لمحات من حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع بناته

خالد بن عبد الرحمن الشايع


 قصة القلادة التي استجاشت مشاعر المعصوم - صلى الله عليه وسلم -

حبا الله تعالى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ذرية طيبة مباركة من الأبناء والبنات، فأبناؤه - صلى الله عليه وسلم - هم القاسم وعبد الله وإبراهيم. وأما البنات فهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

وقد كان لنبينا - صلى الله عليه وسلم - عناية فريدة بأبنائه وبناته تتضح لكل من طالع سيرته الزَّاكية.

وبالنسبة للبنات فقد كان لهن من العناية والمحبة والإشفاق ما يتناسب وأنوثتهن، فوجدن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عظيم الرعاية وكريم العناية.

وفي الأسطر التالية نقف بعض الوقفات مع واحدة من بنات نبينا - صلى الله عليه وسلم - من خلال موقف عصيب مر بها.

فقد روت أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم، بعثت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أبي العاص بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها»([1]).

ولعلنا نوضح ملابسات هذا الموقف السابقة له ليزداد وضوحا، فأقول: إن زينب ـ عليها السلام ـ وهي أكبر بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مولدها قبل البعثة، فتزوجها ابن خالتها هالة بنت خويلد، أبو العاص بن الربيع، في حياة أمها خديجة ـ رضي الله عنها ـ ، وأسلمت زينب قبل زوجها، حتى إن قريشا كانت تريد من أبي العاص أن يطلقها، ليزوجوه بمن شاء من بنات قريش نكاية بأبيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أبا العاص أبى ذلك لفرط حبه لها، وكانت خلال ذلك تدعوه للإسلام، وتؤمل ذلك منه، لأنه لم يؤثر عنه عداء أو أذية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبقيت على هذه الحالة عنده، في حين أن المسلمين وفي مقدمتهم إمامهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - هاجروا إلى المدينة.

حتى كانت غزوة بدر إذ خرج لها المشركون، وكان معهم أبو العاص، ولعله أخرج غير راغب في الخروج، فهزمت قريش بأمر الله، وعادت تجر أذيال الهزيمة المرة، وخلفت من خلفت وراءها من القتلى والأسرى، ونمى هذا الخبر العظيم لبنت رسول الله زينب وهي لا تزال بمكة، ولم ينغص عليها فرحها وسرورها بالنصر المؤزر للمسلمين إلا علمها بمصير زوجها وأنه أسير من الأسرى، وراحت تبذل ما في وسعها لفكاك هذا الأسير الحبيب، وتمنت لو خرجت إلى المدينة لتبارك لأبيها النصر، ولتفتدي زوجها، ولكنها خشيت على نفسها ممن أبغضوها لبغض أبيها.

ونظرت زينب ـ رضي الله عنها ـ إلى ما يمكن أن يقوى تأثيره في نفس أبيها - صلى الله عليه وسلم - ، فكان أن أرسلت بقلادة يعرفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويعرف مهديتها وصاحبتها، ويعرف المناسبة التي أهديت فيها تلك القلادة.

فصاحبة القلادة هي: خديجة زوجه صاحبة المكانة الأثيرة في نفسه.

والمناسبة هي: ليلة زواج بنته زينب بأبي العاص.

حيث أهدت خديجة بنتها زينب تلك القلادة فرحا بتلك المناسبة العزيزة لكل أم.

وها هي القلادة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يأتي بها عمرو بن الربيع، أخو أبي العاص، وقد بعثت بها بنته زينب تطلب بها فكاك زوجها وفداءه، كما افتدي غيره من الأسرى.

ولما وقع نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلك القلادة، وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ بشر مثلنا، يتأثر بما يتأثر به الناس، حينذاك انبعثت في نفسه الذكريات لسنين غابرة، ذكريات السيدة الجليلة خديجة ـ رضي الله عنها ـ صاحبة المكانة السامقة والمنزلة الأثيرة في نفسه، عادت به الذكريات إلى ليلة كانت فيها خديجة في قمة سرورها بزفاف ابنتها، وهي تدخل ابن أختها هالة بنت خويلد، على ابنتها، فحلتها بأحسن ما عندها من حلي، وزينتها بقلادة وأهدتها لها.

ولم تزل زينب تحتفظ بتلك القلادة، فهي نفيسة عندها لأجل تلك المناسبة، ولأجل أن التي أهدتها لها حبيبة إلى نفسها، وحق لها ذلك، لكنها تتخلى عن تلك القلادة في هذا الظرف العصيب وفاء لحياتها الزوجية مع زوجها أبي العاص.

هكذا تتابع الذكريات في نفس رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ، تلك الذكريات الأسرية، وذكريات الأبوة الحانية، فيتأثر لذلك تأثرا شديدا، وكأني بدمعه يترقرق في مقلتيه الشريفتين - صلى الله عليه وسلم - .

وقد عرف الصحابة هذا التأثر، ورأوه باديا على وجهه - صلى الله عليه وسلم - حيث كانوا يعرفون علامات سروره وحزنه - صلى الله عليه وسلم - بقسمات وجهه، فضاقت عليهم الدنيا لأجل تأثر حبيبهم - صلى الله عليه وسلم - ، وحق لهم ذلك.

وحينذاك قال عليه الصلاة والسلام: «إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها، وتردوا عليها الذي لها»، يعني قلادتها التي أرسلت بها.

وكأنه علم أن ابنته ما كانت لتفرط في قلادتها تلك لولا اضطرارها، يقول ذلك عليه الصلاة والسلام في أسلوب العرض، لمكان بنته، مع أنه إمام الأمة وقائدها ولن يؤخر المسلمون له أمرا أو طلبا، لكنه يجعل كلامه بذلك الأسلوب، أسلوب العرض، فما أعظم أخلاقه وسجاياه، بأبي وأمي هو - صلى الله عليه وسلم - .

