مجموع الخطب المنبرية ()

 

|

 مجموع الخطب المنبرية

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

 المقدمة

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه؛ نبينا وقدوتنا، محمد بن عبداللَّه صلى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فهذا كتاب «مجموع الخطب المنبرية، مختارة من خطب ابن وهف»، وهو يشتمل على أقسام مفيدة للمسلمين، وقد ذكرتها مفصَّلة إلى أقسام: في العقيدة، وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخلاقه، والصلاة، ومنزلة الزكاة في الإسلام، والصيام وأحكامه وآدابه، وحكمه، والحج، والمواعظ.

واللَّه أسأل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به من انتهى إليه، فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

كتبه الفقير إلى اللَّه تعالى

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في 16/ 11/ 1439هـ

أولاً: العقيدة


 1-منـزلة لا إله إلا اللَّه

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا اللَّه تعالى حق التقوى واستمسكوا بالعروة الوثقى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([1]).

عباد اللَّه: إن من حقَّقَ التوحيد دخل الجنة بغير حساب، ورأس التوحيد وأساسه وأصله وركنه الأعظم تحقيق لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: كلمتان عظيمتان، يستلزم ذكر أحدهما الأخرى فلا يقبل من أحد عدلاً ولا صرفاً حتى يعمل بشروطهما ويبتعد عن نواقضهما.

فلا إله إلا اللَّه: كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخُلقت لأجلها جميع المخلوقات، قال تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾([2][ومن أجلها خُلقت الدنيا والآخرة]، وبها أرسل اللَّه رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾([3])؛ ولأجلها نُصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سُوقُ الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقةُ إلى المؤمنين والكُفارِ، والأبرارِ والفجارِ، [وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، فهي منشأُ الخلقِ والأمرِ، والثوابِ والعقابِ [وبها تؤخذُ الكتبَ باليمين أو الشمالِ، ويثقلُ الميزان أو يخفُّ، وبها النجاة من النارِ بعد الورودِ، وبعدم التزامها البقاء في النار] وهي الحقُّ الذي خُلقَتْ له الخليقةُ، [وبها أخذَ اللَّه الميثاق] وَعنْها وعن حُقوقِها السؤالُ والحسابُ [يوم التلاق]، وعليها يقعُ الثوابُ والعقابُ، وعليها نُصِبتِ القبلةُ، وعليها أُسِّسَتِ الملَّة؛ وهي حقُّ اللَّه على جميع العباد، قال  - صلى الله عليه وسلم -: «... حق اللَّه على العبادِ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»([4][وهي أعظم نعمةٍ أنعمَ اللَّه بها على عبادهِ المؤمنين إذْ هداهم إليها]، فهي كلمةُ الإسلامِ، ومِفتاحُ دارِ السلامِ، وبها يُعصمُ الدَّمُ والمالُ، ومن أجلِها جُرِّدت سيوف الجِهادِ، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه»([5])، وهي أولُ ما يجب أن يُدعى إليه. قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قومٍ أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادةِ اللَّه»، وفي رواية: «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه...» ([6]).

[وهي أصلُ الدينِ وأساسهُ، ورأسُ أَمرِهِ وساقُ شَجَرَتِهِ، وعَمودُ فِسطَاطِه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلامُ على خمسٍٍ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضان، وحَجِ البيتِ»([7])، وهي العُروةُ الوُثقى، وهي كَلمةُ الحقِّ، وكَلمة التقوى، وهي القولُ الثابتِ، والكلمةُ الطيبة، وأعظم الحسنات]، وشهادةُ الحقِّ، وكَلمةُ الإخلاص، ودعوة الحقِّ وأفضلُ الذِّكر، وأفضلُ ما قالهُ النبيون، وهي أفضلُ الأعمالِ، وتعديل عِتقِ الرِّقاب، وتَفتحُ لِقائِلها أبوابُ الجنةِ الثمانية، وهي الكلمةُ العظيمة التي عنها يُسأل الأولون والآخرون فلا تزولُ قدما العبد بين يدي اللَّه حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب الأولى: بِتحقيقِ «لا إله إلا اللَّه» معرفةً وإقراراً وعملاً، وجواب الثانية: بتحقيق "أن محمداً رسولُ اللَّه" معرفةً، وإقراراً، وانقياداً، وطاعة؛ لأنه عبد اللَّه ورسولُهُ، وأمينُه على وحيهِ، وخيرتهُ من خلقِهِ، وسفيرُهُ بينه وبين عبادِهِ، المبعوثُ بالدينِ القويمِ، والمنهجِ المستقيمِ، أرسلهُ اللَّه رحمةً للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجةً على الخلائقِ أجمعين، فَهدى اللَّه بِهِ إلى أقومِ الطرقِ وأوضحِ السُّبُلِ، [وفتح به أعيناً عُمياً، وقلوباً غلفاً، وآذاناً صُمّاً، وافترضَ على العباد طاعَتهُ، ونُصرتهُ وإعانَتَهُ، وتَوقيرَهُ ومَحبَّتَهُ، والقيامِ بحقوقهِ، وسدَّ اللَّه دون جنتِهِ الطُّرقَ فلن تفتحَ لأحدٍ إلا من طريقه، فَشَرحَ لَهُ صَدْره، ورَفع لهُ ذِكرَهُ، ووضع عنْهُ وزْرهُ، وجعلَ الذِّلة والصَّغار على من خالف أمرَهُ، وبحسبِ متابعتهِ - صلى الله عليه وسلم - تَكون الهِدايةُ والفلاحُ والنجاةُ، فاللَّه سبحانهُ علَّق سعادة الدارين بمتابعتِهِ، وجعلَ شقاوةَ الدارين في مخالفتِهِ، فلأتباعِهِ: الهُدى، والأمن، والفلاحُ، والعزةُ، والكفاية، والنُّصرة، والولايةُ والتأييد، وطيب العيشِ في الدنيا والآخرة، ولمُخالفيه: الذِّلة والصَّغار، والخوفُ والضلالُ، والخذلانُ والشقاءُ في الدنيا والآخرة.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّه فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾([8]) بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولُ قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولجميع المؤمنين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبـة الثانيـة

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوانَ إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولهُ صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتابُ اللَّه وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وشرُّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٍ وكلَّ ضلالة في النارِ.

عباد اللَّه، إن شهادة لا إله إلا اللَّه لا تنفعُ قائِلها إلا إذا عمل بالشروط وتركِ النواقضِ، وعملَ بالأركانِ.

فأركانُها النفي والإثباتُ، والنفيُ هو نفي الإلهيةِ عن كلِّ ما سوى اللَّه تعالى من جميع المخلوقاتِ كائناً من كان، والإثباتُ: هو إثباتُ الإلهيةِ للَّه وحدهُ دون كلِّ ما سواه فهو الإله الحقُّ وما سواهُ من الآلهة باطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾([9]).

وشروطُها: العلم بمعناها وأنهُ لا معبودَ بحقٍ إلا اللَّه تعالى فجميع الآلهة التي يعبدها الناسُ سوى اللَّه تعالى كلها باطلة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾([10])، واليقين بمعناها والقبول لما دلت عليه هذه الكلمة والانقياد لما دلت عليه، والصدق في ذلك، والإخلاص في جميع العبادات، والمحبة لذلك، والكفر بما يُعبد من دونِ اللَّه تعالى.

فإذا قام العبد بذلك دخلَ الجنة وزُحزِح عن النار.

هذا وصلُّوا وسلِّموا على خير الخلق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، اللَّهم صلِّ وسلِّم عليه، وارضَ عن أصحابه أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليّ، وعن سائر أصحاب نبيِّك أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، ودمِّر أعداءَك أعداء الدين، اللَّهم أذِّل الشرك والمشركين، وانصر عبادَكَ الموحدين، اللَّهم انصر المجاهدين لإعلاءِ كلمتك يا ربَّ العالمين، اللَّهم من أرادنا وأراد دينَنَا وبلادنا بسوءٍ فاجعل كيدَهُ في نحرِهِ واخذلهُ واقطع آماله وأنزل الرُّعب في قلبه. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([11]).

اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات واغفر لموتانا ومولى المسلمين يا رب العالمين.

عباد اللَّه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا اللَّه العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدْكم، ولذكرُ اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

& & &


 2-معنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه وحقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم اللَّه في كتابه الحكيم فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

عباد اللَّه اعلموا أن من أعظم الواجبات بعد معرفة معنى لا إله إلا اللَّه معرفة العبد لمعنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه  - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن ذكر أحدهما يستلزم ذكر الأخرى، وشروط لا إله إلا اللَّه هي شروط شهادة أن محمداً رسول اللَّه، ونواقضها هي نواقض شهادة أن محمداً رسول اللَّه، فمعنى شهادة أن لا إله إلا اللَّه: لا معبود بحق إلا اللَّه.

ومعنى شهادة أن محمداً رسول اللَّه: الإقرار باللسان والاعتقاد الجازم بالقلب بأن محمداً بن عبد اللَّه الهاشمي القرشي عبد اللَّه ورسوله أرسله اللَّه إلى جميع الخلق كافة من الجن والإنس.

ومقتضى هذه الشهادة: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد اللَّه إلا بما شرع.

فيجب الإيمان بشريعته - صلى الله عليه وسلم -، والانقياد لها: قولاً، وعملاً، واعتقاداً؛ من الإيمان باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره، وشره والقيام الكامل بأركان الإسلام من شهادةٍ، وصلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحجٍ، وغير ذلك مما شرع اللَّه على يده - صلى الله عليه وسلم - كالإحسان بأنواعه، ومن الواجبات العظيمة وجوب معرفة النبي  - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم معرفتها وهي معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه - صلى الله عليه وسلم - فهو محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً ورسولاً.

نُبئ بـ(اقرأ)، وأرسل بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه اللَّه بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرِجَ به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين وبعدها أُمر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة أُمر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصلاة، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلوات اللَّه وسلامه عليه، ودينه باقٍ وهذا دينه لا خير إلا دل أمته عليه ولا شر إلا حذرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه اللَّه إلى الناس كافة، وافترض اللَّه طاعته على الجن والإنس فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.

وتحصل معرفته - صلى الله عليه وسلم - بدراسة حياته وما كان عليه من العبادة والأخلاق الجميلة، والدعوة إلى اللَّه ﷻ‬، والجهاد في سبيل اللَّه تعالى.

وغير ذلك من جوانب حياته - صلى الله عليه وسلم -، فينبغي لكل مسلم يريد أن يزداد معرفة بنبيه وإيماناً به أن يطالع من سيرته ما تيَسَّرَ: في حربه وسلمه، وشدته ورخائه، وسفره وإقامته، وجميع أحواله، نسأل اللَّه ﷻ‬ أن يجعلنا من المتبعين لرسوله - صلى الله عليه وسلم - باطناً وظاهراً، وأن يثبتنا على ذلك حتى نلقاه وهو راض عنّا.

أيها المسلمون: ومن الحقوق العظيمة على المسلم معرفة حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، فمن حقوقه علينا وعلى جميع المسلمين بل وعلى الناس جميعاً بل وعلى الجن:

*- الإيمان الصادق به - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه فيما أتى به قال اللَّه تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّه وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وقال ♥: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه ويؤمنوا بي وبما جئت به»([12])، والإيمان به - صلى الله عليه وسلم - هو التصديق بنبوته وأن اللَّه أرسله للجن والإنس، وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول اللَّه فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة ثم تطبيق ذلك بالعمل بما جاء به تَمَّ وكمل الإيمان به - صلى الله عليه وسلم -.

* ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته: وجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم - والحذر من معصيته فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاعني فقد أطاع اللَّه ومن عصاني فقد عصى اللَّه»([13]). وعنه t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول اللَّه! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([14]).

وعن ابن عمر t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجعل الذِّلُ والصغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم»([15]).

*- ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته: اتباعه - صلى الله عليه وسلم - واتخاذه قدوة في جميع الأمور والاقتداء بهديه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فيجب السير على هديه والتزام سنته والحذر من مخالفته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»([16]).

*- ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته محبته - صلى الله عليه وسلم - أكثر من الأهل، والولد، والوالد، والناس أجمعين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّه وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّه بِأَمْرِهِ وَاللَّه لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وعن أنس t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه: من ولده، ووالده، والناس أجمعين»([17]).

ولاشك أن من وفقه اللَّه تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاق في رضى اللَّه ﷻ‬ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ أنه رضي به رسولاً وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقاً أطاعه - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّهُ

هذا لعمري في القياس بديعُ

لو كان حُبَّك صادقاً لأطعته

إن المُحب لمن يُحبُّ مُطيعُ

وعلامات محبته - صلى الله عليه وسلم - تظهر في الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - واتباع سنته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، في الشدة والرخاء، وفي العسر واليسر.

*- ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته احترامه وتوقيره ونصرته كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.

وحرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، وتوقيره لازم كحال حياته وذلك عند ذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه وسيرته، وتعلم سنته والدعوة إليها ونصرتها.

*- ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته: الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

- وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من صلى علي صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([18]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي»([19]).

وللصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم : واحداً وأربعين موطناً منها على سبيل المثال: الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وبعد إجابة المؤذن، وعند الإقامة، وعند الدعاء، وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنائز، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة، وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم، وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة، وعند كتابة اسمه، وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات، وآخر دعاء القنوت، وعلى الصفا والمروة، وعند الوقوف على قبره، وعند الهم والشدائد وطلب المغفرة، وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه، وغير ذلك من المواطن التي ذكرها : في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.

*- ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته: وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، وقال ﷻ‬: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده - صلى الله عليه وسلم -.

*- ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - على أمته: إنزاله مكانته - صلى الله عليه وسلم - بلا غلو ولا تقصير فهو عبد اللَّه ورسوله، وهو أفضل الأنبياء المرسلين وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود، ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء اللَّه كما قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّه وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.

وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّه وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

وقد مات - صلى الله عليه وسلم - كغيره من الأنبياء ولكن دينه باق إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾.

وبهذا يعلم أنه لا يستحق العبادة إلا اللَّه وحده لا شريك له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.

أعوذ باللَّه من الشيطان ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر اللَّه لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتابُ اللَّه وخير الهدي هدي محمد  - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه، اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا: أن أعظم الواجبات معرفة العبد نبيه محمد  - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به والعمل بسنته وطاعته ظاهراً وباطناً كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

هذا وصلوا وسلموا على خير الخلق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين، اللَّهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللَّهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، اللَّهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، واغفر لموتانا وموتى المسلمين، وقهم عذاب القبر وعذاب الجحيم برحمتك يا أرحم الراحمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

عباد اللَّه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.


 3-خطر التكفير والإفساد والتفجير

 الخطبـة الأولـى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فاتقوا اللَّه عباد اللَّه، واعلموا أن ما يحصل من التفجير في هذه البلاد المباركة التي عظمها اللَّه تعالى ببعثة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من قلبها، وجعل فيها بيته البيت الحرام وحرم رسوله - صلى الله عليه وسلم - المدينة النبوية، ولا شك أن سبب هذه التفجيرات التكفير من فئة ضالة تكفر المسلمين بالمعاصي، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه»([20])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال،... ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله»([21])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو اللَّه وليس كذلك إلا حار عليه»([22])، والمعنى رجع عليه قوله، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك»([23])، وهذا كفر دون كفر ما لم يستحله.

ولا يجوز تكفير المسلم إلا إذا تحققت الشروط في كفره وانتفت الموانع، ويكون ذلك من الراسخين في العلم، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يخرج قومٌ «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»([24]  وقال ♥: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم...» ([25])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند اللَّه يوم القيامة»([26])، ولا شك أن الذي يتولّ قتلهم إمام المسلمين. والتكفير يحصل بسببه آثار مدمرة وفتنٌ مهلكة منها:

* – الخروج على ولي أمر المسلمين، وفيه مخالفة ظاهرة لقول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّه وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أمري فقد عصاني» [متفق على صحته]([27] وقال ♥: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»([28] وقال ♥: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية»([29])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من خلع يداً من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»([30])، ولا شك أن طاعة ولاة الأمر واجبة وإن جاروا وإن ظلموا ما داموا لم يأتوا بكفر بواحٍ عندنا من اللَّه فيه برهان، وطاعتهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية، فإنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([31]).

* - ومن المفاسد العظيمة التي تحصل بسبب التكفير: احتقار العلماء وإهانتهم والوقوع في أعراضهم وهذا فيه خطر عظيم، وإفساد ذات البين، وتحريض الرعية على التمرد والعصيان، على ولاة الأمر: من العلماء والأمراء والحكام؛ ولهذا قال بعض الناس بحضرة أبي بكرة t: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق فقال أبو بكرة t: اسكت سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أهان سلطان اللَّه في الأرض أهانه اللَّه»([32] ولفظ الإمام أحمد : بدون ذكر القصة «من أكرم سلطان اللَّه تبارك وتعالى في الدنيا أكرمه اللَّه يوم القيامة، ومن أهان سلطان اللَّه تبارك وتعالى في الدنيا أهانه اللَّه يوم القيامة»([33] ولهذا قال سهل بن عبد اللَّه التستري :: «لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح اللَّه دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم»([34])، ويذكر عن ابن عساكر رحمه اللَّه أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة اللَّه في هتك أستار منتقصيهم معلومة، فمن أطلق لسانه في العلماء بالثلب ابتلاه اللَّه قبل موته بموت القلب. نسأل اللَّه العفو والعافية. وعن أبي موسى الأشعري t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن من إجلال اللَّه إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط»([35]).

* - ومن الفساد والإفساد الذي يحصل بسبب التكفير: تَصدُّرِ أهل الجهل والضلال للإفتاء بغير علم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال تعالى موجباً سؤال أهل العلم عما أشكل ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

* – ومن الجرائم الخطيرة التي يسببها التكفير: قتل الأنفس المسلمة المعصومة، وقد حذر اللَّه تعالى عن ذلك فقال: «ومن يقتل مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب اللَّه عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً».

* – ومن أقبح الآثار المترتبة على التكفير: الإفساد في الأرض، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّه عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّه لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾.

* – ومن هذه الآثار الشنيعة الخطيرة: ترويع المسلمين؛ لحديث أبي هريرة t، قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: «من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه»([36])، وعنه t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينـزغ في يده فيقع في حفرة من النار»([37]).

وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّع مسلماً»([38]).

* – ومن أقبح الآثار المترتبة على التكفير والتفجير: قتل الإنسان نفسه بالتفجير أو بغيره، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّه كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾؛ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن قتل نفسه في الدنيا بشيء عذب به يوم القيامة...» ([39])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سُمّاً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردَّى من جبلٍ وقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً»([40]).

* - ومن أخطر الآثار: إتلاف الأموال والممتلكات العامة، وإهلاك الحرث والنسل، وهذا فيه فساد كبير، وذنب عظيم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن دماءكم، وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا»([41] وفي حديث صحيح آخر: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه»([42]).

* – ومن أبرز المفاسد والجرائم التي يسببها التكفير والتفجير: قتل المعاهدين، والمستأمنين؛ فإن الكفار أربعة أقسام:

القسم الأول: المعاهدون وهم الذين يسكنون في بلادهم، وبينهم وبين المسلمين عهد وصلح وهدنة إلى وقت معلوم، ككفار قريش وقت صلح الحديبية وككفار الدول الكافرة في عصرنا الذين بينهم وبين الحاكم المسلم عهد، وسفارات: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾.

القسم الثاني: الذميون، وهم الكفار الذين يدفعون الجزية للمسلمين، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.

القسم الثالث: المستأمنون: وهم الذين يدخلون في بلاد المسلمين بأمانٍ من ولي أمر المسلمين أو من أحدٍ من المسلمين ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّه ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾.

القسم الرابع: الحربيون، وهم من عدا الأصناف الثلاثة السابقة من الكفار، فهؤلاء يشرع لإمام المسلمين أن يجاهدهم ويقاتلهم على حسب القدرة والطاقة، وقوة شعبه على ذلك. فالأقسام الثلاثة الأول يحرم غدرهم، وقتلهم ما داموا معاهدين أو مستأمنين، أو ذميين، ومن قتل أحداً منهم متعمداً فقد عصى اللَّه ورسوله واستحق العقاب الأليم، واستحق لعنة اللَّه وملائكته والناس أجمعين قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّه لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾، والمعنى انبذ إليهم عهدهم على سواء: يكون علمك وعلمهم سواء في أنك حرب لهم وهم حرب لك، فعن سُليم بن عامر : قال: كان بين معاوية t وبين الروم عهدٌ، وكان يسيرُ نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرسٍ – أو برذون – وهو يقول: اللَّه أكبر، وفاءٌ لا غَدْرٌ، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَةَ t ، فأرسل إليه معاوية فسأله؟ فقال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يحلُّها، حتى ينقضي أَمَدُهَا أو ينبذ إليهم على سواء»([43])، فرجع معاوية t.

وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل غادر لواءٌ عند استه يوم القيامة يعرف به»([44]).

وهذا يدل على تحريم قتل المعاهدين، والمستأمنين، والذميين، وقال ♥: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً»([45]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة»([46]).

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «... وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً، فعليه لعنة اللَّه وملائكته والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ»([47] ومعنى ذمة المسلمين: أي عهدهم وأمانهم، فإذا أمّن أحد من المسلمين كافراً وأعطاه ذمته لم يكن لأحد نقضه، ويستوي في ذلك عهد وأمان: الرجل، والمرأة، والحر، والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة، وسميت الذمة بالعهد، لأنه يُذَمُّ مُتعاطيها على إضاعتها، وذمة المسلمين واحدة فإذا أمّن الكافر واحد من المسلمين حَرُمَ على غيره التعرض له، فمن أخفر مسلماً: أي نقضه عهده، وأزال أمانه الذي أعطاه لمن دخل في عهده، استحق لعنة اللَّه وملائكته والناس أجمعين.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المسلم فاستغفروه إنه هو الغفور التواب الرحيم.

& & &


 الخطـبة الثانيـة

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه اتقوا وابتعدوا عن غضبه وعقابهِ ولعنته فإن من أفسد في الأرض وقتل الأنفس المعصومة، ونقض العهود، وقتل نفسه، وأهلك الأموال والحرث والنسل ظلماً وعدواناً استحق ما ذكر من العقاب الأليم، والذل والهوان. أسأل اللَّه لي ولكم ولجميع المسلمين العفو والعافية.

واللَّه أسأل أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن يرضى عن خلفائه الراشدين:  أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين.

اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، والمفسدين المعتدين، وانصر عبادك الموحدين، اللَّهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وانصر بهم الحق يا رب العالمين.

اللَّهم من أراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، واقطع آماله، واجعله عبرة للمعتبرين، اللَّهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، واغفر لموتانا وموتى المسلمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، عباد اللَّه اذكروا اللَّه يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

& & &


 4- عِظَم حرمة دماء المعصومين وأعراضهم وأموالهم من المسلمين وغيرهم

 الخطبـة الأولـى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: فيا أيها الناس ﴿اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾.

عبادَ اللَّه: إن اللَّه تعالى حرم: دماء المسلمين، وأعراضهم، وأموالهم، وحرم I دماء المعاهدين، والذميين، والمستأمنين من الكفار وأعراضهم وأموالهم، وهذا التحريم جاء في كتاب اللَّه تعالى وفي سنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الصريحة.

* قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، فمن كان يرجو اللَّه، ويخشاه، ويخاف عقابه، ولعنته، وغضبه، وعذابه والخلود في ناره، فليبتعد عن كل سبب يوصله إلى الوقوعِ في هذه الجريمة القبيحة، نسأل اللَّه العفو والعافية.

* واللَّه تعالى قد حكم على من قتل نفساً بغير حق بحكم عظيم تقشعر منه الجلود المؤمنة وتخشع له القلوب الموقنة فقال سبحانه وتعالى: ﴿...مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

* وقرن سبحانه وتعالى قتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق بالشرك باللَّه تعالى، فقال ﷻ‬: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّه سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّه غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

* وبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد اللَّه بن مسعود t: أن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث، فقال ♥: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثّيّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»([48]).

* وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل الرجل المسلم أعظم من زوال الدنيا بأكملها، فعن عبد اللَّه بن عمرو ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لزوال الدنيا أهونُ على اللَّه من قتل رجلٍ مسلمٍ»، ولفظ النسائي: «والذي نفسي بيده لقتلُ مؤمنٍ أعظم عند اللَّه من زوال الدنيا»([49]). ورواه ابن ماجه من حديث البراء t بلفظ: «لزوال الدنيا أهون على اللَّه من قتل مؤمن بغير حق»([50]).

* ولعظم حرمة الدماء قرن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل المسلم بالكفر، فقال من حديث معاوية t، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كلُّ ذنبٍ عسى اللَّه أن يغفره، إلا الرجل يقتلُ المؤمن متعمداً، أو الرجلُ يموتُ كافراً»([51]).

* ولجرمِ وقبحِ وشناعةِ وفحشِ قتل المسلم، وعظم حرمته بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن أهل السموات والأرض لو اشتركوا في قتله لعذبهم جميعاً في النار، فعن أبي سعيد وأبي هريرة ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دمِ مؤمنٍ لأكبهم اللَّه في النار»([52]).

* ومما يؤكد حرمة الدماء المعصومة وظلم من تعدَّى عليها حديث عبداللَّه t ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تُقتلُ نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوَّل كِفلٌ من دَمِها؛ وذلك أنه أوَّلُ مَنْ سنَّ القتْلَ»([53]).

* ولشناعة حرمة الدماء أنها أول ما يقضى فيه يوم القيامة، فعن عبد اللَّه t، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأوّلُ ما يقضى بين الناس في الدماء»([54] ولفظ الترمذي: «إن أول ما يُحكم بين العباد في الدماء»، ورواه البخاري بلفظ: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء»([55]).

* «والمقتول ظلماً يجيء بقاتله يوم القيامة ناصيته ورأسُهُ في يده متعلقاً بالقاتل، وأوداجه تَشْخَبُ دماً، يقول: يا ربِّ سل هذا فيما قتلني» ([56]).

* والمؤمن لا يزال في سعة من دينه ما لم يصب دماً حراماً؛ فإذا فعل ذلك ضاق عليه دينه، ويكون في ضيق بسبب ذنبه العظيم، فعن ابن عمر ب، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصب دماً حراماً»([57]).

* وسفك الدم الحرام بغير حق يوقع في الهلال، فعن عبد اللَّه بن عمر ب أنه قال: «إن من وَرَطات الأمورِ التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سَفْكَ الدَّم الحرام بغير حلِّه»([58]).

والمسلم يحرم دمه، وماله، وعرضه، وبشرته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع «إن دماءكم، وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا...»([59])، وعن أبي هريرة t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث طويل وفيه: «... بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه»([60]).

فيا عبد اللَّه ابتعدوا عن الوقوع في هذه الجريمة العظيمة، والذنب الكبير، فإنها من السبع الموبقات المهلكات التي حذركم عنها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل يا رسول اللَّه وما هنّ؟ قال: «الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»([61]).

واعلموا رحمكم اللَّه أنه يدخل في تحريم سفك الدم الحرام قتل النفوس المعصومة: من المعاهدين من الكفار، والذميين، والمستأمنين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل معاهداً لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً»([62]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبـة الثانيـة

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد اللَّه ورسوله صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى وابتعدوا عن كل وسيلة توصل إلى سفك الدماء المعصومة المحترمة امتثالاً لأمر اللَّه تعالى وانتهاءً عما نهاكم عنه؛ فإن من انتهك الدماء المعصومة فقد تعرض لغضب اللَّه وسخطه، وعقابه، ولعنته، أسأل اللَّه لي ولكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة. هذا واللَّه أسأل أن يصلّي ويسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأن يرضى عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحابه أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين، اللَّهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة، وأصلح بهم العباد والبلاد، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

عباد اللَّه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

& & &


 5- وجوب محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -  ونصرته وحكم من سبه

الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما وعد في كتابه، وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل المرسلين وأكرم العباد، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كُلِّه ولو كره أهلُ الشرك والعِنَاد، ورفع له ذكره ولا يُذكر إلا ذُكِرَ معه كما في الأذان، والتشهدِ، والخُطبِ، والمجامعِ والأعيادِ، وكَبَتَ مُحادّه، وأهلكَ مُشاقّهُ وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد، وبَتَر شانئهُ ولعن مُؤذيه في الدنيا والآخرة، وجعل هوانه بالمرصاد، أما بعد:

فيا عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى حق التقوى، واعلموا أن اللَّه تعالى هدانا بنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته خير الدنيا والآخرة، وأجوب اللَّه علينا حبَّهُ، وتعزيره، ونصره بكل طريق، وإيثارهُ بالنفسِ والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل مؤذٍ، وإن كان اللَّه قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلوَ بعضكم ببعض وليعلم اللَّه من ينصره ورسله بالغيب.

عباد اللَّه: إن محبة اللَّه لا تحصل للعبد إلا باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال اللَّه تعالى: âقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌá([63]). وقال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث م كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: من كان اللَّه ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يُقذف في النار»([64]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه: من أهله، وماله، والناس أجمعين»، وفي لفظ: «من ولده، ووالده، والناس أجمعين»([65])، وعن العباس بن عبدالمطلب t: أنه سمع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً»([66]).

ومحبة اللَّه ورسوله فرض بل أفرض الفروض، وتقديمها على محبة كل شيء، قال اللَّه تعالى: âقُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّه وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّه بِأَمْرِهِ وَاللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَá([67]). وهذا يدل على وجوب محبة اللَّه ورسوله وتقديمها على محبة كل شيء، ويدل على الوعيد الشديد والمقت الأكيد على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من اللَّه ورسوله، وجهاد في سبيله، وعلامة ذلك أنه إذا عُرِضَ عليه أمران: أحدهما يحبه اللَّه ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسُهُ وتشتهيه ولكنه يفوِّت عليه محبوباً للَّه ورسوله أو ينقصه؛ فإنه إن قدَّم ما تهواه نفسه على ما يحبه اللَّه ورسولُهُ دلَّ ذلك على أنه ظالم تاركٌ لما يجب عليه([68]).

وما أحسن ما قاله القائل:

تعصي الإله وأنت تُظهرُ حُبَّهُ

هذا لعمري في القياس بديعُ

لو كان حُبَّك صادقاً لأطعتَه

إن المحبَّ لمن يُـحِبُّ مُطيعُ([69])

وقال الإمام ابن القيم في نويته:

شرطُ المحبةِ أن توافِقَ مَنْ تحبَّ

على محبَّته بلا عصيان

فإذا ادَّعيتَ له المحبةَ مع خلافِكَ

ما يُحبُّ فأنت ذو بُهتانِ

أتحبُّ أعداء الحبيب وتدَّعي

حُبّاً له ما ذاك في إمكان

وكذا تُعادي جَاهداً أَحبَابَهُ

أين المحبَّةُ يا أخا الشيطانِ([70])

ولما قال عمر t: يا رسول اللَّه، لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن واللَّه لأنت أحبَّ إليَّ من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الآن يا عمر»([71]) أي الآن عرفتَ فنطقت بما يجب([72]).

وهذا الحب لا يكون بالدعوى بل بالصدق، والمحبة تثمر طاعة اللَّه ورسوله، والبعد عما نهى اللَّه عنه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ولا شك أن العبد إذا أحب اللَّه ورسوله، فإنه يحبُّ ما يحبه اللَّه ورسولُه؛ لأن من أحبَّ أحداً أحب من يحبه؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحبَّ للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومَنَعَ للَّه، فقد استكمل الإيمان»([73]).

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة، فقد سأله رجلٌ عن الساعة؟ فقال: «ما أعددتَّ لها؟» قال: يا رسول اللَّه: ما أعددتُ لها كبير صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكني أحبُّ اللَّه ورسوله، قال: «فأنت مع من أحببت»([74] قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشدُّ من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت مع من أحببت»، فأنا أحبُّ اللَّه ورسوله، وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم([75])، وعن عبداللَّه بن مسعود t قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه: كيف تقول في رجل أحبَّ قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال: «المرء مع من أحب»([76]). ومعنى «ولم يلحق بهم» أي في الأعمال، والآية في سورة آل عمران: âقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهá([77]). يقال لها آية المحنة، امتحن اللَّه بها العباد، فعلامة المحبة للَّه تعالى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والابتعاد عما نهى عنه، وفي الآية والأحاديث السابقة الدلالة على أن المرء مع من أحبَّ: فمن أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين فهو معهم، ومن أحب الكفار فهو معهم.

      ومن صِدْقِ المحبة له - صلى الله عليه وسلم -: نُصرته، وتعزيره، وتوقيره، قال اللَّه تعالى: âإِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُá([78]). وقال تعالى: âفَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَá([79]).

ومعنى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ ذكر ابن كثير عن ابن عباس ب «تعظموه» وقال البغوي ﴿وَتُعَزِّرُوهُ ﴾ تعينوه وتنصروه. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام([80]). وقد لعن اللَّه تعالى من آذاه وآذى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾([81]). وقال تعالى: âأُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًاá([82]).

ولا شك أن من استهزأ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يستحق لعنة اللَّه تعالى، وقد لعنه، âوَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًاá.

فإذا كان مسلماً قبل سبّه ارتدَّ ولا تقبل توبته عندنا ولو تاب؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾([83]). ويجب قتله بدون استتابة على القول الصحيح.

أما إذا كان السابُّ ذميًّا أو معاهداً فإنه ينتقضُ عهدهُ ويقتل ولا يجوز المنُّ عليه ولا مفاداته بل يقتل على كل حال. وإذا تاب السابُّ فالصواب أنه يقتل ولو كان أصله مسلماً فلا تقبل توبته عندنا، أما عند اللَّه فهذا إليه سبحانه.

وقد ضَمَّن ذلك شيخ الإسلام في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -» قال :: «وقد رتبته على أربع مسائل:

المسألة الأولى: أن السابَّ يقتل: سواء كان مسلماً أو كافراً.

المسألة الثانية: في أنه يتعين قتله وإن كان ذميًّا فلا يجوز المنُّ عليه ولا مفاداته.

المسألة الثالثة: في حكمه إذا تاب, وكذا لو أسلم الكافر بعد السبِّ.

المسألة الرابعة: في بيان السبّ وما ليس بسبٍّ والفرق بينه وبين الكفر. وقد أجاد وأفاد :.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾([84]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، أما بعد:

عباد اللَّه، لقد أرسل اللَّه هذا النبي الكريم رحمة للعالمين كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾([85]). وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾([86])، فلا نبي بعده ♥، وهو الداعي لكل خير، المحذر من كل شر لجميع الجن والإنس، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلً﴾([87]).

﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾([88]).

وهو ♥ منةٌ من اللَّه تعالى على المؤمنين خاصة، ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾([89]). وقد عصمه اللَّه تعالى وتكفل بحمايته فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾([90]). وكفاه اللَّه تعالى المستهزئين فقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾([91]).

