لصوص الحياة .. القنوات الفضائية وآثارها السلبية ()

 

|

  لصوص الحياة .. القنوات الفضائية وآثارها السلبية

أمل بنت زيد المنقور


بسم الله الرحمن الرحيم

لصوص الحياة

قالوا: لصوص!

إنهم يسرقون المال..!

البيوتات..!

الأفراد..!

لكن..

هل سبق وسمعتِ يا غاليةَ بـ«لصوص يَسرِقون الحياة»؟!

أجل.. الحياة!

وهل هناك شيءٌ ما هو أثمن من الحياة ؟!

إنهم «لصوصٌ» من نوعٍ خاص.

 يطرقون الأبواب..

 يسلبونك أغلى ما تملكين بإذن منك، لا خفية أو غيلة..!

قد أدركوا كيف يَصِلون، وبيدك أنت يا غالية – للأسف – كانت البداية..!

أجل أيتها الحبيبة:

هذه هي الحقيقة دون مواربة..!

حقيقة النهاية المؤلمة الدامية لا قدَّر الله لمشوار طويل، كانت البداية فيه تحمل هذا العنوان: «الفضائيات»!

إي وربِّي، ولست أبالغ ..!

فـ«لصوص الحياة» إنما يسرقونها بأيدينا، وبتعاونٍ منا عن طريق آلة الدمار هذه «الفضائيات»..

ولكي أنقل لك الحقيقة بلا رتوش إليك هذه الوقائع الأليمة:

• فتى يافع، عمره نحو 13 عامًا، تُرك ليتابع أفلام الكرتون المعروضة عبر إحدى القنوات الفضائية..

 يقول له الوالدان: لا تُغيِّر القناة، وانصرفا عنه..

ولكنَّ الفضول وحب كشف المجهول دفعا الفتى لأن يتنقل من قناة إلى أخرى؛ فشاهد أشياءَ غير لائقة، وكلما سنحت له فرصة للمشاهدة لم يبخل في استغلالها .. فماذا كانت النتيجة؟!

خللٌ في تصوراته عبَّر عنه بأسلوبه حين قال:

صرت أنظر لأيَّة امرأة أمامي وكأنها بدون ثياب، حتى أمي وأخواتي!

• أب في بيته طبق الاستقبال الفضائي «الدِّش»، يُفيق في ليلة من الليالي على صراخ إحدى بناته وهي تنادي طالبة النجدة، واعتقد الجميع أنَّ البيت قد دخله "لص"، ثم كانت الفاجعة المؤلمة:

صرخت الفتاة طالبة النجدة لأنَّ أخاها حاول الاعتداء عليها والعياذ بالله!!

• فتاةٌ من بيتٍ محافظ يُقبَض عليها بصحبة رجلٍ أجنبي قد اختلى بها، ولَمَّا سُئلت عن سبب فعلتها الشنيعة أخبرت بأنَّ أباها قد أحضر لها ذلك الجهاز الذي يُحرِّك الحجر قبل البشر وشاهدت ما فيه لتقبل على خوض غمار التجربة، ولتكون ضحيةً أخرى من ضحايا الفضائيات([1])..!

أرأيت يا غالية؟!

أو بعد ذلك أعجب أو تعجبين إن أسمينا من يَقِفُون وراء آلة الشر هذه بـ«لصوص الحياة»؟!

لا والله..

لا غرو!

فكم من فتاةٍ ضاعت حياتها بين قنوات هذه الفضائيات، فلا صلاة ولا عبادة، ولا معروف ولا طاعة، وإنما منكرات في وضح النهار أشربها قلب تلك المسكينة، فغدت تتخبط ذات اليمين وذات الشمال دون غاية أو هدف!

لا يا غالية..

 ليس لهذا خُلقنا، وليس في هذا يُنتظر مني ومنك أن نقضي حياتنا وأوقاتنا!

لا أيتها الحبيبة.

تعالي..

تعالي نرفعها عالية، صريحة:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

أجل يا ريحانة القلب.

أعلنيها حياةً لله، ولله فقط.

لا حظَّ فيها لا لإبليس ولا أعوانه من «لصوص الحياة»!

أيتها الغالية:

إنَّ العاقلة المدركة لتربأ بنفسها عن مواطن الزلل ومراتع الخلل، فكيف بك إن كانت هذه العاقلة المدركة واللبيبة المُلهمة مسلمة مؤمنة قد منَّ الله عليها بأن جعلها من أتباع النبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم -؟!