وأمام هذا المشهد المؤثر يبادر صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم السباقون لطاعته، ويقولون: نعم يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص، وردوا إلى زينب متاعها.

وهكذا تظهر لنا صفحة من صفحات حياة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في وفائه لزوجه خديجة، نعم إنه يتأثر بسبب أثر من آثارها ذكره أياما خلت وذكريات سبقت، كيف لا، وهو يتأثر ويبش إذا سمع صوتا يشبه صوتها، ففي "الصحيحين" ([2]) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك [أي تذكر صفة استئذان خديجة لشبه صوتها بصوت خديجة، فهش لمجيئها وسر بها، لتذكره بها خديجة وأيامها]، فقال: ـ أي لما سمع صوتها ـ : «اللهم هالة بنت خويلد».

وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته وبعد وفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب.

وعودا على زينب وزوجها أبي العاص ـ رضي الله عنهما، فإنه لما أطلق أخذ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - العهد والميثاق أن يخلي سبيل زينب إذا عاد إلى مكة، وكانت ـ رضي الله عنها ـ من المستضعفين من النساء، واستكتمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وبعث زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: «كونا ببطن ياجج ـ وهو مكان قريب من مكة ـ حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها» ([3]) وذلك بعد بدر بشهر.

فلما قدم أبو العاص مكة أمر زينب أن تلحق بأبيها، فتجهزت، وخرج معها كنانة بن الربيع، أخو أبي العاص، ومعه قوسه وسهامه، فخرج بها نهارا، فاعترضه رجال من قريش، ونخسها هَبَّار بن الأسود وعمرو بن ود، فنثر كنانة أسهمه، وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما، وتراجعوا عنه.

ثم جاء أبو سفيان وفاوضه، وقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته علانية إليه أن ذلك على ذل أصابنا، وأن ذلك منا وَهَنٌ وضعف، ولعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أنا رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها، ففعل ثم خرج بها ليلا، بعد ليال، وسلمها إلى زيد وصاحبه، فقدما بها على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأقامت عنده.

ولما كان قبل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بماله وبمال كثير لقريش، فلما رجع لقيته سرية فأصابوا ما معه، وهرب ولم يلحقوا به، فقدموا بما أصابوا، وأقبل أبو العاص نحو المدينة في الليل، حتى دخل على زينب فاستجار بها فأجارته، وجاء في طلب ماله.

فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبح وصلى بالناس، نادت زينب من صفة النساء: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما علمت بهذا، وإنه يجير على المسلمين أدناهم».

وبعث - صلى الله عليه وسلم - إلى السرية الذين أصابوا ماله، فقال: «إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحق به».

قالوا: بل نرده، فردوه كله، ثم ذهب إلى مكة، فأدى إلى كل ذي مال ماله، ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد عندي منكم مال، قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم ([4]).

ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد عليه زينب بنكاحها الأول، ولم يحدث صداقا، وكان قد أمره ألا يقربها مادام مشركا، وكان ذلك في المحرم سنة سبع.

توفيت زينب في أول عام ثمان من الهجرة. وتوفي بعدها زوجها أبو العاص بقليل.

رضي الله عنهما وأرضاهما، وسلام عليهما في العالمين.

* * *


 مصاب في بيت النبوة

في "الصحيحين" وغيرهما عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ قال: أرسلت ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - [وهي زينب كما في رواية تقول]: إن ابنا لي قبض، فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبي ونفسه تتقعقع ـ كأنها شن ـ [يعني القربة إذا صب فيها الماء] ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»([5]).

هذا الحديث خرجه البخاري في مواضع من صحيحه منها: في كتاب الجنائز، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : يعذب الميت ببكاء أهله عليه، وفي كتاب المرضى، باب عيادة الصبيان، وفي غيرهما، ورواه مسلم في كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت.

وفي هذا الحديث يخبر أسامة بن زيد أنه كان جالسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعهما سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم، فأرسلت زينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - تخبره أن بنتها أمامة اشتد مرضها وأن الموت نزل بها وهي تحتضر، وطلبت حضوره، لعله أن يدعو لها فتشفى.

لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الذهاب إليها مبالغة في إظهار التسليم لربه ـ جل وعلا ـ وأن الأمر بيده سبحانه، وأرسل إليها من أرسلت، وأمره أن يبلغها السلام، وأن يخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وأن كل شيء عنده بأجل مسمى، وأن الواجب عليها أن تصبر وتحتسب، فلا تجزع، بل تسلم لقضاء الله وقدره، لأنه سبحانه استودعها ما وهبها، ثم استردها لما جاء أجلها المقدر.

لكن زينب أعادت رسولها إلى والدها - صلى الله عليه وسلم - وأقسمت عليه أن يحضر، فأبر قسمها تطييبا لخاطرها، فتوجه إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه عدد من الصحابة، فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا، ورفعت الصبية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي لا تزال تحتضر، ولها صوت حشرجة، وفي رواية النسائي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضمها إلى صدره ثم وضع يده عليها، وحينئذ لم يتمالك النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه فدمعت عيناه وبكى، بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - ما أرحمه وما أرق قلبه.

فاضت عينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والصحب الكرام يرقبونه، فاستغرب سعد بن معاذ بكاءه - صلى الله عليه وسلم - مع أنه يظن أن البكاء منهي عنه، ولعله لم يفرق بين الجائز منه والممنوع.

فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بأن ذلك البكاء والدمع أثر رحمة يجعلها الله في قلوب من شاء من خلقه، وأن الله ـ جل وعلا ـ إنما يرحم من عباده الرحماء.

وقد تضمن هذا الحديث فوائد عدة:

منها: الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين.

وفيه: أن أهل الفضل لا ينبغي لهم أن يقطعوا الناس من فضلهم وإرشادهم والعناية بأمورهم.

