ليس عليك وحشة

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله الذي شرع الشرائع وأنزل الكتب، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده.

أما بعد:

فإن الدعوة إلى الله من أوجب الواجبات وأهم المهمات وأعظم القربات.

وتبرئة للذمة. ولما في هذه العبادة من الثواب العظيم والأجر الجزيل قام بها خيار الأمة، حتى أشرقت الأرض بنور ربها، فذلت لهم الرقاب ودانت لهم البلاد.

وتذكيرًا لنفسي -وللأحبة الكرام- بهذا الأمر العظيم، وخاصة في فترة أهمل فيها هذا الجانب أو ضعف، جمعت بعض وسائل ومداخل -هي أقرب إلى الخواطر- تعين على طرق سبل الدعوة فيستأنس بها ويؤخذ منها، وجعلت لها علامات وعليها منارات؛ لكي نسير على الخطى ونقتفي الأثر في طريق غير موحشة؛ لأن أقدام الأنبياء والصالحين وطأته وتغبرت في طرقه.

ولم أذكر إلا ما كان في نطاق دعوة الفرد الواحد فحسب؛ لأهميته، وإلا فالمجتمع بعامته له أساليب ووسائل أخر.

فها هي أبواب الخير مشرعة: فمن أمر بمعروف فهو داعية، ومن نهى عن منكر فهو داعية، ومن ترجم كلمة إلى لغة أجنبية يستفاد منها دينيًا فهو داعية، ومن أهدى شريطًا إسلاميًا فهو داعية، ومن تبسم في وجه أخيه المسلم فهو داعية.

إنه عقد متكامل إذا أخذت منه جوهرة وطعمتها بالإخلاص نالك الأجر والمثوبة، وانتظمت في سلك الدعاة إلى الله.

جعلنا الله ممن سار على الهدى واقتفى الأثر حتى نحطَّ رحالنا برحمة الله وعفوه في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم


 مدخل

قال وهيب بن الورد:

إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل.

 وسارعوا

قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا» رواه مسلم.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» رواه البخاري ومسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» رواه مسلم.

وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث الشهيرة بالحث على الدعوة إلى الله، وبيان وجوبها، وما للداعي فيها من الأجر العظيم.

والآيات القرآنية الدالة على الدعوة أكثر من آيات الصوم والحج اللذين هما ركنان من أركان الإسلام الخمسة. فالدعوة إلى الله من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، بها يكمل نظام الشريعة، ويرتفع شأنها.

فإن مهمة الدعوة إلى الله مهمة كبرى، مهمة عظيمة، مهمة فاضلة، مهمة رتب عليها من الأجر العظيم ما الله به عليم، ولذا اختار الله سبحانه وتعالى لها أفضل الخلق وأكرم البشر، اختار لها سادات القوم وصفوة الأمة وفضلاءها.

فالدعوة عمل الأنبياء والرسل.. ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم.

إنها نقاط ووقفات لدعوة شخص بعينه ذكرًا كان أو أنثى.

ولم أذكر نقاطًا دعوية جماعية مثل الوعظ في المساجد وإلقاء المحاضرات.. لعلمي أن ذلك معلوم للكثير ويختص بفئة معينة من الدعاة وطلبة العلم وإنما قصدت دعوة شخص بعينه.

-أخي الحبيب-:

استمر نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه سنوات طويلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.

وقام يوسف عليه السلام بأمر الدعوة وهو في السجن فدعا من معه إلى عبادة الله جل وعلا: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

وهذا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - استمر في الدعوة طوال حياته ولاقى من الجهد والعنت ما حفظه لنا القرآن الكريم وكتب الحديث والسير.. ها هو في الرمق الأخير ولم ينس أمر الدعوة كما قالت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانه. [رواه البيهقي في شعب الإيمان وروى أحمد وأبو داود ونحوه عن علي].

وكان من آخر كلماته الدعوة إلى الله: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه الشيخان.

وهذا أبو بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشغله حزن وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمر الدعوة بل سارع في وسط هذا الحزن إلى تأكيد أمر الدعوة إلى الله وأهميتها فعقد الألوية وسير الجيوش إلى جهات كثيرة لقطع دابر المرتدين.

وهذا فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دمًا وهو على فراش الموت لم يترك أمر الدعوة فعلى ضعفه وانحطاط قوى جسمه ينادي شابًا أدبر وإزاره يمس الأرض فيقول: «ردوا علي الغلام» ثم قال له: «يابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك».

ومن تتبع سير السلف الصالح وعلماء هذه الأمة يجد منهم الحرص والجلد والمثابرة حتى أصبحت الدعوة إلى الله هي شغلهم الشاغل، وما بقاؤهم في هذه الدنيا إلا للطاعة والعبادة ونصرة هذا الدين.

فلا شك أن الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وإرشاد الخلق ونصحهم هي وظيفة المرسلين وأتباعهم المصلحين والدعاة الناصحين.

ومعلوم أنه ما قام دين من الأديان ولا انتشر مذهب من المذاهب ولا نبت مبدأ من المبادئ إلا بالدعوة، ولا هلكت أمة في الأرض إلا بعد أن أعرضت عن الدعوة، أو قصر عقلاؤها في الأخذ على يد سفائها، وما تداعت أركان ملة بعد قيامها ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها إلا بترك الدعوة.. فإذا أهملت الدعوة فشت الضلالة وشاعت الجهالة وخربت البلاد وهلك العباد.

أيها الحبيب:

إن أثر الدعوة واضح وجلي.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا أبا بكر ثم تبعه الباقون حتى قامت صروح الدعوة على يديهم وتضاعف العدد حتى عم مكة وامتد النور إلى المدينة النبوية.

إنها تشمير إلى المعالي.. اجعل نصب عينك شخصًا بعينه قريبًا أو بعيدًا.. ادعه وارفع درجة التزامه، فإن أخلصت ورزقك الله التوفيق فلك مثل أجر عمله إلى يوم القيامة.. ها هو يقوم الليل وأنت نائم، ويصوم وأنت مفطر، ويحج وأنت مقيم، ويجاهد وأنت جالس.. ولكن يجري لك من الأجر مثل أجره ولا ينقص من أجره شيئًا.. فما ظنك إذا اهتدى على يديه أكثر من واحد ثم أكثر من عشرة وهكذا مضاعفات الأعداد.. إنها فرصة ثمينة وباب من أبواب العبادة.

إنها دعوة للخير فربما تدعو شخصًا في اليوم وربما عشرة.. هذا في الورشة وذاك في المنزل وآخر في المسجد ورابع في الشارع العام وخامس عبر مكالمة هاتفية وهكذا.. لكن لكل فرد ما يناسبه من الوسائل الدعوية.

إنها دعوة يسيرة يستطيع أن يقوم بها كل شخص كبر أو صغر متعلم أو عامل بل حتى الأمي.. تقوم بتقديم شريط أو كتيب فقط تكون بهذا داعية.. بل إلقاء كلمة طيبة وأنت سائر تكون أخذت من الدعاة بسهم من عملهم.

أخي المسلم:

وأنت تسير في الصحراء تتلمس طريقك.. إذا بمن يمسك بمنكبيك بقوة ويرفع صوته: انتبه.. قف أمامك هوة سحيقة.. نظرت فإذا بصدق حديثه.. فرحت ودعوت له.. هذه هي الدعوة المخلصة والنصيحة الصادقة.

بعضهم يقول لم أر تلك الهوة!! أين هي؟! لن تعيقنا عن السير..

وآخرون يكابرون ويدعون أنهم رأو الهوة كذبًا.. كيف رأى الهوة السحيقة وهو واضع أولى قدميه في هوة السقوط.. ولكنه يكابر ويقول: كنت منتبهًا فقط أردت أن أجري.. كذب وخاب وخسر..

إنها مواقف ستمر عليك وتلمسها بنفسك وتسمعها بأذنك.. ينالك الخير ويطولك الأذى.


 قبل البداية

قال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...﴾.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في هذه الآية: ذكر الله -سبحانه- مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو: فإنه إما أن يكون طالبًا للحق محبًا له، مؤثرًا له على غيره إذا عرفه.. فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجدال إن أمكن. (انتهى كلام ابن القيم).

فالداعي أمام إنسان مسلم على الفطرة لكن به بعض المعاصي والمنكرات.. وآخر به من الاستقامة الكثير ولكنه لم يتزود من الطاعات. فالأول يحذر من المعاصي والمهلكات والآخر يحث على زيادة القربات.. وكلها دعوة.

وغالب المدعوين من الصنفين إما أن بهم جهلاً لكثير من الأحكام، مثل التهاون في أمر صلاة الجماعة أو حلق اللحية وغيرها، والآخر عنده غفلة وكسل فتراه لا يقوم الليل ولا يتزود من الصدقات والسنن والأذكار وهكذا.

وهناك أمة أخرى من غير المسلمين تحتاج إلى دعوة وإيضاح لهذا الدين ومحاسنه وفضائله.

إن تنوع الأساليب وتعدد أوجه الدعوة من ضرورياتها ومتطلباتها، هذا نوح عليه السلام ما ترك سبيلاً لدعوة قومه إلا سلكه ولا بابًا إلا طرفه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح الآيات: 5-9].

والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي إلى مجامع قريش وأسواقها ويدعوهم إلى دين الله، ووقف مناديًا على الصفا، واتخذ من موسم الحج منبرًا للدعوة، وسار إلى الطائف داعيًا ثم هاجر إلى المدينة النبوية.. إنها أساليب متنوعة وطرق متعددة تخدم الدعوة ولم تقف عند حد.. بل كل أسلوب اتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو له ضابط شرعي فنحن نتبعه ونسير عليه..

ثم لا بد أن يوطن الداعي نفسه على تحمل المشقة والأذى وسماع ما يكره فإنه قد سلك طريق الأنبياء والمرسلين وهو طريق محفوف بالمكاره مليء بالأشواك.. إنه طريق الجنة.

أيها الحبيب:

إن ترتيب الأولويات في الدعوة إلى الله مهم جدًا فالتوحيد قبل الصلاة والصلاة قبل الزكاة.. نبدأ بالأهم فالمهم ونقتفي في ذلك آثار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته. فقد بدأ بالتوحيد ثم تدرج في العبادات وإلا كيف ندعو شخصًا إلى الصلاة وهو يدعو غير الله أو يطوف بالقبور؟

ولقد جاء الإسلام متدرجًا في تشريعاته.. بدءًا بالتوحيد ثم الأمر بفرائض الإسلام وهكذا، بل كان تحريم الخمر وهي أم الخبائث على مراحل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وانتهاء بآية التحريم لها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ولما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...» [الحديث متفق عليه].

أيها الداعية الموفق:

إن عمل الدعوة يلزمه الإخلاص لله جل وعلا وصدق النية رجاء ما عند الله، ومحبة للمسلمين وإنقاذًا لهم من مهاوي الردى ومزالق الانحراف، ورفعًا لدرجاتهم تقربًا إلى الله بالعمل الصالح. وهو فوق ذاك إبراء للذمة ونصح للأمة.. فربما تعلق بك المدعو غدًا لو لم تدعه.. وأخذ ينادي: أنت مسئول عني فلم تدعني.. اهتديت فتركتني.. سمعت بخير ما أعلمتني.. علمت بسنة فما دللتني!!

 الانطلاقة

أعظم دعوة يقوم بها المسلم هي دعوة نفسه.. فيبدأ بها يلزمها الطاعة ويجنبها المعصية.. ويجاهد نفسه في ذلك حتى تستقيم له.. عندها يخلِّص نفسه من عذاب الله -بعفوه ورحمته-.

ومن تأمل سير العلماء والدعاة وجد فيها من مجاهدة النفس والصبر على الطاعة الشيء الكثير.. فهذا أثر عنه صيام داود، وذاك يقوم من الليل ساعات طوال، وآخر اشتهر بالعبادة والورع والتقى.. وكلهم يجاهد نفسه في العبادة والوقوف بين يدي الله بذل وانكسار.. وكل تلك الطاعات تقوي الإيمان وترقق القلوب وتعين على دعوة الآخرين.

ثم الخطوة التالية أن يبدأ الداعي بأقرب الناس وأحبهم إليه من والد ووالدة وأخ وأخت وزوجة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

أخي الحبيب:

الدعاء عبادة عظيمة يشعر فيها المخلوق بعظم شأن الخالق وقدرته على تصريف الأمور.. وهو لجوء إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب.. الدعاء باب ومدخل من أسباب الهداية، فبسبب الدعاء يحصل سكينة في النفس وانشراح في الصدر وصبر يسهل معه احتمال الأذى، وهو منارة للتفاؤل بقبول الدعوة عند المدعو ورجاء أن يقذف الله في قلبه نور الهداية والتقى.

وهناك أناس كثيرون رزقهم الله الهداية بدعوة من الوالدين أو من أخ مشفق ناصح أو صديق مخلص أو زوجة محب.

ويتحرى الداعي أوقات الإجابة، ويتأدب بآداب الدعاء المعروفة، ويسأل الله من منه وكرمه ويلح في الدعاء ويتذلل بين يدي الله رجاء قبول دعوته. ولقد كان الأنبياء والصالحين يدعون ربهم لأنفسهم ولذرياتهم ولقومهم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، ﴿رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ وغيرها كثير.

كان - صلى الله عليه وسلم - يحب التفاؤل في كل شيء.. وهل هناك صحيفة أنصع من صحيفة الدعوة؟ لذا يجب أن تجمل بالتفاؤل وتزين بالبشارات التي وعدها الله للدعاة وقرب استجابة دعوتهم..

