مجموع مقالات ابن وهف في مناسبات متعددة ()

 

|

 مجموع مقالات ابن وهف في مناسبات متعددة

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



 المقدمة

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخليله، وخيرته من خلقه، صلَّى اللَّه عليه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فهذا كتاب مجموع «مقالات ابن وهف في مناسبات متعددة في ضوء الكتاب والسنة» التي كتبتها في أزمنة متفرقة، في مناسبات مهمة عظيمة في وقتها، وهي في موقعي الرسمي، فأحببت أن أجمعها، وأرتِّبها ترتيباً حسناً، على النحو الآتي: قسم العقيدة، وقسم الصلاة، وقسم الزكاة، وقسم الصوم، وقسم الحج، وقسم المقالات المتنوعة، وكلها بالأدلة من الكتاب والسنة، ولا تخرج عن فتاوى العلماء الراسخين في العلم.

واللَّه أسأل بوجهه الكريم أن يجعلها خالصة لوجهه، مقبولة عنده سبحانه، وأن ينفعني بها في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع بها كل من انتهت إليه، فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلّم على نبينا، وقدوتنا، وإمامنا؛ محمد بن عبداللَّه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً.

كتبه الفقير إلى اللَّه تعالى

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في 15/ 11/ 1439هـ.



 قسم العقيدة


 1- مفهوم أهل السنة والجماعة

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد:

فقد قرأت المنشور الإعلامي الذي أصدره المؤتمر العالمي الذي انعقد في مدينة جروزني عاصمة جمهورية الشيشان الذي استمر ثلاثة أيام من 25- 27 أغسطس 2016م تحت عنوان: «من هم أهل السنة والجماعة»، وانتهى المجتمعون إلى عدد من النتائج، من أخطرها على أمة الإسلام، وعلى القرآن والسنة: زعمهم الباطل أن أهل السنة والجماعة: هم الأشاعرة، والماتريدية... وأهل التصوف... إلخ. وقد صدر هذا المنشور في 24/ 11/ 1437هـ، 27 أغسطس 2016م.

وهذا المنشور خلاف الحق والصواب، بل هو باطل مخالف لما كان عليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأتباعهم بإحسان، ومخالف لما عليه أئمة المذاهب الأربعة: الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رحمهم اللَّه تعالى، وقد كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «...فإنَّه من يَعِشْ منكم بَعْدي فسَيَرى اختلافاً كثيراً، فعليكُم بسنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، المَهديِّينَ الرَّاشدينَ، تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكم ومُحْدَثاتِ الأمورِ، فإن كُلَّ مُحدَثَةٍ بدْعَةٌ، وكل بدعَةٍ ضَلالةٌ»([1]).

والحق الذي لا شك فيه أن أهل السنة والجماعة هم من كان على مثل ما كان عليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -، وسأبين مَنْ هم أهل السنة والجماعة بالأدلة: من الكتاب، والسنة، وإجماع أهل الحق على النحو الآتي:

أولاً: مفهوم أهل السُّنَّة:

السنة في اللغة: الطَّريقة والسِّيرة، حسنة كانت أم قبيحة([2] وهي في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: الهدي الذي كان عليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه: علمًا واعتقادًا، وقولاً، وعملاً، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويُحمد أهلُها، ويُذمُّ من خَالَفها؛ ولهذا قيل: فلان من أهل السنة: أي من أهل الطريقة الصحيحة المستقيمة المحمودة([3]).

ثانياً: مفهوم الجماعة:

   الجماعة في اللغة مأخوذة من مادَّة جمع وهي تدور حول الجمع والإجماع والاجتماع وهو ضد التفر ق ([4] والجماعة في اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: هم سلف الأمة من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين اجتمعوا على الحق الصَّريح، وتطلق الجماعة على من وافق الحق، وإن كان مسلم وحده، قال عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه -: «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك»، قال نعيم بن حماد: «يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ». ذكره الإمام ابن القيم([5])، وعزاه إلى البيهقي([6]).

ثالثاً: أسماءُ أهلِ السُّنَّة وصِفَاتُهُم:

1- أهل السنة والجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه، وهم المتمسِّكون بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم الصحابة، والتابعون، وأئمة الهدى المُتَّبِعون لَهُم، وهم الذين استقاموا على الاتِّباع وابتعدوا عن الابتداع في أي مكان وفي أيِّ زمان، وهم باقون منصورون إلى يوم القيامة([7])، وسمُّوا بذلك لانتسابهم لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واجتماعهم على الأخذ بها: ظاهرًا وباطنًا، في القول، والعمل، والاعتقاد([8]).

فعن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فِرقةً فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقتِ النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون فرقةً في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَـتَفتَرِقَنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، واحدةٌ في الجنة واثنتان وسبعون في النار»، قيل يا رسول الله، من هم؟ قال: «الجماعة»([9]) ، وفي رواية الترمذي عن عبد اللَّه بن عمرو ب: قالوا: ومن هي يا رسول الله، قال: «ما أنا عليه وأصحابي»([10])  أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.

2- أهل السنة والجماعة هم: الفرقة الناجية: أي الناجية من النار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثناها عندما ذكر الفرق، وقال: «كُلُّها في النار إلاّ واحدة»، أي ليست في النار([11]).

3- أهل السنة والجماعة هم الطائفة المنصورة: فعن معاوية - رضي الله عنه - قال سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر اللَّه لا يضرُّهم من خذلهم أو خالفهُم حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون على الناس»([12])، وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - نحوه([13])، وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر اللَّه وهم كذلك»([14]).

4- أهل السنة والجماعة هم المعتصمون المتمسكون بكتاب اللَّه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾([15])؛ ولهذا قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنا عليه وأصحابي»([16])، أي هم من كان على مثلِ ما أنا عليه وأصحابي.

5-أهل السنة واجماعة هم القدوة الصالحة الذين يهدون إلى الحق وبه يعملون، قال أيوب السختيَانِي :: «إنَّ من سعادةِ الحَدَث([17])، والأعجمي أن يوفقهما اللَّه لعالم من أهل السنة»([18] وقال الفضيل بن عياض :: «إن للَّه عبادًا يُحيي بِهمُ العباد والبِلادَ وهم أصحاب السنة ومن كان يعقل ما يَدخُلُ جَوفَه من حله كان من حزب الله»([19]).

6- أهل السنة خيار الناس ينهون عن البدع وأهلِها، قيل لأبي بكر بن عياش: مَن السنّي؟ قال: «الذي إذا ذُكِرَتِ الأهواء لم يتعصب لشيء منها»([20] وذكر ابن تيمية :: أن أهل السنة هم خيار الأمة ووسطها الذين على الصراط المستقيم: طريق الحق والاعتدال([21]).

7- أهل السنة هم الغرباء إذا فسد الناس، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء»([22]) ، وفي رواية عن الإمام أحمد : عن عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه -، قيل: ومن الغرباء؟ قال: «النُّزَّاع([23]) من القبائل»([24]) ، وفي رواية عند الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ب فقيل: ومن الغرباء يا رسول الله، قال: «أُنَاسٌ صالحون في أُناسِ سوءٍ كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهُم»([25]) ، وفي رواية من طريق آخر: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»([26]) ، فأهل السنة الغرباء بين جموع أصحاب البدع والأهواء والفرق.

8- أهل السنة هم الذين يحملون العلم، أهل السنة: هم الذين يحملون العلم، وينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ ولهذا قال ابن سيرين :: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فيُنظَرُ إلى أهل السنّةِ فيؤخذ حديثُهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم»([27]).

9- أهل السنة هم الذين يحزن الناس لفراقهم؛ ولهذا قال أيوب السّختياني :: «إني أُخبَرُ بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي»([28]وقال: «إن الذين يتمنون موتَ أهلِ السُّنّةِ يريدون أن يطفئوا نور اللَّه بأفواههم واللَّه مُتِمّ نوره ولو كره الكافرون»([29]).

رابعا: أصولُ أهلِ السُّنّةِ والجماعة:

إن أهل السنة يسيرون على أصول ثابتة وواضحة، في الاعتقادِ والعمل والسلوكِ، وهذه الأصول مُستمدَّةٌ من كتاب اللَّه - عز وجل -، وسُنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما كان عليه سلفُ هذه الأمةِ: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم من القرون الثلاثة المفضلة، ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذه الأصول هي:

الأصل الأول: الإيمان باللَّه - عز وجل -: الإيمانُ باللَّه تعالى: هو الاعتقاد الجازم الذي لا يتطرقُ إليه شك بأن اللَّه - عز وجل - ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه، وأنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه وأن يُفردَ بالعبادة مع كمال المحبة والذُّلِّ والخضوع، وأنه المتّصف بصفات الكمال فله الأسماءُ الحسنى والصِّفاتُ العُلا، وهو سبحانه منزَّهٌ عن كل عيب ونقص، فظهر من ذلك أن الإيمان باللَّه - عز وجل - يتضمنُ أربعة أمور([30]):

الأمر الأول: الإيمان بوجود اللَّه - عز وجل -، وقد دلّ على ذلك الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.

الأمر الثاني: الإيمان بالربوبية، وأن اللَّه - عز وجل - هو الرب الخالق، المالكُ المدبر، قال - عز وجل -: ﴿ذَلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ لَهُ الـْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾([31]).

الأمر الثالث: الإيمان بالألوهية، وأن اللَّه - عز وجل - هو الإله الحق المستحق للعبادة دون ما سواه؛ لكونه خالق العباد والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم، وعقاب عاصيهم؛ ولهذه العبادة خلق اللَّه الثقلين، قال - عز وجل -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الـْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الـْمَتِينُ﴾([32])، وقال - عز وجل -: ﴿وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾([33])، وقد أبطل اللَّه - عز وجل - اتخاذ المشركين آلهة من دونه فبيّن ضَعفَها من كلِّ وجه، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّه لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لـَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾([34])، فالعبادة حق اللَّه - عز وجل -؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه -: «حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»([35]) ، وهذا كله: توحيد الألوهية: وهو إفراد اللَّه تعالى بالعبادة.

الأمر الرابع: الإيمان بأسماء اللَّه الحسنى وصفاته العلا: أهل السنّةِ والجماعة يُثبتون ما أثبتَهُ اللَّه - عز وجل - لنفسه، وما أثبتَه له رسولُهُ - صلى الله عليه وسلم -، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُمِرّونها كما جاءت مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة، فكل ما أثبته اللَّه لنفسه أو أثبته له رسولُهُ من جميع الأسماء والصفات أثبتوه على الوجه اللاَّئق به تعالى، إثباتًا مفصلاً على حدِّ قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وينفون عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - نفيًا إجماليًّا غالبًا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ والنفي يقتضي إثباتَ ما يُضادُّه من الكمال، فكل ما نفى اللَّه عن نفسه من النقائص فإن ذلك يدل على ضِدِّهِ من أنواع الكمال، وقد جمع اللَّه النفي والإثبات في آية واحدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فهذه الآية تضمنّتْ تنزيه اللَّه من مُشابَهةِ خلقه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وفي أولها ردٌّ على المشبِّهَةِ وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفي آخرها ردّ على المعطلة وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وفي أولها نفي مُجمل، وفي آخرها إثبات مفصل، وقال اللَّه - عز وجل -: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ للَّه الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّه يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾([36])، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأتباعهم بإحسان. نَقَلَها عنهم أئمةُ أهل السُّنّةِ([37] قال الوليد بن مسلم ؒ: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقالوا: «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف»([38])،وقد ذكر أهل السنة كلام الأئمة على قوله - عز وجل -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن ذلك يدل على علوِّ اللَّه على خلقه كما قال I:﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾([39])، وقال - عز وجل -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾([40]) ،قال أبو القاسم اللالكائي :: «فدلت هذه الآية أنَّهُ تعالى في السماء وعلمه مُحيطٌ بكلِّ مكان من أرضه وسمائه، وقال: وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأمُّ سلمة - رضي الله عنهم -، ومن التابعين ربيعةُ بن أبي عبدالرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل»([41] وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ومِنَ اللَّه الرِّسالة، وعلى الرَّسول البلاغ، وعلينا التَّصديق»([42] وقال رجل للإمام مالك :: يا أبا عبد اللَّه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: «الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاًّ، وأَمَر به فَأُخرِج»([43] وقيل لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل :: اللَّه - عز وجل - فوق السماء السابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرتُه وعلمه في كل مكان؟ قال: «نعم على العرش وعلمه لا يخلو منه مكان»([44] وفي رواية: «أنه سئل عن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾» فقال الكلام السابق، وهذه النقولات تدل على أن أهل السنة يثبتون الأسماء والصفات وما دلَّت عليه من المعاني العظيمة مع إمرارها كما جاءت بلا كيف. والمعيَّة معيتان: معيَّة عامة لجميع الناس، ومعيَّة خاصة تقتضي التوفيق والإلهام، والنُّصرة.

الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يتضمَّن أربعة أمور([45]): 1- الإيمان بوجودهم. 2- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالاً. 3- الإيمان بما علمنا به من صفاتهم، كصفة جبريل فقد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رآه على صفته التي خُلِقَ عليها وله ستمائة جناح كل جناح قد سدَّ الأُفق.4- الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر اللَّه - عز وجل -. كتسبيحه تعالى كما قال - عز وجل -: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾([46])، وعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - يرفعه: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّتِ السماء وحُقَّ لها أن تئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله..»([47])، وهذا يدل على كثرتهم وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رُفع له البيت المعمور في السماء يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك بلا رجعة([48] ومن أعمالهم: أن جبريل أمين الوحي، وإسرافيل الموكّل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكّل بقبض الأرواح وغير ذلك.

الأصل الثالث: الإيمان بالكتب: يجب الإيمان بالكتب إجمالاً وأن اللَّه - عز وجل - أنزلها على أنبيائه ورسله لبيان حقيقة التوحيد والدعوة إليه، قال - عز وجل -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالـْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾([49] ونؤمن على سبيل التفصيل بما سَمَّى اللَّه منها: كالتوراة، والإنجيل، والزَّبور، والقرآن العظيم، والقرآن أفضلُها وخاتَمها والمُهَيمِنُ عليها، والمصدِّقُ لها، وهو الذي يجب على جميع العباد اتباعه وتحكيمه، مع ما صحَّت به السُّنّة، فظهر أن الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: 1- الإيمان بأنها من عند اللَّه - عز وجل -. 2- الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه.3- تصديق ما صحّ من أخبارها.4- العمل بأحكام ما لم يُنسخ منها والرضا والتسليم به، وجميع الكتب منسوخة بالقرآن الكريم، فهو الذي يجب العمل بما فيه([50]).

الأصل الرابع: الإيمان بالرسل: الإيمان بالرسل، فيُصدّق المُسلم تَصدِيقًا جازمًا بأن اللَّه - عز وجل - أرسل الرسل؛ لإخراج الناس من الظُّلمات إلى النُّور، فيجب الإيمان بهم إجمالاً وتفصيلاً، فيجب الإيمان بهم على وجه الإجمال، ويجب الإيمان بمن سَمَّى اللَّه منهم على وجه التفصيل، قال اللَّه - عز وجل -: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّه عَزِيزًا حَكِيمًا﴾([51]) ، فيؤمن العبد أن من أجاب الرسل فاز بالسعادة ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور: الإيمان بأن رسالتهم حق من عند اللَّه - عز وجل -. الإيمان بمن علمنا اسمه منه باسمه تصديق ما صح عنهم من أخبارهم العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد نَسَخَت شريعته جميع الشرائع السابقة([52]).

الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر:

1- الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر اللَّه به وأخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما يكون بعد الموت ومن ذلك ما يأتي: 1- عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتَها كلُّ شيءٍ إلاَّ الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق»([53])، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه وإن تَكُنْ غير ذلك فشرٌّ تضعونَهُ عن رقابكم»([54]).

 2- الإيمان بفتنة القبر وأن الناس يمتحنون في قبورهم بعد الموت فيقال للإنسان: مَن ربُّك وما دينك ومن نبيُّك؟ فالمؤمن يقول: رَبِّي اللَّه وديني الإسلام، ونبيي محمد - صلى الله عليه وسلم -، والفاجر يقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيُضرب بمطرقةٍ من حديد فيصيح صيحةً يسمعها كلَّ شيء إلاَّ الإنسان، وفي رواية: «يسمعها من يليه إلا الثَّقلين». قال اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّه الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الـْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّه الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّه مَا يَشَاءُ﴾([55]).

 3- الإيمان بنعيم القبر وعذابه: فقد ثبت بالكتاب والسنة وهو حق يجب الإيمان به، والعذاب يجري على الروح والجسد تبع له ويوم القيامة على الروح والبدن جميعًا. فعذاب القبر ونعيمه حق دلّ عليه كتاب اللَّه وسنةُ رسوله - صلى الله عليه وسلم -([56]).

4- القيامة الكبرى: حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى ثم ينفخ نفخة البعث والنشور فتعاد الأرواح إلى أجسادها فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلاً ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْـمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾([57]).

 5- الميزان الذي توزن به الأعمال، ويوزن العاملُ وعملُه ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الـْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾([58]).

 6- الدَّواوين وتطاير الصُّحف، فآخذ كتابه وصحائِفَ أعماله بيمينه، وآخذ كتابه بشماله من وراءِ ظهره: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الـْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾([59]) ، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾([60]).

 7- الحساب؛ فإن اللَّه يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر فيرى كلُّ إنسان عمله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾([61]) ، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾([62]).

 8- الحوض؛ فيجب التصديق الجازم بأنَّ حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في عرصات القيامة ماءُهُ أشدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، وطوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا([63])، وهذا مختصّ بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولكل نبي حوض ولكن أعظمها حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -.

 9- الصِّراط؛ وبعده القنطرة بين الجنة والنار يجب الإيمان بذلك وهو منصوب على متن جهنم، يمر عليه الأولون والآخِرون، وهو أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر، يمرّ عليه الناس على حسب أعمالهم: فمنهم من يتجاوزه كلمح البصر، وكالبرق، وكالريح، وكالفرس الجواد، وكركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يسقط في جهنم، وعلى حافة الجسر كلاليب تخطف من أمرت بخطفه، فإذا تجاوز المؤمنون وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا نُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة([64]).

 10- الشفاعة وهي سؤال الخير للغير، وهي أنواع، منها: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوها والشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب، وهذه الثلاثة خاصة بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. والشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها، وهذه الشفاعة يشترك فيها النَّبيُّون، والصِّدّيقون، والشُّهداء، والصَّالحون، وهي تتكرر من النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع مرات: يشفع فيمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. يشفع فيمن كان في قلبه مثقال ذرة أو خردل من إيمان. ثم فيمن كان في قلبه أدنى حبة من خردل من إيمان. ثم فيمن قال: لا إله إلاّ الله. ثم يخرج اللَّه - عز وجل - من النار أقواماً بغير شفاعة، بل برحمته، وفضله، وإحسانه، فيقول اللَّه تعالى: «شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط»([65] وقد أوصلها ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية إلى ثمانية أقسام: شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - العظمى لفصل القضاء. الشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم. الشفاعة في أقوام أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها. الشفاعة في رفع درجات من دخل الجنة. الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب. شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب .شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن يؤذن لجميع المؤمنين بدخول الجنة.الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -([66]).

 11- الجنة والنار، يجب الاعتقاد بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، والجنة دار أوليائه، والنار دار أعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون وأهل النَّار من الكفار مخلدون، والجنة والنار موجودتان الآن، وقد رآهما رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف، وليلة المعراج، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الموت يُجاء به في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويُذبح ويُقال: «يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت»([67]).

الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره: ويتضمن الإيمان بأمور أربعة:

1- الإيمان بأنَّ اللَّه تعالى علم أحوالَ عباده، وأرزاقَهم، وآجالهم، وأعمالهم، وما كان ويكون، لا يخفى عليه شيء: ﴿إِنَّ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾([68]) ، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّه قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾([69]).

2- كتابتهُ - عز وجل - لكل المقادير([70])، قال - عز وجل -: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾([71] وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ ﴾([72] وفي صحيح مسلم: «كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»([73]).

3- الإيمان بمشيئة اللَّه النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال - عز وجل -: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ اللَّه رَبُّ الْعَالـَمِينَ﴾([74] وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾([75]).

4- الإيمان بأن اللَّه هو الخالق لكل شيء وما سواه مخلوق له، قال - عز وجل -: ﴿اللَّه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾([76]).

أمور تدخل في الإيمان باللَّه - عز وجل -:

1- يدخل في الإيمان باللَّه الإيمان الصادق بجميع ما أوجبه اللَّه على عباده وفرضه عليهم، كأركان الإسلام الخمسة، وغيرها مما أوجب اللَّه على عباده.

2- ومن الإيمان بالله: الاعتقاد بأن الإِيمان قول وعمل، [يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية].

3- ومن الإيمان الحبُّ في اللَّه والبغض في الله([77]).

خامساً: وسطية أهل السنة والجماعة:

   1-  أهل السنة وسط في باب صفات اللَّه - عز وجل - بين أهل التعطيل وأهل التمثيل: قال اللَّه - عز وجل -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فأهل الإسلام وسط بين الملل، وأهل السنة وسط بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام، فهم وسط بين أهل التعطيل الذين ينفون صفات اللَّه - عز وجل - وبين أهل التمثيل الذين أثبتوها وجعلوها مماثلة لصفات المخلوقين. فأهل السنة أثبتوا صفات اللَّه إثباتًا بلا تمثيل، وينزِّهون اللَّه - عز وجل - عن مشابهة المخلوقين تنزيهًا بلا تعطيل، فجمعوا بين التنزيه والإثبات وقد ردَّ اللَّه على الطائفتين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ على المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردّ على المعطّلة([78]).

2- أهل السنة وسط في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية: فالجبرية: الذين هم أتباع جهم بن صفوان يقولون: إن العبد مجبور على فعله كالرِّيشة في مهب الريح، والقدرية الذين هم المعتزلة أتباع معبد الجهني ومن وافقهم قالوا: إن العبد هو الخالق لأفعاله دون مشيئة اللَّه وقدرته، وهدى اللَّه أهلَ السنة والجماعة لأن يكونوا وسطًا بين هاتين الفرقتين فقالوا إن اللَّه هو الخالق للعباد وأفعالِهِم، والعبادُ فاعلون حقيقة ولهم قدرة على أعمالهم، واللَّه خالقهم وخالق أعمالهم وقدراتهم ﴿وَاللَّه خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾([79]) ، وأثبتوا للعبد مشيئة واختيارًا تابعين لمشيئة اللَّه - عز وجل -: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾([80]) ، واللَّه المستعان([81]).

3- أهل السنة وسط في باب وعيد اللَّه بين الوعيدية والمرجئة: فالمرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مُسمَّى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، وهذا باطل.

والوعيدية: هم الذين قالوا: إن اللَّه يجب عليه عقلاً أن يُعذَّب العاصي كما يجب عليه أن يُثيب الطائع فمن مات على كبيرة ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار، وهذا أصل من أصول المعتزلة، وبه تقول الخوارج.

أما أهل السنة، فقالوا: مرتكب الكبيرة إذا لم يستحلها، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، وإن ماتَ ولم يتب فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه برحمته، وإن شاء عذبه بعدله بقدر ذنوبه ثم يخرجه، قال اللَّه سبحانه([82]): ﴿إِنَّ اللَّه لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾([83]).

4- أهل السنة وسط في باب أسماء الدين والإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية: المراد بأسماء الدين هنا: مثل مؤمن، مسلم، كافر، فاسق، والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة:

1- الخوارج عندهم أنه لا يُسمَّى مؤمنًا إلا من أدَّى جميع الواجبات واجتنب الكبائر ويقولون: إن الدين والإيمان: قول، وعمل، واعتقاد، ولكنه لا يزيد ولا ينقص فمن أتى كبيرة كفر في الدنيا، وهو في الآخرة خالد مخلد في النار إن لم يتب قبل الموت.

2- المعتزلة قالوا بقول الخوارج، إلا أنه وقع الاتفاق بينهم في موضعين:

* نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وخلوده في النار مع الكافرين.

ووقع الخلاف بينهم في موضعين:

* الخوارج سموه في الدنيا كافرًا، والمعتزلة قالوا في منزلة بين المنزلتين: فهو خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.

والخوارج استحلوا دمه وماله والمعتزلة لم يستحلوا ذلك.

3- المرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يقولون: إن الإيمان مُجَرَّد التَّصديق بالقلب فمرتكب الكبيرة عندهم كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار، وهذا يُبيّن أن إيمان أفسق الناس عندهم كإيمان أكمل الناس.

4- الجهمية وافقوا المرجئة في ذلك تمامًا، فالجهم قد ابتدع التعطيل، والجبر، والإرجاء كما قال ابن القيم ؒ.

5- أما أهل السنة فوفقهم اللَّه للوسطية بين هذين المذهبين الباطلين فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول القلب واللِّسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فقول القلب تصديقه وإيقانه، وقول اللسان النطق بالشهادتين والإقرار بلوزامها، وعمل القلب: النِّيّة، والإخلاص، والمحبة، والانقياد، والإقبال على اللَّه - عز وجل -، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، وكل ما هو من أعمال القلوب، وعمل اللسان، ما لا يُؤدَّى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى اللَّه - عز وجل -، وغير ذلك، وعمل الجوارح: القيام بالمأمورات، واجتناب المنهيات، ومن ذلك الركوع والسجود وغير ذلك.

فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلاً كالخوارج والمعتزلة، ولا يقولون: بأنه كامل الإيمان كالمرجئة والجهمية، أما حُكْمُهُ في الآخرة فهو تحت مشيئة اللَّه - عز وجل - إن شاء أدخله الجنة من أول وهلةٍ رحمةً منه وفضلاً وإن شاء عذبه بقدر معصيته عدلاً منه سبحانه ثم يخرجه بعد التطهير ويدخله الجنة. هذا إن لم يأتِ بناقض من نواقض الإسلام([84]).

5-  أهل السُّنّة وسط في أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بين الروافض والخوارج: الرافضة غلوا في علي - رضي الله عنه - وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثلاثة، وكفَّروهم ومن والاهم، وكفَّروا من قاتل عليًّا، والخوارج قابلوا هؤلاء فَكَفَّرُوا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة. والنواصب نصبوا العداوة لأهل البيت وطعنوا فيهم.

أما أهل السنة فهداهم اللَّه للحق فلم يغلوا في عليٍّ وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة - رضي الله عنهم -، ولم يكفروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت، بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويدعون لهم، ويوالونهم، ويَكُفُّون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة فكانوا وسطًا بين غلوِّ الرافضة وجفاء الخوارج، ويقول أهل السنة أفضل الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم يُرتِّبون الصحابة على حسب مراتبهم ومنازلهم - رضي الله عنهم -([85]).

6-  أهل السنة وسط في التعامل مع العلماء:

أهل السنة يُحِبُّون علماءَهم، ويتأدبون معهم، ويذبُّون عن أعراضهم، وينشرون محامدَهم، ويأخذون عنهم العلمَ بالأدلة، ويرون أن العلماء من البشر غير معصومين، إلا أنه إذا حصل شيء من الخطأ والنسيان والهوى لا ينقص ذلك من قدرهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر، فلا يجوز سبَّهم ولا التشهير بهم، ولا تَتَبُّع عَثَراتِهم ونشرها بين الناس؛ لأن في ذلك فسادًا كبيرًا([86] وقد أحسن ابن عساكر : فيما نُقل عنه أنه قال: «اعلم يا أخي - وفقني اللَّه وإياك لمرضاتِهِ وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته - أن لحومَ العلماءِ مسمومة، وعادةُ اللَّه في هتكِ أستار منتقصيهم معلومة)([87]) وأنَّ من أطال لسانَه في العلماءِ بالثَّلبِ بلاه اللَّه قبل موته بموت القلب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([88])

7- أهل السنة وسط في التعامُلِ مع ولاة الأمور: فهم وسط بين المُفْرِطِين والمفرِّطين، فأهل السنة يُحرِّمون الخروج على أئمة المسلمين، ويوجبون طاعتهم والسمع لهم في غير معصية الله، ويدعون لِوُلاتهم بالتوفيق والسداد؛ لأن اللَّه أمر بطاعتهم فقال - عز وجل -: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّه وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾([89]).

وعن عبد اللَّه بن عمر ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «على المرء المسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحب وكره إلا أن يُؤمَر بمعصية فلا سمعَ ولا طاعة»([90]).

وعن حذيفة - رضي الله عنه - يرفعه: «يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بِهُداي ولا يستنُّون بسنَّتِي، وسيقوم فيهم رجال قلوبُهم قُلوبُ الشياطين في جُثماِن إنس»، قال قلت: كيف أصنعُ يا رسول اللَّه إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمَعُ وتطيعُ للأمير وإن ضرب ظهرَك وأخذ مالَك فاسمع وأطع»([91])، وقد حثَّ أهل السنة والجماعة على ذلك. قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف البَربَهاري ؒ في كتابه شرح السنة: «إذا رأيتَ الرجلَ يَدعُو على السلطان فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ هَوَىً، وَإِذَا رأيتَ الرجلَ يدعو للسُّلطان بالصَّلاح فاعلم أنه صاحِبُ سُنَّةٍ إن شاء الله»([92]).

وساق بسنده عن الفضيل بن عياض أنه قال: «لو أن لي دعوةً مستجابة ما جعلتُها إلا في السلطان»، قيل له: «يا أبا علي فسّر لنا هذا؟» قال: «إذا جعلتُها في نفسي لم تَعْدُني، وإذا جعلتُها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد»([93]).

سادساً: من طريقة أهل السنة والجماعة: مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: اتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حَيْثُ قَالَ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ اللَّه عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ، وَبِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ؛ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ؛ وَالْإِجْمَاعُ: هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ، مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ، وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ إذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ، وَانْتَشَرَتْ الْأُمَّةُ([94]).

سابعاً: أخلاق أهل السنة والجماعة: من أعظم أخلاق أهل السنة والجماعة:

أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الـْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالـْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الـْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الـْمُفْلِحُونَ﴾([95])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»([96]).

ثانياً: النَّصيحة: لله، وكتابه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأئمة المسلمين، وعامتهم، وأن المؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا.

ثالثاً: يرحمون إخوانهم المسلمين، ويحثُّون على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويأمرون بالصبر والإحسان إلى عباد اللَّه على حسب أحوالهم، وما يجب لهم من أقارب، وأيتام، وفقراء، وغير ذلك من مكارم الأخلاق([97]).

نسأل اللَّه - عز وجل - أن يجعلنا من الفرقة الناجية التي لا يضرُّها من خذلها ولا من خالفها حتى يأتي أمر الله؛إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى اللَّه وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين([98]).

الخميس 28/ 12/ 1437هـ

& & &


 2- بيان في الدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة وشكر من عمل بذلك

من سعيد بن علي بن وهف القحطاني إلى قبيلة آل جحيش وفقهم اللَّه لكل خير، وصرف عنهم كل شر، وأعانهم على أمور دينهم ودنياهم، وجعلنا وإياهم ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر فإن هذه الثلاث عنوان السعادة في الدنيا والآخرة.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، أما بعد،

1- فإشارة إلى قوله:  ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([99] وقوله:  ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه ذَلِكُمُ اللَّه رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾([100] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾([101]).

وقول النبي  «... إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب اللَّه وسنة نبيه»([102]).

وقال  «وجُعِلَ الذُّل والصغار على من خالف أمري»([103] وقال اللَّه في النبي: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([104] وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾([105] وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([106]).

2- وإشارة إلى فتوى مفتي الديار السعودية في عهده العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ : رقم 2065/1 بتاريخ 23/4/1387هـ والمتضمنة أن التحاكم إلى العادات من أقبح السيئات وأعظم المنكرات.

3- وإشارة إلى فتوى اللجنة الدائمة برئاسة الإمام بن باز : برقم 18982، وتاريخ 19/7/1417هـ، بتحريم الاتفاقيات المخالفة للشرع، وغير ذلك فتاوى كثيرة لا تحصر.

4- وإشارة إلى فتوى اللجنة الدائمة مع الإمام بن باز : برقم 192/2 وتاريخ 9/1/1420هـ، وهو عبارة عن خطاب موجه إلى وزير  الداخلية يطلب فيه منع الاتفاقيات المخالفة للشرع، فوافق وزير الداخلية على ذلك ؒ، وأصدر تعاميمه إلى أمراء المناطق بمنع ذلك.

5- وإشارة إلى تعميم وزير الداخلية ولي العهد برقم 48/7 وتاريخ 29/4/1420هـ، يعمد فيه أمراء المناطق بتنفيذ منع العادات المخالفة للشرع والتمشي بما جاء في فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وفتاوى اللجنة الدائمة.

6- وإشارة إلى تعاميم الملك سلمان خادم الحرمين الشريفين الملك الحازم حفظه اللَّه حينما كان أميراً للرياض تعميمه رقم 3186/5 وتاريخ 19/5/1420هـ، وتعميمه رقم 6583/ش، وتاريخ 12/4/1425هـ، وتعميمه رقم 20514/ش، وتاريخ 18/11/1427هـ، يمنع فيها العادات الجاهلية والاتفاقيات المخالفة للشرع منعاً باتاً، والحزم في ذلك، والأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وعلى كل شيخٍ إبلاغ نوابه، وأخذ توقيعهم، وإنذارهم بأن من عاد منهم فسوف يحال إلى المحكمة، وينظر فيها شرعاً، بالحقين: الخاص، والعام لتقرر المحكمة حيال القضية، وقال : «موضوع رد الشأن غير مقبول والدولة هي المسؤولة».

7- وإشارة إلى تعاميم أمير منطقة عسير: تعميم رقم 6192، وتاريخ 29/9/1433هـ، وتعميم رقم 255 وتاريخ 18/10/1418هـ، وتعميم رقم 610 وتاريخ 5/1/1413هـ، وتعميم رقم 490 وتاريخ 3/1/1415هـ، بشأن الجيرة وبعض الأعراف القبلية في المنطقة، المخالفة للشرع، وتعميمه رقم 7421 المؤكد لمنع الجيرة المحرمة المذكورة في 8/12/1433هـ.

8- وإشارة إلى تحريم عشرة من علماء المملكة العربية السعودية، للجيرة الممنوعة إضافة إلى فتاوى أهل العلم وأوامر ولاة الأمر بمنعها.

9- وإشارة إلى بيان خمسة من كبار علماء المملكة في إبطال اتفاقية آل جحيش وأنها اتفاقية باطلة، بناء على الدليل من الكتاب والسنة.

10- وإشارة إلى ما تم في اجتماع آل جحيش في منزل نائبهم في شهر شعبان في عام 1433هـ، وقُرئت عليهم الفتاوى، وتعاميم ولاة الأمر في مكبر الصوت بعد صلاة العشاء في المسجد داخل منزل نائبهم فلم يستجيبوا ولم يستجب نائبهم، ومن باب تعليمهم وإرشادهم إضافة إلى ما سبق أرسل إليهم كتاب الجيرة الممنوعة وكتاب العادات المخالفة للشريعة، وكتاب البراهين الجلية في إبطال العادات الجاهلية، وبيان يتضمن 18 بنداً من العادات الجاهلية الممنوعة، فلم يستجيبوا ولم يستجب نائبهم.

11- وإشارة إلى مناصحة نائب القبيلة مع مجموعة من أعيان قبيلته وذلك بمنزله في شهر شعبان عام 1433هـ، وكان الناصحون من المشايخ والدعاة، وطلبوا منه الالتزام بالكتاب والسنة، وفتاوى العلماء، وتنفيذ أوامر ولاة الأمر، فلم يستجب لذلك ولم يستجب من معه من أعيانهم، ثم أعيدت مناصحته في مدينة الرياض لهذا العام 1437هـ في شهر رجب فلم يستجب لذلك.

12- وإشارة إلى  التواصل مع وجهاء قبيلة آل جحيش الذين لهم مكانة في مجتمعهم وطُلب منهم الحضور من أجعل أن يطلب منهم ترك العادات الجاهلية ولكنهم لم يستجيبوا للحضور.

*- وقد استجاب للحق منكم مجموعة كبيرة مباركة من أهل الصدق، والإخلاص، والرغبة فيما عند اللَّه، فتركوا هذه العادات الخبيثة والاتفاقيات الباطلة، طاعةً للَّه ولرسوله   ثم لولاة الأمر، والتزموا بالكتاب والسنة وأخذوا بفتاوى علماء أهل الإسلام ونفذوا أوامر ولاة الأمر، فجزاهم اللَّه خيراً، وثبتنا وإياهم على دينه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، وشكر اللَّه سعيهم، وأصلح لهم دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وذرياتهم، فنرجو ممن بقي على العادات والاتفاقيات الباطلة المخالفة للشرع أن يتوبوا إلى اللَّه، ويخشوا عقابه، قبل أن يهجم عليهم الموت وحينئذٍ لا ينفع الندم.

 واللَّه أسأل التوفيق والسداد والإعانة للجميع، كما أسأله أن يجزي ولاة أمرنا خيراً على أعمالهم المباركة، وحكمهم بالشريعة الإسلامية، فجزاهم اللَّه خيراً، وبارك في حياتهم، وفي عملهم، ونفع بهم الإسلام والمسلمين.

 وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

& & &


 3- تعظيم شعائر اللَّه وحرماته تعالى

الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم النبيين، وسيد الأولين والآخرين؛ نبينا، وإمامنا؛ محمد بن عبداللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن تعظيم شعائر اللَّه تعالى، وتعظيم حرماته من أجلِّ العبادات التي تدل على تعظيم العبد للَّه، وإجلاله، وتدل على محبته، وتعظيم ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه سبحانه، وتدل أيضاً على كمال التقوى في القلوب، وهذا خير للعبد في الدنيا والآخرة، وتعظيم شعائر اللَّه، وحرماته باختصار على النحو الآتي:

1- شعائر اللَّه: هي أوامره، وهي أعلام دينه الظاهرة، وتعظيمها: إجلالها، وتكميلها على أكمل وجه يقدر عليه العبد، وهذا دليل واضح، وبرهان قاطع على التقوى، والإيمان الصحيح الكامل، قال اللَّه - عز وجل -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ([107]).

قال ابن الأثير :: «قد تكرر في الحديث ذكر (الشعائر) وشعائر الحج: آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة، وقيل: هو كل ما كان من أعماله : كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك، وقال الأزهري: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها، ومنه سُمِّي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع، ومنه حديث [زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «جاءني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج»]([108]).

ومنه: (إشعار البدن)، وهو أن يشقَّ أحد جَنْبَتَي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هديٌ ...»([109]).

والشعار: علامة القوم في الحرب، وهو ما ينادون به؛ ليعرف بعضهم بعضاً، والعيد شعار من شعائر الإسلام،..والشعائر: أعلام الحج، وأفعاله .. والمشاعر: مواضع المناسك، والمشعر الحرام :جبل بآخر مزدلفة، واسمه قُزَح ...»([110]).

وقيل: شعائر اللَّه: يعني مناسك الحج، وقال الزجاج في شعائر اللَّه: يعني بها جميع متعبدات اللَّه التي أشعرها اللَّه: أي جعلها أعلاماً لنا، وهي كل ما كان من موقف، أو سعي ، أو ذبح ، وإنما قيل: شعائر اللَّه لكل علم مما تُعبِّد به؛ لأن قولهم: شعرت به: علمته؛ فلهذا سميت الأعلام التي هي مُتَعَبَّدات اللَّه تعالى شعائر، والمشاعر مواضع المناسك([111]).

وقال الراغب الاصفهاني :: «ومشاعر الحج: معالمه الظاهرة للحواس، و الواحد مشعر، ويقال: شعائر الحج، الواحد: شعيرة، قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾([112])، وقال - عز وجل -:﴿فَاذْكُرُواْ اللَّه عِندَ الْـمَشْعَرِ الْـحَرَامِ ﴾([113] وقال I: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾([114])،أي ما يُهدى إلى بيت اللَّه، وسُمِّي بذلك؛ لأنها تشعر: أي تُعلَّم بأن تُدْمَى بشعيرة: أي حديدة يشعر بها([115]).

وقال الإمام الطبري :: «﴿ذلك ومن يعظِّم شعائر اللَّه فإنها من تقوى القلوب ﴾: يقول تعالى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس، وأمرتكم به، من اجتناب الرجس من الأوثان، واجتناب قول الزور حنفاء لله، وتعظيم شعائر اللَّه، وهو استحسان البدن، واستسمانها، وأداء مناسك الحج على ما أمر اللَّه جل ثناؤه من تقوى قلوبكم»، ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن اللَّه تعالى ذِكْرُهُ أخبر أن تعظيم شعائره: وهي ما جعله أعلاماً لخلقه فيما تعبَّدهم به من مناسك حجِّهم من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم لم يخصص من ذلك شيئاً، فتعظيم ذلك من تقوى القلوب ... وحقٌّ على عباده المؤمنين تعظيم جميع ذلك ... فإن تلك التعظيمة: من اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب: .. أي فإنها من وجل القلوب من خشية اللَّه، وحقيقة معرفتها، وإخلاص توحيده»([116]).

وقال الإمام القرطبي :: « ﴿ومن يعظم شعائر اللَّه﴾: الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء للَّه تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب: أي علاماتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم، فيكون علامة، فتسمَّى شعيرة، بمعنى المشعورة، فشعائر اللَّه: أعلام دينه، لاسيما ما يتعلق بالمناسك .. وأضاف التقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى في القلب؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - في صحيح الحديث: «التقوى ها هنا»([117])، وأشار إلى صدره([118]).

وقال الإمام البغوي :: «قال ابن عباس ب: شعائر اللَّه: البُدْن، والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها، ليُعلم أنها هدي، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وقيل: شعائر اللَّه: أعلام دينه، فإنها من تقوى القلوب: أي: إن تعظيمها من تقوى القلوب»([119]).

وقال ابن كثير :: «﴿ومن يعظم شعائر اللَّه﴾: أي أوامره ﴿فإنها من تقوى القلوب﴾، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها، واستحسانها»([120]).

وقال العلامة السعدي :: «والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾([121])، ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدّم أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها، على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فتعظيم شعائر اللَّه صادر من تقوى القلوب، فالمعظِّم لها يُبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأنّ تعظيمها تابع لإعظام اللَّه وإجلاله»([122]) .

وقال :: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾([123]): يخبر تعالى: أن الصفا والمروة ... من شعائر اللَّه: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد اللَّه بها عباده، وإذا كانا من شعائر اللَّه، فقد أمر اللَّه بتعظيم شعائره فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾([124]) ، فدلّ مجموع النصين أنهما من شعائر اللَّه، وأن تعظيم شعائره من تقوى القلوب، والتقوى واجبة على كل مكلَّف، وذلك يدلّ على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة كما عليه الجمهور، ودلّت عليه الأحاديث النبوية، وفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «خذوا عني مناسككم»([125])» ([126]).

وقال العلامة الشنقيطي :: « ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ عام في جميع شعائر اللَّه، وقد نصَّ على أن البُدن فرد من أفراد هذا العموم داخل فيه قطعاً، وذلك في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾([127]) ، فيدخل في الآية تعظيم البُدن، واستسمانها، واستحسانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يستسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر اللَّه، وقد قدمنا أن اللَّه صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ([128]) الآية: وأن تعظيمهما المنصوص في هذه الآية: عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة ...»([129]).

2- حرمات اللَّه معاصيه ومحارمه، وتعظيمها: باجتناب المعاصي، والابتعاد عن المحرمات التي حرمها اللَّه - عز وجل -، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه، قال اللَّه - عز وجل -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّه فَ هُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾([130] فقال الإمام ابن جرير :: «ومن يجتنب ما أمره اللَّه باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود اللَّه أن يواقعها، وحُرَمهُ أن يستحلَّها فهو خير له عند ربه في الآخرة»([131]).

وقال الإمام البغوي :: «﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي معاصي اللَّه وما نهى عنه، وتعظيمها: ترك ملابستها ... وذهب قوم إلى أن الحرمات هنا: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام  ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي تعظيم الحرمات خير له عند اللَّه في الآخرة»([132]).

وقال الإمام ابن كثير :: «﴿ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما [أن] على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات»([133]).

وقال الإمام القرطبي :: «الحرمات: المقصود هنا هي: أفعال الحج المشار إليها في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، ... ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات: امتثال الأمر: من فرائضه وسننه، وقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها ...»([134]).

وقال العلامة السعدي :: «﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام، وما فيها من تعظيم حرمات اللَّه، وإجلالها وتكريمها؛ لأن تعظيم حرمات اللَّه من الأمور المحبوبة المقربة إليه، التي من عظَّمها وأجلَّها أثابه اللَّه ثواباً جزيلاً، وكانت خيراً له في دينه ودنياه، وأخراه عند ربه.

وحرمات اللَّه: كلُّ ما له حرمة، وأمر باحترامه بعبادة أو غيرها: كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر اللَّه العباد القيام بها: فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاونٍ ومتكاسلٍ، ولا متثاقلٍ»([135]).

فيجب على العبد أن يعظِّم حرمات اللَّه: باجتنابها، سواء كان ذلك في الحج أو في غيره ، ويعظم حرمات اللَّه كما تقدم، ويدلّ على عبودية العبد للَّه تعالى تعظيم شعائره كما تقدم.

وقد ذكر الإمام ابن القيم :: أن استقامة القلب بشيئين:

 الأول: أن تكون محبة اللَّه تتقدم عنده على جميع المحابّ.

الثاني: تعظيم الأمر والنهي؛ فإنه ذم من لا يعظمه، ولا يعظم أمره ونهيه قال سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للَّه وَقَاراً﴾([136]) ... وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخيصٍ جافٍ، ولا يعارضا لتشديدٍ غالٍ، ولا يحملا على علةٍ توهن الانقياد»([137]).

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أصحابه، بل وأمته على تعظيم شعائر اللَّه تعالى فكان يقول - صلى الله عليه وسلم -:«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»([138]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «...وصلوا كما رأيتموني أصلي»([139]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وهو يرمي جمرة العقبة: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه»([140]).

فمن تعظيم شعائر اللَّه تعالى، وتعظيم حرماته: الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع مناسك الحج، وما يعمله الحاجّ في المشاعر، وإذا قصَّر في شيء من ذلك متعمِّداً راغباً عن سنته - صلى الله عليه وسلم - فليس منه في شيء، وكذلك جميع العبادات التي شرعها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن تعظيم حرمات اللَّه - عز وجل - الابتعاد عن جميع ما حرم اللَّه، والابتعاد أيضاً عن محظورات الإحرام من ذلك.

ومن تتبّع أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتأمّل في صفة حجة الوداع ظهر له تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - لشعائر اللَّه، وتعظيمه لحرمات اللَّه - عز وجل - .

ذكر شيخنا شيخ الإسلام الإمام المجدد عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز : بعد أن ذكر آية تعظيم حرمات اللَّه، وآية تعظيم شعائر اللَّه قال: «... هذا كله يورث القلوب وازعاً عظيماً من تعظيم شعائر اللَّه، ومن تعظيم حرمات اللَّه, حتى يكون عند العبد وازع من قلبه، ودافع من خشيته، وحافز من إيمانه إلى أداء الواجبات، وإلى ترك السيئات، وإلى الإنصاف من نفسه، وإلى أداء الأمانة: أداء الحق الذي عليه لأخيه...»([141]).

واللَّه أسأل التوفيق والإخلاص لي، ولجميع المسلمين، وأن يجعلنا جميعاً ممن يعظِّم شعائر اللَّه، وحرماته، على الوجه الذي يرضيه عنا، وصلى اللَّه وسلم على عبده، ورسوله، وخيرته من خلقه نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

& & &


 4- البيان في نبذ العادات الجاهلية والاتفاقيات المخالفة للشريعة الإسلامية

من سعيد بن علي بن وهف القحطاني إلى من يراه من قبائل المنطقة الجنوبية وغيرهم، وفّقهم اللَّه لكل خير.

السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:

فاللَّه أسأل لي، ولكم التوفيق، والسداد، والإعانة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

 أخبركم وفقكم اللَّه: أني وجميع أبنائي، وجميع إخواني آل وهف، وأبنائهم كافة لا نقرّ العادات القبليَّة الجاهليَّة المخالفة للشريعة الإسلامية، التي يعمل بها كثير من الناس في المنطقة الجنوبية وغيرها، ولا نعمل بها، ولا نعين عليها، ونبرأ إلى اللَّه منها، وممن لم يتب منها، والتفصيل المختصر لهذا البيان على النحو الآتي:

أولاً: العادات والأعراف المحمودة التي لا تخالف شرع اللَّه تعالى، هي من الأعمال الصالحة، مثل: الكرم، والجود، والإحسان، ونصر المظلوم على الوجه الذي شرعه اللَّه، وإعانة الضعيف الملهوف، وإكرام الضيف، والعفة، والعفو، والصفح، والحلم، والشجاعة في الحق على الوجه المشروع: قولاً وفعلاً، هذه العادات، وغيرها من العادات المحمودة التي لا تخالف شرع اللَّه تعالى، فينبغي العمل بها، ودعوة الناس إليها: بالقول والفعل.

 ثانياً: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالاً وهذا يعرفه أهل العلم بشروطه المعتبرة شرعاً، والحكم بالعادات القبلية الجاهلية، لا يسمى صلحاً، بل يسمى حكماً جاهليّاً محرّماً، وإن دلّس المدلّسون، وحرّف الكاذبون.

ثالثاً: وجوب طاعة اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - طاعة مطلقة، ثم طاعة ولاة الأمر بالمعروف، في العسر، واليسر، والمنشط، والمكره([142])؛ ولحديث حذيفة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّه، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ»([143])، وفي الحديث الآخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ»([144]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»([145]).

رابعاً: العادات والأعراف المخالفة لشريعة محمد بن عبداللَّه - صلى الله عليه وسلم - لا نقرُّها ولا نعمل بها ولا نساعد عليها بأي وجه من الوجوه بل نرفضها ونبطلها، ونبرأ إلى اللَّه منها، وممن لم يتب منها، ومنها العادات الأتية:

1- جميع المثارات الجاهلية، ومنها: مثار العاني، ومثار الجار، ومثار الخوي، ومثار الجيرة، ومثار القبالة، ومثار الضيف، ومثار الدم، والمثار الأسود، والمثار الأبيض، والمثار الدسم([146])، وهي عادات قبيحة معروفة عند بعض القبائل الذين يعملون بها، فنبرأُ إلى اللَّه منها، وممن لم يتب منها.

2- الأيمان والحلف بغير ما شرع اللَّه: كدين الخمسة، ودين العشرة، ودين الخمسة عشر، ودين العشرين ودين الخمسة والعشرين، ودين الأربعين، ودين الأربعة والأربعين، وغير ذلك كلها من العادات الممقوتة الجاهلية المنبوذة، فلا نقرها ولا نعترف بها ولا نعمل بها.

3- الحكم بأيمان الوسيَّة: أو أيمان المثل [على خطَّها والمثل] بأن يقول: واللَّه قاطع المال، والذريَّة، والعصبة القويَّة الذي لا يُبقي للظالم تريَّه لو كنَّا بالمثل مثلكم أن نجزع مجزعكم ونبلع مبلعكم، أو غير ذلك من الألفاظ التي تقال في هذه الأيمان المخالفة للشريعة السمحة، ولا نقرُّ هذه الأيمان الجاهلية ونبطلها كلها.

4- التحاكم إلى الطاغوت: وهو ما يسمى عند بعض القبائل بالحق الذي يحكم بغير ما أنزل اللَّه، لأن اللَّه أمر أن يُكفَر به بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾([147] والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّه:  من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاع: فالمعبود بالباطل طاغوت، إذا رضي بذلك، والمتبوع مثل: الكهان، والسحرة، وعلماء السوء، والمطاع مثل: الأمراء، والمشايخ الخارجين عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

فمن تحاكم إلى غير ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد حَكَّمَ الطاغوت، وتحاكم إليه، فطاغوت كل قومٍ من يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعةً للَّه، قال ابن القيم :: «فهذه طواغيت العالم».

ومن رؤوس الطواغيت من حكم بين الناس بغير ما أنزل اللَّه تعالى:  ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾([148] وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب: في آخر كتابه: الأصول الثلاثة أن الطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه اللَّه، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن ادّعى علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل اللَّه.

5- الحق أو مقطع الحق: كما يقولون: والحق هو اللَّه تعالى فالحكم له، والتحاكم إليه وحده، وبما أنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أما من جعل نفسه حقاً أو مقطع حق، أو جعله الناس مقطع حق: يحكم بينهم بالسلوم، والعادات، والأعراف الجاهلية، ويلزمهم بغير ما لم يلزمهم اللَّه به، ويفرض عليهم ما لم يفرضه اللَّه عليهم، فقد حكم بغير ما أنزل اللَّه، فهو طاغوت، ومن تحاكم إليه فقد تحاكم إلى الطاغوت، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، فلا نقرُّ ذلك ولا نعمل به، وقد قال اللَّه تعالى:  ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([149])، وقال - عز وجل -: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه﴾([150]).

6- الجيرة «ردُّ الشان»: كأن يقول أنا رادٌ فيك الشأن أو غير ذلك، وهذه تسبب سفك الدماء كثيراً، والاعتداء على المعصومين، وتفرِّق بين الناس، وتورِّث العداوة والشحناء، وتسبِّب قتل الأنفس المعصومة، وأما الجيرة المشروعة فهي لولي أمر المسلمين للمشركين الحربيين حتى يسمعوا كلام اللَّه، وهي لكل فرد من المسلمين يجير المشرك الحربي إذا أَذِن ولي أمر المسلمين له بذلك ومن الجيرة المذمومة المحرمة المجلِّيات : ( جيرة الأسود ) وهي الحماية القصيرة ثمانية أيام أو ما يقاربها، وهي من العادات الجاهلية القبيحة، ومن حكم بها بين الناس، فهو طاغوت، ومن تحاكم إليه فيها فقد تحاكم إلى الطاغوت، الذي أمر اللَّه أن يُكفر به، فلا نقر هذه الجيرة المحرمة ولا نعمل بها.

7- إيواء المحدث الجاني وحمايته وتهريبه: لأن من آواه يكون ملعوناً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لعن اللَّه من آوى محدثاً»([151] وهذا وعيدُ شديد لمن آوى المحدث: أن يطرده اللَّه ويبعده من رحمته والعياذ باللَّه.

8- القبالة: عادة جاهلية تسبب سفك الدماء كثيراً، واستحلال الأموال المعصومة، بغير حق، وتسبب الشحناء، والقطيعة، وقتل الأنفس المعصومة فلا نقر القبيل الذي ينصبه أهل العادات الجاهلية المخالفة للشرع ولا نعترف به.

9- إكراه الناس على حقوقهم: في القصاص، والشجاج، فيكرهون صاحب الحق بجميع أنواع الإكراه، والضغط الاجتماعي حتى يحصل العفو، ويحرمون صاحب الحق الأجر؛ لأنه يعفو بلا نية صالحة، وهذا لا يجوز شرعاً، ولا شك أن الصلح خير ولكن الصلح له شروط شرعية: منها رضى الطرفين بدون إكراه، ومنها أن لا يخالف الشريعة الإسلامية، فإذا خالفها فهو باطل، والقضاة الشرعيون لديهم المعرفة الكاملة في ذلك([152]).

10- إلْزامُ النّاسِ بتَوزيعِ الدّياتِ عليهِمْ بالسّويّةِ: وَالمَشْروعُ أنَّ عاقِلةَ الجاني هِي التي تَتحمَّلُ عنهُ ديَةَ قتل الخَطأ، وشبه العمد، تُقسَّط الدية عليهم ثلاث سنين، ولا يلزم القاتل شيء من دية الخطأ، ويعدل قسطه من الدية أن الكفارة تلزمه في ماله، وأما جناية الخطأ على ما دون النفس، فالعاقلة تحمل منه ما بلغ ثلث الدية فصاعداً، ولا تحمل ما دونه، ولا تحمل العاقلة: عمداً محضاً، ولا عبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً لم تصدقه به، ولا عقلَ على غير مكلف ولا فقير ولا أنثى، والعاقلة هم: ذكور عصبة الجاني نسباً، والحاضر والغائب سواء، حتى أصوله وفروعه الذكور، ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبات، فيُبدأ بإخوة القاتل، وبنيهم، وأعمامه وبنيهم، وأعمام أبيه وبنيهم، حتى ينقرض المناسبون، ومتى اتسع الأقرب لم يدخل معهم من بعدهم([153])، وهُمْ ذكورُ عصبتِهِ نسَباً، فهُؤلاءِ الذين يتحملونَ عنْهُ دِيَةَ الخطأِ، وليسَ غيرَهُمْ، فالزّوجُ مثلاً ، والإخْوَةُ لأمٍّ، وأبناءُ العَمَّاتِ، وأبنَاءُ الخَالاَتِ، إذا لَمْ يكُونُوا مِنَ العَصَبَةِ، وسَائرُ ذوي الأرحَامِ لا يتحمَّلُونَ مِنَ الدّيةِ شيئاً شَرْعاً، أمَّا دِيةُ قَتْلِ العَمْدِ فهِيَ عَلى القاتِلِ وحْدَهُ، إلاَّ مَنْ أرَادَ أنْ يُساعِدَهُ بِدُونِ إلْزَامٍ، وَلا إكْراهٍ، ولاَ يُلْزِمُ هَذا المساعدُ غيرَهُ بذلكَ أيضاً، بلْ مَنْ أرادَ مساعَدتَهُ، والإحسَانَ إليهِ ابتغَاءَ مَرضاةِ اللَّه فَهُوَ مأجورٌ، لكِنْ لا يجبُ عليهِ، ولا يُلْزَمُ من القبيلة، أو غيرِهِمْ مِنَ القبائِلِ الأُخْرَى، ولاَ يُلْزَمُ مِنْ فَخْذِهِ، بلْ بطيبِ نفسٍ منهُ.

11- الغرم: المبني على الحكم بالأعراف، والعادات القبليَّة الجاهلية، فأخْذُ أموال الناس في ديات الخطأ، أو العمد، وغير ذلك بالضغط الاجتماعي، فيه إلزام الناس بغير حق، فيُلزمُ بدفع الأموال بالسويَّة: الفقير، والضعيف،  والكبير، والصغير مادام عنده هوية [بطاقة] وقد بلغني عن بعض القبائل أن ذلك يكون على الطفل الرضيع أيضاً يدفعه عنه ولي أمره، وهذا فيه ظلم وعدوان، وإلزام الناس بما لم يلزمهم اللَّه تعالى به، وأكل أموالهم بالباطل فلا نقره ولا نعترف به بل نبطله، وننبذه.

12- القرعي: كأن يقول أنت مقروع، وهو يصدر ممن يردُّ فيه الشان، وهذا فرع من الجيرة، وأول بدايتها، ويسبب سفك الدماء المعصومة كثيراً، والقتل العمد، وغير ذلك من الفساد الكبير والشر المستطير فلا نقره ولا نعترف به ولا نعمل به.

13- غضب قبيلة قاتل العمد على قبيلة المقتول: إذا أقيم القصاص على القاتل ولم يعفوا عنه، ومقاطعتهم مقاطعةً دائمة، وعدم الزواج منهم، ولا تزويج أحداً منهم، وهذا فيه عدم الرضى بحكم اللَّه تعالى، والسخط من ذلك، وفيه عدوانٌ، وظلمٌ، وجهل، وسفه، فلا نقر هذه العادة القبيحة ولا نرضى بها ولا نعمل بها يقول اللَّه I: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾([154]).

14- السَّواد: ونصبه على الجبال، أو الطرقات، أو النداء به في الأسواق، أو نشره في وسائل الإعلام، أو التلفظ به في الأماكن العامة أو الخاصة كأن يقول: [ سوَّد اللَّه وجوه آل فلان ، أو فلان ] وهذا يسبب الشحناء، والبغضاء والأحقاد، وسفك الدماء، حتى إنه يسوَّد لمن لم يعفُ عن القصاص، أو غير ذلك، وهذا منكرٌ قبيحٌ يجب أن يتوب منه من يعمله، فنحن لا نقر هذه العادة الخبيثة، ولا نعمل بها، ولا نعين عليها، بل ندفنها في التراب.

15- التعاون والتكاتف على المبالغة في دفع الملايين الكثيرة: في ديات العمد، وإرهاق القبائل بدفع هذه الأموال عن طريق الضغط الاجتماعي بتوزيع هذه المبالغ على أفراد القبائل: سواءً كانوا فقراء، أو أغنياء، ولا شك أن الصلح خير ولكن بشرط أن لا يكون فيه مضرة للآخرين، وإلزامهم بما لم يلزمهم اللَّه تعالى به، ويكون برضى الطرفين ولا يخالف الشرع، وإذا كان هذا التعاون والتكاتف مما يُعين الظالم على ظلمه، ويزيد في إحصائيات قتل العمد، ويشجِّع المعتدي، ويساعده على الاعتداء، ما دامت قبيلته والقبائل الأخرى المحالفة لها تساعده، وتناصره، وتعينه في دفع ما يترتب عليه، فلا يجوز؛ ولهذا قال العلامة مفتي الديار السعودية في عهده محمد بن إبراهيم آل الشيخ :: «... مثل هذه العوائد من عوائد الجاهلية المبني كثير منها على الظلم ومناصرة أهله، فيتعين إبطال هذه الاتفاقيات والاقتصار على حكم اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -»([155]).

16- التعصب للطواغيت: لا يجوز للإنسان المسلم أن يتعصَّب للطواغيت، ويتلفظ بالألفاظ الكفرية المخرجة من دين الإسلام مثل من يقول: إنه متمسك بعادات أبائه وأجداده حتى لو دخل جهنم، أو يقول: لا أترك سلوم ربعي حلالاً كانت أم حراماً، ويستحل الحرام، أو يقول: الفرع أحسن من الشرع، ويقصد بالفرع عادات أبائه وقبائله، ويقصد بالشرع شرع اللَّه تعالى، والعياذ باللّه، أو يقول: النار ولا العار، ويستحل ما يُدخل النار، أو يقول: الشرع لا ينصفنا، أو يقول: الشرع لا يعرف عاداتنا، وتقاليدنا، وأعرافنا، أو يقول: حكمٌ أعوجٌ، ولا شريعة سمحة، أو يقول: شرع الرفاقة؛ فإنه لا شرع إلا ما شرعه اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلا نقر هذه العادة القبيحة، ولا نرضى بها، ولا نعمل بها، ونبرأ إلى اللَّه منها، وممن لم يتب منها.

17- دية قتل الخطأ: تكون على حسب ما شرعه الشارع الحكيم على العاقلة إلى الجد الخامس أو السادس، فحسب، على حسب الشروط المعتبرة عند العلماء رحمهم اللَّه تعالى، ولا يجوز إلزام الناس بغير ذلك في هذه المسألة، وقد تقدم التفصيل في دية قتل الخطأ، ومن هم العاقلة في البند رقم (10) في هذا البيان.

18- جميع العادات القبليَّة الجاهلية المخالفة للشريعة الإسلامية المذكورة هنا والتي لم تذكر نبطلها كلها ولا نعترف بها بل نضعها تحت الأقدام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف في خطبة حجة الوداع بعرفات: «... ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع... »([156])، وكل عادةٍ أو اتفاقيةٍ تصدر فيها فتوى من أهل العلم الراسخين بالتحريم، فنحن من أول من يبتعد عنها.

ويجب على من ابتلي بشيء من ذلك أن يتوب إلى اللَّه تعالى؛ فإن «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وإذا أخلص في توبته وحقق شروطها: من الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، والعزيمة على أن لا يعود، وردَّ الحقوق إلى أهلها، أو طلب العفو منهم، فإن اللَّه يُبدِّل سيئاته حسنات وكان اللَّه غفوراً رحيماً.

ويجب على مشايخ الشمل، ومشايخ القبائل، والعشائر، ونواب القبائل الحذر من هذه العادات، وتحذير الناس عن هذه الأحكام، والأعمال، والأقوال الجاهلية، ومنعهم من التحاكم إليها، وإلزامهم بالتحاكم إلى الشرع المطهر في الخصومات وغيرها، وترغيبهم في التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وإرشاد كل من يتعاطى ذلك: طاعة للَّه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وخوفاً من عقابه، ومن مخالفة أمره وقد قال اللَّه سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([157] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾([158])، وقال - عز وجل -: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾([159]).

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وجُعِلَ الذُّل والصغار على من خالف أمري»([160]).

 كما يجب على كلِّ من جهل أحكام هذه العادات، أو غيرها: سؤال أهل العلم بالكتاب والسنة عمَّا أشكل، وخفي حكمه عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾([161]).

ويجب على أهل العلم الشرعي: من القضاة، والدعاة إلى اللَّه تعالى، وأئمة المساجد، والخطباء أن يبّينوا للناس قبح هذه العادات، ويرغَّبونهم في تركها، ويحذرونهم منها، ومن سوء عاقبتها، وخطر إهلاكها.

ولا شك أن من اعتقد أن الحكم بهذه العادات، والسلوم أفضل من حكم اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو اعتقد أنها مثل حكم اللَّه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو اعتقد جواز الحكم بها، وقد بلغه أن الحكم بغير حكم اللَّه لا يجوز، فهو طاغوت، كافرٌ بإجماع العلماء، قد خلع ربقة الإسلام من عنقه، والعياذ باللَّه، وإن زعم أنه مؤمن، وأما من حكم بغير ما أنزل اللَّه، وحمله على ذلك شهوته، وهواه، مع اعتقاده أن حكم اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الحق، وهو الواجب، ولا يجوز الحكم بغيره، واعترافه على نفسه بالخطأ، فهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فهو معصية عظمى أكبر من الكبائر: كالزنا [أي: أكبر من الزنا]، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها؛ فإن معصية سمّاها اللَّه كفراً في كتابه أعظم من معصية لم يسمّها كفراً([162]).

واللَّه أسأل التوفيق والسداد للجميع وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين([163]).

حرر في 9/ 8/ 1433هـ.

& & &


 5- من علامات الساعة أن يقتل الرجل أخاه وأباه وابن عمه وذا قرابته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه ، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد، فإن ما حصل من بعض الخوارج في مدينة حائل في عيد الأضحى، لعام 1436هـ، حينما عيّد بابن عمه فقتله، وكبَّر عليه طاعة لولي أمره من الدواعش، وهو يستجير باللَّه، ثم به، ولكنه لم ينفع فيه التذكير باللَّه تعالى، ولا بندائه بقوله: «تكفى يا سعد لا تقتلني»، ومع ذلك رماه؛ لأنه يعتبره كافراً على مذهب الدواعش، والعياذ باللَّه تعالى، وقد أخبرنا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى: أن الرجل يقتل جاره، وأخاه، وأباه، وابن عمه، وذا قرابته، فعن أبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قال رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يقتُلَ الرَّجُلُ جَارَه، وأخاه، وأباه»([164]).

وعن أَبي مُوسَى - رضي الله عنه - أيضاً قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَهَرْجًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ، الْقَتْلُ» فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِن الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ» فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ»، ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ، إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم -، إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ منها كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا([165]).

وعن أبي موسى - رضي الله عنه - أيضاً: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن بين يدي الساعة الهرج» قلنا : وما الهرج قال: «القتل القتل، حتى يقتل الرجل جاره، وابن عمه، وأباه»، قال : فرأينا من قتل أباه زمان الأزارقة([166])([167]).

وهذه الأحاديث تدل على أن من قتل أباه، أو أخاه، أو جاره، أو ابن عمه، أو ذا قرابته لا عقل له، بل ينزع عقله، ويكون كالغبار، ويكون من أراذل الناس، والعياذ باللَّه تعالى، وقد أشار إلى ذلك الإمام السندي :([168])، وهذا من الفتن التي حذر منها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»([169]). قال الإمام النووي :: «مَعْنَى الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا، وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَا الْمُقْمِرِ، وَوَصَفَ - صلى الله عليه وسلم - نَوْعًا مِنْ شَدَائِدِ تِلْكَ الْفِتَنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا، ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِرًا، أَوْ عَكْسُهُ، شَكَّ الرَّاوِي، وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَنِ، يَنْقَلِبُ الْإِنْسَانُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ هَذَا الِانْقِلَابَ. وَاللَّه أَعْلَمُ»([170]).

ومن أعظم الفتن التي فرقت بين المسلمين، وشوهت صورة الإسلام، ما يعمله الخوارج، الذين يقال لهم (الدواعش) في هذا الزمان، فقد شوَّهوا الإسلام، وقد أخبرنا عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان، فعن علي - رضي الله عنه - قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([171] قال الإمام النووي :: «قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ: مَعْنَاهُ: صِغَارُ الْأَسْنَانِ، صِغَارُ الْعُقُولِ»([172]).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ...»([173]) الحديث.

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه -، إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَرْبَعَةِ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ المُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَالأَنْصَارُ، قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا، قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللَّه إِذَا عَصَيْتُ؟ [وفي لفظ لمسلم: «فمن يطع اللَّه إن عصيته»] أَيَأْمَنُنِي اللَّه عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلاَ تَأْمَنُونِي» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ، - أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، أَوْ: فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»([174]).

قال الإمام النووي : في معنى قوله: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ: أَيْ: قَتْلًا عَامًّا، مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقية﴾ ([175]).

فيا ويح هؤلاء الخوارج، ويا ويلهم من قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([176] ومن قوله عليه الصلاة والسلام: في حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ب، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» ([177]).

فينبغي لكل مسلم أن يخاف على نفسه من هذه الفتن، ويجب عليه أن يبتعد عنها، ولا يقرب من أهلها، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ»([178])، وأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستعيذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها، وما بطن، كما في حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - قَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : « تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّه مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»([179]).

ويجب على المسلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان يخاف على نفسه، وهو رسول اللَّه حقاً، فيقول كما في حديث أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّه يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» ([180])، ومن حديث عَبْدَ اللَّه بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ب، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»([181]).

فأرجو ممن اطلع على هذه الأحاديث أن يعمل بها، ويتأملها، ويتدبر معانيها.

واللَّه أسأل أن يعيذنا من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، ومن شرور أنفسنا، ومن نزغات الشيطان، وأن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كيد الكائدين، ومن عبث العابثين، ومن كل سوء، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، ويصرف عنهم كل شر، وأن يصلح بطانتهم، وأن يعينهم لنصرة الإسلام والمسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الإثنين 29/ 12/ 1436هـ.

& & &


 6- مقدمة كتاب «الغرم القبلي»

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد قرأت كتاب «الغرم القبلي» الذي تفضَّل بتأليفه صاحب الفضيلة الشيخ علي بن محمد بن علي آل نومه القحطاني، فوجدته بحثاَ مُوفَّقاً، ومُسدَّداً، وقد أجاد في بحثه وأفاد، وبيّن ما ينبغي بيانه، في إبطال الغرم القبلي الجاهلي الذي يدخل تحته أعراف جاهلية كثيرة، وعادات قبلية مخالفة للشرع المطهر، واستدل بالأدلة: من الكتاب، والسنة، وجمَّل بحثه، وزيَّنه، وتوَّجه بذكره، ونقله لأقوال العلماء الراسخين في العلم، وذكر الشبه التي يتعلَّق بها أصحاب هذه العادات القبيحة، وردَّ عليها ردَّاً مفصلاً بالأدلة، وذكر في كتابه هذا أكثر من عشرين عادة قبلية أكثرها تتعلق بالغرم القبلي، وأبطلها بأسلوب علمي، ولغةٍ سليمةٍ مستقيمةٍ، وحكمةٍ، وموعظةٍ حسنةٍ، وجدالٍ بالتي هي أحسن، فجزاه اللَّه خيراً، وضاعف مثوبته، وأكثر من أمثاله، وزادنا وإياه: علماً، وهُدىً، وتوفيقاً.

ولا شك أن الحكم بالعادات القبلية، والتحاكم إليها من الحكم بالطاغوت، والتحاكم إليه، وقد حذَّر العلماء رحمهم اللَّه تحذيراً بالغاً قديماً وحديثاً من هذه العادات المخالفة للشريعة الإسلامية، ومن هؤلاء على سبيل الاختصار:

1- قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَةَ : (ت 728هـ): «ولاَ ريبَ أنَّ مَنْ لم يعْتقدْ وُجوبَ الحُكْمِ بمَا أنزَلَ اللَّه على رسولِهِ، فهُوَ كافرٌ، فَمنِ استحلَّ أنْ يَحكُمَ بينَ الناسِ بمَا يراهُ هو عَدْلاً مِنْ غَيرِ اتِّباعٍ لمَا أنزلَ اللَّه فهُوَ كافرٌ، فإنَّهُ ما مِنْ أمَّةٍ إلاَّ وهيَ تأمُرُ بالحُكْمِ بالعَدْلِ، وقَد يكُونَ العَدْلُ في دينِهَا ما رآهُ أكابِرُهُمْ؛ بلْ كثيرٌ مِنَ المنتَسبينَ إلى الإسْلامِ يحْكمُونَ بعاداتِهِمُ التي لم يُنزِلْهَا اللَّه I كسَوَالِفِ الباديَةِ، وَكأوامِرِ المُطاعينَ فيهِمْ، ويرَوْنَ أنَّ هَذا هُوَ الذي ينبَغِي الحُكْمُ بهِ دُونَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وهَذا هُو الكُفْر؛ فإنَّ كثيراً مِنَ النّاسِ أسْلَمُوا، وَلكن مَع هَذا لا يَحْكُمونَ إلاَّ بالعَاداتِ الجَاريةِ لهُمُ التي يأمُرُ بها المُطاعُونَ، فَهُؤُلاءِ إذَا عَرَفُوا أنَّهُ لا يَجوزُ الحُكْمُ إلاَّ بِمَا أنزَلَ اللَّه ، فَلمْ يَلْتَزِمُوا ذلكَ، بَلِ استَحَلُّوا أنْ يَحْكُمُوا بِخِلافِ مَا أنزلَ اللَّهُ، فَهُمْ كُفَّارٌ»([182]).

2- قَالَ العَلاّمَةُ ابنُ القَيِّمِ : (ت 751) : «...لمَّا أعْرَضَ النّاسُ عنْ تَحْكيمِ الكِتابِ، والسّنّةِ، والمحَاكَمةِ إليهِمَا، واعتَقَدُوا عَدَمَ الاكْتِفاءِ بهِمَا، وعَدَلُوا إلى الآراءِ، وَالقِيَاسِ، والاسْتِحْسَانِ، وَأقْوالِ الشّيوخِ، عرَضَ لهُمْ منْ ذلكَ فسادٌ في فِطَرِهِمْ، وظُلْمَةٌ في قُلوبِهِمْ، وكَدَرٌ في أفْهامِهِمْ، ومَحْقٌ في عُقُولِهِمْ، وعمَّتْهُمْ هَذِهِ الأُمُورُ، وغَلَبَتْ عَليهِمْ، حتَّى رُبِّي فيها الصَّغيرُ، وهَرِمَ علَيها الكَبيرُ». إلَى أنْ قالَ :: «إذَا رأيتَ دَوْلَةَ هَذهِ الأمُورِ قَد أقْبَلتْ، ورَاياتُهَا قدْ نُصِبَتْ، وجُيُوشُها قَد رَكِبَتْ، فَبَطْنُ الأرضِ واللَّه خَيْرٌ مِنْ ظهْرِهَا، وقُلَلُ الجِبالِ خَيرٌ منَ السُّهولِ، ومُخالَطَةُ الوُحوشِ أسْلَمُ مِن مُخالَطَةِ النَّاسِ اقشَعَرَّتِ الأرضُ، وأظْلَمَتِ السّمَاءُ، وظَهرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ مِنْ ظُلْمِ الفَجَرَةِ، وذَهَبَتِ البرَكاتُ، وقَلَّتِ الخَيْراتُ، وهُزِلَتِ الوُحُوشُ، وتَكَدَّرَتِ الحيَاةُ مِنْ فِسْقِ الظَّلَمَةِ...» ([183]).

3- قالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهابِ : (ت 1206هـ): «الطَّواغِيتُ كَثيرَةٌ، ورُؤوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إبلِيسُ لعنَهُ اللَّه ، ومَنْ عُبِدَ وهوَ رَاضٍ، ومَنْ دعَا الناسَ إلى عِبادَةِ نَفْسِهِ، ومَنِ ادَّعَى شَيئاً مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ، ومَنْ حَكمَ بغَيْرِ مَا أنْزَل اللَّهُ»([184]).

4- العلاَّمَةُ عَبْدُ اللَّطيفِ بْنُ عبدِ الرَّحمَنِ آلِ الشَّيخِ : (ت 1292هـ) سُئِلَ /: «عَمَّا يَحْكُمُ بهِ أهْلُ السَّوالِفِ مِنَ البَوَادي وغَيرِهِم مِنْ عَاداتِ الآباءِ والأجْدادِ، هَلْ يُطْلَقُ عَليهِمْ بذلكَ الكُفْرِ بعدَ التّعريفِ... إلخ؟

فأجابَ :: «مَنْ تَحَاكمَ إلى غَيْرِ كتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - بعْدَ التعريفِ، فهُوَ كَافرٌ....» ([185]).

5- قالَ العَلاَّمَةُ حَمَدُ بْنُ عَتيقٍ : (ت 1301هـ) عِندَ هَذِهِ الآيةِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾([186])، بعدَ ذِكْرِ قَوْلِ ابنِ كَثيرٍ /، قَالَ: «قُلْتُ: وَمِثْلُ هَؤُلاءِ مَا وَقَعَ فِيهِ عامَّةُ البَوَادي وَمَنْ شَابَهَهمْ، مِنْ تَحْكيمِ عَاداتِ آبَائِهِمْ، ومَا وَضَعَهُ أوائِلُهُمْ مِنَ المَوْضُوعَاتِ المَلْعُونَةِ التي يُسمُّونَها (شَرْع الرفاقة) يُقدِّمُونَها عَلى كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، ومَنْ فَعلَ ذلكَ فهُوَ كَافرٌ، يَجبُ قِتَالُهُ حتّى يَرجِعَ إلى حُكْمِ ال لَّهِ ورسُولِهِ»([187]).

6- قالَ العَلاَّمَةُ سُليمانُ بنُ سَحْمَان (ت 1349هـ) :: «الطَّاغُوتُ ثلاثَةُ أنْواعٍ: طَاغوتُ حُكْمٍ، وطَاغُوتُ عِبادةٍ، وطَاغوتُ طَاعةٍ ومُتابعَةٍ؛ والمَقْصُودُ في هذهِ الورَقَةِ هُو طَاغُوتُ الحُكْمِ، فإنَّ كَثيرًا مِنَ الطَّوَائِفِ المُنتسبينَ إلى الإسلاَمِ، قَد صَارُوا يَتحاكَمُوَن إلَى عَاداتِ آبَائِهِمْ، ويُسمُّون ذلكَ الحَقَّ بِشَرْعِ الرفاقة، كقَوْلِهِمْ شَرْعُ عجمان، وشَرْعُ قَحْطان، وغَيْرُ ذلكَ، وهَذا هُو الطَّاغوتُ بعَينِهِ، الّذي أمَرَ اللَّه باجْتِنَابِهِ.

ذكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ في مِنهَاجِهِ([188])، وابنُ كَثيرٍ في تفسيرِهِ([189]): أنَّ مَنْ فَعلَ ذلكَ فهوَ كَافرٌ بِاللَّهِ، زادَ ابنُ كَثيرٍ: يَجبُ قِتالُهُ، حتَّى يَرجِعَ إلى حُكْمِ اللَّه ورسُولِهِ»([190]).

وقالَ ابنُ سَحْمَان أيضاً: «ومَا ذَكَرْناهُ مِنْ عاداتِ البوَادي، التي تُسمَّى (شرع الرفاقة) هُوَ مِنْ هَذا الجِنْسِ، مَنْ فَعَلَهُ فَهوَ كَافرٌ، يَجبُ قِتالُهُ حتّى يَرجعَ إلَى حُكمِ اللَّه ورسولِهِ، فَلا يُحكِّمُ سِواهُ في قَليلٍ ولاَ كَثيرٍ»([191]).

7- قالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ إبْراهيمَ آلِ الشيخِ مُفتي الدِّيارِ السُّعوديَّةِ في عَهدِهِ، (ت 1389هـ) :: «... بلَغَنَا ... أنَّه مَوْجودٌ من بعضِ الرُّؤساءِ ببلَدِ الرين مَنْ يَحْكمُ بالسُّلومِ الجَاهليَّةِ، فسَاءَنا ذلكَ جِدّاً، وأوْجَبَ عَلينا الغَيْرَةَ لأحْكامِ اللَّه وشَرْعِهِ؛ لأنَّ ذلكَ في الحقيقةِ حُكْمٌ بِغيْرِ مَا أنزَلَ اللَّهُ...»، ثُمَّ قَالَ :: «يتحَتَّمُ عَلى ولاةِ الأمُورِ التَّأديبُ البَليغُ لِكلِّ مَنِ ارْتكَبَ هَذهِ الجريمةَ الّتي قَدْ تُفْضي إلَى مَا هُو أكْبرُ إثْماً مِنَ الزِّنا والسَّرقةِ؛ لأنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ أمرَ اللَّهِ، وأمْرَ رسولِهِ، وحَكَمَ بينَ النّاسِ بِغَيْرِ مَا أنْزَلَ اللَّه مُتّبِعاً لِهَواهُ، وَمُعْتقِداً أنَّ الشَّرعَ لاَ يَكفِى لِحلِّ مَشاكِلِ النَّاسِ، فَهُوَ طَاغوتٌ قَدْ خَلعَ رِبْقَةَ الإيمانِ مِنْ عُنُقِهِ، وَإنْ زَعَمَ أنَّهُ مُؤمِنٌ...» ([192]).

وقَالَ الإمَامُ مُحمَّدُ بْنُ إبراهيمَ : أيضاً: «...سَجَّلَ اللَّه تعَالى عَلى الحَاكِمينَ بِغيرِ مَا أنزلَ اللَّه الكفرَ، والظُّلمَ، والفُسوقَ، ومِنَ المُمْتَنِع أنْ يُسمِّيَ اللَّه I الحَاكِمَ بغَيْرِ ما أنزلَ اللَّه كَافِراً، وَلاَ يَكُونُ كافراً، بل هُوَ كافرٌ مُطلقاً: إمَّا كُفْرُ عَملٍ، وَإمَّا كُفْرُ اعتقادٍ...».

ثُمّ قَسَّمَ الكُفْرَ المُخْرِجَ مِنْ المِلَّةِ، وهُو كُفْرُ الاعْتقادِ إلى ستةِ أنواعٍ ذكَرَها، وقَالَ في النَّوْعِ السَّادسِ:

«...السَّادِسُ: مَا يَحْكُم بِهِ كَثيرٌ مِنْ رُؤساءِ العَشائرِ، وَالقبائلِ مِنَ البَوَادي ونَحْوِهِمْ، مِنْ حِكايَاتِ آبائِهِمْ وأجْدَادِهِمْ، وعَاداتِهِمُ الَتي يُسمُّونَها (سلومهم) يَتوارَثُونَ ذلكَ منهُمْ، ويَحْكُمونَ بِهِ، ويَحُضُّونَ عَلى التَّحاكُمِ إليهِ عِندَ النِّزاعِ، بِناءً عَلى أحْكامِ الجَاهليَّةِ، وَإعْراضَاً وَرغْبةً عَنْ حُكْمِ اللَّه ورَسولِهِ، فَلا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ».

ثم قال :: «...وَأمَّا القِسْمُ الثّاني مِن قِسْمَي كُفرِ الحَاكمِ بغَيرِ مَا أنزلَ اللَّهُ، وهُو الّذي لا يُخرِجُ مِنَ الملّة،ِ فقَدْ تقدَّمَ أنَّ تفسيرَ ابْنِ عَباسٍ ب لقَوْلِهِ - عز وجل -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾([193])، قَدْ شَمَلَ ذلكَ القِسْمَ، وذلكَ في قَوْلِهِ - رضي الله عنه - في الآيةِ: «كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»، وقَوْلُهُ أيضاً: «لَيْسَ بِالكُفْرِ الذي تَذهبُونَ إليهِ»، وذَلكَ أنْ تَحْمِلَهُ شَهَوتُهُ وهَواهُ عَلى الحُكْمِ في القَضيَّةِ بغَيْرِ مَا أنْزلَ اللَّهُ، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّ حُكمَ اللَّه ورَسولِهِ هُوَ الحَقُّ، واعْترافُهُ عَلى نَفْسِهِ بالخَطأِ، ومُجانَبَةِ الهُدَى، وهَذا وَإنْ لَمْ يُخْرجْه كُفرُهُ عَنِ الملّة؛ فإنَّهُ مَعْصيةٌ عُظمَى، أكْبرُ مِنَ الكَبائِرِ: كَالزِّنَا، وشُرْبِ الخَمْرِ، والسَّرِقةِ، واليَمينِ الغَمُوسِ، وغيرِها؛ فإنَّ معْصيةً سَمَّاها اللَّه في كتابِهِ كُفْراً، أعظمُ من معصيةٍ لم يسمِّهَا كُفْراً، نَسألُ اللَّه أنْ يَجمعَ المُسلمينَ عَلى التّحاكُمِ إلَى كِتابِهِ، انْقِياداً، ورِضاءً، إنَّه وليُّ ذلكَ والقَادِرُ عَليهِ([194]).

وقال الإمام مُحمَّدِ بْنِ إبراهيمَ آلِ الشيخِ : أيضاً: «...إنَّ مِنْ أقْبَحِ السّيِّئَاتِ، وَأعظَمِ المُنكرَاتِ التَّحاكمَ إلَى غَيرِ شَريعَةِ اللَّه مِنَ القَوانِينَ الوضْعيَّةِ، والنُّظُمِ البشريَّةِ، وعَاداتِ الأسْلافِ والأجْدادِ التي قَدْ وقَعَ فيها كَثيرٌ مِنَ النّاسِ اليَومَ، وارتَضَاها بَدَلاً مِنْ شَريعَةِ اللَّه التي بَعثَ بِهَا رسولَهُ مُحمَّداً - صلى الله عليه وسلم -، ولاَ ريْبَ أنَّ ذلكَ مِنْ أعظمِ النِّفاقِ، ومِنْ أكْبَرِ شَعَائرِ الكُفْرِ، والظُّلْمِ، والفُسُوقِ، وأحْكَامِ الجاهليَّةِ التي أبْطَلَهَا القُرآنُ، وحَذَّرَ عَنْهَا الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم -»([195]).

8- قالَ الإمَامُ عَبدُ العَزيزِ بْنُ عَبدِ اللَّه بنِ بَازٍ (ت 1420هـ) :: «... في إحْياءِ العَاداتِ القَبليَّةِ، والأَعْرافِ الجَاهليَّةِ مَا يَدْعُو إلَى تَرْكِ التَّحَاكُمِ إلَى كِتَابِ اللَّه ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَفي ذَلكَ الْمُخالَفَةُ لِشَرْعِ اللَّه المُطَهَّرِ». إلَى أنْ قَالَ :: «... وَبِهذا يُعلَمُ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ إحياءُ قَوانينَ القَبائلِ وأعْرافِهِمْ، وَأنظِمَتِهِمْ التي يتَحَاكَمُونَ إليْها بَدلاً مِنَ الشَّرعِ المُطَهَّرِ الذِي شَرعَهُ أحْكَمُ الحَاكمِينَ، وَأرْحَمُ الرّاحِمينَ، بِلْ يَجبُ دفْنُهَا، وإمَاتَتُهَا، والإعْراضُ عَنهَا، والاكْتفاءُ بالتَّحاكُمِ إلى شَرْعِ اللَّه I، فَفيهِ صَلاحُ الجَميعِ، وسَلامةُ دِينِهِمْ، ودُنْياهُمْ، وعَلى مَشايخِ القَبائلِ ألاَّ يَحْكمُوا بينَ النَّاسِ بالأعْرافِ التي لاَ أسَاسَ لها مِنَ الدِّينِ، ومَا أنزلَ اللَّه بِهَا مِنْ سُلْطانٍ، بَلْ يَجبُ أنْ يَردُّوا مَا تَنازَعَ فيه قَبائِلُهُمْ إلَى المَحَاكِم الشَّرعيَّةِ...» ([196]).

وَقالَ شيخُنَا الإمامُ ابْنُ بازٍ : أيضاً: «وَلاَ إيمانَ لِمنِ اعتَقَدَ أنَّ أحْكامَ النّاسِ، وآرَاءَهُمْ، خَيْرٌ مِنْ حُكْمِ اللَّه ، ورَسُولِهِ, أوْ تُمَاثِلُهُ، وَتُشابِهُهُ, أوْ أجَازَ أنْ يحُلَّ مَحلَّها الأحكامَ الوضعيَّةَ، والأنظمةَ البشريةَ, وإنْ كانَ مُعْتقِداً بأنَّ أحكَامَ اللَّه خيرٌ وَأكْمَلُ وأعْدَلُ...» ([197]).

وسَمعْتُ سمَاحةَ شيخِنَا الإمامَ عبدَ العَزيزِ بنَ عبدِ اللَّه ابنِ بازً : يَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغيرِ مَا أنزَلَ اللَّه فَلاَ يخْرُجُ عنْ أربعةِ أنْواعٍ:

1 - مَنْ قَالَ: أنَا أحْكُمُ بهذَا؛ لأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الشّريعةِ الإسلاميةِ، فهُو كافِرٌ كُفْراً أكْبْرَ.

2 - وَمَنْ قالَ: أنَا أحْكُمُ بهذَا لأنَّه مِثلُ الشَّريعَةِ الإسلاميَّةِ، فَالحُكْمُ بِهذَا جَائزٌ، وبِالشَّريعَةِ جَائزٌ، فَهُوَ كافِرٌ كُفْراً أكْبَرَ.

3 - ومَنْ قَالَ: أنَا أحْكُم بِهذَا، وَالحُكْمُ بالشّريعةِ الإسلاميَّةِ أفضَلُ، لكنَّ الحُكْمَ بغيرِ مَا أنزلَ اللَّه جائزٌ، فَهُو كافرٌ كُفْراً أكْبَرَ.

4 - ومَنْ قَالَ: أنَا أحْكُمُ بهَذا، وهُوَ يَعْتَقِدُ أنَّ الحُكمَ بِغيرِ مَا أنْزَلَ اللَّه لاَ يجُوزُ، وَيَقولُ: الحُكْمُ بالشريعَةِ الإسلاميةِ أفضَلُ، ولاَ يَجوزُ الحُكْمُ بغيرِهَا، وَلكنَّهُ مُتَساهِلٌ، أوْ يفعَلُ هذَا لأمرٍ صَادرٍ مِنْ حُكَّامِهِ، فَهُوَ كافِرٌ كُفْراً أصْغَرَ، لا يُخرِجُ مِنَ المِلَّةِ، ويُعْتَبَرُ مِنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ([198]).

9- قال العَلاَّمَةُ صَالحُ بنُ فوزانَ بْنِ عَبدِ اللَّه الفوزانِ حَفِظَهُ اللَّه : «... مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أنْزَلَ اللَّهُ: هَذا يَعُمُّ كُلَّ حُكْمٍ بغَيْرِ مَا أنْزَلَ اللَّه بَيْنَ النّاسِ في الخُصُوماتِ، والمُنازعَاتِ، حَكَمَ بيْنَهُمْ بالقَانُونِ، أوْ بعَوَائِدِ البَدْوِ، وَالسّلوم التي عَليها البَدْوُ والقَبَائِلُ، وأعْرَضَ عَن كِتابِ اللَّهِ، هَذا هُوَ الطَّاغوتُ، يَحْكمُونَ بغَيْرِ مَا أنزلَ اللَّهُ، وَيدّعُونَ أنَّ هَذا مِنَ الإصلاحِ، والتَّوفِيقِ بينَ الناسِ، هَذا كَذبٌ، الإصْلاحُ لا يَكونُ إلاَّ بِكتابِ اللَّهِ، والتَّوْفيقِ بَينَ المُؤْمنينَ لاَ يكونُ إلاَّ بكِتابِ اللَّه - عز وجل -...»([199]).

وقالَ صالح الفوزان حَفِظَهُ اللَّه أيضاً: «... وَالطَّاغُوتُ المُرادُ بِهِ: كُلُّ حُكْمٍ غَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، سَواءً عَوائِدِ الباديَةِ، أوْ أنْظِمَةِ الكُفَّارِ، أوْ قَوانِينَ الفِرَنْسِ، أوْ الإنكلِيزِ، أوْ عَاداتِ القَبائلِ كُلُّ هَذا طَاغوتٌ، وَكذا تَحْكيمُ الكُهَّانِ – فالّذي يقُولُ: إنَّهمَا سَواء كَافرٌ [أيْ: يُسوِّي بين حُكْمِ اللَّه وحُكمِ غَيرِهِ، والعِياذُ باللَّهِ]، وَأشدُّ مِنهُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أنْزَلَ اللَّه أحْسَنُ مِنَ الحُكْمِ بِمَا أنْزلَ اللَّهُ، هَذا أشَدُّ...» ([200]).

10- وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز : عَنْ حُكْمِ التَّحاكُمِ إلَى الأحْكَامِ العُرْفِيَّةِ عِندَ مَشايخِ القَبائِلِ فَأجَابَتْ بِالفَتْوَى رَقَمِ (6216):

«يَجِبُ علَى المُسْلِمِينَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الشّريعَةِ الإسلاميةِ لاَ إلَى الأحْكَامِ العُرفيَّةِ، ولاَ إلَى القَوَانينِ الوَضْعيَّةِ، ومَا ذَكَرْتَهُ ليسَ صُلحاً في الحَقِيقَةِ، وإنَّما هُو تَحاكُمٌ إلَى مَبادِئَ وقَواعِدَ عُرفيَّةٍ؛ ولِذَا يُسمُّونَهَا: مَذْهباً، وَيقُولُونَ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ بالحُكْمِ بمُقْتَضَاهَا: إنَّهُ قَاطِعُ المَذْهَبِ، وتَسْمِيَتُه صُلْحاً لاَ يُخْرِجُه عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنْ أنَّهُ تَحاكُمٌ إلَى الطَّاغُوتَ... وَعَلَى هَذَا يَجبُ عَلى مَشايخِ القَبائِلِ ألاَّ يَحْكُمُوا بينَ النّاسِ بِهَذِهِ الطّرِيقَةِ، ويَجِبُ عَلَى المُسْلِمينِ ألاَّ يتَحاكَمُوا إليْهِمْ إذَا لَمْ يَعْدِلُوا عَنهَا إلَى الحُكْمِ بالشَّرْعِ، واليَوْمَ -وللَّه الحَمْدُ- قد نَصَبَ وَلِيُّ الأمْرِ قُضاةً يَحْكُمُونَ بينَ النّاسِ، ويَفْصِلُونَ في خُصُوماتِهِمْ بكِتَابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَحُلُّونَ مُشْكِلاتِهِمْ بِمَا لاَ يَتنافَى مَعَ شَرْعِ اللَّه تعَالَى، فَلا عُذْرَ لأحَدٍ في التَّحاكُمِ إلَى الطَّاغُوتِ بعْدَ إقَامَةِ مَنْ يتَحَاكَمُ إليهِ مِنْ عُلمَاءِ الإسْلامِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِ اللَّه سُبحانَهُ.

وَبِاللَّه التَّوْفِيقُ، وصَلَّى اللَّه على نَبيِّنَا مُحمَّدٍ، وَآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ».

فَنَصِيحَتِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَبْتَعِدَ عَنْ هَذِهِ العَاداتِ والأعْرافِ المُخَالِفَةِ لِشَرْعِ اللَّه تَعَالَى، وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، وَلاَ يُعينُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا، وَيَجِبُ عَلى مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أنْ يَتوبَ إلَى اللَّه تَعَالَى؛ فَإنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ، وقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه تَوْبَةً نَصُوحًا﴾([201])، وَقَالَ - عز وجل -: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّه جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([202] وَإذَا أخْلَصَ في تَوْبَتِهِ وَحَقَّقَ شُرُوطَهَا: مِنَ الإقْلاعِ عَنِ الذَّنْبِ، وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَعَلَ، وَالعَزيمَةِ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وَرَدَّ الحُقُوقَ إلَى أهْلِهَا، أوْ طَلَبِ العَفْوِ مِنْهُمْ، فَإنَّ اللَّه يُبدِّلُ سَيَّئاتِهِ حَسَناتٍ، وكَانَ اللَّه غَفوراً رَحيمَاً.

ويجبُ عَلىَ مَشايخِ الشَّمْلِ، ومَشايِخِ القَبائِلِ، والعَشَائِرِ، ونُوَّابِ القَبائِلِ الحَذَرُ مِنْ هَذِهِ العَاداتِ المخالفة للشريعة الإسلامية، وتَحْذِيرُ النّاسِ مِنْ هَذِهِ الأحْكَامِ، وَالأعْمَالِ، وَالأقْوالِ الجَاهِليَّةِ، وَمنْعُهُمْ مِنَ التَّحَاكُمِ إلَيْها، وَإلْزَامُهُمْ بالتَّحَاكُمِ إلَى الشَّرْعِ المُطَهَّرِ في الْخُصومَاتِ وغَيرِهَا، وَتَرْغِيبَهِمْ في التَّحَاكُمِ إلَى الشَّرِيعَةِ الإسْلاميَّةِ، وإرْشَادَ كُلِّ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلكَ: طَاعَةً للَّه وَلِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وخَوْفاً مِنْ عِقَابِهِ، وَمِنْ مُخَالَفَةِ أمْرِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّه سُبحانَهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([203] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾([204])، وَقَالَ - عز وجل -: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾([205]).

وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «وجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أمْرِي» رَواهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ([206]).

 كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ جَهِلَ أحْكَامَ هَذِهِ العَادَاتِ القبلية، أوْ غَيْرِهَا: سُؤَالُ أهْلِ العِلْمِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَمَّا أشْكَلَ، وخَفِيَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾([207]).

وَيَجِبُ عَلَى أهْلِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ: مِنَ القُضَاةِ، وَالدُّعَاةِ إلَى اللَّه تَعَالَى، وَأئمَّةِ المَسَاجِدِ، وَالخُطَبَاءِ أنْ يُبِّينُوا لِلنَّاسِ قُبْحَ العَادَاتِ المخالفة للشرع المطهر، وَيُرَغِّبُوهُمْ في تَرْكِهَا، وَيُحَذِّرُوهُمْ مِنْهَا، وَمِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهَا، وَخَطَرِ إهْلَاكِهَا.

واللَّه أسأل أن يجزي الشيخ علي بن محمد بن نومه خيراً على هذا البحث المبارك، وأن ينفع بهذا المؤلف، وأن يوفق مشايخ القبائل إلى التوبة من الحكم والتحاكم إلى العادات المخالفة للشريعة الإسلامية. وصلى اللَّه، وسلّم، وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الأحد 1/ 1/ 1438هـ.

& & &


 7- وجوب محبة النبي  ونصرته وحكم من سبه، وعموم رسالته  - صلى الله عليه وسلم -

إن الحمد للَّه ، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما وعد في كتابه، وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل المرسلين وأكرم العباد، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كُلِّه ولو كره أهلُ الشرك والعِنَاد، ورفع له ذكره ولا يُذكر إلا ذُكِرَ معه كما في الأذان، والتشهدِ، والخُطبِ، والمجامعِ والأعيادِ، وكَبَتَ مُحادّه، وأهلكَ مُشاقّهُ وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد، وبَتَر شانئهُ ولعن مُؤذيه في الدنيا والآخرة، وجعل هوانه بالمرصاد أما بعد:

فقد هدانا اللَّه تعالى بنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته خير الدنيا والآخرة، وأجوب اللَّه علينا حبَّهُ، وتعزيره، ونصره بكل طريق، وإيثارهُ بالنفسِ والمال في كل موطن، وحفظه وحمايته من كل مؤذٍ، وإن كان اللَّه قد أغنى رسوله عن نصر الخلق، ولكن ليبلوَ بعضكم ببعض وليعلم اللَّه من ينصره ورسله بالغيب.

ولا شك ولا ريب أن محبة اللَّه - عز وجل - لا تحصل للعبد إلا باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال اللَّه تعالى: âقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌá([208])، وقال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث م كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: من كان اللَّه ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه كما يكره أن يُقذف في النار»([209]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه: من أهله، وماله، والناس أجمعين». وفي لفظ: «من ولده، ووالده، والناس أجمعين»([210]). وعن العباس بن عبدالمطلب - رضي الله عنه -: أنه سمع رسول اللَّه يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً»([211]).

ومحبة اللَّه ورسوله فرض بل أفرض الفروض، وتقديمها على محبة كل شيء، قال اللَّه تعالى: âقُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَá([212]). وهذا يدل على وجوب محبة اللَّه ورسوله وتقديمها على محبة كل شيء، ويدل على الوعيد الشديد والمقت الأكيد على من كان شيء من هذه المذكورات أحب إليه من اللَّه ورسوله، وجهاد في سبيله، وعلامة ذلك أنه إذا عُرِضَ عليه أمران: أحدهما يحبه اللَّه ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسُهُ وتشتهيه ولكنه يفوِّت عليه محبوباً للَّه ورسوله أو ينقصه؛ فإنه إن قدَّم ما تهواه نفسه على ما يحبه اللَّه ورسولُهُ دلَّ ذلك على أنه ظالم تاركٌ لما يجب عليه([213]).

وما أحسن ما قاله القائل:

تعصي الإله وأنت تُظهرُ حُبَّهُ

هذا لعمري في القياس بديعُ

لو كان حُبَّك صادقاً لأطعتَه

إن المحبَّ لمن يُـحِبُّ مُطيعُ([214])

وقال الإمام ابن القيم في نويته:

شرطُ المحبةِ أن توافِقَ مَنْ تحبَّ

على محبَّته بلا عصيان

فإذا ادَّعيتَ له المحبةَ مع خلافِكَ

ما يُحبُّ فأنت ذو بُهتانِ

أتحبُّ أعداء الحبيب وتدَّعي

حُبّاً له ما ذاك في إمكان

وكذا تُعادي جَاهداً أَحبَابَهُ

أين المحبَّةُ يا أخا الشيطانِ([215])

ولما قال عمر - رضي الله عنه -: يا رسول الله، لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن واللَّه لأنت أحبَّ إليَّ من نفسي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الآن يا عمر»([216]) أي الآن عرفتَ فنطقت بما يجب([217]).

وهذا الحب لا يكون بالدعوى بل بالصدق، والمحبة تثمر طاعة اللَّه ورسوله، والبعد عما نهى اللَّه عنه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ولا شك أن العبد إذا أحب اللَّه ورسوله، فإنه يحبُّ ما يحبه اللَّه ورسولُه؛ لأن من أحبَّ أحداً أحب من يحبه؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله، فقد استكمل الإيمان»([218]).

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة، فقد سأله رجلٌ عن الساعة؟ فقال: «ما أعددتَّ لها؟» قال: يا رسول الله: ما أعددتُ لها كبير صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكني أحبُّ اللَّه ورسوله، قال: «فأنت مع من أحببت»([219]). قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشدُّ من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت مع من أحببت» فأنا أحبُّ اللَّه ورسوله، وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم([220]). وعن عبداللَّه بن مسعود - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه فقال: يا رسول الله: كيف تقول في رجل أحبَّ قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال: «المرء مع من أحب»([221]). ومعنى «ولم يلحق بهم» أي في الأعمال، والآية في سورة آل عمران: âقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌá([222]). يقال لها آية المحنة، امتحن اللَّه بها العباد، فعلامة المحبة للَّه تعالى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والابتعاد عما نهى عنه، وفي الآية والأحاديث السابقة الدلالة على أن المرء مع من أحبَّ: فمن أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين فهو معهم، ومن أحب الكفار فهو معهم.

      ومن صِدْقِ المحبة له - صلى الله عليه وسلم -: نُصرته، وتعزيره، وتوقيره، قال اللَّه تعالى: âإِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًاá([223]). وقال تعالى:  âفَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَá([224]).

ومعنى âوَتُعَزِّرُوهُá ذكر ابن كثير عن ابن عباس ب «تعظموه» وقال البغوي âوَتُعَزِّرُوهُá تعينوه وتنصروه âوَتُوَقِّرُوهُá من التوقير وهو الاحترام([225]). وقد لعن اللَّه تعالى من آذاه وآذى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: âإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًاá([226]). وقال تعالى: âأُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًاá([227]).

ولا شك أن من استهزأ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يستحق لعنة اللَّه تعالى، وقد لعنه، âوَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًاá.

فإذا كان مسلماً قبل سبّه ارتدَّ ولا تقبل توبته عندنا ولو تاب؛ لقول اللَّه تعالى: âقُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْá([228]). ويجب قتله بدون استتابة على القول الصحيح.

أما إذا كان السابُّ ذميًّا أو معاهداً فإنه ينتقضُ عهدهُ ويقتل ولا يجوز المنُّ عليه ولا مفاداته بل يقتل على كل حال. وإذا تاب السابُّ فالصواب أنه يقتل ولو كان أصله مسلماً فلا تقبل توبته عندنا، أما عند اللَّه فهذا إليه سبحانه.

وقد ضَمَّن ذلك شيخ الإسلام في كتابه «الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -» قال ؒ: «وقد رتبته على أربع مسائل:

المسألة الأولى: أن السابَّ يقتل: سواء كان مسلماً أو كافراً.

المسألة الثانية: في أنه يتعين قتله وإن كان ذميًّا فلا يجوز المنُّ عليه ولا مفاداته.

المسألة الثالثة: في حكمه إذا تاب, وكذا لو أسلم الكافر بعد السبِّ.

المسألة الرابعة: في بيان السبّ وما ليس بسبٍّ والفرق بينه وبين الكفر. وقد أجاد وأفاد ؒ.

ومن اتّبع النبيَّ محمداً - صلى الله عليه وسلم - كتب اللَّه له رحمته التي وسعت كل شيء، قال اللَّه - عز وجل -: â وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾([229]).

وقد أرسله اللَّه - عز وجل - للجن والإنس، فرسالته عامة، ولا نبي بعده، قال اللَّه  - عز وجل -: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَá([230]).

لقد أرسل اللَّه هذا النبي الكريم رحمة للعالمين كما قال اللَّه تعالى: âوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَá([231]). وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، âمَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَá([232]). فلا نبي بعده عليه الصلاة والسلام، وهو الداعي لكل خير، المحذر من كل شر لجميع الجن والإنس، âيَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًاá([233]).

âياأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍá([234]).

وهو - صلى الله عليه وسلم - منةٌ من اللَّه تعالى على المؤمنين خاصة، âلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍá([235]). وقد عصمه اللَّه تعالى وتكفل بحمايته فقال تعالى: âيَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَá([236]). وكفاه اللَّه تعالى المستهزئين فقال: âفَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُá ([237]).

فيا عبداللَّه المؤمن كن من الطائعين المتبعين لهذا النبي الكريم ولا تُعِن الكافرين بل أبغضهم للَّه رب العالمين ولا تتشبه بهم؛ فإن «من تشبه بقوم فهو منهم»، وانصر نبيك محمداً - صلى الله عليه وسلم - باتباعه، ومحبته، ومقاطعة المشركين، واللَّه تعالى ناصر نبيه ومُعلي كلمته ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، ولو كره المنافقون، âوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَá([238])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة: يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار»([239]).

فدعوته - صلى الله عليه وسلم - عامة للإنس والجن إلى قيام الساعة، ومن آذاه وسبه فقد تولى اللَّه عقابه في الدنيا والآخرة. âإِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًاá([240]). وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾([241]).

فمن شتم رسول اللَّه أونال منه فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين.

وقد أحسن حسانُ بن ثابت - رضي الله عنه - حين قال لمن سب النبي - صلى الله عليه وسلم -:

هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه

وعند اللَّه في ذلك الجزاءُ

فإن أبي ووالدتي وعرضي

لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ

فهذه نبذة يسيرة في وجوب محبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونصرته، واتباع دينه، والعمل به ظاهراً، وباطناً، واتباع سنته، والذب عنها، وعموم رسالته - صلى الله عليه وسلم -.

وصلوات اللَّه وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حرر 10/ 11/ 1433هـ

& & &


 8- حكم تمثيل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم -

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أمّا بعد.

فقد ظهر في فقد كثر في هذه الأزمان تمثيل شخص النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم -، وهذا فيه امتهان لمقام النبوة، ولأصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأهمية هذا الموضوع، وخطورته على العقيدة، أكتفي بالقرارات، والبيانات الآتية:

1- قرار هيئة كبار العلماء رقم (107) في 2 \ 11\ 1403هـ

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على عبد اللَّه ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

ففي الدورة العشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف من 25/ 10/ 1402هـ حتى 6/ / 1402هـ اطَّلَعَ المجلسُ على الأمر السامي رقم (1244)، وتاريخ / 7/ 1402 هـ المتضمن الرغبة الكريمة في قيام مجلس هيئة كبار العلماء بالنظر في موضوع تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتمثيل الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وحكم تمثيل الأنبياء وأتباعهم من جانب، والكفار من جانب آخر.

بعد صدور الفتوى رقم (4723) وتاريخ 11/ 7 / 1402هـ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بتحريم ذلك؛ لأن الموضوع من الأمور المهمَّة والحسّاسة، ولا يقتصر أثره على هذه الدولة، بل يتعدَّاها إلى سواها من الدول الإسلامية الأخرى، ولأنه سبق أن أُجيز مثل هذا العمل من عدد من مشايخ الدول الإسلامية، وبما أنه سوف يترتب على البتِّ فيه كثيرٌ من الأمور التي لها مساسٌ بوسائل الإعلام المختلفة، وما يترتب على ذلك إنتاج وبث كثير من البرامج، أو منعها نهائياً، ولأن بعض الدول الإسلامية قد تأخذ المملكة قدوة في ذلك إذا دُرِس من قبل مجلس هيئة كبار العلماء.

وَلمَّا استمع المجلس إلى فتوى اللجنة الدائمة، رأى أن الموضوع يحتاج إلى مزيدٍ من النظر والتأمل، فأجّل البتَّ فيه إلى دورة أخرى.

وفي الدورة الثانية والعشرين المنعقدة بمدينة الطائف من العشرين من شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام 1403 هـ، أعاد المجلس النظر في الموضوع، ورجعَ إلى قراره السابق رقم (13)، وتاريخ 16/ 4 / 1393هـ، وإلى الكتاب المرفوع من المجلس بتوقيع رئيس الدورة الخامسة إلى جلالة الملك فيصل / برقم (1875 / 1)، وتاريخ 27 / 8 / 1394 هـ، المتضمِّن تأييد مجلس هيئة كبار العلماء لما قرَّره مؤتمر المنظمات الإسلامية من تحريم إظهار فيلم محمد رسول اللَّه، وإخراجه، ونشره، سواء فيما يتعلق بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو بأصحابه الكرام - رضي الله عنهم -؛ لِما في ذلك من تعريض مقام النبوة، وجلال الرسالة، وحُرمة الإسلام، وأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للازدراء، والاستهانة، والسخرية، وبعد المناقشة، وتداول الرأي، قرّر المجلسُ تأييدَ رأيه السابق الذي تضمَّنه القرار، والكتاب المشار إليهما آنفاً.

واللَّه ولي التوفيق، وصلَّى اللَّه وسلّم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.

هيئة كبار العلماء

رئيس الدورة

عبد العزيز بن صالح

عبد الرزاق عفيفي

عبد اللَّه خياط

عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز

محمد بن جبير

إبراهيم بن محمد آل الشيخ

سليمان بن عبيد

صالح بن غصون

عبد المجيد حسن

راشد بن خنين

عبد اللَّه بن منيع

صالح اللحيدان

عبد اللَّه بن غديان

عبد اللَّه بن قعود([242])

2- قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي

استنكار المجلس تصوير النبي - صلى الله عليه وسلم - وســائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام.

الحمد للَّه وحدهُ، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعدَهُ، سيدنا ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

أما بعد: فإنّ مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته الثامنة، المنعقدة في الفترة ما بين 27 ربيع الآخر 1405هـ، و8 جمادى الأولى 1405هـ، قد اطَّلع على الخطاب الموجّه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز من مكتب الرئاسة في قطر برقم 5021/5، وتاريخ 25 ربيع الأول 1405هـ، ومرفقٌ به كتيِّب فيه صورة مرسومة يزعم صاحبُها أنها صورةٌ للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصورة أخرى يزعم صاحبها أنها صورة لعلي بن أبى طالب - رضي الله عنه -، فأحالها سماحته بموجب خطابه رقم 318/2، وتاريخ 30 ربيع الآخر 1405هـ إلى مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، لإصدار ما يجب حيال ذلك.

وبعد أن اطَّلع المجلس على الصورتين المذكورتين، في دورته الثامنة، المنعقدة في مكة المكرمة بمقر الرابطة قرر ما يلي:

إنَّ مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - مقام عظيم عند اللَّه تعالى، وعند المسلمين، وإن مكانته السامية، ومنزلته الرفيعة، معلومة من الدين بالضرورة، فقد بعثه اللَّه تعالى رحمة للعالمين، وأرسله إلى خلقه بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا، وقد رفع ذكرَه، وأعلى قدرَه، وصلَّى عليه وملائكتُه، وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فهو سيد ولد آدم، وصاحب المقام المحمود - صلى الله عليه وسلم -.

وإنّ الواجب على المسلمين احترامه، وتقديره، وتعظيمه التعظيم اللائق بمقامه ومنزلته - صلى الله عليه وسلم -.

فإن أي امتهان له، أو تنقُّصٍ من قدره، يعتبر كفرًا، وردّة عن الإسلام، والعياذ باللَّه تعالى.

وإنّ تخييل شخصه الشريف بالصور، سواءً كانت مرسومة متحركة، أو ثابتة، وسواء كانت ذات جرم وظل، أو ليس لها ظل وجرم، كل ذلك حرام، لا يحل، ولا يجوز شرعًا.

فلا يجوز عمله، أو إقراره لأي غرض من الأغراض، أو مقصدٍ من المقاصد، أو غايةٍ من الغايات، وإنْ قُصد به الامتهان كان كفرًا.

لأنّ في ذلك من المفاسد الكبيرة، والمحاذير الخطيرة شيئًا كثيرًا وكبيرًا.

وأنه يجب على ولاة الأمور، والمسؤولين، ووزارات الإعلام، وأصحاب وسائل النشر، منع تصوير النبي - صلى الله عليه وسلم -، صورًا مجسمة، أو غير مجسمة: في القصص، والروايات، والمسرحيات، وكتب الأطفال، والأفلام، والتلفاز، والسينما، وغير ذلك من وسائل النشر، ويجب إنكاره وإتلاف ما يوجد من ذلك.

وكذلك يُمنع ذلك في حقّ الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فإن لهم من شرف الصحبة، والجهاد مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، والدفاع عن الدين، والنصح للَّه ورسوله ودينه، وحمل هذا الدين والعلم إلينا، ما يوجب تعظيم قدرهم، واحترامهم، وإجلالهم.

ومثل النبي - صلى الله عليه وسلم - سائر الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيحرم في حقهم ما يحرم في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -.

لذا فإن المجلس يقرر: أن تصوير أيِّ واحدٍ من هؤلاء حرامٌ، ولا يجوز شرعًا، ويجب منعه.

وسلام على المرسلين، والحمد للَّه ربّ العالمين.

           نائب الرئيس                               رئيس مجمع الفقه الإسلامي

       د. عبد اللَّه بن عمر نصيف                              عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز

الأعضاء

محمد بن صالح بن عثيمين

محمد بن جبير

عبد اللَّه العبد الرحمن البسام

صالح بن فوزان الفوزان

محمد بن عبد اللَّه بن سبيل

مصطفى أحمد الزرقاء

محمد محمود الصواف

محمد رشيد قباني

أبو بكر جومي

محمد الحبيب بن الخوجة

بكر أبو زيد

مبروك بن مسعود العوادي

محمد بن سالم عبد الودود

د. طلال عمر بافقيه

مقرر المجمع الفقهي الإسلامي([243])

3- فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم (4723) في 11/ 7/ 1402هـ:

س: حكم تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصحابة، والتابعين - رضي الله عنهم -؟ وعن تمثيل الأنبياء، وأتباعهم من جانب، والكفار من جانب آخر؟

ج: أولاً: إن المُشاهَد في التمثيليات التي تُقام، والمعهود فيها طابع اللَّه و، وزخرفة القول، والتصنّع في الحركات، ونحو ذلك، مما يلفت النظر، ويستميل نفوس الحاضرين، ويستولي على مشاعرهم، ولو أدَّى ذلك إلى ليٍّ في كلام من يُمثّله، أو تحريف له، أو زيادة فيه، وهذا مما لا يليق في نفسه، فضلاً عن أنه يقع تمثيلاً من شخص، أو جماعة للأنبياء، وصحابتهم، وأتباعهم فيما يصدرُ عنهم من أقوال في الدعوة والبلاغ، وما يقومون به من عبادةٍ، وجهادٍ، أداء للواجب، ونصرة للإسلام.

ثانياً: إن الذين يشتغلون بالتمثيل، يغلب عليهم عدم تحري الصدق، وعدم التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، وفيهم جرأة على المجازفة، وعدم مبالاة بالانزلاق إلى ما لا يليق، ما دام في ذلك تحقيق لغرضه من استهواء الناس، وكسب للمادة، ومظهر نجاح في نظر السواد الأعظم من المتفرجين، فإذا قاموا بتمثيل الصحابة ونحوهم، أفضى ذلك إلى السخرية، والاستهزاء بهم، والنيل من كرامتهم، والحط من قدرهم، وقضى على ما لهم من هيبة، ووقار في نفوس المسلمين.

ثالثاً: إذا قُدِّر أن التمثيلية لجانبين، جانب الكافرين كفرعون ،وأبي جهل، ومن على شاكلتهما، وجانب المؤمنين كموسى، ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأتباعهم، فإن من يُمثّل الكافرين سيقوم مقامهم، ويتكلم بألسنتهم، فينطق بكلمات الكفر، ويوجه السباب والشتائم للأنبياء، ويرميهم بالكذب، والسحر، والجنون.. إلخ، ويسفه أحلام الأنبياء، وأتباعهم، ويبهتهم بكل ما تسوله له نفسه من الشر، والبهتان، مما جرى من فرعون، وأبي جهل، وأضرابهما مع الأنبياء وأتباعهم، لا على وجه الحكاية عنهم، بل على وجه النطق بما نطقوا به من الكفر والضلال، هذا إذا لم يزيدوا من عند أنفسهم ما يُكسب الموقف بشاعة، ويزيده نكراً وبهتاناً، وإلا كانت جريمة التمثيل أشدّ، وبلاؤها أعظم.

وذلك مما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من الكفر، وفساد المجتمع، ونقيصة الأنبياء والصالحين.

رابعاً: دعوى أن هذا العرض التمثيلي لما جرى بين المسلمين والكافرين طريقٌ من طرق البلاغ الناجح، والدعوة المؤثرة، والاعتبار بالتاريخ، دعوى يردها الواقع، وعلى تقدير صحتها، فشرها يطغى على خيرها، ومفسدتها تربو على مصلحتها.

وما كان كذلك يجب منعه، والقضاء على التفكير فيه.

خامساً: وسائل البلاغ، والدعوة إلى الإسلام، ونشره بين الناس كثيرة، وقد رسمها الأنبياء لأممهم، وآتت ثمارها يانعة؛ نصرة للإسلام، وعزة للمسلمين، وقد أثبت ذلك واقع التاريخ.

فلنسلك ذلك الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.

ولنكتفِ بذلك عما هو إلى اللعب، وإشباع الرغبة والهوى، أقرب منه إلى الجدّ، وعلوّ الهمة.

وللَّه الأمر كله من قبل ومن بعد، وهو أحكم الحاكمين.

وباللَّه التوفيق، وصلّى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

نائب الرئيس

الرئيس

عبد اللَّه بن قعود

عبد اللَّه بن غديان

عبد الرزاق عفيفي

عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز([244])

4- قرار هيئة كبار العلماء رقم (13) وتاريخ 16\ 4 \ 1393 هـ

الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1\ 4 \ 1393هـ، و10/ 4 / 1393هـ، قد اطّلعت على خطاب المقام السامي رقم (44 / 93 / 1)، وتاريخ 1/ 1 / 1393 هـ، الموجّه إلى رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والذي جاء فيه ما نصه:

«نبعث إليكم مع هذا الرسالة الواردة إلينا من طلال ابن الشيخ محمود البسني المكي مدير عام شركة لونا: فيلم من بيروت، بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي، يصور حياة (بلال) مؤذن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ونرغب إليكم بعد الاطلاع عليها، عرض الموضوع على كبار العلماء؛ لإبداء رأيهم فيه، وإخبارنا بالنتيجة»:

وبعد اطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي، وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك، وتداول الرأي فيه، قررت الهيئة بالإجماع ما يلي:

1 - أن اللَّه I أثنى على الصحابة، وبين منزلتهم العالية، ومكانتهم الرفيعة، وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية، أو فيلم سينمائي، منافاة لهذا الثناء الذي أثنى اللَّه تعالى عليهم به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها اللَّه لهم، وأكرمهم بها.

2 - أن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية، والاستهزاء به، ويتولاّه أناس غالباً ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة، والأخلاق الإسلامية، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي، وأنه مهما حصل من التحفظ، فيشتمل على الكذب والغيبة، كما يضع تمثيل الصحابة رضوان اللَّه عليهم في أنفس الناس وضعاً مزرياً، فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتخفّ الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم، والجدل والمناقشة في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويتضمّن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله، ويجري على لسانه سبّ بلال، وسب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما جاء به من الإسلام، ولا شك أن هذا منكر، وكما يتخذ هدفاً لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم، وكتاب ربهم، وسنة نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

3 - ما يقال من وجود مصلحة، وهي: إظهار مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، مع التحري للحقيقة، وضبط السيرة، وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه؛ رغبة في العبرة والاتعاظ: فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين، وما يهدفون إليه، عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين، ورواد التمثيل، وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.

4 - من القواعد المقررة في الشريعة: أن ما كان مفسدة محضة، أو راجحة؛ فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه، فمفسدته راجحة؛ فرعاية للمصلحة، وسداً للذريعة، وحفاظاً على كرامة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يجب منع ذلك.

وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وخلفاءه الراشدين هم أرفعُ من أن يظهروا صورة، أو صوتاً في هذا الفيلم.

لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير (بلال - رضي الله عنه -)، وأمثاله من الصحابة، إنما كان لضعف مكانتهم، ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم، وتعريضهم للسخرية، والاستهزاء في نظرهم، فهذا غير صحيح؛ لأن لكل صحابي فضلاً يخصه، وهم مشتركون جميعاً - رضي الله عنهم - في فضل الصحبة، وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند اللَّه جل وعلا، وهذا القدر المشترك بينهم، وهو فضل الصحبة، يمنع من الاستهانة بهم.

وصلّى اللَّه ، وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.

هيئة كبار العلماء

رئيس الدورة الثالثة

محمد الأمين الشنقيطي

عبد اللَّه بن حميد

عبد اللَّه خياط

عبد الرزاق عفيفي

عبد المجيد حسن

عبد العزيز بن صالح

عبد العزيز بن باز

إبراهيم بن محمد آل الشيخ

سليمان العبيد

محمد الحركان

عبد اللَّه بن غديان

راشد بن خنين

صالح بن غصون

صالح بن لحيدان

عبد اللَّه بن منيع

محمد بن جبير([245])

5- فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء رقم ( 2044 ):

«س: هل يجوزُ تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم - لأننا نقدِّم تمثيليات، وقد أوقفنا إحداها رغبة في معرفة الحكم؟.

ج: تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم -، أو أحد منهم ممنوع؛ لِما فيه من الامتهان لهم، والاستخفاف بهم، وتعريضهم للنيل منهم، وإن ظُنَّ فيه مصلحة، فما يؤدّي إليه من المفاسد أرجح، وما كانت مفسدته أرجح فهو ممنوع، وقد صدر قرارٌ من مجلس هيئة كبار العلماء في منع ذلك.

وباللَّه التوفيق، وصلّى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو

عضو

نائب رئيس اللجنة

الرئيس

عبد اللَّه بن قعود

عبد اللَّه بن غديان

عبد الرزاق عفيفي

عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز([246])

6- بيان الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ت 1420 / المفتي العام للمملكة، ورئيس هيئة كبار العلماء

استنكار إخراج فيلم محمد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -

الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعد: فقد اطلعتُ على ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية في عددها 162، الصادر بتاريخ 9 / 7 / 1393 هـ تحت عنوان (فيلم محمد رسول اللَّه )، وقد تضمّن الخبر المذكور أنه خلال الأيام الماضية تمّ التوقيع على عقد تأسيس الشركة العربية للإنتاج السينمائي العالمي, وتولَّى التوقيع ممثلو حكومات ليبيا، والكويت، والمغرب، والبحرين, وأن الشركة المذكورة تعاقدت مع المخرج مصطفى عقاد لإنتاج فيلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حياته وتعاليمه (بالسينما سكوب) والألوان, يستمرّ عرضه ثلاث ساعات، ويخرج بعشرين لغة عالمية، بما فيها العربية.

وذلك بالاستناد إلى قصة أقرّها الأزهر، والمجلس الشيعي الأعلى، واشترك في صياغتها: توفيق الحكيم، وعبد الحميد جودة السّحار، وعبد الرحمن الشرقاوي, انتهى الخبر المذكور.

ولكون ذلك فيما نعتقد أمراً منكراً, وحدثاً خطيراً يترتب عليه مفاسد كبرى, وأضرار عظيمة، واستهانة بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وتعريض لذاته الشريفة إلى التلاعب بها، والاستهزاء والتنقص، رأيتُ المساهمة في إنكار هذا المنكر, والإهابة بالدول الأربع الموافقة على إخراجه بالرجوع عن ذلك؛ تعظيماً للنبي - صلى الله عليه وسلم -, واحتراماً له, واحترازاً عن تعريض ذاته الشريفة للتنقص، والاستهانة والسخرية، ومعلوم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

وقد عرض هذا الموضوع على المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، فقرر: تحريم إخراج فيلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -, وتحريم تمثيل الصحابة - رضي الله عنه -, وذلك في المادة السادسة من قراره المتخذ في دورته الثالثة عشرة، المنعقدة خلال المدة من 1 شعبان 1391 إلى 13 شعبان 1391 هـ, وهذا نص المادة المذكورة:

«1- يُقرّر المجلس التأسيسي بالإجماع تحريم إخراج فيلم محمد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ لما فيه من تمثيله - صلى الله عليه وسلم - بآلة التصوير الكاميرا، مشيرة إليه، وإلى موضعه، وحركاته، وسائر شؤونه بالتحديد, وتمثيل بعض الصحابة - رضي الله عنه - في مواقف عديدة، ومشاهد مختلفة، وهو مُحرَّم بالإجماع.

2 - يوصي المجلس الأمانة العامة للرابطة بإبلاغ هذا القرار لجميع الدول الإسلامية, والمنظمات الإسلامية, والجمعيات الدينية في البلاد العربية والإسلامية، ووزارات الإعلام, ومشيخة الأزهر, ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر, والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة, والصحف, والإذاعات في البلاد الإسلامية كافة.

3 - يوصي المجلسُ الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي, بإخطار مُخرج هذا الفيلم بهذا القرار جواباً على طلبه الأخير بإخراج الفيلم، وإنذاره بأن الأمانة العامة للرابطة ستتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من يحاول الاعتداء على قدسية، وحرمة صاحب الرسالة العظمى - صلى الله عليه وسلم -, وحرمة أصحابه الأكرمين في أية جهة من العالم.

4 - يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بوضع رسالة في حرمة إخراج فيلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن أصحابه رضوان اللَّه عليهم أجمعين، تضمّ ما أجرته الأمانة العامة للرابطة بشأنه في جميع مراحله, وما صدر فيه من قرارات في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، والمنظمات الإسلامية الأخرى, وما صدر بشأنه من القرارات والفتاوى في البلاد الإسلامية عامة, ونشر ذلك في البلاد الإسلامية تبصرة، وتنويراً وإرشاداً، وتحذيراً.

5- يشكر المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي على ما قامت به من جهود موفقة في هذا الموضوع الخطير». انتهى.

كما قرَّرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، منع تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - من باب أولى، وذلك بقرارها رقم 13، وتاريخ 16\4 \ 1393 هـ الآتي نصُّه:

«الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمَّا بعد: فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1 /4 / 1393هـ، و17/ 4 / 1393 هـ، قد اطَّلعت على خطاب المقام السامي رقم 44 / 93، وتاريخ 1 / 1 / 1393 هـ الموجَّه إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والذي جاء فيه ما نصُّه:

نبعثُ إليكم مع الرسالة الواردة إلينا من طلال بن الشيخ محمود البسني المكي مدير عام شركة لونا، فيلم من بيروت، بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.

نرغب إليكم بعد الاطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء؛ لإبداء رأيهم فيه، وإخبارنا بالنتيجة, وبعد اطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي, وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي قرّرت ما يلي:

1 - إن اللَّه سبحانه أثنى على الصحابة, وبين منزلتهم العالية، ومكانتهم الرفيعة, وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية، أو فيلم سينمائي، منافاة لهذا الثناء الذي أثنى اللَّه عليهم به, وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها اللَّه لهم، وأكرمهم بها.

2 - إن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية، والاستهزاء, ويتولاه أناس غالباً ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة، والأخلاق الإسلامية، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي, وأنه مهما حصل من التحفظ، فسيشتمل على الكذب، والغيبة، كما يضع تمثيل الصحابة رضوان اللَّه عليهم في أنفس الناس وضعاً مزرياً، فتتزعزع الثقة بأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -, وتخفّ الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين, وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم، والجدل والمناقشة في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -, ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله، ويجري على لسانه سبّ بلال، وسبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما جاء به الإسلام، ولا شك أن هذا منكر, كما يتخذ هدفاً لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم، وكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.

3 - ما يُقال من وجود مصلحة، وهي إظهار مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة، وضبط السيرة، وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه؛ رغبة في العبرة، والاتعاظ، فهذا مجرد فرض وتقدير, فإن من عرف حال الممثلين، وما يهدفون إليه، عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين، ورواد التمثيل، وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.

4 - من القواعد المقرّرة في الشريعة أن ما كان مفسدة محضة، أو راجحة؛ فإنه محرم, وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه، فمفسدته راجحة, فرعاية للمصلحة، وسداً للذريعة، وحفاظاً على كرامة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - منع ذلك، وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وخلفاءه الراشدين، هم أرفع من أن يظهروا صورة، أو صوتاً في هذا الفيلم, لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير بلال وأمثاله من الصحابة، إنما كان لضعف مكانتهم، ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة, فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم، وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم، فهذا غير صحيح؛ لأن لكل صحابي فضلاً يخصه، وهم مشتركون جميعاً في فضل الصحبة، وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند اللَّه جل وعلا.

هذا القدر المشترك بينهم، وهو فضل الصحبة، يمنع من الاستهانة بهم، وصلّى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه». انتهى.

ولكل ما تقدم، وما سوف يُفضي إليه الإقدام على هذا الأمر من الاستهانة بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وبأصحابه - رضي الله عنهم -، وتعريض سيرته، وأعماله، وسيرة أصحابه، وأعمالهم للتلاعب، والامتهان من قبل الممثلين، وتجار السينما، يتصرّفون فيها كيف شاؤوا, ويبرزونها على الصفة التي تلائمهم، بغية التكسُّب والاتجار من وراء ذلك, ولما في هذا العمل الخطير من تعريض النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه - رضي الله عنهم - للاستهانة والسخرية, وجرح مشاعر المسلمين, فإني أكرر استنكاري بشدة لإخراج الفيلم المذكور.

وأطلب من جميع المسلمين في كافة الأقطار استنكارهم لذلك, كما أرجو من جميع الحكومات والمسؤولين بذل جهودهم لوقف إخراجه، وفي إبراز سيرته - صلى الله عليه وسلم -، وسيرة أصحابه - رضي الله عنهم - بالطرق التي درج عليها المسلمون من عهده - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا ما يكفي، ويشفي، ويغني عن إخراج هذا الفيلم.

وأسأل اللَّه - عز وجل - أن يوفق المسلمين جميعاً، وحكوماتهم لكل ما فيه صلاح المسلمين في العاجل والآجل, ولكل ما فيه تعظيم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - التعظيم الشرعي اللائق به، وبأصحابه الكرام, والحذر من كل ما يفضي إلى التنقص لهم، أو السخرية منهم، أو يعرّضهم لذلك, إنه جواد كريم، وصلى اللَّه وسلم على عبده، ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه([247]).

7- فتوى الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين / عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة:

حكم مشاهدة تمثيليات الصحابة - رضي الله عنهم -

إن ممَّا عمَّت به البلوى هذا التلفاز الذي لا يكاد يخلو منه بيت في برٍّ، أو بحرٍ، مع العلم أنه يعرض فيه ما يلي:

1-    الغناء بميوعته، والموسيقى بمختلف آلاتها.

2-     المسلسلات البوليسية الإجرامية.

3-    الروايات الخرافية، والخيالية.

4-     التمثيل المختلط بين الجنسين.

5-    تشويه تاريخ الإسلام والمسلمين، والصالحين حيث تمثل نساؤهم معهم سافرات، وهذا يشاهد في المسرحيات التاريخية.

6-    يُعرض في بعض التمثيليات خيانات زوجية، والعياذ باللَّه.

7-    ظهور المرأة فيه سافرة، أو متبرجة، أو مغنية، أو ممثلة، أو غير ذلك.

8-    وفي وسط ما سبق، أو قبله، أو بعده يُتلى القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والتوجيهات الدينية.

9-    تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم -:

وإذا عُلم أن إذاعة القرآن الكريم تُقدِّم برامج دينية تفوق ما يُعرض في التلفاز، حتى الأخبار المحلية والعالمية، فإذا علمنا ذلك، فهل يجوز إدخاله حتى تصلَ إليه أيدي ضعفاء الإدراك من النساء والأطفال، فينظرون إلى ما فيه، فيختلط عليهم الحق بالباطل.

وهل يجوزُ النظرُ إلى المرأة فيه؟ وإلى المردان؟ والذين يظهرون بشكل يتنافى مع الرجولة في بعض الأحيان.

وماذا يجبُ على من أصرّ على إدخاله، أو قال لا أستطيع إخراجه؟.

وهل يجوز إدخاله لمن يقول: إنه يصعب عليه قفله أمام الغناء، والموسيقى التي تكتنف برامجه، ونحو ذلك، وهل برامجه السابقة تتفق مع الشريعة الإسلامية؟.

وهل يجوز للرجال والنساء عامة النظر إلى البرامج السابقة ونحوها؟ وفقكم اللَّه للجواب الصحيح الشافي.

ج- لا شك أن الفقرات التي صدرتم بها كلامكم عن التليفزيون، فقراتٌ مُحرَّمةٌ، لا يتريَّب في تحريمها من عرف مصادر الشريعة الإسلامية، ومواردها؛ لِما تتضمَّنه من المفاسد الدينية، والأخلاقية، والأمنية، والاجتماعية، فنسأل اللَّه تعالى أن يوفق القائمين عليه لاجتنابها، والبعد عنها، حتى يحصل الخير والفلاح، والبعد عن أسباب الشر والفتنة.

كما أن إحاطة القرآن، والبرامج الدينية بمثل هذه الأمور، جمْعٌ بين الضِّدَّيْن، ولاشك أن اقتناءه لمن يستعمله فيما ذكر محرَّمٌ؛ لأن مشاهدة الحرام حرام، وعلى هذا فمن اقتناه، وهو يعلم، أو يغلب على ظنه، أنه لا يتمكن من اجتناب البرامج المذكورة، فقد أصرَّ على محرم ،وكذلك من اقتناه لأهله وأولاده الذين لا يتحاشون من ذلك، وإن كان هو لا يُشاهده؛ فإنه قد اقترف إثماً؛ لكونه أعان على محرم، وهو من سوء التربية التي سيُحاسبُ عليها المرء يوم القيامة.

وأما مشاهدة التليفزيون بدون اقتناء؛ فإنها على ثلاثة أقسام:

1-    مشاهدة ما فيه منفعة دينية أو دنيوية، فهذا لا بأس بها إلا أن يتوصَّل بها المشاهد إلى شيء محرَّم، مثل أن تتمتع المرأة بالنظر إلى مُقدِّم البرامج، فيكون بذلك فتنة.

2-    مشاهدة ما فيه مضرة في الدين، فهذا حرام؛ لأن الواجب على المؤمن أن يحمي دينه عما يضرُّه.

3-    مشاهدة ما لا ينفع، ولا ضرر، فهذه من اللغو الذي لا يليق بالمؤمن الحازم أن يضيع وقته بمثلها.

واللَّه أسأل أن يُصلح أمر المسلمين، ويقيهم السوء في الدنيا والآخرة»([248]).

8- بيان العلامة بكر بن عبد اللَّه أبو زيد عضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وعضو هيئة كبار العلماء.

إجماع العلماء على تحريم تمثيل الأنبياء والخلفاء الراشدين

«أجمع القائلون بالجواز [التمثيل] المقيَّد، على تحريمه في حق أنبياء اللَّه ورسله - عليهم والصلاة والسلام -، وعلى تحريمه في حقِّ أمَّهات المؤمنين زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وولده - عليهم السلام -، وفي حق الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -.

فنسألُ المُجيزَ مُقيِّداً، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه)، وهو الذي حرم - صلى الله عليه وسلم - المحاكاة، وحرّم الكذب، فلماذا نُهدرُ هذه الحُرُمات في حق بقية سلف هذه الأمة، وصالحها، وفيهم العَشَرة المبشَّرون بالجنة، وأعمام النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولحمة قريش، وسداها ممن أسلموا، هم عشيرته، وقراباته - صلى الله عليه وسلم -، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوصى بعترته أهل بيته، وهكذا في كوكبة الصحابة - رضي الله عنهم -ـ والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أقول:

اللَّهمَّ إني أبرأ إليك من إهدار حُرُمات المسلمين، أو النيل منهم»([249]) .

9- فتوى العلامة صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء

لا يجوز تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم - بالإجماع

«أحسن اللَّه إليكم، يقول السائلُ: هل يجوزُ تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم -؟ أو الصحابي عمر - رضي الله عنه - في مسلسلات تاريخية؟.

الجواب:

هذا لا يجوز بالإجماع، أجمعَ العلماءُ لمعاصرون على تحريم ذلك، وصدَرَت فيه قرارات، قرارات هيئة كبار العلماء، والمجامع الفقهية بتحريم تمثيل الصحابة - رضي الله عنهم -، ورابطة العالم الإسلامي، أجمعوا على هذا، نعم.

لكن هؤلاء يُدوِّرون دراهم، يحطُّون هذه المسلسلات، ويذيعونها، يبون دراهم، ولا عليهم من حلالٍ ولاحرام»([250]).

وصلَّى اللَّه، وسلّم، وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

حرر في 20/11/ 1433هـ.

& & &

 9- من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وآياته التي تدل على أنه رسول اللَّه حقاً

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد، فإن ما حصل من بعض الخوارج الذين يطلق عليهم الدواعش في هذ الزمن، من قتلهم لإخوانهم، وآبائهم، وأعمامهم، وأبناء أعمامهم، وأبناء أخوالهم، وأقربائهم، من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تدل على أنه رسول اللَّه حقاً؛ لأنه أخبر بأمور غيبية، أوحى اللَّه إليه بها، فوقعت كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فقد أخبر - صلى الله عليه وسلم -: أن الرجل يقتل جاره، وأخاه، وأباه، وابن عمه، وذا قرابته، فعن أبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قال رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يقتُلَ الرَّجُلُ جَارَه، وأخاه، وأباه»([251])، فوقع ذلك كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، فدل ذلك على أنه رسول اللَّه حقاً، وأخبرنا - صلى الله عليه وسلم - أن هؤلاء الخوارج حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، وأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، فوقع ذلك كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -.

وعن أَبي مُوسَى - رضي الله عنه - أيضاً قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَهَرْجًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ، الْقَتْلُ» فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِن الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ» فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ»، ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ، إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم -، إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ منها كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا([252]).

وعن أبي موسى - رضي الله عنه - أيضاً: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ»، قُلْنَا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَابْنَ عَمِّهِ، وَأَبَاهُ»، قال : فرأينا من قتل أباه زمان الأزارقة([253])([254]).

وهذه الأحاديث، والأحاديث الآتية، تدل على أمور منها:

الأمر الأول: صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه رسول اللَّه حقاً؛ لأنه أخبر بهذه الأمور الغيبية، من قتل بعض هؤلاء الخوارج لآبائهم، وإخوانهم، وأعمامهم، وأبناء أعمامهم، وجيرانهم، وذوي قرابتهم، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنهم سفهاء الأحلام، أي: صغار العقول، حدثاء الأسنان، أي: صغار الأسنان، وأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، فوقع جميع هذه الأمور كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، فدل ذلك كله على أن اللَّه أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحق، وأنه رسول اللَّه بلا شك ولا ريب.

الأمر الثاني: فساد مذهب الخوارج، واستحقاق من عمل هذه الأعمال لسخط اللَّه تعالى وغضبه، ولعنته، والعياذ باللَّه تعالى.

فيا ويح هؤلاء الخوارج، ويا ويلهم من قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([255])، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ب: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» ([256]).

الأمر الثالث: قطيعتهم لأرحامهم، ومعصيتهم ربهم - عز وجل -؛ لقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ([257])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ»([258])، وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: «إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ([259]) مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ»([260])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»([261]) يعني: قاطع رحم([262] ولفظ أبي داود في سننه: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ»([263])، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخُبْثَ»([264])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّه - عز وجل - إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ([265])، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ على الْخَمْر، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى»([266])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّه تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» ([267]).

الأمر الرابع: أن من قتل أباه، أو أخاه، أو جاره، أو ابن عمه، أو ذا قرابته لا عقل له، بل ينزع عقله، ويكون كالغبار، ويكون من أراذل الناس، والعياذ باللَّه تعالى، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام السندي :([268]) في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي سبق ذكره «تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ»، وهذا من الفتن التي حذر منها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»([269]). قال الإمام النووي :: «مَعْنَى الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا، وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَا الْمُقْمِرِ، وَوَصَفَ - صلى الله عليه وسلم - نَوْعًا مِنْ شَدَائِدِ تِلْكَ الْفِتَنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا، ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِرًا، أَوْ عَكْسُهُ، شَكَّ الرَّاوِي، وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَنِ، يَنْقَلِبُ الْإِنْسَانُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ هَذَا الِانْقِلَابَ. وَاللَّه أَعْلَمُ»([270]).

