مسؤوليات المرأة المسلمة

أبو الحسن بن محمد الفقيه


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

الفتاة المسلمة هي نواة صلاح المجتمع، وجوهر رونقه ورقيه، فإذا صلحت تعدى صلاحها فئاته وطبقاته، وإذا فسدت عم الفساد أرجاءه ونواحيه..

ولم يزل أعداء الإسلام منذ أمد بعيد يستهدفون ديار الإسلام في نسائها.. لما يدركونه من تأثير المرأة على فئات المجتمع.. وكم هي كثيرة تصريحاتهم في هذا المعنى..

تقول الصليبية (آنا مليجان): ليس هناك طريقة لهدم الإسلام أقصر مسافة من خروج المرأة المسلمة سافرة متبرجة ([1]).

ويقول الصليبي (غلادستون): لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن ([2]).

وليس هناك من سلاح تواجه به المرأة المسلمة تلك الفتن أفضل من فقهها بمسئولياتها المنوطة بها في الحياة!! ثم تمرسها وقيامها بتلك المسئوليات على الوجه الذي يرضي الله جل وعلا؛ فإنها بذلك تؤدي الرسالة الواجبة عليها، وتكون في مأمن من أسباب النكوص والانهزام أمام جميع الفتن والمغريات.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع ومسئول عن رعيته» [متفق عليه].

فما هي المسئوليات المنوطة بالفتاة المسلمة في الحياة؟

 المسئولية العامة في الحياة

أختي المسلمة.. تدركين جيدًا أن الدنيا مضمار سباق إلى الآخرة.. وأن الله جل وعلا ما استخلفا في الأرض إلا لعبادته وطاعته.. وأن لنا لرجعة نسأل فيها عن أعمالنا صغيرها وكبيرها.. وتدركين أيضًا أن الله جل وعلا قد تعبدنا بدينه الذي أنزله على رسوله.. ففيه بيان الفرائض والواجبات.. والفضائل والمستحبات.. والمباحات والمكروهات.. والمنهيات والمحرمات. فهل هيأت نفسك للعبادة على ما أراد الله ورسوله؟!

إن تمام أداء المسئولية في الحياة.. أن تجعل المسلمة من لحظاتها وساعاتها وأيامها عبادات خالصة تبتغي بها وجه الله والدار الآخرة.. فإذا فعلت ذلك فحينئذ تكون مؤدية لمسئولياتها على اختلاف أنواعها وأشكالها.

* مسئولية العبادة:

أخية... لو استحضرت في كل أوقاتك أنك مسئولة عن كل عمل تقومين به صغيرًا كان أم كبيرًا.. وأن الواجب في حياتك كافة أن تكون لله وحده.. فلا تكون إلا على النحو الذي أراده وبينه.. لعلمت بذلك أن مسئولية العبادة لا ترفع عن كاهلك لحظة واحدة!!

فأنت مأمورة بالعبادة في ذهابك وإيابك وفي صمتك وكلامك وفي جوعك وطعامك وفي يقظتك ومنامك.. لأن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ([3]) فهي تشمل حياتك جميعها.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

فالعبادة لا تقتصر على الأنساك المشروعة كالصلاة والحج والصيام والتطوع.. وإنما هي أوسع في شمولها من ذلك.. فهي تترامي في جوانب الحياة لتشملها جميعها.. فروحها وحقيقتها تحقيق حب الله جل وعلا.. والخضوع له في كل صغيرة وكبيرة في الحياة.. فهذه هي مسئولية العبادة.. فما هي مقتضياتها؟ وما هي شروطها؟

* شرط قبول العبادة:

ولا تقبل العبادة إلا إذا توفر فيها شرطان:

1- الإخلاص لله.

2- المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

وذلك تحقيق الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله؛ ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه؛ فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره.

فمن أراد عبادة الله فلا بد له من توفر الشرطين ولسان حاله يقول: إياك أريد بما تريد.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

قال: أخلصه وأصوبه.

قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟

قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ([4]).

أختي المسلمة.. فاحفظي هذه الشروط فإنها أساس العبادة في الحياة.. وكل المسئوليات التي تناط بك في هذه الدنيا لابد أن تنضبط بالإخلاص والاتباع حتى يكون أداؤها مجديًا في الدنيا والآخرة..

فالصلاة إذا لم تكن لله جل وعلا ولم تكن على الصفة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقبل ويعتبر من أخل فيها بشروط العبادة مقصرًا في أداء مسئوليته.