يقول الشافعي يرحمه الله:

«لو علمتُ أن الماء البارد يثلم مروءتي ما شربته إلاَّ حارًّا».

فكيف تراه يقول رحمه الله لو أبصر هذه "الفضائحيات" وقد رفعت أطباقها "السوداء" فوق بيوت أهل القبلة؟!

أصبحت الأكثرية من نساءنا وفتياتنا - إلاَّ من رحم ربي- يلهثن وراء غناء الغرب الكافر، بل ويأخذنه بحذافيره!

أصبحت الأكثرية منهنَّ - إلاَّ من رحم ربِّي- يؤمنَّ بأنَّ وضع طبق "فضائي" فوق المنـزل إنما هو من أمارات التقدم وعلامات التمدُّن والتحضر...!!

بل أصبحت الأكثرية - إلاَّ من رحم ربِّي- أيضًا متناسيات في غمرة التقليد ونشوة الاتِّباع ما لأجله وُضعت هذه "الأطباق" وأقيمت هذه "الفضائحيات"!

أجل أختاه:

وقفة سريعة أقفها معك كي نرى الهدف الذي لأجله وُضعت هذه "الأطباق"، ونبصر الغرض الذي لأجله أقيمت هذه "الفضائحيات"!

بداية..

يجب أن تعلم كل واحدة منا أن الأعداء لم يضعوا هذه الأطباق لأجل سواد عيون المسلمين أو من أجل تسليتهم،  وإنما وُضِعت هذه "الآفة" وأقيمت هذه "المصيبة" لهدفٍ واحدٍ محدَّدٍ هو:

تحطيمنا .. ليحطموا بتحطيمنا الإسلام.

لقد عاين أعداؤنا بأمِّ أعينهم ما ينشأ عن الانحلال في الأخلاق من فسادٍ وضياعٍ للأجيال الناشئة وانحلال للقيم والمبادئ، وشيوع للمجون والخلاعة .. وها هو أحدهم وهو «د. هاينـزا سلنجر – ألماني» يعترف بهذه الحقيقة فيقول: "إنَّ الانحلال والفساد بدأ ينخر في عظامنا يوم حُدنا عن طريق الدين، وها هي أوروبا تنحدر أخلاقيًّا إلى الحضيض.

لقد جرَّبوا الانحطاط، والولوغ في وحل الفساد والضياع، فقرَّروا أن يجعلونا ننهل منه كما نهلوا، ونغرق في مستنقعات الرذيلة والانحلال كما غرقوا([2])..

وللأسف الشديد:

سارعت أمَّة الإسلام إلى تبني هذا القرار، وجعله واقعًا مُحقَّقًا لا سبيل إلى تغييره!

وليس هذا فحسب.

بل وقف أبناؤنا يُحارِبون من يقف في وجه انتشار هذه الأطباق، ويدافعون عن مخطَّطات الأعداء، فكانوا كمن غرس الأعداء خناجرهم المسمومة في صدره؛ فمدَّ كلتا يديه كي يوصلها إلى مَقتله!

نعم وربِّي..

فلقد جاءت هذه الفضائيات لتقضي على الدين والأخلاق في البيوت، جاءت بعد أن فشل الأعداء في تمزيق الأمَّة عسكريًّا، فعادوا كي يمزِّقوها فكريًّا!

واسمعي معي إلى أحد الكتَّاب مُعلِّقًا على دخول البثِّ الفضائي إلى إحدى ديار أمَّة الإسلام يوم قال:

خرج الاستعمار الفرنسي من شوارع تونس عام «1956م»، ولكنه رجع إليها عام «1989م».

رجع ليشاركنا السكن في بيوتنا، والخلوة في غرفنا، والمبيت على أسرَّة نومنا.

رجع ليقضي على الدين واللغة والأخلاق.

كان يقيم بيننا بالكره، ولكنه رجع لنستقبله بالحبِّ والترحاب.

كنا ننظر إليه فنمقته، أما الآن فنتلذَّذ بمشاهدته والجلوس معه..

إنه الاستعمار الجديد، لا كاستعمار الأرض، وإنما استعمار القلوب..

إنه الخطر يُهدِّد الأجيال الحاضرة والقادمة، يُهدِّد الشباب والشابات، والكهول والعفيفات، والآباء والأمهات([3]).

وتلك هي الحقيقة التي يجب أن تدركيها أخية!