ومن أعظم الفتن التي فرقت بين المسلمين، وشوهت صورة الإسلام، ما يعمله الخوارج، الذين يقال لهم (الدواعش) في هذا الزمان، فقد شوَّهوا الإسلام، وقد أخبرنا عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان، فعن علي - رضي الله عنه - قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([271] قال الإمام النووي :: «قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ: مَعْنَاهُ: صِغَارُ الْأَسْنَانِ، صِغَارُ الْعُقُولِ»([272]).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ...»([273]) الحديث.

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه -، إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَرْبَعَةِ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ المُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَالأَنْصَارُ، قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا، قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللَّه إِذَا عَصَيْتُ؟ [وفي لفظ لمسلم: «فمن يطع اللَّه إن عصيته»] أَيَأْمَنُنِي اللَّه عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلاَ تَأْمَنُونِي» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ، - أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، أَوْ: فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»([274]).

قال الإمام النووي : في معنى قوله: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ: أَيْ: قَتْلًا عَامًّا، مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقية﴾ ([275]).

فينبغي لكل مسلم أن يخاف على نفسه من هذه الفتن، ويجب عليه أن يبتعد عنها، ولا يقرب من أهلها، فقد بيَّن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -: كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ»([276])، وأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستعيذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها، وما بطن، كما في حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّه مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»([277]).

ويجب على المسلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان يخاف على نفسه، وهو رسول اللَّه حقاً، فيقول كما في حديث أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّه يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» ([278])، ومن حديث عَبْدَ اللَّه بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ب، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»([279]).

فأرجو ممن اطلع على هذه الأحاديث أن يعمل بها، ويتأملها، ويتدبر معانيها.

واللَّه أسأل أن يعيذنا جميعاً من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، ومن شرور أنفسنا، ومن نزغات الشيطان، وأن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كيد الكائدين، ومن عبث العابثين، ومن كل سوء، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، ويصرف عنهم كل شر، وأن يصلح بطانتهم، وأن يعينهم لنصرة الإسلام والمسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الأحد 11/ 6/ 1437هـ.

& & &

 10-نبذة من فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -

الحمد للَّهِ، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

فإن أصحاب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - هم أفضل البشر، - صلى الله عليه وسلم - بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد اختارهم اللَّه - عز وجل - لصحبة نبيه، ونصرته، ومدحهم، وأثنى عليهم I في كتابه الكريم في مواضع كثيرة، ومدحهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واثنى عليهم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك الآيات والأحاديث الآتية:

1-     قال اللَّه - عز وجل - في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾([280]).

وقد ثبت في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ: ﴿للَّه مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ اُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّه فِي إِثْرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّه تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّه - عز وجل -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: «نَعَمْ»، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: «نَعَمْ»، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قَالَ: «نَعَمْ»، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قَالَ: «نَعَمْ»([281]).

وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ب، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا»، قَالَ: فَأَلْقَى اللَّه الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ»([282]).

2-     وقال اللَّه I في مدح المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾([283])، والمعنى أن اللَّه - عز وجل - مدح المهاجرين والأنصار أصحاب النبي محمد بن عبد اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وأثنى عليهم بالإيمان، وبيَّن ثوابهم؛ لأنهم صدَّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة، والنصرة، والموالاة؛ بعضهم لبعض، وجهادهم لأعداء اللَّه ورسوله، من الكفار والمنافقين ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾([284]).

3-     وقال - عز وجل -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾([285]«يخبر تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجلّ الأحوال، وأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، أي: جادُّون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذلّ أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، أي: متحابُّون، متراحمون، متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق؛ فإنك ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بتلك العبادة ﴿فَضْلا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا﴾، أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت بالجلال ظواهرهم، ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، أي: هذا وصفهم الذي وصفهم اللَّه به، مذكور بالتوراة هكذا، وأمّا مثلهم في الإنجيل؛ فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾، أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ذلك الزرع، أي: قوي وغلظ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، هم كالزرع في نفعهم للخلق، واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم، وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع، وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق، ووازره، وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين اللَّه والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم، وهم في معارك النزال، ومعامع القتال، ﴿وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فالصحابة - رضي الله عنهم -، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع اللَّه لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة»([286]).

4-     وقال I: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّه وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾([287]). ذكر اللَّه - عز وجل - أموال الفيء، وحدد أصحابها «ثم ذكر تعالى الحكمة، والسبب الموجب لجعله تعالى الأموال أموال الفيء لمن قدرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مستحقون لأن تجعل لهم، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار، والأوطان، والأحباب، والخلان، والأموال، رغبة في اللَّه، ونصرة لدين اللَّه، ومحبة لرسول اللَّه، فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، والعبادات الشاقة، بخلاف من ادّعى الإيمان، وهو لم يصدقه بالجهاد، والهجرة وغيرهما من العبادات، وبين أنصار، وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا باللَّه ورسوله؛ طوعاً، ومحبة، واختياراً، وآووا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوؤوا دار الهجرة والإيمان، حتى صارت موئلاً، ومرجعاً يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب، وشرك، وشر، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام، وقوي، وجعل يزيد شيئاً شيئاً فشيئاً، وينمو قليلاً قليلاً، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان، والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان، الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؛ وهذا لمحبتهم للَّه، ولرسوله، أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه، ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم اللَّه من فضله، وخصَّهم به من الفضائل، والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغلِّ، والحقد، والحسد عنها، ويدل ذلك على أن المهاجرين، أفضل من الأنصار، لأن اللَّه قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا، فدل على أن اللَّه تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميّزوا بها على من سواهم: الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحابّ النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة للَّه تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه، وطعام أهله وأولاده، وباتوا جياعاً، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة؛ لأنها من خصال البخل، والشح، ومن رزق الإيثار فقد وُقي شح نفسه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ووقاية شحّ النفس، يشمل وقايتها الشحّ، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وُقي العبد شحّ نفسه، سمحت نفسه بأوامر اللَّه ورسوله، ففعلها طائعاً منقاداً، منشرحاً بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى اللَّه عنه، وإن كان محبوباً للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل اللَّه، وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شحّ نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر، ومادته، فهذان الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام، والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق، والفضائل، والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين»([288]).

5-     وقال اللَّه - عز وجل -: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للَّه وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّه وَاللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾([289])، لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من (أحد) إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان، ومن معه من المشركين، قد همّوا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا -على ما بهم من الجراح- استجابة للَّه ولرسوله، وطاعة للَّه ولرسوله، فوصلوا إلى (حمراء الأسد)، وجاءهم من جاءهم، وقال لهم: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾، وهمّوا باستئصالكم، تخويفاً لهم وترهيباً، فلم يزدهم ذلك إلا إيماناً باللَّه، واتكالاً عليه، ﴿وقالوا حسبنا اللَّه﴾ أي: كافينا كل ما أهمّنا ﴿ونعم الوكيل﴾ المفوّض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّه وَاللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فانقلبوا﴾ أي: رجعوا ﴿بنعمة من اللَّه وفضل لم يمسسهم سوء﴾، وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلّف منهم، فألقى اللَّه الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من اللَّه وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة، والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل اللَّه عليهم»([290]).

6-          وقال - عز وجل -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾([291])، «السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة، وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللَّه ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّه وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾([292])، ﴿و﴾ من ﴿الأنْصَارِ﴾ ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾([293])، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ بالاعتقادات، والأقوال، والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذمّ، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللَّه، ﴿رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ﴾، ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ﴾ الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ لا يبغون عنها حولاً، ولا يطلبون منها بدلاً؛ لأنهم مهما تمنّوه، أدركوه، ومهما أرادوه، وجدوه ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي حصل لهم فيه، كل محبوب للنفوس، ولذّةٍ للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور»([294]).

7-     وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّه عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾([295])، «يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلك المبايعة التي بيّضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها (بيعة الرضوان) لرضا اللَّه عن المؤمنين فيها، ويقال لها (بيعة أهل الشجرة) - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لمّا دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائراً هذا البيت، معظماً له، فبعث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من معه من المؤمنين، وكانوا نحواً من ألف وخمسمائة، فبايعوه تحت شجرة على قتال المشركين، وأن لا يفرّوا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات، وأجل القربات، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإيمان، ﴿فَأَنزلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ شكراً لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصّوا بخيبر وغنائمها، جزاءً لهم، وشكراً على ما فعلوه من طاعة اللَّه تعالى، والقيام بمرضاته»([296]).

8-     وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾([297]). فقد تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاَّه اللَّه ما تولَّى وأصلاه جهنم([298]).

9-     وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه»([299]).

10-    وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»([300]).

11-    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي»([301]).

12-    وعن عمرو بن العاص بأنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة»، قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم عمر بن الخطاب»، فعدّ رجالاً، فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم([302]).

13-         وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ، وَمَوَدَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إلاَّ بَابُ أَبِي بَكْرٍ»([303]).

14-    وعن عبد اللَّه بن عمر - رضي الله عنه - أنّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»([304]).

15-    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمر - رضي الله عنه - أيضاً: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»([305]).

16-    وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن عبد اللَّه رجل صالح»([306])، يعني عبد اللَّه بن عمر ب.

17-    وعَنْ سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا، فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: «أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»([307]).

18-    وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم من بعد ذلك تسبق أيمانهم شهاداتهم، وشهاداتهم أيمانهم»([308]).

فهؤلاء الصحابة وغيرهم من أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الذين مدحهم اللَّه في كتابه، ومدحهم ودعا لهم بالمغفرة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الناطق بالوحي، واحداً واحداً، وجماعةً جماعةً، ويمدحهم ويُثني عليهم كل من سلك مسلكه، واتبع سبيله من المؤمنين غير المنافقين من أتباع اليهود، والمجوس، والرافضة الذين أكلت قلوبهم البغضاء والشحناء، والحسد عليهم لأعمالهم الجبَّارة في سبيل اللَّه، وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك، وكان هذا هو السبب الحقيقي لحنق الكفرة على هؤلاء المجاهدين، العاملين بالكتاب والسنة، وخاصة على أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - ، الذين قادوا جيوش الظفر، وجهزوا عساكر النصر، وكان سبب احتراق اليهود على المسلمين خاصة أنهم هدموا أساسهم وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استئصالاً، تحت راية النبي - صلى الله عليه وسلم -، حين كان أسلافهم من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، يقطنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في زمن عمر الفاروق - رضي الله عنه -؛ حيث نفَّذ فيهم وصية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»([309])، وطهَّر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم، ولم يترك أحداً من اليهود في الجزيرة طبقاً لأمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -([310]).

وقد أجمع أهل السنة أن أفضل الناس بعد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل البيعة [بيعة الرضوان في الحديبية تحت الشجرة]، ثم باقي الصحابة، هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي([311]).

«وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: سَلاَمَةُ قُلُوبِهِمْ، وَأَلْسِنَتِهِمْ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّه بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَاغِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾([312])، وَطَاعَةَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِهِ: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ»([313]).

وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ، وَالسَّنَّةُ، وَالإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ، وَمَرَاتِبِهِمْ، وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ - وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ - وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ، وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الأَنْصَارِ، وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّه قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ - وَكَانُوا ثَلاثَ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَر-: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُم. فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»([314])، وَبِأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؛ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، بَلْ لَقَدْ رَضَيَ اللَّه عَنْهُمْ، وَرَضُوا عَنْهُ، وَكَانُوا أَلْفاً وَخَمْسَماِئَة؛ لحديث: سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: «لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ»([315])، وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، كَالْعَشَرَةِ، وَثَابِتِ بْنِ قِيْسِ بنِ شَمَّاسٍ، وَغَيْرِهِم مِّنَ الصَّحَابَةِ.

وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه -، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ، وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ - رضي الله عنهم -؛ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثَارُ، وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانُ فِي الْبَيْعَةِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ب- بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ: وَسَكَتُوا، أَوْ رَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا.

لَكِنِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِه الْمَسْأَلَةُ - مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - لَيْسَتْ مِنَ الأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلُ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ.

لَكِنِ المسألة الَّتِي يُضَلَّلُ فِيهَا: مَسْأَلَةُ الْخِلاَفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلاَفَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ؛ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ.

وَيُحِبُّونَ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ، وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّه فِي أَهْلِ بَيْتِي»([316]). وَقَالَ أَيْضًا لِلْعَبَّاسِ عَمِّه - وَقَدِ اشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ - فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ؛ للَّه وَلِقَرَابَتِي»([317] وَقَالَ: «إِنَّ اللَّه اصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»([318]).

وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بَأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الآخِرَةِ: خُصُوصًا خَدِيجَةَ ب أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلاَدِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَعَاَضَدَهُ عَلَى أَمْرِه، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ.

وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ ب، الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»([319]).

وَيَتَبَرَّؤُونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ، وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمَنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ، وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ: إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ.

وَهُم مَّعَ ذَلِكَ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ؛ بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُم مِّنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ - إِنْ صَدَرَ -، حَتَّى إنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُم مِّنَ السَّيِّئَاتِ مَا لاَ يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لأَنَّ لَهُم مِّنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ.

وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ([320])، وَأَنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّن بَعْدَهُمْ([321]). ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ؛ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بَحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ، أَو غُفِرَ لَهُ؛ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوْ ابْتُلِيَ بِبَلاَءٍ فِي الدُّنْيَا، كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ؛ فَكَيْفَ الأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ: إنْ أَصَابُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا؛ فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مغْفُورٌ.

ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْفُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ؛ مِنَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمَن نَّظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَمَا مَنَّ اللَّه عَلَيْهِم بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خِيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الأَنْبِيَاءِ؛ لاَ كَانَ، وَلا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ، وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ([322]).

واللَّه أسأل أن يحشرنا، ووالدينا، ومشايخنا، وأزواجنا، وذرياتنا في زمرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه السابقين من المهاجرين، والأنصار، والذين اتّبعوهم بإحسان.

وصلّى اللَّه وسلّم على نبيّنا محمّد بن عبد اللَّه، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

حرر في 17/ 11/ 1433هـ

& & &


 11-نبذة من سيرة أبي بكر- رضي الله عنه -

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذه نبذة يسيرة جداً من سيرة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -([323])؛ خليفة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو أول الخلفاء، وأفضلهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقهم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»([324] وهو الذي أثنى عليه اللَّه تعالى بقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّه مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾([325])، وقد قال أبو بكر - رضي الله عنه - عندما كان مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الغار، قال: «يا نبي اللَّه، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّه ثَالِثُهُمَا؟»([326])، ومن سبَّه، أو انتقص من حقه، فهو أضل من حمار أهله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([327]).

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

أولاً: ولادته، وأعماله، ووفاته - رضي الله عنه -:

ولد أبو بكر - رضي الله عنه - بعد مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين و أشهر؛ فإنه مات و له ثلاثة وستون سنة([328])، وهو أول من أسلم من الرجال([329])، صحب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من حين أسلم إلى حين توفي، لم يفارقه حضراً ولا سفراً، إلا فيما أَذِنَ له رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الخروج فيه، من: حجٍ، أو غزوٍ، و شهد معه الغزوات كلها، وجميع المشاهد، وهاجر معه، وترك عياله وأولاده، رغبة في اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -([330])، وهو أفضل أصهار رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، حيث زوجه عائشة ل أحب النساء لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وقد وقع في خلافته الأمور العظيمة: من تنفيذ جيش أسامة، وقتال أهل الردة، وما نعي الزكاة، وقتال مسيلمة الكذاب عندما ادعى النبوة حتى قتل، وانهزم أصحابه، وهو أول من شهد له رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالجنة من العشرة المشهود لهم الجنة، وجمع القرآن - رضي الله عنه - ، وأول من سمَّاه مصحفاً، وأول من سُمِّي خليفة([331])، وهو أعلم الصحابة، وأفقههم، وقد توفي- رضي الله عنه - في سنة ثلاث عشرة، في شهر جمادى الآخرة للهجرة، في يوم الثلاثاء، وله ثلاث وستون سنة، وعلى رأس سنتين وثلاثة أشهر، واثني عشر يوماً من مُتوفَّى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -([332]).

ثانياً: دفاعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والقيام بنصرته:

عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال: قلت لعبد اللَّهبن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: بينما رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾([333]).

وهو أشجع الصحابة - رضي الله عنه - فقد رُوي عن علي - رضي الله عنه - أنه خطب، فقال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ [أي بعد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أشجع الناس]، قالوا: أنت يا أمير المؤمنين! قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس! قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر. إنه لما كان يوم بدر، جعلنا لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عريشاً، فقلنا: من يكون مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لئلا يهوي عليه أحد من المشركين، فواللَّه ما دنا منه أحد إلا أبو بكر، شاهراً بالسيف على رأس رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس.

قال علي - رضي الله عنه -: ولقد رأيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأخذته قريش، فهذا يحاده، وهذا يتلتله([334] وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً، فواللَّه ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويُجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّه﴾، ثم رفع عليٌّ بردةً كانت عليه، ثم بكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال علي: أنشدكم اللَّه، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم. ثم قال: ألا تجيبوني؟ فواللَّه لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه([335]).

ثالثاً: تصديقه للنبي - صلى الله عليه وسلم - والحرص على حمايته:

عن جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لما كذبني قريش قمت في الحجر، فجلَّى اللَّه لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه»[336]).

وقد افتتن ناس كثير عقب الإسراء، فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له قصة الإسراء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس، فقال أبو بكر: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم، إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، فسُمّي بذلك الصديق([337]).

وقد كان - رضي الله عنه - يحرص على حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد الحرص، فقد ذكر رجال على عهد عمر - رضي الله عنه - فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال: واللَّه لليلة من عمري من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشى ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا أبا بكر ما لك تمشي ساعة خلفي، وساعة بين يدي؟» فقال: يا رسول اللَّه، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: «يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟» قال: نعم، والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول اللَّه حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة([338] فقال: مكانك يا رسول اللَّه حتى أستبرئ، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول اللَّه، فنزل. ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر([339]).

وعندما دخل أبو بكر الغار مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صار يخاف عليه من قريش حينما رآهم، فقال – رضي اللَّه عنه وأرضاه –: يا رسول اللَّه، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما، لا تحزن فإن اللَّه معنا»([340]).

ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخُوّةُ الإسلام ومودَّته»([341]).

وقال: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ اللَّه - عز وجل - صاحبكم خليلاً»([342]).

رابعاً: إنفاقه ماله في سبيل اللَّه تعالى:

عندما أسلم أبو بكر - رضي الله عنه - كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزله يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة اللَّه، ومن ذلك ما يأتي:

1- إنفاق المال في إعتاق الرّقاب:

أعتق - رضي الله عنه - رقاباً كثيرة، حُفِظَ منهم سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي اللَّه عن الجميع.

وقد كانت هذه الرقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها اللَّه بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأخذ - رضي الله عنه - ينفق أمواله في خدمة الإسلام والمسلمين([343]).

2- أخذه جميع ماله يوم الهجرة لإنفاقه على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:

حمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ولم يبق لأهله شيئاً، فعن أسماء بنت أبي بكر ب قالت: «لما خرج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: واللَّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيراً كثيراً، قالت: فأخذت أحجاراً فجعلتها في كوة([344]) في البيت – كان أبي يجعل فيها ماله – ثم جعلت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك يا أبت على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: ولا واللَّه ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك»([345]).

3- تصدُّقه بماله كله في غزوة تبوك:

وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر - رضي الله عنه - بكل ما عنده، فقال له رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم اللَّه ورسوله، قلت: واللَّه لا أسبقه إلى شيء أبداً»([346]).

وأبو بكر - رضي الله عنه - أولى الأمة بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى، إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾([347]).

خامساً: موقف أبي بكر عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ([348]):

أُصيب المسلمون يوم وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمصيبة عظيمة، وهزّة عنيفة، أفقدت الكثير منهم صوابهم، حتى إن عمر أنكر موت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج إلى الناس وخطبهم، وقال: «واللَّه ما مات رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وليبعثنه اللَّه فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم».

وأقبل أبو بكر - رضي الله عنه - على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة ل فتيمم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، واللَّه لا يجمع اللَّه عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبتْ لك فقد متها([349] ثم خرج أبو بكر – وعمر يُكلم الناس – فقال: أيها الحالف على رسْلِك، وقال: اجلس يا عمر، فأبي عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر أقبل الناس إليه وتركوا عمر، فجلس عمر - رضي الله عنه - فحمد اللَّه أبو بكر وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً - صلى الله عليه وسلم - فإن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد مات، ومن كان منكم يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت، قال اللَّه– تعالى –: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ ([350]). وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّه شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ﴾ ([351]).

فواللَّه لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن اللَّه أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر - رضي الله عنه - وقال عمر: واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات.

وقال الراوي: فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها، ونشج الناس يبكون»([352]).

إن المصيبة عظيمة، والأمر كبير، والحادث جليل، والخلاف واقع؛ ولكن أبا بكر – - رضي الله عنه - بفضل اللَّه تعالى – حل الخلاف، وألف بين القلوب وثبّتها، ولا يقدر على هذا إلا من أوتي قلباً ثابتاً، وشجاعة فائقةً، وعقلاً راجحاً، وحكمة بالغةً، - رضي الله عنه - وأرضاه.

وفي اليوم الثاني – يوم الثلاثاء – خطب أبو بكر الناس، وبين لهم ما عليهم، وما لهم، فقام – - رضي الله عنه - وأرضاه – فحمد اللَّه وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أريح عليه([353]) حقه إن شاء اللَّه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللَّه، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللَّه إلا ضربهم اللَّه بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمَّهم اللَّه بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللَّه ورسوله فيكم، فإذا عصيت اللَّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه([354]).

وقوله - رضي الله عنه -: ولِّيت عليكم ولست بخيركم: من باب التواضع، وإلا فإن الصحابة كلهم مُجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم، رضي اللَّه عنهم أجمعين([355]).

سادساً: موقفه - رضي الله عنه - في إنفاذ جيش أسامة بن زيد ب:

ظهرت حكمة الصديق - رضي الله عنه - أثناء تنفيذ جيش أسامة بن زيد ب من عدة وجوه:

1- تنفيذ بعث أسامة - رضي الله عنه - على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة، وذلك امتثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.

بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد ب في مرضه الذي توفي فيه([356])، وندب الناس إلى غزو الروم، وكان تجهيز جيش أسامة قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيومين، وكان ذلك يوم السبت، وقد كان ابتداء ذلك قبل مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم اشتد به مرضه، فأمر بإنفاذ جيش أسامة، وتوفي - صلى الله عليه وسلم - فعَظُم الخطب، واشتد الحال، وظهر النفاق بالمدينة، وارتدت أحياء من العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من دفع الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق؛ وثبتت ثقيف بالطائف على الإسلام لم يرتدوا.

وعندما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على أبي بكر الصديق ألا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم؛ لأن ما جُهِّز بسببه في حال السلامة.

وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فامتنع الصديق من ذلك، وأبى أشد الإباء إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال كلمته العظيمة: واللَّه لا أحل عقدة عقدها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزنَّ جيش أسامة، وأمر الحرس أن يكونوا حول المدينة.

2- ثم إن بعض الناس أشار على أبي بكر أن يولي الجيش رجلاً أقدم سنًّا من أسامة؛ فغضب - رضي الله عنه - لذلك، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أَمَّر أسامة على الجيش، فلا يريد - رضي الله عنه - أن يغير شيئاً فعله رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.

3- وخرج أبو بكر - رضي الله عنه - يشيع الجيش ويودع أسامة وجيشه، وأبو بكر يسير على قدميه، وأسامة راكباً، فقال له أسامة: يا خليفة رسول اللَّه، إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: واللَّه لستُ براكب ولستَ بنازل، وما عليَّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللَّه.

4- واستأذن أبو بكر - رضي الله عنه - من أسامة لعمر بن الخطاب، وقد كان عمر من ضمن الجنود في جيش أسامة، فأذِنَ أسامة لعمر بن الخطاب – رضي اللَّه عن الجميع وأرضاهم.

فكان خروج أسامة إلى الروم بأرض الشام في ذلك الوقت من أكبر المصالح، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم وأخذهم الخوف والفزع، وقالوا: ما خرج هؤلاء القوم إلا وبهم منعة شديدة، وسنتركهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم، وبقوا أربعين يوماً – وقيل سبعين يوماً – ثم أتوا سالمين غانمين، وعندما رجعوا جهزهم أبو بكر مع الجيش لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة([357]).

اللَّه أكبر ما أعظم هذا الموقف، وما أحكمه! فقد ظهرت حكمته وشجاعته وطاعته لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وهي سبب النصر والفلاح، وبتنفيذ هذا الجيش أدخل اللَّه الرعب في قلوب المرتدين، واليهود، والنصارى، وهذا كله بفضل اللَّه، ثم بامتثال أمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بإنفاذ جيش أسامة بن زيد ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ([358]).

وهذا مما يؤكد على كل مسلم أن يعتني بأمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ويبتعد عن نهيه، وذلك كله هو مدار السعادة والفلاح، والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. سابعاً: موقف أبي بكر - رضي الله عنه - مع أهل الردة ومانعي الزكاة:

عندما توفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ارتدت أحياء كثيرة من العرب، وظهر النفاق، وقد كان أهل الردة على قسمين:

القسم الأول: ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وهذه الفرقة طائفتان:

مُدّعو النبوة كمسيلمة الكذاب، وأتباعهم.

والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين، وتركوا الصلاة والزكاة، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية.

القسم الثاني: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها.

وهذا القسم هو الذي وقع فيه الخلاف، فثبت أبو بكر - رضي الله عنه - ثم وافقه جميع الصحابة على قتال جميع المرتدين ومانعي الزكاة([359]).

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما توفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فمن قال: لا إله إلا اللَّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللَّه»؟! فقال أبو بكر: واللَّه لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عِقالاً([360]) كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فواللَّه ما هو إلا أن رأيت اللَّه - عز وجل - قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق([361]).

وفي رواية: أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: «واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها...»([362]).

وفي هذا الموقف الحكيم لأبي بكر أدلّ دليل على شجاعته - رضي الله عنه - وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة أنعم اللَّه– تعالى – بها على المسلمين بعد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، واستنبط - رضي الله عنه - من العلم بحكمته، ودقيق نظره، ورصانة فكره، ما لم يُشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيره مما أكرمه اللَّه به، أجمع أهل العلم بالحق على أنه أفضل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ([363]).

فرضي اللَّه عن أبي بكر وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خير الجزاء؛ فإنه قد قام بما يجب عليه نحوها، من ترسيخ معاني الإسلام في قلوب ونفوس وحياة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمرها بالثبات على دين اللَّه الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة ولا نقص، وطبق ذلك تطبيقاً عمليّا على نفسه، وعلى جميع من بايعه، وقاتل من أنكر شيئاً من ذلك، فقد أعز اللَّه به الإسلام والمسلمين، وخذل به أعداء اللَّه وأعداء الدين، ولهذا لم ينقص الدين في حياته كما قال - رضي الله عنه - لعمر بن الخطاب حينما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة: إنه قد انقطع الوحي وتمّ الدين، أفينقص وأنا حيّ؟ واللَّه لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، أليس قد قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إلا بحقها»، ومن حقها: إيتاء الزكاة، واللَّه لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي»([364]).

وصدق - رضي الله عنه -، فقد حفظ اللَّه به الدين، ولم ينقص وهو حي، ولهذا كانت خلافته مليئة بالأعمال الجليلة التي تحتاج إلى السنوات الطوال لإنجازها على الرغم من قصر مدة خلافته - رضي الله عنه -، فهي لم تزد على سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وهذا يدل على حكمة أبي بكر العظيمة ووعيه التام بالإسلام، وعزيمته الثابتة الراسخة كالجبال الرواسي، وإيمانه الذي لو وُزِنَ وإيمان الأمة كلها([365]) لرجح إيمان أبي بكر بإيمان أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا يُعدّ - رضي الله عنه - هو الذي أرسى الدعائم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأثبت المفاهيم، فرضي اللَّه عنه وأرضاه، وهذا غيض من فيض، وإلا فهو أفضل السابقين الأولين، وصلى اللَّه وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.  

حرر في 7/11/ 1433هـ.

& & &


 12-نبذة يسيرة من سيرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذه نبذة يسيرة جداً من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -([366])؛ خليفة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الثاني، بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبعد أبي بكر - رضي الله عنه -، فهو ثاني الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقهم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»([367])، وهو الذي أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»([368])، وبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصر في الجنة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا دَارًا ، أَوْ قَصْرًا ، فَقُلْتُ : لِمَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ : أَيْ رَسُولَ اللَّه أَوَ عَلَيْكَ يُغَارُ؟»، وفي لفظ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَبَكَى عُمَرُ»([369])، وهو الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -:  «إِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»([370])،وهو الفاروق فرق اللَّه به بين الحق والباطل»([371])، وهو من المحدَّثين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» زَادَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ»([372] ولفظ مسلم: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ» قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ»([373]).ومن سبَّه، أو انتقص من حقه،فهو أضل من حمار أهله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:«لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([374]).

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

 أولاً: ولادته، وأعماله، ووفاته:

ولد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة([375])، وأسلم بعد رجال سبقوه في السنة السادسة من النبوة، وله سبع وعشرون سنة، وقيل: ست وعشرون سنة، أسلم - رضي الله عنه - بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة([376]).

 فهو أحد السابقين الأولين، وكان إسلامه عزاً ظهر به الإسلام، ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، حيث زوّج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ابنته حفصة بنت عمر، وهو أحد كبار علماء الصحابة، وزهادهم([377]).

 وقد اتفق العلماء على أن عمر شهد بدراً، وأحداً، وبيعة الرضوان، وكل مشهد شهده رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يغب عن غزوة غزاها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وتوفي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وهو عنه راضٍ، وولي الخلافة بِعَهْدٍ من أبي بكر، وبويع له بها يوم مات أبو بكر - رضي الله عنه - باستخلافه له في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وقد كثرت الفتوحات الإسلامية في خلافته، فقد فتح اللَّه له الفتوح بالشام، والعراق، ومصر([378] ففي سنة أربع عشرة للهجرة فتحت: دمشق، وحمص، وبعلبك، والبصرة([379])، وهو الذي دوّن الدواوين في العطاء، ورتب الناس فيه على سوابقهم، وكان لا يخاف في اللَّه لومة لائم، وهو الذى نوَّر شهر الصوم بصلاة الإشفاع فيه [التراويح، فجمع الناس على إمام واحد]، وأرخ التاريخ من الهجرة الذى بأيدي الناس إلى اليوم بقصة مشهورة، وهو أوَّل من سُمِّي بأمير المؤمنين، فسار بأحسن سيرة وأنزل نفسه من مال اللَّه بمنزلة رجل من الناس([380])، وهو أول من اتخذ بيت المال، وأوّل من عسَّ بالليل، فطاف يتفقد أحوال الناس، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من اتخذ الديوان، وأول من فتح الفتوح، ومسح السواد، وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأول من احتبس صدقة في الإسلام، وأول من أعال الفرائض، وأول من أخذ زكاة الخيل، وأول من قال: أطال اللَّه بقاءك، قاله لعليٍّ، وأول من قال: أيّدك اللَّه، قاله لعليٍّ، وهو أول من اتخذ الدرة، وقد قيل بعده: لَدرّة عمر أهيب من سيفكم، وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار، وأول من مصر الأمصار: الكوفة، والبصرة، و الجزيرة، والشام، ومصر، والموصل، ومرّ علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان، وفيها القناديل، فقال: نوّر اللَّه على عمر في قبره، كما نوّر علينا في مساجدنا، واتخذ دار الدقيق، فجعل فيها الدقيق، والسويق، والتمر، والزبيب، وما يحتاج إليه: يعين به المنقطع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النبوي، وزاد فيه، ووسعه، وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم، وكان ملصقاً بالبيت([381])، وفي سنة خمس عشرة للهجرة فتحت الأردن كلها، وفيها كانت وقعة اليرموك لمشهورة، والقادسية، وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز، والمدائن، وفيها كانت وقعة جلولاء، وفيها أقيمت أول جمعة في العراق، وفيها فتحت تكريت، وفيها سار عمر وفتح بيت المقدس، وفيها فتحت حلب، وأنطاكية، وغيرها، وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي، وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور، وحلوان، وفيها فتحت الرها، وسميساط، وحران، ونصيبين، وطائفة من الجزيرة، والموصل ونواحيها، وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية، وفي سنة عشرين فتحت مصر، وفيها فتحت تستر، وفيها هلك قيصر عظيم الروم، وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر، وعن نجران، وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية، ونهاوند، وبرقة، وغيرها، وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان، والدِّينَوَرُ، وماسبذان، وهمذان، وطرابلس المغرب، والري، وعسكر، وقومس، وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل، وأصبهان ونواحيها، وغيرها([382])، وفي آخر هذه السنة توفي عمر - رضي الله عنه - شهيداً بعد رجوعه من الحج([383])، قتله أبو لؤلؤة المجوسي، وهو يصلي بالناس في مسجد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر - رضي الله عنه -، فطعن لثلاث بقين من ذي الحجة، فعاش ثلاثة أيام، ويقال سبعة أيام، وعن معدان بن طلحة قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وخمسة أيام أو تسعة([384]).

 ثانياً: موقفه في إظهار الإسلام وهجرته:

عندما أسلم عمر - رضي الله عنه - على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يَعلم قريش بإسلامه، فسأل عن أنقلهم للحديث، لينقل خبر إسلامه إلى قريش، فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فذهب عمر - رضي الله عنه - إلى جميل، وقال له: أعلمت يا جميل أنّي قد أسلمت، ودخلت في دين محمد؟ فقام جميل بن معمر يجر رداءه مُسرعاً حتى قام على باب المسجد، ثم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فقال عمر وهو واقف خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فثار عليه قريش من أنديتهم حول الكعبة، وقاتلهم وقاتلوه، واستمر القتال بينهم وبينه في هذا الموقف حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وقد تعب عمر - رضي الله عنه - فقعد وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف باللَّه أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لتركناها لكم، أو لتركتموها لنا، وبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلّة حبرة، وقميص مُوشّح، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون؟ أترون بني عديّ بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلُّوا عن الرجل! قال عبد اللَّه بن عمر: فواللَّه لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه، قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك، -جزاه اللَّه خيرا؟ - قال: يا بُنيَّ ذلك العاص بن وائل – لا جزاه اللَّه خيراً –([385]).

وبإسلام عمر وإظهاره إسلامه - رضي الله عنه - أعز اللَّه به الإسلام، وفرّق به بين الحق والباطل، فسُمِّي الفاروق - رضي الله عنه - وأظهر الصحابة صلاتهم حول الكعبة، وقريش ينظرون إليهم([386]).

قال عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه -: «مازلنا أعزّة منذ أسلم عمر»([387]).

وقال - رضي الله عنه - أيضاً: «كان إسلام عمر فتحاً، وهجرته نصراً، وإمارته رحمةً، واللَّه ما استطعنا أن نُصلّي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي»([388]).

وقد كان عمر - رضي الله عنه - يتعرّض لرؤوس الكفر، ويعلن أمامهم إسلامه، بل يذهب إلى بيوتهم، ويطرق أبوابهم، ليخبرهم بأنه قد أسلم، لعلّهم يقومون بشيء ضدّه فيُصيبه ما يُصيب إخوانه من المسلمين، ويستطيع في الوقت نفسه أن ينتقم من تلك الرؤوس، ولم يُرد عمر أن يكون هو في نعمة وعافية وراحة، والمسلمون في إيذاء وتعذيب، فعندما أعلن إسلامه، وبدأت قريش تقاتله وثب على عتبة بن ربيعة فبرك عليه، وأدخل إصبعه في عينه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عن عمر، وقام عمر، فجعل أحد لا يدنو منه إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى تراجع الناس عنه([389]).

 وعندما اشتد أذى المشركين على المسلمين، وأذن لهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة من مكة إلى المدينة، وابتدأت وفود المسلمين متجهة إلى المدينة وكلها مختفية في هجرتها وانتقالها، إلا هجرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد رُوي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا مختفياً، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهماً وأتى الكعبة، وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعاً متمكناً، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم أتى حلقهم، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تَثْكَله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني خلف هذا الوادي، فما تبعه منهم من أحد([390]).

 ثالثاً: موقفه الحكيم في تثبيته الناس على بيعة أبي بكر - رضي الله عنه -:

عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - «اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: واللَّه ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا واللَّه لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس»([391]).

فرضي اللَّه عن عمر وأرضاه، فإنه عندما ارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللَّغَطُ، وخشي عمر الاختلاف، ومن أخطر الأمور التي خشيها عمر أن يُبْدأ بالبيعة لأحد الأنصار، فتحدث الفتنة العظيمة؛ لأنه ليس من اليسير أن يبايع أحد بعد البدء بالبيعة لأحد الأنصار، فأسرع عمر - رضي الله عنه - إخماداً للفتنة، فقال لأبي بكر: ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، وبايعه المهاجرون، ثم الأنصار([392]).

وعندما كان يوم الثلاثاء جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت، وما وجدتها في كتاب اللَّه، ولا كانت عهداً عهده إليّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولكني قد كنت أرى أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن اللَّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى اللَّه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإن اعتصمتم به هداكم اللَّه لما كان هداه له، وإن اللَّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة بعد بيعة السقيفة([393]).

فكان عمر - رضي الله عنه - يذود ويقوي، ويشجع الناس على بيعة أبي بكر حتى جمعهم اللَّه عليه، وأنقذهم من الاختلاف والفرقة والفتنة.

فهذا الموقف الذي وقفه عمر مع الناس من أجل جمعهم على إمامة أبي بكر، موقف عظيم من أعظم مواقف الحكمة، التي ينبغي أن تسجل بماء الذهب من مواقف عمر الحكيمة.

 رابعاً: موقفه الحكيم في إصلاح الأهل قبل الناس:

كان عمر - رضي الله عنه - مع أهله قوياً، فكان إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم ونجاحهم وفلاحهم، بدأ بأهله، وتقدم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره، فعن سالم بن عبد اللَّه بن عمر قال: «كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم باللَّه لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة»([394]).

وهذا من أعظم مواقف الحكمة؛ لأن الناس ينظرون إلى الداعية ومدى تطبيقه العملي والقولي لما يدعو إليه، كما ينظرون إلى تطبيقه ذلك على أهله ومن تحت يده.

 خامساً: موقفه الحكيم في دعوته بتواضعه للَّه تعالى:

كان عمر - رضي الله عنه - مع قوته في دين اللَّه، وشجاعته، وشدته على أعداء اللَّه، وهيبة الناس له، وفرار الشيطان منه، كان مع ذلك كله متواضعاً، وقَّافاً عند حدود اللَّه، وقد كان يقول: أحبّ الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي([395] ومن ذلك ما يلي:

1- عندما مر بالجابية على طريق إيلياء وجلس عندهم، قيل له: أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئاً غير هذا – يعنون قميصه المرقع – وركبت برذوناً([396])، لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزنا اللَّه بالإسلام، فلا نطلب غير اللَّه بديلاً.

ثم سار عمر من الجابية إلى بيت المقدس، وقد تعبت دابته، فأتوه ببرذون فجعل يهملج به، فقال: لمن معه: احبسوا، احبسوا، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علّم اللَّه من علّمك، هذا من الخيلاء، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي، ثم نزل وركب الجمل، ثم لم يركب برذوناً قبله ولا بعده([397]).

2- ولما قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خُفَّيه، وأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنعاً عظيماً عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصك عمر في صدره، وقال: أوَّه، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذَّل الناس، وأحقر الناس، وأقلّ الناس، فأعزكم اللَّه بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يُذلكم اللَّه([398]).

وله مواقف حكيمة في دعوته إلى اللَّه تعالى لا يتسع المقام لذكرها([399]).

وهذه المواقف العظيمة يبين فيها للناس بقوله وفعله أن العزة والرفعة والتمكين لا تأتي عن طريق الكبر، والغطرسة، والإعجاب بالنفس أو الجاه أو السلطان، وإنما يأتي ذلك كله لمن تمسك بالإسلام، ولهذا قال لأبي عبيدة في الخبر السابق: «إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقرَ الناس، وأقلّ الناس، فأعزكم اللَّه بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة من غير اللَّه يذلّكم اللَّه».

رضي اللَّه عن الفاروق وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خير الجزاء، فقد قام بالأعمال العظيمة، وسلك مسلك الحكمة التي من أُوتيها فقد أُوتي خيراً كثيراً، ونفَّذ وصية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في المشركين، من: يهود، ونصارى، ومجوس، وغيرهم من المشركين، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - قُبيل موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»([400]).

فطهَّر - رضي الله عنه - جزيرة العرب من المشركين، ولم يترك أحداً منهم فيها، طبقاً لأمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.

فرضي اللَّه عنه وأرضا، وهذا غيض من فيض، وإلا فهو أفضل السابقين الأولين بعد أبي بكر - رضي الله عنه -، وصلى اللَّه وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.  

حرر في 7/11/ 1433هـ

& & &


 13-نبذة يسيرة من سيرة عثمان - رضي الله عنه -

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذه نبذة يسيرة جداً من سيرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي الله عنه -([401])؛ خليفة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الثالث، بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأبي بكر، وعمر - رضي الله عنهم -، فهو ثالث الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقهم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»([402])، وهو الذي أثنى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثبت له الشهادة، كما في صحيح البخاري: «صَعِدَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُحُدًا، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، وَقَالَ: «اسْكُنْ أُحُدُ - أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ - فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ»([403])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: «أَلاَ أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ»([404])، ومن سبَّه، أو انتقص من حقه، فهو أضل من حمار أهله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([405]).

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

 أولاً: مولده، وأعماله، ووفاته:

ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وأسلم قديماً، وهو ممن دعاه الصِّدِّيق إلى الإسلام، وقد كان أول الناس إسلاماً بعد أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة، وهاجر الهجرتين: الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة([406])، فاراً بدينه مع زوجته رقية بنت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وكان أول خارج إليها، وتابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة، ولم يشهد بدراً لتخلفه على تمريض زوجته رقية، كانت عَلِيلَةً، فأمره رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بالتخلف عليها، وضرب له - صلى الله عليه وسلم - بسهمه وأجره، فهو معدود فى البدريين لذلك،  وماتت رقية فى سنة اثنتين من الهجرة حين أتى خبر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بما فتح اللَّه عليه يوم بدر([407])، وبعدها زوّجه أم كلثوم، ولم يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره([408])، وقيل لعثمان ذا النورين؛ لأنه لم يعلم أن أحداً أرسل ستراً على ابنتي نبي غيره، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأخبر أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو عنهم راضٍ([409])، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن الكريم([410])، وقد بويع له - رضي الله عنه - بالخلافة يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بثلاثة أيام باجتماع الناس عليه، وفي هذه السنة فتح من حصون الروم حصوناً كثيرة ([411])، وفي سنة ست وعشرين زاد في المسجد الحرام، ووسَّعهُ، واشترى أماكن للزيادة، وفيها فتحت بعض الفتوحات.

وفي سنة سبع وعشرين غزا قبرص، وفيها فتحت بعض الفتوحات، وفيها فتحت إفريقية، ففتحت سهلاً وجبلاً، وفيها فتحت الأندلس، وفي سنة تسع وعشرين فتحت بعص الفتوحات، وزاد عثمان في المسجد النبوي، ووسعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة، وسقفه بالساج، وفي سنة ثلاثين فتحت بلاد كثيرة من أرض خراسان، وفتحت نيسابور، ومرو، وفتحت بلاد واسعة([412])، وفي سنة خمس وثلاثين قتل عثمان رحمة اللَّه عليه يوم الجمعة لأيام بقين من ذي الحجة، في أوسط أيام التشريق، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، وثمانية عشر يوماً، ويقال أربعة عشر يوماً، واختلف في سنه، فقيل: قتل وهو ابن ست وثمانين سنة، وقيل: قتل وهو ابن اثنتين وثمانين، ويقال أربع وثمانين([413]).

 ثانياً: إنفاقه الأموال العظيمة الكثيرة في سبيل اللَّه تعالى:

كان عثمان - رضي الله عنه - من الأغنياء الذين أغناهم اللَّه - عز وجل -، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة اللَّه - عز وجل - ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبَّاقاً لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر.

ومما أنفقه - رضي الله عنه - من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي:

1- عندما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة»([414]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من حفر بئر رومة فله الجنة»([415]).

وقد كانت رومة قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تبيعنيها بعين في الجنة؟» فقال: يا رسول اللَّه! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان - رضي الله عنه - فاشتراها بخمس وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: «نعم»، قال: قد جعلتها للمسلمين([416]).

وقيل: كانت رومة ركية ليهودي يبيع للمسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل([417]).

2- بعد أن بنى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه، ليصلوا الصلوات الخمس، ويحضروا خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها، ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة»، فاشتراها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من صلب ماله([418]) بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألفاً، ثم أضيفت للمسجد([419]).

ووسع على المسلمين رضي اللَّه عنه وأرضاه([420]).

3- عندما أراد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة الأغنياء على البذل؛ لتجهيز جيش العسرة، الذي أعده رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لغزو الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كل على حسب طاقته وجهده.

أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقلِّبها في حجره، ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم؟» قالها مراراً([421]).

وهذه نفقة عظيمة جداً تدل على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند اللَّه– تعالى – وإيثار الآخرة على الدنيا – فرضي اللَّه عنه وأرضاه – فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء: «من جهز جيش العسرة فله الجنة»([422]).

 ثالثاً: موقفه العظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة، وحسم الاختلاف:

كان من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها عثمان جمع شمل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على قراءة واحدة، فقد كان من مناقبه الكبار، وحسناته العظيمة، أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول اللَّه في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في غزوة أهل الشام في فتح أرمينية، وأذربيجان، مع أهل العراق، وقد اجتمع في هذه الغزوة خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وأُبيّ بن كعب، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على عبد اللَّه بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على غيره، وربما خطَّأ الآخر أو كفَّره، فأدَّى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة، ودفع الاختلاف، فأرسل عثمان إلى حفصة ب يستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين.

وعندما جاءت الصحف أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق من الآفاق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق([423]).

وكانت المصاحف الأئمة سبعة كالآتي:

أرسل مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الكوفة، وأقر بالمدينة مصحفاً، وهذه المصاحف كلها بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمر عثمان وزمانه وإمارته، وحرق ما سوى هذه المصاحف مما بأيدي الناس مما يخالف هذه المصاحف السبعة، وأجمع الصحابة على ذلك عند الشورى بالرسم، وعند التلقي فاجتمع شمل الأمة على هذه المصاحف وللَّه الحمد والمنة([424]).

فحصل الاجتماع والائتلاف، وزال الاختلاف والفرقة، واجتمعت القلوب بفضل اللَّه– تعالى –، ثم بفضل حكمة عثمان – رضي اللَّه عنه وأرضاه –.

فرضي اللَّه عنه وأرضاه، وهذا غيض من فيض، وإلا فهو أفضل السابقين الأولين بعد أبي بكر وعمر ب، وصلى اللَّه وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين. 

حرر في 7/11/ 1433هـ.

& & &


 14-نبذة يسيرة من سيرة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذه نبذة يسيرة جداً من سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -([425])؛ خليفة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الرابع بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم -، وهو رابع الخلفاء، وأفضلهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقهم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»([426])، وهو الذي شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشهادة فعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ فَتَحَرَّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ»، وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنهم -، ومن سبَّه، أو انتقص من حقه، فهو أضل من حمار أهله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([427]).