وفيه: ما يبين ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من كمال الشفقة والرحمة ورقة القلب.

فها هو عليه الصلاة والسلام يحضر تشييع إحدى بناته ويرى في عينيه الدمع، ذلكم ما ثبت في الصحيح ([6]) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: شهدنا بنتا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على القبر [يعني على شفير القبر] قال: فرأيت عينيه تدمعان.

وفي "الصحيح" ([7]) أيضا أنه عليه الصلاة والسلام دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، يعني في سياق الموت، فجعلت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ : وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

وكانت وفاة إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر من الهجرة وله قرابة ثمانية عشر شهرا.

وفي هذا السن يكون الطفل أقرب ما يكون لوالديه، وتكون بداية شدة تعلق الوالدين به، وذلك تمام الابتلاء له - صلى الله عليه وسلم - .

إلى غير ذلك من المواقف الدالة على ما أشرت إليه آنفا من رقته - صلى الله عليه وسلم - وكمال رحمته وشفقته.

ومن الفوائد: أنه لا حرج في البكاء على الميت، ولكن بدون صراخ ولا عويل وندب وغير ذلك من مظاهر الجزع والتسخط كشق الثياب وحلق الشعر، بل من لازم الرحمة أن تدمع العين، ويحزن القلب، كما وقع له - صلى الله عليه وسلم - .

ولما كانت المصائب أمرا لا انفكاك عنه، بل هي صفة هذه الحياة الدنيا الملازمة لها، فقد وعد الله عباده الصابرين بالجزاء العظيم الذي لا يعد ولا يحصر، قال الله جل شأنه: }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ ([8] وقال سبحانه: }وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{ ([9]).

والمراد: أنهم يتسلون بقولهم: }إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{ عما أصابهم، فقد علموا أنهم ملك لله، يتصرف فيهم بما شاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأدى ذلك إلى اعترافهم بأنهم عبيده وإنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولذا جاء الثناء العظيم من الله عليهم في تلك الآيات.

وعند الترمذي([10]) بسند حسن بشواهده عن أبي سنان عيسى بن سنان القَسْلَمي قال: دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني جالس على شفير القبر، فلما فرغت قال: ألا أبشرك؟ قلت: بلا، قال: حدثني أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد».

وفي "المسند" ([11]) و "صحيح ابن حبان" ([12]) وغيرهما عن معاوية بن قرة عن أبيه، قال: كان رجل يختلف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع بني له، ففقده النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: مات يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «أما يسرك ألا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك»، وفي رواية: فقالوا: يا رسول الله، أله خاصة، أم للمسلمين عامة؟ قال: «بل للمسلمين عامة».

ولما كان كثير من الناس لا يصبر لهول المصيبة، فقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير ما حديث من النياحة، ومن ذلك: ما جاء في "الصحيح"([13]) عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية».

وحيث إن النساء لرقتهن لا يتمالكن أنفسهن عند كثير من المصائب، ويترتب على ذلك فتن وشرور، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بما أوحاه الله إليه من وعيد شديد للنائحة منهن.

وذلك ما رواه مسلم ([14]) عن أبي مالك الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب».

والمعنى: أنها تكسى بالرصاص المذاب، ويسلط على أعضائها الجرب والحكة، بحيث يغطي بدنها، تغطية الدرع، وهو القميص.

ومن الفوائد:

أن المصيبة تعالج وتخفف بأمور:

الأول: أن يعلم أن الدنيا دار ابتلاء، قال الله تعالى: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ{ ([15]).

وفي معنى هذه الآية قال الشاعر:

طبعت على كدر وأنت تريدها

صفوا من الأقذاء والأكدار

الثاني: أن يعلم أن المصيبة التي نزلت قضاء نافذ، فإن صبر واحتسب أجر، وإلا سلا كما تسلو البهائم.

الثالث: أن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة، فذلك يخففها عنه.

الرابع: النظر في حال من ابتلي، ولو نظر حوله لما وجد إلا مبتلى بفوات محبوب، أو حصول مكروه.

وقبل ذلك وبعده أن يعتصم بالله ويفوض أمره إليه، وأن لا يركن إلى الدنيا ولا يطمئن بها.

ولما كان فقد الذرية من أعظم المصائب التي تحل بالناس، فقد جاء من نصوص العزاء ما يخفف وقعها ويساعد على الصبر عليها، ومن ذلك: ما رواه البيهقي([16]) وأصله في "صحيح مسلم"([17]): أن امرأة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنا رقوب لا يعيش لي ولد [كأنها تطلب منه أن يدعو لها] فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إنما الرقوب التي يعيش ولدها، أما تحبين أن ترينه على باب الجنة وهو يدعوك إليها؟» قالت: بلى، قال: «فإنه كذلك».

اللهم ألطف بنا والمسلمين وجنبنا الفتن في الدنيا والآخرة.

* * *


 المعصوم - صلى الله عليه وسلم - يتفقد حال بنته فاطمة مع زوجها علي

في هذا الموقف نستجلي شيئا من الهدي النبوي في التعامل مع الأصهار. يوضح ذلك:

ما رواه البخاري ([18]) ومسلم ([19]) عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: «أين ابن عمك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج، فلم يَقِل عندي [من القيلولة وهو نوم نصف النهار] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان: «انظر أين هو»، فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسحه عنه ويقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب».

ومن المسائل والفوائد التي تضمنها هذا الموقف:

أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه البشر من الغضب، وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته، ولا يعاب عليه.،

قال ذلك ابن بطال ـ رحمه الله ـ وعقب عليه الحافظ ابن حجر بقوله: ويحتمل أن يكون سبب خروج عليٍّ خشية أن يبدو منه في حالة الغضب ما لا يليق بجناب فاطمة ـ رضي الله عنها ـ فحسم مادة الكلام بذلك إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما ([20]).