وكذلك الزكاة والصيام، وبر الوالدين، والحجاب، وسائر العبادات على أشكالها، وأنواعها.

* مقتضيات العبادة:

ومقتضيات العبادة وأركانها أربعة:

الحب والتعظيم والخوف والرجاء، وهذه الأربعة كلها توجب طاعة الله جل وعلا والخضوع له في السراء والضراء.. والرضي بقدره خيره وشره.. وأداء فرائضه واجتناب نواهيه وما يقتضيه ذلك من معرفته سبحانه والفقه في دينه وتعلم شرعه وتعليمه.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].

وقال سبحانه: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9].

فإذا أقمت – أختي المسلمة – عبادتك على هذه الأركان، واستوفيت شرطيْ قبول العبادة، فقد أديت ما عليك من مسئولية العبادة، لأن الله جل وعلا هو الحق وما يأمر به حق، ولا يأمر عباده إلا بما فيه مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وهذا كله يقضي حبه وبذل الود له..

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27].

وقال سبحانه: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 1، 2].

ولقد بين الله جل وعلا أن مقتضى الحب هو الاتباع، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].

وأما التعظيم فلأن الله جل وعلا هو القاهر فوق عباده، وهو الخالق الرازق المكرم المنعم له صفات الكبرياء والعظمة، فاقتضى ذلك كله خوفه والرهبة منه والفزع منه إليه.

وأما الرجاء فلأن الله جل وعلا موصوف بصفات الجلال والجمال فهو الغفور الودود الرحمن الرحيم، الحليم الكريم، فاقتضى ذلك بذل الرجاء فيه وإحسان الظن به، والإقبال عليه بالتوبة والاستغفار والتضرع والدعاء، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل» [رواه مسلم].

أخية... ومن هذا المنطلق فإنه يجب عليك أن تبذلي الوسع في التفقه في الدين ومعرفة الحرام والحلال، والسنة والبدعة، والتوحيد والشرك، حتى تعبدي الله على علم وبصيرة، فإن الله جل وعلا لا يعبد بالجهل، وإنما طريق عبادته العلم. والعلم طريقه التعلم.

فوجب عليك إذن أن تتعلمي ما يجب عليك علمه من أمور الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وما يسبق ذلك من الطهارة بجميع أحكامها، كأحكام الحيض والنفاس، وأحكام الغسل والوضوء وكذلك الصيام وغير ذلك من الواجبات المحتمات المعرفة سواء في العقائد أو العبادات.

وتذكري أنه لا سبيل لأداء مسئولية العبادة في الحياة إلا بالعلم والعمل.

فالعلم يوجب معرفة العبادات وشروطها وأحكامها.

والعمل هو أداء تلك العبادات بإخلاص واتباع على ما أراده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وتشمل مسئولية العبادة في الحياة ما يلي:

1- الإيمان بالله جل وعلا وتوحيده والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

2- معرفة أنواع الشرك واجتنابها.

3- أداء الفرائض والواجبات.

4- اجتناب المحرمات والمنهيات.

5- الإخلاص لله جل وعلا وابتغاء وجهه في كل عمل في الحياة.

أخية.. فجاهدي نفسك على فقه هذه الأمور، واجعليها مركبك في سفر الدنيا البعيد، واستعدي ليوم ينادى فيه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24].

 المسئولية نحو الوالدين

بر الوالدين من أجلّ القربات.. وأحب العبادات إلى الله جل وعلا، فقد قرن الله سبحانه بين الأمر بتوحيده في العبادة وبر الوالدين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36].

قال الشوكاني: (وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قرينًا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكيد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى»([5]).

وأنت – أختي المسلمة – مسئولة أمام الله سبحانه على طاعة الأبوين وبرهما والإحسان إليهما، وهي مسئولية والله عظيمة، ولو لم تكن كذلك لم يقرنها الله جل وعلا بتوحيده حينًا، وباجتناب الشرك حينًا آخر.

لأمك حق لو علمت كثير

كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي

لها من جواها أنة وزفير

وفي الوضع لو تدري عليها مشقة

فمن غصص منها الفؤاد يطير

وكم غسلت عنك الأذى بيمينها

وما حجرها إلا لديك سرير

وتفديك مما تشتكيه بنفسها

ومن ثديها شرب لديك نمير

وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها

حنانًا وإشفاقًا وأنت صغير

ويظهر أداء هذه المسئولية في:

1- الطاعة في المعروف: فطاعة الوالدين واجبة ما لم تكن في معصية الله، فيجب إنفاذ أمرهما ولو اقتضى الأمر ترك المستحبات كالتطوع والتعليم وطلب العلم وغير ذلك، فقد كان حيوة بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين يقعد في حلقته يعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة فألق الشعير للدجاج فيقوم ويترك التعليم ([6]).