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

 أولاً: مولده، وأعماله، ووفاته:

قال الحافظ ابن حجر /: ولد على الصحيح قبل البعثة بعشر سنين، فرُبّي في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، استخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة... وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد([428]).

وعلي - رضي الله عنه - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو صهر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على فاطمة سيدة نساء العالمين، وهو أحد السابقين، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأول من أسلم من الصبيان([429]).

وفي سنة ست وثلاثين بعد الهجرة النبوية بويع لعلي بن أبي طالب بالمدينة بالخلافة، بعد  مقتل عثمان - رضي الله عنه -، فأتاه أصحاب رسول اللَّه فقالوا: لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس([430]).

ولد علي بمكة في شعب بني هاشم وقتل بالكوفة([431])، وفي سنة ثمان وثلاثين([432]) بدأ بحروب الخوارج في معركة النهروان، وقام الخوارج باغتياله، فمات شهيداً، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة بسيف مسموم، عند قيامه إلى الصلاة، وذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ومات - رضي الله عنه - غداة يوم الجمعة، وله يوم مات اثنتان وستون سنة([433])، وكانت خلافته خمس سنين، وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يوماً([434]).

 ثانياً: موقفه - رضي الله عنه - في تقديم نفسه فداء للنبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته:

عندما اجتمع قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - والتخلص منه، أعلم اللَّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحكم خلق اللَّه، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر علي بن أبي طالب الشاب البطل أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - والأعداء قد أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت وهو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل اللَّه– تعالى – فرضي اللَّه عن علي وأرضاه.

وقد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُقيم بمكة أياماً حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل وأداء الأمانة([435]).

 ثالثاً: موقفه في بدر مع رؤوس الكفر:

عندما تراجع غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبيرة يوجد ذكر على بن أبي طالب مقروناً بها، فتارة يحمل اللواء، وتارة يفرق جموع الأعداء، وتارة يفتح الحصون المستعصية ويهدم الأصنام، فهو بطل معلم.

عندما تواجه الجيشان في معركة بدر الكبرى، والتقى الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء، وكاشف البلاء، وقبل اشتباك المعركة والتحامها خرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة – يريد أن يظهر شجاعته – فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث – ابنا العفراء – وعبد اللَّه بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ونادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقيل: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا: أكفاء كرام، فبارز عبيدة – وكان أسن القوم – عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة.

فقتل علي الوليد فوراً، وقتل حمزة شيبة في الحال، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، فكرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأكملا قتله، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما - رضي الله عنهم -.

وكان ذلك – بإذن اللَّه تعالى – بداية النصر وتشجيع المسلمين، وخذلان ورعب في قلوب المشركين([436]).

روى البخاري عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ([437]).

قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة«([438]).

فرضي اللَّه عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، قال اللَّه - عز وجل -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ ([439]).

 رابعاً: موقف علي - رضي الله عنه - في يوم الأحزاب (يوم الخندق):

في سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الخندق في شهر شوال.

وكان سبب هذه الغزوة أن جماعة من اليهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاءوا قبائل غطفان فدعوهم لذلك، فأجابوهم، ثم طافوا في قبائل العرب، فاستجاب لهم من استجاب، ونقضت بنو قريظة العهد امتثالاً لأمر حيي بن أخطب، عندما حرض كعب بن أسد القرظي على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولما سمع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بهم، وبما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سلع من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - خمسة أصناف هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - شهراً، ولم يكن بينهم قتال، لأجل ما حال اللَّه به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا، فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكان ضيق من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز([440]).

وهذا هو موضع الشاهد لموقف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:

قال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول اللَّه! فقال: «إنه عمرو، اجلس»، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلاً؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول اللَّه! فقال: «اجلس» ثم نادى الثالثة... فقام علي - رضي الله عنه - فقال: يا رسول اللَّه، أنا، فقال: «إنه عمرو»، فقال: وإن كان عمراً! فأذن له رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال علي: يا عمرو، إنك كنت عاهدت اللَّه ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال علي: فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فواللَّه ما أحب أن أقتلك. قال له علي: ولكني واللَّه أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ وسل سيفه كأنه شعلة نار، فاستقبله عليٌّ بالترس، فشق السيف الترس، فضربه عليُّ على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله.

وقال علي - رضي الله عنه -:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه

ونصرت رب محمد بصوابي

فصدرت حين تركته متجدلاً

كالجذع بين دكادك وروابي

وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق([441]).

وهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومن عظم هذه الحكمة أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - دعا عمراً إلى اللَّه فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله - رضي الله عنه - فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن اللَّه تعالى([442]).

فظهرت حكمة علي - رضي الله عنه - في هذا الموقف من عدة وجوه، منها:

1- استئذانه النبي - صلى الله عليه وسلم - في المبارزة.

2- تذكيره لعمرو بن عبد ودّ ما عاهد عليه اللَّه من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريش

3-وعند إقرار عمرو بما عاهد اتخذ عليٌّ ذلك مدخلاً، فقال: إني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام.

4-وعندما امتنع من قبول هذه الدعوة دعاه إلى النزال، فلم ينزل فاستفزه ليغضبه، فلما نزل قتله - رضي الله عنه - فانهزم المشركون بفضل اللَّه، ثم بدخول الرعب في قلوبهم بهذا الموقف الحكيم.

 خامساً: موقف علي - رضي الله عنه - في غزوة خيبر:

في السنة الرابعة للَّهجرة سار رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر، وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يُصبح، فلما أصبح صبح خيبر بكرة، فخرج أهلها بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قالوا: محمد واللَّه، محمد والخميس، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّه أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»([443]).

وعندما رأى أهل خيبر الجيش رجعوا هاربين إلى حصونهم، وخرج ملكهم مَرْحَب يرفع سيفه مرة، ويضعه أخرى ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلهب

فبرز له عامر بن الأكوع، فقال:

قد علمت خيبر أني عامر

شاكي السلاح بطل مغامر

فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يضربه من أسفله، فرجع سيفه على نفسه فمات شهيداً([444]).

ثم قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله»، فبات الناس يدوكون([445]) ليلتهم: أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» قيل: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه»، فأُتي به، فبصق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول اللَّه! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم»([446]).

وبدأ علي - رضي الله عنه - وأخذ الراية، وخرج مرحب فقال:

قد علمت خيبر أني مرحب

شاكي السلاح بطل مجرب

إذا الحروب أقبلت تلهب

فقال علي:

أنا الذي سمتني أمي حيدره([447])

كليث غابات كريه المنظره

أوفيهم بالصاع كيل السندره([448])

فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه([449]).

فرضي اللَّه عن علي وأرضاه، فقد قام بهذه البطولة النادرة بعد حصار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل خيبر قريباً من عشرين يوماً، ثم يسر اللَّه فتحها على يد علي - رضي الله عنه - فخرج الناس من حصونهم يسعون في السكك، فقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - المقاتلة، وسبى الذرية، وكان في السبي صفية، ثم صارت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فأصبحت أما للمؤمنين([450]).

وعلي - رضي الله عنه - له مواقف أخرى كثيرة، تظهر فيها الحكمة العظيمة، ولكن المقام لا يتسع إلا لما ذكر من المواقف السابقة، وهكذا يفعل من يرجو اللَّه واليوم الآخر، فإن الإنسان إذا كان همه للَّه، وقلبه معلق باللَّه، عمل كل ما يحب مولاه تبارك وتعالى.

وقد ظهرت حكمة علي - رضي الله عنه - في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:

1- قوله: «أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟»؛ فإنه - رضي الله عنه - استفسر من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل القتال، إلى أي مدى يستمر القتال؟ وهذا من أعظم الحكمة؛ لأن الداعية لابد له من وضوح الهدف والغاية، وأن يكون على بصيرة من أمره.

2- وقوله: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة»، وهذا فيه تذكير لمرحب؛ لأنه قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكره علي - رضي الله عنه - بذلك، ليخيفه ويضعف نفسه، حتى يستولي على قتله.

3- وقوله: «أوفيهم بالصاع كيل السندرة» هذا فيه إرهاب وإخبار لمرحب أن علي بن أبي طالب يقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً.

4- ثم ختم هذه الحكم بقتل مرحب، فهزم اللَّه به الأعداء، ونصر المسلمين عليهم نصراً مؤزراً، فله الحمد أولاً وآخراً.

وهذا غيض من فيض، وإلا فهو أفضل السابقين الأولين بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم -، وصلى اللَّه وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.  

حرر في 7/11/ 1433هـ.

& & &


 15-حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان

الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فقد أكمل اللَّه لهذه الأمة دينها، وأتمّ عليها النعمة، قال اللَّه - عز وجل -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾([451] وقال I: ﴿أَمْ لَـهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَـهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَـمْ يَأْذَن بِهِ اللَّه ﴾([452])، وقال اللَّه - عز وجل -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([453]).

وقد حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من البدع، وصرّح بأن كل بدعة ضلالة، وأنها مردودة على صاحبها، ففي الصحيحين عن عائشة ل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»([454] وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ»([455]).

وحذّر السلف الصالح من البدع؛ لأنها زيادة في الدين، وشرعٌ لم يأذن به اللَّه، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتشبُّهٌ بأعداء اللَّه: من اليهود والنصارى في زياداتهم في دينهم([456]).

ومن البدع الاحتفال بليلة النصف من شعبان.

فقد أخرج الإمام محمد بن وضَّاح القرطبي بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال: لم أدرك أحداً من مشيختنا، ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولم ندرك أحداً منهم يذكر حديث مكحول([457])، ولا يرى لها فضلاً على ما سواها من الليالي»([458]).

وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي :: «وأخبرني أبو محمد المقدسي، قال: لم تكن عندنا ببيت المقدس قطُّ صلاة الرغائب هذه التي تُصلّى في رجب وشعبان، وأوّل ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة [448هـ]، قَدِمَ علينا في بيت المقدس رجل من أهل نابلس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام فصلَّى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كبيرة، ثم جاء في العام القابل فصلّى معه خلق كثير، ثم جاء من العام القابل فصلَّى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد، وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس، ومنازلهم، ثم استقرّت كأنها سُنَّة إلى يومنا هذا»([459]).

وأخرج الإمام ابن وضاح بسنده أن ابن أبي مليكة قيل له إن زياداً النميري يقول: إن ليلة النصف من شعبان أجرها كأجر ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: «لو سمعته منه وبيدي عصاً لضربته بها، وكان زيادٌ قاضياً»([460]).

وقال الإمام أبو شامة الشافعي :: «وأما الألفية فصلاة النصف من شعبان سُمِّيت بذلك لأنها يُقرأ فيها ألف مرة  ﴿قُلْ هُوَ اللَّهأَحَدٌ ﴾ لأنها مائة ركعة, في كل ركعة يقرأ الفاتحة مرة, وسورة الإخلاص عشر مرات، وهي صلاة طويلة مستثقلة لم يأتِ فيها خبر, ولا أثر, إلا ضعيف، أو موضوع, وللعوامّ بها افتتان عظيم, والتزم بسببها كثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد, التي تصلَّى  فيها، ويستمر ذلك الليل كله, ويجري فيه الفسوق والعصيان, واختلاط الرجال بالنساء, ومن الفتن المختلفة ما شهرته تُغني عن وصفه, وللمتعبّدين من العوامِّ فيها اعتقاد متين, وزيّن لهم الشيطانُ جَعْلَها من أصل شعائر المسلمين»([461]).

وقال الحافظ ابن رجب : بعد كلام نفيس: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام: كخالد بن معدان, ومكحول, ولقمان بن عامر, وغيرهم يعظّمونها، ويجتهدون فيها في العبادة, وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها, وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثارٌ إسرائيلية, فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختُلف في تعظيمها، فمنهم من قبله منهم، ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عبّاد أهل البصرة، وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكه، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة، واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:

أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعةً في المساجد، كان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخّرون، ويكتحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.

والثاني: أنه يُكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي، إمام أهل الشام، وفقيههم، وعالمهم، وهذا الأقرب إن شاء اللَّه تعالى...»، ثم قال: «ولا يُعرف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويُخرَّج في استحباب قيامها عنه روايتان، من الروايات عنه في قيام ليلة العيد؛ فإنه في رواية لم يستحبّ قيامها جماعةً؛ لأنه لم يُنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، واستحبّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف من شعبان، لم يثبت فيها شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام»([462]).

قال الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز : بعد أن نقل كلام الحافظ ابن رجب :: «انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب :، وفيه التصريح بأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه- رضي الله عنهم -  شيء بليلة النصف من شعبان، وأما ما اختاره الأوزاعي : من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول، فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعاً لم يجزْ للمسلم أن يحدثه في دين اللَّه، سواء فعله مفرداً أو جماعةً، وسواءً أسرّه أو أعلنه، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»([463])، وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها»([464]).

وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية في حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان: «وردت أحاديث صحيحة في فضيلة صوم أيام كثيرة من شعبان، إلا أنها لم تخصَّ بعضاً من أيامه دون بعض، فمنها ما في الصحيحين أن عائشة ل قالت: «ما رأيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، فكان يصوم شعبان كله إلا قليلاً»([465]) ، وفي حديث أسامة بن زيد أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم»([466])، ولم يصح حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحرى صيام يوم بعينه من شعبان، أو كان يخص أياماً منه بالصوم، لكن وردت أحاديث ضعيفة في قيام ليلة النصف من شعبان، وصيام نهارها، منها ما رواه ابن ماجه في سننه([467])، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن اللَّه تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه ألا كذا حتى يطلع الفجر» ، وقد صحح ابن حبان بعض ما ورد من الأحاديث في فضل إحياء ليلة النصف من شعبان، من ذلك ما رواه في صحيحه، عن عائشة أنها قالت: «فقدت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فخرجت فإذا هو في البقيع رافع رأسه، فقال: أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟ فقلت: يا رسول اللَّه، ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: «إن اللَّه تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب»([468]) ، وقد ضعف البخاري وغيره هذا الحديث، وأكثر العلماء يرون ضعف ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان، وصوم يومها، وقد عرف عند علماء الحديث تساهل ابن حبان في تصحيح الأحاديث.

وبالجملة فإنه لم يصح شيء من الأحاديث التي وردت في فضيلة إحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم يومها عند المحققين من علماء الحديث؛ ولذا أنكروا قيامها، وتخصيص يومها بالصيام، وقالوا إن ذلك بدعة»([469]).

وقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين : في حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام، أو تخصيص يومه بصيام: « بعض الناس يخصّ ليلته بقيام، ويومه بصيام بناء على أحاديث ضعيفة وردت في ذلك، ولكن حيث لا تصحّ هذه الأحاديث الضعيفة، فإن ليلة النصف من شعبان لا تخصّ بقيام، ولكن إن كان الإنسان قد اعتاد أن يقوم الليل، فليقم ليلة النصف كغيرها من الليالي، وإن كان لم يعتد ذلك، فلا يخصّها بقيام، كذلك في الصوم لا يخصّ النصف من شعبان بصوم، لأن ذلك لم يرد عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، لكن لو صام الأيام الثلاثة البيض وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر، لو صامها فإن صيامها من السنة، لكن ليس باعتقاد أن لهذا مزية على سائر الشهور، وإن «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يكثر الصوم في شعبان أكثر من غيره من الشهور، حتى كان يصومه كله، أو إلا قليلاً منه»([470]).

فمما تقدم من كلام الإمام ابن وضاح، والإمام الطرطوشي، والإمام عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، والحافظ ابن رجب رحمهم اللَّه، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية، وإمام هذا الزمان عبد العزيز ابن باز :، والعلامة ابن عثيمين :، يتضح أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة أو غيرها من العبادة غير المشروعة بدعة لا أصل لها من كتاب، ولا سنة، ولا عملها أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾([471])، وقال اللَّه - عز وجل -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([472])، وصلى اللَّه، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

حرر يوم الجمعة 13/ 8/ 1437هـ.

& & &

 16-بدعة الاحتفال بالمولد النبوي

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، «مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْللَّه فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»([473]). أما بعد، فلا شك أن الاحتفال بالأمور المخالفة للشريعة كالاحتفال بالمولد النبوي من البدع المحدثة في الدين من أعظم المحرمات، للأمور الآتية:

الأول: الاحتفال بالمولد بدعة منكرة ليس من أعياد المسلمين في الشريعة الإسلامية، لأن أعياد المسلمين ثلاثة لا رابع لها: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد يتكرر في كل أسبوع، وهو يوم الجمعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: إِنَّ اللَّه قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ»([474])، ، وقال - صلى الله عليه وسلم - في يوم عيدٍ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ»([475])، ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللَّه لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ»([476])، ، فهذه أعياد ثلاثة ثابتة في الشريعة الإسلامية، وما عدا هذه الثلاثة مما استحدثه الناس من أعياد، فهي أعياد بدعية، كالاحتفال بالمولد النبوي، وأول ليلة من شهر رجب، وليلة الإسراء والمعراج، والاحتفال بليلة النصف من شعبان، ورأس السنة الهجرية، والميلادية، وعيد الأم، وجميع الأعياد التي لا أصل لها في الشريعة الإسلامية، كلها بدع محدثة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الثاني: الاحتفال بالمولد من البدع المحدثة في الدين التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرعه لا بقوله، ولا فعله، ولا تقريره، وهو قدوتنا وإمامنا، قال اللَّه - عز وجل -:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([477]) ، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّه وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّه كَثِيرًا﴾([478]) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»([479]) ، وفي لفظ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

الثالث: الخلفاء الراشدون ومن معهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتفلوا بالمولد، ولم يدعوا إلى الاحتفال به، وهم خير الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حق الخلفاء الراشدين: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»([480]).

الرابع: الاحتفال بالمولد من سنة أهل الزيغ والضلال؛ فإن أول من أحدث الاحتفال بالمولد الفاطميون، العبيديون في القرن الرابع الهجري، وقد انتسبوا إلى فاطمة ل ظلماً وزوراً، وبهتاناً؛ وهم في الحقيقة من اليهود، وقيل من المجوس، وقيل من الملاحدة([481])، وأولهم المعز لدين اللَّه العُبيدي المغربي الذي خرج من المغرب إلى مصر في شوال سنة 361هـ، وقدم إلى مصر في رمضان سنة 362هـ([482])، فهل لعاقلٍ مسلمٍ أن يُقلّد الرافضة، ويتّبع سنتهم، ويخالف هدي نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -؟.

الخامس: إن اللَّه - عز وجل - قد كمَّل الدين، فقال I: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾([483]) ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلّغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة، ويُباعد من النار إلا بيَّنه للأمة، ومعلوم أن نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - هو أفضل الأنبياء، وخاتمهم، وأكملهم بلاغاً، ونصحاً لعباد الله، فلو كان الاحتفال بالمولد من الدين الذي يرضاه اللَّه - عز وجل - لبيَّنه - صلى الله عليه وسلم - لأمته، أو فعله في حياته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ»([484]).

السادس: إحداث مثل هذه الموالد البدعية يُفهم منه أن اللَّه تعالى لم يُكمل الدين لهذه الأمة، فلا بد من تشريع ما يكمل به الدين! ويفهم منه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يُبلّغ ما ينبغي للأمة حتى جاء هؤلاء المبتدعون المتأخرون، فأحدثوا في شرع اللَّه ما لم يأذن به سبحانه، زاعمين أن ذلك يقرّبهم إلى الله، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على اللَّه - عز وجل -، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، واللَّه - عز وجل - قد أكمل الدين، وأتمّ على عباده نعمته.

السابع: صرّح علماء الإسلام المحقّقون بإنكار الموالد، والتحذير منها عملاً بالنصوص من الكتاب والسنة، التي تحذّر من البدع في الدين، وتأمر باتّباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتحذّر من مخالفته في القول وفي الفعل والعمل.

الثامن: إن الاحتفال بالمولد لا يحقّق محبّة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يحقّق ذلك: اتّباعه، والعمل بسنته، وطاعته - صلى الله عليه وسلم -، قال اللَّه - عز وجل -:  ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([485]).

التاسع: الاحتفال بالمولد النبوي، واتخاذه عيداً فيه تشبه باليهود والنصارى في أعيادهم، وقد نُهينا عن التشبه بهم، وتقليدهم([486]).

العاشر: العاقل لا يغترّ بكثرة من يحتفل بالمولد من الناس في سائر البلدان، فإن الحقّ لا يُعرف بكثرة العاملين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية، قال اللَّه I: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله﴾([487]) ، وقال - عز وجل -: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾([488]) ، وقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾([489]).

الحادي عشر: القاعدة الشرعية: ردّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب اللَّه تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، كما قال اللَّه - عز وجل -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّه وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾([490]) ، وقال - عز وجل -: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾([491])، ، ولا شك أن من ردّ الاحتفال بالمولد إلى اللَّه ورسوله يجد أن اللَّه يأمر باتّباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾([492]) ، ويبين I أنه قد أكمل الدين، وأتمّ النعمة على المؤمنين، ويجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بالاحتفال بالمولد، ولم يفعله، ولم يفعله أصحابه، ولم تفعله القرون المفضلة من الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الإسلام في سائر العصور، فعلم بذلك أن الاحتفال بالمولد ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان.

الثاني عشر: إن المشروع للمسلم يوم الإثنين أن يصوم إذا أحبّ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: «ذاك يومٌ ولدت فيه، ويومٌ بعثت، أو أُنزل عليَّ فيه»([493]) ، فالمشرع التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في صيام يوم الإثنين، وعدم الاحتفال بالمولد.

الثالث عشر: عيد المولد النبوي لا يخلو من وقوع المنكرات والمفاسد غالباً، ويعرف ذلك من شاهد هذا الاحتفال، ومن هذه المنكرات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

1- أكثر القصائد والمدائح التي يتغنَّى بها أهل المولد لا تخلو من ألفاظ شركية، والغلوّ، والإطراء الذي نهى عنه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّه ، وَرَسُولُهُ»([494]).

2- يحصل في الاحتفالات بالموالد في الغالب بعض المحرمات الأخرى: كاختلاط الرجال بالنساء، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وقد يحصل فيها الشرك الأكبر كالاستغاثة بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو غيره من الأولياء، والاستهانة بكتاب اللَّه - عز وجل -، فيشرب الدخان في مجلس القرآن، ويحصل الإسراف والتبذير في الأموال، وإقامة حلقات الذكر المحرَّف في المساجد أيام الموالد، مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق القوي من رئيس الذاكرين، وكل ذلك غير مشروع بإجماع علماء أهل الحق([495]).

3- يحصل عمل قبيح في الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يكون بقيام البعض عند ذكر ولادته - صلى الله عليه وسلم - إكراماً له وتعظيماً، لاعتقادهم أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يحضر المولد في مجلس احتفالهم؛ ولهذا يقومون له محيِّين ومرحبِّين، وهذا من أعظم الباطل، وأقبح الجهل؛ فإن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة([496])، كما قال اللَّه - عز وجل -: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَـمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾([497]) ، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»([498])، ، فهذه الآية، والحديث الشريف، وما جاء في هذا المعنى من الآيات والأحاديث، كلّها تدلّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة.

قال سماحة العلامة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز :: «وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين، ليس فيه نزاعٌ بينهم»([499]).

أسأل اللَّه التوفيق لجميع المسلمين لكل ما يحبه ويرضاه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الأربعاء 11/ 3/ 1439هـ.

& & &


 17-بيان فضل الحراسة والرباط في سبيل الله، والتحذير من الخوارج، ومن مذهبهم الباطل

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللّه، وعلى آله وأصحابه، ومن والاه، أما بعد:

فقد «صرح المتحدث الأمني بوزارة الداخلية أن الجهات الأمنية، وبفضل من اللَّه سبحانه وتعالى، ثم من خلال أدائها لمهامها، وواجباتها في مكافحة الإرهاب، وملاحقة عناصره، وكشف مخططاتهم، والإطاحة بشبكاتهم، وإحباط عملياتهم التي يستهدفون بها أمن البلاد واستقرارها، فقد تمكنت من رصد تواجد المطلوب الخطر: طايع بن سالم بن يسلم الصيعري – سعودي الجنسية، المعلن عنه بتاريخ 21 / 4 / 1437هـ؛ لدوره الخطير في تصنيع أحزمة ناسفة، نفذت بها عدد من الجرائم الإرهابية، مختبئاً في منزل يقع بحي الياسمين، شمال مدينة الرياض، ومعه شخص آخر، ظهر أنه يدعى: طلال بن سمران الصاعدي – سعودي الجنسية، واتخاذهما من ذلك المنزل وكراً إرهابياً؛ لتصنيع المواد المتفجرة من أحزمة، وعبوات ناسفة، ووفقاً لهذه المعطيات، باشرت الجهات الأمنية فجر اليوم السبت الموافق 9 / 4 / 1438هـ في تطويق الموقع، وتأمين سلامة سكان المنازل المجاورة، والمارة وتوجيه نداءات في الوقت ذاته لتسليم نفسيهما، إلا أنهما رفضا الاستجابة، وبادرا بإطلاق النار بشكل كثيف على رجال الأمن في مُحاولةٍ للهروب من الموقع، مما أوجب تحييد خطرهما، خاصة أنهما يرتديان حزامين ناسفين، كانا على وشك استخدامهما، لولا عناية الله، ثم سرعة تعامل رجال الأمن معهما، مما حال دون ذلك، ونتج عن العملية مقتلهما، وإصابة أحد رجال الأمن بإصابة طفيفة، نقل على إثرها للمستشفى، وحالته مستقرة، فيما لم يَصْب أحد من الساكنين، أو المارة بأي أَذًى، وللَّه الحمد، وقد ضبط في المنزل، وبحوزة الإرهابيين المذكورين الآتي: 1- حزامان ناسفان في حال تشريك كاملة وتم إبطالهما. 2- قنبلة يدوية محلية التصنيع. 3- حوضان صغيران بهما مواد يشتبه بأن تكون كيميائية، تستخدم لتصنيع المواد المتفجرة من أحزمة، وعبوات ناسفة.

وقد أكدت تلك المضبوطات مدى خطورة ما كان المذكوران يخططان للإقدام عليه من عمل إجرامي، عملا للإعداد عليه، خاصة أن طايع المذكور يعد خبيراً، يعتمد عليه تنظيم (داعش) الإرهابي في تصنيع الأحزمة الناسفة، والعبوات المتفجرة، وتجهيز الانتحاريين بها، وتدريبهم عليها؛ لتنفيذ عملياتهم الإجرامية التي كان منها عملية استهداف المصلين بمسجد قوة الطوارئ بعسير، بتاريخ 24/10/ 1436هـ، والعمليتين اللتين جرى إحباطهما بتاريخ 29 / 9 / 1437هـ، وكانت الأولى في المواقف التابعة لمستشفى سليمان فَقِيه، فيما استهدفت الثانية بكل خسة ودناءة المسجد النبوي الشريف...».

ولا شك أن هذا يدل على أمور بيانها على النحو الآتي:

أولاً: فضل الحراسة والرباط للدفاع عن المسلمين: وقد أ كرم اللَّه تعالى جنود الأمن بذلك، إن شاء اللَّه تعالى، إن صحت نياتهم.

1- عن سلمان - رضي الله عنه - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ([500])»([501]).

2- وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه -  أَنَّ رَسُولَ اللَّه- صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّه خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»([502]).

3- وعن أبي ريحانة: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -  «حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللهِ»([503]).

4- وعن ابن عباس ب سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»([504]).

وهذا الفضل العظيم والأجر الكبير، يكون للرجال المرابطين على الحدود لصد العدوان عن المسلمين، ويكون لرجال الأمن الحرَّاس الساهرين على أمن البلاد المسلمة إذ أخلصوا أعمالهم للَّه - عز وجل -، واللَّه أسأل أن يحقق لهم ذلك.

ثانياً: حقيقة مذهب الخوارج: تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم:

وهذا حصل بسبب تكفير المسلمين، فهؤلاء السفهاء كفّروا، وأفسدوا، والخوارج خطر على أمة الإسلام، وهذا عملهم، والخوارج فرق كثيرة، يُقال لبعضهم في أول الإسلام (الحرورية) نسبة إلى قرية خرجوا منها، يقال لها: حروراء، وكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، وكفّر بكبائر المعاصي، وخلد أصحابها في النار، فهو من الخوارج، فهم يُكفّرون أصحاب الكبائر، ويستحلِّون دماءَهم، وأموالهم، ويخلدونهم في النار، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب، حتى لو كانت متواترة، ويكفِّرون من خالفهم لارتداده عندهم عن دين الإسلام.

وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - صفاتهم بياناً واضحاً جليِّاً في الأحاديث الآتية:

1-  جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم غنيمة بالجعرانة بعد غزوة حنين، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ، قَالَ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ([505]) إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: دَعْنِي، يَا رَسُولَ اللَّه فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللهِ، أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»([506]).

2-     وفي لفظ آخر: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّه إِنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِي»، ثم قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ([507]) هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ([508]) يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ([509])، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ([510])»([511]).

3-     وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ»([512]).

4- وعن عَلِيّ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ([513])، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ([514])، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ([515])، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([516]).

وهذه الأحاديث فيها بيان شافٍ كامل في منهج الخوارج، وفيها معجزة باهرة، دالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه رسول اللَّه حقاً، فقد أخبر بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وأنهم صغار الأسنان، وسفهاء العقول، وقد حصل هذا كالشمس في رابعة النهار، وهو من الأمور الغيبية التي أخبر اللَّه بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.

ثالثاً: وقوعهم في قتـل الأنفس المعصـومة جريـمة كبيـرة وفاحشة عظيمة؛ للأدلة الآتية:

1-    قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([517]).

2-    وقال - عز وجل -: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾([518]) .

3-    وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ب، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ»([519]).

4-    وعن مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُل يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُل يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا»([520]).

5-    وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»([521]).

رابعاً: الانتحار، فهؤلاء فجّروا أنفسهم، وقتل الإنسان نفسه جريمة عظيمة، وذنب عظيم؛ للأدلة الاتية:

1-         عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا([522]) فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ([523]) فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى([524]) مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»([525]).

2-    وعن ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ - رضي الله عنه -، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»([526]).

فيجب على المسلمين الحذر من هذه الجرائم العظيمة.

ويجب على الآباء خاصة تعليم أولادهم منهج أهل السنة والجماعة؛ فإن من الغرائب أن أغلب هؤلاء الخوارج في هذه الأزمان الذين يكفرون فيفجرون هم من صغار الأسنان: في السادسة عشرة، والسابعة عشرة، والعشرين إلى الخامسة والعشرين، وهذا يدل على إهمال في التربية، فكيف يتعلم هذا الشاب الصغير صنع المتفجرات والأحزمة الناسفة في هذا السن؟ وهذا يدل على ترك الحبل من بعض ولاة أمور الشباب على الغارب، فيجب على الوالد، أو من يقوم مقامه، أن يراقب ولده، ويلزمه بطاعة اللَّه، ولا يهمله، فيخرج مع أهل الضلال والفساد، فيعلمونه وسائل التدمير والخراب والهلاك.

ويجب على العلماء، وطلاب العلم والخطباء أن يبينوا للناس منهج الخوارج، وأن يردوا على الشبه المضلة، ويبينوا الحق بدليله.

واللَّه تعالى قد أوجب على ولاة أمر المسلمين كفّ شرّ هؤلاء الخوارج، وقتلهم لإراحة المسلمين من شرهم امتثالاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([527])، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»([528]).

وأرجو ممن بلغه بياني هذا أن يبلغه لغيره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»([529])، وله من اللَّه الأجر العظيم، والثواب الكبير؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»([530]).

واللَّه أسأل أن يوفق جميع المسلمين لكل خير، وأن يكفيهم شر الخوارج، وأعداء الدين، وأن يجعل كيد هؤلاء المارقين في نحورهم، وأن يوفق ولاة الأمر لقتلهم، وإراحة المؤمنين من شرهم، وأذاهم، وأن يجزي ولاة الأمر خيراً على كبت هؤلاء المجرمين، وأن يسدد رجال الأمن، ويعينهم، ويجزيهم خير الجزاء على رباطهم، وسهرهم، وحمايتهم لبلاد الحرمين الشريفين، وأن يعيذنا جميعاً من نزغات الشيطان، فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الخميس 14/ 4/ 1438هـ.

& & &


 18-خطر المظاهرات على الدين والبلاد والعباد

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

فإن الدعوة إلى المظاهرات، وتفريق المجتمع المسلم من المفاسد العظيمة، والمخالفات الظاهرة لدين اللَّه - عز وجل -؛ لأن المظاهرات من مبادئ أعداء الإسلام، والمسلمين، وليس للمظاهرات أصل في دين اللَّه، ولم تحصل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا خلفائه الراشدين، ولا في القرون المفضَّلة، ولم يأمر بها علماء الإسلام من الأئمة الأعلام، وليس لها أصل في كتاب اللَّه، ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

وإنما تحصل المظاهرات في المجتمعات الكافرة، أو المجتمعات الجاهلية، الضالة المنحرفة، أو في المجتمعات الجاهلة التي لم توفق للصواب؛ لجهلها، وبعدها عن كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعدم رجوعها للعلماء الربانيين الراسخين في علم الكتاب والسنة.

والمظاهرات لها أخطار عظيمة، وأضرار جسيمة، منها الأضرار والأخطار الآتية:

أولاً: المظاهرات دعوة إلى تفريق المسلمين، وإلى محادَّة اللَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن اللَّه قد أمر بالاجتماع، ونهى عن التفرق، والاختلاف في الدين، وهذا أصل من أصول الدين.

1- قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾([531]).

2- وقال - عز وجل -: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾([532]).

3- وقال سبحانه: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾([533]).

ثانياً: الاجتماع أصل من أصول الإسلام؛ ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب :: «من أعجب العجائب، وأكبر الآيات الدالات على قدرة الملك الغلاب: ستة أصول، بيَّنها اللَّه تعالى بياناً واضحاً للعوام، فوق ما يظنه الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم، إلا أقل القليل»([534]) ، ثم ذكر هذه الأصول:

الأصل الأول: إخلاص الدين للَّه وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك باللَّه.

الأصل الثاني: أمر اللَّه بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه.

الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع، السمع والطاعة لمن تأمّر علينا، ولو كان عبداً حبشياً.

وقد أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ »([535]).

ثالثاً: المظاهرات فيها دعوة إلى الانحراف عن شرع اللَّه بالخروج على ولي أمر المسلمين، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»([536]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»([537]).

رابعاً: المظاهرات تسبب قتل الأنفس المعصومة المحرمة، وتوجب لمن فعل ذلك الخسران والهلاك.

1- قال اللَّه تعالى:﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما﴾([538]).

2- وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّه مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»([539]).

 3- وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا رَجُلٌ يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا»([540]).

خامساً: المظاهرات تسبب إراقة الدماء المعصومة، وانتهاك المحرمات التي حرّم اللَّه - عز وجل -.

1- قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»([541]).

2- وقال عبد اللَّه بن عمر ب: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ، الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ»([542]).

سادساً: المظاهرات تسبب اختلال الأمن، وانتهاك الأعراض، واغتصاب النساء، واختلاط الأنساب.

سابعاً: المظاهرات يخرج بسببها الخَمَّارون، والسُّرَّاق، والقتلة، والمفسدون من السجون، فينتهكون أعراض المسلمين، وينتهبون أموالهم، وممتلكاتهم، ويفسدون الحرث، والنسل، واللَّه لا يحب الفساد.

ثامناً: المظاهرات يحصل بسببها اختلال أمن الطرق، واعتداء قطاع الطرق، ونهبهم للأموال، وقتل الأنفس، واستباحة المحرمات، والوقوع في الفواحش والمنكرات.

تاسعاً: المظاهرات تحصل بها الفوضى، وتخرج العصابات المجرمة باختلاس الأموال والممتلكات.

عاشراً: المظاهرات يحصل بها تدمير المساكن، وإهلاك المتاجر، وتشريد المواطنين.

الحادي عشر: يكفي في فساد المظاهرات وقبحها ما حل لمن حولنا ممن استحلوا المظاهرات، والخروج على الحكام، فلا أعرف أحداً ربح منها، بل خسروا الأهل، والمال، والمساكن، والأوطان، وشردوا من بلادهم، واستُحلَّت أعراضهم، ويُتّم أطفالهم، واختلّ أمنهم، ورُمّلت نساؤهم، ودُمّرت الممتلكات بسبب المظاهرات القبيحة.

وطريق النجاة والسلامة على النحو الآتي:

1- سؤال اللَّه العفو والعافية، والسلامة، والتوفيق، والهداية لجميع المسلمين.

2- الاعتصام بالكتاب والسنة، وسؤال اللَّه الثبات.

3- طاعة ولاة الأمر بالمعروف، قال الإمام ابن رجب :: «وَأَمَّا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِيهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا، وَبِهَا تَنْتَظِمُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَبِهَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِمْ، وَطَاعَةِ رَبِّهِمْ»([543]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :: «فَطَاعَةُ اللَّه وَرَسُولِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَاجِبَةٌ؛ لِأَمْرِ اللَّه بِطَاعَتِهِمْ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّه وَرَسُولَهُ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ للَّه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ لَا يُطِيعُهُمْ إلَّا لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَالْمَالِ؛ فَإِنْ أَعْطَوْهُ أَطَاعَهُمْ، وَإِنْ مَنَعُوهُ عَصَاهُمْ، فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ»([544]).

4- الالتفاف حول علماء أهل السنة الراسخين في علم الكتاب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾([545]).

5- العلم بأن من يعادي المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين الشريفين، فإنما يدعو إلى إلغاء الأحكام الشرعية التي تحكم بها المملكة من كتاب اللَّه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو إلى الحرية المحرّمة، ويدعو إلى الحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى، ويدعو إلى الإلحاد في الحرمين الشريفين، وإلى تخريبهما، وصدّ الناس عنهما، والعياذ باللَّه تعالى، ويدعو إلى نبذ التوحيد، وعلوم الشريعة، ويدعو إلى الإفساد في الأرض.

فإن المملكة العربية السعودية من عهد مؤسسها الملك عبد العزيز : إلى عهد الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه اللَّه، حكمها قائم على الكتاب والسنة، وتدريس التوحيد، والفقه، وأحكام الشريعة الإسلامية في الجامعات، والمدارس، وتحمي الحرمين الشريفين، وتقوم بتوسعتهما، والعناية بهما عناية فائقة، وتعيّن الدعاة إلى التوحيد في كل مكان حتى خارج الدول الإسلامية في جميع أقطار الأرض، وتبني المساجد في جميع الدول، وتطبع المصحف الشريف، ويوزع في جميع أقطار الدنيا، وتطبع كتب الحديث، والفقه، وتوزع على طلاب العلم في الداخل والخارج، وتقوم بخدمة الحجاج والمعتمرين والزائرين، وتصرف على ذلك البليارات من الأموال، وتُعين الدول الإسلامية المحتاجة بالأموال الطائلة، فتبيّن بأن من يعادي المملكة العربية السعودية، فإنما يعادي دين اللَّه، ويكون بهذا عدوّاً للَّه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ودين الإسلام.

6- وليعلم كل عاقل أن له في المملكة العربية السعودية بيتين: البيت الكبير الأول هو وطنه، وبلاده، والبيت الصغير الثاني: هو بيته الذي فيه أبوه وأمه، وزوجته وبناته وأبناؤه، فإذا حافظ على أمن بيته الكبير، سلم له بيته الصغير، وحصل الأمن فيه على أولاده، وأسرته، وإذا أضاع بيته الكبير، واختلّ الأمن فيه، اختلّ الأمن في بيته الصغير، وشُرِّد أولاده، وحصل فيه الخوف والرعب، فليحافظ على أمن بيته الكبير، وهو وطنه، حتى يحصل له الأمن في بيته الصغير، وهو مسكنه.

7- من كان له حق من الحقوق، فعليه أن يراجع المحاكم الشرعية التي أقامها ولي الأمر، أو ديوان المظالم، وسوف يجد حقه حتى من الدولة، إن كان له حق، إن شاء اللَّه تعالى.

واللَّه أسأل التوفيق، والسداد لنا، ولولاة أمرنا، وجميع ولاة أمر المسلمين، وأن يديم علينا أمننا، وأماننا، ويحفظ بلادنا، وبلاد المسلمين من كل مكروه.

وصلى اللَّه، وسلّم على نبيّنا محمّد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

حرر في 24/ 12/ 1438هـ، الموافق 15/ 9/ 2017م

& & &


 19-من أقبح الجرائم التي تتصدع لها القلوب: قتل الأمهات والآباء

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد، فإن ما حصل من بعض الخوارج (الدواعش) التوأمان (من مواليد 1417هـ) اللذان قتلا أمهما (67 عاماً)، وحاولا قتل أبيهما (73 عاماً)، وأخيهما (22 عاماً) اللذين أصيبا إصابة بالغة، وهما في حالة حرجة في العناية الطبية في المستشفى في مدينة الرياض، حدث هذا في فجر الجمعة الموافق التاسع عشر من شهر رمضان سنة 1437هـ في حي الحمراء في مدينة الرياض، وقد ذكر المتحدث الأمني في وزارة الداخلية قوله: «اتضح للجهات الأمنية من مباشرتها لهذه الجريمة النكراء أن الجانيين قاما باستدراج والدتهما إلى غرفة المخزن، ووجها لها عدة طعنات غادرة، أدت إلى مقتلها، ليتوجها بعدها إلى والدهما، ومباغتته بعدة طعنات، ثم اللحاق بشقيقهما سليمان، وطعنه عدة طعنات، مستخدمين في تنفيذ جريمتهما ساطوراً وسكاكين حادةً، جلبوها من خارج المنزل، والتي ضبطت بمسرح الجريمة»، وهذه جريمة غريبة جداً تتصدع لها القلوب في هذا الشهر المبارك الكريم، ويهتز لها كل من سمع بها من العالم، ولم أسمع بمثل هذا من اليهود، ولا المجوس، ولا الملحدين، وهو فساد عظيم، وجرم كبير، وقد سبق من بعض هؤلاء قتلهم لإخوانهم، وآبائهم، وأعمامهم، وأبناء أعمامهم، وأبناء أخوالهم، وأقربائهم،  وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الرجل يقتل جاره، وأخاه، وأباه، وابن عمه، وذا قرابته، فعن أبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قال رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يقتُلَ الرَّجُلُ جَارَه، وأخاه، وأباه»([546])، فوقع ذلك كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، فدل ذلك على أنه رسول اللَّه حقاً، وأخبرنا - صلى الله عليه وسلم - أن هؤلاء الخوارج حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، وأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، فوقع ذلك كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -.

وعن أَبي مُوسَى - رضي الله عنه - أيضاً قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَهَرْجًا» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ، الْقَتْلُ» فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِن الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ» فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ»، ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ، إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم -، إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ منها كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا([547]).

وعن أبي موسى - رضي الله عنه - أيضاً: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ»، قُلْنَا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَابْنَ عَمِّهِ، وَأَبَاهُ»، قال : فرأينا من قتل أباه زمان الأزارقة([548])([549]).

وهذه الأحاديث، والأحاديث الآتية، تدل على أمور منها:

الأمر الأول: صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه رسول اللَّه حقاً؛ لأنه أخبر بهذه الأمور الغيبية، من قتل بعض هؤلاء الخوارج لآبائهم، وإخوانهم، وأعمامهم، وأبناء أعمامهم، وجيرانهم، وذوي قرابتهم، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنهم سفهاء الأحلام، أي: صغار العقول، حدثاء الأسنان، أي: صغار الأسنان، وأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، فوقع جميع هذه الأمور كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، فدل ذلك كله على أن اللَّه أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحق، وأنه رسول اللَّه بلا شك ولا ريب.

الأمر الثاني: فساد مذهب الخوارج، واستحقاق من عمل هذه الأعمال لسخط اللَّه تعالى وغضبه، ولعنته، والعياذ باللَّه تعالى.

فيا ويح هؤلاء الخوارج، ويا ويلهم من قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([550])، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ب: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» ([551]).

الأمر الثالث: قطيعتهم لأرحامهم، ومعصيتهم ربهم - عز وجل -؛ لقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾([552])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ»([553])، وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: «إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ([554]) مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ»([555])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»([556]) يعني: قاطع رحم([557] ولفظ أبي داود في سننه: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ»([558])، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخُبْثَ»([559])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّه - عز وجل - إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ([560])، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ على الْخَمْر، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى»([561])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّه تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» ([562]).

الأمر الرابع: أن من قتل أمه، أو أباه، أو أخاه، أو جاره، أو ابن عمه، أو ذا قرابته لا عقل له، بل ينزع عقله، ويكون كالغبار، ويكون من أراذل الناس، والعياذ باللَّه تعالى، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام السندي :([563]) في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي سبق ذكره «تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ»، وهذا من الفتن التي حذر منها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»([564]). قال الإمام النووي :: «مَعْنَى الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا، وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَرَاكِمَةِ كَتَرَاكُمِ ظَلَامِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَا الْمُقْمِرِ، وَوَصَفَ - صلى الله عليه وسلم - نَوْعًا مِنْ شَدَائِدِ تِلْكَ الْفِتَنِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا، ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِرًا، أَوْ عَكْسُهُ، شَكَّ الرَّاوِي، وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَنِ، يَنْقَلِبُ الْإِنْسَانُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ هَذَا الِانْقِلَابَ. وَاللَّه أَعْلَمُ»([565]).

ومن أعظم الفتن التي فرقت بين المسلمين، وشوهت صورة الإسلام، ما يعمله الخوارج، الذين يقال لهم (الدواعش) في هذا الزمان، فقد شوَّهوا الإسلام، وقد أخبرنا عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم سفهاء الأحلام، أحداث الأسنان، فعن علي - رضي الله عنه - قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا، لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([566] قال الإمام النووي :: «قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ: مَعْنَاهُ: صِغَارُ الْأَسْنَانِ، صِغَارُ الْعُقُولِ»([567]).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ...»([568]) الحديث.

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه -، إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَرْبَعَةِ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ المُجَاشِعِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَالأَنْصَارُ، قَالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا، قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ». فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللَّه إِذَا عَصَيْتُ؟ [وفي لفظ لمسلم: «فمن يطع اللَّه إن عصيته»] أَيَأْمَنُنِي اللَّه عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَلاَ تَأْمَنُونِي» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ، - أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، أَوْ: فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»([569]).

قال الإمام النووي : في معنى قوله: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ: أَيْ: قَتْلًا عَامًّا، مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ باقية﴾ ([570]).

فينبغي لكل مسلم أن يخاف على نفسه من هذه الفتن، ويجب عليه أن يبتعد عنها، ولا يقرب من أهلها، فقد بيَّن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -: كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً، أَوْ مَعَاذًا، فَلْيَعُذْ بِهِ»([571])، وأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستعيذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها، وما بطن، كما في حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنَ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ». قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّه مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»([572]).

ويجب على المسلم أن يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان يخاف على نفسه، وهو رسول اللَّه حقاً، فيقول كما في حديث أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ، وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّه يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» ([573])، ومن حديث عَبْدَ اللَّه بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ب، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»([574]).

فأرجو ممن اطلع على هذه الأحاديث أن يعمل بها، ويتأملها، ويتدبر معانيها.

واللَّه أسأل أن يعيذنا جميعاً من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، ومن شرور أنفسنا، ومن نزغات الشيطان، وأن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كيد الكائدين، ومن عبث العابثين، ومن كل سوء، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، ويصرف عنهم كل شر، وأن يصلح بطانتهم، وأن يعينهم لنصرة الإسلام والمسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الأحد 21/ 9/ 1437هـ.

