأت حياة الضلال والتخبط والجهل إلا في المرحلة المتوسطة.. كنت أضل يومًا بعد يوم بشكل غير واضح، ودون أن أشعر بذلك. كانت البداية بعض المعاصي الصغيرة التي لا يعاقب عليها الشرع بشدة، إلى أن وقعت في ذنب كبير, أحسست بأن نفسي قد احترقت بسببه، وكانت الخطوة الأولى: مكالمة هاتفية من مجهول.

كنت تلك الليلة وحدي في غرفتي أذاكر دروسي.. أختي كانت نائمة، وأخي كان في مدينة أخرى، ووالدي غير موجود. أما والدتي فلم يكن همُّها إلا حضور المناسبات والحفلات والتجمعات النسائية، مما شغلها عن أمور بيتها ([6]).

المهم أنني كنت وحدي أذاكر دروسي في جو من الهدوء والسكينة والطمأنينة، وكنت حقًا أذاكر رغبة في طلب العلم، والله يعلم ما في نفسي.

وفجأة! رنَّ جرس الهاتف.. ولم يكن أمامي إلا أن أرد عليه، فليس في البيت غيري وأختي النائمة، فإذا بصوت ذئب من ذئاب البشر.. ينبعث من سماعة الهاتف يخاطبني بأرق عبارة.. لم أعتد على سماع تلك العبارات, لذا شعرت بشيء من الخوف والرهبة تسري في أوصالي، حتى لو كان غرض ذلك المتكلم شريفًا.

قال لي: أهذا بيت فلان؟

قلت: لا.. الرقم خطأ.. وهو يعلم أن الرقم خطأ.. حتى صارحني بذلك.. ثم طلب مني أن أكلمه.. فقتل له: وماذا تريد؟

قال: أريد التعرف عليك.

في البداية رفضت الأمر بشدة ([7]) فأنا لم أعتد مثل هذا النوع من المكالمات ولم أجربها من قبل.. مع أن بعض زميلاتي في المدرسة كن قد جربنها كثيرًا, حتى إني كنت أتحاشى الجلوس معهن، وما كنت أظن أنني في يوم من الأيام سأصبح واحدة منهن.. إحداهن كانت تدرس معي في نفس الفصل.. أخبرتها بالأمر طالبة المشورة – وبئس المستشار – فلم تتردد في تشجيعي في السير في ذلك الطريق بكل عزم وإصرار، لا سيما وأن هذا الأمر بالنسبة لها شيء هين، أما أنا فهو عندي شيء غريب لا أعرفه، ولم أجربه قط في حياتي.

والشيء الغريب الذي استغربته من نفسي هو: كيف أنني استمعت إلى نصائحها الشيطانية، مع أني أخاف هذا النوع من المكالمات الهاتفية خوفًا شديدًا.

حقًا إنه شيء غريب – لا أدري أين ذهب عقلي آنذاك – لقد نسيت مراقبة الله لي بل لقد نسيت نفسي حتى غاب عني الشعور بالخوف من الله، وزالت عني الرهبة من تلك المكالمات فأصبحت وكأنها شيء لا حرج فيه. أو كما صورته لي صديقتي أنها مجرد: لهو وتسلية، وتنفيس عن النفس.

ونسيت المصادر الأساسية الواجب تحكيمها: كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، كل ذلك غاب عني في تلك اللحظات. فقلت في نفسي: ولم لا أجرب ذلك.. فربما أجد فيه السعادة التي أبحث عنها..

وبالفعل بدأت علاقتي الهاتفية مع ذلك الشاب (الذئب) فكنت في كل صباح أنقل لزميلتي في المدرسة كل ما يجري بيني وبينه من أحاديث وأحداث فكانت تشجعني، وترشدني إلى بعض الأقوال والتصرفات، وأنا أنقل له على لساني ما كانت تقول لي، حتى إني بعد توبتي، وتذكري لتلك الأيام شعرت وكأني كنت كالبلهاء أسمع كلامها، أو كالخاتم في يدها تديره كيف شاءت.

وفي يوم من الأيام، وبينما كنت مشغولة بمكالمة ذلك الشيطان، إذ بأخي الأكبر الذي عاد من سفره يستمع إلى المكالمة بكل إنصات.. يا للفضيحة.. في تلك اللحظة شعرت أنني قد انتهيت فعلاً.. ذبْتُ خوفًا وخجلاً..