قلت: ومما يؤكد ما ذكره ابن بطال ـ رحمه الله ـ في وقوع الخلاف بين بعض أهل الفضل وأهلهم، أن الفاضل منهم قد تغاضبه امرأته وتخرجه عن حلمه، كما فعل أزواجه - صلى الله عليه وسلم - لما طلبن منه ما ليس عنده من النفقة، وفي غير تلك المواقف، ومنها ما رواه الإمام أحمد([21]) وأبو داود([22]) بسند صحيح عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يستأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأذن له، فدخل فقال: يا ابنة أم رومان؟! وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: فحال النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبينها، قال: فلما خرج أبو بكر جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لها ـ يترضاها ـ : «ألا ترين أني قد حُلْت بين الرجل وبينك»، قال: ثم جاء أبو بكر، فاستأذن عليه، فوجده يُضاحكها، قال: فأذن له، فدخل، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما.

ويوضح ذلك أيضا ما نقل عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا جاءه يشكو خلق امرأته، فوقف ببابه ينتظر خروجه، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها، وهو ساكت لا يجد جوابا، فانصرف الرجل، قائلا: إن كان هذا أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي؟!!

فخرج عمر فرآه موليا، فناداه وقال: يا هذا ما حاجتك؟ فقص عليه الرجل ما كان، فقال له عمر ناصحا: يا هذا إني احتملتها لحقوق لها علي، إنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، مرضعة لولدي، ويسكن بها قلبي عن الحرام، فقال الرجل: وكذلك زوجتي يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: إذا فاحتملها فإنها مدة يسيرة. يريد مدة الحياة.

ومن فوائد الموقف السابق:

أنه ينبغي لكل من الزوجين أن يتجاوز عن هفوات الآخر، وألا يكون سببا في استدعاء المشكلات وتعقيدها، وخاصة الزوج، لأن بيده عقدة النكاح وله القوامة الشرعية.

وينبغي أن يتذكر كل من الزوجين أن حصول الكمال أمر محال، وأن يتدبر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر» رواه مسلم ([23])، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها، استمتعت وفيها عوج» خرجاه في "الصحيحين" ([24]).

هكذا ينبغي أن يكون في التجاوز والتسامح، إلا إذا رأى أن الحزم هو المطلوب وأنه هو المناسب، فيلجأ إليه بقدر معين وبأسلوب تربوي، فإنه عليه الصلاة والسلام وهو أكمل الخلق خلقا وأشرفهم صدرا وألطفهم معشرا، كان - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد من بعض زوجاته خروجا عن القدر الذي يعذرن فيه يوقفهن على أخطائهن وعاتبهن وربما هجرهن.

فمن ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يوما، فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قالت: فرأيته غضب غضبا، أسقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت: قال: «كيف قلت؟! والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني» قالت: فغدا وراح علي بها شهرا ([25]).

وبكل حال فالمطلوب من الزوج أن يتحلى بالحلم وعدم الاستعجال لدى وقوع الخطأ من زوجته، ويسعى لتقويم الخطأ بالحكمة، ولا يتعجل إلى الإضرار بها أو فك عقدة النكاح بالطلاق أو بما يؤول إليه.

وهكذا الزوجة ينبغي أن تبني لنفسها في قلب زوجها كيانا من المحبة لتكسب وده ورحمته، وإنما يكون ذلك بحسن المعاشرة وطيب المعاملة.

والنساء في هذا الباب متفاوتات:

فمنهن الموفقة التي تجعل من بيتها روضة ناضرة، متروحة باسمة مهما تعثرت في ثنايا حياتها.

ومن النساء من تجعل الدار مثل الصحراء برمالها وقيضها وعواصفها، ومن النساء من تجعل الدار لزوجها هي القبر.

ومن المسائل والفوائد في قصة المغاضبة بين علي وفاطمة ـ رضي الله عنهما ـ :

·             بيان كرم خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه توجه نحو عليٍّ ليترضَّاه، ومسح التراب عن ظهره ليبسطه، وداعبه بالكنية المذكورة المأخوذة من حالته، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيع منزلتها عنده، فيؤخذ منه استحباب الرفق بالأصهار، وترك معاتبتهم، إبقاء لمودتهم، لأن العتاب والجدال قد يفضي إلى الشحناء وإخراج المشكلة إلى طور يصعب معالجتها فيه بين الزوجين فقط.

·             وفيه من الفوائد: أن الولي ينبغي له أن يزور موليته ويتحسس أحوالها وينصحها بالحرص على إسعاد زوجها وتحقيق مرضاته ويدلها على ما ينفعها ويفيدها في حياتها.

وفق الله الجميع لما فيه الخير.

* * *


 المعصوم - صلى الله عليه وسلم - يحضر جنازة بنته وتغسيلها فقه وفوائد

في الأسطر التالية نستعرض واحدا من الأحداث العصيبة التي مرت ببيت النبوة.

كان ذلك إبان وفاة إحدى بنات المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، يوضح ذلك ما روته أم عطية الأنصارية ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك ـ إن رأيتن ذلك ـ بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا ـ أو شيئا من كافور ـ [وهو نوع من الطيب] فإذا فرغتن فآذنني»، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه» ـ يعني إزاره.

وفي رواية: «اغسلنها وترا، وابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها».

وفي رواية: قالت أم عطية: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون. تعني أنهن جعلن شعرها ثلاث ضفائر. قالت: وألقيناه خلفها.

وهذا الحديث مخرج في "الصحيحين" ([26]) وغيرهما.

وفيه مسائل وفوائد جمة، نذكر منها ما يسر الله - عز وجل:

* فقد اختلف في أي بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي كانت تغسل، فقد جاءت روايات تشعر بأنها أم كلثوم، وأخرى أنها زينب، ولعل هذا الثاني هو الأرجح، كما جاء مصرحا به في رواية لمسلم - رحمه الله.