ووالله نرى الفرح هذه الأيام من إقبال الناس على الدين فهذا بالأمس فاسق واليوم تقي ورع، وذاك مجاهر بمعصية واليوم تسبقه دمعة الندم.. وذاك كان متراخيًا متكاسلاً لا يقوم الليل واليوم ها هو يصلي الليل إلا قليلاً.. وذاك بالأمس كافر وهو اليوم مسلم.. فاللهم لك الحمد. والتفاؤل وسيلة دعوية للداعي تعينه على دعوته وللمدعو تفرح قلبه وتسر خاطره.

على الداعي الالتزام في النصيحة بما وافق الكتاب والسنة فلا ينصح بأمر إلا وهو عالم به متأكد من ذلك، ولا ينهى عن أمر إلا مثل ذلك ولكن لا يشترط للداعي حفظ الدليل ومعرفته.. بل ما علم من الدين بالضرورة يكفي للداعية العادي.

ولذلك فإن من أهم وسائل الدعوة تعلم العلم النافع للداعي لكي يتسلح الداعي بسلاح قوة فربما يحتاج إلى مناقشة وطرح أفكار فالعلم بالشيء الذي فوق طاقة الداعية يراجعه وينظر فيه لكي تكون دعوته على بصيرة وعلم.

أخي المسلم:

ينبغي للداعي أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا، فإن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة.. فالداعي أيًا كانت منزلته وأيًا كان عقله وعلمه ليس بأفضل من موسى وهارون، ومن وجهت إليه الدعوة ليس بأخبث من (فرعون) وقد أمرهما الله جل وعلا (باللين) معه في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.

ذلك أن المقصود من الدعوة إلى الله تبليغ شرائع الله إلى الخلق ولا يتم ذلك إلا إذا مالت القلوب إلى الداعي، وسكنت نفوسهم لديه، وذلك إنما يكون إذا كان الداعي رحيمًا كريمًا، يتجاوز عن ذنب المسيء، ويعفو عن زلاته، ويخصه بوجوه البر، والمكرمة والشفقة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وينبغي أن يكون الداعي حليمًا صبورًا على الأذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

 خطوة خطوة

للمسلم كبوة تبقيه على إسلامه ولكنها تقدح في إيمانه، فكم من مسلم مقيم على منكر، مصر على كبيرة تارك لواجب، متساهل في أمر الخير وغافل عن الفضائل.

وهناك أناس غير مسلمين أليس لهم دعوة؟! وهناك أهل شرك وخرافة.. أليس لهم دعوة؟!

ولكن كيف الوصول إلى قلوبهم.. هناك طرق وأساليب وهناك عوامل مساعدة وكلها تصب في هدف واحد ألا وهو محاولة هداية المدعو فالداعي يأخذ بيد المدعو من حال سيئة إلى حال حسنة ومن حالة مفضولة إلى حالة أفضل.. يسد ثغرات الكمال في دينه ويرشده إلى أفضل الأعمال وأتمها وأكملها.

وبعض المدعوين يكون لديه قبول للخير والأمر بالمعروف ولكنه ينفر عند نهيه وزجره عن منكر لأنه يرى ذلك تسلطًا وتدخلاً وما ذلك إلا من جهله.

فيقدم الداعي له الخير ويدله على طريقه ويؤخر النهي عن المنكر الذي هو واقع فيه إلى حين، فإن النفس إذا أشربت طريق الخير وازدادت تعلقًا به سهل نهيها عن المنكر، بل ربما تكون هي ناهية عن منكرها ومنكرة له فإن الخير يطرد الشر ويبعده ويقلل منه.


أخي المسلم:

يدعى كل كافر وكل مشرك وكل عاص درجات وطبقات.. فيها خلل ونقص.


 لله الأمر

لا بد من اليقين بأن الهداية من الله وأن الداعي سبب سخره الله لهداية هذا الفرد، فالله جل وعلا جعل أمر الهداية بيده «... ولكن الله يهدي من يشاء». ولذا علينا بذل الأسباب والتعلق بالله جل وعلا لقبول هذا السبب وهداية الفرد على يدي الداعي.

فعلى الداعي ألا يستعجل أمر دعوته وليس عليه أمر متاعبة النتائج يكفي أنها دعوة خير مأجور عليها قبل المدعو أم أعرض فهو مأجور على حملها معذور على عدم نجاحها: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.

بل الحد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.

والداعي لا يملك من هداية الناس أكثر من نصحهم وإرشادهم وتبيين الحق لهم أما هداية التوفيق فمن الله، وهذه المعرفة هي المحرك لعمل الداعية وتعتبر عاملاً دعويًا مهمًا لا بد أن يتأصل في نفس الداعي حتى يجتاز الوهن والضعف.

أيها الداعي:

قد يجتمع عامل الزمن وعامل المكان ولكن نفس المدعو لم تنفتح للخير، وربما جرب الداعي أكثر من زمان وأكثر من مكان فاجتمع له ما أراد من الزمان والمكان ولكن الله لم ييسر ذلك الأمر على يديه..

وقد رأيت بعض الشباب المتحمسين لدعوة غير المسلمين يوضحون ذلك للمدعو بقولهم: إن الإسلام نور يقذفه الله في قلب من يشاء وإلا فالحجج والبراهين الدالة على الله عز وجل ليست هي كل شيء لإسلامك مع أنها براهين قاطعة واضحة ولو كل من سمع بها أسلم لتغيرت الحال ولكن إذا أراد الله بك خيرًا شرح صدرك للإسلام ربما في هذه اللحظة أو بعد يوم أو سنة.. وإن لم يرد هدايتك فلو بقينا معك أبد الدهر لن تسلم إلا بمشيئة الله جل وعلا.


 ما بال أقوام

بعض أنواع النصيحة المباشرة في مجتمعنا الحالي لها بعض المحاذير لسوء الأنفس وعدم تعودها للنصح منذ الصغر.. وهذا ملاحظ في كثير من الأفراد حتى بعض الأخيار منهم إذا نصحته مباشرة ربما سببت هذه النصيحة بعض الجفوة بينك وبينه.

وأذكر أن أحد الشباب نصح أخًا له عن رائحة كانت تصدر من أبطيه وأشار عليه ببعض المستحضرات التي توقف انتشار هذه الرائحة وأنها موجودة في الصيدليات وقال له.. كنت أعاني ما تعاني منه حتى بدأت أستعمله فاختفت الرائحة.. فكان أن شكره ولكنه بدأ يتثاقل زيارته حتى طالت الوحشة بينهما.

والعجيب أمر التربية في هذا الجانب لو رأيت ملاحظة على بعض من تعود النصيحة وهو من الكفار واستدركت عليه أمرًا لشكرك على ملاحظاتك.. وهذا من التعود، فينشأ منذ الصغر على قبول الاستدراك والملاحظة ونحن أولى بهذا منهم.

ومن رأى أن النصيحة ربما تجدي في أمر من الأمور فإن من حسن الأدب تقديم ثناء محق على المنصوح بأنه فيه كذا وكذا.. ثم يكمل: غير أنني رأيت فيك خلة عجبت أن لا تتداركها وهي كذا.. فربما أن المنصوح من أصحاب القلوب المفتوحة والصدور السليمة فيقبل شاكرًا داعيًا.

والنصيحة المباشرة قد تكون ضرورة لبعض الأفراد الذين لا يمكن طرق الأساليب الأخرى معهم للتعنت الذي يبدونه فينصحهم مباشرة شخص له مكانته ومنزلته.. ويكون في حالة المكابرة نوع من العقاب والتأديب بل والفرض والإلزام أحيانًا.

وبعض الناصحين يتدارك المواقف الحرجة حين النصح ويأتي بعده بنكتة لطيفة أو كلمة تضفي جو الدعابة حتى لا يحرج المنصوح.

وهناك مواقف سريعة مثل وجود منكر في السوق للداعي وليس له وسيلة للدعوة إلا الإنكار باللسان مثلاً فلا يتأخر.

التعريض في الحديث وسيلة دعوية غير مباشرة قد تجدي كثيرًا مع أصحاب الفطر السليمة ممن يغلب عليهم الحياء وربما يصدمهم النصح المباشر فيكون التعريض أسلوبًا يرفع الحرج عنهم. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض في خطبه كثيرًا.. بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أقوام..».

وللتعريض أسلوب يطرح فيه بحيث يكون ضمن حديث غير متكلف وهذا يرجع إلى مهارة المتكلم وتسلسل أفكاره.. في وسط الحديث أو في نهايته حسب الحال.

فمثلاً يعرض بقوم هم جيران المسجد ولا يصلون ومن عوائل معروفة مع الأسف ولقد تحدث جماعة المسجد عنهم كثيرًا.

وهكذا يعرض للمرأة بأن الرجال ينتقدون المرأة الخراجة الولاجة التي لا يهنأ لها بال حتى تطأ قدمها عتبة السوق.. وتعرض الداعية بما رأته كثيرًا في حفلات الزواج من اللباس غير المحتشم، وتستدل بالفتاوى في ذلك.. وهي تقصد المتحدثة إليها..

أيها الحبيب:

للرسائل الشخصية أثر محمود قد لا يتوفر في غيرها من الوسائل ومن أهمها أنها تبقى مدة في يد المرسل إليه يقلبها ويقرأها ويتمعن فيها.. بل ويعاود تفسير معانيها ومراجعة كلماتها مرات عدة بدون حرج، ثم إنه لا يعلم من المرسل لكي يتتبعه إن كان ذو طوية سيئة أو يشتمه أو يعاديه. كما أن في عدم معرفة المرسل الحرية في ذكر كل ما يريد أن ينصح به.

وللرسالة شروط النصيحة بشكل عام فلا يفتري عليه أو على أهل بيته بشيء وتجمل الرسالة بكلمات المحبة والأخوة في الله.. ويتلطف في النصح حتى لا يحدث رد فعل ويدعو له بالهداية والتوفيق والفلاح والنجاح. ويبتعد في رسالته عن الأمور الخاصة التي لا يعلمها إلا قلائل حتى لا يظن بأحدهم ثم يكرهه.. بل تكون عموميات وإن كان لا بد من ذكر الأمر الخاص فيضيف له أمورًا أخرى حتى لا يبقى التركيز منصبًا على الأمر الخاص بعينه. وتكتب بخط جميل واضح وإن كان بجهاز الكمبيوتر فهو أولى.

وللرسالة الخاصة وقع كبير وأثر محمود يلمسه كل ناصح ومحب ومشفق.

والنصيحة كلمة عامة جامعة يعبر بها عن جملة إرادة الخير.


قال الشاعر:

تعمدني بنصحك في انفراد

وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع

من التوبيخ لا أرضى استماعه

وإن خالفتني وعصيت قولي

فلا تجزع إذا لم تعط طاعة


 مفتاح القلوب

الابتسامة الصادقة أولى علامات المحبة وإظهار الود.. إنها تزيل الفرقة وتبعد الوحشة.. وهي رغم أنها بسيطة وسهلة فهي صدقة قال - صلى الله عليه وسلم -: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»([1]) فكم من الصدقات أضعنا بعبوسنا وتقطيب جباهنا في وجه إخوتنا المسلمين.. إنها المدخل الأول والعنوان الواضح لما في القلوب.

أخي الكريم:

المظهر الطيب علامة على ما بداخل الشخص..

فالمظهر الطيب في المجلس والمأكل والمشرب ويتبعه غض الطرف وخفض الصوت وحسن الأدب مع الكبير والعطف على الصغير.. كلها تنعكس على المدعو فهي مظاهر طيبة بادية على الداعي.

إفشاء السلام دليل مودة وصدق محبة، فالسلام يزيل ضغن القلوب وحقد النفوس ويسقط الرسميات والحواجز، وللسلام أخوات وهي السؤال عن الحال والأبناء وربما الوالد والوالدة وهكذا تتسع القاعدة يومًا بعد آخر حسب توسع المدعو في الإجابة فربما قال: إن الوالدة مريضة فيبدأ السؤال عنها بصفة خاصة وهكذا يكون السلام قنطرة للسير على دروب الإخاء والمحبة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [رواه مسلم]. وليعلم الداعي أن كثرة الأسئلة فيما لا يعني مذمة ومنقصة.. وهي منفرة للمدعو. فليسأل الأسئلة العامة ولا يكثر منها.. يكفي سؤال الأدب والمجاملة.

يتبع ذلك إظهار التشجيع والفرحة لخصلة طيبة في المدعو حتى يكون ذلك التشجيع حاجزًا له عن النكوص والتكاسل.. فإذا كانت الطالبة تحفظ القرآن تشجعها المدرسة أمام الملأ وتجعلها قدوة للطالبات حتى يكون ذلك دافعًا لها إذا تراخت وكسلت.. والآخر يصلي ولكنه يخشى عليه من التهاون فيذكر أنه -ما شاء الله- من المحافظين على الجماعة ولا تفوته تكبيرة الإحرام فيكون له نوع من الحرج إذا تأخر أو تكاسل.. ويكون هناك نوع من المتابعة الشخصية والمداومة على السؤال عن صلاة الجماعة أو حفظ القرآن.. مقابلة أو مهاتفة.

إظهار الفرح والسرور والاستبشار لترك معصية أو فعل طاعة ومحافظة على خير وإعلان ذلك تعريضًا أو تصريحًا حسب الحال.

فمن عُلم أنه بدأ يحفظ القرآن يؤازر ويشجع، ويدل على طرق الحفظ ومن هم العلماء المشهود لهم بالقراءات وهكذا.