وبعد تلك الحادثة عزمت على التوبة النصوح وترك كل ما يخدش إسلامي وإيماني.

أختاه.. إذا كانت هذه الفتاة قد انتهت قصتها بفضيحة في بيتها مع أخيها.. فإن هناك فتيات جاوزت فضيحتهن البيوت.. فقد وقعن عن طريق المعاكسات في شباك اللقاءات الغرامية.. ووصل الحد ببعضهن إلى الفاحشة.. حيث رمين بعد قضاء الوطر.. وأصبحن عارًا على الأسرة والمجتمع فندمن حيث لا يقدم ندمهن ولا يؤخر شيئًا.

بيد العفاف أصون عز حجابي

وبعصمتي أعلو على أترابي

وبفكرة وقادة وقريحة

نقادة قد كملت آدابي

ما ضرني أدبي وحسنُ تعلمي

إلا بكون زهرة الألباب

ما عاقني خجلي عن العليا ولا

سدْلُ الخمار بلُمتي ونقابي

 لا يا أخية.. ففي الأسواق ذئاب.

لا شك أن السوق تجمع مشروع أقيم رعاية لمصالح العباد من البيع والشراء وقضاء الحوائج المتعلقة بهما ولا شك أيضًا أنه لا يخلو من الفتن والمغريات.. والملهيات والشطحات.. لأنه مضمار السباق على الدنيا.. ولذلك كان أبغض الأماكن إلى الله في الأرض. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أحب البلاد إلا الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» [رواه مسلم].

أختي المسلمة: ومن هنا كان التسوق المحمود هو ما روعيت فيه الآداب الواجبة على المرأة خارج بيتها، ولئن كان مطلوبًا منك الحرص على تلك الآداب عمومًا.. إلا أنها في الأسواق تكون أشد طلبًا من غيرها من الأماكن، لاسيما أسواق هذا العصر.

ولا يخفى – يا أخية – ما تخبئه الأسواق في أركانها من نوايا الفساق المتسكعين، وما تحمله عتباتها من نظرات الشباب الطائش.. وهم يتهافتون بكل وسيلة ماكرة للإيقاع ببنات المسلمين في شرك الرذيلة.

ومهما بذلت جهود الناصحين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وأهل الحسبة.. فلا بد أن نجد للشيطان أتباعًا في هذا المكان أو ذاك.

إن الرجال الناظرين إلى النساء

مثلُ السباع تطوف باللحمانِ

إن لم تَصُنْ تلك اللحومَ أسودُها

أُكِلَتْ بلا عوض ولا أثمانِ

أخية.. فإذا عزمت على الذهاب إلى السوق لحاجة ملحة وضرورة قاطعة.. فلا بأس بذلك على أن يكون خروجك ذاك مشروطًا بجملة من الآداب وأهمها:

1- أن تستأذني ولي أمرك, سواء والديك أو زوجك ويكون الشأن في حق الزوج أوجب وأوكد لدلالة النصوص على ذلك ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34].

2- أن يصحبك أحد محارمك؛ فلا يجوز لك الخلوة بالسائق لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» إلا أن تكون معك امرأة أخرى أو رجل آخر، ولم يكن هناك ريبة، ولأن وجود المحرم يدفع المكروه المتوقع في الأسواق.

3- أن تلتزمي بالحجاب والحشمة، فلا تخضعي بالقول مع البائع وغيره، ولا تغنجي في العبارات، وترققي في الكلمات فإن ذلك فتنة أي فتنة وربما أعطيت بذلك مجالاً للبائع أن يتجاوز حدود البيع والشراء.

يا قوم أذْني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانًا

قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].

4- تجنبي الاختلاط بالرجال داخل المحلات.. وفي قارعة الطرقات.. واحذري إذا ألقي إليك أحد بكلمة أن تجيبيه.. أو رمى لك ورقًا أن تلتقطيه.. فإنها أساليب مكشوفة تصطاد الغافلات اللاهيات.. والحرة من تحفظ عرضها ولا تستجيب للحماقات.

ولقد صدق الشاعر حين قال:

نظرة فابتسامة فسلام

فكلام فموعد فلقاء

أخية.. تذكري أن الأسواق هي منطلق الانحراف، فكلما كنت منها أبعد أمنت شرها وما انطوت عليه من صور الفتن، واعلمي أن قرارك في البيت هو الأصل الأصيل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.