وقد ذكر بعض أهل السير أن وفاة زينب ـ رضي الله عنها ـ كانت بسبب تأثرها من النزف الذي أصابها جراء إسقاطها حملها لما أرادت الهجرة من مكة إلى المدينة حيث أبوها - صلى الله عليه وسلم -.

فإنها لما أرادت الهجرة بعد أن أرسلها زوجها أبو العاص قبل إسلامه اعترضها نفر من قريش، منهم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو، اللذان روعاها بالرماح، ونخساها بها وهي في هوجها، وكانت حاملا، فنزفت دما، وفي طريق عودتها إلى مكة بعد أن منعت من الهجرة أسقطت حملها، ولم تزل متأثرة بذلك، حتى توفيت بالمدينة ـ رضي الله عنها ([27]) ـ .

* وفي هذا الموقف ما يدل على عظيم رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفقته على بناته الكريمات، فإنه قد اهتم لموت زينب ـ رضي الله عنها ـ ووقف مع الغاسلات ووجههن إلى كيفية التغسيل، ولما انتهين من غسلها أعطاهن إزاره ليلففنها فيه، ويكون مباشرا لجسدها وهذا هو معنى قوله: «أشعرنها فيه» فالشعار هو الذي يلي الجسد.

وإنما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لأجل أن تنالها بركته - صلى الله عليه وسلم - ، "لأن الله تعالى خص نبيه - صلى الله عليه وسلم - بما جعل في جسده وما مسه من البركة.

* وها هنا تنبيه إلى أن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقاس عليه في التبرك فيه ولو كان من الصالحين، وذلك لأن الصحابة لم يفعلوا مثل تلك الأعمال مع غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولأن فعل مثل ذلك مع غيره - صلى الله عليه وسلم - من وسائل الشرك فوجب منعه، نبه لهذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ في تعليقه على "فتح الباري" ([28]).

وها هو عليه الصلاة والسلام ـ بأبي هو وأمي ـ يشهد دفن بنته الثانية أم كلثوم، ويظهر عليه الحزن والهم الشديد، كما في "صحيح البخاري" ([29]) عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: شهدنا بنتا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - [يعني عند دفنها] قال: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان .... الحديث.

وفي هذا وأمثاله ما يبين مشروعية الاهتمام والعناية والرعاية للأولاد، وخصوصا البنات لرقة عاطفتهن وكون مشاعرهن مرهفة وحساسة ولما في تكوينهن من الضعف والمسكنة.

ومن مسائل هذا الحديث ما نبه إليه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ـ رحمه الله ـ حيث قال: تطهير الميت عبادة، لا إزالة نجاسة، وإنما هو كالجنب، وغسله كغسل الجنب سواء.اهـ([30]).

قلت: ويؤيده ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن لا ينجس»([31]).

وهكذا ما جاء من أمر المغسل للميت أو المغسلة بالاغتسال، ليس لأجل النجاسة، ولكن لأجل جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت وذكر الموت وما بعده ([32]).

ولأن الغاسل إذا علم أنه سيغتسل لم يتحفظ من شيء يصيبه من أثر الغسل فيبالغ في تنظيف الميت وهو مطمئن ([33]).

وها هنا تنبيه إلى أن من تولى تغسيل المسلمين من الرجال والنساء أن الواجب عليهم أن يستر ما يراه مما ليس بحسن في حق الميت من الناحية الجسدية أو المعنوية، ولذا نص أهل العلم في مؤلفاتهم على ذلك، كقولهم: "وعلى الغاسل ستر ما رآه، إن لم يكن حسنا".

وقيد ذلك عند بعض أهل العلم، كقول صاحب "الإنصاف"([34]) فيما نقله عن بعض العلماء: إن كان الميت معروفا ببدعة أو قلة دين أو فجور ونحوه فلا بأس بإظهار الشر عنه، لأجل أن تجتنب طريقته".

وقد عُنِيَ الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في "صحيحه" بروايات هذا الحديث، وأنشأ عليه أبوابا من العلم، حيث بوب عليه بمختلف رواياته ومتَّحدها أحد عشر بابا، ففي كتاب الوضوء قال: باب التيمن في الوضوء والغسل.

وفي كتاب الجنائز قال: باب غسل الميت ووضوءه بالماء والسدر، وقال: باب ما يستحب أن يغسل وترا، وقال: باب يبدأ بميامن الميت. وقال: باب مواضع الوضوء من الميت، يعني أنه يستحب البداءة بها، وقال: هل تكفن المرأة في إزار الرجل، وشاهده تكفين زينب بإزاره - صلى الله عليه وسلم - ، فكأن البخاري يشير إلى التردد في ذلك هل هو خاص به - صلى الله عليه وسلم - ، ولو جاز فهل هو عام أم خاص بالمحارم، وبمن يتحقق نظافته، وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره.

وبوب البخاري أيضا فقال: باب يجعل الكافور في الأخيرة، وبوب ـ رحمه الله ـ باب نقض شعر المرأة، أي الميتة قبل الغسل، وهكذا من له شعر كثيف من الرجال، وذلك لأجل أن يبلغ الماء البشرة ويتحقق التنظيف، وبوب ـ رحمه الله ـ : باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون، وقال: باب يلقى شعر المرأة خلفها.

وقال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ : في هذا الحديث ما يدل على أن النساء أولى بغسل المرأة من الزوج، لأن بنات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللواتي توفين في حياته: زينب ورقية وأم كلثوم، لم يبلغنا أن إحداهن غسلها زوجها، وأجمع العلماء على جواز غسل المرأة زوجها، وغسلت أسماء بنت عُميس زوجها أبا بكر بمحضر جُلَّة من الصحابة، وكذلك غسلت أبا موسى امرأته". اهـ ([35]).