أما الاستبشار بالإقلاع عن منكر، فيكون بطويه وعدم ذكره ونسيانه حتى لا يكون الإنسان في كل يوم يتذكر ما تركه ويسوءه أنه فعله في يوم مضى.. وربما تكون من عوامل انتكاسة المدعو إذا استسلم لها.

خلق الله الناس وجعل بعضهم لبعض سخريًا، فهذا رب متجر وذاك مدير مكتب وآخر مدرس في مدرسة وآخر تحت يده من العمال الكثير.. ولا شك أن حسن الخلق والتلطف مدعاة إلى قبول النصيحة بل والتأثر بالأفعال والتصرفات وذلك نابع من محبة الكبير والمسئول في القلب لحسن تعامله.

ولذلك فإن سماحة النفس وعدم الكبر والتغطرس والمعاتبة صفات مهمة فالناس تكره صاحب الرغبات الدنيوية المنتصر لنفسه، وبعض هذه الصفات تظهر في الحياة بوجه عام وأخرى تظهر في حين النقاش ومحاولة الانتصار للنفس واستعلائها، فالداعي مقرب وليس منفر منتصر للحق، إن أخطأ اعتذر وإن لم يطلب منه ذلك؛ لأن هذا من حسن الخلق ومن صفات الداعية الموفق.


 استثمار الفرص

الفرص الدعوية كثيرة ولكن بعضها قد لا يتكرر مرة أخرى؛ مثل جلوس الداعي بجوار شخص في الطائرة أو في صالة مستشفى أو في غيرها.. قد لا ترى الشخص مرة ثانية.

وهناك فرص قد لا تتيسر لك أنت مرة أخرى فالمرور بقرية على الطريق العام وأنت مسافر للحج أو العمرة أو السياحة أو العمل أو غيرها ووضع كتب وأشرطة في صالة المستشفى الصحي أو لدى الإمام المؤذن؛ لتوزيعها قد لا تحصل لك مرة ثانية وإن حصلت فهي على مدى شهور بعيدة. كما أن ذهابك لإصلاح سيارتك قد يكون مرة أو تزيد في العام كاملاً فهنا فرصة التعرف على العاملين في هذا المجال واهدائهم كتبًا وأشرطة بلغتهم.

وتتنوع الفرص بحسب الزمان والمكان وبحسب الحالة النفسية للمدعو. ولا شك أن تهيؤ الجو العام للدعوة مدعاة إلى الجد والاجتهاد فالكتاب سعره متوفر والشريط في كل مكان والقبول واسع..

هناك دول لا تعرف الكتيب ولم تر الشريط!! ربما بريال واحد تشتري به كتابًا، وتهديه يهتدي على يديك فرد أو أسرة، أو مجتمع!! فكم لك من الأجر والمثوبة مقابل هذا الريال؟!

أيها الداعي إن من حمل هم الدعوة إلى الله شرعت الأبواب أمامه ووجد حلاوة في الدعوة.. وليس هناك ما يدعو إلى عدم طرق الأبواب ودخولها.. البعض لازمه التقصير وأخذ منه العجز وإلا فهي دعوة الأنبياء والمرسلين والصالحين.

أخي الكريم:

لبعض المناسبات أثر في قبول الحق فيحرص على تلك المناسبات مثل الحج والعمرة وغيرها فإن كان المدعو قريبًا أعانه وضيق عليه طريق الأعذار ورتب له كل شيء حتى يوافق للذهاب للعمرة أو الحج. ويوجد بين ظهرانينا من لم يحج وله من العمر أربعون سنة أو تزيد مع سهولة المواصلات وانتشار الأمن وتيسر السبل فالحرص على هؤلاء واجب، حتى يؤدوا فريضتهم لأنه لا يعلم ما في الغيب من مستقبل الأيام إلا الله.

وللعمرة في رمضان شعور روحي يتضاعف بأهمية هذا الشهر وقرب الكثير إلى الله ومداومتهم على العبادة فتكون نفوسهم أقرب إلى قبول الحق.. وهناك أمر مهم في هذا الشهر وهو رغبة الكثير في قراءة أي شيء حتى يقطع به ساعات النهار فيهدى له من الكتب ما يجعله ينصرف عن قراءة المجلات غير المفيدة ومشاهدة المسلسلات والأفلام التي تغزو الأمة في هذا الشهر كغزو النار للهشيم.

وبمناسبة رمضان يدعى الكثير إلى البذل والإنفاق ويعان على ذلك بذكر أماكن الفقراء وعناوين الهيئات والمؤسسات الخيرية ويدفع إليه بتقارير عن أعمالها ونشاطها.

وفي رمضان يتوسع الناس في أمر الزيارات والبعض يجلس في مجالس طويلة تقارب وقت السحور فيجب الاستفادة من هذه الأوقات في زيارة صحبة طيبة للرجال وصحبة طيبة للنساء ومحاولة الاستفادة من الوقت.

وكثير من الشباب في رحلة الحج يذهب معهم من يرون أن يحتاج إلى تثبيت أو دعوة للالتزام ويلحون عليه بشتى الطرق حتى يذهب معهم ويأنس بحديثهم ويرى من خدمتهم له وحسن أدبهم حتى إذا عاد لم يتركهم فيستقيم أمره. وكثير من النساء تصر على أن تذهب للحج رغبة في أن يهدي الله محرمها في تلك الرحلة خاصة مع وجود الحملات وكثرة الدعاة فيها وإقامة برامج دعوية في تلك الأيام، وكثرة الأخيار في الحملة، فربما يأنس بهم، وربما تتفق مع قريبة لها أو صديقة لكي يكون قريبها مرافقًا هذا المحرم فتستمر العلاقة الطيبة ويأخذ بيده في الحج وبعده.

في حدوث المصائب والنكبات تنبيه وعظة لبعض الناس وإحياء لقلوبهم فتكون فرصة مناسبة للدعوة لتهيؤ النفوس وقبولها الموعظة والنصيحة.. فيذكر أجر الصبر ويطيب خاطره ويذكر بالله وجنته وناره.. فتكون هذه الحادثة نقطة بداية للمدعو.

كما أنه يَعِنُّ للداعي أمور لم يحسب لها حسابًا مثل سفر مع صحبة أو رحلة مع زملاء، والناس تحب صاحب النفس السخية الخفيفة الذي يخدمهم ويكرمهم ويسأل عنهم ويقرب لهم البعيد ويدني لهم القريب.. كل تلك بشائر محبة تدخل قلب المدعو دون أن يشعر وتجعله يكبر فيه خلقه وحسن أدبه وطيب معشره. وهذا مدخل للدعوة بل إنه فتح للقلوب على مصرعيها لما استقر في النفس من المحبة والمودة للمدعو.

في المجالس الخاصة والعامة يكون لإشاعة وذكر المشاريع الإسلامية والدعوية أكثر من هدف فمن دعمها بالدعاء إلى مدها بالمال إضافة إلى معرفة الناس لها وتفاعلهم معها ونشر الحس الدعوي لدى المدعو وأن المسلمين بحاجة إلى ذلك المشروع أو غيره وفي ذكر تلك المشاريع أيضًا إشادة بالعاملين وتثبيت لهم.

وكذلك فإنه يجب على الداعي أن يختلق مناسبات الحديث ويوجه المدعو.. ويتحدث عن موضوع معين ابتداء أو يتعرض له أثناء حديث آخر ويشيد بالكتاب الفلاني ويذكر نقاطه المهمة ويعدد بعض مزايا الكتاب حتى يشد المدعو ويجعله في لهفة لقراءة الكتاب.. ثم يعقب الداعي إذا رأى تلك اللهفة: سيكون الكتاب عندك غدًا هدية مني..

أخي الحبيب:

لا يعلم ما في مستقبل الأيام إلا الله وحده، فمن غنى إلى فقر ومن صحة إلى سقم ومن حال إلى حال..

غدًا ربما لا يتوفر لك وقت للدعوة بسبب معين.. وربما لا تجد مالاً لتشتري شريطًا أو كتابًا، وإن توفر المال قد لا تجد الكتاب والشريط..

أما وإنك اليوم في صحة.. فالسقم قادم إليك والموت سائر نحوك فأيها الحبيب متى تدعو؟!

اليوم أنت طالب في مدرسة وغدًا قد لا تجد هذا المجتمع. بل وربما ينأ بك المكان فلا تجد من تدعوه. والساعة الآن كل الأبواب مشرعة فإن أقبلت أقبل عليك الخير وإن أحجمت فقد تغلق الأبواب.

إنها براءة للذمة وزيادة في الحسنات ورفع للدرجات.. كن متجردًا في الدعوة رغبتك التقرب إلى الله.. مخلصًا له ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فهذه الآية جمعت الإخلاص وشرط البصيرة والعلم.


 تهادوا تحابوا

للهدية وقع في النفس فهي تقرب القلوب وتزيل الأحقاد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تهادوا تحابوا»([2]) وليست الهدية مرتبطة بغلاء ثمنها. بل هي للتواصل والتذاكر أرفع من قيمتها المادية. والكثير غفل عن أمر الهدية ولا يذكرها إلا عند المناسبات كالزواج والولادة.

والهدية بذاتها مناسبة مستقلة فمن الممكن اختلاق المناسبة ابتداءً. ويفضل أن تكون الهدية فيها فائدة مثل إهداء كتاب أو شريط أو أمهات كتب أو اشتراك في مجلة أو مجموعة من المساويك أو مصحف مجلد عليه اسم المهدى إليه.. وغيرها كثير..

وهناك جانب آخر وهو سد النقص لدى المهدى إليه فإن كان في حاجة إلى مدفأة أو مكتبة أو برداة ماء أو غيرها فهذا أولى؛ لأن في ذلك تلمس لحاجته ولا يمنع الجمع بين أنواع الهدايا على فترات متباعدة خاصة ما رخص ثمنها، ولو جمعنا إهداء من داعية لفرد واحد في عام كامل لما تجاوز ألف ريال.

ومن الأمور المعينة على ترك المنكر إهداء ما يعين على تركه مثل إهداء جوارب لستر القدمين بالنسبة للنساء، وكذلك إهداء ما فيه إعانة على الطاعة والستر والحشمة مثل عباءة واسعة وساترة وتكون من نوع جيد.

أيها الحبيب:

يهدي الله على يديك مسلمًا بألف ريال؟ رخصت البضاعة فأين المشمرون؟


 أبواب مشرعة

العمل الفردي عمل لا حدود له ولا قيود.. هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بداية الدعوة وصعوبتها اتصل بالرعيل الأول الذين أسلموا على يده وكونوا نواة لهذا الدين.. فالدعوة الفردية دعوة لا تعرف مواطن الشدة ولا الضيق لأنها في متناول الداعي في كل وقت وحين.. مقابلة أو مهاتفة أو مكاتبة أو بواسطة شريط أو كتاب أو غيرها..

ويعتقد كثير من الناس أن الدعوة الجماعية من على المنابر وفي التجمعات هي الأجدى ولكن بالتجربة والاستقراء فإن الدعوة الفردية تحقق ما لا يمكن تحقيقه على رءوس الملأ ولا شك أن في كل خيرًا.

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ شعار رفعه في سبيل تأليف القلوب بين عائلته فإن العداوة والبغضاء تأكل قومه.. حلقت الدين وحصدت الحسنات.. فلك أيها الداعي أجر تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين.

ويستفاد منها في الجانب الآخر حب الناس لك وقبول دعوتك وسماع قولك.

من وسائل استمرار المدعو تثبيته ومواصلته بالزيارة والسلام عليه وصلته وتفقد أمره وعدم الانقطاع عنه فإن الإنسان ضعيف تتخطفه الشياطين من كل ناحية فهو بإخوانه أقوى وأشد.

بث الأمل في النفوس بأن النصر لهذا الدين وترديد الآيات والأحاديث التي تبشر بذلك فإن ذكر تلك البشارات حث للنفوس وتشمير للهمم وصبر على الأذى واستمرار على الطريق.

مشاركة المدعو في اهتماماته حتى وإن خالفت اهتماماتك؛ لكي يركن إليك ويحرص على محادثتك وينشأ بينكم نوع من الود يكون طريقًا للدعوة. وقد قيل: الطيور على أشباهها تقع، وما ذاك إلا من تقارب الاهتمامات وحسن المودة.

صلة الرحم من أبواب الدعوة غير المنظورة لما في ذلك من حسن الثناء على الملتزمين والدعاة وذكرهم بصفات تحبب النفوس إليهم وتجعل المدعو يقبل على الاستماع لحديثهم وتقبل دعوتهم.

تخصيص وقت دعوي ساعة في الأسبوع إذا كان العمل جماعيًا سواء في المعهد أو المدرسة أو المصنع فإن ذلك أقرب إلى دعوة شخص بعينه.. بحيث لا يتم التركيز عليه إلا في وسط الجماعة لأي سبب كان..

إظهار المحبة في المقابلة والمهاتفة والدعاء للشخص المقابل بأدعية متصلة تؤثر في نفسه وتحرك شجونه مثل حرم الله وجهك على النار.. أسكنك الله الفردوس الأعلى.. رفع درجتك مع النبيين والصديقين والشهداء.. بلغك الله أعلى منازل الجنة..

فإن لتلك الأدعية وقعًا في النفس فهي تفسح المجال لسماع ما بعدها من نصيحة أو توجيه أو حتى كلمة عادية والهدف زرع المحبة وربطه بتلك النظرة البعيدة في الآخرة.