& & &


 20-وصيتي لأولادي وإخوتي وجميع أسرتي ومن اطلع عليها من المسلمين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

فهذا ما أوصيت به أنا سعيد بن علي بن وهف آل جحيش آل سليمان القحطاني، وأنا في كامل صحة عقلي، وبدني، وقوتي التي منَّ اللَّه تعالى بها عليَّ، فله الحمد والمنَّة، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، أُوصي بالأمور الآتية:

أوصي أولادي: ذكوراً وإناثاً، وزوجاتي، وإخوتي، وأختي، وذرياتهم، وجميع أسرتي بوصية إبراهيم ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([575] وأوصيهم بوصية اللَّه تعالى للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه﴾([576] وأن يتقوا اللَّه حق تقاته: يطيعوه فلا يعصوه، ويذكروه فلا ينسوه، ويشكروه ولا يكفروه، في سرِّهم وعلانيتهم، وفي أقوالهم وأفعالهم، ويلزموا طاعته، وينتهوا عن معصيته، وأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه، وأن يجتمعوا على الحق، ولا يتفرَّقوا، وأن يُصلِحوا ذات بينهم؛ فإن صلاح ذات البين أفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة، وفساد ذات البين هي الحالقة([577] وفي رواية الترمذي: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، والحالقة: الماحقة للأجر والحسنات.

وعلى الجميع أن يعلموا أنهم ملاقو اللَّه تعالى، فلا ينفعهم إلا ما قدموا من عمل صالح: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾([578]).

فأوصي الجميع بالمحافظة على أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله: ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وأن محمداً رسول الله: ومعناها: الاعتقاد الجازم أنه رسول اللَّه حقاً للجن والإنس، لا نبي بعده، ومن مقتضى ذلك طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد اللَّه إلا بما شرع، وإقام الصلاة، ويحافظ عليها الرجال مع الجماعة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وأوصي الجميع بالإيمان الكامل باللَّه تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من اللَّه تعالى، وأوصيهم جميعاً بإحسان العبادة للَّه تعالى، فيعبدوه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم I.

وأوصيهم: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، والوفاء بالوعد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والبهائم، وإكرام الضيف، وتنفيس الكرب عن المكروب من المسلمين، والتيسير على المعسر، وستر المسلم، وإعانته، والإخلاص للَّه، والتوكل عليه، والمحبة للَّه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وخشية اللَّه، ورجاء رحمته، والتوبة والرجوع إليه، والصبر على حكمه، والشكر لنعمه، وقراءة القرآن مع التدبُّر والعمل به، ومراجعته، وذكر اللَّه تعالى، ودعائه، وسؤاله بقلب حاضر، والرغبة إليه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يصلوا من قطعهم، ويُعطوا من حرمهم، ويعفوا عمن ظلمهم، والعدل في جميع الأمور، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وحسن الخلق، والنصيحة للَّه ولرسوله، ولكتابه، وللأئمة المسلمين، وعامتهم، وغض البصر عما حرم اللَّه تعالى، وإعفاء اللحى للرجال، والتزام الحجاب الإسلامي للنساء، وعدم سفرهن بدون محرم، وغير ذلك من أمثال هذه الأعمال التي هي أعمال أهل الجنة، وبها يصل العبد إلى جنات النعيم، وإلى رضوانه الأكبر.

ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾([579]).

وأوصيهم، وأحذرهم من الشرك بالله، وهو صرف شيء من العبادة لغير الله، وأحذرهم من الحسد، والكذب، والفجور، والخيانة، والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد المشروع بشروطه الشرعية، والبخل، والشح، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض اللَّه تعالى، واعتداء حدود اللَّه تعالى، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، ورجاء المخلوق دون الخالق، والتوكل على المخلوق دون الخالق، والعمل رياء وسمعة، ومخالفة الكتاب والسنة، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصب بالباطل، والاستهزاء بآيات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم، وشهادة، والسحر، والذهاب إلى السحرة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وقتل النفس التي حرَّم اللَّه إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وإعطاء الرشوة، وأخذها، وأكل أموال الناس بالباطل، والفرار من الزحف بالنسبة للرجال، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والغيبة والنميمة، وشهادة الزور، وشرب الخمر، والكبر والخيلاء، والسرقة، واليمين الغموس، وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، والمنّ بالعطية، وإنفاق السلعة بالحلف الكاذب، وتصديق الكاهن والمنجم، والتصوير لذوات الأرواح، واتخاذ القبور مساجد، والنياحة على الميت، وإسبال الثياب والبشوت والسراويل للرجال، ولبس الحرير، والذهب للرجال، وأذى الجار، وإخلاف الوعد، وحلق الحلى للرجال، أو تقصيرها، فإن في ذلك معصية للَّه ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتغيير لخلق الله، وتشبه بالكفار والنساء، والتبرج والسفور للنساء، والخلوة بالمرأة بدون محرم، وسفر المرأة بدون محرم، والخلوة بالمرأة داخل البلد بدون ثالث، أما في السفر فلا بد من محرم، واستماع الغناء والمعازف، والنظر إلى ما حرم اللَّه تعالى، وغير ذلك من أمثال هذه الأعمال التي يصل بها الإنسان إلى جهنم، نعوذ باللَّه منها، ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾([580] وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾([581]).

ويجمع كل ما تقدم قول اللَّه - عز وجل -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([582])، وقوله - عز وجل -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([583]).

واللَّه أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يهديكم سواء السبيل، وأن يجمعني بكم جميعاً في الفردوس الأعلى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾([584]).

أسأل اللَّه أن يحقق لي ولكم ما وعد في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿للَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾([585]).

وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

حرر في 1/1/ 1429هـ.

& & &


 21-بيان خطر  مذهب الخوارج، وقتل الأنفس المعصومة بغير حق، والانتحار ، وتخريب المساجد، وتلويث المصاحف

الحمد للَّه ، والصلاة والسلام على رسول اللّه، وعلى آله وأصحابه، ومن والاه، أما بعد:

فإن ما حصل يوم الخميس 21/ 10/ 1436هـ من تفجير في مسجد مقر قوات الطوارئ الخاصة بمنطقة عسير، أثناء أداء صلاة الظهر جماعة، فنتج عنه استشهاد 15 مصلياً، وإصابة 33 آخرين من المصلين في هذا المسجد، وتلويث المسجد بالدماء نتيجة الانفجار، وانتشار الدماء على بعض المصاحف في المسجد، وتمزيق بعضها، فهذا عملٌ قبيح، وذنب عظيم، وجرم كبير، وفساد عريض، وعدوانٌ أثيم، وتعدٍ لحدود اللَّه ، لا يقرّه دين، ولا عقل صحيح، وقد وقع فاعله في أربع جرائم عظيمة: تكفير المسلمين واستحلال دمائهم بغير حق وقتل الأنفس المعصومة، والانتحار بقتل نفسه، وتخريب بيوت اللَّه والسعي في خرابها، وإهانة المصحف الشريف، وبيان ذلك على النحو الآتي:

أولاً: مذهب الخوارج تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم:

هذا التفجير، وقتل الأنفس بغير حق حصل بسبب تكفير المسلمين، فهؤلاء السفهاء كفّروا، ففجروا، وأفسدوا، والخوارج خطر على أمة الإسلام، وهذا عملهم، والخوارج فرق كثيرة، يُقال لبعضهم في أول الإسلام (الحرورية) نسبة إلى قرية خرجوا منها، يقال لها: حروراء، وكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، وكفّر بكبائر المعاصي فهو من الخوارج، فهم يُكفّرون أصحاب الكبائر، ويستحلون دماءَهم، وأموالهم، ويخلدونهم في النار، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب، حتى لو كانت متواترة، ويكفرون من خالفهم لارتداده عندهم عن دين الإسلام.

وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - صفاتهم بياناً واضحاً جليِّاً في الأحاديث الآتية:

1-   جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم غنيمة بالجعرانة بعد غزوة حنين، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ، قَالَ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ([586]) إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -: دَعْنِي، يَا رَسُولَ اللَّه فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: «مَعَاذَ اللهِ، أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»([587]).

2-   وفي لفظ آخر: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّه إِنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِي»، ثم قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ([588]) هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ([589]) يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ([590])، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ([591])»([592]).

3-   وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ»([593]).

4-   وعن عَلِيّ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ([594])، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ([595])، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ([596])، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([597]).

وهذه الأحاديث فيها بيان شافٍ كامل في منهج الخوارج، وفيها معجزة باهرة، دالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه رسول اللَّه حقاً، فقد أخبر بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وأنهم صغار الأسنان، وسفهاء العقول، وقد حصل هذا كالشمس في رابعة النهار، وهو من الأمور الغيبية التي أخبر اللَّه بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.

ثانياً: وقوعهم في قتل الأنفس المعصـومة جريمة كبيـرة فاحشة؛ للأدلة الآتية:

1-   قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّه عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([598]).

2-   وقال - عز وجل -: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ([599]) .

3-   وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ب، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ»([600]).

4-   وعن مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُل يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُل يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا»([601]).

5-   وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا»([602]).

ثالثاً: الانتحار، فهؤلاء فجّروا أنفسهم، وقتل الإنسان نفسه جريمة عظيمة، وذنب عظيم؛ للأدلة الاتية:

1-       عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا([603]) فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ([604]) فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى([605]) مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»([606]).

2-       وعن ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ - رضي الله عنه -، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»([607]).

رابعاً: حرم اللَّه - عز وجل - السعي في خراب المساجد، وبيّن أن من فعل ذلك فله الخزي في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة، ولا أحد أظلم منه، قال اللَّه - عز وجل -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّه أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾([608] والخراب للمساجد: حسي، ومعنوي، فالخراب الحسي: هدمها، وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم اللَّه فيها، وهذا عام لكل من اتصف بهذه الصفة([609]).

وقد بيّن اللَّه تعالى أن المشركين لا يعمرون مساجد اللَّه ، ولا ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بهم، ثم بين ما لهم من الهلاك ببطلان الأعمال، والخلود في النار، وبيّن سبحانه من هم عمّار المساجد حسياً ومعنوياً، وذكر صفاتهم، ومدحهم، وأثنى عليهم، وبيّن أنهم يؤمنون باللَّه واليوم الآخر، ويخشون اللَّه، وأنهم من المهتدين، فقال تعالى([610]): ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّه مَنْ آمَنَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾([611]).

وهذا يدل بمفهومه أن من هدم المساجد، وسعى في تخريبها، وتدميرها، وتلويثها، لا يؤمن باللَّه ، ولا باليوم الآخر، ولا يخشى اللَّه، ولا يكون من المهتدين، بل من الضالين.

وبيَّن اللَّه - عز وجل - حكمة الجهاد في سبيله، ثم بيّن أنه يدفع بالمجاهدين ضرر الكافرين، والمفسدين لدين اللَّه، ويحفظ المساجد([612]) وغيرها من مصالح المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّه كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّه مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّه لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾([613] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾([614]).

وهذا فيه بيان أن من يدافع عن الدين، وحرمات المسلمين، ويدافع عن المساجد، ويحفظها، ويمنعها من تخريب العابثين، فهو من المجاهدين في سبيل اللَّه، وأن من يسعى في تخريب المساجد، ويعبث فيها بالإفساد، وتلويثها بالدماء المعصومة، فهو من المفسدين الضالين.

وبيّن اللَّه - عز وجل - أن أكثر نور القرآن، ونور الإيمان يحصل في المساجد([615])، فقال اللَّه - عز وجل -: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّه أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾([616]).

فكل هذه الجرائم الأربع: تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، وقتل الأنفس المعصومة بغير حق، والانتحار بالتفجير وغيره، وتخريب المساجد وتلويثها وتلويث المصاحف الشريفة، الواحدة من هذه الجرائم توجب على فاعلها غضب اللَّه، وسخطه، وعقوبته في الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا باللّه.

فيجب على المسلمين الحذر من هذه الجرائم العظيمة.

ويجب على الآباء خاصة تعليم أولادهم منهج أهل السنة والجماعة؛ فإن من الغرائب أن أغلب هؤلاء الخوارج في هذه الأزمان الذين يكفرون فيفجرون هم من صغار الأسنان: في السادسة عشرة، والسابعة عشرة، والعشرين إلى الخامسة والعشرين، وهذا يدل على إهمال في التربية، فكيف يتعلم هذا الشاب الصغير صنع المتفجرات والأحزمة الناسفة في هذا السن؟ وهذا يدل على ترك الحبل من بعض ولاة أمور الشباب على الغارب، فيجب على الوالد، أو من يقوم مقامه، أن يراقب ولده، ويلزمه بطاعة اللَّه، ولا يهمله، فيخرج مع أهل الضلال والفساد، فيعلمونه وسائل التدمير والخراب والهلاك.

ويجب على العلماء، وطلاب العلم والخطباء أن يبينوا للناس منهج الخوارج، وأن يردوا على الشبه المضلة، ويبينوا الحق بدليله.

واللَّه تعالى قد أوجب على ولاة أمر المسلمين كفّ شرّ هؤلاء الخوارج، وقتلهم لإراحة المسلمين من شرهم امتثالاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([617])، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»([618]).

وأرجو ممن بلغه بياني هذا أن يبلغه لغيره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»([619])، وله من اللَّه الأجر العظيم، والثواب الكبير؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»([620]).

واللَّه أسأل أن يوفق جميع المسلمين لكل خير، وأن يكفيهم شر الخوارج، وأعداء الدين، وأن يجعل كيد هؤلاء المارقين في نحورهم، وأن يوفق ولاة الأمر لقتلهم، وإراحة المؤمنين من شرهم، وأذاهم، وأن يجعل هؤلاء المقتولين ظلماً وعدواناً شهداء، أحياء، عند ربهم يرزقون، وأن يجزي ولاة الأمر خيراً على كبت هؤلاء المجرمين، وأن يسدد رجال الأمن، ويعينهم، ويجزيهم خير الجزاء على رباطهم، وسهرهم، وحمايتهم لبلاد الحرمين الشريفين، وأن يعيذنا جميعاً من نزغات الشيطان، فإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الجمعة 22/ 10/ 1436هـ.

& & &


 22-نقص الرواتب والبدلات والعلاوات

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد سمعنا، وسمع غيرنا بالقرارات في تخفيض بعض الرواتب، والبدلات والعلاوات من ولاة الأمر وفقهم اللَّه لحكمة ومصلحة للمسلمين رأوها.

ولا شك أن ما يصيب الناس من ضراء، ونقص في الأموال، وغيرها، بسبب ذنوبهم، ومعاصيهم، كما قال اللَّه - عز وجل -: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾([621]) ، قال الإمام ابن كثير :: «أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم ﴿ويعفو عن كثير﴾ أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، ﴿ولو يؤاخذ اللَّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾([622])» ([623] وقال العلامة السعدي :: «يخبر تعالى، أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم، وأموالهم، وأولادهم، وفيما يحبون، ويكون عزيزاً عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو اللَّه عنه أكثر، فإن اللَّه لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون»([624] وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾([625] قال العلامة السعدي: «أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة اللَّه تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر، هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان اللَّه ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾، وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، ... وغير ذلك»([626]).

وعلاج ذلك التوبة النصوح، والرجوع إلى اللَّه تعالى، والاستغفار، والصبر ابتغاء مرضاة اللَّه تعالى لقول اللَّه تعالى في الآية السابقة: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للَّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾([627])، وقول اللَّه - عز وجل -: ﴿إِنَّ اللَّه لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾([628]) ، قال العلامة السعدي :: «﴿إِنَّ اللَّه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من النعمة، والإحسان، ورغد العيش ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم اللَّه إلى البطر بها، فيسلبهم اللَّه عند ذلك إياها، وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة اللَّه ، غير اللَّه عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير، والسرور، والغبطة، والرحمة»([629]) ، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾([630] قال العلامة السعدي :: «﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أي: اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب، واستغفروا اللَّه منها، ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ كثير المغفرة لمن تاب واستغفر، فرغبهم بمغفرة الذنوب، وما يترتب عليها من حصول الثواب، واندفاع العقاب، ورغبهم أيضاً، بخير الدنيا العاجل، فقال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ أي: مطراً متتابعاً، يروي الشعاب والوهاد، ويحيي البلاد والعباد، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا، وأولادكم، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ وهذا من أبلغ ما يكون من لذات الدنيا ومطالبها»([631]) ، وبالصبر على المصائب يحصل الثواب العظيم، لقول اللَّه تعالى في الآية السابقة: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ قال العلامة السعدي :: «وأما من وفقه اللَّه للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولاً وفعلاً واحتسب أجرها عند اللَّه، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه؛ لأنها صارت طريقاً لحصول ما هو خير له، وأنفع منها، فقد امتثل أمر اللَّه، وفاز بالثواب؛ فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب، فالصابرون، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة»([632]) ، وثبت في حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّه بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»([633]).

ويجب طاعة ولاة الأمر في طاعة اللَّه تعالى؛ لقول اللَّه - عز وجل -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾([634]) ، وولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء([635])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»([636])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «عليك السّمعُ والطّاعةُ في عُسْرِك، ويُسرِك، ومَنشطك ومَكرهك([637])، وأثرةٍ([638]) عليكَ»([639]) ، وثبت من حديث أم الحصين ل أنها قالت: «سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب في حجة الوداع وهو يقول: «وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»([640]) ، وعن أَبَي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّه الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾([641])» ([642] وعن عبد اللَّه بن عمر ب قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»([643]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :: «فطاعة اللَّه ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر اللَّه بطاعتهم، فمن أطاع اللَّه ورسوله بطاعة ولاة الأمر للَّه فأجره على اللَّه ، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق»([644] وقال ابن رجب :: «أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم»([645]).

واللَّه أسأل أن يصلح أحوالنا، وأحوال جميع المسلمين، وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى اللَّه، وسلم، وبارك على نبيِّنا محمد.

حرر يوم الإثنين 2/1/ 1438هـ.

& & &


 23-الهلاك والدمار والهزائم والخذلان بارتكاب المعاصي والمنكرات

الحمد لَّله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله وأصحابه، ومن والاه. أما بعد:

فإن المعاصي تسبب الهلاك والدمار، والهزائم، والخذلان، والأمراض التي لم تكن في الأسلاف، والمعاصي في الاصطلاح الشرعي: هي ترك المأمورات، وفعل المحظورات، فتبين بذلك أن المعاصي هي ترك ما أمر اللَّه به أو أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفعل ما نهى اللَّه عنه، أو نهى عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم -: من الأقوال، والأعمال، والمقاصد الظاهرة والباطنة([646])، قال اللَّه - عز وجل -: +وَمَن يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾([647] وقال I: +وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّه وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَـهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا_([648])، وقال - عز وجل -: +وَمَن يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا_.

والمعاصي لها أسباب كثيرة تحصل بسببها، وتكثر وتقل بذلك، وهذه الأسباب نوعان، على النحو الآتي:

الابتلاء بالخير والشر، والابتلاء بالمال والولد، وقد تكون الفتنة أعمَّ مما تقدّم، قال اللَّه - عز وجل -: +وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا_([649])، وهذه الفتن وغيرها مما في معناها تكون من أسباب النجاة عند النجاح في الاختبار، وتكون من أسباب المعاصي والهلاك عند الإخفاق والرسوب في الامتحان، واللَّه نسأل التوفيق والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، والمعاصي لها أسباب، منها: ضعف الإيمان واليقين باللَّه - عز وجل -، والجهل به سبحانه، والشبهات، والشهوات، والشيطان من أعظم أسباب وقوع المعاصي: لأنه أخبث عدو للإنسان.

ولا شك أن أصول المعاصي ثلاثة: الكِبْر: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره، والحِرْص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة، والحَسَد: وهو الذي جرَّأَ أحد ابني آدم على أخيه، فمن وُقِيَ شر هذه الثلاثة فقد وُقِيَ الشر، فالكفر من الكِبْر، والمعاصي من الحِرص، والبغي والظلم من الحسَد ‏»‏‏([650]).

والمعاصي لها أقسام:

القسم الأول: أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح له من صفات الربوبية: كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذل.

والقسم الثاني: الذنوب التي يتشبه الإنسان بالشيطان في عملها، فالتشبه بالشيطان: في الحسد، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله، وتحسينها، والنهي عن طاعة الله، وتهجينها، والابتداع في الدين، والدعوة إلى البدع والضلال، وهذا القسم يلي القسم الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

والقسم الثالث: ذنوب العدوان، وهي الذنوب التي يشبه الإنسان في فعلها السباع، وهي ذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثّب على الضعفاء والعاجزين، ويتولّد من هذا القسم أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على .

والقسم الرابع: وهي الذنوب التي يشبه الإنسان في فعلها البهائم، مثل: الشره، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولّد الزنا، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشحّ، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك، وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق؛ لعجزهم عن الذنوب الملكية، والسبعية، ومن هذا القسم يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرّهم إليها بالزّمام([651]).

ولا شك أن المعاصي نوعان: كبائر وصغائر، قال الإمام ابن القيم :: ‏«‏وقد دلّ القرآن، والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم، والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر‏»‏‏([652])، قال اللَّه - عز وجل -: +إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا_([653])، وقال - عز وجل -: +الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ_([654])، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال:«‏أن تجعل للَّه نِدّاً وهو خلقك‏»‏‏، قلت: إن ذلك لعظيم. قال قلت: ثم أيُّ؟ قال:«‏ثم أن تقتل ولدَك مخافةَ أن يَطعمَ معك‏»‏‏، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال:«‏ثم أن تزاني حَليلةَ جارك‏»‏‏([655]).

وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ‏«‏ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟‏»‏‏ ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال:«‏الإشراك بالله، وعقوق الوالدين‏»‏‏، وجلس وكان متكئاً فقال:«‏ألا وقول الزور‏»‏‏، فمازال يكرّرها حتى قلنا: ليته سكت([656]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال:«‏الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنِبَتِ الكبائر‏»‏‏، وفي رواية:«‏ما لم تُغْشَ الكبائر‏»‏‏([657]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«‏اجتنبوا السبع الموبقات‏»‏‏، قالوا: يا رسول اللَّه وما هنّ؟ قال:«‏الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم اللَّه إلا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات‏»‏‏([658]).

والصواب: أن الكبائر كل ذنب ترتّب عليه حدٌّ في الدنيا، أو تُوعِّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو العقوبة، أو نفي إيمان، وما لم يترتّب عليه حدٌّ في الدنيا، ولا وعيدٌ في الآخرة، فهو صغيرة([659])، ولكن قد تكون الصغائر من الكبائر لأسباب، منها:

1 - الإصرار والمداومة عليها، كما في قول ابن عباس ب:«‏لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار‏»‏‏([660]).

2 - استصغار المعصية واحتقارها، فعن عائشة ل قالت: قال لي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ‏«‏يا عائشة إيَّاكِ ومُحقرَاتِ الأعمال فإن لها من اللَّه طالباً‏»‏‏([661])، وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال:قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:‏«‏إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه‏»‏‏([662])، وعن عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه - قال:«‏إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا‏»‏‏، قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه([663]).

3 - الفرح بالصغيرة والافتخار بها، كأن يقول ما رأيتني كيف مَزَّقت عِرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجَّلته، أو خدعته، أو غبنته.

4 - أن يكون عالماً يُقتدى به.

5 - إذا فعل الذنب ثم جاهر به؛ لأن المجاهر غير معافى([664])، فينبغي لكل مسلم أن يبتعد عن جميع الذنوب صغيرها وكبيرها؛ ليكون من الفائزين في الدنيا والآخرة.

ولا شك أن المعاصي لها أضرار على الفرد والمجتمع، منها: آثارها على القلب: 1 - ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ وداءٌ إلا سببه الذنوب والمعاصي؟([665])، 2 - حرمان العلم؛ فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب، والمعصية تُطفئ ذلك النور، وتُعمي بصيرة القلب، وتسدُّ طرق العلم، وتحجب موارد الهداية، قال اللَّه - عز وجل -: +فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ_([666])، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقّد ذكائه، وكمال فهمه، فقال:«‏إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية‏»‏‏([667] وقال الشافعي ::

شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نورٌ

ونورُ اللَّه لا يُهدَى لعاصي([668])

3 - الوحشة في القلب بأنواعها: وحشة بين العاصي وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الخلق، وكلّما كثرت الذنوب اشتدّت الوحش.

4 - الظلمة في القلب؛ فإن العاصي يجد ظلمة في قلبه حقيقة يُحسّ بها كما يُحسّ بظلمة الليل البهيم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسِّية لبصره؛ فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع، والضلالات، والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سواداً فيه يراه كل أحد([669]قال عبد اللَّه بن عباس ب:«‏إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق‏»‏‏([670]).

5 - تُوهن القلب وتُضعفه.

6 - تحجب القلب عن الربّ في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال اللَّه - عز وجل -: +كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ*كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّـمَحْجُوبُونَ_([671])، فكانت الذنوب حجاباً بينهم وبين قلوبهم، وحجاباً بينهم وبين ربهم وخالقهم([672]).

7 - يألف المعصية، فينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة.

8 - هوان المعاصي على المصرّين عليها، فلا يزال العبد يرتكب المعاصي حتى تهون عليه، وتصغر في قلبه وعينه، وذلك علامة الهلاك؛ لأن الذنب كلما صغر في قلب العبد وعينه عَظُم عند الله.

 9 - تُورث الذلّ، فإنّ العزّ كلّ العزّ في طاعة اللَّه - عز وجل - ،والذلّ كلّ الذلّ في معصية اللَّه I،قال اللَّه - عز وجل -:+مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَللَّه الْعِزَّةُ جَمِيعًا _([673])، وقال - عز وجل -: +وَللَّه الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ _([674]).

10 - تُفسد العقل وتُؤثر فيه؛ فإن للعقل نوراً، والمعصية تُطفئ نور العقل.

11 - تطبع على القلب، فإذا تكاثرت طبعت على قلب صاحبها، فكان من الغافلين.

12 - الذنوب تطفئ غيرة القلب؛ فإنّ أشرف الناس وأعلاهم همّةً أشدّهم غيرةً على نفسه وخاصته، وعموم الناس؛ ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أغير الخلق على الأمة، واللَّه - عز وجل - أشد غيرة منه؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: ‏«‏أتعجبون من غيرة سعد؟ فواللَّه لأنا أغير منه، واللَّه أغير مني، من أجل غيرة اللَّه حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث اللَّه المرسلين مُبشّرين ومُنذِرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد اللَّه الجنة‏»‏‏([675])، وعن عائشة ل أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال:«‏يا أُمة محمد ما أحد أغير من اللَّه أن يرى عبده أو أمته يزني، يا أُمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً‏»‏‏([676])، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ‏«‏إن اللَّه يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المؤمن ما حرَّم [الله] عليه‏»‏‏([677] وعن جابر بن عتيك مرفوعاً:«‏إن من الغيرة ما يـحـــب الله، ومنـــها ما يُبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، فأما الغيرة التي يحب اللَّه فالغيرة في ريبة، وأما التي يُبغض اللَّه فالغيرة في غير الريبة، والاختيال الذي يحب اللَّه اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض اللَّه - عز وجل - الخيلاء في الباطل‏»‏‏([678] والمقصود بالغيرة في الريبة: الغيرة في مواضع التهمة والتردّد، فتظهر فائدتها، وهي الرهبة والانزجار، وإن كانت الغيرة بدون ريبة فإنها تورث البغض والفتن([679])، والاختيال في الصدقة أن يكون سخياً، فيعطي طيبة بها نفسه، فلا يستكثر كثيراً، ولا يعطي منها شيئاً إلا وهو مستقلّ، وأما الحرب: فأن يتقدم فيها بنشاط وقوة وعدم جبن([680]).

13 - الذنوب تذهب الحياء من القلب، وهو أصل كلّ خير، وذهابه ذهاب الخير كله، فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ‏«‏الحياءُ خير كله‏»‏‏، أو قال:«‏الحياءُ كله خير‏»‏‏([681])، وعنه - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«‏الحياء لا يأتي إلا بخير‏»‏‏([682]).

14 - المعاصي تلقي الخوف والرعب في القلوب، فلا ترى العاصي دائماً إلا خائفاً .

15 - تُمْرِضُ القلب، وتَصْرِفُهُ عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، وتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها.

16 - المعاصي تُصغّر النفوس، وتقمعها، وتدسِّيها، وتحقِّرها حتى تصير أصغر شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها.

17 - خسف القلب ومسخه، وعلامة خسف القلب أنه لا يزال جوّالاً حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه اللَّه وقرَّبه إليه لا يزال جوالاً حول العر.

18 - المعاصي تُنكّس القلب حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً، والمعروف منكراً، والمنكر .

19 - تُضَيِّق الصدر، فالذي يقع في الجرائم، ويُعرض عن طاعة اللَّه يضيق صدره بحسب إعراضه، قال اللَّه - عز وجل -: +فَمَن يُرِدِ اللَّه أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّه الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ_([683]).

والمعاصي لها آثار على الدين:

20 - تزرع المعاصي أمثالها، ويولد بعضها بعضاً، حتى يصعب على العبد التخلص منها، كما قال بعض السلف:«‏إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها‏»‏‏.

21 - تَحْرِمُ الطاعة وتُثَبِّطُ عنها.

22 - المعصية سبب لهوان العبد العاصي على اللَّه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري :: ‏«‏هانوا عليه فعصوه، ولو عزّوا عليه لعصمهم‏»‏‏([684])، وإذا هان العبد على اللَّه لم يكرمه أحد، كما قال اللَّه - عز وجل -: +وَمَن يُهِنِ اللَّه فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ_([685]).

23 - تُدخل الذنوب العبد تحت لعنة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لعن على معاصٍ وغيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة، فلعن: الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة([686])، ولعن النامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه تعالى([687])، ولعن آكل الربا وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء([688] ومرَّ على حمار قد وُسِمَ في وجهه فقال:«‏لعن اللَّه الذي وسمه‏»‏‏([689])، ولعن السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق الحبل فتُقطع يده([690])، ولعن من ذبح لغير الله، ومن آوى مُحدِثاً، ومن لعن والديه، ومن غيّر منار الأرض([691])، ولعن المتشبّهات بالرجال من النساء، والمتشبّهين بالنساء من الرجال([692])، ولعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه [وآكل ثمنها]([693])،  ولعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً يرميه([694])، ولعن المصور([695])، ولعن من سبَّ أباه، ومن سبَّ أمه، ومن كمه أعمى عن الطريق، ومن وقع على بهيمة، ومن عمل بعمل قوم لوط([696])، ولعن الراشي والمرتشي([697])، ولعن زوّارات القبور والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج([698])، ولعن من أتى امرأة في دبرها([699])، وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح([700])، وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه([701])، وقد لعن اللَّه - عز وجل - في كتابه من آذاه وآذى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ([702])، ولعن من أفسد في الأرض، ونقض عهد اللَّه وقطع ما أمر اللَّه به أن يوصل ([703])، ولعن من كتم ما أنزل اللَّه من البينات والهدى ([704])، ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة([705])، ولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المؤمنين([706])، ولعن اللَّه ورسوله على أشياء غير هذه، فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه اللَّه ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه، فليبتعد العاقل عن كل معصية حتى ينجو،واللَّه المستعان([707]).

24 - حرمان دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والملائكة، فإن اللَّه سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وبيّن سبحانه أن الملائكة يستغفرون لهم.

25 - والمعاصي تُسبّب نسيان اللَّه لعبده ونسيان العبد نفسه، فإذا نسي اللَّه العبد فهناك الهلاك الذي لا يُـرجى معــه نجا.

26 - تخرج صاحبها من دائرة الإحسان، فإن من عقوبات المعاصي أن تمنع العاصي ثواب المحسنين.

27 - تفوِّت ثواب المؤمنين، ومن فاته ثواب المؤمنين وحسن دفاع اللَّه عنهم فاته كل خير، رتبه اللَّه في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها.

28 - توجب القطيعة بين العبد والرب، وإذا وقعت القطيعة بين العبد وربه انقطعت عنه أسباب الخير، واتصلت به أسباب .

29 - المعاصي تجعل صاحبها أسيراً للشيطان، وفي سجن شهواته وقيود هواه، فهو أسير مسجون .

30 - المعاصي تجعل صاحبها من السفلة؛ فإن اللَّه خلق خلقه قسمين: عُلية، وسفلة، وجعل عليين مستقرّ العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة([708]).

31 - المعاصي تُسْقِط الكرامة، فإن من عقوباتها: سقوط الجاه، والمنزلة والكرامة عند اللَّه - عز وجل - ؛ فإن أكرم الخلق عند اللَّه أتقاهم([709]).

32 - كراهية اللَّه للعاصي، قال اللَّه - عز وجل -: +وَاللَّه لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ_([710])، وقال - عز وجل -: +إِنَّ اللَّه لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا_([711]).

36 - المعاصي تحرم الرزق، ولا شك أن الرجل قد يُحرم الرزق بالذنب لحديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ»([712] وكما أن تقوى اللَّه مجلبة للرزق كما قال سبحانه: +وَمَن يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ_([713]).

37 - المعاصي تُزيل النعم، وتحلّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب، كما ذُكر عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال:«‏ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة‏»‏‏([714])، قال اللَّه - عز وجل -: +وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ_([715])، وقال - عز وجل -: +ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ_([716])، فلا يغيّر اللَّه تعالى نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة اللَّه بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غُيِّر عليه جزاءً وفاقاً، وما ربك بظلام للعبي، فإن غيّر المعصية بالطاعة غيَّر اللَّه عليه العقوبة بالعافية، والذلّ بالعزّ، قال اللَّه تعالى: +إِنَّ اللَّه لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَـهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ_، ولقد أحسن القائل:

إذا كنت في نعمة فارعها

فإن المعاصي تُزيلُ النِّعَم

وحطها بطاعة ربِّ العباد

فربُّ العباد سريع النقم([717])

38 – المعاصي تزيل البركة في المال، وقد تُتلفه، ومن ذلك أن من كذب في بيعه وشرائه، وكتم العيوب في السلعة، عُوقب بمحق البركة، فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«‏البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما‏»‏‏([718])، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«‏من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى اللَّه عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله‏»‏‏([719])، والمعنى أن من أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن اللَّه يفتح عليه في الدنيا، فييسّر له أداءه، أو يتكفّل اللَّه به عنه يوم القيامة، ومن أخذها يريد إتلافها وقع له الإتلاف في معاشه وماله، وقيل: المراد بذلك عذاب الآخرة([720]).

39 – والمعاصي من آثارها على الفرد أنها تمحق البركات: بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاع.

40 - والمعاصي مجلبة للذمّ، فإن من عقوباتها أن تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذمّ والصَّغار.

41 - والمعاصي تجرِّئ على الإنسان أعداءه، وهذا من عقوباتها على فاعلها، فتجرِّئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء، والوسوسة، التخويف، والتحزين، وإنسائه ما فيه مصلحته، وتجرئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره، وتجرئ عليه أهله، وخدمه وأولاده، وجيرانه، وهذا يكفي في قبح المعاصي، واللَّه المستعان([721]).

42 – والمعاصي تضعف العبد أمام نفسه، وهذا من أعظم عقوبات المعاصي، فإنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل.

43 – من أعظم أخطار المعاصي: مكر اللَّه بالماكر، ومُخادعته للمُخادع، واستهزاؤه بالمستهزئ، وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق، وكل ذلك من عقوبات المعاصي، وأضرارها، نسأل اللَّه العفو والعافية([722].

44 – المعاصي تسبب المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة، كلّ ذلك من عقوبات المعاصي، قال اللَّه - عز وجل -: +وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى_([723]).

45 – المعاصي تسبب للعاصي تعسير أموره عليه، وهذا من أعظم ما يصيب العاصي، فلا يتوجَّهُ لأمر إلا يجده مُغلقاً دونه، أو متعسّراً عليه، وهذا كما أن من اتقى اللَّه جعل له من أمره يسراً.

46 - تُقصِّر المعاصي العمر، وتمحق بركته ولا بدّ؛ فإن البر كما يزيد في العمر، فالفجور يقصّر العم.

47 – بالمعاصي يرفع اللَّه مهابة العاصي من قلوب الخلق،وهذا من بعض عقوبات المعاصي.

 والمعاصي لها آثار على الأعمال: فلاشك أن الأعمال تتأثر في بعض الأحوال بالمعاصي.

48 - فعن ثوبان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«‏لأعلمنَّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة، بيضاً فيجعلها اللَّه - عز وجل - هباءً منثوراً‏»‏‏، قال ثوبان - رضي الله عنه -: يا رسول اللَّه صفهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال:«‏أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم اللَّه انتهكوها‏»‏‏([724] قلت: ولعل هؤلاء استحلّوا هذه المحارم، أو عملوا عملاً يخرجهم عن الإسلام، أو لهم غرماء أُعطوا هذه الحسنات كلها، واللَّه - عز وجل - أعلم.

49 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال:«‏أتدرون ما المفلس؟‏»‏‏ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال:«‏إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة: بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طُرح في النار‏»‏‏([725]).

50 - إهلاك الأمم بسبب المعاصي ولاشك أن جميع الأضرار في الدنيا والآخرة تحصل بسبب المعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة، والنعيم، والبهجة، والسرور، إلى دار الآلام، والأحزان، والمصائب؟، وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده، ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظّى، وبالإيمان كفراً؟، وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلّط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمّرت ما مرّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابّهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعاً، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظّى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم: فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون، وداره، وماله، وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾([726]) لاشك أن الذي أصاب هؤلاء جميعاً وأهلكهم هي ذنوبهم.

51 - إزالة النعم، فالمعاصي تزيل النعم بأنواعها؛ فإن شكر اللَّه على نعمه يزيدها، قال اللَّه - عز وجل -: +وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد_([727])، ونعم اللَّه على عباده كثيرة لا تُحصى، كما قال - عز وجل -: +وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّه لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّه لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ_([728])، +وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّه لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ_([729] ومن النعم على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: نعمة الإيمان، وهي أعظم النعم على الإطلاق، ونعمة المال والرزق الحلال، ونعمة الأولاد، ونعمة الأمن في الأوطان، ونعمة العافية في الأبدان([730])، وهذه النعم وغيرها تزيد بالشكر، وتزول أو تنقص، أو لا يبارك فيها للعبد بالذنوب والمعاصي، والإعراض عن اللَّه - عز وجل -. قال اللَّه - عز وجل -: +وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ _([731]).

52 – ومن خطر المعاصي نزول العقوبات العامة المهلكة، من ظهور الطاعون، ونزول الأوجاع التي لم تكن في الأسلاف الذين مضوا، والأخذ بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ومنع القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، وتسليط الأعداء، ويجعل اللَّه بأسهم بينهم، فعن عبد اللَّه بن عمر ب قال: أقبل علينا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال:«‏يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ باللَّه أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد اللَّه وعهد رسوله إلا سلط اللَّه عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب اللَّه ويتخيروا مما أنزل اللَّه إلا جعل اللَّه بأسهم بينهم‏»‏‏.

53 - وحلول الهزائم، فإن ذلك بأسباب المعاصي والإعراض عن دين اللَّه - عز وجل -، كما أن من أسباب النصر الطاعة والإقبال على اللَّه I، قال اللَّه - عز وجل -: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّه كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّه وَاللَّه بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ _([732] وقال سبحانه: +إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ _([733])، وقال اللَّه - عز وجل -: +وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْـمُؤْمِنِينَ_([734] وقال سبحانه: +وَلَيَنصُرَنَّ اللَّه مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّه لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ_([735])، وقال اللَّه - عز وجل -: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّه يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لّـَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَـهُمْ_([736])، فالأخذ بهذه الأسباب من أعظم أسباب النصر، وتركها من أعظم أسباب حلول الهزائم والخسارة في الدنيا والآخرة([737]).

54 - المعاصي مواريث الأمم الظالمة، فليحذر المسلم أن يرث المعاصي عن الظالمين، فإن اللوطية: ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد: ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود، وغير ذلك، فالعاصي لابس ثياب هذه الأمم، وهم أعداء اللَّه - عز وجل -([738]).

55 - المعاصي تؤثر حتى على الدوابّ، والأشجار، والأرض وعلى المخلوقات.

56 - تسبب عذاب القبر، وعذاب يوم القيامة، وعذاب النار، نعوذ باللَّه من ذلك([739]).

أما العلاج، وأسباب السلامة، فتكون:

أولاً: بالتوبة النصوح والاستغفار من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، قال اللَّه - عز وجل -: +وَتُوبُوا إِلَى اللَّه جَمِيعًا أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ_([740] وقال سبحانه: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه تَوْبَةً نَّصُوحًا_([741])، وقال - عز وجل -: +قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّه إِنَّ اللَّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ_([742] وقد مدح اللَّه المسارعين إلى التوبة فقال: +وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّه فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّه وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ_([743])، وقال اللَّه - عز وجل -: +وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّـمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِـحًا ثُمَّ اهْتَدَى_([744]).

ثانياً: تقوى اللَّه - عز وجل - ، في السر والعلن، وهي أن يعمل العبد بطاعة اللَّه على نور من اللَّه يرجو ثواب الله، ويترك معصية اللَّه على نور من اللَّه يخاف عقاب الله. ويجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك.

ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال اللَّه - عز وجل -: +وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْـخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ﴾([745])، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«‏والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعُنُّه فلا يستجيب لكم‏»‏‏([746])، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ عَنْ خَالِدٍ وَإِنَّا سَمِعْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ»، وَقَالَ عَمْرٌو عَنْ هُشَيْمٍ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه مِنْهُ بِعِقَابٍ »، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ كَمَا قَالَ خَالِدٌ أَبُو أُسَامَةَ وَجَمَا، وَقَالَ شُعْبَةُ فِيهِ «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى هُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ»([747]) وقال اللَّه - عز وجل -: +فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ_([748]).

رابعاً: الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال([749]).

خامساً: الدعاء والالتجاء إلى اللَّه - عز وجل -: فالدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلَّف عنه أثره: إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على اللَّه - عز وجل -، وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وإما لعدم توافر شروط الدعاء المستجاب([750])، والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء: يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن([751] ومقامات الدعاء مع البلاء ثلاثة:

المقام الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.

المقام الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً.

المقام الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه([752])، فعن ابن عمر ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«‏الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد اللَّه بالدعاء ‏»‏‏([753])، وعن سلمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: ‏«‏لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العُمرِ إلا البر‏»‏‏([754])، الإلحاح في الدعاء من أنفع الأدوية، فالمسلم الصادق يُقبل على الدعاء، ويلزمه، ويُواظب عليه، ويُكرره في أوقات الإجابة، وهذا من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء([755]).

وآفات الدعاء التي تمنع ترتّب أثره، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويترك الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعهّده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله([756])، وأوقات إجابة الدعاء مهمة ينبغي أن يعتني الداعي في دعائه بها، ومن أعظمها: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى صلاة الجمعة، وآخر ساعة بعد عصر يوم الجمعة، فإذا حضر القلب في هذه الأوقات، وصادف خشوعاً وانكساراً بين يدي الرب، وذلاً له وتضرّعاً ورقّة، واستقبل الداعي القبلة؛ وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد اللَّه والثناء عليه، ثم ثنَّى بالصلاة على محمد عبده  ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار،  ثم دخل على اللَّه وألحّ عليه في المسألة، وتوسّل إليه بأسمائه  الحسنى وصفاته، وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُردّ أبداً([757]).

واللَّه أسأل أن يوفق جميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأن يوفق ولاة أمرنا لما يحبه ويرضاه، ويصلح بطانتهم، ويعينهم على أمور دينهم، ودنياهم، ويجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين، ولا مضلين، وأن ينفع بهم الإسلام، والمسلمين، وصلى اللَّه ، وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الخميس 13/ 2/ 1439هـ

& & &



 قسم الصلاة


 24-فضل الأذان والإمامة وثواب الأئمة المؤذنين

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.

فإن من فضل اللَّه تعالى على الأئمة والمؤذنين أن جعل لهم الأجر العظيم، والثواب الكبير على النحو الآتي:

 أولاً: مفهوم الأذان والإقامة:

1ـ الأذان في اللغة: الإعلام بالشيء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّه وَرَسُولِهِ﴾([758])، أي إعلام. وقوله: ﴿آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: 109]، أي أعلمتكم فاستوينا في العلم([759]).

والأذان في الشرع: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ معلومة مخصوصة مشروعة([760])، وسُمِّي بذلك؛ لأن المؤذن يعلم الناس بمواقيت الصلاة، ويُسمى النداء؛ لأن المؤذن ينادي الناس ويدعوهم إلى الصلاة([761] قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 58]، وقال: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه﴾ [الجمعة: 9].

2- الإقامة في اللغة: مصدر أقام، من إقامة الشيء إذا جعله مستقيمًا.

والإقامة في الشرع: الإعلام بالقيام إلى الصلاة المفروضة بذكر مخصوص مشروع([762]) فالأذان إعلام بالوقت والإقامة إعلام بالفعل، وهي تسمى الأذان الثاني والنداء الثاني([763]).

3- الأذان والإقامة فرضا كفاية على الرجال دون النساء للصلوات الخمس المكتوبة، وصلاة الجمعة خامسة يومها، فهما مشروعان بالكتاب، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾([764])، وقوله I: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾([765])، وبالسنة لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث مالك بن الحويرث: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم»([766])، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أحدكم» يدل على أن الأذان فرض كفاية([767]).

قال ابن تيمية :: «وفي السنة المتواترة أنه كان يُنادى للصلوات الخمس على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وبإجماع الأمة وعملها المتواتر خلفًا عن سلف»([768]).

والصواب أن الأذان يجب على الرجال: في الحضر، والسفر، وعلى المنفرد، وللصلوات المؤداة والمقضية، وعلى الأحرار والعبيد([769]).

 ثانيًا: فضل الأذان:

قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾([770]).

وثبت في فضل الأذان والمؤذنين أحاديث منها:

1- المؤذنون أطول أعناقًا يوم القيامة؛ لحديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»([771]).

2- يطرد الشيطان؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان له ضُراط حتى لا يسمع التأذينَ، فإذا قُضِيَ النداءُ أقبل حتى إذا ثُوِّب للصلاة أدبَرَ، حتى إذا قُضِيَ التَّثْويبَ([772]) أقبلَ حتى يَخطُرُ بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظلَّ الرجلُ لا يدري كم صلى»([773]).

3- لو يعلم الناس ما في النداء لاستهموا عليه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير([774]) لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة([775]) والصبح لأتوهما ولو حبوًا»([776]).

4- لا يسمع صوت المؤذن شيء إلا شهد له، قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - لعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمعُ مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -»([777]).

5- يغفر للمؤذن مدى صوته وله مثل أجر من صلى معه؛ لحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف المقدَّم، والمؤذنُ يغفرُ له مدَّ صوته، ويصدقه من سمعه من رطبٍ ويابسٍ وله مثلُ أجر من صلى معه»([778]).

6- دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالمغفرة؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامنٌ([779]) والمؤذن مؤتمن([780])، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»([781]).

7- الأذان تُغفر به الذنوب ويُدخِل الجنة؛ لحديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يعجب ربكم من راعي غنمٍ في رأس شظيَّة(21) بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول اللَّه - عز وجل -: انظروا إلى عبدي هذا يؤذنُ ويقيمُ يخاف مني، فقد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة»([782]).

8- عن ابن عمر أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أذَّن ثنتَي عشرةَ سنةً وجبتْ له الجنة، وكتب له بتأذينه في كلِّ يومٍ ستونَ حسنةً، ولكلِّ إقامةٍ ثلاثونَ حسنةً»([783]).