أختي المسلمة.. ويدخل في هذا تلبية رغبة الوالدين في قرارك في البيت أو خدمته وصيانته، فكل ذلك وغيره من أوامرهما في المعروف واجب النفاذ، ومحتم الأداء لأنه داخل في الطاعة الواجبة والتي هي مسئولية كل مسلم ومسلمة في الحياة.

وما أحوجنا في هذه الأعصار.. إلى فقه طاعة الوالدين، وتقدير مسئولية برهما والإحسان إليهما.. وما أبعدنا عن أحوال السلف في هذه الطاعة، فقد قيل لعمر بن ذر: كيف كان بر ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارًا قط إلا مشي خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحًا وأنا تحته.

2- خفض الجناح لهما: عن بعض آل سيرين قال: ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع. وعن ابن عون قال: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد! أيشتكي شيئًا؟ قالوا: لا؛ ولكن هكذا يكون عند أمه.

وهذه الاستكانة هي من مظاهر الخضوع والذل لهما، ومن آيات احترامهما وإظهار مكانتهما فإن ذلك يشعرهما بعلو منزلتهما عند الأبناء.. وشرف قدرهما ودرجتهما. قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 25].

3- الإحسان إليهما: ويشمل ذلك كل معروف يحصل به برهما، سواء بالكلمة الطيبة أو بالإنفاق أو بترك ما يكرهانه من الأعمال وإن لم يتكلما بذلك. فعن عبد الله بن عمرو  بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله إن لي مالاً وولدًا وإن أبي يحتاج مالي، فقال: «أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم»([7]).

وتذكري – أختي المسلمة – أن إنفاقك على الأبوين هو من أعظم أبواب الفضل والأجر، فإذا كان الإنفاق على الأجانب مستحبًا وسببًا للفضل الكبير فكيف بالإنفاق على الوالدين. فلا شك أن ذلك خير وأعظم عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» [رواه مسلم].

وكيف تنكر أما ثقلك احتملت

وقد تمرغت في أحشائها شهرا

وعالجت بك أوجاع النفاس وكم

سرت لما ولدت مولدها ذكرًا

وأرضعتك إلى الحولين مكملة

في حجرها تستقي من ثديها الدرا

ومنك ينجسها ما أنت راضعه

منها ولا تشتكي نتنًا ولا قذرا

وقل هو الله بالآلاف تقرؤها

خوفًا عليك وترخي دونك السترا

وعاملتك بإحسان وتربية

حتى استويت وحتى صرت كيف ترى

4- اجتناب التأفف منهما: لقوله تعالى: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23] وهذه الآية نص في تحريم التضجر من الوالدين ولو كان بصيغة التأفف للدلالة على أن ما فوق التأفف أشد تحريمًا وبغضًا عند الله.

قال مجاهد: إن بلغا عندك من الكبر فيبولان ويخريان فلا تتقززهما ولا تقل لهما أف. وأمط عنهما الخراء والبول كما كانا يميطان عنك صغيرًا ولا يتأففان ([8]).

أخية.. فتأملي في هذه المسئولية العظيمة.. وتناوليها بالمعروف والإحسان.. وإياك أن يعلو صوتك صوت أبويك فيوشك أن يلحقك الهلاك. وبالله التوفيق.

 المسئولية نحو الأقربين

1- فضل صلة الأرحام: وصلة الأرحام من أهم الواجبات في حياة المرأة المسلمة، فلقد وردت نصوص عدة توجب تفقد الأقربين، والإحسان إليهم والرحمة بهم والشفقة عليهم، وتزجر في الوقت نفسه عن قطع الأرحام بل قرن الله جل وعلا قطعها بالفساد في الأرض، لما يترتب على ذلك من المفاسد الاجتماعية ونشوب العداوة والتفرقة في الأسرة الواحدة.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضيت أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك» ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22، 23]» [متفق عليه].

فاحذري – أختي المسلمة – أن تقعي في هذا المحظور.. فإن صلة الرحم بركة في الرزق ومنسأة في العمر.. فضلاً عن أنها مسئولية واجبة التنفيذ. قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه».