 لا يا أخية.. فالصاحب ساحب.

فكم أهلك رفقاء السوء من نفوس طيبة.. وكم أفسدوا من فتاة مهذبة.. وكم زينوا للبريئة طريق الضلال والفساد حتى صارت به معجبة.

ولا عجب في ذلك فقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  أثر رفقاء السوء فقال: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة» [رواه البخاري ومسلم].

أختي المسلمة: فانظري إلي من ترافقين.. وتأملي فيمن تجالسين.

الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم

لا يستوون كما لا يستوي الشجر

هذا له ثمر حلو مذاقته

وذاك ليس له طعم ولا ثمر

فإن كانت رفقتك رفقة الخير والصلاح فهنيئًا لك بمن ترافقين, وإن كانت رفقة غَيٍّ وضلال.. فتذكري أنك عما قريب ستندمين.

لا تصحب أخا الجهـ

ـل فإياك وإياه

فكم من جاهل أردى

حليمًا حتى يغشاهُ

يقاس المرء بالمرء

إذا هو ماشاهُ

وللشيء على الشيء

مقاييس وأشباهُ

وللقلب على القلب

دليل حين يلقاه

والسر في ذلك أنك – أختي المسلمة – مرافقتك للساقطات, لابد ستقعين في شراكهن، إن لم يكن اليوم فغدًا وإن لم يكن غدًا فبعد غد.. وهكذا.

لأن طباع الإنسان تميل إلى من عاشرها.. لا سيما إذا كان المعاشر فنانًا في تزيين الرذائل وإظهارها بمظهر الفوائد وربما الفضائل.

ولا تجلس إلى أهل الدنايا

فإن خلائق السفهاء تعدي

فأخلاق رفيقات السوء كالجرب.. تسري في الأجساد من أول ملامسة.

قال أحد السلف عن رفقاء السوء: يخونون من رافقهم.. ويفسدون من صادقهم.. قربهم أعدى من الجرب.. والبعد عنهم من استكمال الدين.. والمرء يُعرف بقرينه.

أنت في الناس تقاس

بمن اخترت خليلاً

فاصحب الأخيار تعلُ

وتنلْ ذكرًا جميلاً

ولهذا قال المأمون: الإخوان ثلاثة:

أحدهم: مثله مثل الغذاء لا يستغني عنه.

والثاني: مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت.

والآخر: مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط.. ولكن العبد قد يبتلى به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع.

أختاه.. فاحذري من رفقاء السوء.. فإنهم سبب للضياع والدمار.. وضياع الأوقات والأعمار فكم من فتاة بريئة أوقعوها في شباك الخطيئة.. وأنزلوا بساحها العار.

وكم من فتاة أوقعوها في حبائل المخدرات، فافتضح أمرها وأذلَّها أهلُها.

وكم من فتاة عرضوا عليها قبائح الأعمال فلما رفضت مكروا ودبروا لها المصائب في بيتها بما يعلمون عنها من أسرار سالفة.

وكم... وكم... فاحذري- أخية- مغبة مرافقة الأسرار.. فهي طريق الهلاك والنار.

وحدة الإنسان خير

من جلوس السوء عنده

وجليس الصدق خير

من جلوس المرء وحده

ولذلك فقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  حين قال: «المرء على دين خليله, فلينظر أحدكم من يخالل» [رواه أبو داود والترمذي].

وإذا وجدت رفيقة الفضيلة فاحرصي عليها، فهي عملة نادرة يعز وجودها في هذه الأزمان.

قال علي بن أبي طالب t: «عليكم بالإخوان, فإنهم عدة في الدنيا والآخرة.. ألا تسمعوا قول أهل النار ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100، 101].

وإذا بحثت عن التقي وجدته

رجلاً يصدق قوله بفعالِ

وإذا اتقى الله امرؤ وأطاعه

فيداه بين مكارم ومعالِ

وعلى التقي إذا تراسخ في التقى

تاجان: تاج سكينة وجمالِ

وإذا تناسبت الرجال فما أرى

نسبًا يكون كصالح الأعمالِ

 لا يا أخية.. فللمجالس آداب

أختي المسلمة:

تذكري أن المقصود من المجالس هو التزوج من الخير والفضائل، وتحقيق صلة الأرحام والتزاور في الله جل وعلا وغيرها من الأهداف السامية التي شرعها الإسلام وأقرها كالتربية والتعليم والتشاور والاهتمام بأمور المسلمين.