لعامل الوقت أهمية في الدعوة فاختيار الوقت مهم جدًا في الزيارة.. فلا يطرق على المدعو في وقت راحته أو أكله أو نومه.. وهناك أوقات تختار بعناية لتساعد الداعي في الدعوة مثل رجل متكاسل في الصلاة فيزوره الداعي قبل الأذان بدقائق وعندما يؤذن يعرض عليه الذهاب معًا إلى المسجد.. فيكون في تلبية الدعوة بداية تطبيق عملي للقبول.

في أحيان كثيرة يكون الزمن عاملاً مهمًّا في الدعوة فمثلاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ربما تكون المدة الزمنية هي مدة رؤية المنكر.. فتلك امرأة متبرجة مرت من أمام رجل لديه فرصة ثوان فقط؛ لإنكار المنكر فإن استفاد منها وإلا احتاج إلى إيجاد فرصة أخرى مثل مرورها ثانية أو اللحاق بها. والفرصة الأولى أدعى للوقار وأسهل في الوصول. فيجب عدم التردد في أمر النصيحة وتوطين النفس عليها وعلى ما سيلاقيه في سبيل ذلك.

ويكون التعود على الاستفادة من الفرص وعدم التردد بتعويد النفس ومجاهدتها وإذكاء الغيرة الإسلامية فيها.

قد لا يكون للداعي قبول مباشر أو قد يكون استنفد وسائل الدعوة. فهناك إمكانية دعوة المدعو عن طريق طرف خارجي. مثل دعوة البنت عن طريق أمها أو صديقتها أو الزوجة عن طريق أحد الأصدقاء ممن يعتمد على دينهم وصحبتهم.. أو عن طريق أحد الزوجين.

فبين الزوجين حبل مودة ورحمة جعله الله سببًا لاستمرار الحياة بينهما وأحيانًا يكون الزوج هو المدعو والزوجة هي الداعية وأحيانًا العكس.

ويختلف أمر دعوة الرجل لزوجته بحكم الولاية والقوامة وسرعة قبول المرأة لفكر وتوجيه زوجها.

وأسرع الوسائل من أي من الطرفين هو حسن الخلق وبذلك النفس وحسن العشرة وطلاقة الوجه والتوجيه غير المباشر وله منطلقات عدة ومسارات مختلفة بحسب الداعي ونفسيته والمدعوة ونفسيتها وتربيتها.

وللزوجة أن تدعو زوجها بالتي هي أحسن وتجمل له سماع بعض الأشرطة وقراءة بعض الكتيبات وتضع بين يديه ما تريد من الكتب وتدعه يطلع عليها بمفرده.

كما أن التأثير ربما يكون من الخارج فتحاول أن تزورها صديقة لها.. زوجها صالح ومستقيم فربما تنشأ بينهم نوع من العلاقة تزداد مع الأيام وتتطور مع مرور الزمن.

وقد يضطر الزوج لتجاهل طلب زوجته زيارة أناس يرى أن لهم تأثيرًا سيئًا على دين زوجته وفكرها وله أن يبدلها بتعويض مناسب مثل زيارة عائلة أخرى أو كلمة حانية طيبة حتى تهدأ نفسها.

أما الزوجة وهي غالبًا الداعية كما نسمع فإنها ستواجه صعوبات كثيرة خاصة إذا كان الزوج من أصحاب الشبهات ويجمع مع تلك الرداءة سوء الخلق. فيجمع عليها هم الدين وغم التعامل لكن هذا هو مجال الدعوة وركن الصبر وإلا فكيف تكون داعية وزوجها مستقيم يعينها على الطاعة؟ إنه جهاد له ثمن وصبر له نهاية وربما يعجل الله بطريق الهداية أو بفرج من عنده.


 يا أبت

الداعي ينقذ المدعو وينقذ أسرته ومن وراءه من عذاب جهنم.. إنه يأخذ بيده ويبعده عن طريق المهالك ومفازات الصحراء، ويبين له طريقًا فيه أجر من واجب أو سنة أو مستحب فله من الأجر مثل ذلك.

للوالدين حقوق كثيرة لا تخفى على عاقل.. والناس تلاحظ ذلك وتراعيه وأذكر أن أحد الشباب قد تقدم لخطبة فتاة فسأل والد الفتاة أباه: كيف بره بك؟!

ولا شك أن ذلك أكبر منطلق للبر بالأم والزوجة والأخت.

والناس تحت صاحب الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة وتتعاطف مع كبار السن ممن يحتاجون إلى أبنائهم.

وقد ذكر لي أحد الأخوة عن رجل كبير في السن وله منصب وجاه ولم يكن ذا التزام كامل فكان أن مرض وبدأ كبار القوم ووجهاؤهم يزورونه فجعل يثني على أحد أبنائه علانية وأنه بار به لا يفارقه ليلاً ولا نهارًا.

فالتفت القوم إلى الابن البار فإذا عليه سمت الصالحين وسيمًا للخير فكان داعيًا صامتًا. وقد ذكر الشيخ أحمد القطان كيف كانت توبة والده وهي حول هذا الموضوع. وكثير من الشباب الملتزمين ليس لوالديه نصيب من الدعوة بل ولا من التلطف وحسن الأدب وقضاء الحوائج فمن أولى بذلك؟ أتدعو صديقك وتترك أباك وتدع أمك؟!

لذلك فإن بسط الوجه والإحسان إلى الوالدين وخدمتهما والسهر على راحتهما مفتاح للدعوة إلى الله في قلوبهما.

أخي المسلم:

يغفل كثير عن أمر دعوة من حوله مع أنهم إذا اهتدوا والتزموا يعينون على الطاعة ويثبتون على الحق فهم الأكثر التصاقًا بالمدعو.. بل إن منهم من سيكون له تأثير على تربية أبناء المدعو والمدعوة كالخال مثلاً فهدايته مدعاة إلى المحافظة على صلاح أبنائه؛ إذا رأوا خالهم وأبناءه على حال طيبة.. أما إذا كان الخال على سوء حال والأبناء والأم لا بد أن يذهبوا لأخوالهم قلت أو كثرت تلك الزيارات فإن ذلك له آثار سلبية على الصغار.. وطول مدة الدعوة في هذه العلاقة تجعلها تسير ببطء وبنفس دعوي مركز سيثمر إن شاء الله..

أخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم».

وهذا سعد بن معاذ رضي الله عنه لما أسلم قال لقومه بني الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا. فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام.


 العدو

للدعوة عداء مع اليأس.. فلا يأس مع الدعوة، والدعوة ليست مرة واحدة لنقف بعدها.. بل تكرر المحاولات وتعاد المرات مرة بعد أخرى حتى ينتهي وقت الدعوة وهو نهاية عبادة الله وخروج العبد من الدنيا.. عندها يتوقف أمر الدعوة.. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - وقف على رأس عمه وهو في الموت يقول له: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» متفق عليه.

لذلك فاليأس داء قاتل ويجب الحذر منه فإنه يؤدي إلى المهالك، وربما قاد إلى الانفعال في النصيحة وهذه ضررها واضح، ولكن يكفي الداعي أنه وضع لبنة أولى ورسم معلمًا واحدًا، فيأتي من يتمم بعده ويكمل الطريق فلا يصادم المدعو ولا يولد عداوة وكرهًا بل يقف عند حد الدعوة وعدم الانتصار للنفس.


 وقفات

إن بث الحماس في الناس وتجديد معلوماتهم عن سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أصحابه وكذلك التاريخ الإسلامي والمواقع التي جملت جبينه على مر الأيام فيها إذكاء لحماسهم وتقريبهم إلى الأعمال وتحبيبهم إلى حب هذا الدين.

وفي المقابل فإن من أبواب الدعوة غير المباشرة ذكر مآسي المسلمين وما يعانون من فقر وجهل وقتل وتشريد، ويعرض في ذلك شكر للنعم التي نعيش فيها ودفعًا للمدعو إلى التفكر في الفرق بين الأمم وما حل بها من العقوبة لما اقترفوه. وهذا يرسخ في الإنسان المدعو فضيلة التفكر والنظر في مآل ومصير الآخرين وما هو فيه من نعمة وأمن. ثم إن ذلك يحرك كوامن الإسلام في نفسه ويوقظ قلبه من سباته.. وينفخ في نار تحت رماد المعصية فربما يهب من سهوه ويصحو من سباته ويستيقظ من غفلته.

ذكر البشارات المفرحة لكي يطمئن قلب المدعو.. مثلاً ذكر الأحاديث في باب المحافظة على الصلاة «ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه» وحديث: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» وهكذا من البشارات التي تفرح المدعو وتجعل نفسه تطمئن وتنشط.

أيها الداعية:

من مظاهر الدعوة الصامتة الاعتزاز بهذا الدين والتفاخر به وتطبيقه في الحركات والسكنات والمظهر والمخبر على الأبناء والزوجات.. وعلى نفس الداعي، فتراه ملتزمًا بأمر الله معتزًا بأعمال لا يطأطئ رأسه ولا ينحني إلا لله.. وبعض الأطفال يحرج إذا سئل هل لديكم تلفاز أو دش في البيت؟! لكن إذا كان قد ربي على العز والفخار، أجاب: لا بملء فيه.

ولا شك أن في ذلك لفتًا للنظر بل ومدعاة للسؤال وإن أجاد الطفل والإجابة ووضح الأضرار والمساوئ كان قد أدى المقصود والمراد.

لإمام الحي مكانة في النفوس خاصة إذا كان عالمًا أو طالب علم وله نشاط ملموس في الحي، وكلما تقاربت مساكن الحي كانت كلمة الإمام أكثر وأجدى لقربهم من المسجد.

وللإمام طابع رسمي يعين على الاستفادة من مركزه في الزجر والتحذير في حالة عناد ومكابرة المدعو وهي مرحلة متأخرة تأتي بعد الدعوة بالحسنى.

وعن طريق الإمام يكون هناك ترتيب كامل للحي وترتيب للدعوة وتوزيع للكتب عن طريقه وتحدثٍ باسمه.

كما أن زيارته للمدعو لها أثر طيب ووقع حسن في النفس، وقد تكون هذه الزيارة ابتداء من الإمام إذا كان من أهل الدعوة وقد تكون بطلب من أحد الجيران أو الزوجة وغيرها.

ولا شك أن الاستفادة من ممارسات الآخرين وأعمالهم والأخذ من تجاربهم أمر مهم وضروري لأن الداعي مثل البائع الذي يعرض سلعته وبعض البائعين قد تمرس في البيع وعرف المداخل والمخارج فهكذا الداعية كلما ازداد مسيرًا في طريق الدعوة زاد خبرة ومعرفة بأحوال الناس وأسهل وأيسر المداخل.

في كل مدعو غالبًا نقاط خير متعلق بها فيزداد منها، ويحث على الإكثار منها وينظر إلى نقاط الشر الأقل تعلقًا بها فينهى عنها في بادئ الأمر فإن التزود مما تحبه النفس فيه يسر وكذلك النهي عن بعض المنهيات التي يتعلق بها الشخص تعلقًا يسيرًا أمر فيه سهولة أقل من قطع الصلة بسرعة لما هو متعلق به.. فالتدرج ضروري.

ولا بد من البحث عن أسباب وقوع المعاصي والبحث عن أسباب دواعي الخير فتلك المعلومة تقلل من وقوع المعاصي ومعرفة مداخلها فتغلق أو تضيق وهو أمر مهم أما فعل الخير فيزاد ويستدرك.

توطين النفس وتعويدها على البذل والجود بالمال والوقت والعلم فإن تلك الصفات مما يحبه الناس ويقبلون من صاحبها فالجود سبب لانفتاح القلوب وهي صفة إذا عرفت عن الداعي أصبح محبوبًا ومقبولاً:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسان إحسان


 لا تزل قدمك

للداعي خط واضح يكفي أنه سائر على طريق غير مستوحش فيه لأن أقدام الأنبياء والصالحين سارت عليه.. فهو يسير على الخطى ويقتفي الأثر.

وقد جمعتني ببعض الأحبة مناسبة أسلم فيها بعض الأجانب وكان محور الحديث فيها عن الإسلام وكيف أسلم كل فرد منهم.

وعندما أتى الحديث إلى أحدهم قال: كنت طبيبًا ولا أزال وأعمل مع الموجودين في المجلس وأحمد الله أن منَّ علي بنعمة الإسلام. ثم ذكر بداية معرفته بالإسلام فأشار إلى بعض الحاضرين وقال: هذا دعاني مرة وأخرى وثالثة وأنا معرض عنه حتى أتى يومًا فتحدث لي عن الإسلام وكنت غضبان فنهرته وطردته من مكتبي فلم يعد إلي مرة أخرى ولكن كانت هناك محاولات أخرى مع زوجتي وهي طبيبة في نفس المستشفى فكان أن أتى الإسلام إلى منزلنا عن طريقها فأسلمت ثم أسلمت ولله الحمد. وأنا أعتذر للأخ الذي نهرته ولكني ألومه الآن، لماذا لم يعد عندما نهرته وغضبت عليه؟! فالدعوة تحتاج إلى صبر وتضحية ومعاودة مرة ثانية.