وفي "صحيح البخاري" ([36]) و "المسند" ([37]) للإمام أحمد واللفظ له عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: رجع إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، قال: «بل أنا وارأساه» ثم قال [يمازحها]: «ما ضرك لو مُتِّ قبلي، فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك؟»، قالت: [وقد احتملتها الغيرة، كما في الرواية] فقلت: لكأني بك لو فعلت ذلك، وقد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم بُدئ في وجعه الذي مات فيه ([38]).

نسأل الله الجواد الكريم أن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه فيه، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها.

وصلوات ربي وسلامه على عبده ورسوله محمد.

* * *


 محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لبناته وعنايته بهن

في الأسطر التالية نستعرض بعض المواقف الدالة على عناية النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناته ومحبته ورعايته لهن، ونومئ من خلال ذلك إلى رعاية الإسلام للبنات.

عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:

ما رأيت أحدا كان أشبه سَمْتا ودلا وهديا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فاطمة ـ رضي الله عنها ـ ، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها" رواه أبو داود([39]) والترمذي([40]).

وهذا الحديث يبين ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من محبة وإكرام لبنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ وهكذا كان عليه الصلاة والسلام في محبته لعموم بناته. إذ كان يُعليهن ويُظهر قدرهن ويفرح لفرحهن ويحزن لحزنهن، وبكى على فراق من مات منهن، واهتم لذلك اهتماما عظيما.

روى الحاكم في "مستدركه"([41]) عن أم المؤمنين عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم بعثت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء أبي العاص بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق لها رقة شديدة وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها».

وروى البخاري ([42]) ومسلم ([43]) وغيرهما عن أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ قال: أرسلت ابنة النبي [وهي زينب كما في الرواية] تقول: إن ابنا لي قبض فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب»، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبي ونفسه تتقعقع ـ كأنها شِنٌّ ـ [كالقربة إذا صب فيها الماء] ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».

وفي "الصحيح" ([44]) عن أنس قال: شهدنا بنتا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورسول الله جالس على القبر [يعني على شفير القبر] قال: فرأيت عينيه تدمعان.

فمن خلال هذه الموقف يظهر لنا جانب من رعايته - صلى الله عليه وسلم - لبناته، ورحمته بهن، وإشفاقه عليهن، واهتمامه بما يهتممن له.

وإن هذا الاهتمام بالبنات على وجه الخصوص ينبغي أن يكون لدى كل أب، وذلك لما جبل عليه البنات من رقة المشاعر ورهف العواطف، وقد جاءت الإشارة إلى هذا في قول الله تعالى: }أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ{ ([45]).

ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عن أسامة بن زيد، حبه - صلى الله عليه وسلم - ، في صغره قال: «لو كان أسامة جارية لحلَّيته وكسوته حتى أُنْفِقَه»([46]).

ويلفت النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر المسلمين إلى هذا الجانب ويؤكد أهمية الاهتمام والاعتناء بشأن البنات في غير ما مناسبة، ولنذكر طرفا من ذلك:

روى ابن ماجة ([47]) عن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كان له ثلاث بنات وصبر عليهن وكساهن من جدته كن له حجابا من النار».

وروى البخاري في "الأدب المفرد" ([48]) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما من مسلم تدركه بنتان، فيحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة».

وروى البخاري في الأدب المفرد ([49]) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من كان له ثلاث بنات، يؤدبهن، ويكفيهن ويرحمهن، فقد وجبت له الجنة البتة».

وفي سنن أبي داود([50]) عن أبي سعيد الخدري، قال: «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن إلا دخل الجنة».

لقد كانت تلك العناية الفائقة بشأن البنات انتشالا لهن من وهدة الإزراء والازدراء الذي رضخت تحت وطأته ردحا من الزمن لدى قبائل العرب. ولدى الأمم الأخرى، وما يماثلهما من أنواع الاستغلال الذي يتعرض له كثير من نساء العالمين في حضارة اليوم المادية، فيصرن أشبه ما يكن بالرقيق المعروض في أسواق النخاسة، وتعرضن لوأد أخلاقهن وفضائلهن، بما هو أعظم مما تعرضت له الموؤودة في حياة العرب السابقة.

بهذه التوجيهات النبوية الكريمة غدت البنت المسلمة والفتاة المسلمة في المجتمع الإسلامي محبوبة مصونة مكرمة، فهي تجد الحضن الدافئ في كنف والديها، ولاسيما والدتها، والحماية التامة والرعاية الكاملة، مهما أقامت في بيت والديها أو إخوتها، أو غيرهم ممن يجب عليهم كفالتها، وسواء انتقلت إلى بيت الزوجية أم لم تنتقل.

ذلك أن الإسلام كفل لها حياة الصون والإعزاز والكفاية، ووقاها حياة التبذل والإذلال والضياع، الذي تلقاه المرأة اليوم في المجتمعات البشرية الضالة عن شرع الله.

غذ ما تكاد البنت في المجتمعات الغربية تبلغ الثامنة عشرة من عمرها حتى تخرج عن حضن أبويها الدافئ لتلقى الحياة المادية القاسية الحافلة بالمكاره والمخاطر وهي في أشد الحاجة إلى الحماية والحنو والرعاية والصون، وهكذا تتعاقب الأجيال في تلك المجتمعات على هذه الطريقة الموحشة، حتى بات الفحش وإرواء الغرائز بأي طريقة، ومهما كانت فاحشة أو مقيتة، بات ذلك جزءا من النسيج الاجتماعي والتكوين الأسري.

إنه لفرق واضح بين تشريع الله الذي جاء لسعادة الإنسان، وما يوجد من أنظمة غربية في بلاد التحضر أشقت أهلها وأرقتهم.

ولا غرابة أن نجد في الغرب نتيجة لأنظمتهم الاجتماعية أعدادا مهولة من الأمهات غير المتزوجات من الفتيات البائسات الضائعات، وأعدادهن في تزايد مستمر ([51]).