فيا عبداللَّه المؤمن كن من الطائعين المتبعين لهذا النبي الكريم ولا تُعِن الكافرين بل أبغضهم للَّه رب العالمين ولا تتشبه بهم؛ فإن «من تشبه بقوم فهو منهم»، وانصر نبيك محمداً - صلى الله عليه وسلم - باتباعه، ومحبته، ومقاطعة المشركين، واللَّه تعالى ناصر نبيه ومُعلي كلمته ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، ولو كره المنافقون، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([92]). وقال ♥: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة: يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار»([93]).

فدعوته - صلى الله عليه وسلم - عامة للإنس والجن إلى قيام الساعة، ومن آذاه وسبه فقد تولى اللَّه عقابه في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾([94] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾([95]).

فمن شتم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أونال منه فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين.

وقد أحسن حسانُ بن ثابت t حين قال لمن سب النبي - صلى الله عليه وسلم -:

هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه

وعند اللَّه في ذلك الجزاءُ

فإن أبي ووالدتي وعرضي

لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ

فيا عبداللَّه أطع نبيك واتبعه ولا تطع الكافرين والمنافقين. اللَّهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك وخليلك وخيرتِكَ من خلقك نبينا وقدوتنا محمد بن عبداللَّه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين والمستهزئين، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يردُّ عن القوم المجرمين.

اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([96]) .  فاذكروا اللَّه تعالى يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾(6).

& & &


 6-بدعة الاحتفال بالمولد النبوي

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك فقال: â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا á.

عباد اللَّه! إن البدع والمحدثات في الدين من الأمور التي حرمها اللَّه تعالى ورسوله، وإن من البدع المحدثة التي يتعبد بها بعض المسلمين بدعة ا لاحتفال بالمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

والاحتفال بالمولد بدعة منكرة، وأول من أحدثها العبيديون في القرن الرابع الهجري، وقد بيّن العلماء قديماً وحديثاً بطلان هذه البدعة والرد على من ابتدعها وعمل بها، فلا يجوز الاحتفال بالمولد، لأمور وبراهين منها:

أولاً: الاحتفال بالمولد من البدع المحدثة في الدين التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرعه لا بقوله، ولا فعله، ولا تقريره، وهو قدوتنا وإمامنا، قال اللَّه ﷻ‬: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيدُ العِقَاب﴾([97] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾([98])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([99]).

ثانياً: الخلفاء الراشدون ومن معهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتفلوا بالمولد، ولم يدعوا إلى الاحتفال به، وهم خير الأمة بعد نبيها، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حق الخلفاء الراشدين: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»([100]).

ثالثاً: الاحتفال بالمولد من سنة أهل الزيغ والضلال؛ فإن أول من أحدث الاحتفال بالمولد الفاطميون، العبيديون في القرن الرابع الهجري، وقد انتسبوا إلى فاطمة ل ظلماً وزوراً، وبهتاناً؛ وهم في الحقيقة من اليهود، وقيل من المجوس، وقيل من الملاحدة([101])، وأولهم المعز لدين اللَّه العبيدي المغربي الذي خرج من المغرب إلى مصر في شوال سنة 361هـ، وقدم إلى مصر في رمضان سنة 362هـ([102])، فهل لعاقل مسلم أن يقلد الرافضة ويتبع سنتهم ويخالف هدي نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -؟.

رابعاً: إن اللَّه ﷻ‬ قد كمل الدين فقال سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾([103])، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلا بينه للأمة، ومعلوم أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو أفضل الأنبياء، وخاتمهم، وأكملهم بلاغاً، ونصحاً لعباد اللَّه، فلو كان الاحتفال بالمولد من الدين الذي يرضاه اللَّه ﷻ‬ لبيَّنه - صلى الله عليه وسلم - لأمته، أو فعله في حياته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما بعث اللَّه من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم»([104]).

خامساً: إحداث مثل هذه الموالد البدعية يفهم منه أن اللَّه تعالى لم يكمل الدين لهذه الأمة، فلا بد من تشريع ما يكمل به الدين! ويفهم منه أن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يبلغ ما ينبغي للأمة حتى جاء هؤلاء المبتدعون المتأخرون فأحدثوا في شرع اللَّه ما لم يأذن به سبحانه، زاعمين أن ذلك يقربهم إلى اللَّه، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على اللَّه ﷻ‬، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -. واللَّه ﷻ‬ قد أكمل الدين وأتم على عباده نعمته.

سادساً: صرح علماء الإسلام المحققون بإنكار الموالد، والتحذير منها عملاً بالنصوص من الكتاب والسنة، التي تحذر من البدع في الدين، وتأمر بإتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتحذر من مخالفته في القول وفي الفعل والعمل.

سابعاً: إن الاحتفال بالمولد لا يحقق محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يحقق ذلك: اتباعه، والعمل بسنته، وطاعته - صلى الله عليه وسلم -، قال اللَّه ﷻ‬: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([105]).

ثامناً: الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيداً فيه تشبه باليهود والنصارى في أعيادهم، وقد نُهينا عن التشبه بهم، وتقليدهم([106]).

تاسعاً: العاقل لا يغتر بكثرة من يحتفل بالمولد من الناس في سائر البلدان، فإن الحق لا يعرف بكثرة العاملين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، قال اللَّه I: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّه﴾([107])، وقال ﷻ‬: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾([108] وقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾([109]).

عاشراً: القاعدة الشرعية: رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال اللَّه ﷻ‬: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّه وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾([110])، وقال ﷻ‬: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى اللَّه﴾([111])، ولا شك أن من رد الاحتفال بالمولد إلى اللَّه ورسوله يجد أن اللَّه يأمر بإتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾([112])، ويبين I أنه قد أكمل الدين وأتم النعمة على المؤمنين. ويجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بالاحتفال بالمولد، ولم يفعله، ولم يفعله أصحابه، فعلم بذلك أن الاحتفال بالمولد ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة.

الحادي عشر: إن المشروع للمسلم يوم الاثنين أن يصوم إذا أحب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل عليَّ فيه»([113])، فالمشرع التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في صيام يوم الإثنين، وعدم الاحتفال بالمولد.

الثاني عشر: عيد المولد النبوي لا يخلو من وقوع المنكرات والمفاسد غالباً، ويعرف ذلك من شاهد هذا الاحتفال ومن هذه المنكرات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

1- أكثر القصائد والمدائح التي يتغنَّى بها أهل المولد لا تخلو من ألفاظ شركية، والغلو والإطراء الذي نهى عنه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله»([114]).

2- يحصل في الاحتفالات بالموالد في الغالب بعض المحرمات الأخرى: كاختلاط الرجال بالنساء، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وقد يحصل فيها الشرك الأكبر كالاستغاثة بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو غيره من الأولياء، والاستهانة بكتاب اللَّه ﷻ‬ فيشرب الدخان في مجلس القرآن، ويحصل الإسراف والتبذير في الأموال، وإقامة حلقات الذكر المحرف في المساجد أيام الموالد مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق القوي من رئيس الذاكرين، وكل ذلك غير مشروع بإجماع علماء أهل الحق([115]).

3- يحصل عمل قبيح في الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يكون بقيام البعض عند ذكر ولادته - صلى الله عليه وسلم - إكراماً له وتعظيماً، لاعتقادهم أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يحضر المولد في مجلس احتفالهم؛ ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، فإن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلا عليين عند ربه في دار الكرامة([116])، كما قال اللَّه ﷻ‬: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾([117] وقال ♥: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع»([118])، فهذه الآية، والحديث الشريف وما جاء في هذا المعنى من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة. «وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، ليس فيه نزاع بينهم»([119]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى: âالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًاá بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن البدع في الدين من الأمور المحرمة التي حرمها اللَّه تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن هذه البدع كما سمعتم بدعة الاحتفال بالمولد، وما يحصل فيه من المفاسد والاختلاط بين الرجال والنساء، والمضاهاة لدين اللَّه تعالى، وتعدّي حدوده، فاتقوا اللَّه تعالى، واتّبعوا ولا تبتدعوا.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: â إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا á([120]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([121]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، â رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ á([122]) ،  عباد اللَّه! âإِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَá([123])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، âوَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَá([124]).

& & &


 7-دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمد، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فيا عباد اللَّه، اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن اللَّه تعالى أحلَّ البيع وحرَّم الربا، وما فيه ضرر للعباد في الدنيا والآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾([125]).

ومن علامات الساعة ظهور الزنا والربا، فعن عبد اللَّه بن مسعود t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا، والزنا، والخمر»([126])، وعن أبي هريرة t أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليأتين على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ بما أخذ المال، أمِنْ حلالٍ أم من حرام»([127])، وعن النعمان بن بشير t، قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الحلال بين والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشكُ أن يقع فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حمى، ألا وإن حمى اللَّه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صَلَحتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب»، وفي لفظ للبخاري: «والمعاصي حمى اللَّه، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه»([128])، والشبهات هي الأمور التي لا يتضح حكمها لكثير من الناس، فهي مشكلة يشبه بعضها بعضاً([129]).

وعن الحسن بن عليٍّ ب، قال: حفظت من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يُريبك إلى ما لا يَريبك، فإن الصدق طُمأنينة، وإن الكذب ريبة»([130])، فالمسلم الورع يضطرب قلبُهُ عند الأمور المحرمة، ويسكن للحلال، ويدعُ الصغيرة مخافة الكبيرة([131]).

ولا شك أن اللَّه تعالى ما ترك حلالاً إلا بينه، ولا حراماً إلا بيَّنه عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لكن بعضه يشتبه على كثير من الناس، أما العلماء الراسخون في العلم فلا يخفى عليهم؛ لما أعطاهم اللَّه من العلم والحكمة. وعن النواس بن سمعان t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البرُّ حُسنُ الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس»([132] وعن وابصة بن مَعبدٍ قال: أتيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: «جئت تسأل عن البرِّ والإثم؟»، قلت: نعم، قال: «استفتِ قَلْبَكَ، البرُّ ما اطمأنت إليه النفسُ واطمأنَّ إليه القلبُ، والإثم ما حاك في النفسِ وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتوكَ»([133])، والبرُّ يشمل جميع الطاعات، والدين كلُّه خلق حسن، وقد فطر اللَّه تعالى عباده على معرفة الحق والسكون إليه، والنفور عن الباطل، والحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن،  بل يعرف الحق بالنور الذي عليه، وينفر عن الباطل فينكره ولا يعرفه، ومن هذا المعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سيكون في آخر الزمان قومٌ يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم»([134])، يعني أنهم يأتون بما تستنكره قلوب المؤمنين ولا تعرفه، وفيه إشارةٌ إلى أن ما استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادم العهد وتطاول الزمان فهو الحق، وأن ما أحدث بعد ذلك مما يستنكره المؤمنون فلا خير فيه([135])؛ ولهذا قال عبد اللَّه بن مسعود t: «ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند اللَّه حسنٌ، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند اللَّه قبيح»([136]). وقوله: «وإن أفتاك الناس وأفتوك» يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاك غيرُك بأنه ليس بإثم، فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكراً عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضاً إثماً، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح اللَّه صدره بالإيمان، وكان المفتي يُفتي له بمجرد ظنٍّ وميلٍ إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدورُ بعضِهِم في أول الأمر، فيمتنعون من فعله فيغضب لذلك، ثم يشرح اللَّه صدورهم لذلك. وفي الجملة فما ورد به الدليل الشرعي فليس للمؤمن إلا طاعةُ اللَّه ورسوله([137])، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾([138]).

وما حصل من التأثر بخسارة الأسهم التي تكالب عليها الناس، وباع بعضهم أملاكه ودخل بقيمتها فيها إلا لعدم الالتزام بهذه الضوابط المذكورة آنفاً، وكذا باستفتائهم أهل الرخص؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناسُ رُؤوساً جُهَّالاً فَسئِلوا فأفتوا بغير علمٍ فَضلُّوا وأضلُّوا»([139]).

وكان أهل الإيمان والتقوى يبتعدون عن الشبهات والحرام؛ ولهذا رُوي عن أبي بكر الصديق t أنه عندما تبين له أن مولاه كان يطعمه من كسبٍ حرامٍ، وسأله من أين هذا الطعام فأخبره أنه كان يتكهن وهو لا يحسن الكهانة في الجاهلية فأعطوه، فقال أبو بكر: إن كدت أن تهلكني، فأدخل يده في حلقه فجعل يتقيأ حتى أخرج ما في بطنه، فقيل له: يرحمك اللَّه كل هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به»، فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة([140]).

وثبت في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب: «يا كعب بن عجرة، إنه لا يربوا لحمٌ نبت من سحتٍ إلا كانت النار أولى به»([141] وفي لفظ: «يا كعب بن عجرة، لا يدخل الجنة من نبت لحمه من سحت، النار أولى به»([142]).

وإن الناظر بعين البصيرة إلى واقع المسلمين في العالم اليوم يجد لهفهم الشديد إلى كل ما تطرحه البنوك أو الشركات من أسهم ومعاملات، فالكثير يتعامل ويساهم بدون استفتاء أهل العلم المعتبرين، والقليل يستفتي ولكن ممن التبس عليه الحلال بالحرام من طلبة العلم، بل يقصد بعضهم فلاناً المتتبع للرخص: أي المتتبع لأهون أقوال العلماء في مسائل الخلاف، وما علم المسكين أن هذا دينٌ، فلينظر المسلم ممن يأخذ دينه، ومن يجعله بينه وبين ربه تعالى، قال بعض السلف: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم».

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾([143]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمي، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين أما بعد:

عباد اللَّه، اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ويجب على المسلم أن يسأل أهل العلم فيما يشكل عليه، ولا يسأل من لا علم عنده؛ ولهذا ذكر ابن القيم رحمه اللَّه: أن ربيعة رحمه اللَّه وُجِدَ يبكي، فسئل عن سبب بكائه، فقال: «استُفتِ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وَلَبَعْضُ من يُفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق»([144]).

وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه»([145]). وقال ابن عباس ب: «يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون قال أبو بكر وعمر»([146]). وقال عمر بن الخطاب t لزيادٍ: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلةُ العالم، وجدالُ المنافق بالكتاب، وحكمُ الأئمة المضلين»([147]). وقال سليمان التيمي :: «لو أخذت برخصة كلٍّ عالمٍ أو زلة كلٍّ عالمٍ اجتمع فيك الشرُّ كلُّه»([148]). وفي الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدِكُمْ»([149]). وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح صلاته إذا قام من الليل بـ«اللَّهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» ([150]).

فيا عباد اللَّه اتقوا اللَّه، وابتعدوا عن الشبهات، واسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه، كما أمركم اللَّه بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([151]). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([152]). اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشِّرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وجميع ولاة أمر المسلمين، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات ا لمسلمين، وأعِذْهُمْ من عذاب القبر وعذاب النار برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم إنا نسألك الهدى، والتقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا, وسدِّدنا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([153]).

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([154]). فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([155]).


ثانياً: نبذ من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه


 8-نسبه ونشأته صلى الله عليه وسلم

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، التي هي أحد الأصول الثلاثة، التي يُسأل عنها في قبره.

فهو محمد بن عبد اللَّه، بن عبد المطلب، بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام([156]).

ولد - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل بمكة في شهر ربيع الأول([157]) يوم الإثنين([158]) الموافق 571م([159]).

وقدنشأ النبي - صلى الله عليه وسلم - يتيماً فآواه اللَّه تعالى، وعائلاً فأغناه اللَّه، فقد تُوفِّي والده عبد اللَّه وهو - صلى الله عليه وسلم - حملٌ في بطن أمه، وأرضعته ثُويْبَةُ أيَّاماً([160])، وهي مولاة لأبي لهبٍ، ثم أرضعته حليمة السعدية في البريَّة، وأقام عندها في بني سعدٍ نحواً من أربع سنين، وَشُقَّ عن فُؤاده هناك وهو يلعب مع الغلمان، فعن أنس t: «أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ([161]) من ذهب بماء زمزم ثم لامَهُ([162]) ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره)([163]) فقالوا: إن محمداً قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو مُنتقع اللَّون([164]) قال أنسٌ: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره»([165])، وعند هذه الحادثة العظيمة خافت عليه حليمة السعدية ل، فردّته إلى أمه آمنة بنت وهب، فخرجت به أمه إلى المدينة، تزور أخواله، ثم رجعت متجهة إلى مكة فماتت في الطريق بالأبواء، بين مكة والمدينة، وعمره - صلى الله عليه وسلم - ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام([166]) ولما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب، فلما بلغ ثماني سنين توفي جده وأوصى به إلى عمه أبي طالب؛ لأنه كان شقيق عبد اللَّه بن عبد المطلب فكفله، وأحاطه أتمَّ حياطة، ونصره حين بعثه اللَّه، أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن مات، فخفَّفَ اللَّه بذلك من عذابه بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم - : «هو في ضحْضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار». وفي لفظٍ: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامةِ فيُجعلُ في ضحْضاحٍ من النارِ يبلغ كعبَيه، يغلي منه دِمَاغُه»([167])، وخرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام في تجارةٍ، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفه به؛ لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة، فَرَأَى عبد المطلب وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه - صلى الله عليه وسلم - ما زاد عمَّه في الوصاة بِهِ، والحرص عليه، فعن أبي موسى الأشعري t قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الراهب هبطُوا فحلُّوا رحالهم، فخرج إليهم الرّاهبُ، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفتُ، قال: فهم يحلُّون رِحالهم فجعل يتخللَّهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، قال: «هذا سيدُ العالَـمِين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه اللَّه رحمةً للعالمين، فقال له أشياخٌ من قريش ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنِّي أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفِ كتفهِ مثل التُّفَّاحة...» الحديث وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أظلته غمامةٌ ومالت الشجرة بظلها عليه([168]) وأمر الراهب أبا طالب بالرجوع به إلى مكة؛ لئلا يراه اليهود؛ فيحصل له منهم سوء، فأرسل به عمه إلى مكة، ثم أرسلت به خديجة بنت خويلد في تجارةٍ لها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فربحت تجارة خديجة ل، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، فرجع فأخبر سيدته بما رأى، فرغبت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجها، لِـمَا رجَتْ في ذلك من الخير الذي جمعه اللَّه لها، وفوق ما يخطر بِبَالِ بشر، فتزوجها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وله من العمر خمس وعشرون سنة، وكان عمرُ خديجة أربعون سنة([169])، وقد حماه اللَّه تعالى من صغره من دنس الجاهلية، ومن كلِّ عيب، فلم يُعظِّم لهم صنماً في عمره قط، ولم يحضر مشهدا ًمن مشاهد كفرهم، وكانوا يطلبونه بذلك فيمتنع، ويعصمه اللَّه من ذلك، وما شرب خمراً قط، وما عمل فاحشة قط، وكان يعلم بأنهم على باطل، ولم يشرك باللَّه قطٌّ، ولم يحضر مجلس لهوٍ([170])، ولم يعمل شيئاً مما كان يعمله قومه من الفواحش والمنكرات، فقد نشأ في مجتمعٍ كَثُرت فيه المفاسد وعمت فيه الرذائل، فالشرك باللَّه تعالى، ودعاء غيره معه، وقتل الأنفس بغير حق، والظلم، والبغاء، والاستبضاع، والزنى الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض، والأموال، والدماء، كل ذلك كان شائعاً في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، بالإضافة إلى وَأْدِ البناتِ، وقتل الأولاد خشية الفقر، أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعدُّ في الجاهلية من المفاخر، والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كلُّه يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضى بها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم  يعمل أي عمل أو يباشر أيَّ خُلقٍ من هذه الأخلاق الرذيلة، وقد أدَّبه ربُّهُ فأحسن تأديبه([171])، وهذه الأخلاق التي اتصف بها قد عرفها قومه منه؛ ولهذا لُقِّب بين قومه «بمحمدٍ الأمين»([172]).

وقد بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا، واشتجروا فيمن يضع الحجر الأسود موضعه، فقالت كلُّ قبيلةٍ: نحن نضعه، ثم اتفقوا على أن يضعه أَوَّلُ داخلٍ عليهم، فكان أول من دخل عليهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، ففرِحوا به كثيراً، فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به أن يكون حكماً بينهم؛ ليحلّ النزاع ويقف القتال الذي كاد أن يحصل، فأمر - صلى الله عليه وسلم - بثوبٍ فَوُضِعَ الحجر في وسطه، وأمر كلَّ قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه بيديه في موضعه - صلى الله عليه وسلم - ([173]).

وبعد ذلك حبب اللَّه إليه الخلوة والانعزال عن الناس؛ لكي يتعبد للَّه تعالى، وكان يخلو بغار حراء يتعبد للَّه تعالى على ملة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ، ولما كمَّل الأربعين أكرمه اللَّه تعالى بالنبوّة، ولا خلاف أن مبعثه كان يوم الإثنين، وقيل بأن الشهر كان ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لثمانٍ خلون منه، من عام الفيل وهذا قول الأكثرين([174]).

وجاءه جبريل في غار حراء، فقال له: اقرأ، فقال: «لست بقارئ»، قال: اقرأ قال: «لست بقارئ» فغتَّه([175]) حتى بلغ منه الجهد، فقال له: اقرأ، فقال: «لست بقارئ» فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾([176])، وبهذه السورة كان - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا، ثم رجع - صلى الله عليه وسلم - إلى خديجة رضي اللَّه عنها يرجفُ فؤادُهُ فدخل عليها وقال: «زملوني زمِّلوني» فزمَّلوه([177]) حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فأخبر خديجة الخبر، فقالت خديجة ل: «كلا واللَّه ما يُخزيك اللَّه أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمِل الكلَّ، وتكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتعينُ على نوائب الحق...» الحديث([178])، ثم أرسله اللَّه تعالى بسورة المدثر إلى الإنس والجن، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعتُ بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرُعبْتُ منه، فرجعت فقلت زمِّلوني، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فحميَ الوحيُ وتتابع»([179])، وبهذه السورة كان رسولاً - صلى الله عليه وسلم - ، وقد بعثه اللَّه تعالى بالنذارة عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد، فبدأ - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى اللَّه تعالى سراً، فأسلم على يديه: السابقون الأولون، وكان أول من أسلم خديجة ل، ثم علي ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر y، ثم دخل الناس في دين اللَّه واحد بعد واحد، حتى فشا الإسلام في مكة، ثم أمر اللَّه تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يجهر بالدعوة فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾([180])، فدعاهم إلى اللَّه، وصعد على الصفا وقال: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج عليكم بسفح هذا الوادي أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك كذباً، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد»([181])، وقد ناصبه صناديد قريش ومن معهم العداء، ولكن مع ذلك لم يستطع أحد منهم أن يتهمه بصفة الكذب أو صفة غير لائقة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾([182])، ولو عرفوا خُلُقاً ذميماً – وقد عاش بينهم أربعين عاماً -؛ لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها أمام الناس، ووجدوا أن كلمة (ساحر) و(كاهن) هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه؛ حيث يفرق بدعوته إلى اللَّه بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوجة وزوجها، واتهموه بالجنون؛ لأنه خالف شركهم ودعا إلى عبادة اللَّه وحده، وتابع دعوته إلى اللَّه في المواسم، والأسواق، وخرج إلى الطائف، وأسلم الجن في طريقه عند رجوعه من الطائف، وحصل له من الأذى الكثير فصبر واحتسب، وبقي في مكة عشر سنين يدعو إلى التوحيد، ثم جاءه جبريل قبل الإسراء، ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدره، ثم أطبقه([183] وذكر الحافظ ابن حجر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شُقَّ صدره ثلاث مرات، الأولى في بني سعد وهو صغير، والثانية عند البعثة فقال: (وثبت شق الصدر أيضاً عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوَّة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس «فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك» وكان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال، من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه - صلى الله عليه وسلم -»([184]). ثم أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام فوق السماء السابعة، وفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، وصلّى بالأنبياء ركعتين، ورجع قبل أن يُصبح إلى مكة، وصلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة([185]) أُمِر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين من ربيع الأول على القول المشهور، في السنة الحادية عشرة من الهجرة([186])، وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً، وقد توفي - صلى الله عليه وسلم - ودينه باقٍ وهذا دينه، لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه اللَّه إلى الناس كافة، وافترض اللَّه طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار([187]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ([188]) بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، وتعلموا سيرة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - العطرة، فإن من لم يعرفه، وما هو عليه من الخلق العظيم لا يُحبه، وهذا يبين أن معرفته - صلى الله عليه وسلم - واجبة على كل مسلم ومسلمة.

عباد اللَّه! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ([189]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([190]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([191]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([192]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([193])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([194]).

& & &


9-خلق النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن اللَّه أرسل مُحَمّداً - صلى الله عليه وسلم - رحمةً للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾([195])، فهو رحمةٌ للإنس، والجن، مؤمِنِهم وكافِرِهم؛ يدعوهم إلى اللَّه؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، قال اللَّه تعالى له: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾([196])، وقال تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾([197])، فهو - صلى الله عليه وسلم - رحمةٌ للعالمين وحجةٌ على خلقه أجمعين، وهو مِنّةٌ من اللَّه تعالى على المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾([198] وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسط أيام التشريق فقال: «يا أيها الناس إنَّ ربَّكُم واحد، وإنَّ أباكم واحد، أَلاَ لاَ فَضْلَ لعربِـيٍّ على أعجميٍّ ولا لعجميٍّ على عربي، ولا لأحمرَ على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتّقوى»([199]). وهذا فيه الدلالةُ الواضحةُ على أنه لا فرق بين الناس إلا بالتقوى، فكلما كان الإنسان للَّه أتقى فهو أفضل، من أي الأجناس أو الألوان كان.

وقد مَنَّ اللَّه تعالى على هذا النبي الكريم بمكارم الأخلاق كلِّها؛ فإنه لا يُحصى من دخل في الإسلام بسبب خُلُقه الكريم - صلى الله عليه وسلم - سواء كان ذلك الخُلُق الحسن الكريم: من جوده، أو كرمِهِ، أو عفوهِ، أو صفحِهِ، أو حلمِهِ، أو أناتِهِ، أو رفقِهِ، أو صبرِهِ، أو تواضُعِهِ، أو عدلِهِ، أو رحمتِهِ، أو منِّهِ، أو شجاعته وقوَّتِهِ، أو غير ذلك من مكارم الأخلاق.

ومن تتبَّع سيرةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وجد أنه كان يلازم الخُلُق الحسن في سائر أحواله، فأقبل الناس ودخلوا في دين اللَّه أفواجاً، بفضل اللَّه ثم بفضل حُسْنِ خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فكم دخل في الإسلام بسبب حُسْنِ خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم - .

فهذا ثُمامةُ بن أُثال يُسلِمُ بسبب عفو النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويقول: «واللَّه ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهِكَ، فقد أصبح وجهُك أحب الوجوهِ كلِّها إليّ، واللَّه ما كان على وجه الأرض دينٌ أبغضَ إليّ من دينِك، وقد أصبحَ دينُك أحبّ الأديانِ كلِّها إليّ، واللَّه ما كان على وجه الأرض بلادٌ أبغض إليَّ من بلادك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد كلِّها إليّ»([200]).

وهذا أعرابي يقول: اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً؛ لأنه تأثر بعفو النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عندما بال هذا الأعرابي في المسجد، ولم يتركه على تحجيرهِ رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء؛ بل قال له ناصحاً ومُعلّماً - صلى الله عليه وسلم - : «لقد حجَّرتَ واسعاً»([201]).

وذاك معاوية بن الحكم يرفق به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في تعليمه، فيقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيتُ مُعلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، واللَّه ما كهرني، ولا ضربني ولا شتمني»([202])، وأعطى - صلى الله عليه وسلم - رجلاً غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: «يا قومي أسلموا؛ فإن محمداً يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة»([203]).

وهذا صفوان ابن أمية من صناديد قريش الكفرة يعطيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة من الغنم ثم مائة، ثم مائة، فيقول صفوان: «واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما بَرِحَ يُعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ». وهذا سببُ إسلامِ صفوان([204]).

ومُشركٌ كافرٌ آخرُ يُريدُ قتل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالسيف فيعصم اللَّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - منه ويعفو عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ([205]). فيرجع إلى قومه ويُسلم، ويدعوهم إلى الإسلام فأسلم من قومه على يديه خَلْقٌ كثير([206]).

وهذا عبد اللَّه بن سلام اليهودي الحبر العالم من علماء اليهود يأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قدومه إلى المدينة يقول عبد اللَّه t : فجئتُ في الناس، لأنظر، فلما تبيّنتُ وجهَهُ عَرفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أوّل شيء سمعته يقول: «يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعِمُوا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلّوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام»([207]).

وهذا زيد بن سعية اليهودي يختبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيعفو عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأمر عمر أن يعطيه عطاءً، فيقول زيد اليهودي الحبر: ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتُها في وجه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حين نظرتُ إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمُهُ جهلَه، ولا تزيده شدَّةُ الجهلِ إلا حلماً، وقد اختبرتُهما فأشهدك يا عمرَ أني قد رضيتُ باللَّه ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبيّاً، وأشهدك أنّ شطر مالي صدقة على أمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ([208]).

وهذا يهودي آخر يقول عند الموت: والذي أنزل التوراة إنّا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنّك رسول اللَّه([209]).

وهذا مَلِكُ النصارى النجاشي في الحبشة عندما سمع دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله: إن عيسى عبد اللَّه ورسوله فقال لوفد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : مرحباً بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسولُ اللَّه، وأنه الذي بشّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الـمُلْكِ لأتيتُه حتى أُقَبِّلَ نَعْلَهُ([210]).

وهذا هرقلُ عظيم الروم النصراني، يقول لأبي سفيان حينما قال له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغدر، وأنه يأمر بعبادة اللَّه وحده، وعدم الشرك به، وينهى عن عبادة الأوثان، ويأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، قال هرقل لأبي سفيان: فإن كان ما تقولُ حقّاً فَسَيَمْلِكُ موضعَ قدميَّ هاتين، وقد كُنتُ أعلمُ أنه خارجٌ لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلصُ إليه لتجشّمتُ لقاءَهُ، ولو كُنتُ عنده لغسّلتُ عن قدمه([211]).

وصدق اللَّه تعالى إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾([212]) وصدق النبي الكريم إذ يقول: «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّم مكارم الأخلاق»([213]).

وسُئِلَتْ عائشةُ ل عن خُلُق النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقالت: «فإن خُلُقَ نبيِّ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كان القرآنُ»([214]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ([215]) بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه!اتقوا اللَّه تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإن اللَّه تعالى أرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾([216])، وعن أبي هريرة t ، قال: قيل: يا رسول اللَّه! ادعُ على المشركين، قال: «إني لم أُبعث لعّاناً وإنما بُعثت رحمة»([217]). وفي حديث حذيفة t ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيُّما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاةً يوم القيامة»([218]).

وجاء في الحديث عن أبي هريرة t، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إنما أنا رحمة مهداةٌ»([219]).

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنا محمد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»([220]).

عباد اللَّه! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ([221]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([222]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([223]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([224]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([225])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([226]).

& & &


 10-صفات النبيِّ صلى الله عليه وسلم الْـخَلْقِيّة والْـخُلُقيّة

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً،  وألينهم كفّاً، وأطيبهم ريحاً، وأكملهم عقلاً، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم باللَّه وأشدهم له خشية([227])، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهاداً في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلاً، وأخشعهم للَّه قلباً، وأرحمهم بعباد اللَّه تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات اللَّه، فإنه ينتقم للَّه تعالى، وإذا غضب للَّه لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه, ويخدم في مهنة أهله, ويحلِبُ شاته, ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعاً، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيراً لفقره, ولا يهاب مَلِكاً لِـمُلْكِهِ, وكان يركب الفرس, والبعير, والحمار, والبغلة, ويردف خلفه, ولا يدع أحداً يمشي خلفه([228]). وخاتمه فضة وفصه منه, يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه اللَّه مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليس بالطويل البائن([229])، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق([230])، ولا بالأدم([231])، ولا بالجعد القطط([232])، ولا بالسَّبط([233]) - صلى الله عليه وسلم - ([234])، وكان ضخم القدمين حسن الوجه([235])، أبيض مليح الوجه([236])، وكان رجلاً مربوعاً بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين([237])، ضخم الرأس، ضخم الكراديس([238])، طويل الـمَسْربة([239])، إذ مشى تكفّأ تكفؤاً كأنما ينحط من صببٍ([240])، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئاً، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: «عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر»([241]). وقال: «إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر»([242])، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحواً من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: «شيَّبتني هود وأخواتها»، وفي لفظ: «شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت»([243])، وشَيْبُهُ أحمر مخضوباً، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة([244])، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه([245])، وكان يحب الطيب، ويقول: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه»([246]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك([247])، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئاً عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على اللَّه حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس t : خَدَمْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِـمَّها إلا قال: «لو قُضِيَ لكان» أو «لو قُدِّر لكان»([248])، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه اللَّه تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام([249])، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها([250])، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة([251]).

وله - صلى الله عليه وسلم - أسماء، قال - صلى الله عليه وسلم - : «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي([252])، وأنا العاقب»، والعاقب الذي ليس بعده نبي([253]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي([254])، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»([255])، وكنيته أبو القاسم([256])، بعثه اللَّه ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق([257]).

وذكر اللَّه تعالى اسمه في القرآن في مواضع فقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾([258] وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾([259])، وقال ﷻ‬: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾([260] وقال جل وعلا في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾([261]).

وكان يكثر الذكر، دائم الفكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ويحب الطيب ولا يرده، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسماً، وضحك في أوقاتٍ حتى بدت نواجذه([262] قال جرير t : ما حجبني رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شكوت إليه أَنِّـي لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: «اللَّهم ثبّته، واجعله هادياً مهديّاً»([263]) ويمزح ولا يقول إلا حقّاً، ولا يجفو أحداً، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثاً خارج الإناء، ويتكلم بجوامع الكلم، وإذا تكلم تكلَّم بكلامٍ بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثاً إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع اللَّه له مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضاً، وكان يأمر بالرفق ويحثّ عليه، وينهي عن العنف، ويحث على العفو والصفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق ومكارم الأخلاق، وكان يحب التيمن في طهوره وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، ونهى عن الترجل إلا غباً، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، ويقول: أذكار النوم، وإذا عرَّس([264]) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة , وصيانة, وصبر, وسكينة, ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، وَيُوَقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألف أصحابه ويتفقدهم، ويكرم كريم كل قوم، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألفهم بذلك، وخدمه أنس t عشر سنين قال: «فما قال لي أُفٍّ قطّ، وما قال لي لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَا تركته، وكان من أحسن الناس خُلُقاً ولامسست خزّاً، ولا حريراً، ولا شيئاً كان ألين من كفِّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شممت مسكاً قطّ ولا عطراً أطيب من عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -»([265]). ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخَّاباً([266])، ولا يجزي بالسيئة السيئة بل يعفو ويصفح ويحلم, ولم يضرب خادماً ولا امرأة ولا شيئاً قط, إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه تعالى, وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً, فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه.