لقد كان لهذه الفضائحيات أثرها المباشر والبالغ السوء في تهديد كيان مجتمعات أمَّة الإسلام، هذا إن لم تكن هي السبب الرئيسي في كثيرٍ من مشاكلها.

والأمثلة كثيرة جدًّا، وبالمثال يتَّضح المقال:

* زوجان تعوَّدا على أن يُتابعا معًا ما يُعرض عبر القنوات الفضائية من المشاهد المخلَّة بالآداب، وبعد مضيِّ زمنٍ على هذه الحال صار الزوج يتنقص زوجته بأنها أقل جمالاً من تلك الممثلة التي رأياها، وأنها لا تحسن صنعًا في مشاعرها معه، وأنها كذا وكذا .. واحتدم الخلاف والنقاش لينتهي الأمر إلى الطلاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

* شخص اقتنى طبقًا فضائيا، ولما وقف على أضراره ومخاطره، وأراد إزالته عارضته زوجته، ومانعت ذلك، ولَمَّا أصرَّ على رأيه وعزم على ما أراد كانت المفاجأة؛ فلقد خيَّرته زوجته بين طلاقها أو إبقاء الدش([4])!

ولأجل التأكيد والمصداقية اسمحي لي أن أقف وإيَّاك وقفةً سريعةً مع «لغة الأرقام» لنرى إلى أيِّ مدى وصل التأثير الضار لهذه الفضائيات:

* تدل الإحصائيات الأخيرة في إسبانيا أنَّ «39%» من الأحداث المنحرفين قد اقتبسوا أفكار العنف من مشاهدة الأفلام والمسلسلات المعروضة في الفضائيات!

* أظهرت إحصائية ضمن رسالة علمية جامعية بعضًا من السلبيات المنعكسة على الفتيات بسبب متابعتهنَّ للقنوات الفضائية، وجاء ضمن ذلك:

- «58%» يحرصن على مشاهدة القنوات التي تعرض المناظر الإباحية..

- «53%» قلَّت لديهنَّ تأدية الفرائض الدينية.

- «32%» فتر تحصيلهنَّ الدراسي.

- «42%» يتطلَّعن إلى الزواج المبكر، ولو كان عُرفيا([5])!

أرأيت إلى أيِّ حدٍّ بلغت المأساة؟

وليت الأمر وقف عند هذا الحدِّ فقط.

بل إنَّ من أعظم المآسي موت قلوب فتياتنا - إلاَّ ما رحم ربي - بسبب هذه الفضائيات وما يُعرض فيها، وبالتالي عجزهنَّ عن النهوض بأنفسهن، ناهيك عن غيرهنَّ.

وذلك هو الهدف المهم الذي طمع أعداؤنا في الوصول إليه بكلِّ ما يستطيعون .. وقد وصلوا؛ فدخلت فتياتنا جحر الضب ولم يخرجن منه!

وإليك فيما يلي هذه الأبيات التي تصوِّر حالة جلّ أبناء أمَّة الإسلام على لسان أمتهم المسلمة وهي تخاطبهم:

يا مُسلمُونَ رَأيتُمُو جُرْحِي وَجُرحَ إبَائِي

رَأيتُمُو القَصفَ يَعلُو مَنَازِلِ الأَبرِيَاءِ

يَشبُّ لَيلِي فَيَمحُو بِالنَّارِ لَوْنَ المَسَاءِ

رَأَيتُمُو الطِّفلَ يَبْكِي مُشَرَّدًا فِي العَرَاءِ

مُسَائِلاً: أَيْنَ بَيْتِي وَلُعْبَتِي وَرِدَائِي

رَأيتُمُو أَلْفَ مَيتٍ مُضرَجًا بِالدِّمَاءِ

رَأيتُمُونِي حَيَارَى يَا أَعْيُنَ الضُّعَفَاءِ

يَا لَيْتَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ .. إذَنْ لَهَانَ بَلاَئِي

أَطْبَاقُكُمْ عَلَّمَتْكُمْ "ثَقَافَةَ الأَغْبِيَاءِ"

تَرَونَ أَشْلاَءَ قَوْمِي فِي مُوجَزِ الأَنبَاءِ

وَبَعْدَهُ حَفَلاَتُ رَقْصٍ وَعُرْيَ نِسَاءِ

هَذَا الَّذِي عَلَّمتُكُم فِي يَومِ مَوْتِ الحيَاءِ

كُلُوا وَنَامُوا وَأَحيُوا فِي اللَّيْلِ سُوقَ الفَضَاءِ

ولا حول ولا قوة إلا بالله..

أختاه..