وفي أمر الدعوة يجب أن يلاحظ الداعي احتياجات الشخص فمن كان التقرب إليه بالمال دفعنا له مالاً ولا يستعجب من ذلك فهذا الذي قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه ما يريد من الدنيا عاد لقومه ليقول لهم: أتيت من عند من يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.. لم ينظر إلا من هذه الزاوية ولذا لم يقل أتيت من عند نبي الله أو هلموا لأكمل الأديان وأتمها. لا بل نظر إلى ذلك من زاوية الدنيا وهي التي لفتت انتباهه وهي التي رغبته في الإسلام.. وبعض المدعوين ينقاد من هذه الزاوية أو من زوايا أخرى فلا يتعجب في البداية من ذلك وليكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - القدوة في الدعوة.

في أحايين كثيرة من الدعوة يحسم الموقف عند حد معين خاصة إذا كان المدعو بدأ ينفعل وينتصر لرأيه فربما يكون في ذلك ضرر عليه في دينه إن كان مسلمًا فيجب التوقف والانسحاب فالداعي صاحب دعوة لا صحاب انتقام وتشفي.

فهناك جهلة كثيرون.. وهناك مكابرون ومعاندون ولكن الداعي يسير على نور من ربه في طريق مرسوم ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.

والحذر أن يكون للداعي موقف يأخذه الشيطان فيرى أن ينتصر لنفسه ويشفي صدره وهذا ليس بأسلوب الدعاة بل الانتصار لله ولرسوله، وتهان النفس وتذل في سبيل الدعوة. لأنه يستقي علمه ومسير حياته من تعاليم القرآن الكريم وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ربما يقف يومًا يحتار فيه حتى يقرأ هذا الآية فتنجلي الحيرة وتتضح الرؤية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [السجدة: 34-35].

يجب الحرص وعدم التحدث عند الآخرين بأن فلانًا به كذا وكذا وينقصه كذا وكذا، إلا إذا كان في أخبارهم فائدة لدعوة المدعو؛ لأن ذلك ينفر عن الداعي ويجعله غير محبوب. كما أنه يفتح باب الغيبة بين المسلمين.


 بحر الجود

ومن أهم الوسائل الدعوة إلى الله الإنفاق في سبيل الدعوة فالمنفق يستطيع أن يطبع ألوفًا من الكتب ويوزع مثلها من الأشرطة ولديه إمكانية تأليف القلوب بالمال والجاه الذي يملكه، ولا شك أن إنفاق المال في الدعوة إلى الله من شكر نعمه، فالغني أتى إلى هذه الدنيا وهو لا يملك نعلاً في قدمه فضلاً عما وراءها.

فالنعم قسمة من الله لعباده مثلما قسم وبسط الأعمار والأجسام والأخلاق، فلا لأحد فيها فخر ولا له فيها جهد ونصب فلا يدعي أحد مثل قول من كفر بنعمة الله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أو إنني إنسان ذكي نهاز للفرص مطلع على الأحوال.. فهذه مكابرة، فليس كل من عمل أو استغل الفرص كثر ماله بل ربما يكون العكس.

فليتق الله أهل الأموال، وغالب الناس اليوم كذلك. فلينفق الجميع مما أعطاهم الله قل أو كثر، فوالله كم رأينا من محروم حرم نعمة المال وكم من محروم حرم نعمة الإنفاق.

ومن تأمل في حال الكثير وجد أن الآخرة لا حظ لها من ماله.. فكم من معلم أو موظف أو تاجر أنفق في عام كامل ألف ريال فقط في سبيل الدعوة وكم من معلمة أو موظفة أنفقت مائة ريال في الشهر!

نعم مائة ريال من مرتب يزيد عن ستة آلاف ريال!

لا تتعجب أيها الحبيب.. بل ريال في كل يوم من كل مسلم يكفي أمة محمد دعوة وتعليمًا وسد حاجة وستر عورة!!

ولكن أين المنفقون؟!

أما من يسعون للآخرة سعيًا فسأحدثك بطرف من أخبارهم..

أحدهم جزاه الله خيرًا وحرم وجهه على النار وضع حصالة في صالة منزله يضع فيها يوميًا مبلغًا من المال صباح كل يوم عندما يوزع مصروف أبنائه.. فيكون للحصالة نصيب من المصرف.. ريال أو عشرة أو خمسة أو مائة.. وفي نهاية الشهر أو أكثر يسلمها إلى أصحابها. قال: لم أستطع أن اقتطع شهريًا من مرتبي بصفة مستمرة نسيانًا أو غفلة فوضعت هذه الحصالة لأراها كل يوم فأضع فيها ما يتيسر ولله الحمد..

أما إحداهن ستر الله وجهها عن النار فكأنها ما خلقت الصدقة إلا لها.. صدقة من حليها ومن ملبسها وإنفاق من مرتبها وكفالة يتيم لمدة عام ومشاركة في أعمال الخير.. تريد أن يكون لها سهم في كل إنفاق!!

أما طفل الإسلام الصغير الذي لم يتجاوز العشر سنوات فهو يأخذ من مرتبه -في مدرسة تحفيظ القرآن- عشرة ريالات فقط والباقي ينفقه في سبيل الله.


 أسهل الوسائل

الاتصالات الهاتفية جعلت باب الدعوة سهلاً ميسرًا.. وطرق الدعوة تختلف باختلاف طبائع الأشخاص ونوع المعصية فربما يستنفذ الشخص جميع الوسائل ولا تجدي أي وسيلة وربما ينفع الله بأول وسيلة.. ومن تلك الوسائل التي يسرها الله لنا في هذا العصر.. الهاتف.

وهو وسيلة دعوية سهلة.. فيها صلة الأرحام، وسؤال عن الحال.. وبث نصيحة وإنكار منكر وإعلام بحديث، وحفظ ومراجعة للقرآن.. وبالهاتف يستفتى العلماء ويسأل طلبة العلم وكثير من الاتصالات التي يداوم عليها صاحبها تزرع في نفس المتصل عليه المحبة لهذا الشخص بشرط أن يبتعد عن كثرة الأسئلة وفضول الكلام.. بل يكفي السؤال العابر وإظهار المحبة الصادقة ومع تكرار تلك الاتصالات حتى على فترات متقطعة يستطيع الداعي أن يدعو بسهولة وتدرج.

والهاتف من أسهل أمور الدعوة بالنسبة للمرأة التي لا تستطيع أن تصل رحمها متى ما أرادت، وتدعو أحبتها وقريباتها من خلال الهاتف، ولها في الاتصالات قربة وسلوى.

ولا تغني الاتصالات عن المشاهدة والسؤال عن الحال مباشرة، ولكنها تؤدي غرضها إلى أجل الزيارة. فإذا وقعت الزيارة كانت الدعوة أكثر قبولاً وأوضح محبة للزائرة التي تتفقدها بين حين وآخر.

وللهاتف مجال رحب وواسع في باب النصح خاصة لأصحاب السمت الطيب والحياء الفطري. فبالإمكان الاتصال على المدعو ذكرًا أو أنثى ويسلم عليه ويمدح بما هو أهله ثم يذكر الأمر.. وإن كان في ذلك حرج وصعوبة فبالإمكان شرح الأمر لأحد أصحاب الرفق واللين ممن منحه الله طلاقة في الحديث وحسنًا في اختيار العبارات. فيحدثه الداعي بأن هنا كذا وكذا ولا يخبره إلا بالاسم الأول لعدم الحاجة إلى الاسم الكامل ويدعه يتصل بالمدعو في وقت مناسب ويختصر في الحديث ولا يجادل ولا يعارض.. بل هو حامل رسالة يبلغها. وكثير من تلك الاتصالات خاصة النسائية نفع الله بها لأنها خالصة لوجهه الكريم ويخاطب فيها أصحاب الحياء والفطر الطيبة.. وما كان لله فهو يبقى.


 يا بني

الأبناء مرآة تعكس حال المنزل وما بداخله.. والأبناء إذا كانوا على درجة من النظافة والترتيب وحسن الأدب علم الناس حسن تربيتك وتقربوا لك لأنهم رأوا حالك في المنزل.. وقليل من يهتم بجانب تربية أبنائه في هذا الزمن.

ولحسن التعليم والتربية نرى أن من يحفظ القرآن وهو صغير يبرز بين أقرانه ويحدثهم بحفظه للقرآن وكم يحفظ، ومتى يحفظ؛ فيكون داعية لحفظ القرآن بحديثه مع أقرانه.. بل ربما امتد ذلك للآباء والأمهات ليتحدثوا عن حفظه وكم يحفظ. إنها حلق ومدارس مباركة فما أن ينتهي الطالب من المرحلة المتوسطة حتى يكون قد حفظ القرآن كاملاً.. وهذا يحرك شعور النقص في تربية بعض الأسر وسوء اختيارهم وغفلتهم عن أبنائهم.

من وسائل محبة الزائر أن يظهر الداعي محبة أبناء البيت والسلام على أطفالهم والسؤال عن أحوالهم ومستوياتهم الدراسية فإن هذا مما يفرح الوالدين.. أما إظهار عبارات الثناء والمديح للأبناء فإن ذلك قمة السعادة للوالدين لأن الأب يرى أن ذلك امتداد لشخصه فكأنه مدحه من جهة الامتداد ومن جهة حسن التربية والتعليم والعناية بالطفل.

وما دام للأطفال هذا الواقع فإنهم مدخل من مداخل الدعوة من إظهار محبتهم وإهدائهم الهدايا الطيبة وهناك أشرطة جميلة للأطفال ليس فيها محظور شرعي بل فيها قراءات لصغار الطلاب وأناشيد ومسابقات وهناك أشرطة فيديو في نفس هذا الاتجاه. والإهداء لا يختص بالأطفال فربما أن الوالدين استمعا وشاهدا تلك الأشرطة فتلين قلوبهم لذلك وقد اهتدى الكثير عندما رأوا حالات الدمار والجوع والفقر في الصومال والتشريد والقتل في البوسنة.

للداعية تأثير قوي على من حوله من الأبناء فيحث الأب على العناية بأبنائه وتربيتهم والعناية بهم والسؤال عن عدم حضورهم للصلاة في المسجد.. وكذلك الأم تسأل عن ابنتها وعدم مبالاتها بالمدرسة أو كثرة الهواجس فربما أنها تعاني من مشكلة ولا يجد أحد حلاً لها إلا بتدخل أكثر من طرف.


 أصحاب الهمم

من أدب الدعوة إنزال الناس منازلهم وذكر ما بهم من صفات طيبة ولما لوالديهم أو عائلاتهم من مكانة.. وما يتمتع به المدعو من سيرة حسنة.. فإن ذلك أدعى للقبول وراحة للنفس وتقبل للنصيحة. ولا يتعجل في النصيحة إلا بعد طرق المدعو بالعبارات الطيبة والكلمات المختارة وهي كلها كلمات حق وفيها معنى سام للدعوة.

وهذا الأمر مهم جدًا فيفرق بين نصيحة كبير في قومه أو مركزه، أو رجل له فكر ومكانة لعلمه، أو كان من أهل الحسب والنسب، فإن ذلك من باب كسب القلوب وتأليفها وإنزال الناس منازلهم وحال المدعو تستدعي طريقة الحديث ونوعه بل ومكانه أيضًا.

ولا بد من الاهتمام بهؤلاء لمكانتهم ولتأثيرهم في مجتمعهم بل ولتأثر الناس بما هم عليه من صلاح أو فساد. ولا يعني ذلك إغفال الآخرين إنما يدعى كل بحسب حاله وينزل منزلته.

كما أن في ذكر من لهم أثر في رفعة الإسلام من علماء وتجار للمدعو وكيف بذلوا أوقاتهم وأنفسهم وأموالهم.. بل حتى ممن هم دون ذلك ولهم أعمال مشهورة.. مدعاة إلى الحياء من الله وتنقص الحال.. فإن ذكرت سيرة علمائنا المعاصرين وجدت الدرر الكامنة والصور الناصعة ومن يجعل علامة الإسلام في عصره وإمام أهل السنة في زمانه الشيخ عبد العزيز بن باز وما يبذله من مال في سبيل الدعوة حتى تواتر أنه يكفل ما يزيد عن ستمائة داعية في مشارق الأرض ومغاربها ولا يرد سائلاً أبدًا ويبذل من وقته وماله للإسلام ما استفاضت به الأخبار وسارت به الركبان.

وهناك من المربين والمربيات من حسنت سيرتهم وطار ذكرهم لما لهم من أعمال عظيمة.. فهذه مدرسة لغة إنجليزية استقامت مدرسة كاملة على يديها. وتلك بذلت مالها وحليها في سبيل الله.. وأخرى حرم الله وجهها على النار لا تأخذ من مرتبها ريالاً واحدًا بل تدفعه كله إلى الفقراء والمحتاجين والهيئات الخيرية.. وآخر يذهب لمراكز إصلاح السيارات، وما بسيارته من خلل، وإنما هدفه دعوة العاملين إلى الإسلام وتوزيع كتب الجاليات عليهم. صور كثيرة لا تخلو منها أسر ولا يغيب عن البال كثير من تلك الإشراقات الطيبة.

إن في ذكر ذلك تقوية للعزائم وتحريكًا للهمم وإشاعة لأعمال الخير وثناء على العاملين ودعاء للمخلصين.


 تقدموا وتأخرنا

للنصارى والكفار عمومًا دورٌ لا ينكر في كثرة أعمالهم وتتابع جهودهم التي شرقت وغربت، فهم يدعون ويبذلون ويجاهدون ولا ييأسون.. وذكر أعمالهم وصبرهم فيه إذكاء للتحدي وتحريك لنفس المدعو وضرب للأمثال وقياس للواقع.. فهؤلاء النصارى بذلوا جميع ما يملكون من إمكانات مادية وبشرية وغيرها في سبيل دعوتهم الباطلة ودينهم المحرف.