وقد جمع اللَّه له كمال الأخلاق ومحاسن الشيم وآتاه من العلم والفضل وما فيه النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحداً من العالمين, وهو أُمٌّي لا يقرأ ولا يكتب, ولا معلم له من البشر، واختاره اللَّه على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات اللَّه وسلامه عليه صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن([267]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ([268]) بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أنه ينبغي الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصّاً به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن اللَّه لا يَملُّ حتى تملُّوا([269])»([270] ولقوله: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»([271]).

عباد اللَّه! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ([272]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([273]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([274]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([275]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([276])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([277]).

& & &


 11-اجتهاد النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عبادته وجهاده

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة اجتهاده في عبادته وجهاده.

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أسوة وقدوة وإماماً يُقتدى به؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾([278])؛ ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي حتى تفطَّرت قدماه وانتفخت وورمت فقيل له: أتصنع هذا وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً»([279]).

وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة([280])، وكان يصلي الرواتب اثنتي عشرة ركعة([281]) وربما صلاها عشر ركعات([282])، وكان يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء اللَّه([283])، وكان يطيل صلاة الليل فربما صلى بما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة([284])، فكان ورده من الصلاة كل يوم وليلة أكثر من أربعين ركعة منها الفرائض سبع عشر ركعة([285]).

وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر([286]) ويتحرَّى صيام الاثنين والخميس([287])، وكان يصوم شعبان إلا قليلاً، بل كان يصومه كله([288])، ورغَّب في صيام ست من شوال([289])، وكان - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم([290])، وما استكمل شهراً غير رمضان إلا ما كان منه في شعبان، وكان يصوم يوم عاشوراء([291])، وروي عنه صوم تسع ذي الحجة([292])، وكان يواصل الصيام اليومين والثلاثة وينهى عن الوصال، وبيَّن أنه - صلى الله عليه وسلم - ليس كأمته؛ فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه([293] وهذا على الصحيح: ما يجد من لذة العبادة والأنس والراحة وقرة العين بمناجاة اللَّه تعالى؛ ولهذا قال: «يا بلال أرحنا بالصلاة»([294] وقال: «وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة»([295]).

وكان يكثر الصدقة، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة حينما يلقاه جبريل ♥([296])؛ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ ولهذا أعطى رجلاً غنماً بين جبلين فرجع الرجل إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة([297])، فكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس([298])، وأرحم الناس وأعظمهم تواضعاً، وعدلاً، وصبراً، ورفقاً، وأناة، وعفواً، وحلماً، وحياءً، وثباتاً على الحق.

وجاهد - صلى الله عليه وسلم - في جميع ميادين الجهاد: جهاد النفس وله أربع مراتب: جهادها على تعلم أمور الدين، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، والصبر على مشاق الدعوة، وجهاد الشيطان وله مرتبتان: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، ودفع ما يلقي من الشهوات، وجهاد الكفار وله أربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، واليد. وجهاد أصحاب الظلم وله ثلاث مراتب: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس فيها محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه كمَّل مراتب الجهاد كلها، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه، ولسانه، ويده، وماله؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً وأعظمهم عند اللَّه قدراً([299]). وقد دارت المعارك الحربية بينه وبين أعداء التوحيد، فكان عدد غزواته التي قادها بنفسه سبعاًٍ وعشرون غزوة، وقاتل في تسع منها، أما المعارك التي أرسل جيشها ولم يقدها فيقال لها سرايا فقد بلغت ستاً وخمسين سرية([300]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس معاملة، فإذا استسلف سلفًا قضى خيراً منه؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه بعيراً فأغلظ له في القول، فَهَّم به أصحابه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً» فقالوا: يا رسول اللَّه: لا نجد إلا سنًّا هو خير من سنّه فقال - صلى الله عليه وسلم - : «أعطوه» فقال الرجل: أوفيتني أوفاك اللَّه، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن خير عباد اللَّه أحسنهم قضاءً»([301]). واشترى من جابر بن عبد اللَّه t بعيراً، فلما جاء جابر بالبعير قال له - صلى الله عليه وسلم - : «أتراني ماكستك؟» قال: لا يا رسول اللَّه، فقال: «خذ الجمل والثمن»([302]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خُلُقاً؛ لأن خُلُقَهُ القرآن، لقول عائشة رضي اللَّه عنها: «كان خلقه القرآن»([303])؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([304]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر ابن الخطاب t ، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: رسول اللَّه لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها»([305]). وقال: «لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهباً ما يَسُرُّني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُهُ لدين»([306]).

وعن أبي هريرة t قال: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض»([307]). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم([308] ولهذا قالت عائشة ل: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير»([309]). وقالت: «ما أكل آل محمد - صلى الله عليه وسلم - أُكلتين في يوم إلا إحداهما تمر»([310]). وقالت: «إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نار. فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء»([311]). والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين. وعن عائشة ل قالت: «كان فراشُ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من أدَم وحشوُهُ ليفٌ»([312]). ومع هذا كان يقول - صلى الله عليه وسلم - : «اللَّهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً»([313]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - من أورع الناس؛ ولهذا قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فَأُلقيها»([314]). وأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «كَخْ كَخْ ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة؟»([315]).

ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملُّوا، وأحب العمل إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه وإن قل» وكان آلُ محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا عَمِلُوا عملاً أثبتوه([316]). «وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى صلاة داوم عليها»([317]). وقد تقالَّ عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - نفر من أصحابه رضي اللَّه عنهم وقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً [وقال بعضهم: لا آكل اللحم] فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»([318]). والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. ومع هذه الأعمال الجليلة فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمةٍ منه وفضل». وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا»([319]). وكان يقول: «يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»([320]). ويقول: «اللَّهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك» ([321]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ([322]) بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإن اللَّه تعالى أرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ([323]).

عباد اللَّه! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ([324]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([325]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([326]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([327]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([328])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([329]).

& & &


 12-النبيُّ الكريم - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن اللَّه عز وجل أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾([330])، فالمؤمنون به - صلى الله عليه وسلم - قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وغيرهم كفرها، وبدَّلوا نعمة اللَّه كفراً، وأبوا رحمة اللَّه ونعمته([331]).

*  ومما يدل على أن رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة t قال: قيل: يا رسول اللَّه! ادعُ على المشركين، قال: «إني لم أُبعث لَعَّاناً وإنما بُعِثْتُ رحمةً»([332]).

وجاء في الحديث عن أبي هريرة t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ»([333]).

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»([334]).

وقد شملت رحمته - صلى الله عليه وسلم - الأعداء حتى في قتالهم ومجاهدتهم؛ فإن قوة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى في شريعته - صلى الله عليه وسلم - لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل اللَّه – تعالى – ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾([335] فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفّار برأيه قتل([336]).

ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزّروع والثّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت([337])، وقد «وُجدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، فنهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان»([338])؛ ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميراً على جيش أوسريّة أوصاه في خاصته بتقوى اللَّه ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا بسم اللَّه في سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتُهنَّ ما أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم...»([339])، ثم بيّنها - صلى الله عليه وسلم - : الإسلام، أو بذل الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان باللَّه وقاتلهم([340]).

*  وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوفي بالعهد، ولا يغدر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ([341]).

ولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَونٍ وهو يقول: اللَّه أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية t فسأله، فقال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية([342]). وهذا كلُّه يدلُّ على أن الهدف والمراد من الجهاد هو إعلاء كلمة اللَّه ﷻ‬.

*  ومن الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملت حتى أعدائه - صلى الله عليه وسلم - قصّته مع مَلَك الجبال حينما بعثه اللَّه إليه؛ ليأمره بما شاء عندما آذاه المشركون، فجاء ملك الجبال وسلَّم عليه وقال: (يا محمد إن اللَّه قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت([343])؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) [والأخشبان جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما]، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لملك الجبال: «بل أرجوا أن يخرج اللَّه من أصلابهم من يعبُد اللَّه وحده لا يُشرك به شيئاً»([344]).

*  ومن الأمثلة العظيمة لرحمته - صلى الله عليه وسلم - حديث أنس t قال: (كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرض فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: له أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه]، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «الحمد للَّه الذي أنقذه من النار» [وفي رواية أبي داود: أنقذه بي من النار]([345]). وغير ذلك كثير.

*  وكان - صلى الله عليه وسلم - رحيماً بالمؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾([346])، فقد بعث اللَّه تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة، وهو من أنفس المؤمنين خاصة، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جاهداً في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم؛ ولهذا كان حقُّهُ مُقدّماً على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره([347]).

وقال اللَّه ﷻ‬: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾([348])، أقرب مال للإنسان نفسه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بذل لهم النصح والشفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا تعارض مراد نفسه مع مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يُقدّم مُراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأن لا يُعارض قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقول أحد من الناس، كائناً من كان، وأن يُقدّم محبّته على محبّة الناس كلهم([349]).

وقال I: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾([350]).

*  ورحمته - صلى الله عليه وسلم - للناس جميعاً : فعن جرير بن عبد اللَّه t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من لا يَرحَمِ الناس لا يَرحَمُه اللَّه ﷻ‬»([351]). وعن أبي هريرة t قال: سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تُنزعُ الرحمة إلاّ من شقي»([352]).

وعن عبد اللَّه بن عمرو ب قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله اللَّه ومن قطعها قطعه اللَّه»([353]).

*  ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - رحمتهُ للصبيان : فعن أنس بن مالك t قال: جاء شيخٌ يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا»([354]).

*  ورحمتهُ - صلى الله عليه وسلم - للبنات : فعن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي اللَّه فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة»([355]).

*  ورحمتهُ - صلى الله عليه وسلم - للأيتام : فعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى([356]). وعن أبي هريرة t : أن رجلاً شكا إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه، فقال له: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين»([357]).

*  ورحمتهُ - صلى الله عليه وسلم - للمرأة والضعيف : فعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «اللَّهم إنِّي أُحَرِّج([358]) حقّ الضعيفين: اليتيم والمرأة»([359]). وعن عامر بن الأحوص t أنه شهد حجة الوداع مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فحمد اللَّه وأثنى عليه، وذَكّر ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك»([360]).

*  ورحمتهُ - صلى الله عليه وسلم - للأرملة والمسكين : فعن أبي هريرة t قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه، أو القائم الليل الصائم النهار»، ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر»([361]). وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى t قال: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُكثِرُ الذّكر، ويُقِلُّ اللّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة([362]).

*  ورحمته - صلى الله عليه وسلم - لطلاب العلم والشفقة عليهم: فعن أبي سعيد t عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحباً مرحباً بوصية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وأقنوهم» قلت للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علّموهم([363]).

*  ورحمته - صلى الله عليه وسلم - للأسرى : فعن أبي موسى t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «فُكُّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض»([364])، وهذا الحديث فيه رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض.

*  ورحمته - صلى الله عليه وسلم - للمرضى والشفقة عليهم: فعن ثوبان t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» قيل: يا رسول اللَّه! وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»([365]). وعن علي t قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلماً غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة»([366]). وعن ابن عباس ب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاّ عافاه اللَّه من ذلك المرض»([367]).

*  ورحمتهُ - صلى الله عليه وسلم - للحيوان، والطير، والدواب: فعن أبي هريرة أن رجلاً وجد كلباً يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر اللَّه له، قالوا: يا رسول اللَّه! وإنَّ لنا في البهائم أجراً؟ قال: «في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر اللَّه له فأدخله الجنة»([368]). وعن ابن عمر ب: أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيراً أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن اللَّه من فعل هذا؛ إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «لعن من اتخذ شيئاً فيه الروحُ غرضاً»([369]) ([370]). وعن ابن مسعود t قال: كنا مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ، فانطلق لحاجته فرأينا حُـمَّرةً([371]) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها» ورأى قرية نملٍ([372]) قد حرَّقناها فقال: «مَن حرَّق هذه؟» قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار»([373]). وعن جابر بن عبد اللَّه ب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: «لعن اللَّه الذي وسمه»([374]) [الوسم الكي بحديدة]. وعنه t : نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن الضرب في الوجهِ، وعن الوسم في الوجه([375]). وعن عبد اللَّه بن جعفر ب قال: أردفني رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حائطاً لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فمسح ذفراه([376]) فسكت، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول اللَّه، فقال: «أفلا تتقي اللَّه في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ اللَّه إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ»([377]). ([378])

*  ومما يدل على رحمته العظيمة رقة قلبه - صلى الله عليه وسلم - وبُكاؤه في مواطن كثيرة: ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية اللَّه تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ([379]).([380])

*  ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - تلطفه - صلى الله عليه وسلم - بالأطفال وإدخال السرور عليهم: فعن محمود بن الرُّبيع t قال: «عَقلتُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - مَـجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ»([381]). وعن أبي هريرة t قال: قبَّل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الحسن ابن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «من لا يَرْحم لا يُرحم»([382]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾([383]) بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإن اللَّه تعالى أرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ([384]).

عباد اللَّه! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾ ([385]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([386]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([387]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا،  ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([388]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([389])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([390]).

& & &


 13-تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم -

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه واعلموا أن التواضع للَّه تعالى خلق عظيم من أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن تواضع للَّه تعالى رفعه في الدنيا والآخرة.

والتواضع صفة عظيمة وخلق كريم؛ ولهذا مدح اللَّه المتواضعين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾([391])، أي يمشون في سكينة ووقار متواضعين غير أشرين ولا متكبرين، ولا مرحين، فهم علماء، حلماء، وأصحاب وقار وعفة([392]).

والمسلم إذا تواضع رفعه اللَّه في الدنيا والآخرة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد اللَّه عبداً بعفوٍ إلا عزاً، ومن تواضع للَّه رفعه»([393]).

وهذا ما يفتح اللَّه به للمسلم قلوب الناس؛ فإن اللَّه يرفعه في الدنيا والآخرة، ويثبت له بتواضعه في قلوب الناس منزلة ويرفعه عندهم ويجلُّ مكانه([394])، أما من تكبر على الناس فقد توعده اللَّه بالذل والهوان في الدنيا والآخرة؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد ب قالا: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «العزُّ إزاره، والكبرياءُ رداءه فمن ينازعني عذبته»([395]).

*  وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس تواضعاً، ومن تواضعه ما ثبت عن أنس t أنه قال: كانت ناقة لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - تُسمّى العضباء وكانت لا تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا سُبِقَتِ العضباء، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «إن حقاً على اللَّه أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه»([396]).

ورسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - هو الأسوة الحسنة فقد كان متواضعاً في دعوته للناس.

*  وقد وصف أبو مسعود t تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ فكلّمه فجعل ترعُد فرائصُهُ فقال له: «هوِّن عليك نفسك فإني لستُ بِمَلِكٍ، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد» وزاد الحاكم في روايته عن جرير بن عبد اللَّه: «... في هذه البطحاء»، ثم تلى جرير ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ([397]).

فعلى جميع الناس أن يقتدوا برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقد كان متواضعاً في دعوته مع الناس، فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، وتأخذه بيده الأمة فتنطلق به حيث شاءت، وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، فكان متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب رحيماً بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم([398])- صلى الله عليه وسلم - .

*  ومما يدل على تواضعه العظيم - صلى الله عليه وسلم -  تفضيله للأنبياء عليهم السلام على نفسه: فقد قال له رجل: يا خير البرية! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ذاك إبراهيم u»([399])، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما ينبغي لأَحدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متَّى»([400]).

ولاشك أنه - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنبياء والمرسلين، وسيد الناس أجمعين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد الناس يوم القيامة»([401])، وقال - صلى الله عليه وسلم - : « أنا سيد ولد آدم، وأَوَّلُ مَن تنشق عنه الأرض، وَأَوَّلُ شافعٍ، وأَوَّلُ مُشفّع»([402]).

*  ومن تواضعه - صلى الله عليه وسلم - : أنه لم يكن له بوَّابٌ يحجبه عن الناس([403])، وكان يرقي المرضى ويدعو لهم، ويمسح رأس الصبي ويدعو له([404])، وكان يشفع لأصحابه، ويقول: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي اللَّه على لسان نبيه ما شاء»([405] وقال لأنس t: «يا بُنَيَّ» على سبيل الملاطفة والتواضع([406]).

*  ومن تواضعه - صلى الله عليه وسلم - : أن رجلاً كان يَقمُّ المسجد أو امرأة سوداء، فماتت أو مات ليلاً، فدفنه الصحابة، ففقدها النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فقده، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني» فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره، فقال: «دلُّوني على قبرها» فدلوه فصلى عليها ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن اللَّه ﷻ‬ ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم»([407]).

وقال أنس بن مالك t : «خدمت رسول اللَّه  - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الناس خُلُقاً...»([408]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيْمٍ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن التواضع خلق عظيم من أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجب على العبد المسلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في تواضعه، لقول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِـمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيْرَاً﴾.

فينبغي لكل مسلم أن يتواضع للَّه تعالى، اقتداءً بنبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم - .

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([409]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([410]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([411]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([412])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([413]).

& & &


 14-تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه رضي اللَّه عنهم

 الخطبة الأولى

 إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

عباد اللَّه! اعلموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ربى أصحابه على المحبة واجتماع القلوب، فقد كان أول عمل قام به - صلى الله عليه وسلم - في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعاً في البناء، وعلى رأسهم إمامهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وكان أول عمل تعاوني عام، وَحَّد بين القلوب، وأظهر الهدف العام للعمل، وقد كان لكل حي في المدينة – قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - – مكان يلتقون فيه، فيسمرون ويسهرون، وينشدون الأشعار، فكانت هذه الحال تدل على الفرقة والاختلاف، فعندما بُنيَ المسجد كان مركز المسلمين جمعياً، ومكان تجمعهم، يلتقون به في كل وقت، ويسألون رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فيعلمهم ويرشدهم ويوجههم([414]).

وبهذا تجمعت الأندية، والتفَّت الأحياء، واقتربت القبائل، وتحابَّت البطون، وانقلبت التفرقة إلى وحدة، ولم تعد في المدينة جماعات، بل جماعة واحدة، ولم تعد زعامات، بل قائد واحد، هو رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، يتلقى من ربه الأوامر والنواهي، ويُعلِّم أمته، فأصبح المسلمون صفاً واحداً، وامتزجت النفوس والعقليات، وتقوت الوحدة، وتآلفت الأرواح، وتعاونت الأجسام([415]).

ولم يكن المسجد موضعاً لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ويجتمعون فيه، وتلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها وقاعدة لإدارة جميع الشؤون، وبثّ الانطلاقات، وموضعاً لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية.

ولهذا ما أقام رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بمكان في المدينة إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها، وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف، بين قباء والمدينة، في بطن وادي (رانوناء) فلما أن وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد فيها([416]).

*  كما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد ووحّد بين القلوب كذلك قام - صلى الله عليه وسلم - بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية([417]).

آخى بينهم - صلى الله عليه وسلم - في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل اللَّه ﷻ‬: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾([418])، ردّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة([419]).

ذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الأخوة أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية([420]).

ولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دُوِّنت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال، لا كلاماً يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر([421]).

ومن أروع الأمثال لذلك ما رواه البخاري في صحيحه: آخى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدوة ثم جاء يوماً وبه أثر صُفرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَهْيَم؟»([422] قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: «ما سقت فيها؟» قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: «أولِم ولو بشاة»([423]).

وهذه المؤاخاة حكمة فذَّة، وسياسة صائبة، وحلٌّ رائعٌ لكثير من المشكلات التي كان يواجهها المسلمون.

*  وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتعهد أصحابه y بالتعليم والتربية وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة([424]).

فقد كان يقول - صلى الله عليه وسلم - : «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»([425]).

ويقول: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه»([426] ويقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»([427]). ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([428]).

ويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه([429]).

ويقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا» – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله وعرضه»([430]).

وقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»([431]).

وقال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك باللَّه شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا»([432]).

وقال: «تعرض الأعمال في كل يوم خميس وإثنين فيغفر اللَّه ﷻ‬ في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يُشرك باللَّه شيئاً إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا([433]) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا»([434]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «انصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قيل: يا رسول اللَّه، هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فذلك نصره»([435]).

وقال: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ قال: «إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه»([436]).

وعن البراء بن عازب ب قال: أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بسبع ونهانا عن سبع: «أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي, وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشُّرب في الفضة» – أو قال: «في آنية الفضة – وعن المياثر([437])، والقسي([438])، وعن لبس الحرير، والديباج([439])، والإستبرق»([440]).

وقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»([441]).

وسئل - صلى الله عليه وسلم - : أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»([442]).

ويقول: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([443]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من لا يرحَم لا يُرحم»([444]).

وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه ﷻ‬»([445]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر»([446]).

وسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، أو سمعوا بعضها من المهاجرين الذين سمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة، فكل ذلك تربية منه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه جميعاً، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين.

وغير ذلك من النصوص التي ربّى بها محمد - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوِّق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطاً موثقاً يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر.

وهكذا رفع - صلى الله عليه وسلم - معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني.

بمثل هذا استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبني مجتمعاً مسلماً أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعاً يضرب به المثل في جميع الكمال الإنساني، وهذا بفضل اللَّه وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فحَريٌّ بالمسلمين أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه - صلى الله عليه وسلم - ([447]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن من الأمور العظيمة توحيد القلوب واجتماعها على التعاون على البر والتقوى، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه y فاجتمعت قلوبهم وتوحّدت صفوفهم، فكانوا قوة عظيمة، أمام أعداء الدين، فاقتدوا بنبيكم - صلى الله عليه وسلم - ، لقول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([448]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([449]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([450]) .

عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([451])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([452]).

& & &


  15-لمعجزة العظمى : القرآن العظيم

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

عباد اللَّه! اعلموا أن اللَّه تعالى قد جعل لهذا النبي الكريم معجزات تدل على صدقه وأنه تعالى أرسله.

والمعجزة لغة: ما أُعجزَ به الخصم عند التحدي([453]). وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله اللَّه على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلّ على صدقه وصحة رسالته([454]).

*  والقرآن الكريم كلام اللَّه المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة([455])، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»([456]).

وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته - صلى الله عليه وسلم - في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسية كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطي معجزة خاصة به، تحدّى بها من أُرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشياً في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.

ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.

ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل اللَّه – سبحانه – معجزة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم الذي([457]) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾([458]).

ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مرّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول اللَّه، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال - صلى الله عليه وسلم - : «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يومَ القيامة»([459]).

والقرآن الكريم آية بيّنة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن اللَّه – تعالى – وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالمٍ ما فتح اللَّه عليه به منها([460]).

*  ومن الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾([461] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾([462]).

وبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمدّ لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([463]). فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾([464])، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾([465]).

فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾([466]).

فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزاً لهم، قاطعاً بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم والأمر على ذلك([467]).

والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز([468])؛ ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ومن وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلّ على أن القرآن كلام اللَّه – تعالى – الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾([469]).

*  والإخبار عن الغيوب أنواع: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر اللَّه به عن ماضي الأزمان.

وغيوب الحاضر: أخبر اللَّه رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه، وأطلع عليه رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

وغيوب المستقبل، أخبر اللَّه رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلّ ذلك على أن القرآن كلام اللَّه، وأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول اللَّه([470]).

*  ومن إعجاز القرآن العظيم الإعجاز التشريعي، فالقرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرّها، فإذا شرع أمراً جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾([471]).

ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيُلْغُونَ غداً ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محلّ النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غداً في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.

وهذا دليل حسي مُشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تصلح الخلق وتقوّم أخلاقهم، وعلى أن القرآن كلام اللَّه سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه([472] قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾([473]).

وبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب اللَّه – تعالى – مدارها على ثلاث مصالح:

المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء([474]): حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.

المصلحة الثانية: جلب المصالح([475]): فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسدّ كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.

المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

فالقرآن الكريم حلّ جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها جميع البشر، ولم يترك جانباً من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها([476]).

*  ومن الإعجاز القرآني الإعجاز العلمي الحديث؛ فإن هذا نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾([477]).

لقد تحقق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات اللَّه في آفاق المخلوقات بأدق الأجهزة والوسائل: كالطائرات، والغوَّاصات، وغير ذلك من أدق الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث... فمن أخبر محمداً - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأمور الغيبية قبل ألف وأربعمائة وستة وعشرين عاماً؟ إن هذا يدلّ على أن القرآن كلام اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه حقّاً.

وقد اكتُشِفَ هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير ذلك، ولا يتّسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك([478]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن أعظم المعجزات التي تدلّ على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول اللَّه حقاً هذا القرآن العظيم الذي تحدى اللَّه به الأولين والآخرين فلم يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله.

فيا عباد اللَّه! اتقوا اللَّه وتعلموا هذا القرآن العظيم وتدبروه واعملوا به، فإنه الصراط المستقيم، الذي من عمل به سعد في الدنيا والآخرة، ومن أهمله وجعله وراء ظهره ولم يعمل به خسر في الدنيا والآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([479]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([480]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([481]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([482])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([483]).

& & &


 16- المعجزات الحسية

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

عباد اللَّه! اعلموا أن اللَّه تعالى قد جعل لهذا النبي الكريم معجزات تدل على صدقه وأنه تعالى أرسله.

وقد سبق لنا أنّ أعظم المعجزات معجزة القرآن الكريم الذي تحدى اللَّه به الأولين والآخرين فلم يأتوا بسورة من مثله.

ومن المعجزات التي يُشاهدها الناس بأمّ أعينهم عياناً ما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من المعجزات الحسية الكثيرة، وهي أنواع كثيرة، ومنها:

*  انشقاق القمر: وهذه من أُمَّهات معجزاته - صلى الله عليه وسلم - الدالة على صدقه، فقد سأل أهل مكة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يُريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حِراء بينهما([484] قال تعالى: ﴿قْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ الآيات([485]).

* وصعوده - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السموات: وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾([486]).

وهذه الآية من أعظم معجزاته - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أُسري به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عُرِجَ به إلى السموات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفُرِضَت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يُصبح، فكذَّبته قريش، وطلبوا منه علامات تدلّ على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس؛ لعلمهم بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرَ بيت المقدس قبل ذلك، فجلَّى اللَّه له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه([487]).

وغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشهب عند بعثته - صلى الله عليه وسلم - .

*  ومن هذه المعجزات طاعةُ السَّحاب له - صلى الله عليه وسلم - ، بإذن اللَّه تعالى في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه - صلى الله عليه وسلم - ([488]).

*  ومن هذا النوع نصر اللَّه للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالريح التي قال تعالى عنها: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾([489])، وهذه الريح هي ريح الصَّبَا، أرسلها على الأحزاب، قال - صلى الله عليه وسلم - : «نُصِرْتُ بالصّبا، وأُهْلِكت عادٌ بالدَّبورِ»([490])، وغير ذلك.

ومن هذه المعجزات تصرفه في الحيوان والإنس والجن والبهائم :

*  فقد ثبت أن علي بن أبي طالب t اشتكى عينيه من وجعٍ بهما، فبصقَ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فيهما ودعا له فبرأ، كأَنْ لم يكن به وجع([491]).

*  وثبت أن ساق عبد اللَّه بن عتيك t انكسرت، فمسحها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فكأنها لم تنكسر قطُّ([492]).

*  وأُصيب سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك([493]).

 *  وكان - صلى الله عليه وسلم - يُخرج الجن من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول: «اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه»([494]).

*  وأخرج الشيطان من صدر عثمان بن أبي العاص، فضرب صدر عثمان بيده ثلاث مرات، وتفل في فمه، وقال: «اخرج عدو اللَّه» فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يُخالط عثمان الشيطان بعد ذلك([495]).

*  وتصرفه في البهائم: وقد حصل له مراراً، ومن ذلك أنه جاء بعير فسجد للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أصحابه: يا رسول اللَّه! تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحقّ أن نسجد لك، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «اعبدوا ربَّكم، وأكرِمُوا أخاكُم، ولو كنتُ آمراً أحداً أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها...»([496]).

*  وتأثيره في الأشجار والثمار والخشب: فقد جاء أعرابي إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهو في سفر، فدعاه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «هذه السَّلمة»([497])، فدعاها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ([498]) الأرض خدّاً حتى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثاً، فشهدتْ ثلاثاً أنه كما قال، ثم رجعت إلى مَنْبَتِها([499]).

*  ومن ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد ما يستتر به، فأخذ بغصن شجرة وقال: «انقادي عليَّ بإذن اللَّه»، فانقادت معه كالبعير المخشوم([500]) حتى أتى الشجرة الأخرى، ففعل وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق...([501]).

*  وجاء أعرابي إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العِذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول اللَّه؟» فدعاه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: «ارجع»، فعاد، فأسلم الأعرابي([502]).

*  وكان - صلى الله عليه وسلم - يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صنع له المنبر ورقِي عليه صاحَ الجذعُ صياحَ الصبي، [وخارَ كما تخورُ البقرة، جزعاً على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فالتزمه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وضمه إليه وهو يئن، ومسحه حتى سكن]([503]).

*   وتأثيره - صلى الله عليه وسلم - في الجبال والأحجار وتسخيرها له: فقد صَعِدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُحداً، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه - صلى الله عليه وسلم - برجله، وقال: «اثبت أحد، فإن عليك نبي، وصدِّيق، وشهيدان»([504]).

*   وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إني لأعرف حجراً بمكة كان يُسلِّم عليّ قبل أن أُبعثَ، إني لأعرفه الآن»([505]).

*  وعندما كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في معركة حنين، واشتدّ القتال، نزل عن بغلته وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: «شاهَتِ الوُجُوه»، فما خلق اللَّه إنساناً منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم اللَّه وقسم غنائمهم بين المسلمين([506]).

وتفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار: وهذا النوع حصل له - صلى الله عليه وسلم - مراتٍ كثيرة جدّاً([507]):

*  فقد عطش الناس في الحديبية، فوضع يده - صلى الله عليه وسلم - في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربوا وتوضؤوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة([508]).

*  وقدم - صلى الله عليه وسلم - تبوك، فوجد عينها كشراك النعل، فغُرِفَ له منها قليلاً قليلاً، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماءٍ مُنهمرٍ، وبقيت العين إلى الآن([509]).

*  ومن ذلك قصة أبي هريرة t وقدح اللبن، وزيادة لبن القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام([510]).

*  وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام شيئاً يسيراً فبارك فيه، وأكلوا، وحشوا أوعيتهم من ذلك الطعام([511]).

وقد بقي الصحابة والنبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الخندق ثلاثة أيام لا يذوقون طعاماً، فذبح جابر بن عبد اللَّه t عناقاً، وطحنت زوجته صاعاً من شعير، ثم دعا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصاح النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهل الخندق يدعوهم على هذا الطعام اليسير، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وبصقَ في العجين وبارك، وبصقَ في البرمة وبارك، قال جابر ب: وهم ألف، فأقسم باللَّه لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغطّ كما هي([512])، وإن عجيننا ليخبز كما هو([513]).

*  وجاء رجل يستطعم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأطعمه شطرَ وسْقِ شعيرٍ، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لو لم تكِلْهُ لأكلتم منه ولقام لكم»([514]).

*  وكان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابراً أن يكيل فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر t: «وبقي تمري وكأنه لم ينقص منه شيء»([515]).

وقد أيد اللَّه تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالملائكة في عدة مواضع، نُصرةً له ولدينه، منها:

*  ما حصل له في الهجرة، قال المولى – جل وعلا -: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾([516]).

*  وما حصل له ببدر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾([517]).

*  وما وقع له  في أُحدٍ، قاتل جبريل وميكائيل – عليهما السلام – عن يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن يساره([518]).

*  وما حصل له في الخندق، قال اللَّه ﷻ‬: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾([519]).

*  وما أيّده اللَّه به في غزوة بني قُريظة، فقد جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ واللَّه ما وضعناه، فاخرُجْ إليهم، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إلى أين؟» فأشار إلى بني قريظة، فخرج - صلى الله عليه وسلم - ، ونصره اللَّه عليهم([520]).

*  وما حصل له في حنين، قال اللَّه I: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾([521]).

*  وقد كفاه اللَّه تعالى أعداءه وعصمه من الناس:

*  فقد كفاه اللَّه تعالى المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾([522]).

*  وكفاه اللَّه أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾([523]).

*  وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾([524]).

وهذا خبر عام بأن اللَّه يعصمه من جميع الناس، فكلٌّ من هذه الأخبار الثلاثة قد وقع كما أخبر اللَّه – تعالى – فقد كفاه اللَّه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.

ومن ذلك أن رجلاً نصرانيّاً أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتدّ وعاد نصرانيّاً، فكان يقول: ما يَدْري محمد إلا ما كتبت له، فأماته اللَّه، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذاً على ظهرها، فأعادوا دفنه وأعمقوا له، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذاً([525]).

*  ومن معجزاته العظيمة إجابة دعواته - صلى الله عليه وسلم - : فإن الأدعية التي دعا بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وشُوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدّاً، لا تُحصر.

*   فقد دعا لأنس t فقال: «اللَّهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته»([526][وأطل حياته واغفر له]([527] قال أنس: فواللَّه إنّ مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم([528][وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفِنَ لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] ([529]).

وكان له t بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك([530]).

*  ودعا - صلى الله عليه وسلم - لأم أبي هريرة بالهداية فهداها اللَّه فوراً، وأسلمت وقصَّتها عجيبة جدًّا([531]).

*  ودعا - صلى الله عليه وسلم - لعروة بن أبي الجعد البارقي: «اللَّهم بارك له في صفقة يمينه»، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفاً قبل أن يرجع إلى أهله([532][وكان لو اشترى التراب لربح فيه]([533]).

*  ودعاؤه - صلى الله عليه وسلم - على بعض أعدائه، فلم تتخلّف الإجابة، كأبي جهل، وأميّة، وعقبة، وعتبة.. وغيرهم كثير([534]).

*  ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك t وغيرهم كثير([535]).

والحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعوراً، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن اللَّه تعالى قد جعل على يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - معجزات تدلّ على صدقه وأنه تعالى أرسله، وهذه المعجزات تزيد إيمان المؤمن، وتُوجب على غيره من الناس الإنقياد والدخول في دين النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أيده اللَّه بالمعجزات الباهرات، صلوات اللَّه وسلامه عليه.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([536]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([537]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([538]) .

عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([539])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([540]).

 17- عموم رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - للجن والإنس

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه واعلموا أن أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه رسول اللَّه إلى جميع الخلق: إنسهم وجنّهم، عربهم وعجمهم، كتابيّهم ومجوسيّهم، رئيسهم ومرؤوسهم، وأنه لا طريق إلى اللَّه ﷻ‬ لأحد من الخلق إلا بمتابعته - صلى الله عليه وسلم - باطناً وظاهراً، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾([541]).

قال ابن عباس ب: «ما بعث اللَّه نبيّاً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعِثَ محمد وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه»([542]).

ولهذا جاء في الحديث: «لو كان موسى حيّاً بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني»([543]).

ومن خالف عموم رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو من أحد أمرين:

1 -  إما أن يكون المخالِفُ مؤمناً بأنه مرسل من عند اللَّه؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب.

2- وإما أن يكون المخالف منكراً للرسالة جملةً وتفصيلاً.