 ثالثاً: مفهوم الإمامة والإمام:

الإمامة: مصدر أمَّ الناس: صار لهم إماماً يتبعونه في صلاته([784]). أي: تقدّم رجل المصلين ليقتدوا به في صلاتهم، والإمامة: رياسة المسلمين، والإمامة الكبرى: رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والخلافة هي الإمام الكبرى، وإمام المسلمين: الخليفة ومن جرى مجراه([785]). والإمامة الصغرى: ربط صلاة المؤتم بالإمام بشروط([786]).

الإمام: كل من اقتُدِي به، وقُدِّم في الأمور، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إمام الأئمة، والخليفة: إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الجند: قائدهم.

والإمام جَمْعُهُ: أئمة، والإمام في الصلاة: من يتقدم المصلين ويتابعونه في حركات الصلاة. والإمام: من يأتم به الناس من رئيس وغيره، محقّاً كان أو مبطلاً، ومنه: إمام الصلاة، والإمام: العالم المقتدى به، وإمام كل شيء: قيمه والمصلح له([787]).

 رابعاً: فضل الإمامة في الصلاة:

1- الإمامة في الصلاة ولاية شرعية ذات فضل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله»([788]). ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنا بأقرأ يدل على أفضليتها([789]).

2- الإمام في الصلاة يُقتدى به في الخير، ويدلّ على ذلك عموم قول اللَّه - عز وجل - في وصفه لعباد الرحمن، وأنهم يقولون في دعائهم لربهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾([790]) المعنى: اجعلنا أئمة يقتدى بنا في الخير، وقيل: المعنى: اجعلنا هداة مهتدين دعاة إلى الخير([791]). فسألوا اللَّه أن يجعلهم أئمة التقوى يقتدي بهم أهل التقوى، قال ابن زيد كما قال لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما﴾([792])، وامتنّ اللَّه - عز وجل - على من وفقه للإمامة في الدين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ([793]) أي لَمّا كانوا صابرين على أوامر اللَّه - عز وجل - وترك نواهيه، والصبر على التعلم والتعليم والدعوة إلى اللَّه، ووصلوا في إيمانهم إلى درجة اليقين – وهو العلم التام الموجب للعمل – كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر اللَّه، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر([794]).

3- دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للأئمة بالإرشاد وللمؤذنين بالمغفرة، كما سيأتي في الحديث.

4- الإمامة فضلها مشهور، تولاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه، وكذلك خلفاؤه الراشدون، وما زال يتولاها أفضل المسلمين علماً وعملاً، ولا يمنع هذا الفضل العظيم أن يكون الأذان له ثواب أكثر، لِمَا فيه من إعلان ذكر اللَّه تعالى، ولِمَا فيه من المشقّة، ولهذا اختلف العلماء في أيهما أفضل: الأذان أم الإمامة؟ فمنهم من قال: الإمامة أفضل، لِمَا سبق من الأدلة، ومنهم من قال: الأذان أفضل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»([795])، ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان وأعلى منه، والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد، فالمغفرة أعلى من الإرشاد، لأن المغفرة نهاية الخير([796]).

واختار شيخ الإسلام : أن الأذان أفضل من الإمامة([797]). وأما إمامة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإمامة الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - فكانت متعينة عليهم، فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل([798]).

5- عظم شأن الإمامة وخطره على من استهان بأمرها ظاهر في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم [ولهم] وإن أخطأوا فلكم وعليهم»([799]). والمعنى: «يصلون» أي الأئمة «لكم» أي لأجلكم، «فإن أصابوا» في الأركان والشروط، والواجبات، والسنن «فلكم» ثواب صلاتكم، «ولهم» ثواب صلاتهم، «وإن أخطأوا» أي ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم، ككونهم محدثين «فلكم»، ثوابها، «وعليهم» عقابها([800]). وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: « مَن أمّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم »([801]).

وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء – يعني – فعليه ولا عليهم»([802]).

وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حرر في يوم السبت 12/ 6/ 1427هـ.

& & &

 25-حكم الصلاة وعظم شأنها في دين الإسلام

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فلا شك أن الصلاة أعظم ما أمر اللَّه به ورسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بعد الشهادتين، ولها مكانة عظيمة، ومنزلة رفيعة، وأهمية بالغة مؤكد، ولها خصائص عظيمة انفردت بها على سائر الأعمال الصالحة للأمور الآتية:

1- الصلاة فريضة على كل مسلم بالغ عاقل، إلا الحائض والنفساء، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيّمَةِ﴾([803]). وقوله - عز وجل -: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾([804]).

ولحديث معاذ - رضي الله عنه - حينما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن وقال له: «وأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»([805]).

وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم - يقول: «خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد، فمن جاء بهن لم يضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقّهنّ، كان له عند اللَّه عهدًا أن يدخله الجنة... » الحديث([806]).

وقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة([807]).

2-  الصلاة عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، ففي حديث معاذ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأس الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذروةُ سنامِه الجهادُ»([808]). وإذا سقط العمود سقط ما بني عليه.

3-  أول ما يحاسب عليه العبد من عمله، فصلاح عمله وفساده بصلاح صلاته وفسادها، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: الصلاة، فإن صلحت صلح سائرُ عمله، وإن فسدت فسد سائرُ عمله». وفي رواية: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، [وفي رواية: وأنجح]، وإن فسدت فقد خاب وخسر»([809]).

وعن تميم الداري - رضي الله عنه - مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال اللَّه - عز وجل - لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تُؤخذ الأعمال على حسب ذلك»([810]).

4- آخر ما يُفقد من الدين، فإذا ذهب آخر الدين لم يبق شيء منه، فعن أبي أمامة مرفوعًا: «لتُنقضن عُرَى الإسلام عُروة عُروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة»([811]). وفي رواية من طريق آخر: «أول ما يُرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، وربّ مصلٍّ لا خير فيه»([812]).

وعن أنس - رضي الله عنه - مرفوعاً: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة»([813]).

5- آخر وصية أوصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته، فعن أم سلمة ل أنها قالت: كان من آخر وصية رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم»، حتى جعل نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه»([814]).

6- مدح اللَّه القائمين بها ومن أمر بها أهله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيًّا﴾([815]).

7- ذم اللَّه المضيعين لها والمتكاسلين عنها، قال اللَّه تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾([816]). وقال - عز وجل -: ﴿إِنَّ الْـمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّه إِلاَّ قَلِيلاً﴾([817]).

8- أعظم أركان الإسلام ودعائمه العظام بعد الشهادتين، فعن عبد اللَّه بن عمر ب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»([818]).

9- مما يدل على عظم شأنها أن اللَّه لم يفرضها في الأرض بواسطة جبريل، وإنما فرضها بدون واسطة ليلة الإسراء فوق سبع سموات.

10- فُرضت خمسين صلاة، وهذا يدل على محبة اللَّه لها، ثم خفف اللَّه - عز وجل - عن عباده، ففرضها خمس صلوات في اليوم والليلة، فهي خمسون في الميزان، وخمس في العمل، وهذا يدل على عظم مكانتها([819]).

11- افتتح اللَّه أعمال المفلحين بالصلاة، واختتمها بها، وهذا يؤكد أهميتها، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِـهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِـهِمْ يُحَافِظُونَ﴾([820]).

12- أمر اللَّه النبي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه أن يأمروا بها أهليهم، فقال اللَّه - عز وجل -: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾([821]).

وعن عبد اللَّه بن عمر ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع»([822]).

13- أُمِرَ النائم والناسي بقضاء الصلاة، وهذا يؤكد أهميتها، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من نسي صلاةً فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». وفي رواية لمسلم: «من نسي صلاةً أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»([823]). وأُلحق بالنائم الـمُغمى عليه ثلاثة أيام فأقل، وقد رُوي ذلك عن عمار، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب - رضي الله عنهم -([824]). أما إن كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء؛ لأن الـمُغمى عليه مدة طويلة أكثر من ثلاثة أيام يشبه المجنون بجامع زوال العقل، واللَّه أعلم([825]).

14- سمى اللَّه الصلاة إيمانًا([826]) بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾([827]).يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن الصلاة تصدّقُ عَمَلهُ وقَوْلَهُ.

15- خصها بالذكر تمييزًا لها من بين شرائع الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾([828])، وتلاوته اتباعه والعمل بما فيه من جميع شرائع الدين، ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾، فخصها بالذكر تمييزًا لها، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾([829]). خصها بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات، وغير ذلك كثير.

16- قُرِنَت في القرآن الكريم بكثير من العبادات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾([830]). وقال: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾([831]). وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّه رَبّ الْعَالَمِينَ﴾([832])، وغير ذلك كثير.

17- أمر اللَّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يصطبر عليها، فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾([833]) مع أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالاصطبار على جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾([834]).

18- أوجبها اللَّه على كل حال، ولم يعذر بها مريضًا، ولا خائفًا، ولا مسافرًا، ولا غير ذلك؛ بل وقع التخفيف تارة في شروطها، وتارة في عددها، وتارة في أفعالها، ولم تسقط مع ثبات العقل.

19-  اشترط اللَّه لها أكمل الأحوال: من الطهارة، والزينة باللباس، واستقبال القبلة مما لم يشترط في غيرها.

20- استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان: من القلب، واللسان، والجوارح، وليس ذلك لغيرها.

21- نهى أن يشتغل فيها بغيرها، حتى بالخطرة، واللفظة، والفكرة.

22- هي دين اللَّه الذي يدين به أهل السموات والأرض، وهي مفتاح شرائع الأنبياء، ولم يُبْعَث نبيٌّ إلا بالصلاة.

23- قُرنت بالتصديق بقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾([835])،([836]).

واللَّه أسأل التوفيق لنا ولجميع المسلمين للقيام بهذه الشعيرة العظيمة على الوجه الذي يرضيه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه؛ نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

في 2/1/1433هــ.

& & &


 26-فضل الصلاة في الإسلام

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:

فالصلاة لها فضائل عظيمة وكثيرة، منها الفضائل الآتية:

1-  تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْـمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّه يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾([837]).

2- أفضل الأعمال بعد الشهادتين؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها» قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: «برّ الوالدين» قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل اللَّه»([838]).

3- تغسل الخطايا؛ لحديث جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهرٍ غمرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات»([839]).

4- تكفّر السيئات؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر»([840]).

5- نور لصاحبها في الدنيا والآخرة؛ لحديث عبداللَّه ابن عمر ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأبيّ بن خلف»([841]).

وفي حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -: «الصلاة نور»([842])؛ ولحديث بريدة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بشر المشَّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»([843]).

6- يرفع اللَّه بها الدرجات، ويحط الخطايا؛ لحديث ثوبان مولى رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد للَّه سجدةً إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة»([844]).

7- من أعظم أسباب دخول الجنة برفقة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم -، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سَلْ» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»([845]).

8- المشي إليها تكتب به الحسنات وترفع الدرجات وتحط الخطايا؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من تطهَّر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت اللَّه؛ ليقضي فريضة من فرائض اللَّه، كانت خَطْوَتاه إحداهما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة»([846]).

وفي الحديث الآخر: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب اللَّه - عز وجل - له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط اللَّه - عز وجل - عنه سيئة.. »([847]).

9- تُعدُّ الضيافة في الجنة بها كلما غدا إليها المسلم أو راح؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد اللَّه له في الجنة نُزُلاً كُلَّما غدا أو راح»([848]). والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه.

10- يغفر اللَّه بها الذنوب فيما بينها وبين الصلاة التي تليها؛ لحديث عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة إلا غفر اللَّه له ما بينه وبين الصلاة التي تليها»([849]).

11-  تكفر ما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأتِ كبيرة، وذلك الدهر كلّه»([850]).

12- تُصلّي الملائكة على صاحبها ما دام في مُصلاّه، وهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجةً. وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخطُ خطْوَة إلا رُفِعَ له بها درجةً، وحُطَّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللَّهم ارحمه، اللَّهم اغفر له، اللَّهم تب عليه، ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه»([851]).

13-  انتظارها رباط في سبيل اللَّه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات»؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»([852]).

14-  أجر من خرج إليها كأجر الحاج المحرم؛ لحديث أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى([853]) لا ينصبه([854]) إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتابٌ في عليين»([855]).

15- من سُبِق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللَّه - عز وجل - مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا»([856]).

16-  إذا تطهر وخرج إليها فهو في صلاة حتى يرجع، ويكتب له ذهابه ورجوعه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل: هكذا» وشبك بين أصابعه([857])، وعنه - رضي الله عنه - يرفعه: «من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي، فرِجْلٌ تكتُبُ حسنة ورِجلٌ تحطُّ سيئة حتى يرجع»([858]).

وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في 2/1/1433هـ.

& & &

 27-حكم تارك الصلاة في الإسلام

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فترك الصلاة المفروضة كفر، فمن تركها جاحدًا لوجوبها كفر كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم، ولو صلَّى([859])،أما من ترك الصلاة بالكلّيّة، وهو يعتقد وجوبها ولا يجحدها، فإنه يكفر، والصحيح من أقوال أهل العلم أن كفره أكبر يخرج من الإسلام؛ لأدلة كثيرة منها على سبيل الاختصار ما يأتي:

1- قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾([860]). وهذا يدل على أن تارك الصلاة مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون قائمة، ولو كانوا من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسجود كما أُذِنَ للمسلمين.

2- وقال I: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْـمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْـمُصَلّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْـخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ﴾([861]). فتارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْـمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ([862]).

3- وقال اللَّه - عز وجل -:﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾([863]).فعلق أخوَّتهم للمؤمنين بفعل الصلاة.

4- عن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»([864]).

5-وعن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»([865]).

6- وعن عبد اللَّه بن شقيق - رضي الله عنه - قال: «كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة»([866]) .

7- وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة غير واحد من أهل العلم([867]).

8-وذكر الإمام ابن تيمية أن تارك الصلاة يكفر الكفر الأكبر لعشرة وجوه([868]).

9- وأورد الإمام ابن القيم : أكثر من اثنين وعشرين دليلاً على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر([869]).

والصواب الذي لا شك فيه، أن تارك الصلاة مطلقًا كافر لهذه الأدلة الصريحة([870]).

10- قال الإمام ابن القيم :: «وقد دلّ على كفر تارك الصلاة: الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة»([871]).

واللَّه أسأل أن يوفق جميع المسلمين للمحافظة على هذه الصلاة العظيمة التي هي أعظم شعائر الإسلام بعد الشهادتين، وأن يوفق جميع ولاة أمر المسلمين لإلزام من ولاّهم اللَّه أمرهم بإقامة الصلاة، وتيسير الأسباب للمحافظة عليها، وإقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حرر في 2/1/1433هـ

& & &


 28- وجوب صلاة الجماعة في المساجد

إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

فإن صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً وسفراً، للصلوات الخمس؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:

أمر اللَّه تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾([872])، فاللَّه - عز وجل - أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان.

وأمر اللَّه - عز وجل - بالصلاة مع المصلين فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾([873])،فقد أمر اللَّه - عز وجل - بالصلاة مع جماعة المصلين، والأمر يقتضي الوجوب.

وعاقب اللَّه من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال - عز وجل -: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾([874])، فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً»، وفي لفظ: «.. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه...»([875]).

وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود([876]).

وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة مع الجماعة، فعن مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة – وكان رحيماً رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»([877]).

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب.

وهمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: «لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ([878]) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها»، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً([879])، أو مرماتين حسنتين([880]) لشهد العشاء»، وفي لفظ لمسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً([881])، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»([882])، وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين([883]).

ولم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى فقال: يا رسول اللَّه إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟»، فقال: نعم، قال: «فأجب»([884]).

وعن ابن أم مكتوم - رضي الله عنه - أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللَّه، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة»([885]). وفي لفظ أنه قال: يا رسول اللَّه، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا([886])»([887]).

وهذا يصرح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد([888]).

وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له؛ فعن ابن عباس ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من عُذرٍ»([889]). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، وقال الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز :: «معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء...»([890]).

وتركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال؛ لقول عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه»، وفي رواية: أن عبد اللَّه قال: «من سرَّه أن يلقى اللَّه تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن اللَّه شرع لنبيكم سنن الهدى([891])، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يُصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم([892])، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب اللَّه له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين([893]) حتى يقام في الصف»([894]).

وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب، ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم([895])، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها([896]).

ومما يدل على أن ترك صلاة الجماعة من أسباب الضلال، ومن علامات المنافقين، حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن للمنافقين علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً([897])، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً([898]) مستكبرين، لا يألفون ولا يُؤلفون، خُشُبٌ([899]) بالليل، صُخُبٌ بالنهار»([900]).وفي لفظ: «سُخُبٌ بالنهار»([901]).

وعن عبد الله بن عمر ب قال: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن»([902]). وفي رواية عنه - رضي الله عنه -: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن»([903]).

وتارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه؛ لحديث ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهما سمعا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواده([904]): «لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم([905]) الجماعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين»([906]). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم.

واستحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة؛ لحديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة([907]) إلا قد استحوذ عليهم الشيطان([908])، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»([909] قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة([910])، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندباً يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها([911]).

وتحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة - رضي الله عنه - فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -»([912])، فقد جعله أبو هريرة - رضي الله عنه - عاصياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة([913]).

قال الإمام النووي :: «فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم»([914]). وقد جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي»([915]). وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق»([916]).

وذكر الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز : أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أُذِّن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر.

قال الترمذي :: «وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه»([917]).

وذكر المباركفوري :: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه([918]).

وتفقد النبي - صلى الله عليه وسلم - للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لحديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً الصبح، فقال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين([919]) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى اللَّه تعالى»([920]).

وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على وجوب صلاة الجماعة؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم : إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: «فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق»([921]).

وقال الترمذي :: «وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له»([922]). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر»([923]).

وقال مجاهد: «وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار»([924]).

قال الترمذي :: «ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها»([925]).

واللهَ أسألُ التوفيق لنا، ولجميع المسلمين للقيام بما يحبه ويرضاه،  وصلى اللَّه، وسلّم على نبيّنا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

حرر في 12/ 11/ 1439هـ.

 قسم الزكاة


 29-منزلة الزكاة في الإسلام

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وعلى آله، وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن اللَّه جل وعلا فرض الزكاة في أموال الأغنياء من المسلمين؛ ولعظم منزلتها قرنها اللَّه تعالى بالصلاة في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة، وذكرها سبحانه وتعالى منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع، فهذه ثلاثون مرة ذكرها اللَّه تعالى في كتابه العزيز([926]).

وجاءت الزكاة بلفظ الصدقة والصدقات في كتاب اللَّه تعالى في مواضع من كتاب اللَّه تعالى كقوله سبحانه: âخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَاá([927]). وقوله تعالى: âإِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ á([928]). والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام ودعائمه العظام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»([929])، ولعظم شأن الزكاة جاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتفاصيل في أحكامها، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة في العناية بالزكاة، والأمر بإخراجها، وبيان فرضيَّتها، وبيان أصناف الأموال الزكوية: من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وأوضحت النُّصُب ومقاديرها، وبيَّنت السُّنة أحكام الزكاة بياناً واضحاً، وفصَّلت أصناف أهل الزكاة الثمانية، وقد جاء في السنة أكثر من مائة وعشرة أحاديث في الزكاة([930]).

ولعظم شأنها مَدَحَ اللَّه القائمين بها في آيات كثيرة: âوَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا á([931]). وقال تعالى: âرِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِá([932]). وذمَّ التاركين لها وتارك إطعام المسكين؛ ولعظم شأنها أمر اللَّه بها أمراً مطلقاً في مكة، ثم فُرضت في السنة الثانية للهجرة: الزكاة ذات النُّصُب والمقادير، ويدل على عظم منزلتها: أن إمام المسلمين يقاتل من منعها، قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه »([933]). وقال أبو بكر - رضي الله عنه - في مَنْ مَنَعَ الزكاة: «واللَّه لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعه». وفي رواية: «واللَّه لو منعوني عناقاً...» ([934]), ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة أن من جحد وجوبها كفر؛ ولعظم شأنها ومنزلتها جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها، كقوله تعالى: âوالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَá([935]). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ثم ذكر الإبل، والغنم والبقر([936])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من آتاه اللَّه مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوِّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: âوَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللَّه مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌá([937]).

ومن عظم شأنها أن إمام المسلمين يعزر من تهاون بأداء الزكاة.

وأما فوائد الزكاة فكثيرة جداً، منها: أن إسلام العبد لا يتم إلا بأدائها، ويحصل بها تنفيذ أمر اللَّه رجاء ثوابه وخشية عذابه، وتُثبّت أواصر المحبة بين الغني والفقير، وتطهِّر النفس وتزكِّيها، وتعوِّد المسلم على الجود، وتحفظ النفس من الشح، وتُستجلب بها البركة âوَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَá([938]). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد اللَّه عبداً بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ للَّه إلا رفعه»([939]). وقال اللَّه تعالى في الحديث القدسي: «انفق يا ابن آدم أنفق عليك»([940]). وهي برهان على صدق إسلام مخرجها، وتشرح صدر المسلم، وتُلحقه بالمؤمن الكامل، وهي من أسباب دخول الجنة، وتُنجي من حرِّ يوم القيامة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس»([941]). وتجعل المجتمع كالأسرة الواحدة، وسبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات؛ لحديث عبداللَّه بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا..» ([942]). وهي تطفئ الخطايا وتكفِّرها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «... والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»([943]), وهي وقاية لصاحب المال من العذاب، وتطهِّر المال والنفس، وتحفظ المال من الفساد، وأداؤها من أسباب الرحمة والنصر، ومن أعظم أنواع الإحسان.

وقد أوجب اللَّه على عباده زكاة في أموالهم طُهرة لأموالهم ولأنفسهم، وبركة في أموالهم، وقد أعطاهم الكثير، وأمرهم بإخراج القليل، ووعدهم بالخلف والبركة. والزكاة لا تجب إلا بشروط: تَجِبُ على المسلم، الحُرِّ، الذي مَلَكَ نصاباً مِلكاً مستقرّاً، ودار عليه الحول سنة كاملة، إلا المعشر، فتجب عند الحصاد، والأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف:

الصنف الأول: السائمة الراعية أكثر الحول من بهيمة الأنعام: وهي الإبل: وأقلُّ نصابها خمس من الإبل فيها شاة، والبقر: أقل نصابها ثلاثون فيها تبيع أو تبيعة لها سنة، والغنم: أقل نصابها أربعون، فيها شاة، والمسلم الذي عنده شيء من هذا المال يسأل أهل العلم عن ذلك.

والصنف الثاني: زكاة الخارج من الأرض: كالحبوب والثمار، وأقل النصاب خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم -, يجب في ذلك نصف العشر إذا كان يُسقى بالسواني أو المكائن أو غير ذلك، أما ما كان يُسقى من المطر أو العيون ففيه العشر كاملاً، تؤدى عند الحصاد؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾([944])،  ومن كان عنده شيء من ذلك فليسأل أهل العلم.

والصنف الثالث: الذهب والفضة، والأوراق النقدية: كالريالات، والدراهم، والدولارات، والليرات، وغير ذلك من أنواع الأوراق النقدية، فإذا بلغت قيمة هذه الأوراق نصاب الذهب أو الفضة، وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً يساوي أحد عشر جنيهاً سعودياً وثلاثة أسباع الجنيه، ومقدارها بالغرامات: اثنان وتسعون جراماً. وأما الفضة فنصابها مائتي درهم تساوي مائة وأربعون مثقالاً ونصابها بالغرامات تقريباً ستمائة وأربعة وأربعون جراماً، وهي تقارب 56 ريالاً سعودياً فضيّاً، وإذا بلغت قيمة الأوراق النقدية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛ فإن حكمها حكم النقدين: من الذهب والفضة، والواجب في الذهب والفضة ربع العُشر أي في المائة اثنان ونصف، وفي الألف خسمة وعشرون.. وهكذا.

الصنف الرابع من الأموال: عروض التجارة، وهي كل ما أُعدَّ للبيع والشراء من أجل الربح، من عقارٍ، وحيوان، وطعام، وآلات، ففي عروض التجارة ربع العشر إذا حال عليها الحول، تقوَّم بالنقود ثم تُزكَّى قيمتها إذا اكتمل النصاب بقيمة الذهب والفضة، والتقويم يكون على رأس الحول من كل سنة.

والصواب أن حُليِّ النساء المستعمل فيه الزكاة؛ لأدلة منها قول اللَّه تعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَá، وحديث عبداللَّه بن عمرو ب: أن امرأة أتت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا. قال: «أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرِكِ اللَّه بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: هما للَّه عز وجل ولرسوله»([945]). وعن عائشة ل قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من وَرِق [أي فضة] فقال: «ما هذا يا عائشة؟» فقلت: صنعتهنَّ أتزيَّن لك يا رسول الله! قال: «أتُؤدِّينَ زكاتهنَّ؟» قلت: لا أو ما شاءالله، قال: «هو حسبك من النار»([946]). وعن أمِّ سلمة ل قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله: أكَنزٌ هُوَ؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فُزُكِّي فليس بكنز»([947]).

فيجب على العباد أن يتقوا اللَّه تعالى، وأن يؤدُّوا زكاة أموالهم ابتغاء مرضاة ربهم، وأن يدفعوها لأهلها الذين بيَّنهم اللَّه تعالى بقوله: âإِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّه وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّه وَاللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌá([948]).

ومن كان عليه دين وعنده مال بلغ النصاب؛ فإن الدين لا يمنع الزكاة على الصحيح، وزكاة الدين الذي لك يا عبداللَّه على الناس فيه الزكاة إذا كان على مليء معترفٍ به باذلٍ له فتزكِّيه كل ما حال عليه الحول، أما إذا كان على معسرٍ أو جاحدٍ أو مماطل فلا يلزم على الصحيح زكاته، ولكن إذا قبضته فزكيته زكاة سنة واحدة على ما مضى من السنين كان ذلك أفضل.

والزكاة حق اللَّه تعالى لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو يدفع بها عن نفسه شرّاً، ولا أن يقي بها ماله، أو يدفع بها عنه مذمَّة؛ بل يجب دفعها لأهلها ابتغاء مرضاة اللَّه وثوابه.

واللَّه أسأل التوفيق للجميع، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حرر في 14/ 9/ 1438هـ.

& & &


 قسم الصوم


 30-حكم صيام شهر رمضان وفضله وخصائصه، وبعض أحكام الصيام

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فهذه بعض أحكام الصيام، وفضائله، وخصائص شهر رمضان المبارك، وفضله على سائر الشهور، وفوائد الصيام باختصار على النحو الآتي:

أولاً: مفهوم الصيام: الصيام لغة: الإمساك، قال اللَّه تعالى إخباراً عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾([949] أي: صمتاً؛ ويفسره قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾([950] والصيام: مصدر صام يصوم صوماً وصياماً.

والصوم شرعاً: «هو التعبد للَّه تعالى بالإمساك بنية: عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة»، وسمي الصيام صبراً؛ لحديث: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر»([951]) ، وقال مجاهد بن جبر في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾([952]): الصبر الصيام، وسنده صحيح([953])؛ لأن الصائم يُصبِّر نفسه عن شهواتها، وسمي أيضاً: السياحة([954] والسائحون: هم الصائمون.

ثانياً: حكم صيام شهر رمضان: صيام شهر رمضان: واجب بالكتاب، والسنة، والإجماع، على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، قادر، مقيم، خالٍ من الموانع:

أما الكتاب؛ فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾([955]) ، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الـْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه﴾([956]).

وأما السنة؛ فلحديث عبد اللَّه بن عمر ب، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»([957]).

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر، إلا أن يكون جاهلاً حديثَ عهدٍ بإسلام؛ فإنه يعلّم حينئذ، فإن أصرّ على الإنكار فهو كافر، يُقتل مرتداً؛ لأنه جحد أمراً ثابتاً بنص القرآن والسنة، معلوماً من الدين بالضرورة.

ثالثا: فضائل شهر رمضان وخصائصه: شهر رمضان له فضائل وخصائص عظيمة على النحو الآتي:

1-   أنزل اللَّه تعالى فيه القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الـْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾([958]) ، فقد مدح اللَّه تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهنَّ لإنزال القرآن العظيم فيه، وكان ذلك  في ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾([959]) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين﴾([960]).

2-   تفتح فيه أبواب الجنة.

3-   تغلق فيه أبواب النار.

4-   تصفَّد فيه الشياطين ومردة الجنِّ.

5-   تفتح فيه أبواب الرحمة.

6-   تفتح فيه أبواب السماء.

7-   ينادي فيه منادٍ: يا باغي الخير أقـبل، ويا باغي الشر أقصر.

8-   للَّه فيه كل ليلة عتقاء من النار، وقد دلَّ على هذه الخصال حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان أوّلُ ليلة من رمضان: صُفِّدت الشياطين ومردة  الجن([961])، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، وياباغي الشر أقصر، وللَّه عتقاء من النار، وذلك كل ليلة»، وفي لفظ للبخاري: «وفتحت أبواب السماء»، وفي لفظ لمسلم: «وفتح أبواب الرحمة»، وفي لفظ للبخاري ومسلم: «وسلسلت الشياطين»([962]).

1-     شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حُرِم الخير كله؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -،قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض اللَّه - عز وجل - عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، للَّه فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فقد حرم» ، ولفظ أحمد: «تفتح فيه أبواب الجنة» بدلاً من «أبواب السماء»([963]) ، و عن أنس - رضي الله عنه -، قال: دخل رمضان فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمها فقد حُرِمَ الخير كلَّه، ولا يُحرم خيرها إلا محروم»([964]).

2-      شهر رمضان من قام فيه ليلة القدر غُفر له ما تقدم من ذنبه؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([965]).

3-     شهر رمضان تجاب فيه الدعوات، فقد ذكر اللَّه تعالى الدعاء أثناء آيات الصيام فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون﴾([966]) ، وعن أبي هريرة أو أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن للَّه عتقاء في كل يومٍ وليلة، لكل عبد منهم دعوةٌ مستجابة»([967] قال الحافظ ابن حجر :: «يعني في رمضان»([968])، ولفظ البزار عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن للَّه تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة – يعني في رمضان – وإن لكل مسلم في يوم وليلة دعوةً مستجابةً»([969])، وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن للَّه - عز وجل - عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة»([970]) ،

4-           شهر رمضان شهر الذكر والشكر؛ لأن اللَّه تعالى ذكر ذلك أثناء الكلام عن أحكام الصيام، فقال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّه عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾([971]).

5-     شهر رمضان شهر الصبر؛ لحديث الأعرابي الصحابي، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر: يُذْهِبنَ وَحَرَ الصَّدرِ»([972]) ، ولا شك أن في صيام شهر رمضان: صبراً على طاعة الله، وصبراً على أقدار اللَّه المؤلمة من الجوع والعطش، وصبراً عن محارم اللَّه التي حرمها على الصائم، من المفطرات وغيرها. وقد قال اللَّه - عز وجل -: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾([973]).

6-     صيام شهر رمضان يكفر الخطايا؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ، أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر»([974]).

7-     شهر رمضان تُغفر فيه الذنوب؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من صام رمضان إيماناً([975]) واحتساباً([976]) غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه»([977]).

8-            شهر رمضان أعظم الأوقات التي تغفر فيها الذنوب، ومن لم يغفر له في رمضان فقد رغم أنفه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رَقِيَ المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين»، فقيل: يا رسول اللَّه ما كنت تصنع هذا؟ فقال: «قال لي جبريل u: رَغِمَ ([978]) أنفُ عبدٍ دخل عليه رمضان فلم يُغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ ذُكِرتَ عنده فلم يصلِّ عليك، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، فقلت: آمين» ([979])، وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «رَغِم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رَجُلٍ أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة»([980]) ، قال بعض رواة الحديث: وأظنه قال: «أو أحدهما».

9-      إدراك شهر رمضان ترفع به الدرجات؛ لحديث طلحة بن عبيد اللَّه - رضي الله عنه -: أن رجلين من بليٍّ قدما على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وكان إسلامهما جميعاً، فكان أحدهما أشدَّ اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم تُوفِّي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فَأَذِنَ للذي توفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فَأَذِنَ للذي استشهد، ثم رجع إليَّ فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعدُ. فأصبح طلحة يُحدِّثُ به الناس، فعجبوا من ذلك، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وحدَّثوه الحديث، فقال: «من أي ذلك تعجبون»؟ فقالوا: يا رسول اللَّه هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهاداً ثم استشهد، ودخل الآخِرُ الجنة قبله، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟»، قالوا: بلى، قال: «وأدرك رمضان، وصلى كذا وكذا من فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض سجدة في السنة؟»، قالوا: بلى، قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»([981]).

10-عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لحديث ابن عباس ب، أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة من الأنصار يقال لها أمّ سنان: «فإذا كان رمضان اعتمري فيه؛ فإن عمرة في رمضان حجةٌ»، وفي لفظ: «أو حجة معي»([982]).

11-  من صام رمضان كان من الصِّدِّيقين والشهداء؛ لحديث عمرو بن مُرَّة الجهني - رضي الله عنه -، قال: جاء رسولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - رجل من قضاعة، فقال له: يا رسول الله؛ أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فمن أنا؟ قال: (من الصِّدِّيقين والشهداء»([983]).

12-صوم شهر رمضان يدخل الجنة؛ لحديث جابر - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إذا صليتُ المكتوبات، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخلُ الجنة؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نعم»، قال: واللَّه لا أزيد على ذلك شيئاً»([984]).

13-  قيام شهر رمضان إيماناً واحتساباً تغفر به الذنوب؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»([985]).

14- شهر رمضان شهر صلاة التراويح؛ فإن صلاة التراويح جماعة لا تُصلَّى إلا في رمضان، وصلاة التراويح: هي قيام رمضان أول الليل، وسميت بذلك؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات، بناءً على حديث عائشة ب([986]).

15-شهر رمضان من صلى فيه التراويح ليلة فلازم الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة من فضل اللَّه تعالى؛ لحديث أبي ذرٍّ - رضي الله عنه -  في قيام رمضان، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب اللَّه له قيام ليلة)، وفي لفظ: «كُتِب له قيام ليلة»([987]).

16-شهر رمضان شهر الانتصار على أعداء الإسلام في بدر مع قلة عدد المسلمين وعدَّتهم وفي غزوة الفتح، وغيرهما.

17-مضاعفة الجود في شهر رمضان المبارك، ولقد «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان في هذا الشهر المبارك أجود بالخير من الريح المرسلة حين يلقاه جبريل) ([988]).

18-شهر رمضان شهر مدارسة القرآن، فقد كان جبريل يلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل سنة في رمضان وذلك في كل ليلة فيدارسه القرآن، فيعرض رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على جبريل القرآن؛ لحديث ابن عباس ب، قال: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل في كلِّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة»، وفي لفظ: «فإذا لقيه جبريل كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة»([989]) ، وعن عائشة ل، عن فاطمة ل، قالت: أَسَرَّ إليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كلّ سنة، وإنه عارضني العام مرتين، و لا أراه إلا حضر أجلي»([990]).

19-  شهر رمضان شهر الاعتكاف، ولزوم المساجد لطاعة اللَّه تعالى، والتفرُّغ لمناجاته سبحانه؛ لحديث عائشة ل زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه تعالى، واعتكف أزواجه من بعده»([991]) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً»([992]) ، وعنه - رضي الله عنه - قال في جبريل: «كان يعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه، وكان يعتكف في كل عامٍ عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه»([993]) ، والمراد بالعشرين: العشر الأوسط، والعشر الأخير.

20-  شهر رمضان شهر الاجتهاد في العبادة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره؛ لحديث عائشة ل، قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره»([994]) ، وعنها ل قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشد المئزر»([995] ومعنى شدَّ المئزر: أي شمَّر واجتهد في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء، وعن عائشة ل: أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، وفي لفظ: «تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»([996]) ، وقد تكون ليلة القدر في الأشفاع؛ لحديث ابن عباس ب: «التمسوها في أربع وعشرين»([997]) ، وفي لفظ له عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هي في العشر الأواخر، هي في تسع يمضين، أو في سبع يبقين»، يعني ليلة القدر. وفي لفظ: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى»([998]) ، و قد كان الصحابة - رضي الله عنه - يجتهدون في العشر الأواخر اجتهاداً عظيماً؛ ولهذا قالت عائشة ل: يا رسول اللَّه أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ تحب العفو فاعفُ عني»([999]).

رابعاً: فضائل الصيام وخصائصه: الصيام له فضائل وخصائص عظيمة على النحو الآتي:

1-  الصيام من الأعمال التي يُعِدُّ اللَّه بها المغفرة والأجر العظيم.

2-  الصيام خير للمسلم لو كان يعلم.

3-  الصيام سبب من أسباب التقوى.

4-  الصوم جُنة، يستجنُّ بها العبد المسلم من النار.

5-  الصيام حِصْنٌ حصين من النار.

6-  الصيام جُنّةٌ من الشهوات.

7-  صيام يوم في سبيل اللَّه يباعد اللَّه النار عن وجه صاحبه سبعين سنة.

8-  صيام يوم في سبيل اللَّه يبعد صاحبه عن النار كما بين السماء والأرض؛ لحديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - ،عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صامَ يوماً في سبيل اللَّه جعل اللَّه بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض» ([1000]).

9-  الصوم وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مثل له، و لا عدل.

10-     الصوم يدخل الجنة من باب الريان.

11-     الصيام من أول الخصال التي تُدْخِلُ الجنةَ.

12-     الصيام كفارة للذنوب.

13-     يوفَّى الصائمون أجرهم بغير حساب.

14-     للصائم فرحتان: فرحة في الدنيا، وفرحة في الآخرة.

15-     خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك.

16-     الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة.

17-     الصوم يزيل الأحقاد والضغائن والوسوسة من الصدور.

18-     الصوم باب من أبواب الخير.

19-     من خُتِمَ له بصيام يومٍ يريد به وجه اللَّه أدخله اللَّه الجنة.

20-أعد اللَّه الغرف العاليات في الجنة لمن تابع الصيام المشروع، وأطعم الطعام، وألان الكلام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها اللَّه تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلَّى بالليل والناس نيام» ([1001]).

21-     الصائم له دعوة لا تُردُّ حتى يفطر.

22-     الصائم دعوته لا ترد حين يفطر.

23-     تفطير الصائمين فيه الأجر الكبير؛ لحديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً»([1002]).

24-     لعظم أجر الصيام جعله اللَّه تعالى من الكفارات.

خامساً: فوائد الصيام ومنافعه العظيمة وحكمه ومصالحه:

1-     الصوم وسيلة إلى التقوى.

2-     الصوم وسيلة إلى شكر النعم.

3-     الصوم يقهر الطبع ويكسر النفس ويحدُّ من الشهوة.

4-     الصوم يجعل القلب يتخلَّى للذكر والفكر.

5-     الصوم به يعرفُ الغنيُّ قدر نعم اللَّه تعالى عليه.

6-     الصوم سبب في التمرّن على ضبط النفس والسيطرة عليها.

7-     الصوم يضبط النفس ويُقلِّل من كبريائها.

8-     الصوم يسبب الرحمة والعطف على المساكين.

9-     الصوم فيه موافقة للفقراء بتحمل ما يتحملون.

10-     الصوم يُضيِّق مجاري الدم بسبب الجوع والعطش، فتضيق مجاري الشيطان؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم.

11-     الصوم يجمع أنواع الصبر، فإن فيه صبراً على طاعة اللَّه : وهي الصيام، وصبراً عن محارم اللَّه : وهي المفطرات أثناء الصيام، وصبراً على أقدار اللَّه المؤلمة: من الجوع والعطش.

12-     الصوم يترتب عليه فوائد صحية تحصل بسبب تقليل الطعام والشراب.

13-     الصوم عبادة للَّه تعالى يظهر بها من كان عابداً لمولاه، ومن كان مُتَّبِعاً لهواه، فيظهر بذلك صدق إيمان العبد، ومراقبته للَّه - عز وجل -.

سادساً: آداب الصيام المستحبة التي يستحب للصائم العمل بها:

1-   السحور؛ لأن فيه بركة: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تسحَّروا فإن في السحور بركة»([1003]).

2-   تأخير السحور إلى قُبَيْل طلوع الفجر الثاني.

3-   السنة الإفطار، وعدم المواصلة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»([1004]).

4-    الإفطار على رُطَبات، فإن عُدمت فعلى تَمَرات، فإن عُدمت حسا حسوات من ماء.

5-   تعجيل الإفطار بعد غروب الشمس والتحقق من غروبها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر»([1005]).

6-   الدعاء أثناء الصيام، وعند الإفطار.

7-   تفطير الصائمين فيه الثواب العظيم، والأجر الكبير.

8-   كثرة قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصلاة، والصدقة.

9-    استحضار نعمة اللَّه عليه بأن وفّقه للصيام، وأعانه عليه، ويسَّره له؛ فإن كثيراً من الناس حُرِم الصيام، إما بالموت قبل بلوغ الشهر، أو بالعجز والمرض، أو بالضلال والإعراض، فليحمد اللَّه الصائمُ على أن وفّقه للصيام.

10-   يستحب السواك في جميع الأوقات للصائم وغير الصائم: سواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده.

سابعاً: المفطرات: مفسدات الصوم:

1- الجماع في نهار رمضان.

2- إنزال المني باختياره.

3- الأكل أو الشرب.

4- ما كان بمعنى الأكل والشرب: كحقن الدم في الصائم، والإبر المغذية التي تقوم مقام الطعام والشراب.

5- إخراج دم الحجامة.

6- الاستقاء عمداً؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء»([1006]).

7- خروج دم الحيض والنفاس.

8- نية الإفطار، فمن نوى الإفطار فقد أفطر؛ لأن النية أحد ركني الصيام «إنما الأعمال بالنيات»([1007]).

9- الردة عن الإسلام بقول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شك.

ثامناً: يجب على الصائم القيام بما أوجب اللَّه، فيحافظ على الصلوات مع جماعة المسلمين، وعلى الواجبات الأخرى، ويبتعد عما حرّم اللَّه: من أنواع المفطرات أثناء الصيام، ومن المحرمات الأخرى: كالكذب، وقول الزور، وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، والغش، ويجتنب المعازف، وآلات اللهو؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدع قول الزور، والعمل به [والجهل] فليس للَّه حاجة [في] أن يدع طعامه وشرابه»([1008]).

واللَّه أسأل لنا ولجميع المسلمين: التوفيق، والإعانة، والسداد، والقبول، وصلى اللَّه وسلم على نبيّنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الخميس 26/ 8/ 1437هـ

& & &


 31-حال السلف في رمضان

الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن حال السلف الصالح في رمضان كان عظيماً، وذلك لفقههم قول اللَّه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾([1009])؛ ولفقههم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، ومَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّة، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللَّه عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»، وفي لفظ للبخاري: «وفُتحَتْ أبْوابُ السَّمَاء»، وفي لفظ لمسلم: «وَفُتِحَتْ أبْوَابُ الرَّحْمَةِ»، وفي لفظ للبخاري ومسلم: «وسُلْسِلَتُ الشَّيَاطِينُ»([1010])؛ ولحديث أنس - رضي الله عنه - قال: دخل رمضان، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا، فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ، َولاَ يُحْرَمُ خَيْرُهَا إلاَّ مَحْرُومٌ»([1011])؛ ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([1012])؛ ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضاً: قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»([1013])، وهذه الأدلة وغيرها هي التي جعلت السلف الصالح يجتهدون اجتهاداً عظيماً في الأعمال الصالحة في شهر رمضان، فبلغوا أكمل الأحوال في عبادتهم للَّه - عز وجل - في هذا الشهر المبارك العظيم، الذي عظَّم اللَّه شأنه، وعظَّم شأنه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا قال الإمام ابن رجب : : «قال بعض السلف: كانوا يدعون اللَّه ستة أشهر في أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون اللَّه ستة أشهر أن يتقَبَّلَه منهم»([1014] وكان بعض السلف يقول: «اللهم سلِّمني إلى رمضان، وسلم رمضان لي، وتسلمه مني متقبلاً»([1015])، ومما يدل على اجتهاد نبيّنا - صلى الله عليه وسلم -، واجتهاد السلف الصالح في هذا الشهر العظيم الأدلة في الأحوال الآتية:

1- مضاعفة الجود والكرم في شهر رمضان المبارك، فقد كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان في هذا الشهر المبارك أجود بالخير من الريح المرسلة حين يلقاه جبريل([1016]).

2- مدارسة القرآن في رمضان، كان جبريل يلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل سنة في رمضان وذلك في كل ليلة فيدارسه القرآن، فيعرض رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على جبريل القرآن؛ لحديث ابن عباس ب، قال: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل في كلِّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة»، وفي لفظ: «فإذا لقيه جبريل كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة» ([1017]).

وعن عائشة ل عن فاطمة ل، قالت: أَسَرَّ إليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كلّ سنة، وإنه عارضني العام مرتين، و لا أراه إلا حضر أجلي»([1018]).

3- الاجتهاد في العبادة في شهر رمضان؛ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في رمضان، وفي العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره؛ لحديث عائشة ل، قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» ([1019]).

وعنها ل قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشد المئزر»([1020]). ومعنى شدَّ المئزر: أي: شمَّر واجتهد في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء.

وعن عائشة ل قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر – يعني الأخير – شمّر وشدّ المئزر»([1021]).

وعن عائشة ل قالت: «وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلَّا رَمَضَانَ»([1022]).

4- الاجتهاد في تحري ليلة القدر، فعن عائشة ل أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، وفي لفظ: «تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»([1023])، وقد تكون ليلة القدر في الأشفاع؛ لحديث ابن عباس ب: «التمسوها في أربع وعشرين »([1024])، وفي لفظ له عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هي في العشر الأواخر، هي في تسع يمضين، أو في سبع يبقين»، يعني ليلة القدر. وفي لفظ: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى »([1025]).

و قد كان الصحابة - رضي الله عنه - يجتهدون في العشر الأواخر اجتهاداً عظيماً؛ ولهذا قالت عائشة ل: يا رسول اللَّه أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ تحب العفو فاعفُ عني»([1026]) .

5- الاجتهاد في قيام رمضان وصلاة التراويح؛ وسميت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات»([1027]).

والتراويح: هي قيام رمضان أول الليل، ويقال: الترويحة في شهر رمضان؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، بناءً على حديث عائشة ل أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في رمضان؟ قالت: ما كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنّ، ثم يصلِّي ثلاثاً...»([1028]). ودل قولها ل: «يصلَّي أربعاً ... ثم يصلِّي أربعاً... » على أن هناك فصلاً بين الأربع الأولى والأربع الثانية، والثلاث الأخيرة، ويسلم في الأربع من كل ركعتين([1029] لحديث عائشة ل قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة». وفي لفظ: «يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة»([1030]). وهذا يُفسِّر الحديث الأول ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يسلم من كل ركعتين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى مثنى»([1031]).

قال الإمام النووي: في شأن صلاة التراويح: «اتفق العلماء على استحبابها»([1032]) ، ولا شك أن صلاة التراويح سنة مؤكدة أول من سنها بقوله وفعله رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -([1033]) .

والأفضل ملازمة الإمام حتى ينصرف؛ لحديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: صمنا مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب اللَّه له قيام ليلة»، وفي لفظ: «كُتِبَ له قيام ليلة»،فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال، قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر»([1034])؛ ولحديث عائشة ل أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - خرج ليلة من جوف الليل فصلَّى في المسجد، فصلَّى رجالٌ بصلاته، فأصبح الناس يتحدَّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج إليهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الليلة الثانية فصلُّوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فطفق([1035]) رجال منهم يقولون: الصلاةَ، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس،ثم تشهَّد، فقال: «أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ شأنكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها»، وذلك في رمضان»([1036]).