وقد حدثني أحد العاملين بمستشفى للعيون فذكر لي أن لديهم طبيبًا ماهرًا نابغًا في عمله ويعد من الأطباء القلائل في مجال تخصصه. وله مرتب ضخم وسكن مريح وسيارة فارهة. ولما تقدم بطلب إجازة سئل أين ستقضيها؟

فأجاب: في أفغانستان!! مع جماعة أطباء بلا حدود.. وهي جمعية تنصيرية اتخذت العلاج لعملها الخبيث.

فتعجب الكثير من تضحيته بالمسكن المريح والمكان الجميل والإجازة السنوية يقضيها بين القنابل والرصاص في خيام لا تقي الحر ولا البرد.

أما ذلك المنصر الآخر فقد أقام في كوخ تنقصه وسائل الراحة مدة أربعين سنة كاملة.. نعم أربعين سنة في أدغال أفريقيا ووسيلة اتصاله بالعالم طائرة مروحية صغيرة تأتيه بين حين وآخر محملة بالأدوية والهدايا.

فذكر تلك القصص وتلك الإمكانات المالية الضخمة في التنصير تدمي القلب وتحرك المشاعر الكامنة في النفوس كما أنها تلقي ظلالاً على أعمال الكفار في سبيل تنصير وإفساد عقائد المسلمين.


 أنت تحت المجهر

الناس يتعاطفون مع الضعيف والصغير.. ويتشوق الكثير إلى معرفة حال الداعية في منزله مع زوجته وأبنائه؛ هل هو حسن الخلق لين الجانب أم عكس ذلك؟ وتلك الأخبار تتجاوز الأسر والأقارب إلى الجيران والمعارف وكلها مقدمات لقبول الدعوة وربما تكون بابًا للصد بل وأحيانًا للاستهزاء إذا تلقفتها ألسنة الفساق.. فهذا لا يكرم زوجته وربما رفع صوته عليها وهكذا.

ثم إن الناس إذا رأوا حسن تعامل وخلق الأخيار أحبوهم وأحبوا تزويجهم والعكس ربما يقع.

وأذكر هنا قصة خاصة ليست من القصص العامة ولا تنطبق إلا على أفراد قلائل من بعض الشباب.

فقد كان لامرأة عجوز قريب غير ملتزم ولكنه حسن الخلق بار بوالديه وأقاربه صاحب كرم وسخاء وهدايا وعطايا فأحبته قريبته رغم علمها بمعاصيه الظاهرة. وكان لها قريبة تزوجت بمن ظهر عليه علامات الصلاح ولكنه كان يسوم زوجته العذاب لسوء خلقه، ومنعها من زيارتها وإعانتها وهكذا حتى كرهته النساء وكان صورة كريهة للملتزمين. فإذا تقدم للمرأة العجوز خاطب ردت وعارضت قبول الملتزم وإذا تقدم صاحب الفسق الظاهر وربما التارك للصلاة رحبت به قياسًا على الآخر.

وهكذا كان هذا الأخ الملتزم مع جهل المرأة سببًا في كره الملتزمين لسوء خلقه وعشرته مع زوجته.. فهذا لا تقبل دعوته في وسطه لأن تلك المعاملة السيئة سبقت دعوته فكرهه المدعو وكأني به يقول: أصلح نفسك أولاً!!


 الصدقة الجارية

في الساحة الآن مجلات إسلامية ذات منهج طيب وعلى الرغم من الحاجة إلى أضعاف هذا العدد من المجلات الموجودة إلا أن العدد الموجود على قلته يعتبر من وسائل الدعوة وذلك بتقديم اشتراك في المجلة للمدعو سواء علم من الشخص الذي دفع بقيمة الاشتراك نيابة عنه أم لا.. بحسب الحال فقد يكون هناك مناسبة طيبة ويخبر المدعو بذلك وقد لا تتهيأ الفرصة المناسبة ويتحرج الداعي من إخبار المدعو ولكنه يقدم اشتراكًا باسمه ويدفع قيمة الاشتراك.

وهناك مناسبات الأولى تنوع الهدية فيها مثل الهدايا التي تقدم إلى المرأة بعد ولادتها فغالبها تتراوح بين ثلاثة وأربعة أنواع من هدايا متكررة منذ سنوات.. فما المانع أن تخبر الزائرة صاحبة المنزل أنها ستزورها كل أسبوع مثلاً على سبيل الدعابة فإذا تعجبت من ذلك قالت لها.. إنني أقدم لك هدية مختلفة عن الهدايا المعروفة وسأقدم لك اشتراكًا في مجلة تصلك كل أسبوع.. تنوب عني في زيارتك..

وهكذا ستجد المدعوة أن وسيلة دعوية ستطرق بابها كل أسبوع أو كل شهر وستقرأها على مهل وتتأمل ما فيها.. وتطلع على الفتاوى الشرعية وأقوال العلماء وغيرها مما فيه فائدة عظيمة.

وفي هذا الاشتراك إعانة للمجلات الإسلامية على الاستمرار والبقاء في جو سيطرت عليه المجلات الخليعة والفاسدة.

ثم الأمر الثالث في هذه الهدية هو أن وقت قراءة هذه المجلة ربما يكون في قراءة مجلات سيئة مادة ومحتوى. ومن ناحية مادية فإن قيمة الاشتراك ربما يقل كثيرًا عن قيمة الهدايا الأخرى التي تقدم.


 تنفيس الكرب

لا بد من خدمة المجتمع والجماعة والقيام على شئونهم وتلمس حاجاتهم حتى يكسب الداعي عطف ومحبة الجميع.. فيكون محبوبًا عندهم.. ومن أعظم الخدمات التي تقدم للمدعو كشف الكرب.

فإن كشف الكرب عن الناس وقضاء حوائجهم وتيسير أمورهم أمر تحبه النفوس وتتعلق بفاعله. فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها وفي الحديث: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة..»([3]) فالكثير يضرب أخماسًا بأسداس لأمر يسير إذا سدت في وجهه مفاتيح الطلب والرزق.. فتراه يقلب الطرف ويبحث عن أحد يعينه ويساعده..

فكن أول من يهب لخدمته بالمال والجاه وبذل النفس، وأذكر أن أحد الإخوة حدثني عن أحد العلماء الأجلاء -رحمه الله- ممن لهم مكانة ومنزلة فقال: حدثت الشيخ برغبتي في النقل من مكاني ووظيفتي إلى إدارة أخرى وكان هذا الطلب عرضًا فهب الشيخ -رحمه الله- من المجلس إلى داخل منزله فظننت أن الشيخ سيحادثهم بالهاتف فإذا بالشيخ قد أقبل وعليه آثار الوضوء ويحمل عباءته في يده وقال: هيا نذهب الآن، فقلت له: يا شيخ، ما قصدت ذلك الآن، أردت توصية أو خطابًا فقاطعني الشيخ وقال: هيا.

فكان أن ذهب معه وفرج كربته ولا يزال الرجل يدعو للشيخ إلى اليوم وكلما سنحت فرصة أو مناسبة أعاد هذه القصة على مسامع الجميع. وقد يظن البعض أن قضاء حوائج الناس والشفاعة لهم مختصة بطبقة معينة ليس هو من أهلها، ولكن هذا ليس بصحيح.. فمثلاً التوسط لإدخال ابن المدعو مدرسة أمر ميسور للكثير حتى لو ذهب بنفسه للمدرسة.. وإعانة المرضى للحصول على العلاج في المستشفيات يقارب الأولى وكذلك التوسط للكثير في إنجاز أعمال صغيرة فيه فرح وتفريج كربة.

وأذكر أن شابًا في أحد الأحياء، فرغ نفسه لخدمة الأرامل والأيتام ومتابعة أبنائهم في المدارس وإنهاء معاملاتهم لدى الدوائر الرسمية وهي لا تأخذ من وقته مع حسن النية كثيرًا وتعني شيئًا عظيمًا لتلك الأسر.

وتفريج الكرب وإزالة الهموم لا حد له من الأعمال بل ربما بكلمة عن الصبر والاحتساب تجعل المدعو تهدأ نفسه وتقر عينه. وأعرف من بذلت نفسها للرد على مكالمات النساء لحل مشاكلهن وأكثر حلولها تطييب خاطر ودعاء وإعانة على الصبر والاحتساب وذكر بعض القصص والعبر.. فسبحان من سخرهم لخدمة المسلمين وتفريج كربهم وهمومهم.


 الصحبة

أصدق وصف وأوضحه في أمر الصحبة حديث نافخ الكير قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة» متفق عليه.

بل رفع الله ذكر الكلب برفقته للصالحين قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾.

والصحبة في مجال الدعوة تكون في خطوتين؛ الأولى منهما الدعوة إلى الالتزام، والثانية الإعانة والتثبيت على الالتزام.

وإن كانت المرحلة الأولى تختلف مدتها إلا أن الثانية مستمرة حتى مراحل متقدمة من ثبات الالتزام ووضوحه.. بل إنها مستمرة حتى الموت.

والصحبة تكون غالبًا من خارج وسط المدعو، وحتى يكون لها قبول عند المدعو. يجب أن يودها ويحترمها ويقدرها وعندها يبدأ أمر الدعوة أما إذا كان هناك تنافر وعدم انسجام فربما يكون العائد من الدعوة قليلاً جدًا. ولذا يفضل أن تعرف حال المدعو وما هي هواياته ورغباته وماذا يحب وكيف هي شخصيته.

وأذكر أن امرأة صالحة أرادات لزوجها الالتزام وسلوك جادة الحق فهاتفت بعض أقاربها وبعض العلماء وبعد مشاورات قالت لإحدى صديقاتها: زوجي يحب الرحلات البرية والصيد فابحثوا له عن رفقه طيبة لها تلك الرغبات وتحب تلك الرحلات.

فكان أن تم التعارف بينه وبين تلك الصحبة والرفقة وبدأ يذهب معهم في رحلاتهم البرية فأنس بهم والتزم على أيديهم.

وهذا يعطي مثلاً لمن أراد الدعوة أن يلتمس جانبًا يتفق فيه المدعو مع الصحبة حتى يكون منطلقًا لتلك الصحبة. وهذه الوسيلة تطرقها الأمهات والزوجات لأبنائهن وأزواجهن إذا لم يرين تأثر المدعو بطريقتهن وكذلك تشيع بين أوساط الطلبة والطالبات وفي مجتمعات الأحياء. وهي وسيلة فيها من الدعوة والصبر الشيء الكثير.

وعند البحث عن الصحبة الطيبة يجب الحرص على اختيار أفضل تلك الصحبة وأنفعها علمًا وأكثرها قربًا إلى الله فإن هناك من هم على خير وصلاح في أنفسهم ولكنهم مضيعون للأوقات في أحاديث عن الدنيا وربما بعضها في الغيبة.. فهذا وإن كان له في الدعوة نصيب فإن ضرره حاصل على نفسه وعلى المدعو.

وهناك أمور تعين على الصحبة ييسرها الله مثل صحبة مدرسة أو رحلة جماعية أو لقاء في مكان عام وهكذا.

وللداعي أن يتلطف مع المدعو ويتصرف بلباقة وحسن أدب وبشاشة وسرعة خدمة حتى يكسب قلب المدعو ويجعله يتقبل ما يطلب منه من ترك معصية أو فعل خير.. وعليه بذلك الجهد والنفس وربما المال والوقت في سبيل ذلك ولا يتكبر ولا يتعالى.. بل يتواضع ويتلاين حتى تبلغ محبته قلب المدعو.

الخلق الحسن إلهام من الله ومنحة لمن وفقه الله، ومن يتحلى بذلك قلائل ولكن يجب أن نوطن أنفسنا على حسن الخلق فما الحلم إلا بالتحلم والكرم إلا بالبذل. ويعجب المرء من أصحاب الدعوات الباطلة والعقائد المنحرفة كيف وطنوا أنفسهم على حسن الخلق والصبر على أذى الناس إن الكثير يلمز ويغمز بحسن خلقهم مقارنة بالآخرين وما علموا أن الله قال فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾.


 الجليس الصامت

للكتاب الإسلامي انتشار واسع في مشارق الأرض ومغاربها وهو من أقوى وسائل الدعوة إلى الله وأكثرها شيوعًا وانتشارًا وقد ساعد على ذلك صغر حجمه وخفة وزنه وتدني سعره فلا يتجاوز البعض منها ريالاً واحدًا. كما أن لجمال العرض وتصميم الأغلفة عوامل جذب أيضًا.

ولقد تنوعت عناوين الكتب واختلفت المعالجات فيها وللداعي أن يختار من الكتب ما يناسب من المادة والموضوع.

ولا شك أن أهم تلك الكتب كتب العقيدة الصحيحة التي ألفها علماؤنا الأفاضل ولنرى أثر الكتاب واضحًا سأروي قصة أحد الإخوة ممن عملوا في توزيع الكتب على حجاج بيت الله الحرام في مطار جدة فحدثني قائلاً:

إنه في حج 1415هـ، وأثناء توزيع الكتب على حجاج رحلة قادمة من السودان لفت نظري رجل يحمل كتابًا أصفر تمزقت أطرافه وقد تقادم به الزمن فسألت صاحبه أن يعطيني إياه فرفض وقال: هذا الكتاب له عندنا في القرية سبع عشرة سنة وكلما حج شخص من قريتنا حمل هذا الكتاب. قال المتحدث: فنظرت إلى الكتاب فإذا به «دليل الحاج والمعتمر» للشيخ عبد العزيز بن باز. فقلت له: هاتان نسختان من كتاب التحقيق والإيضاح لنفس المؤلف وتعطيني النسخة الموجودة لديك؟ فوافق بعد مشقة.