فأما المعترف له بالرسالة؛ ولكنه يجعلها خاصة بالعرب فإنه يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن اللَّه – تعالى – ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بيّن - صلى الله عليه وسلم - أنه رسول اللَّه إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كلّه بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدّقه في جميع ما جاء به فهذا تناقض ومكابرة.

وأما المنكر لرسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مطلقاً، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجنّ، فإما أن يأتي بما يُناقض المعجزة القائمة وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التصديق بكل ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وإن ذهب يُكابر ويُعاند ليأتي بقرآن مثل ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وقع في العجز وفضح نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عجزوا عن ذلك، ولا شكّ أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن معجزة قائمة مستمرة خالدة([544]).

وحينئذ يلزم جميع الخلق العمل بما فيه والتحاكم إليه.

وقد صرح القرآن الكريم بأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - رسول إلى جميع الناس، وخاتم النبيين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾([545] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾([546] وقال تعالى يأمر نبيِّه بالإنذار والتبليغ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾([547]).

وهذا تصريح بعموم رسالته لكل من بلغه القرآن.

وصرح تعالى بشمول رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب، فقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾([548] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾([549] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾([550])، وقال ﷻ‬: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾([551]).

وبلَّغَ - صلى الله عليه وسلم - الناس جميعاً أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامة، قال - صلى الله عليه وسلم - : «أعطيت خمساً لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي»، وذكر منها: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصّة، وبُعثت إلى الناس كافَّةً»... الحديث([552]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضِعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللَّبنةُ، وأنا خاتم النبيين»([553]).

وعموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - لجميع الإنس والجن في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدلّ دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد إلا كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته واتباع ما جاء به، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار»([554]).

وبعون اللَّه – تعالى – فقد قامت الحجة وثبتت رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجن، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾([555])، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾الآية([556]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّه وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّه وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن اللَّه تعالى أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى الجن والإنس كافّة، لا نبي بعده إلى قيام الساعة - صلى الله عليه وسلم - ، فيجب على الإنس والجن: عربهم وعجمهم، ذكرهم وأنثاهم، اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والاعتقاد الجازم أنه رسول اللَّه حقاً لا نبي بعده - صلى الله عليه وسلم - .

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([557]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([558]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([559]) .

عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([560])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([561]).

 18- حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

عباد اللَّه! اعلموا أن اللَّه تعالى أوجب علينا حقوقاً، ومن أهم هذه الحقوق بعد حق اللَّه تعالى حقوق رسول ♥ علينا وعلى جميع الأمة.

فللنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - حقوق على أمته وهي كثيرة, منها: الإيمان الصادق به - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً وتصديقه في كل ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - , ووجوب طاعته والحذر من معصيته - صلى الله عليه وسلم - ، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه, وإنزاله منزلته - صلى الله عليه وسلم - بلا غلوٍّ ولا تقصير, واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور, ومحبته أكثر من النفس, والأهل والمال والولد والناس جميعاً, واحترامه وتوقيره ونصر دينه والذب عن سنته - صلى الله عليه وسلم - , والصلاة عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه: خلق آدم, وفيه النفخة, وفيه الصعقة, فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ» فقال رجل: يا رسول اللَّه! كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت. قال: «إن اللَّه حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»([562]).

وهذه الحقوق التي أوجبها اللَّه علينا بإيجاز على النحو الآتي:

*  الإيمان الصادق به - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه فيما أتى به قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾([563]), وقال - صلى الله عليه وسلم - : «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه ويُؤمنوا بي وبما جئت به»([564]).

والإيمان به - صلى الله عليه وسلم - هو تصديق نبوته, وأن اللَّه أرسله للجن والإنس, وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله, ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان, بأنه رسول اللَّه, فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان ثم تطبيق ذلك العمل بما جاء به تمَّ الإيمان به - صلى الله عليه وسلم - ([565]).

*  ومن حقوقه ♥ وجوب طاعته - صلى الله عليه وسلم - والحذر من معصيته, فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به, قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾([566]), ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾([567]),﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾([568]).

وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ([569]).

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «من أطاعني فقد أطاع اللَّه ومن عصاني فقد عصى اللَّه»([570]), وعنه t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى» قالوا يا رسول اللَّه! ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([571]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له, وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي, وجُعِلَ الذِّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري, ومن تشبه بقوم فهو منهم»([572]).

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - اتباعه واتخاذه قدوة في جميع الأمور والاقتداء بهديه, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([573]), ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾([574]), فيجب السير على هديه والتزام سنته والحذر من مخالفته, قال - صلى الله عليه وسلم - : «فمن رغب عن سنتي فليس مني»([575]).

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - محبته أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين, قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾([576]).

وعن أنس t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»([577]).

ولما قال عمر بن الخطاب t: يا رسول اللَّه لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك», فقال له عمر فإنه الآن واللَّه لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الآن يا عمر»([578]), وعن ابن مسعود t قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال رسول اللَّه: «المرء مع من أحب»([579]).

وعن العباس بن عبد المطلب t أنه سمع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد رسولاً»([580]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان: من كان اللَّه ورسولهُ أَحبّ إليه مما سواهما, وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبّه إلا للَّه, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يقذف في النار»([581]).

ولاشك أن من وفَّقه اللَّه تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته, فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاق في رضى اللَّه ﷻ‬ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - , ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه رضي به رسولاً, وأحبه، ومن أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - من قلبه صدقاً أطاعه - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولهذا قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ

  هذا لعمري في القياسِ بديعُ

لو كان حُبَّكَ صادقاً لأطعته

  إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ([582])

ولا شك أن العبد إذا أحب اللَّه ورسوله، فإنه يحبُّ ما يحبه اللَّه ورسولُه؛ لأن من أحبَّ أحداً أحب من يحبه؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من أحبَّ للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومَنَعَ للَّه، فقد استكمل الإيمان»([583]).

وعلامات محبته - صلى الله عليه وسلم - تظهر في الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم -, واتباع سنته, وامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, والتأدب بآدابه, في الشدة والرخاء, وفي العسر واليسر, ولا شك أن من أحب شيئاً آثره, وآثر موافقته, وإلا لم يكن صادقاً في حبه ويكون مدّعياً([584]).

قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([585]). ويقال لهذه الآية آية المحنة؛ لأن اللَّه امتحن بها العباد، فعلامة المحبة للَّه تعالى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والابتعاد عما نهى عنه.

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - احترامه وتوقيره كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾([586]).

وحرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته, وتوقيره لازم كحال حياته وذلك عند ذكر حديثه, وسنته, وسماع اسمه وسيرته, وتعلم سنته, والدعوة إليها, ونصرتها([587]).

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - وجوب نصرته: فمن صِدْقِ المحبة للنبي ^: نُصرته، وتعزيره، وتوقيره، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾([588]). وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾([589]).

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه - صلى الله عليه وسلم -، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([590]), وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([591])، ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده - صلى الله عليه وسلم - .

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - إنزاله مكانته بلا غلو ولا تقصير فهو عبد للَّه ورسوله, وهو أفضل الأنبياء والمرسلين, وهو سيد الأولين والآخرين, وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود, ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء اللَّه كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾([592]), وقد مات - صلى الله عليه وسلم - كغيره من الأنبياء ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيام ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾([593]).

*  ومن حقوقه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([594]), وقال - صلى الله عليه وسلم -: «.. من صلى عليّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([595]), وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً, ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»([596]), وقال - صلى الله عليه وسلم - : «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ»([597]), وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا اللَّه فيه, ولم يصلّوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة, فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم»([598]), وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن للَّه ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام»([599]), وقال جبريل u للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «رَغِمَ أنف عبد – أو بَعُد – ذُكِرتَ عنده فلم يُصَلِّ عليك» فقال - صلى الله عليه وسلم - : «آمين»([600]), وعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أحد يسلّم عليَّ إلا ردّ اللَّه عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام»([601]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، وقوموا بحقوق نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه حقّه أعظمَ الحقوق التي أوجبها اللَّه تعالى بعد حقّه سبحانه عز وجل. ومن حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم ذكره آنفاً الصلاة عليه، وللصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم : واحداً وأربعين موطناً منها على سبيل المثال: الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - عند دخول المسجد, وعند الخروج منه, وبعد إجابة المؤذن, وعند الإقامة, وعند الدعاء, وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة, وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم, وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة, وعند كتابة اسمه, وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات, وآخر دعاء القنوت, وعلى الصفا والمروة, وعند الوقوف على قبره, وعند الهم والشدائد وطلب المغفرة, وعقب الذنب إذا أراد أن يُكَفَّر عنه, وغير ذلك من المواطن التي ذكرها : في كتابه([602]).

ولو لم يَرِدْ في فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا حديث أنس t لكفى «من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى اللَّه عليه عشر صلوات([603]). [كتب اللَّه له بها عشرة حسنات]([604]) وحط عنه بها عشر سيئات, ورفعه بها عشر درجات»([605]).

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ([606]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([607]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([608]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([609])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ([610]).

& & &


ثالثاً: قسم الصلاة


 19- منـزلة الصلاة في الإسلام وعظم شأنها

الخطبـة الأولـى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه، من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مصل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا أيها المسلمون اتقوا اللَّه تعالى حق التقوى واستمسكوا بالعروة الوثقى، واعلموا رحمكم اللَّه أن اللَّه تعالى افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة، فمن حافظ عليها ولم يضيع منها شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند اللَّه عهداً أن يدخله الجنة([611]) والصلوات الخمس: هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عماد الدين الذي لا يقوم الدين إلا به، فإذا سقط العمود سقط ما بني عليه، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائرُ عمله، وأفلح وأنجح، وإن فسدت فسد سائرُ عمله وخاب وخسر([612]) والصلاة آخر ما يفقد من دين العبد فإذا ذهب آخر الدين لم يبق منه شيء([613])، وهي آخر وصية أوصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته، فعن أم سلمة ل أنها قالت: كان من آخر وصية رسول - صلى الله عليه وسلم - : «الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم» حتى جعل نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجلجلها في صدره وما يفيض بها لسانه»([614])، ومدح اللَّه تعالى القائمين بها ومن أمر بها أهله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ وذم اللَّه تعالى المضيعين لها والمتكاسلين عنها فقال بعد أن ذكر جملة من الأنبياء ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّه إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وعظَّم اللَّه تعالى شأنها ففرضها بدون واسطة ليلة الإسراء فوق سبع سماوات، فرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة، وهذا يدل على محبة اللَّه تعالى لها، ثم خفف عزَّ وجلَّ عن عباده ففرضها خمس صلوات في اليوم والليلة، فهي خمسون في الميزان وخمس في العمل لمن قام بها ابتغاء مرضات اللَّه تعالى. وافتتح اللَّه أعمال المفلحين بالصلاة واختتمها بها وهذا يؤكد أهميتها قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾؛ ولعظم منـزلتها أمر اللَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه أن يأمروا بها أهليهم ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرِّقوا بينهم في المضاجع»([615]).

وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - النائم والناسي بقضاء الصلاة، وهذا يؤكد أهميتها وأنها لا تسقط على أي حال من الأحوال فقال: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصلها إذا ذكرها [لا كفارة لها إلا ذلك]»([616])، ولعظم شأنها وعلوِّ مكانتها عند اللَّه تعالى لم يعذر المريض بتركها وأمر بأن يصلي على حسب حاله، فيصلي قائماً، فإن لم يستطع صلى قاعداً، فإن لم يستطع صلى على جنبه، فإن لم يستطع صلى مستلقياً على ظهره، فإن لم يستطع صلى على حسب حاله على أي حال لا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها ﴿فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فإن عجز المريض عن جميع الأحوال السابقة صلى بقلبه، فيكبر، ويقرأ، وينوي الركوع، والسجود والقيام والقعود بقلبه؛ لأن الصلاة لا تسقط عنه مادام عقله ثابتاً بأي حال من الأحوال، سواء استطاع استقبال القبلة أو لم يستطع، استطاع الطهارة أم لم يستطع، لا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها.

ولعظم منـزلتها، فإن من تركها عمداً بدون عذر جاحداً لوجوبها يكون كافراً مرتداً بإجماع العلماء يقتله ولي أمر المسلمين بعد الاستتابة فإن لم يتب يقتل حدّاً، ومن تركها عمداً بدون عذر مع الإقرار بوجوبها فإنه يكون كافراً أيضاً عند المحققين من أهل العلم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»([617] وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر»([618])، وعن عبد اللَّه بن شقيق t قال: «كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة»([619]).

قال الإمام ابن القيم :: «وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة غير واحد من أهل العلم»([620] وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية : أن تارك الصلاة يكفرُ الكفرَ الأكبر لعشرة وجوه ذكرها([621]). وذكر تلميذه ابن القيم : اثنين وعشرين دليلاً على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر، وقال: «وقد دلّ الكتاب والسنة وإجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة»([622]).

ولعظم شأنها سماها اللَّه تعالى إيماناً، وخصها بالذكر تمييزاً لها من بين شرائع الإسلام فقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ وقرنت في القرآن الكريم بكثير من العبادات، وأوجبها اللَّه على كل حال ولم يعذر بها: مريضاً، ولا خائفاً، ولا مسافراً، ولا غير ذلك مادام العقل ثابتاً. واشترط لها أكمل الأحوال: من الطهارة، والزينة، واللباس، واستقبال القبلة، مما لم يشترط في غيرها، واستعمل فيها جميع الأعضاء: من القلب واللسان، والجوارح، والصلاة: تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأفضل الأعمال بعد الشهادتين، وتغسل الخطايا غسلاً، وتكفر السيئات، وهي نور لصاحبها في الدنيا والآخرة، وترفع بها الدرجات، وتحط بها الخطايا، وهي من أعظم أسباب دخول الجنة برفقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعد الضيافة في الجنة لكل من غدا إليها أو راح، وتكفر ما قبلها من الذنوب، وتصلي الملائكة على صاحبها مادام في مصلاه أو ينتظر الصلاة، وانتظارها رباط في سبيل اللَّه، وغير ذلك من الفضائل التي لا تحصر.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّه قَانِتِينَ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المسلمين. فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


  

الخطبـة الثانيـة

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإن أحسن الحديث كلام اللَّه، وخير الهدي هدي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه إن من الواجبات العظيمة على جميع المسلمين أن يحافظوا على الصلوات الخمس، ويأمروا بها أولادهم، وذويهم، ويلزموهم بذلك، وأن يحافظوا على هذه الصلوات مع جماعة المسلمين، فقد أوجبها اللَّه تعالى على الرجال جماعة ويركعوا مع الراكعين، ولم يعذر المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى بترك الصلاة جماعة، وقد هَمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بإحراق المتخلفين عن الصلاة جماعة بالنار، ولم يرخص للأعمى الذي يسمع النداء بالصلاة بل أمره بالإجابة، وبيّن أن ترك صلاة الجماعة من علامات المنافقين، وأن من سمع النداء ثم لم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، فاتقوا اللَّه عباد اللَّه وأطيعوه بالمحافظة على هذا الركن العظيم والأصل الأصيل من أركان الإسلام.

واللَّه أسألُ أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللَّهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد اللَّه ♥، وارضَ اللَّهم عن أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، اللَّهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، عباد اللَّه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكروا اللَّه يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

 20-وجوب صلاة الجماعة في المساجد «القسم الأول»

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

عباد اللَّه: إن صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً وسفراً، للصلوات الخمس؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:

أمر اللَّه تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾([623])، فاللَّه ﷻ‬ أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان.

وأمر اللَّه ﷻ‬ بالصلاة مع المصلين فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾([624])،فقد أمر اللَّه ﷻ‬ بالصلاة مع جماعة المصلين، والأمر يقتضي الوجوب.

وعاقب اللَّه من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال ﷻ‬: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾([625]). فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن أبي سعيد الخدري t قال:سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة،فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».وفي لفظ: «.. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللَّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل اللَّه ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه..»([626]).

وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود([627]).

وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة مع الجماعة، فعن مالك بن الحويرث t قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة – وكان رحيماً رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»([628]).

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب.

وهمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة؛ فعن أبي هريرة t أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: «لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ([629]) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها». وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً([630])، أو مرماتين حسنتين([631]) لشهد العشاء». وفي لفظ لمسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً([632])، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»([633]). وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين([634]).

ولم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة؛ فعن أبي هريرة t قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى فقال: يا رسول اللَّه إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم، قال: «فأجب»([635]).

وعن ابن أم مكتوم t أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة»([636]). وفي لفظ أنه قال: يا رسول اللَّه، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا([637])»([638]).

وهذا يصرح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء،ولو كان مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر،وبعيد الدار،والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن،وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد([639]).

وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له؛ فعن ابن عباس ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من عُذرٍ»([640]). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، وقال الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز :: «معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء...»([641]).

وتركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال؛ لقول عبد اللَّه بن مسعود t: «لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه». وفي رواية: أن عبد اللَّه قال: «من سرَّه أن يلقى اللَّه تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن اللَّه شرع لنبيكم سنن الهدى([642])، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يُصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم([643])، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب اللَّه له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين([644]) حتى يقام في الصف»([645]).

وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم،وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب،ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم([646])، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة،وتحمل المشقة في حضورها،وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها([647]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّه قَانِتِينَ﴾([648]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المسلمين. فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبـة الثانيـة

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإجسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه، اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن ترك صلاة الجماعة معصية عظيمة، ومن علامات المنافقين، فحافظوا عليها مع جماعة المسلمين تفوزوا بالفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة.

اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وولاة أمرنا، وجميع ولاة أمر المسلمين،  واغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر، وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([649])، عباد اللَّه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([650])، فاذكروا اللَّه يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

 21-وجوب صلاة الجماعة في المساجد ((القسم الثاني))

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

عباد اللَّه: لقد فرض اللَّه صلاة الجماعة على الرجال المكلفين القادرين: حضراً وسفراً، للصلوات الخمس؛ حتى في شدة الخوف في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، وأمر سبحانه بالصلاة مع المصلين، وأخبر ﷻ‬ أنه يعاقب من ترك صلاة الجماعة، فيحول بينه وبين السجود يوم القيامة، فيجعل ظهره طبقاً واحداً، لا يستطيع السجود مع المؤمنين للَّه رب العالمين، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة مع الجماعة، وهمَّ بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة، ولم يرخِّص للأعمى بعيد الدار الذي ليس له قائد يلائمه، يقوده إلى صلاة الجماعة، وبيَّن - صلى الله عليه وسلم -: أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر، فصلاته ناقصة، ويستحق العقوبة في الدنيا والآخرة.

وترك صلاة الجماعة من أسباب الضلال، ومن علامات المنافقين، فعن أبي هريرة t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن للمنافقين علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً([651])، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً([652]) مستكبرين، لا يألفون ولا يُؤلفون،خُشُبٌ([653]) بالليل،صُخُبٌ بالنهار»([654]).وفي لفظ: «سُخُبٌ بالنهار»([655]).

وعن عبد اللَّه بن عمر ب قال: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن»([656]). وفي رواية عنه t: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن»([657]).

وتارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه؛لحديث ابن عباس وابن عمر y أنهما سمعا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواده([658]): «لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم([659]) الجماعات أو ليختمنَّ اللَّه على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين»([660]). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم.

واستحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة؛ لحديث أبي الدرداء t قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة([661]) إلا قد استحوذ عليهم الشيطان([662])، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»([663]). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة([664])، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندباً يُخَيَّر الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها([665]).

وتحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة t فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة t: «أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -»([666]). فقد جعله أبو هريرة t عاصياً لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة([667]).

قال الإمام النووي :: «فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يُصلِّي المكتوبة إلا لعذر واللَّه أعلم»([668]). وقد جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة t قال: أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كنتم في المسجد فَنُودِي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يُصلِّي»([669]). وعنه t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق»([670]).

وذكر الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز : أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أُذِّن فيه،إلا لعذر:كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر.

قال الترمذي :: «وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه»([671]).

وذكر المباركفوري :: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه([672]).

وتفقد النبي - صلى الله عليه وسلم - للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لحـــــــــــديث أُبيِّ بن كعب t قال: صلى بنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يوماً الصبح، فقال: «أَشَاهِدٌ فُلانٌ؟» قالوا: لا، قال: «أَشَاهِدٌ فُلانٌ؟» قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين([673]) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى اللَّه تعالى»([674]).

وإجماع الصحابة y على وجوب صلاة الجماعة؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم : إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: «فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وباللَّه التوفيق»([675]).

وقال الترمذي :: «وقد رُوِيَ عن غير واحدٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له»([676]). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر»([677]).

وقال مجاهد: «وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار»([678]).

قال الترمذي :: «ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها»([679]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم )وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(، بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المسلمين. فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإن أحسن الحديث كلام اللَّه، وخير الهدي هدي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه إن من الواجبات العظيمة على جميع المسلمين أن يحافظوا على الصلوات الخمس، ويأمروا بها أولادهم، وذويهم، ويلزموهم بذلك، وأن يحافظ الرجال القادرون على هذه الصلوات مع جماعة المسلمين، فقد أوجبها اللَّه تعالى على الرجال جماعة وأن يركعوا مع الراكعين، ولم يعذر المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى بترك الصلاة جماعة، وقد هَمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بإحراق المتخلفين عن الصلاة جماعة بالنار، ولم يرخص للأعمى الذي يسمع النداء بالصلاة بل أمره بالإجابة، وبيّن أن ترك صلاة الجماعة من علامات المنافقين، وأن من سمع النداء ثم لم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، فاتقوا اللَّه عباد اللَّه وأطيعوه بالمحافظة على هذا الركن العظيم والأصل الأصيل من أركان الإسلام.

واللَّه أسألُ أن يجعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللَّهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد اللَّه ♥، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، اللَّهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([680])، عباد اللَّه ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([681])، فاذكروا اللَّه العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم )وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(([682]).


رابعاً: قسم الزكاة


 22-منزلة الزكاة في الإسلام

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([683]). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾([684]) .

أيها المسلمون: اعلموا رحمكم اللَّه أن اللَّه جل وعلا فرض الزكاة في أموال الأغنياء من المسلمين؛ ولعظم منزلتها قرنها اللَّه تعالى بالصلاة في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة، وذكرها سبحانه وتعالى منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع، فهذه ثلاثون مرة ذكرها اللَّه تعالى في كتابه العزيز([685]).

وجاءت الزكاة بلفظ الصدقة والصدقات في كتاب اللَّه تعالى في مواضع من كتاب اللَّه تعالى كقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾([686]). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾([687]). والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام ودعائمه العظام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وإيقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»([688]). ولعظم شأن الزكاة جاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتفاصيل في أحكامها، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة في العناية بالزكاة، والأمر بإخراجها، وبيان فرضيَّتها، وبيان أصناف الأموال الزكوية: من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وأوضحت النُّصُب ومقاديرها، وبيَّنت السُّنة أحكام الزكاة بياناً واضحاً، وفصَّلت أصناف أهل الزكاة الثمانية، وقد جاء في السنة أكثر من مائة وعشرة أحاديث في الزكاة([689]).

ولعظم شأنها مَدَحَ اللَّه القائمين بها في آيات كثيرة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾([690]). وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾([691]). وذمَّ التاركين لها وتارك إطعام المسكين؛ ولعظم شأنها أمر اللَّه بها أمراً مطلقاً في مكة، ثم فُرضت في السنة الثانية للَّهجرة: الزكاة ذات النُّصُب والمقادير، ويدل على عظم منزلتها: أن إمام المسلمين يقاتل من منعها، قال ♥: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه»([692]). وقال أبو بكر t في مَنْ مَنَعَ الزكاة: «واللَّه لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه». وفي رواية: «واللَّه لو منعوني عناقاً...»([693]), ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة أن من جحد وجوبها كفر؛ ولعظم شأنها ومنزلتها جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾([694]). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ثم ذكر الإبل، والغنم والبقر([695])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من آتاه اللَّه مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوِّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾([696]).

ومن عظم شأنها أن إمام المسلمين يعزر من تهاون بأداء الزكاة. وأما فوائد الزكاة فكثيرة جداً، منها: أن إسلام العبد لا يتم إلا بأدائها، ويحصل بها تنفيذ أمر اللَّه رجاء ثوابه وخشية عذابه، وتُثبّت أواصر المحبة بين الغني والفقير، وتطهِّر النفس وتزكِّيها، وتعوِّد المسلم على الجود، وتحفظ النفس من الشح، وتُستجلب بها البركة ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾([697]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللَّه عبداً بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ للَّه إلا رفعه»([698]). وقال اللَّه تعالى في الحديث القدسي: «انفق يا ابن آدم أنفق عليك»([699]). وهي برهان على صدق إسلام مخرجها، وتشرح صدر المسلم، وتُلحقه بالمؤمن الكامل، وهي من أسباب دخول الجنة، وتُنجي من حرِّ يوم القيامة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس»([700]). وتجعل المجتمع كالأسرة الواحدة، وسبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات؛ لحديث عبداللَّه بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا..» ([701]). وهي تطفئ الخطايا وتكفِّرها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «... والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»([702]), وهي وقاية لصاحب المال من العذاب، وتطهِّر المال والنفس، وتحفظ المال من الفساد، وأداؤها من أسباب الرحمة والنصر، ومن أعظم أنواع الإحسان.

      عباد اللَّه: أدُّوا زكاة أموالكم؛ فإن ذلك من أسباب نجاتكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة. بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه التواب الغفور الرحيم، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد ^، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه: إن اللَّه قد أوجب عليكم زكاة في أموالكم طُهرة لأموالكم ولأنفسكم، وبركة في أموالكم، وقد أعطاكم الكثير، وأمركم بإخراج القليل، ووعدكم بالخلف والبركة. والزكاة تَجِبُ على المسلم، الحُرِّ، الذي مَلَكَ نصاباً مِلكاً مستقرّاً، ودار عليه الحول سنة كاملة، والأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف:

الصنف الأول: السائمة الراعية من بهيمة الأنعام: وهي الإبل: وأقلُّ نصابها خمس من الإبل فيها شاة، والبقر: أقل نصابها ثلاثون فيها تبيع أو تبيعة لها سنة، والغنم: أقل نصابها أربعون، فيها شاة، والمسلم الذي عنده شيء من هذا المال يسأل أهل العلم عن ذلك.

والصنف الثاني: زكاة الخارج من الأرض: كالحبوب والثمار، وأقل النصاب خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم -, يجب في ذلك نصف العشر إذا كان يُسقى بالسواني أو المكائن أو غيرذلك، أما ما كان يُسقى من المطر أو العيون ففيه العشر كاملاً، ومن كان عنده شيء من ذلك فليسأل أهل العلم.

والصنف الثالث: الذهب والفضة، والأوراق النقدية: كالريالات، والدراهم، والدولارات، والليرات، وغير ذلك من أنواع الأوراق النقدية، فإذا بلغت قيمة هذه الأوراق نصاب الذهب أو الفضة، وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً يساوي أحد عشر جنيهاً سعودياً وثلاثة أسباع الجنيه، ومقدارها بالغرامات: اثنان وتسعون جراماً. وأما الفضة فنصابها مائتي درهم تساوي مائة وأربعون مثقالاً ونصابها بالغرامات تقريباً ستمائة وأربعة وأربعون جراماً، وهي تقارب 56 ريالاً سعودياً فضيّاً، وإذا بلغت قيمة الأوراق النقدية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛ فإن حكمها حكم النقدين: من الذهب والفضة، والواجب في الذهب والفضة ربع العُشر أي في المائة اثنان ونصف، وفي الألف خسمة وعشرون.. وهكذا.

الصنف الرابع من الأموال: عروض التجارة، وهي كل ما أُعدَّ للبيع والشراء من أجل الربح، من عقارٍ، وحيوان، وطعام، وآلات، ففي عروض التجارة ربع العشر إذا حال عليها الحول، تقوَّم بالنقود ثم تُزكَّى قيمتها إذا اكتمل النصاب بقيمة الذهب والفضة، والتقويم يكون على رأس الحول من كل سنة. والصواب أن حُليِّ النساء المستعمل فيه الزكاة؛ لأدلة منها حديث عبداللَّه بن عمرو ل: أن امرأة أتت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرِكِ اللَّه بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: هما للَّه ﷻ‬ ولرسوله»([703]). وعن عائشة ل قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من وَرِق [أي فضة] فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: صنعتهنَّ أتزيَّن لك يا رسول اللَّه! قال: «أتُؤدِّينَ زكاتهنَّ؟» قلت: لا أو ما شاءاللَّه، قال: «هو حسبك من النار»([704]). وعن أمِّ سلمة ل قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول اللَّه: أكَنزٌ هُوَ؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فُزُكِّي فليس بكنز»([705]).

عباد اللَّه: اتقوا اللَّه تعالى وأدُّوا زكاة أموالكم ابتغاء مرضاة ربكم، وادفعوها لأهلها الذين بيَّنهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾([706]).

ومن كان عليه دين وعنده مال بلغ النصاب؛ فإن الدين لا يمنع الزكاة على الصحيح، وزكاة الدين الذي لك يا عبداللَّه على الناس فيه الزكاة إذا كان على مليء معترفٍ به باذلٍ له فتزكِّيه كل ما حال عليه الحول، أما إذا كان على معسرٍ أو جاحدٍ أو مماطل فلا يلزم على الصحيح زكاته، ولكن إذا قبضته فزكيته زكاة سنة واحدة على ما مضى من السنين كان ذلك أفضل.

واعلموا عباد اللَّه أن الزكاة حق اللَّه تعالى لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو يدفع بها عن نفسه شرّاً، ولا أن يقي بها ماله، أو يدفع بها عنه مذمَّة؛ بل يجب دفعها لأهلها ابتغاء مرضاة اللَّه وثوابه.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورضي عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المخلصين، اللَّهم إنا نسألك العفوَ والعافية في الدنيا والآخرة، اللَّهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّلِ عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين وارحمهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ([707]). فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([708]).


خامساً: قسم الصيام


 23-الاستعداد لاستقبال شهر رمضان: فضائله وخصائصه

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([709]). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾([710]). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾([711]).

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه: إن اللَّه تعالى أنعم على هذه الأمة بشهر رمضان المبارك، وجعل فيه من الفضائل العظيمة ما يرفع به درجات عباده المؤمنين، فمن فضائله العظيمة: أن اللَّه أنزل فيه القرآن:

* ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾([712]).

* وشهر رمضان تغلق فيه أبواب النيران وتفتح فيه أبواب الجنان، وأبواب السماء، وأبواب الرحمة، وتصفَّد فيه الشياطين ومردة الجن، فعن أبي هريرة t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وللَّه عتقاء من النار، وذلك كل ليلة». وفي لفظ للبخاري: «فتحت أبواب السماء». وفي لفظ لمسلم: «فتحت أبواب الرحمة»([713]).

* شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم، فعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أتاكم رمضان شهر مبارك فرض اللَّه ﷻ‬ عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلُّ فيه مردة الشياطين، للَّه فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حرم»([714]).

وعن أنس t قال: دخل رمضان فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كُلَّه، ولا يُحرمُ خيرَها إلا محرومٌ»([715]).

* شهر رمضان تُجاب فيه الدعوات، فقد ذكر اللَّه الدعاء أثناء آيات الصيام فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾([716]).

وعن أبي هريرة t يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن للَّه عتقاء في كل يومٍ وليلة لكل عبد منهم دعوة مستجابة»([717]).

قال الحافظ في أطراف المسند: يعني في رمضان([718]). وعن أبي أمامة t يرفعه: «إن للَّه عند كل فطر عتقاء»([719]). وعن أبي هريرة t يرفعه: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها اللَّه فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين»([720]).

* شهر رمضان شهر الصبر؛ فإن فيه صبر على طاعة اللَّه، وصبر عن محارم اللَّه، وصبر على أقدار اللَّه المؤلمة، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾([721]). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يُذْهِبنَ وَحَر ([722]) الصدر»([723]).

* شهر رمضان تُغفر فيه جميع الذنوب؛ فعن أبي هريرة t يرفعه: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه»([724]). وعنه أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رقى المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين» فقيل: يا رسول اللَّه ما كنت تصنع هذا؟ فقال: «قال لي جبريل u رَغِمَ أنفُ عبدٍ دخلَ عليه رمضان فلم يُغفر له، فقلت آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ ذُكرت عنده فلم يُصلِّ عليكَ، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ أدركَ والديهِ أو أحدَهما فلم يدخل الجنَّة، فقلت: آمين»([725]).

وعنه t يرفعه: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة, ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»([726]).

* شهر رمضان ترفع فيه الدرجات، وقد أسلم رجلان من بليٍّ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان أحدهما أعظم اجتهاداً من الآخر فغزا في سبيل اللَّه فاستشهد المجتهد منهما ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، فرأى طلحة بن عبيداللَّه أن المتأخر منهما دخل الجنة قبل المجتهد المستشهد في سبيل اللَّه، فعجب الناس فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟» قالوا: بلى، قال: «وأدرك رمضان، وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟» قالوا: بلى، قال: «فما بينهما أبعد ما بين السماء والأرض»([727]).

* شهر رمضان شهر الذكر فقد ذكر اللَّه الذكر أثناء آيات الصيام فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾([728]).

* عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -([729]).

* من صام رمضان كان من الصديقين؛ لحديث عمرو بن مُرَّة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه،وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فمن أنا؟ قال: «من الصديقين والشهداء»([730]).

* شهر رمضان شهر القيام، «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه»([731]).

* شهر رمضان من صلى فيه التراويح ليلة فلازم الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة من فضل اللَّه تعالى([732]).

* وشهر رمضان شهر الانتصار على الأعداء في بدر، وفتح مكة، وغيرهما.

* مضاعفة الجود في رمضان، فقد كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة([733]).

* شهر رمضان شهر مدارسة القرآن، فقد كان جبريل يلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فيدارسه القرآن في كل ليلة([734]).

* صيام رمضان ركن من أركان الإسلام.

* شهر رمضان شهر الاعتكاف ولزوم المساجد لطاعة اللَّه تعالى، والتفرُّغ لمناجاته سبحانه.

وغير ذلك من الخصائص الكثيرة التي لا تحصر لهذا الشهر المبارك.

وأما فضائل الصيام فكثيرة ومنها: أن الصيام سبب للتقوى، وجُنَّة يَستجن بها العبد من النار، والصوم يباعد اللَّه تعالى باليوم الواحد وجه الصائم عن النار سبعين سنة، وهو وقاية من الشهوات، والصيام لا مثل له ولا عدل، ويدخل الجنة من باب الريان، وهو كفارة للذنوب، والصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، والصيام صبر، والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب، وهو سبب للسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأن الصائم يفرح بصيامه عند فطره وعند لقاء ربه، وخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، ومن فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئاً، والصائم دعوته لا ترد.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾([735]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة فما من خير إلا دلها عليه، وما من شر إلا حذرها عنه، صلوات اللَّه وسلامه عليه.