إنَّ هذه المأساة تكاد تستكمل حلقاتها حين نرى وترين مسلمةً تنتمي لهذه الأمة المكلومة وقد خُوطبت بخطر هذه الفضائيات على نفسها وأهلها ومن هم حولها، ثم تقف غاضبةً تجادل في المسلمات وتستحلُّ ما حرَّم الله، وما علمت أنها بهذا تحارب الله في عليائه، وتحرم أمتها المسلمة من خروج جيلٍ مؤمنٍ قويٍّ واعٍ بإذن الله.. قد عقدت عليه الآمال، ونيطت به المهام الجسام!

فإلى كلِّ «أمٍّ» أصرَّت على بقاء آلة الدمار في بيتها.

وإلى كلِّ «أختٍ» سارعت إلى تأييد اقتناء طبق الفحشاء والمنكر..

وإلى كل «زوجةٍ» جلبت لها ولأهل دارها تلك الطامة .. أقول:

حَاربِي اللهَ إن أَمنتِ عقَابًا

حَاربِي اللهَ إن أَطقتِ الحرَابَا

حَاربي اللهَ فالحيَاءُ ثِيَابٌ

لَن تُلامنَّ إن خَلعتِ الثِّيَابَا

"طَبقٌ" فَوقَ دَارِك اليوم يَحْكِي

قِصَّةَ الخَائنِينَ بَابًا فبَابَا

يُبصِرُ الطِّفلُ رَاقِصَاتِ الغَوَانِي

وَيَرَى القُبحَ قُبلَةً وَاغْتِصَابَا

لَيسَ عُذرًا تَفَاهَةُ القوْلِ كَلاَّ

بَل دَعَا قَلبُكِ الهَوَى فَاسْتجَابَا

هِيَ واللهِ حُرقَةٌ في فُؤادِي

ومُصَابٌ عَلى مُصَابٍ أَصَابَا

حَاسِبِ النَّفسَ فِي الحيَاة لِتنجُو

فَحسَابُ الحسَابِ أَقسَى حِسَابَا

وأراني هنا ملزمة بإرسال هذا النداء:

* أيتها الأم الرءوم:

يقول الحقُّ تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

تجلسين أمام الفضائيات مع أبنائك، وفيهم الشاب والفتاة والطفل..

أسألك:

- هل دخلت قلب ابنك الشاب وهو يتابع الكاسيات العاريات لتعرفي في ماذا يفكر في تلك اللحظة بعد أن هاجت غريزته، واستيقظت شهوته؟!

- هل دخلت قلب ابنتك الشابة وهي تتابع حسان الوجوه ممشوقي القوام معسولي الكلام لتعرفي بماذا تفكر في تلك اللحظة بعد أن رأت ما رأت من مشاهد الحب والغرام؟!

- هل فكرتِ يا غالية في تأثير هذه الفضائيات على طفلك وهو يتابع أفلام الأطفال المليئة بالخيال الكاذب، الطافحة بالجريمة والعنف والحب والهوى، أو وهو يشاهد أفلام الكبار وما فيها من عُريٍ فاضحٍ ومشاهد مكشوفة، أو وهو يتابع الإعلانات وما فيها من تكسُّرٍ ودلال؟!

* أيتها الزوجة الكريمة:

كيف تسمحين لزوجك بالجلوس أمام هذه الفضائيات؟!

أما رأيت عينيه وهي تتابع البطلات الفاتنات المفتونات والراقصات الماهرات والعارضات الساحرات؟!

أختاه .. زوجك ليس جمادا.

وربما جاء اليوم الذي يقارن فيه بينك وبين البطلة والراقصة والعارضة والمغنية!

وأنت كذلك يا فتاة اليوم، وأم المستقبل..

أجل أيتهن الغوالي:

إني أخاطب فيكن:

دينكنَّ.. الذي يحرِّم هذه المنكرات..

وأخلاقكنَّ.. التي تترفَّع عن هذه الشهوات..

وعقولكنَّ.. التي تأبَى هذه الترَّهات.

وقلوبكنَّ.. التي تخاف من هذه الموبقات..

انتصرن على أنفسكن..

وتغلَّبن على هواكن..

وأخرجن هذه الأجهزة من بيوتكن.. وسيعوضكن الله خيرًا منها في الدنيا والآخرة([6]).

وهنا....

تبقى إطلالة مشرقة على حكم هذه الفضائيات لدى الشرع.