وأذكر أيضًا أن إحدى المؤسسات الخيرية التي تقوم بإرسال كتب لخارج المملكة وصلتها رسالة من أخت مغربية أوضحت فيها حالتها المادية الجيدة وكيف أنها تلقت الكتب قبل رمضان بستة أشهر ولم تلق لها بالاً.. حتى جاء شهر رمضان فتناولتها وقرأتها وتابت من أمور كثيرة ذكرتها.

والبعض أرسل يقول أن لديهم أحد الكتيبات الصغيرة محجوز لمدة شهر كامل يتناوبون قراءته واحد إثر الآخر.

ولا شك أن ندرة الكتاب الإسلامي في الخارج يدعو إلى بذل وإرسال المزيد دعوة إلى الله ورفعًا للجهل وإنارة للبصائر.

هذا بالنسبة للبعيد.. أما بالنسبة للقريب من ديارنا فحدثني من أثق به أن هناك مناطق لم تر الكتيبات وقد استظرف أحدهم كتابًا ذا غلاف جميل وحسبه من الروايات الغربية وتعجب من حسن غلافه وتصميمه ومادته.

والكثير ولا شك ربما قرأ كتبًا لكن موضوع النصيحة لم يقرأ عنه كتابًا.

فمثلاً المبذرون لم تصلهم كتب عن التبذير، وأهل الفسق والمعاصي لم تصلهم كتب عن التوبة، وأهل النوم عن الصلاة لم يروا كتبًا عن حكم تأخير الصلاة وهكذا.

ويحسن اختيار الكتاب بدقة وعناية وحرص.. وبالإمكان الاستفادة من البريد في إرساله أو يقدم في الحفلات والتجمعات العائلية والأسرية والمدرسية وغيرها على شكل جوائز وهدايا.

وكثير ممن يرسلون رسائل لأشخاص في الخارج يركزون على كتب الرقائق وبعض قصص التوبة ولا يرسلون معها كتبًا عن العقيدة فما الفائدة إذًا إذا تاب المرسل إليه وعاد ورجع عن معصيته ثم قام ليذهب إلى قبر الولي ليدعوه أو ليطوف به؟! فالأولى إرسالهما معًا وإن كان ولا بد من كتاب واحد فكتب العقيدة أولى.

والعجيب من تهاون الكثير في مجال الدعوة المتيسرة لديهم، فمن لديه خادمة يقوم شهريًا بإرسال رسالة لأهلها. فلماذا لا يرسل مع هذه الرسالة كتابًا أو أكثر. ولو أردنا أن نعرف تقصيرنا وأحصينا ما لدينا من خادمات أندونيسيات مثلاً لقارب العدد مليون خادمة حسب الإحصاءات المعلنة فلو أرسل مع كل رسالة كتابان فقط وكان معدل الرسائل عشر رسائل سنويًا لأرسل كل شخص عشرين كتابًا ولأرسلنا من هذا البلد المبارك أكثر من عشرين مليون كتابًا لبلد مسلم استوحشته الأمم الكافرة وقامت بحرب شرسة لتنصيره فالله المستعان!!


 أصغ بقلبك

من نعم الله على هذه الدعوة في هذا الزمن وجود الشريط الإسلامي وهو وجود متعدي النفع، فمن تعدده وكثرة المحاضرين إلى تيسر حمله وقلة ثمنه واصطحابه في أكثر الأماكن فراغًا وهي السيارة والمنزل. وكذلك انتشار محلات بيعه بل إنه يوجد في كثير من البقالات والدكاكين غير المتخصصة في هذا النشاط وما ذاك إلا دلالة على كثرة الطلب عليه.

وفي تنوع أسماء المحاضرات والمحاضرين فرصة كبيرة للاختيار. فمن دروس علمية إلى شرح للمتون ومحاضرات وعظية وقصائد شعر ترقق القلوب إلى أشرطة تحمل نفسًا إسلاميًا للطفل الصغير. وهذا التعدد والتنوع ربما يوقع الداعي في حيرة من أمره.. ماذا يقدم ويهدي للمدعو؟!

ولا شك أنه لا بد من حسن تقييم الداعي ومعرفته بالأشرطة الموجودة وحاجة المدعو وطبيعته الشخصية وميوله النفسية، ويمكن سؤال المهتمين بالأشرطة والمتابعين لها من المستمعين أو من العاملين بالتسجيلات.

ويفضل أن تكون الدعوة في البداية بالتمهيد وتعويد الأذن على سماع الشريط الإسلامي هي فاتحة سماع الشريط عند البعض فهناك أشرطة دعوية أدبية وهناك أشرطة عن تربية الأبناء وهناك أشرطة للصغار.. كل هذه تكون نواة للشريط الأول المهدي لشموليتها في المواضيع كشريط عام عن السعادة مثلاً وكذلك لتربية الأبناء اهتمام لدى الكثير.

ويحسن إهداء شريط واحد فقط حتى يسمع كاملاً ويكون له وقع في النفس. وبعض الأشخاص ربما تكون دعوتهم عن طريق صغارهم فيهدي أشرطة أطفال كإهداء من الداعي إلى أطفال المدعو وغالبًا يحبها الأطفال ويفرحون بها فتكون بداية لدخول الشريط الإسلامي لذلك المنزل.

وقد ذكر لي بعض الإخوة الكرام عن شاب سافر إلى بلدته من الرياض ومعه والدته وعمته فلما ركبت عمته العجوز وبدأ السير رفع الشاب جهاز التسجيل فإذا بصوت غناء أحد المغنين فسألته العمة العجوز: كم المسافة إلى البلدة؟

فأجاب: بأنها تقارب من الساعتين.

فقالت له: وهل سنمضي الساعتين مع هذا الغناء؟

قال لها: نعم، قالت: ليس هذا من حسن العشرة ورفقة الطريق ولكن لك ساعة ولنا ساعة أي أن الطريق مناصفة بيننا.

قال الشاب: فاستلطفت العرض ووافقت على ذلك. فقلت لها: أين شريطك يا عمتي؟ قالت: بل أنت ضع شريطك، فقال لها الشاب: بل أنت يا عمتي أكبر سنًا مني ولك الحق في ذلك.. فناولته شريطًا لأحد الوعاظ مليئًا بالقصص الجميلة عن الحياة ويردد بين حين وآخر بيتًا من الشعر.. فاستمع الشاب إلى الشريط بمتعة عجيبة حتى مضت الساعة كاملة وكأنها دقيقة، وعندها قالت له عمته: هيا، هات شريطي وضع شريطك.. قال لها: يا عمتي حتى ينتهي الشريط قالت: لا.. المؤمنون عند شروطهم.

فأصر الشاب على عدم تغيير الشريط رغبة في معرفة نهاية إحدى القصص التي ذكرت في الشريط.. عندها قالت له العمة: بشرط أن لا تضع شريطًا لك طوال ذهابنا وعودتنا.. فوافق على ذلك وكانت بداية هدايته على يد ذاك الشريط.

فحسن الاختيار مهم والتوقيت مهم والموضوع الذي يختار مهم أيضًا وكلها عوامل إذا اجتمعت قد تكون سببًا من أسباب هداية المدعو أرادها الله.


 لمسات حانية

المدرسة مكان دعوي مهم وأرض خصبة منبتة.. يساعد على ذلك عوامل كثيرة منها طول مدة اليوم الدراسي والسنة الدراسية وكذلك قيمة الدرس وأهميته.. وتتفاوت الدعوة باختلاف الأعمار من مرحلة إلى أخرى.

ومن خلال خمس وأربعين دقيقة يستطيع المعلم والمعلمة إيصال ما يرغبون فيه إلى الطلبة بشكل عام وإلى الطالب المعني بشكل خاص. وهناك التفاتات من المعلم إلى الطلبة النابغين والنابهين ومن لهم وجاهة في المجتمع من علم أو منصب أو جاه فإنهم القدوة في وسط ذاك المجتمع.. وكذلك الالتفات إلى من يحتاج من الطلاب إلى عناية ودعوة، وللمعلم حرية وطول وقت تساعده على اختيار وسائل وطرق الدعوة بل وتنوعها وتعددها.

وسأضرب لذلك مثلين أو أكثر تبين أهمية المدرس في المدرسة وأثره على الطالب وأسرته:

فالأول ذكره لي أحد أئمة المساجد، وكان قادمًا من منطقة بعيدة إلى الرياض للدراسة الجامعية وكان متفوقًا وقد سأل أحد المشايخ طلاب السنة الأولى الجامعية.. من الأوائل في هذا الصف؟! ثم بدأ يسأل الأوائل كم تحفظ من كتاب الله عز وجل؟!

قال الإمام -وكان من المتفوقين-: سألني كم تحفظ من كتاب الله؟! فأجبته: أربعة أجزاء..

فقال: هذا لا يليق بك ولا بطالب علم مثلك.

وطلب منه أن يحضر إلى مكتبه بعد المحاضرة.

قال الإمام: فذهبت إليه وأنا كلي رهبة وحياء من الشيخ خاصة أنني قادم من مدينة بعيدة.. ولا أعرف نظام الجامعة..

وعندما سلمت عليه حثني على حفظ كتاب الله وحفظ المتون الأخرى وطلب أن أوافيه كل أسبوع ليسمع ما حفظت.. ورتب لي جدولاً بذلك. فكان أن بدأت أحفظ وهو على تسميعه لي.. واستمررت بعد ذلك الفصل حتى حفظت القرآن وبدأت أحضر دروس العلماء ودروسه هو بالذات.

فهذا الاهتمام الشخصي له أثر واضح ورعاية طالب بعينه لها وقع في نفسه وشحذ لهمته.

وموقف آخر لمدرسة في مدرسة ثانوية للبنات بدأت تتلطف مع طالباتها حتى أحببنها ثم بدأن يتنافسن لحفظ القرآن في المنزل بمشورة منها.. بل وأصبح الكثير منهن داعيات في وسط أسرهن.

وهناك أمثلة كثيرة تحفل بها كتب التاريخ والتراجم والسير عن بروز ونبوغ أحد العلماء على يد شيخه بل ربما بكلمة منه تغير مجرى حياة الطالب.

وبعض المدرسين يأتي به من جانب آخر كما ذكر لي أحد المدرسين فقال: عندما عينت في إحدى المدارس كان هناك طالب مشاغب ومهمل في دراسته إلى درجة أن يثير الاشمئزاز من تصرفاته فأخذته بمفرده وقلت له: أنت لم تخلق لمثل هذا، ومثلك تنتظره الأمة، وجعلته عريفًا على الفصل وبدأت أتابع دروسه وقلت له: نريدك قائدًا عسكريًا، فكان أن تغير حاله وصلحت أموره وترك التدخين وأتاني والده وسلم علي ودعا لي.

إنها لمسات حانية وجهد بسيط يغير أمورًا كثيرة ومشاكل متواصلة.

كما أن لشهادات الشكر أثرًا ملموسًا في تهيئة الطالب واهتمامه بمستقبله. والاهتمام بالطالب ربما يؤثر في أسرته بشكل مباشر من حسن تعامل المدرس وحديث الطالب عنه بين والديه وأهله كما أن لوصول الكتب والأشرطة التي تهديها المدرسة إلى منزل الطالب وحسن الاختيار فيها أثرًا واضحًا ملموسًا.

ربما يكون الداعي مدرسًا فيهتدي على يديه أمة.

والمدرس ينفع الله بهدايته فصولاً دراسية كاملة.. بل ربما طالب واحد يكون عالم الأمة غدًا.. كم من الأجر سيكون لهذا الداعي الأول؟! لا ينقص من أجرهم شيئًا؟! وأذكر أن رجلاً كبيرًا في السن لا يقرأ ولا يكتب قصد شابًا حتى اهتدى على يديه وهذا الرجل الكبير الآن يحضر محاضرات الشاب الذي أصبح داعية معروفًا.. فكم من الأجر لهذا الداعي؟ وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولكنه كان سببًا في هداية هذا الشاب الذي أصبح داعية الآن ونفع الله به!

وهناك أمور يستفيد منها المدرس أو المدرسة وهي اختيار بحث أو دراسة كتاب للمدعو ويركز على الأمور الإسلامية وخاصة ذات الطابع الإعلامي حتى لا يكون أمر الدعوة مباشرًا؛ فمثلاً كتابة بحث عن المسلمين في روسيا أو البوسنة أو الصين أو الصومال فإن في ذلك ربطًا لواقع المدعو بالمسلمين وهمومهم وما يصيبهم من نكبات وويلات، وكذلك إدراج بحوث عن التنصير وجهود النصارى.

وهناك نقاط تربوية كثيرة يعرفها المربون ويبذلون في ذلك أوقاتهم وأموالهم ويرهقون أعصابهم محتسبين في ذلك كله الأجر والثواب.. وكم من معلم خرج أجيالاً متعاقبة أثرت في مسير الأمة كلها، وكما أن المعلم يحرص على الطالب النابغ والنبيه فهو يحرص أيضًا على الطالب الذي ظهرت عليه أمارات الانحراف فإن المربي (أو المربية) يضع عينه على بعض الطلاب فيعمد إلى عزل بعض من يرى فيه خيرًا أو توجهًا وقبولاً عن بقية التلاميذ حتى لا ينجرف مع التيار ويكتسب صفات سيئة.

والحديث عن التعليم لا ينقطع وهو سبيل الأمة إلى النهوض والرفعة والسؤدد.