عباد اللَّه: إن اللَّه ﷻ‬ تفضل على عباده بشهر رمضان المبارك وخصه بخصائص لا توجد في غيره من الشهور؛ ولهذا كان السلف الصالح يسألون اللَّه ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، ثم يسألونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فاستقبلوا هذا الشهر العظيم بالتوبة والاستغفار والعزيمة الصادقة والنية الصالحة الصادقة، فكم من أناسٍ لا يدركون رمضان يهجم عليهم الأجل قبل دخوله، واعلموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَقدَّموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه»([736]). وعن عمار بن ياسر t قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم- صلى الله عليه وسلم -» ([737]). وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الهلال ما يمنع الرؤية.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعلى سائر أصحاب نبيك أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين، وبلغنا رمضان ووفقنا لصيامه وقيامه إيماناً واحتساباً يا رب العالمين، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد اللَّه: إن اللَّه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذا القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي لعلكم تذكرون، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

 24-فضائل الصيام وفوائده وحِكَمِهِ وأحكامه وآدابه

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، قمن يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخليله، وخيرته من خلقه، صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،وكلّ ضلالة في النار.

عباد اللَّه: اتقوا اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ([738]).

واشكروا اللَّه على ما مَنَّ به عليكم من أن بلَّغكم رمضان المبارك؛ فإن إدراكه من أعظم النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾([739]). ﴿وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾([740]).

عباد اللَّه: اجتهدوا في شهركم هذا؛ فإنكم لا تدرون لعله لا يدرككم مرة أخرى، فإن الآجال، والأعمار بيد اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾([741]).

أيها المسلمون: اعلموا رحمكم اللَّه وجعلكم مباركين أينما كنتم أنَّ فضائل الصيام وفوائده كثيرة لا تحصى، ومنها:

*  الصيام سبب من أسباب التقوى، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([742]).

* و«الصوم جُنَّة يَستجن بها العبد من النار»([743]). ومعنى جُنَّة من النار: أي وقاية من النار.

* والصوم يُباعد اللَّه النار عن وجه صاحبه: «من صام يوماً في سبيل اللَّه باعد اللَّه وجهه عن النار سبعين خريفاً»([744]). فإذا كان صوم يوم واحد بهذه الأفضلية والمنزلة فما بالك بصيام شهر كامل أو صيام ثلاثة أيام من كل شه*والصوم وقاية من الشَّهوات: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»([745]).

* والصوم لا مثل له ولا عدل فقد أوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي أمامة رضي اللَّه عنه قال: قلت يا رسول اللَّه مرني بأمر ينفعني اللَّه به، قال: «عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له»، وفي لفظ: «فإنه لا عِدلَ له»([746]).

* والصوم يُدخل الجنة من باب الريان؛ لحديث سهل بن سعد t يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يُقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد»([747]).

وعن أبي هريرة t أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أنفق زوجين في سبيل اللَّه نودي من أبواب الجنة: يا عبداللَّه هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة». قال أبو بكر t: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه ما على من دٌعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم»([748]).

* والصيام كفَّارة للذنوب، فعن حذيفة t يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فتنة الرجل في أهله، وماله، وجاره تٌكِّفرها: الصلاة، والصيام والصدقة»([749]).

* والصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، فعن عبداللَّه بن عمرو يرفعه: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه»، قال: «فيشفعان»([750]).

* ويُوفَّى الصائمون أجرهم بغير حساب.

* والصوم سبب للسعادة في الدنيا والآخرة؛ فإن الصائم له فرحتان.

* وخَلوف فَمِ الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وقد دلَّ على هذه المسائل الثلاث حديث أبي هريرة t يرفعه: «كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال اللَّه ﷻ‬: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به, يدع شهوته، وطعامه [وشرابه] من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك»([751]).

* والصائم دعوته لا تُرد؛ لحديث أبي هريرة t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثة لا تردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم»([752]).

*  وتفطير الصائمين فيه الأجر العظيم؛ لحديث زيد بن خالد الجهني t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مَن فطَّر صائماً كان له مثلُ أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً»([753]).

وغير ذلك من فضائل الصيام التي لا تعد ولا تُحصى.

أما خصائص شهر رمضان المبارك فهو الشهر الذي أنزل اللَّه فيه القرآن، وتُفتَّح فيه أبواب الجنة، وأبواب السماء، وأبواب الرحمة، وتُغلق فيه أبواب النار، وتُصفَّد فيه الشياطين ومَرَدة الجن، وينادى فيه يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وللَّه عتقاء من النار في كل ليلة، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله، وهو من المحرومين، وتجاب فيه الدعوات، وهو شهر الذكر والدعاء، وشهر الصبر، وتُغفر فيه جميع الذنوب،وتُرفع به الدرجات في الجنة، وتُكفَّر به السيئات، ومن قامه إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، وهو الشهر الذي يُدارِس فيه جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وهو الشهر الذي يكون فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة، فاجتهد يا عبداللَّه لهذا الخير العظيم، فلعله لا يكون لك شهر غيره بانتقالك إلى الدار الآخرة. أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([754]). بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولجميع المؤمنين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عباد اللَّه إن الصوم له فضائل عظيمة وفوائد كثيرة لا تُحصر في مثل هذا المقام، ومن فوائده وثمراته: أن يتبيَّن من كان عابداً لمولاه ومن كان مُتَّبِعاً لهواه، والصيام عبادة للَّه ﷻ‬ يتقرّب بها العبدُ إلى اللَّه فيظهر بذلك صدق إيمانه وتقواه؛ ولذلك كان كثيرٌ من المؤمنين لو ضُرب أو حُبس على أن يُفطِر يوماً من رمضان بدون عذر شرعي لم يفطر، وهذه الحكمة من أبلغ حِكَمِ الصيام، والصيام سبب للتقوى؛ فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»([755])، ومن حديث أبي هريرة t، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «...وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث [أي لا يعمل الفحش من الكلام وغيره] ولا يصخب». وفي لفظ: «ولا يجهل [أي لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل: كالصياح والسَّفه] فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم...»([756]).

والصوم يجعل  القلب يتخلَّى للذِّكر والفكر؛ لأن تناول الشهوات يوجب الغفلة، ورُبَّما يُقسِّي القلب ويُعمي عن الحق، والصوم به يعرِفُ الغنيُّ قَدْرَ نِعَمِ اللَّه عليه وقد حُرِمَها كثيرٌ من الخلق، والصوم سبب في التمرُّن على ضبط النفس والسيطرة عليها، والصوم يَكْسِرُ النفس ويحدُّ من كبريائها، ويُضيِّق مجاري الدم بسبب الجوع والعطش فتضيق مجاري الشيطان؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ومن ذلك ما يترتب على الصيام من الفوائد الصِّحيَّة التي تحصل بسبب تقليل الطعام وإراحة جهاز الهضم.

والصوم ركن من أركان الإسلام لا يتم إسلام العبد إلا به، وله أركان، وشروط، ومفسدات، وآداب لا بد للمسلم العمل بها:

فأركانه: الإمساك عن جميع المفطِّرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، والنية من الليل: «من لم يُبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له»([757]). والنية محلها القلب والتلفظ بها بدعة.

وأما شروط وجوب الصيام فستة: يجب الصيام على كل مسلم، عاقل، بالغ، قادر، مقيم، سالم من الموانع: وهي الحيض والنفاس للنساء، ولكن ينبغي أن يُؤمر الصبيان بالصيام ويُشَجَّعوا عليه؛ لفعل الصحابة y؛ حتى يعتاد الصبي ذلك ويتدرب عليه.

أما مفسدات الصوم التي يفطر بفعلها الصائم فسبعة: الجماع في نهار رمضان، وإخراج المني باختياره، والأكل والشرب متعمداً، وما يقوم مقام الأكل والشرب كالإبر المغذية، وإخراج الدم بالحجامة، والتقيؤ عمداً بإخراج ما في المعدة عن طريق الفم، وخروج دم الحيض والنفاس، وقد جاء العقاب الأليم لمن أفطر يوماً متعمداً بغير عذر، ففي حديث أبي أمامة t يرفعه:«...قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: عُواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعارقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم»([758]).

ويباح الفطر في رمضان لخمسة: المريض، والمسافر، والعاجز عن الصيام: كالشيخ الهرم أو العجوز الهرمة، ومن احتاج إلى إنقاذ معصوم إذا لم يُمكن إنقاذه إلا بالإفطار، والحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما الضرر، وكل هؤلاء يقضون الصيام إلا العاجز بمرض لا يرجى برؤه أو الهرم فيطعمان عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما؛ لعجزهما، والصيام له آداب مستحبة، منها: أكلة السحور والأفضل تأخيره إلى قبيل طلوع الفجر، وتعجيل الإفطار بعد غروب الشمس، والإفطار على رُطبات، أو تمرات، أو حسواتٍ من ماء، ومن الآداب: كثرة القراءة، والدعاء والذكر، وأنواع البر، وأعظم الذكر قراءة القرآن بالتدبر، والإكثار من تلاوته، فإن من أحب اللَّه أكثر من تلاوة كتابه، ومن طهر قلبه لم يشبع من قراءة كلام اللَّه تعالى، ومن أحب القرآن فهو يحبه سبحانه. واستحضار الصائم نعمة اللَّه عليه, وأن اللَّه وفَّقه لهذا الصيام وقد حُرِمَهُ كثيرٌ من الناس. وهناك أخطاء يقع فيها كثير من الناس في رمضان، منها: عدم الفقه لأحكام الصيام، والكثير من الناس يسهرون الليل على غير طاعة اللَّه تعالى، وترك صلاة التراويح والتكاسل عنها، أو الانصراف قبل إكمالها مع الإمام؛ فإن من لازم الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة، وقد شرع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - صلاة التراويح بقوله، وفعله، وهي تُصلَّى إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا هو الأفضل، فإن صلى أكثر من ذلك فلا حرج؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى»([759]). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث فلا حرج، أو صلى ستّاً وثلاثين وأوتر بثلاث فلا حرج، أو صلى إحدى وأربعين فلا بأس، ولكن الأفضل ثلاث عشرة ركعة أو إحدى عشرة ركعة([760]). ومن الأخطاء الإسراف والتبذير في الطعام والشراب واللباس، قال اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾([761]). وقال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾([762]).

عباد اللَّه: اتَّقوا اللَّه واجْتهدوا, وأحسنوا النية، فكم من أُناسٍ صاموا معكم رمضان الماضي وهم الآن من أصحاب القبور، وكم من أناس لا يكملون رمضان يهجم عليهم الأجل قبل إتمامه.

هذا وصلوا على خير الخلق نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورضي اللَّه عن أصحابه: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين.

اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المخلصين، اللَّهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وهيئ لهم البطانة الصالحة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم تقبَّل صيامنا وقيامنا، واغفر لنا ذنوبنا يا غفور يا رحيم، اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([763]) . فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

& & &


 25-فضل العشر الأواخر من رمضان وخصائصها

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عبادَ اللَّه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([764]). معاشر المؤمنين: اشكروا اللَّه على نعمه التي لا تعدُّ ولا تحصى، ومن هذه النعم العظيمة أن بلَّغكم رمضان وقد حُرِمَ هذه النعمة كثير من الناس، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾([765]). ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([766]). ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾([767]). وإن شكرتموه بأفعالكم وأقوالكم وقلوكم زادكم من فضله, وإحسانه, وتوفيقه, وامتنانه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾([768]).

عباد اللَّه: كُنَّا بالأمس القريب نستقبل رمضان بالبهجة والسرور، وقد أسرعت الأيام حتى ذهب أكثره وقد أحسن أنَاسٌ في الأيام الماضية فصاموا النهار وقاموا الليل، وقرأوا القرآن، وتصدقوا وأحسنوا، وتركوا المعاصي والسيئات، فلهم الأجر العظيم، والثواب الكبير، وعليهم المزيد في الباقي من أيام رمضان المبارك، وقد أساء آخرون فأخلُّوا بالصيام, وتركوا القيام, وسهروا الليالي الطوال على قيل وقال, وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وهجروا القرآن، وبخلوا بأموالهم، لكن اللَّه تعالى ذو الفضل العظيم والإحسان العميم, يقبل التوبة ويعفو عن السيئات لمن تاب وأناب، وقد جعل سبحانه العشر الأواخر من رمضان فرصة لمن أحسن في أول الشهر أن يزاد، ولمن أساء أن يستدرك ما فاته؛ ويغتنم هذه الأيام العشر في الطاعات وما يقربه من اللَّه تعالى، والعشر الأواخر لها خصائص وفضائل منها:

* نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان، في ليلة القدر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾([769]). وقال ﷻ‬: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾([770]). وهذا من أعظم فضائل العشر: أن اللَّه أنزل هذا النور المبين فأخرج به من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى نور العلم والإيمان، وهذا القرآن العظيم شفاءٌ وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين، وموعظة وشفاء لما في الصدور، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾([771]).

* ومن خصائص هذه العشر الأواخر ليلة القدر والعبادة في هذه الليلة خير من العبادة في ألف شهر، فالعبادة فيها خير وأفضل من العبادة في ثلاث وثمانين سنة وما يقرب من أربعة أشهر، وهذا فضل عظيم لمن وفقه اللَّه تعالى. قال ﷻ‬: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾([772]).

وليلة القدر لها فضائل كثيرة، منها:

* الفضيلة الأولى: أن اللَّه أنزل القرآن فيها الذي به هداية العباد وسعادتهم في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وقال ﷻ‬: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.

* الفضيلة الثانية: في هذه الليلة يفرق كل أمر حكيم، أي يُفصل من اللوح المحفوظ ما هو كائن في السنة: من الأرزاق، والآجال، والخير والشر.

* الفضيلة الثالثة: ما يدل عليه الاستفهام من التفخيم والتعظيم لهذه الليلة في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.

* الفضيلة الرابعة: أن هذه الليلة مباركة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ .

* الفضيلة الخامسة: أن هذه الليلة خير من ألف شهر.

* الفضيلة السادسة: تتنزل الملائكة فيها، والروح وهو جبريل؛ لكثرة بركتها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة.

* الفضيلة السابعة: أن هذه الليلة سلام حتى مطلع الفجر؛ لكثرة السلامة فيها من العقاب، والعذاب، بما يقوم به العبد من طاعة اللَّه ﷻ‬.

* الفضيلة الثامنة: أن من قامها إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه([773]).

* الفضيلة التاسعة: أن من أدركها واجتهد فيها ابتغاء مرضاة اللَّه فقد أدرك الخير كله، ومن حرمها فقد حُرِم الخير كله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض اللَّه ﷻ‬ عليكم صيامه، تُفتحُ فيه أبواب الجنة، وتُغلقُ فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، للَّه فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حُرِم»([774]).

وعن أنس t قال: دخل رمضان فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يحرَمُ خيرَها إلا محرومٌ»([775]).

* الفضيلة العاشرة: أن اللَّه أنزل في فضلها سورة كاملة تُتلى إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.

* ومن خصائص هذه العشر اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - في قيامها, والأعمال الصالحة فيها اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة ل قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر»([776]). ومعنى شد المئزر: أي شمر واجتهد في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء. وعنها ل قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره»([777]).

وهذا الإحياء شامل لجميع أنواع العبادات: من صلاة، وقرآنٍ، وذكرٍ، ودعاء، وصدقة، وغيرها، ومما يدل على فضل العشر: إيقاظ الأهل للصلاة والذكر، ومن الحرمان العظيم أن ترى كثيراً من الناس يُضيِّعون الأوقات في الأسواق، وغيرها، ويسهرون فإذا جاء وقت القيام ناموا، وهذه خسارة عظيمة، فعلى المسلم الصادق أن يجتهد في هذه العشر المباركة, فلعله لا يدركها مرة أخرى باختطاف هاذم اللذات، ولعله يجتهد فتصيبه نفحة من نفحات اللَّه تعالى فيكون سعيداً في الدنيا والآخرة.

* ومن خصائص هذه العشر الاعتكاف فيها، وهو لزوم المسجد لطاعة اللَّه تعالى، وهو ثابت بالكتاب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾([778]). وعن عائشة ل، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه، ثم اعتكف أزواجه من بعده([779]). وعن أبي هريرة t قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً»([780]). وفي لفظ: «كان يعرضُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً فاعتكف عشرين في العام الذي قُبض فيه»([781]). وذكر ابن حجر : أن المراد بالعشرين: العشر الأوسط والعشر الأخير([782])، ويدل على معناه حديث أبي سعيد t في صحيح مسلم([783]).

وكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين قال: «من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها... فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر»([784]). وفي حديث أبي سعيد t: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» فاعتكف الناس معه، قال: «وإني أُريتُها ليلة وترٍ...»([785]). وعن ابن عباس ب قال: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجدُ الناس بالخير، وكان يلقاه في كل ليلةٍ في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرضُ عليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة»([786]).

والمقصود بالاعتكاف انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرغ لطاعة اللَّه تعالى في مسجد من مساجد اللَّه طلباً لفضل ثواب الاعتكاف من اللَّه تعالى، وطلباً لإدراك ليلة القدر، وله الخروج من معتكفه فيما لا بد منه: كقضاء الحاجة, والأكل والشرب إذا لم يُمكن ذلك في المسجد.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾([787]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك للَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى اللَّه عليه وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

عباد اللَّه: اجتهدوا في طاعة اللَّه تعالى وخصُّوا هذه العشر المباركة بمزيد من الاجتهاد طلباً للثواب ومضاعفة الأجر في هذه الليالي، وطلباً لليلة القدر التي اختصت بها العشر الأواخر من رمضان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها – أو نُسِّيتها – فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر»([788]). وفي حديث عائشة ل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»([789]). فليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان يقيناً لا شك فيه،وهي في الأوتار أقرب؛ لحديث ابن عباس ب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر: في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى»، وفي لفظ: «هي في العشر الأواخر في تسع يمضين أو في سبع يبقين»([790]). وقد تكون في الأشفاع؛ فإنه جاء في البخاري عن ابن عباس ب: «التمسوها في أربع وعشرين»([791]) وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيره، وكان الصحابة y يجتهدون اجتهاداً عظيماً، قالت عائشة ل: يا رسول اللَّه، أرأيت إن علمت أيّ ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللَّهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عني»([792]). فعلى العبد الصادق أن يجتهد في جميع ليالي العشر ويحصل عليها يقيناً لا شك فيه، وقد أخفى اللَّه ليلة القدر رحمة بعباده؛ لأمور منها: زيادة حسناتهم إذا اجتهدوا في العبادة بأنواعها في هذه الليالي، واختباراً لعباده؛ ليتبين الصادق في طلبها من غيره؛ فإن من حرص على شيء جد في طلبه. هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورضي عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحابه أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللَّهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ياذا الجلال والإكرام، اللَّهم إنك عفو تحب الحب فاعفو عنا.

      عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([793]). فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([794]).

& & &


 26-توديع شهر الصيام والقيام، وذكر زكاة الفطر وآداب العيد

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عبادَ اللَّه: اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([795]).

أيها المسلمون:  إن شهركم الكريم قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا الزمن القليل، وهو شاهد لكم بما عملتم فيه من الأعمال، فاجتهدوا في الباقي من هذا الشهر العظيم, فلعله لا شهر لكم غيره، ومن كان منكم محسناً فليحمد اللَّه على ذلك وليسأله القبول، ومن كان منكم مهملاً فلْيَتبْ إلى اللَّه، وليعتذر من تقصيره؛ فإن العذر قبل الموتِ مقبول، واختموا شهر رمضان بالتوبة إلى اللَّه من معاصيه، والإنابة إليه بفعل ما يرضيه، واختموا شهركم بالاجتهاد في بقية هذه الليالي؛ فإن الأعمال بخواتيمها.

واعلموا رحمكم اللَّه: أن أفضل الليالي هذه العشر البواقي؛ فإن القرآن نزل فيها، في ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، التي من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ الخيرَ كلَّه، ولا يُحرَمُ خيرها إلا محروم؛ ولهذا «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظَ أهله، وجدَّ وشدَّ المِئْزَر»([796]). و«كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره»([797]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»([798]). وهي في الأوتار أقرب، وهي متنقلة في كل سنة، فقد تكون في سنةٍ ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة خمسٍ وعشرين، وفي أخرى ليلة سبعِ وعشرين، وفي أخرى ليلة تسعٍ وعشرين، وقد تكون في الأشفاع؛ فإنه قد جاء عن ابن عباس ب قوله: «التمسوها في أربع وعشرين»([799]). ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - «يجتهد في العشر الأواخر كلها طلباً لليلة القدر، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه، واعتكف أزواجه من بعده»([800]).

فاجتهد يا عبداللَّه في هذا الخير العظيم؛ فإن من حرص على شيء جدَّ في طلبه، ولعلك يا عبداللَّه لا تدرك هذه الليالي مرة أخرى؛ لانتقالك إلى دار البرزخ, إلى أوَّل منزلٍ من منازل الآخرة, إلى القبر، فاغتنم زمن الإمهال قبل فوات الأوان.

واعلموا رحمكم اللَّه: أن اللَّه تعالى قد شَرَعَ لكم في ختام شهركم هذا أعمالاً تزيدكم من اللَّه قرباً، وتزيد في إيمانكم قوةً، وفي سجلِّ أعمالكم حسناتٍ، فمن هذه الأعمال:

* التوبة إلى اللَّه تعالى، والندم على التقصير، والإقلاع عن جميع الذنوب، والعزيمة على عدم العودة إليها، ورد الحقوق إلى أهلها إن وُجِدت، وهذا واجب في كل وقت.

ومن هذه الأعمال: زكاة الفطر، فقد «فرض رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حرٍّ, أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، صغير، أو كبير»([801]). وهي طعمة للمساكين، وطُهرة للصائم من اللغو والرفث، فعن ابن عباس ب قال: «فرض رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم: من اللغو، والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»([802]).

وعن ابن عمر ب قال: «فرض رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر في رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حرٍّ، أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، صغيرٍ، أو كبير، صاعاً: من تمر، أو صاعاً من شعير». وفي لفظ للبخاري: «وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، وفي لفظ: «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين»([803]). وكان عثمان t يعطيها عن الحمل([804]) فظهر من هذه الأحاديث أن زكاة الفطر فريضة على كل مسلم، وأنه لا يجوز إخراج القيمة عنها، وأنه يجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، ولكن الأفضل أن تخرج يوم العيد قبل صلاة العيد، وأنه لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد، وأنه يستحبّ إخراجها عن الحمل، وأنها تخرج من قوت الناس في البلد: صاعاً من طعام: من تمر، أو زبيب، أو برٍّ، أو شعير، أو أقط، أو غير ذلك. وتُدفع الزكاة إلى الفقراء والمساكين، ويجوز أن يعطى المسكين زكاة الجماعة، وكذلك يجوز إعطاء الجماعة من المساكين زكاة الواحد.

ومن الأعمال المباركة التي يُختم بها الصيام التكبير من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾([805]). وصفته أن يقول المسلم: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر, اللَّه أكبر وللَّه الحمد، ويُسنُّ جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إظهاراً لعبادة اللَّه تعالى.

ومن الأعمال: صلاة العيد، وهي من تمام ذكر اللَّه تعالى، وقدر أمر بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أمته رجالاً ونساءً. ومن السنة أن يأكل قبل الخروج إلى صلاة عيد الفطر تمرات وتراً، والأفضل أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيَّب، ويخرج ماشياً إن تيسَّر، والأفضل أن يذهب إلى صلاة العيد من طريق ويرجع من طريق آخر، ويبكِّر المأموم إلى مصلى العيد بعد صلاة الصبح؛ لفعل الصحابة y، ويكبِّر في طريقه إلى المصلَّى رافعاً صوته، ولا يُصلِّي قبل صلاة العيد ولا بعدها.

عباد اللَّه: اختموا شهركم بالاجتهاد في باقيه، وبالتوبة والاستغفار، واعلموا أن خير الأعمال خواتيمها.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك للَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى اللَّه عليه وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه: اختموا شهركم بالاجتهاد في باقيه؛ فإن الأعمال بالخواتيم، واستقيموا بعده على طاعة اللَّه، واحذروا من معاصيه، واعلموا أن كثيراً من الناس يقعون في منكرات يوم العيد، ومنها: أن بعضهم يدعو الأموات ويطوف بالقبور تعظيماً لها، وهذا من الشرك الذي حرَّمه اللَّه تعالى. ومنها: الكبر واحتقار الناس. ومنها الإسبال في الثياب، والمشالح، والسراويل تحت الكعبين؛ فإن ما أسفل من الكعبين في النار، واللَّه تعالى لا ينظر إلى مسبل إزاره, ولا يكلِّمه, ولا يُزكِّيه يوم القيامة, وله عذاب أليم([806]). واللَّه ﷻ‬ لا يحب المسبلين([807])، ومن المنكرات ضرب المزامير والمعازف الغنائية، وهذا ينبت النفاق في القلوب، كما ينبت الماء الزرع. ومن المنكرات حلق اللحى وتقصيرها ومعصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك. ومنها مصافحة النساء من غير المحارم. ومن المنكرات: التشبُّه بالكفار والمشركين في الملابس والأعياد وغير ذلك، ومنها تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وقد لعن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك، ومن المنكرات في الأعياد الخلوة بالمرأة الأجنبية، وتبرُّج النساء وخروجهن من البيوت إلى الأسواق، ومن المنكرات التبذير والإسراف، واللَّه تعالى لا يحب المسرفين، ومن المنكرات قطيعة الأرحام وعدم الاعتناء بالفقراء والمساكين.

فاتقوا اللَّه يا عباد اللَّه، واتقوا غضبه وسخطه، وعقابه، والتزموا بطاعته تعالى.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورضي عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، اللَّهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً وقامه إيماناً واحتساباً، وقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً فغفرت له ما تقدم من ذنبه برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم تقبَّل منَّا، واغفر لنا، وارحمنا، واعفُ عنَّا، ياذا الجلال والإكرام. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([808]) .  فاذكروا اللَّه تعالى يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾(4).

& & &


 27-فضل صيام يوم عرفة وأحكام الأضاحي وآداب العيد

 الخطبة الأولى  

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عبادَ اللَّه:  ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([809]).

أيها الناس أنتم في أيام عظيمة عظم اللَّه شأنها وأقسم بها في كتابه الكريم فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾([810]). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضلها: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر» قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ولا الجهاد في سبيل اللَّه إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» ([811]). وقال ♥: «ما من أيام أعظم عند اللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد» ([812]). ومن أعظم الأعمال الصالحة في أيام عشر ذي الحجة الصيام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل اللَّه إلا باعد اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً»([813])، وآكد الصيام وأفضله في عشر ذي الحجة صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «... صيامُ يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده...»([814]).

وينبغي للمسلم إذا كان عليه قضاءٌ من صيام الفرض أن يبادر إليه قبل يوم عرفة؛ لأن صيام الفرض مقدمٌ على صيام التطوع؛ وليحصل على فضل هذا الصيام العظيم في هذا اليوم العظيم.

ومن الأعمال العظيمة في عشر ذي الحجة وفي أيام التشريق كذلك التقرب إلى اللَّه تعالى بذبح الأضحية أو نحرها: من الغنم، أو الإبل، أو البقر؛ وسُمِّيت بذلك واللَّه أعلم؛ لأن أفضل زمنٍ لذبحها أو نحرها ضحى يوم العيد، والأضحية مشروعة بالكتاب بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾([815]). وأما السنة؛ فلحديث أنس t قال: «ضحَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما». وفي لفظ لمسلم ويقول: «بسم اللَّه واللَّه أكبر». وفي لفظ للبخاري: قال أنس t: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين»([816]). وقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية، وهي سنة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حين فدى اللَّه ولده بذبحٍ عظيم وقال I: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾([817]). والأضحية قيل: بأنها واجبة والصواب أنها سنة مؤكدة جداً لا ينبغي تركها لمن يقدر عليها، وعلى هذا أكثر أهل العلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي كل سنة، فهي سنة من قوله وفعله ♥، والأحوط للمسلم أن لا يترك الضحية إذا كان موسراً له قدرة عليها اتباعاً لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -: القوليَّة، والفعليَّة، والتقريريَّة، وبراءة للذمة, وخروجاً من الخلاف عند من قال بالوجوب.

ولا تكون الأضحية على هدي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلا باجتماع شروطها، وانتفاء موانعها، وشروطها أربعة: أن تكون مِلكاً للمضحي، مَلَكَها بطريقٍ مشروع، وأن تكون من بهيمة الأنعام: من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وأن تبلغ السن المعتبرة شرعاً، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر ودخل في السابع، والثني من غيرها فيجزئ المعز الذي تمت له سنة ودخل في الثانية، والإبل إذا أتمت خمس سنين ودخلت في السادسة، والبقر إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذبحوا إلا مسنَّة»([818])، والمسنة هي الثنية، والجذع من الضأن مستثنىً من المسنة. ومن الشروط أن تكون الأضحية سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء، ومن هذه العيوب ما ثبت في حديث البراء بن عازب t أنه قال: قام فينا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البيِّنُ عورُها، والمريضة البيِّنُ مرضها، والعرجاءُ البيِّنُ ظلعُها، والكسيرة التي لا تنقى»([819]). فالعوراء البيِّن عورها: هي التي انخسفت عينها أو برزت، والمريضة البيِّن مرضها: هي التي ظهر عليها آثار المرض، والعرجاء البيِّن عرجها: هي التي لا تستطيع مرافقة السليمة، والكسيرة:  هي الهزيلة، ومعنى التي لا تنقى: أي التي ليس فيها مخ. ويُلحق بهذا الأربع: ما كان عيبه أعظم وأكبر من هذه العيوب: كالعمياء، ومقطوعة إحدى اليدين، وما شابه ذلك. وقد أضاف بعض العلماء نوعاً خامساً في عدم الإجزاء وهي العضباء: وهي ما ذهب نصف قرنها أو أذنها واحتجوا بحديث علي t: «نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن نضحِّي بعضباء القرن والأذن»([820]). والعضب ما بلغ النصف فما فوق، واختاره الإمام الخرقي في مختصره، وابن قدامة، والشوكاني، وابن باز وغيرهم وهذا هو الأبرأ للذمة أن لا يُضحى بأعضب القرن والأذن خروجاً من خلاف العلماء.

ويكره في الأضاحي: المقابلة، وهي التي شقت أذنها من الأمام، والمدابرة وهي التي شقت أذنها من الخلف عرضاً، والشرقاء: التي شقت أذنها طولاً، والخرقاء: التي خرقت أذنها؛ لما روى علي t مرفوعاً: «أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء»([821]). والأفضل أن يُختار أكمل الأضاحي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك، فعن عائشة ل أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر بكبش أقرن: يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأُتي به.. ثم ذبحه، ثم قال: «بسم اللَّه، اللَّهم تقبَّل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد» ثم ضحَّى به([822]). وعن عائشة ل: «أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد للَّه بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد»([823]).

وعن أبي سعيد t قال: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يضحي بكبشٍ: أقرن، فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد»([824]). وكان الصحابة يُسمِّنون الأضاحي، قال أبو أمامة t: «كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمِّنون» ([825]). وهذا من تعظيم شعائر اللَّه ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾([826]). وغير ذلك من الصفات الحسنة التي تزيد الأضحية كمالاً, وجمالاً؛ لأن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيباً([827])، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بكبشين، فإذا أراد أحد أن يضحي بكبشين تأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا حرج؛ ولهذا قال أنس t: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بكبشين وأنا أضحي بكبشين»([828]).

ويبدأ وقت ذبح الأضحية بعد صلاة العيد من يوم الأضحى، فـ«من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين»([829]). ويمتد الذبح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق، فيكون الذبح أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق. والشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، والبدنة من الإبل تجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة؛ لحديث جابر t قال: «خرجنا مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مُهلِّين بالحج فأمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منَّا في بدنة». وفي لفظ: «حججنا مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة»([830]).

ويأكل من أضحيته، ويتصدَّق، ويدَّخر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾([831])؛ ولحديث أبي سعيد الخدري t يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلوا، وأطعموا، واحبسوا أو ادخروا»([832]). وعن عبداللَّه بن واقد t في بيان الأكل من الأضاحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فكلوا، وادخروا، وتصدَّقوا»([833]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾([834]). بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإيَّاكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك للَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى اللَّه عليه وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه: اختموا هذه العشر المباركة بالاجتهاد في باقيها؛ فإن الأعمال بالخواتيم، واستقيموا بعدها على طاعة اللَّه، واحذروا من معاصيه، واعلموا أن كثيراً من الناس يقعون في منكراتٍ يوم العيد، ومنها: أن بعضهم يدعو الأموات ويطوف بالقبور تعظيماً لها، وهذا من الشرك الذي حرَّمه اللَّه تعالى وأوجب لصاحبه الخلود في النار. ومنها: الكبر واحتقار الناس. ومنها الإسبال في الثياب، والمشالح، والسراويل تحت الكعبين؛ فإن ما أسفل من الكعبين في النار، واللَّه تعالى لا ينظر إلى مسبل إزاره, ولا يكلِّمه, ولا يُزكِّيه يوم القيامة, وله عذاب أليم([835]). واللَّه ﷻ‬ لا يحب المسبلين([836])، ومن المنكرات ضرب المزامير والمعازف الغنائية، وهذا ينبت النفاق في القلوب، كما ينبت الماء الزرع. ومن المنكرات حلق اللحى وتقصيرها ومعصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك. ومنها مصافحة النساء من غير المحارم. ومن المنكرات: التشبُّه بالكفار والمشركين في الملابس والأعياد وغير ذلك، ومنها تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وقد لعن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من فعل ذلك، ومن المنكرات في الأعياد الخلوة بالمرأة الأجنبية، وتبرُّج النساء وخروجهن من البيوت إلى الأسواق، ومن المنكرات التبذير والإسراف، واللَّه تعالى لا يحب المسرفين، ومن المنكرات قطيعة الأرحام وعدم الاعتناء بالفقراء والمساكين.

فاتقوا اللَّه يا عباد اللَّه، واتقوا غضبه وسخطه، وعقابه، والتزموا بطاعته تعالى.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورضي عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، اللَّهم اجعلنا لك طائعين ولنبيك متبعين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم تقبَّل منَّا، واغفر لنا، وارحمنا، واعفُ عنَّا، ياذا الجلال والإكرام. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([837]) .  فاذكروا اللَّه تعالى يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾(4).

& & &


 28-قصة موسى عليه السلام مع فرعون وفضل صيام عاشوراء

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - شرع لكم ما يرفع اللَّه به درجاتكم، ومما شرع - صلى الله عليه وسلم - لكم صيام شهر اللَّه المحرم، وآكد الصيام في شهر المحرم صيام يوم عاشوراء، فعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر اللَّه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»([838]).

وعن أبي قتادة t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «... ثلاثٌ من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، وصيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على اللَّه أن يكفِّر السنة التي قبله»([839]). وعن عائشة ل قالت: «كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه...» الحديث([840]).

وعن ابن عباس ب أنه قال: حين صام رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول اللَّه: إنه يومٌ تعظِّمه اليهودُ والنصارى، فقال: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع» يعني مع العاشر، فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -»([841]).