والفتاوى في هذا الجانب كثيرة، وجميعها قد أجمعت على تحريم هذه الأطباق وتحريم اقتناءها وبيعها والمتاجرة بها، بل وأوجبت على من يمتلكها التخلُّص منها دون إبطاء.

ومن جُملة تلك الفتاوى، هذه الفتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.. وجاء فيها:

أما بعد: فهذا بعض مما قاله فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين في التحذير من اقتناء صَحن استقبال البث الإعلامي (الدش) والاحتفاظ به (في الخطبة الثانية من يوم الجمعة: 25/3/1417هـ) قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلاّ حرَّم الله عليه الجنة»، وهذه الرعاية تشمل الرعاية الكبرى الواسعة، والرعاية الصغرى، وتشمل رعاية الرجل في أهله، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرجل راع في أهله، ومسئولٌ عن رعيته».. وعلى هذا، فمن مات وقد خلف في بيته شيئًا من صحون الاستقبال (الدش) فإنه قد مات وهو غاش لرعيته، وسوف يحرم من الجنة كما جاء في الحديث، ولهذا نقول إنَّ أيَّة معصية تترتَّب على هذا «الدِّش» الذي ركَّبه الإنسان قبل موته فإنَّ عليه وزرها بعد موته وإن طال الزمن وكثرت المعاصي..

فاحذر أخي المسلم، احذر أن تخلف بعدك ما يكون إثمًا عليك في قبرك، وما كان عندك من هذه "الدشوش" فإنَّ الواجب عليك أن تحطمه لأنه لا يمكن الانتفاع به إلاَّ على وجهٍ محرَّمٍ غالبًا، لا يمكن بيعه لأنك إذا بعته سلَّطت المشتري على استعماله في معصية الله، وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت إلاّ بتكسير هذه الآلة (الدش) التي حصل فيها من الشرِّ والبلاء ما هو معلوم اليوم للعام والخاص.

احذر يا أخي أن يفاجئك الموت وفي بيتك هذه الآلة الخبيثة، احذر.. احذر.. احذر؛ فإنَّ إثمها ستبوء به، وسوف يجري عليك بعد موتك.

نسأل الله تعالى السلامة والعافية، وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن يتولاَّنا بعنايته، ويحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين([7])". انتهى.

أفبعد هذه الفتوى تبقى منا من تبحث عن الشهوة العاجلة وتشتريها بالشهوة الآجلة؟!

أو بعد الحرمان من دخول الجنان شيء؟!

قد تقولين يا غالية: أريد إخراج هذا الوباء من المنـزل، ولكن:

أبي .. زوجي .. أخي .. يرفض ذلك ويأباه .. فما العمل؟!

فأقول:

لا بدَّ وقبل كلِّ شيء أن ندرك أنّ إخراج هذا الوباء من مكانٍ استشرى فيه لا يأتي إلاَّ بالإخلاص أولاً، ثم الدعوة إلى السبيل الحقِّ بالحسنى والموعظة الحسنة، مع تبصير من حولنا بمضار هذه الآفة ومساوئها، وتبيين حكمها الشرعي ومثالبها، ثم الوقوف بعد ذلك  - في حال عدم نجوع هذه الوسائل - وقفةً حازمةً صارمةً لها ما بعدها.

فإمَّا «طبق» يهدم أركان بيت مؤمن، وإمَّا «صمود» في وجه مغريات الشيطان وخطواته.

والأهم من ذلك كلِّه أن نعزم أختاه عزمةً صادقةً حازمةً أن نُخرِج هذه الآفة، ونتخلَّص من هذه الطامة؛ طلبًا في رضاء الله، وخوفًا من عقابه.

عندها تصفو النية وتصلح، ويكون الله جلَّ وعلا عونًا لنا فيما نريد ونتمنَّى.

أسأل الجواد الكريم بمنه وكرمه ورحمته أن يمنَّ على المسلمين بخيرٍ منه ومغفرة، وأن يُزِيل من قلوبهم مكانة هذا الطبق ومحبته، إنه أكرم مسئول على الدوام .. آمين.


وللشعر كلمة([8])

رأيتُهُ يَعلُو فَوقَ الأَحِبَّة!

"حَسرَة" خَنَقتْنِي

فَأَشْعلَتْ "جَمْرَة"

فِي خَافِقِي..

كُلَّمَا رَأيتُ ذَاكَ السَّوَادَ

يُجَلِّلُ بُيُوتَ "أَهلِ القِبْلَةِ"..