ولذلك فإن المجالس نوعان:

مجالس طاعة وفضيلة. ومجال حسرة ورذيلة.

فأما مجالس الطاعة والفضيلة: فهي مجالس الذكر والهدى، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» [رواه مسلم].

فمثل هذه المجالس هي مجالس زيادة الإيمان والاطمئنان، وتحصيل الأجر والحسنات، والاستزادة من الصلاح والقربات ويلحق بذلك مجالس صلة الأرحام، والتزاور في الله، والمشاورة والمذاكرة في ما يهم المسلمين, فكلها دلت النصوص على استحبابها ووجوبها أحيانًا، وكلها من البر والتقوى الذي أمر الله به فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

وأما مجالس الحسرة والرذيلة: فهو كل مجلس خلا من طاعة الله، واجتمع فيه على المعصية والفسوق، ففي الحديث: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله، ولم يصلوا على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ، إلا كان مجلس عليهم ترة يوم القيامة، إن شاء عفا عنهم وإن شاء أخذهم» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

فمجرد التغافل عن ذكر الله في المجلس يكون سببًا للحسرة يوم القيامة، فكيف إذا تخلل المجلس معصية الله والخروج عن طاعته.

أختي المسلمة:

فاحذري حفظك الله أن تحضري مجالس السوء حيث الغيبة والنميمة، وفضح الأسرار، وكشف العورات، ففي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  «... رجلين يتكلمان في عرض رجل ثالث، فمضى عليه الصلاة والسلام، ومضى أصحابه معه حتى وقف على جيفة حمار، فلما أن رآها قال: أين فلان وفلان؟» قالوا: ها نحن يا رسول الله من ذا الذي يأكل منها؟ قال: «أما والله إن ما نلتما من صاحبكما قبل قليل هو أشد من أكل هذه الجيفة» [رواه البخاري].

فإياك – أن تضيعي حسناتك في القيل والقال.. وهتك الأعراض وتتبع العورات كما في الحديث: «يأتي أناس يوم القيامة لهم أمثال جبال تهامة بيضاء من الحسنات يجعلها الله هباء منثورًا» قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «يأتي أحدهم وقد سفك دم هذا، ونهش عرض هذا وتكلم في هذا» [رواه ابن ماجه وهو صحيح].

فاحفظ لسانك واحترس من لفظه

فالمرء بسلم باللسان ويعطب

وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن

ثرثارًا في كل ناد تخطب

والسر فاكتمه لا تنطق به

فهو الأسير لديك إذ لا ينشب

واحذري – أختي المسلمة – من حضور مجالس اللهو والغناء، فهي موجبة لسخط الله وغضبه، لاسيما وهي ملهاة عن الصلاة، مضيعة للأوقات، مغبنة يوم لقاء رب الأرض والسماوات.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



([1]) انظري كتاب «لا جديد في الحجاب» فقد اشتمل على أدلة شروط الحجاب، (طبعة دار ابن خزيمة).

([2]) البحر المحيط 7/250.

([3]) فتح الباري للحافظ ابن حجر 8/490.

([4]) الإسلام وتيارات الجاهلية لآدم عبد الله الألوري ص(151-152).

([5]) المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها لعبد الله عفيفي (1/28).

([6]) وهذا من التفريط الواضح في مسؤولية التربية. وكثيرًا ما يكون هو منبع المشكلات الأخلاقية والأزمات النفسية لدى الشباب, كما سبق الإشارة إليه في مقدمة هذا الكتاب.

([7]) وليس كذلك يكون الرفض بشدة.. وإنما كان الواجب على هذه الفتاة البريئة أن تغلق سماعة الهاتف خوفًا على نفسها من الفتنة وقطعًا لدابر الشر. وأما وهي مستمرة في الكلام مع ذلك الفاسق الساقط، ففي ذلك دلالة على التردد في حسم المسألة, ولو أغلقت في وجهه السماعة بمجرد سماع نبرة صوته لما عاود الاتصال ثانية.