وعن ابن عباس ب قال: قدِمَ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - المدينة فوجد اليهود يصومون يومَ عاشوراء، فقال لهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى اللَّه فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم» فصامه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأمر بصيامه([842]).

لقد طغى فرعون كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾([843]). وتلك الطائفة المستضعفة هم بنو إسرائيل، وبلغت بهِ الحالُ إلى أنه يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم خوفاً من أن يَكْثَروا فيغلبوه ويصير لهم الـمُلكُ، فأراد اللَّه ﷻ‬ أن يَمُنَّ على هؤلاء المستضعفين ويجعلهم ﴿أَئِمَّةً﴾ ويجعلهم ﴿الْوَارِثِينَ﴾([844]) للأرض ويمكن ﴿لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ويري ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾([845]) من هذه الطائفة الضعيفة، من إخراجهم من ديارهم. وأوَّل ما أوجد اللَّه من الأسباب الدالةِ على قُدرته أنه أوجد موسى في الوقت الذي يُذبح فيه الأبناء، فأوحى اللَّه إلى أمه أن ترضعه ويمكث عندها ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾([846]). وبشرها بأنه سيرده إليها وأنه سَيَكْبُر ويجعله اللَّه رسولاً ويسلمُ من كيدهم. وعندما خافت عليه أمه جعلته في تابوتٍ وألقته في نهر النيل بمصر، فساقه اللَّه إلى آل فرعون ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾([847]) ، وهذا يبين أن الحذَرَ لا ينفعْ من القدر، وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل قَدَّرَ اللَّه أن يتربى تحت أيديهم، وفي كفالتهم، فيكون من كبار المملكة وهذا فيه نفع لبني إسرائيل. فلما التقطه آل فرعون حنَّنَ اللَّه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة آسية بنت مزاحم وقالت هذا الولد ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾([848]). وقدَّر اللَّه أن ينفع به هذه المرأة التي أحبته ثم أسلمت على يده عندما أُرسل ♥، وبعد أن ألقته أمه في اليمِّ أصبح فؤادُها فارغاً وحزنت حزناً شديداً، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ بما في قلبها لولا أن ربط اللَّه على قلبها وثبَّتها فصبرت؛ ﴿لِتَكُونَ﴾ بذلك الصبر والثبات ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقالت أمه لأخته اذهبي فقصيه وابحثي عنه من غير أن يحسَّ بك أحدٌ، فذهبت فأبصرته على وجهٍ كأنها مارَّةٌ لا قصدَ لها فيه، ومن لُطف اللَّه بموسى وأمه أنه منعه من قبول ثدي أي امرأةٍ، فأخرجوه إلى السوق لعل أحداً أن يطلبه، فجاءت أخته وهو بتلك الحال فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾([849]) فبادروا إلى ذلك ودلتهم على أهل البيت فتربى عند أمه وأخذت الأجر الكثير على ذلك، واستمر موسى عند آل فرعون يتربى في سلطانهم ويركب مراكبهم ويلبس ملابسهم، ولما بلغ قُوَّتَه وعقله الكامل وَكَمُلت فيه تلك الأمور أعطاه اللَّه حكماً يعرف به الأحكام الشرعية، وقدر اللَّه أنه دخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾، أحدهما من بني إسرائيل والآخر قُبْطِيٌّ، فاستغاثه الإسرائيلي فقتل موسى العدو، فعلم موسى أنه من عمل الشيطان فتاب إلى اللَّه واستغفر فغفر له، ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًاá، ثم وجد من استنصره بالأمس يستصرخه على قبطي آخر، فلما أراد موسى أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ فانكف موسى عن قتله، وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين حتى أراد فرعون قتله، فقيض اللَّه رجلاً صالحاً وجاء يسعى رَكْضاً إلى موسى فأخبره بأنهم يتشاورون في قتله، فخرج موسى ♥ وهو خائف يتوقع القتل، ودعا اللَّه أن ينجيه ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وعندما توجه قاصداً بوجهه مدين، وهو جنوب فلسطين حيث لا مُلكَ فيه لفرعون، وسأل اللَّه أن يهديه وسط الطريق المختصر الموصل إليها، ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم، ووجد دون تلك الأُمة امرأتين تذودان غنمهما عن حياض الناس، فسألهما موسى عن شأنهما فأخبرتاه أن العادة قد جرت أنه لا يحصل لهما سقيٌ حتى يُصدرُ الرعاءُ مواشيهم، وأبونا شيخ كبير، فرحمهما موسى وسقى لهما، فلما سقى لهما وكان ذلك وقت شدة حرٍّ، فدعا اللَّه تعالى بحاله وقال:﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ثم ذهبتا المرأتان إلى أبيهما وأخبرتاه الخبر، فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وأخبرته أن أباها يدعوه ليجزيه أجر ما سقى لهما، فجاء وقص الخبر، ثم عرض عليه أن ينكحه إحدى ابنتيه على أن يرعى غنمه ثمان سنوات وإن أتم عشراً فمن عنده، فلما قضى موسى الأجل، وظن من طول المدة أن آل فرعون تناسوا ما صدر منه، فسار بأهله قاصداً مصر، وأبصر من جانب الطور ناراً وكان قد أصابهم البرد وتاهوا الطريق، ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ وأخبره اللَّه بألوهيته وربوبيته، وأمره أن يلقي عصاه، فلما ألقاها فإذا هي حية تسعى كأنها جان، وأمره أن يُدخل يده في جيبه ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، وأخبره تعالى أن انقلاب العصا وخروج اليد بيضاء من غير سوء حجتان قاطعتان من اللَّه إلى فرعون وملأه، وقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾([850]). فقال موسى: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾([851]). فأعطاه اللَّه ما سأل، وأمره أن يذهب إلى فرعون ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾([852]). فجاء موسى وهارون إلى فرعون فدعاه موسى إلى  اللَّه، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ ([853]). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾([854] وأخبره موسى أنه جاءهم ببينة من اللَّه تعالى فقال فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِين﴾([855]).ثم جمع فرعون السحرة من مملكته؛ لأنهم اعتبروا ما جاء به موسى سحر ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾([856]). ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ([857]). وقد واعدوا موسى بأن يأتوه بسحر مثل سحره فقال موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ([858]). وإنما واعدهم موسى يوم عيدهم ووقت الضحى يحصل فيه كثرة الاجتماع، ثم جاء السحرة إلى موسى في الوقت المحدد وقالوا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾([859]). ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ([860]). فألقى موسى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾([861]).

وبعد أن آمن السحرة واستكبر فرعونُ وقومُهُ وعتَى في الأرض فساداً سأل اللَّه مُوسى أن يتلف أموالهم، وأن يُقَسِّي قلوبهم حتى يروا العذاب الأليم ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾([862]). فاستجاب اللَّه لموسى وهارون، وأمر اللَّه موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً وأخبره أنهم سيتبعونهم ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ ([863]). ثم جاء فرعون ومن معه بجنوده ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ* فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾([864]). فلما خرج موسى وقومه ودخل فرعون وقومه أمر اللَّه البحر فالتطم على فرعون فذكر اللَّه قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾([865]).

فهذه قصة عظيمة فيها عبرة لأولي الألباب ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾([866]).

فيستحب يا عباد اللَّه صيام هذا اليوم شكراً للَّه تعالى، فقد صامه موسى شكراً للَّه، وصامه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وشرع صيامه لأمته.

      أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾([867]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى أله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عباد اللَّه بادروا بصيام هذا اليوم العظيم يوم عاشوراء، الذي يكفِّر اللَّه به سنة ماضية من الذنوب، وصامه نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية والإسلام، وصيامه كما ذكر ابن القيم على ثلاث مراتب:

* صيام ثلاثة أيام: التاسع والعاشر والحادي عشر. وهذا يحصل به صيام ثلاثة أيام من الشهر المحرم الذي صيامه أفضل الصيام بعد رمضان، ويحصل به مخالفة أهل الكتاب في صومهم، ويحصل به صيام يوم عاشوراء يقيناً لا شك فيه.

* المرتبة الثانية: صيام التاسع والعاشر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنى ذلك ولم يدركه.

* المرتبة الثالثة: صيام يوم العاشر وحده؛ للحصول على تكفير السنة الماضية.

وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم - تسليماً كثيراً.

اللَّهم صلِّ وسلم عليه وارض عن أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر أصحاب نبيك أجمعين، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لموتانا وموتى المسلمين، وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([868]) .  فاذكروا اللَّه تعالى يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَá(4).

& & &


سادساً: قسم الحج


 29- فضل العشر الأول من ذي الحجة والعمل فيهن

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى واعلموا أن اللَّه تعالى خلقكم لحكمةٍ عظيمةٍ، وهي عبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾([869]). فاللَّه تعالى خلق هذا الإنسان وأمره بعبادته، وتكفَّل برزقه، ومادام الأجلُ باقياً فالرزق آتياً؛ ولهذا جعل  اللَّه للجنين في بطن أمه طريقاً واحداً لرزقه، وهو السر، فإذا خرج جعل له طريقين. وهما الثديان، فإذا فُطِم جعل له أربعة طرق: طعامان وشرابان: فالطعامان: لحوم بهيمة الأنعام وما أحل اللَّه تعالى من صيد البر والبحر، والخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وأما الشرابان: فلبن بهيمة الأنعام، والماء، فإذا مات وكان مؤمناً جعل اللَّه له ثمانية طرق وهي أبواب الجنة الثمانية، وقبل تلك الأبواب يُبشَّرُ بالنعيم المقيم([870]).

ومن مواسم هذه العبادة أيام عشر ذي الحجة، وفضلها عظيم بيَّنه اللَّه تعالى في كتابه، وبيَّنه رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في سنته:

* فهي الأيام التي أقسم اللَّه تعالى بها في كتابه بقوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾([871])  وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وابن كثير، وابن القيم، وغير واحد من السلف والخلف([872]).

*  وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى؛ لحديث ابن عباس ب، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر» قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» ([873]).

*  وهي أيام عظيمة عند اللَّه والأعمال فيها أحب إليه فيهن؛ لحديث عبداللَّه بن عمر ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من أيام أعظم عنداللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد»([874]).

*  وهي أيامٌ أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة؛ فإن الإمام ابن القيم : قال: «...ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان؛ وبهذا يزول الاشتباه، ويدلُّ عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فُضِّلت باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة فُضِّل باعتبار أيامه؛ إذ فيه: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم التروية»([875]).

* وهي الأيام التي فيهن يومان هما أفضل أيام العام: يوم النحر ويوم عرفة؛ لحديث عبداللَّه بن قُرْطٍ الثمالي t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أعظم الأيام عند اللَّه تعالى: يوم النحر، ثم يوم القرِّ»([876]).  ويوم القرِّ هو حادي عشر ذي الحجة؛ لأن الناس يقرُّون فيه بمنى؛ لأنهم قد فرغوا في الغالب: من طواف الإفاضة، والنحر، واستراحوا وقرُّوا.

وأما يوم عرفة؛ فلحديث عائشة ل، قالت: إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟»([877]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة...»([878]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده...»([879]). وهذا لغير الحاج، أما الحاج فالسُّنة في حقه الإفطار ليتقوَّى على الدعاء والذكر اقتداء برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه كان مفطراً يوم عرفة. وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة...»([880]). فقال الإمام ابن القيم :: «والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة...»([881]). أي ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وليلة الجمعة أفضل ليالي الأسبوع. وصوَّب ابن القيم : أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾([882]). وثبت في الصحيحين: أن أبا بكر وعلياً أذَّنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة([883]). وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يوم الحج الأكبر يوم النحر»([884]). قال ابن القيم بأصح إسناد([885]). قال :: «ويوم عرفة: مقدمة ليوم النحر بين يديه؛ فإن فيه يكون الوقوف، والتضرُّع، والتوبة، والابتهال، والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة؛ ولهذا سُمِّي طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طُهِّروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أَذِنَ لهم ربهم يوم النحر في زيارته، والدخول عليه إلى بيته»([886]).

والأعمال في عشر ذي الحجة أنواع:

* أداء الحج والعمرة في هذه الأيام من أفضل الأعمال؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». وفي لفظ مسلم: «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»([887]). وهذا لفظ يشمل الحج والعمرة وللَّه الحمد. وقال ♥: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»([888]). والمبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولم يخالطه إثم ولم يعقبه معصية، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع العبد خيراً مما كان ولا يعاود المعاصي.

* التكبير والذكر في هذه الأيام؛ لحديث ابن عمر ب السابق وفيه: «فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد». وقال الإمام البخاري :: «وكان ابن عمر وأبو هريرة ب يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبِّران ويُكبِّر الناس بتكبيرهما، ويكبِّر محمد بن علي خلف النافلة»([889]). وقال رحمه اللَّه: «وكان عمر t يكبِّر في قُبَّته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبِّرون ويُكبِّر أهل الأسواق حتى ترتجُّ مِنى تكبيراً...»([890]). وصفة التكبير: «اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، وللَّه الحمد»([891]).

والتكبير نوعان:

النوع الأول: التكبير المطلق وهو الذي لا يقيد بأدبار الصلوات بل يشرع في كل وقت، وهو في عيد الفطر من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى أن يفرغ الإمام من الخطبة.

أما التكبير المطلق في العشر فهو من أول عشر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق في جميع الأوقات، في الليل والنهار، والطرق، والأسواق، والمساجد، والمنازل، وفي كل موضع يجوز فيه ذكر اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾([892]). وقال تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾([893]). قال ابن عباس ب: «في أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق»([894]).

النوع الثاني: التكبير المقيد: وهو الذي يقيد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى، وهو يبتدئ عقب صلاة الفجر يوم عرفة، وينتهي عقب صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لما ثبت عن علي الخليفة الراشد، وعن ابن عباس، وعبداللَّه بن مسعود y أنهم كانوا يكبِّرون من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق([895]). وهذا في حقِّ غير الحاج، أما الحاج فيبدأ بالتكبير من رمي أول حصاة يوم النحر، ويبدأ بالتكبير أدبار الصلوات من صلاة الظهر في هذا اليوم؛ لأنهم كانوا مشغولين بالتلبية. وبهذا يُعلم أن التكبير المطلق ثلاثة عشر يوماً، والمقيَّد يجتمع مع المطلق في خمسة أيام، وهي: من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق.

* صيام الأيام التسعة أو ما تيسر منها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر» والصيام من أعظم الأعمال الصالحة، وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه ورغَّب فيه، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبدٍ يصومُ يوماً في سبيل اللَّه إلا باعَدَ اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً»([896]). وروى النسائي مرفوعاً: «كان يصوم تسعاً من ذي الحجة»([897]). وصوم يوم عرفة لغير الحاج «يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»([898]).

* التوبة والإقلاع عن جميع المعاصي؛ لأن التوبة من أعظم الأعمال الصالحة.

* إذا دخل عشر ذي الحجة أمسك من أراد أن يضحي عن شعره، وبشرته؛ لحديث أم سلمة ل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره». وفي لفظ:«... فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي»([899]).

* كثرة الأعمال الصالحة، من نوافل العبادات: كالصلاة والصدقة، والقراءة للقرآن الكريم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الجيران، وصلة الأرحام وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

* الحرص على أداء صلاة العيد والتبكير إليها، واستماع الخطبة؛ فإنها من أعظم شعائر الإسلام؛ ولعظم شأنها أُمِرَ بها النساء حتى الأبكار، فعن أمِّ عطية ل قالت: «كُنَّا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكن خلف الناس، فيكبِّرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، ويرجون بركة ذلك اليوم وطهرته». وفي لفظ: «وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين»([900]).

* وتشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق وهي سنة أبينا إبراهيم ♥ حين فدا اللَّه ولده بذبح عظيم ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾([901]) . وقد ثبت أن النبي- صلى الله عليه وسلم -  «ضحى بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده وسمَّى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما»([902]). وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾([903]).

عباد اللَّه: اغتنموا هذه الأيام العظيمة قبل فوات الأوان؛ فإن من الناس من يحرم الخير فيها وليس له أياماً غيرها؛ لهجوم هاذم اللذات، فتتابع عليه الحسرات نعوذ باللَّه تعالى من الخذلان. أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾([904]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه: إن الأعمال في هذه العشر المباركة أفضل وأعظم وأجلُّ من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، إلا من خرج بجميع ما يملك في الدنيا وبنفسه التي بين جنبيه فقُتل ولم يرجع من ذلك بشيء.

فاغتنم يا عبداللَّه هذا الخير العظيم، وأكثر من التكبير والتهليل والتحميد، ومن الصيام والصدقة والإحسان، والذكر والدعاء، وقراءة القرآن بتدبر، وبادر بالحج إن لم تحج قبل أن يُحال بينك وبين هذه الخيرات.

وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه، ورضي اللَّه عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعدائك أعداء الدين، اللَّهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([905])، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك وكرمك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([906]) ، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([907]).


سابعاً: قسم المواعظ


 30-فضل القرآن الكريم ووجوب العمل به وتدبره

 الخطبـة الأولـى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلَّى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فيا عبادَ اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن اللَّه تعالى أوجب عليكم العمل بالقرآن الكريم؛ لأن العمل به هو الغاية الكبرى من إنزاله؛ لقوله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ فالعمل بالقرآن: هو تصديق أخباره، واتباعِ أحكامه، بفعل جميع ما أمر اللَّه به، وتركِ جميعَ ما نهى اللَّه عنه؛ ولهذا سار السلف الصالح على ذلك y، فكانوا يتعلمون القرآن، ويصدقون بأخباره، وبه، وبجميع ما جاء فيه، ويطبقون أحكامه تطبيقاً عن عقيدة راسخةٍ، قال أبو عبد الرحمن السُّلمي : حدثنا الذين كانوا يقرؤننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد اللَّه بن مسعود، وغيرهما y: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يتجاوزوها، حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعاً، وهذا هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَي وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.

وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب t : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا »؟ فيقصّ عليه ما شاء اللَّه أن يقصّ وإنه قال ذات غداة: «إنه آتاني الليلة آتيان،... وإنهما قالا لي: انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إلى الرجل حتى يصحّ رأسُه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأول“ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «فقلت سبحان اللَّه ما هذا ؟ فقالا لي انطلق» فذكر الحديث وفيه: «أما الرجل الذي أتيت عليه يُثلغ رأسه بالحجر فهو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة...» الحديث([908]).

وثبت في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : «القرآنُ حجة لك أو عليك» ويذكر عن عبد اللَّه بن مسعود t أنه قال: «القرآن شافع مشفّع فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار»، والمعنى من عمل بما فيه ساقه إلى الجنة، ومن تركه وغفل عنه وأعرض ساقه إلى النار والعياذ باللَّه.

وثبت في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين»، وقال النبي ♥ في حجة الوداع: «... تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه [وسنة نبيه]»([909]).

عباد اللَّه اتقوا واعملوا بما في كتاب ربكم سبحانه؛ فإنه كلام اللَّه رب العالمين إله الأولين والآخرين، وهو حبل اللَّه المتين، وصراطه المستقيم، وهو الذكر المبارك والنور المبين، تكلم اللَّه به حقيقة على الوصف الذي يليق بجلاله وعظمته وألقاه على جبريل الأمين فنـزل به على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّدِّ، ولا تنقضي عجائبه، من عَلِمَ علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم، ويهدي للتي هي أقوم، وهو هدى للمتقين، وهدى للناس أجمعين، وهو روحٌ وحياةٌ، وموعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى وشفاء ورحمة للمؤمنين، وتبيان لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، محفوظ من التغيير والتبديل، أحكمت آياته وفصلت تذكرة لمن يخشى، ولا يأتي أحد بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، بل ولا بسورة واحدة، وهو آيات بينات في صدور الذين أُتوا العلم، وذكر وقرآن مبين، وقرآنٌ كريمٌ مجيدٌ عظيمٌ واضحٌ مبينٌ لو أُنزل على الجبال الشامخات وكلفت بما فيه لتصدعت من خشية اللَّه تعالى، يهدي إلى الرشد، يهدي به اللَّه من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، وهو أحسن الحديث وأصدقه، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهُدى في غيره أضله اللَّه، وهو المخرج من الفتن، وهو وصية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه تعالى، فيه الهُدى والنور، وهو حبل اللَّه، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، فخذوا بكتاب اللَّه، وتمسكوا به» فحثّ عليه ورغّب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم للَّه في أهل بيتي» ثلاث مرات([910]).

عباد اللَّه اقرأوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرأوا القرآن، فإن الماهر به مع السفرة الكرام البررة، ومن تتعتع في قراءته فله أجران، ومن قرأ حرفاً واحداً فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، اقرأوا القرآن؛ فإنه يُقال لصاحبه يوم القيامة اقرأ وارتقِ ورتّل كما كُنت تُرتّل في الدنيا فإن منـزلتك عند آخر آية تقرأ بها، اقرأوا سورة البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة، اقرأوا القرآن، فإن قراءة آية واحدة بالتدبر خير من الدنيا وما فيها، تدارسوا القرآن في الحلقات؛ تحفكم الملائكة، وتغشاكم الرحمة، وتنـزل عليكم السكينة، ويذكركم اللَّه فيمن عنده، صلّوا بالقرآن؛ فإنه لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وساعاته، وآناء النهار ورجل آتاه اللَّه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وساعاته، وآناء النهار.

عباد اللَّه تعلموا القرآن وعلموه أولادكم؛ فإن خيركم وأفضلكم من تعلم القرآن وعلمه، وعمل بما فيه من الأوامر، وابتعد عما نهى عنه. واعملوا بآداب القراءة تفوزوا بالأجر الكبير: من الإخلاص أثناء التلاوة، والقراءة على طهارة عند مس المصحف، والاستياك قبل القراءة إن تيسر، وتحسين الصوت بقراءة القرآن بالترتيل، وأن لا يقرأ في الأماكن المستقذرة، وأن يستعيذ من الشيطان الرجيم ويبدأ بالبسملة في بداية كل سورة، وأن يسجد للتلاوة إذا مرّ بآية سجدة، وإذا مرّ بآية رحمه سأل اللَّه من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ باللَّه تعالى.

عباد اللَّه تدبّروا القرآن عند تلاوته؛ فإنه حياة القلوب وشفاء لما في الصدور، ولا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكُّرِ، فإنه يورث المحبة، والشوقِ للقاء اللَّه تعالى، وخوفه ورجائه، والإنابة إليه، والتوكل، والرضا، والتفويض والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلوب وكمالها، وكذلك يزجر التدبر للقرآن عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلوب وهلاكها؛ ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور التواب الرحيم.

& & &


 الخطبـة الثانيـة

الحمد للَّه رب العالمين، الإله الحق المبين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه الرحمن الرحيم الكريم الحكيم العليم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه تعالى وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه اتقوا واعملوا بكتابه الكريم، وادرسوه، واحفظوه أو ما تيسر منه، واتلوه حق تلاوته، واحذروا هجره والغفلة عنه، واعلموا أن هجره يكون على أنواع خمسة:

1-     هجر سماعه، والإيمان به، والإصغاء إليه.

2-     هجر العمل به، والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.

3-     هجر تحكيمه والتحاكم إليه في كل أمر في أصول الدين وفروعه.

4-     هجر تدبره، وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به سبحانه منه.

5-     هجر التداوي به والاستشفاء به في جميع أمراض القلوب والأبدان، وكل هذه الأنواع تدخُل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض فمن تدبر القرآن دله على كل خير، وحذره من كل شر، وملأ قلبه من الإيمان وأوصله إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية.

وأعظم ما يتقرب به إلى اللَّه من النوافل كثرة قراءة القرآن وتلاوته وسماعه بتدبرٍ، وتفكرٍ، وتفهمٍ، قال خباب بن الأرتِّ t لرجل: «تقرّب إلى اللَّه ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه»([911]) وقال عثمان t : «لو طَهُرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم»([912]).

وقال عبد اللَّه بن مسعود t: «من أحب القرآن فهو يحب اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -»([913]).

عباد اللَّه قال نبيكم - صلى الله عليه وسلم - : «تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفلّتاً من الإبل في عقلها»([914])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن مثل صاحب القرآن كمثل الإبل العقلة إن تعاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت»([915]).

وقد جاء في رواية من صحيح مسلم عن ابن عمر ب يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه»([916]).

هذا وصلّوا وسلّموا على خير خلق اللَّه كما أمركم بذلك ربكم فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر وعمر، وعثمان وعليّ وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك الموحدين، اللَّهم آمنا في أوطاننا وأصلح ولاة أمورنا وارزقهم البطانة الصالحة، وأصلح بهم العباد والبلاد، اللَّهم من أراد المسلمين أو مقدساتهم بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا ذا الجلال والإكرام، اللَّهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابه، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وذكرنا منه ما نُسِّينا، وعلمنا منه ما جهلنا وارزقنا تلاوته والعمل به على الوجه الذي يرضيك عنا يا أرحم الراحمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

عباد اللَّه اذكروا اللَّه يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون.

 31-الاعتبار بسرعة تصرم الليالي والأيام والأعمار

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن العاقل من اعتبر واتعظ بسرعة مرور الليالي والأيام وتصرم الأعمار.

قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾([917]).

وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾([918]).

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾([919]).

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان: فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة أو الخوصة»([920]).

وقد قيل:

يَسرُّ الفتى طولُ السلامةِ والبقى

فكيف ترى طولُ السلامةِ يفعلُ

قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾([921]).

قال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». ثم قال: يا محمد: «شرف المؤمن قيام الليل وعزّه استغناؤه عن الناس»([922]).

قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾([923]).

قال بعضهم:

مضى أمسُكَ الماضي شهيداً مُعَّدلاً

وأعقبه يومٌ عليك جديدُ

فإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً

فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميدُ

فيومك إن أعتبه عاد نفعهُ

عليك وماضي الأمس ليس يعودُ

ولا تُرجِ فِعلَ الخيرِ يوماً

إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيدُ

وقال آخر:

نسيرُ إلى الآجلِ في كل لحظةٍ

وأيامنا تُطوى وهُنَّ مراحِلُ

ولم أرَ مثل الموت حقّاً كأنه

إذا ما تخطته الأمانيُّ باطلُ

وما أقبحُ التفريط في زمنِ الصبا

فكيف والشيبُ للرأسِ شاملُ

ترحّل من الدنيا بزادٍ من التقى

فَعُمْرُكَ أيامٌ وهنُّ قلائلُ

وقال بعضهم:

وما هذه الأيامُ إلا مراحلُ

يُحثُّ بها داعٍ إلى الموتِ قاصداً

وأعجبُ شيءٍ لو تأمَّلت أنها

منازلُ تُطوى والمسافرُ قاعدُ

قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾([924]) .

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾([925]).

قال بعضهم:

إنا لنفرحُ بالأيامِ نقطعُها

وكلُ يومٍ مضى يُدني من الأجلِ

فاعمل لنفسك قبل الموتِ مجتهداً

فإن الربحَ والخسرانَ في العملِ

وقال الآخر:

وما أدري وإن أمَّلْتُ عُمراً

لعلّي حين أُصبِحُ لستُ أُمسي

ألم تر أن كلَّ صباحِ يومٍ

وعُمركَ فيه أقصرُ منه أمسِ

قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾([926]).

وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾([927]).

وقال بعضهم:

فليست هذه الدُّنيا بشيءٍ

تَسؤك حِقبةً وتسرُّك وقتاً

وغايتُها إذا فكَّرتَ فيها

كفيِّكَ أو كَحِلْمِكَ إذا حلمتَا

وسُجنتَ بها وأنتَ لها محبُّ

فكيف تُحبُّ ما فيه سُجنتا

وتُطعمك الطعامَ وعن قريبٍ

سَتَطْعَمُ منكَ ما فيها طَعِمتَا

وتشفِقُ للمصرِّ على المعاصي

وترحمهُ ونفسكَ ما رحمتَا

قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾([928]).

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾([929]).

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما مَثَلُ الدينا في الآخرة إلاَّ مَثَلُ ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمِّ فلينظر بما يرجع»([930]).

وقد ضرب اللَّه تعالى الأمثال لسرعة زوال الدنيا في القرآن الكريم، ومما ضرب I بقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾([931]). وهذا مثلٌ من أحسن الأمثلة وهو مطابق لحالة الدنيا؛ فإن لذَّاتِها وشهواتِها، وحاجاتها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زهى وقتاً قصيراً فإذا استكمل وتمَّ اضمحلَّ وزال عن صاحبه أو زال صاحبه عنه فأصبح صفر اليدين منها، ممتليء القلب من همِّها وحُزنها وحسرتها.

فاغتنم يا عبداللَّه هذه الأوقات والساعات القصيرة في طاعة اللَّه تعالى قبل الفوات، والندم على ما فات.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾([932]).

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتناه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عباد اللَّه اتقوا اللَّه تعالى، واغتنموا هذه الأيام القليلة فيما يعود عليكم بالسعادة الطويلة؛ فإنما هي أيام وساعات فينتقل الإنسان إلى ما قدم، قال اللَّه تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾([933]) .

فتزود يا عبداللَّه بالتقوى وأبشر بالسعادة الأبدية.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه، اللَّهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وارض اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين، واخذل من خذل الدين، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([934]). فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([935]).

 32-فضلُ حُسْنِ الخُلُقِ

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه اتقوا اللَّه وأحسنوا أخلاقكم كما أمركم رسولكم محمد - صلى الله عليه وسلم - واعلموا أنه لا يُحصَى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام سواء كان ذلك الخلق الحسن من: جوده أو كرمه، أو عفوه أو صفحه، أو حلمه أو أناته، أو رفقه أو صبره، أو تواضعه أو عدله، أو رحمته أو منّه، أو شجاعته وقوته..

وقد رغَّب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حسن الخلق في مجالات عديدة منها:

*  الخلق الحسن في حياة المسلم عامة وفي حياة الدعاة إلى اللَّه تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً»([936]).

*  والخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات، وهو من أعظم المهمات التي تتعين على جميع الدعاة إلى اللَّه تعالى؛ لأن من تخلّق به كان من أحب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقربهم منه مجلساً يوم القيامة، قال - صلى الله عليه وسلم - : «إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً»([937]).

*  والخلق الحسن يجعل المسلم من أحسن الناس، ومن خيارهم مطلقاً، ولا يكون كذلك إلا بالتخلق بهذا الخلق العظيم، قال - صلى الله عليه وسلم - : «إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً»([938]).

وقد أحسن الشاعر إذ يقول:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

*  والخلق الحسن من أعظم القربات وأجلّ العطايا والهبات، والداعية إلى اللَّه تعالى هو من أحق الناس بهذا الخير العظيم؛ ليطبقه على نفسه، ويدعو الناس إليه؛ ليحصل على الثواب الجزيل، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن»([939])، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»([940])، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعبد اللَّه بن عمرو: «أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة»([941])، وبهذا يحصل المسلم على جوامع الخيرات والبركات، قال - صلى الله عليه وسلم - : «البر حسن الخلق»([942]).

* والخلق الحسن هو وصية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع المسلمين، وخاصة الدعاة، فقد أوصى به - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن والياً، وقاضياً، وداعياً إلى اللَّه فقال له: «.. وخالق الناس بخلق حسن»([943]).

*  والخلق الحسن ذو أهمية بالغة؛ لأن اللَّه ﷻ‬ أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظم شأنه الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - . قال ﷻ‬: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾([944])، وقال I: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾([945] وقال ♥: «إنما بعثتُ لِأُتمِّمَ مكارم الأخلاق»([946])، وسئلت عائشة ل عن خلقه - صلى الله عليه وسلم - فقالت: «..فإن خلق نبيكم - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن»([947]).

*  والخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبع سيرة المصطفى ♥ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى اللَّه تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين اللَّه أفواجاً بفضل اللَّه تعالى ثم بفضل حسن خلقه - صلى الله عليه وسلم - ، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم، فهذا يسلم ويقول: «واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ»([948] وذاك يقول: «اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً»([949])، تأثر بعفو النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركه على تحجيره رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء، بل قال له - صلى الله عليه وسلم - : «لقد تحجرت واسعاً»، والآخر يقول: «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه»([950] والرابع يقول: «يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة»([951] والخامس يقول: «واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ»([952] والسادس يقول: بعد عفو النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه([953]): «جئتكم من عند خير الناس»، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير([954]). وهناك أمثلة كثيرة جداً.

* والخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان - صلى الله عليه وسلم - أحياناً يقول في استفتاحه للصلاة: «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت..»([955] وكان يقول: «اللَّهم كما أحسنت خَلْقي فحسِّن خُلُقي»([956]).

* والخلق الحسن يُحبب صاحبه إلى الناس جميعاً حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن اللَّه تعالى؛ لأن الدعاة إلى اللَّه ﷻ‬ لا يسعون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق.

* وإن من لم يتخلق بالخلق الحسن من الدعاة ينفر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو كان ما يقوله حقاً. قال عز وجل للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -  : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾([957])، وقال ﷻ‬: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾([958])، وقال ﷻ‬ مُـمْتَنّاً على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾([959] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾([960]) الآية، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾([961] وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾([962] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾([963] ولا شك أنه يتعين على كل مسلم أن يتخذه ♥ قدوة وإماماً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾([964]).

* وإن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليماً نقياً إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام المسلمين بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾([965])؛ ولهذا أمر اللَّه بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾([966]) الآية، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾([967]) فقدم العمل قبل الدعوة إلى الحق.

* والخلق الحسن ف يجعل المسلم مستنير القلب، ويفتح مداركه،  فيتبصر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة  في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾([968]) الآية.

* والخلق الحسن من أعظم الأسباب التي تنجي من النار وتورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى اللَّه ﷻ‬، ولهذا عندما سأل - صلى الله عليه وسلم - رجلاً فقال له: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهّد ثم أسأل اللَّه الجنة وأعوذ به من النار. أما واللَّه! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال - صلى الله عليه وسلم - «حولها نُدَنْدِنُ»([969])، وهذا يدل أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى اللَّه ﷻ‬.

وقد تكفل - صلى الله عليه وسلم - ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه»([970]).

* والخلق الحسن من أكثر الأعمال التي يدخل بها المسلم الجنة، فقد سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: «تقوى اللَّه وحسن الخلق»([971])، ويبين - صلى الله عليه وسلم - : أن النار تحرم على كل قريب هَيِّنٍ سهل. فعن عبد اللَّه بن مسعود t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «ألا أُخبركم بمن يحرم على النار – أو بمن تَحرُمُ عليه النار -؟! على كُلِّ قريبٍ هيِّنٍ لَـيِّـنٍ»([972]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن الخلق الحسن موضوع واسع جداً يشمل: الحلم، والأناة، والجود والكرم، والعفو والصفح، والرفق واللين، والصبر، والعزيمة، والثبات، والعدل والإنصاف، والصدق، والبرّ، والوفاء بالعهد، والإيثار، والرحمة، والعفة، والتواضع، والزهد، والكيس والنشاط، والسماحة، والمروءة، والشجاعة، والأمانة، والإخلاص... وهذا هو الخلق الحسن في دين اللَّه تعالى، وما يتفرع منه.