ولو لم تكن صلة ألأرحام من أجلّ العبادات وأحبها إلى الله، لما جعلها مقرونة بالإيمان مقتضية لكماله وقوته، قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» [متفق عليه].

وصلة الأرحام هي من أجلّ الروابط التي تجمع شتات المجتمع، وتنسج فيه ندى العاطفة الإنسانية والمودة والرحمة، ولو أن كل أسرة بنيت أركانها على هذا الأساس لاجتثت أمراض كثيرة من المجتمعات، لأن الأسرة هي نواة المجتمع فإذا صلحت عم الصلاح جميع أركانه وزواياه. وهذا هو السر في حث الإسلام على الحرص على الرحمة بالأقربين بالزيارة والإنفاق والكلمة الطيبة وبذل المحبة والإحسان، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على صلة القاطعين للأرحام، وزجر عن معاملتهم بالمثل.

قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» [رواه البخاري]. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي.. فقال صلى الله عليه وسلم: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ([9]) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك».

فسارعي – أختي المسلمة – إلى هذه المسئولية، فإن لذوي قرابتك عليك حق الصلة والإحسان، فكوني بهم رحيمة، فإن الرحمة بالأقربين خصوصًا وبالمسلمين عمومًا من صفات أهل الجنة. أما الأقارب الواجب صلتهم، فهم: قرابة الرجل من جهة طرفي آبائه، وإن علوا، وأبنائه وإن نزلوا وما يتصل بالطرفين من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وما يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة.

2- الإحسان إلى الأقارب: ومن أجلّ صور الإحسان والمعروف في الأقارب بذل الإنفاق عليهم، فهم أولى به من غيرهم من الأباعد، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن  أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح!» وقد سمعت ما قلت: وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» [متفق عليه].

فتأملي رعاك الله في هذا التوجيه النبوي العظيم، فإن دلالاته الاجتماعية وآثاره البعيدة في المجتمع طيبة لأنها تبني تماسك لبنات الأسرة ليتماسك بيت المجتمع كله بتماسك لبناته الأسرية.

 المسئولية بعد الزواج

أختي المسلمة... لقد شرع الله جل وعلا النكاح وجعله سببًا للسكينة والمودة وحفظ النسل، وألزم سبحانه وتعالى الزوجين بواجبات إزاء بعضهما لكي تستقيم الحياة، وتسود السعادة في الأسر والمجتمعات. فجاءت المسئوليات الزوجية على ثلاثة أقسام:

1- مسئولية الزوج على زوجته.

2- مسئولية الزوجة على زوجها.

3- مسئوليات مشتركة بين الزوجين.

وفيما يلي نفصل المسئوليات التي تتحملها المرأة المسلمة تجاه زوجها ([10]):

1- مسئوليات الطاعة: فطاعة الزوج من أعظم المسئوليات المنوطة بالمرأة المسلمة في الحياة، فلقد ورد في فضله نصوص كثيرة في الكتاب والسنة كما ورد الزجر الأكيد الشديد عن تركها والتهاون فيها، وذلك لأن الله جل وعلا بحكمته وعلمه جعل الرجال قوامين على النساء، وجعل في هذه القوامة صلاح الأسرة واستقامتها، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34].

ومعنى قانتات: أي مطيعات لأزواجهن. ولا شك أن الرجل أقوى من المرأة عقلاً وبدنًا، ولما عليه من مسئولية الإنفاق، فكانت طاعته من مقتضيات قوامته، درءًا للجدال، والمنازعة في الآراء، على أن طاعة المرأة لزوجها لابد أن تكون في المعروف ومنضبطة بالضوابط الشرعية.

ومما يدل على فضل طاعة المرأة لزوجها، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت»([11]).

وفي هذا الحديث دلالة على أن الزوج أولى بالمعروف والطاعة والمحبة والبر والإحسان من غيره، ولو كان من الأقربين. وروى حصين بن محصن قال: حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الحاجة، فقال: «أي هذه! أذات بعل؟» قلت: نعم. قال: «كيف أنت له؟» قالت: ما آلوه – أي لا أقصر في طاعته – إلا ما عجزت عنه. قال: «فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك أو نارك»([12]).

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل خيرية الرجال منوطة بالإحسان إلى زوجاتهم، فقال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» فإنه صلى الله عليه وسلم قد جعل خيرية النساء أيضًا في طاعتهن لأزواجهن وقيامهن بحقوقهم على أحسن وجه. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره»([13]).