قال الإمام ابن رجب :: «وكان عمر - رضي الله عنه - قد أمر أبي بن كعب وتميماً الداري ب أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر، ... ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف»([1037]).

وقال الإمام ابن رجب : أيضاً: «قال أحمد لبعض أصحابه، وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى، اقرأ خمساً، ستاً، سبعاً، قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين، وقد رُوي عن الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يُراعَى في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم، وقاله أيضاً غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، وقد روي عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، فقالوا له: لو نفَّلتنا بقية ليلتنا؟ فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته» خرجه أهل السنن، وحسنه الترمذي»([1038]).

وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلِّي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل»، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعبٍ، ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: «نعم البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله»([1039]).

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز : يقول عن قول عمر - رضي الله عنه -: «نعم البدعة هذه »: «البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر - رضي الله عنه - وإلا فهي سنة فعلها - صلى الله عليه وسلم - ليالي»([1040]).

وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: «قمنا مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا يُسَمُّونه السحور»([1041]). وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم»([1042]).

وعدد صلاة التراويح: ليس له حدٌّ محدود لا يجوز غيره، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى»([1043]). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، أو صلى ستاً وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج([1044])، ولكن الأفضل ما فعله رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وهو ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباس ب قال: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة»([1045] ولحديث عائشة ل قالت: «ما كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»([1046])، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب([1047])، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى»([1048]). والأمر واسع في ذلك ، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، واللَّه الموفق سبحانه([1049]).

6- الاجتهاد في الإكثار من قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام، قال الإمام ابن رجب :: «وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع منهم: قتادة، وبعضهم في كل عشرة، منهم: أبو رجاء العطاردي، وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث وكان قتادة يختم في كل سبع دائما وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام»([1050]).

وجاء عن الإمام البخاري : أنه كان يختم في رمضان أكثر من أربعين ختمة، قال الإمام الذهبي :: «قال مسبِّح بن سعيد: «كان محمد بن إسماعيل [البخاري] يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة»([1051]) .

وقال الحافظ ابن حجر :: «وقال مقسم بن سعد: «كان محمد بن إسماعيل البخاري : إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة»([1052]) .

وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: «.. كان أبو عبد اللَّه يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة»([1053] وكان : يصلي ذات يوم، أو ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعاً، ولم يقطع صلاته»([1054] وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: «كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمها»([1055]) .

ومن شعره ::

فعسى أن يكون موتك بغتة

اغتنم في الفراغ فضل ركوع

ذهبت نفسه الصحيحة فلتة([1056])

كم صحيح رأيت من غير سقم

وقال الإمام ابن رجب :: «قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم [ويقبل] على تلاوة القرآن من المصحف قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن وكانت عائشة ل تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه»([1057]).

وقال الإمام النووي : في تلاوة القرآن: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته، ويكثر منها، وكان السلف - رضي الله عنهم - لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل ثمان ليال، وعن الأكثرين في كل سبع ليال، وعن بعضهم في كل ست، وعن بعضهم في كل خمس، وعن بعضهم في كل أربع، وعن كثيرين في كل ثلاث، وعن بعضهم في كل ليلتين، وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمة، ومنهم من كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين، ومنهم من كان يختم ثلاثاً، وختم بعضهم ثمان ختمات: أربعاً بالليل، وأربعاً بالنهار، فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وتميم الداري - رضي الله عنه -، وسعيد بن جبير :، ومجاهد :، والشافعي :، وآخرون.

ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات سليم بن عِتْر - رضي الله عنه - قاضي مصر في خلافة معاوية - رضي الله عنه -، وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات، وروى أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات، قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي - رضي الله عنه -: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب - رضي الله عنه - يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات، وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة، وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده، عن منصور بن زاذان من عُبَّاد التابعين - رضي الله عنه - أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل، وروى أبو داود بإسناده الصحيح أن مجاهداً كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء، وعن منصور قال كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان، وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن.

وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمن المتقدمين عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير - رضي الله عنهم - ختمة في كل ركعة في الكعبة.

وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة فكثيرون، نُقل عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وعبد اللَّه بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم -، وعن جماعة من التابعين، كعبد الرحمن بن يزيد، وعلقمة، وإبراهيم رحمهم اللَّه»([1058]).

قال الإمام النووي :: «والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم، أو غيره من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين، فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة، وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ب قال: قال رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَفْقَهُ من قَرَأ القرآنَ في أقلَّ مِنْ ثلاثٍ»([1059])»([1060]).

وقال الإمام ابن رجب ؒ: «وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المُفَضَّلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد، وإسحاق، وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره»([1061]).

والأقرب واللَّه أعلم والأفضل ألا يختم القرآن في أقل من ثلاث، فخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز :: «المشروع للمؤمن والمؤمنة، العناية بالتدبر والتعقل، والإكثار من التلاوة؛ لقصد الفائدة، قصد العلم، قصد خشوع القلب، والاستفادة من كلام اللَّه - عز وجل -، لا مجرد أنه ختم، المقصود أن يستفيد من كلام اللَّه ، وأن يخشع قلبه، فيرق قلبه ويعمل، ويعلم ما يتلو، وإذا رتّل القرآن، وختم في ثلاثٍ، أو في خمسٍ، أو في سبعٍ فلا بأس، والأفضل ألا يختم في أقل من ثلاث، أقل شيء ثلاث، كل يوم عشرة أجزاء، حتى يتدبر، حتى يتعَقَّل، حتى لا يعْجَل، وفّق اللَّه الجميع»([1062]).

7- الاعتكاف في شهر رمضان، ولزوم المساجد لطاعة اللَّه تعالى، والتفرُّغ لمناجاته سبحانه؛ لحديث عائشة ل زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه اللَّه تعالى، واعتكف أزواجه من بعده»([1063]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً»([1064]).

وعنه - رضي الله عنه - قال في جبريل: «كان يعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه، وكان يعتكف في كل عامٍ عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه»([1065] والمراد بالعشرين: العشر الأوسط، والعشر الأخير([1066]).

8- جهاد المؤمن في رمضان، قال الإمام ابن رجب :: «واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين، ووفّى بحقوقهما، وصبر عليهما، وُفّي أجره بغير حساب»([1067])، والقرآن والصيام يشفعان للعبد عند اللَّه - عز وجل - يوم القيامة، فعن عبد اللَّه بن عمرو ب أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ»، قَالَ: «فَيُشَفَّعَانِ»([1068]).

واللَّه أسأل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يُوفِّق جميع المسلمين لكل خير، ولكل ما يرضيه I، وللاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما يحبه ربنا تبارك وتعالى.

وصلى اللَّه ، وسلّم على نبيّنا محمدٍ، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

حرر يوم الأربعاء 27/ 5/ 1436هـ

& & &


 32-فضل صوم شهر شعبان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد جاءت الأحاديث الثابتة عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في استحباب وفضل صيام شهر شعبان، ومنها الأحاديث الآتية:

1-     حديث عائشة ل قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان»، وفي لفظٍ للبخاري: «لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم شهراً أكثر من شعبان، [فإنه كان يصوم شعبان كله] وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون؛ فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملُّوا»، وأحب الصلاة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دُووم عليه، وإن قلّت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها»، وفي لفظ: «سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قل»، وقال: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون»، وفي لفظ لمسلم: «... ولم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً»([1069]).

2-     حديث أم سلمة ل، قالت: «ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: «أنه لم يكن يصوم من السَّنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان»، ولفظ ابن ماجه: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يَصِلُ شعبان برمضان»، ولفظ النسائي: «أنه لم يكن يصوم من السَّنة شهراً تاماً إلا شعبان وَيَصِلُ بِهِ رمضان»([1070]).

3-     حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه -، قال: قلت: يا رسول اللَّه لم أرَك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، فأُحب أن يُرفع عملي وأنا صائم»([1071]).

وذكر شيخنا ابن باز : الجمع بين حديث عائشة «... وما رأيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - استكمل شهراً قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان» وبين حديث أم سلمة ل: «ما رأيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»، قال شيخنا: ما ذكَرَتْه في هذه الرواية هو الأغلب، وهو إفطاره بعض شعبان، وفي بعض الأحيان يتمه، كما قالت عائشة في رواية النسائي... وكما دل على ذلك حديث أم سلمة المذكور، واللَّه ولي التوفيق([1072]).

فيستحب للمسلم أن لا يفوته هذا الفضل العظيم، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حرر في يوم السبت 30/ 7/ 1437هـ.


 33-فضل صوم شهر اللَّه المحرم كلّه

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة  الليل»([1073]).

قال الإمام النووي :: «فَإِنْ قِيلَ سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ، فَكَيْفَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ، فَالْجَوَابُ لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا فِي آخِرِ الْحَيَاةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ: كَسَفَرٍ، وَمَرَضٍ، وَغَيْرِهِمَا»([1074])  فقد صرح الإمام النووي : أن شهر اللَّه المحرم أفضل الشهور للصوم([1075]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :: «وهذا في أفضل الصيام لمن يصوم شهراً واحداً، والأُولَى من أفضل الصيام لمن يصوم صوماً دائماً»([1076]) ، ومعنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية :  في قوله: الأولى واللَّه أعلم: أن شهر اللَّه المحرم صيامه أفضل الصيام بعد رمضان لمن يصوم شهراً واحداً، أما من يصوم صوماً دائماً، فالأفضل المسألة الأولى: وهي صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً([1077]).

وقال الإمام ابن رجب :: «ولما كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى اللَّه تعالى، كان الصيام من بين الأعمال مضافاً إلى اللَّه تعالى؛ فإنه له من بين الأعمال ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى اللَّه بالعمل المضاف إليه، المختص به، وهو الصيام»([1078]).

 وقال الإمام ابن باز :: «...أما شهر اللَّه المحرم فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم»، فإذا صامه كله فهو طيب، أو صام التاسع والعاشر والحادي عشر، فذلك سنة»([1079])  ، وقال :: «يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم» ... والمعنى أن يصومه كله من أوله إلى آخره، من أول يوم منه إلى نهايته، هذا معنى الحديث، ولكن يُخَصُّ منه يوم التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر، لمن لم يصمه كله»([1080]) ، وقال أيضاً في موضع آخر: «وصيام يوم عاشوراء سُنَّة، والأفضل أن يصوم معه يومًا قبله أو بعده، سواء التاسع أو الحادي عشر، أو يصومهما جميعًا معه، هذا هو الأفضل، وإن صام الشهر كله، شهر محرم فهو سنة»([1081]).

وقال العلامة محمد بن عثيمين : في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم»: أي: يسن صوم شهر المحرم، وهو الذي يلي شهر ذي الحجة... وصومه أفضل الصيام بعد رمضان، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرم»([1082]).

واللَّه أسأل التوفيق والإعانة، لي ولجميع المسلمين لكل ما يحبه ويرضاه، وصلى اللَّه وسلم، وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم السبت الموافق 30/ 12/ 1437هـ

& & &


 34-فضل العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر وخصائصها

الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه, أجمعين، أما بعد:

فقد كُنَّا بالأمس القريب نستقبل رمضان بالبهجة والسرور، وقد أسرعت الأيامُ حتى ذهب أكثرُه، وقد أحسن أُنَاسٌ في الأيام الماضيةِ، فصاموا النهارَ، وقاموا الليلَ، وقرؤوا القرآن، وتصدقوا، وأحسنوا، وتركوا المعاصي والسيئات، فلهم الأجرُ العظيمُ، والثوابُ الكبيرُ، وعليهمُ المزيدُ في الباقي من أيامِ رمضانَ المبارك، وقد أساء آخرون فأخلُّوا بالصيامِ, وتركوا القيامَ, وسَهِروا اللياليَ الطوالَ على قيل وقال, وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وهجروا القرآن، وبخِلوا بأموالهم، لكن اللَّه تعالى ذو الفضلِ العظيمِ، والإحسانِ العميم, يقبل التوبةَ، ويعفو عن السيئاتِ لمن تابَ وأنابَ، وقد جعل سبحانه العشرَ الأواخرَ من رمضان فرصةً لمن أحسن في أوَّل الشهر أن يزداد، ولمن أساء أن يستدرك ما فاتَه؛ ويغتنم هذه الأيام العشر في الطاعات، وما يقربه من اللَّه تعالى.

والعشر الأواخر لها خصائصُ، وفضائلُ، منها:

أولاً: نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان، في ليلة القدر، قال اللَّه تعالى: âإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِá([1083])، وقال - عز وجل -: âإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَá([1084] وهذا من أعظمِ فضائلِ العشرِ: أن اللَّه أنزل هذا النورَ المبين فأخرج به من الظلمات إلى النُّورِ، ومن الجهلِ إلى نورِ العلمِ والإيمانِ، وهذا القرآنُ العظيمُ شفاءٌ وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين، وموعظةٌ وشفاءٌ لما في الصدور، âقُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَá([1085]).

ثانياً: ومن خصائص هذه العشرِ الأواخرِ ليلةُ القدر، والعبادةُ في هذه الليلةِ خيرٌ من العبادةِ في ألفِ شَهرٍ، فالعبادةُ فيها خيرٌ، وأفضلُ من العبادةِ في ثلاثٍ وثمانين سنةً، وما يقربُ من أربعةِ أشهرٍ، وهذا فضلٌ عظيمٌ لمن وفّقه اللَّه تعالى، قال - عز وجل -: âإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِá([1086]).

وليلة القدر لها فضائل كثيرة، منها:

* الفضيلةُ الأولى: أن اللَّه أنزل القرآنَ فيها الذي به هِدايةُ العبادِ وسعادتُهم في الدنيا والآخرة âإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِá، وقال - عز وجل -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍá.

* الفضيلةُ الثانيةُ: في هذه الليلةِ يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ، أي يُفصلُ من اللوحِ المحفوظِ ما هو كائنٌ في السنة: من الأرزاقِ، والآجالِ، والخيرِ والشرِّ.

* الفضيلةُ الثالثةُ: ما يدل عليه الاستفهامُ من التفخيمِ والتعظيمِ لهذه الليلةِ في قوله سبحانه: â وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ á .

* الفضيلةُ الرابعةُ: أن هذه الليلةَ مباركةٌ â إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ á .

* الفضيلةُ الخامسةُ: أن هذه الليلة خيرٌ من ألفِ شهر.

* الفضيلةُ السادسةُ: تتنزّل الملائكةُ فيها، والروحُ وهو جبريل؛ لِكَثْرَةِ بَركَتِها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة.

* الفضيلةُ السابعةُ: أن هذه الليلةَ سلامٌ حتى مطلعِ الفجر؛ لكثرة السلامةَ فيها من العقابِ، والعذابِ، بما يقوم به العبدُ من طاعةِ اللَّه - عز وجل -.

* الفضيلةُ الثامنةُ: أن من قامها إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه([1087]).

* الفضيلةُ التاسعةُ: أن من أدركها واجتهد فيها ابتغاءَ مرضاةِ اللَّه فقد أدرك الخيرَ كلَّه، ومن حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كلَّه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتاكم رمضانُ شهرٌ مباركٌ، فرض اللَّه - عز وجل -، علَيْكُم صيامُه، تُفتحُ فيه أبوابُ الجنةِ، وتُغلَقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغلُّ فيه مردةُ الشياطينِ، للَّه فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم»([1088]).

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: دخل رمضان فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يحرَمُ خيرَها إلا محرومٌ»([1089]).

* الفضيلةُ العاشرةُ: أن اللَّه أنزل في فضلها سورة كاملة تُتلى إلى يوم القيامة: âإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ á.

ثالثاً: ومن خصائص هذه العشر اجتهادُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في قيامها, والأعمال الصالحة فيها اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة ل قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر»([1090] ومعنى شدِّ المئزر: أي شمَّر واجتهد في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء، وعنها ل قالت: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهدُ في غيره»([1091]).

وهذا الإحياءُ شاملٌ لجميع أنواع العبادات: من صلاة، وقرآنٍ، وذكرٍ، ودعاء، وصدقة، وغيرها، ومما يدل على فضل العشر: إيقاظ الأهل للصلاة والذكر، ومن الحرمان العظيم أن ترى كثيراً من الناس يُضيِّعون الأوقات في الأسواق، وغيرها، ويسهرون، فإذا جاء وقت القيام ناموا، وهذه خسارة عظيمة، فعلى المسلم الصادق أن يجتهد في هذه العشر المباركة, فلعله لا يدركها مرة أخرى باختطاف هاذم اللذات، ولعله يجتهدُ فتصيبَهُ نفحةٌ من نفحات اللَّه تعالى، فيكون سعيداً في الدنيا والآخرة.

رابعاً: ومن خصائص هذه العشر: الاعتكاف فيها، وهو لزوم المسجد لطاعة اللَّه تعالى، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنة، قال اللَّه تعالى: âوَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِá([1092])، وعن عائشة ل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفاه اللَّه، ثم اعتكف أزواجُه من بعدِه([1093])، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه، اعتكف عشرين يوماً»([1094] وفي لفظ: «كان يُعرضُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن كل عام مرة [أي: كان جبريل يعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن في كل رمضان]، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبض فيه»([1095] وذكر ابن حجر $ أن المراد بالعشرين: العشر الأوسط، والعشر الأخير([1096])، ويدل على معناه حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - في صحيح مسلم([1097]).

وكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين قال: «من كان اعتكف معي، فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليلة، ثم أنسيتها... فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر»([1098])، وفي حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف»، فاعتكف الناس معه، قال: «وإني أُريتُها ليلة وترٍ...» ([1099] وعن ابن عباس ب قال: «كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس بالخير، وكانَ أجودَ ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريلَ كان يلقاه في كل ليلةٍ في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرضُ عليه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة»([1100]).

والمقصود بالاعتكاف انقطاع الإنسان عن الناس؛ ليتفرغ لطاعة اللَّه تعالى في مسجد من مساجد اللَّه ؛ طلباً لفضل ثواب الاعتكاف من اللَّه تعالى، وطلباً لإدراك ليلة القدر، وله الخروج من معتكفه فيما لا بد منه: كقضاء الحاجة, والأكل والشرب إذا لم يُمكن ذلك في المسجد.

فاغتنموا ما بقي من هذا الشهر الكريم، واجتهدوا في طاعة اللَّه تعالى، وخصُّوا هذه العشر المباركة بمزيد من الاجتهاد؛ طلباً للثواب، ومضاعفة الأجر في هذه الليالي، وطلباً لليلة القدر التي اختصت بها العشر الأواخر من رمضان، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها – أو نُسِّيتها – فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر»([1101])، وفي حديث عائشة ل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»([1102])، فليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان يقيناً لا شك فيه، وهي في الأوتار أقرب؛ لحديث ابن عباس ب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر: في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى»، وفي لفظ: «هي في العشر الأواخر في تسع يمضين أو في سبع يبقين»([1103])، وقد تكون في الأشفاع؛ فإنه جاء في البخاري عن ابن عباس ب: «التمسوها في أربع وعشرين»([1104])، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيره، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يجتهدون اجتهاداً عظيماً، قالت عائشة ل: يا رسول اللَّه، أرأيت إن علمت أيّ ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللَّهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عني»([1105])، فعلى العبد الصادق أن يجتهد في جميع ليالي العشر، ويحصل عليها يقيناً لا شك فيه، وقد أخفى اللَّه ليلة القدر رحمة بعباده؛ لأمور منها: زيادة حسناتهم إذا اجتهدوا في العبادة بأنواعها في هذه الليالي، واختباراً لعباده؛ ليتبين الصادق في طلبها من غيره؛ فإن من حرص على شيء جد في طلبه.

واللَّه أسأل أن يوفق الجميع لكل ما يحبه ويرضاه، وصلى اللَّه وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.

حرر في 20/ 9/ 1438هـ.


 35-فضل صيام يوم عاشوراء

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فإن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر اللَّه المحرم، وصيامه سنة مؤكدة، ويكفِّر ذنوب السنة التي قبله، وقد صامه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية وفي الإسلام، وحثَّ على صيامه، ورغَّب فيه، وصامه قبله موسى شكراً للَّه تعالى على أن نجَّاه وقومه فيه من الغرق، وأغرق عدوَّه فرعون وقومه، والسنة أن يُصام اليوم التاسع مع العاشر، فإن لم يصم التاسع صام معه الحادي عشر، وإن صام معه يوماً قبله ويوماً بعده كان أكمل، وأفضل، وأعظم في الأجر، وعاشوراء في هذا العام 1438هـ يوافق يوم الثلاثاء، فيكون السبت تمام ذي الحجة، والأحد غرة محرم، والإثنين التاسع، والثلاثاء عاشوراء، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل صيامه أحاديث كثيرة، منها الأحاديث الآتية:

1-حديث عائشة ل،قالت: كانت قُريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يصومه [في الجاهلية]، فلمَّا هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرِضَ شهر رمضان، قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»([1106]).

2-     حديث عبد اللَّه بن عمر ب:أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن عاشوراء يومٌ من أيام اللَّه،فمن شاء صامه ومن شاء تركه»([1107]).

3-     حديث معاوية بن أبي سفيان ب وقد خطب الناس في المدينة في قدمةٍ قدمها في العام الذي حج فيه، فقال على المنبر: «يا أهل المدينة أين علماؤُكم؟ سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «هذا يومُ عاشوراء ولم يكتب اللَّه عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر»([1108]).

4-     حديث عبد اللَّه بن عباس ب قال قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا [اليوم الذي تصومونه؟]» قالوا: هذا يوم [عظيم] صالح [أنجى اللَّه فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً للَّه فنحن نصومه، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه]» ([1109]).

5- حديث ابن عباس ب أيضاً قال: «ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرَّى صيام يومٍ فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان»([1110]).

6- حديث ابن عباس ب أيضاً قال: «حين صام رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول اللَّه إنه يوم تُعظِّمه اليهود والنصارى، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا كان العام المقبل - إن شاء اللَّه- صمنا اليوم التاسع»، فلم يأتِ العام المقبل حتى توفّي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -»، وفي رواية: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع»([1111]) ، والمعنى يعني مع العاشر، ويفسره قول ابن عباس الآتي:

7-     ما ثبت من قول ابن عباس ب أنه كان يقول: «صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود»([1112]).

8-     حديث أبي موسى - رضي الله عنه - قال: «كان يوم عاشوراء [يوماً تعظِّمه اليهود تتخذه عيداً] فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «فصوموه أنتم»([1113]).

9-     حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «...وصيام يوم عاشوراء أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله»([1114]).

قال الإمام النووي :: «والحاصل من مجموع الأحاديث أن يوم عاشوراء كانت الجاهلية من كفار قريش وغيرهم، واليهود يصومونه، وجاء الإسلام بصيامه متأكداً، ثم بقي صومه أخف من ذلك التأكد، واللَّه أعلم»، وقال: «وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم»، وقال :: «قال الشافعي، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صام العاشر ونوى صيام التاسع»([1115]): «ولم يكن واجباً كما سبق في أول الباب، وإنما كان سنة متأكدة». وسمعت شيخنا الإمام ابن باز : يقول أثناء تقريره على صحيح الإمام البخاري : الحديث رقم 2000- 2007: «... ثم لما قدم - صلى الله عليه وسلم - المدينة صامه وأمر بصيامه، فكان صيامه واجباً، فلما فرض رمضان قال: «من شاء صام ومن شاء أفطر»، فكان سنة، والأفضل أن يصوم قبله يوماً، أو بعده يوماً، أو يصوم يوماً قبله، ويوماً بعده».

10- مراتب صوم يوم عاشوراء ثلاثة:

أولاً: أكملها أن يُصام قبله يومٌ وبعده يومُ.

ثانياً:أن يُصام التاسع والعاشر وعليه أكثر الأحاديث.

ثالثاً: إفراد العاشر وحده بالصوم، قاله الإمام ابن القيم : ([1116] وسمعت شيخنا الإمام ابن باز : أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث 2000- 2007 يقول: «الظاهر أن صيام يوم عاشوراء وحده يكره، فالسنة أن يصوم يوماً قبله أو بعده، والأفضل لمن لم يصم قبله أو بعده أن لا يصومه حتى لا يوافق اليهود»، وقال : أيضاً في: «أما صومه وحده فيكره»([1117]).

وإذا عمل المسلم بالمرتبة الأولى: وهي صيام ثلاثة أيام: اليوم التاسع، والعاشر والحادي عشر، حصل على فوائد، منها:

أولاً: أدرك صيام يوم عاشوراء يقيناً لا شك فيه، لأن شهر ذي الحجة قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين، فإذا لم يُرَ الهلال فقد عمل باليقين، فحينئذٍ يحصل بصيام الثلاثة الأيام على إدراك يوم عاشوراء الذي يُكفِّر اللَّه به ذنوب سنة ماضية.

ثانياً: حصل على فضل صيام ثلاثة أيام من الشهر، فيكتب له صيام شهر كامل؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.

ثالثاً: صام ثلاثة أيام من شهر اللَّه المحرم الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللَّه الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ»([1118]).

رابعاً: خالف اليهود في صيامهم فلم يفرد عاشوراء بالصيام، بل صام معه غيره.

خامساً: حصل على فضل صيام يوم الإثنين في هذا العام 1438هـ إذا نوى ذلك، واللَّه تعالى أعلم.

واللَّه أسأل التوفيق، والإعانة، والتسديد، والقبول لي، ولجميع المسلمين، وأن يوفق الجميع لكل ما يحبه، ويرضاه, وصلى اللَّه وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

حرر في يوم الأحد 8/ 1/ 1438هـ.

& & &




 قسم الحج


 36-التشويق إلى حج بيت اللَّه العتيق

المقدمة

الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه وعلى آله واصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذه كلمات مختصرات في التشويق إلى حج بيت اللَّه العتيق، أسأل اللَّه تعالى أن ينفعني بها، وينفع بها من انتهت إليه. إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهي على النحو الآتي:

أولاً: من حج البيت الحرام، أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «من حج هذا البيت فلم يرفث([1119])، ولم يفسق([1120])، رجع كما ولدته أمه»([1121] وفي لفظ مسلم: «من أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه»([1122])، وهذا اللفظ يشمل الحج والعمرة([1123]).

ثانياً: العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، والحج المبرور جزاؤه الجنة؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجن»([1124]).

والحج المبرور هو الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفِّيت أحكامه ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان ولا يعاود المعاصي. والمبرور مأخوذ من البر وهو الطاعة واللَّه أعلم([1125]).

ثالثاً: الحج يهدم ما كان قبله؛ لحديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، وفيه: أنه قال: فلما جعل اللَّه الإسلام في قلبي أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ابسط يمينك لأُبايِعَكَ، فبسط يمينه، فقبضت يَديَ، قال: «مالك يا عمرو؟» قلت: أردتُ أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله»([1126]).

رابعاً: الحج المبرور من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل اللَّه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان باللَّه ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل اللَّه»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور»([1127]).

خامساً: الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، والحج المبرور ثوابه الجنة؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة» ([1128]).

سادساً: أفضل الجهاد وأجمله الحج المبرور؛ لحديث عائشة ل قالت: يا رسول اللَّه، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لا، ولكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور»، وفي رواية: أنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: «لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحجُّ حجٌّ مبرور»، قالت عائشة ل: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -([1129]).

وعنها: قالت: قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»([1130] ولفظ النسائي أنها ل قالت: يا رسول اللَّه، ألا نخرج فنجاهد معك؛ فإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد، فقال: «لا، ولَكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله، حج البيت حج مبرور»([1131]).

سابعاً: الحاج والمعتمر وفدُ اللَّه تعالى؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «وفد اللَّه ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر»([1132]).

والمعنى: السائرون إلى اللَّه تعالى، القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين؛ لاختصاص السفر بهم عادة([1133])، وفيه إضافة تشريف لهؤلاء.

ثامناً: المعتمر والحاج يعطيهم اللَّه ما سألوه؛ لحديث ابن ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله. دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم»([1134]).

تاسعاً: الحج والعمرة جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة»([1135]).

عاشراً: الحاج والمعتمر يلبِّي معه الشجر والحجر حتى تنقطع الأرض عن يمينه وشماله؛ لحديث سهل - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:«ما من مسلم يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله، من حجرٍ، أو شجرٍ، أو مدرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا»([1136]).

الحادي عشر: اللَّه تعالى يباهي بالحجاج في عرفة الملائكة؛ لحديث عائشة ل قالت: إن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟»([1137]).

الثاني عشر: خير الدعاء دعاء الحجاج يوم عرفة؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»([1138]).

الثالث عشر: عمرة في رمضان تعْدل حجة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لحديث عبداللَّه بن عباس ب، قال: لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من حجته قال لأم سنان: «ما منعك من الحجِّ؟» قالت: أبو فلان – تعني زوجها – كان له ناضحان، حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضاً لنا، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي»([1139]).

الرابع عشر: مسح الحجر الأسود والركن اليماني، يحطّان الخطايا حطّاً، والطواف بالبيت كعتق رقبة، وكل خطوة يُكتب له بها عشر حسنات، ويُحطُّ عنه عشر سيئات، ويُرفع له عشر درجات؛ لحديث عبداللَّه بن عُبيد بن عُمير عن أبيه، قال: قلت لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إنْ أفعل فقد سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن استلامهما يحطُّ الخطايا»، قال: وسمعته يقول: «من طاف أسبوعاً يحصيه، وصلّى ركعتين كان كعدل رقبة»، قال: وسمعته يقول: «ما رفع رَجلٌ قدماً ولا وضعها إلا كُتبَ له عشرُ حسنات، وحُطَّ عنه عشرُ سيئات، ورُفع له عشرُ درجات»، وفي لفظ لأحمد: «أراك تزاحم على هذين الركنين؟» قال: «إن أفعل، فقد سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن مسحهما يَحُطَّان الخطايا»([1140]).

الخامس عشر:  الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه؛ لحديث جابر - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه»([1141]).

السادس عشر: من طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له يوم القيامة؛ لحديث ابن عباس ب قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الحجر: «واللَّه ليبعثنّهُ اللَّه يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحق»([1142]).

وعنه أيضاً قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من الثلج فسوّدته خطايا بني آدم»([1143]).

السابع عشر: من حج البيت كمل إسلامه؛ لحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام، قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله  إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان»، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: «نعم» قال: صدقت([1144]).

الثامن عشر: الحاج إذا خرج من بيته قاصداً البيت الحرام كتب له بكل خطوة يخطوها هو ودابته حسنة، ومحا اللَّه عنه خطيئة، ورفعت له درجة؛ لحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - يرفعه، وفيه: «فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق أن لا ترفع قدماً، أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة»([1145]وفي حديث ابن عمر ب يرفعه: «...فإنك إذا خرجت من بيتك تؤمُّ البيت الحرام لا تضعُ ناقتك خفاً، ولا ترفعه إلا كتب [الله] لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة»([1146]).

التاسع عشر: الحاج والمعتمر يكتب له بركعتي الطواف عتق رقبة من بني إسماعيل؛ لحديث ابن عمر ب وفيه: « ... وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل»([1147]).

العشرون: طواف الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة؛ لحديث ابن عمر ب وفيه « ... وأما طوافك بالصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة»([1148]).

الحادي والعشرون: الحاج يُغفر له في وقوفه بعرفة، ولو كانت ذنوبه عدد الرمل، أو قطر المطر، ويباهي به اللَّه الملائكة؛ لحديث ابن عمر يرفعه وفيه: «...وأما وقوفك عشية عرفة، فإن اللَّه يهبط إلى السماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، ويقول: عبادي جاؤوني شعثاً من كل فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له»([1149]).

وفي حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - يرفعه: «وأما وقوفك بعرفة فإن اللَّه - عز وجل - يقول لملائكته: يا ملائكتي ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاؤوا يكتسبون رضوانك والجنة، فيقول اللَّه - عز وجل -: فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم، ولو كانت ذنوبهم عدد أيام الدهر، وعدد رمل عالج»([1150]).

وفي لفظ لحديث ابن عمر ب: «فإذا وقفت بعرفة، فإن اللَّه - عز وجل - ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج([1151])...»([1152]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -قال: «إن اللَّه يباهي بأهل عرفات ملائكة السماء، فيقول: «انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثاً غبراً»([1153]).

وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّه - عز وجل - يُبَاهِى مَلاَئِكَتَهُ عَشِيَة عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِى، أَتَوْنِى شُعْثًا غُبْرًا»([1154]).

الثاني والعشرون: يغفر اللَّه تعالى لأهل عرفات، وأهل المشعر؛ لحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات، وقد كادت الشمس أن تؤوب([1155] فقال: «يا بلال، أنصت لي الناس»، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، فأنصت الناس فقال: «معشر الناس، أتاني جبريل u آنفاً، فأقرأني من ربِّي السلام، وقال: إن اللَّه - عز وجل - غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التَّبعات»([1156]»، فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: «هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة»، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كَثُرَ خيرُ اللَّه وطاب»([1157]) .

وعَنْ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ غَدَاةَ جَمْعٍ: «يَا بِلَالُ أَسْكِتْ النَّاسَ»، أَوْ «أَنْصِتْ النَّاسَ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّه تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ([1158]) فِي جَمْعِكُمْ هَذَا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِـمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّه »([1159]).

الثالث والعشرون: الحاج له بكل حصاة يرمي بها الجمار مع التوبة تكفير كبيرة من الموبقات؛ لحديث ابن عمر ب وفيه: «وأما رميك الجمار؛ فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات...»([1160])، وعن ابن عباس ب رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لما أتى إبراهيم خليل اللَّه المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ([1161]) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض»، قال ابن عباس ب: الشيطان ترجمون، وملَّة أبيكم إبراهيم تتَّبعون»([1162]) .

الرابع والعشرون: الحاج يُعطى بكل شعرة حلقها حسنة، وتُمحى عنه بها خطيئة، وله بكل شعرة نور يوم القيامة، وما ينحره من الهدي مُدَّخَرٌ له عند اللَّه؛ لحديث ابن عمر وفيه «...وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك، فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها خطيئة ...»([1163])، وفي حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: « ... وأما حلقك رأسك، فإنه ليس من شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نوراً يوم القيامة...»([1164]).

الخامس والعشرون: إذا لبَّى الملبِّي في الحجّ، أو كبَّر بُشِّرَ بالجنة؛ وفضل رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أهلَّ مهلٌّ([1165])، ولا كبَّر مُكبِّرٌ إلا بُشِّر»، قيل: يا رسول اللَّه بالجنة؟ قال: «نعم»([1166]).

وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العجُّ([1167])، والثجُّ([1168]»»([1169] ولفظ الترمذي: أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - سُئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال: «العجُّ، والثجُّ»([1170]).

السادس والعشرون: الحج يقع معظمه في أفضل أيام الدنيا: عشر ذي الحجة؛ لحديث جابر - رضي الله عنه - ، أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»– يعني عشر ذي الحجة – قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل الله؟ قال: «ولا مثلهن في سبيل اللَّه إلا رجلٌ عَفَّر وجهه في التراب»، وذكر عرفة، فقال: «يوم مباهاةٍ ينزل اللَّه تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: «عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين([1171])، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، ويستعيذون من عذابي، ولم يروا يوماً أكثر عتيقاً وعتيقة من النار» هذا لفظ البزار.

ولفظ أبي يعلى: «ما من أيام أفضل عند اللَّه من عشر ذي الحجة»، فقال رجل يا رسول الله! هي أفضل أم عدتهنّ جهاداً في سبيل الله؟ فقال: «هي أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل اللَّه إلا عفيراً يعفِّر وجهه في التراب([1172])، وما من يوم أفضل عند اللَّه من يوم عرفة، ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، لم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أر يوماً أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة»([1173]).

ولعِظَمِ فضلها أقسم اللَّه تعالى بها في كتابه بقوله: ﴿وَالْفَجْر * وَلَيَالٍ عَشْر﴾([1174])، وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وابن كثير، وابن القيم، وغير واحد من السلف والخلف([1175]).

وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى؛ لحديث ابن عباس ب، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر»، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»([1176]).

وهي أيام عظيمة عند الله، والأعمال فيها أحب إليه فيهن؛ لحديث عبداللَّه بن عمر ب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من أيام أعظم عند اللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد»([1177]).

السابع والعشرون: ماء زمزم شفاء سُقمٍ وطعام طعمٍ، وهو لما شرب له؛ لحديث أبي ذر - رضي الله عنه -، في قصته الطويلة، وفيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له وهو في المسجد الحرام: «متى كنت هاهنا؟»، قال: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ما بين ليلة ويومٍ قال: «فمن كان يطعمك؟» قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم فسمنت حتى تكسّرت عُكنُ بطني، وما أجد على كَبدي سُخْفةَ جوعٍ، قال: «إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعمٍ»([1178]).

ولفظ البيهقي: «إنها مباركة، إنها طعام طُعمٍ، وشِفاء سُقْمٍ»([1179]).

ولفظ البزار: «زمزم طعام طُعم وشِفاء سُقم»([1180]).

وعن ابن عباس ب، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السُّقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي بَرَهُوت بقية [بـ]حضرموت (عليه] كرجل الجراد من الهوامِّ يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها»([1181]).

وعن جابر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ماء زمزم لما شُرِب له»([1182]).

وعن عائشة ل: أنها حَمَلَتْ ماء زمزم في القوارير، وقالت: «حمله رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في الأداوي والقرب، فكان يصبُّ على المرضى ويسقيهم»([1183]).

قال ابن القيم :: «وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عِدَّة أمراضٍ فبرأْتُ بإذن اللَّه »([1184] وقال :: «لقد مرَّ بي وقتٌ في مكة سقمتُ فيه ولا أجد طبيباً، ولا دواءً، فكنت أُعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيراً عجيباً، آخذ شربةً من ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه فوجدت بذلك البُرْءَ التَّام، ثم صرتُ أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع به غاية الانتفاع، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً، فكان كثير منهم يبرأ سريعاً»([1185]).

الثامن والعشرون: إذا طاف الحاجُّ طواف الوداع خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، وفيه: «... وأما طوافك بالبيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك»([1186]).

وفضائل الحج والعمرة لا تحصل إلا لمن أخلص عمله لله، وأدَّى حجه أو عمرته على هدي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فهذان شرطان لابد منهما في قبول كل قول وعمل:

الشرط الأول: الإخلاص للمعبود؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»([1187])، ولهذا حَرِصَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإخلاص والدعاء به، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: حجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفة([1188]) تسْوى أربعة دراهم، أو لا تسْوَى ثم قال: «اللهم حِجةٌ لا رياءَ فيها ولا سُمعة»([1189]).

الشرط الثاني: المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ لقوله: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»([1190])، فمن أخلص أعماله لله، مُتَّبعاً في ذلك رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾([1191] ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾([1192] وقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾([1193])، فحديث عمر - رضي الله عنه - «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ل «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه([1194]).

وأسأل اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا أن يتقبَّل منّي ومن حجّاج بيت اللَّه العتيق، ومن جميع المؤمنين، وصلى اللَّه وسلم على نبيّنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

& & &


 37-السنن في مناسك الحج

الحمد للَّه ، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن والاه. أما بعد:

فإن الحج المبرور من أعظم المطالب للمؤمن؛ لأنه ليس له جزاء إلا الجنة، وهو الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولم يخالطه إثمٌ، ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفّيت أحكامه، ووقع موقعاً كما طُلب من المكلف، على الوجه الأكمل: من القيام بشروطه، وأركانه، وواجباته، وآدابه، ومستحباته([1195]).

وسأقتصر على بيان سنن مناسك الحج التي يبلغ بها درجة الكمال، والإحسان باختصار عل النحو الآتي:

 أولاً: سنن الإحرام:

1 – تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبطين، وحلق شعر العانة، قبل الإحرام؛ لما في ذلك من إزالة الأوساخ، والنظافة؛ ولأن ذلك من سنن الفطرة؛ لحديث أبي هريرة t عن النبي ﷺ‬ قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب»([1196]).

2 – الغسل عند الإحرام؛ لحديث زيد بن ثابت t أنه رأى النبي ﷺ‬ «تجرد لإهلاله واغتسل»([1197]).

3  -التطيب في البدن قبل الإحرام؛ لحديث عائشة ل، قالت: «كان رسول اللَّه ﷺ‬ إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك»([1198]).

4 – إحرام الرجل في إزار ورداء أبيضين؛ لحديث ابن عباس ب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم...» ([1199]).

5 – الإحرام في نعلين؛ لحديث عبداللَّه بن عمر ب عن النبي ﷺ‬ أنه قال: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين»([1200]).

6 – الإحرام بعد صلاة فريضة؛ لأن النبي ﷺ‬ أحرم بعد صلاة الظهر؛ لحديث ابن عباس ب قال: «صلى رسول اللَّه ﷺ‬ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته وأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج...»([1201]). فإن لم يكن في وقت صلاة فريضة، فإنه يصلي ركعتي الوضوء؛ لأن النبي ﷺ‬ «تجرد لإهلاله واغتسل»، وقد شرع ﷺ‬ لأمته ركعتي الوضوء، والصواب أنها تُصلَّى في أي ساعة من ليل أو نهار، وإذا كان الإحرام من ميقات ذي الحليفة فصلَّى في وادي العقيق فريضة أو نافلة ثم أحرم بعدها، فلا بأس؛ لحديث عمر بن الخطاب t، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ بوادي العقيق يقول: «أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة»([1202]).

7 – التحميد، والتسبيح، والتكبير عند الاستواء على المركوب قبل التلبية؛ لحديث أنس t قال: صلى رسول اللَّه ﷺ‬ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء: حمد اللَّه، وسبح، وكبَّر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج»([1203]).

قال الحافظ ابن حجر :: «قوله عند الركوب» أي بعد الاستواء على الدابة لا حال وضع الرجل مثلاً في الركاب، وهذا الحكم – وهو استحباب التسبيح، وما ذكر معه قبل الإهلال – قلَّ من تعرض لذكره مع ثبوته»([1204]).

8 – التلفظ بالإهلال بالتلبية ونية الدخول في النسك يكون عند الاستواء على المركوب؛ لحديث ابن عمر ب قال: «أهل النبي ﷺ‬ حين استوت به راحلته قائمة»([1205]).

9 – الإهلال بالتلبية مستقبل القبلة، فعن نافع قال: «كان ابن عمر ب إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت له، ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبِّي، حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طُوىً بات حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول اللَّه ﷺ‬ فعل ذلك»([1206]).

وسمعت شيخنا ابن باز : يقول عن هذا الحديث: «وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح»([1207] وقال الألباني :: «وقد وصله أبو نعيم في المستخرج»([1208]).

10 – رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث السائب بن خلاد t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»([1209]).

 ثانياً: سنن دخول مكة:

11 –1- المبيت بذي طوى؛ لحديث نافع عن ابن عمر ب قال: «كان ابن عمر ب إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح، ويغتسل، ويُحدّث أن النبي ﷺ‬ كان يفعله»([1210]).

أما الإمساك عن التلبية إذا دخل الحرم، فسمعت شيخنا ابن باز : يقول: «المحفوظ عن النبي ﷺ‬ أنه كان يلبِّي حتى يشرع في الطواف، وهذا اجتهاد من ابن عمر ب»([1211]).

12 –2- الاغتسال لدخول مكة؛ لحديث نافع السابق أن ابن عمر كان يفعله «ويحدث أن النبي ﷺ‬ كان يفعل ذلك»([1212]).

13 –3- دخول مكة نهاراً، فعن نافع عن ابن عمر ب قال: «بات النبي ﷺ‬ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر ب يفعله»([1213]).

وسمعت شيخنا ابن باز : يقول: «هذا هو الأفضل إن تيسر سواء في العمرة أو في الحج، وإن دخلها ليلاً فلا بأس»([1214])([1215]).

14 –4- دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها إن تيسير، لحديث عائشة ل: «أن النبي ﷺ‬ لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها»([1216]).

فأعلى مكة كَداء، وأسفلها كُدى، وهما موضعان بمكة([1217])، وهما الثنية العليا، والثنية السفلى([1218] وسمعت شيخنا ابن باز : يقول: «وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج واضمم، كَداء، وكُداء»([1219]).

وعن ابن عمر ب قال: «كان رسول اللَّه ﷺ‬ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنيَّة السفلى»([1220]).

وهذا من باب الأفضلية، وسمعت شيخنا ابن باز : يقول: «وهذا هو الأفضل أيضاً»([1221]).

15 –5- يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد الحرام، ويقول دعاء دخول المسجد([1222]).

 ثالثاً: سنن الطواف بالبيت الحرام:

16 –1- طواف القدوم، للقارن والمفرد.

17 –2- استلام الحجر الأسود وتقبيله مع التكبير، أو ما يقوم مقام ذلك، من استلامه باليد وتقبيلها، أو استلامه بشيء وتقبيل ذلك الشيء، أو الإشارة إليه مع التكبير([1223]).

18 –3- استلام الركن اليماني.

19 –4- الرمل في الثلاثة الأشواط الأُوَل، والسير في الأربعة المتبقية، وذلك في طواف العمرة، وطواف الحج الأول.

20 – الاضطباع في طواف العمرة، وطواف الحج الأول أوَّلَ ما يدخل مكة.

21 –5- الدعاء في الطواف، والذكر.

22 –6- الدنوّ من البيت عند عدم المشقة.

23 –7- أن يقرأ قبل صلاة ركعتي الطواف: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.

24 –8- أن يصلِّي ركعتي الطواف.

25 -9- القراءة في ركعتي الطواف بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، في الركعة الأولى بعد الفاتحة و﴿قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد﴾ في الركعة الثانية بعد الفاتحة.

26 –10- الشرب من ماء زمزم بعد ركعتي الطواف، ويصب على رأسه، فقد ثبت أن النبي ﷺ‬ شرب منها بعد طواف القدوم، وبعد طواف الإفاضة.

27 –11- إذا فرغ من ركعتي الطواف سُنَّ عوده إلى الحجر فيستلمه ثم يخرج إلى الصفا وجاء في مسند أحمد، أنه عاد إلى  الحجر بعد صلاة الركعتين فاستلمه، ثم شرب من ماء زمزم، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا([1224]).

 رابعاً: سنن السعي بين الصفا والمروة:

28 –1- الموالاة بين السعي والطواف، بأن لا يفصل بينهما بفصل طويل.

29 –2- يرقى على الصفا ويرقى على المروة، إلا النساء فيكفيهن أن يبدأن من الصفا ويختمنَ بالمروة.

30 – 3- يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه﴾ أبدأ بما بدأ اللَّه به.

31 –4- يستقبل البيت وهو على الصفا حتى يراه أو يكون متجهاً حذاءه.

32 –5- يقول الذكر المشروع على الصفا، ويدعو رافعاً يديه.

33 –6- ستر العورة أثناء السعي بين الصفا والمروة.

34 –7- اجتناب النجاسة.

35 –8- يسعى على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر.

36 –9- يسعى سعياً شديداً بين العلمين الأخضرين إلا النساء.

37 –10- الذكر والدعاء أثناء السعي بين الصفا والمروة.

38 –11- يقول على المروة ما قاله على الصفا ويفعل كذلك، إلا أنه لا يقرأ الآية.

39 –12- الموالاة بين أشواط السعي بحيث لا يفصل بينها بل تكون متصلة؛ لأن الراجح أن الموالاة لا تشترط ولكن الأحوط الموالاة([1225]).

 خامساً: سنن الخروج إلى منى يوم ا