أما الخلق العظيم الذي مدح اللَّه به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الدين كله، والخلق الحسن جزء منه كما ذكر ابن تيمية : في الفتاوى([973] وقال الإمام ابن القيم : في مدارج السالكين: «حسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقِه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل. ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة»([974]).

وهذه الأخلاق الحسنة العظيمة قد عمل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - . فاجتهدوا في الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أخلاقه تفوزوا بالسعادة في الدنيا والآخرة.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([975]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([976]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([977]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([978])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([979]).

& & &


 33-الرفق وفضله

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

عباد اللَّه! اعلموا أن الرفق من الأخلاق العظيمة، التي عَمِلَ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وحَثَّ عليها ورَغّب فيها.

*  فعن عائشة ل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «إنه من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»([980]).

فقد عظّم النبي - صلى الله عليه وسلم - شأن الرفق في الأمور كلها، وبيّن ذلك بفعله وقوله بياناً شافياً كافياً؛ لكي تعمل أمّتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى اللَّه ﷻ‬؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذا الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي ستأتي تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به.

فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده([981]).

*  وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من العنف، وعن التشديد على أمته - صلى الله عليه وسلم - ، فعن عائشة ل قالت: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هذا: «اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به»([982])، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أرسل أحداً من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير، فعن أبي موسى t قال: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أموره قال: «بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا»([983]).

وعن عائشة ل قالت: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أراد اللَّه ﷻ‬ بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق»([984]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري ومعاذ ب حينما بعثهما إلى اليمن: «يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا»([985]).

وعن أنس بن مالك t قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا»([986]).

في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويُبشّر في وقت ويُنفّر في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسَّر مرة أو مرات، وعسَّر في معظم الحالات، فإذا قال ولا تُعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسّرا ولا تُعسرا، وبشّرا ولا تُنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل اللَّه وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قَرُبَ إسلامه وتَرْكُ التّشديد عليه، وكذلك من قَارَبَ البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التّكليف على التّدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المُريد للدخول فيها سَهُلَتْ عليه وكانت عاقبته غالباً الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها([987]). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم([988]).

فصلوات اللَّه وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم([989]).

* وكان - صلى الله عليه وسلم - رفيقاً يحب الرِّفق ويعمل به. ومن الأمثلة العظيمة التي تُبيّن فضل الرفق وعُلوّ منزلته ما ثبت عن أبي أمامة t قال: إن فتىً شاباً أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا لـه: مه مه! فقال لـه: «ادنه»، فدنا منه قريباً، قال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك، قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك؟» قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك؟» قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أفتحبه لعمتك؟» قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أفتحبه لخالتك؟» قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللَّهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء([990]).

وهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى اللَّه ﷻ‬ أن يعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم.

وكما يبين لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرّفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر كله.

* ومما يدل على عظم الرفق وعلوّ منزلته ما ثبت عن عائشة ل أنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السّامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السّامُ واللعنة. قالت: فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «مهلاً يا عائشة إن اللَّه يُحبّ الرفق في الأمر كله»، فقلت: يا رسول اللَّه أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : «قد قلت وعليكم»([991]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يا عائشة إن اللَّه رفيق يُحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه»([992]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه»([993]).

وبين - صلى الله عليه وسلم - أن من حُرِمَ الرفق فقد حُرِمَ الخير، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يُحرم الرفق يُحرم الخير»([994]).

وعن أبي الدرداء t عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أُعطيَ حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير»([995] وعنه t يبلغ به قال: «من أُعطي حظّه من الرفق أُعطي حظّه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن»([996]).

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال اللَّه تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، واعلموا أن من أعطي حظه من الرفق واللين فقد أعطي حظه من خيري الدنيا والآخرة، ومن حُرِمَ الرفق فقد حُرم حظه من الخير، نعوذ باللَّه تعالى من ذلك، ويجب على العبد المسلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في رفقه ولينه، لقول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([997]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([998]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([999]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([1000])، فاذكروا اللَّه العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([1001]).

& & &


 34-حكم الغناء وأضراره ((القسم الأول))

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، حرّم كل ما ألهى، وشغل عن طاعته، وكان سبباً إلى ارتكاب ما نهى عنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، وراقبوه، واجعلوا بينكم وبين ما يغضبه وقاية بطاعته  سبحانه، قال ﷻ‬: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([1002]).

أيها المسلمون، إن اللَّه ﷻ‬ حرّم الغناء بالآلات المحرمة؛ وذلك لأنه من مكائد عدو اللَّه الشيطان التي كاد بها وصاد من قلّ نصيبه من العلم والعمل، والعقل، والدين. فمن الناس من يسمع الغناء المحرم، والمزامير والموسيقى، وهذا لا يليق بعاقل مؤمن، وإنما هو من أعمال الفسّاق الفجّار، والغناء المحرم محرم بالكتاب والسنة، وإجماع أئمة الهدى.

قال اللَّه I للشيطان: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾([1003]).

قال مجاهد في تفسير الصوت هنا: باللَّهو والغناء أي استخفهم بذلك([1004]).

وهذا من مكائد الشيطان.

وقال اللَّه ﷻ‬: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([1005]).

قال عبد اللَّه بن مسعود t: «الغناء، واللَّه الذي لا إله إلاّ هو» ثلاث مرات، وتبع ابن مسعود: ابن عباس، وجابر، ومجاهد y([1006]).

قال الإمام ابن جرير :: «عنى به كلّ ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل اللَّه مما نهى اللَّه عن استماعه أو رسوله؛ لأن اللَّه تعالى عمّ بقوله: ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ ولم يخصص بعضاً دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدلّ على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك»([1007]).

وقال I: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾([1008]). قال ابن عباس في السمود: الغناء، وكذا قال عكرمة، ويقال: اسمدي لنا، أي غَنِّي لنا، وهي لغة يمانية([1009] والسمد أيضاً: الغفلة واللَّهو عن كل شيء، فيدخل في ذلك الغناء.

وقال اللَّه ﷻ‬: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ([1010]).

والمكاء: هو الصفير، والتصدية: هي التصفيق([1011]).

وعن عبد الرحمن بن غنم قال حدثني أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ t، وَاللَّه مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:«لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ،وَالْحَرِيرَ،وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ»([1012]).

وعن شَبِيب بن بشر البجلي ، قال: سَمِعْتُ أنس بن مالك t يقول: قال رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ»([1013]).

وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو ب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي: الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْمِزْرَ([1014])، وَالْكُوبَةَ، وَالْغبيراء([1015])، وَزَادَنِي صَلَاةَ الْوَتْر»([1016]).

والكوبة: الطبل الصغير المخصَّر([1017]).

وعن أَبَي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ t عَنْ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِى الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمُ بالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّه بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ»([1018]).

وقد حذّر من الغناء الصحابة، والتابعون، والأئمة، والعلماء المحققون:

قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل، وفي رواية الزرع([1019]).

وقال الإمام مالك: إنما يفعله عندنا الفساق([1020]).

وقال الإمام أحمد: «الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني»([1021]).

وقال عمر بن عبد العزيز في الملاهي: «بدْؤُها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن»([1022]).

فيا عباد اللَّه اتقوا اللَّه، وابتعدوا عن الغناء المحرم، وآلات اللَّهو المحرمة، تفوزوا بطاعة ربكم، وتصلح لكم الدنيا والآخرة.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾([1023]). بارك اللَّه لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من العلم والحكمة.

أقول قولي هذا، وأستغفر اللَّه العظيم الجليل لي ولكم،ولسائر المسلمين،فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه، اتقوا اللَّه واعلموا أن كثيراً من الناس في هذه الأزمان عاشوا على الأغاني، والملاهي المحرمة، والمسلسلات الهابطة، والموسيقى المبعدة عن تعلق القلب باللَّه تعالى، وبالقرآن الكريم، سواء كانت هذه المحرمات عن طريق الوسائل الإعلامية: المقروءة، أو المسموعة،  أو المرئية، أو كانت عن طريق المسجلات، أو الآلات الأخرى، أو عن طريق الإنترنت، فقضوا أوقاتهم على هذه الملاهي، وضيّعوا أبناءهم، وبناتهم، ونساءهم، وأفسدوهم بهذه الأغاني، والملاهي، نعوذ باللَّه من الخذلان، ونسأله العفو، والعافية في الدنيا والآخرة.

عباد اللَّه، صلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([1024]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([1025]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وولاة أمرنا، وجميع ولاة أمر المسلمين، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم إنا نسألك الهدى، والتُّقى، والعفاف، والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([1026]) .

عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ . فاذكروا اللَّه العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([1027]).

& & &


 35-حكم الغناء وأضراره «القسم الثاني»

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، حرّم كل ما ألهى، وشغل عن طاعته، وكان سبباً إلى ارتكاب ما نهى عنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد اللَّه! اتقوا اللَّه تعالى، وراقبوه، كما أمركم بذلك، فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّه الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾([1028]).

عباد اللَّه، إن الغناء وآلات الهو، والموسيقى، والرقص المحرم من مكايد الشيطان، ومن لهو الحديث الذي حرمه اللَّه ﷻ‬؛ لما في ذلك من الصدِّ عن ذكر اللَّه، وعن طاعته، وقد فسَّر جمع من الصحابة y، وجمْعٌ من التابعين «لَهْوَ الْحَدِيْثِ» الذي حرمه اللَّه تعالى في كتابه بالغناء، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي مالك الأشعري t أن أقواماً من أمته: «يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ،وَالْحَرِيرَ،وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ»([1029])، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أناساً من أمته «يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمُ بالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّه بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ»([1030])، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ اللَّه تعالى حرم على أمته: «... الكوبة»([1031])، وهي الطبل الصغير المخصر، وقد حذّر الصحابة، والتابعون، والأئمة، والعلماء المحققون من أضرار الغناء والمزامير، وبيّنوا عقوبة من تعمد الوقوع فيها في الدنيا والآخرة.:

قال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب([1032]).

وقال الفضيل بن عياض: الغناء رائد الفجور»([1033]).

وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك: الغناء داعية الزنا([1034]).

وحذر من الغناء الحكماء وشعراء الإسلام، فقال بعضهم:

أَلاَ قُلْ لَهُمْ قَولَ عَبْدٍ نَصُوحٍ

وَحَقُّ النَّصِيحةِ أنْ تُسْتَمَعْ

مَتَى عَلِمَ النَّاسُ في دِينِنَا

بِأنَّ الغِنَاءَ سُنَّةٌ تُتَّبَعْ

وَأنْ يأكُلَ المرءُ أكلَ الحِمارِ

ويَرْقُصَ في الجَمْعِ حَتَّى يَقَعْ

كَذَاكَ البَهائِمُ إن ْأُشْبِعَتْ

يُرقِّصُها رِيُّها والشِّبَع»([1035])

وقال آخر:

فَسَلْ ذا خبرةٍ يُنبِيكَ عَنهُ

لِتَعْلَمَ كَمْ خَبايَا في الزَّوَايَا

وَحَاذِرْ إنْ شُغِفْتَ بِهِ سِهامَاً

مُريّشةً بِأهْدَابِ المَنايَا

والغناء له أضرار خطيرة، ومفاسد عظيمة كثيرة، منها:

يفسد القلب، وينبت النفاق فيه، كما ذكر ابن مسعود t.

ومحبة الغناء والمعازف تطرد محبة القرآن من القلب، فلا يمكن أن يجتمع في قلب عبد محبة القرآن والغناء، وإنما يطرد أحدهما الآخر.

كما قال القائل: حبُّ القرآن، وحب ألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان([1036]).

ولهذا قال القائل الحكيم:

تُلِيَ الكِتابُ فَأطْرَقُوا لا خِيفَةً

لكنّهُ إطْرَاقُ سَاهٍ لاهِي

وَأتَى الغِناءُ فَكَالحَمِيرِ تَنَاهَقُوا

واللَّه مَا رَقَصُوا لِأَجْلِ اللَّه

ثَقُلَ الكِتابُ عَلَيهِمُ لمَّا رَأوْا

تَقْييدَهُ بِأوَامِرٍ ونَوَاهِي

إغاثة اللَّهفان [1 /225]

والغناء ينافي الشكر للَّه تعالى، والغناء سبب للعقوبات في الدنيا والآخرة، والغناء رقية الزنا.

وما أحسن قول القائل:

بَرِئْنَا إلى اللَّه مِنْ مَعْشَرٍ

بِهمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الغِنَا

فعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ الُمصْطَفَى

وَمَاتُوا عَلى تَنْتَنا تَنْتَنَا

·          ويباح الدف وهو بوجه واحد للنساء في الأعراس، والجواري، وإنشاد الأشعار التي لا بأس بها في العيد من الجواري في غير تلحين ولا تطريب، ولا اختلاط بالرجال، ويمنعن في غير ذلك؛ لحديث عائشة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ...»([1037])؛ ولحديث محمد بن حاطب t، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف»([1038]).

·          ويباح الحداء وهو: سوق الإبل، والغناء لها([1039]). وقد ذُكر الحداء في حديث أنجشة([1040]).

·          ويباح اللعب بالحراب وليس لعباً مجرداً،ولكن فيه تدريب للشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو؛ لحديث عائشة ل قالت: «كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أَنْظُرُ...» ([1041]).

·          والأشعار المباحة التي فيها خدمة للإسلام والمسلمين، ومدح الإسلام وأهله، وذم الشرك، والبدع، والمعاصي وأهلها، من غير تلحين ولا تطريب، ولا تقليد للصوفية، ولا لأصوات المغنين، والمغنيات.

أما الرقص الذي يفعله بعض الرجال والنساء، والضرب بالدف على أوقاع الألحان مع الغناء بالأغاني الرقيقة، ويغنون ويتمايلون كما يتمايل السُّكارى والمجانين، فهذا لا يجوز؛ لأنه سفه ورعونة، وفيه بطرٌ، ومقابلة لنعم اللَّه تعالى بضدِّ الشكر، وما احسن قول القائل:

فَهَذِهِ شِيمَةُ القَوْمِ الّذِينَ مَضَوْا

وَالرَّقصُ مِنْ شِيمَةِ الأقْرَادِ والدّبَبِ

إنْ يُنْقَرِ الطَّارُ أضْحَوْا يَرْقُصُونَ لَهُ

شِبْهَ البِغَالِ عَلَى الأقْدَاحِ وَالرُّكَبِ

وممّا وقع لكثيرٍ من الناسِ في هذه الأزمان: الاستماع إلى الموسيقى، وأصوات المزامير في الهواتف الجوالة والمحمولة، وحتى في أوقات الصلوات في المساجد: تُسمَعُ هذه الأصوات القبيحة، فيقعون في ذنبين عظيمين: استماع هذه الأصوات الموسيقية المحرمة، وإشغال المصلين والتشويش عليهم، فيجب عليهم التوبة إلى اللَّه تعالى، نسأل اللَّه العفو والعافية.

أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾([1042]).

أقول قولي هذا، وأستغفر اللَّه العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

& & &


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد اللَّه، اتقوا اللَّه واعلموا أن الغناء له مضار ومفاسد كثيرة لا تعدُّ ولا تحصى.

قال الإمام ابن القيم :: «ولا ريب أن كلَّ غيور يُجَنِّبُ أهله سماع الغناء، كما يُجَنِّبُهُمْ أسباب الريب، ومن طرَقَ أهلُه إلى سماعِ رقية الزنى فهم أعلم بالإثم الذي يستحقه...»([1043]).

والمرأة سريعة الانفعال للأصوات جداً؛ ... ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أنجشة رويدك رفقاً بالقوارير» يعني النساء ([1044])، وقد كان أنجشة حسن الصوت يحدو بأمهات المؤمنين.

وإذا اجتمعت رقية الزنا (أي الغناء) مع الدف، والشبَّابَة([1045])، والرقص بالتخنُّثِ، والتكسُّرِ، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء([1046]). 

فلعمر اللَّه كم من حُرَّةٍ صارت بعد الغناء من البغايا، وكم من حُرٍّ أصبح بعده عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدَّل به اسماً قبيحا بين البرايا، وكم من  معافىً تعرَّض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا([1047]).

فَسَلْ ذا خبرةٍ يُنبِيكَ عنه

لتعلم كم خبايا في الزوايا

فاتقوا عباد اللَّه، وابتعدوا عن الغناء والمزامير والموسيقى وأنواع الطبول، وجنبوها نساءكم وصبيانكم لعلكم تفلحون.

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبد اللَّه كما أمركم اللَّه تعالى بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([1048]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشراً»([1049]) ، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللَّهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللَّهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللَّهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللَّهم اهدنا وسددنا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ([1050]) ، عباد اللَّه! ﴿إِنَّ اللَّه يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكروا اللَّه العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([1051]).

& & &


 36-التوبة: حكمها وفضلها وشروطها

 الخطبة الأولى

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه ومن سار على دربه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

      فاتقوا اللَّه يا عباد اللَّه، فقد أمركم بذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([1052]).

واعلموا: أن أصدق الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -, وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد اللَّه: إن التوبة قد أوجبها اللَّه تعالى على جميع المؤمنين من كل ذنب فقال سبحانه: ﴿... وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([1053]).

فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة والرجوع مما يكرهه اللَّه: ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه: ظاهراً وباطناً, ودلت هذه الآية على أن كل مؤمن محتاج إلى توبة؛ لأن اللَّه خاطب المؤمنين جميعاً. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾([1054]). والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها التي عقدها العبد للَّه لا يريد بتوبته إلا وجه اللَّه والتقرب منه، ويستمر على توبته في جميع أحواله. ورحمة اللَّه واسعة على عباده المسرفين بالذنوب والمتجاوزين لحدوده، فقد رغَّبهم في التوبة فقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾([1055]).

وقد عاتب اللَّه المؤمنين على عدم المسارعة في الخشوع له والإنابة، ورغَّبهم وحثَّهم على خشوع القلوب للَّه تعالى وحذرهم من صفات أهل الكتاب وأهل القسوة والغفلة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾([1056]). وقد أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالتوبة، فقال: «يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه فإني أتوبُ في اليوم إليه مائة مرة». وفي رواية: «إنه ليُغان على قلبي وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة»([1057]). والمراد ما يتغشَّى القلب من الغفلات والفترات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدّ ذلك ذنباً واستغفر منه([1058]). ولفظ الإمام أحمد: «يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه واستغفروه؛ فإني أتوب إلى اللَّه وأستغفره في كل يوم مائة مرة»([1059]).

      وقال ♥: «واللَّه إني لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»([1060]). وظاهره أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة([1061]).

وعن ابن عمر ب قال: «إنا كنا لنعدُّ لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة «رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم». وفي رواية: «رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الغفور»([1062]).

ومن رحمة اللَّه تعالى بعبده وإحسانه وجوده وكرمه أنه يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه فرحاً يليق بجلاله وعظمته؛ فعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «للَّه أشدُّ فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابُه فأيس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأمن شدة الفرح»([1063]).

ومن كرمه على عباده: أنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها([1064]).

ومن رحمته سبحانه بعباده أنه: «لما خلق الخلق كتب في كتابٍ فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلِبُ غضبي»([1065]). وخلق اللَّه تعالى مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين ليوم القيامة، وأنزل في الأرض رحمة واحدةً فبها تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابةُ حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه»([1066]). وعن عمر بن الخطاب t أنه قال: قُدِمَ علي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بسبيْ فإذا امرأة من السبي تبتغي [أي تطلب وتسعى] إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا واللَّه وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «للَّه أرحمُ بعباده من هذه بولدها»([1067]). ولكن لو يعلم المؤمن ما عند اللَّه من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللَّه من الرحمة ما قَنِط من جنته أحد([1068]).

واللَّه تعالى يغفر الذنوب وإن عظمت بالتوبة الصادقة التي اشتملت على الندم على ما فعل المذنب، والعزيمة على أن لا يعود إليها، والإقلاع عنها، ورد الحقوق إلى أهلها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾([1069]).

عن ابن عباس ب: أن ناساً من أهل الشرك قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفَّارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ([1070]).

وقال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾([1071]).

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾([1072]).

وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾([1073]). وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾([1074]). وقال جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([1075]). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾([1076]). وقد جاءت امرأة حبلى من الزنى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول اللَّه أصبت حدّاً فأقمه عليَّ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وليها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها، ففعل ثم أمر بها فرُجِمت ثم صلَّى عليها فقال عمر ب: تصلي عليها يا نبي اللَّه وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبةً لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدْتَ توبةً أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى»([1077]).

وقَتَل رجل مائة نفسٍ ثم تاب فتاب اللَّه تعالى عليه([1078]).

ولكن عند الغرغرة أو عند طلوع الشمس من مغربها لا تقبل التوبة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾([1079]). وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن اللَّه ﷻ‬ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»([1080]). وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾([1081]). وعن أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب اللَّه عليه»([1082]). ذُكر أن رجلاً أطاع اللَّه عشرين سنة ثم عصى اللَّه عشرين سنة، وفي وقت من الأوقات نظر في المرآة فرأى الشيب قد اشتعل في رأسه فحزن على تفريطه، فسمع منادياً ينادي: يا هذا أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك([1083]).

ولا شك أن المكفِّرات للذنوب كثيرة هي: التوبة الصادقة والاستغفار، والمصائب، والحسنات، وعذاب القبر، نعوذ باللَّه من عذاب القبر، واستغفار المؤمنين للإنسان المسلم في حياته وبعد مماته، وما يُهدى إليه بعد الموت، وأهوال يوم القيامة، وتهذيب المؤمنين على القنطرة بعد مجاوزة الصراط، وشفاعة الشافعين، وعفو أرحم الراحمين من غير شفاعة.

عباد اللَّه: توبوا إلى اللَّه واستغفروه قبل أن يهجِمَ عليكم هاذم اللذات، وقبل أن يقول المجرم ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾([1084]) ، قبل أن لا ينفع الندم، قبل أن تقول نفس: يا حسرتى على ما فرطت في جنب اللَّه، وإن كنت لمن الخاسرين. أو تقول: لو أن اللَّه هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب: لو أن لي كرة فأكون من المحسنين.

بارك اللَّه لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر اللَّه لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور التواب الرحيم.


 الخطبة الثانية

الحمد للَّه رب العالمين، الإله الحق المبين، والعاقبة للمتقين التائبين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه التواب الغفور الرحيم، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾([1085]). وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه, صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فيا عباد اللَّه اتقوا اللَّه وتوبوا إليه، فقد قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾([1086]). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أُبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بِقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشركُ بي شيئاً لأتيتك بقُرابها مغفرة»([1087]).

والتوبة تهدم ما كان قبلها من الذنوب إذا كملت شروطها: من الندم، والإقلاع عن الذنب، والعزيمة على عدم العودة، ورد المظالم لأهلها، وكانت التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل الغرغرة، وفي الحديث: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»([1088]).

هذا وصلوا على خير خلق اللَّه نبينا محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ورضي عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعن سائر أصحاب نبينا أجمعين، اللَّهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك الموحدين، اللَّهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واغفر لأمواتنا وأموات المؤمنين برحمتك يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد اللَّه: اذكروا اللَّه يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر اللَّه أكبر واللَّه يعلم ما تصنعون





([1]) آل عمران: 102.

([2]) الذاريات: 56.

([3]) الأنبياء: 25.

([4]) متفق على صحته.

([5]) متفق على صحته.

([6]) متفق على صحته.

([7]) متفق على صحته.

([8]) البقرة: 256.

([9]) الحج: 62.

([10]) محمد: 19.

([11]) البقرة: 201.

([12]) متفق عليه.

([13]) رواه البخاري.

([14]) رواه البخاري.

([15]) رواه أحمد، والبخاري معلقاً، وهو حديث حسن.

([16]) رواه البخاري.

([17]) متفق على صحته.

([18]) رواه مسلم.

([19]) رواه الترمذي وغيره وهو حديث ثابت.

([20])  مسلم برقم 60 . 

([21]) البخاري برقم 6047 .

([22]) مسلم ، برقم 61 .

([23]) البخاري، برقم 6045 .

([24]) البخاري برقم 3344، ومسلم برقم 1064 .

([25]) البخاري برقم 5058، ومسلم، برقم 1064 .

([26]) البخاري، برقم 5057، ومسلم برقم 1066 .

([27])  البخاري برقم 7137، ومسلم برقم 1835 . 

([28]) مسلم، برقم 1847 .

([29]) مسلم برقم 1848 .

([30]) مسلم، برقم 851 .

([31]) لفظ الحديث عند البخاري برقم 7145، ومسلم 1840 «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف».

([32]) الترمذي برقم 2224 وحسنه الألباني في الصحيحة برقم 2297 وفي صحيح الترمذي 2/485 .

([33]) رواه أحمد في المسند،  5/42، وقال الهيثمي ورجال أحمد ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 5987 .

([34]) تفسير القرطبي، 5/262، والحجة في بيان المحجة للأصبهاني، 2/409 .

([35]) أبو داود، برقم 4843، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، 3/189 .

([36]) مسلم برقم 2616 .

([37]) مسلم برقم 2617 .

([38]) أبو داود، برقم 5004 ، وصححه الألباني 3/428 .

([39]) البخاري، برقم 6047 .

([40]) مسلم، برقم 109 .

([41]) مسلم، برقم 1218 .

([42]) مسلم برقم 2564 .

([43]) أبو داود، برقم 2759 ، والترمذي، برقم1 580، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/173.

([44]) مسلم، برقم 1738 .

([45]) البخاري، برقم 3166، ورقم 6914 .

([46]) أبو داود، برقم 3052 ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/261 .

([47]) البخاي، برقم 6755 .

([48]) متفق على صحته.

([49]) الترمذي، برقم 1395، النسائي، برقم 3997، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 2/101، وفي صحيح النسائي، 3/73 .

([50])  ابن ماجه، برقم 2138-2668، وصححه الألباني.

([51]) النسائي، برقم 3995، وصححه الألباني في صحيح النسائي، 3/73، وفي الصحيحة برقم 511 .

([52])  الترمذي، برقم 1398، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 2/103 .

([53])  النسائي، برقم 3996، وصححه الألباني في صحيح النسائي، 3/73 .

([54]) النسائي، برقم 4002، و الترمذي برقم 1396، وصححه الألباني، في صحيح النسائي، 3/74، وفي صحيح الترمذي، 2/102 .

([55])  البخاري برقم 6864 .

([56])  النسائي، برقم 4009، 4010، 4016، وصححه الألباني في صحيح النسائي، 3/76-78 .

([57])  البخاري، برقم 6862 .

([58])  البخاري، برقم 6863 .

([59])  مسلم، برقم 1218 .

([60])  مسلم، برقم 2564 .

([61])  البخاري، برقم 2766، ومسلم برقم 90 .

([62])  البخاري، برقم 3166، ورقم 6914 .

([63])  سورة آل عمران، الآية: 31.

([64])  البخاري برقم 21، ومسلم برقم 43 من حديث النبي ﷺ‬.

([65])  البخاري برقم 15، ومسلم برقم 44 عن أنس t.

([66])  مسلم، برقم 34.

([67])  سورة التوبة، الآية: 24.

([68])  تفسير السعدي (ص 332).

([69])  الشفاء بتعريف حقوق المصطفى، 2/571 – 582.

([70])  شرح النونية للَّهراس، 2/134.

([71])  البخاري برقم 6632.

([72])  فتح الباري، 11/528.

([73])  أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 3/886.

([74])  البخاري برقم (617)، ومسلم برقم (2639).

([75])  مسلم برقم (163) (2639).

([76])  البخاري برقم (6170).

([77])  سورة آل عمران، الآية: 31.

([78])  سورة الفتح، الآيتان: 8، 9.

([79])  سورة الأعراف، الآية: 157.

([80])  ابن كثير (ص 1233) والبغوي المختصر (2/872).

([81])  سورة الأحزاب، الآية: 57.

([82])  سورة النساء، الآية: 52.

([83])  سورة التوبة, الآية: 65، 66.

([84])  سورة الأعراف، الآيات: 156 – 158.

([85])  سورة الأنبياء، الآية: 107.

([86])  سورة الأحزاب، الآية: 40.

([87])  سورة الأحزاب، الآيات: 45 – 48.

([88])  سورة المائدة، الآيتان: 15، 16.

([89])  سورة آل عمران، الآية: 164.

([90])  سورة المائدة، الآية: 67.

([91])  سورة الحجر، الآيات: 94 – 99.

([92])  سورة آل عمران، الآية: 85.

([93])  رواه مسلم 153.

([94])  سورة الأحزاب، الآية: 57.

([95])  سورة النساء، الآية: 52.

([96])  سورة النحل، الآية: 90.

(6) سورة العنكبوت، الآية: 45.

([97])  سورة الحشر، الآية: 7.

([98])  سورة الأحزاب، الآية: 21.

([99])  متفق عليه: البخاري، برقم 2697، ومسلم، برقم 1718، وتقدم تخريجه ص33.

([100])  أبو داود، برقم 4607، والترمذي، برقم 2676، وتقدم تخريجه ص42.

([101])  انظر: الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، ص251، والتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، ص359-373، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص232.

([102])  انظر: البداية والنهاية: لابن كثير، 11/272-273، 345، 12/267-268، و 6/232، 12/63، 11/161، 12/13، 12/266، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، 15/159–215، وذكر أن آخر ملوك العبيدية: العاضد لدين اللَّه، قتله صلاح الدين الأيوبي سنة 564هـ، قال: "تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه وخطب لبني العباس واستأصل شأفة بني عبيد ومحق دولة الرفض، وكانوا أربعة عشر متخلفاً لا خليفة، والعاضد في اللغة: القاطع، فكان هذا عاضداً لدولة أهل بيته، 15/212.

([103])  سورة المائدة، الآية: 3 .

([104])  مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء: الأول فالأول، 2/1473، برقم 1844.

([105])  سورة آل عمران، الآية: 31 .

([106])  انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية، 2/614-615، وزاد المعاد، لابن القيم، 1/95.

([107])  سورة الأنعام، الآية: 116 .

([108])  سورة يوسف، الآية: 103.

([109])  سورة سبأ، الآية: 13 .

([110])  سورة النساء، الآية: 59.

([111])  سورة الشورى، الآية: 10 .

([112])  سورة الحشر، الآية: 7.

([113])  صحيح مسلم عن أبي قتادة t، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء، والإثنين والخميس، 2/819، برقم 1162.

([114])  البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ...﴾ 4/171، برقم 3445.

([115])  انظر: الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ، ص 251-257.

([116])  انظر: التحذير من البدع، لسماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، ص13.

([117])  سورة المؤمنون، الآية: 15-16 .

([118])  مسلم، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد ﷺ‬ على جميع الخلائق، 4/1782، برقم 2278.

([119])  التحذير من البدع، ص14، وص7-14، وانظر: الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ ص250-258، والتبرك: أنواعه وأحكامه، للدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، ص358-373، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من أخطار، ص228-250.

([120])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([121])  مسلم، برقم 384 .

([122])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([123])  سورة النحل : الآية : 90 .

([124])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([125])  سورة البقرة، الآية: 276 .

([126]) الطبراني في الأوسط برقم 7695، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 4/118: «ورجاله رجال الصحيح».

([127])  البخاري، برقم 1977 .

([128])  البخاري برقم 52، ورقم 2051، ومسلم، برقم 1599 .

([129])  لسان العرب 2/266، والعيني في عمدة القاري، 2/297 .

([130])  أحمد، 1/200، والترمذي برقم 2518، والنسائي، 8/327، وهو حديث حسن صحيح.

([131])  جامع العلوم والحكم، 1/279 .

([132])  مسلم، برقم 2553 .

([133])  أحمد، 4/228، وحسنه النووي في الأربعين.

([134])  مسلم برقم 6 .

([135])  جامع العلوم والحكم، 2/100 .

([136])  أحمد، 1/379، والبغوي في شرح السنة، برقم155، وسنده وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، 3/78، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 1/177: «رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثوقون».

([137])  جامع العلوم والحكم، 2/102 .

([138])  سورة الأحزاب، الآية: 36 .

([139])  البخاري، برقم 100، ومسلم برقم 2673 .

([140])  أبو نعيم في الحلية، 1/31 .

([141])  أحمد برقم 14481، والترمذي برقم 614، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 1/336 .

([142])  أحمد 3/399 .

([143])  آل عمران، الآيات: 5-7 .

([144])  الفوائد لابن القيم، 3/277.

([145])  الترمذي، برقم 2417.

([146])  احتج به ابن القيم في إعلام الموقعين، 2/238، ومعناه ثابت عند أحمد، 5/48.

([147])  الدارمي، برقم 220، وأبو نعيم في الحلية، 4/196، وابن عبدالبر في جامع العلم وفضله، 2/110.

([148])  أبو نعيم في الحلية، 3/32، وذكره ابن القيم في إغاثة اللَّهفان، 1/230.

([149])  مسلم، برقم 2577.

([150])  مسلم برقم 770.

([151])  سورة الأحزاب، الآية: 56.

([152])  مسلم برقم 384.

([153])  سورة البقرة، الآية: 202.

([154])  سورة النحل، الآية: 90.

([155])  سورة العنكبوت، الآية: 45.

([156]) انظر نسب النبي ﷺ‬ إلى آدم: البداية والنهاية لابن كثير 2/195، وسيرة ابن هشام 1/1، قال ابن القيم عن نسبه ﷺ‬ إلى عدنان: «إلى هاهنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسَّابين، ولا خلاف فيه البتَّة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن (عدنان) من ولد إسماعيل u، وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم» [زاد المعاد، 1/71].

([157]) هذا هو الصحيح المشهور أنه ولد ﷺ‬ عام الفيل في شهر ربيع الأول، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك، انظر: تهذيب السيرة للإمام النووي ص 20.

([158]) التحديد بيوم الإثنين ثابت؛ لقوله ﷺ‬ حينما سئل عن صومه: «فيه ولدت وفيه أُنزِل عليَّ» مسلم 2/820. أما تحديد تاريخ اليوم ففيه عدة أقوال: فقيل في اليوم الثاني، وقيل لثمانٍ، وقيل لعشر، وقيل: لسبعة عشر، وقيل في الثاني عشر، وقيل غير ذلك، وأشهر وأقرب الأقوال قولان: الأول: أنه ولد لثمانٍ مضين من ربيع الأول، ورجحه ابن عبد البر عن أصحاب التأريخ: انظر: البداية والنهاية 2/260 وقال: «هو أثبت». القول الثاني: أنه ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، قال ابن كثير في البداية والنهاية: «وهذا هو المشهور عند الجمهور» 2/260، وجزم به ابن إسحاق: انظر: سيرة ابن هشام 1/171.

([159]) انظر: الرحيق المختوم ص 53.

([160])  البخاري مع الفتح، 9/124.

([161])  طستٍ: إناء كبير مستدير [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1/460].

([162])  لامه: جمعه وضم بعضه على بعضٍ [شرح النووي على صحيح مسلم ].

([163])  ظِئره: هي المرضعة، ويقال أيضا لزوج المرضعة [شرح النووي ].

([164])  منتقع اللون: أي متغير اللون [شرح النووي على صحيح مسلم ].

([165])  مسلم، برقم 261-(162) وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، بتحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، 3/413.