فصلوات ربي وتسليمه على نبينا محمد الذي أوحى الله إليه أن يبين للأمة فضل تربية البنات ورعايتهن، وهو القائل - صلى الله عليه وسلم - : «فاطمة مني وأنا منها، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها»([52]).

* * *


 فاطمة تطبب أباها في معركة أحد

في الأسطر التالية ننتقل إلى واحد من المواقف العصيبة التي هزت مشاعر الصحابة، بل إنها لترهق وجدان كل مسلم.

كيف لا وقد نيل في ذلك الموقف من الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وألحق به الضرر. عن أحداث ذلك الموقف وملابساته:

قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ـ رحمه الله ـ في "صحيحه" ([53]) في كتاب المغازي، باب: ما أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجراح يوم أحد:

حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا يعقوب عن أبي حازم: أنه سمع سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ وهو يسأل عن جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن كان يسكب الماء وبما دووي.

قال: كانت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنها تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن (وهو الترس أو الدرع).

فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير وأحرقتها، وألصقتها فاستمسك الدم.

وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة (وهي الخوذة) على رأسه".

وهذا الحديث خرجه البخاري ـ رحمه الله ـ في مواضع من صحيحه منبها لبعض فوائده، حيث خرجه في كتاب الوضوء، وقال: باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه ([54]).

وفي كتاب الجهاد: وبوب عليه: باب الِمجَن ومن يَتَّرِسُ بترس صاحبه ([55])، وباب لبس البيضة ([56])، وباب دواء الجرح بإحراق الحصير، وغسل المرأة عن أبيها الدم عن وجهه وحمل الماء في الترس([57]).

وفي كتاب الطلاق، باب: }وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ{([58])([59]).

وفي كتاب الطب، باب: حرق الحصير ليسد به الدم ([60]).

وخرجه مسلم في "صحيحه" ([61])، والترمذي في "جامعه" ([62])، وبوب عليه في كتاب الطب، فقال: باب التداوي بالرماد.

وقد تضمن هذا الموقف عددا من الدروس والفوائد والعبر، ومن ذلك:

أولا: مشروعية التداوي ومعالجة الجراح واتخاذ الترس في الحرب. وأن جميع ذلك لا يقدح في التوكل لصدوره من سيد المتوكلين، نبه لهذا الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في "فتح الباري".

وقال: وفيه مباشرة المرأة لأبيها، وكذلك لغيره من ذوي محارمها ومداواتها لأمراضهم ([63]).

ثانيا: قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ([64]) ـ جاء في رواية الطبراني ما يبين سبب جيء فاطمة إلى أحد، ولفظه: «لما كان يوم أحد وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم».

قلت: وها هنا تنبيه وبيان إلى خطأ قول بعض الكتاب في دعواهم إباحة خروج المرأة لأجل مداواة الرجال في المستشفيات ونحوها وتمريضهم محتجين بهذا الحديث وما شابهه!!

وهذا جهل منهم لأن ذلك الخروج للنساء في عهد النبي إنما كان للضرورة، مع الحرص على التحفظ والصيانة، بخلاف حال كثير من النساء اليوم حيث يختلطن بالرجال لغير ضرورة، ثم هن يتبرجن ويظهرن مفاتنهن بما يهتك الحياء ويغتال الفضيلة.

ورحم الله النووي إذ نبه لهذا المعنى بثبوته بالآية: }وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ{.

ومن المعلوم لكل مدرك أن كثيرا بل أكثر الممرضات اللاتي يباشرن تمريض الرجال يتعرضن للتكشف بل لملامسة المريض، وقد جاء نهي الشريعة عن ذلك، لأنه مفض إلى محرم أكبر منه.

ثالثا: بين الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ أنه قد جاء في رواية عند الطبراني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صنع به المشركون ذلك الصنيع قال: «اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه رسوله»، ثم مكث ساعة ثم قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» ([65]). اهـ.

وهذا يدل على كمال حلمه - صلى الله عليه وسلم - وتحمله، ورحمته بأمته وإرادته النجاة لهم.

وبأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - ما كان أعظم حلمه ورأفته بأمته منذ بدء الرسالة، فها هو عليه الصلاة والسلام يشتد أذى قومه له وذلك بمكة، وكان أشده يوم العقبة، فأرسل الله إليه ملك الجبال فسلم عليه، وقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» متفق عليه ([66]).

رابعا: جاء في بعض الروايات ما يبين أن الذي رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجرحه في وجهه هو ابن قمئة، ولما انصرف إلى أهله خرج إلى غنمه فوافاها على ذروة جبل فنطحه إحداها حتى خر من شاهق الجبل فتقطع.

وقيل: إن الذي أصابه غيره، وقيل غير واحد.

خامسا: في الحديث ما يبين أن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم رفعة وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.

سادسا: نقل الحافظ ابن حجر ([67]) ـ رحمه الله ـ عن أبي الحسن القابسي قال: وددنا لو علمنا ذلك الحصير مما كان لنتخذه دواء لقطع الدم.

قال ابن بطال: قد زعم أهل الطب أن الحصر كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم، بل الرماد كله كذلك، لأن الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث: التداوي بالرماد.

وقال الملهب: فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوما عندهم، لاسيما إن كان الحصير من ديس السعد، فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجروح، وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أولا فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، أما لو كان غائرا فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه.اهـ.

قلت: وهذه المعلومة الطبية من إيقاف نزف الجرح برماد الحصير، توصلت إليها أيضا التجارب والبحوث الطبية الحديثة.