تساءَلْتُ

أَلِهَذَا الحَدِّ نسْمَح

لِخَنَاجِرَ العَدوٍّ بِالامْتِدَادِ نَحْوَنَا

بَل وَنَمُدُّ أَيدِينا لِنُوصِلَها

إلى مقَاتِلِنَا؟!

وكان نداء:


غزوٌ من الداخل!

إلَى مَن يَعِيهِ مِنَ المُسْلِمِين

إلَى كُلِّ صَاحِبِ عَقْلٍ وَدِين

أُجلِّي حَقِيقَةَ حِقدَ العِدَا

كَلامي رَقيقٌ وقَلبِي حَزِين

لِـ«غَزوٍ» يُدمِّر كلَّ القُلوب

ويُضمِرُ شرًّا وحقدًا دَفِين

يُزلزِل عَقلَ الأَريبِ اللَّبِيب

وَيُبلِي وَشَائِجَ دِينٍ مَتِين

يُحطِّمُ عَقلاً سَمَا لِلعُلا

لِكَي لا يَكُونَ مِنَ النَّابِهِين

يُريدُ عُقولاً تُجِيدُ الخِدَاعَ

تُجِيدُ الخُمُولَ لِكَيْ تَسْتَكِين

يُرِيدُ شَبَابًا يُحِبُّ الحَيَاةَ

يَحِبُّ المجُونَ وَيَهْوَى الأَنِين

يُريدُ قلُوبًا تُجيدُ المِرَاء

تُقاسِي الجُمُودَ لِكَي لاَ تَلِين

وَمِن ثَمَّ يَسْطُو بِحِقْدٍ طَغَى

فَهَلاَّ سَمِعتُم بِذَاكَ اللَّعِين!


يُسَمَّى بِـ«بَثٍّ" يَبُثُّ الخَنَا

يَبثُّ فسَادًا وَوأدًا لِدِين

لِذَاك رَعَته جُمُوعُ «اليَهُودِ»

جُمُوعُ «النَّصَارَى» بِدَفْعِ الثَّمين

أَلا فَالهلاكُ لِكُلِّ العِدَا

ونَارًا تُؤَجَّجُ فِي العَالَمِين

وَبُعدًا وَمَقتًا لِمَن يَقتَفِي

خُطَاهُم حَثِيثًا وَفِي كُلِّ حِين

سُؤَالٌ تَحَشْرَجَ فِي دَاخِلِي

لَكُمْ أُوَجِّهُهُ أَجْمَعِين

أمَا مِن عُقولٍ أمَا مِن قلُوب

أَنُبصِر "حِقدًا" ومَا مِنْ أَمِين؟!

أَفِيقُوا أَفِيقُوا تَمَادَى العِدَا

وَذَا "الدُّودُ" يَمْرَحُ فِي العَالَمِين

أجَابَ الفُؤادُ وَدَمْعُ العُيُونِ

يَسِيلُ غَزِيرًا كَذَاكَ الأنِينُ!

لَقَدْ مَاتَ إحْسَاسُ قوْمٍ نَسَوا

دُرُوبًا لِمَجْدٍ وَصِدْقٌ يَقِين

فجَاءَ العَدُوُّ يُعِيدُ الهجُومَ

ليوئدَ شَرعَ الإلَهِ المَتِين


فيَا ذَا الجَلالِ أَعِنْ إخْوَتِي

وَلِلخَيْرِ سَخِّرهُمُو أَجْمَعِين

وَرُدَّ المكَائِدَ مِنْ حاقِدٍ

أَذِقْهُ العَذَابَ لِيَغْدُو المُهِين

خِتَامِي صَلاَةً تَجُوبُ الوَرَى

تُصَلِّي عَلَى سَيِّد المُرْسَلِين



([1]) انظري: «القنوات الفضائية وآثارها» خالد الشايع ص«11».

([2]) طالعي: «لماذا نهوي ويرتفع خصومنا»، لكتابة هذه السطور غفر الله لها.

([3]) انظري: «موجة دش»، إبراهيم الغامدي، ص «13، 14».

([4]) انظري: «القنوات الفضائية وآثارها»، خالد الشايع، ص«12، 13».

([5]) المرجع السابق، ص «13، 14».

([6]) «موجة الدش»، إبراهيم الغامدي، ص«30» وما بعدها، (بتصرفٍ واختصار).

([7]) المرجع السابق، ص«43» وما بعدها.

([8]) هذه الأبيات بقلم الكاتبة «أمل المنقور» عفا الله عنها.