([166])  البداية والنهاية، 4/423، والفصول في سيرة الرسول ﷺ‬ ، لابن كثير، ص92 وقد ماتت أمه وأبوه انظر: صحيح مسلم، برقم 203 «على دين الجاهلية ولا حول ولا قوة إلا باللَّه».

([167]) البخاري، برقم 3883، 3884، و3885، 6208، 6572، ومسلم، برقم 209 .

وانظر: الفصول لابن كثير، ص93، والبداية والنهاية، 5/431-434.

([168])  الترمذي برقم 3620، وقال عنه ابن كثير في الفصول في سيرة الرسول ﷺ‬ ص94: «بإسناد رجاله كلهم ثقات» وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم 3620، في فقه السيرة للغزالي ص68 وقال: «إسناده صحيح» وقال: لكن ذِكر بلال فيه منكر كما قيل قال: «قلت: وقد رواه البزار فقال: وأرسل معه عمه رجلاً».

([169])  قاله ابن القيم في زاد المعاد، 1/105، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 3/466: «وكان عمرها آنذاك خمساً وثلاثين وقيل: خمساً وعشرين».

([170])  الفصول في سيرة الرسول ﷺ‬ ، لابن كثير، ص91-95، والبداية والنهاية، 3/406-451، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/24.

([171])  لم يثبت «أدّبني ربي فأحسن تأديبي» لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الرسائل الكبرى، 2/336: «معناه صحيح ولكن لا يعرف له إسناد ثابت»، وأيده السخاوي والسيوطي، فراجع كشف الخفاء 1/70. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني برقم 72.

([172])  أحمد في المسند، 3/425، وحسنه الألباني في تخريج فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص84.

([173])  الفصول في سيرة الرسول ﷺ‬ لابن كثير، ص95.

([174])  زاد المعاد لابن القيم، 1/78، قال: وقيل: «كان ذلك في رمضان، وقيل كان ذلك في رجب».

([175])  غته: حبس أنفاسه، وفي رواية البخاري: «غطني» ومعناه: ضمَّني وعصرني.

([176])  سورة العلق، الآيات: 1-5.

([177])  زمِّلوني: أي غطُّوني أو لُفُّوني بثوبٍ أو نحوه.

([178])  البخاري، برقم 3، ومسلم، برقم 160 .

([179])  البخاري، برقم 4.

([180])  سورة الشعراء، الآيات: 214-216.

([181])  البخاري، برقم 4971، ومسلم  /194 – (برقم 208).

([182])  سورة الأنعام، الآية: 33.

([183])  البخاري، برقم 349، ومسلم برقم 163.

([184])  فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 7/204-205.

([185]) وصل إلى المدينة ﷺ‬ يوم الإثنين من شهر ربيع الأول وحدده بعضهم باليوم الثاني عشر من ربيع الأول، انظر: فتح الباري 7/224.

([186])  انظر: البداية والنهاية لابن كثير، 5/255، وتهذيب السيرة للنووي ص25، وفتح الباري لابن حجر 8/129.

([187]) انظر: صحيح البخاري، برقم 3851، والأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص75، 76.

([188])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([189])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([190])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([191])  مسلم، برقم 384 .

([192])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([193])  سورة النحل : الآية : 90 .

([194])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([195])  سورة الأنبياء، الآية: 107 .

([196])  سورة الأعراف: الآية: 158 .

([197])  سورة الأحقاف، الآية: 29 .

([198])  سورة آل عمران، الآية: 164 .

([199])  مسند أحمد بترتيب البناء، 12/226، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 3/266: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح».

([200])  البخاري، برقم 4372، ومسلم 1764 .

([201])  البخاري، برقم 6010 .

([202])  مسلم، برقم 537 .

([203])  مسلم، برقم 2312 .

([204])  مسلم، برقم 2313 .

([205])  البخاري مع الفتح، 6/96، 97، برقم 2910، ومسلم، 4/1786، برقم 843 .

([206])  فتح الباري لابن حجر، 7/428، وشرح النووي، 15/44 .

([207]) الترمذي، برقم 2485، وابن ماجه، برقم 3251، وانظر: صحيح الترمذي 2/303.

([208])  الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 1/566 .

([209])  أحمد، 5/411، وقوَّاه ابن كثير في تفسيره، 2/252 .

([210])  سير أعلام النبلاء، للذهبي، 1/438 .

([211])  البخاري، برقم 7 .

([212])  سورة القلم، الآية: 4 .

([213])  البيهقي، 10/192، وأحمد، 2/381، وانظر: الصحيحة للألباني برقم 45 .

([214])  مسلم، برقم 746 .

([215])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([216])  سورة الأنبياء، الآية: 107 .

([217])  مسلم، برقم 2599.

([218])  أبو داود، برقم 4659، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 3/134 .

([219])  رواه ابن سعد، 1/192، وابن أبي شيبة 11/504، والحاكم، 1/35، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة بطرقه، برقم 490.

([220])  مسلم، برقم 2355 .

([221])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([222])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([223])  مسلم، برقم 384 .

([224])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([225])  سورة النحل : الآية : 90 .

([226])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([227]) ولهذا قال عبد اللَّه بن الشَّخِّير: أتيت رسول اللَّه ﷺ‬ وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المِرجل من البكاء، أبو داود برقم 904، وصححه الألباني في مختصر الشمائل برقم 276, ومعنى: أزير المرجل: أي غليان القدر.

([228])  أحمد 3/398، وابن ماجه برقم 246, والحاكم 4/481، وابن حبان موارد 2099 , وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 1557.

([229])  البائن: أي ليس بالطويل الطول الظاهر.

([230])  الأمهق: أي ليس بالأبيض شديد البياض، وإنما أبيض مشرب بالحمرة.

([231])  الأدم: الأسمر.

([232])  القطط: الشعر فيه التواء وانقباض.

([233])  السبط: الشعر المسترسل.

([234]) مختصر شمائل، الترمذي برقم 1، وصححه الألباني. وهو في البخاري برقم 3549.

([235])  البخاري، برقم 5908.

([236])  مسلم، برقم 2340.

([237])  عظيم الأصابع غليظها من الكفين والقدمين.

([238])  الكراديس: رؤوس العظام.

([239])  المَسرَبة: الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة.

([240])  الصبب: انخفاض من الأرض.

([241])  الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 43، ص45 .

([242])  الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 44، ص45 .

([243])  مختصر الشمائل للترمذي، اختصره وصححه الألباني، برقم 34، 35.

([244])  ثياب من نوع بُرُود اليمن، والبُرد: ثوب مخطط، ومحبّرة مزينة.

([245])  مختصر شمائل الترمذي، برقم 97، وصححه الألباني.

([246])  مختصر شمائل الترمذي برقم 188، وصححه الألباني.

([247])  أحمد، 3/134 .

([248])  أحمد، 1/352 وهو صحيح.

([249])  البخاري، برقم 3829، وأحمد 4/222 .

([250])  البخاري، برقم 2262، ورقم 3406 .

([251])  مسلم، برقم 2277 .

([252])  أي يحشر الناس على أثره، النهاية.

([253])  البخاري، برقم 3532، ومسلم برقم 2354 .

([254]) المقفّي: الذي قفى آثار من سبقه من الأنبياء âثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا...á. [انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/94].

([255])  مسلم، برقم 2355، وشمائل الترمذي برقم 316 «مختصر الألباني».

([256])  البخاري، برقم 3537، ومسلم، 3/1682 .

([257])  أحمد، 2/381، برقم 8939 .

([258])  سورة آل عمران, الآية: 144.

([259])  سورة الأحزاب، الآية: 40 .

([260])  سورة الفتح، الآية: 29 .

([261])  سورة الصف، الآية: 6 .

([262])  النواجذ: الأنياب، وقيل: [هي الضواحك التي تبدو عند الضحك] النهاية، 5/20 .

([263])  البخاري، برقم 3035، ورقم 3822، ورقم 6090 .

([264]) التعريس: نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/206.

([265]) البخاري، برقم 6038، ومسلم، برقم 2309، والترمذي في مختصر الشمائل، واللفظ له، برقم 296 .

([266])  الصّخَّاب: الصخب والسخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام، فهو ﷺ‬ لم يكن صخَّاباً في الأسواق ولا في غيرها. النهاية 3/14.

([267])  تهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/25-26، و31-33، ومختصر الشمائل المحمدية للترمذي، اختصره وحققه الألباني، ص13-194 .

([268])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([269])  البخاري مع الفتح، 4/213، برقم 1970، ومسلم 1/541، برقم 782 .

([270])  انظر: تهذيب السيرة النبوية للإمام النووي ص 56، ومختصر السيرة النبوية للحافظ عبد الغني المقدسي ص 77، وحقوق المصطفى للقاضي عياض 1/77 – 215، ومختصر الشمائل المحمدية للترمذي ص 112-188.

([271])  البخاري برقم 7288، ومسلم برقم 2619.

([272])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([273])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([274])  مسلم، برقم 384 .

([275])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([276])  سورة النحل : الآية : 90 .

([277])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([278])  سورة الأحزاب، الآية 21.

([279])  البخاري برقم 1130، ومسلم برقم 2819.

([280])  البخاري برقم 1147، ومسلم برقم 737.

([281])  مسلم برقم 728.

([282])  البخاري برقم 1172، ومسلم برقم 729 .

([283])  مسلم برقم 719.

([284])  مسلم برقم 772.

([285])  كتاب الصلاة لابن القيم ص 140.

([286])  مسلم برقم 1160.

([287])  الترمذي برقم 745، والنسائي 4/202 وغيرهما.

([288])  البخاري رقم 1969 و1970، ومسلم برقم 1156 و1157.

([289])  مسلم برقم 1164.

([290])  البخاري برقم 1971، ومسلم برقم 1156.

([291])  البخاري برقم 2000 – 2007، ومسلم برقم 1125.

([292])  النسائي 4/205، وأبو داود برقم 2437، وأحمد 6/288، وانظر: صحيح النسائي رقم 2236.

([293])  البخاري برقم 1961 - 1964 ومسلم برقم 1102 - 1103.

([294])  أبو داود برقم 8549، وأحمد 5/393.

([295])  النسائي 7/61، وأحمد 3/128، وانظر: صحيح النسائي 3/827.

([296])  البخاري برقم 6، ومسلم يرقم 2308.

([297])  مسلم 4/1806، برقم 2312 .

([298])  البخاري مع الفتح 10/455، برقم 6033، ومسلم 4/1804، برقم 2308 .

([299])  زاد المعاد 3/5، 10، 12.

([300])  انظر: شرح النووي 12/95، وفتح الباري 7/279 - 281، و8/153.

([301])  البخاري رقم 2305، ومسلم برقم 1600.

([302])  البخاري مع الفتح 4/320، برقم 2097، ومسلم 3/1221، برقم 715 .

([303])  مسلم 1/513، برقم 746 .

([304])  البيهقي بلفظه 10/192، وأحمد 2/381، وانظر: الصحيحة للألباني رقم 45.

([305])  الترمزي وغيره، وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 439، وصحيح الترمذي 2/280.

([306])  البخاري برقم 2389، ومسلم برقم 991.

([307])  البخاري مع الفتح 9/517 و549، برقم 5374 .

([308])  انظر فتح الباري 9/517 و549 برقم 5374، ومن حديث عائشة ل برقم 5416.

([309])  البخاري مع الفتح 9/549، برقم 5414 .

([310])  البخاري مع الفتح 11/282، برقم 6455 .

([311])  البخاري مع الفتح 11/283، برقم 6459 .

([312])  البخاري مع الفتح 11/282، برقم 6456.

([313])  البخاري مع الفتح 11/283، برقم 6460، ومسلم برقم 1055 والقوت: هو ما يقوت البدن من غير إسراف وهو معنى الرواية الأخرى عند مسلم "كفافاً" ويكف عن الحاجة، وقال أهل اللغة: القوت: هو ما يسد الرمق، وفي الكفاف سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً واللَّه أعلم. الفتح 11/293، وشرح النووي 7/152, والأبي 3/537.

([314])  مسلم 2/751، برقم 1070 .

([315])  مسلم 2/751، برقم 1069 .

([316]) البخاري مع الفتح 4/213، برقم1970، 11/294، برقم 6465، ومسلم 1/541، 2/811، برقم 782 .

([317])  البخاري مع الفتح 4/213، برقم 1970، وانظر: صحيح البخاري حديث رقم 6461 – 6467.

([318]) البخاري مع الفتح 9/104، برقم 5063، ومسلم 2/1020، برقم 1401، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.

([319])  البخاري برقم 6463، 6464، ومسلم 4/2170، برقم 2816 – 2818 .

([320])  الترمزي 5/238، برقم 3522، وغيره، وانظر: صحيح الترمزي 3/171.

([321])  مسلم 4/2045، برقم 2654 .

([322])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([323])  سورة الأنبياء، الآية: 107 .

([324])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([325])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([326])  مسلم، برقم 384 .

([327])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([328])  سورة النحل : الآية : 90 .

([329])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([330])   سورة الأنبياء، الآية: 107 .

([331])   تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، للسعدي، ص532 .

([332])   مسلم، برقم 2599 .

([333])   رواه ابن سعد، 1/192، وابن أبي شيبة 11/504، والحاكم، 1/35، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة بطرقه، برقم 490 .

([334])   مسلم، برقم 2355 .

([335])   سورة البقرة، الآية: 190 .

([336])   انظر: المغني لابن قدامة 13/175-179.

([337])   انظر: تفسير ابن كثير 1/227 وعناصر القوة في الإسلام ص212.

([338])   البخاري برقم 3014، ورقم 3015 .

([339])   مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث 3/1357 (رقم 1731).

([340])   انظر المرجع السابق 3/1357، وزاد المعاد 3/100.

([341])   سورة الأنفال، الآية: 58.

([342])   أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه 3/83 (رقم 2759)، وانظر: صحيح سنن أبي داود 2/528، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغدر (رقم 1580) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([343])   استفهام، أي فمرني بما شئت، انظر: فتح الباري، 6/316 .

([344])   البخاري برقم 3231، ومسلم برقم 1795 .

([345])   البخاري، برقم 1356، ورقم 5657، وانظر: فتح الباري، 3/219 .

([346])   سورة التوبة، الآية: 128 .

([347])   تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص357 .

([348])   سورة الأحزاب، الآية: 6 .

([349])   تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص659 .

([350])   سورة آل عمران، الآية: 159 .

([351])   مسلم، برقم 2319 .

([352])   الترمذي، برقم 1923، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، 2/350 .

([353])   الترمذي، برقم 1924، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 2/350 .

([354])   الترمذي، برقم 1919، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 2/348 .

([355])   أبو داود، برقم 5147، والترمذي برقم 1912 و1916، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/429: (صحيح لغيره).

([356])   مسلم، برقم 2983، والبخاري من حديث سهل بن سعد برقم 605 .

([357])   أحمد، 14/558، برقم 9018، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، 3/323: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» وحسّنه، الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، 2/676. وقد ضعّفه أصحاب الموسوعة الحديثية في تحقيق مسند الإمام أحمد 13/21، برقم 7576، ولفظه: «إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» وفي 14/558، برقم 9018، بلفظ ما في متن هذا البحث.

([358])   أحرّج: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث، 1/361 .

([359])   ابن ماجه برقم 3678، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، 2/298 .

([360])   ابن ماجه، برقم 1851، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، 2/120 ، ورواه الترمذي أيضاً والنسائي، وانظر: إرواء الغليل، برقم 1997 .

([361])   البخاري، برقم 5353، 606، 607 ، ومسلم، برقم 2982 .

([362])   النسائي، برقم 1415، وصححه الألباني في صحيح النسائي، 1/456 .

([363])  الترمذي، برقم 2650، 2651، وابن ماجه برقم 247، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه 1/98 .

([364])   البخاري، برقم 3046 .

([365])   مسلم، برقم 2568 .

([366])   الترمذي، برقم 969، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 1/497 .

([367])  أبو داود، برقم 3106، والترمذي برقم 2083، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 3160 .

([368])   البخاري، برقم 173، 2466، ومسلم، برقم 2244 .

([369])   الغرض: بفتح الغين المعجمة والراء: هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس ونحوه. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/153].

([370])   البخاري، برقم 5515، ومسلم، برقم 1958 .

([371])   حُمَّرةٌ: بضم الحاء وتشديد الميم، وقد خُفِّف: طائر صغير، كالعصفور أحمر اللون. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، 1/439].

([372])   قرية نملٍ: موضع النمل مع النمل.

([373])   أبو داود، برقم 2675، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/146.

([374])  مسلم، برقم 2117 .

([375])   مسلم، برقم 2116 .

([376])   ذفراه: ذفرا البعير بكسر الذال المعجمة مقصور: هي الموضع الذي يعرق في قفا البعير عند أذنه، وهما ذفران. [ الترغيب والترهيب للمنذري، 3/157].

([377])   تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/157].

([378])   أحمد، 1/205، وأبو داود، برقم 2549، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/110.

([379])   انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/183 .

([380])انظر: رحمة للعالمين للمؤلف ص83-93 فقد ذكرت فيها ستة عشر موضعاً بكى فيها النبي ﷺ‬ .

([381])  البخاري، برقم 77، ومسلم، 1/456، برقم 265 – (33).

([382])  البخاري، برقم 5997.

([383])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([384])  سورة الأنبياء، الآية: 107 .

([385])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([386])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([387])  مسلم، برقم 384 .

([388])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([389])  سورة النحل : الآية : 90 .

([390])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([391])  سورة الفرقان، الآية: 63.

([392])  انظر: مدارج السالكين 2/327.

([393])  مسلم 4/2001، برقم 2588 .

([394])  انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 16/142.

([395])  مسلم مع النووي 16/173، برقم 2620، ولفظه «فمن ينازعني عذبته».

([396])  البخاري مع الفتح 11/340، برقم 6501 .

([397]) ابن ماجه، برقم 3312، والحاكم 2/466، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، 3/128، وفي  سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 4/497، برقم 1876، والآية من سورة ق، الآية: 45.

([398])  انظر: مدارج السالكين لابن القيم 2/328-329.

([399])  مسلم، برقم 1369.

([400])  البخاري، برقم 4630، ومسلم، 4/1846، برقم 2376.

([401])  البخاري، برقم 3340 و3361 و4712، ومسلم، برقم 194.

([402])  أبو داود برقم 4763 وصححه الألباني، 3/138.

([403])  البخاري، برقم 1283.

([404])  البخاري، برقم 7210.

([405])  البخاري، برقم 1432، ومسلم، برقم 2627.

([406])  مسلم، برقم 2151، 2152.

([407])  مسلم، برقم 956.

([408])  البخاري بنحوه برقم 6038، والترمذي بلفظه في الشمائل كما تقدم تخريجه.

([409])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([410])  مسلم، برقم 384 .

([411])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([412])  سورة النحل : الآية : 90 .

([413])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([414]) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ‬ وأصحابه 7/239، 240، برقم 3906.

([415])  انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر 2/161، 162، والرحيق المختوم ص179.

([416]) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، ص74، وفقه السيرة ص189، وهذا الحبيب يا محب ص180.

([417])  انظر: هذا الحبيب يا محب، لأبي بكر الجزائري ص178.

([418])  سورة الأنفال: الآية: 75.

([419])  انظر: زاد المعاد 3/63، والرحيق المختوم ص180.

([420])  انظر: زاد المعاد 3/63، والرحيق المختوم ص180.

([421])  انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر 2/165، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص192.

([422])  مهيم: كلمة استفهام، أي: ما حالك، وما شأنك؟ انظر: القاموس المحيط، باب الميم، فصل الميم، ص1499.

([423])  البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي ﷺ‬ بين المهاجرين والأنصار، 7/112 حديث رقم 3780، 3781، واللفظ من الموضعين، وانظر: باب كيف آخى النبي ﷺ‬ بين أصحابه، في الكتاب السابق نفسه.

([424])  انظر: الرحيق المختوم ص179، 181، 208، والتاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر 2/165.

([425])  أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار 4/652 (رقم 2485)، وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، 2/1083 (رقم 3251)، والدارمي 1/156، وأحمد 1/165، 2/391، وانظر: صحيح الترمذي، 2/303.

([426])  مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار، 1/68 (رقم 46).

([427])  البخاري مع الفتح، في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل 1/54 (رقم 11)، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل 1/65 (رقم 41)، واللفظ له.

([428])  البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه 1/56، برقم 13، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه 1/67، برقم 45.

([429])  البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة باب تشبيك الأصابع في المسجد 1/565 (رقم 481)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم 4/1999 (رقم 2585).

([430])  مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره وتحريم دمه وعرضه وماله 4/1986 (رقم 2564).

([431])  البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الهجر، وقول الرسول ﷺ‬ : «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث» 10/491 (رقم 6077)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي 4/1986 (رقم 2560).

([432])  أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الشحناء والتهاجر 4/1987 (رقم 2565).

([433]) اركوا هذين: أي أخروا، يقال: ركاه، يركوه ركوا، إذا أخره، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 16/122.

([434])  أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الشحناء والتهاجر، 4/1988، برقم 2565/36.

([435]) أخرجه مسلم في كتاب البر، باب انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً 4/1998 برقم 2584، بمعناه، وأخرجه أحمد بلفظه 3/99، والبخاري مع الفتح في كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً 5/98 برقم 2443، 2444، وكتاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه 12/223 يرقم 6952.

([436])  البخاري  مع الفتح بنحوه في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز 3/112 برقم 1240، ومسلم في كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام 4/1705، برقم 2162 .

([437])  المياثر: سروج من الديباج أو الحرير. الفتح 10/293.

([438])  ثياب مضلعة بالحرير: أي فيها خطوط منه. الفتح 10/293.

([439])  الديباج والإستبرق: صنفان من الحرير. انظر: فتح الباري 10/307.

([440])  البخاري مع الفتح، في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز 3/112 برقم 1239، 5/99، 9/240، 10/96، وانظر مواضع الحديث في البخاري مع فتح الباري 3/112.

([441])  مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون 1/74 (رقم 54).

([442])  البخاري مع الفتح في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام 1/55 (رقم 12)، ومسلم في الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام 1/65 (رقم 39).

([443])  البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم 10/438 (رقم 6011)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم 4/2000 (رقم 2586).

([444])  البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم 10/438 (رقم 6013)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ‬ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك 4/1809 (رقم 2319).

([445])  مسلم، في كتاب الفضائل، الباب السابق 4/1809.

([446]) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر 1/110 برقم 48، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي ﷺ‬ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» برقم 64.

([447])  انظر: الرحيق المختوم، ص183.

([448])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([449])  مسلم، برقم 384 .

([450])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([451])  سورة النحل : الآية : 90 .

([452])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([453])  انظر: القاموس المحيط، باب الزاي، فصل العين، ص 663 .

([454])  انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 1/66، والمعجم الوسيط، مادة: عجز 2/585، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للدكتور صالح الفوزان 2/157 .

والفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوة النبوة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوباً بصحة الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال؛ فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي :: «إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة». انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص510، وسير أعلام النبلاء 10/23، والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص311.

([455])  انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص393 .

([456])  البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي 9/3 (رقم 4981)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ‬ إلى جميع الناس 1/134 (رقم 152).

([457])  انظر: فتح الباري 9/6، 7، وشرح النووي على مسلم 2/188، وأعلام النبوة للماوردي ص53، وإظهار الحق 2/101 .

([458])  سورة فصلت، الآية: 42 .

([459])  انظر: البداية والنهاية 6/69، وتقدم تخريج الحديث.

([460]) انظر: الجواب الصحيح 4/74، 75، وأعلام النبوة للماوردي ص53-70، والبداية والنهاية 6/54، 65، والبرهان في علوم القرآن للزركشي 2/90-124، ومناهل العرفان للزرقاني 2/227-308.

([461])  سورة الإسراء، الآية: 88 .

([462])  سورة الطور، الآيتان: 33، 34 .

([463])  سورة هود، الآية: 13 .

([464])  سورة يونس، الآية: 38 .

([465])  سورة البقرة، الآيتان: 23، 24 .

([466])  سورة الإسراء، الآية: 88 .

([467])  انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 4/71-77، والبداية والنهاية 6/65.

([468])  انظر: استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن نجم ص100، وفتح الباري 6/582، ومناهل العرفان للزرقاني 1/336، 1/231، 232 .

([469])  سورة الأنعام، الآية: 59 .

([470])  انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص424-428، وإظهار الحق 65-107،  ومناهل العرفان 2/263،  ومعالم الدعوة للديلمي 1/463.

وقد أخبر ﷺ‬ بأمور غيبية كثيرة جداً. انظر: جامع الأصول لابن الأثير 11/311-331.

([471])  سورة الملك، الآية: 14 .

([472]) انظر: مناهل العرفان للزرقاني 2/247، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع الإسلامي، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ص117، ومعالم الدعوة للديلمي 1/426.

([473])  سورة الإسراء، الآية: 9 .

([474])  درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر: أضواء البيان 3/448.

([475])  جلب المصالح يعرف عند أهل الأصول بالحاجيات. أضواء البيان 3/448.

([476]) انظر: أضواء البيان 3/409-457، فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية جزاه اللَّه خيراً وغفر له.

([477])  سورة فصلت، الآية: 53 .

([478])  انظر أمثلة كثيرة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 2/278-284، وكتاب الإيمان، لعبد المجيد الزنداني ص55-59، وكتاب التوحيد للزنداني أيضاً 1/74-77.

([479])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([480])  مسلم، برقم 384 .

([481])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([482])  سورة النحل : الآية : 90 .

([483])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([484])  البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر 7/182، 6/631 (رقم 3636)، 8/617، ومسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر، 4/2159 (رقم 2800).

([485])  سورة القمر، الآيتان: 1 – 2 .

([486])  سورة الإسراء، الآية: 1 .

([487])  انظر: البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء 7/196 (رقم 3886)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال 1/156 (رقم 170) .

([488])  انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة 2/413 (رقم 933)، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء 2/614 (رقم 897).

([489])  سورة الأحزاب، الآية: 9 .

([490])  مسلم، كتاب الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور (رقم 900).

([491])  انظر: البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل 6/144 (رقم 3009)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي  t  4/1872 (رقم 2406).

([492])  انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع 7/340 (رقم 4039).

([493])  انظر: المرجع السابق، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر 7/475 (رقم 4206).

([494])  مسند أحمد 4/170-172، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/6: رجال أحمد رجال الصحيح.

([495]) ابن ماجه، كتاب الطب، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، بسند حسن 2/1174 برقم 3548)، وانظر: صحيح ابن ماجه 1/273.

([496])  مسند أحمد 6/76، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 9/9: إسناده جيد، وانظر: معجزات من هذا النوع مسند الإمام أحمد 4/170-172، ومجمع الزوائد للَّهيثمي 9/3-12.

([497])  شجرة من شجر البادية، انظر: المصباح المنير، مادة «سلم»، 1/286، ومختار الصحاح، مادة «سلم»، ص131 .

([498]) أي: تشقها أخدوداً. وانظر: المصباح المنير، مادة "خد" 1/165، ومختار الصحاح مادة (خد) ص72 .

([499])  الدارمي، في المقدمة، باب ما أكرم اللَّه به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن 1/17 برقم 16، وإسناده صحيح، وانظر: مشكاة المصابيح برقم 5925، 3/1666.

([500])  الذي جعل في أنفه عوداً، ويشد فيه حبل ليذل وينقاد إذا كان صعباً. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 18/146 .

([501]) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر 4/2306 برقم 3012.

([502])  الترمذي، كتاب المناقب، باب حدثنا عباد، 5/594 (رقم 3628)، وأحمد 1/123، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي 2/620.

([503])  البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام 6/602 (رقم 3584)، وما بين المعقوفين عند أحمد في المسند 2/109.

([504]) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله ﷺ‬ : «لو كنت متخذاً خليلاً..» 7/22، 40، 7/53 برقم 3675.

([505]) مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبيr وتسليم الحجر عليه قبل النبوة 4/1782 برقم 2277.

([506]) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين 3/1402 برقم 1777. وحصل له مثل ذلك في معركة بدر.

([507])  انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، 6/580، من حديث 3571-3577، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها 1/471-477 برقم 681، 682، وجامع الأصول لابن الأثير 11/334-351.

([508]) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة 6/581، 7/441، 443، 10/101 برقم 3576، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال 3/1484 برقم 1856 (72).

([509])  انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي ﷺ‬ 4/1784 برقم 706.

([510])  البخاري مع الفتح، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي ﷺ‬ وأصحابه وتخليهم عن الدنيا 11/281 برقم 6452.

([511])  البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو 6/129 (رقم 2982)، ومسلم، اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلَّت 3/1354 (رقم 1729).

([512])  أي: تغلي ويسمع غليانها. انظر: الفتح 7/399 .

([513])  البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق 7/395، 396 (رقم 4101)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباع غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك 3/1610 (رقم 2039).

([514])  مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي ﷺ‬ 4/1784 (رقم 2281).

([515])  البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة 6/587، 7/357 (رقم 3580)، وانظر شرح روايات الحديث في الفتح 6/593 .

([516])  سورة التوبة، الآية: 40 .

([517])  سورة الأنفال، الآية: 9 .

([518])  البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب: إذ همت طائفتان... 7/358 (رقم 4054)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ‬ يوم أحد 4/1802 (رقم 2306).

([519])  سورة الأحزاب، الآية: 9 .

([520])  البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ‬ من الأحزاب 7/407 (رقم 4117)، ومسلم، كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد 3/1389 (رقم 1769).

([521])  سورة التوبة، الآية: 26 .

([522])  سورة الحجر، الآيتان: 94، 95 .

([523])  سورة البقرة، الآية: 137 .

([524])  سورة المائدة، الآية: 67 .

([525])  البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة 6/624 (رقم 3617)، ومسلم، صفات المنافقين 4/2145 (رقم 2781).

([526]) البخاري مع الفتح، كتاب الصيام، باب من زار قوماً فلم يفطر عندهم 4/228، 11/144 (رقم 1982)، ومسلم، في فضائل الصحابة، باب فضائل أنس 4/1928 (رقم 2480).

([527]) البخاري في الأدب المفرد، برقم 653، وانظر: فتح الباري 11/145، وسير أعلام النبلاء 2/219.

([528])  مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أنس 4/1929 (رقم 2481) (143).

([529])  البخاري مع الفتح كتاب الصيام، باب من زار قوماً فلم يفطر عندهم 4/228 (رقم 1982).

([530])  الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس 5/683 (رقم 3833) وقال: هذا حديث حسن غريب، وانظر: صحيح الترمذي 3/234.

([531])  مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة 4/1938 (رقم 2491).

([532])  أحمد في المسند 4/376.

([533])  البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى 6/632 (رقم 3642).

([534])  انظر: البخاري مع الفتح 1/349، ومسلم 3/1418.

([535])  انظر: دعاءه يوم بدر في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر 3/1384 (رقم 1763)، ويوم حنين في مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين 3/1402 (رقم 1775)، وقصة سراقة في البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ‬ وأصحابه إلى المدينة 7/238 (رقم 3906)، وانظر: ص271 و275.

([536])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([537])  مسلم، برقم 384 .

([538])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([539])  سورة النحل : الآية : 90 .

([540])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([541])  سورة آل عمران، الآيتان: 81، 82 .

([542]) انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص77، 191-200، وفتاوى ابن تيمية 19/9-65، بعنوان: إيضاح الدلالة في عموم الرسالة للثقلين، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1/31-176، وتفسير ابن كثير 1/378، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 2/334، ومعالم الدعوة للديلمي 1/454-456، والمناظرة في الإسلام والنصرانية ص303-309.

([543])  أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3/338، وله شواهد وطرق كثيرة ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد 1/173-174، وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني 1/63، 68.

([544])  انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1/144، 166، ومناهج الجدل في القرآن الكريم ص303، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للدكتور/ صالح بن فوزان 2/182.

([545])  سورة الأعراف، الآية: 158 .

([546])  سورة الفرقان، الآية: 1 .

([547])  سورة الأنعام، الآية: 19 .

([548])  سورة آل عمران، الآية: 20 .

([549])  سورة الأحزاب، الآية: 40 .

([550])  سورة الأنبياء، الآية: 107 .

([551])  سورة سبأ، الآية: 28 .

([552])  البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ‬ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» 1/533 (رقم 438)، ومسلم، كتاب المساجد 1/370، (رقم 521).

([553])  البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين 6/558 (رقم 3535)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه ﷺ‬ خاتم النبيين 4/1790 (رقم 2286).

([554])  مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ‬ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته 1/134 (رقم 153).

([555])  سورة الأنعام، الآية: 104 .

([556])  سورة الكهف، الآية: 29 .

([557])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([558])  مسلم، برقم 384 .

([559])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([560])  سورة النحل : الآية : 90 .

([561])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

([562])  أبو داود 1/275, برقم 1047، وابن ماجه 1/524, برقم 1636، والنسائي 3/91, برقم 374، وصححه الألباني في صحيح النسائي 1/197.

([563])  سورة التغابن, الآية: 8.

([564])  مسلم 1/52 ، برقم 21 .

([565])  انظر: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ‬ للقاضي عياض 2/539.

([566])  سورة الأنفال, الآية: 20.

([567]) سورة الحشر, الآية: 7.

([568]) سورة النور, الآية: 54.

([569]) سورة النور, الآية: 63.

([570])  البخاري مع الفتح 13/111 برقم 7137.

([571])  البخاري مع الفتح 13/249 برقم 7280.

([572])  أحمد في المسند 1/92, والبخاري مع الفتح معلقاً 6/98, وحسّنه العلامة ابن باز, وانظر: صحيح الجامع 3/8.

([573])  سورة آل عمران, الآية: 31.

([574])  سورة الأحزاب, الآية: 21.

([575])  البخاري مع الفتح 9/104 برقم 5063.

([576])  سورة التوبة, الآية: 24.

([577])  البخاري مع الفتح 1/58 برقم 15, ومسلم 1/67 ، برقم 44 .

([578])  البخاري مع الفتح 11/523، برقم 6632 .

([579])  البخاري مع الفتح 10/557، برقم 6168 .

([580])  مسلم في صحيحه 1/62، برقم 34 .

([581])  البخاري مع الفتح 1/72, برقم 21، ومسلم 1/66 ، برقم 43 .

([582])  الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ‬ 2/549 و2/563.

([583])  أبو داود، برقم 4681، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (3/886).

([584])  انظر: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ‬ 2/571 –582.

([585])  سورة آل عمران، الآية: 31 .

([586])  سورة الفتح, الآية: 9.

([587])  الشفاء 2/595 و612.

([588])  سورة الفتح، الآيتان: 8، 9.

([589])  سورة الأعراف، الآية: 157.

([590])  سورة النساء الآية: 59.

([591])  سورة النساء, الآية: 65.

([592])  سورة الأعراف, الآية: 188.

([593])  سورة الزمر, الآية: 30.

([594])  سورة الأحزاب, الآية: 56.

([595])  أخرجه مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو ب 1/288، برقم 384 .

([596])  أبو داود 2/218, برقم 2042، وأحمد 2/367, وانظر: صحيح أبي داود 1/383.

([597])  الترمذي 5/551, برقم 3546،  وغيره, وانظر: صحيح الترمذي 3/177.

([598])  الترمذي, برقم 3380،