أختي المسلمة... واعلمي – حفظك الله – أن لطاعة الزوج حدودًا لا ينبغي مجاوزتها، فلا طاعة لمخلوق في معصية خالقه سواء كان زوجًا أو غيره.

قال الحافظ ابن حجر: ولو دعا الزوج إلى معصية فعليها أن تمتنع، فإن أدبها على ذلك كان الإثم عليه ([14]).

وأما ما سوى ذلك فإن طاعة الزوج واجبة مطلقًا، ولو حصل تعارض أمره مع أمر الوالدين.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام نفيس في هذا المعنى يقول رحمه الله: فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير ([15]) فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة.

وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها، فإن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها: مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدًا من أبويها في طلاقها إذا كان متقيًا لله فيها. ففي السنن الأربعة، وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» وفي حديث آخر: «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات». وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهياها عن تبذير مالها وإضاعته.. فعليها أن تطيعهما في ذلك..

وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه: لم يكن لها أن تطيعه في ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([16]).

أخية... الزمي مسلك طاعة الزوج فإنه أساس الطمأنينة في الأسرة، وجوهر السعادة والسكينة.. فإن الله جل وعلا ما أمر بذلك إلا لحكمة أرادها في خلقه ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14] وما نراه اليوم من غلظة بعض النساء على أزواجهن وغطرستهن في بيوتهن، ونكوصهن عن طاعة الزوج استعلاء وتكبرًا واعتزازًا بالجاه أو المال أو استغلال لضعف شخصية الزوج أو حكمته في الصبر على أذى أهله مراعاة للمصالح والمفاسد – هو والله – علامة البعد عن الله.. ونذير للهلاك والعقاب.. والنكال والعذاب.

ولقد صدق الشاعر الجاهلي حين خاطب زوجته العاصية بقوله:

إذا ما جئت ما أنهاك عنه

ولم أنكر عليك فطلقيني

فأنت البعل يومئذ فقومي

بسوطك لا أبالك فاضربيني

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرًا: رجل أم قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان»([17]).

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلم المرأة حق الزوج، لم تقعد ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ منه»([18]).

2- الاستئذان:

والاستئذان الواجب على المرأة يشمل صومها، وإذنها لمن يدخل بيت بعلها، وإذا أرادت الخروج لحاجة تريدها.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» [رواه البخاري].

قال النووي: وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإنما لم يجز لها الصوم بغير إذنه، وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد»([19]).

وليس للمرأة المسلمة في أن تأذن لأحد كائنا من كان ولو من أقاربها – دخول بيت زوجها إلا بإذنه. فتنبهي أختي المسلمة – لهذه المسألة فإن النفس يعز عليها طاعة الله في مثل هذه الأمور والمؤمنة هي من تطيع الله ورسوله في السراء والضراء. فعن تميم بن سلمة، قال: أقبل عمرو بن العاص إلى بيت علي بن أبي طالب في حاجة، فلم يجد عليًا، فرجع ثم عاد فلم يجده، مرتين، أو ثلاثًا فجاء علي فقال له: أما استطعت إذا كانت حاجتك إليها أن تدخل؟ قال: نهينا أن ندخل عليهن إلا بإذن أزواجهن ([20]).

ومن حقوق الزوج على زوجته أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، وأن تحفظه في نفسه وماله، وأن تقوم بخدمة بيته وعياله. فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: «لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها». قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: «ذاك أفضل أموالنا»([21]).

فهذه إشارة إلى جملة من الحقوق نسأل الله أن يوفق نساء المؤمنين لأدائها على وجهها.

 المسئولية التربوية

أختي المسلمة.. تذكري أنك مسئولة في بيتك عن تربية الأولاد وتوجيههم، ورعايتهم، وتعاهدهم بالنصيحة والموعظة والتعليم ما أمكنك ذلك.

فإن الأم هي مدرسة البيت وقدوة الأبناء، وأسوتهم في الآداب والأخلاق والمعاملات والعبادات، ولئن كانت مسئولية التربية مشتركة بين الزوجين إلا أن ملازمة الأبناء للأم تكون أكثر من ملازمتهم للأب في الغالب، مع ما للأم من تأثير نفسي على أبنائها.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» [متفق عليه].