أخي المسلم:

الكثير يلقي كلمة دعوية عابرة ولا يلقي لها بالاً وكثير من المدعوين اهتدوا بكلمة واحدة.. فكثير بدأ يجاهد نفسه على فعل الطاعات بسبب كلمة سمعها.. وكثير استقامت أمورهم لكلمة أثرت في نفسه ووجدت لها في قلبه مدخلاً.

وحدثت أن مدرسة مادة الكيمياء في المختبر بدأت تذيب الحديد وتصهره.. ثم قالت: هذه نار الدنيا فكيف بنار الآخرة؟ فكان أن هبت طالبة من سباتها واستيقظت من غفلتها وبدأت لحفظ ذلك الحديد المذاب وتلك النار تحته. فاعتبرت وفكرت واستقام أمرها وتابت إلى الله من غيها وعبثها.. فالكلمة وسيلة دعوية لها تأثير في نفس المدعو فينتقي من الكلام أطايبه، فربما يقع من الحديث كلمة تكون سببًا في هداية المدعو.


 المجاهدة

انتظار النتائج والحرص على حصول الإيجاب أمر لم نؤمر به. إنما أمرنا بالدعوة فقط وليس علينا تتبع النتائج وإن كانت النفس البشرية تفرح بالحصاد المبكر.. لكن ربما يكون هناك إحباط في حالة عدم القبول وتكاسل حين الإعراض بل هناك دعوة لا تستطيع أن تتلمس أثرها مثل إهداء كتاب في طريقك وأنت مسافر.. لا تعلم هل صلح حال المدعو أم لا؟ كذلك إلقاء كلمة أمر أو نهي في المحل التجاري ربما تكون هذه الكلمة سببًا في استقامة المدعو بعد حين، وهكذا.

يأتي أحدهم.. يقول: حاولت فلم أستطع..

جرب فربما أن له نفحة توافق دعوتك.. مرة بالشريط وأخرى بالكتاب وثالثة في شهر رمضان ورابعة في حالة مصيبة عندهم وخامسة في مناسبة فرح.. وأنت مأجور في كل مرة.. فلا تيأس، ولو كل من دعا أو نصح نصيحة لم تقبل منه توقف عن أمر الدعوة فكيف يقوم هذا الدين؟! عليك المعاودة مرة بعد أخرى.

فالدعوة إلى الله ليست دعوة لمرة واحدة فإن أثمرت وإلا توقف الداعي.. بل هي دعوة متصلة مرة بعد أخرى بأساليب مختلفة ووسائل متعددة، فكلما وجد الداعي مناسبة دعوية أعاد وكرر وصبر على طول المدة وعدم القبول السريع.

وقد حدثني أحد كبار السن -وكان حليقًا- أن طريق أحد العلماء كل أسبوع يمر على مكتبه فيدخل عليه ويذكره بالله وبحكم تحريم حلق اللحية واستمر على ذلك سنوات طويلة دون كلل أو ملل حتى أطلق الرجل لحيته وأعفاها.

والتأخر عن المعاودة حرمان للأجر وإلا فما المانع من كسب الأجر والمثوبة عند معاودة الدعوة وإذلال النفس لله واختيار المناسبات والأوقات التي يرى الداعي أن حال المدعو ربما تكون مهيأة لقبول الدعوة، وفي معاودة الدعوة وعدم الاستجابة لها في المرة الأولى مباشرة حكمة بالغة وإلا لو كل من دعي من المرة الأولى استجاب لما تردد كثير من الناس في أمر الدعوة.. إنما هي جهاد وصبر واحتساب، ولنا في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمر الدعوة والصبر عليها ومعاودتها منهاج دعوة ونبراس حياة.

ولهذا يجب أن يكون الداعية صاحب نفس طويل وصبر متواصل، وأنه يسعى لإنقاذ المدعوين من نار جهنم. أمر يستدعي الصبر والمداومة.. استمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنوات طويلة يدعو في مكة المكرمة والمدينة المنورة حتى توفاه الله عز وجل.

أخي الحبيب:

من الحكمة في الدعوة التدرج والتمهيد للأمور وإعطاء البديل إذ النفوس تبحث عن بديل خاصة لمن كان لديه ضعف ووهن.. ولا شك أن التوحيد لا يجوز تأخير بيانه مراعاة لخاطر فلان وفلان أو الخوف من رد الفعل عند المدعو لأن اللحظات تجري وربما يموت المدعو على الشرك فلا بد من البدار لما فيه مصلحة وفي تأخيره عن وقته مضرة.

ولا شك أنك تحب المدعو لما فيه من خير، وتكره ما فيه من الشر ولذا تحبه محبة لله وفي الله لأنه يصلي ويؤدي الفرائض وتكره تهاونه في أمر إعفاء اللحية مثلاً ولذا تبحث عن كل ما يدعه يتجنب هذه المعصية.. لا شك أنه أخ في الله.. وكلنا ذوو خطأ. ويحتاج منك إلى صبر وجلد وطول نفس ولذا يجب التضحية ببعض الوقت للدعوة وإذلال النفس في سبيل الله.. هناك من يضي بنفسه ودمه، وآخر بعمره وأنت لا تضحي بأيام، بل بساعات.. فإذا وجدت فرصة رحلة برية أو زيارة لقريب فاستفد من ذاك الوقت وأجل بعض أعمالك إلى وقت آخر فهذه فرصة قد لا تكرر وأعمالك تنقضي على مهل.. والأعمال لا تنتهي وإلا فالميت يموت ولديه مواعيد ومراجعات وقائمة مليئة بالأعمال.


 آخر الدواء الكي

باب الستر على المسلم من أوسع وأسرع أبواب الدعوة تأثيرًا فمن رأى من المسلم ما يوجب رفعه إلى الوالي وعلم أن المدعو ليس متمرسًا في الشر وليس طريقه بل إنها سقطة وزلة فالأولى أن يستر على المسلم وتكون منقبة له وربما يؤدي هذا الستر على المسلم أو المسلمة إلى لزوم الجادة..

ولا يفشي بهذه السقطة لأحد فإن ذلك من الغيبة وإشاعة الفاحشة وتتبع العورات. بل كما ستر يكتم، وكأن عينه لم تر وأذنه لم تسمع، والهدف من الستر هو الهدف من العقوبة لو رفعت للوالي وهي الزجر والردع. فرب ستر أعظم من عقوبة.

وإذا تدرج الداعي في وسائل الدعوة وأساليبها وعجز عن المحاولة بالتي هي أحسن فأمامه بدائل صعبة ولكنها طاعة لله ولرسوله؛ فامرأة لا يصلي زوجها وحاولت وجاهدت ولكن دون نتيجة وهي تعلم أنه لا يجوز لها البقاء، ليس لها إلا الفراق الصعب قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه».

وقد ذكر لي أن امرأة حاولت مع زوجها أن يصلي بشتى الطرق والوسائل لكنها وجدت منه الصد والإعراض فكان أن ذهبت لأهلها زائرة ورفضت العودة إلا بشرط أن يصلي لكنه عاند وكابر في البداية وهذا أمر متوقع ثم هداه الله. فهذه وسيلة أتت بنتيجة طيبة وحتى إن لم تأت بنتيجة سريعة فهي براءة للذمة ومحاولة أخيرة لا عودة بعدها.. وكثير من ناقصي العقل إذا ذكر لهم أن امرأة تركت زوجها لأنه لا يصلي اتهموها بالجنون ونقص العقل ولكن لو قيل لهم إنه يهينها أو بخيل في بيته لسمعت الأصوات ترتفع لماذا تبقى عنده؟ ماذا تريد منه؟ فسبحان الله. وما ذاك إلا من هوان الدين عندهم.

الهجر من وسائل الدعوة خاصة لمن هم تحت يد المدعو كالزوجة التي هي في حاجة لزوجها فإنها لا ترضى بهجر زوجها لها فتعود له، وكالابن المحب لوالديه، والأخ لإخوته، والهجر أسلوب علاجي وليس غاية ومنتهى؛ لأن الهجر قد لا ينفع مع أناس بعيدين يأخذهم الكبر والعناد فلا يرون للداعي حقًا فيكرهونه ويبغضونه ولا يقبلون منه شيئًا. ولكنه يجدي مع بعض الناس خاصة الأقارب.

وأذكر أن إحدى الأسر بدأ الإخوة والأخوات فيها بهجر أخ لهم لا يصلي فلا يدخلون بيته ولا يدعونه لزيارتهم ولا يسلمون عليه.. حتى عاد إلى رشده وثاب إلى عقله وأناب إلى ربه.

من أسلوب الدعوة المتأخر في التدرج بعد طرق جميع المحاولة إبلاغ أصحاب الصلاحية من رجال الحسبة بعد استنفاد كافة الوسائل وقد لا يرضى البعض بذلك ولكن أليس هذا لمن نحب أخف من نار الآخرة؟

وأليست الفضيحة الآن خير منها يوم القيامة؟ فليقارن الداعي بين ذلك ويزنه. وما الذي يمنع أن تقوم الهيئة بأخذ تعهد عليه بالمحافظة على الصلاة أو ترك كذا وكذا من المعاصي؟!


 أنت أم هم؟

ليس في مجال الدعوة إلى الله ضعف ولا مجاراة للعصاة في معصيتهم حتى يستأنسوا بذلك ويألفوا الداعي كما يقول البعض، فهذا ليس من هديه - صلى الله عليه وسلم - بل كان قويًا في الحق يتمعر وجهه إذا رأى معصية أو منكرًا.

هناك مواقف يكون فيها الداعي هو المتأثر والمنجرف مع المدعو في مساوئه فيجب عليه أن ينجو بنفسه إذا رأى أنها تتأثر بسوء المدعو وتستمرئ منكره أو غفلته.. انج بنفسك ولا تتأثر به بل دعه حتى لا تصبح مثله خاصة وقد رأيت في نفسك ميلاً لسوء عمله.

أيها الحبيب:

الداعية رجل عمل يبحث عن مكافأته وجزائه، ولكن ليس في الدنيا بالتباهي والتفاخر والمنة بأن فلانًا اهتدى على يدي وقد كان ضالاً منحرفًا..

وهكذا يزري بالناس ويتفاخر بما قدم، فذاك من خسران العمل والعياذ بالله. ثم إن الأمر ربما يصل المدعو فيكره الداعي ولا يحبه وربما تكون له انتكاسة إذا كان ضعيف الإيمان..

على الداعي أن لا يحقر من أمر الدعوة ولو كلمة يسيرة فربما تكون سببًا للهداية: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» رواه مسلم.

يا حفيد أبي بكر وعمر:

الفجار والفساق يجاهرون بمعاصيهم ويرجون ضلالاتهم دون خوف أو وجل.. من يحمل المخدر في يده أشجع منك وأحرص منك!! حتى يبلغه إلى فريسته وضحيته..

هل جبنت أن تبلغ دعوة الله؟ هل وهنت فما تهدي كتابًا أو شريطًا؟ هل قلوب أهل الشر والفساد أصلح وأمضى؟ أم هل فسادهم وبلاؤهم هو المعتبر؟

لا يا ابن الإسلام.. أنت تحمل أمر الدعوة وتحمل رسالة الأنبياء والمصلحين. لا تبخل ولا تهن ولا تكسل.. نترك أمر الدعوة لمن إذا تركتها أنا وأنت؟!

بل احمد الله واسع في نشر العلم الشرعي بالكتاب والشريط اللذين يصدران من علماء معروفين وموثوقين علمًا وورعًا وتقى وكتبهم وأشرطتهم تحمل إذنًا وتصريحًا فلم التردد؟!

لا أريد منك جوابًا ولكن هاك معلومات عن نشاط المنصرين لعام 1996م لترى كيف شيبهم وشبابهم وفتيانهم ونساؤهم يعملون.. ونحن نائمون!

- بلغ ما جمعته المنظمات النصرانية مبلغًا وقدره (193) مليار دولار أمريكي.

- بلغ عدد المنظمات التنصيرية (23300) منظمة عاملة.

- بلغ عدد المنظمات التنصيرية التي ترسل منصرين إلى الخارج (4500) منظمة.

- بلغ عدد المنصرين الذي يعملون داخل أوطانهم (4635500) منصرًا -أما الذين يعملون خارج أوطانهم فعددهم (398.000) منصرًا.

- أما عدد كتب الإنجيل التي تم توزيعها خلال عام واحد فقط هي 178.317.000 كتابًا.

- بلغ عدد المجلات والدوريات التنصيرية (30100) مجلة ودورية ويوجد لديهم 3200 إذاعة ومحطة تلفزة مختصة بالتنصير.

- أما أجهزة الكمبيوتر في المؤسسات التنصيرية فتزيد عن (20.696.100) جهازًا.

أيها الحبيب: إن تيسر أسباب الدعوة وسهولة طرقها وتعددها وتنوعها مدعاة إلى عدم التكاسل في هذا الأمر العظيم.. فلقد تيسر لنا في هذا الزمن ما لم يتيسر لغيرنا من السابقين من وسائل الدعوة ورخص ثمنها وتنوعها وسهولتها..

لا تقف ولا تتردد، ولا يكن -أيها الحبيب- البوذي والهندوسي والنصراني أشد منك حرصًا على ملته، انظر إلى ذمتك هل تبرأ وأنت على سكونك وكسلك وغفلتك؟!

أخي الحبيب.. الرفق.. الرفق..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم.



([1]) رواه الترمذي.

([2]) رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى بإسنادٍ حسن.

([3]) رواه مسلم.