ذكر الدكتور كمال البتانوني أستاذ علم البيئة في جامعتي القاهرة وقطر في كتابه "نباتات في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - " قال عن استعمال رماد الحصير المحروق في علاج النزف: إن ذلك النبات فيه مقدار كبير من الأملاح المعدنية التي تدخل في تركيب رماده بعد الاحتراق، وبخاصة رماد الأوراق الذي له خاصية امتصاص كبيرة، ولذا فهو يطهر الجرح ويوقف النزف ويسهل التئام الجروح بخاصته القابضة، ويشكل غطاء عقيما يمنع دخول الجراثيم إلى الجرح".اهـ.

وإنما كان عقيما أي متعقما بفعل النار، نبه لهذا أيضا الدكتور عبد الرزاق الكيلاني في كتابه "الحقائق الطبية في الإسلام".

نختم بهذه اللفتة التربوية، وهو بيان ما كانت عليه فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حصافة الرأي وحسن التصرف برغم حداثة سنها، إذ كان عمرها في ذلك الموقف لا يزيد على خمسة عشر عاما، ومع عظم الموقف ورؤيتها نزف الدم من الحبيب المصطفى لكنها تمالكت نفسها وطببت أباها على أحسن ما يكون.

وكثير من فتياتنا اليوم ممن هن في سنها لا يبلغن هذا الشأن ولا يقربن منه، بل عدد منهن جاهلات بما هو دون ذلك من إدارة شئون المنزل، حتى إن منهن من تدخل بيت الزوجية وهي لا تحسن طبخ الطعام، ولا إعداد ما يحتاج إليه الزوج، وهذا له انعكاساته على حياتها الزوجية.

نعم، بعض الفتيات على جانب حسن من الدراية والحصافة وقليل ما هن.

والواجب على الوالدات أن يعنين بتربية بناتهن ويوجهنهن بما يمكنهن من تصريف أمورهن بالحذق والحصافة.

سلام على فاطمة في العالمين، وصلاة ربي وسلامه على نبيه ومصطفاه.



([1]) "المستدرك" (4/44 – 45)، وصححه ووافقه الذهبي، وهو حديث صحيح.

([2]) أخرجه البخاري (رقم 3821)، ومسلم (رقم 2437).

([3]) أخرجه البيهقي في "الدلائل" (3/154 ، 155).

([4]) قال الهيثمي في "المجمع" (9/219): رواه الطبراني، وإسناده منقطع.

([5]) "صحيح البخاري" (رقم 1284)، "صحيح مسلم" (رقم 923).

([6]) عند البخاري (رقم 1285).

([7]) عند البخاري (رقم 1303)، ومسلم (رقم 2315).

([8]) سورة الزمر، الآية: 10.

([9]) سورة البقرة، الآيات: 155 – 157.

([10]) في "جامعه" (رقم 1021)، وأحمد بن حنبل (4/415)، وعبد بن حميد (رقم 551)، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 795).

([11]) (3/436) (5/34 ، 35)، والحاكم (1/384) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في "المجمع" (3/10): رجاله رجال الصحيح.

([12]) (رقم 185).

([13]) عند البخاري (رقم 1294)، ومسلم (رقم 103).

([14]) في "صحيحه" (رقم 934).

([15]) سورة البلد، الآية: 4.

([16]) في "سننه الكبرى" (4/68)، ط دار المعرفة.

([17]) (رقم 2608).

([18]) في "صحيحه" (رقم 441).

([19]) في "صحيحه" (رقم 2409).

([20]) "فتح الباري" (10/588).

([21]) في "مسنده" (4/271).

([22]) في "سننه" (رقم 4999).

([23]) في "صحيحه" (رقم 1469).

([24]) في "صحيح البخاري" (رقم 5184)، و "صحيح مسلم" (رقم 1468).

([25]) أخرجه بلفظ قريب أحمد في "المسند" (6/117، 150 ، 154).

([26]) عند البخاري (رقم 1254 ، 1255 ، 1258)، ومسلم (رقم 939).

([27]) انظر: "مجمع الزوائد" (9/212)، و "سير أعلام النبلاء" (2/247).

([28]) (3/130).

([29]) (رقم 1285).

([30]) "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (6/407).

([31]) أخرجه البخاري (رقم 285)، ومسلم (رقم 371).

([32]) انظر: "حاشية فتح الباري" (3/135).

([33]) انظر: "فتح الباري" (3/135).

([34]) (2/506).

([35]) "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (6/411).

([36]) (رقم 5666)، وأخرجه مسلم مختصرا (رقم 2387).

([37]) (6/228).

([38]) (رقم 1465).

([39]) في "سننه" (رقم 5217).

([40]) في "جامعه" (رقم 3872)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

([41]) (3/236 ، 234) ، (4/45).

([42]) في "صحيحه" (رقم 1284، 5655 ، 7377).

([43]) في "صحيحه" (رقم 923).

([44]) "صحيح البخاري" (رقم 1285).

([45]) سورة الزخرف، الآية: 18.

([46]) أخرجه أحمد (6/139 ، 222)، وابن ماجة (رقم 1976).

([47]) في "سننه" (رقم 3669).

([48]) رقم (77)، وأحمد (1/363)، وابن ماجة (3671)، والحاكم (4/178).

([49]) (رقم 76).

([50]) رقم (5147).

([51]) ينظر: "شخصية المرأة المسلمة" (ص213 – 216).

([52]) "صحيح البخاري" (9/329 ـ مع الفتح). "صحيح مسلم" (2449).

([53]) رقم (4075)، وأخرجه أيضا مسلم (رقم 1790).

([54]) رقم (243).

([55]) رقم (2903).

([56]) رقم (2911).

([57]) رقم (3037).

([58]) سورة النور، الآية: 31.

([59]) رقم (5248).

([60]) رقم (5722).

([61]) رقم (1790).

([62]) رقم (2086).

([63]) "فتح الباري" (1/355).

([64]) "الفتح" (7/373).

([65]) انظر: "فتح الباري" (7/372 – 373).

([66]) "صحيح البخاري" (رقم 3231)، "صحيح مسلم" (رقم 1795).

([67]) في "فتح الباري" (10/174).