ومما ينبغي تعليمه للأبناء حال الصغر، الصلاة، فإن تمرينهم عليها في الصغر يسهل قيامهم بها عند الرشد ولذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» [رواه أبو داود بإسناد حسن].

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة في تربية الأبناء وتوجيههم. فعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا غلام سم الله تعالى، وكل بيمينك وكل مما يليك، فما زالت تلك طعمتي بعد» [متفق عليه].

أختاه.. إن للتربية الواعية دورًا كبيرًا في صناعة الرجال، وتكوين خيرة الأبطال، والدفع بالأمة نحو السؤدد والمجد، فالتاريخ حافل بالمشاهد والوقائع العظيمة، التي تدل على أن الأم بتربيتها وسهرها الدؤوب على توجيه أبنائها قادرة على تغيير مجرى التاريخ، ولو كانت نساء المؤمنين يقمن بدورهم التربوي ومسئوليتهن اتجاه أبنائهن لتغيرت أحوال المجتمعات إلى أحسن الأحوال بإذن الله.

فالزبير بن العوام: فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بلغ من بسالته وبطولته، أن عدل به الفاروق رضي الله عنه، ألفا من الرجال، حين أمده به جيش المسلمين في مصر، وكتب إلى قائدهم عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول:

أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمر، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد.

وقد صدقت فراسة الفاروق رضي الله عنه، وسجل التاريخ في صفحاته أن الزبير لا يعدل ألفًا فحسب، بل يعدل أمة بأسرها، فقد تسلل إلى الحصن الذي كان يعترض طريق المسلمين، وصعد فوق أسواره، وألقى بنفسه بين جنود العدو، وهو يصيح صيحة الإيمان: «الله أكبر» ثم اندفع إلى باب الحصن، ففتحه على مصراعيه، واندفع المسلمون، فاقتحموا الحصن، وقضوا على العدو، قبل أن يفيق من ذهوله.

هذا البطل العظيم إنما قامت بأمره أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة أسد الله، فقد شب في كنفها ونشأ على طبعها، وتخلق بسجاياها ([22]).

فلو كان النساء كما ذكرنا

لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب

ولا التذكير فخر للهلال

فأولئك هن الأمهات اللواتي انبلج عنهن فجر الإسلام، وسمت بهن عظمته وصدعت بقوتهن قوته، وعنهن ذاعت مكارمه، ورسخت قوائمه، وهكذا كانت الأم في عصور الإسلام الزاهية وأيامه الخالية:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبًا طيب الأعراق

الأم روض إن تعهده الحيا

بالري أورق أيما إيراق

الأم أستاذ الأساتذة الألى

شغلت مآثرهم مدى الأفاق ([23])

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



([1]) همسات في أذن فتاة لعبد الغني فتح الله، ص22.

([2]) همسات في أذن فتاة لعبد الغني فتح الله، ص22.

([3]) العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص38.

([4]) انظر كتاب العبودية ص170 و ص76.

([5]) فتح القدير للشوكاني 3/218.

([6]) البر والصلة لابن الجوزي ص79.

([7]) رواه أبو داود وصححه أحمد شاكر رحمه الله.

([8]) الدر المنثور للسيوطي 5/215.

([9]) المل: الرماد الحار.

([10]) انظري كتاب من مخالفات النساء في البيوت، للكاتب.

([11]) رواه ابن حبان وأحمد وحسنه الألباني في آداب الزفاف، ص286.

([12]) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

([13]) رواه النسائي وحسنه الألباني في الصحيحة رقم 1838.

([14]) فتح الباري 9/304.

([15]) والشبه هنا شبه صفة لا شبه موصوف، فالزوجة تطيع زوجها في المعروف كما يطيع الرقيق سيده مع ما بين علاقة الزوجة بزوجها، والرقيق وسيده من اختلاف كبير فتنبه!

([16]) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 32/263-264.

([17]) رواه ابن حبان وقال البوصيري في الزوائد هذا إسناد جيد.

([18]) رواه الطبراني في «الكبير» وصححه الألباني في صحيح الجامع 5/61.

([19]) نقله عنه الحافظ في فتح الباري 9/296.

([20]) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وقال عنه الألباني: إسناده صحيح.

([21]) رواه الترمذي وحسنه، وحسنه أيضًا الألباني في صحيح الترغيب رقم (953).

([22]) المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها لعبد الله عفيفي 3/133.

([23]) عودة الحجاب لمحمد أحمد إسماعيل المقدم 2/212.